سورة الشعراء / الآية رقم 202 / تفسير التفسير القرآني للقرآن / أحمد بن علي العجمي / القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
القرآن الكريم
طريقة عرض الآيات
صور
نصوص

وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ وَمَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الكَاذِبِينَ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ السَّمَاءِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ المُجْرِمِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا العَذَابَ الأَلِيمَ فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ

الشعراءالشعراءالشعراءالشعراءالشعراءالشعراءالشعراءالشعراءالشعراءالشعراءالشعراءالشعراءالشعراءالشعراءالشعراء




تلاوة آية تلاوة سورة الشرح الصوتي

التفسير


{وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (197) وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (201) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (202) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (203) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (204) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (206) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ (207) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ (209)}.
التفسير:
قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ}.
الضمير في {إنه} يعود إلى هذا القصص الذي قصه اللّه سبحانه وتعالى على نبيه الكريم، في هذه الآيات، كما يقول سبحانه وتعالى: {إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} [62: آل عمران].
وكما يقول جل شأنه: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ} [13: الكهف] وكما يقول سبحانه وتعالى {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} [3: يوسف].
فالتعقيب على هذا القصص الذي اشتمل على أخبار سبعة أنبياء، مع أقوامهم، ومن أرسلوا إليهم، وهم حسب ترتيب ذكرهم: موسى، وإبراهيم، ونوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب- التعقيب على هذا القصص بهذه الآيات، وهو رد على ما يدور في خواطر المشركين، وما يتهامسون به حينا، ويجهرون به حينا، من أن هذا القصص، إنما هو من أساطير الأولين، ومن وإرادات هذا المورد الذي ينبع من الأوهام والخيالات.
وقوله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ}.
هو بيان لمتنزل هذا القصص، والمصدر الذي جاءت منه أخباره.
وأن متنزل هذا القصص، هو السماء، وأن مصدره، هو اللّه رب العالمين، وأن حامله إلى الرسول، هو الروح الأمين، وهو جبريل عليه السلام.
الذي هو أمين على أداء ما اؤتمن على أدائه، من كلمات اللّه، إلى رسول اللّه.
وفي قوله تعالى: {عَلى قَلْبِكَ} إشارة تمكن وصول كلمات اللّه إلى الرسول، وأنها لم تلق على سمعه وحسب، بل إنها نفذت إلى أعماقه، وخالطت مشاعره، واستقرت في قلبه.
كلمات اللّه.. وكيف تلقاها النبي؟
كان أكبر همّ الذين صوبوا سهامهم إلى سيرة النبي، وإلى الرسالة الكريمة التي تلقاها من ربه، وقام بتبليغها للعالمين- كان أكبر همهم، أن يقطعوا صلة النبي بالسماء، وأن ينفوا عن القرآن أنه كلام اللّه، وأنه كتاب سماوى لشريعة الإسلام.. ثم لا حرج عندهم بعد هذا أن يسلّموا لمحمد بكل شىء.
فليكن مشرّعا عظيما، وليكن مصلحا عبقريا.. ليكن كما يشاء ويشاء له أتباعه، إلا أن يكون نبيا ورسولا، وإلا أن يكون صاحب رسالة سماوية، منزلة من رب العالمين.. فذلك ما يكثر شغبهم عليه، وتشرع سهامهم له، ولو كان في ذلك مصرعهم! وغاية هذا المكر الخبيث، هو أن ينفوا عن شريعة الإسلام صفة القداسة، وأن ينزلوها منزلة الشرائع والمذاهب الوضعية، ليكون ذلك داعية إلى الجرأة على العبث بها، وجعلها في معرض التجريح والتعديل، والتبديل، حسب مقتضيات الأهواء والنوازع.
ومن عجب أن يعوّل الطاعنون في نبوة النبي من المستشرقين، والملحدين- من عجب أن يقولوا في دراستهم لأحوال النبي مع الوحى، على الأحاديث والأخبار التي رواها الثقات من المسلمين، عن رسول اللّه،- صلوات اللّه وسلامه عليه- أو شاهدوها من أحواله عند الوحى، ثم يجعلوا هذه الأخبار، والأحاديث دليلا على نفى الوحى، الذي كانت تلك الحالات أعراضا له، وشواهد عليه.
وقد يكون من المستساغ أن يحلى هؤلاء الطاعنون أيديهم من الأحاديث والأخبار، التي تحدّث عن الوحى، وعن الأحوال التي كانت تعرض للنبى منه، ثم لينسجوا من مقولاتهم ومفترياتهم ما يشاءون، للطعن في حقيقة الوحى، وفي صحة ما يوحى إلى النبي.. فذلك على ما فيه من تلفيق وتزييف، أقرب إلى المنطق، من معالجة الحقائق الثابتة، وتحويلها إلى مخلوقات من الباطل الصريح.
إن خلق الشيء ابتداء أيسر من إقامته من أنقاض شيء آخر.
إنه بناء من أول الأمر، ولو كان هذا البناء على شفا جرف هار.. أما الخلق من شيء آخر.. فهو هدم وبناء.. يهدم الشيء ثم يبنيه من أنقاض ما هدم.. إنه أشبه بالثوب الجديد، يمزق قطعا ثم يعاد جمعه من تلك الأمزاق.. ولثوب بال مهلهل، خير من هذا الثوب المرقع.. كذلك فعل الملحدون الطاعنون في رسالة الرسول، وفيما تلقاه وحيا من ربه.
جاءوا إلى هذا النسج المتين المتلاحم، فجعلوه أمزاقا، ثم وصلوا تلك الأمزاق بعضها ببعض، فكشف ذلك عن جنايتهم، وفضح مكرهم وسوء تدبيرهم.
إنهم ينقلون الأخبار الصحيحة، ويعمدون إلى الحقائق الثابتة من أوثق المصادر الإسلامية، ثم يتناولونها كما يتناول الحيوان فريسته، بمخالبه وأنيابه حتى إذا أسالوا دمها، وأخمدوا أنفاسها، ومزقوا أشلاءها- حاولوا أن يجمعوا من أشلاء هذه الحقائق الممزقة المتناثرة كائنا آخر، هو هذا الباطل، الذي يريدون أن يقيموه مقام الحق.
