سورة الحديد / الآية رقم 1 / تفسير في ظلال القرآن / أحمد بن علي العجمي / القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
القرآن الكريم
طريقة عرض الآيات
صور
نصوص

إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ أَفَبِهَذَا الحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ فَسَلامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

الواقعةالواقعةالواقعةالواقعةالواقعةالواقعةالواقعةالواقعةالواقعةالواقعةالحديدالحديدالحديدالحديدالحديد




تلاوة آية تلاوة سورة الشرح الصوتي

التفسير


هذه السورة بجملتها دعوة للجماعة الإسلامية كي يتحقق في ذاتها حقيقة إيمانها. هذه الحقيقة التي تخلص بها النفوس لدعوة الله؛ فلا تضن عليها بشيء، ولا تحتجز دونها شيئاً.. لا الأرواح ولا الأموال؛ ولا خلجات القلوب ولا ذوات الصدور.. وهي الحقيقة التي تستحيل بها النفوس ربانية بينما تعيش على الأرض. موازينها هي موازين الله، والقيم التي تعتز بها وتسابق إليها هي القيم التي تثقل في هذه الموازين. كما أنها هي الحقيقة التي تشعر القلوب بحقيقة الله، فتخشع لذكره، وترجف وتفر من كل عائق وكل جاذب يعوقها عن الفرار إليه.
وعلى أساس هذه الحقيقة الكبيرة تدعو السورة الجماعة الإسلامية إلى البذل في سبيل الله. بذل النفس وبذل المال: {آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه. فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير، وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين. هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور، وإن الله بكم لرءُوف رحيم. وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله، ولله ميراث السماوات والأرض. لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا. وكلاً وعد الله الحسنى. والله بما تعملون خبير}
وعلى أساس هذه الحقيقة الكبيرة كذلك تدعو الجماعة الإسلامية إلى الخشوع لذكر الله وللحق الذي أنزله الله ليجيء البذل ثمرة لهذا الخشوع المنبعث من الحقيقة الإيمانية الأولى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل، فطال عليهم الأمد، فقست قلوبهم، وكثير منهم فاسقون} وكذلك تضع قيم الدنيا وقيم الآخرة في ميزان الحق؛ وتدعو الجماعة الإسلامية لاختيار الكفة الراجحة، والسباق إلى القيمة الباقية: {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد، كمثل غيث أعجب الكفار نباته، ثم يهيج فتراه مصفراً، ثم يكون حطاماً. وفي الآخرة عذاب شديد، ومغفرة من الله ورضوان، وما الحياة الدنيآ إلا متاع الغرور: سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السمآء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله. ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل العظيم} وظاهر من سياق السورة- إلى جانب عمومية الدعوة الدائمة إلى تلك الحقيقة- أنها كانت تعالج كذلك حالة واقعة في الجماعة الإسلامية عند نزول هذه السورة في المجتمع المدني في فترة تمتد من العام الرابع الهجري إلى ما بعد فتح مكة.
فإلى جانب السابقين من المهاجرين والأنصار، الذين ضربوا أروع مثال عرفته البشرية، في تحقيق حقيقة الإيمان في نفوسهم، وفي البذل والتضحية بأرواحهم وأموالهم، في خلوص نادر، وتجرد كامل، وانطلاق من أوهاق الأرض وجوانب الغريزة ومعوقات الطريق إلى الله.
إلى جانب هذه الفئة الممتازة الفذة، كانت هناك- في الجماعة الإسلامية- فئة أخرى ليست في هذا المستوى الإيماني الخالص الرفيع- وبخاصة بعد الفتح عندما ظهر الإسلام، ودخل فيه الناس أفواجاً، وكان من بينهم من لم يدركوا بعد حقيقة الإيمان الكبيرة، ولم يعيشوا بها ولها كما عاشت تلك الفئة السابقة الخالصة المخلصة لله.
هؤلاء المسلمون من الفئة الأخرى كان يصعب عليهم البذل في سبيل الله؛ وتشق عليهم تكاليف العقيدة في النفس والمال؛ وتزدهيهم قيم الحياة الدنيا وزينتها؛ فلا يستطيعون الخلاص من دعائها وإغرائها.
وهؤلاء- بصفة خاصة- هم الذين تهتف بهم هذه السورة تلك الهتافات الموحية التي أسلفنا نماذج منها، لتخلص أرواحهم من تلك الأوهاق والجواذب، وترفعها إلى مستوى الحقيقة الإيمانية الكبرى، التي تصغر معها كل قيم الأرض، وتذوب في حرارتها كل عوائقها!
كذلك كانت هنالك طائفة أخرى- غير هؤلاء وأولئك- هي طائفة المنافقين، مختلطة غير متميزة. وبخاصة حين ظهرت غلبة الإسلام، واضطر المنافقون إلى التخفي والانزواء؛ مع بقاء قلوبهم مشوبة غير خالصة ولا مخلصة يتربصون الفرص وتجرفهم الفتن. وهؤلاء تصور السورة مصيرهم يوم يميزون ويعزلون عن المؤمنين: {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم. بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها. ذلك هو الفوز العظيم. يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: انظرونا نقتبس من نوركم. قيل: ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نوراً. فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ينادونهم: ألم نكن معكم؟ قالوا بلى! ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأمانيّ، حتى جآء أمر الله وغركم بالله الغرور. فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا، مأواكم النار هي مولاكم. وبئس المصير}..
