سورة المائدة / الآية رقم 82 / تفسير تفسير أبي حيان / أحمد بن علي العجمي / القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
القرآن الكريم
طريقة عرض الآيات
صور
نصوص

قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوَهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ

المائدةالمائدةالمائدةالمائدةالمائدةالمائدةالمائدةالمائدةالمائدةالمائدةالمائدةالمائدةالمائدةالمائدةالمائدة




تلاوة آية تلاوة سورة الشرح الصوتي

التفسير


القَسَّ بفتح القاف تتبّع الشيء. قال رؤبة:
أصبحن عن قَسّ الأذى غوافلا *** يمشين هوناً حُرَّداً بهاللا
ويقال قَسَّ الأثر تتبعه، وقصه أيضاً. والقسَّ: رئيس النصارى في الدين والعلم، وجمعه قسوس، سمي بالمصدر لتتبعه العلم والدّين، وكذلك القِسّيس فِعّيل كالشِّرِّيب، وجمع القِسِّيس بالواو والنون، وجمع أيضاً على قَساوِسَة، قال أمية بن أبي الصلت:
لو كان منقلب كانت قساوسة *** يحييهم الله في أيديهم الزُّبُرُ
قال الفرّاء: هو مثلُ مَهَالبة، كثرت السيئات فأبدلوا إحداهنّ واواً، يعني أن قياسه قساسنة. وزعم ابن عطية أن القسّ بفتح القاف وكسرها، والقِسّيس اسم أعجمي عُرّب.
الطمع قريب من الرجا، يقال منه: طمع يطمع طمعاً وطماعةً وطماعيةً؛ قال الشاعر:
طماعية أن يغفر الذنب غافر ***
واسم الفاعل طمع.
الرّجس اسم لكل ما يستقذر من عمل، يقال: رجس الرجل يرجس رجساً إذا عمل عملاً قبيحاً، وأصله من الرجس، وهو شدّة الصوت بالرّعد؛ قال الراجز:
مِنْ كلّ رجاس يسوق الرّجسا ***
وقال ابن دريد: الرجز الشر والرجز العذاب، والركس العذَرة والنتن، والرجس يقال للأمرين.
الرمح معروف، وجمعه في القِلّة أرماح، وفي الكثرة رماح، وَرَمَحَهُ: طعنه بالرمح، ورجل رامح: أي ذو رمح ولا فعل له من معنى ذي رمح، بل هو كلابن وتامر، وثور رامح: له قرنان، قال ذو الرّمة:
وكائن ذعرناه من مهاة ورامح *** بلاد الورى ليست لها ببلاد
والرّماح: الذي يتخذ الرمح وصنعة الرماحة.
الوبال: سوء العاقبة، ومرعى وبيل: يتأذى به بعد أكله.
البرّ: خلاف البحر. وقال الليث: يستعمل نكرة، يقال: جلست بَرّاً وخرجت برّاً، وقال الأزهري: هي من كلام المولدين، وفي حديث سلمان «إن لكل أمر جوانيّاً وبرانيّاً» كنى بذلك عن السرّ والعلانية، وهو من تغيير النسب.
{لتجدنّ أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا}.
قال قتادة نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة مما جاء به عيسى، آمنوا بالرسول، فأثنى الله عليهم، قيل هو النجاشي وأصحابه تلا عليهم جعفر بن أبي طالب حين هاجر إلى الحبشة سورة مريم فآمنوا وفاضت أعينهم من الدمع، وقيل هم وفد النجاشي مع جعفر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانوا سبعين بعثهم إلى الرسول عليهم ثياب الصوف، اثنان وستون من الحبشة، وثمانية من الشام، وهم بحير الراهب وإدريس وأشرف وثمامة وقثم ودريد وأيمن، فقرأ عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم يس، فبكوا وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى، فأنزل الله فيهم هذه الآية.
وروي عن مقاتل والكلبي أنهم كانوا أربعين من بني الحارث بن كعب من نجران، واثنين وثمانين من الحبشة، وثمانية وستين من الشام.