وهم- هنا- في حقيقة الوحى، يعمدون إلى الأحاديث المروية عن الرسول، والأخبار المشاهدة من أحواله مع الوحى ثم يصوّبون إلى هذه الأحاديث وتلك الأخبار، سهاما مسمومة، يحرفون بها الكلم عن مواضعه، ليفسحوا لباطلهم، مكانا يشوّه الحق، ويشوش عليه.
فمن الأحاديث المروية عن الوحى وكيف كان ينزل على النبي، ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن السيدة عائشة، أن الحارث بن هشام، سأل النبي صلّى اللّه عليه وآله: كيف يأتيك الوحى؟ فقال: «أحيانا يأتينى في مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه على، ثم يفصم عنى وقد وعيته.. وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا، فيكلمنى، فأعى ما يقول» ومن ذلك ما يروى عن السيدة عائشة أيضا أنها كانت تقول: «إن كان لينزل- أي الوحى- على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، في الغداة الباردة ثم تفيض جبهته عرقا» ومن ذلك ما يروى عن عبادة بن الصامت، أنه قال: «كان نبى اللّه صلى اللّه عليه وآله- إذا نزل عليه الوحى كرب لذلك، وتربّد وجهه».
أي تغير.
وهذا يعنى- كما هو ظاهر- أن اتصال النبي بالوحى، كان يستدعى منه مجاهدة روحية، ونفسية، وجسدية، كى تتيح له هذه المجاهدة، حالا مناسبة للعالم الروحي، الذي يتصل به.. إنه لقاء بين طبيعتين مختلفتين.. طبيعة بشرية، وطبيعة ملكية.. ولا بد أن يحدث هذا اللقاء احتكاكا، وتفاعلا، وفورانا.. في الطبيعتين على السواء، حتى يلتقيا لقاء، يتم به التجاوب، والتفاهم! يقول ابن خلدون، فيما يعرض للأنبياء عامة عند تلقى الوحى:
وعلامة هذا الصنف- أي الأنبياء- من البشر، أن توجد لهم في حال الوحى غيبة عن الحاضرين معهم.. مع غطيط، كأنها- أي الحال- غشى أو إغماء في رأى العين، وليست منهما في شىء، وإنما هي في الحقيقة، استغراق في لقاء الملك الروحاني، بإدراكهم المناسب لهم، الخارج عن مدارك البشر بالكلية.، ثم يتنزل إلى المدارك البشرية، بسماع دويّ من الكلام، فيتفهمه، أو يتمثل له صورة شخص يخاطبه بما جاء به من عند اللّه.. تنجلى عنه تلك الحال، وقد وعى ما ألقى إليه.. ويدركه- النبي- أثناء ذلك من الشدة والغطّ ما لا يعبر عنه:
ففى الحديث: «كان مما يعالج من التنزيل شدة».
وقالت عائشة: «كان ينزل عليه الوحى في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصّد عرقا» وقال تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [5: المزمل] ثم يقول ابن خلدون: ولأجل هذه الحالة في تنزل الوحى، كان المشركون يرمون الأنبياء بالجنون، ويقولون: له رئىّ أي تابع من الجن.. وإنما لبّس عليهم بما شاهدوه من ظاهر تلك الأحوال.
ثم يمضى ابن خلدون، في تقدير هذا الرأى، فيقول: وهؤلاء الأنبياء، صلوات اللّه وسلامه عليهم- قد جعل اللّه لهم الانسلاخ من البشرية في تلك اللمحة، فطرة فطرهم اللّه عليها، وجبلّة صورهم فيها، ونزههم عن موانع البدن وعوائقه، ماداموا ملابسين لها- أي الموانع- بالبشرية، بما ركب في غرائزهم من القصد والاستقامة، التي يحازون بها تلك الوجهة- أي الوجهة الملكية- ووكز في طباعهم رغبة في العبادة، تكلف بتلك الوجهة، وتسيح نحوها.
فهم يتوجهون إلى ذلك الأفق بذلك النوع من الانسلاخ، متى جاءوا- بتلك الفطرة التي فطروا عليها، لا باكتساب ولا صناعة.. فلهذا توجهوا وانسلخوا عن بشريتهم، وتلقوا في ذلك الملأ الأعلى ما يتلقونه، وعاجوا- أي مالوا- به على المدارك البشرية، منزلا في قواها، لحكمة التبليغ للعباد.. فتارة يسمع دويا، كأنه رمز من الكلام، يأخذ منه المعنى الذي ألقى إليه، فلا ينقضى الدويّ، إلا وقد وعاه وفهمه، وتارة يمثل له الملك الذي يلقى إليه، رجلا، فيكلمه، ويعى ما يقوله.
ثم يقول: واعلم أن الأولى- وهي رتبة الأنبياء غير المرسلين، على ما حققوه- أي العلماء- والثانية- وهي حالة تمثل الملك رجلا يخاطب النبي- هى رتبة الأنبياء المرسلين، ولذلك كانت أكمل من الأول إنما كانت الأولى أشد، لأنها مبدأ الخروج، في ذلك الاتصال من القوة إلى الفعل، فيعسر بعض العسر.. ولذلك كان يحدث عنه في تلك الحالة من الغيبة والغطيط، ما هو معروف وسبب ذلك، أن الوحى، كما قررناه، مفارقة البشرية، إلى المدارك الملكية، وتلقّى كلام الملك، فيحدث عنه شدة، من مفارقة الذات ذاتها، وانسلاخها عنها، من أفقها، إلى الأفق الآخر، وهذا معنى الغلط الذي عبر عنه النبي في مبدأ الوحى في قوله: «فغطنى حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى، فقال: اقرأ، فقلت ما أنا بقارئ» وكذا ثانية، وثالثة.. كما في الحديث.
ثم يقول ابن خلدون: وقد يفضى الاعتياد بالتدريج فيه شيئا فشيئا، إلى السهولة، بالقياس إلى ما قبله.. ولذلك كانت تنزل نجوم القرآن، وسوره، وآيه- حين كان بمكة- أقصر منها، وهو بالمدينة.
وانظر إلى ما نقل- أي روى- في نزول سورة براءة في غزوة تبوك وأنها نزلت كلها، أو أكثرها، عليه- أي على النبي- وهو يسير على ناقة، بعد أن كان بمكة ينزل عليه بعض السورة من قصار المفصّل: في وقت، وينزل عليه الباقي، في حين آخر.. وكذلك كان آخر ما نزل بالمدينة آية الدّين، وهي ما هي في الطول، بعد أن كانت الآية تنزل بمكة، مثل آيات الرحمن، والذاريات، والمدثر، والضحى، والفلق، وأمثالها.
