سورة الأحزاب / الآية رقم 49 / تفسير روائع البيان / أحمد بن علي العجمي / القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
القرآن الكريم
طريقة عرض الآيات
صور
نصوص

تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً وَلاَ تُطِعِ الكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أَجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً

الأحزابالأحزابالأحزابالأحزابالأحزابالأحزابالأحزابالأحزابالأحزابالأحزابالأحزابالأحزابالأحزابالأحزابالأحزاب




تلاوة آية تلاوة سورة الشرح الصوتي

التفسير


{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (49)}
[3] الطلاق قبل المساس:
التحليل اللفظي:
{نَكَحْتُمُ}: يطلق النكاح تارة ويراد به العقد، ويطلق تارةً ويراد به الوطء. والمراد به هنا العقد باتفاق العلماء بدليل قوله تعالى: {مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} وأصل النكاح في اللغة: الضمّ والجمع قال الشاعر:
ضممتُ إلى صدري معطّرَ صَدْرها *** كما نَكَحَتْ أُم الغلام صَبَّيها
قال القرطبي: النكاح حقيقة في الوطء. وتسمية العقد نكاحاً لملابسته له من حيث أنه طريق إليه. ونظيره تسميتهم الخمر إثماً لأنها سبب في اقتراف الإثم، ولم يرد لفظ النكاح في القرآن إلا في معنى العقد لأنه في معنى العقد لأنه في معنى الوطء، وهو من آداب القرآن الكناية عنه بلفظ (الملامسة، والمماسّة، والقربان، والتغشي، والإتيان).
{المؤمنات}: فيه إشارة إلى أنه ينبغي أن يقع اختيار الأزواج على المؤمنات. وليس لفظ الإيمان في قوله: (المؤمنات) للقيد أو الشرط بل هو لمراعاة الغالب من حال المؤمنين أنهم لا يتزوجون إلا بمؤمنات، وهذا مما اتفق عليه الفقهاء ولو كان للقيد أو الشرط لكان حكم (الكتابيات) مختلفاً عن حكم المؤمنات مع أن الحكم واحد.
قال الألوسي: (وتخصيص المؤمنات مع عموم الحكم للكتابيات للتنبيه على أن المؤمن من شأنه أن يتخيّر لنطفته ولا ينكح إلا مؤمنة، وحاصله أنه لبيان الأحرى والأليق).
{تَمَسُّوهُنَّ}: المراد بالمسّ هنا (الجماع) بإجماع الفقهاء. وقد اشتهرت الكناية به وبلفظ الملامسة والمماسّة ونحوها في لسان الشرع عن الجماع، وهو كما أسلفنا من آداب القرآن لأن القرآن العظيم يتحاشى ذكر الألفاظ الفاحشة فيكني عنها مثل قوله تعالى: {أَوْ لامستم النسآء فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً} [النساء: 43] وقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} [المجادلة: 3] وهكذا كنّى عن الجماع باللمس أو المماسّة، ولو كان المراد في الآية حقيقة المسّ باليد وهي إلصاق اليد بالجسم للزمت العدّة فيما لو طلّقها بعد أمسّها بيده من غير جماع ولا خلوة، ولم يقل بذلك أحد من الفقهاء.
{عِدَّةٍ}: العدّة في اللغة مأخوذة من العَدّ لأن المرأة تعدّ الأيام التي تجلسها بعد طلاق زوجها لها أو وفاته، وهي شرعاً: المدة التي تتربص فيها المرأة لمعرفة براءة رحمها، أو للتعبد، أو للتفجع على زوج مات.
{تَعْتَدُّونَهَا}: أي تعدّونها عليهن، أو تستوفون عددها عليهن، يقال: عدّ الدراهم فاعتدّها أي استوفى عددها ومثله قولك: كلته فاكنلته، ووزنته فاتّزنته.
