سورة الزخرف / الآية رقم 39 / تفسير التفسير القرآني للقرآن / أحمد بن علي العجمي / القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
القرآن الكريم
طريقة عرض الآيات
صور
نصوص

وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفاً وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ وَلَن يَنفَعَكُمُ اليَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي العَذَابِ مُشْتَرِكُونَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي العُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ العَالَمِينَ فَلَمَّا جَاءَهُم بِآيَاتِنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ

الزخرفالزخرفالزخرفالزخرفالزخرفالزخرفالزخرفالزخرفالزخرفالزخرفالزخرفالزخرفالزخرفالزخرفالزخرف




تلاوة آية تلاوة سورة الشرح الصوتي

التفسير


{وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (39) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (40) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (44) وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45)}.
التفسير:
قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}.
عشا عن الشيء يعشو، عشوا: فعل فعل الأعشى، وهو كليل البصر.
والعشو عن ذكر الرحمن، الإعراض عنه، مع قيام الحجج والبراهين بين يديه، كما يعشو بعض الناس في ضوء النهار لآفة تعرض لأبصارهم.
فالذى يعرض عن ذكر الرحمن هنا، هو من قامت بين يديه الدلائل، والحجج على صدق الرسول، وصدق ما جاء به من عند اللّه.. فهذا المعرض عن ذكر اللّه، يقيّض اللّه له شيطانا، أي يسوق ويهيىء له شيطانا {فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} أي ملازم له، مسلط عليه، يقوده إلى حيث يشاء.. فهو شيطان مع الشيطان حيث يكون.
وفى اختصاص صفة الرحمن بالذكر هنا من بين صفات اللّه سبحانه وتعالى- تذكير بهذه الرحمة المنزلة من الرحمن، وهى القرآن، وهى التي يعرض عنها أصحاب القلوب المريضة، فيتسلط عليهم الشيطان، ويملك أمرهم.. وإنها لمفارقة بعيدة أن يرى الإنسان يد الرحمن الرحيم تمتد إليه بالرحمة، ثم ينظر فيرى يد الشيطان الرجيم تمتد إليه بالبلاء والشقاء.. ثم يكون له- مع هذا- موقف للنظر والاختيار.. ثم يكون في الناس من يمد يده إلى الشيطان مبايعا على أن يصحبه إلى حيث ما يرى رأى العين من شقاء وبلاء!.
قوله تعالى {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ}.
الضمير في {إِنَّهُمْ} للشياطين، أي وإن الشياطين ليصدون المشركين عن سبيل اللّه، ويدفعون بهم إلى طرق الغواية والضلال، ويزينونها لهم حتى ليحسبون أنهم مهتدون.
فقوله تعالى: {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} جملة حالية، تكشف عن الحال الشعورية التي يكون عليها المشركون وهم يركبون طرق الضلال.
فهم يساقون إلى الضلال وقد خيل إليهم أنهم قائمون على الهدى، مستمسكون بالعروة الوثقى!.
قوله تعالى: {حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ}.
حتى: حرف غاية، لما تضمنه قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} أي أن الشيطان يظل في هذه الحياة قرينا لصاحبه هذا الذي لزمه، وأمسك بزمامه- إلى أن يجىء يوم الحساب والجزاء.. وهنا يتخلى الشيطان عن صاحبه، ويتخلى صاحبه عنه، ويتولى كلّ منهما رجم صاحبه بكل منكر، وقذفه بكل تهمة.. وفى هذا يقول اللّه تعالى، عن الكافرين أصحاب الشياطين: {وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ} [29: فصلت] ويقول سبحانه عن الشيطان: {وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} [22: إبراهيم] ويقول سبحانه وتعالى عن إخوان السوء، ورفاق الضلال:
{الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [67: الزخرف].
وقوله تعالى: {يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ} هو بيان لما في نفس هذا الضال الذي عشى عن ذكر الرحمن، وأصبح من قرناء الشيطان- من ضيق بصاحبه، ومن حسرة وندم على تلك الصلة التي كانت بينهما، والتي أوقعته فيما هو فيه اليوم من بلاء وعذاب.. ولهذا فهو يتمنى أن لو لم يجمعهما فلك، وأن لو كان كلّ منهما في عالم غير العالم الذي يعيش فيه صاحبه.
فقوله تعالى: {بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ} إشارة إلى استحالة الالتقاء بينهما، كما يستحيل التقاء مشرق الشمس شتاء بمشرقها صيفا.. مثلا.
وأما قوله تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} فهو اعتراض بين الآيتين، يراد به الإلفات إلى أن الحكم الذي يقع على الواحد من أتباع الشيطان، هو حكم عام يشمل أتباع الشياطين جميعا، وأنهم كلهم قرناء سوء، كلما كثرت أعدادهم زاد إغواؤهم، وإضلال بعضهم بعضا، حيث تشتد داعية الإغراء والإغواء، كلما كثرت الأعداد المتزاحمة على موارد الغواية والضلال.
قوله تعالى: {وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ}.
الخطاب هنا للفريقين.. التابعين والمتبوعين.. إنه لن ينفعهم اشتراكهم جميعا في العذاب.. ولن يشفى ما بصدور الضالين من نقمة وحنق على من كانوا سببا في إغوائهم وإضلالهم- أن يلقى هؤلاء المغوون ما يلقون من عذاب وبلاء.. وفى هذا يقول اللّه تعالى على لسان التابعين، وهم يطلبون مزيدا من العذاب لمن كانوا سببا في فتنتهم وبلائهم: {قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ} فيجيبهم سبحانه بقوله:
{قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ} [38: الأعراف] ويقول سبحانه على لسان أئمة الكفر، ودعاة الضلال، وهم يردّون على أتباعهم الذين يتمنون لهم عذابا فوق العذاب: {إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ} [48: غافر].
فالمراد بقوله تعالى: {وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ} ليس نفى مجرد النفع، وإنما المراد به النفع الذي يخلصهم من هذا العذاب، ويخرجهم من هذا البلاء.. إذ لا شك أن في رؤية التابعين مشاركة سادتهم لهم في العذاب، بعض العزاء لهم، وإن كان هذا لا يخفف من العذاب الذي هم فيه شيئا.
قوله تعالى: {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}.
الاستفهام هنا يراد به النفي.. أي إنك أيها النبىّ لن تسمع الصمّ، ولن تهدى العمى، ولن تنقذ من كان في ضلال مبين.
وفى هذا عزاء للنبىّ الكريم عن مصابه في هؤلاء الضالين المفسدين من قومه.. الذين ركبوا رءوسهم، ومضوا يتخبطون في طرق الغواية والضلال، غير ملتفتين إلى الداعي الذي يدعوهم إلى النجاة، ويرفع لهم بين يديه نورا كاشفا من نور اللّه.
وفى هذا أيضا تهديد ووعيد لهؤلاء الضالين الذين اتخذوا الشياطين أولياء من دون اللّه، ويحسبون أنهم مهتدون.. فليتركهم النبىّ مع قرنائهم هؤلاء، فإنه- صلوات اللّه وسلامه عليه- لم يبعث ليسمع الصمّ أو يهدى العمى.
واللّه سبحانه وتعالى يقول: {وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} [81: النمل].
قوله تعالى: {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ}.
أي أن هؤلاء الصمّ، العمى، الذين ختم اللّه على قلوبهم، وعلى سمعهم، وجعل على أبصارهم غشاوة- هؤلاء هم واقعون تحت بأس اللّه، مأخوذون بعذابه.. في الدنيا وفى الآخرة.