هذه بعض الأحاديث والأخبار، التي روتها كتب الحديث والسيرة، في شأن الوحى، واتصال النبي به.. وقد عرضنا رأى عالم مفكر من علماء المسلمين، ومفكريهم، في هذه الأحاديث، وفهمه لها، وتصوره للوحى، وللصلة التي بين النبي، وبين الملك المبلّغ له كلمات ربه، على نحو ما يفهمه المسلمون من هذه الأحاديث، وما يتفق ومقررات الشريعة الإسلامية.
وقد اتخذ الملحدون- كما قلنا- من هذه الأحاديث، وتلك الأخبار، مادة لخلق المفتريات، والأكاذيب، للطعن في رسالة الرسول، والتشكيك في صدق ما جاء به.. إذ كان عندهم، أن ذلك الذي نطق به النبي، وسماه قرآنا، ليس إلا هذيان محموم، وأخلاط مصروع، لا يعى ما يقول.
وشاهدهم على هذا، تلك الأحوال الجسدية، التي كانت تعرض للنبى، حين ينزل عليه الوحى، ويلقى إليه بما أمر اللّه أن يبلغه إياه.
وأعجب ما في هذا الموقف من أولئك الملحدين، الذين يقولون هذه المقولات، أنهم يلتقطون من الآيات، والأحاديث، والأخبار، كلمات، يتخيرونها، ويقتطعونها من الكيان الكلى للحقيقة، ويعزلونها عن السياق الذي تجرى فيه، ثم يقيمون عليها ما يقيمون من دعاوى ومفتريات.
والذي كان يقتضيه الأسلوب العلمي، في البحث عن الحقيقة هنا، هو التثبت أولا من هذه الآثار، والوصول إلى حكم قاطع فيها، وفي مصادرها.
أهى صادقة، أم كاذبة؟ ثم يأتى بعد ذلك دور التطبيق لها، والتعامل بها.
فإما أن تقبل جميعا، أو تردّ جميعا،- أما أن يؤخذ من الخبر بعضه، ويترك بعضه، فذلك هو التلفيق، الذي لا تقوم به حقيقة أبدا! ونسأل أولا:
ما رأى هؤلاء الملحدين في هذه الأحاديث وتلك الأخبار- ما رأيهم فيها؟
وما مقدار اطمئنانهم إليها؟ أهي من الوثائق الصادقة في نظرهم؟ أم هي أحاديث موضوعة مكذوبة؟ فإن كانت الأولى، كان من المنطق والعدل، أن يأخذوا بها، وبكل ما جاء فيها.. وإن كانت الثانية، طرحوها، وبحثوا عن وثائق أخرى، يجدون فيها الصدق الذي يطمئنون إليه..!
ولو أننا تركنا هذه المفتريات جانبا، وضربنا صفحا عنها، لما وقع عندنا أن أحدا يعقل- مجرد العقل- أو يفهم- أدنى الفهم- يأخذ بهذه المقولات، ويضيف شيئا منها إلى سيرة الرسول، يمس جانب النبوة فيه، أو يغمز الصلة القائمة بينه وبين السماء، ورسول السماء! فليس يصح في عقل عاقل أن تجىء المصادر الإسلامية، بما يتهم الرسول بالصرع والجنون.. إذ كيف يسوغ لمؤمن، أن يروى حديثا عن رسول اللّه، أو ينقله عنه إمام من أئمة الحديث، ويكون في هذا الحديث، ما يعزل النبي عن النبوة.. ثم يصدّق بنبوته، ويدين بشريعته، ويتعبّد بالقرآن الذي نزل عليه؟.
هذه واحدة، تفضح فهم الملحدين لهذه الأخبار، وتخريجهم الملتوى السقيم لها.. وأخرى.. يسجلها الواقع، ويشهد لها التاريخ شهادة ناطقة بلسان بيّن على مدى أربعة عشر قرنا من الزمان- وهي أنه ما كان لمصروع أو مجنون أن يقيم مجتمعا يدين لرسالته بالولاء، تلك الأجيال المتعاقبة عبر القرون، وتزداد مع الأيام اتساعا وامتدادا.. لا بعصبيّة أهله، ولا بقوة أتباعه، وإنما بما في الرسالة ذاتها من قوى ذاتية، تلقى الناس في كل أفق من آفاق حياتهم، وتلتقى مع كل طريق يتجهون فيه إلى الحق والخير، والعدل، والإحسان! ويكفى هذا وحده، في فضح هذا الزور، وإلباس أهله الخزي والصغار! أمجنون، مصروع، يبنى دولة، وينشىء نظاما، ويقيم دينا يعيش في الناس منذ قام إلى اليوم، دون أن يصاب بنكسة أو خلل؟ ثم أمجنون، مصروع، ثبت لهذه العواصف العاتية المزمجرة، وحيدا في وجه أمة صحراوية النفوس صخرية الطباع، ثم لا يكون منه في حال من الأحوال، تخاذل أو ضعف، حتى تخصب هذه النفوس، وتلين تلك الطباع، وتخرج من أحشاء هذه الصحراء قادة الإنسانية، وأساتها، ومطلع شموس العلم والمدنية فيها؟
ثم! ثم أمجنون مصروع، مختلط العقل، هذا الذي يأسر قلوب معاشريه، ويملك أنفسهم، فإذا القلوب خافقة بحبه، وإذا النفوس لا تعرف لها غذاء إلا من ينابيع الحبّ له، ولولاء لشخصه، والتفانى في سبيل مرضاته؟
إن التاريخ، لا يذكر في سجله يوما، أن إنسانا كان له في الناس رصيد من الحب والولاء، ما كان لمحمد في هذه الدنيا من حب وولاء..!
ولا نسوق لهذا كثيرا من الأمثال، ففى كل خطوة من خطوات النبي، على مسيرة دعوته، شواهد تقوم من كل جانب، تنطق بما كان لمحمد- صلوات اللّه وسلامه عليه- من سلطان على النفوس، ملكها بالإعجاب، والحب والولاء.
