فصل: سنة سبع عشرة وأربعمائة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء **


 سنة سبع عشرة وأربعمائة

فيها ثار بالناس في مصر رعاف عظيم‏.‏

وزاد النيل فوق المعتاد حتى غرقت القرى‏.‏

وفيها سقط الظاهر عن فرس وأرجف بموته ثم عوفي فتصدق بمائة ألف دينار حمل منها إلى مكة والمدينة أربعون ألف دينار وإلى بلاد الشام عشرون ألف دينار وإلى بلاد المغرب عشرون ألف دينار وفرق بمصر عشرون ألف دينار‏.‏

 سنة ثمان عشرة وأربعمائة

فيها وقعت الهدنة بين متملك الروم وبين الظاهر عن ديار مصر والشام وكتب بينهما كتاب وتفردت الخطبة للظاهر ببلاد الروم‏.‏

وفتح الجامع الذي بقسطنطينية وعمل له الحصر والقناديل وأقيم به مؤذن وعند ذلك أذن الظاهر في فتح كنيسة القمامة التي بالقدس فحمل إليها ملوك النصارى الأموال والآلات وأعادوها وارتد إلى دين النصرانية كثير ممن أسلم كرها في أيام الحاكم وفيها عزل الظاهر عميد الدولة وناصحها أبا محمد الحسن بن صالح الروذباري وولى عوضه الوزير الأجل الكامل أوحد أمير المؤمنين وخالصته أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي‏.‏

وفيها اجتمع عسكر مصر ورافع بن أبي الليل مقدم طائفة الكلبيين وأنوشتكين الدزبري لحرب حسان بن جراح فالتقوا لخمس بقين من ربيع الآخر على الأقحوانة فقتل صالح بن مرداس وانهزم حسان وقتل عدة ممن معه واستولى الدزبري على البلاد فقدم شبل الدولة نصر ومعز الدولة ثمال بعد أبيهما صالح بن مرداس وملكا أيضا الرحبة إلى بالس ومنبج‏.‏

 سنة عشرين وأربعمائة

فيها كانت فتنة بمصر بين المغاربة والأتراك قتل فيها جماعة وكان الظفر للأتراك ثم استظهرت المغاربة بمعاونة العامة لهم فقتلوا عدة كثيرة من الأتراك وأخرجوا من بقي منهم عن مصر‏.‏

وكان خبط عظيم فأخرج الظاهر رأسه من المنظرة وأشار إلى الناس فقبلوا الأرض ثم بعث إليهم بالصلح فمشى الدعاة بينهم حتى اصطلحوا‏.‏

وفيه بعث المعز بن المنصور بن بلكين بن زيرى هدية فيها عشرون جارية لم ير كحسنهن وعى نهودهن حقاق الفضة وثلاثة أفراس فيها كميت بسرج ذهب زنته قنطار ذهب وأشقر بسرج لؤلؤ وأدهم بسرج فضة زنتها قنطار وثلاثة آلاف منا زعفراناً وخمسون درقة بأغشية ديباج واثنا عشر صقلبيا وعشرون خادما سوداً وألف وخمسمائة ثوب خز وأربعمائة غفارة ورماح كثيرة جدا وألف قنطار شمعاً وثياب سوسية وصقلية وعمائم عدة ألوف‏.‏

فجلس الظاهر في الإيوان على السرير الذهب وقرئ عليه كتابه وعرضت هديته في يوم الأحد ثامن شوال‏.‏

وبعث إليه بهدية من دق تنيس ودمياط وطرائف الهند واليمن وزرافة وبختاً خراسانية تحمل قباباً فيها جواري وأشياء عظيمة‏.‏

وفيها جهز الظاهر أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري لقتال صالح بن مرداس فالتقيا بالأقحوانة من عمل طبرية على نهر الأردن واقتتلا أشد قتال فقتل صالح وولده الأصغر في جمادى الأولى من سنة عشرين هذه وحمل رأساهما إلى القاهرة‏.‏

ونجا شبل الدولة أبو كامل نصر بن صالح وأخوه أبو علوان عز الدولة ثمال إلى حلب فملكاها شركة بينهما‏.‏

فكانت مدة ملك صالح لحلب أربع سنين وأشهرا‏.‏

 سنة إحدى وعشرين وأربعمائة

بايع الناس بولاية العهد للمستنصر بن الظاهر وعمره ثمانية أشهر فخلع على كافة أهل الدولة وعمل من الطعام ما كفى أهل القاهرة ومصر والطارئين من البلاد ونثر مال عظيم فلم يبق أحد حتى وصل إليه من خير هذه البيعة‏.‏

واجتمعت العامة تحت المنظرة من القصر واستغاثوا أن يشرفوا برؤية أمير المؤمنين فأشرف عليهم الظاهر من المنظرة فقبلوا الأرض وانصرفوا‏.‏

وكان مرتضى الدولة أبو نصر منصور بن لؤلؤ قد طمع في حلب بعد تملك صالح بن مرداس لها فكاتب متملك الروم يرغبه في حلب ويعده إلى أن خرج من القسطنطينية في هذه السنة ومعه ثلثمائة ألف حتى لم يبق بينه وبين حلب سوى يوم واحد اعتزل عنه ابن لؤلؤ ومعه رجل جليل من الروم يقال له ابن الدوقس في عشرة آلاف فخاف متملك الروم ورحل ثم قبض على ابن لؤلؤ وابن الدوقس في جماعة وولى منهزما لا يلوى على شيء‏.‏

وتبعه من عرب كلاب ونمير نحو الألفي فارس في طائفة الأرمن ونهبوا الروم فاخذوا من خاص الملك أربعمائة بغلة تحمل المال والثياب سوى ما ظفروا به لعامتهم بحيث أبيع البغل في حلب بدينارين ولولا أن العرب تشاغلت بالغنيمة لما أفلت أحد من الروم‏.‏

ووجد من الروم آلاف كثيرة موتى عطشاً‏.‏

وكانت هذه الهزيمة يوم السبت خامس شعبان‏.‏

 سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة

فيه نقص النيل نقصانا فاحشا فتحرك السعر وحملت غلال كثيرة من الشام إلى مصر ثم زاد النيل بعد أوان الزيادة بأربعة أشهر فكثر العجب من ذلك‏.‏

وكان الدزبري لما استرجع البلاد الشامية من أيدي المتغلبين عليها إلا حلب فإنها بقيت بيد بني صالح بن مرداس انهزم حسان بن جراح وإخوته من الدزبري ولم يجدوا ملجأ فحملهم ذلك على أن دخل حسان في طاعة ملك الروم وحمل على رأسه صليباً وصار في جملته‏.‏

ثم سار في هذه السنة بعسكر الروم وعلى رأسه الصليب ووصل إلى أفامية وهي من عمل الدزبري فهزمها وسبى كثيرا منها‏.‏

