سورة الطلاق / الآية رقم 4 / تفسير روائع البيان / أحمد بن علي العجمي / القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
القرآن الكريم
طريقة عرض الآيات
صور
نصوص

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ْيَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا العِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاًّ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً

الطلاقالطلاقالطلاقالطلاقالطلاقالطلاقالطلاقالطلاقالطلاقالطلاقالطلاقالطلاقالطلاقالطلاقالطلاق




تلاوة آية تلاوة سورة الشرح الصوتي

التفسير


{وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7)}
[2] أحكام العدة:
التحليل اللفظي:
{يَئِسْنَ}: اليأس: القنوط، وقيل: اليأس نقيض الرجاء.
{المحيض}: أي الحيض، يقال حاضت المرأة حيضاً ومحيضاً، والمحيض يكون اسماً ويكون مصدراً، والحيض والمحيض: اجتماع الدم في الرحم ومنه الحوض لاجتماع الماء فيه.
{ارتبتم}: أي أشكل عليكم من الريبة أي الشك، وقيل تردَّدتم أو جهلتم، وقيل: تيقنتم فهو من الأضداد.
{يُكَفِّرْ}: أي يستر ويمحو الخطيئة، وأصل الكَفْر: تغطية الشيء تغطيةً تستهلكه.
{وُجْدِكُمْ}: الوُجُد: المقدرة والغنى واليسار والسعة والطاقة، والمقصود من سعتكم وما ملكتم، وعلى قدر طاقتكم، وقيل من مساكنكم. والوَجْد: يستعمل في الحزن والغضب والحب، يقال: وجدت في المال أي صرت ذا مال، ووجدت على الرجل وجداً وموجدة، ووجدت الضالة وُجْداناً، والوُجد بالضم الغنى والقدرة يقال افتقر الرجل بعد وُجدٍ.
{وَأْتَمِرُواْ}: افْتعَلُوا- من الأمر- يقال ائتمر القوم وتأمَّروا إذا أمر بعضهم بعضاً.
وقال الكسائي: وائْتَمروا أي تشاوروا ومنه قوله تعالى: {إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} [القصص: 20].
وقول امرئ القيس:
أحارُ بنَ عمرو فؤادي خَمِرْ *** ويعدو علي المرء ما يأتمر
وحقيقته ليأمر بعضكم بعضاً بمعروف أي جميل في الأجرة والإرضاع ولا يكن معاكسة ولا معاسرة.
{تَعَاسَرْتُمْ}: أي تضايقتم، وتشاكستم، ولم يتفق الرجل والمرأة بالمشاحة من الرجل، أو طلب الزيادة من المرأة.
{ذُو سَعَةٍ}: السعة نقيض الضيق، والوُسع، والوَسع، والسعة: الجدة والطاقة، وأصل السعة وُسْعة فحذفت الواو ونقصت.
المعنى الإجمالي:
بيّن الله سبحانه وتعالى عدة المرأة المطلّقة في سورة البقرة في قوله: {والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قرواء} [البقرة: 228] فربط العدة بالحيض، وأما المرأة التي لا تحيض لكبر سنها، أو لصغرها أو لحملها، فقد جاءت هذه الآيات لتقول للمؤمنين: إذا جهلتم عدة التي يئست من المحيض وأشكل عليكم أمرها فعدتها ثلاثة أشهر، وكذلك عدة التي طلقت ولم تر الحيض ثلاثة أشهر، وأما الحامل فتنتهي بولادتها عدتها.
ومن يخشى الله في ما يفعل، أو يذر، ييسر الله له أمره، ويوفقه إلى الخير، وتلك الأحكام التي مرت في الطلاق، والعدة فرض الله، وحكمه، فرضه على الناس، ومن يتق الله بالتزام ما شرعه، والبعد عما نهى عنه يمح الله سيئاته، ويعطه في الآخرة أجراً عظيماً، وثواباً كبيراً.
وعلى الرجل أن يسكن مطلقته في داره التي يسكنها على قدر طاقته، ووسعه، وليس له أن يضيق عليها، ويضارها في النفقة والسكنى ليلجئها إلى الخروج من داره.
