سورة الشورى / الآية رقم 48 / تفسير التفسير القرآني للقرآن / أحمد بن علي العجمي / القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
القرآن الكريم
طريقة عرض الآيات
صور
نصوص

وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ أَلاَ إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَاءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُمِن سَبِيلٍ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البَلاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُورٌ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ

الشورىالشورىالشورىالشورىالشورىالشورىالشورىالشورىالشورىالشورىالشورىالشورىالشورىالشورىالشورى




تلاوة آية تلاوة سورة الشرح الصوتي

التفسير


{وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (44) وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (45) وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (46) اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ (48) لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50)}.
التفسير:
قوله تعالى: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ}.
مناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن الآيات السابقة، عرضت قضية الظلم، وما يقع من بغى الناس بعضهم على بعض، وتوعدت الظالمين الباغين بالعذاب الأليم.. وهنا في هذه الآية، إشارة إلى أن المصدر الأول للظلم والبغي، إنما يأتى من جهة الكفر باللّه، والضلال عن سبيله، وأن الكافرين الظالمين هم الذين لا يجدون للّه وقارا، ولا يخشون له بأسا، فهم لذلك يطلقون العنان لقوى الشر الكامنة فيهم، فيعتدون على حرمات اللّه، وعلى عباد اللّه، في غير تحرج أو تأثم.
فهؤلاء الظالمون المعتدون، هم ممن أضلهم اللّه.. {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ} أي ليس له نصير ينصره من بعد ضلاله وخذلان اللّه له.
وقوله تعالى: {وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ} هو عرض للظالمين في موقف الحساب والجزاء، وأنهم في هذا الموقف في كرب وبلاء، يتنادون بالويل والثبور، وينظر بعضهم إلى بعض في يأس قاتل، متسائلين: {هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ}؟ أي هل هناك من سبيل إلى الخروج مما نحن فيه، والعودة إلى الحياة الدنيا، لنصلح ما أفسدنا، ونعمل صالحا غير الذي كنا نعمل؟ وهيهات هيهات!! قوله تعالى: {وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ} أي وفى هذا الموقف- موقف الحساب والجزاء- يرى الرائي، الظالمين وهم يعرضون على النار، ويقفون بين يديها- يراهم خاشعين في مهانة وذلة وضراعة.. {يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} أي لا يستطيعون أن يفتحوا أبصارهم على هذا الهول الذي يغفر لهم فاه، بل إن أبصارهم ليصعقها هذا الهول، فترتدّ عنه، ويدعوها الخوف منه، ومحاذرة الوقوع ليده، أن تنظر لترى أين موقعها منه، فلا تكاد تلمحه حتى ترتد عنه.. وهكذا تظل أبصارهم مشدودة إلى هذا الهول، تتحسسه، في مخالسة، كما يتحسس الأعمى حية التفت بعنقه.!
قوله تعالى: {وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ.. أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ} أي أن المؤمنين حين يرون هذا الموقف الذي يكون عليه الظالمون يوم القيامة.. ينظرون إلى أنفسهم، فيحمدون اللّه أن عافاهم من هذا البلاء، ويقولون فيما يقولون: {إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ} أي أنه ليس خسرانا هذا الخسران الذي يفوت الإنسان من حظوظ الحياة الدنيا، في نفسه، وأهله، وماله.. وإنما الخسران حقّا هو هذا الخسران الذي يلقاه الظالمون في هذا اليوم، حيث قد صفرت أيديهم من كل شىء، وتقطعت بينهم وبين أهليهم الأسباب، فلا يلقاهم أحد من أولادهم وأهليهم إلا معرضا عنهم، مشغولا بنفسه وبما يعانيه- إن كان من أهل النار- أو مشتغلا عنهم بنعيم الجنة، ومنازعة أهلها طيّب الأحاديث، وكئوس النعيم- إن كان من أهل الجنة.
