فصل: التفسير

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أصول في التفسير **


 التفسير

التفسير لغة‏:‏ من الفسر، وهو‏:‏ الكشف عن المغطى

وفي الاصطلاح‏.‏ بيان معاني القرآن الكريم‏.‏

وتعلم التفسير واجب لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏29‏]‏ ولقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏24‏]‏

وجه الدلالة من الآية الأولى أن الله تعالى بين أن الحكمة من إنزال هذا القرآن المبارك؛ أن يتدبر الناس آياته، ويتعظوا بما فيها‏.‏

والتدبر هو التأمل في الألفاظ للوصول إلى معانيها، فإذا لم يكن ذلك، فاتت الحكمة من إنزال القرآن، وصار مجرد ألفاظ لا تأثير لها‏.‏

ولأنه لا يمكن الاتعاظ بما في القرآن بدون فهم معانيه‏.‏

ووجه الدلالة من الآية الثانية أن الله تعالى وبخ أولئك الذين لا يتدبرون القرآن، وأشار إلى أن ذلك من الإقفال على قلوبهم، وعدم وصول الخير إليها‏.‏

وكان سلف الأمة على تلك الطريقة الواجبة، يتعلمون القرآن ألفاظه ومعانيه؛ لأنهم بذلك يتمكنون من العمل بالقرآن على مراد الله به فإن العمل بما لا يعرف معناه غير ممكن‏.‏

وقال أبو عبد الرحمن السلمي‏:‏ حدثنا الذي كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عشر آيات، لم يجاوزوها، حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا‏:‏ فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا‏.‏

قال الشيخ الإسلام ابن تيميه‏:‏ والعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابا في فن من العلم كالطب والحساب، ولا يستشرحوه فكيف بكلام الله تعالى الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم وقيام دينهم ودنياهم‏.‏ ويجب على أهل العلم، أن يبينوه للناس عن طريق الكتابة أو المشافهة لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ من الآية 187‏]‏ وتبين الكتاب للناس شامل لتبين ألفاظه ومعانيه، فيكون تفسير القرآن، مما أخذ الله العهد على أهل العلم ببيانه‏.‏

والغرض من تعلم التفسير هو الوصول إلى الغايات الحميدة والثمرات الجليلة، وهي التصديق بأخباره والانتفاع بها وتطبيق أحكامه على الوجه الذي أراده الله؛ ليعبد الله بها على بصيره‏.‏

الواجب على المسلم في تفسير القرآن

الواجب على المسلم في تفسير القرآن أن يشعر نفسه حين يفسر القرآن بأنه مترجم عن الله تعالى، شاهد عليه بما أري بد من كلامه فيكون معظما لهذه الشهادة خائفا من أن يقول على الله بلا علم، فيقع فيما حرم الله، فيخزي بذلك يوم القيامة، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏لأعراف‏:‏33‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏60‏]‏

المرجع في تفسير القرآن

يرجع في تفسير القرآن إلى ما يأتي‏:‏

أ- كلام الله تعالى‏:‏ فيفسر القرآن بالقرآن، لأن الله تعالى هو الذي أنزله، وهو أعلم بما أراد به‏.‏ وذلك أمثلة منها‏:‏

1-قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏62‏]‏

فقد فسر أولياء الله بقوله في الآية التي تليها‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏63‏]‏‏.‏

2- قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ‏}‏ ‏[‏الطارق‏:‏2‏]‏ فقد فسر الطارق بقوله في الآية الثانية‏:‏ ‏{‏النَّجْمُ الثَّاقِبُ‏}‏ ‏[‏الطارق‏:‏3‏]‏‏.‏

3- قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا‏}‏ ‏[‏النازعـات‏:‏30‏]‏ فقد فسر دحاها بقوله في الآيتين بعدها‏:‏ ‏{‏أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا‏}‏ ‏[‏النازعـات‏:‏31‏]‏ ‏{‏وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا‏}‏ ‏[‏النازعـات‏:‏32‏]‏‏.‏

ب - كلام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيفسر القرآن بالسنة، لأن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مبلغ عن الله تعالى، فهو أعلم الناس بمراد الله تعالى كلامه‏.‏