وإذا كانت المرأة حاملاً فعليه أن ينفق عليها ولو طالت مدة الحمل بعد الطلاق حتى تضع حملها، فإذا ولدت، ورضيت أن ترضع ابنها، فعلى الرجل أن يدفع لها أجر الرضاعة، وليأمر كل منهما الآخر بالمعروف في أمر الرضاع، وأجره، والحضانة ووقتها، فإن عسر الاتفاق بين الأم والأب، ولم يتوصلا إلى أمر وسط يرضيهما، فللأب حينئذٍ أن يفتش لابنه عمن يرضعه غير أمه.
هذا، والإنفاق على المعتدة بحسب طاقة الرجل، فإن كان غنياً فليعطها ما يلائم غناه، وإن كان فقيراً، ضيِّقَ العيش، فليس عليه أن يدفع إلا بقدر ما يستطيع فإن الله- جلت حكمته- لم يكلف الإنسان إلا بقدر ما أعطاه من الرزق، وليعلم أن حال الدنيا لا يبقى على حال، فإن الله سيجعل بعد عسر يسراً.
سبب النزول:
1- أخرج الحاكم وصححه وابن جرير الطبري والبيهقي في سننه وجماعة:
أنها لما نزلت عدة المطلَّقة، والمتوفَّى عنها زوجُها في البقرة قال أُبيُّ بن كعب: يا رسول الله إنَّّ نساءً من أهل المدينة يقلن: قد بقي من النساء ما لم يذكر فيه شيء قال: وما هو؟ قال: الصغار، والكبار، وذوات الحمل.
فنزلت هذه الآية: {واللائي يَئِسْنَ...} الآيات.
2- وروى الواحدي والبغوي والخازن:
أنه لما نزل قوله تعالى: {والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ...} [البقرة: 228] الآية، قال خلاد بن النعمان الأنصاري: يا رسول الله، فما عدة التي لا تحيض، وعدة التي لم تحض، وعدة الحبلى؟ فنزلت هذه الآية: {واللائي يَئِسْنَ...}.
وجوه القراءات:
1- قوله تعالى: {يَئِسْنَ}: قرا الجمهور: {يئسن} فعلاً ماضياً. وقرئ: {ييئسن} بياءين مضارعاً.
2- قوله تعالى: {حَمْلَهُنَّ}: قرأ الجمهور: {حملهن} مفرداً. وقرأ الضحاك: {أحمالهن} جمعاً.
3- قوله تعالى: {وَيُعْظِمْ}: قرأ الجمهور: {يُعْظم} بالياء مضارع أعظم. وقرأ الأعمش: {نعظم} بالنون خروجاً من الغيبة للتكلم.
وقرأ ابن مقسم: {يُعَظّم} بالياء والتشديد مضارع {عَظّم} مشدداً.
4- قوله تعالى: {مِّن وُجْدِكُمْ}: قرأ الجمهور: {من وُجدكم} بضم الواو. وقرأ الحسن وغيره {من وَجدكم} بفتحها.
وقرأ يعقوب وغيره {من وِجدكم} بكسرها.
وهي لغات ثلاث بمعنى الوسع.
5- قوله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ}: قرأ الجمهور: {لينفق} بلام الأمر.
وحكى أبو معاذ قراءة: {لينفقَ} بلام كي ونصب القاف، ويتعلق بمحذوف تقديره شرعنا ذلك لينفقَ.
6- قوله تعالى: {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ}: قرأ الجمهور: {قُدِرَ} مخففاً.
وقرأ ابن أبي عبلة: {قَدّر} مشدد الدال.
وقرأ أبي بن كعب: {قُدّر} بضم القاف وتشديد الدال.
وجوه الإعراب:
1- {واللائي يَئِسْنَ} مبتدأ، خبره جملة فعتدتهن.
2- {إِنِ ارتبتم} شرط جوابه محذوف، تقديره فاعلموا أنها ثلاثة أشهر، والشرط وجوابه جملة معترضة.
وجوز كون (فعدتهن) إلخ جواب الشرط باعتبار الإعلام والإخبار كما قوله تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله} [النحل: 53] والجملة الشرطية خبر من غير حذف وتقدير.
