سورة الدخان / الآية رقم 8 / تفسير في ظلال القرآن / أحمد بن علي العجمي / القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
القرآن الكريم
طريقة عرض الآيات
صور
نصوص

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حـم وَالْكِتَابِ المُبِينِ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ إِنَّا كَاشِفُوا العَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ

الدخانالدخانالدخانالدخانالدخانالدخانالدخانالدخانالدخانالدخانالدخانالدخانالدخانالدخانالدخان




تلاوة آية تلاوة سورة الشرح الصوتي

التفسير


يشبه إيقاع هذه السورة المكية، بفواصلها القصيرة، وقافيتها المتقاربة، وصورها العنيفة، وظلالها الموحية.. يشبه أن يكون إيقاعها مطارق على أوتار القلب البشري المشدودة.
ويكاد سياق السورة أن يكون كله وحدة متماسكة، ذات محور واحد، تشد إليه خيوطها جميعاً. سواء في ذلك القصة، ومشهد القيامة، ومصارع الغابرين، والمشهد الكوني، والحديث المباشر عن قضية التوحيد والبعث والرسالة. فكلها وسائل ومؤثرات لإيقاظ القلب البشري واستجاشته لاستقبال حقيقة الإيمان حية نابضة، كما يبثها هذا القرآن في القلوب.
وتبدأ السورة بالحديث عن القرآن وتنزيله في ليلة مباركة فيها يفرق كل أمر حكيم، رحمة من الله بالعباد وإنذاراً لهم وتحذيراً. ثم تعريف للناس بربهم: رب السماوات والأرض وما بينهما، وإثبات لوحدانيته وهو المحيي المميت رب الأولين والآخرين.
ثم يضرب عن هذا الحديث ليتناول شأن القوم: {بل هم في شك يلعبون}! ويعاجلهم بالتهديد المرعب جزاء الشك واللعب: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم}.. ودعاءهم بكشف العذاب عنهم وهو يوم يأتي لا يكشف. وتذكيرهم بأن هذا العذاب لم يأت بعد، وهو الآن عنهم مكشوف، فلينتهزوا الفرصة، قبل أن يعودوا إلى ربهم، فيكون ذلك العذاب المخوف: {يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون}..
ومن هذا الإيقاع العنيف بمشهد العذاب ومشهد البطشة الكبرى والانتقام؛ ينتقل بهم إلى مصرع فرعون وملئه يوم جاءهم رسول كريم، وناداهم: {أن أدوا إليَّ عباد الله إني لكم رسول أمين. وألا تعلوا على الله}.. فأبوا أن يسمعوا حتى يئس منهم الرسول. ثم كان مصرعهم في هوان بعد الاستعلاء والاستكبار: {كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين. كذلك وأورثناها قوماً آخرين. فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين}..
وفي غمرة هذا المشهد الموحي يعود إلى الحديث عن تكذيبهم بالآخرة، وقولهم: {إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين، فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين} ليذكرهم بمصرع قوم تبع، وما هم بخير منهم ليذهبوا ناجين من مثل مصيرهم الأليم.
ويربط بين البعث، وحكمة الله في خلق السماوات والأرض، {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين. ما خلقناهما إلا بالحق. ولكن أكثرهم لا يعلمون}..
ثم يحدثهم عن يوم الفصل: {ميقاتهم أجمعين}. وهنا يعرض مشهداً عنيفاً للعذاب بشجرة الزقوم، وعتل الأثيم، وأخذه إلى سواء الجحيم، يصب من فوق رأسه الحميم. مع التبكيت والترذيل: {ذق إنك أنت العزيز الكريم. إن هذا ما كنتم به تمترون}..
وإلى جواره مشهد النعيم عميقاً في المتعة عمق مشهد العذاب في الشدة. تمشياً مع ظلال السورة العميقة وإيقاعها الشديد..
وتختم السورة بالإشارة إلى القرآن كما بدأت: {فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون}.
وبالتهديد الملفوف العنيف: {فارتقب إنهم مرتقبون}.
إنها سورة تهجم على القلب البشري من مطلعها إلى ختامها، في إيقاع سريع متواصل. تهجم عليه بإيقاعها كما تهجم عليه بصورها وظلالها المتنوعة المتحدة في سمة العنف والتتابع. وتطوف به في عوالم شتى بين السماء والأرض، والدنيا والآخرة، والجحيم والجنة، والماضي والحاضر، والغيب والشهادة، والموت والحياة، وسنن الخلق ونواميس الوجود.. فهي على قصرها نسبياً رحلة ضخمة في عالم الغيب وعالم الشهود..
{حم. والكتاب المبين. إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين. فيها يفرق كل أمر حكيم. أمراً من عندنا إنا كنا مرسلين. رحمة من ربك إنه هو السميع العليم. رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين. لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين}..