فنادى الدزبري بالغزاة وخرج فخافه نصر بن صالح وقرر لملك الروم على نفسه خمسمائة ألف درهم صرف ستين درهما بدينار على أن يحميه وذلك في جمادى الأولى فاتفق مرض الدزبري بدمشق وأرجف به ثم عوفى‏.‏

 سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة

فيها أمر الظاهر بقتل دعاته فاضطربت الرعية وكثير من الجند لذلك وأخذ الدعاة في إفساد أمره والتحدث بخلعه فأنفق أموالاً جمة حتى استقر أمره‏.‏

 سنة أربع وعشرين وأربعمائة

ركب ولي العهد ابن الظاهر من القاهرة إلى مصر وقد زينت فكان إذا أقبل على الناس قبلوا له الأرض‏.‏

ونثر يومئذ على العامة خمسة آلاف دينار ونثر على الخاصة عشرون ألف دينار فكان يوماً عظيما‏.‏

وفي يوم الأحد ثامن عشر ذي القعدة قدمت هدية المعز بن باديس وهي جليلة القدر‏.‏

 سنة خمس وعشرين وأربعمائة

فيها قدم الخبر باستيلاء الأتراك على الأمر ببغداد وقلت بها الأموال والرجال فبث الظاهر دعاته فنشروا دعوته ببغداد في الناس‏.‏

وفيها ظهرت الطائفة الدرزية بجبل السماق من الشام يدعون إلى الحاكم بأمر الله‏.‏

فيها ظهرت الزلازل ببلاد الشام فخربت ريحا ونصف الرملة وأكثر عكا في قرى كثيرة وبعد الماء من سواحل البحر المالح ساعتين ثم عاد كما كان‏.‏

 سنة ست وعشرين وأربعمائة

فيها كثر الفأر بأراضي مصر وأكل زروعاً كثيرة‏.‏

وفيها كثر الوباء بمصر‏.‏

وفيها قتل الدزبري شبل الدولة ثمال بن صالح بن مرداس في شعبان وملك حلب وبعث إلى  سنة سبع وعشرين وأربعمائة

فيها انعقدت الهدنة بين الظاهر وبين ميخائيل ملك الروم عشر سنين متوالية‏.‏

وفيها توفي الظاهر عن استسقاء طال به من نيف وعشرين سنة في يوم الأحد النصف من شعبان فكانت مدته خمس عشرة سنة وتسعة أشهر وسبعة عشر يوما‏.‏

وكانت أيامه كلها سكونا ولينا وهو مشغول بملاذه ونزهه وسماع المغنى وأمور الدولة بيد عمته السيدة العزيز ست الملك وهي التي عدلت بالخلافة إليه عن ولي العهد أبي هاشم العباس بن دواد ابن عبيد الله المهدي وجيء بأبي هاشم فبايع والسيف على رأسه ثم جلس فكان آخر العهد به‏.‏

وكان يشار بالخلافة إلى عبد الرحيم بن إلياس بن أحمد بن المهدي فأدخل عليه الشهود وهو يتشحط في دمه فأشهد أنه فعل ذلك بنفسه ثم قضى نحبه‏.‏

وأقامت سيدة الملك سيف الدين الحسين بن دواس والوزير عمار بن محمد في تدبير الدولة عن رأيها حتى قتلت ابن دواس فانفرد عمار بالأمور إلى أن رتبت له في دهليز القصر من قتله‏.‏

فتحدث حسن بن موسى الكاتب والأمر لست الملك ولسانها ويدها أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي‏.‏

 المستنصر

فلما ماتت السيدة ست الملك استقل الجرجرائي بالتدبير لإعزاز دين الله أبي الحسن علي بن الحاكم بأمر الله أبي علي منصور أمه السيدة رصد‏.‏

ولد يوم الثلاثاء السادس عشر من جمادى الأولى سنة عشرين وأربعمائة بالقاهرة والطالع عند ولادته من برج السلطان ثمان درج والشمس فيه على خمس عشرة درجة والمشتري فيه على ست درج وعطارد فيه على اثنتي عشرة درجة والقمر في الدلو على ثلاث عشرة درجة وزحل في برج الثور على تسع وعشرين درجة والمريخ فيه أيضا على إحدى عشرة درجة والزهرة في برج الجوزاء على ثلاث عشرة درجة والجوزهر في برج السنبلة على خمس وعشرين درجة‏.‏

وبويع بالخلافة يوم الأحد للنصف من شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة والطالع عند ولادته من برج السنبلة إحدى وعشرون درجة وزحل في برج السنبلة على اثنتين وعشرين درجة والمشتري في برج الدلو على ثماني درج والمريخ فيه أيضا على اثنتي عشرة درجة والشمس في برج الجوزاء على ثمان وعشرين درجة والزهرة في برج السرطان على ثلاث درج وعطارد في برج الجوزاء على ست عشرة درجة والقمر في برج الجدي على ثماني عشرة درجة والجوزهر في برج الثور على إحدى وعشرين درجة‏.‏

وأقام في الخلافة ستين سنة وأربعة أشهر وثلاثة أيام‏.‏

وقام بأمره الوزير أبو القاسم الجرجرائي وأخذ له البيعة على الناس وأطلق للجند أرزاقهم وشيئا آخر على سبيل الصلة وسكنت الأمور واستقامت الأحوال وكتب له المستنصر سجلا بإقراره على الوزارة‏.‏

وفيها سير من القاهرة مبلغ ألفي دينار على يد بدوي لعمارة قنطرة الجاروفة التي منها شرب الكوفة وقد خربت وفسدت الجهات التي تحتها بفسادها‏.‏

وكانت تلك الجهات جاريةً في إقطاع العربان بالعراق فأريد بذلك استمالة من هناك إلى الطاعة فقام بنو خفاجة مع البدوي في الإنفاق على عمارة القنطرة‏.‏

فبلغ ذلك الخليفة القادر بالله أبا العباس أحمد بن اسحق بن المقتدر فلم يجد مالاً يبعثه عوضاً من المال المذكور ولم يمكنه الرد فدعته الضرورة إلى التغاضي‏.‏

فشرع البدوي في العمل ثم منع بعد ما تم منه جانب كبير‏.‏

 سنة ثمان وعشرين وأربعمائة

فيها فسد ما بين نصر بن صالح بن مرداس وبين المستنصر فكاتب ملك الروم وبعث إليه بما عليه من القطيعة مع هدية فأشار عليه بالدخول في طاعة المستنصر فقبل منه‏.‏

وبعث بهدية جليلة إلى القاهرة مع وفد كبير فحصل الرضا عنه وأضيف إليه أعمال حمص ولقب بمختص الأمراء خاصة الإمام شمس الدولة ومجدها ذي العزمتين‏.‏

فشق ذلك على الدزبري متولى دمشق وأخذ في مناكدة أصحاب نصر بن صالح‏.‏

 سنة تسع وعشرين وأربعمائة

فيها بعث الدزبري عساكره إلى حماة فأخذها‏.‏

وخرج شبل الدولة نصر بن صالح لدفعه فالتقيا بلطمين من عمل كفرطاب فانكسر وقتل في يوم الاثنين نصف شعبان وحمل رأسه إلى دمشق‏.‏