ولذلك أمثلة منها‏:‏

‏(‏1‏)‏ 1- قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ من الآية 26‏]‏ ففسر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى، فيما رواه ابن جرير وابن أبي حام صريحا من حديث أبي موسى ‏[‏ أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره 6/1945، حديث رقم 10341، وأخرجه اللالكائي في شرح الاعتقاد المجلد الثاني 3/458-459، حديث رقم 785

‏(‏2‏)‏ ‏]‏ وأبي بن كعب ‏[‏أخرجه الطبري في تفسيره 15/69، حديث رقم 17633، والالكائي في شرح أصول الاعتقاد، والمجلد الثاني 3/456‏.‏‏]‏‏.‏ ورواه جرير من حديث كعب بن عجرة ‏[‏‏(‏6‏)‏ أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ‏(‏1/134‏)‏ ، وابن أبي شيبة في مصنفه ‏(‏1/192‏)‏

‏]‏ في ‏"‏ صحيح مسلم ‏"‏ عن صهيب بن سنان عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديث قال فيه‏:‏ ‏"‏ فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل ‏"‏، ثم تلا هذه الآية ‏{‏لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏26‏]‏

2- قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ من الآية 60‏]‏ فقد فسر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ القوة بالرمي‏.‏ رواه مسلم ‏[‏ أخرجه مسلم ص 709 ، كتب الإيمان باب 80 ‏:‏ إثبات روية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى ، حديث رقم 449‏(‏297‏)‏ 181 ، 450 ‏(‏298‏)‏ 181‏]‏، وغيره من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه‏.‏

ج- كلام الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ لا سيما وو العلم منهم والعناية بالتفسير، لأن القرآن نزل بلغتهم وفي عصرهم، ولأنهم بعد الأنبياء أصدق الناس في طلب الحق، وأسلمهم من الأهواء، وأطهرهم من المخالفة التي تحول بين المرء وبين التوفيق للصواب‏.‏ ولذلك أمثلة كثيرة جدًا منها‏:‏

‏(‏3‏)‏ 1- قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ من الآية 43‏]‏ فقد صح عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ‏:‏ أنه فسر الملامسة بالجماع ‏[‏ أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ‏(‏1/134‏)‏ ، وابن أبي شيبة في مصنفه ‏(‏1/192‏)‏ ‏]‏‏.‏

د- كلام التابعين الذين اعتنوا بأخذ التفسير عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ لأن التابعين خير الناس بعد الصحابة، وأسلم من الأهواء ممن بعدهم‏.‏ ولم تكن اللغة العربية تغيرت كثيرا في عصرهم، فكانوا أقرب إلى الصواب في فهم القرآن ممن بعدهم‏.‏

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ‏[‏مجموع الفتاوى‏.‏‏]‏‏:‏ إذا أجمعوا - يعني التابعين - على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن، أو ألسنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك‏.‏

وقال أيضا‏:‏ من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك، كان مخطئا في ذلك، بل مبتدعا، وإن كان مجتهدا مغفورا له خطوة، ثم قال‏:‏ فمن خالف قولهم وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم، فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعًا‏.‏

هـ - ما تقتضيه الكلمات من المعاني الشرعية أو اللغوية حسب السياق لوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ من الآية 105‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏3‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ من الآية 4‏]‏‏.‏

فإن اختلف المعنى الشرعي واللغوي، أخذ بما يقتضيه الشرعي، لأن القرآن نزل لبيان الشرع، لا لبيان اللغة إلا أن يكون هناك دليل يترجح به المعنى اللغوي فيؤخذ به‏.‏

مثال ما اختلف فيه المعنيان، وقدم الشرعي‏:‏ قوله تعالى في المنافقين‏:‏ ‏{‏وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ من الآية 84‏]‏ فالصلاة في اللغة الدعاء، وفي الشرع هنا الوقوف على الميت للدعاء له بصفة مخصوصة فيقدم المعنى الشرعي، لأنه المقصود للمتكلم المعهود للمخاطب، وأما منع الدعاء لهم على وه الإطلاق فمن دليل آخر‏.‏