وهذا إلى جانب من بقي في الجزيرة من أهل الكتاب من اليهود والنصارى. والسورة تشير إلى شيء من أحوالهم ومواقفهم السابقة والحاضرة في ذلك الأوان؛ كالإشارة السابقة إلى قسوة قلوبهم عند تحذير الذين آمنوا أن يكونوا {كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم} وهي إشارة إلى اليهود خاصة في الغالب.. وكالإشارة إلى النصارى قرب نهاية السورة في قوله: {ثم قفَّينا على آثارهم برسلنا وقفَّينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغآء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها. فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم، وكثير منهم فاسقون} ولما كان مدار السورة على تحقيق حقيقة الإيمان في القلب؛ وما ينبثق عن هذه الحقيقة من خشوع وتقوى، ومن خلوص وتجرد، ومن بذل وتضحية، فقد سارت في إقرار هذه الحقيقة في النفوس التي كانت تواجهها- والتي توجد في كل مجتمع إسلامي- على نسق مؤثر، أشبه ما يكون بنسق السور المكية، حافل بالمؤثرات ذات الإيقاع الآسر للقلب والحس والمشاعر!
وكان مطلعها خاصة مجموعة إيقاعات بالغة التأثير؛ تواجه القلب البشري بمجموعة من صفات الله سبحانه.
فيها تعريف به مع الإيحاء الآسر بالخلوص له، نتيجة للشعور بحقيقة الألوهية المتفردة، وسيطرتها المطلقة على الوجود، ورجعة كل شيء إليها في نهاية المطاف، مع نفاذ علمها إلى خبايا القلوب وذوات الصدور، واتجاه كل شيء إليها بالعبادة والتسبيح: {سبح لله ما في السماوات والأرض. وهو العزيز الحكيم. له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم. هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السمآء وما يعرج فيها، وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير. له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور. يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور}..
وهذا المطلع بذاته وبإيقاعاته كاف وحده ليهز القلوب هزاً. ويوقع فيها الرهبة والخشية والارتعاش، كما يوقع فيها الرغبة الحية في الخلوص لله والالتجاء إليه، والتجرد من العوائق والأثقال المعوقة عن تلبية الهتاف إلى الخلاص من الشح بالأنفس والأموال. ولكن سياق السورة تضمن كثيراً من المؤثرات تتخلل ذلك الهتاف وتؤكده في مواضع شتى. كتلك الصورة الوضيئة للمؤمنين والمؤمنات {يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم} وتلك الصورة التي تقرر ضآلة الحياة وقيمها إلى جانب قيم الآخرة وما يتم فيها من الأمور الكبار.
كذلك جاءت لمسة أخرى ترد القلوب إلى حقيقة القدر المسيطرة على الوجود: {مآ أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأهآ. إن ذلك على الله يسير. لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بمآ آتاكم. والله لا يحب كل مختال فخور. الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد} كي تستقر النفس وتطمئن لما يصيبها من خير أو شر، وهي في طريقها إلى الله. فلا تطير جزعاً، ولا تبطر فرحاً، وهي تواجه الضراء والسراء. ولا تشرك بالله سبباً ولا ظرفاً ولا حادثاً. فكله بقدر مقسوم لأجل معلوم. ومرد الأمر كله في النهاية إلى الله.
وقد سار سياق السورة في علاج موضوعها في شوطين اثنين أثبتنا أولهما في صدر هذا التقديم. وجاءت فقرات كثيرة من الشوط الثاني في خلاله. وهما مترابطان مطردان. فنكتفي بهذا القدر، لنسير مع سياق السورة بالتفصيل.
{سبح لله ما في السماوات والأرض.
وهو العزيز الحكيم. له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير. هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم. هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استوى على العرش، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السمآء وما يعرج فيها، وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير. له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور. يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور}..
هذا المطلع الموحي المختار. وما حشد فيه من خصائص الألوهية الفاعلة المؤثرة المبدعة لكل شيء، المحيطة بكل شيء، المهيمنة على كل شيء، العليمة بكل شيء. وما تعرضه من إبداع اليد القادرة وهي تجول في محيط السماوات والأرض، وتتلطف إلى خبايا الصدور وطوايا القلوب، وتشرف من عل على الوجود وما فيه ومن فيه..
هذا المطلع الموحي المختار يتناول القلوب، فيهزها هزاً، ويأخذها أخذاً، وهو يجول بها في الوجود كله فلا تجد إلا الله، ولا ترى إلا الله، ولا تحس بغير الله، ولا تعلم لها مهرباً من قدرته ولا مخبأ من علمه، ولا مرجعاً إلا إليه، ولا متوجهاً إلا لوجهه الكريم:
{سبح لله ما في السماوات والأرض. وهو العزيز الحكيم}..
هكذا ينطلق النص القرآني الكريم في مفتتح السورة؛ فتتجاوب أرجاء الوجود كله بالتسبيح لله. ويهينم كل شيء في السماوات والأرض، فيسمعه كل قلب مفتوح غير محجوب بأحجبة الفناء. ولا حاجة لتأويل النص عن ظاهر مدلوله. فالله يقول. ونحن لا نعلم شيئاً عن طبيعة هذا الوجود وخصائصه أصدق مما يقوله لنا الله عنه.. ف {سبح لله ما في السماوات والأرض} تعني {سبح لله ما في السماوات والأرض}.. ولا تأويل ولا تعديل! ولنا أن نأخذ من هذا أن كل ما في السماوات والأرض له روح، يتجه بها إلى خالقه بالتسبيح وإن هذا لهو أقرب تصور يصدقه ما وردت به الآثار الصحيحة، كما تصدقه تجارب بعض القلوب في لحظات صفائها وإشراقها، واتصالها بالحقيقة الكامنة في الأشياء وراء أشكالها ومظاهرها..