ففى بيعة الرضوان، ومعسكر الرسول بالحديبية، يريد دخول مكة، زائرا للبيت الحرام، وقريش تقف له، وتصده عن بيت اللّه.. وكادت تكون الحرب.. ثم بعثت قريش عروة بن مسعود، ليجد مع النبي سبيلا للخروج من هذا الموقف.. وقد التقى عروة بالنبي، وتحدث إليه، ورأى عن قرب ما للرسول الكريم عند أصحابه. من حب، يعلو كل حب عرفه الناس بين محب ومحبوب.
فلا يتوضأ النبي إلا ابتدر أصحابه وضوءه، وتسابقوا إليه، ولا يبصق بصاقا إلا تلقّوه، ولا يسقط من شعره شيء إلا تهافتوا عليه- رأى عروة هذا، رأى العين، فلما عاد إلى قريش، حدثهم بما رأى، وما وقع في نفسه من هذا الذي رآه، فقال: يا معشر قريش.. إنى قد جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشيّ في ملكه.. وإنى واللّه ما رأيت ملكا في قوم قط، مثل محمد في أصحابه.. ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشىء أبدا، فروا رأيكم، وخذ مثلا آخر وقع خبّاب بن عديّ- رضى اللّه عنه- في يد قوم من المشركين قبل الفتح، وأراد القوم أن يتقربوا به إلى قريش، ليكون في ذلك بعض الشفاء لهم مما في قلوبهم من موقعة بدر.. وحين قدّم خباب للقتل، قال له أبو سفيان، في شماتة واستخفاف: أيسرّك أن محمدا هنا تضرب عنقه، وأنك في أهلك؟ فقال خبّاب في ثبات جنان، وقوة إيمان: لا، واللّه ما يسرنى أنى في أهلى وأن محمدا في مكانه الذي هو فيه، تصيبه شوكة تؤذيه.
فانظر إلى هذا الحب، وإلى تلك المشاعر القوية الصادقة المنبعثة منه، والتي تعلو بصاحبها فوق كل ما يحرص عليه الناس في دنياهم من نفس، وأهل، ومال.
رجل بين النطع والسيف، يهيج فيه أبو سفيان غريزة الحب للأهل والولد، في تلك الساعة، والموت منه بمرصد، ويعرض عليه أمنية يكون فيها خباب بين أهله، ومحمد في هذا الموقف الذي فيه خباب.. فيندفع خباب يهدر في غيظ وحنق.. لا واللّه لا أرضى أن أكون في أهلى، على أن تصيب محمدا شوكة وهو في أهله!!
ومثل ثالث: أم حبيبة زوج النبي، وبنت أبى سفيان، يدخل عليها أبوها في منزلها بالمدينة، قبل أن يدخل في الإسلام، وكانت قريش قد بعثته، ليوثّق الهدنة التي كانت بينها وبين المسلمين وليزيد في مدتها.
وليس هذا، هو المهم.. وإنما المهم هو الآنى:
عند ما دخل أبو سفيان على ابنته أم حبيبة، أراد أن يجلس، ولم يكن في البيت غير فراش الرسول شيء يمكن أن يصلح للجلوس.. فهمّ أن يجلس على هذا الفراش، ولكن ابنته ردته عنه، وطوته دونه.. فعجب لذلك، وقال: يا بنية.. ما أدرى أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عنى؟
قالت بل هو فراش رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، وأنت رجل مشرك.
نجس.. ولا أحب أن تجلس على فراش رسول اللّه! فقال: واللّه لقد أصابك يا بنية بعدي شر!!.
والصورة في غنى عن كل تعليق. وحسبنا أن ننظر فنرى أبا سفيان سيد قريش، يدفع عن أن يلمس فراش رسول اللّه، ثم أن تكون اليد التي تدفعه، هى يد ابنته.!
وليس هذا الحب والتقدير للنبى، وقفا على أتباعه، بل إن كثيرا من أحرار العقول والقلوب، من مفكرى الغرب، قد انتصروا للحق، فرأوا محمدا على صورة أقرب إلى تلك الصورة التي يراها عليه أكثر أتباعه معرفة به، وحبا وإكبارا له.
يقول برنارد شو فيلسوف الغرب في القرن العشرين الميلادى:
لقد كان دين محمد موضع تقديرى السامي، دائما.. لما ينطوى عليه من حيوية مدهشة.. لأنه- على ما يلوح لى- هو الدين الوحيد الذي له ملكة الهضم لأطوار الحياة المختلفة.. ولذلك فإنه يستطيع أن يجلب إليه كل جيل من الناس.
ثم يقول: لقد عمد رجال الا كليروس في العصور الوسطى، إلى تصوير الإسلام في أحلك الألوان، وذلك بسبب الجهل أو التعصب الذميم.
والواقع أنهم كانوا يسرفون في كراهية محمد، وكراهية دينه، ويعدّونه خصما للمسيح.. أما أنا، فأرى واجبا أن يدعى محمد منقذ الإنسانية.. وأعتقد أن رجلا مثله، لو تولى زعامة العالم الحديث، فإنه سينجح في حل مشكلاته، وإحلال السلام والسعادة، في العالم، وما أشد حاجة العالم إليها اليوم.
وحسبنا هذه الشهادة، من رجل لا يدين بالإسلام، ولا يتهم بتعصب لنبى الإسلام، تحت مشاعر الولاء الديني له.. بل إنه ليقول هذه الحقيقة عن منطق العقل الحر، البعيد عن كل تأثير عاطفى.
بقيت هنا مسألة، هى في الواقع كانت مبعث هذا البحث، وهي صورة الوحى الذي كان ينزل على النبي: أهو القرآن الكريم بكلماته ومعانيه؟
أم هو معانى القرآن، ثم يصوغها النبي في قوالب لفظية؟ أو بمعنى آخر.. هل القرآن لفظا ومعنى، كان وحيا من السماء، وليس للنبى إلا تلقى هذا الوحى وتبليغه.. أم أن المعنى من اللّه، واللفظ من محمد؟.
وقد أثار هذه المسألة، ما جاء في قوله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [193: الشعراء].
فكان من مقولات بعض المفسرين في هذه الآية، أن النبي صلوات اللّه وسلامه عليه، كان يتلقى من الوحى معانى القرآن، ثم ينقل هذه المعاني إلى كلمات.. وهذا يعنى أن القرآن سماوى المعنى، أرضى اللفظ!.