تبدأ السورة بالحرفين حا. ميم. على سبيل القسم بهما وبالكتاب المبين المؤلف من جنسهما. وقد تكرر الحديث عن الأحرف المقطعة في أوائل السور؛ فأما عن القسم بهذه الأحرف كالقسم بالكتاب، فإن كل حرف معجزة حقيقية أو آية من آيات الله في تركيب الإنسان، وإقداره على النطق، وترتيب مخارج حروفه، والرمز بين اسم الحرف وصوته، ومقدرة الإنسان على تحصيل المعرفة من ورائه.. وكلها حقائق عظيمة تكبر في القلب كلما تدبرها مجرداً من وقع الألفة والعادة الذي يذهب بكل جديد!
فأما المقسم عليه فهو تنزيل هذا الكتاب في ليلة مباركة:
{إنا أنزلناه في ليلة مباركة. إنا كنا منذرين. فيها يفرق كل أمر حكيم. أمراً من عندنا إنا كنا مرسلين. رحمة من ربك إنه هو السميع العليم}..
والليلة المباركة التي أنزل فيها القرآن هي والله أعلم الليلة التي بدأ فيها نزوله؛ وهي إحدى ليالي رمضان، الذي قيل فيه: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} والقرآن لم ينزل كله في تلك الليلة؛ كما أنه لم ينزل كله في رمضان؛ ولكنه بدأ يتصل بهذه الأرض؛ وكانت هذه الليلة موعد هذا الاتصال المبارك. وهذا يكفي في تفسير إنزاله في الليلة المباركة.
وإنها لمباركة حقاً تلك الليلة التي يفتح فيها ذلك الفتح على البشرية، والتي يبدأ فيها استقرار هذا المنهج الإلهي في حياة البشر؛ والتي يتصل فيها الناس بالنواميس الكونية الكبرى مترجمة في هذا القرآن ترجمة يسيرة، تستجيب لها الفطرة وتلبيها في هوادة؛ وتقيم على أساسها عالماً إنسانياً مستقراً على قواعد الفطرة واستجاباتها، متناسقاً مع الكون الذي يعيش فيه، طاهراً نظيفاً كريماً بلا تعمل ولا تكلف؛ يعيش فيه الإنسان على الأرض موصولاً بالسماء في كل حين.
ولقد عاش الذين أنزل القرآن لهم أول مرة فترة عجيبة في كنف السماء، موصولين مباشرة بالله؛ يطلعهم أولاً بأول على ما في نفوسهم؛ ويشعرهم أولاً بأول بأن عينه عليهم، ويحسبون هم حساب هذه الرقابة، وحساب هذه الرعاية، في كل حركة وكل هاجسة تخطر في ضمائرهم؛ ويلجأون إليه أول ما يلجأون، واثقين أنه قريب مجيب.
ومضى ذلك الجيل وبقي بعده القرآن كتاباً مفتوحاً موصولا بالقلب البشري، يصنع به حين يتفتح له ما لا يصنعه السحر؛ ويحول مشاعره بصورة تحسب أحياناً في الأساطير!
وبقي هذا القرآن منهجاً واضحاً كاملاً صالحاً لإنشاء حياة إنسانية نموذجية في كل بيئة وفي كل زمان. حياة إنسانية تعيش في بيئتها وزمانها في نطاق ذلك المنهج الإلهي المتميز الطابع، بكل خصائصه دون تحريف. وهذه سمة المنهج الإلهي وحده. وهي سمة كل ما يخرج من يد القدرة الإلهية.
إن البشر يصنعون ما يغني مثلهم، وما يصلح لفترة من الزمان، ولظرف خاص من الحياة. فأما صنعة الله فتحمل طابع الدوام والكمال، والصلاحية المستمرة وتلبية الحاجات في كل ظرف وفي كل حين؛ جامعة بين ثبات الحقيقة وتشكل الصورة في اتساق عجيب.
أنزل الله هذا القرآن في هذه الليلة المباركة.. أولا للإنذار والتحذير: {إنا كنا منذرين}. فالله يعلم غفلة هذا الإنسان ونسيانه وحاجته إلى الإنذار والتنبيه.
وهذه الليلة المباركة بنزول هذا القرآن كانت فيصلاً وفارقاً بهذا التنزيل:
{فيها يفرق كل أمر حكيم}..
وقد فرق فيها بهذا القرآن في كل أمر، وفصل فيها كل شأن، وتميز الحق الخالد والباطل الزاهق، ووضعت الحدود، وأقيمت المعالم لرحلة البشرية كلها بعد تلك الليلة إلى يوم الدين؛ فلم يبق هناك أصل من الأصول التي تقوم عليها الحياة غير واضح ولا مرسوم في دنيا الناس، كما هو واضح ومرسوم في الناموس الكلي القديم. وكان ذلك كله بإرادة الله وأمره، ومشيئته في إرسال الرسل للفصل والتبيين:
{أمراً من عندنا إنا كنا مرسلين}.
