فصل: عيد الفطر وعيد الأضحى

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: آداب الصيام وأحكامه **


 الفصل الثامن‏:‏ أحكام العيدين

 عيد الفطر وعيد الأضحى

 أعياد المسلمين وحكم الاحتفال والتهنئة بأعياد الكفار

العيد‏:‏ اسم لما يعود ويتكرر، إما بعود الأسبوع أو الشهر أو السنة، من الاجتماع العام على وجه مخصوص، وأكثر ما يطلق على أيام الفرح والسرور والأنبساط، ولهذا يقول بعض السلف‏:‏ كل يوم يمر بك وأنت في طاعة وعباده فهو لك عيد‏.‏

وفي ذلك يقول بعضهم شعراً‏:‏

عيدي مقيم وعيد الناس منصرف **والقلب مني عن اللذات منحرف

ولي قرينان مالي منهما خلــف **طول الحنين وعين دمعها يكـف

فأعياد المسلمين ثلاثة‏:‏

* عيد يتكرر كل أسبوع وهو يوم الجمعة‏.‏

* وعيد يحتفلون بعد إكمال صومهم‏.‏

* وعيد وقت موسم حجهم ونسكهم‏.‏

فشرع الله لهم بعد إكمال صلاتهم المكتوبة سبعة أيام أن يكون السابع يوم الجمعة، وهو عيد لهم، ولكنه يوم عبادة يجتمعون فيه ويؤدون فيه صلاة خاصة، تجمع أهل البلد كلهم، وفيه يستمعون إلى الخطب والنصائح والمواعظ، ويلتقي بعضهم ببعض، ويتبادلون التحية والسلام، ويتفقدون أحوال إخوانهم، ويطمئن بعضهم على صحة إخوته، ويتعرفون أحوال المرضى والمعوزين، ويخفف بعضهم عن بعض، ونحوذلك من المصالح الكبيرة التي تترتب على هذا الاجتماع والتلاقي‏.‏

كما شرع لهم بعد إكمال صومهم وما معه من العبادات التي يتقربون بها إلى ربهم في شهر رمضان، أن يكون اليوم الذي بعده عيداً لهم، يظهرون فيه الفرح والسرور، ويتبادلون التهنئة والتبريك، بإكمال صومهم، وإدراك يوم عيد الفطر الذي يسمى يوم الجوائز؛ حيث يحصلون على جوائز المغفرة والرحمة والعتق من النار، وليس هو يوم أشر وبطر وسهو ولهو وغناء وزمر وباطل، ولهذا يٌفتتح بصلاة العيد التي فيها المواعظ والنصائح، وفيها إظهار التكبير والتسبيح، امتثالاً لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولتكبروا الله على ما هداكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏185‏]‏‏.‏

وشرع العيد الثاني السنوي وقت أداء المناسك الخاصة بالحرم المكي، وبعد إكمال العشر الأول من شهر ذي الحجة التي يشرع فيها التعبد والذكر والدعاء والعمل الصالح، وفي آخرها أيام ذبح الأنساك والقرابين، فناسب أن يكون اليوم العاشر يوم عيد لجميع المسلمين في جميع البلاد، يتقربون فيه بذبح الأضاحي، ويؤدون فيه صلاة العيد وخطبتيه، وينصتون لما فيهما من المواعظ والتعليمات، فهذه أعياد المسلمين‏.‏

فأما أعياد الكفار‏:‏ فهي خاصة بهم، كيوم النيروز، ويوم المهرجان، وعيد المولد، أو رأس السنة الميلاد، ومثلها ما أحدثه بعض المسلمين‏:‏ كالمولد النبوي ونحوه، فهي أعياد تخصهم، وقد برئ الإسلام منها ومن أهلها، وعلى هذا فلا تجوز مشاركتهم فيها، سواء في عيد الأسبوع كالسبت لليهود والأحد للنصارى، أو أعياد السنة المعروفة عندهم، فيحرم على المسلم الاحتفال بها لكونها مبتدعة أو منسوخة، ولا تجوز تهنئتهم ولا التبريك لهم، ولا إظهار الفرح بتلك الأعياد، ولا الأكل من أطعمتهم أو ما يقدمون لزملائهم من فواكه وحلوى ونحوذلك، لما فيه من الرضا بتلك الأعياد المبتدعة والإقرار بها‏.‏

