سورة الأنبياء / الآية رقم 47 / تفسير التفسير القرآني للقرآن / أحمد بن علي العجمي / القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
القرآن الكريم
طريقة عرض الآيات
صور
نصوص

قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ وَلاَ يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْراً لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ

الأنبياءالأنبياءالأنبياءالأنبياءالأنبياءالأنبياءالأنبياءالأنبياءالأنبياءالأنبياءالأنبياءالأنبياءالأنبياءالأنبياءالأنبياء




تلاوة آية تلاوة سورة الشرح الصوتي

التفسير


{وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (36) خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (37) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (38) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (39) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (40) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (41) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (42) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (43) بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (44) قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (45) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (46) وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (47)}.
التفسير:
قوله تعالى: {وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً، أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ}.
مما كان يلقى به المشركون النبيّ- صلوات اللّه وسلامه عليه- الاستهزاء به، والسخرية منه، ورميه بقوارص الكلم، وفحش القول.. فذلك هو سلاح من أسلحة الجاهلين، الذين لا يحسنون غير السفاهة والفحش، حين تقهرهم الحجة، ويخرسهم البرهان.
وفى قوله تعالى: {وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً..}.
{إن} هنا بمعنى {ما} النافية، أي ما يتخذونك إلا هزوا.. وهذا تهديد لهؤلاء الكافرين، وفضح لما يدور في رءوسهم، وتتلمظ به شفاههم، وتتغامز به عيونهم.. إنهم إذا رأوا النبىّ تحركت هذه الكلاب التي تنبح في صدورهم، فأرسلوها نظرات حانقة، وأطلقوها كلمات محمومة مجنونة، ترمى النبىّ من بعيد ومن قريب.. فليست هناك كلمة طيبة تخرج من أفواههم، أو نظرة وادعة تطرف بها عيونهم.
وقوله تعالى: {أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ}.
هو بعض ما يجرى على ألسنتهم من سفاهة.. والاستفهام هنا للاستهزاء والاستنكار، واستصغار قدر النبىّ الذي يتطاول إلى هذه الآلهة، فيذكرها بما يذكر من سوء عابديها!- وقوله تعالى: {وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ} جملة حالية.. أي أنهم يقولون هذا القول في النبىّ وينكرون عليه أن يذكر آلهتهم وأن يجترىء على مقامهم، في حال هم فيها قائمون على جرم غليظ، إذ كفروا بالرحمن، الذي وسعتهم رحمته، فلم يجعل لهم العذاب، وأفاض عليهم من فضله وإحسانه، فلم يقطع أمداده عنهم.. فما لهم يغارون على آلهتهم الصماء الخرساء، ولا يغارون على مقام اللّه {الرحمن} وقد أجلوه من قلوبهم، وأخلوا مشاعرهم من كل توقير له؟
قوله تعالى: {خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ}.
الإنسان هنا، هو مطلق الإنسان.. فكل إنسان مفطور على حبّ العاجل يتعجّل كل شىء.. الخير والشرّ.. كما يقول اللّه تعالى: {وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا} [11: الإسراء].
ولهذا كان مما دعت إليه الشرائع السماوية {الصبر} الذي هو الدواء الذي يخفّف من هذا الداء.
وفى هذا يقول سبحانه: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} [45: البقرة] ويقول: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ} (سورة العصر).
فالصبر هو زاد المؤمنين، وهو عدّتهم في مواجهة الحياة.
أما من تحففوا من هذا الزاد، فإنهم أبدا في همّ وقلق، تمرّ الأيام بهم بطيئة ثقيلة.. يريدون أن يجتمع لهم في يومهم كلّ ما يمكن أن تطوله أيديهم، وتمتد إليه آمالهم.. إنهم يريدون حياتهم يوما واحدا أو ليلة واحدة، كليلة جنود الحرب، يقضونها ليلة صاخبة لاهية، يفرغون فيها كلّ ما في جيوبهم، ويلقون في وقودها كل ما معهم من مال ومتاع.. أما الغد فلا نظر إليه، ولا حساب له.