وكان ذلك كله رحمة من الله بالبشر إلى يوم الدين:
{رحمة من ربك إنه هو السميع العليم}..
وما تتجلى رحمة الله بالبشر كما تتجلى في تنزيل هذا القرآن، بهذا اليسر، الذي يجعله سريع اللصوق بالقلب، ويجعل الاستجابة له تتم كما تتم دورة الدم في العروق. وتحول الكائن البشري إلى إنسان كريم، والمجتمع البشري إلى حلم جميل، لولا أنه واقع تراه العيون!
إن هذه العقيدة التي جاء بها القرآن في تكاملها وتناسقها جميلة في ذاتها جمالاً يحبّ ويعشق؛ وتتعلق به القلوب! فليس الأمر فيها أمر الكمال والدقة وأمر الخير والصلاح. فإن هذه السمات فيها تظل ترتفع وترتفع حتى يبلغ الكمال فيها مرتبة الجمال الحبيب الطليق. الجمال الذي يتناول الجزئيات كلها بأدق تفصيلاتها، ثم يجمعها، وينسقها، ويربطها كلها بالأصل الكبير.
{رحمة من ربك} نزل بها هذا القرآن في الليلة المباركة.. {إنه هو السميع العليم}. يسمع ويعلم، وينزل ما ينزل للناس على علم وعلى معرفة بما يقولون وما يعملون، وما يصلح لهم ويصلحون به من السنن والشرائع والتوجيه السليم.
وهو المشرف على هذا الكون الحافظ لمن فيه وما فيه:
{رب السماوات والأرض وما بينهما. إن كنتم موقنين}..
فما ينزله للناس يربيهم به، هو طرف من ربوبيته للكون كله، وطرف من نواميسه التي تصرف الكون.. والتلويح لهم باليقين في هذا إشارة إلى عقيدتهم المضطربة المزعزعة المهوشة، إذ كانوا يعترفون بخلق الله للسماوات والأرض، ثم يتخذون من دونه أرباباً، مما يشي بغموض هذه الحقيقة في نفوسهم وسطحيتها وبعدها عن الثبات واليقين.
وهو الإله الواحد الذي يملك الموت والحياة؛ وهو رب الأولين والآخرين:
{لا إله إلا هو يحيي ويميت، ربكم ورب آبائكم الأولين}..
والإحياء والإماتة أمران مشهودان للجميع، وأمرهما خارج عن طاقة كل مخلوق. يبدو هذا بأيسر نظر وأقرب تأمل. ومشهد الموت كمشهد الحياة في كل صورة وفي كل شكل يلمس القلب البشري ويهزه؛ ويستجيشه ويعده للتأثر والانفعال ويهيئه للتقبل والاستجابة. ومن ثم يكثر ذكره في القرآن وتوجيه المشاعر إليه ولمس القلوب به بين الحين والحين.
وعندما يبلغ الموقف هذا الحد من الاستثارة والاستجاشة يضرب السياق عنه، ويلتفت بالحديث إلى حكاية حالهم تجاهه، وهو حال مناقض لما ينبغي أن يكونوا عليه تجاه حقيقة الموقف الجاد الذي لا مجال للعب فيه: {بل هم في شك يلعبون. فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين، يغشى الناس، هذا عذاب أليم. ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون. أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين. ثم تولوا عنه وقالوا: معلم مجنون. إنا كاشفو العذاب قليلاً إنكم عائدون. يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون}..
يقول: إنهم يلعبون إزاء ذلك الجد، ويشكون في تلك الآيات الثابتة. فدعهم إلى يوم هائل عصيب: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين. يغشى الناس. هذا عذاب أليم}..
وقد اختلف السلف في تفسير آية الدخان. فقال بعضهم. إنه دخان يوم القيامة، وإن التهديد بارتقابه كالتهديد المتكرر في القرآن. وإنه آت يترقبونه ويترقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: بل هو قد وقع فعلاً، كما توعدهم به. ثم كشف عن المشركين بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم فنذكر هنا ملخص القولين وأسانيدها. ثم نعقب بما فتح الله به، ونحسبه صواباً إن شاء الله.
