سورة النازعات / الآية رقم 35 / تفسير في ظلال القرآن / أحمد بن علي العجمي / القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
القرآن الكريم
طريقة عرض الآيات
صور
نصوص

إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ المُقَدَّسِ طُوًى اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى فَأَرَاهُ الآيَةَ الكُبْرَى فَكَذَّبَ وَعَصَى ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الكُبْرَىيَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرَى فَأَمَّا مَن طَغَى وَآثَرَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الجَحِيمَ هِيَ المَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأْوَى يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِن ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا

النازعاتالنازعاتالنازعاتالنازعاتالنازعاتالنازعاتالنازعاتالنازعاتالنازعاتالنازعاتالنازعاتالنازعاتالنازعاتالنازعاتعبس




تلاوة آية تلاوة سورة الشرح الصوتي

التفسير


هذه السورة نموذج من نماذج هذا الجزء لإشعار القلب البشري حقيقة الآخرة، بهولها وضخامتها، وجديتها، وأصالتها في التقدير الإلهي لنشأة هذا العالم الإنساني، والتدبير العلوي لمراحل هذه النشأة وخطواتها على ظهر الأرض وفي جوفها؛ ثم في الدار الآخرة، التي تمثل نهاية هذه النشأة وعقباها.
وفي الطريق إلى إشعار القلب البشري حقيقة الآخرة الهائلة الضخمة العظيمة الكبيرة يوقع السياق إيقاعات منوعة على أوتار القلب، ويلمسه لمسات شتى حول تلك الحقيقة الكبرى. وهي إيقاعات ولمسات تمت إليها بصلة. فتلك الحقيقة تمهد لها في الحس وتهيئه لاستقبالها في يقظة وفي حساسية..
يمهد لها بمطلع غامض الكنه يثير بغموضه شيئاً من الحدس والرهبة والتوجس. يسوقه في إيقاع موسيقي راجف لاهث، كأنما تنقطع به الأنفاس من الذعر والارتجاف والمفاجأة والانبهار: {والنازعات غرقاً. والناشطات نشطاً. والسابحات سبحاً. فالسابقات سبقاً. فالمدبرات أمراً}..
وعقب هذا المطلع الغامض الراجف الواجف يجيء المشهد الأول من مشاهد ذلك اليوم. ظله من ظل ذلك المطلع وطابعه من طابعه؛ كأنما المطلع إطار له وغلاف يدل عليه: {يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة. قلوب يومئذ واجفة. أبصارها خاشعة. يقولون: أإنَّا لمردودون في الحافرة؟ أإذا كنا عظاما نخرة؟ قالوا: تلك إذا كرة خاسرة! فإنما هي زجرة واحدة. فإذا هم بالساهرة}..
ومن هنالك.. من هذا الجو الراجف الواجف المبهور المذعور.. يأخذ في عرض مصرع من مصارع المكذبين العتاة في حلقة من قصة موسى مع فرعون. فيهدأ الإيقاع الموسيقي ويسترخي شيئاً ما، ليناسب جو الحكاية والعرض: {هل أتاك حديث موسى. إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى: اذهب إلى فرعون إنه طغى. فقل: هل لك إلى أن تزكَّى؟ وأهديك إلى ربك فتخشى؟ فأراه الآية الكبرى، فكذب وعصى، ثم أدبر يسعى، فحشر فنادى، فقال: أنا ربكم الأعلى. فأخذه الله نكال الآخرة والأولى. إن في ذلك لعبرة لمن يخشى}.. وبهذا يلتقي ويمهد لتلك الحقيقة الكبرى.
ثم ينتقل من ساحة التاريخ إلى كتاب الكون المفتوح، ومشاهد الكون الهائلة، الشاهدة بالقوة والتدبير والتقدير للألوهية المنشئة للكون، المهيمنة على مصائره، في الدنيا والآخرة. فيعرضها في تعبيرات قوية الأسر، قوية الإيقاع، تتسق مع مطلع السورة وإيقاعها العام: {أأنتم أشد خلقاً أم السمآء؟ بناها، رفع سمكها فسواها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها؛ والأرض بعد ذلك دحاها، أخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها، متاعاً لكم ولأنعامكم}..
وهنا بعد هذه التمهيدات المقربة وهذه اللمسات الموحية يجيء مشهد الطامة الكبرى، وما يصاحبها من جزاء على ما كان في الحياة الدنيا. جزاء يتحقق هو الآخر في مشاهد تتناسق صورها وظلالها مع الطامة الكبرى: {فإذا جآءت الطآمة الكبرى، يوم يتذكر الإنسان ما سعى، وبُرِّزت الجحيم لمن يرى! فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا، فإن الجحيم هي المأوى.
وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى}..
وفي اللحظة التي يغمر الوجدان فيها ذلك الشعور المنبعث من مشاهد الطامة الكبرى، والجحيم المبرزة لمن يرى، وعاقبة من طغى وآثر الحياة الدنيا، ومن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى.. في هذه اللحظة يرتد السياق إلى المكذبين بهذه الساعة، الذين يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم عن موعدها. يرتد إليهم بإيقاع يزيد من روعة الساعة وهولها في الحس وضخامتها: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها؟ فيم أنت من ذكراها؟ إلى ربك منتهاهآ. إنمآ أنت منذر من يخشاها. كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها}.. والهاء الممدودة ذات الإيقاع الضخم الطويل، تشارك في تشخيص الضخامة وتجسيم التهويل!