 من أحكام العيد

أولاً‏:‏ حكم صلاة العيد‏:‏

قد اختلف في حكم صلاة العيد‏:‏

فذهب بعض العلماء إلى أنها فرض عين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم داوم على فعلها وأكدها، وكان يأمر أصحابه بالخروج إليها، ويسقط بفرضها صلاة الجمعة عمن أدركها إذا اجتمع العيد والجمعة‏.‏ ولأنه أمر أن يخرج لها النساء، حتى العواتق وذوات الخدور، وحتى الحيض من النساء، وذلك مما يدل على فرضيتها على الأفراد المكلفين‏.‏

وذهب آخرون إلى أنها سنة مؤكدة؛ لأن الفرض قد اختص بالصلوات الخمس، ولقوله لمن قال‏:‏ هل عليَّ غيرها‏؟‏ قال‏:‏ لا إلا أن تطوع فيدخل في التطوع صلاة العيد؛ لأنها زائدة على الخمس‏.‏

وذهب بعضهم إلى أنها فرض كفاية، ولعله الأرجح فتجب على أهل كل بلد، ولا تلزم جميع الأفراد؛ لأنها من شعائر الإسلام، وتفعل علانية، ويتبعها خطبة وتعليم وأحكام، فإذا قام بها من يكفي حصل المقصود‏.‏

ثانياً‏:‏ من سنن ومستحبات صلاة العيد‏:‏

لصلاة العيد سنن ومستحبات كثيرة‏:‏

منها‏:‏ التجمل لها ولبس أحسن الثياب، فقد عرض عمر حلة عطارد على النبي صلى الله عليه وسلم ليتجمل بها للعيد والوفود، إلا أنه ردها؛ لأنها من الحرير فقد كان له حلة يلبسها في العيد والجمعة‏.‏

ومنها‏:‏ شرعية الأكل تمرات وتراً قبل صلاة عيد الفطر، ليتحقق الإفطار، ولا يأكل في عيد النحر حتى يأكل من أضحيته إن ضحى‏.‏

ومنها‏:‏ شرعية الخروج إلى الصلاة ماشياً، حتى تكتب له خطواته ذهاباً وإياباً ‏[‏عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ من السنة أن تخرج إلى العيد ماشياً، وأن تأكل شيئاً قبل أن تخرج أخرجه الترمذي برقم 530‏]‏‏.‏

ومنها‏:‏ مخالفة الطريق بأن يرجع مع غير الطريق الذي ذهب معه، ولعل ذلك لتكثير مواضع العبادة، أو لغير ذلك‏.‏

ومنها‏:‏ صلاة العيد في الجبانة خارج البلد، فلا تُصلى في المسجد الجامع إلا لعذر كمطر ونحوه، أو للعجزة والضعفاء‏.‏

ومنها‏:‏ شرعية الاغتسال قبل الخروج، كما يشرع للجمعة، وكذا الطيب والتنظف لإزالة الروائح الكريهة‏.‏

ومنها‏:‏ شرعية التكبير في موضع الصلاة وفي الطريق إليه، ورفع الصوت به، امتثالاً لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏185‏]‏ فيسن للمسلمين إظهار التكبير والجهر به، فهو من شعائر ذلك اليوم، وصفته‏:‏

‏[‏الله أكبر الله أكبر الله أكبر،لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد‏]‏‏.‏

وإن شاء قال‏:‏

‏[‏الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلا‏.‏ وتعالى الله جباراً قديراً، وصلى الله على محمد النبي وسلم تسليماً كبيراً‏]‏، أو نحوذلك من التكبير‏.‏

ويكبر كل فرد وحده، ولا يجوز التكبير الجماعي الذي هو اجتماع جماعة على التكبير بصوت واحد ووقت واحد، لكن من لا يعرف صيغة التكبير لجهل أو عجمة يجوز له متابعة بعض من يكبر حتى يتعلم‏.‏

ومنها‏:‏ شرعية تقديم الصلاة قبل الخطبة، ولوخرج أو انصرف البعض، فإن المحافظة على السنة أولى من جبس الناس لأجل استماع الخطبة، مع المخالفة لما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن خلفائه الراشدين، ففي اتباع السنة خير كثير والله الموفق‏.‏