فبادر أخوه معز الدولة ثمال بن صالح إلى حلب وملكها من الغد وأخذ قلعتها واستخلف فيها ابن عمه مقلد بن كامل بن مرداس وفي المدينة خليفة بن جابر الكعبي‏.‏

وشرق بأهله ليستنجد بأخواله بني خفاجة فنزلت عساكر الدزبري على حلب وأخذت المدينة ثم قدم إليها الدزبري وتسلم القلعة في يوم الثلاثاء ثامن رمضان وأخرج منها إلى درباس واستولى على بالس ومنبج وولى قلعة لغلاميه فاتك وسبكتكين‏.‏

وعاد إلى دمشق يوم الخميس تاسع عشر ذي الحجة‏.‏

وعمل في طريقه على أخذ جبلة فلم يطق‏.‏

وفيها ثار علي بن محمد بن علي الصليحي في اليمن في ستين رجلا على رأس جبل وأقام دعوة المستنصر وما زال أمره يزيد حتى استولى على ممالك اليمن‏.‏

وفيها هادن المستنصر ملك الروم على أن يطلق خمسة آلاف أسير ليمكن من عمارة قمامة التي فر بها الحاكم فأطلق الأسرى وعمر قمامة وأطلق عيها مالاً جل وصفه‏.‏

 سنة ثلاثين وأربعمائة

سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة فيها أقيمت دعوة المستنصر بحران‏:‏ سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة‏:‏ فيها نقض ملك الروم الهدنة وأغار على بلاد حلب وعلى بلاد أفامية وكسر عسكر الدزبري المقيم هناك فخرج إليه عسكر حلب فكسرهم على أرمناز‏.‏

وكان ثمال بن صالح وعمه المقلد بالرقة مالكين لها فبعثنا إلى متملك الروم بمال وثياب فطلب منهما ابتياع الرقة كما ابتيعت الرها فضاق الدزبري ذرعاً بذلك وكتب إليهما يرغبهما ويرهبهما فأجاباه بالاعتذار‏.‏

وكان قد مضى قوم من بني جعفر بن كلاب إلى مضيق أفامية وعاثوا في أعمال الروم فمكن لهم الروم ثم أوقعوا بهم‏.‏

فبعث الدزبري عسكرا فلقي الروم فيها حماة وأفامية فظهر المسلمون عليهم وقتلوا منهم عدة كبيرة فأجمع الدزبري على النهوض إليهم فهادنوه وما زالوا به حتى سكنت الحرب بينهم وبينه‏.‏

ثم إن الجند طمعوا في الدزبري وهموا به فساروا له إلى حماة فقضى عليه أهلها فكاتب مقلد بن منقذ فحضر إليه من كفرطاب في ألفي راجل واجتمع به ومضى إلى حلب فأقام بها مريضا إلى أن مات يوم الأحد نصف جمادى الآخرة‏.‏

 سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة

وبعد ما أقام بحلب اثنين وأربعين يوما قدم إليها ثمال بن صالح وعمه المقلد وحصرا القلعة سبعة أشهر وتسلماها في صفر سنة خمس وثلاثين وأربعمائة وقتلا من بها‏.‏

فلما بلغ ذلك المستنصر بعث إلى ثمال الخلع والتحف وسجلا بتوليته وكان بقلعة حلب مائتا ألف دينار فأخذها ثمال‏.‏

وفيها توفى شهم الدولة ميمون صاحب السيارة في أسفل الأرض في شهر ربيع الآخر وحمل إلى مصر فوصلوا به يوم الثلاثاء تاسعه ودفن بتربته بالقرافة‏.‏

وكان من أهل الخير وحج بالناس من مصر في سنة ست وعشرين وأربعمائة‏.‏

 سنة أربع وثلاثين وأربعمائة

فيها خرج بالقاهرة في شهر رجب شخص اسمه سليمان كان يشبه الحاكم بأمر الله وأدعى أنه الحاكم وبث دعاته سراً في البلاد وقصد القصر وقت خلوه من العساكر وقال للخدام‏:‏ قولوا هذا الحاكم‏.‏

فارتاع من كان في باب القصر وثارت ضجة فقبض عليه وصلب وأخذت أصحابه فقتلوا ومن جملتهم محمد بن عاني الكتامي أحد دعاته‏.‏

 

سنة خمس وثلاثين وأربعمائة

فيها قطع المعز بن باديس الخطبة للمستنصر ودعا ببلاد إفريقية للخليفة القائم بأمر الله العباسي فبعث إليه الخلع من بغداد على طريق القسطنطينية‏.‏

 

سنة ست وثلاثين وأربعمائة

فيها توفى الوزير الأجل أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي يوم الأربعاء سادس شهر رمضان‏.‏

والحاصل يومئذ في بيت المال البراني تحت يد أمين الدولة مسرة الرومي برسم النفقات ألف ألف دينار وسبعمائة ألف دينار وستمائة دينار وواحد وعشرون ديناراً ونصف وثمن دينار‏.‏

ووجد له سبعمائة صينية من ذهب وفضة ومائة ألف مثقال من العنبر وغير ذلك‏.‏

وكان عالما فطناً نحريرا وقع مرة بين يدي الظاهر لإعزاز دين الله على مائة كتاب فلم تتشابه فيها لفظة بلفظة‏.‏

وكانت مدة ولايته للظاهر والمستنصر سبع عشرة سنة وثمانية أشهر ووزر بعده أبو علي الحسن بن علي الأنباري فانفسد أمره بسبب أبي سعيد سهل بن هرون التستري وأخيه أبي ثمر إبراهيم اليهوديين‏.‏

وكان من أمرهما أن أبا سعيد هذا كان قد استخدمه الظاهر لبيوعه فباع عليه في جملة ما باع جارية سوداء تحظاها الظاهر فولدت له المستنصر فراعت ذلك لأبي سعيد وقدمته عند ولدها المستنصر لما صارت الخلافة إليه ورتبته فيما يخصها فعظم شأنه إلى أن صار ناظراً في جميع أمور الدولة‏.‏

فلما وزر الأنباري قصده أبو ثمر إبراهيم فجبهه غلام له فأحفظه وأعلم أخاه أبا سعيد فثنى رأى المستنصر عن ابن الأنباري لهذا السبب وأشار عليه أن يستوزر أبا نصر صدقة بن يوسف الفلاحي وكان يهودياً قد أسلم فاستوزره بعد الجرجرائي في يوم الثلاثاء حادي عشر شهر رمضان ولقب بالوزير الأجل تاج الرئاسة فخر الملك مصطفى أمير المؤمنين‏.‏

وكان يهودياً موصوفاً بالبراعة في ضروب الكتابة‏.‏

ولى أولاً نظر الشم ثم خاف أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري ففر منه وقد اجتهد في طلبه فلم يظفر به‏.‏