وروي عن ابن جبير قريب من هذا، وظاهر اليهود العموم من كان بحضرة الرسول من يهود المدينة وغيرهم، وذلك أنهم مرنوا على تكذيب الأنبياء وقتلهم وعلى العتوّ والمعاصي، واستشعارهم اللعنة وضرب الذلة والمسكنة، فتحرّرت عداوتهم وكيدهم وحسدهم وخبثهم، وفي الحديث: «ما خلا يهوديان بمسلم إلا همّا بقتله» وفي وصف الله إياهم بأنهم أشدّ عداوة إشعار بصعوبة إجابتهم إلى الحق، ولذلك قلّ إسلام اليهود.
وقيل {اليهود} هنا هم يهود المدينة لأنهم هم الذين مالؤوا المشركين على المسلمين. وعطف {الذين أشركوا} على {اليهود} جعلهم تبعاً لهم في ذلك إذ كان اليهود أشدّ في العداوة، إذ تباينوا هم والمسلمون في الشريعة لا في الجنس، إذ بينهم وشائج متصلة من القرابات والأنساب القريبة فتعطفهم على كل حال الرحم على المسلمين، ولأنهم ليسوا على شريعة من عند الله، فهم أسرع للإيمان من كلّ أحد من اليهود والنصارى، وعطفوا هنا كما عطفوا في قوله: {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا} واللام في {لتجدن} هي الملتقى بها القسم المحذوف.
وقال ابن عطية: هي لام الابتداء، وليس بمرضيّ، و{الناس} هنا الكفار، أي ولتجدن أشدّ الكفار عداوة.
{ولتجدنّ أقربهم مودّة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} أي هم ألين عريكةً وأقرب ودًّا. ولم يصفهم بالودّ إنما جعلهم أقرب من اليهود والمشركين، وهي أمّة لهم الوفاء والخلال الأربع التي ذكرها عمرو بن العاص في صحيح مسلم، ويعظمون من أهل الإسلام من استشعروا منه ديناً وإيماناً، ويبغضون أهل الفسق، فإذا سالموا فسلمهم صافٍ، وإذا حاربوا فحربهم مدافعة، لأن شرعهم لا يأمرهم بذلك، وحين غلب الروم فارس سُرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لغلبة أهل الكتاب لأهل عبادة النار، ولإهلاك العدوّ الأكبر بالعدوّ الأصغر إذ كان مخوفاً على أهل الإسلام، واليهود ليسوا على شيء من أخلاق النصارى، بل شأنهم الخبث والليّ بالألسنة، وفي خلال إحسانك إلى اليهودي يترقب ما يغتالك به ألا ترى إلى ما حكى تعالى عنهم {ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأمّيين سبيل} وفي قوله تعالى: {الذين قالوا إنا نصارى} إشارة إلى أنهم ليسوا متمسكين بحقيقة النصرانية، بل ذلك قول منهم وزعم، وتعلق {للذين آمنوا} الأول بعداوة والثاني بمودة. وقيل هما في موضع النعت ووصف العداوة بالأشد والمودّة بالأقرب دليل على تفاوت الجنسين بالنسبة إلى المؤمنين، فتلك العداوة أشد العداوات وأظهرها، وتلك المودة أقرب وأسهل، وظاهر الآية يدلّ على أنّ النصارى أصلح حالاً من اليهود وأقرب إلى المؤمنين مودة، وعلى هذا الظاهر فسر الآية على من وقفنا على كلامه.
