سورة الروم / الآية رقم 18 / تفسير في ظلال القرآن / أحمد بن علي العجمي / القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
القرآن الكريم
طريقة عرض الآيات
صور
نصوص

وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي العَذَابِ مُحْضَرُونَ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ

الرومالرومالرومالرومالرومالرومالرومالرومالرومالرومالرومالرومالرومالرومالروم




تلاوة آية تلاوة سورة الشرح الصوتي

التفسير


نزلت الآيات الأولى من هذه السورة بمناسبة معينة. ذلك حين غلبت فارس على الروح فيما كانت تضع يدها من جزيرة العرب. وكان ذلك في إبان احتدام الجدل حول العقيدة بين المسلمين السابقين إلى الإسلام في مكة قبل الهجرة والمشركين.. ولما كان الروم في ذلك الوقت أهل كتاب دينهم النصرانية، وكان الفرس غير موحدين ديانتهم المجوسية، فقد وجد المشركون من أهل مكة في الحادث فرصة لاستعلاء عقيدة الشرك على عقيدة التوحيد، وفألاً بانتصار ملة الكفر على ملة الإيمان.
ومن ثم نزلت الآيات الأولى من هذه السورة تبشر بغلبة أهل الكتاب من الروم في بضع سنين غلبة يفرح لها المؤمنون، الذين يودون انتصار ملة الإيمان من كل دين.
ولكن القرآن لم يقف بالمسلمين وخصومهم عند هذا الوعد، ولا في حدود ذلك الحادث. إنما كانت هذه مناسبة لينطلق بهم إلى آفاق أبعد وآماد أوسع من ذلك الحادث الموقوت. وليصلهم بالكون كله، وليربط بين سنة الله في نصر العقيدة السماوية والحق الكبير الذي قامت عليه السماوات والأرض وما بينهما. وليصل بين ماضي البشرية وحاضرها ومستقبلها. ثم يستطرد بها إلى الحياة الأخرى بعد هذه الحياة الدنيا، وإلى العالم الآخر بعد عالم الأرض المحدود. ثم يطوف بهم في مشاهد الكون، وفي أغوار النفس، وفي أحوال البشر، وفي عجائب الفطر.. فإذا هم في ذلك المحيط الهائل الضخم الرحيب يطلعون على آفاق من المعرفة ترفع حياتهم وتطلقها، وتوسع آمادها وأهدافها، وتخرجهم من تلك العزلة الضيقة. عزلة المكان والزمان والحادث. إلى فسحة الكون كله: ماضيه وحاضره ومستقبله، وإلى نواميس الكون وسننه وروابطه.
ومن ثم يرتفع تصورهم لحقيقة الارتباطات وحقيقة العلاقات في هذا الكون الكبير. ويشعرون بضخامة النواميس التي تحكم هذا الكون، وتحكم فطرة البشر؛ ودقة السنن التي تصرف حياة الناس وأحداث الحياة، وتحدد مواضع النصر ومواضع الهزيمة؛ وعدالة الموازين التي تقدر بها أعمال الخلق، ويقوّم بها نشاطهم في هذه الأرض، ويلقون على أساسها الجزاء في الدنيا والآخرة.
وفي ظل ذلك التصور المرتفع الواسع الشامل تتكشف عالمية هذه الدعوة وارتباطها بأوضاع العالم كله من حولها حتى وهي ناشئة في مكة محصورة بين شعابها وجبالها ويتسع مجالها فلا تعود مرتبطة بهذه الأرض وحدها إنما هي مرتبطة كذلك بفطرة هذا الكون ونواميسه الكبرى، وفطرة النفس البشرية وأطوارها، وماضي هذه البشرية ومستقبلها. لا على هذه الأرض وحدها، ولكن كذلك في العالم الآخر الوثيق الصلة بها والارتباط.
وكذلك يرتبط قلب المسلم بتلك الآفاق والآماد؛ ويتكيف على ضوئها شعوره وتصوره للحياة والقيم؛ ويتطلع إلى السماء والآخرة؛ ويتلفت حواليه على العجائب والأسرار، وخلفه وقدامه على الحوادث والمصائر.
ويدرك موقفه هو وموقف أمته في ذلك الخضم الهائل؛ ويعرف قيمته هو وقيمة عقيدته في حساب الناس وحساب الله، فيؤدي حينئذ دوره على بصيرة، وينهض بتكاليفه في ثقة وطمأنينة واهتمام.
ويمضي سياق السورة في عرض تلك الارتباطات، وتحقيق دلالاتها في نظام الكون، وتثبيت مدلولاتها في القلوب.. يمضي سياق السورة في شوطين مترابطين:
في الشوط الأول يربط في نصر المؤمنين والحق الذي تقوم عليه السماوات والأرض وما بينهما، ويرتبط به أمر الدنيا والآخرة. ويوجه قلوبهم إلى سنة الله فيمن مضى قبلهم من القرون. ويقيس عليها قضية البعث والإعادة. ومن ثم يعرض عليهم مشهداً من مشاهد القيامة وما يجري فيه للمؤمنين والكافرين. ثم يعود من هذه الجولة إلى مشاهد الكون، وآيات الله المبثوثة في ثناياه؛ ودلالة تلك المشاهد وإيحائها للقلوب. ويضرب لهم من أنفسهم ومما ملكت أيمانهم مثلاً يكشف سخافة فكرة الشرك، وقيامها على الأهواء التي لا تستند إلى حق أو علم. وينهي هذا الشوط بتوجيه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اتباع طريق الحق الواحد الثابت الواضح. طريق الفطرة التي فطر الناس عليها؛ والتي لا تتبدل ولا تدور مع الهوى؛ ولا يتفرق متبعوها فرقاً وشيعاً، كما تفرق الذين اتبعوا الهوى.