ثالثاً‏:‏ من آداب العيد‏:‏

يوم العيد هو يوم فرح للمسلمين وسرورهم، ففيه يتجملون ويلبسون أحسن الثياب، وفيه يتزاورون ويتبادلون التهاني والتبريك بهذا اليوم المبارك، ويدعون ربهم أن يعيد عليهم من بركاته، وأن يعود عليهم مرات بعد مرات، وهم في غاية النصر والتمكين والهناء، والعيش الرغيد والحياة السعيدة، وفيه يعودون المرضى ويتواصلون الأرحام، ويجتمع الأقارب ويتلاقون بعد طول الغيبة‏.‏

ويجوز فيه إظهار شيء من الفرح والمرح واللهو المباح، ففي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث وليستا بمغنيتين، فاضطجع على الفراش وحوَّل وجهه، ودخل أبوبكر فانتهرني، وقال‏:‏ أمزامير الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك في يوم عيد‏.‏ فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ دعهما يا أبا بكر، إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا‏.‏ فدل على أنه يباح لمثل عائشة سماع شيء من الشعر الذي فيه ترويح عن النفس وجلب للفرح والانبساط إذا لم يكن فيه شيء من التمطيط والتكسير والتهييج بما يثير الغرائز ويدفع إلى اقتراف الفواحش، ولهذا قالت‏:‏ وليستا بمغنيتين أي ليستا ممن يعرف الغناء الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن، كالذي فيه وصف الخدود والقدود والخمر ونحوذلك‏.‏

وفي الصحيح أيضاً عنها قالت‏:‏ وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ تشتهين تنظرين فقلت‏:‏ نعم، فأقامني وراءه خدي على خده، وهو يقول‏:‏ دونكم يا بني أرفدة، حتى إذا مللت قال‏:‏ حسبك، قلت‏:‏ نعم، قال‏:‏ فاذهبي قالت‏:‏ فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو ‏.‏ رواه سالبخاري في عدة مواضع، وهو دليل على جواز اللعب بالسلاح على طريق التواثب للتدرب على الحرب والتنشيط عليه، لما فيه من تمرين الأيدي على آلات الحرب، وفيه أن للعيد خصوصية بمثل هذا التدرب والتمرن على آلات الحرب وتعلم كيفية حملها‏.‏

رابعاً‏:‏ صفة صلاة العيد‏:‏

لا خلاف أنها صلاة معتادة، يشترط لها الطهارة وسائر شروط الصلاة، إلا أنها لا يؤذن لها ولا يقام، بل يكتفى بمعرفة وقتها، وهو بعد خروج وقت النهي، أي بعد ارتفاع الشمس قيد رمح، ويخرج بزوال الشمس، فإن لم يعلموا بالعيد إلا بعد وقتها صلوها من الغد قضاء‏.‏

ولا خلاف أن صلاة العيد ركعتان، إلا أنه يفتتح الأولى بسبع تكبيرات، والثانية بخمس تكبيرات غير تكبيرة القيام، ويرفع يديه مع كل تكبيرة، ويقول بين كل تكبيرتين من الزوائد‏:‏

‏[‏الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً‏]‏‏.‏

وإن أحب قال‏:‏ ‏[‏سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر‏]‏‏.‏

ويقرأ بعد التكبيرات بالفاتحة وسورة، والمستحب أن يقرأ بسبح والغاشية، أو يقرأ بقاف واقتربت الساعة، ويجهر بالقراءة‏.‏

وإذا سلم خطب خطبتين يجلس بينهما كما في الجمعة، يحثهم في الفطر على صدقة الفطر وعلى العمل في ذلك، ويبين لهم في الأضحى أحكام الأضحية وسنتها‏.‏

وفي الصحيح عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب فقال‏:‏ ‏(‏إن أول ما نبدأ من يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل فقد أصاب سنتنا‏)‏ وفي حديث أنس‏:‏ ‏(‏من ذبح قبل الصلاة فليعد‏)‏‏.‏ وفي حديث البراء‏:‏ ‏(‏من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له‏)‏‏.‏ والنسك هو ‏:‏ ذبح الأضحية‏.‏

وفي حديث أبي سعيد عند البخاري‏:‏ ‏(‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثاً قطعه، أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف‏)‏‏.‏

ولم يكن يصلي قبل صلاة العيد في موضعها لا قبلها ولا بعدها، لكن إن صليت في المسجد الجامع جاز أن يصلي قبلها ركعتين كتحية للمسجد، لكن السنة الصلاة خارج البلد‏.‏ ولم يتخذ النبي صلى الله عليه وسلم منبراً في مصلى العيد، وإنما كان يخرج بالحربة فتركز قدامه كسترة‏.‏