والمشركون يستعجلون كل شىء.. حتى الهلاك، والبلاء الذي أنذروا به، ويقولون في إلحاح ولجاج: متى هو؟
وفى قوله تعالى: {سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ} هو الجواب على ما يستعجل به المشركون من عذاب اللّه، ومن الخزي الذي سيحل بهم يوم يجىء نصر اللّه والفتح.. وهو تهديد للمشركين، بما سيلقون على يد المؤمنين من هوان وذلة، يوم يرون آيات اللّه، ويوم تهزم الفئة القليلة الفئة الكثيرة! قوله تعالى: {لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ}.
جواب الشرط هنا محذوف، وتقديره: لو يعلم الذين كفروا ما ينتظرهم من بلاء وعذاب يوم يأتيهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم، لما استعجلوا ما أنذروا به من عذاب اللّه.
وفى قوله تعالى: {وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ} إشارة إلى أنهم لن ينصروا في هذه الدنيا، بل ستحلّ الهزيمة بهم، وأنهم لن يجدوا في الآخرة من ينصرهم من بأس اللّه إذا جاءهم.
قوله تعالى: {بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ}.
الضمير في {تَأْتِيهِمْ} يراد به السّاعة التي يكذبون بها، ويستعجلونها.
فالساعة لا تأتيهم حسب تقديرهم، وحسب موعد معلوم لهم.. بل ستأتيهم بغتة، أي مباغتة، ومفاجأة {فَتَبْهَتُهُمْ} أي تخزيهم، وتفضح معتقدهم فيها.
{فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها} أي دفعها ومنعها.. إنها بلاء واقع بهم، ليس لها دافع.. {وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ} أي لا ينتظر بهم في الدنيا، حتى يصححوا معتقدهم، ويهيئوا أنفسهم للقاء هذا اليوم.
قوله تعالى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ}.
هو عزاء للنبىّ، وتسرية لما يلقى من قومه من أذى، وما يواجه به من استهزاء وسخرية.. فهو ليس وحده من بين رسل اللّه، الذي وقف منه قومه هذا الموقف اللئيم، بل إن كثيرا من رسل اللّه قد أعنتهم أقوامهم، وأغروا بهم السفهاء منهم.
وقوله تعالى: {فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ} هو تهديد لهؤلاء المشركين، وأنه سيحيق بهم ما حاق بالمستهزئين من قبلهم برسل اللّه، وسيلقون حساب هذه السخرية عذابا ونكالا.
قوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ}.
الكلأ، والكلاءة: الحفظ والرعاية، والحراسة.. يقال: كلأه اللّه:
أي حرسه وحفظه.. ومنه الكلأ، وهو العشب الذي ترعاه الماشية، والذي عليه قوام حياتها.
والمعنى: من يكلؤكم أيها المكذبون الضالون المشركون، ويحفظكم من اللّه إن أراد بكم سوءا، أو أخذكم بعذاب من عذابه بالليل أو بالنهار؟ أهناك من آلهتكم ومعبوداتكم من يدفع عنكم بأس اللّه إن جاءكم؟ انظروا إلى هذه الآلهة وماذا يمكن أن يكون لها من حول وطول أمام حول اللّه وطوله؟ إنه لا شيء إلا العجز والاستخزاء.
وفى الآية الكريمة إشارتان:
الأولى في قوله تعالى: {يَكْلَؤُكُمْ} وقد جاءت بمعنى يمنعكم، ويحرسكم.
وفى التعبير عن هذا بالكلاءة إشارة إلى أن الإنسان- مهما ملك من جاه وقوة وسلطان- هو كائن عاجز ضعيف، محتاج إلى قوة عليا، ترعاه، وتمدّه بأسباب الحياة والبقاء.
والإشارة الثانية في قوله تعالى: {مِنَ الرَّحْمنِ} وقد جاءت هذه الصفة الكريمة من صفات اللّه سبحانه وتعالى، لتشير إلى واسع رحمته، وعظيم فضله، وأنّ هؤلاء المشركين الضالين، قد بالغوا في غيّهم، وضلالهم، ومحادّتهم للّه ورسوله، حتى إن رحمة اللّه- مع سعتها- تكاد تطردهم من رحاب فضلها وجودها.