وهذه المقولة من بعض المفسرين، هى ضمن مقولات كثيرة، ينقلونها حكاية عن بعض الرواة ونقلة الأخبار، وهم يريدون بهذا أن يضعوا كل ما بلغهم من مقولات، دون أن يتحملوا تبعة تجريحها أو تعديلها، تاركين لغيرهم مهمة القبول أو الرد، والتعديل أو التجريح.. ونسوا أن هناك متربصين بكتاب اللّه وبرسول اللّه، مهمتهم هي اصطياد هذه المقولات المريضة، ثم محاجّة المسلمين بها، لأنها أبلغ حجة، إذ كانت مما قاله المسلمون في كتابهم.
وندع هذا، لنقول: إن معنى الآية واضح صريح، في أن القلب هو وعاء الإدراك السليم، والفهم الصحيح، وهو موطن المعتقدات القائمة على الفهم والإدراك.. فنزول كلمات اللّه على قلب النبي، معناه تمكن هذه الكلمات من القلب، ونفاذها إليه مباشرة، من غير معوّقات.. فليس كل كلام ينفذ من السمع إلى القلب. وليس كل مستمع بأذنه مصغيا بقلبه.. فهناك كلام هو مجرد ألفاظ جوفاء، تطنّ في الأذن، دون أن تجد طريقها إلى القلوب.
ومن هذا ما يروى عن الحسن البصري- رضى اللّه عنه- أنه سمع واعظا يعظ في مسجد البصرة، فوقف مليا يستمع إليه، فلما لم يجد ما ينفذ إلى قلبه منه، انصرف عنه قائلا: يا هذا.. بقلبك شيء أو بقلبي! وكم من كلام طيب، لا يجد الآذان التي تسمع، وإن وجد الآذان السامعة لم يجد القلوب الواعية الفاقهة.. وفي هذا يقول الغزالي:
غزلت لهم غزلا رفيعا فلم أجد *** لغزلى نسّاجا فكسّرت مغزلى
وقد كانت قلوب كثير من المشركين من هذه القلوب المغلقة، التي لا تقبل الهدى، ولا تطمئن إليه.. فكانوا يستمعون إلى كلمات اللّه دون أن ينفذ إلى قلوبهم شيء من شعاعها السنىّ الوضيء.. وفي هذا يقول اللّه تعالى: {إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً} [57: الكهف] إن بين الأذن والقلب ما بين الماء والأرض.. فإذا نزل الماء بالأرض الصلد، زال عنها، وأخذ طريقه إلى غيرها، وإذا نزل بالأرض الطيبة، سكن إليها، فاهتزت به، وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج.. وكذلك كلمات اللّه، إذا مرت بالقلوب القاسية المظلمة، لم تترك فيها أثرا، ولم تثر منها إلا ما كمن فيها من ظلم وظلام، كما يقول سبحانه: {كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ} [200: الشعراء] أما إذا نزلت هذه الآيات في القلوب السليمة، الطيبة، هشّت لها، وغردت بلابل أيكها لهذا الحيا الذي يحيى موات القلوب! {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ.. أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [28: الرعد].
فالقلوب، هى مستودع المعتقدات، وموطن المعقولات، من كل طيب وفاسد، وصحيح، وسقيم.. ولهذا كان نطق الأعراب بكلمة الإسلام، دون أن تسكن هذه الكلمة إلى مكانها من قلوبهم- كان هذا مجرد مدخل يدخلون به إلى الإسلام، فتعصم به دماؤهم وأموالهم، أما الإيمان، فليس لهم بعد نصيب منه، حتى يدخل الإيمان في قلوبهم.. وفي هذا يقول اللّه تعالى:
{قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [14: الحجرات].. ومنه قوله تعالى في المنافقين: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [11: الفتح].. أما المؤمنون، فالإيمان ملء قلوبهم، يعمرها باليقين والسكينة، والرضا.. كما يقول سبحانه: {أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ} [22: المجادلة].. أي مكنه من قلوبهم، وثبته فيها كما يثبت الشيء بالكتابة..! وأصله من الكتب، وهو ضم الشيء إلى الشيء، ووصله به.
وعلى هذا، يكون معنى قوله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ} أنه ثبّت ما نزل به الوحى في قلبه، ومكن له فيه- فكان قلبه- صلوات اللّه وسلامه عليه- مستودع كلمات اللّه، تجد فيه مستقرها ومستودعها، حيث تعطى أكثر ما فيها من ثمر مبارك طيب، وحيث تنزل الكلمة الطيبة، في هذا القلب الطيب المصفى من كل دخل، فتكون كما وصفها اللّه في قوله تعالى: {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ.. تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها} [24- 25: إبراهيم] ومن هنا تتحول كلمات اللّه في قلب الرسول إلى معان شريفة كريمة، وإلى سلوك شريف كريم.. فكان الرسول بهذا الأدب الرّبانى، كما يقول عن نفسه، صلوات اللّه وسلامه عليه: «أدبنى ربى فأحسن تأديبي».
وكما تقول السيدة عائشة، رضى اللّه عنها، عنه: «كان خلقه القرآن» هذه واحدة.
وأخرى.. هى أن إعجاز القرآن، ليس في معانيه، وإن كانت تلك المعاني معجزة في سموها، واستوائها على ميزان، الحق، والعدل، والإحسان.
ولكن المعجزة المتحدية في القرآن هي نظمه الذي جاء عليه، وبلاغة هذا النظم هو الذي أعجز منطق العرب، وأخرس ألسنتهم.. ولهذا فقد تحداهم القرآن أن يأتوا بعشر سور من مثله، في أي معنى يرد على خواطرهم، ولو كان من صيد الوهم والخيال.. {أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ} [13: هود].
وثالثة.
وهي أن النبي، صلوات اللّه وسلامه عليه، كان يتلقى من جبريل كلمات ربه، فيحمله الحرص على الإمساك بها أن يبادر بترديدها على لسانه، قبل أن يفرغ جبريل من إلقاء ما أمر بإلقائه إليه، وفي هذا يقول اللّه تعالى له: {وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [114: طه] ويقول:
{لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ.. إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [16- 18: القيامة] فأى شيء كان يقرؤه جبريل على النبي، حتى يتّبع ما يقرؤه عليه؟ أكان معانى مجردة من ألفاظ؟ ثم هل يمكن أن يقوم المعنى مجردا من اللفظ الدال عليه، الكاشف عن حقيقته؟.، كيف؟ كيف؟
ورابعة.
