سورة محمد / الآية رقم 21 / تفسير في ظلال القرآن / أحمد بن علي العجمي / القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
القرآن الكريم
طريقة عرض الآيات
صور
نصوص

وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا القِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وَجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ

محمدمحمدمحمدمحمدمحمدمحمدمحمدمحمدمحمدمحمدمحمدمحمدمحمدمحمدمحمد




تلاوة آية تلاوة سورة الشرح الصوتي

التفسير


هذه الجولة مع المنافقين، وموقفهم إزاء شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وإزاء القرآن. ثم موقفهم من الجهاد الذي فرضه الله على المسلمين لإعلاء كلمة الله. وأخيراً موقفهم من اليهود وتآمرهم معهم سراً للإيقاع بالإسلام والمسلمين.
وحركة النفاق حركة مدنية، لم يكن لها وجود في مكة، لأنه لم يكن هنالك ما يدعو إليها. فالمسلمون في مكة كانوا في موقف المضطهد، الذي لا يحتاج أحد أن ينافقه! فلما أعز الله الإسلام والمسلمين بالأوس والخزرج في المدينة، وانتشاره في العشائر والبيوت بحيث لم يبق بيت إلا دخله الإسلام، اضطر ناس ممن كرهوا لمحمد صلى الله عليه وسلم وللإسلام أن يعز ويستعلي، ولم يملكوا في الوقت ذاته أن يجهروا بالعداوة، اضطروا إلى التظاهر بالإسلام على كره. وهم يضمرون الحقد والبغضاء. ويتربصون بالرسول وأصحابه الدوائر. وعلى رأسهم عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس النفاق المعروف.
وكان وجود اليهود في المدينة وتمتعهم فيها بقوة عسكرية وقوة اقتصادية وقوة تنظيمية في أول العهد المدني. وكراهيتهم كذلك لظهور محمد صلى الله عليه وسلم ودينه وأتباعه. كان وجود اليهود على هذا الوضع مشجعاً للمنافقين. وسرعان ما جمعتهم البغضاء والحقد فأخذوا في حبك المؤامرات ودس الدسائس في كل مناسبة تعرض. فإن كان المسلمون في شدة ظهروا بعدائهم وجهروا ببغضائهم؛ وإذا كانوا في رخاء ظلت الدسائس سرية والمكايد في الظلام! وكانوا إلى منتصف العهد المدني يؤلفون خطراً حقيقياً على الإسلام والمسلمين.
وقد تواتر ذكر المنافقين، ووصف دسائسهم، والتنديد بمؤامراتهم وأخلاقهم في السورالمدنية؛ كما تكرر ذكر اتصالهم باليهود، وتلقيهم عنهم، واشتراكهم معهم في بعض المؤامرات المحبوكة. وهذا أحد المواضع التي وردت فيها الإشارة إلى المنافقين، والإشارة كذلك إلى اليهود.
{ومنهم من يستمع إليك، حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم: ماذا قال آنفاً؟ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم، واتبعوا أهواءهم}..
ولفظة: {ومنهم} تحتمل أن تكون إشارة للذين كفروا الذين كان يدور الحديث عنهم في الجولة السابقة في السورة: باعتبار أن المنافقين في الحقيقة فرقة من الكفار مستورة الظاهر، والله يتحدث عنها بحقيقتها في هذه الآية.
كما تحتمل أن تكون إشارة للمسلمين باعتبار أن المنافقين مندمجون فيهم، متظاهرون بالإسلام معهم. وقد كانوا يعاملون معاملة المسلمين بحسب ظاهرهم، كما هو منهج الإسلام في معاملة الناس.
ولكنهم في كلتا الحالتين هم المنافقون كما تدل عليه صفتهم في الآية وفعلهم، وكما يدل السياق في هذه الجولة من السورة، والحديث فيها عن المنافقين.
وسؤالهم ذاك بعد استماعهم للرسول صلى الله عليه وسلم والاستماع معناه السماع باهتمام- يدل على أنهم كانوا يتظاهرون تظاهراً بأنهم يلقون سمعهم وبالهم للرسول صلى الله عليه وسلم وقلوبهم لاهية غافلة.