وفى التعبير بالماضي عن حديث المؤمنين في هذا اليوم، إشارة إلى أن هذا الحديث، واقع من نفوس المؤمنين موقع اليقين وهم في هذه الدنيا.. فهم يؤمنون بأن هذا هو الذي لا بد أن يكون يوم القيامة.
قوله تعالى: {وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ} هو من قول المؤمنين في الآخرة، وهو قولهم في الدنيا، وإيمانهم به.. فالمؤمنون على يقين بأن الظالمين لا نصير لهم، ولا مدافع عنهم في هذا اليوم، فإنهم ممن أضلهم اللّه، وسلك بهم مسالك الطريق إلى جهنم، فليس لهم سبيل إلى طريق آخر إلى غير هذا المورد الذي هم مساقون إليه.
قوله تعالى: {اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ.. ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ} هو دعوة إلى الظالمين، المنحرفين عن طريق الهدى، أن يستجيبوا لربهم، وأن يقبلوا على ما دعاهم إليه من الإيمان به على لسان رسوله، وذلك {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ} أي لا مرد لهم فيه إلى الحياة الدنيا، وليس لهم فيه من ملجأ يفرون إليه من هذا العذاب المحيط بهم فيه، وليس لهم في هذا اليوم من يقوم فيهم مقام المنكر عليهم، ما هم فيه من ضلال، فقد انتهت رسالة الرسل. فلا وعد ولا وعيد، ولا بشير ولا نذير.
قوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ} أي فإن أعرض هؤلاء الظالمون المدعوون إلى الاستجابة للّه، عن قبول هذه الدعوة: {فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} أي فإنك أيها النبي لست مرسلا إليهم لتقوم على حفظهم من شرور أنفسهم وسيئات أعمالهم: {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ} أي ما عليك إلا أن تبلغهم رسالة ربك، وتدعوهم إليه، وتحذرهم بأسه وعقابه، وتبشرهم برحمته ورضوانه.. فإن هم استجابوا للّه، بعد أن تبين لهم الرشد من الغى، فقد رشدوا ونجوا، وإن أبوا أن يستجيبوا للّه، فليس لك أن تتولى حفظهم، وتأخذ بهم قسرا إلى طريق النجاة.. فإنه {لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ}.
وإنّ على كل إنسان أن يتولى حفظ نفسه، ووقايتها، وإقامتها على الطريق الذي يختاره لها.. وهذا ما يشير إليه قوله سبحانه: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ} [4: الطارق] أي ما كل نفس إلا قائم عليها حافظ، مطلوب منه أن يتولى حفظها، وهو هذا العقل الذي أودعه اللّه فيها، فإذا لم يوقظ الإنسان هذا الحارس، وينبهه إلى أداء وظيفته، ثم دخل عليه من يستبدّ به، ويستولى عليه، ويورده موارد الهلاك، فلا يلومنّ إلا نفسه.
قوله تعالى: {وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ}.
مناسبة هذا لما قبله، هى أن ما سبق من قوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ}.
يشير ضمنا إلى ما في بعض النفوس من فساد، لا تجد معه مساغا لطعم الخير، ولا اشتهاء له، وأن ذلك طبيعة غالبة في الإنسان، كذلك من طبيعة الإنسان أنه إذا مسته رحمة من عند اللّه، وأصابه خير- كسعة في الرزق، أو نماء في الثمر، والولد- لبسته الفرحة، وإن مسه ضر بما قدمت يداه نسى ما ألبسه اللّه تعالى إياه من نعم، ولم يعد يذكر للّه إلا هذا الضرّ الذي أصابه بما صنعت يداه.
وفى إفراد الإنسان في قوله تعالى: {وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً} إشارة إلى كل فرد من أفراد هذا الجنس البشرى- فأل هنا للجنس- إذ أن كل إنسان أيا كان- مؤمنا كان أو كافرا- يفرح بالخير إذا أصابه، ويهشّ له، وتطيب نفسه به.
أما عود الضمير جمعا على الإنسان في قوله تعالى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} فذلك لأنه ليس كل إنسان في حيّز هذا الشرط وجوابه، فيكفر باللّه، أو يسىء الظن به في حال الضر، بل إن الواقعين في حيز هذا الشرط وجوابه، هم الذين لا يؤمنون باللّه مطلقا، أو لا يؤمنون به إيمانا وثيقا، مثل أولئك الذين يعبدون اللّه على حرف، كما يقول اللّه تعالى فيهم:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ} [11: الحج] فكثير من الناس يقفون هذا الموقف من ربهم.