وقد جاء في القرآن الكريم: {يا جبال أوبي معه والطير}. فإذا الجبال كالطير تؤوب مع داود! وجاء في الأثر: أخرج مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: «إن بمكة حجراً كان يسلم عليّ ليالي بعثت. إني لأعرفه الآن». وروى الترمذي- بإسناده- عن علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه- قال: كنت مع رسول الله بمكة فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله شجر ولا جبل إلا وهو يقول «السلام عليك يا رسول الله».. وروى البخاري في صحيحه بإسناده عن أنس بن مالك قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى لزق جذع. فلما صنعوا له المنبر فخطب عليه حن الجذع حنين الناقة، فنزل الرسول فمسحه، فسكن.
وآيات القرآن كثيرة وصريحة في تقرير هذه الحقيقة الكونية: {ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه} {ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس} {وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} ولا داعي لتأويل هذه النصوص الصريحة لتوافق مقررات سابقة لنا عن طبائع الأشياء غير مستمدة من هذا القرآن. فكل مقرراتنا عن الوجود وكل تصوراتنا عن الكون ينبغي أن تنبع أولاً من مقررات خالق هذا الكون ومبدع هذا الوجود.
{وهو العزيز الحكيم}.. فتسبيح ما في السماوات والأرض له فرع عن العزة الغالبة والحكمة البالغة. فهو المهيمن على كل شيء بقوته، وهو جاعل كل شيء وفق حكمته.
وما يكاد القلب البشري يفيق من فيض هذا النص، ومن مهرجان الوجود المسبح لخالقه في السماوات والأرض، حتى يعالجه السياق برحلة جديدة في ملكوت السماوات والأرض:
{له ملك السماوات والأرض، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير}..
إن كل شيء في السماوات والأرض سبح لله. مالك السماوات والأرض. الذي لا شريك له في ملكه. فهو تسبيح المملوك لمالكه المتفرد، الذي يحيي ويميت، فيخلق الحياة ويخلق الموت. ويقدر الحياة لكل حي ويقدر له الموت؛ فلا يكون إلا قدره الذي قضاه.
والحياة ما تزال سراً في طبيعتها، وسراً في مصدرها؛ ولا يملك أحد أن يقول من أين جاءت، ولا كيف جاءت فضلاً على أن أحداً لا يدري ما هي على وجه الحقيقة. والنص القرآني يقول: إن الله هو الذي يحيي. الذي يعطي الحياة للأحياء. وما يملك أحد أن ينكر هذا ولا أن يثبت غيره. والموت كالحياة سر مغلف. لا يعرف أحد طبيعته ولا يملك أحد أن يحدثه. لأن أحداً غير واهب الحياة لا يملك سلبها.. وهذا وذلك من مظاهر الملكية المطلقة لله في السماوات والأرض يحيي ويميت...
{وهو على كل شيء قدير}.. إجمالاً بغير حد ولا قيد. فالمشيئة المطلقة تمضي بغير حد ولا قيد. وتتعلق بما تشاء أن تتعلق به كما تشاء. وكل قيد يتصوره العقل البشري بمنطقه هو لهذه المشيئة من أي نوع وأي لون هو تصور باطل، ناشئ من طبيعة العقل البشري المحدود! واختيار المشيئة لنواميس وسنن لهذا الوجود داخل في حقيقة انطلاقها بلا قيود ولا حدود. فهي تختار هذه النواميس والسنن اختياراً طليقاً، وتعملها في الكون غير مقيدة بها بعد إعمالها، ولا محصورة في نطاقها.
والاختيار دائم ومطرد وراء هذه السنن والنواميس..
والقرآن يولي هذه الحقيقة عناية كبيرة، فينص عليها في كل مناسبة بما يفيد طلاقة المشيئة من كل قيد يرد عليها حتى من عملها هي. لتبقى هذه الحقيقة واضحة، ويبقى تصورها غير مشوب. فقد وعد الله أهل الجنة بالخلود فيها وأهل النار كذلك. وهذا الوعد صادر من المشيئة. ولكنه أبقى المشيئة طليقة خارج نطاق هذا الوعد ذاته وهو من عملها وباختيارها. فقال عن هؤلاء وهؤلاء: {خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك..} وهكذا في كل موضع وردت فيه مثل هذه المناسبة. ولا مجال لمنطق العقل البشري ولا لمقرراته في هذا المجال. وعليه أن يأخذ مقرراته كلها من هذا القرآن، لا من معين آخر غير القرآن!
ومن ثم يتمثل للقلب البشري من خلال هذه الآية سلطان الله المطلق في ملكه الذي لا شريك له فيه، والذي يتوجه إليه سبحانه بالتسبيح وحق له أن يتوجه، وحق عليه أن يسبح.
وما يكاد يفيق من تصور هذه الحقيقة الضخمة التي تملأ الكيان البشري وتفيض، حتى تطالعة حقيقة أخرى، لعلها أضخم وأقوى. حقيقة أن لا كينونة لشيء في هذا الوجود على الحقيقة. فالكينونة الواحدة الحقيقية هي لله وحده سبحانه؛ ومن ثم فهي محيطة بكل شيء، عليمة بكل شيء:
{هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم}..
الأول فليس قبله شيء. والآخر فليس بعده شيء. والظاهر فليس فوقه شيء. والباطن فليس دونه شيء.