{فَمَتِّعُوهُنَّ}: أي اعطوهن المُتْعةُ في الأصل ما يَمتّع به من مالٍ أو ثياب، وقد حدّدها بعض الفقهاء بأنها (قميص وخمار ومِلْحَفةً) والصحيح أن المتعة لا تختص بالكسوة بل هي في لسان الشرع: كل ما يعطيه الزوج لمطلقته ارضاءً لها وتخفيفاً من شدة وقع الطلاق عليها.
{وَسَرِّحُوهُنَّ}: أي طلقوهن، قال القرطبي: التسريح إرسال الشيء ومنه تسريح الشعر ليخلص البعض من البعض، وسرّح الماشية: أرسلها.
وقال الألوسي: أصل التسريح أن ترعى الإبل السّرْح وهو شجر له ثمره ثم جعل لكل إرسال في الرعي ثم لكل إرسال وإخراج. والمراد هنا تركهن وعدم حبسهن في منزل الزوجية.
{سَرَاحاً جَمِيلاً}: أي طلاقاً بالمعروف فهو مثل قوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 2] وقوله كذلك: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان} [البقرة: 229] والسراح الجميل يكون بالتلطف مع المطلقة بالقول، وترك أذاها، وعدم حرمانها مما وجب لها من حقوق، والإحسان إليها.
المعنى الإجمالي:
يخاطب الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين فيقول: يا أيها الذين آمنوا إذا عقدتم عقد الزواج على المؤمنات وتزوجتموهن، ثم طلقتموهن من قبل أن تقربوهنّ فليس لكم عليهن حق في العدّة تستوفون عددها عليهنّ لأنكم طلقتموهن قبل المِساس وهذا لا يستلزم احتباس المرأة في البيت وجلوسها في العدّة من أجل صيانة تسبكم لأنكم لم تعاشروهن فليس هناك احتمال للحمل، فالواجب عليكم أن تمتعوهن بدفع ما تطيب نفوسكم لأنكم لم تعاشروهن فليس هناك احتمال للحمل، فالواجب عليكم أن تمتعوهن بدفع ما تطيب نفوسكم لهن. وتكرموهنّ بشيءٍ من المال أو الكسوة تطييباً لخاطرهن وتخفيفاً لشدة وقع الطلاق عليهن وأن تفارقوهنّ بالمعروف فلا تؤذوهن بقول أو عمل، ولا تحرموهن مما وجب لهن عليكم من حقوق. فإنّ ذلك من مقتضى إيمانكم وطاعتكم لله عز وجلّ والله تعالى أعلم.
وجه الارتباط بالآيات السابقة:
كان الحديث في الآيات السابقة عن نساء النبي صلى الله عليه وسلم وما ينبغي أن يكنّ عليه من طاعة لله ورسوله، وزهدٍ في الدنيا، وطهارة وكمال، لأنهن لسن كبقية النساء، والله تبارك وتعالى يريد لهنّ أن يحافظن على ذلك الشرف الرفيع وهو انتسابهن إلى رسول الله حيث أصبحن أمهاتٍ للمؤمنين وزوجات الرسول الطاهرات، وقد أعقب ذلك بذكر قصة (زيد بن حارثة) وتطليقه (زينب) رضي الله عنها التي تزوجها الرسول بعد ذلك بأمرٍ من الله سبحانه وتعالى وذلك لحكمة جليلة وهي إبطال (بدعة التبني) ثم جاء الخطاب هنا للمؤمنين بحكم الزوجة تطلّق قبل المساس وكيف يجب على المؤمنين أن يفعلوا فيما إذا وقع منهم الطلاق قبل المعاشرة، وما هي الأحكام الشرعية التي ينبغي عليهم أن يتمسكوا بها في مثل هذه الأحوال، فهذا وجه الارتباط والله أعلم.