قال سليمان بن مهران الأعمش، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، عن مسروق. قال: دخلنا المسجد يعني مسجد الكوفة عند أبواب كندة. فإذا رجل يقص على أصحابه: {يوم تأتي السماء بدخان مبين}.. تدرون ماذا الدخان؟ ذلك دخان يأتي يوم القيامة، فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين منه شبه الزكام. قال: فأتينا ابن مسعود رضي الله عنه فذكرنا ذلك له، وكان مضطجعاً ففزع فقعد، وقال: إن الله عز وجل قال لنبيكم صلى الله عليه وسلم:
{قل: ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين} إن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم. أحدثكم عن ذلك. إن قريشاً لما أبطأت عن الإسلام، واستعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف. فأصابهم من الجهد والجوع حتى أكلوا العظام والميتة؛ وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان وفي رواية فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد قال الله تعالى: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم}.. فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: يا رسول الله استسق الله لمضر فإنها قد هلكت. فاستسقى صلى الله عليه وسلم لهم فسقوا. فنزلت. {إنا كاشفو العذاب قليلاً إنكم عائدون}.. قال ابن مسعود رضي الله عنه: أفيكشف عنهم العذاب يوم القيامة؟.. فلما أصابهم الرفاهية عادوا إلى حالهم، فأنزل الله عز وجل: {يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون}.. قال: يعني يوم بدر. قال ابن مسعود رضي الله عنه فقد مضى خمسة: الدخان، والروم، والقمر، والبطشة، واللزام.. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين. رواه الإمام أحمد في مسنده. وهو عند الترمذي والنسائي في تفسيرهما. وعند ابن جرير، وابن أبي حاتم من طرق متعددة عن الأعمش به. وقد وافق ابن مسعود رضي الله عنه على تفسير الآية بهذا، وأن الدخان مضى، جماعة من السلف كمجاهد وأبي العالية وإبراهيم النخعي والضحاك وعطية العوفي. وهو اختيار ابن جرير.
وقال آخرون: لم يمض الدخان بعد، بل هو من أمارات الساعة، كما ورد في حديث أبي سريحة حذيفة ابن أسيد الغفاري رضي الله عنه قال: أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال صلى الله عليه وسلم «لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم، والدجال، وثلاثة خسوف، خسف بالمشرق، وخسف بالمغرف، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس أو تحشر الناس تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا». تفرد بإخراجه مسلم في صحيحه.
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عوف، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم أنذركم ثلاثاً الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة، ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه، والثانية الدابة، والثالثة الدجال»
ورواه الطبراني عن هاشم بن زيد، عن محمد بن إسماعيل بن عياش بهذا النص (وقال ابن كثير في التفسير: وهذا إسناد جيد).
وقال ابن جرير كذلك: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن ابن جريج، عن عبدالله بن أبي مليكة. قال: غدوت على ابن عباس رضي الله عنهما ذات يوم، فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت. قلت: لم؟ قال: قالوا طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت.. وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن ابن عمر، عن سفيان، عن عبدالله بن أبي يزيد، عن عبدالله ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: رضي الله عنهما فذكره.
قال ابن كثير في التفسير: (وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس رضي الله عنهما حبر الأمة وترجمان القرآن. وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرهما التي أوردوها، مما فيه مقتنع ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن. قال الله تبارك وتعالى: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين}.. أي بيّن واضح يراه كل أحد. وعلى ما فسر به ابن مسعود رضي الله عنه إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد. وهكذا قوله تعالى: {يغشى الناس}.. أي يتغشاهم ويعميهم. ولو كان أمراً خيالياً يخص أهل مكة المشركين لما قيل فيه: {يغشى الناس}.. وقوله تعالى: {هذا عذاب أليم}.. أي يقال لهم ذلك، تقريعاً وتوبيخاً. كقوله تعالى: {يوم يدعون إلى نار جهنم دعا. هذه النار التي كنتم بها تكذبون}. أو يقول بعضهم لبعض ذلك. وقوله سبحانه وتعالى: {ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون}.. أي يقول الكافرون إذا عاينوا عذاب الله وعقابه سائلين رفعه وكشفه عنهم، كقوله جلت عظمته: {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا: يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين} وكذا قوله جل وعلا: {وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا: ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل. أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال؟} وهكذا قال جل وعلا ها هنا: {أنى لهم الذكرى، وقد جاءهم رسول مبين، ثم تولوا عنه وقالوا: معلم مجنون}.. يقول: كيف لهم التذكر وقد أرسلنا إليهم رسولاً بين الرسالة والنذارة، ومع هذا تولوا عنه، وما وافقوه بل كذبوه، وقالوا: معلم مجنون. وهذا كقوله جلت عظمته: {يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى} الآية. وقوله عز وجل: {ولو ترى إذ فزعوا، فلا فوت، وأخذوا من مكان قريب. وقالوا: آمنا به. وأنى لهم التناوش من مكان بعيد؟}
إلى آخر السورة.. وقوله تعالى: {إنا كاشفو العذاب قليلاً إنكم عائدون}.. يحتمل معنيين: أحدهما: أنه يقول تعالى: ولو كشفنا عنكم العذاب ورجعناكم إلى الدار الدنيا لعدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والتكذيب. كقوله تعالى: {ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون} وكقوله جلت عظمته: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} والثاني: أن يكون المراد: إنا مؤخرو العذاب عنكم قليلاً بعد انعقاد أسبابه، ووصوله إليكم، وأنتم مستمرون فيما أنتم فيه من الطغيان والضلال. ولا يلزم من الكشف عنهم أن يكون باشرهم. كقوله تعالى: {إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين} ولم يكن العذاب باشرهم واتصل بهم، بل كان قد انعقد سببه عليهم.. وقال قتادة: إنكم عائدون إلى عذاب الله.. وقوله عز وجل: {يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون}.. فسر ذلك ابن مسعود رضي الله عنه بيوم بدر. وهذا قول جماعة ممن وافق ابن مسعود رضي الله عنه، وجماعة عنه على تفسير الدخان بما تقدم وروي أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما من رواية العوفي عنه وأبي بن كعب رضي الله عنه وهو محتمل: والظاهر أن ذلك يوم القيامة. وإن كان يوم بدر يوم بطشة أيضاً. قال ابن جرير: حدثني يعقوب. حدثنا ابن علية. حدثنا خالد الحذاء. عن عكرمة قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما قال ابن مسعود رضي الله عنه البطشة الكبرى يوم بدر. وأنا أقول: هي يوم القيامة. وهذا إسناد صحيح عنه. وبه يقول الحسن البصري وعكرمة في أصح الروايتين عنه، والله أعلم).. انتهى كلام ابن كثير..