وفي الشوط الثاني يكشف عما في طبيعة الناس من تقلب لا يصلح أن تقام عليه الحياة. ما لم يرتبطوا بمعيار ثابت لا يدور مع الأهواء، ويصور حالهم في الرحمة والضر، وعند بسط الرزق وقبضه. ويستطرد بهذه المناسبة إلى وسائل إنفاق هذا الرزق وتنميته. ويعود إلى قضية الشرك والشركاء فيعرضها من هذه الزاوية؛ فإذا هم لا يرزقون ولا يميتون ولا يحيون. ويربط بين ظهور الفساد في البر والبحر وعمل الناس وكسبهم؛ ويوجههم إلى السير في الأرض، والنظر في عواقب المشركين من قبل. ومن ثم يوجه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الاستقامة على دين الفطرة، من قبل أن يأتي اليوم الذي يجزى فيه كل بما كسبت يداه. ويعود بهم بعد ذلك إلى آيات الله في مشاهد الكون كما عاد بهم في الشوط الأول. ويعقب عليها بأن الهدى هدى الله؛ وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يملك إلا البلاغ، فهو لا يهدي العمي ولا يسمع الصم. ثم يطوف بهم في جولة جديدة في ذات أنفسهم ويذكرهم بأطوار نشأتهم من بدئها إلى منتهاها، منذ الطفولة الواهنة الضعيفة إلى الموت والبعث والقيامة، ويعرض عليهم مشهداً من مشاهدها. ثم ينهي هذا الشوط ويختم معه السورة بتوجيه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الصبر على دعوته، وما يلقاه من الناس فيها؛ والاطمئنان إلى أن وعد الله حق لا بد آت؛ فلا يقلقه ولا يستخفه الذين لا يوقنون.
وجو السورة وسياقها معاً يتعاونان في تصوير موضوعها الرئيسي. وهو الكشف عن الارتباطات الوثيقة بين أحوال الناس، وأحداث الحياة وماضي البشرية وحاضرها ومستقبلها، وسنن الكون ونواميس الوجود. وفي ظلال هذه الارتباطات يبدو أن كل حركة وكل نأمة، وكل حادث وكل حالة، وكل نشأة وكل عاقبة، وكل نصر وكل هزيمة.. كلها مرتبطة برباط وثيق، محكومة بقانون دقيق. وأن مرد الأمر فيها كله لله: {لله الأمر من قبل ومن بعد} وهذه هي الحقيقة الأولى التي يؤكدها القرآن كله، بوصفها الحقيقة الموجهة في هذه العقيدة. الحقيقة التي تنشأ عنها جميع التصورات والمشاعر والقيم والتقديرات؛ والتي بدونها لا يستقيم تصور ولا تقدير..
والآن نأخذ في عرض السورة بالتفصيل:
{ألم. غلبت الروم في أدنى الأرض، وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين. لله الأمر من قبل ومن بعد. ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء، وهو العزيز الرحيم. وعد الله، لا يخلف الله وعده. ولكن أكثر الناس لا يعلمون. يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون}..
بدأت السورة بالأحرف المقطعة: (ألف. لام. ميم)التي اخترنا في تفسيرها أنها للتنبيه إلى أن هذا القرآن ومنه هذه السورة مصوغ من مثل هذه الأحرف، التي يعرفها العرب؛ وهو مع هذا معجز لهم، لا يملكون صياغة مثله، والأحرف بين أيديهم، ومنها لغتهم.
ثم جاءت النبوءة الصادقة الخاصة بغلبة الروم في بضع سنين. وقد روى ابن جرير بإسناده عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: كانت فارس ظاهرة على الروم. وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم؛ وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب، وهم أقرب إلى دينهم. فلما نزلت: {ألم. غلبت الروم في أدنى الأرض، وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين}. قالوا: يا أبا بكر. إن صاحبك يقول: إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين. قال: صدق. قالوا: هل لك أن نقامرك؟ فبايعوه على أربع قلائص إلى سبع سنين. فمضت السبع ولم يكن شيء. ففرح المشركون بذلك، فشق على المسلمين؛ فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما بضع سنين عندكم؟» قالوا: دون العشر. قال: «اذهب فزايدهم وازدد سنتين في الأجل» قال: فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس. ففرح المؤمنون بذلك.
وقد وردت في هذا الحادث روايات كثيرة اخترنا منها رواية الإمام ابن جرير. وقبل أن نتجاوز الحادث إلى ما وراءه في السورة من التوجيهات نحب أن نقف أمام بعض إيحاءاته القوية.
وأول هذه الإيحاءات ذلك الترابط بين الشرك والكفر في كل مكان وزمان أمام دعوة التوحيد والإيمان.
ومع أن الدول قديماً لم تكن شديدة الاتصال، والأمم لم تكن وثيقة الارتباط كما هو الشأن في عصرنا الحاضر. مع هذا فإن المشركين في مكة كانوا يحسون أن انتصار المشركين في أي مكان على أهل الكتاب هو انتصار لهم؛ وكان المسلمون كذلك يحسون أن هناك ما يربطهم بأهل الكتاب، وكان يسوءهم أن ينتصر المشركون في أي مكان؛ وكانوا يدركون أن دعوتهم وأن قضيتهم ليست في عزلة عما يجري في أنحاء العالم من حولهم، ويؤثر في قضية الكفر والإيمان.
وهذه الحقيقة البارزة هي التي يغفل عنها الكثيرون من أهل زماننا؛ ولا ينتبهون إليها كما انتبه المسلمون والمشركون في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم. منذ حوالي أربعة عشر قرناً. ومن ثم ينحصرون داخل حدود جغرافية أو جنسية؛ ولا يدركون أن القضية في حقيقتها هي قضية الكفر والإيمان؛ وأن المعركة في صميمها هي المعركة بين حزب الله وحزب الشيطان.
وما أحوج المسلمين اليوم في جميع بقاع الأرض أن يدركوا طبيعة المعركة، وحقيقة القضية؛ فلا تلهيهم عنها تلك الأعلام الزائفة التي تتستر بها أحزاب الشرك والكفر، فإنهم لا يحاربون المسلمين إلا على العقيدة، مهما تنوعت العلل والأسباب.
والإيحاء الآخر هو تلك الثقة المطلقة في وعد الله، كما تبدو في قولة أبي بكر رضي الله عنه في غير تلعثم ولا تردد. والمشركون يعجبونه من قول صاحبه؛ فما يزيد على أن يقول: صدق. ويراهنونه فيراهن وهو واثق. ثم يتحقق وعد الله، في الأجل الذي حدده: {في بضع سنين}.. وهذه الثقة المطلقة على هذا النحو الرائع هي التي ملأت قلوب المسلمين قوة ويقيناً وثباتاً في وجه العقبات والآلام والمحن، حتى تمت كلمة الله وحق وعد الله. وهي عدة كل ذي عقيدة في الجهاد الشاق الطويل.