قال بعضهم: وليس على ظاهره وإنما المراد أنهم أكثر أسباب مودة من اليهود، وذلك ذم لهم، فإن من كثرت أسباب مودته كان تركه للمودة أفحش، ولهذا قال أبو بكر الرازي: من الجهال من يظن أن في هذه الآية مدحاً للنصارى وإخباراً بأنهم خير من اليهود، وليس كذلك لأن ما في الآية من ذلك إنما هو صفة قوم قد آمنوا بالله وبالرسول صلى الله عليه وسلم يدل عليه ما ذكره في نسق التلاوة من إخبارهم عن أنفسهم بالإيمان بالله وبالرسول، ومعلوم عند كل ذي فطنة صحيحة أنعم في مقالتي الطائفتين أن مقالة النصارى أقبح وأشد استحالة وأظهر فساداً من مقالة اليهود، لأن اليهود تقرّ بالتوحيد في الجملة وإن كان فيها مشبهة ببعض ما اعتقدته في الجملة من التوحيد بالتشبيه؛ انتهى كلام أبي بكر الرازي والظاهر ما قاله المفسرون وغيره من أن النصارى على الجملة أصلح حالاً من اليهود، وقد ذكر المفسرون فيما تقدم ما فضل به النصارى على اليهود من كرم الأخلاق، والدخول في الإسلام سريعاً، وليس الكلام وارداً بسبب العقائد، وإنما ورد بسبب الانفعال للمسلمين، وأما قوله لأن ما في الآية من ذلك إنما هو صفة قوم قد آمنوا بالله وبالرسول ليس كما ذكر، بل صدر الآية يقتضي العموم لأنه قال: {ولتجدن أقربهم مودّة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} ثم أخبر أن من هذه الطائفة علماء وزهاد ومتواضعين وسريعي استجابة للإسلام وكثيري بكاء عند سماع القرآن، واليهود بخلاف ذلك والوجود يصدق قرب النصارى من المسلمين وبعد اليهود.
{ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون} الإشارة بذلك إلى أقرب المودة عليه، أي منهم علماء وعباد وأنهم قوم فيهم تواضع واستكانة، وليسوا مستكبرين واليهود على خلاف ذلك لم يكن فيهم قط أهل ديارات ولا صوامع وانقطاع عن الدنيا، بل هم معظمون متطاولون لتحصيلها حتى كأنهم لا يؤمنون بآخرة ولذلك لا يرى فيهم زاهد، والرهبان جمع راهب كفارس وفرسان والرهب والرهبة الخشية. وقيل الرهبان مفرد كسلطان وأنشدوا:
لو عاينت رهبان دير في القلل *** تحدر الرهبان تمشي وتزل
ويروي ونزل، والقسيس تقدم شرحه في المفردات. وقال ابن زيد: هو رأس الرهبان. وقيل: العالم. وقيل: رافع الصوت بالقراءة. وقيل: الصديق، وفي هذا التعليل دليل على جلاله العلم، وأنه سبيل إلى الهداية، وعلى حسن عاقبة الانقطاع، وأنه طريق إلى النظر في العاقبة على التواضع، وأنه سبب لتعظيم الموحد إذ يشهد من نفسه ومن كل محدث أنه مفتقر للموجد فيعظم عند مخترع الأشياء البارئ {وإذا ما سمعوا ما أنزل إلى رسول الله ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق} هذا وصف برقة القلوب والتأثر بسماع القرآن، والظاهر أن الضمير يعود على قسيسين ورهباناً فيكون عامّاً، ويكون قد أخبر عنهم بما يقع من بعضهم كما جرى للنجاشي حيث تلا عليه جعفر سورة مريم إلى قوله {ذلك عيسى ابن مريم} وسورة طه إلى قوله
{وهل أتاك حديث موسى} فبكى وكذلك قومه الذين وفدوا على الرسول حين قرأ عليها {يس} فبكوا.
وقال ابن عطية ما معناه: صدر الآية عام في النصارى و{إذا ما سمعوا} عام في من آمن من القادمين من أرض الحبشة، إذ ليس كل النصارى يفعل ذلك، بل هم الذين بعثهم النجاشي ليروا النبي صلى الله عليه وسلم ويسمعوا ما عنده، فلما رأوه وتلا عليهم القرآن فاضت أعينهم من خشية الله تعالى، انتهى.
وقال السديّ: لما رجعوا إلى النجاشي آمن وهاجر بمن معه فمات في الطريق، فصلى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون واستغفروا له، و{ترى} من رؤية العين وأسند الفيض إلى الأعين وإن كان حقيقة للدموع كما قال:
ففاضت دموع العين مني صبابة ***
إقامة للمسبب مقام السبب، لأن الفيض مسبب عن الامتلاء، فالأصل ترى أعينهم تمتلئ من الدمع حتى تفيض، لأن الفيض على جوانب الإناء ناشئ عن امتلائه، قال الشاعر:
قوارض تأتيني ويحتقرونها *** وقد يملأ الماء الإناء فيفعم
ويحتمل أنه أسند الفيض إلى الأعين على سبيل المبالغة في البكاء لما كانت تفاض فيها جعلت الفائضة بأنفسها على سبيل المجاز والمبالغة، و{من} في {من الدمع} قال أبو البقاء: فيه وجهان أحدهما: أن مِن لابتداء الغاية أي فيضها من كثرة الدموع والثاني: أن يكون حالاً، والتقدير تفيض مملوءة من الدمع مما عرفوا من الحق، ومعناها من أجل الذي عرفوه، و{من الحق} حال من العائد المحذوف أو حال من ضمير الفاعل في {عرفوا}.