ونحن نختار قول ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير الدخان بأنه عند يوم القيامة، وقول ابن كثير في تفسيره. فهو تهديد له نظائره الكثيرة في القرآن الكريم، في مثل هذه المناسبة. ومعناه: إنهم يشكون ويلعبون. فدعهم وارتقب ذلك اليوم المرهوب. يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس. ووصف هذا بأنه عذاب أليم. وصور استغاثتهم: {ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون}.. ورده عليهم باستحالة الاستجابة، فقد مضى وقتها: {أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين. ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون}.. يعلمه ذلك الغلام الأعجمي! وهو كما زعموا مجنون..
وفي ظل هذا المشهد الذي يرجون فيه كشف العذاب فلا يجابون يقول لهم: إن أمامكم فرصة بعد لم تضع، فهذا العذاب مؤخر عنكم قليلاً وأنتم الآن في الدنيا. وهو مكشوف عنكم الآن فآمنوا كما تعدون أن تؤمنوا في الآخرة فلا تجابون. وأنتم الآن في عافية لن تدوم.
فإنكم عائدون إلينا {يوم نبطش البطشة الكبرى}.. يوم يكون ذلك الدخان الذي شهدتم مشهده في تصوير القرآن له. {إنا منتقمون} من هذا اللعب الذي تلعبون، وذلك البهت الذي تبهتون به الرسول صلى الله عليه وسلم إذ تقولون عنه: {معلم مجنون}.. وهو الصادق الأمين..
بهذا يستقيم تفسير هذه الآيات، كما يبدو لنا، والله أعلم بما يريد.
بعد ذلك يأخذ بهم في جولة أخرى مع قصة موسى عليه السلام. فيعرضها في اختصار ينتهي ببطشة كبرى في هذه الأرض. بعد إذ أراهم بطشته الكبرى يوم تأتي السماء بدخان مبين:
{ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون، وجاءهم رسول كريم: أن أدوا إليَّ عباد الله، إني لكم رسول أمين. وألا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين. وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون، وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون.
فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون.. فأسر بعبادي ليلاً إنكم متبعون. واترك البحر رهواً، إنهم جند مغرقون}.
{كم تركوا من جنات وعيون. وزروع ومقام كريم. ونعمة كانوا فيها فاكهين. كذلك وأورثناها قوماً آخرين. فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين}.
{ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين. من فرعون إنه كان عالياً من المسرفين. ولقد اخترناهم على علم على العالمين. وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين}..
هذه الجولة تبدأ بلمسة قوية لإيقاظ قلوبهم إلى أن إرسال الرسول لقومه قد يكون فتنة وابتلاء. والإملاء للمكذبين فترة من الزمان، وهم يستكبرون على الله، ويؤذون رسول الله والمؤمنين معه قد يكون كذلك فتنة وابتلاء. وأن إغضاب الرسول واستنفاد حلمه على أذاهم ورجائه في هدايتهم قد يكون وراءه الأخذ الأليم والبطش الشديد:
{ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون}..
وابتليناهم بالنعمة والسلطان، والتمكين في الأرض، والإملاء في الرخاء، وأسباب الثراء والاستعلاء.
{وجاءهم رسول كريم}..
وكان هذا طرفاً من الابتلاء، ينكشف به نوع استجابتهم للرسول الكريم، الذي لا يطلب منهم شيئاً لنفسه؛ إنما يدعوهم إلى الله، ويطلب إليهم أن يؤدوا كل شئ لله، وألا يستبقوا شيئاً لا يؤدونه من ذوات أنفسهم يضنون به على الله:
{أن أدوا إليّ عباد الله إني لكم رسول أمين. وألا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين. وإني عذب بربي وربكم أن ترجمون. وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون}..