والإيحاء الثالث هو في تلك الجملة المعترضة في مساق الخبر، من قول الله سبحانه: {لله الأمر من قبل ومن بعد}.. والمسارعة برد الأمر كله لله. في هذا الحادث وفي سواه. وتقرير هذه الحقيقة الكلية، لتكون ميزان الموقف وميزان كل موقف. فالنصر والهزيمة، وظهور الدول ودثورها، وضعفها وقوتها. شأنه شأن سائر ما يقع في هذا الكون من أحداث ومن أحوال، مرده كله إلى الله، يصرفه كيف شاء، وفق حكمته ووفق مراده. وما الأحداث إلا آثار لهذه الإرادة المطلقة، التي ليس عليها من سلطان؛ ولا يدري أحد ما وراءها من الحكمة؛ ولا يعرف مصادرها ومواردها إلا الله. وإذن فالتسليم والاستسلام هو أقصى بما يملكه البشر أمام الأحوال والأحداث التي يجريها الله وفق قدر مرسوم.
{ألم. غلبت الروم في أدنى الأرض. وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين}..
{لله الأمر من قبل ومن بعد}..
{ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله}.
{ينصر من يشاء، وهو العزيز الرحيم}..
فالأمر له من قبل ومن بعد. وهو ينصر من يشاء. لا مقيد لمشيئته سبحانه. والمشيئة التي تريد النتيجة هي ذاتها التي تيسر الأسباب. فلا تعارض بين تعليق النصر بالمشيئة ووجود الأسباب. والنواميس التي تصرف هذا الوجود كله صادرة عن المشيئة الطليقة. وقد أرادت هذه المشيئة أن تكون هناك سنن لا تتخلف؛ وأن تكون هناك نظم لها استقرار وثبات. والنصر والهزيمة أحوال تنشأ عن مؤثرات، وفق تلك السنن التي اقتضتها تلك المشيئة الطليقة.
والعقيدة الإسلامية واضحة ومنطقية في هذا المجال. فهي ترد الأمر كله إلى الله. ولكنها لا تعفي البشر من الأخذ بالأسباب الطبيعية التي من شأنها أن تظهر النتائج إلى عالم الشهادة والواقع. أما أن تتحقق تلك النتائج فعلاً أو لا تتحقق فليس داخلاً في التكليف، لأن مرد ذلك في النهاية إلى تدبير الله. ولقد ترك الأعرابي ناقته طليقة على باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل يصلي قائلاً: توكلت على الله «فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعقلها وتوكل» فالتوكل في العقيدة الإسلامية مقيد بالأخذ بالأسباب، ورد الأمر بعد ذلك إلى الله.
{ينصر من يشاء، وهو العزيز الرحيم}..
فهذا النصر محفوف بظلال القدرة القادرة التي تنشئه وتظهره في عالم الواقع؛ وبظلال الرحمة التي تحقق به مصالح الناس؛ وتجعل منه رحمة للمنصورين والمغلوبين سواء. {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} وصلاح الأرض رحمة للمنتصرين والمهزومين في نهاية المطاف.
{وعد الله. لا يخلف الله وعده. ولكن أكثر الناس لا يعلمون. يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون}..
ذلك النصر وعد من الله، فلا بد من تحققه في واقع الحياة: {لا يخلف الله وعده} فوعده صادر عن إرادته الطليقة، وعن حكمته العميقة. وهو قادر على تحقيقه، لا راد لمشيئته، ولا معقب لحكمه، ولا يكون في الكون إلا ما يشاء.
وتحقيق هذا الوعد طرف من الناموس الأكبر الذي لا يتغير {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ولو بدا في الظاهر أنهم علماء، وأنهم يعرفون الكثير. ذلك أن علمهم سطحي، يتعلق بظواهر الحياة، ولا يتعمق سننها الثابتة، وقوانينها الأصيلة؛ ولا يدرك نواميسها الكبرى، وارتباطاتها الوثيقة: {يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا}... ثم لا يتجاوزون هذا الظاهر؛ ولا يرون ببصيرتهم ما وراءه.
وظاهر الحياة الدنيا محدود صغير، مهما بدا للناس واسعاً شاملاً، يستغرق جهودهم بعضه، ولا يستقصونه في حياتهم المحدودة. والحياة كلها طرف صغير من هذا الوجود الهائل، تحكمه نواميس وسنن مستكنة في كيان هذا الوجود وتركيبه.
والذي لا يتصل قلبه بضمير ذلك الوجود؛ ولا يتصل حسه بالنواميس والسنن التي تصرفه، يظل ينظر وكأنه لا يرى؛ ويبصر الشكل الظاهر والحركة الدائرة، ولكنه لا يدرك حكمته، ولا يعيش بها ومعها.
وأكثر الناس كذلك، لأن الإيمان الحق هو وحده الذي يصل ظاهر الحياة بأسرار الوجود؛ وهو الذي يمنح العلم روحه المدرك لأسرار الوجود. والمؤمنون هذا الإيمان قلة في مجموع الناس. ومن ثم تظل الأكثرية محجوبة عن المعرفة الحقيقية.
{وهم عن الآخرة هم غافلون}.. فالآخرة حلقة في سلسلة النشأة، وصفحة من صفحات الوجود الكثيرة. والذين لا يدركون حكمة النشأة، ولا يدركون ناموس الوجود يغفلون عن الآخرة، ولا يقدرونها قدرها، ولا يحسبون حسابها، ولا يعرفون أنها نقطة في خط سير الوجود، لا تتخلف مطلقاً ولا تحيد.
والغفلة عن الآخرة تجعل كل مقاييس الغافلين تختل؛ وتؤرجح في أكفهم ميزان القيم؛ فلا يملكون تصور الحياة وأحداثها وقيمها تصوراً صحيحاً؛ ويظل علمهم بها ظاهراً سطحياً ناقصاً، لأن حساب الآخرة في ضمير الإنسان يغير نظرته لكل ما يقع في هذه الأرض. فحياته على الأرض إن هي إلا مرحلة قصيرة من رحلته الطويلة في الكون. ونصيبه في هذه الأرض إن هو إلا قدر زهيد من نصيبه الضخم في الوجود. والأحداث والأحوال التي تتم في هذه الأرض إن هي إلا فصل صغير من الرواية الكبيرة. ولا ينبغي أن يبني الإنسان حكمه على مرحلة قصيرة من الرحلة الطويلة، وقدر زهيد من النصيب الضخم، وفصل صغير من الرواية الكبيرة!