ففى قوله تعالى: {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ} إشارة إلى أنهم لن يفلتوا من قبضة اللّه، ولن يخلصوا من العقاب الراصد لهم، سواء أكان ذلك في حياة النبىّ أو بعد موته.. فإنه إن ذهب اللّه سبحانه بالنبيّ- صلوات اللّه وسلامه عليه- ورفعه تعالى إليه، فإن انتقام اللّه سبحانه واقع بهم، وليس على النبىّ أن يشهد هذا الانتقام، وإنما حسبه أن اللّه سبحانه آخذ له بحقه من هؤلاء الذين ظلموه، وبغوا عليه.
وقوله تعالى: {أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ} إشارة أخرى إلى ما قد يحل بالمشركين من انتقام اللّه في الدنيا، مما توعدهم اللّه به، ومما يراه النبىّ- صلوات اللّه وسلامه عليه- فيهم، وذلك بما كان من قتل رءوس المشركين يوم بدر، ومن خزيهم يوم الخندق، ثم ذلّتهم وانكسارهم يوم الفتح.. فاللّه سبحانه وتعالى قادر على كل شىء، غالب على أمره.. ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
قوله تعالى: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ}.
هو تعقيب على ما توعد اللّه سبحانه وتعالى به المشركين، من انتقام على تكذيبهم للرسول، واستهزائهم به، واستكثارهم عليه أن يكون مبعوث اللّه إليهم، دون سادتهم وأشرافهم.
وفى هذا التعقيب دعوة من اللّه سبحانه إلى النبي الكريم ألّا يحفل بهؤلاء المشركين، وألا يفتّ ذلك من عزمه، وألا يقف به ذلك عن المضىّ في سبيله، مستمسكا بالذي أوحى إليه من ربه.. وفى هذا يقول له اللّه تعالى: {وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا} [10: المزمل]. ويقول له سبحانه: {وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [48: الأحزاب].
وفى قوله تعالى: {إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} تحريض للنبىّ، وتثبيت لقلبه.. ليمضى في طريقه، مع كتاب اللّه الذي بين يديه.. فإنه به على صراط مستقيم.. صراط اللّه الذي له ما في السموات وما في الأرض.. ومن كان على هذا الصراط فهو على طريق النجاة، والفلاح.. إنه على نور من ربه.
{وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ} [40: النور].
قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ} هو تحريض كذلك، وشدّ لعزم النبىّ على الاستمساك بهذا الكتاب الذي بين يديه، فإن فيه ذكرا للنبىّ، ولقومه، وتمجيدا له ولهم على مرّ الأزمان.. إذ كان القرآن بلسان النبىّ ولسان قومه، وكان الرسول المبلغ لرسالة القرآن عربيا من هؤلاء العرب.. وإنه مادام للقرآن ذكر، ولرسالة القرآن ذاكرون- وهذا ما قدر اللّه له أن يكون إلى آخر الزمان- فإن ذكر الرسول باق، وذكر قومه باق كذلك.. فما آمن مؤمن باللّه، ولا دان ذو دين بالإسلام، إلا كان إيمانه برسول اللّه، وبكتاب اللّه، من تمام إيمانه باللّه.. وهذا فضل عظيم من اللّه سبحانه وتعالى على النبىّ صلوات اللّه وسلامه عليه، إذ رفع في العالمين ذكره، وأعلى في المصطفين من عباده منزلته، كما يقول سبحانه: {وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ} [4: الانشراح].
كما أنه إحسان عظيم، ونعمة سابغة على الأمة العربية، التي اختارها اللّه سبحانه وتعالى، لتكون الأفق الذي تطلع فيه شمس الهداية المرسلة إلى العالمين، وليكون لسانها اللسان الذي ينقل إلى الناس هذا الهدى المرسل إليهم من ربهم.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى. {إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [3: الزخرف] وقوله تعالى: {وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ}.
إلفات إلى هذه النعمة العظيمة التي امتنّ اللّه بها على الأمة العربية، إذ اختارها لحمل هذه الأمانة العظيمة.
وإنها لمسئولة عن حفظ هذه الأمانة، وعن حراستها من كل عاد يعد وعليها، كما أنها مسئولة عن أداء هذه الأمانة إلى أهلها، وإزاحة المعوقات والعلل من طريقها، وإلا كان الحساب العسير على أي تقصير أو تفريط يقع من أولئك الذين حملوا هذه الأمانة.. أفرادا وجماعات.