3- قوله تعالى: {واللائي لَمْ يَحِضْنَ}:
قال الأنباري: تقديره واللائي يئسن من المحيض من نسائكم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر، إلا أنه حذف خبر الثاني لدلالة خبر الأول عليه كقولك زيد أبوه منطلق وعمرو، أي وعمرو أبوه منطلق، وهذا كثير في كلامهم.
قال أبو حيان: والأولى أن يقدر (مثل أولئك) أو (كذلك) فيكون المقدر مفرداً.
وجوز عطف هذا الموصول على الموصول السابق، وجعل الخبر لهما من غير تقدير.
والجملة معطوفة على ما قبلها فإعرابه مبتدأ كإعراب {واللائي يَئِسْنَ}.
4- قوله تعالى: {وأولات الأحمال} مبتدأ. وأجلهن: مبتدأ ثان.
وأن يضعن حملهن: خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ وخبره خبر عن المبتدأ الأول.
ويجوز أن يكون (أجلهن) بدلاً من (أولات) بدل الاشتمال وجملة (أن يضعن) الخبر والله أعلم.
لطائف التفسير:
اللطيفة الأولى: قال أبو حيان: لمَّا كان الكلام في أمر المطلقات، وأحكامهن، من العدة وغيرها، وكنَّ لا يطلقهن أزواجهن إلا عن بغض لهنَّ وكراهة، جاء عقيب بعض الجمل (الأمرُ بالتقوى) حيث المعنى مبرزاً في صورة شرط وجزاء في قوله: {وَمَن يَتَّقِ الله...} إذ الزوج المطلق قد ينسب إلى مطلقته بعض ما يشينها، وينفِّر الخُطَّاب عنها، ويوهم أنه فارقها لأمر ظهر له منها، فلذلك تكرَّر قوله: {وَمَن يَتَّقِ الله} في العمل بما أنزله من هذه الأحكام، وحافظ على الحقوق الواجبة عليه من ترك الضرار، والنفقة على المعتدات... وغير ذلك مما يلزمه يرتب له تكفير السيئات، وإعظام الأجر.
اللطيفة الثانية: قوله تعالى: {ذَلِكَ أَمْرُ الله أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ} إشارة إلى ما ذكر من الأحكام، وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد المشار إليه للإيذان ببعد منزلته في الفضل، وإفرادُ الكاف مع أن الخطاب للجمع كما يفصح عنه قوله تعالى: {أَمْرُ الله أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ} لما أنها لمجرد الفرق بين الحاضر والمنقضي لا لتعيين خصوصية المخاطبين.
اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ} وما بعده استئناف، وقع جواباً عن سؤال نشأ مما قبله من الحث على التقوى في قوله: {وَمَن يَتَّقِ الله}.
كأنه قيل: كيف يعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟! فقيل: اسكنوهن مسكناً من حيث سكنتم.
اللطيف الرابعة: إذا كانت كل مطلقة يجب لها النفقة فما فائدة الشرط في قوله تعالى: {وَإِن كُنَّ أولات حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ}؟!
نقول: فائدته أن مدة الحمل ربما طال وقتها بعد الطلاق، فيظن أن النفقة تسقط إذا مضى مقدار من مدة الحمل، فنقي ذلك الظن بإثبات النفقة للحامل حتى تلد.
اللطيفة الخامسة: في قوله تعالى: {فَسَتُرْضِعُ لَهُ أخرى} يسير معاتبة للأم إذا تعاسرت كما تقول لمن تستقضيه حاجة فيتوانى سيقضيها غيرك وأنت ملوم.
قال اين المنبر: وخص الأم بالمعاتبة لأن المبذول من جهتها هو لبنها لولدها، وهو جهة الأب، فإنه المال المضنون به عادة، فالأم إذن أجدر باللوم، وأحق بالعتب، والمعنى ليطلب له الأب مرضعة أخرى فيظهر الارتباط بين الشرط والجزاء.
الأحكام الشرعية:
الحكم الأول: ما هي عدة المرأة التي لا تحيض؟
المرأة غير الحائض تشمل من بلغت سن اليأس، والصغيرة التي لم تر الحيض بعد، أما من يئست من الحيض فعدتها ثلاثة أشهر بلا خلاف، وكذا الصغيرة التي لم تحض.