لطائف التفسير:
اللطيفة الأولى: قوله تعالى: {نَكَحْتُمُ المؤمنات} فيه إشارة إلى أن المؤمن ينبغي أن يتخيّر لنطفته وأن ينكح المؤمنة الطاهرة، لأن إيمانها يجعلها تحافظ على عفتها ويحجزها عن الوقوع في الفاحشة والشرّ. فتصون عرض زوجها وتحفظه في حضرته وغيبته وصدق الله: {وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} [البقرة: 221].
اللطيفة الثانية: قوله تعالى: {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} التعبير (بثم) دون الفاء أو الواو، والعطف بها (التراخي) للإشارة إلى أن الطلاق ينبغي أن يكون بعد تريث وتفكير طويل، ولضرورة ملحّة لأن الطلاق من الأمور التي يبغضها الله حيث فيه هدم وتحطيم للحياة الزوجية ولهذا قال بعض الفقهاء: إن الآية ترشد إلى أن الأصل في الطلاق الحظر، وأنه لا يباح إلا إذا فسدت الحياة الزوجية، ولم تفلح وسائل الإصلاح بين الزوجين.
والحكم واحد لا يختلف فيمن تزوّج امرأة فطلّقها على الفور، أو طلّقها على التراخي. (انظر روح المعاني).
اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: {مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} كنّى بالمسّ عن الجماع وهذا- كما أسلفنا- أدب من آداب القرآن، ينبغي على المسلم أن يتأدب به فيكنى عن كل شيء قبيح أو فاحش.
وما أجمل أدب الرسول حين قال للمرأة المطلّقة المبتوتة التي جاءت تستأذنه في العودة إلى زوجها الأول: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك». اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ} في إسناد العدّة إلى الرجال إشارة إلى أنها حقّ للمطلّق، فوجوب العدّة على المرأة من أجل الحفاظ على نسب الإنسان فإنّ الرجل يغار على ولده، ويهمه ألا يُسْقَى زرعُه بماء غيره، ولكنّها على المشهور ليست حقاً خالصاً للعبد، بل تعلّق بها حقّ الشارع أيضاً، فإن منع الفساد باختلاط الانساب من حق الشارع.
والصحيح أنّ وجوب العدة فيها (حق الله، وحق العبد)؛ ولهذا قال الفقهاء العدّةُ تجب لحكم عديدة: لمعرفة (براءة الرحم، وللتعبد، أو للتفجع) فتدبره.
وجوه القراءات:
1- قرأ الجمهور: {من قبل أن تمسّوهنّ} أي تقربوهن. وقرأ حمزة والكسائي: {من قبل أن تُمَاسّوهنّ} بزيادة ألف، والمعنى واحد.
2- قرأ الجمهور: {من عدّة تَعْتَدّونها} بتشديد الدال من العدّ أي تستوفون عددها، من قولك: عدّ الدراهم فاعتدّها أي استوفى عددها، وقرأ ابن كثير وغيره بتخفيف الدال: {تَعْتَدُونها} قال الزمخشري: أي تعتدون فيها كقوله: ويوماً شهدناه. والمراد بالاعتداء ما في قوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ} [البقرة: 231].
قال أبو حيان: المعنى تعتدون عليهن فيها، فلما حذف حرف الجر وصل الفعل إلى ضمير العدّة كقوله: ويوماً شهدناه سليماً وعامراً، أي شهدنا فيه.
وجوه الإعراب:
أولاً: قوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} الآية.
(ما) نافية حجازية تعمل عمل ليس، و(لكم) جار ومجرور خبرها مقدم. و(من) صلة تأدباً. و(عدة) اسم ليس مؤخر مجرور لفظاً مرفوع محلاً. قال ابن مالك:
وزيد في نفيٍ وشبهه فجّر *** نكرة كما لباغٍ من مفر
والمعنى: ليس لكم عليهن عدّة توجبونها عليهن.
ثانياً: قوله تعالى: {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً}.
(سراحاً) مفعول مطلق و(جميلاً) صفة له منصوب.