ويشرع لمن فاتته أن يقضيها، فقد ذكر البخاري عن أنس أنه أمر مولاه فجمع أهله وبنيه وصلى بهم كصلاة أهل المصر وتكبيرهم، وقال عطاء‏:‏ إذا فاته العيد صلى ركعتين‏.‏

خامساً‏:‏ الفرق بين صلاة عيد الفطر وصلاة عيد الأضحى‏:‏

ليس هنا فرق في نفس الصلاة، فكل منهما تُصلى ركعتين، وفيهما التكبيرات الزوائد وما يقال بينها‏.‏

لكن يُسن في الفطر أن يأكل قبلها تمرات وتراً، ولا يأكل في الأضحى إن ضحى، حتى يأكل من أضحيته‏.‏

ويُسن التبكير بصلاة الأضحى لأجل الاشتغال بالأضاحي، وعكسه الفطر فيؤخرها قليلاً ليتمكنوا من الأكل، ومن التأهب للصلاة بالنظافة والتجمل‏.‏

وأما في الخطبة‏:‏ فإنه في الفطر يذكرهم بفضل ذلك اليوم، وأنه يوم الجوائز، وفيه ينصرف المقبولون قد غفر لهم، يرشدهم إلى الطاعات ويحثهم على الاستكثار من صالح الأعمال، ويحذرهم من المعاصي ويبين لهم آثارها‏.‏

أما في الأضحى‏:‏ فإنه يذكر لهم حكم الأضحى وأصلها وفضلها، وما يجزئ فيها وما لا يجزئ، ووقت الذبح وكيفية التوزيع للحم، ويرشدهم أيضاً إرشادات عامة بهذه المناسبة‏.‏

سادساً‏:‏ حكم خروج النساء لصلاة العيد‏:‏

في الصحيح عن أم عطية قالت‏:‏ ‏(‏أمرنا أن نخرج العواتق وذوات الخدور، ويعتزل الحيض المصلى‏)‏‏.‏ وعن جابر رضي الله عنه قال‏:‏ ‏(‏قام النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفطر فصلى فبدأ بالصلاة ثم خطب، فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكرهن وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه يُلقي فيه النساء الصدقة‏.‏‏.‏ صدقة يتصدقن حينئذ‏:‏ تُلقي فتخها ويلقين، قلت‏:‏ أترى حقاً على الإمام ذلك ويذكرهن‏؟‏ قال‏:‏ إنه لحق عليهم، وما لهم لا يفعلونه‏)‏‏؟‏‏.‏

وفي الصحيح عن ابن عباس قال‏:‏ ‏(‏خرج النبي صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إليه حين يُجَلِّسَ بيده، ثم أقبل يشقُّهم حتى جاء النساء معه بلال، فقال‏:‏ ‏{‏يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك‏}‏ ‏[‏الممتحنة‏:‏12‏]‏‏.‏ ثم قال حين فرع منها‏:‏ آنتن على ذلك‏؟‏ قالت امرأة منهن‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فتصدقن فبسط بلال ثوبه، ثم قال‏:‏ هلم لكن فداء أبي وأمي، فيلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال‏.‏ وفي رواية قال‏:‏ تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار، تكثرن اللعن وتكفرن العشير‏)‏‏.‏

وفي حديث أم عطية قالت‏:‏ ‏(‏يا رسول الله على إحدانا بأس إذا لم يكن لها جلباب أن لا تخرج‏؟‏ فقال‏:‏ لتلبسها صاحبتها من جلبابها، فليشهدن الخير ودعوة المسلمين‏)‏‏.‏ وفي رواية‏:‏ ‏(‏ليخرج العواتق وذوات الخدور والحيض، ويعتزل الحيض المصلى، وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين‏)‏‏.‏

وهذه الروايات في الصحيحين أو أحدهما، وكلها تفيد استحباب خروج النساء حتى الحيض، ولكن لابد أن تؤمن الفتنة، وأن لا يخرجن بلباس جمال وزينة ظاهرة، فقد قالت عائشة رضي الله عنها‏:‏ لورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدثه النساء لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل ‏.‏

ولعل ذلك ما يلبسنه من الثياب وما يبدومنهن من الزينة والجمال، فقد ورد في الإذن للنساء بالصلاة في المساجد قوله‏:‏ وليخرجن تفلات‏.‏