ومن ثم لا يلتقي إنسان يؤمن بالآخرة ويحسب حسابها، مع آخر يعيش لهذه الدنيا وحدها ولا ينتظر ما وراءها. لا يلتقي هذا وذاك في تقدير أمر واحد من أمور هذه الحياة، ولا قيمة واحدة من قيمها الكثيرة؛ ولا يتفقان في حكم واحد على حادث أو حالة أو شأن من الشؤون. فلكل منهما ميزان، ولكل منهما زاوية للنظر، ولكل منهما ضوء يرى عليه الأشياء والأحداث والقيم والأحوال.. هذا يرى ظاهراً من الحياة الدنيا؛ وذلك يدرك ما وراء الظاهر من روابط وسنن، ونواميس شاملة للظاهر والباطن، والغيب والشهادة، والدنيا والآخرة، والموت والحياة، والماضي والحاضر والمستقبل، وعالم الناس والعالم الأكبر الذي يشمل الأحياء وغير الأحياء.. وهذا هو الأفق البعيد الواسع الشامل الذي ينقل الإسلام البشرية إليه؛ ويرفعها فيه إلى المكان الكريم اللائق بالإنسان. الخليفة في الأرض. المستخلف بحكم ما في كيانه من روح الله.
ولارتباط تحقق وعد الله بالنصر بالحق الأكبر الذي يقوم عليه هذا الوجود، وارتباط أمر الآخرة كذلك بهذا الحق استطرد يجول بهم جولة أخرى في ضمير هذا الكون. في السماوات والأرض وما بينهما؛ ويردهم إلى أنفسهم ينظرون في أعماقها ويتدبرون، علهم يدركون ذلك الحق الكبير، الذي يغفلون عنه حين يغفلون عن الآخرة؛ ويغفلون عن الدعوة التي تقودهم إلى رؤية ذلك الحق وتدبره:
{أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى.
وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون}.
فطبيعة تكوينهم هم أنفسهم، وطبيعة هذا الكون كله من حولهم توحي بأن هذا الوجود قائم على الحق، ثابت على الناموس، لا يضطرب، ولا تتفرق به السبل، ولا تتخلف دورته، ولا يصطدم بعضه ببعض، ولا يسير وفق المصادفة العمياء، ولا وفق الهوى المتقلب، إنما يمضي في نظامه الدقيق المحكم المقدر تقديراً. وأن من مقتضيات هذا الحق الذي يقوم عليه الوجود أن تكون هناك آخرة، يتم فيها الجزاء على العمل، ويلقى الخير والشر عاقبتهما كاملة. إنما كل شيء إلى أجله المرسوم. وفق الحكمة المدبرة؛ وكل أمر يجيء في موعده لا يستقدم لحظة ولا يستأخر. وإذا لم يعلم البشر متى تكون الساعة، فإن هذا ليس معناه أنها لا تكون! ولكن تأجيلها يغري الذين لا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا ويخدعهم: {وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون}..
ومن هذه الجولة في ضمير السماوات والأرض وما بينهما. وهي جولة بعيدة الآماد والآفاق في هيكل الكون الهائل، وفي محتوياته المنوعة، الشاملة للأحياء والأشياء، والأفلاك والأجرام، والنجوم والكواكب، والجليل والصغير، والخافي والظاهر، والمعلوم والمجهول... من هذه الجولة البعيدة في ضمير الكون ينقلهم إلى جولة أخرى في ضمير الزمان، وأبعاد التاريخ، يرون فيها طرفاً من سنة الله الجارية، التي لا تتخلف مرة ولا تحيد:
{أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، كانوا أشد منهم قوة؛ وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها؛ وجاءتهم رسلهم بالبينات، فما كان الله ليظلمهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى، أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون}..
وهي دعوة إلى التأمل في مصائر الغابرين؛ وهم ناس من الناس، وخلق من خلق الله، تكشف مصائرهم الماضية عن مصائر خلفائهم الآتية. فسنة الله هي سنة الله في الجميع. وسنة الله حق ثابت يقوم عليه هذا الوجود، بلا محاباة لجيل من الناس، ولا هوى يتقلب فتتقلب معه العواقب. حاشا لله رب العالمين!
وهي دعوة إلى إدراك حقيقة هذه الحياة وروابطها على مدار الزمان، وحقيقة هذه الإنسانية الموحدة المنشأ والمصير على مدار القرون. كي لا ينعزل جيل من الناس بنفسه وحياته، وقيمه وتصوراته، ويغفل عن الصلة الوثيقة بين أجيال البشر جميعاً، وعن وحدة السنة التي تحكم هذه الأجيال جميعاً؛ ووحدة القيم الثابتة في حياة الأجيال جميعاً.
فهؤلاء أقوام عاشوا قبل جيل المشركين في مكة {كانوا أشد منهم قوة}.. {وأثاروا الأرض}.. فحرثوها وشقوا عن باطنها، وكشفوا عن ذخائرها {وعمروها أكثر مما عمروها}.. فقد كانوا أكثر حضارة من العرب، وأقدر منهم على عمارة الأرض.. ثم وقفوا عند ظاهر الحياة الدنيا لا يتجاوزونه إلى ما وراءه: {وجاءتهم رسلهم بالبينات}.
فلم تتفتح بصائرهم لهذه السيئات؛ ولم يؤمنوا فتتصل ضمائرهم بالنور الذي يكشف الطريق. فمضت فيهم سنة الله في المكذبين؛ ولم تنفعهم قوتهم؛ ولم يغن عنهم علمهم ولا حضارتهم؛ ولقوا جزاءهم العادل الذي يستحقونه: {فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}..
{ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى}.. كانت السوأى هي العاقبة التي لقيها المسيئون وكانت جزاء وفاقاً على {أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون}..
والقرآن الكريم يدعو المكذبين المستهزئين بآيات الله أن يسيروا في الأرض فلا ينعزلوا في مكانهم كالقوقعة؛ وأن يتدبروا عاقبة أولئك المكذبين المستهزئين ويتوقعوا مثلها؛ وأن يدركوا أن سنة الله واحدة وأنها لا تحابي أحداً؛ وأن يوسعوا آفاق تفكيرهم فيدركوا وحدة البشرية، ووحدة الدعوة، ووحدة العاقبة في أجيال البشرية جميعاً. وهذا هو التصور الذي يحرص الإسلام على أن يطبع به قلب المؤمن وعقله، ويكرر القرآن الإيقاع حوله كثيراً.