وفى قوله تعالى: {بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ} إشارة إلى أن هؤلاء المشركين، قد شغلوا بما هم فيه من لهو ومتاع، وأنهم لهذا لا يذكرون اللّه، وأنه إذا جاءهم من يذكّرهم باللّه، ويعرض عليهم آياته وكلماته، أعرضوا، وسفهوا.. وذلك غاية في الضلال والخسران.. إذ أنه قد يغفل الإنسان عن الخطر الذي يتهدده، وينسى أو يتناسى المكروه الذي يترصده، فإذا هلك في هذا الوجه، كان له بعض العذر عند نفسه أو عند الناس، أما من ينبّه إلى الخطر فلا ينتبه، ويحذّر من البلاء فلا يرعوى، فإنه إذا لقى مصيره المشئوم، لم يجد من يعذره، أو يرثى له.
قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا؟ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ}.
هو مطالبة لهؤلاء المشركين الذين لجّوا في ضلالهم وطغيانهم، أن يأتوا بمن يمنعهم من دون اللّه، ويدفع عنهم يأسه إن جاءهم.. فليسأل المشركون أنفسهم هذا السؤال: ألهم آلهة تمنعهم من دون اللّه؟ فإن هم عموا عن حقيقة آلهتهم، وقالو: نعم، إن لنا آلهة نعبدها، ونرجو نصرها وعونها- إن هم قالوا هذا الضلال، وجدوا في قوله تعالى: {لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ} ما يردّ عليهم هذا السّفه، ويبطل هذا الباطل.. فإن هذه الآلهة لا تستطيع الدفاع عن نفسها، ولا ردّ السوء إذا وقع بها، فكيف تنصر غيرها، وتدفع السوء عنه؟.
وفى قوله تعالى: {وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ} إشارة إلى أن هؤلاء المشركين، لا يجدون من آلهتهم نصرا، كما أنهم لا يجدون من اللّه عونا، ولا نصرا.
إذ لا عمل يشفع لهم عند اللّه، ويردّ عنهم بأسه، فلا يصحبون من اللّه بعون أو نصر.
قوله تعالى: {بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ}.
أي أن هؤلاء المشركين قد مدّ اللّه لهم، في ضلالهم، ولم يعجّل لهم العذاب بل متعهم، كما متّع آباءهم المشركين من قبلهم، حتى استوفوا آجالهم.
وقد حسبوا- لضلالهم- أن اللّه غافل عما يعمل الظالمون، وأنهم بمنجاة من بأس اللّه، لما في أيديهم من مال ومتاع.. وذلك ظنهم بربّهم هو الذي أرداهم.
لقد جهلوا قدر اللّه، ولم يرجوا له وقارا، ولم يخشوا له بأسا.. ولو نظروا فيما بين أيديهم وما خلفهم لرأوا كيف تأتى غير اللّه، وكيف يقع بأسه بالظالمين فكم أهلك اللّه قبلهم من قرون؟ وكم أذلّ من جبابرة؟ وكم بدّل من أحوال وأوضاع؟ فهل بقي حال على حاله، أو ظل ذو سلطان في سلطانه؟ أم أنهم هم القوة التي لا تغلب ولا تنزل بها الأحداث والغير؟ {أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها؟ أَفَهُمُ الْغالِبُونَ؟} والاستفهام الأول للأمر، والثاني للتهديد.
والمراد بالاستفهام الأمرى: إلفات المشركين إلى ما يقع من غير اللّه في الناس، وأنه سبحانه القوى القهار، يذلّ الجبابرة، ويرغم أنوف المتكبرين، فإذا هم في لباس الذلة بعد العزة، وفى دار الهوان بعد الكرامة، وفى ضنك العيش بعد النعمة والرفاهية. هذه سنة اللّه في هذه الدنيا، فلا شيء فيها يبقى على حال، بل كل شيء إلى زوال: {أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها}.