وقدم إلى القاهرة فرعى له الجرجرائي حرمة انفصاله عن الدزبري ورقاه وأشار في مرضه بأن يستوزر من بعده‏.‏

فلما تقررت له الوزارة أملى سجل تقليده ليلة اليوم الذي خلع عليه فيه‏.‏

وتولى أبو سعيد التستري الإشراف عليه‏.‏

وقبض على ابن الأنباري وصودر حتى هلك تحت العقوبة ودفن بخزانة البنود وكان مسجوناً بها‏.‏

وكان المستنصر قد بث دعاته سراً إلى الآفاق يدعون إليه ويستميلون من تصل القدرة إلى استمالته‏.‏

فلما كان في هذه السنة دفع جماعةً منهم إلى ما وراء النهر ودعوا هناك بعد أن دعوا بخراسان فاستجاب لهم طوائف من الناس‏.‏

وحصلوا عند بغراخان أخي رسلان خان صاحب ما وراء النهر‏.‏

فلما علم بهم تلطف في الكشف عنهم بأن استمالهم وقربهم وأطمعهم أنه يريد الدخول فيما هم فيه فأنس به طائفة منهم وأرادوا أن يأخذوا عليه العهود والمواثيق فخدعهم بإطلاق المال واستخبر به ما عندهم حيث إنه أنفق عليهم في مدة سنتين ثلثمائة ألف درهم حتى اطلع على عددهم وعرف مواضعهم وهم يطالبونه باليمين والعهد إلى أن أجابهم على شرط أن يكتبوا أيمانهم ويطلعوه على باطنهم‏.‏

فكتبوا ذلك ودفعوه إليه ليتفكر به وقد كتب كتاباً على قدر كتابهم وشكله يقسم فيه بالأيمان المغلظة أنه متى انكشف له من أمرهم ما يدل على الإلحاد والخروج عن تشريع الإسلام ذبحهم بيده تقرباً إلى الله تعالى‏.‏

ثم استدعاهم وأعلمهم استجابته إلى ما دعوه إليه ورد إليهم الكتاب حتى شاهدوه وعرفوه واستعاده ليحلف به‏.‏

فلما حصل في يده أخرج الكتاب الذي كتبه وحلف أنه يفي بجميع ما تضمنه ولا يعدل عنه فوثقوا بذلك وخفى عليهم فرق ما بين الكتابين‏.‏

ثم جمعهم وقال لهم ما أتمكن من إظهار نفسي والمبادرة بنصرتكم إلا في عدد قوي فإن بلاد الترك تشتمل على ثلثمائة ألف سيف مشهور تخالف هذا المذهب فإن كنتم في عدد قويت به‏.‏

فذكروا له دعاتهم ببلاد المشرق وسموهم له وأفضوا إليه بجميع سرهم ودفعوا إليه كتبهم إلى جميع أصحابهم بما استقر العزم عليه‏.‏

ثم جمعهم وأحضر فقهاء بلده لمناظرتهم وفيهم عبد الملك بن محمد البلخي الفقيه بن محمد شيخ البلد ونصر بن عطاء وجعلهما من وراء ستر فذكر الدعاة أسرار مذهبهم على غرة منهم وغفلة بما دبر عليهم وبغراخان يستخبرهم حتى صرحوا بعقائدهم‏.‏

فأخرج حينئذ عبد الملك ونصراً وقبض على الدعاة وقيدهم ونادى في الناس ليجتمعوا وقد نصب جذعا وصلب عليه الدعاة واحدا بعد واحد ورماهم بالنشاب فقتل منهم ستة عشر رجلا وذبح منهم واحدا بين يديه ذبحه بعض عبيده فأعتقه وتصدق بمائة ألف درهم‏.‏

وتتبع كل من في أعماله من الدعاة فقبض على مائة وثلاثة وثلاثين رجلا وأوثقهم بالحديد وألقاهم في جب مظلم وكتب إلى جميع بلاد ما وراء النهر بقتل من عندهم من هذه الطائفة‏.‏

وكتب إلى بغداد بما فعله فقدم رسوله في هذه السنة فأجيب بالشكر والثناء‏.‏

وفيها سير المستنصر إلى قرواش بن المقلد أعلاماً وخلعاً فلبسها فأنفذ إليه الخليفة القائم من بغداد يعاتبه على ذلك فاعتذر ولبس السواد ورجع عن دعوة المستنصر‏.‏

اشتهر انتقاض الهدنة التي قررها الظاهر لإعزاز دين الله بين وبين متملك الروم وسعى الرسل في تقريرها بين المستنصر وبينه وكان انتقاضها على الحقيقة من مدة أربع سنين مضين‏.‏

فلما كان في ثامن ذي الحجة وردت هدية متملك الروم من القسطنطينية إلى القاهرة وقيمتها ثلاثون قنطارا من الذهب والقنطار عندهم سبعة آلاف دينار ومائتا دينار‏.‏

وكان من جملتها بغل وحصان من أحسن الدواب وأعلاها قيمة كل منهما عليه ثوب ديباج رومي منقوش ثقيل وخمسون بغلا عليها مائة صندوق مصفحة بالفضة فيها آنية الذهب والفضة منها مائة قطعة بميناء وفيها من الديباج والسندس والإبريسم والعمائم المعلمة ما لا يقدر على مثله‏.‏

فعوض عن هديته بمثلها من حق مصر ومن الجوهر والمسك والعود والطراز عمل تنيس ودمياط ما هو أكثر قيمة مما بعثه‏.‏

 

سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة

في سادس عشر المحرم قتل أبو علي الحسن بن علي الأنباري في خزانة البنود بالقاهرة‏.‏

سنة تسع وثلاثين وأربعمائة

فيها عمل الوزير أبو منصور الفلاحي على أبي سعيد سهل بن هرون التستري اليهودي وقتله عند خان العبيد‏.‏

وذلك أن أم المستنصر كانت جارية أبي سعيد هذا فأخذها منه الظاهر وتسراها فولدت له ابنه المستنصر فرقت أبا سعيد درجةً عليه بعد وفاة الظاهر‏.‏

وكان يخاف الوزير الجرجرائي فلم يظهر ما في نفسه‏.‏

فلما مات الجرجرائي وتولى الفلاحي انبسطت كلمة أبي سعيد في الدولة بحيث لم يبق للفلاحي معه في الوزارة أمر ولا نهي سوى الاسم فقط وبعض التنفيذ لا غير وأبو سعيد يتولى ديوان أم الخليفة المستنصر‏.‏

فغض الفلاحي بأبي سعيد وشغب عليه الجند حتى قتلوه‏.‏

وذلك أن بني قرة عرب البحيرة أفسدوا في الأعمال فخرج إليهم الخادم عزيز الدولة ريحان وأوقع بهم وقتل منهم وعاد وقد عظم في نفسه لمعالجة النصر على بني قرة والظفر بهم‏.‏