ومن هاتين الجولتين في أغوار الكون وأغوار التاريخ يردهم إلى الحقيقة التي يغفل عنها الغافلون. حقيقة البعث والمآب. وهي طرف من الحق الأكبر الذي يقوم عليه الوجود:
{الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون}..
وهي حقيقة بسيطة واضحة. والترابط والتناسق بين جزئيها أو بين حلقتيها واضح كذلك. فالإعادة كالبدء لا غرابة فيها. وهما حلقتان في سلسلة النشأة، مترابطتان لا انفصام بينهما. والرجعة في النهاية إلى رب العالمين، الذي أنشأ النشأة الأولى والنشأة الآخرة، لتربية عباده ورعايتهم ومجازاتهم في النهاية على ما يعملون.
وعندما يصل السياق إلى البعث والمآب يعرض مشهداً من مشاهد القيامة، ويرسم مصائر المؤمنين والمكذبين حين يرجعون؛ ويكشف عن عبث اتخاذ الشركاء وسخف عقيدة المشركين:
{ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون، ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين. ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون. فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون. وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون}..
فها هي ذي الساعة التي يغفل عنها الغافلون، ويكذب بها المكذبون. ها هي ذي تجيء، أو ها هي ذي تقوم! وهؤلاء هم المجرمون حائرين يائسين، لا أمل لهم في نجاة، ولا رجاء لهم في خلاص. ولا شفاعة لهم من شركائهم الذين اتخذوهم في الحياة الدنيا ضالين مخدوعين! هؤلاء هم حائرين يائسين لا منقذ لهم ولا شفيع. ثم ها هم أولاء يكفرون بشركائهم الذين عبدوهم في الأرض وأشركوهم مع الله رب العالمين.
ثم ها هو ذا مفرق الطريق بين المؤمنين والكافرين:
{فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون}.. ويتلقون فيها ما يفرح القلب ويسر الخاطر ويسعد الضمير.
{وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون}..
وتلك نهاية المطاف. وعاقبة المحسنين والمسيئين.
ومن هذه الجولة في مشاهد القيامة في العالم الآخر يعود بهم إلى هذا العالم، وإلى مشاهد الكون والحياة.
وإلى عجائب الخلق وأسرار النفس، وإلى خوارق الأحداث ومعجزات التكوين. ويبدأ هذه الجولة بتسبيح الله حين تقلب الليل والنهار وحمد الله في الكون العريض بالعشي والأظهار:
{فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون. وله الحمد في السماوات والأرض وعشياً وحين تظهرون. يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون. ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون. ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة. إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم. إن في ذلك لآيات للعالمين. ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله. إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون. ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها. إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون. ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره، ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون. وله من في السماوات والأرض كل له قانتون. وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم}..
إنها جولة ضخمة هائلة، لطيفة عميقة، بعيدة الآماد والأغوار. جولة تطوّف بالقلب البشري في الأمسيات والأصباح، والسماوات والأرض، والعشي والأظهار، وتفتح هذا القلب لتدبر الحياة والموت والعمليات الدائبة في النشوء والدثور. وترتد به إلى نشأة الإنسان الأولى، وإلى ما ركب في فطرته من ميول ونوازع، وقوى وطاقات، وما يقوم بين زوجيه من علائق وروابط، وفق تلك الميول والنوازع وهذه القوى والطاقات. وتوجهه إلى آيات الله في خلق السماوات والأرض واختلاف الألسنة والألوان وفقاً لاختلاف البيئة والمكان. وإلى تدبر ما يعتري الكائن البشري من نوم ويقظة وراحة وكد. وإلى ما يعتري الكون من ظواهر البرق والمطر، وما تثيره في نفوس البشر من خوف وطمع، وفي بنية الأرض من حياة وازدهار. وتمضي هذه الجولة العجيبة في النهاية بالقلب البشري إلى قيام السماوات والأرض في هذا كله بأمر الله؛ وإلى توجه من في السماوات والأرض كلهم لله. وتنتهي بالحقيقة التي تتجلى حينئذ واضحة هينة يسيرة: إن الله هو يبدئ ويعيد. والإعادة أهون عليه. وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم:
{فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، وله الحمد في السماوات والأرض وعشياً وحين تظهرون}..
إن ذلك التسبيح وهذا الحمد يجيئان تعقيباً على مشهد القيامة في الفقرة السابقة، وفوز المؤمنين بروضة فيها يحبرون، وانتهاء الكافرين المكذبين إلى شهود العذاب. ومقدمة لهذه الجولة في ملكوت السماوات والأرض، وأغوار النفس وعجائب الخلق.
فيتسقان مع التعقيب على المشهد وعلى التقديم للجولة كل الاتساق.
والنص يربط التسبيح والحمد بالأوقات: الإمساء والإصباح والعشي والأظهار؛ كما يربطهما بآفاق السماوات والأرض. فيتقصى بهما الزمان والمكان؛ ويربط القلب البشري بالله في كل بقعة وفي كل أوان؛ ويشعر بتلك الرابطة في الخالق مع هيكل الكون ودورة الأفلاك وظواهر الليل والنهار والعشي والأظهار.. ومن ثم يظل هذا القلب مفتوحاً يقظاً حساساً، وكل ما حوله من مشاهد وظواهر، وكل ما يختلف عليه من آونة وأحوال، يذكره بتسبيح الله وحمده؛ ويصله بخالقه وخالق المشاهد والظواهر والآونة والأحوال.
{يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ويحيي الأرض بعد موتها.. وكذلك تخرجون}..
{يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها}.. تلك العملية الدائبة التي لا تكف ولا تني لحظة واحدة من لحظات الليل والنهار في كل مكان، على سطح الأرض، وفي أجواز الفضاء، وفي أعماق البحار.. ففي كل لحظة يتم هذا التحول. بل هذه المعجزة الخارقة التي لا ننتبه إليها لطول الألفة والتكرار. في كل لحظة يخرج حي من ميت ويخرج ميت من حي. وفي كل لحظة يتحرك برعم ساكن من جوف حبة أو نواة فيفلقها ويخرج إلى وجه الحياة؛ وفي كل لحظة يجف عود أو شجرة تستوفي أجلها فتتحول إلى هشيم أو حطام. ومن خلال الهشيم والحطام توجد الحبة الجديدة الساكنة المتهيئة للحياة والإنبات؛ ويوجد الغاز الذي ينطلق في الجو أو تتعذى به التربة، وتستعد للإخصاب. وفي كل لحظة تدب الحياة في جنين. إنسان أو حيوان أو طائر. والجثة التي ترمى في الأرض وتختلط بالتربة وتشحنها بالغازات هي مادة جديدة للحياة وغذاء جديد للنبات، فالحيوان والإنسان! ومثل هذا يتم في أغوار البحار وفي أجواز الفضاء على السواء.