ولا شك أن الأمر قد تفاقم، وقد تضاعف ما كان في وقت عائشة، وكثر في نساء هذا الوقت المباهاة في الحلي، وإبداء الزينة، وإظهار المحاسن، فالله المستعان‏.‏

 منكرات تقع في يوم العيد

1- إحياء ليلة العيد‏:‏

لا شك أن إحياء الليل بالصلاة والقراءة والتعبد والدعاء والتضرع عبادة وقربة، قد ندب الله إليه وحث عليه في آيات كثيرة، وأن قيام ليالي رمضان من أسباب المغفرة وكذا قيام ليلة القدر‏.‏

فأما ليلة العيد فلم يرد في إحيائها فضل، ولا حث الشرع على تخصيصها بقيام أو قراءة، فمن خصها بالإحياء وحدها دون ما قبلها وما بعدها فقد ابتدع وشرع من الدين ما لم يأذن به الله، لاعتقاده أنه سبق الصحابة وأهل السنة، وتفوق على سلف الأمة، فيدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد‏.‏ أي مردود عليه‏.‏

لكن إذا كان الرجل من عادته قيام الليل طوال السنة أو أكثرها، فإن ليلة العيد تدخل في ذلك‏.‏

- اختلاط النساء بالرجال في مصلى العيد وغيره‏:‏

وهذا من المنكر الذي يجب السعي في إزالته، لما فيه من إثارة الفتنة والدعوة إلى اقتراف الفاحشة، فإنَّ قُرْبَ المرأة من الرجال مما يلفت أنظارهم نحوها، مهما حاولوا التعفف والصدود، فإنه يقع في الغالب من ينظر إلى النساء أو يحاول القرب منهن والاحتكاك بهن، ثم مخاطبتهن ومبادلتهن الكلام إن تمكن من ذلك، كما يحصل من الاختلاط في الأسواق والمستشفيات وغيرها‏.‏

فالواجب الفصل بين الرجال والنساء، وأن يجعل لهن مواضع تخصهن، وأبواب يدخلن ويخرجن معها، سيما في الحرمين الشريفين، وقد تقدم قول عائشة رضي الله عنها‏:‏ لوشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لو رأى ما أحدثه النساء لمنعهن المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل أي من الزينة واللباس والطيب والجمال الذي يفتن الرجال إلا من حفظه الله‏.‏

3- الاجتماع على الغناء والرقص وبعض المعاصي لإظهار الفرح‏:‏

هناك من يجعل يوم العيد والأيام بعده أيام لهو ولعب وغناء وطرب، ويجتمع الخلق الكثير ويعملون ولائم وينفقون الأموال الطائلة في إصلاح الأطعمة، ويسرفون في ما يصرفونه من الأموال في اللحوم والفواكه وأنواع المآكل التي يعدونها للمغنين وأهل الزمر واللهو ، ويستعملون الضرب بالطبول وإنشاد الأغاني الملحنة الفاتنة، وما يصحبها من التمايل والطرب، ويستمر بهم هذا الفعل بضعة أيام، حتى إنهم يسهرون أكثر الليل ويفوتون صلاة الصبح في وقتها وجماعتها‏.‏

ولا شك أن هذه الأفعال تدخل في التحريم، وتجر إلى مفاسد ما أنزل الله بها من سلطان، وتدخل في اللهو الذي عاب الله أهله بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن الناس من يشتري لهو الحديث‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏6‏]‏‏.‏ وفي الوصف الذي ذم الله به أهل النار بقوله‏:‏ ‏{‏الذين اتخذوا دينهم لهو اً ولعباً وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏51‏]‏‏.‏

فننصح من يريد نجاة نفسه أن يربأ بها عن هذه الملاهي، وأن يحرص على حفظ وقته فيما ينفعه، وأن يبتعد عن المعاصي والمخالفات، وأن لا يقلد أهل اللهو والباطل ولوكثروا أو كبرت مكانتهم‏.‏

وقد تقدم إباحة التدرب على السلاح وتعلم الكر والفر وما يعين على الجهاد، كما فعل الحبشة في المسجد في يوم عيد لقصد حسن، وليس معه غناء ولا ضرب طبول ولا قول محرم والله أعلم‏.‏