فثقل على أبي سعيد أمره واستمال المغاربة وزاد في واجباتهم ونقص من أرزاق الأتراك ومن ينضاف إليهم فجرى بين الطائفتين حرب بباب زويلة‏.‏

واتفق مرض ريحان وموته فاتهم أبو سعيد أنه سمه وتجمع الطوائف المنحرفة عنه على قتله‏.‏

فركب من داره على العادة يريد القصر في يوم الأحد لثلاث خلون من جمادى الأولى في موكب عظيم فلما قرب من القصر اعترضه ثلاثة من الأتراك وضربوه حتى مات‏.‏

فأمر المستنصر بإحضار من قتله فاجتمع الطوائف وقالوا نحن قتلناه‏.‏

فلم يجد المستنصر بداً من الإغضاء‏.‏

وقطع الأتراك أبا سعيد قطعاً وتناولت الأيدي أعضاءه فتمزقت واشترى أهله ما قدروا على تحصيله من جثته بمال‏.‏

وجمع الأتراك ما قدروا عليه من أعضائه ورمته وحرقوا ذلك بالنار وألقوا عليه من التراب ما صار به تلا مرتفعا‏.‏

وضم أهله ما وصل إليهم منه في تابوت وأسدلوا عليه ستراً وتركوه في بيت مؤزر بالستور وأوقدوا الشموع وأقاموا عزاءه‏.‏

فتعلقت من بعض الشموع شرارة في الستور التي هناك ومضت فيها فاحترق التابوت بما فيه‏.‏

وكان مقدار ما حصل في بيت المال البراني على يدي أبي نصر صدقة الوزير وأبي سعيد إبراهيم التستري من يوم مات الوزير علي بن أحمد الجرجرائي وإلى أن قتل أبو سعيد سبعمائة ألف دينار‏.‏

والذي مات عنه الجرجرائي وهو حاصل بيت المال المذكور برسم النفقات ألف وسبعمائة ألف وستمائة وواحد وعشرون ديناراً ونصف ونصف ثمن دينار‏.‏

فصار حاصل بيت المال برسم النفقات إلى أن قتل أبو سعيد ألقى ألف دينار وأربعمائة ألف دينار وستمائة دينار وواحد وعشرون ديناراً ونصف ونصف ثمن دينار‏.‏

ورد المستنصر لأبي نصر أخي أبي سعيد خزانة الخاص ولولدي أبي سعيد النظر في بعض الدواوين‏.‏

وحقدت أم المستنصر على الوزير أبي منصور صدقة بن يوسف الفلاحي بسبب قتل أبي سعيد وما زالت به حتى صرفته عن الوزارة واعتقلته بخزانة البنود‏.‏

وقيل كان صرفه في سادس المحرم سنة أربعين‏.‏

واتفق أنه لما قبض عليه وسجن بخزانة البنود وأمر بقتله بها حفرت له حفيرة ليوارى فيها فظهر للفعلة عند الحفر رأس فلما رفع سئل عنه الفلاحي فقال هذا رأس ابن الأنباري وأنا قتلته ودفن في هذا الموضع وأنشد‏:‏ ربّ لحدٍ قد صار لحداً مراراً ضاحكٍ من تزاحم الأضداد وكان أبوه أحد الكتاب البلغاء وتولى ديوان دمشق‏.‏

ومن أحسن ما قيل في أبي سعيد وقد كره أذاه للمسلمين أنه كان يحلف‏:‏ وحق النعمة على بني إسرائيل قول الرضي فيه‏:‏ يهود هذا الزّمان قد بلغوا غاية آمالهم وقد ملكوا العزّ فيهم والمال عندهم ومنهم المستشار والملك يأهل مصر إنّي قد نصحت لكم تهوّدوا قد تهوّد الفلك وفيها استقر في الوزارة بعد الفلاحي أبو البركات الحسين بن عماد الدولة بن محمد بن أحمد الجرجرائي ابن أخي الوزير صفي الدين ولقب بالوزير الأجل الكامل الأوحد علم الكفاة سيد الوزراء ظهير الأئمة عماد الرؤساء فخر الأمة ذي الرئاستين صفى أمير المؤمنين‏.‏

وفيها ابتدأ أمر أبي محمد الحسن بن علي بن عبد الرحمن اليازوري‏.‏

وكان من خبره أن أباه علي بن عبد الرحمن كانت له حال واسعة ببلد يعرف بيازور من ضياع فلسطين وكان مقدماً فيها فلما كبرت حاله انتقل إلى الرملة واستوطنها وصارت له وكلاء في الضياع‏.‏

فاشتهر هناك وعرف بالعفة والصدق وسماح النفس فرد إليه قضاء بعض أعمال الرملة‏.‏

ونشأ له ابنان نجيبان ولي أحدهما الحكم بعد أبيه إلى أن توفى ثم خلفه أخوه عبد الرحمن هذا من بعده فعرف بسعة النفس وسعة الأخلاق فاتصل بخدمة الوزير الجرجرائي فصر بذلك ممنوعاً ممن يريده بسوء‏.‏

واتفق أنه حج قبل قدومه إلى مصر فلما زار قبر رسول الله نام في الحجرة الشريفة فسقط عليه خلوق من الزعفران الملطخ في حوائط الحجرة فجاء بعض الخدام وأيقظه من نومه وقال‏:‏ أيها الرجل إنك تلي ولايةً عظيمة وقد بشرتك فلي منك الحباء والكرامة‏.‏

ثم انتقل بتلطفه وكثرة مداخلته إلى خدمة السيدة أم المستنصر فتقرب بخدمتها ولازم بابها عندما صرف عن الحكم بفلسطين يسأل عوده إلى وطنه وخدمته فيها وهو مع ذلك يواصل الوزير الفلاحي ويؤانسه فيبدأه بما في نفسه من أبي سعيد التستري فيفاوضه في التدبير على المذكور ويفتح له من العمل عليه ما يظهر له صوابه‏.‏

فثقل مكانه على أبي منذر لقربه من أم المستنصر ولمما لأنه الوزير الفلاحي وهم به ثم تراخى عنه حتى كان من أمره ما كان وأمر اليازوري في كل يوم يتزايد وحاله يقوى‏.‏

إلا أن قاضي القضاة وداعي الدعاة قاسم بن تاميلا كان يمتنع من رد الحكم إليه ببلده لما يعلم من سوء رأي أبي سعيد فيه وأنه يريد القبض عليه فكان ينحرف عنه ولا يلتفت إليه‏.‏

واتفق أن حضر قاضي القضاة ذات يوم بباب البحر من القصر على عادته في كل يوم اثنين لتقبيل الأرض والسلام أو خروج السلام عليه ويجلس معه من الشهود من جرى رسمه بذلك‏.‏