الأول والآخر مستغرقاً كل حقيقة الزمان، والظاهر والباطن مستغرقاً كل حقيقة المكان. وهما مطلقتان. ويتلفت القلب البشري فلا يجد كينونة لشيء إلا لله. وهذه كل مقومات الكينونة ثابتة له دون سواه. حتى وجود هذا القلب ذاته لا يتحقق إلا مستمداً من وجود الله. فهذا الوجود الإلهي هو الوجود الحقيقي الذي يستمد منه كل شيء وجوده. وهذه الحقيقة هي الحقيقة الأولى التي يستمد منها كل شيء حقيقته. وليس وراءها حقيقة ذاتية ولا وجود ذاتي لشيء في هذا الوجود..
{وهو بكل شيء عليم}.. علم الحقيقة الكاملة. فحقيقة كل شيء مستمدة من الحقيقة الإلهية وصادرة عنها. فهي مستغرقة إذن بعلم الله اللدني بها. العلم الذي لا يشاركه أحد في نوعه وصفته وطريقته. مهما علم المخلوقون عن ظواهر الأشياء!
فإذا استقرت هذه الحقيقة الكبرى في قلب، فما احتفاله بشيء في هذا الكون غير الله سبحانه؟ وكل شيء لا حقيقة له ولا وجود- حتى ذلك القلب ذاته- إلا ما يستمده من تلك الحقيقة الكبرى؟ وكل شيء وهم ذاهب، حيث لا يكون ولا يبقى إلا الله، المتفرد بكل مقومات الكينونة والبقاء؟
وإن استقرار هذه الحقيقة في قلب ليحيله قطعة من هذه الحقيقة.
فأما قبل أن يصل الى هذا الاستقرار، فإن هذه الآية القرآنية حسبه ليعيش في تدبرها وتصور مدلولها، ومحاولة الوصول إلى هذا المدلول الواحد وكفى!
ولقد أخذ المتصوفة بهذه الحقيقة الأساسية الكبرى، وهاموا بها وفيها، وسلكوا إليها مسالك شتى، بعضهم قال إنه يرى الله في كل شيء في الوجود. وبعضهم قال: إنه رأى الله من وراء كل شيء في الوجود. وبعضهم قال: إنه رأى الله فلم ير شيئاً غيره في الوجود.. وكلها أقوال تشير إلى الحقيقة إذا تجاوزنا عن ظاهر الألفاظ القاصرة في هذا المجال. إلا أن ما يؤخذ عليها- على وجه الإجمال- هو أنهم أهملوا الحياة بهذا التصور. والإسلام في توازنه المطلق يريد من القلب البشري أن يدرك هذه الحقيقة ويعيش بها ولها، بينما هو يقوم بالخلافة في الأرض بكل مقتضيات الخلافة من احتفال وعناية وجهاد وجهد لتحقيق منهج الله في الأرض، باعتبار هذا كله ثمرة لتصور تلك الحقيقة تصوراً متزناً، متناسقاً مع فطرة الإنسان وفطرة الكون كما خلقهما الله.
وبعد إطلاق تلك الحقيقة الكبرى جعل يذكر كيف انبثقت منها حقائق الوجود الأخرى:
{هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة ايام، ثم استوى على العرش، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها. وهو معكم أين ما كنتم. والله بما تعملون بصير. له ملك السماوات والأرض، وإلى الله ترجع الأمور. يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، وهو عليم بذات الصدور}..
حقيقة خلق السماوات والأرض. وحقيقة الإستواء على العرش، والهيمنة على الخلق. وحقيقة العلم بأشياء بعينها من هذا الخلق. وحقيقة الوجود مع كل أحد أينما وجد. وحقيقة رجعة الأمور إليه وحده. وحقيقة تصرفه اللطيف في كيان الوجود، وعلمه الخفي بذات الصدور..
وكلها حقائق منبثقة عن تلك الحقيقة الأولى.. ولكن عرضها في هذا المجال الكوني يجعل لها في القلب البشري إيقاعات وظلالاً.. والسماوات والأرض تواجه هذا القلب وتروعه بضخامتها وجلالها، وتناسقها وجمالها، كما تواجهه وتروعه بدقة نظامها وانضباط حركاتها، واطراد ظواهرها. ثم إنها خلائق من خلق الله كالقلب البشري. فله بها صلة الأسرة وأنس القرابة. وهي توقع على أوتاره إيقاعات لدنية حين يتوجه إليها، ويسمع لها، ويعاطفها! وهي تقول له: إن الذي خلقها هو الذي خلقه. وهي تسبح لخالقها فليسبح لخالقه! كما تقول له: إنها تستمد حقيقة وجودها من وجود خالقها وأنه هو كذلك. فليس هنالك إذن إلا هذه الحقيقة تستحق الاحتفال بها!
والأيام الستة لا يعلم حقيقتها إلا الله. فأيامنا هذه ليست سوى ظلال ناشئة عن حركة الأرض حول نفسها أمام الشمس. وجدت بعد خلق الأرض والشمس فليست هي الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض.
فنترك علمها لله يطلعنا عليه إن أراد.
وكذلك العرش. فنحن نؤمن به كما ذكره ولا نعلم حقيقته. أما الاستواء على العرش فنملك أن نقول: إنه كناية عن الهيمنة على هذا الخلق. استناداً إلى ما نعلمه من القرآن عن يقين من أن الله- سبحانه- لا تتغير عليه الأحوال. فلا يكون في حالة عدم استواء على العرش، ثم تتبعها حالة استواء. والقول بأننا نؤمن بالاستواء ولا ندرك كيفيته لا يفسر قوله تعالى: {ثم استوى}.. والأولى أن نقول: إنه كناية عن الهيمنة كما ذكرنا. والتأويل هنا لا يخرج على المنهج الذي أشرنا إليه آنفاً لأنه لا ينبع من مقررات وتصورات من عند أنفسنا. إنما يستند إلى مقررات القرآن ذاته، وإلى التصور الذي يوحيه عن ذات الله سبحانه وصفاته.
