سورة آل عمران / الآية رقم 137 / تفسير تفسير الثعلبي / أحمد بن علي العجمي / القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
القرآن الكريم
طريقة عرض الآيات
صور
نصوص

وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ

آل عمرانآل عمرانآل عمرانآل عمرانآل عمرانآل عمرانآل عمرانآل عمرانآل عمرانآل عمرانآل عمرانآل عمرانآل عمرانآل عمرانآل عمران




تلاوة آية تلاوة سورة الشرح الصوتي

التفسير


{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136) قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138)}
{ياأيها الذين آمنوا إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب} قال زيد بن أسلم: مرَّ شاس ابن قيس اليهودي وكان شيخاً قد عسا في الجاهلية عظيم الكفر شديد الطعن في المسلمين شديد الحسد لهم على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من جماعتهم والفتهم وصلاح ذات بينهم في الإسلام بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة فقال: لقد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد لا والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا بها من قرار، فأمر شاباً من اليهود كان معه قال: اعمد إليهم فاجلس معهم ثم ذكرهم يوم بعاث وما كان قيله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار وكان بعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج ففعل، فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب، أوس بن قبطي أحد بني حارثة من الأوس، وحيان بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج، فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددتها الآن جذعة، وغضب الفريقان جميعاً وقالا: قد جعلنا السلاح موعدكم الظاهرة وهي حرة، وخرجوا إليها وانضمت الأوس والخزرج بعضها على بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين حتى جاءهم فقال: «يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألّف بينكم، ترجعون إلى ما كنتم إليه كفاراً الله الله» فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان وكيدهم من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا وعانق بعضهم بعضاً ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين. فأنزل الله في شأن شاس بن قيس.
{ياأيها الذين آمنوا} يعني الأوس والخزرج {إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب} يعني شاساً وأصحابه {يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ}.
قال جابر بن عبد الله: ما كان من طالع أكره إلينا من رسول الله علينا فأومى إلينا بيده فكففنا وأصلح الله ما بيننا فما كان من شخص أحبُّ إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيت قط يوماً أقبح أولا وأحسن آخراً من ذلك اليوم، ثم قال على وجه التعجب {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ} يعني ولِمَ تكفرون {وَأَنْتُمْ تتلى عَلَيْكُمْ آيَاتُ الله} من القرآن {وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} محمد صلى الله عليه وسلم قال قتادة: في هذه الآية علمان بيّنان: نبي الله وكتاب الله، فأمّا نبي الله فقد مضى وأمّا كتاب الله فأبقاه الله بين أظهركم رحمة منه ونعمة، فيه حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته.
{وَمَن يَعْتَصِم بالله} أي يمتنع بالله ويتمسك بدينه وطاعته {فَقَدْ هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} طريق واضح.
وقال ابن جريج: {ومن يعتصم بالله} أي يؤمن بالله، وأصل العصم والعصمة المنع، فكل مانع شيئاً فهو عاصم.
قال الفرزدق:
أنا ابن العاصمين بني تميم *** إذا ما أعظم الحدثان ناباً
والممتنع معتصم. فقال: اعتصمت الشيء واعتصمت به وهو الأفصح.
قال الشاعر:
يظل من خوفه الملاح معتصماً *** بالخيزرانة بعد الأين والنجد
وقال آخر:
إذا أنت جازيت الأخاء بمثله *** وآسيتني ثم اعتصمت حبالياً
وقال حميد بن ثور يصف رجلا حمل امرأة بذنبه:
وما كاد لما أن علته يقلها *** بنهضته حتى أكلان واعتصما
{ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ}.
قال مقاتل بن حيان: كان بين الأوس والخزرج في الجاهلية وصال حتى هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فأصلح بينهم، فافتخر بعد ذلك منهم رجلان: ثعلبة بن غنم من الأوس وأسعد بن زرارة من الخزرج، فقال الأوسي: منّا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، ومنّا حنظلة غسيل الملائكة، ومنّا عاصم بن ثابت بن أفلح حمي الدين، ومنّا سعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمة له ورضى الله بحكمه في بني قريظة، وقال الخزرجي: منّا أربعة أحكموا القرآن: أُبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد، ومنّا سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم فجرى الكلام بينهما فغضبا، فقال الخزرجي: أما والله لو تأخر الإسلام قليلا وقدوم النبي صلى الله عليه وسلم لقتلنا ساداتكم، واستعبدنا آبائكم ونكحنا نسائكم بغير مهر.