واختلف في تقدير سن اليأس على أقوال عديدة:
فقدره بعض الفقهاء بستين سنة.
وقدَّره بعضهم بخمس وخمسين سنة.
وقيل: غالب سن يأس عشيرة المرأة.
وقيل: أقصى عادة امرأة في العالم.
وقيل: غالب سن يأس النساء في مكانها التي هي فيه، فإن المكان إذا كان طيَّب الهواء والماء، يبطئ فيه سن اليأس.
وأما المرأة إذا كانت تحيض ثم لم تر الحيض في عدتها ولم يُدْر سببه:
فقال الحنفية والشافعية: إن عدتها الحيض حتى تدخل في السن التي لا تحيض أهلها من النساء فتستأنف عدة الآيسة ثلاثة أشهر.
ونقل عن علي وعثمان، وزيد بن ثابت، وابن مسعود.
وقال مالك وأحمد: تنتظر تسعة أشهر لتعلم براءة رحمها لأن هذه المدة هي غالب مدة الحمل فإذا لم يبن الحمل فيها علم براءة الرحم، ثم تعتد بعد ذلك عدة الآيسات ثلاثة أشهر. ونقل عن عمر أنه قضى ذلك.
الحكم الثاني: ما المراد من قوله تعالى: {إِنِ ارتبتم فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أَشْهُرٍ}؟
قال الجصاص: غير جائز أن يكون المراد به الارتياب في الإياس؛ لأنَّا إذا شككنا هل بلغت سن اليأس لم نقل عدَّتُها ثلاثة أشهر.
واختلف أهل العلم في (الريبة) المذكورة في الآية على أقوال: اختار الطبري: أن يكون المعنى إن شككتم فلم تدروا ما الحكم فيهن؟ فالحكم أن عدتهن ثلاثة أشهر وهو قول الجصاص فقد قال: وذكُر الارتياب في الآية إنما هو على وجه ذكر السبب الذي نُزل عليه الحكم فكان بمعنى واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر... ونقل عن مجاهد.
وقال مجاهد: الآية واردة في المستحاضة أطبق بها الدم لا تدري أهو دم حيض أو دم علة.
وقال عكرمة وقتادة: من الريبة المرأة المستحاضة التي لم يستقيم لها الحيض، تحيض في أول الشهر مراراً وفي الأشهر مرة.
وقيل: إنه متصل بأول السورة والمعنى لا تخرجوهن من بيوتهن إن ارتبتم في انقضاء العدة.
قال القرطبي: وهو أصح ما قيل فيه.
وقال الزجاج: المعنى إن ارتبتم في حيضهن، وقد انقطع عنهن الدم وكن ممن يحيض مثلهن.
وقيل: إن ارتبتم أي تيقنتم وهو من الأضداد.
الحكم الثالث: ما هي عدة الحامل؟
نصت الآية على أن الحامل تنتهي عدتها بولادتها، ودل قوله تعالى في سورة البقرة: {والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} [البقرة: 234] على أن عدةاملتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً، فإذا كانت المتوفى عنها زوجها حاملاً فبأي الأجليت تأخذ؟ ولم يختلف السلف والخلف أن عدة المطلقة الحامل أن تضع حملها، واختلفوا في المتوفى عنها زوجها.
قال الجمهور: عدة المتوفى عنها زوجها الحامل أن تضع حملها.
وقال علي وابن عباس: {وأولات الأحمال} في المطَّلقات، وأما المتوفى عنها فعدتها أبعد الأجلين، فلو وضعت قبل أربعة أشهر وعشر صبرت إلى آخرها.
حجة الجمهور:
استدل الجمهور بحديث سبيعة الأسلمية أنها كانت تحت (سعد بن خوله) وهو ممن شهد بدراً فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تَعلَّت من نفاسها تجمَّلت للخُطَّاب، فدخل عليها رجل من بني عبد الدار فقال لها: مالي أراك متجملة، لعلك ترتجين النكاح؟ إنك والله ما أنت بناكح حتى تمرَّ عليك أربعة أشهر وعشراً.
قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت عليَّ ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم: فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزوج إن بدا لي.
وعن ابن مسعود أنه بلغه أن علياً يقول: تعتد آخر الأجلين فقال: ما شاء لاعنته، ما نزلت: {وأولات الأحمال} إلا بعد آية المتوفى عنها زوجها.
قال أبو بكر الجصاص: أفاد قول ابن مسعود أن الآية مكتفية بنفسها في إفادة الحكم على عمومها، غير مضمنة بما قبلها من ذكر المطلّقة فوجب اعتبار الحمل في الجميع، من المطلقات، والمتوفَّى عنهن أزواجهن.
الحكم الرابع: هل للمطلقة ثلاثاً سكنى ونفقة؟
لا خلاف بين العلماء في إسكان المطلقات الرجعيات، واختلفوا في المطلقة ثلاثاً على أقوال:
ذهب مالك والشافعي: ورواية عن أحمد إلى أن لها السكنى ولا نفقة لها.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه أن لها السكنى والنفقة ما دامت في العدة.
وذهب أحمد وغيره إلى أنها لا نفقة لها ولا سكنى.
دليل المذهب الأول:
قوله تعالى: {وَإِن كُنَّ أولات حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حتى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}. وذلك أن الله سبحانه لما ذكر السكنى أطلقها لكن مطلَّقة، فلما ذكر النفقة قيَّدها بالحمل، فدل على أن المطلقة البائن لا نفقة لها.
دليل المذهب الثاني:
1- قوله تعالى: {وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ} وترك النفقة من أكبر الإضرار وفي إنكار عمر على فاطمة قولها ما يبين هذا.
2- ولأنها معتدة تستحق السكنى عن طلاق فكانت لها النفقة كالرجعية.
3- ولأنها محبوسة عليه لحقِّه فاستحقَّ النفقة كالزوجة.
4- أن السكنى لا كانت حقاً في مال، وقد أوجبها الله لها بنص الكتاب إذ كانت الآية قد تناولت المبتوتة والرجعية، فقد اقتضى ذلك وجوب النفقة إذا كانت السكنى حقاً في مال وهي بعض النفقة.
دليل المذهب الثالث:
1- حديث فاطمة بنت قيس: أنه طلَّقها زوجها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان أنفق عليها نفقة دون، فلما رأت ذلك قالت: والله لأعلمنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان لي نفقة أُخذت الذي يصلحني، وإن لم تكن لي نفقة لم آخذ شيئاً.
قالت: فذكرتُ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «لا نفقة لك ولا سكنى».
وفي رواية: «إنما السكنى والنفقة على من له عليها رجعة».
2- إن النفقة إنما تجب لأجل التمكين من الاستمتاع بدليل أن الناشز لا نفقة لها.
وللعلماء في مناقشة الأدلة كلام طويل ينظر في كتب الفروع.
الحكم الخامس: على من يجب الرضاع؟
قال المالكية: رضاع الولد على الزوجة ما دامت الزوجية إلا لشرف الزوجة وموضعها فعلى الأب رضاعة يومئذٍ في ماله، فإن طلقها فلا يلزمها رضاعة إلا أن يكون غير قابل ثدي غيرها فيلزمها رضاعه.
وقال الحنفية: لا يجب الرضاع على الأم بحال.
وقيل: يجب الرضاع على الأم في كل حال.
ما ترشد إليه الآيات الكريمة:
أولاً: المرأة اليائسة من الحيض، والصغيرة التي لم تحض، إذا طلقتا فعدتهما ثلاثة أشهر.
ثانياً: المرأة الحامل تنقضي عدتها بوضع الحمل.
ثالثاً: تقوى الله تعالى تيسّر أمور المؤمن في الدنيا، وتكفّر السيئات، وتعظم الأجر في الآخرة.
رابعاً: المرأة المعتدة تسكن في منزل زوجها حتى تنقضي عدتها.
خامساً: على الرجل أن لا يضيّق على المعتدة في النفقة أو السكنى ليجبرها على الخروج من منزله.