- الفرح بالعيد لأنهم تركوا رمضان‏:‏

يعتقد كثير من الناس أن شرعية العيد بعد رمضان عبارة عن الفرح بخروجه والتخلص منه، لأنه يحول بينهم وبين ملذاتهم ومشتهياتهم، ويفطمهم عن عاداتهم النفسية التي مرنت عليها نفوسهم، واعتادتها أهواؤهم طوال العام، فهم يعتبرونه شهر حبس وحيلولة بينهم وبين ما يشتهون، وقد يستشهد بعضهم بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وحيل بينهم وبين ما يشتهون‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏54‏]‏‏.‏

قال ابن رجب في لطائف المعارف في الكلام على النهي عن صوم آخر شعبان قال‏:‏ ولربما ظن بعض الجهال أن الفطر قبل رمضان يراد به اغتنام الأكل لتأخذ النفوس حظها من الشهوات قبل أن تمنع من ذلك بالصيام، ولهذا يقولون هي أيام توديع للأكل، وتسمى تنحيساً واشتقاقه من الأيام النحسات‏.‏‏.‏ وذكر أن أصل ذلك من النصارى، فإنهم يفعلونه عند قرب صيامهم، وهذا كله خطأ وجهل ممن ظنه، ولربما لم يقتصر كثير منهم على الشهوات المباحة، بل يتعدى إلى المحرمات، وهذا هو الخسران المبين، وأنشدهم لبعضهم‏:‏

إذ العشرون من شعبان ولت **فواصل شرب ليلك بالنهــار

ولا تشرب بأقداح صغـار **فإن الوقت ضاق على الصغار

وقال آخر‏:‏

جاء شعبان منذراً بالصيـام **فاسقياني راحاً بماء الغمــام

ومن كانت هذه حاله فالبهائم أعقل منه، وله نصيب من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏170‏]‏ ، وربما تكره كثير منهم بصيام رمضان، حتى إن بعض السفهاء من الشعراء كان يسبه، وكان للرشيد ابن سفيه فقال مرة شعراً‏:‏

دعاني شهر الصوم لا كان من شهر **ولا صمت شهراً بعـده آخر الدهر

فلوكان يعديني الأنام بقـدرة **على الشهر لاستعديت جهدي على الشهر

فأخذه داء الصرع فكان يصرع في كل يوم مرات متعددة، ومات قبل أن يدركه رمضان آخر‏.‏

وهؤلاء السفهاء يستثقلون رمضان لاستثقالهم العبادات فيه، فكثير منهم لا يصلون إلا في رمضان، ولا يجتنب كبائر الذنوب إلا فيه، فيشق على نفسه مفارقتها لمألوفها، فهو يعد الأيام والليالي ليعود إلى المعصية، ومنهم لا يقوى على الصبر عن المعاصي فهو يواقعها في رمضان أ‏.‏ هـ‏.‏ هكذا ذكر ابن رجب رحمه الله عن أهل زمانه ومن قبلهم‏.‏

ولا شك أن الدين يزداد غربة والأمر في شدة، والكثير من هؤلاء الذين يتوقفون ظاهراً عن مألوفاتهم يفرحون بانقضاء الشهر وانصرافه، فالعيد عندهم يوم فرحتهم برجوعهم إلى دنياهم وملاهيهم ومكاسبهم المحرمة أو المكروهة، فأين هؤلاء ممن يحزنون ويستاؤون لاقضاء الشهر‏؟‏‏!‏، بل من الذين يجعلون السنة كلها صيام وقيام وعبادات وقربات، ويحمون أنفسهم عن جميع الملذات فضلاً عن المحرمات‏؟‏‏!‏‏!‏ فالله يرحمهم فما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل‏:‏

نزلوا بمكة في قبائل هاشم ** ونزلت بالبيداء أبعد منزل

 الخاتمة

وداعاً يا شهر التوبة

ورد في الحديث أن صيام رمضان سبب لمغفرة الذنوب، وكذا قيامه، وقيام ليلة القدر، والصحيح أن المغفرة تختص بالصغائر، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر‏)‏ رواه مسلم والجمهور على أن الكبائر لا بد لها من توبة‏.‏