؟ فالنقص لأطراف الأرض هو النقص في النعم، من مال، ومتاع، وبنين، ومن قوة وصحة، ومن جاه وسلطان، يقابل ذلك زيادة في هذه النعم، وذلك بما يقع من تبدل في أحوال الناس.. حيث تنتقل هذه النعم من يد إلى يد، ومن جماعة إلى جماعة، ومن أمة إلى أمة، كما يقول سبحانه وتعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ}.
فيلبس الفقير ثوب الغنى، كما يلبس الغنىّ ثوب الفقر، وهكذا الحال في كل نعمة.. فالدنيا: حياة وموت، وغنى وفقر، وصحة ومرض.. إلى غير ذلك مما يتقلب فيه الناس من شئون.
وهذا هو السرّ في التعبير القرآنى: {مِنْ أَطْرافِها} حيث أشار ذلك إلى أطراف من الأرض، أي جوانب منها. وهى الجوانب التي تمثل سلب النّعم، أما الجوانب الأخرى التي تساق إليها النعم، فهى مسكوت عنها في هذا المقام، الذي هو مقام تهديد ووعيد لهؤلاء المشركين، الذين طال عليهم العهد وهم في تلك النّعم التي أنستهم ذكر اللّه، والتي هى على وشك أن ترحل عنهم، وتفلت من أيديهم.. فإنهم لا يستطيعون دفع بلاء اللّه إذا نزل بهم: {أَفَهُمُ الْغالِبُونَ؟}.
وقد ذهب أكثر المفسّرين إلى أن هذه الآية مدنية في السورة المكية، وأقاموا معناها على أن نقصان الأرض من أطرافها، هو إشارة إلى ما يغلب عليه المسلمون من أرض المشركين والكافرين.. وأن المسلمين ينقصون الأرض التي في أيدى الكافرين بالفتوحات الإسلامية، وبضمها إلى أيديهم.
وهذا المعنى بعيد في نظرنا.. وذلك من وجوه:
أولا: أن فتح المسلمين للأرض، وضمها إلى حوزة الإسلام ليس نقصا للأرض، بل هو زيادة فيها، ونماء لها.. إذ كان ذلك الفتح مما يبارك على الأرض خيرها، وبضاعف ثمرها، بما ينشر فيها من عدل، وأمن، وسلام.
وثانيا: أن اللّه سبحانه وتعالى أضاف هذا النقص للأرض من أطرافها- أضافه إليه، سبحانه.
وثالثا: أن المقام مقام تهديد للمشركين، بهلاكهم، وتبديل أحوالهم.
إن لم يكن ذلك ببلاء عاجل يأخذهم اللّه به، كان ذلك بحكم الزّمن وبسنن اللّه الكونية التي أجراها على الناس.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ} [4: ق].
ورابعا: السورة كلها مكية، ولا معنى لأن يقال إن هذه الآية وحدها هى الآية المدنية فيها، حيث أن سياق النظم يجعلها قطعة من هذه السورة، مرتبطة ارتباطا وثيقا بما بعدها وما قبلها.
قوله تعالى: {قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ}.
هو تنبيه لهؤلاء المشركين الغافلين، الذين إذا ذكروا بآيات ربّهم أعرضوا عنها، ولم يلتفتوا إلى ما يدعون إليه من هدى وخير.. وقد أمر اللّه سبحانه وتعالى النبىّ الكريم أن ينخسهم بهذا الأسلوب الزاجر، وأن يقرعهم بتلك المقرعة الموجعة، حتى تتأثر لذلك قلوبهم القاسية، وتستشعر به مشاعرهم المتبلّده، وطباعهم الجافية الغليظة.
فهم يعرفون أن ما ينذرهم به النبىّ، هو وحي يوحى إليه من ربّه.. إذ هكذا يقول لهم، وهم لهذا يكذبونه، ويستكثرون عليه أن يكون على صلة بالسماء.