إن الدعوة إلى الإسلام، هى مسئولية هذه الأمة التي جاءت شريعة الإسلام بلسانها.. وإنه لشرف عظيم لهذه الأمة، يكسو أفرادها وجماعاتها على مدى الأجيال، أثواب العزّة والفخار.
ولهذا الشرف العظيم ثمن عظيم، يؤديه كل من يريد أن يتحلى بهذا الشرف، بما يبذل من جهد، ومال، وجهاد في سبيل اللّه، وتضحية بالنفس من أجل الدفاع عن دين اللّه، وكتاب اللّه.
قوله تعالى: {وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ}.
مناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن الآية السابقة أشارت إلى هذه النعمة العظيمة التي أنعم اللّه بها على الأمة العربية، بأن جعل خاتم الرسل منها، وجعل خاتم الرسالات دينها وشريعتها، وجعل لها القوامة على هذا الدين، وتلك الشريعة.. وهذا من شأنه أن يثير في نفوس العرب حمية وغيرة على هذا الدين واجتماعا على نصرته والدعوة له، لا أن يكون منهم العدوّ الراصد له، المتربص به، الخارج على طريقه..!!
فقوله تعالى: {وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} إلفات إلى هؤلاء المشركين الذين يعبدون ما يعبدون من دون اللّه، من أوثان، وكواكب، وملائكة، وإلى أن ما هم عليه من هذا المعتقدات ليس من دين اللّه في شىء.. وأن دين اللّه هو إفراده سبحانه وتعالى بالعبودية المبرأة عن الشريك، والصاحبة والولد.. فمن أىّ رسول من رسل اللّه تلقى المشركون هذا الدين الذي يدينون به؟ أكان من رسل اللّه من دعا إلى عبادة غير اللّه؟ وحاش للّه أن يحمل رسول من رسل اللّه دعوة إلى عبادة غير اللّه!! إذ كيف يكون رسولا للّه من يدعو لغير اللّه؟
والسؤال من النبىّ لرسل اللّه هنا، ليس سؤالا مباشرا، بحيث يسأل الرسل ويتلقى الجواب منهم.. وإنما هو سؤال بالنظر فيما قصّ اللّه سبحانه وتعالى على الرسول من قصص الرسل، ومحامل رسالاتهم إلى أقوامهم.. فقد كانت دعوة كل رسول إلى قومه: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ}.
فهذا نوح- عليه السلام- يقول لقومه: {أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [26: هود].
وهذا هود- عليه السلام- يقول لقومه: {يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ} [50: هود].
وصالح- عليه السلام- يقول لقومه: {يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ} [61: هود].
وإبراهيم- عليه السلام- يقول لأبيه وقومه: {ما ذا تَعْبُدُونَ؟ أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ} [85 86: الصافات].
وشعيب- عليه السلام- يهتف بقومه: {يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ} [84: هود].
وهكذا كانت دعوة الرسل إلى أقوامهم، تدور كلها حول تصحيح معتقدهم في اللّه، وإقامة وجوههم إلى اللّه وحده لا شريك له.
وفى نظر الرسول- عليه الصلاة والسلام- إلى أخبار الرسل مع أقوامهم يجد أن دعوتهم قائمة على توحيد اللّه، وتحرير العقول من ضلالات الشرك به.
وكأنه- عليه الصلاة والسلام- بهذا، قد سأل الرسل، وتلقى الجواب منهم.
وليس الرسول- عليه الصلاة والسلام- في حاجة إلى أن يسأل عن أمر هو عالم به، ولكن هذا السؤال منه، هو دعوة إلى هؤلاء المشركين أن يشاركوا في هذا السؤال، وأن يتلقوا الجواب عليه، حتى يكون لهم من ذلك علم يصححون به معتقداتهم الفاسدة، التي جاء رسول اللّه- عليه الصلاة السلام- لعلاج ما بها من أدواء، كما جاء رسل اللّه جميعا بدواء تلك الأدواء.




البحث


كلمات متتالية كلمات متفرقة




موضوعات القرآن
  • الإيمان
  • العلم
  • العبادات
  • أحكام الأسرة
  • المعاملات
  • الحدود والجنايات
  • الجهاد
  • الأطعمة والأشربة
  • أحكام الجنائز
  • الأخلاق
  • تكريم الله للإنسان
  • القصص والتاريخ
  • الأمثال