فقال الأوسي: قد كان الإسلام متأخراً زماناً طويلا فهلاّ فعلتم ذلك، فقد ضربناكم حتى أدخلناكم الديار، وأنشدا الأشعار وتفاخرا وتأذيا، فجاء الأوس إلى الأوسي والخزرج إلى الخزرجي ومعهم سلاح، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فركب حماراً وأتاهم فأنزل الله تعالى هذه الآية {ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ} الآيات، فقرأها عليهم فاصطلحوا.
وقال عطاء: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر وقال: «يا معشر المسلمين مالي أُوذى في أهلي» يعني الطعن في قصة الإفك، وقال: «ما علمت على أهلي إلاّ خيراً، ولقد ذكروا رجلا ما علمت منه إلاّ خيراً وما كان يدخل على أهلي إلاّ معي».
فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله وأكفيك أمره وأنصرك عليه، إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك.
فقام سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج وكان رجلا صالحاً ولكنه احتملته الحمية فقال لسعد ابن معاذ: كذبت لعمر الله. فقال سعد: والله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فثار الأوس والخزرج حتى همّوا أن يقتتلوا ودعوا بالسلاح، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا، فأنزل الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته}.
عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «{حَقَّ تُقَاتِهِ} أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى وأن يُشكر فلا يُكفر».
وقال أبو عثمان: أن لا يعصى طرفة عين.
مجاهد: أن يجاهدوا حق جهاده.
ولا تأخذكم في الله لومة لائم وتقوموا لله بالقسط ولو على أنفسكم وآبائكم وأبناءكم.
الحسن: هو أن تعطيه فيما تعبده.
قال الزجاج: أي اتقوا فيما يحق عليكم أن تتقوه واسمعوا وأطيعوا.
قال المفسرون: فلما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله ومن يقوى على هذا وشق عليهم فأنزل الله تعالى {فاتقوا الله مَا استطعتم} [التغابن: 16] فنسخت هذه الآية.
قال مقاتل: وليس في آل عمران من المنسوخ إلاّ هذا.
{وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ}.
قال طاوس: معناه اتقوا الله حق تقاته وإن لم تفعلوا ولم تستطيعوا، {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} أي مؤمنون.
وقيل: مخلصون مفوضون أموركم إلى الله عزّ وجلّ.
وقال المفضل: المحسنون الظن بالله.
وروى الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «{ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في الأرض لأمرّت على أهل الأرض معيشتهم فكيف بمن هو طعامه».
وعن أنس بن مالك قال: لا يتقي الله عبد حق تقاته حتى يخزن من لسانه {واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً} أصل الحبل السبب الذي يوصل إلى البغية والحاجة، ولذلك سمّي الأمان حبلا، لأنه سبب يوصل به إلى زوال الخوف.
وقال الأعشى بن ثعلبة:
وإذا تجوزها حبال قبيلة *** أخذت من الأخرى إليك حبالها
واختلفوا في الحبل المعني بهذه الآية:
فقال ابن عباس: تمسكوا بدين الله.
وروى الشعبي عن ابن مسعود أنه قال في قوله: {واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً} قال الجماعة.
وقال ابن مسعود: يا أيها الذين آمنوا عليكم بالطاعة والجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به وإنّ ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير ممّا تحبون في الفرقة.
وقال مجاهد وعطاء: بالعهد.
قتادة والسدي والضحاك: هو القرآن، يدل عليه ما روى عن الحرث أنه قال: دخلت المسجد فإذا الناس قد وقعوا في الأحاديث، فأتيت علياً كرم الله وجهه فقلت: ألا ترى أن الناس قد وقعوا في الأحاديث؟ فقال: وقد فعلوا؟ فقلت: نعم، فقال: أما أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنها ستكون فتنة» قال: قلت: فما الخروج منها يا رسول الله؟ قال: «كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، فهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه وهو الذي لم تنته الجن إذا سمعته إلاّ أن قالوا {سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً} [الجن: 1] من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم خذها إليك يا أعور».