ومع الخلق والهيمنة العلم الشامل اللطيف، يصور النص القرآني مجاله تصويراً عجيباً يشغل القلب بتتبعه في هذا المجال الوسيع وبتصوره في حركة دائمة لا تفتر. وهذا أمر غير مجرد ذكر العلم وحقيقته المجردة. أمر مؤثر موح يملأ جوانب النفس، ويشغل خوالج القلب، وتترامى به سبحات التصور ووثبات الخيال:
{يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها}..
وفي كل لحظة يلج في الأرض ما لا عداد له ولا حصر من شتى الأحياء والأشياء؛ ويخرج منها ما لا عداد ولا حصر من خلائق لا يعلمها إلا الله. وفي كل لحظة ينزل من السماء من الأمطار والأشعة والنيازك والشهب، والملائكة والأقدار والأسرار؛ ويعرج فيها كذلك من المنظور والمستور ما لا يحصيه إلا الله.. والنص القصير يشير إلى هذه الحركة الدائبة التي لا تنقطع، وإلى هذه الأحداث الضخام التي لا تحصى؛ ويدع القلب البشري في تلفت دائم إلى ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وفي تصور يقظ لعلم الله الشامل وهو يتبع هذه الحركات والأحداث، في مساربها ومعارجها.
والقلب في تلفته ذاك وفي يقظته هذه يعيش مع الله، ويسيح في ملكوته بينما هو ثاوٍ في مكانه؛ ويسلك فجاج الكون ويجوب أقطار الوجود في حساسية وفي شفافية، وفي رعشة من الروعة والانفعال.
وبينما القلب في تلفته ذاك في الأرض والسماء، إذا القرآن يرده إلى ذاته، ويلمسه في صميمه. وإذا هو يجد الله معه، ناظراً إليه، مطلعاً عليه، بصيراً بعمله قريباً جد قريب:
{وهو معكم أين ما كنتم، والله بما تعملون بصير}..
وهي كلمة على الحقيقة لا على الكناية والمجاز. فالله- سبحانه- مع كل أحد، ومع كل شيء، في كل وقت، وفي كل مكان، مطلع على ما يعمل بصير بالعباد.
وهي حقيقة هائلة حين يتمثلها القلب. حقيقة مذهلة من جانب، ومؤنسة من جانب. مذهلة بروعة الجلال. ومؤنسة بظلال القربى. وهي كفيلة وحدها حين يحسها القلب البشري على حقيقتها أن ترفعه وتطهره، وتدعه مشغولاً بها عن كل أعراض الأرض؛ كما تدعه في حذر دائم وخشية دائمة، مع الحياة والتحرج من كل دنس ومن كل إسفاف.
ومرة أخرى يعود إلى ملكية السماوات والأرض في مجال آخر غير الذي وردت فيه أول مرة:
{له ملك السماوات والأرض. وإلى الله ترجع الأمور}..
ففي المرة الأولى جاء ذكرها في معرض الإحياء والإماتة والقدرة المطلقة. وهنا يجيء ذكرها في معرض رجعة الأمور كلها إلى الله. وهي متصلة بملكية الله للسماوات والأرض ومكملة لحقيقتها.
والشعور بهذه الحقيقة يحرس القلب من كل لفتة لغير الله في أي أمر. في أول الأمر وفي آخره. ويحميه من التطلع لغير الله في أي طلب، ومراقبة غير الله في أي عمل. ويقيمه على الطريق إلى الله في سره وعلنه، وحركته وسكونه، وخوالجه ونجواه. وهو يعلم أن لا مهرب من الله إلا اليه، ولا ملجأ منه الا الى حماه!
وينتهي هذا المطلع بحركة لطيفة من حركات القدرة في مجال الكون، وفي أطواء الضمير:
{يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل. وهو عليم بذات الصدور}...
ودخول الليل في النهار، ودخول النهار في الليل، حركة دائبة، وهي في الوقت ذاته حركة لطيفة سواء كان المعنى طول الليل وأخذه من النهار، وطول النهار وأخذه من الليل؛ أو كان المعنى مجرد تداخل الليل في النهار عند الغروب، وتداخل النهار في النهار في الليل عند الشروق.. ومثل هذه الحركة في خفائها ولطفها، حركة العلم بذات الصدور. وذات الصدور هي الأسرار المصاحبة لها. التي لا تفارقها ولا تبرحها!
والشعور بيد الله تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل، في لطف؛ ينشيء في القلب حالة من التأمل الرفيق، والحساسية الشفيفة. كالشعور بعلم الله يتلطف في الاطلاع على ذات الصدور، الساكنة في خبايا الصدور!
هذا المطلع بإيقاعاته تلك، يدع القلوب في حساسية مرهفة للتلقي. ومن ثم يجيء الهتاف لها بالإيمان والبذل في أنسب أوان. وقد تفتحت مداخلها، وتوفزت مشاعرها واستعدت للاستماع. وهنا يجيء ذلك الهتاف في المقطع التالي في السياق. ولكنه لا يجيء مجرداً. إنما يجيء ومعه مؤثراته وإيقاعاته ولمساته:
{آمنوا بالله ورسوله، وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه، فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير. وما لكم لا تؤمنون بالله، والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم، وقد أخذ ميثاقكم؟ إن كنتم مؤمنين. هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات الى النور وإن الله بكم لرؤوف رحيم.
وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض؟ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى، والله بما تعملون خبير}..
إن الله- سبحانه- يخاطب القلوب التي خلقها، فهو يعلم أحوالها، ويعرف مداخلها، ويطلع على خوافيها.. وهو يعلم أن نقاء العقيدة، وخلوص القلب واستقرار حقيقة الإيمان استقراراً تنبثق منه آثاره ونتائجه في واقع الحياة، من بذل وتضحية وتقدمه خالصة لله. أن هذا أمر يكلف الطاقة البشرية كثيراً؛ ويحتاج منها إلى جهد ومجاهدة طويلة. ومن ثم يحشد لها هذه الإيقاعات وهذه المؤثرات؛ ويكشف لها عن الحقائق الكونية لتراها وتتأثر بها، وتزن كل شيء بميزانها الكبير الدقيق. ويعالجها المرة بعد المرة، والخطوة بعد الخطوة؛
ولا يكلها إلى هتاف واحد، أو بيان واحد، أو مؤثر واحد يوقع على أوتارها ثم يغيب.. ومنهج القرآن الإلهي في علاج القلوب جدير بأن يقف الدعاة إلى الله أمامه طويلاً؛ ليتدبروه ويحاولوا أن يقلدوه!
إن الإيقاعات الأولى في مطلع السورة من القوة والتوالي والعمق والتاثير، بحيث تزلزل القلوب الجامدة، وتلين القلوب القاسية وتدعها مرهفة الحساسية. ولكن القرآن لا يكل قلوب المخاطبين إلى هذه اللمسات الأولى، وهو يدعوهم إلى الإيمان والبذل في الفقرة التالية. {آمنوا بالله ورسوله، وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه}..
والمخاطبون هنا هم مسلمون، ولكنهم يُدعون إلى الإيمان بالله ورسوله. فهي إذن حقيقة الإيمان يدعون لتحقيقها في قلوبهم بمعناها. وهي لفتة دقيقة. وهم يُدعون إلى الإنفاق، ومع الدعوة لمسة موحية. فهم لا ينفقون من عند أنفسهم. إنما ينفقون مما استخلفهم الله فيه من ملكه. وهو الذي {له ملك السماوات والأرض}.. فهو الذي استخلف بني آدم جملة في شيء من ملكه. وهو {يحي ويميت}.. فهو الذي استخلف جيلا ًمنهم بعد جيل.
وهكذا ترتبط هذه الإشارة بما سبق من الحقائق الكلية في مطلع السورة. ثم تقوم هي بدورها في استثارة الخجل والحياء من الله، وهو المالك الذي استخلفهم وأعطاهم، فماذا هم قائلون حين يدعوهم إلى إنفاق شيء مما استخلفهم فيه ومما أعطاهم؟! وفي نهنهة النفوس عن الشح، والله هو المعطي ولا نفاد لما عنده فماذا يمسكهم عن البذل والعطاء، وما في أيديهم رهن بعطاء الله؟!
ولكنه لا يكلهم إلى هذا التذكير وما يثيره من خجل وحياء، ومن سماحة ورجاء. إنما يخاطبهم بمؤثر جديد. يخجلهم من كرم الله ويطمعهم في فضله:
{فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير}..
فكيف يتخلف متخلف عن الإيمان والبذل في مواجهة هذا الكرم والفضل؟
غير أن القرآن لا يكلهم إلى هذه اللمسات الأولى.
إنما يلح على قلوبهم بموحيات الإيمان وموجباته من واقع حياتهم وملابساتها:
{وما لكم لا تؤمنون بالله، والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم، وقد أخذ ميثاقكم، إن كنتم مؤمنين. هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات الى النور. وإن الله بكم لرؤوف رحيم}..
فما الذي يعوقهم عن الإيمان- حق الإيمان- وفيهم الرسول يدعوهم إلى الإيمان. وقد بايعوه عليه وأعطوه ميثاقهم؟ وما الذي يعوقهم عن الإيمان بالله وهو ينزل على عبده آيات بينات تخرجهم من ظلمات الضلال والشك والحيرة إلى نور الهدى واليقين والطمأنينة؟ وفي هذا وذاك من دلائل الرأفة والرحمة بهم ما فيه.
إن نعمة وجود الرسول بين القوم، يدعوهم بلغة السماء، ويخاطبهم بكلام الله، ويصل بينهم وبين الله في ذوات نفوسهم وخواص شؤونهم.. نعمة فوق التصور حين نتملاها نحن الآن من بعيد.. فهذه الفترة- فترة الوحي وحياة الرسول صلى الله عليه وسلم فترة عجيبة حقاً.. إن الله- جل جلاله- يخاطب هذا البشر من صنع يديه، على لسان عبده صلى الله عليه وسلم وفي رحمة علوية ندية يقول لهم: خذوا هذا ودعوا ذاك ها هو ذا طريقي فاسلكوه لقد تعثرت خطاكم فهاكم حبلي! لقد أخطأتم وأثمتم فتوبوا وها هو ذا بابي مفتوح. تعالوا ولا تشردوا بعيداً، ولا تقنطوا من رحمتي التي وسعت كل شيء.. وأنت يا فلان- بذاتك وشخصك- قلت كذا. وهو خطأ. ونويت كذا. وهو إثم. وفعلت كذا وهي خطيئة.. فتعال هنا قدامي وتطهر وتب وعد إلى حماي.. وأنت يا فلان- بذاتك وشخصك- أمرك الذي يعضلك هذا حله. وسؤالك الذي يشغلك هذا جوابه. وعملك الذي عملت هذا وزنه!