وهي أن هذا القرآن وصف بأنه كلام اللّه، وذلك في أكثر من موضع في القرآن نفسه.
فقال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} [6: التوبة].
ويقول سبحانه: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ} [15: الفتح] ويقول سبحانه:
{أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [75: البقرة].
فكيف يصحّ مع هذا أن ينسب القرآن إلى اللّه، بهذا الوصف، فيقال عنه إنه كلام اللّه، إذا كان المعنى من عند اللّه، واللفظ من عمل محمد؟ وهل الكلام إلا هذه الألفاظ التي صيغت فيها هذه المعاني، وصبّت في قوالبها؟
إننا نأسف كثيرا، إذ نرى مثل هذه المقولات، تأخذ مكانها في كتب التفسير، ولو كانت على سبيل الحكاية لمقولات غير المؤمنين.. فكيف وهي تنسب إلى أئمة أعلام، وتدس عليهم من أعداء الإسلام. ثم تؤخذ هكذا على علاتها، دون أن تؤد في مهدها، وترد على المفترين والمروجين لها؟
قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ؟}.
الضمير في {إنه} يعود أيضا إلى القصص القرآنى، كما عاد إليه الضمير في قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ}.
وقد خالفنا في هذا أكثر المفسرين، الذين جعلوا الضمير في الموضعين عائدا على القرآن الكريم.. وجعلناه نحن عائدا على القصص القرآنى وحده.
وقد رجح عندنا هذا الرأى لأمرين:
أولا: أن أكثر ما كان يتهم به النبي عند المشركين في شأن القرآن، هو ما جاء فيه من أخبار وحوادث، من القرون الغابرة، والعصور السحيقة.
ولهذا، فقد كان الأمر في تقديرهم لا يعدو أن يكون استماعا من النبي لهذه الأخبار، ثم تشكيلها، وتلوينها بألوان الخيال، وإخراجها على الصورة التي يتصورها.
ومن أجل هذا حسبوا أنهم قادرون على أن يفعلوا فعله هذا، فقالوا ما حكاه القرآن الكريم عنهم: {لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا، إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [31: الأنفال].. ثم كان من هذا، أيضا أنهم كانوا يهاجمون النبي من هذا الجانب ويمتحنون صدقه من هذا الباب.. فكانوا يسألون اليهود عن أخبار ماضية، ثم يأتون النبي يسألونه عنها، ويطلبون ما عنده من علم بها، إن كان على صلة بالسماء، كما يدعى.. فقد سألوا الرسول عن ذى القرنين، كما سألوه عن الساعة، وعن الروح، وغيرها من الغيبيات.
وثانيا: ما جاء في قوله تعالى بعد ذلك: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ}.
وفي قوله: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ}.
ففى هذا إشارة إلى أن هذه الأخبار، ليست من واردات الوهم والخيال، وأنها ليست من أساطير الأولين، كما يقولون.. فهى من الأخبار التي دونت، وسجلت في زبر الأولين.
والزبر، جمع زبور. والزبور القطعة من الكتاب.!
ومعنى هذا، أن هذه الأخبار، هى من بعض ما ضمت عليه الكتب السابقة، وليست هي كل ما في هذه الكتب، إذ أن الكتب المنزلة على أهل الكتاب، كانت تحوى كثيرا من الشرائع والأحكام، والآداب، إلى جانب هذه الأخبار، فالأخبار، جزء من هذه الكتب، وزير- أي قطع- منها.
ومن جهة أخرى، فإن هذه الأخبار التي جاء بها القصص القرآنى، كانت معلومة عند علماء بني إسرائيل، الذين يلجأ إليهم المشركون في اصطياد الأخبار، التي يختبرون بها النبي. فإذا كانت هذه الأخبار التي جاء بها القرآن لا تخرج في مضمونها عما عند علماء أهل الكتاب، الذين هم موضع ثقتهم.
فكيف تكون من جهة النبي أكاذيب وأساطير، ثم تكون هي ذاتها عند أهل الكتاب حقّا وصدقا؟
فالذى يدافع عنه القرآن الكريم هنا، هو دفع التهمة عن هذا القصص القرآنى، وقول المشركين عنه: {إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ}.
وفي هذا الموقف ينكشف تعنّت المشركين، وضلالهم، وأنهم يقولون في الخبر يتلقونه من النبيّ بأنه كذب واختلاق، على حين أنهم يأخذونه من أهل الكتاب على أنه الصدق الذي لا جدال لهم فيه؟ أفليس هذا جورا في القضاء، واعوجاجا في الحكم؟ وإذا كان هذا شأنهم في هذا القصص، فإن هذا هو شأنهم في كلّ موقف لهم مع آيات اللّه وكلماته.
والسؤال هنا، هو: ماذا للنبيّ في هذا القصص، وما حجته على المشركين وغيرهم به، إذا كان مدوّنا في الكتب السابقة، وكان معلوما لعلماء بني إسرائيل؟
إنه- والأمر كذلك- ليس للنبى فضل يبين به على القوم، حتى يأخذ مكان القيادة، في الدعوة إلى اللّه، ويدّعى فيهم هذه الدعوى بأنه رسول ربّ العالمين؟ إن الأمر لا يعجز أيّا منهم أن ينقل هذا الأخبار من الكتب السابقة، أو أن يتلقّاها عن أحد علماء بني إسرائيل.. فما حجة النبيّ على القوم بهذا القصص، وهو سلعة معروضة لمن يشترى بأقل ثمن، وأقل جهد؟
والجواب- واللّه أعلم- هو أن حجة النبيّ- صلوات اللّه وسلامه عليه- بهذا القصص، ليس في مجرد الأخبار التي ضمّ عليها.. فهذه الأخبار- وإن كانت ذات دلالة عظيمة، على صدق النبيّ، من حيث صدقها الخالص، المصفّى من المفتريات، والأباطيل، التي عند أهل الكتاب- قد جاءت على هذا النظم المعجز من الكلام، الأمر الذي قام به التحدي، والذي استخزى أمامه القوم، وعجزوا عن أن يأتوا بشىء من مثله.. وهذا ما يشير إليه وقوله تعالى:
{أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ/ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [13- 14: هود].. ثم تحدّاهم- سبحانه- بسورة واحدة، فقال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ} [23: البقرة].