ثم إن العبد بعد فراق رمضان وقد كُفِّرت عنه سيئاته، يجب عليه أن يحافظ على الصالحات، ويحفظ نفسه عن المحرمات، وتظهر عليه آثار هذه العبادات في بقية حياته، فذلك من علامات قبول صيامه وقيامه وقرباته، فإذا كان بعد رمضان يحب الصلوات ويحافظ على الجمع والجماعات، ويكثر من نوافل الصلاة، ويصلي من الليل ما قدر له، ويُعِّود نفسه على الصيام تطوعاً، ويكثر من ذكر الله تعالى ودعائه واستغفاره، وتلاوة القرآن الكريم وتدبره وتعقله، ويتعاهد الصدقة، ويصل أرحامه ويبر أبويه، ويؤدي ما عليه من الحقوق لربه وللعباد، ويحفظ نفسه ويصونها عن الآثام وأنواع الجرائم، وعن جميع المعاصي وتنفر منها نفسه، ويستحضر دائماً عظمة ربه ومراقبته وهيبته في كل حال، إذا كان كذلك بعد رمضان، فإنه دليل قبول صيامه وقيامه، وتأثره بما عمل في رمضان من الصالحات والحسنات‏.‏

ومع ذلك فإن صفة الصالحين وعباد الله المتقين الحزن والأسى على تصرم الأيام الشريفة، والليالي الفاضلة، كليالي رمضان، وهذه صفة السلف الصالح وصدر هذه الأمة رحمهم الله تعالى، فلقد يحزنون لانصراف رمضان، ومع ذلك يدأبون في ذكره، فيدعون الله ستة أشهر أن يتقبله منهم، ثم يدعونه ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، فتكون سنتهم كلها في ذكر هذا الشهر، فهو دليل على عظم موقعه في نفوسهم، ويقول قائلهم‏:‏

سلام من الرحمن كل أو ان على خير شهر قد مضى وزمان

سلام على شهر الصيام فإنه أمــان من الرحمن كل أمــان

لئن فنيت أيامك الغر بغتة فما الحزن من قلبي عليك بفان

لقد ذهبت أيامه وما أطعتم‏.‏

وكتبت عليكم فيه آثامه وما أضعتم‏.‏

وكأنكم بالمشمرين وقد وصلوا وانقطعتم‏.‏

أترى ما هذا التوبيخ لكم‏؟‏‏!‏

أو ما سمعتم قلوب المتقين إلى هذا الشهر تحن‏؟‏‏!‏ ومن ألم فراقه تئن‏؟‏

كيف لا تجري للمؤمن على فراقه دموع‏؟‏‏!‏ وهو لا يدري هل بقي له في عمره إليه رجوع‏!‏

شعر‏:‏

تذكر أياماً مضت وليالياً ** خلت فجرت من ذكرهن دموع

أين حرق المجتهدين في نهاره‏؟‏‏!‏

أين قلق المتهجدين في أسحاره‏؟‏‏!‏

فكيف حال من خسر في أيامه ولياليه‏؟‏‏!‏

ماذا ينفع المفرط فيه بكاؤه وقد عظمت فيه مصيبته وجل عزاؤه‏؟‏‏!‏‏!‏

كم نصح المسكين فما قبل النصح‏؟‏‏!‏

كم دعى إلى المصالحة فما أجاب إلى الصلح‏؟‏‏!‏

كم شاهد الواصلين فيه وهو متباعد‏؟‏‏!‏

كم مرت به زمر السائرين وهو قاعد‏؟‏‏!‏

حتى إذا ضاع الوقت وخاف المقت ندم على التفريط حين لا ينفع الندم‏.‏

وطلب الاستدراك في وقت العدم‏.‏

دموع المحبين تدفق‏.‏

قلوبهم من ألم الفراق تشقق‏.‏

عسى وقفة للوداع تطفي من نار الشوق ما أحرق‏.‏

عسى توبة ساعة وإقلاع ترفوا من الصيام ما تخرق‏.‏

عسى منقطع عن ركب المقبولين يلحق‏.‏

عسى أسير الأوزار يطلق‏.‏

عسى من استوجب النار يعتق‏.‏

لا شك أن شهر رمضان أفضل الشهور، فقد رفع الله قدره وشرفه على غيره، وجعله موسماً للخيرات، وجعل صيامه وقيامه سبباً لمغفرة الذنوب وعتق الرقاب من النار‏.‏

فتح فيه أبوابه للطالبين، ورغب في ثوابه المتقين‏.‏

فالظافر من اغتنم أوقاته، واستغل ساعاته، والخاسر من فرط في أيامه حتى فاته‏.‏

جعله الله مطهراً من الذنوب وساتراً للعيوب وعامراً للقلوب‏.‏

فيه تعمر المساجد بالقرآن والذكر والدعاء والتهجد‏.‏

وتشرق فيها الأنوار وتستنير القلوب‏.‏