{والنازعات غرقاً. والناشطات نشطاً. والسابحات سبحاً. فالسابقات سبقاً. فالمدبرات أمراً}. قيل في تفسير هذه الكلمات: إنها الملائكة نازعات للأرواح نزعاً شديداً. ناشطات منطلقات في حركاتها. سابحات في العوالم العليا سابقات للإيمان أو للطاعة لأمر ربها مدبرات ما يوكل من الأمور إليها..
وقيل: إنها النجوم تنزع في مداراتها وتتحرك وتنشط منتقلة من منزل إلى منزل. وتسبح سبحاً في فضاء الله وهي معلقة به. وتسبق سبقاً في جريانها ودورانها. وتدبر من النتائج والظواهر ما وكله الله إليها مما يؤثر في حياة الأرض ومن عليها.
وقيل: النازعات والناشطات والسابحات والسابقات هي النجوم. والمدبرات هي الملائكة.
وقيل: النازعات والناشطات والسابحات هي النجوم. والسابقات والمدبرات هي الملائكة..
وأياً ما كانت مدلولاتها فنحن نحس من الحياة في الجو القرآني أن إيرادها على هذا النحو، ينشئ أولاً وقبل كل شيء هزة في الحس، وتوجساً في الشعور، وتوفزاً وتوقعاً لشيء يهول ويروع. ومن ثم فهي تشارك في المطلع مشاركة قوية في إعداد الحس لتلقي ما يروع ويهول من أمر الراجفة والرادفة والطامة الكبرى في النهاية!
وتمشياً مع هذا الإحساس نؤثر أن ندعها هكذا بدون زيادة في تفصيل مدلولاتها ومناقشتها؛ لنعيش في ظلال القرآن بموحياته وإيحاءاته على طبيعتها. فهزة القلب وإيقاظه هدف في ذاته، يتحراه الخطاب القرآني بوسائل شتى.. ثم إن لنا في عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسوة. وقد قرأ سورة: {عبس وتولى} حتى جاء إلى قوله تعالى: {وفاكهة وأبَّا} فقال: «فقد عرفنا الفاكهة. فما الأبّ؟ ثم استدرك قائلاً: لعمرك يا بن الخطاب إن هذا لهو التكلف! وما عليك ألا تعرف لفظاً في كتاب الله؟!»... وفي رواية أنه قال: كل هذا قد عرفنا فما الأبَّ؟ ثم رفض عصا كانت بيده أي كسرها غضباً على نفسه وقال: «هذا لعمر الله التكلف! وما عليك يا بن أم عمر أن لا تدري ما الاب».
ثم قال: «اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب، وما لا، فدعوه».. فهذه كلمات تنبعث عن الأدب أمام كلمات الله العظيمة. أدب العبد أمام كلمات الرب. التي قد يكون بقاؤها مغلفة هدفاً في ذاته، يؤدي غرضاً بذاته.
هذا المطلع جاء في صيغة القسم، على أمر تصوره الآيات التالية في السورة:
{يوم ترجف الراجفة. تتبعها الرادفة. قلوب يومئذ واجفة. أبصارها خاشعة. يقولون: أإنا لمردودون في الحافرة؟ أإذا كنا عظاماً نخرة؟ قالوا: تلك إذا كرة خاسرة!.. فإنما هي زجرة واحدة. فإذا هم بالساهرة}..
والراجفة ورد أنها الأرض استناداً إلى قوله تعالى في سورة أخرى: {يوم ترجف الأرض والجبال} والرادفة: ورد أنها السماء أي أنها تردف الأرض وتتبعها في الانقلاب حيث تنشق وتتناثر كواكبها..
كذلك ورد أن الراجفة هي الصيحة الأولى، التي ترجف لها الأرض والجبال والأحياء جميعاً، ويصعق لها من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله. والرادفة هي النفخة الثانية التي يصحون عليها ويحشرون (كما جاء في سورة الزمر آية 68)..
وسواء كانت هذه أم تلك. فقد أحس القلب البشري بالزلزلة والرجفة والهول والاضطراب؛ واهتز هزة الخوف والوجل والرعب والارتعاش. وتهيأ لإدراك ما يصيب القلوب يومئذ من الفزع الذي لا ثبات معه ولا قرار. وأدرك وأحس حقيقة قوله: {قلوب يومئذ واجفة. أبصارها خاشعة}..
فهي شديدة الاضطراب، بادية الذل، يجتمع عليها الخوف والانكسار، والرجفة، والانهيار. وهذا هو الذي يقع يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة؛ وهذا هو الذي يتناوله القسم بالنازعات غرقاً والناشطات نشطاً، والسابحات سبحاً، والسابقات سبقاً، فالمدبرات أمراً. وهو مشهد يتفق في ظله وإيقاعه مع ذلك المطلع.