ومثال ما اختلف فيه المعنيان، وقدم فيه اللغوي بالدليل‏:‏ قوله تعالى ‏{‏خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ من الآية 103‏]‏ فالمراد بالصلاة هنا الدعاء، وبدليل ما رواه مسلم ‏[‏أخرجه البخاري ص 342 ، كتاب المغازي ، باب 36 ‏:‏ غزوة الحديبية ، حديث رقمن 4166، ومسلم ص 849، كتاب الزكاة ، باب 54 ‏:‏ الدعاء لمن أتى بصدقة ، حديث رقم 2492 ‏(‏ 176‏)‏ 1078 ‏.‏‏]‏ عن عبد الله بن أبي أوفي، قال‏:‏ كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا أتى بصدقة قوم، صلى عليهم، فأتاه أبي بصدقته فقال‏:‏ ‏(‏اللهم صل على آل أبي أوفى‏)‏‏.‏

وأمثلة ما اتفق فيه المعنيان الشرعي واللغوي كثيرة‏:‏ كالسماء والأرض والصدق والكذب والحجر والإنسان‏.‏

الاختلاف الوارد في التفسير المأثور

الاختلاف الوارد في التفسير المأثور على ثلاثة أقسام‏:‏

الأول‏:‏ اختلاف في اللفظ دون المعنى، فهذا لا تأثير له في معنى الآية، مثاله قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏23‏]‏ قال ابن عباس‏:‏ قضي‏:‏ أمر، وقال مجاهد‏:‏ وصي، وقال الربيع بن انس‏:‏ أوجب، وهذه التفسيرات معناها واحد، او متقارب فلا تأثير لهذا الاختلاف في معنى الآية ‏.‏

الثاني‏:‏ اختلاف في اللفظ والمعنى، والآية تحتمل المعنيين لعدم التضاد بينهما، فتحمل الآية عليهما، وتفسر بهما، ويكون الجمع بين هذا الاختلاف أن كل واحد من القولين ذك على وجه التمثيل، لما تعنيه الآية أو التنويع، مثاله قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ‏}‏ ‏[‏لأعراف‏:‏175‏]‏ ‏{‏وَلَوْ شيءنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ‏]‏ ‏[‏لأعراف‏:‏176‏]‏ قال ابن مسعود‏:‏ هو رجل من بني إسرائيل، وعن ابن عباس أنه‏:‏ رجل من أهل اليمن، وقيل‏:‏ رجل من أهلا لبلقاء‏.‏

والجمع بين هذه الأقوال‏:‏ أن تحمل الآية عليها كلها، لأنها تحتملها من غير تضاد، ويكون كل قول ذكر على وجه التمثيل‏.‏

ومثال آخر قوله تعالى‏:‏ ‏{‏َكَأْسًا دِهَاقًا‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏34‏]‏ قال ابن عباس‏:‏ دهاقًا مملوءة، وقال مجاهد‏:‏ متتابعة، وقال عكرمة‏:‏ صافية‏.‏ ولا منافاة بين هذه الأقوال، والآية تحتملها فتحمل عليها جميعًا ويكون كل قول لنوع من المعنى‏.‏

القسم الثالث‏:‏ اختلاف اللفظ والمعنى، والآية لا تحتمل المعنيين معا للتضاد بينهما، فتحمل الآية على الأرجح منهما بدلاله السياق أو غيره‏.‏

مثال ذلك‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏173‏]‏ قال ابن عباس‏:‏ غير باع في الميتة ولا عاد من أكله، وقيل‏:‏ غير خارج على الإمام الثاني، ولأن المقصود بحل ما ذكر دفع الضرورة، وهي واقعة في حال الخروج على الإمام، وفي حال الفسر المحرم وغير ذلك‏.‏

ومثال آخر قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ من الآية 237‏]‏ قال على بن أبي طالب رضي الله عنه في الذي بيده عقدة النكاح‏:‏ هو الزوج، وقال ابن عباس‏:‏ هو الولي، والراجح الأول لدلالة المعنى عليه، ولأنه قد روي فيه حديث عن الني ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