الأحكام الشرعية:
الحكم الأول: هل يقع الطلاق قبل النكاح؟
أجمع الفقهاء على أن الطلاق لا يقع قبل النكاح استدلالاً بقوله تعالى: {إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} فقد رتّب الطلاق على النكاح وعطفه (بثمّ) التي تفيد الترتيب مع التراخي، واستدلالاً بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا طلاق قبل النكاح» واختلفوا فيمن علّق الطلاق مثل قوله: (إن تزوجت فلانة فهي طالق)، أو قوله: (كل امرأة أتزوجها فهي طالق) على مذهبين: أ- مذهب الشافعي وأحمد: أنه لا يقع الطلاق وهو مروي عن (ابن عباس) رضي الله عنهما.
ب- مذهب أبي حنيفة ومالك: أنه يقع الطلاق بعد عقد الزواج وهو مروي عن (ابن مسعود) رضي الله عنه.
أدلة الشافعية والحنابلة:
أ- استدل الإمامان الشافعي وأحمد رحمهما الله على أن التعليق مثل التنجيز، طلاقٌ قبل النكاح، وإذا طلّق الإنسان امرأة، لا يملكها (أنت طالق) فإنه لا يقع باتفاق فكذا المعلّق من الطلاق لا يقع به طلاق.
ب- واستدلوا بحديث: «لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك».
وهذا الرأي ذهب إليه الجمهور من الصحابة والتابعين وقد عدّ البخاري منهم أربعة وعشرين في باب (لا طلاق قبل النكاح) وهو منقول عن (ابن عباس) رحمه الله، فقد روي أنه سئل عن ذلك أي (عن الطلاق المعلَّق) فقال: هو ليس بشيء. فقيل له إن (ابن مسعود) يخالفك يقول: إذا طلّق ما لم ينكح فهو جائز. فقال: رحم الله أبا عبد الرحمن، لو كان كما قال لقال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن) ولكن إنما قال: {إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ}.
أدلة المالكية والحنفية:
واستدل الحنفية والمالكية بأنّ الطلاق يعتمد الملك، أو الإضافة إلى الملك، لكنه في حالة الإضافة إلى الملك يبقى معلّقاً حتى يحصل شرطه، فإذا قال للأجنبية (إن تزوجتك فأنت طالق) كان هذا تعليقاً صحيحاً، ولا يقع الطلاق به الآن إنما يقع بعد أن يتزوجها، فهو مثل قوله: (إن دخلتِ الدار فأنت طالق) لا يقع الطلاق إلا بعد الدخول، فكذا هنا لا يقع الطلاق إلاّ بعد أن يعقد عقد الزواج عليها، فيكون الطلاق واقعاً في الملك بالضرورة فكأنه أوقعه عليها حينذاك، وقالوا: الفرق واضح بين تنجيز الطلاق على الأجنبية وبين تعليق طلاقها على النكاح فإن قول الرجل لامرأةٍ أجنبية (هي طالق) كلام لغو، لأنها ليست زوجته وقد طلّق ما لم يملك فهو طلاق قبل النكاح لا يقع أصلاً. أما قوله: (إن تزوجت فلانة فهي طالق) فهو معلّق على الملك والفرق واضح بينهما. وهذا القول قال به جمع غفير من العلماء منهم (ابن مسعود) رضي الله عنه ودليله قوي وهو الأحوط كما نبّه عليه (ابن العربي) والجصاص.
والخلاصة فإنَّ الطلاق بعد النكاح يقع باتفاق الفقهاء، والطلاق المنجّز قبل النكاح لا يقع باتفاق، والطلاق المعلّق على النكاح يقع عند الحنفية والمالكية ولا يقع عند الشافعية والحنابلة، ولكل وجهة هو موليها والله تعالى أعلم.