ثم يمضي السياق يتحدث عن وهلتهم وانبهارهم حين يقومون من قبورهم في ذهول:
{يقولون: أإنَّا لمردودون في الحافرة؟ أإذا كنا عظاماً نخرة؟}..
فهم يتساءلون: أنحن مردودون إلى الحياة عائدون في طريقنا الأولى.. يقال: رجع في حافرته: أي في طريقه التي جاء منها. فهم في وهلتهم وذهولهم يسألون: إن كانوا راجعين في طريقهم إلى حياتهم؟ ويدهشون: كيف يكون هذا بعد إذ كانوا عظاماً نخرة. منخوبة يصوت فيها الهواء؟!
ولعلهم يفيقون، أو يُبصرون، فيعلمون أنها كرة إلى الحياة، ولكنها الحياة الأخرى، فيشعرون بالخسارة والوبال في هذه الرجعة، فتند منهم تلك الكلمة:
{قالوا: تلك إذن كرة خاسرة}!
كرة لم يحسبوا حسابها، ولم يقدموا لها زادها، وليس لهم فيها إلا الخسران الخالص!
هنا في مواجهة هذا المشهد يعقب السياق القرآني بحقيقة ما هو كائن:
{فإنما هي زجرة واحدة. فإذا هم بالساهرة}..
والزجرة: هي الصيحة. ولكنها تقال هنا بهذا اللفظ العنيف تنسيقاً لجو المشهد مع مشاهد السورة جميعاً. والساهرة هي الأرض البيضاء اللامعة. وهي أرض المحشر، التي لا ندري نحن أين تكون.
والخبر عنها لا نعرفه إلا من الخبرالصادق نتلقاه، فلا نزيد عليه شيئاً غير موثوق به ولا مضمون!
وهذه الزجرة الواحدة يغلب بالاستناد إلى النصوص الأخرى أنها النفخة الثانية. نفخة البعث والحشر. والتعبير عنها فيه سرعة. وهي ذاتها توحي بالسرعة. وإيقاع السورة كلها فيه هذا اللون من الإسراع والإيجاف. والقلوب الواجفة تأخذ صفتها هذه من سرعة النبض، فالتناسق ملحوظ في كل حركة وفي كل لمحة، وفي كل ظل في السياق!
ثم يهدأ الإيقاع شيئاً ما، في الجولة القادمة، ليناسب جو القصص، وهو يعرض ما كان بين موسى وفرعون، وما انتهى إليه هذا الطاغية عندما طغى:
{هل أتاك حديث موسى. إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى. اذهب إلى فرعون إنه طغى.؟ فقل: هل لك إلى أن تَزَكَّى؟ وأهديك إلى ربك فتخشى؟ فأراه الآية الكبرى. فكذب وعصى، ثم أدبر يسعى. فحشر فنادى. فقال: أنا ربكم الأعلى. فأخذه الله نكال الآخرة والأولى.. إن في ذلك لعبرة لمن يخشى}..
وقصة موسى هي أكثر القصص وروداً وأكثرها تفصيلاً في القرآن.. وقد وردت من قبل في سور كثيرة. وردت منها حلقات منوعة. ووردت في أساليب شتى. كل منها تناسب سياق السورة التي وردت فيها؛ وتشارك في أداء الغرض البارز في السياق. على طريقة القرآن في إيراد القصص وسرده.
وهنا ترد هذه القصة مختصرة سريعة المشاهد منذ أن نودي موسى بالوادي المقدس، إلى أخذ فرعون.. أخذه في الدنيا ثم في الآخرة.. فتلتقي بموضوع السورة الأصيل، وهو حقيقة الآخرة. وهذا المدى الطويل من القصة يرد هنا في آيات معدودات قصار سريعة، ليناسب طبيعة السورة وإيقاعها.
وتتضمن هذه الآيات القصار السريعة عدة حلقات ومشاهد من القصة..
وهي تبدأ بتوجيه الخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: {هل أتاك حديث موسى؟}.. وهو استفهام للتمهيد وإعداد النفس والأذن لتلقي القصة وتمليها..
ثم تأخذ في عرض الحديث كما تسمى القصة. وهو إيحاء بواقعيتها فهي حديث جرى. فتبدأ بمشهد المناداة والمناجاة: {إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى}.. وطوى اسم الوادي على الأرجح. وهو بجانب الطور الأيمن بالنسبة للقادم من مدين في شمال الحجاز.
ولحظة النداء لحظة رهيبة جليلة. وهي لحظة كذلك عجيبة. ونداء الله بذاته سبحانه لعبد من عباده أمر هائل. أهول مما تملك الألفاظ البشرية أن تعبر. وهي سر من أسرار الألوهية العظيمة، كما هي سر من أسرار التكوين الإنساني التي أودعها الله هذا الكائن، وهيأه بها لتلقي ذلك النداء. وهذا أقصى ما نملك أن نقوله في هذا المقام، الذي لا يملك الإدراك البشري أن يحيط منه بشيء؛ فيقف على إطاره، حتى يكشف الله له عنه فيتذوقه بشعوره.
وفي مواضع أخرى تفصيل للمناجاة بين موسى وربه في هذا الموقف.