وإذ عجز القوم أن يقفوا هذا الموقف، وأن ينزلوا إلى هذا الميدان، إذ رأوا أن ما ينسجونه من تلك الأخبار، لا يعدو أن يكون رقعا مهلهلة، وخرقا بالية، لا يلتفت إليها أحد، وهي في مواجهة هذا النسج الإلهى، المعجب، المعجز- نقول إذ عجز القوم عن هذا، فإنهم لجأوا إلى أسلوب آخر، يروّجون به لهذا الزيف، ويغرون الناس بالإقبال عليه، بهذا الأسلوب الذي يقدمونه به، ويعرضونه فيه.. فجلبوا القيان، وعقدوا لهنّ مجالس السّمر والغناء، حيث يغنون ويرقصون، ثم يحىء في أثناء ذلك من يقصّ عليهم ضروبا من القصص الخرافيّ، لا تجد لها مساغا في الآذان إلا في هذا الجوّ الذي دارت فيه الرءوس، وغايت العقول، بين الكأس، والرقص!.. حتى إذا صحا القوم من خمارهم، طارت هذه الخرافات، كما تطير أضغاث الأحلام.. وإلى هذا يشير قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ} [6: لقمان].
قوله تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ}.
والضمير في {نزلناه} يعود أيضا إلى هذا القصص، الذي جاء في الآيات السابقة.. كما يمكن أن يعود إلى القرآن الكريم كلّه، إذ كان هذا القصص بعضا منه.. وما يصدق على بعضه يصدق عليه كلّه.
والمعنى: أن هذا القصص، أو هذا القرآن، لو نزل على بعض الأعجمين، ممن لا يعرفون العربية، ولا ينطقون باللسان العربي، فقرأ على القوم هذا القصص أو هذا القرآن، بلسان عربيّ مبين، ما صدّقوه، وما كان لهم من ذلك آية، على أن هذا الكلام ليس من عند هذا الأعجمى، وإنما هو آية من آيات اللّه، تجلّت فيه.. وإلا فمن أين له هذا البيان المبين باللسان العربي، وهو الأعجمى الذي لا يحسن أن ينطق بكلمة عربية؟ ولكن القوم قد استبدّ الضلال بعقولهم، واستولى العناد على منطقهم..!
وفي الآية إشارة إلى أن النبيّ- صلوات اللّه وسلامه عليه- هو بالنسبة إلى هذا القرآن أشبه بالأعجمى.. إذ أنه لا يعرف من ذاته شيئا من تلك الأخبار، التي يحدّث بها هذا القصص الذي يتلوه على القوم.. تماما كما لا يحسن أن ينطق باللسان العربي من لم يتعلم هذا اللسان ويتقنه.. ومن جهة أخرى، فإن النبيّ لو عرف هذه الأخبار، ما أمكنه نسجها، وإخراجها على هذا النظم البديع المعجز.. فهو بالنسبة إلى هذا البيان القرآنى، أشبه بالأعجميّ كذلك حين يكلّف أن ينطق باللسان العربي! قوله تعالى: {كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ} سلك الشيء في الشيء، أو معه.. نظمه معه، وضمه إليه.. ومنه قوله تعالى: {اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} أي أدخلها إلى جيبك، وأسقطها إسقاطا، كما تسقط الحبة على الحبّة في نظم العقد.
والإشارة في قوله تعالى: {كَذلِكَ سَلَكْناهُ} يشار بها إلى تلك الصورة المتمثلة للمشركين، وهم يستمعون إلى رجل أعجميّ خالص العجمة، لم ينطق أبدا بكلمة عربية، ثم يطلع عليهم فجأة، دون أن يبرح مكانه، وقد نطق بهذا اللسان العربي المبين، من آيات اللّه وكلماته- ثم هم مع هذا لا يجدون في هذا آية، لهم تدلّ على صدقه، وأن هذا الكلام ليس من عنده! فهذا القرآن يقع من قلوبهم، ويسلك فيها هذا المسلك، حين يسمعونه من رجل منهم، لم يكن يتلو من قبله من كتاب، ولا يخطه بيمينه.. إنه أشبه بأعجمى ينطق بلسان عربى مبين، كأنما ولد بهذا اللسان، وعاش بين أهله.
ومع هذا فإنهم لا يجدون فيما يتلوه عليهم النبي الأمى آية، كما لا يجدون فيما يسمعهم إياه الأعجمى من لسانهم العربي المبين آية.. وهكذا تنتظم هذه الصورة الواقعة إلى تلك الصورة المفترضة وتسلك معها في خيط واحد.. النبي الذي يحدث بهذه الآيات، والأعجمى الذي ينطق بها لسانه.. إنهم لا يؤمنون بهذا أو ذاك، ولا يجدون آية في حديث النبي، أو منطق الأعجمى! ولهذا جاء قوله تعالى: {لا يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي لا يؤمنون بهذا الحديث، سواء أكان من أمي، أو أعجمى.. وهذا لا يكون إلا من قلوب قد ضمت على داء خبيث، يغتال كل خير يمر بها، ويدفع كل هدى يطرق بابها، ولذا وصفوا بالإجرام.
{فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} وقوله تعالى: {يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ} إشارة إلى أنهم لن يؤمنوا أبدا، ولو جاءتهم كل آية.. وذلك حتى يروا بأعينهم ما أنذروا به من عذاب أليم، وعندئذ يؤمنون إيمان المضطر المكره، والذي لا حيلة من النجاة من هذا العذاب، إلا بأن يتعلق بحبل الإيمان، الذي كان ممدودا له من قبل.. ولكن قد فات الأوان، وحيل بينهم وبين ما يشتهون! قوله تعالى: {فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ} أي أن هذا العذاب الأليم سيقع بهم فجاءة، على غير توقع، أو انتظار.