أو مطموسة مغلقة. كما أنه قد يدل من جانب آخر على الغمز الخفي اللئيم إذ يريدون أن يقولوا بسؤالهم هذا لأهل العلم: إن ما يقوله محمد لا يفهم، أو لا يعني شيئاً يفهم. فهاهم أولاء مع استماعهم له، لا يجدون له فحوى ولا يمسكون منه بشيء! كذلك قد يعنون بهذا السؤال السخرية من احتفال أهل العلم بكل ما يقوله محمد صلى الله عليه وسلم وحرصهم على استيعاب معانيه وحفظ ألفاظه- كما كان حال الصحابة رضوان الله عليهم مع كل كلمة يتلفظ بها الرسول الكريم- فهم يسألونهم أن يعيدوا ألفاظه التي سمعوها على سبيل السخرية الظاهرة أو الخفية.. وكلها احتمالات تدل على اللؤم والخبث والانطماس والهوى الدفين:
{أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم}..
ذلك حال المنافقين، فأما حال المهتدين فهو على النقيض:
{والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم}..
وترتيب الوقائع في الآية يستوقف النظر. فالذين اهتدوا بدأوا هم بالاهتداء، فكافأهم الله بزيادة الهدى، وكافأهم بما هو أعمق وأكمل: {وآتاهم تقواهم}.. والتقوى حالة في القلب تجعله أبداً واجفاً من هيبة الله، شاعراً برقابته، خائفاً من غضبه، متطلعاً إلى رضاه، متحرجاً من أن يراه الله على هيئة أو في حالة لا يرضاها.. هذه الحساسية المرهفة هي التقوى.. وهي مكافأة يؤتيها الله من يشاء من عباده، حين يهتدون هم ويرغبون في الوصول إلى رضى الله.
والهدى والتقوى والحساسية حالة تقابل حالة النفاق والانطماس والغفلة في الآية السابقة.
ومن ثم يعود بعد هذه اللفتة إلى الحديث عن أولئك المنافقين المطموسين الغافلين، الذين يخرجون من مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعوا مما قال شيئاً ينفعهم ويهديهم. ويستجيش قلوبهم للتقوى، ويذكرهم بما ينتظر الناس من حساب وجزاء:
{فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة؟ فقد جاء أشراطها. فأنى لهم- إذا جاءتهم- ذكراهم؟}.
وهي جذبة قوية تخرج الغافلين من الغفلة بعنف، كما لو أخذت بتلابيب مخمور وهززته هزاً!
ماذا ينتظر هؤلاء الغافلون الذين يدخلون مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخرجون منها، غير واعين، ولا حافظين، ولا متذكرين؟ ماذا ينتظرون؟ {فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة؟}.. فتفجأهم وهم سادرون غارون غافلون, هل ينظرون إلا الساعة؟ {فقد جاء أشراطها}. ووجدت علاماتها. والرسالة الأخيرة أضخم هذه العلامات، فهي إيذان بأنها النذارة الأخيرة قرب الأجل المضروب. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت أنا والساعة كهاتين» وأشار بأصبعيه السبابة والتي تليها. وإذا كان الزمن يلوح ممتداً منذ هذه الرسالة الأخيرة؛ فإن أيام الله غير أيامنا.
ولكنها في حساب الله قد جاءت الأشراط الأولى؛ وما عاد لعاقل أن يغفل حتى تأخذه الساعة بغتة حيث لا يملك صحواً ولا ذكراً:
{فأنى لهم- إذا جاءتهم- ذكراهم؟}..
إنها الهزة القوية العنيفة التي تخرج الغافلين من غفلتهم؛ والتي تتفق كذلك مع طابع السورة العنيف.
ثم يتجه الخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المهتدين المتقين المتطلعين؛ ليأخذوا طريقاً آخر. طريق العلم والمعرفة والذكر والاستغفار، والشعور برقابة الله وعلمه الشامل المحيط؛ ويعيشوا بهذه الحساسية يرتقبون الساعة وهم حذرون متأهبون:
{فاعلم أنه لا إله إلا الله؛ واستغفر لذنبك، وللمؤمنين والمؤمنات؛ والله يعلم متقلبكم ومثواكم}..
وهو التوجيه إلى تذكر الحقيقة الأولى التي يقوم عليها أمر النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه:
{فاعلم أنه لا إله إلا الله}..
وعلى أساس العلم بهذه الحقيقة واستحضارها في الضمير تبدأ التوجيهات الأخرى:
{واستغفر لذنبك}..
وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. ولكن هذا واجب العبد المؤمن الشاعر الحساس الذي يشعر أبداً بتقصيره مهما جهد؛ ويشعر- وقد غفر له- أن الاستغفار ذكر وشكر على الغفران. ثم هو التلقين المستمر لمن خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن يعرفون منزلته عند ربه؛ ويرونه يوجه إلى الذكر والاستغفار لنفسه. ثم للمؤمنين والمؤمنات. وهو المستجاب الدعوة عند ربه. فيشعرون بنعمة الله عليهم بهذا الرسول الكريم. وبفضل الله عليهم وهو يوجهه لأن يستغفر لهم، ليغفر لهم!
وللمسة الأخيرة في هذا التوجيه:
{والله يعلم متقلبكم ومثواكم}..
حيث يشعر القلب المؤمن بالطمأنينة وبالخوف جميعاً. الطمأنينة وهو رعاية الله حيثما تقلب أو ثوى. والخوف من هذا الموقف الذي يحيط به علم الله ويتعقبه في كل حالاته، ويطلع على سره ونجواه..
إنها التربية. التربية باليقظة الدائمة والحساسية المرهفة، والتطلع والحذر والانتظار..
وينتقل السياق إلى تصوير موقف المنافقين من الجهاد، وما يعتمل في نفوسهم من جبن وخور وذعر وهلع عند مواجهة هذا التكليف، ويكشف دخيلتهم في هذا الأمر، كما يكشف لهم ما ينتظرهم لو ظلوا على هذا النفاق، ولم يخلصوا ويستجيبوا ويصدقوا الله عندما يعزم الأمر ويتحتم الجهاد:
{ويقول الذين آمنوا: لولا نزلت سورة. فإذآ أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت، فأولى لهم طاعة وقول معروف، فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم. فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم! أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم. أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟}..
وتطلع الذين آمنوا إلى تنزيل سورة: إما أن يكون مجرد تعبير عن شوقهم إلى سورة جديدة من هذا القرآن الذي يحبونه، ويجدون في كل سورة منه زاداً جديداً حبيباً.
وإما أن يكون تطلعاً إلى سورة تبين أمراً من أمور الجهاد، وتفصل في قضية من قضايا القتال تشغل بالهم. فيقولون: {لولا نزلت سورة!}..
{فإذا أنزلت سورة محكمة}.. فاصلة بينة لا تحتمل تأويلاً {وذكر فيها القتال}.. أي الأمر به. أو بيان حكم المتخلفين عنه، أو أي شأن من شؤونه، إذا بأولئك {الذين في قلوبهم مرض}.. وهو وصف من أوصاف المنافقين.. يفقدون تماسكهم، ويسقط عنهم ستار الرياء الذين يتسترون به، وينكشف جزعهم وضعف نفوسهم من مواجهة هذا التكليف، ويبدون في حالة تزري بالرجال، يصورها التعبير القرآني المبدع صورة فريدة كأنها معروضة للأنظار:
{رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت}..
وهو تعبير لا تمكن محاكاته، ولا ترجمته إلى أي عبارة أخرى. وهو يرسم الخوف إلى حد الهلع. والضعف إلى حد الرعشة. والتخاذل إلى حد الغشية! ويبقى بعد ذلك متفرداً حافلاً بالظلال والحركة التي تشغف الخيال! وهي صورة خالدة لكل نفس خوارة لا تعتصم بإيمان، ولا بفطرة صادقة، ولا بحياء تتجمل به أمام الخطر. وهي هي طبيعة المرض والنفاق!
وبينما هم في هذا التخاذل والتهافت والانهيار تمتد إليهم يد الإيمان بالزاد الذي يقوي العزائم ويشد القوائم لو تناولوه في إخلاص:
{فأولى لهم طاعة وقول معروف. فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم}.
نعم. أولى لهم من هذه الفضيحة. ومن هذا الخور. ومن هذا الهلع. ومن هذا النفاق.. أولى لهم {طاعة وقول معروف}.. طاعة تستسلم لأمر الله عن طمأنينة، وتنهض بأمره عن ثقة. وقول معروف يشي بنظافة الحس واستقامة القلب، وطهارة الضمير. وأولى لهم إذا عزم الأمر، وجد الجد، وواجهوا الجهاد أن يصدقوا الله. يصدقوه عزيمة، ويصدقوه شعوراً. فيربط على قلوبهم، ويشد من عزائمهم، ويثبت أقدامهم، وييسر المشقة عليهم، ويهون الخطر الذي يتمثلونه غولاً تفغر فاها لتلتهمهم! ويكتب لهم إحدى الحسنيين: النجاة والنصر، أو الاستشهاد والجنة.. هذا هو الأولى. وهذا هو الزاد الذي يقدمه الإيمان فيقوي العزائم ويشد القوائم، ويذهب بالفزع، ويحل محله الثبات والإطمئنان.