فأما هنا فالمجال مجال اختصار وإيقاعات سريعة. ومن ثم يبادر السياق بحكاية أمر التكليف الإلهي لموسى، عقب ذكر النداء بالوادي المقدس طوى: {اذهب إلى فرعون. إنه طغى. فقل: هل لك إلى أن تزكَّى! وأهديك إلى ربك فتخشى؟}..
{اذهب إلى فرعون. إنه طغى}.. والطغيان أمر لا ينبغي أن يكون ولا أن يبقى. إنه أمر كريه، مفسد للأرض، مخالف لما يحبه الله، مؤد إلى ما يكره.. فمن أجل منعه ينتدب الله عبداً من عباده المختارين. ينتدبه بنفسه سبحانه. ليحاول وقف هذا الشر، ومنع هذا الفساد، ووقف هذا الطغيان.. إنه أمر كريه شديد الكراهية حتى ليخاطب الله بذاته عبداً من عباده ليذهب إلى الطاغية، فيحاول رده عما هو فيه، والإعذار إليه قبل أن يأخذه الله تعالى نكال الآخرة والأولى!
{إذهب إلى فرعون. إنه طغى}.. ثم يعلمه الله كيف يخاطب الطاغية بأحب أسلوب وأشده جاذبية للقلوب، لعله ينتهي، ويتقي غضب الله وأخذه: {فقل: هل لك إلى أن تزكى؟}.. هل لك إلى أن تتطهر من رجس الطغيان ودنس العصيان؟ هل لك إلى طريق الصلاة والبركة؟ {وأهديك إلى ربك فتخشى}.. هل لك أن أعرفك طريق ربك؟ فإذا عرفته وقعت في قلبك خشيته؟ فما يطغى الإنسان ويعصي إلا حين يذهب عن ربه بعيداً، وإلا حين يضل طريقه إليه فيقسو قلبه ويفسد، فيكون منه الطغيان والتمرد!
كان هذا في مشهد النداء والتكليف. وكان بعده في مشهد المواجهة والتبليغ. والسياق لا يكرره في مشهد التبليغ. اكتفاء بعرضه هناك وذكره. فيطوي ما كان بعد مشهد النداء، ويختصر عبارة التبليغ في مشهد التبليغ. ويسدل الستار هنا ليرفعه على ختام مشهد المواجهة:
{فأراه الآية الكبرى. فكذب وعصى}..
لقد بلغ موسى ما كلف تبليغه. بالأسلوب الذي لقنه ربه وعرفه. ولم يفلح هذا الأسلوب الحبيب في إلانة القلب الطاغي الخاوي من معرفة ربه. فأراه موسى الآية الكبرى. آية العصا واليد البيضاء كما جاء في المواضع الأخرى: {فكذب وعصى}.. وانتهى مشهد اللقاء والتبليغ عند التكذيب والمعصية في اختصار وإجمال!
ثم يعرض مشهداً آخر. مشهد فرعون يتولى عن موسى، ويسعى في جمع السحرة للمباراة بين السحر والحق. حين عز عليه أن يستسلم للحق والهدى:
{ثم أدبر يسعى. فحشر فنادى. فقال: أنا ربكم الأعلى}..
ويسارع السياق هنا إلى عرض قولة الطاغية الكافرة، مجملاً مشاهد سعيه وحشره للسحرة وتفصيلاتها. فقد أدبر يسعى في الكيد والمحاولة، فحشر السحرة والجماهير؛ ثم انطلقت منه الكلمة الوقحة المتطاولة، المليئة بالغرور والجهالة: {أنا ربكم الأعلى}..
قالها الطاغية مخدوعاً بغفلة جماهيره، وإذعانها وانقيادها. فما يخدع الطغاة شيء ما تخدعهم غفلة الجماهير وذلتها وطاعتها وانقيادها. وما الطاغية إلا فرد لا يملك في الحقيقة قوة ولا سطاناً.
إنما هي الجماهير الغافلة الذلول، تمطي له ظهرها فيركب! وتمد له أعناقها فيجر! وتحني له رؤوسها فيستعلي! وتتنازل له عن حقها في العزة والكرامة فيطغى!
والجماهير تفعل هذا مخدوعة من جهة وخائفة من جهة أخرى. وهذا الخوف لا ينبعث إلا من الوهم. فالطاغية وهو فرد لا يمكن أن يكون أقوى من الألوف والملايين، لو أنها شعرت بإنسانيتها وكرامتها وعزتها وحريتها. وكل فرد فيها هو كفء للطاغية من ناحية القوة ولكن الطاغية يخدعها فيوهمها أنه يملك لها شيئاً! وما يمكن أن يطغى فرد في أمة كريمة أبداً. وما يمكن أن يطغى فرد في أمة رشيدة أبداً. وما يمكن أن يطغى فرد في أمة تعرف ربها وتؤمن به وتأبى أن تتعبد لواحد من خلقه لا يملك لها ضراً ولا رشداً!