فلما جلس بباب البحر وخليفتاه القضاعي وابن أبي زكرى والشهود دخل أبو محمد اليازوري وجلس معهم فقال له قاضي القضاة‏:‏ بأمر من جلست ههنا‏!‏ أتظن أن المجالس كلها مبذولة لكل أحد أن يجلس فيها هذا مجلس لا يجلس فيه إلا من أذنت له حضرة الإمامة وشرفته به اخرج فوالله لا تضرفت على أيامي أبدا‏.‏

فخرج ورجلاه لا تكادان تحملانه فوقف بباب البحر إلى أن خرج قاضي القضاة فسار وخليفتاه والشهود معه فسار في أعقابهم وسبقهم ووقف بباب دار القاضي فلما نزل صنع له استعطافا فلم يعره طرفه وانصرف‏.‏

فلقيه القضاعي وقال‏:‏ يا أبا محمد كان يجب ألا تريه وجهك عقب ما جرى لك معه‏.‏

وفارقه‏.‏

فلقيه ابن زكرى وخطابه بجفاء‏.‏

فرد إلى داره مغموماً فوجد ثلاثين حملاً من تفاح قد وصلت إليه من ضياعه لتباع بمصر فأنفذ منها خمسة أحمال إلى الوزير ولقاضي القضاة خمسة أحمال وللقائد الأجل عدة الدولة رفق خمسة أحمال ولمعز الدولة معضاد خمسة أحمال ولابن أبي زكريا ثلاثة أحمال وللقضاعي خمسة أحمال وفرق حملين على حراسهم‏.‏

فلم يلتفت أحد منهم إليه ولا عطف عليه ما خلا القائد الأجل عدة الدولة رفق فإنه شكره وأثنى عليه‏.‏

وهو مع ذلك يقف بباب البحر فإذا أقبل عدة الدولة رفق يريد القصر تلقاه وسلم عليه فيكرمه ويسأل عن حاله ثم يدخل إلى القصر فإذا خرج وجده واقفاً على حاله فيسلم عليه ويتبعه إلى داره فإذا دخل انصرف عنه‏.‏

فأقام على ذلك أياما فخف على قلبه ورغب في اصطناعه فصار إذا وصل إلى داره أمره بالنزول معه فينزل ويتحدثان وكان حلو الحديث فيطيل عنده ثم ينصرف‏.‏

فصار يشتاقه إذا غاب ويمسكه إذا أراد الانصراف حتى تحضر المائدة‏.‏

وكانت أم المستنصر لما هلك أبو سعيد توقفت أمور خدمتها فأحضرت أخاه وأمرته بخدمتها فامتنع خوفا من الوزير والأتراك واستمرت ثلاثة أشهر تسأله وهو يمتنع‏.‏

فحضر أبو محمد اليازوري يوماً فجلس عدة الدولة رفق وجرى بينهما امتناع أبي نصر أخي أبي سعيد من خدمة أم المستنصر فقال له رفق‏:‏ أرى أن تكتب رقعة تلتمس خدمتها وتعرض نفسك عليها‏.‏

فقال أبو محمد‏:‏ قد كنت أظن جميل رأيك فيّ وإيثارك مصلحة حالي وأكذبني ظني‏.‏

فقال‏:‏ بماذا فقال‏:‏ الهزء بي فإني قد أجهدت في العود إلى قرية كنت فيها فبخل علي بها‏.‏

فكيف أتعرض لهذا الأمر الكبير ومناوأة الوزراء‏!‏ فقال له‏:‏ أما ترضاني سفيراً لك في هذا الأمر وعلي استفراغ الوسع فيه لوجوب حقك علي فإن قضت الأقدار ببلوغ الغرض في ذلك فقد أدركنا ما نؤثره وإن تكن الأخرى فقد أكثر من العطلة ما تحصل‏.‏

فأجاب إلى ذلك وكتب إلى السيدة رقعة يعرض نفسه وماله عليها ويخطب خدمتها ويبذل الاجتهاد فيها وأخذها منه رفق‏.‏

فلما كان من الغد ركب إلى القصر ودخل إلى السيدة وقد أحضر أبو نصر وعاودته الخطاب في خدمتها وهو يمتنع حتى أضجرها فانتهز عز الدولة رفق الفرصة بضجرها وقال‏:‏ يا مولاتنا قط طال غلق بابك ووقف خدمتك في امتناع الشيخ أبي نصر مما نريده منه وههنا من أنت تعرفينه وهو رجل مسلم وقاض وكبير المروءة وهو مستغن بماله وأملاكه عن التعرض لما لك وهو ثقة ناهض كاف فقالت‏:‏ من هو فقال القاضي أبو محمد اليازوري وهذه رقعته‏.‏

فأمرته بتسليمها إلى أبي نصر وقالت‏:‏ ما تقول فيه فلم يصدق بذلك‏.‏

فقال يا مولاتنا هو والله الثقة الأمين الناهض الذي يصلح لخدمتك وفيه لها جمال وما تظفرين بمثله‏.‏

فوقع ذاك منها بالموافقة‏.‏

فقال لرفق‏:‏ قل له يجلس في داره غداً حتى أنفذ إليه فسر بذلك وخرج فإذا أبو محمد في انتظاره على عادته فسار ولحق به أبو محمد فقال له‏:‏ أقمح أم شعير فقال‏:‏ بل بر يوسفي وقص عليه الخبر‏.‏

فلما كان الغد جاء الرسول مستدعياً له فركب إلى بابها فأحضرته وأدخلته وراء المقطع وردت إليه أمر بابها والنظر في ديوانها الذي هو باب الريح وجميع أحوالها ونزل‏.‏

فبلغ ذلك الوزير فكبر عليه وأقلقه أن تم على غير يده وأنه لا يقبل قوله عند السيدة لما في نفسها منه لقتل أبي سعيد‏.‏

وأقبل الأمراء الأتراك إلى القاضي أبي محمد فهنئوه بما صار إليه فقام إليهم وتلقاهم وأعظم سعيهم إليه وشكرهم وقال‏:‏ ما أنا إلا خادم ونائب لموالي الأمر أسأل في تشريفي بما يعين لهم من خدمة لأنهض فيها‏.‏

ثم لما قاموا نهض قائما لوداعهم‏.‏

وأخذ الوزير الفلاحي في العمل عليه فلم يمض إلا أيام حتى قبض عليه وقتل‏.‏

 

سنة أربعين وأربعمائة

فيها سار ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن الحسين بن الحسن بن حمدان أمير دمشق وشجاع الدولة جعفر بن كليد والي حمص بالعساكر وقبائل العربان إلى حلب لقتال أميرها ثمال بن صالح بن مرداس‏.‏

وذلك أن ثمال بن صالح كان قد قرر على نفسه في وزارة الفلاحي أن يحمل كل سنة عشرين ألفا فأخل الحمل سنتين وأخذ شجاع الدولة يغرى الوزير على ثمال ويسهل أمر حلب‏.‏

فخرج الأمر إلى ابن حمدان أن يسير هو ووالي حمص بجموع العرب فنزل بمن معه على حماة وفتحها وأخذ المعرة وأقدم فنزل على حلب لخمس بقين من ربيع الآخر‏.‏