إنها دورة دائبة عجيبة رهيبة لن يتأملها بالحس الواعي والقلب البصير، ويراها على هدى القرآن ونوره المستمد من نور الله.
{وكذلك تخرجون}.. فالأمر عادي واقعي لا غرابة فيه وليس بدعاً مما يشهده الكون في كل لحظة من لحظات الليل والنهار في كل مكان!
{ومن آياته أن خلقكم من تراب، ثم إذا أنتم بشر تنتشرون}..
والتراب ميت ساكن؛ ومنه نشأ الإنسان. وفي موضع آخر في القرآن جاء: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} فالطين هو الأصل البعيد للإنسان. ولكن هنا يذكر هذا الأصل ويعقبه مباشرة بصورة البشر منتشرين متحركين. للمقابلة في المشهد والمعنى بين التراب الميت الساكن والبشر الحي المتحرك. وذلك بعد قوله: {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} تنسيقاً للعرض على طريقة القرآن.
وهذه المعجزة الخارقة آية من آيات القدرة، وإيحاء كذلك بالصلة الوثيقة بين البشر وهذه الأرض التي يعيشون عليها؛ والتي يلتقون بها في أصل تكوينهم، وفي النواميس التي تحكمها وتحكمهم في نطاق الوجود الكبير.
والنقلة الضخمة من صورة التراب الساكن الزهيد إلى صورة الإنسان المتحرك الجليل القدر.. نقلة تثير التأمل في صنع الله؛ وتستجيش الضمير للحمد والتسبيح لله؛ وتحرك القلب لتمجيد الصانع المتفضل الكريم.
ومن مجال الخلقة الأولى لنوع البشر ينتقل إلى مجال الحياة المشتركة بين جنسي البشر:
{ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة. إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}..
والناس يعرفون مشاعرهم تجاه الجنس الآخر، وتشغل أعصابهم ومشاعرهم تلك الصلة بين الجنسين؛ وتدفع خطاهم وتحرك نشاطهم تلك المشاعر المختلفة الأنماط والاتجاهات بين الرجل والمرأة. ولكنهم قلما يتذكرون يد الله التي خلقت لهم من أنفسهم أزواجاً، وأودعت نفوسهم هذه العواطف والمشاعر، وجعلت في تلك الصلة سكناً للنفس والعصب، وراحة للجسم والقلب، واستقراراً للحياة والمعاش، وأنساً للأرواح والضمائر واطمئناناً للرجل والمرأة على السواء.
والتعبير القرآني اللطيف الرفيق يصور هذه العلاقة تصويراً موحياً، وكأنما يلتقط الصورة من أعماق القلب وأغوار الحس: {لتسكنوا إليها}.. {وجعل بينكم مودة ورحمة}..
{إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}.. فيدركون حكمة الخالق في خلق كل من الجنسين على نحو يجعله موافقاً للآخر. ملبياً لحاجته الفطرية: نفسية وعقلية وجسدية. بحيث يجد عنده الراحة والطمأنينة والاستقرار؛ ويجدان في اجتماعهما السكن والاكتفاء، والمودة والرحمة، لأن تركيبهما النفسي والعصبي والعضوي ملحوظ فيه تلبية رغائب كل منهما في الآخر، وائتلافهما وامتزاجهما في النهاية لإنشاء حياة جديدة تتمثل في جيل جديد..
{ومن آياته خلق السماوات والأرض، واختلاف ألسنتكم وألوانكم. إن في ذلك لآيات للعالمين}..
وآية خلق السماوات والأرض كثيراً ما يشار إليها في القرآن، وكثيراً ما نمر عليها سراعاً دون أن نتوقف أمامها طويلاً.. ولكنها جديرة بطول الوقوف والتدبر العميق.
إن خلق السماوات والأرض معناه إنشاء هذا الخلق الهائل الضخم العظيم الدقيق؛ الذي لا نعرف عنه إلا أقل من القليل. هذا الحشد الذي لا يحصى من الأفلاك والمدارات والنجوم والكواكب والسدم والمجرات. تلك التي لا تزيد أرضنا الصغيرة عن أن تكون ذرة تائهة بينها تكاد أن تكون لا وزن لها ولا ظل! ومع الضخامة الهائلة ذلك التناسق العجيب بين الأفلاك والمدارات والدورات والحركات؛ وما بينهما من مسافات وأبعاد تحفظها من التصادم والخلل والتخلف والاضطراب؛ وتجعل كل شيء في أمرها بمقدار.
ذلك كله من ناحية الحجم العام والنظام، فأما أسرار هذه الخلائق الهائلة وطبائعها وما يستكن فيها وما يظهر عليها؛ والنواميس الكبرى التي تحفظها وتحكمها وتصرفها.. فهذا كله أعظم من أن يلم به الإنسان؛ وما عرف عنه إلا أقل من القليل، ودراسة هذا الكوكب الصغير الضئيل الذي نعيش على سطحه لم يتم منها حتى اليوم إلا القليل!
هذه لمحة خاطفة عن آية خلق السماوات والأرض التي نمر عليها سراعاً.
بينما نتحدث طويلاً. وطويلاً جداً. عن جهاز صغير يركبه علماء الإنسان؛ ويحتفظون فيه بالتناسق بين أجزائه المختلفة لتعمل كلها في حركة منتظمة دون تصادم ولا خلل فترة من الزمان! ثم يستطيع بعض التائهين الضالين المنحرفين أن يزعم أن هذا الكون الهائل المنظم الدقيق العجيب وجد واستمر بدون خالق مدبر. ويجد من يستطيع أن يسمع لهذا الهراء! من العلماء!
ومع آية السماوات والأرض عجيبة اختلاف الألسنة والألوان.. بين بني الإنسان. ولا بد أنها ذات علاقة بخلق السماوات والأرض. فاختلاف الأجواء على سطح الأرض واختلاف البيئات ذلك الاختلاف الناشئ من طبيعة وضع الأرض الفلكي، ذو علاقة باختلاف الألسنة والألوان. مع اتحاد الأصل والنشأة في بني الإنسان.