فأما فرعون فوجد في قومه من الغفلة ومن الذلة ومن خواء القلب من الإيمان، ما جرؤ به على قول هذه الكلمة الكافرة الفاجرة: {أنا ربكم الأعلى}.. وما كان ليقولها أبدا لو وجد أمة واعية كريمة مؤمنة، تعرف أنه عبد ضعيف لا يقدر على شيء. وإن يسلبه الذباب شيئاً لا يستنقذ من الذباب شيئاً!
وأمام هذا التطاول الوقح، بعد الطغيان البشع، تحركت القوة الكبرى:
{فأخذه الله نكال الآخرة والأولى}..
ويقدم هنا نكال الآخرة على نكال الأولى.. لأنه أشد وأبقى. فهو النكال الحقيقي الذي يأخذ الطغاة والعصاة بشدته وبخلوده.. ولأنه الأنسب في هذا السياق الذي يتحدث عن الآخرة ويجعلها موضوعه الرئيسي.. ولأنه يتسق لفظياً مع الإيقاع الموسيقي في القافية بعد اتساقه معنوياً مع الموضوع الرئيسي، ومع الحقيقة الأصيلة.
ونكال الأولى كان عنيفاً قاسياً. فكيف بنكال الآخرة وهو أشد وأنكى؟ وفرعون كان ذا قوة وسلطان ومجد موروث عريق؛ فكيف بغيره من المكذبين؟ وكيف بهؤلاء الذين يواجهون الدعوة من المشركين؟
{إن في ذلك لعبرة لمن يخشى}..
فالذي يعرف ربه ويخشاه هو الذي يدرك ما في حادث فرعون من العبرة لسواه. أما الذي لا يعرف قلبه التقوى فبينه وبين العبرة حاجز، وبينه وبين العظة حجاب. حتى يصطدم بالعاقبة اصطداماً. وحتى يأخذه الله نكال الآخرة والأولى. وكل ميسر لنهج، وكل ميسر لعاقبة. والعبرة لمن يخشى..
ومن هذه الجولة في مصارع الطغاة المعتدين بقوتهم، يعود إلى المشركين المعتزين بقوتهم كذلك. فيردهم إلى شيء من مظاهر القوة الكبرى، في هذا الكون الذي لا تبلغ قوتهم بالقياس إليه شيئاً:
{أأنتم أشد خلقاً أم السماء؟ بناها. رفع سمكها فسواها. وأغطش ليلها وأخرج ضحاها. والأرض بعد ذلك دحاها. أخرج منها ماءها ومرعاها. والجبال أرساها. متاعاً لكم ولأنعامكم}..
وهو استفهام لا يحتمل إلا إجابة واحدة بالتسليم الذي لا يقبل الجدل: {أأنتم أشد خلقاً أم السماء؟}.. السماء! بلا جدال ولا كلام! فما الذي يغركم من قوتكم والسماء أشد خلقاً منكم، والذي خلقها أشد منها؟ هذا جانب من إيحاء السؤال.
وهناك جانب آخر. فما الذي تستصعبونه من أمر بعثكم؟ وهو خلق السماء وهي أشد من خلقكم؛ وبعثكم هو إعادة لخلقكم، والذي بنى السماء وهي أشد، قادر على إعادتكم وهي أيسر!
هذه السماء الأشد خلقاً بلا مراء.. {بناها}.. والبناء يوحي بالقوة والتماسك، والسماء كذلك. متماسكة. لا تختل ولا تتناثر نجومها وكواكبها. ولا تخرج من أفلاكها ومداراتها، ولا تتهاوى ولا تنهار. فهي بناء ثابت وطيد متماسك الأجزاء.
{رفع سمكها فسواها}.. وسمك كل شيء قامته وارتفاعه. والسماء مرفوعه في تناسق وتماسك. وهذه هي التسوية: {فسواها}.. والنظرة المجردة والملاحظة العادية تشهد بهذا التناسق المطلق. والمعرفة بحقيقة القوانين التي تمسك بهذه الخلائق الهائلة وتنسق بين حركاتها وآثارها وتأثراتها، توسع من معنى هذا التعبير، وتزيد في مساحة هذه الحقيقة الهائلة، التي لم يدرك الناس بعلومهم إلا أطرافاً منها، وقفوا تجاهها مبهورين، تغمرهم الدهشة، وتأخذهم الروعة، ويعجزون عن تعليلها بغير افتراض قوة كبرى مدبرة مقدرة، ولو لم يكونوا من المؤمنين بدين من الأديان إطلاقاً!
{وأغطش ليلها وأخرج ضحاها}.. وفي التعبير شدة في الجرس والمعنى، يناسب الحديث عن الشدة والقوة. وأغطش ليلها أي أظلمه. وأخرج ضحاها. أي: أضاءها. ولكن اختيار الألفاظ يتمشى في تناسق مع السياق.. وتوالي حالتي الظلام والضياء، في الليل والضحى الذي هو أول النهار، حقيقة يراها كل أحد؛ ويتأثر بها كل قلب. وقد ينساها بطول الألفة والتكرار، فيعيد القرآن جدتها بتوجيه المشاعر إليها. وهي جديدة أبداً. تتجدد كل يوم، ويتجدد الشعور بها والانفعال بوقعها. فأما النواميس التي وراءها فهي كذلك من الدقة والعظمة بحيث تروع وتدهش من يعرفها. فتظل هذه الحقيقة تروع القلوب وتدهشها كلما اتسع علمها وكبرت معرفتها!