سادساً: نفقة الحامل تستمر حتى تضع الحمل، وإن طالت المدة.
سابعاً: للمرأة الحق الكامل في أن تأخذ أجرة على إرضاع ولدها من الرجل.
ثامناً: الإنفاق يكون بحسب مال الرجل غنىً وفقراً.
تاسعاً: التكليف منوط بالقدرة التي مكّن الله بها عبده.
حكمة التشريع:
الزواج هو الأساس في بناء المجتمع الإسلامي، والطلاق هو السبيل لقطع علاقات الزوجين بعضهما من بعض، ولكنَّ للزوجية آثاراً قد يتأخر ظهورها وقتاً، فجعل الله جلّ ثناؤه العدة تمكث المرأة فيها مدة من الزمن ينفق عليها مطلقها، ويسكنها في بيته، ليكون في أمان واطمئنان، وهي تحت نظره، إن ظهر حملها، فالولد ولده، وإن لم يظهر الحمل في مدة العدة، فلم يعد بين الرجل وزوجه أية علاقة تربطهما، هو بالنسبة إليها كسائر الرجال، وهي بالنسبة إليه كسائر النساء، لا تستطيع أن تطالبه بنسب، ولا نفقة، ولا غير ذلك.
وبهذا لم يظلم الإسلام المرأة حيث فرض لها النفقة، والسكنى ما دامت محبوسة لصالح الرجل، وأمن الرجل من جهة زوجه حيث كمثت مدة يتبين معها شغل رحمها أو فراغه.
وأما الحوامل فقد جعل الله تعالى عدتهن الوضع طال أمد الحمل بعد الطلاق أم قصر، وذلك لأن براءة الرحم بعد الوضع مؤكدة، فلا حاجة إلى الانتظار.
وأمر الله عز وجل الرجال أن يسكنوا النساء مما يجدون هم من سكن، وما يستطيعونه حسب مقدرتهم وغناهم، لا أقل مما هم عليه في سكناهم، ونهاهم أن يعمدوا إلى الإضرار بهن بالتضييق عليهن في فسحة المسكن، أو في المعاملة أثناء إقامتهن.
وخصت ذوات الأحمال بذكر النفقة مع وجوب النفقة لكل معتدة، لتوهم أن طول مدة الحمل يحدد زمن الإنفاق ببعضه دون بقيته، أو بزيادة المدة إذا قصرت مدة الحمل، فأوجب النفقة حتى الوضع، وهو موعد انتهاء العدة لزيادة الإيضاح التشريعي.
وأما الرضاع، فلم يجعله الله سبحانه واجباً على الأم دون مقابل، وما دامت ترضع الطفل المشترك بينهما، فمن حقها أن تنال أجراً على رضاعة تستعين به على حياتها، وعلى إدرار اللبن للطفل، وهذا منتهى المراعاة للأم في هذه الشريعة.
وفي الوقت ذاته أمر الأب والأم أن يأتمرا بينهما بالمعروف في شأن هذا الوليد، ويتشاورا في أمره، ورائدهما مصلحته- وهو أمانة بينهما- فلا يكون فشلهما هما في حياتهما نكبة على الصغير البريء.
والأمر منوط بالله في الفرج بعد الضيق، واليسر بعد العسر، فأولى لهما أن يعقدا به الأمر كله، ويتجها إليه، ويراقباه في كل أمرهما، وهو المانح المانع، القابض الباسط.
والزوجان يتفارقان- في ظل هذه التوجيهات القرآنية- وفي قلب كل منهما بذور للود لم تمت، وربما جاءها ما ينعشها في يوم من الأيام، إلى أدب رفيع يريد الإسلام أن يصبغ به حياة الجماعة المسلمة ويشيع فيها أرجه وشذاه.




البحث


كلمات متتالية كلمات متفرقة




موضوعات القرآن
  • الإيمان
  • العلم
  • العبادات
  • أحكام الأسرة
  • المعاملات
  • الحدود والجنايات
  • الجهاد
  • الأطعمة والأشربة
  • أحكام الجنائز
  • الأخلاق
  • تكريم الله للإنسان
  • القصص والتاريخ
  • الأمثال