وروى أبو الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا القرآن مأدبة الله تعالى فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن هو حبل الله وهو النور المبين والشفاء النافع وعصمة من تمسك به ونجاة من تبعه، لا يعوج فيقوّم ولا يزيغ فيستعتب ولا تقضى عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد، فاقرأوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما أني لا أقول ألم حرف ولكن ألف ولام وميم ثلاثون حسنة».
وروى سعيد بن مسروق عن يزيد بن حيان قال: دخلنا على زيد بن أرقم فقلنا له: لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصليت خلفه؟ قال: نعم، وإنه خطبنا فقال: «إني تارك فيكم كتاب الله هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على الضلالة».
وروى عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله يقول: «يا أيها الناس إني قد تركت فيكم خليفتين إن أخذتم بهما لن تضلوا بعدي، أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله جل جلاله من السماء وعترتي أهل بيتي، ألا وإنّهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض».
فقال مقاتل بن حيان: {بحبل الله} أي بأمره وطاعته.
أبو العالية: بإخلاص التوحيد لله عزّ وجلّ.
ابن زيد: بالإسلام.
{وَلاَ تَفَرَّقُواْ} كما تفرقت اليهود والنصارى.
وروى الأوزاعي عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة وإن امتي ستفترق على اثنى وسبعين فرقة كلها في النار إلاّ واحدة»فقيل يا رسول الله وما هذه الواحدة؟ قال فقبض يده، وقال: «الجماعة» ثم قرأ {واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ}.
وروى أبان بن تغلب عن جعفر بن محمد: نحن حبل الله الذي قال الله: {واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ}.
أخبرني محمد بن كعب القرظي عن أبي سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله رضى لكم ثلاثاً وكره لكم ثلاثاً: رضى لكم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واسمعوا وأطيعوا لمن ولاّه الله أمركم، وكره لكم القيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة المال».
وعن عبد الله بن بارق الحنفي عن سماك- يعني الحنفي- قال: قلت لابن عباس: قوم يظلموننا ويعتدون علينا في صدقاتنا ألا تمنعهم؟ فقال: لا يا حنفي أعطهم صدقتهم وإن أتاك أهدل الشفتين منتفش المنخرين يعني زنجياً فأعطه، فنعم القلوص قلوص يأمن بها المرؤس عروسه ووطنه- يعني امرأته- وقربة اللبن يا حنفي الجماعة الجماعة، إنما هلكت الأمم الخالية بتفرقها أما سمعت قول الله: {جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ}.
{واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً}. قال محمد بن إسحاق بن يسار وغيره من أهل الأخبار قال: كانت الأوس والخزرج أخوين لأب وأم فوقعت بينهما عداوة بسبب سمير وحاطب، وذلك أن سميراً هو سمير بن زيد ابن مالك أحد بني عمرو بن عوف، قيل: حليفاً لملك بن عجلان، والآخر من الخزرج يقال له: حاطب بن أبحر من مزينة، فوقعت بين القبيلتين الحرب، فزعم العلماء بأيام العرب أن تلك الحرب والعداوة تطاولت بينهم عشرين ومائة سنة، ولم يسمع بقوم كان بينهم من العداوة والحرب ما كان بينهم، واتصلت تلك العداوة إلى أن أطفأها الله بالإسلام وألّف بينهم برسوله صلى الله عليه وسلم وكان سبب الفتهم وارتفاع وحشتهم أن سويد بن صامت أخا بني عمرو بن عوف قدم مكة حاجاً أو معتمراً وكان سويد إنما تسميه قومه الكامل لجلادته وشعره ونسبه وشرفه وحكمته، فقدم سويد مكة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بُعث وأمر بالدعوة إلى الله عزّ وجلّ، فتصدّى له حين سمع به، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله عزّ وجلّ وإلى الإسلام.
فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما الذي معك؟»قال: مجلة لقمان، يعني حكمته، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعرضها عليَّ»فعرضها عليه فقال: «إن هذا الكلام حسن والذي معي أفضل، هذا قرآن أنزله الله عليَّ نوراً وهدى» فتلا عليه القرآن ودعاه إلى الإسلام فلم يبعده عنه وقال: إن هذا القول حسن، ثم انصرف عنه وقدم المدينة، فلم يلبث أن قتله الخزرج قبل يوم بعاث وكان قومه يقولون: قُتل وهو مسلم، ثم قدم أبو الجيش أنس بن رافع ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم أياس بن معاذ، يلتمسون الحلف من قريش على قوم من الخزرج، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم فجلس إليهم فقال: «هل لكم إلى خير ممّا جئتم له؟» قالوا: وما ذلك؟ قال: «أنا رسول الله بعثني الله إلى العباد أدعوهم إلى الله أن يعبدوا الله ولا يشركوا بالله شيئاً وأنزل عليَّ الكتاب» ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن.
فقال إياس بن معاذ وكان غلاماً حدثاً: أي قوم هذا والله خير ممّا جئتم به، فأخذ أبو الجيش أنس بن رافع حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس بن معاذ وقال: دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا، فصمت أياس وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرفوا إلى المدينة وكانت وقعة بعاث بين بني الأوس والخزرج، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك، فلما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبيه خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقى فيه النفر من الأنصار يعرض نفسه على قبائل العرب كما يصنع في كل موسم، فبينا هو عند العقبة إذ لقى رهطاً من الخزرج أراد الله بهم خيراً، وهم ستة نفر أسعد بن زرارة، وعوف بن عفراء، ورافع بن ملك، وقطبة بن عارف، وعقبة ابن عامر، وجابر بن عبد الله.
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أنتم؟».
قالوا: نفر من الخزرج، قال: «أمن موالي اليهود؟» قالوا: نعم، قال: «أفلا تجلسون حتى أكلمكم؟».
قالوا: بلى، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن، قال: وكان ممّا صنع الله لهم به في الإسلام أن يهوداً كانوا معهم ببلادهم وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل أوثان وشرك، وكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا: إن نبيّنا الآن مبعوث قد أظل زمانه نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله، فقال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون والله إنه للنبي الذي تدعوكم به اليهود فلا يسبقنكم إليه، فأجابوه وصدقوه وأسلموا وقالوا: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى الله أن يجمعهم لك وستقدم عليهم فتدعوهم إلى حربهم، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز عليك. ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم قد آمنوا. فلما قدموا المدينة ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الاسلام حتى فشاهم فيهم فلم تبق لهم دار من دور الأنصار إلاّ وفيها ذكر من رسول الله حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار إثنا عشر رجلاً وهم أسعد بن زرارة، وعوف ومعوّذ ابنا عفراء ورافع بن مالك بن العجلاني الخزرجي وذكوان بن عبد القيس وعبادة بن الصامت ويزيد بن ثعلبة وعباس بن عبادة وعقبة بن عامر وقطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو فهؤلاء خزرجيون، وأبو الهيثم بن التيهان واسمه ملك وعويتم بن ساعدة من الأوس، فلقوه بالعقبة وهي العقبة الأولى فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء على أن لا يشركوا بالله شيئاً ولا يزنوا إلى آخر الآية ثم قال: «إن وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم شيئاً من ذلك فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم».
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السخي الجهول أحبَّ إلى الله من العالم البخيل».
عبد السلام بن عبد الله عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السماح شجرة في الجنة أغصانها في الدنيا من تعلق بغصن من أغصانها قادته إلى الجنة، والبخل شجرة في النار أغصانها في الدنيا من تعلق بغصن من أغصانها قادته إلى النار».
{والكاظمين الغيظ} أي الجامعين الغيظ عند امتلاء أنفسهم منه، والكافين غضبهم عن إمضائه يردّون غيظهم وحزنهم إلى أجوافهم ويصبرون فلا يظهرون، وأصل الكظم: حبس الشيء عن امتلائه، يقال: كظمت القربة إذا ملأتها، وما يقال لمجاري الماء: كظائم، لامتلائها بالماء وأخذ بها كظامة، ومنه قيل: أخذت بكظمه، يعني بمجاري نفسه، ومنه كظم الإبل وهو حبسها جررها في أجوافها ولا تجتر، وإنما يفعل ذلك من الفزع والجهل.