{والأرض بعد ذلك دحاها. أخرج منها ماءها ومرعاها. والجبال أرساها}..
ودحو الأرض تمهيدها وبسط قشرتها، بحيث تصبح صالحة للسير عليها، وتكوين تربة تصلح للإنبات، وإرساء الجبال وهو نتيجة لاستقرار سطح الأرض ووصول درجة حرارته إلى هذا الاعتدال الذي يسمح بالحياة. والله أخرج من الأرض ماءها سواء ما يتفجر من الينابيع، أو ما ينزل من السماء فهو أصلاً من مائها الذي تبخر ثم نزل في صورة مطر. وأخرج من الأرض مرعاها وهو النبات الذي يأكله الناس والأنعام وتعيش عليه الأحياء مباشرة وبالواسطة..
وكل أولئك قد كان بعد بناء السماء، وبعد إغطاش الليل وإخراج الضحى. والنظريات الفلكية الحديثة تقرب من مدلول هذا النص القرآني حين تفترض أنه قد مضى على الأرض مئات الملايين من السنين، وهي تدور دوراتها ويتعاقب الليل والنهار عليها قبل دحوها وقبل قابليتها للزرع. وقبل استقرار قشرتها على ما هي عليه من مرتفعات ومستويات.
والقرآن يعلن أن هذا كله كان: {متاعاً لكم ولأنعامكم}.
فيذكر الناس بعظيم تدبير الله لهم من ناحية. كما يشير إلى عظمة تقدير الله في ملكه. فإن بناء السماء على هذا النحو، ودحو الأرض على هذا النحو أيضاً لم يكونا فلتة ولا مصادفة. إنما كان محسوباً فيهما حساب هذا الخلق الذي سيستخلف في الأرض. والذي يقتضي وجوده ونموه ورقيه موافقات كثيرة جداً في تصميم الكون. وفي تصميم المجموعة الشمسية بصفة خاصة. وفي تصميم الأرض بصفة أخص.
والقرآن على طريقته في الإشارة المجملة الموحية المتضمنة لأصل الحقيقة يذكر هنا من هذه الموافقات بناء السماوات، وإغطاش الليل، وإخراج الضحى، ودحو الأرض وإخراج مائها ومرعاها، وإرساء جبالها. متاعاً للإنسان وأنعامه. وهي إشارة توحي بحقيقة التدبير والتقدير في بعض مظاهرها المكشوفة للجميع، الصالحة لأن يخاطب بها كل إنسان، في كل بيئة وفي كل زمان، فلا تحتاج إلى درجة من العلم والمعرفة، تزيد على نصيب الإنسان حيث كان. حتى يعم الخطاب بالقرآن لجميع بني الإنسان في جميع أطوار الإنسان، في جميع الأزمان.
ووراء هذا المستوى آماد وآفاق أخرى من هذه الحقيقة الكبرى. حقيقة التقدير والتدبير في تصميم هذا الكون الكبير. واستبعاد المصادفة والجزاف استبعاداً تنطق به طبيعة هذا الكون، وطبيعة المصادفة التي يستحيل معها تجمع كل تلك الموافقات العجيبة.
هذه الموافقات التي تبدأ من كون المجموعة الشمسية التي تنتمي إليها أرضنا هي تنظيم نادر بين مئات الملايين من المجموعات النجمية. وأن الأرض نمط فريد غير مكرر بين الكواكب بموقعها هذا في المنظومة الشمسية. الذي يجعلها صالحة للحياة الإنسانية. ولا يعرف البشر حتى اليوم كوكباً آخر تجتمع له هذه الموافقات الضرورية. وهي تعد بالآلاف!
ذلك أن أسباب الحياة تتوافر في الكوكب على حجم ملائم، وبعد معتدل، وتركيب تتلاقى فيه عناصر المادة على النسبة التي تنشط فيها حركة الحياة.
لا بد من الحجم الملائم، لأن بقاء الجو الهوائي حول الكوكب يتوقف على ما فيه من قوة الجاذبية..
ولا بد من البعد المعتدل لأن الجرم القريب من الشمس حار لا تتماسك فيه الأجسام، والجرم البعيد من الشمس بارد لا تتخلخل فيه تلك الأجسام.
ولا بد من التركيب الذي تتوافق فيه العناصر على النسبة التي تنشط بها حركة الحياة، لأن هذه النسبة لازمة لنشأة النبات ونشأة الحياة التي تعتمد عليه في تمثيل الغذاء.
وموقع الأرض حيث هي أصلح المواقع لتوفير هذه الشروط التي لا غنى عنها للحياة، في الصورة التي نعرفها، ولا نعرف لها صورة غيرها حتى الآن.
وتقرير حقيقة التدبير والتقدير في تصميم هذا الكون الكبير، وحساب مكان للإنسان فيه ملحوظ في خلقه وتطويره أمر يعد القلب والعقل لتلقي حقيقة الآخرة وما فيها من حساب وجزاء باطمئنان وتسليم.