إنه الله. هو الذي يقول. يقول لهؤلاء المخاليق. وهم يعيشون معه. يحسون أنه معهم. حقيقة وواقعاً. أنه يستمع إلى شكواهم في جنح الليل ويستجيب لها. وأنه يرعاهم في كل خطوة ويعنى بها..
ألا إنه لأمر فوق ما يطيق الذي لم يعش هذه الفترة أن يتصور. ولكن هؤلاء المخاطبين بهذه الآيات عاشوها فعلاً.. ثم احتاجوا إلى مثل هذا العلاج ومثل هذه اللمسات، ومثل هذا التذكير.. وهو فضل من الله ورحمة فوق فضله ذاك ورحمته. يدركهما ويشعر بهما من لم تقدر له الحياة في هذه الفترة العجيبة:
ورد في صحيح البخاري أن «رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً لأصحابه أي المؤمنين أعجب عليكم؟ قالوا الملائكة. قال» وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ «قالوا: فالانبياء. قال» وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ «قالوا فنحن. قال وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ولكن أعجب المؤمنين إيماناً قوم يجيئون بعدكم يجدون صحفاً يؤمنون بما فيها».
وصدق رسول الله. إنه لأمر متفاوت. وإن موحيات الإيمان وموجباته لديهم لشيء هائل، هائل، عجيب عجيب. وهو يعجب: ما لهم لا يؤمنون؟ ثم يطلب إليهم تحقيق الإيمان في نفوسهم إن كانوا مؤمنين!
ثم ينتقل بهم من موحيات الإيمان وموجباته إلى موحيات الإنفاق وموجباته في توكيد وتكرير:
{وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض}..
وفي هذه الإشارة عودة إلى حقيقة: {له ملك السماوات والأرض والى الله ترجع الأمور}.. فميراث السماوات والأرض ملكه وراجع إليه، وما استخلفوا فيه إذن سيؤول اليه في الميراث! فما لهم لا ينفقون في سبيله حين يدعوهم الى الإنفاق. وهو استخلفهم فيه كما قال لهم هناك. وكله عائد إليه كما يقول لهم هنا؟ وما الذي يبقى من دواعي الشح وهواتف البخل أمام هذه الحقائق في هذا الخطاب؟
ولقد بذلت الحفنة المصطفاة من السابقين، من المهاجرين والأنصار، ما وسعها من النفس والمال، في ساعة العسرة وفترة الشدة- قبل الفتح- فتح مكة أو فتح الحديبية وكلاهما اعتز به الإسلام أيام أن كان الإسلام غريباً محاصراً من كل جانب، مطارداً من كل عدو، قليل الأنصار والأعوان. وكان هذا البذل خالصاً لا تشوبه شائبة من طمع في عوض من الأرض، ولا من رياء أمام كثرة غالبة من أهل الإسلام. كان بذلاً منبثقاً عن خيرة اختاروها عند الله؛ وعن حمية لهذه العقيدة التي اعتنقوها وآثروها على كل شيء وعلى أرواحهم وأموالهم جميعاً.. ولكن ما بذلوه- من ناحية الكم- كان قليلاً بالقياس إلى ما أصبح الذين جاءوا بعد الفتح يملكون أن يبذلوه. فكان بعض هؤلاء يقف ببذله عند القدر الذي يعرف ويسمع أن بعض السابقين بذلوه! هنا نزل القرآن ليزن بميزان الحق بذل هؤلاء وبذل أولئك، وليقرر أن الكم ليس هو الذي يرجح في الميزان؛ ولكنه الباعث وما يمثله من حقيقة الإيمان:
{لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل. أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا}..
إن الذي ينفق ويقاتل والعقيدة مطاردة، والأنصار قلة، وليس في الأفق ظل منفعة ولا سلطان ولا رخاء. غير الذي ينفق ويقاتل والعقيدة آمنة، والأنصار كثرة، والنصر والغلبة والفوز قريبة المنال. ذلك متعلق مباشرة بالله، متجرد تجرداً كاملاً لا شبهة فيه، عميق الثقة والطمأنينة بالله وحده، بعيد عن كل سبب ظاهر وكل واقع قريب. لا يجد على الخير عوناً إلا ما يستمده مباشرة من عقيدته. وهذا له على الخير أنصار حتى حين تصح نيته ويتجرد تجرد الأولين.
قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا زهير، حدثنا حميد الطويل، عن أنس، قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها! فبلغنا أن ذلك ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال «دعوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد-أو مثل الجبال- ذهبا ما بلغتم أعمالهم».
وفي الصحيح: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه».
وبعد أن قرر القيم الحقيقية في ميزان الله لهؤلاء ولهؤلاء عاد فقرر أن للجميع الحسنى:
{وكلاً وعد الله الحسنى}..
فقد أحسنوا جميعاً، على تفاوت ما بينهم في الدرجات.
ومرد ذلك التفاوت وهذا الجزاء بالحسنى للجميع إلى ما يعلمه الله من تقدير أحوالهم، وما وراء أعمالهم من عزائمهم ونواياهم. وخبرته تعالى بحقيقة ما يعملون:
{والله بما تعملون خبير}..
وهي لمسة موقظة للقلوب، في عالم النوايا المضمرة وراء الأعمال الظاهرة، وهي التي تناط بها القيم، وترجح بها الموازين..