قال أعشى باهلة يصف رجلاً نحّاراً للإبل وهي تفزع منه:
قد تكظم البزل منه حين تبصره *** حتى تقطع في أجوافها الجرر
ومنه قيل: رجل كظيم ومكظوم إذا كان ممتلئاً غضباً وغماً وحزناً. قال الله تعالى: {وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف: 84] وقال: {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ} [النحل: 58] وقال: {إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ} [القلم: 48] وقال: {إِذِ القلوب لَدَى الحناجر كَاظِمِينَ} [غافر: 18].
وقال عبد المطلب بن هاشم:
فحضضت قومي فاحتبست قتالهم *** والقوم من خوف المنايا كُظمُ
وفي الحديث: «ما من جرعة أحمد عقباناً من جرعة غيظ مكظومة».
وروى سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كظم الغيظ وهو يقدر على إنفاذه دعاه إلله يوم القيامة على رؤس الخلائق حتى يخيّره من أي الحور يشاء».
أنشدنا أبو القاسم محمد بن حبيب قال: أنشدنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن رميح قال: أنشدنا ابن أبي الزنجي ببغداد قال: أنشدنا العرجي:
وإذا غضبت فكن وقوراً كاظماً *** للغيظ تبصر ما تقول وتسمع
فكفى به شرفاً تصبر ساعة *** يرضى بها عنك الإله وترفع
أي يرفع قدرك.
{والعافين عَنِ الناس}.
قال الرباحي والكلبي: عن المملوكين، وقال زيد بن أسلم ومقاتل: عمّن ظلمهم وأساء إليهم، وقال مقاتل بن حيان في هذه الآية: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عند ذلك: «إن هؤلاء في أمتي قليل إلاّ من عصم الله وقد كانوا كثيراً في الأمم التي مضت».
وعن أبي هريرة أن أبا بكر رضي الله عنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس، فجاء رجل فوقع في أبي بكر وهو ساكت والنبي صلى الله عليه وسلم يبتسم، ثم ردَّ أبو بكر رضي الله عنه عنه بعض الذي قال، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقام فلحقه أبو بكر فقال: يا رسول الله شتمني وأنت تبتسم ثم رددت عليه بعض ما قال فغضبت وقمت، فقال: «إنك حين كنت ساكتاً كان معك ملك يرد عنك فلما تكلمت وقع الشيطان فلم أكن لأقعد في مقعد يقعده الشيطان، ثمّ قال: يا أبا بكر ثلاث كلّهن حق: أنه ليس عبد يظلم بمظلمة فيعفوا عنها إلاّ أعز الله نصره، وليس عبد يفتح باب مسألة يريد به كثرة إلاّ زاده الله قلة وليس عبد يفتح باب عطية أو صلة إلاّ زاده الله بها كثرة».
وقال عروة بن الزبير:
لن يبلغ المجد أقوام وإن كرموا *** حتى يذلوا وإن عزّوا لأقوام
ويشتموا فترى الألوان مشرقة *** لاصفح ذل ولكن صفح أحلام
{والله يُحِبُّ المحسنين}.
قال مقاتل: يعني إن هذه الأشياء إحسان ومن فعل ذلك فهو محسن والله يحب المحسنين.
قال الحسن: الإحسان أن يعمّ ولا يخص كالريح والشمس والمطر.
سفيان الثوري: الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك، فإن الإحسان إلى المحسن مزاجرة كلمة السوق خُذ وهات.
السقطي: الإحسان أن يحسن وقت الإمكان، فليس في كل وقت يمكنك الإحسان.
أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبو العباس عبد الله بن محمد الجماني:
ليس في كل ساعة و أوان *** تتهيأ صنائع الإحسان
فإذا أمكنت فبادر إليها *** حذراً من تعذر الإمكان
ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت قصوراً مشرفة على الجنة فقلت يا جبرئيل لمن هذه؟ قال: للكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين».
{والذين إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظلموا أَنْفُسَهُمْ} الآية.
قال ابن عباس: قال المؤمنون يا رسول الله كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منّا، كان أحدهم إذا أذنب ذنباً أصبحت كفارة ذنبهم مكتوبة في عتبة بابه اجدع أنفك وأذنك، افعل كذا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بخير من ذلك فقرأ عليهم هذه الآيات».
