سورة المائدة / الآية رقم 31 / تفسير تفسير الشوكاني / أحمد بن علي العجمي / القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
القرآن الكريم
طريقة عرض الآيات
صور
نصوص

قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ قَالَ رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْمِ الفَاسِقِينَ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى القَوْمِ الفَاسِقِينَ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ العَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الخَاسِرِينَ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ

المائدةالمائدةالمائدةالمائدةالمائدةالمائدةالمائدةالمائدةالمائدةالمائدةالمائدةالمائدةالمائدةالمائدةالمائدة




تلاوة آية تلاوة سورة الشرح الصوتي

التفسير


وجه اتصال هذا بما قبله التنبيه من الله على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود هو كظلم ابن آدم لأخيه، فالداء قديم، والشرّ أصيل.
وقد اختلف أهل العلم في ابني آدم المذكورين، هل هما لصلبه أم لا؟ فذهب الجمهور إلى الأوّل.
وذهب الحسن والضحاك إلى الثاني، وقالا: إنهما كانا من بني إسرائيل، فضرب بهما المثل في إبانة حسد اليهود، وكانت بينهما خصومة، فتقرّبا بقربانين ولم تكن القاربين إلا في بني إسرائيل. قال ابن عطية: وهذا وهم كيف يجهل صورة الدفن أحد من بني إسرائيل حتى يقتدي بالغراب؟ قال الجمهور من الصحابة فمن بعدهم: واسمهما قابيل وهابيل، وكان قربان قابيل حزمة من سنبل، لأنه كان صاحب زرع واختارها من أراد زرعه، حتى إنه وجد فيها سنبلة طيبة ففركها وأكلها، وكان قربان هابيل كبشاً؛ لأنه كان صاحب غنم أخذه من أجود غنمه، فتقبل قربان هابيل، فرفع إلى الجنة فلم يزل يرعى فيها إلى أن فدى به الذبيح عليه السلام، كذا قال جماعة من السلف، ولم يتقبل قربان قابيل، فحسده وقال لأقتلنك. وقيل: سبب هذا القربان أن حواء كانت تلد في كل بطن ذكراً وأنثى، إلا شيثاً عليه السلام فإنها ولدته منفرداً، وكان آدم عليه السلام يزّوج الذكر من هذا البطن بالأنثى من البطن الآخر. ولا تحلّ له أخته التي ولدت معه، فولدت مع قابيل أخت واسمها إقليما، ومع هابيل أخت ليست كذلك، واسمها ليوذا فلما أراد آدم تزويجهما قال قابيل: أناأحق بأختي، فأمره آدم فلم يأتمر وزجره فلم ينزجر، فاتفقوا على القربان، وأنه يتزوجها من تقبل قربانه.
قوله: {بالحق} متعلق بمحذوف وقع صفة لمصدر، {واتل} أي: تلاوة متلبسة بالحق، أو صفة لنبأ: أي: نبأ متلبساً بالحق، والمراد بأحدهما هابيل وبالآخر قابيل، و{قَالَ للأَقْتُلَنَّكَ} استئناف بياني، كأنه قيل فماذا حال الذي لم يتقبل قربانه؟ وقوله: {قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين} استئناف كالأوّل كأنه قيل: فماذا قال الذي تقبل قربانه؟ وإنما للحصر: أي إنما يتقبل الله القربان من المتقين لا من غيرهم، وكأنه يقول لأخيه: إنما أتيت من قبل نفسك لا من قبلي، فإن عدم تقبل قربانك بسبب عدم تقواك.
قوله: {لَئِن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى} أي لأن قصدت قتلي، واللام هي الموطئة، و{مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ} جواب القسم سادّ مسدّ جواب الشرط، وهذا استسلام للقتل من هابيل، كما ورد في الحديث: «إذا كانت الفتنة فكن خير ابني آدم»، وتلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية. قال مجاهد: كان الفرض عليهم حينئذ أن لا يسل أحد سيفاً وأن لا يمتنع ممن يريد قتله، قال القرطبي: قال علماؤنا: وذلك مما يجوز ورود التعبد به، إلا أن في شرعنا يجوز دفعه إجماعاً، وفي وجوب ذلك عليه خلاف.