وقيل: {من} في {من الدمع} بمعنى الباء أي بالدمع.
وقال الزمخشري: {من الدمع} من أجل البكاء من قولك دمعت عينه دمعاً.
(فإن قلت): أي فرق بين مِن ومِن في قوله: {مما عرفوا من الحق} (قلت): الأول لابتداء الغاية على أن فيض الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق، وكان من أجله وسببه، والثانية لتبيين الموصول الذي هو ما عرفوا، ويحتمل معنى التبعيض على أنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم، انتهى.
والجملة من قوله: {وإذا سمعوا} تحتمل الاستئناف، وتحتمل أن تكون معطوفة على خبر إنهم. وقرئ: {ترى أعينهم} على البناء لما لم يسمّ فاعله {يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} المراد بآمنا أنشأنا الإيمان الخاص بهذه الأمة الإسلامية. والشاهدون: قال ابن عباس وابن جريج وغيرهما: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقالوا ذلك هم شهداء على سائر الأمم، كما قال تعالى: {لتكونوا شهداء على الناس} قال الزمخشري: وقالوا ذلك لأنهم وجدوا ذكرهم في الإنجيل كذلك، انتهى. وقال الطبري: معناه ولو قيل معناه {مع الشاهدين} بتوحيدك من جميع العالم من تقدم ومن تأخر لكان صواباً.
وقيل: مع الذين يشهدون بالحق.
وقال الزجاج المراد بالشاهدين الأنبياء، والمؤمنون، والكتابة في اللوح المحفوظ. وقيل: معناه أثبتنا من قولهم كتب فلان في الجند أي ثبت، و{يقولون} في موضع نصب على الحال، قاله ابن عطية وأبو البقاء، ولم يبينا ذا الحال ولا العامل فيها، ولا جائز أن يكون حالاً من الضمير في أعينهم لأنه مجرور بالإضافة لا موضع له من رفع ولا نصب إلا على مذهب من ينزل الخبر منزلة المضاف إليه، وهو قول خطأ، وقد بينا ذلك في كتاب منهج السالك من تأليفنا، ولا جائز أن يكون حالاً من ضمير الفاعل في {عرفوا} لأنها تكون قيداً في العرفان وهم قد عرفوا الحق في هذه الحال وفي غيرها، فالأولى أن تكون مستأنفة، أخبر تعالى عنهم بأنهم التبسوا بهذا القول، والمعنى أنهم عرفوا الحق بقلوبهم ونطقت به وأقرت ألسنتهم.
{وما لنا لا نؤمنُ بالله وما جاءنا من الحق} هذا إنكار واستبعاد لانتفاء الإيمان منهم مع قيام موجبه وهو عرفان الحق. قال الزمخشري والتبريزي: وموجب الإيمان هو الطمع في دخولهم مع الصالحين، والظاهر أن قولهم ذلك هو الظاهر لأنفسهم على سبيل المكالمة معها لدفع الوساوس والهواجس، إذ فراق طريقة وسلوك أخرى لم ينشأ عليها مما يصعب ويشق، أو قول بعض من آمن لبعض على سبيل التثبت أيضاً، أو قولهم ذلك على سبيل المحاجة لمن عارضهم من الكفار، لما رجعوا إليهم ولا موهم على الإيمان أي، وما يصدنا عن الإيمان بالله وحده. وقد لاح لنا الصواب وظهر الحق النير.