وبينما هو يتحدث عنهم يلتفت إليهم مباشرة ليخاطبهم مقرعاً مهدداً بسوء العاقبة لو قادهم حالهم هذا إلى النكسة والتولي إلى الكفر؛ وخلع ذلك الستار الرقيق من الإسلام:
{فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم؟}..
وهذا التعبير.. {هل عسيتم}.. يفيد ما هو متوقع من حال المخاطبين. ويلوح لهم بالنذير والتحذير.. احذروا فإنكم منتهون إلى أن تعودوا إلى الجاهلية التي كنتم فيها. تفسدون في الأرض وتقطعون الأرحام، كما كان شأنكم قبل الإسلام..
وبعد هذه اللفتة المفزعة المنذرة لهم يعود إلى الحديث عنهم لو انتهوا إلى هذا الذي حذرهم إياه:
{أولئك الذين لعنهم الله، فأصمهم وأعمى أبصارهم.
أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟}.
أولئك الذين يظلون في مرضهم ونفاقهم حتى يتولوا عن هذا الأمر الذى دخلوا فيه بظاهرهم ولم يصدقوا الله فيه، ولم يستيقنوه. {أولئك الذين لعنهم الله}.. وطردهم وحجبهم عن الهدى، {فأصمهم وأعمى أبصارهم}.. وهم لم يفقدوا السمع، ولم يفقدوا البصر؛ ولكنهم عطلوا السمع وعطلوا البصر، أو عطلوا قوة الإدراك وراء السمع والبصر؛ فلم يعد لهذه الحواس وظيفة لأنها لم تعد تؤدي هذه الوظيفة.
ويتساءل في استنكار: {أفلا يتدبرون القرآن}.. وتدبر القرآن يزيل الغشاوة، ويفتح النوافذ، ويسكب النور، ويحرك المشاعر، ويستجيش القلوب، ويخلص الضمير. وينشئ حياة للروح تنبض بها وتشرق وتستنير، {أم على قلوب أقفالها؟} فهي تحول بينها وبين القرآن وبينها وبين النور؟ فإن استغلاق قلوبهم كاستغلاق الأقفال التي لا تسمح بالهواء والنور!
ويمضي في تصوير حال المنافقين، وسبب توليهم عن الإيمان بعد إذ شارفوه، فيتبين أنه تآمرهم مع اليهود، ووعدهم لهم بالطاعة فيما يدبرون:
{إن الذين ارتدوا على أدبارهم- من بعد ما تبين لهم الهدى- الشيطان سول لهم وأملى لهم. ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله: سنطيعكم في بعض الأمر. والله يعلم إسرارهم}..
والتعبير يرسم معنى رجوعهم عن الهدى بعد ما تبين لهم، في صورة حركة حسية، حركة الارتداد على الأدبار. ويكشف ما وراءها من وسوسة الشيطان وتزيينه وإغرائه. فإذا ظاهر هذه الحركة وباطنها مكشوفان مفهومان! وهم المنافقون الذين يتخفون ويتسترون! ثم يذكر السبب الذي جعل للشيطان عليهم هذا السلطان، وانتهى بهم إلى الارتداد على الأدبار بعد ما عرفوا الهدى وتبينوه:
{ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر}..
واليهود في المدينة هم أول من كرهوا ما نزَّل الله؛ لأنهم كانوا يتوقعون أن تكون الرسالة الأخيرة فيهم، وأن يكون خاتم الرسل منهم؛ وكانوا يستفتحون على الذين كفروا ويوعدونهم ظهور النبي الذي يقودهم ويمكن لهم في الأرض، ويسترجع ملكهم وسلطانهم. فلما اختار الله آخر رسله من نسل إبراهيم، من غير يهود، كرهوا رسالته. حتى إذا هاجر إلى المدينة كرهوا هجرته، التي هددت ما بقي لهم من مركز هناك. ومن ثم كانوا إلباً عليه منذ أول يوم، وشنوا عليه حرب الدس والمكر والكيد، حينما عجزوا عن مناصبته العداء جهرة في ميادين القتال؛ وانضم إليهم كل حانق، وكل منافق، وظلت الحرب سجالاً بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أجلاهم في آخر الأمر عن الجزيرة كلها وخلصها للإسلام.