وقال عطاء: نزلت هذه الآية في نبهان التمار وكنيته أبو مقبل أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمراً فقال لها: إن هذا التمر ليس بجيد وفي البيت أجود منه فهل لك فيه؟ قالت: نعم، فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبّلها، فقالت له: اتق الله، فتركها وندم على ذلك فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له ذلك فنزلت هذه الآية.
وقال مقاتل والكلبي: «آخا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجلين أحدهما من الأنصار والآخر من ثقيف، فخرج الثقفي في غزاة واستخلف الأنصاري على أهله، فاشترى لهم اللحم ذات يوم، فلما أرادت المرأة أن تأخذه منه دخل على أثرها فدخلت المرأة بيتاً فتبعها فاتقته بيدها، فقبّل يدها ثم ندم وانصرف، فقالت له: والله ما حفظت غيبة أخيك ولا نلت حاجتك، فخرج الأنصاري ووضع التراب على رأسه وهام على وجهه، فلما رجع الثقفي لم يستقبله الأنصاري فسأل امرأته عن حاله.
فقالت: لا أكثر الله في الاخوان مثله ووصفت له الحال، والأنصاري يسيح في الجبال تائباً مستغفراً، وطلبه الثقفي حتى وجده، فأتى به أبا بكر رضي الله عنه رجاء أن يجدا راحة عنده فخرجا، وقال الأنصاري: هلكت، قال: وما أهلكك؟ فذكر له القصة، فقال أبو بكر: ويحك أما علمت أن الله تعالى يغار للغازي ما لا يغار للمقيم، ثم لقى عمر رضي الله عنه فقال: مثل ذلك، فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال له مثل مقالتهما، فأنزل الله تعالى {والذين إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً}» هي صفة لاسم متروك تقديره: {والذين إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} يعني قبيحة خارجة عمّا أذن الله فيه، وأصل الفحش القبيح والخروج عن الحد، ولذلك قيل للمفرط في الطول أنه فاحش الطول، والكلام القبيح غير القصد فالكلام فاحش والمتكلم به مفحش.
قال السدي: يعني بالفاحشة هاهنا الزّنا، يدل عليه ما روى حماد بن ثابت عن جابر {والذين إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} قال: زنى القوم وربّ الكعبة، أو ظلموا أنفسهم بالمعصية.
وقال مقاتل والكلبي: وهو ما دون الزنا من قُبله أو لمسة أو نظرة فيما لا يحل.
الأصم: فعلوا فاحشة الكبائر أو ظلموا أنفسهم بالصغائر، وقيل: فعلوا فاحشة فعلا وظلموا أنفسهم قولا.
{ذَكَرُواْ الله} قال الضحاك: ذكروا العرض الأكبر على الله عزّ وجلّ، مقاتل والواقدي: تفكروا في أنفسهم أن الله سائلهم عنه، مقاتل بن حيان: ذكروا الله باللسان عند الذنوب فاستغفروا لذنوبهم. {وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله} أي وهل يغفر الذنوب إلاّ الله وما يغفر الذنوب إلاّ الله؛ فلذلك رفع. {وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ} واختلفوا في معنى الإصرار:
فقال أكثر المفسرين: معناه لم يقيموا ولم يدوموا ولم يثبتوا عليه، ولكنهم تابوا وأقرّوا واستغفروا.
قتادة: إيّاكم والإصرار، فإنما هلك المصرون الماضون قدماً قدماً في معاصي الله، لا تنهاهم مخافة الله عن حرام حرّمه الله، ولا يتوبون من ذنب أصابوه، حتى أتاهم الموت وهم على ذلك.
وقال الحسن: اتيان العبد ذنباً عمداً إصراراً، السدي: الإصرار السكوت وترك الاستغفار، وفي الخبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أصرَّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة».
وروى عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس كبيرة بكبيرة مع الاستغفار وليس صغيرة بصغيرة مع الإصرار» وأصل الإصرار الثبات على الشيء.
قال الحُطيئة: يصف الخيل:
عوابس بالشعث الكماة إذا ابتغوا *** غلالتها بالمحصدات أصرّت
أي ثبتت على عدوّها، نظم الآية: ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون، {وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله}.