إنها كلمات قصيرة تلك التي جاءهم بها رسولهم الكريم موسى عليه السلام:
إنه يطلب إليهم الاستجابة الكلية. والأداء الكامل. والاستسلام المطلق. الاستسلام المطلق لله. الذي هم عباده. وما ينبغي للعباد أن يعلوا على الله. فهي دعوة الله يحملها إليهم الرسول، ومعه البرهان على أنه رسول الله إليهم. البرهان القوي والسلطان المبين، الذي تذعن له القلوب. وهو يتحصن بربه ويعوذ به أن يسطوا عليه وأن يرجموه.
فإن استعصوا على الإيمان فهو يفاصلهم ويعتزلهم ويطلب إليهم أن يفاصلوه ويعتزلوه. وذلك منتهى النصفة والعدل والمسالمة.
ولكن الطغيان قلما يقبل النصفة، فهو يخشى الحق أن يظل طليقاً، يحاول أن يصل إلى الناس في سلام وهدوء. ومن ثم يحارب الحق بالبطش. ولا يسالمه أبداً. فمعنى المسالمة أن يزحف الحق ويستولي في كل يوم على النفوس والقلوب. ومن ثم يبطش الباطل ويرجم ولا يعتزل الحق ولا يدعه يسلم أو يستريح!
ويختصر السياق هنا حلقات كثيرة من القصة، ليصل إلى قرب النهاية. حين وصلت التجربة إلى نهايتها؛ وأحس موسى أن القوم لن يؤمنوا له ولن يستجيبوا لدعوته؛ ولن يسالموه أو يعتزلوه. وبدا له إجرامهم أصيلاً عميقاً لا أمل في تخليهم عنه. عند ذلك لجأ إلى ربه وملاذه الأخير:
{فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون}..
وماذا يملك الرسول إلا أن يعود إلى ربه بالحصيلة التي جنتها يداه؟ وإلا أن ينفض أمره بين يديه، ويدع له التصرف بما يريد؟
وتلقى موسى الإجابة إقراراً من ربه لما دمغ به القوم.. حقاً إنهم مجرمون..
{فأسر بعبادي ليلاً إنكم متبعون. واترك البحر رهواً إنهم جند مغرقون}..
والسرى لا يكون إلا ليلاً، فالنص عليه يعيد تصوير المشهد، مشهد السرى بعباد الله وهم بنو إسرائيل. ثم للإيحاء بجو الخفية، لأن سراهم كان خفية عن عيون فرعون ومن وراء علمه. والرهو: الساكن. وقد أمر الله موسى عليه السلام أن يمر هو وقومه وأن يدع البحر وراءه ساكناً على هيئته التي مر هو وقومه فيها، لإغراء فرعون وجنده باتباعهم، ليتم قدر الله بهم كما أراده: {إنهم جند مغرقون}.. فهكذا ينفذ قدر الله من خلال الأسباب الظاهرة. والأسباب ذاتها طرف من هذا القدر المحتوم.
ويختصر السياق حكاية مشهد الغرق أو عرضه، اكتفاء بالكلمة النافذة التي لا بد أن تكون: {إنهم جند مغرقون}.. ويمضي من هذا المشهد المضمر إلى التعقيب عليه؛ تعقيباً يشي بهوان فرعون الطاغية المتعالي وملئه الممالئ له على الظلم والطغيان. هوانه وهوانهم على الله، وعلى هذا الوجود الذي كان يشمخ فيه بأنفه، فيطأطئ له الملأ المفتونون به؛ وهو أضأل وأزهد من أن يحس به الوجود، وهو يسلب النعمة فلا يمنعها من الزوال، ولا يرثي له أحد على سوء المآل:
{كم تركوا من جنات وعيون. وزروع ومقام كريم. ونعمة كانوا فيها فاكهين. كذلك وأورثناها قوماً آخرين. فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين}..
ويبدأ المشهد بصور النعيم الذي كانوا فيه يرفلون.. جنات. وعيون. وزروع. ومكان مرموق، ينالون فيه الاحترام والتكريم. ونعمة يتلذونها ويطعمونها ويعيشون فيها مسرورين محبورين.
ثم ينزع هذا كله منهم أو ينزعون منه. ويرثه قوم آخرون وفي موضع آخر قال: {كذلك وأورثناها بني إسرائيل} وبنو إسرائيل لم يرثوا ملك فرعون بالذات.
ولكنهم ورثوا ملكاً مثله في الأرض الأخرى. فالمقصود إذن هو نوع الملك والنعمة. الذي زال عن فرعون وملئه، وورثه بنو إسرائيل!
ثم ماذا؟ ثم ذهب هؤلاء الطغاة الذين كانوا ملء الأعين والنفوس في هذه الأرض: ذهبوا فلم يأس على ذهابهم أحد، ولم تشعر بهم سماء ولا أرض؛ ولم ينظروا أو يؤجلوا عند ما حل الميعاد:
{فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين}..