وحارب ابن مرداس حروباً آلت إلى رحيل ابن حمدان بغير طائل في سادس عشر جمادى الأولى‏.‏

ففي عوده أصابه سيل هلك فيه أكثر ما معه من الخيل والرجال والأمتعة وعاد إلى دمشق‏.‏

فبعث ثمال إلى المستنصر يسأل عفوه وكان المتوسط بينهما أبو نصر إبراهيم أخو سعيد التستري فأجيب إلى ذلك وانفصل رسول من الحضرة‏.‏

فورد الخبر بأن ثمال بعث والياً إلى معرة النعمان وأنه أساء التدبير فانحرف عنه الناس وفر منهم إلى حلب وأن جعفراً أمير حمص بادر إلى المعرة فلقيه مقلد بن كامل بن مرداس وحاربه فقتل في الوقعة لست بقين من شعبان وحملت رأسه وشهرت بحلب وأسر كثير من عسكره فبعث المستنصر إلى رسول ثمال ورده وأفهمه ما ورد من المكاتبة‏.‏

ووجد الوزير أبو البركات السبيل إلى الإغراء بأبي نصر إبراهيم فما زال يبلغ المستنصر بأنه حمله الحقد لقتل أخيه على السعي فيما يضر الدولة من التوسط بين ثمال والحضرة وأن ابن حمدان أساء التدبير في رجوعه عن حلب‏.‏

فقبض على أبي نصر وأخذت عامة أمواله وعوقب حتى مات‏.‏

وولي دمشق بهاء الدولة مظفر الخادم الصقلبي وخرج إليها على جرائد الخيل فدخلها على حين غفلة وقبض على ناصر الدولة ابن حمدان وحمله إلى صور ونقله إلى الرملة وصودر وأقام مظفر الخدمة بدمشق‏.‏

وقبض على راشد بن سنان بن عليان أمير بني كلاب واعتقله بصور‏.‏

وخرج أمير الأمراء المظفر فخر الملك عدة الدولة وعمادها رفق الخادم في ثامن عشر ذي القعدة بتجمل كثير وأبهة عظيمة وقوة قوية وعدة وافرة وآلات طبله وعساكر تبلغ عدتهم ثلاثين ألفا وكان المنفق فيه عيناً مع قيمة العروض أربعمائة ألف دينار‏.‏

فبرز ظاهر القاهرة يريد حلب وخرج المستنصر لتشييعه وكتب لجميع أمراء الشام بالانقياد له والطاعة لأمره وأن يترجلوا له إذا لقوه‏.‏

وسار فوافى الرملة وقد وصل رسول صاحب القسطنطينية بالصلح بين المستنصر وبين بني مرداس ففشل رفق وانخرقت حرمته وجرت بالرملة وبدمشق أمور آلت إلى حرب بين العسكر عدة أيام فبات يوماً ظاهر دمشق‏.‏

وفيها قتل الوزير صدقة بن يوسف الفلاحي يوم الاثنين النصف من المحرم بخزانة البنود ودفن فيها‏.‏

واتفق في وفاته عجب وهو أنه لما ولى الوزارة سعى في اعتقال أبي علي الحسن بن علي الأنباري واعتقله بخزانة البنود ثم قتله في سنة ست وثلاثين وأربعمائة ودفنه بخزانة البنود‏.‏

فلما قبض عليه بعد صرفه عن الوزارة سجن في المكان الذي كان فيه ابن الأنباري من خزانة البنود وقتل فيها ودفن معه‏.‏

وكان ابن الأنباري من جماعة الوزير الجرجرائي ورفيقاً للفلاحي وصاحبه ولما ولي الوزارة تخوف منه وما زال يعمل عليه حتى قتله كما تقدم‏.‏

وفيها أقبلت حال أبي محمد اليازوري تزيد ومنزلته ترتفع وخلع عليه ثانيا وأمر ألا يقوم لأحد إذا دخل عليه ولو عظم قدره فكان يعتذر إلى من يغشاه من الجلة والرؤساء الأكابر وأنه ملك اختياره لبالغ في تكرمتهم بما يستحقونه خلا القائد عدة الدولة الذي كان سفيره فإنه كان إذا أقبل وثب إليه قائما‏.‏

فبلغ السيدة ذلك فقالت له‏:‏ لا تتحرك لأحد بالجملة فكان إذا جاءه اعتذار إليه‏.‏

ولقب بالمكين عمدة أمير المؤمنين وترقت أحواله حتى صار يحضر بحضرة الخليفة إذا أراد أن يستدعي الوزير كما كان أبو سعيد مع الفلاحي‏.‏

فعظم ذلك على الوزير لأنه كان إذا حضر القاضي أبو محمد اليازوري تحدث طويلاً والسيدة من وراء المقطع ثم يستدعي الوزير فيعرض ما يريد من أمر الدولة ولا يكون المجيب له إلا القاضي أبو محمد فإذا أجابه التفت إلى المستنصر وقال أليس هذا الصواب فيقول المستنصر نعم ثم يخرج الرسول من وراء المقطع ويقول هذا الصواب‏.‏

فكان الوزير كأنه يعرض على اليازوري الأمور دون الخليفة فيشق عليه ذلك ولا يتمكن من مخالفته ولا يستطيع الصبر على ما به‏.‏

وكان من جملة أصحاب الدواوين رجل يعرف بالشيخ الأجل عبد الملك زين الكفاة أبي المفضل صاعد بن مسعود وإليه ديوان الشام يومئذ وهو شيخ خود وكان الوزراء يعتمدون عليه ويرجعون إلى رأيه‏.‏

فأحضره الوزير وفاوضه في أمر اليازوري وأخذ رأيه فيما يعمل مع فأشار عليه بأن يحسن للخليفة أن يقلده القضاء ظنا منه أنه إذا تقلد القضاء فإنه يقع في أمر كبير ويشغله ذلك عن ملازمة السيدة فيجد الوزير سبيلاً إلى استخدام ولده مكانه ويتقوى له الأمر فيه ويملك جهة الخليفة والسيدة‏.‏

وكان قد تكلم في قاضي القضاة من أيام أبي سعيد وذكر أن أمور الناس ناقصة في حكوماته وأن له غلمانا قد استحوذوا على الحكم وهم الذين يوقفون أمور الناس فاستخدم أبو سعيد شاهداً يعرف بابن عبدون خليفة القاهرة وتقدم إلى قاضي القضاة ألا يفصل حكما بين اثنين إلا بحضوره‏.‏

وضبط ابن عبدون أمر الحكم ضبطا شديدا وكان الخصوم يجتمعون بباب القاضي والشهود بين يديه فلا يمضي حكما إلا في دعوى بين اثنين وما يحتاج إليه من إقامة بينة أو منازعة أمرأة مع بعل لها في فرض وما يجري هذا المجرى‏.‏