والأصح وجوب ذلك لما فيه من النهي عن المنكر، وفي الحشوية قوم لا يجوّزون للمصول عليه الدفع، واحتجوا بحديث أبي ذرّ، وحمله العلماء على ترك القتال في الفتنة، وكفّ اليد عند الشبهة، على ما بيناه في كتاب التذكرة، انتهى كلام القرطبي. وحديث أبي ذرّ المشار إليه هو عند مسلم، وأهل السنن إلا النسائي، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا أبا ذرّ أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضاً كيف تصنع؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك»، قال: فإن لم أترك، قال: «فأت من أنت منهم فكن فيهم»، قال: فآخذ سلاحي؟ قال: «إذن تشاركهم فيما هم فيه، ولكن إن خشيت أن يردعك شعاع السيف، فألق طرف ردائك على وجهك كي يبوء بإثمه وإثمك» وفي معناه أحاديث عن جماعة من الصحابة سعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وخباب بن الأرثّ وأبي بكر وابن مسعود وأبي واقد وأبي موسى. قوله: {إِنّى أُرِيدُ أَن تَبُوء بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أصحاب النار} هذا تعليل لامتناعه من المقاتلة، بعد التعليل الأوّل وهو: {إِنّى أَخَافُ الله رَبَّ العالمين}.
اختلف المفسرون في المعنى فقيل: أراد هابيل إني أريد أن تبوء بالإثم الذي كان يلحقني لو كنت حريصاً على قتلك، وبإثمك الذي تحملته بسبب قتلي؛ وقيل المراد بإثمي الذي يختص بي بسبب سيأتي، فيطرح عليك بسبب ظلمك لي وتبوء بإثمك في قتلي. وهذا يوافق معناه معنى ما ثبت في صحيح مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى يوم القيامة بالظالم والمظلوم، فيؤخذ من حسنات الظالم فتزاد في حسنات المظلوم حتى ينتصف، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه»، ومثله قوله تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: 13] وقيل المعنى: إني أريد أن لا تبوء بإثمي وإثمك كما في قوله تعالى: {وألقى فِى الأرض رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} [النحل: 15] أي: أن لا تميد بكم. وقوله: {يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} [النساء: 176] أي: لا تضلوا.
وقال أكثر العلماء: إن المعنى: {إِنّى أُرِيدُ أَن تَبُوء بِإِثْمِى} أي: بإثم قتلك لي: {وَإِثْمِكَ} الذي قد صار عليك بذنوبك من قبل قتلي. قال الثعلبي: هذا قول عامة المفسرين وقيل هو على وجه الإنكار: أي: أو إني أريد على وجه الإنكار كقوله تعالى: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ} [الشعراء: 22] أي أو تلك نعمة. قاله القشيري، ووجهه بأن إرادة القتل معصية. وسئل أبو الحسن بن كيسان: كيف يريد المؤمن أن يأثم أخوه وأن يدخل النار؟ فقال: وقعت الإرادة بعد ما بسط يده إليه بالقتل، وهذا بعيد جدّاً، وكذلك الذي قبله.
وأصل باء رجع إلى المباءة، وهي المنزل: {وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ الله} [آل عمران: 112] أي: رجعوا.
قوله: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ} أي سهلت نفسه عليه الأمر وشجعته وصوّرت له أن قتل أخيه طوع يده سهل عليه، يقال تطوّع الشيء: أي سهل وانقاد وطوعه فلان له: أي سهله. قال الهروي: طوّعت وطاوعت واحد، يقال طاع له كذا: إذا أتاه طوعاً، وفي ذكر تطويع نفسه له بعد ما تقدّم من قول قابيل {لأَقْتُلَنَّكَ} وقول هابيل {لِتَقْتُلَنِى} دليل على أن التطويع لم يكن قد حصل له عند تلك المقاولة. قوله: {فَقَتَلَهُ}. قال ابن جرير ومجاهد وغيرهما: روي أنه جهل كيف يقتل أخاه فجاءه إبليس بطائر أو حيوان غيره، فجعل يشدخ رأسه بين حجرين ليقتدي به قابيل ففعل؛ وقيل غير ذلك مما يحتاج إلى تصحيح الرواية.