وهو تعبير يلقي ظلال الهوان، كما يلقي ظلال الجفاء.. فهؤلاء الطغاة المتعالون لم يشعر بهم أحد في أرض ولا سماء. ولم يأسف عليهم أحد في أرض ولا سماء. وذهبوا ذهاب النمال، وهم كانوا جبارين في الأرض يطأون الناس بالنعال! وذهبوا غير مأسوف عليهم فهذا الكون يمقتهم لانفصالهم عنه، وهو مؤمن بربه، وهم به كافرون! وهم أرواح خبيثة شريرة منبوذة من هذا الوجود وهي تعيش فيه!
ولو أحس الجبارون في الأرض ما في هذه الكلمات من إيحاء لأدركوا هوانهم على الله وعلى هذا الوجود كله. ولأدركوا أنهم يعيشون في الكون منبوذين منه، مقطوعين عنه، لا تربطهم به آصرة، وقد قطعت آصرة الإيمان.
وفي الصفحة المقابلة مشهد النجاة والتكريم والاختيار:
{ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين من فرعون إنه كان عالياً من المسرفين. ولقد اخترناهم على علم على العالمين. وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين}..
ويذكر هنا نجاة بني إسرائيل من العذاب {المهين} في مقابل الهوان الذي انتهى إليه المتجبرون المتعالون المسرفون في التجبر والتعالي: {من فرعون إنه كان عالياً من المسرفين}..
ثم يذكر اختيار الله لبني إسرائيل على علم بحقيقتهم كلها، خيرها وشرها. اختيارهم على العالمين في زمانهم بطبيعة الحال، لما يعلمه الله من أنهم أفضل أهل زمانهم وأحقهم بالاختيار والاستخلاف؛ على كل ما قصه عنهم بعد ذلك من تلكؤ ومن انحراف والتواء. مما يشير إلى أن اختيار الله ونصره قد يكون لأفضل أهل زمانهم؛ ولو لم يكونوا قد بلغوا مستوى الإيمان العالي؛ إذا كانت فيهم قيادة تتجه بهم إلى الله على هدى وعلى بصيرة واستقامة.
{وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين}..
فتعرضوا للاختبار بهذه الآيات، التي آتاهم الله إياها للابتلاء. حتى إذا تم امتحانهم، وانقضت فترة استخلافهم، أخذهم الله بانحرافهم والتوائهم، وبنتيجة اختبارهم وابتلائهم، فضربهم بمن يشردهم في الأرض، وكتب عليهم الذلة والمسكنة، وتوعدهم أن يعودوا إلى النكال والتشريد كلما بغوا في الأرض إلى يوم الدين..
وبعد هذه الجولة في مصرع فرعون وملئه، ونجاة موسى وقومه، وابتلائهم بالآيات بعد فتنة فرعون وأخذه.. بعد هذه الجولة يعود إلى موقف المشركين من قضية البعث والنشور، وشكهم فيها، وإنكارهم لها. يعود ليربط بين قضية البعث وتصميم الوجود كله وبنائه على الحق والجد، الذي يقتضي هذا البعث والنشور:
{إن هؤلاء ليقولون: إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين.
فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين. أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين. وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين. ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون. إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين. يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً ولا هم ينصرون. إلا من رحم الله، إنه هو العزيز الرحيم}..
إن هؤلاء المشركين من العرب ليقولون: ما هي إلا الموتة التي نموتها، ثم لا حياة ولا نشور. ويسمونها {الأولى} بمعنى السابقة المتقدمة على الموعد الذي يوعدونه للبعث والنشور. ويستدلون على أنه ليس هناك إلا هذه الموتة وينتهي الأمر. يستدلون بأن آباءهم الذين ماتوا هذه الموتة ومضوا لم يعد منهم أحد، ولم ينشر منهم أحد؛ ويطلبون الإتيان بهم إن كان النشور حقاً وصدقاً.
وهم في هذا الطلب يغفلون عن حكمة البعث والنشور؛ ولا يدركون أنها حلقة من حلقات النشأة البشرية، ذات حكمة خاصة وهدف معين، للجزاء على ما كان في الحلقة الأولى. والوصول بالطائعين إلى النهاية الكريمة التي تؤهلهم لها خطواتهم المستقيمة في رحلة الحياة الدنيا؛ والوصول بالعصاة إلى النهاية الحقيرة التي تؤهلهم لها خطواتهم المنتكسة المرتكسة في الحمأة المستقذرة.. وتلك الحكمة تقتضي مجيء البعث والنشور بعد انقضاء مرحلة الأرض كلها؛ وتمنع أن يكون البعث لعبة تتم حسب رغبة أو نزوة بشرية لفرد أو لجماعة محدودة من البشر كي يصدقوا بالبعث والنشور! وهم لا يكمل إيمانهم إلا أن يشهدوا بالغيب على هذه القضية، التي يخبرهم بها الرسل؛ ويقتضيها التدبر في طبيعة هذه الحياة، وفي حكمة الله في خلقها على هذا الأساس. وهذا التدبر وحده يكفي للإيمان بالآخرة، والتصديق بالنشور.