وهؤلاء الذين ارتدوا على أدبارهم من بعدما تبين لهم قالوا لليهود: {سنطيعكم في بعض الأمر}.. والأرجح أن ذلك كان في الدس والكيد والتآمر على الإسلام ورسول الإسلام.
{والله يعلم إسرارهم}.
وهو تعقيب كله تهديد. فأين يذهب تآمرهم وإسرارهم وماذا يؤثر؛ وهو مكشوف لعلم الله؟ معرض لقوة الله؟
ثم التهديد السافر بجند الله، والمتآمرون في نهاية الحياة:
{فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم}!
وهو مشهد مفزع مهين. وهم يحتضرون. ولا حول لهم ولا قوة. وهم في نهاية حياتهم على هذه الأرض. وفي مستهل حياتهم الأخرى. هذه الحياة التي تفتتح بضرب الوجوه والأدبار. في لحظة الوفاة، لحظة الضيق والكرب والمخافة. والأدبار التي ارتدوا عليها من بعدما تبين لهم الهدى! فيالها من مأساة!
{ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله، وكرهوا رضوانه، فأحبط أعمالهم}..
فهم الذين أرادوا لأنفسهم هذا المصير واختاروه. هم الذين عمدوا إلى ما أسخط الله من نفاق ومعصية وتآمر مع أعداء الله وأعداء دينه ورسوله فاتبعوه. وهم الذين كرهوا رضوان الله فلم يعملوا له، بل عملوا ما يسخط الله ويغضبه.. {فأحبط أعمالهم}.. التي كانوا يعجبون بها ويتعاجبون؛ ويحسبونها مهارة وبراعة وهم يتآمرون على المؤمنين ويكيدون. فإذا بهذه الأعمال تتضخم وتنتفخ. ثم تهلك وتضيع!
وفي نهاية الشوط يتهددهم بكشف أمرهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين، الذين يعيشون بينهم متخفين؛ يتظاهرون بالإسلام وهم لهم كائدون:
{أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم؟ ولو نشاء لأريناكهم، فلعرفتهم بسيماهم، ولتعرفنهم في لحن القول، والله يعلم أعمالكم. ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم}..
ولقد كان المنافقون يعتمدون على إتقانهم فن النفاق، وعلى خفاء أمرهم في الغالب على المسلمين. فالقرآن يسفه ظنهم أن هذا الأمر سيظل خافياً، ويهدّدهم بكشف حالهم وإظهار أضغانهم وأحقادهم على المسلمين. ويقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: {ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم}.. أي لو نشاء لكشفنا لك عنهم بذواتهم وأشخاصهم، حتى لترى أحدهم فتعرفه من ملامحه (وكان هذا قبل أن يكشف الله له عن نفر منهم بأسمائهم) ومع ذلك فإن لهجتهم ونبرات صوتهم، وإمالتهم للقول عن استقامته، وانحراف منطقهم في خطابك سيدلك على نفاقهم: {ولتعرفنهم في لحن القول}..
ويعرج على علم الله الشامل بالأعمال وبواعثها: {والله يعلم أعمالكم}.. فلا تخفى عليه منها خافية.. ثم وعد من الله بالابتلاء.. ابتلاء الأمة الإسلامية كلها، لينكشف المجاهدون والصابرون ويتميزوا وتصبح أخبارهم معروفة، ولا يقع الالتباس في الصفوف، ولا يبقى مجال لخفاء أمر المنافقين ولا أمر الضعاف والجزعين:
{ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين، ونبلو أخباركم}..
والله يعلم حقائق النفوس ومعادنها، ويطلع على خفاياها وخباياها، ويعلم ما يكون من أمرها علمه بما هو كائن فعلاً. فما هذا الابتلاء؟ ولمن يكون العلم من ورائه بما يتكشف عنه؟
إن الله- جلت حكمته- يأخذ البشر بما هو في طوقهم، وما هو من طبيعتهم واستعدادهم.




البحث


كلمات متتالية كلمات متفرقة




موضوعات القرآن
  • الإيمان
  • العلم
  • العبادات
  • أحكام الأسرة
  • المعاملات
  • الحدود والجنايات
  • الجهاد
  • الأطعمة والأشربة
  • أحكام الجنائز
  • الأخلاق
  • تكريم الله للإنسان
  • القصص والتاريخ
  • الأمثال