وعلماء هذا الزمان يرون اختلاف اللغات والألوان؛ ثم يمرون عليه دون أن يروا فيه يد الله، وآياته في خلق السماوات والأرض. وقد يدرسون هذه الظاهرة دراسة موضوعية. ولكنهم لا يقفون ليمجدوا الخالق المدبر للظواهر والبواطن. ذلك أن أكثر الناس لا يعلمون. {يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا}. وآية خلق السماوات والأرض واختلاف الألسنة والألوان لا يراها إلا الذين يعلمون: {إن في ذلك لآيات للعالمين}..
{ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله. إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون}..
وهذه آية كذلك تجمع بين ظواهر كونية وما يتعلق بها من أحوال البشرية، وتربط بين هذه وتلك. وتنسق بينهما في صلب هذا الوجود الكبير.. تجمع بين ظاهرتي الليل والنهار ونوم البشر ونشاطهم ابتغاء رزق الله، الذي يتفضل به على العباد، بعد أن يبذلوا نشاطهم في الكد والابتغاء، وقد خلقهم الله متناسقين مع الكون الذي يعيشون فيه؛ وجعل حاجتهم إلى النشاط والعمل يلبيها الضوء والنهار؛ وحاجتهم إلى النوم والراحة يلبيها الليل والظلام. مثلهم مثل جميع الأحياء على ظهر هذا الكوكب على نسب متفاوتة في هذا ودرجات. وكلها تجد في نظام الكون العام ما يلبي طبيعتها ويسمح لها بالحياة.
{إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون}.. والنوم والسعي سكون وحركة يدركان بالسمع. ومن ثم يتناسق هذا التعقيب في الآية القرآنية مع الآية الكونية التي تتحدث عنها على طريقة القرآن الكريم.
{ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً، وينزل من السماء ماءً فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}..
وظاهرة البرق ظاهرة ناشئة من النظام الكوني؛ ويعللها بعضهم بأنها تنشأ من انطلاق شرارة كهربائية بين سحابتين محملتين بالكهرباء، أو بين سحابة وجسم أرضي كقمة جبل مثلاً. ينشأ عنها تفريغ في الهواء يتمثل في الرعد الذي يعقب البرق. وفي الغالب يصاحب هذا وذلك تساقط المطر نتيجة لذلك التصادم. وأياً ما كان السبب فالبرق ظاهرة ناشئة عن نظام هذا الكون كما خلقه البارئ وقدره تقديرا.
والقرآن الكريم حسب طبيعته لا يفصل كثيراً في ماهية الظواهر الكونية وعللها؛ إنما يتخذ منها أداة لوصل القلب البشري بالوجود وخالق الوجود. ومن ثم يقرر هنا أنها آية من آيات الله أن يريهم البرق {خوفاً وطمعاً}.. وهما الشعوران الفطريان اللذان يتعاوران النفس البشرية أمام تلك الظاهرة. شعور الخوف من الصواعق التي تحرق الناس والأشياء أحياناً عندما يبرق البرق. أو الخوف الغامض من رؤية البرق وما يوقعه في الحس من الشعور بالقوة المصرفة لهيكل هذا الكون الهائل. وشعور الطمع في الخير من وراء المطر الذي يصاحب البرق في معظم الأحوال؛ والذي عقب بذكره في الآية بعد ذكر البرق: {وينزل من السماء ماءً فيحيي به الأرض بعد موتها}...
والتعبير بالحياة والموت بالقياس إلى الأرض تعبير يخيل أن الأرض كائن حيّ، يحيا ويموت. وإنها لكذلك في حقيقتها التي يصورها القرآن الكريم. فهذا الكون خليقة حية متعاطفة متجاوبة، مطيعة لربها خاضعة خاشعة، ملبية لأمره مسبحة عابدة. والإنسان الذي يدب على هذا الكوكب الأرضي واحد من خلائق الله هذه، يسير معها في موكب واحد متجه إلى الله رب العالمين.
ذلك كله بالإضافة إلى أن الماء حين يصيب الأرض، يبعث فيها الخصب، فتنبت الزرع الحي النامي؛ وتموج صفحتها بالحياة المنبثقة في هذا النبات. ومن ثم في الحيوان والإنسان. والماء رسول الحياة فحيث كان تكون الحياة.
{إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}.. فهنا للعقل مجال للتدبر والتفكير.
{ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره، ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون. وله من في السماوات والأرض كل له قانتون}.
وقيام السماء والأرض منتظمة سليمة مقدرة الحركات لا يكون إلا بقدرة من الله وتدبير. وما من مخلوق يملك أن يدعي أنه هو أو سواه يفعل هذا. وما من عاقل يملك أن يقول: إن هذا كله يقع بدون تدبير. وإذن فهي آية من آيات الله أن تقوم السماء والأرض بأمره، ملبية لهذا الأمر، طائعة له، دون انحراف ولا تلكؤ ولا اضطراب.
{ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون}..
ومن يرى هذا التقدير في نظام الكون، وهذه السلطة على مقدراته، لا يشك في تلبية البشر الضعاف لدعوة تصدر إليهم من الخالق القادر العظيم، بالخروج من القبور!
ثم يأتي الإيقاع الأخير ختاماً لهذا التقرير؛ فإذا كل من في السماوات والأرض من خلائق قانتون لله طائعون.
{وله من في السماوات والأرض كل له قانتون}...
ولقد نرى أن الكثيرين من الناس لا قانتين لله ولا عابدين. ولكن هذا التقرير إنما يعني خضوع كل من في السماوات والأرض لإرادة الله ومشيئته التي تصرفهم وفق السنة المرسومة التي لا تتخلف ولا تحيد. فهم محكومون بهذه السنة ولو كانوا كافرين.
إنما تعصى عقولهم وتكفر قلوبهم ولكنهم مع هذا محكومون بالناموس مأخوذون بالسنة، يتصرف فيهم خالقهم وفق ما يريد تصرفه بباقي العبيد وهم لا يملكون إلا الخضوع والقنوت.
ثم يختم تلك الجولة الضخمة الهائلة اللطيفة العميقة بتقرير قضية البعث والقيامة التي يغفل عنها الغافلون:
{وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم}..