وقبل أن يوجههم هنا إلى هذا التدبر في تصميم الكون ذاته، يلمس قلوبهم لمسة عنيفة بمصرع قوم تبع. والتبابعة من ملوك حمير في الجزيرة العربية. ولا بد أن القصة التي يشير إليها كانت معروفة للسامعين، ومن ثم يشير إليها إشارة سريعة للمس قلوبهم بعنف، وتحذيرها مصيراً كهذا المصير:
{أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين}..
وفي ظل هذه الذكرى، وارتجاف القلوب من تصورها، يقودهم إلى النظر في تصميم السماوات والأرض؛ وتنسيق هذا الكون؛ وما يبدو وراء هذا التنسيق من قصد وصدق وتدبير:
{وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين. ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون. إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين. يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً ولا هم ينصرون. إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم}..
واللفتة لطيفة، والمناسبة بين خلق السماوات والأرض وما بينهما وبين قضية البعث والنشور مناسبة دقيقة.
ولكن الفطرة البشرية تدركها في يسر حين توجه إليها مثل هذا التوجيه.
والواقع أن تدبر ما في خلق السماوات والأرض من دقة وحكمة وقصد ظاهر وتنسيق ملحوظ، وخلق كل شيء بمقدار لا يزيد ولا ينقص عن تحقيق الغاية من خلقه، وتحقيق تناسقه مع كل شئ وحوله، وظهور القصد في خلق كل شئ بالقدر والشكل الذي خلق به، وانتفاء المصادفة والبعث في أي جانب صغر أو كبر في تصميم هذه الخلائق الهائلة وما فيها من خلائق دقيقة لطيفة.
الواقع أن تدبر هذا كله يوقع في النفس أن لهذا الخلق غاية فلا عبث فيه؛ وأنه قائم على الحق فلا باطل فيه. وأن له نهاية لم تأت بعد، ولا تجيء بالموت، بعد هذه الرحلة القصيرة على هذا الكوكب. وأن أمر الآخرة، وأمر الجزاء فيها حتم لا بد منه من الناحية المنطقية البحتة لهذا التصميم المقصود في بناء هذه الحياة وهذا الوجود. حتى تتحقق به النهاية الطبيعية للصلاح والفساد في هذه الحياة الدنيا. هذا الصلاح وهذا الفساد اللذان ركب الإنسان على أساس الاستعداد لهما؛ وظهور جهده هو وإرادته في اختيار أحدهما، وتلقي جزاء هذا الاختيار في نهاية المطاف.
وإن خلق الإنسان بهذا الاستعداد المزدوج، ونفي العبث عن فعل الله سبحانه، ليقتضيان أن يكون لهذا الإنسان مصير معين، ينتهي إليه بعد انتهاء رحلته الأرضية. وهذا هو صميم قضية الآخرة. ومن ثم يجيء بعد توجيه النظر إلى الحكمة والقصد في خلق السماوات والأرض. يجيء قوله تعالى:
{إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين. يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً ولا هم ينصرون إلا من رحم الله، إنه هو العزيز الرحيم}..
يجيء هذا القول طبيعياً ومرتبطاً بما قبله كل الارتباط. فالحكمة تقتضي أن يكون هناك يوم يفصل فيه بين الخلائق، ويحكم فيه بين الهدى والضلال، ويكرم فيه الخير ويهان فيه الشر، ويتجرد الناس من كل سند لهم في الأرض، ومن كل قربى وآصرة، ويعودون إلى خالقهم فرادى كما خلقهم، يتلقون جزاء ما عملت أيديهم، لا ينصرهم أحد، ولا يرحمهم أحد، إلا من ينال رحمة ربه العزيز القادر الرحيم العطوف. الذي خرجوا من يده سبحانه ليعملوا؛ وعادوا إلى يده سبحانه ليتسلموا منه الجزاء. وما بين خروجهم ورجوعهم إنما هو فرصة للعمل ومجال للابتداء.
هكذا تقتضي الحكمة الظاهرة في تصميم هذا الكون، وفي خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق، وفي التقدير الواضح والقصد الناطق في كل شيء في هذا الوجود..
وبعد تقرير هذا المبدأ يعرض عليهم مشهداً من مشاهد يوم الفصل؛ وما ينتهي إليه العصاة والطائعون من عذاب ومن نعيم. مشهداً عنيفاً يتناسق مع ظلال السورة وجوها العنيف:
{إن شجرة الزقوم طعام الأثيم، كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم}.




البحث


كلمات متتالية كلمات متفرقة




موضوعات القرآن
  • الإيمان
  • العلم
  • العبادات
  • أحكام الأسرة
  • المعاملات
  • الحدود والجنايات
  • الجهاد
  • الأطعمة والأشربة
  • أحكام الجنائز
  • الأخلاق
  • تكريم الله للإنسان
  • القصص والتاريخ
  • الأمثال