وعندها يكربهم الكرب، ويأخذهم الفزع، فيسألون، الإمهال والانتظار، حتى يؤمنوا، ويصلحوا ما أفسدوا.. ولكن ذلك لن يكون.. {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ.. لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [4: نوح] والمنظر: هو من يؤخّر الوقت الموقوت له، لقاء دين أو نحوه.. ومنه قوله تعالى: {فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ} [280: البقرة] قوله تعالى: {أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ؟} هو استفهام تهديد للمشركين، الذين يستخفون بعذاب اللّه، أو ينكرون وقوعه.. فهم لا يؤمنون به حتى يقع بهم ويروه عيانا.. وإن لهذا العذاب وقتا موقوتا يقع فيه.. وإنه إذا كان إيمانهم لا يقع حتى يقع بهم العذاب- أفنعجل لهم هذا العذاب حتى يؤمنوا؟
إننا قد فعلنا ذلك بكثير من الأمم قبلهم، فعجلنا لهم العذاب في هذه الدنيا، وأخذناهم بما كذبوا، فآمنوا حين رأوا هذا العذاب الواقع بهم، ولكن لم ينفعهم إيمانهم بما كذبوا به من قبل.. أما هؤلاء المشركون، فإن اللّه سبحانه- قد وعد نبيه الكريم ألا يعذب قومه، وهو فيهم، كما يقول سبحانه:
{وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} [33: الأنفال] حتى لا يسوءه ما يراه من مصارعهم، وخراب ديارهم، وهو الذي قد جاء ليحيى مواتهم، وليرفع خسيستهم، ويكشف الجهل والظلام المطبق عليهم.. ولكن هذا الإمهال، إلى حين.. فإنهم إن أفلتوا من عذاب الدنيا، فإن هناك العذاب العظيم الذي ينتظرهم في الآخرة.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى في الآيات التالية.
{أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ} أي إننا إذا أمهلناهم في هذه الدنيا، ولم نرسل عليهم المهلكات، التي أرسلناها على المكذبين قبلهم.. ثم هم إذا تركوا، حتى آخر يوم من أيام حياتهم- أليس بعد هذه السنين التي يقضونها في هذه الدنيا، موت؟ ثم إذا هم ماتوا، وجاءهم العذاب الذي أعدّ لهم في الآخرة، أينفعهم شيء مما كانوا فيه في دنياهم، من مال وبنين، وجاه وسلطان، وأهل وعشير؟ إنه لن يغنى عنهم من عذاب شيء مما كانوا فيه.
وقد نسب الاستعجال بالعذاب إليهم، لأنهم بكفرهم وعنادهم، قد أوجبوا وقوع العذاب عليهم، وتعجيله لهم.. لأن هذا المعجل هو انتقام منهم لتكذيبهم بآيات اللّه، وتحديهم لرسول اللّه، واللّه سبحانه وتعالى يقول في فرعون وآله:
{فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ} [55: الزخرف] ويقول في ثمود، قوم صالح: {فَعَقَرُوها.. فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ.. فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ} [157- 158: الشعراء] ويجوز أن تكون نسبة تعجيل العذاب إليهم، على سبيل الحقيقة، لأنهم كانوا يستعجلون العذاب فعلا على سبيل التحدّى، كما يقول اللّه سبحانه وتعالى:
{وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ} [32: الأنفال] قوله تعالى: {وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ} هو تعقيب على التهديد الذي حملته الآيات السابقة إلى المشركين، في قوله تعالى: {أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ.. الآيات}.
أي أن هذا العذاب المرصود لمن يكذب برسل اللّه، ويمكر بآياته، إنما يقع في أعقاب ما يحمل الرسول إلى قومه من نذر بين يدى دعوته إياهم، إلى الإيمان باللّه، حتى إذا بلغهم ما أنذروا به، ولم يتحولوا عن موقفهم الضال الذي هم عليه- أخذهم اللّه بالعذاب المقدر لهم.. وقد رأى المشركون في القصص الذي قصه اللّه عليهم، لسبعة أنبياء كرام، ما حل بالمخالفين لكل نبى، من بلاء ونكال، كما يقول سبحانه:
{فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ.. فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً.. وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ.. وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا.. وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ، وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [40: العنكبوت] وهؤلاء المشركون، قد أنذروا، كما أنذر هؤلاء المكذبون المهلكون قبلهم.. وإنهم بهذا الإنذار ليقفون على حافة الهوة التي تردّى منها المكذبون إلى العذاب، ويردون المورد الذي ذاقوا منه البلاء، وكانوا في الهالكين!! فماذا ينتظر هؤلاء المشركون بعد هذا؟ إنه لا شيء غير العذاب.. فإذا لم يحل بهم في مصبحهم أو ممساهم، فذلك من إكرام اللّه سبحانه لنبيه الكريم، ومنزلته عنده.. أما إذا أهلكوا فإنما يهلكون بذنوبهم.. {وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ، وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}.
وقوله تعالى: {ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ} هو خبر لمبتدأ محذوف، تقديره، هو ذكرى.. أي هذا الذي نقدمه بين يدى الإهلاك من نذر، هو ذكرى، لما في الناس من فطرة تدعوهم إلى الإيمان باللّه.. فهذا الإنذار بالرسل، هو إيقاظ لهذه الفطرة الغافية، أو الغافلة، وتنبيه لها، وتذكير! وقوله تعالى: {وَما كُنَّا ظالِمِينَ} هو جملة حالية، لبيان فضل اللّه على الناس، وأنه سبحانه، قد أقام في كيانهم رسلا تهديهم إلى اللّه، وتكشف لهم الطريق إليه، وهي هذه الفطر، وتلك العقول.. وأنه سبحانه لو أهلك الكافرين منهم، لكان ذلك جزاءا وفاقا لهم، على هذا الانحراف، الذي خرجوا به عن داعى الفطرة، ومنطق العقل.. ولكنه سبحانه، عزز هذه الرّسل المودعة في كيان الناس، برسل من عنده، يحملون إلى الناس آياته، ويذكرونهم بما عهد اللّه به إليهم في النشأة الأولى، في قوله سبحانه: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ.. أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا بَلى.. شَهِدْنا!} [172: الأعراف].. وهذا ما يشير إليه بعض المتصوفة في تفسيرهم لقوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ} [13- 14 يس].. فهم- أي الصوفية- يقولون: إن الاثنين، هما العقل والقلب، والقرية، هى الجسد.. والرسول الثالث هو رسول اللّه.
وهذا المعنى، وإن كان بعيدا، إلا أنه يشير إلى أن في الإنسان فطرة هي أشبه برسول من رسل اللّه إليه.




البحث


كلمات متتالية كلمات متفرقة




موضوعات القرآن
  • الإيمان
  • العلم
  • العبادات
  • أحكام الأسرة
  • المعاملات
  • الحدود والجنايات
  • الجهاد
  • الأطعمة والأشربة
  • أحكام الجنائز
  • الأخلاق
  • تكريم الله للإنسان
  • القصص والتاريخ
  • الأمثال