وقد سبق في السورة تقرير البدء والإعادة، وهو يعاد هنا بعد تلك الجولة العريضة ويضاف إليه جديد: {وهو أهون عليه}.. وليس شيء أهون على الله ولا أصعب. {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن. فيكون} ولكنه إنما يخاطب الناس بحسب إدراكهم، ففي تقدير الناس أن بدء الخلق أصعب من إعادته، فما بالهم يرون الإعادة عسيرة على الله. وهي في طبيعتها أهون وأيسر؟!
{وله المثل الأعلى في السماوات والأرض}... فهو سبحانه ينفرد في السماوات والأرض بصفاته لا يشاركه فيها أحد، وليس كمثله شيء، إنما هو الفرد الصمد.
{وهو العزيز الحكيم}... العزيز القاهر الذي يفعل ما يريد. الحكيم الذي يدبر الخلق بإحكام وتقدير.
وعندما تنتهي تلك الجولة التي طوف فيها القلب البشري بتلك الآفاق والآماد، والأعماق والأغوار، والظواهر والأحوال، يواجهه سياق السورة بإيقاع جديد:
{ضرب لكم مثلاً من أنفسكم: هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم. فأنتم فيه سواء، تخافونهم كخيفتكم أنفسكم؟ كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون}..
ضرب هذا المثل لمن كانوا يتخذون من دون الله شركاء خلقاً من خلقه: جناً أو ملائكة أو أصناماً وأشجاراً. وهم لا يرتضون أن يشاركهم مواليهم في شيء مما تحت أيديهم من مال. ولا يسوون عبيدهم بأنفسهم في شيء من الاعتبار. فيبدو أمرهم عجباً. يجعلون لله شركاء من عبيده وهو الخالق الرازق وحده. ويأنفون أن يجعلوا لأنفسهم من عبيدهم شركاء في مالهم. وما لهم ليس من خلقهم إنما هو من رزق الله. وهو تناقض عجيب في التصور والتقدير.
وهو يفصل لهم هذا المثل خطوة خطوة: {ضرب لكم مثلاً من أنفسكم} ليس بعيداً عنكم ولا يحتاج إلى رحلة أو نقلة لملاحظته وتدبره.. {هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء؟}.. وهم لا يرضون أن يشاركهم ما ملكت أيمانهم في شيء من الرزق فضلاً على أن يساووهم فيه {تخافونهم كخيفتكم أنفسكم}... أي تحسبون حسابهم معكم كما تحسبون حساب الشركاء الأحرار، وتخشون أن يجوروا عليكم، وتتحرجوا كذلك من الجور عليهم، لأنهم أكفاء لكم وأنداد؟ هل يقع شيء من هذا في محيطكم القريب وشأنكم الخاص؟ وإذا لم يكن شيء من هذا يقع فكيف ترضونه في حق الله وله المثل الأعلى؟
وهو مثل واضح بسيط حاسم لا مجال للجدل فيه، وهو يرتكن إلى المنطق البسيط وإلى العقل المستقيم: {كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون}.
..
وعند هذا الحد من عرض تناقضهم في دعوى الشرك المتهافتة، يكشف عن العلة الأصيلة في هذا التناقض المريب: إنه الهوى الذي لا يستند على عقل أو تفكير:
{بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم. فمن يهدي من أضل الله؟ وما لهم من ناصرين}...
والهوى لا ضابط له ولا مقياس. إنما هو شهوة النفس المتقلبة ونزوتها المضطربة، ورغباتها ومخاوفها. وآمالها ومطامعها التي لا تستند إلى حق ولا تقف عند حد ولا تزن بميزان. وهو الضلال الذي لا يرجى معه هدى، والشرود الذي لا ترجى معه أوبة: {فمن يهدي من أضل الله؟} نتيجة لاتباعه هواه؟ {وما لهم من ناصرين} يمنعونهم من سوء المصير.
وعند هذا الحد يفرغ من أمر هؤلاء الذين يتبعون أهواءهم المتقلبة المضطربة؛ ويتجه بالخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليستقيم على دين الله الثابت المستند على فطرة الله التي فطر الناس عليها؛ وهو عقيدة واحدة ثابتة لا تتفرق معها السبل كما تفرق المشركون شيعاً وأحزاباً مع الأهواء والنزوات!
{فأقم وجهك للدين حنيفاً. فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخق الله. ذلك الدين القيم. ولكن أكثر الناس لا يعلمون. منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون}..
هذا التوجيه لإقامة الوجه للدين القيم يجيء في موعده، وفي موضعه، بعد تلك الجولات في ضمير الكون ومشاهده، وفي أغوار النفس وفطرتها.. يجيء في أوانه وقد تهيأت القلوب المستقيمة الفطرة لاستقباله؛ كما أن القلوب المنحرفة قد فقدت كل حجة لها وكل دليل، ووقفت مجردة من كل عدة لها وكل سلاح.. وهذا هو السلطان القوي الذي يصدع به القرآن. السلطان الذي لا تقف له القلوب ولا تملك رده النفوس.
{فأقم وجهك للدين حنيفاً}.. واتجه إليه مستقيماً. فهذا الدين هو العاصم من الأهواء المتفرقة التي لا تستند على حق، ولا تستمد من علم، إنما تتبع الشهوات، والنزوات بغير ضابط ولا دليل... أقم وجهك للدين حينفاً مائلاً عن كل ما عداه، مستقيماً على نهيه دون سواه:
{فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله}.. وبهذا يربط بين فطرة النفس البشرية وطبيعة هذا الدين؛ وكلاهما من صنع الله؛ وكلاهما موافق لناموس الوجود؛ وكلاهما متناسق مع الآخر في طبيعته واتجاهه. والله الذي خلق القلب البشري هو الذي أنزل إليه هذا الدين ليحكمه ويصرفه ويطب له من المرض ويقومه من الانحراف. وهو أعلم بمن خلق وهو اللطيف الخبير. والفطرة ثابتة والدين ثابت: {لا تبديل لخلق الله}. فإذا انحرفت النفوس عن الفطرة لم يردها إليها إلا هذا الدين المتناسق مع الفطرة.




البحث


كلمات متتالية كلمات متفرقة




موضوعات القرآن
  • الإيمان
  • العلم
  • العبادات
  • أحكام الأسرة
  • المعاملات
  • الحدود والجنايات
  • الجهاد
  • الأطعمة والأشربة
  • أحكام الجنائز
  • الأخلاق
  • تكريم الله للإنسان
  • القصص والتاريخ
  • الأمثال