الحكم الثاني: هل الخلوة الصحيحة توجب العدّة والمهر؟
ظاهر الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: {مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} الذي هو كناية عن الجماع أنَّ الخلوة ولو كانت صحيحة لا توجب ما يوجبه الجماع من العدّة والمهر، وهذا مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، ودليله: أن الله سبحانه وتعالى نفى وجوب العدّة إذا طلقت قبل الجماع، والخلوةُ ليست جماعاً فلا يجب بها العدّة ولا المهر.
وذهب الجمهور (المالكية والحنفية والحنابلة) إلى أن الخلوة كالجماع توجب المهر كاملاً، وتوجب العدّة.
1- واستدلوا بما رواه الدارقطني عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كشف خمار امرأةٍ ونظر إليها وجب الصَدَاق دخل بها أو لم يدخل».
ب- وروي عن عمر أنه قال: (إذا أغلق باباً وأرخى ستراً ورأى عورة فقد وجب الصَدَاق وعليها العدة ولها الميراث)
ج- وروي عن زُرَاة بن أبي أوفى أنه قال: (قضى الخلفاء الراشدون المهديُّون أنه إذا أرخى الستور، وأغلق الباب، فلها الصداق كاملاً وعليها العدّة دخل بها أو لم يدخل).
الترجيح: وأنت ترى أن أدلة الجمهور أقوى، وحجتهم أظهر، إذ يحتمل أن يبقى الرجل مع زوجته عاماً كاملاً، يبيت معها في فراش واحد، ولكنَّه لم يجامعها طيلة هذه المدة فلا بدَّ أن نوجب عليه دفع المهر كاملاً، ونلزمها بالعدّة وذلك اعتباراً بالخلوة الصحيحة ودفعاً للنزاع والخلاف.
وقد اختلف القائلون بوجوب العدّة بالخلوة الصحيحة فمنهم من يقول: إنها واجبة (يانةً، وقضاءً) ومنهم من يقول بوجوبها قضاءً لا ديانةً لأن القاضي إنما يحكم بالظاهر والرأي الأول أصحّ.
الحكم الثالث: ما هو حكم المطلّقة رجعياً هل تستأنف العدّة إذا راجعها زوجها ثم طلقها قبل المساس؟
اختلف الفقهاء في المرأة المطلّقة رجعياً فيما إذا طلقها زوجها بعد المراجعة قبل أن يمسّها على أقوال:
أ- مذهب الظاهرية: أنه لا عدة عليها جديدة والعدة الأولى قد بطلت بالطلاق الثاني، فلا يجب عليه أن تكمّل العدة الأولى. (وهذا رأي ضعيف)
ب- مذهب الشافعي: تبني على عدة الطلاق الأول وليس عليها أن تستأنف عدة جديدة.
ح- مذهب مالك وأبي حنيفة: عليها أن تستأنف عدة جديدة، قال القرطبي: وعلى هذا أكثر أهل العلم.
دليل الظاهرية: استدل داود الظاهري ومن قال بقوله أنّ المطلّقة الرجعية إذا راجعها زوجها قبل أن تنقضي عدتها ثم فارقها قبل أن يمسّها، أنه ليس عليه أن تتم عدتها ولا عدة مستقبلة، لأنها مطلّقة قبل الدخول بها أخذاً بظاهر الآية.
دليل الشافعي: استدل داود الظاهري ومن قال بقوله أنّ المطلّقة الرجعية إذا راجعها زوجها قبل أن تنقضي عدتها ثم فارقها قبل أن يمسّها، أنه ليس عليها أن تتم عدتها ولا عدة مستقبلة، لأنها مطلّقة قبل الدخول بها أخذاً بظاهر الآية.
دليل الشافعي: استدل الشافعي رحمه الله بأن المطلّقة تبني على عدتها الأولى وليس عليها أن تستأنف عدة جديدة، بأنّ الطلاق الثاني لا عدة له لأنه طلاق قبل المساس، ولكن لا ينبغي أن يبطل ما وجب بالطلاق الأول فإنه طلاق بعد دخول يجب أن تراعى فيه حكمة الشارع في إيجاب العدة. فطلاقه لها قبل أن يمسّها في حكم من طلّقها في عدتها قبل أن يراجعها، ومن طلّق امرأته في كل ظهر مرةً بنَتْ ولم تستأنف.