فما يمكن أن يكون هذا هو واقع النشأة الكونية والنشأة الإنسانية ثم لا تتم تمامها، ولا تلقى جزاءها. ولا يكون معقولاً أن ينتهي أمرها بنهاية الحياة القصيرة في هذه العاجلة الفانية. وأن يمضي الشر والطغيان والباطل ناجياً بما كان منه في هذه الأرض. وأن يمضي الخير والعدل والحق بما أصابه كذلك في هذه الأرض.. فهذا الفرض مخالف في طبيعته لطبيعة التقدير والتدبير الواضحة في تصميم الكون الكبير.. ومن ثم تلتقي هذه الحقيقة التي لمسها السياق في هذا المقطع بحقيقة الآخرة التي هي الموضوع الرئيسي في السورة. وتصلح تمهيداً لها في القلوب والعقول، يجيء بعده ذكر الطامة الكبرى في موضعه وفي حينه!
{فإذا جآءت الطآمة الكبرى، يوم يتذكر الإنسان ما سعى، وبُرِّزَت الجحيم لمن يرى. فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا، فإن الجحيم هي المأوى، وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى}..
إن الحياة الدنيا متاع. متاع مقدر بدقة وإحكام. وفق تدبير يرتبط بالكون كله ونشأة الحياة والإنسان. ولكنه متاع. متاع ينتهي إلى أجله.. فإذا جاءت الطامة الكبرى غطت على كل شيء، وطمت على كل شيء. على المتاع الموقوت. وعلى الكون المتين المقدر المنظم. على السماء المبنية والأرض المدحوة والجبال المرساة والأحياء والحياة وعلى كل ما كان من مصارع ومواقع. فهي أكبر من هذا كله، وهي تطم وتعم على هذا كله!
عندئذ يتذكر الإنسان ما سعى. يتذكر سعيه ويستحضره، إن كانت أحداث الحياة، وشواغل المتاع أغفلته عنه وأنسته إياه. يتذكره ويستحضره ولكن حيث لا يفيده التذكر والاستحضار إلا الحسرة والأسى وتصور ما وراءه من العذاب والبلوى!
{وبُرِّزَت الجحيم لمن يرى}.. فهي بارزة مكشوفة لكل ذي نظر. ويشدد التعبير في اللفظ {بُرِّزَت} تشديداً للمعنى والجرس، ودفعاً بالمشهد إلى كل عين!
عندئذ تختلف المصائر والعواقب؛ وتتجلى غاية التدبير والتقدير في النشأة الأولى:
{فأما من طغى، وآثر الحياة الدنيا، فإن الجحيم هي المأوى}..
والطغيان هنا أشمل من معناه القريب. فهو وصف لكل من يتجاوز الحق والهدى. ومداه أوسع من الطغاة ذوي السلطان والجبروت، حيث يشمل كل متجاوز للهدى، وكل من آثر الحياة الدنيا، واختارها على الآخرة. فعمل لها وحدها، غير حاسب للآخرة حساباً. واعتبار الآخرة هو الذي يقيم الموازين في يد الإنسان وضميره. فإذا أهمل حساب الآخرة أو آثر عليها الدنيا اختلت كل الموازين في يده، واختلت كل القيم في تقديره، واختلت كل قواعد الشعور والسلوك في حياته، وعد طاغياً وباغياً ومتجاوزاً للمدى.
فأما هذا.. {فإن الجحيم هي المأوى}.. الجحيم المكشوفة المبرزة القريبة الحاضرة. يوم الطامة الكبرى!
{وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى.
فإن الجنة هي المأوى}..
والذي يخاف مقام ربه لا يقدم على معصية، فإذا أقدم عليها بحكم ضعفه البشري قاده خوف هذا المقام الجليل إلى الندم والاستغفار والتوبة. فظل في دائرة الطاعة.
ونهي النفس عن الهوى هو نقطة الارتكاز في دائرة الطاعة. فالهوى هو الدافع القوي لكل طغيان، وكل تجاوز، وكل معصية. وهو أساس البلوى، وينبوع الشر، وقل أن يؤتى الإنسان إلا من قبل الهوى. فالجهل سهل علاجه. ولكن الهوى بعد العلم هو آفة النفس التي تحتاج إلى جهاد شاق طويل الأمد لعلاجها.
والخوف من الله هو الحاجز الصلب أمام دفعات الهوى العنيفة. وقل أن يثبت غير هذا الحاجز أمام دفعات الهوى. ومن ثم يجمع بينهما السياق القرآني في آية واحدة. فالذي يتحدث هنا هو خالق هذه النفس العليم بدائها، الخبير بدوائها وهو وحده الذي يعلم دروبها ومنحنياتها، ويعلم أين تكمن أهواؤها وأدواؤها، وكيف تطارد في مكامنها ومخابئها!
ولم يكلف الله الإنسان ألا يشتجر في نفسه الهوى. فهو سبحانه يعلم أن هذا خارج عن طاقته. ولكنه كلفه أن ينهاها ويكبحها ويمسك بزمامها. وأن يستعين في هذا بالخوف. الخوف من مقام ربه الجليل العظيم المهيب. وكتب له بهذا الجهاد الشاق، الجنة مثابة ومأوى: {فإن الجنة هي المأوى}.. ذلك أن الله يعلم ضخامة هذا الجهاد؛ وقيمته كذلك في تهذيب النفس البشرية وتقويمها ورفعها إلى المقام الأسنى.