وفى قوله تعالى: {أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ} مع أن الأمر قائم بينهم وبين النبىّ على أن ما ينذرهم به هو الوحى- في هذا التصريح بأن ما ينذرهم به هو الوحى تشنيع عليهم، وعلى الغفلة المطبقة عليهم، وعلى الظلام الكثيف المخيم على عقولهم وقلوبهم. فهذا الذي ينذرهم به النبىّ، هو من الإشراق والوضوح بحيث لا يخفى على ذى عقل ونظر أنه وحي من عند اللّه، ولكن أنّى للعمي أن يبصروا، وللصمّ أن يسمعوا، وللحمقى أن يعقلوا ويعوا؟ فكان لا بد أن ينخسوا هذه النخسة، وأن يقرعوا بتلك المقرعة، وأن يقال لهم عن هذا النور، إنه نور، وعن هذه الشمس، إنها الشمس!! قوله تعالى: {وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ}.
فهؤلاء المشركون، الذين غرّهم باللّه الغرور، فأمنوا مكره، واستخفوا ببأسه- هم على حال من الضعف والاستخزاء يكادون يكحونون بها مثلا فريدا في الناس.. فهم إذا مسّتهم نفحة من عذاب اللّه جزعوا، وانحلّت قواهم، وأكثروا من الصياح والعويل، ونسوا ما كانوا عليه من تشامخ وتعال.. ولم يجدوا شيئا من العزاء والصبر، على نحو ما يجد المؤمنون حين يبتلون من اللّه بشىء من الضر.
والمسّ: دون اللّمس.. والنفحة من العذاب: أهون شيء فيه وأقله، وهو بالنسبة للعذاب أشبه بالرحمة، ولهذا عبّر عنه بالنفحة، التي يغلب استعمالها في الخير.
فهذا العذاب الذي يمسهم اللّه به، هو أقل العذاب، وهو يعتبر نعمة ورحمة بالنسبة إلى العذاب! فكيف إذا وقع بهم العذاب نفسه، لا نفحة منه؟
قوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ}.
القسط، والقسطاس: العدل.
ووضع الموازين: إقامتها، ونصبها لتوزن أعمال الناس فيها.. وحبة الخردل: حبة ضئيلة لا تكاد تمسك بها الأصابع.. والآية الكريمة. نذير لأولئك المشركين، الذين أشركوا باللّه، وأعرضوا عن ذكر الرحمن، وظنوا أنهم في حمى من بأس اللّه، بجاههم ومتاعهم.. وهب أنهم قطعوا العمر في لهو ولعب، ونعموا بما في أيديهم من مال وبنين، فإنهم لا بدّ ميتون، ثم إنهم لمبعوثون، ومحاسبون على ما عملوا من سوء.. فهناك حساب وجزاء، حيث تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، وما عملت من سوء تودّ لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا.
وفى جمع الموازين، إشارة إلى أن لكل إنسان ميزانا توزن به أعماله، فلا ينتظر غيره حتى يفرغ من حسابه ووزن أعماله.. بل إن الإنسان الواحد، له موازين كثيرة، بعضها لسيئاته، وبعضها لحسناته.. ولكل عمل من أعماله السيئة أو الحسنة ميزان، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ} [6- 9 القارعة].
وفى قوله تعالى: {وَكَفى بِنا حاسِبِينَ} إشارة إلى عدل اللّه سبحانه وتعالى وإلى ضبطه لأعمال الناس، ومحاسبتهم عليها، دون أن يفلت أحد من هذا الحساب، أو يقع في حسابه خطأ، ولو كان مثقال حبة من خردل.. فسبحان من وسع كل شيء علما.




البحث


كلمات متتالية كلمات متفرقة




موضوعات القرآن
  • الإيمان
  • العلم
  • العبادات
  • أحكام الأسرة
  • المعاملات
  • الحدود والجنايات
  • الجهاد
  • الأطعمة والأشربة
  • أحكام الجنائز
  • الأخلاق
  • تكريم الله للإنسان
  • القصص والتاريخ
  • الأمثال