دليل المالكية والحنفية: قالوا إن عليها أن تستأنف عدةً جديدة، لأن الطلاق الثاني وإن كان لم يفصل بينه وبين الرجعة مسّ ولا خلوة، لكنه لا يصدق عليه أنه قد حصل قبل الدخول على الإطلاق، إذا المفروض أن المرأة كان مدخولاً بها من قبل، فيجب عليها أن تستأنف عدةً كاملة لأنها في حكم الموطوءة.
قال القرطبي: نقلاً عن الإمام مالك: إنها تنشئ عدةً مستقبلة، وقد ظلم زوجُها نفسَه وأخطأ إن كان ارتجعها ولا حاجة له بها، وعلى هذا أكثر أهل العلم لأنها في حكم الزوجات المدخول بهنّ في النفقة والسكنى وغير ذلك، وهو قول جمهور فقهاء البصرة والكوفة ومكة والمدينة والشام.
الحكم الرابع: هل تجب المتعة لكل مطلّقة؟
ظاهر قوله تعالى: {فَمَتِّعُوهُنَّ} إيجاب المتعة للمطلقة قبل الدخول سواءً فرض لها مهر أو لم يفرض لها مهر، ويقوّي هذا الظاهر قوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بالمعروف حَقّاً عَلَى المتقين} [البقرة: 241] فقد أوجبت لكل مطلقة (المتعة) وقد اختلف الفقهاء في وجوب المتعة على أقوال:
أ- إنها واجبة لكل مطلّقة فرض لها مهر أم لم يفرض لها مهر عملاً بظاهر الآية وهو مذهب (الحسن البصري).
ب- إن المتعة واجبة للمطلّقة قبل الدخول التي لم يفرض لها مهر وهو مذهب (الحنفية والشافعية). وبهذا قال (ابن عباس) رضي الله عنهما. وأما التي فرض لها مهر فتكون المتعة لها مستحبة.
ح- إن المتعة مستحبة للجميع وليست واجبة لأحدٍ من النساء وهو مذهب (المالكية).
وسبب الخلاف بين الفقهاء في (وجوب لمتعة) أو استحبابها هو أنه قد ورد في القرآن الكريم آيات كريمة ظاهرها التعارض، فمنها ما يوجب المتعة على الإطلاق، ومنها ما يوجب المتعة عند عدم ذكر المهر المفروض لها، ومنها ما لم ينصّ على المتعة أصلاً فلهذا وقع الخلاف بين الفقهاء. أما الآيات الكريمة فهي آية الأحزاب: {فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} وآية البقرة [236]: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ مَتَاعاً بالمعروف حَقّاً عَلَى المحسنين} وآية البقرة [237] كذلك: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} الآية.
فالآية الأولى مطلقة. والثانية مقيّدة بقيدين (عدم المسّ، وعدم الفرض) وأول الآية هو قوله تعالى: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ} [البقرة: 236] الآية.
والثالثة أوجبت نصف المهر فقط ولم تذكر المتعة، فمن الفقهاء من جعل آية البقرة مخصّصة لآية الأحزاب ويكون المعنى (فمتعوهن إن لم يكن مفروضاً لهن المهر في النكاح) وبهذا التفسير قال (ابن عباس) ويؤيده أن المتعة إنما وجبت دفعاً لإيحاش الزوج لها بالطلاق، فإذا وجب للمطلّقة قبل الدخول نصف المهر كان ذلك جابراً للوحشة فلا تجبُ لها المتعة.
الترجيح: ويظهر من الأدلة أن حجة الفريق الثاني وهم (الحنفية والشافعية) أقوى وأظهر وهو مذهب ابن عباس وفيه جمع بين الأدلة والله أعلم.