إن الإنسان إنسان بهذا النهي، وبهذا الجهاد، وبهذا الارتفاع. وليس إنساناً بترك نفسه لهواها، وإطاعة جواذبه إلى دركها، بحجة أن هذا مركب في طبيعته. فالذي أودع نفسه الاستعداد لجيشان الهوى، هو الذي أودعها الاستعداد للإمساك بزمامه، ونهي النفس عنه، ورفعها عن جاذبيته؛ وجعل له الجنة جزاء ومأوى حين ينتصر ويرتفع ويرقى.
وهنالك حرية إنسانية تليق بتكريم الله للإنسان. تلك هي حرية الانتصار على هوى النفس والانطلاق من أسر الشهوة، والتصرف بها في توازن تثبت معه حرية الاختيار والتقدير الإنساني. وهنالك حرية حيوانية، هي هزيمة الإنسان أمام هواه، وعبوديته لشهوته، وانفلات الزمام من إرادته. وهي حرية لا يهتف بها إلا مخلوق مهزوم الإنسانية مستعبد يلبس عبوديته رداء زائفاً من الحرية!
إن الأول هو الذي ارتفع وارتقى وتهيأ للحياة الرفيعة الطليقة في جنة المأوى. أما الآخر فهو الذي ارتكس وانتكس وتهيأ للحياة في درك الجحيم حيث تهدر إنسانيته، ويرتد شيئاً توقد به النار التي وقودها الناس من هذا الصنف والحجارة!
وهذه وتلك هي المصير الطبيعي للارتكاس والارتقاء في ميزان هذا الدين الذي يزن حقيقة الأشياء..
وأخيراً يجيء الإيقاع الأخير في السورة هائلاً عميقاً مديداً:
{يسألونك عن الساعة: أيان مرساها؟ فيم أنت من ذكراها؟ إلى ربك منتهاهآ. إنمآ أنت منذر من يخشاها. كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها}.
وكان المتعنتون من المشركين يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم كلما سمعوا وصف أهوال الساعة وأحداثها وما تنتهي إليه من حساب وجزاء.. متى أو أيان موعدها.. أو كما يحكي عنهم هنا: {أيان مرساها؟}..
والجواب: {فيم أنت من ذكراها؟}.. وهو جواب يوحي بعظمتها وضخامتها، بحيث يبدو هذا السؤال تافهاً باهتاً، وتطفلاً كذلك وتجاوزاً.. فها هو ذا يقال للرسول العظيم: {فيم أنت من ذكراها؟}.. إنها لأعظم من أن تَسأل أو تسأل عن موعدها. فأمرها إلى ربك وهي من خاصة شأنه وليست من شأنك:
{إلى ربك منتهاها}.. فهو الذي ينتهي إليه أمرها، وهو الذي يعلم موعدها، وهو الذي يتولى كل شيء فيها.
{إنما أنت منذر من يخشاها}.. هذه وظيفتك، وهذه حدودك.. أن تنذر بها من ينفعه الإنذار، وهو الذي يشعر قلبه بحقيقتها فيخشاها ويعمل لها، ويتوقعها في موعدها الموكول إلى صاحبها سبحانه وتعالى.
ثم يصور هولها وضخامتها في صنيعها بالمشاعر والتصورات؛ وقياس الحياة الدنيا إليها في إحساس الناس وتقديرهم:
{كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها}..
فهي من ضخامة الوقع في النفس بحيث تتضاءل إلى جوارها الحياة الدنيا، وأعمارها، وأحداثها، ومتاعها، وأشياؤها، فتبدو في حس أصحابها كأنها بعض يوم.. عشية أو ضحاها!
وتنطوي هذه الحياة الدنيا التي يتقاتل عليها أهلها ويتطاحنون. والتي يؤثرونها ويدعون في سبيلها نصيبهم في الآخرة. والتي يرتكبون من أجلها ما يرتكبون من الجريمة والمعصية والطغيان. والتي يجرفهم الهوى فيعيشون له فيها.. تنطوي هذه الحياة في نفوس أصحابها أنفسهم، فإذا هي عندهم عشية أو ضحاها.
هذه هي: قصيرة عاجلة، هزيلة ذاهبة، زهيدة تافهة.. أفمن أجل عشية أو ضحاها يضحون بالآخرة؟ ومن أجل شهوة زائلة يدعون الجنة مثابة ومأوى!
ألا إنها الحماقة الكبرى. الحماقة التي لا يرتكبها إنسان. يسمع ويرى!




البحث


كلمات متتالية كلمات متفرقة




موضوعات القرآن
  • الإيمان
  • العلم
  • العبادات
  • أحكام الأسرة
  • المعاملات
  • الحدود والجنايات
  • الجهاد
  • الأطعمة والأشربة
  • أحكام الجنائز
  • الأخلاق
  • تكريم الله للإنسان
  • القصص والتاريخ
  • الأمثال