قال ابن عباس والحسن ومقاتل وابن يسار: {وهم يعلمون} أنها معصية.
الضحاك: {وهم يعلمون} أن الله يملك مغفرة ذنوبهم. السدي: {وهم يعلمون} أنهم قد أذنبوا. وقيل: {وهم يعلمون} أن الإصرار ضار، فإن ترك الإصرار خير من التمادي، كما قيل:
أقرر بذنبك ثم اطلب تجاوزه *** إن الجحود الذنب ذنبان
وقال الحسين بن الفضل: {وهم يعلمون} أن لهم ربّاً يغفر الذنوب، وإنما اقتبس هذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أذنب ذنباً وعلم أن له ربّاً يغفر الذنوب غفر له وإن لم يستغفر».
وقال صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عزّ وجلّ: من علم أني ذو قدرة على المغفرة غفرت له ولا أُبالي».
وقال عبيد بن عمير: في بعض الكتب المنزلة: يابن آدم إنك ما دعوتني وما رجوتني فإني أغفر لك على ما كان منك ولا أبالي. وروى محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مرَّ رجل ممّن كان قبلكم في بني إسرائيل بجمجمة فنظر إليها فحدث نفسه بشيء ثم قال: أنت أنت وأنا أنا، أنت العواد بالمغفرة وأنا العواد بالذنوب ثم خرَّ لله ساجداً، فقيل له ارفع رأسك فأنا العواد بالمغفرة وأنت العواد بالذنوب فرفع رأسه فغفر له».
وقيل: وهم يعلمون أنهم إن استغفروا غفر لهم وإن التوبة تمحق الحوبة.
{أولئك جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي} إلى {العاملين} ثواب المطيعين.
يقال: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن يا موسى ما أقل حياء من يطمع في جنتي بغير عمل، يا موسى كيف أجود برحمتي على من يبخل بطاعتي.
وقال شهر بن حوشب: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب.
وقال ثابت البناني: بلغني أن إبليس بكى حين نزلت هذه الآية {والذين إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} الآية إلى آخرها.
{قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ}، قال ابن زيد: أمثال.
المفضّل: أُمم، والسُنّة الأمّة.
قال الشاعر:
ما عاين الناس من فضل كفضلكم *** ولا رأوا مثلكم في سالف السنن
وقال بعضهم: معناه أهل السنن، وقال عطاء: شرائع، الكلبي: قد مضت لكل أمة سنّة ومنهاج إذا ابتغوها رضى الله عنهم، مجاهد: قد خلت من قبلكم سنن بالهلاك فيمن كذب قبلكم، والسنّة في اللغة: المثال المتبع والإمام المؤتم به، فقال: سنّ فلان سنّة حسنة أو سنّة سيئة إذا عمل عملا يقتدى به من خير أو شر.
قال لبيد:
من معشر سنّت لهم أباؤهم *** ولكل قوم سنّة وإمامها
قال سليمان بن قبة:
وإن الأُلى بالطف من آل هاشم *** تأسوا فسنوا للكرام التآسّيا
ومعنى الآية: قد مضت وسلفت مني فيمن كان قبلكم من الأمم الماضية المكذبة الكافرة سنن بإمهالي واستدراجي إياهم حتى بلغ الكتاب فيهم أجلي على الذي أجلته لأدلة أنبيائي وإهلاكهم.
{فَسِيرُواْ فِي الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ} آخر أمرهم {المكذبين} منهم، وهذا في يوم أُحد. يقول: فإذا أمهلهم واستدرجهم حتى يبلغ أجلي الذي أجلت في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم وأوليائه وهلاك أعدائه، هكذا قال ابن إسحاق هذا الذي ذكرت.
{هذا} القرآن {بَيَانٌ لِّلنَّاسِ} عامة {وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ} من الجهالة {لِّلْمُتَّقِينَ} خاصّة.




البحث


كلمات متتالية كلمات متفرقة




موضوعات القرآن
  • الإيمان
  • العلم
  • العبادات
  • أحكام الأسرة
  • المعاملات
  • الحدود والجنايات
  • الجهاد
  • الأطعمة والأشربة
  • أحكام الجنائز
  • الأخلاق
  • تكريم الله للإنسان
  • القصص والتاريخ
  • الأمثال