وروي عن ابن عباس أن اليهود أنكروا عليهم ولاموهم فأجابوهم بذلك و{لا نؤمن} في موضع الحال، وهي المقصودة وفي ذكرها فائدة الكلام، وذلك كما تقول: جاء زيد راكباً جواباً لمن قال: هل جاء زيد ماشياً أو راكباً، والعامل فيها هو متعلق به الجار والمجرور، أي: أي شيء يستقرّ لنا ويجعل في انتفاء الإيمان عنا، وفي مصحف عبد الله وما لنا لا نؤمن بالله وما أنزل علينا ربنا ونطمع وينبغي أن يحمل ذلك على تفسير قوله تعالى {وما جاءنا من الحق} لمخالفته ما أجمع عليه المسلمون من سواد المصحف.
{ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين} الأحسن والأسهل أن يكون استئناف إخبار منهم بأنهم طامعون في إنعام الله عليهم بدخولهم مع الصالحين، فالواو عاطفة جملة على جملة، و{ما لنا لا نؤمن} {لا} عاطفة على نؤمن أو على {لا} نؤمن ولا على أن تكون الواو واو الحال ولم يذكر ابن عطية غير هذا الوجه.
وقال الزمخشري: والواو في {ونطمع} واو الحال، والعامل في الحال معنى الفعل العامل في لا نؤمن، ولكن مفيداً بالحال الأولى لأنك لو أزلتها وقلت: وما لنا نطمع لم يكن كلاماً، انتهى.
وماذكره من أن الحالين العامل فيهما واحد وهو ما في اللام من معنى الفعل، كأنه قيل: أي شيء حصل لنا غير مؤمنين طامعين ليس بجيد، لأن الأصح أنه لا يجوز أن يقضي العامل حالين لذي حال واحد لا بحرف عطف إلا أفعل التفضيل، فالأصح أنه يجوز فيه ذلك، وذوا الحال هنا واحد وهو الضمير المجرور بلام لنا، ولأنه أيضاً تكون الواو دخلت على المضارع، ولا تدخل واو الحال على المضارع إلا بتأويل، فيحتاج أن يقدر: ونحن نطمع.
وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون {ونطمع} حالاً من {لا نؤمن} على أنهم أنكروا على أنفسهم لأنهم لا يوحدون الله، ويطمعون مع ذلك أن يصحبوا الصالحين، انتهى.
وهذا ليس بجيد لأن فيه دخول واو الحال على المضارع ويحتاج إلى تأويل.
وقال الزمخشري: وأن يكون معطوفاً على {لا نؤمن} على معنى وما لنا لا نجمع بين التثليث وبين الطمع في صحبة الصالحين أو على معنى: وما لنا لا نجمع بينهما بالدخول في الإسلام لأن الكافر ما ينبغي له أن يطمع في صحبة الصالحين، انتهى.
ويظهر لي وجه غير ما ذكروه وهو أن يكون معطوفاً على نؤمن على أنه منفي كنفي نؤمن، التقدير: وما لنا لا نؤمن ولا نطمع فيكون في ذلك إنكار لانتفاء إيمانهم وانتفاء طمعهم مع قدرتهم على تحصيل الشيئين: الإيمان والطمع في الدخول مع الصالحين و{مع} على بابها من المعية، وقيل: بمعنى في والصالحون أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس أو الرسول وأصحابه، قاله ابن زيد، أو المهاجرون الأولون، قاله مقاتل. وقيل: التقدير أن يدخلنا الجنة {فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين} ظاهره أن الإثابة بما ذكر مترتبة على مجرد القول، ولا بد أن يقترن بالقول الاعتقاد ويبين أنه مقترن به أنه قال: {مما عرفوا من الحق} فوصفهم بالمعرفة، فدل على اقتران القول بالعلم، وقال: {وذلك جزاء المحسنين} فإما أن يكون من وضع الظاهر موضع المضمر تنبيهاً على هذا الوصف بهم، وأنهم أثيبوا لقيام هذا الوصف بهم، وهو رتبة الإحسان، وهي التي فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» ولا إخلاص ولا علم أرفع من هذه الرتبة، وإما أن يكون أريد به العموم فيكونون قد اندرجوا في المحسنين على أن هذه الإثابة لم تترتب على مجرد القول اللفظي، ولذلك فسره الزمخشري بقوله بما قالوا بما تكلموا به من اعتقاد وإخلاص من قولك: هذا قول فلان أي اعتقاده وما يذهب إليه انتهى.