إن أصابهم خير، رضوا به واطمأنوا إليه، وإن أصابهم شر بما قدمت أيديهم، أنكروا من اللّه ما كانوا يعرفون.. وقليل من الناس، وهم المؤمنون باللّه حقّا- لا تختلف حالهم مع اللّه أبدا.. فهم على إيمان به، وحمد له، في السراء والضراء على السواء.. كما يقول اللّه سبحانه وتعالى فيهم: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ، أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [177: البقرة].
وجواب الشرط هنا هوقوله تعالى: {فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ} أي وإن يصبهم شر بما قدمت أيديهم، فهم جميعا هذا الإنسان الكافر الجحود.. وقد جىء بالجواب جملة اسمية، للإشارة إلى أن هذا الحكم ليس حدثا عارضا في مجرى حياة الإنسان، بل إن ذلك جبلّة وطبيعة فيه، وأنه إذا كان ثوب النعمة الذي لبسه حينا من الزمن قد ستر منه هذه الطبيعة- فإن الضر الذي أصابه ونزع عنه هذا الثوب- قد كشف عنه ما كان مستورا منه، فظهر على حقيقته، وهو الكفران والجحود!.
وفى قوله تعالى: {بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} إشارة إلى أن ما يصيب الإنسان من ضرّ هو من صنع يده.. كما يقول اللّه تعالى: {ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [79: النساء].. وأنّ تبدّل أحوال الناس من نعمة وعافية إلى سوء وبلاء، هو بما كسبت أيديهم.
{ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ} [53: الأنفال].
قوله تعالى {لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها، أن الآية السابقة أشارت إلى ما يصيب الناس من خير وشر، وقد أضافت الخير إلى اللّه سبحانه، وأضافت الضرّ إلى كسب الناس، وحتى لا يقع في وهم الناس- وخاصة من لا يعرفون اللّه ولا يقدرونه حقّ قدره- أن ما يصيب الناس من ضرّ هو مسوق إليهم من عند غير اللّه- حتى لا يقع هذا الوهم، جاء قوله تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} ليدفع هذا الوهم، وليقرر أن كل ما في السموات وما في الأرض، وما يجرى فيهما من أمور- هو من عند اللّه: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [78: النساء].
فاللّه سبحانه يخلق ما يشاء، ويهب ما يشاء لمن يشاء.. فيعطى ويمنع، ويثيب ويعاقب.
{يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً}.
فهذا بعض تصريف اللّه فيما تتعلق به نفوس الناس، من حبّ الولد.
فبعض الناس يهبهم اللّه إناثا، وبعضهم يهبهم ذكورا، وبعضهم يهبه الذكور والإناث معا: {يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً} أي يجعلهم أزواجا، ذكرا وأنثى، لا أن يتزوج بعضهم بعضا، وقد جاء النص القرآنى: {ذُكْراناً وَإِناثاً} للإشارة إلى ما يقع في نسبة الذكور والإناث من اختلاف، عند من يرزقون الذكور والإناث.. فقد يرزق الإنسان ذكرا وأنثى، أو ذكرا وعددا من الإناث، أو عددا من الذكور وأنثى، أو أعدادا متساوية من الذكور والإناث.
وقوله تعالى: {وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً} إشارة إلى الصنف الرابع الذي تكمل به الصورة، التي يكون عليها حال الناس جميعا في هذا الرزق المقسوم من الولد.
فالناس في هذا الرزق أربعة أصناف، لا يتجاوزونها.
بعضهم يرزق الإناث، ولا ذكور، وبعضهم يرزق الذكور، ولا إناث.
وبعضهم يرزق الذكور والإناث، وبعضهم عقيم، لا يرزق ذكورا ولا إناثا.
وفى قوله تعالى: {إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} تعقيب على هذا الرزق الذي بين يديه سبحانه، والذي يهب منه ما يشاء لمن يشاء.. فهو العليم، بما يهب، ولمن يهب، وهو القدير على ما يشاء من عطاء ومنع.. {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ} [54: الأعراف].




البحث


كلمات متتالية كلمات متفرقة




موضوعات القرآن
  • الإيمان
  • العلم
  • العبادات
  • أحكام الأسرة
  • المعاملات
  • الحدود والجنايات
  • الجهاد
  • الأطعمة والأشربة
  • أحكام الجنائز
  • الأخلاق
  • تكريم الله للإنسان
  • القصص والتاريخ
  • الأمثال