ثم مرحلة أخرى في استجاشة القلوب للإيمان والبذل، ومؤثرات أخرى وراء تلك المؤثرات:
{من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له وله أجر كريم؟ يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم. بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها. ذلك هو الفوز العظيم. يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: انظرونا نقتبس من نوركم قيل: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً. فضرب بينهم بسورٍ له باب، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب. ينادونهم: ألم نكن معكم؟ قالوا: بلى! ولكنكم فتنتم أنفسكم، وتربصتم، وارتبتم، وغرتكم الأمانيّ، حتى جاء أمر الله، وغركم بالله الغرور. فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا، مأواكم النار هي مولاكم، وبئس المصير}..
إنه هتاف موح مؤثر آسر. وهو يقول للعباد الفقراء المحاويج: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً؟}.. ومجرد تصور المسلم أنه هو الفقير الضئيل يقرض ربه، كفيل بأن يطير به إلى البذل طيراناً! إن الناس ليتسابقون عادة الى إقراض الثري الملئ منهم-وهم كلهم فقراء- لأن السداد مضمون. ولهم الاعتزاز بأن أقرضوا ذلك الثري المليء! فكيف إذا كانوا يقرضون الغني الحميد؟! ولا يكلهم- سبحانه- إلى هذا الشعور وحده، ولكن يعدهم على القرض الحسن، الخالص له، المجرد من كل تلفت إلى سواه. يعدهم عليه الضعف في المقدار، والأجر الكريم بعد ذلك من عند الله: {فيضاعفه له، وله أجر كريم}.
ثم يعرض لهم صفحة وضيئة من ذلك الأجر الكريم، في مشهد من مشاهد اليوم الذي يكون فيه ذلك الأجر الكريم.
والمشهد هنا بإجماله وتفصيله جديد- بين المشاهد القرآنية- وهو من المشاهد التي يحييها الحوار بعد أن ترسم صورتها المتحركة رسماً قوياً.
فنحن الذين نقرأ القرآن اللحظة نشهد مشهداً عجيباً. هؤلاء هم المؤمنون والمؤمنات نراهم. ولكننا نرى بين أيديهم وبأيمانهم إشعاعاً لطيفاً هادئاً. ذلك نورهم يشع منهم ويفيض بين أيديهم. فهذه الشخوص الإنسانية قد أشرقت وأضاءت وأشعت نوراً يمتد منها فيرى أمامها ويرى عن يمينها.. إنه النور الذي أخرجها الله اليه وبه من الظلمات. والذي أشرق في أرواحها فغلب على طينتها. أم لعله النور الذي خلق الله منه هذا الكون وما فيه ومن فيه، ظهر بحقيقته في هذه المجموعة التي حققت في ذواتها حقيقتها! ثم ها نحن أولاء نسمع ما يوجه إلى المؤمنين والمؤمنات من تكريم وتبشير {بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ذلك هو الفوز العظيم}..
ولكن المشهد لا ينتهي عند هذا المنظر الطريف اللطيف.. إن هناك المنافقين والمنافقات، في حيرة وضلال، وفي مهانة وإهمال. وهم يتعلقون بأذيال المؤمنين والمؤمنات: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: انظرونا نقتبس من نوركم}.. فحيثما تتوجه أنظار المؤمنين والمؤمنات يشع ذلك النور اللطيف الشفيف. ولكن أنى للمنافقين أن يقتبسوا من هذا النور وقد عاشوا حياتهم كلها في الظلام؟ إن صوتاً مجهلاً يناديهم: {قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً}.. ويبدو أنه صوت للتهكم، والتذكير بما كان منهم في الدنيا من نفاق ودس في الظلام: ارجعوا وراءكم إلى الدنيا. إلى ما كنتم تعملون. ارجعوا فالنور يلتمس من هناك. من العمل في الدنيا. ارجعوا فليس اليوم يلتمس النور!
وعلى الفور يفصل بين المؤمنين والمؤمنات والمنافقين والمنافقات. فهذا يوم الفصل إن كانوا في الدنيا مختلطين في الجماعة: {فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب}.. ويبدو أنه سور يمنع الرؤية ولكنه لا يمنع الصوت. فها هم أولاء المنافقون ينادون المؤمنين {ألم نكن معكم؟}.. فما بالنا نفترق عنكم؟ ألم نكن معكم في الدنيا نعيش في صعيد واحد؟ وقد بعثنا معكم هنا في صعيد واحد؟ {قالوا: بلى!} كان الأمر كذلك. {ولكنكم فتنتم أنفسكم}.. فصرفتموها عن الهدى. {وتربصتم}.. فلم تعزموا ولم تختاروا الخيرة الحاسمة. {وارتبتم}.. فلم يكن لكم من اليقين ما تعزمون به العزمة الأخيرة. {وغرتكم الأمانيّ}. الباطلة في أن تنجوا وتربحوا بالذبذبة وإمساك العصا من طرفيها! {حتى جاء أمر الله}.. وانتهى الأمر. {وغركم بالله الغرور}.. وهو الشيطان الذي كان يطمعكم ويمنيكم.
ثم يستطرد المؤمنون في التذكير والتقرير، كأنما هم أصحاب الموقف المحكومون فيه:
{فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا، مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير} أم لعلها كلمة الملأ الأعلى، أو نطق الله الكريم.




البحث


كلمات متتالية كلمات متفرقة




موضوعات القرآن
  • الإيمان
  • العلم
  • العبادات
  • أحكام الأسرة
  • المعاملات
  • الحدود والجنايات
  • الجهاد
  • الأطعمة والأشربة
  • أحكام الجنائز
  • الأخلاق
  • تكريم الله للإنسان
  • القصص والتاريخ
  • الأمثال