قوله: {فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ فِى الأرض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِى سَوْءة أَخِيه} قيل: إنه لما قتل أخاه لم يدر كيف يواريه؛ لكونه أوّل ميت مات من بني آدم، فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حثا عليه، فلما رآه قابيل: {يَاوَيْلَتَي أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي} فواراه، والضمير المستكن في {لِيُرِيَهُ} للغراب؛ وقيل لله سبحانه، و{كَيْفَ} في محل نصب على الحال من ضمير: {يوارى} والجملة ثاني مفعولي يريه. والمراد بالسوءة هنا ذاته كلها لكونها ميتة، و{قَالَ} استئناف جواب سؤال مقدّر من سوق الكلام، كأنه قيل: فماذا قال عند أن شاهد الغراب يفعل ذلك؟ و{يا ويلتي} كلمة تحسر وتحزن، والألف بدل من ياء المتكلم كأنه دعا ويلته بأن تحضر في ذلك الوقت، والويلة الهلكة، والكلام خارج مخرج التعجب منه من عدم اهتدائه لمواراة أخيه، كما اهتدى الغراب إلى ذلك {فَأُوَارِيَ} بالنصب على أنه جواب الاستفهام، وقرئ بالسكون على تقدير فأنا أواري {فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين} على قتله؛ وقيل: لم يكن ندمه ندم توبة بل ندم لفقده، لا على قتله؛ وقيل غير ذلك.
وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عساكر، عن ابن عباس قال: نهى أن تنكح المرأة أخاها توأمها، وأن ينكحها غيره من إخوتها، وكان يولد له في كل بطن رجل وامرأة، فبينما هم كذلك ولد له امرأة وضيئة، وولد له أخرى قبيحة دميمة، فقال أخو الدميمة: أنكحني أختك وأنكحك أختي، فقال: لا، أنا أحق بأختي، فقرّبا قرباناً، فجاء صاحب الغنم بكبش أعين أقرن أبيض، وصاحب الحرث بصبرة من طعام فتقبل من صاحب الكبش، ولم يتقبل من صاحب الزرع.
قال ابن كثير في تفسيره: إسناده جيد، وكذا قال السيوطي في الدر المنثور.
وأخرج ابن جرير عنه قال: كان من شأن بني آدم أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه، وإنما كان القربان يقرّبه الرجل، فبينما ابنا آدم قاعدان إذ قالا لو قربنا ثم ذكرا ما قرباه.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: {لَئِن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ} قال: كتب عليهم إذا أراد الرجل أن يقتل رجلاً تركه ولا يمتنع منه.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج نحوه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {إِنّى أُرِيدُ أَن تَبُوء بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ} يقول: إني أريد أن تكون عليك خطيئتك، ودمي، فتبوء بهما جميعاً.
وأخرج ابن جرير عنه {بِإِثْمِى}: قال بقتلك إياي، {وَإِثْمِكَ} قال: بما كان منك قبل ذلك.
وأخرج عن قتادة والضحاك مثله.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ} قال: شجعته على قتل أخيه.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: زينت له نفسه.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ} فطلبه ليقتله فراغ الغلام منه في رؤوس الجبال، فأتاه يوماً من الأيام وهو يرعى غنماً له وهو نائم، فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات، فتركه بالعراء، ولا يعلم كيف يدفن، فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حثا عليه، فلما رآه {قَالَ ياويلتا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب}.
وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأوّل كفل من دمها لأنه أوّل من سنّ القتل» وقد روي في صفة قتله لأخيه روايات الله أعلم بصحتها.




البحث


كلمات متتالية كلمات متفرقة




موضوعات القرآن
  • الإيمان
  • العلم
  • العبادات
  • أحكام الأسرة
  • المعاملات
  • الحدود والجنايات
  • الجهاد
  • الأطعمة والأشربة
  • أحكام الجنائز
  • الأخلاق
  • تكريم الله للإنسان
  • القصص والتاريخ
  • الأمثال