وفسروا هذا القول بقولهم: {وما لنا لا نؤمن بالله} والذي يظهر أنه عنى به قولهم {يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} لأنه هو الصريح في إيمانهم، وأما قوله: {لا نؤمن بالله} فليس فيه تصريح بإيمانهم، وإنما هو إنكار على انتفاء الإيمان منهم مع قيام موجبه، فلا تترتب عليه الإثابة.
وقرأ الحسن {فآتاهم} من الإيتاء بمعنى الإعطاء لا من الإثابة، والإثابة أبلغ من الإعطاء، لأنه يلزم أن يكون عن عمل بخلاف الإعطاء، فإنه لا يلزم أن يكون عن عمل ولذلك جاء أخيراً {وذلك جزاء المحسنين} نبه على أن تلك الإثابة هي جزاء، والجزاء لا يكون إلا عن عمل {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم} اندرج في {الذين كفروا وكذبوا} اليهود والنصارى وغيرهم لما ذكر ما للمؤمن ذكر ما أعد للكافر. {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} ذكروا سبب نزولها في قصة طويلة ملخصها أن جماعة من الصحابة عزموا على التقشف المفرط والعبادة المفرطة الدائمة من الصيام الدائم وترك إتيان النساء واللحم والودك والطيب ولبس المسوح والسياحة في الأرض وجبّ المذاكير، فنهاهم الرسول عن ذلك ونزلت.
وقيل: حرم عبد الله بن رواحة عشاه ليلة نزل به ضيف لكون امرأته انتظرته ولم تبادر إلى إطعام ضيفه، فحرمته هي إن لم يذقه، فحرمه الضيف، فقال عبد الله: قربي طعامك، كلوا بسم الله، فأكلوا جميعاً وأخبر الرسول بذلك، فقال «أحسنت». وقيل في سبب نزولها غير ذلك.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها هي أنه تعالى لما مدح النصارى بأن منهم قسيسين ورهباناً وعادتهم الاحتراز عن طيبات الدنيا ومستلذاتها أوهم ذلك ترغيب المسلمين في مثل ذلك التقشف والتبتل بيّن تعالى أنّ الإسلام لا رهبانية فيه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أنا فأقوم وأنام وأصوم وأفطر وآتي النساء وأنالُ الطيب، فمن رغب عن سنتي فليس مني». وأكل صلى الله عليه وسلم الدجاج والفالوذج وكان يعجبه الحلوى والعسل والطيبات هنا المستلذات من الحلال ومعنى لا تحرّموها لا تمنعوا أنفسكم منها لمنع التحريم ولا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهداً منكم وتقشفاً، وهذا هو المناسب لسبب النزول.
وقيل المعنى: لا تحرموا ما تريدون تحصيله لأنفسكم من الحلال بطريق غير مشروع كالغصب والربا والسرقة، بل توصلوا بطريق مشروع من ابتياع واتهاب وغيرهما.
وقيل معناه لا تعتقدوا تحريم ما أحلّه الله لكم.
وقيل: لا تحرّموا على نفسكم بالفتوى.
وقيل لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين لقوله: {لم تحرم ما أحل الله لك} وقيل: خلط المغصوب بالمملوك خلطاً لا يتميز منه فيحرم الجميع ويكون ذلك سبباً لتحريم ما كان حلالاً {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} هذا نهي عن الاعتداء فيدخل فيه جميع أنواع الاعتداء ولا سيما ما نزلت الآية بسببه.
قال الحسن: لا تجاوزوا ما حدّ لكم من الحلال إلى الحرام، واتبعه الزمخشري فقال: ولا تتعدوا حدود ما أحل الله لكم إلى ما حرم عليكم، وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وإبراهيم: لا تعتدوا بالخنا وتحريم النساء، وقال عكرمة أيضاً: لا تسيروا بغير سيرة الإسلام، وقال السدي وعكرمة أيضاً: هو نهي عن هذه الأمور المذكورة من تحريم ما أحل الله، فهو تأكيد لقوله {لا تحرموا} وقيل: ولا تعتدوا بالإسراف في تناول الطيبات كقوله: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} {وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً} تقدم تفسير مثلها في قوله: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً} {واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} تأكيد للوصية بما أمر به وزاده تأكيداً بقوله: {الذي أنتم به مؤمنون} لأن الإيمان به يحمل على التقوى في امتثال ما أمر به واجتناب ما نهي عنه.
{لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم الايمان} تقدم الكلام في تفسير نظير هذه الجملة، ومعنى {عقدتم} وثقتم بالقصد والنية، وقرأ الحرميان وأبو عمر بتشديد القاف، وقرأ الأخوان وأبو بكر بتخفيفها، وابن ذكوان بألف بين العين والقاف، وقرأ الأعمش بما عقدت الأيمان جعل الفعل للأيمان فالتشديد إما للتكثير بالنسة إلى الجمع، وأما لكونه بمعنى المجرد نحو قدّر وقدر، والتخفيف هو الأصل، وبالألف بمعنى المجرد نحو جاوزت الشيء وجزته، وقاطعته وقطعته، أي هجرته. وقال أبو علي الفارسي: عاقدتم يحتمل أمرين أحدهما أن يكون كطارقت النعل وعاقبت اللص، انتهى، وليس مثله لأنك لا تقول طرقت النعل ولا عقبت اللص بغير ألف، وهذا تقول فيه عاقدت اليمين وعقدت ياليمين، وقال الحطيئة:
قوم إذا عاقدوا عقداً لجارهم ***
فجعله بمعنى المجرد وهو الظاهر كما ذكرناه.
قال أبو علي: والأحرى أن يراد به فاعلت التي تقتضي فاعلين كأن المعنى بما عاقدتم عليه الأيمان عداه بعلى لما كان بمعنى عاهد، قال: بما عاهد عليه الله كما عدى {ناديتم إلى الصلاة} بإلى، وبابها أن تقول ناديت زيداً {وناديناه من جانب الطور الأيمن} لما كانت بمعنى دعوت إلى كذا قال مما دعا إلى الله ثم اتسع فحذف الجار ونقل الفعل إلى المفعول، ثم المضمر العائد من الصلة إلى الموصول، إذ صار بما عاقدتموه الأيمان، كما حذف من قوله {فاصدع بما تؤمر} انتهى، وجعل عاقد لاقتسام الفاعلية والمفعولية لفظاً والاشتراك فيهما معنى بعيد إذ يصير المعنى أن اليمين عاقدته كما عاقدها إذ نسب ذلك إليه وهو عقدها هو على سبيل الحقيقة، ونسبة ذلك إلى اليمين هو على سبيل المجاز لأنها لم تعقده بل هو الذي عقدها. وأما تقديره بما عاقدتم عليه وحذف حرف الجر، ثم الضمير على التدريج الذي ذكره فهو أيضاً بعيد، وليس تنظيره ذلك بقوله {فاصدع بما تؤمر} بسديد لأن أمر يتعدى بحرف الجر تارة وبنفسه تارة إلى المفعول الثاني وإن كان أصله الحذف تقول أمرتُ زيداً الخير، وأمرته بالخير، ولأنه لا يتعين في {فاصدع بما تؤمر} أن تكون ما موصولة بمعنى الذي، بل يظهر أنها مصدرية فلا يحتاج إلى عائد، وكذلك هنا الأولى أن تكون ما مصدرية، ويقوي ذلك ويحسنه المقابلة بعقد اليمين للمصدر الذي هو باللغو في أيمانكم، لأن اللغو مصدر، فالأولى مقابلته بالمصدر لا بالموصول.
وقال الزمخشري: والمعنى: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم، فحذف وقت المؤاخذة، لأنه كان معلوماً عندهم أو بنكث ما عقدتم، فحذف المضاف انتهى؛ واليمين المنعقدة بالله أو بأسمائه أو صفاته.
وقال الإمام أحمد: إذا حلف بالنبيّ صلى الله عليه وسلم انعقدت يمينه لأنه حلف بما لم يتم الإيمان إلا به، وفي بعض الصفات تفصيل. وخلاف ذكر في الفقه.
{فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم} الكفارة الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها، والضمير في «فكفارته» عائد على ما إن كانت موصولة اسمية، وهو على حذف مضاف كما تقدم، وإن كانت مصدرية عاد الضمير على ما يفهم من المعنى وهو إثم الحنث وإن لم يجر له ذكر صريح لكن يقتضيه المعنى، ومساكين أعمّ من أن يكونوا ذكوراً أو إناثاً أو من الصنفين، والظاهر تعداد الأشخاص، فلو أطعم مسكيناً واحداً لكفارة عشرة أيام لم يجزه، وبه قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة يجزئ، وتعرّضت الآية لجنس ما يطعم منه وهو من أوسط ما تطعمون ولم تتعرض لمقدار ما يطعم كل واحد هذا الظاهر، وقد رأى مالك وجماعة أن هذا التوسط هو في القدر، وبه قال عمر وعليّ وابن عباس ومجاهد، ورأى جماعة أنه في الصنف، وبه قال ابن عمر والأسود وعبيدة والحسن وابن سيرين، وقال ابن عطية: الوجه أن يطعم بلفظ الوسط القدر والصنف؛ انتهى.
وروي عن زيد بن ثابت وابن عباس والحسن وعطاء وابن المسيب مدّ لكلّ مسكين بمدّ الرسول، وبه قال مالك والشافعي، وروي عن عمر وعليّ وعائشة نصف صاع من برّ أو صاع من تمر، وبه قال أبو حنيفة، والظاهر أنه لا يجزئ إلا الإطعام بما فيه كفاية وقتاً واحداً يسدّ به الجوعة، فإن غداهم وعشاهم أجزأه، وبه قال عليّ ومحمد بن كعب والقاسم وسالم والشعبي وإبراهيم وقتادة والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومالك، وقال ابن جبير والحكم والشافعي: من شرط صحة الكفارة تمليك الطعام للفقراء، فإن غدّاهم وعشاهم لم يجزه، والظاهر أنه لا يشترط الإدام، وقال ابن عمر: أوسط ما يطعم الخبز والتمر والخبز والزبيب وخير ما نطعم أهلينا الخبز واللحم وعن غيره الخبز والسمن، وأحسنه التمر مع الخبز، وروي عن ابن مسعود مثله، وقال ابن حبيب: لا يجزئ الخبز قفاراً ولكن بإدام زيت أو لبن أو لحم ونحوه، والظاهر أن المراعي ما يطعم أهليه الذين يختصون به، أي من أوسط ما يطعم كل شخص شخص أهله، وقيل المراعي عيش البلد، فالمعنى من أوسط ما تطعمون أيها الناس أهليكم في الجملة من مدينة أو صقع، و{من أوسط} في موضع مفعول ثان لإطعام، والأول هو {عشرة مساكين} أي طعاماً من أوسط والعائد على {ما} من {تطعمون} في موضع محذوف أي تطعمونه وقرأ الجمهور {أهليكم} وجمع أهل بالواو والنون شاذّ في القياس.
وقرأ جعفر الصادق {أهاليكم} جمع تكسير وبسكون الياء، قال ابن جني: أهال بمنزلة ليال، واحدها أهللة وليلاة، والعرب تقول: أهل وأهلة ومنه قوله:
وأهلة ودّ قد سريت بودّهم ***
وقال الزمخشري والأهالي اسم جمع لأهل كالليالي في جمع ليلة والأراضي في جمع أرض، وأما تسكين الياء في أهاليكم فهو كثير في الضرورة، وقيل في السعة كما قال زهير:
يطيع العوالي ركبت كل لهدم ***
شبهت الياء بالألف فقدرت فيها جميع الحركات.
{أو كسوتهم} هذا




البحث


كلمات متتالية كلمات متفرقة




موضوعات القرآن
  • الإيمان
  • العلم
  • العبادات
  • أحكام الأسرة
  • المعاملات
  • الحدود والجنايات
  • الجهاد
  • الأطعمة والأشربة
  • أحكام الجنائز
  • الأخلاق
  • تكريم الله للإنسان
  • القصص والتاريخ
  • الأمثال