ما ترشد إليه الآيات الكريمة:
أولاً- على الإنسان أن يختار في الزواج المرأة المؤمنة الطاهرة.
ثانياً- الطلاق هدم للحياة الزوجية فلا يصح أن يقع إلا في الحالات الضرورية.
ثالثاً- لا تجب العدة بالإجماع إذا طلقت المرأة قبل الدخول بها.
رابعاً: على الزوج أن يجبر خاطر زوجته المطلّقة بالمتعة.
خامساً- حرمة إيذاء المطلّقة وتسريحها بالمعروف والإحسان.
خاتمة البحث:
حكمة التشريع:
شرع الله تعالى الزواج لبقاء النوع الإنساني، وعزّز من روابطه وأركانه وأحاط الأسرة بسياج مقدس من التكريم والتقدير. وأقام الحياة بين الزوجين على أساس التفاهم والتعاون والمحبّة والمودّة {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتسكنوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].
وقد أباح الإسلام الطلاق في ظروف استثنائية ضرورية، وذلك ليخلّص الإنسان من شقاء محتّم، وينقذه من مشكلةٍ قد تحرمه السعادة، أو تكلفه حياته.
والطلاق: في الإسلام أبغض الحلال إلى الله، لأن فيه خراب البيوت، وضياع الأسرة. وتشريد الأولاد. ولكنّه ضرورة لا بدّ منها عند اللزوم، فلا بدّ أن تكون الأسباب فيه جليَّة. والدوافع قاهرة، وألاّ يكونه ثمة طريق إلى الخلاص من ذلك الشقاء إلاّ بالطلاق، وقد قيل في الأمثال: (آخر الدواء الكيّ).
وقد أرشد الإسلام إلى الاستعمال الحكيم لهذا العلاج، بألاّ يقدم عليه الإنسان إلاّ بعد درسٍ وتمحيص. وروّية وبصيرة. فإنّ الطلاق ما شرع إلاّ ليحقّق الطمأنينة والسعادة للإنسان. ويدفع عنه مرارة العيش، وقساوة الحياة. وإذا لم يستعمله المرء في الطريق المأمون انقلب إلى إعصارٍ مخرّب مدمّر، فحرم الأسرة الأمن والاستقرار. فهو إذاً سلاح ذو حدين: فإما أن يستعمله الإنسان فيما يجلب إليه الشقاء. أو يستعمله فيما يخلّصه من الشقاء.
وقد حكم الباري جلّ وعلا بأنّ من طلّق زوجه قبل المسيس. فليس له عليها حق أن يمنعها من الزواج. لأنها لا عدّة عليها. والعدّة إنما تجب لمعرفة براءة الرحم. صيانةً لحق الزوج. لئلا يختلط نسبه بنسب غيره، أو يُسقى زرعه بماء غيره... ولمّا كان هذا الطلاق قبل المعاشرة والاتصال الزوجي، إذاً فلا عدة ولا سبيل له عليها. فيجب أن يحسن معاملتها. بمنعها من الزوج {فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً}.
وبذلك صان المولى جلّ وعلا كرامة المرأة، ودفع عنها عدوان الزوج وطغيانه، وحفظ لكلٍ حقّه، فلم يظلم المرأة، ولم يفرّط في حقّ الرجل، وفسح المجال لكل من الزوجين في الحياة السعيدة الكريمة.
فما أسمى تعاليم الإسلام؟ وما أعدل نظمه وأحكامه!!




البحث


كلمات متتالية كلمات متفرقة




موضوعات القرآن
  • الإيمان
  • العلم
  • العبادات
  • أحكام الأسرة
  • المعاملات
  • الحدود والجنايات
  • الجهاد
  • الأطعمة والأشربة
  • أحكام الجنائز
  • الأخلاق
  • تكريم الله للإنسان
  • القصص والتاريخ
  • الأمثال