وأما في تثبيت أو قصص مستعجمة الحكم وما يحتاج فيه إلى مناظرات ومنازعات فلا يتكلم في شيء من ذلك إلا عند حضور ابن عبدون وحجج الناس يحتاط عليها في قمطر وتحمل بين يدي القاضي فإذا حضر ابن عبدون أحضرت وفصل الحكم فيما بين أصحابها‏.‏

وما زال كذلك حتى حضر إليه خصم في مرات فخاف عليه وتشفع إليه بأصدقائه فلم يعره فرضة يوما حتى خرج من مجلس قاضي القضاة وركب فتقدم إليه وقبل ركابه وخضع له وتلطف في أمره فلم يلتفت إليه فعاد إلى من خرج إليه من الشهود وسألهم سؤاله فانتهره‏.‏

فلما أيس منه وثب عليه بخنجر وخرق به بطنه فخر إلى الأرض ميتا‏.‏

وأخذ الرجل إلى أبي سعيد فنكل به وقطع يديه ورجليه وضرب عنقه‏.‏

ثم استخدم أبو سعيد بعد ابن عبدون القضاعي وابن أبي زكرى وأقامهما خليفتي قاضي القضاة وأمرهما بسلوك طريق ابن عبدون في الأحكام فلم يقوما مقامه وكانا يجاملان القاضي فعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل ابن عبدون إلا في فصل الأحكام فإنها كانت لا تنفصل إلا بحضورهما‏.‏

فثقل ذلك على القاضي لاستيلاء غلمانه عليه واتهامه أن أمور الناس واقفة وأنه لا ينفذ له حكم ولا أمر ولا نهي‏.‏

وكان يحضر مجلس الوزير يوم الخميس في القصر بعد قضاء خدمة المجالس ثم في الدار يوم الاثنين مسلما عليه‏.‏

فحضر دار الوزارة يوم الاثنين على رغمه فقربه الوزير وسأل عن حاله فأجاب بأنه لا حكم له ولا أمر والأحكام مردودة إلى خليفته ولهما الحكم دونه فإذا حضرا فتح باب الحكم وإذا غابا أغلق بابه‏.‏

فقال له‏:‏ كفيت يا قاضي القضاة‏.‏

وخرج من عنده وحضر بعده القضاعي وابن أبي زكرى فقال لهما الوزير‏:‏ ما لقاضي القضاة يتضرر منكما ويشكو استيلاءكما على الحكم دونه وأنه لا تنفذ أوامره معكما فقالا‏:‏ وأي أمر لنا دونه هل أوقفنا أمر أحكامه أولنا غلمان يمسكون حجج الناس حتى يصانعوهم عليها يعرضان بغلمان القاضي‏!‏ إنما نحن في حضورنا كبعض الشهود والأمر إليه في إمضاء الأحكام وإنا لنشاهد ما لا يتسع لنا الكلام فيه‏.‏

فقال‏:‏ كفيتما أيها القضاة‏.‏

وانصرفا وقد انفتح له باب الحيلة في صرف القاضي وتولية أبي محمد اليازوري‏.‏

واتفق مع ذلك توعك أبي محمد وانقطاعه أياما في داره عن مجلس الخليفة فخلا له وجه السلطان وأعاد عليه النوبة ثم قال له‏:‏ أنت يا أمير المؤمنين لسان الشرع ومقيم مناره ومنفذ أحكامه وقاضي القضاة إنما ينطق بلسانك وينفذ الأحكام عنك فإذا اشتهر في الأقطار ما يتم على الناس في أحكامهم كان سوء السمعة في ذلك على الدولة وإثارة الشناعة القبيحة عليها وفي الخصوم من هو من المشرق والمغرب واليمن وما وراءه والروم وفي استفاضة ذلك غضاضة على الدولة‏.‏

ونحن إنما نطول على الممالك والدول بإقامة سنن الشريعة وإظهار العدل الذي عفت آثاره في غيرها من الدول وقد كبر قاضي القضاة واستولى عليه غلمانه وغلبوا على أمره‏.‏

فقال المستنصر‏:‏ نحن نحفظ فيه خدمة سلفه لنا ومهاجرتهم معنا‏.‏

فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين حفظك الله وشكرك أما كان من كرامة سلفه أن يستتر حتى لا يشيع هذا عنه وما زال حتى قال الخليفة‏:‏ من في الدولة يجري مجراه فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين‏:‏ عبيدك كثير ومع ذلك فبين يديك من يتحمل الحكم به مع ثقته وأمانته وقربه من خدمتك القاضي أبو محمد‏.‏

فقال‏:‏ ذلك في خدمة مولاتنا الوالدة ولا يفسح له في ذلك‏.‏

فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين هي خلد الله ملكها أغير على دولتك وأحسن نظراً لها من أن تحول بينها وبين ما يجملها ومع ذلك فلم ينقل مما هو فيه إلى ما هو دونه بل إلى ما هو أوفى منه‏.‏

فأجاب إلى ذلك وقام فشرع في كتب سجله وإعداد الخلع له‏.‏

وسمع هذه النوبة القائد عدة الدولة فأوفد إلى أبي محمد يخبره وقال له تلطف في أمرك كما تريد‏.‏

فعظم ذلك عليه وخاف من بعده عن خدمة السيدة إذ كانت أجل الخدم فإن كل من في الدولة من وزير وأمير وغيرهما محتاج‏.‏

فلما كان عشاء الآخرة حمل على نفسه وهو محموم وركب إلى باب الريح ودخل وأنفذ يعلم السيدة مكانه فخرجت وراء المقطع وسألته عن حال مرضه وما الذي دعاه للعناء في هذا الوقت‏.‏

فقص عليها القصة وقال‏:‏ إنما الغرض إبعادي عن خدمتك ليقع التمكن مني‏.‏

فقالت‏:‏ وما الذي تكره من ذلك فقال‏:‏ يا مولاتنا هوى الحكم واسع وأحوال قاضي القضاة ابن النعمان فيه مشهورة ولو كانت جارية على النظام المستقيم لشغلت عن خدمتك فكيف والحاجة داعية إلى إصلاحه وإحكام نظامه وفي هذا شغل كبير‏.‏

فقالت‏:‏ لا يضيق صدرك بهذا الأمر فبابي لك وخدمتي موفورة عليك ولا أستبدل بك أبداً‏.‏

فقال‏:‏ يا مولاتنا قد قدمت القول أن هوى الحكم كبير واسع وانشغالي به يحول بيني وبين ملازمة بابك‏.‏

فقالت‏:‏ خليفتاك في الحكم القضاعي وابن أبي زكرى هما ينفذان من الأحكام ما يجوز تنفيذه فإذا تحررت إلى فصل الأحكام نزلت ففصلت ذلك وقررت لنزولك يومين في الجمعة لفصل الأحكام وإذا نزلت كان ولداك ينوبان عنك في تنفيذ أمور خدمتي وهذا التقرير لا يغلبك فعله‏.‏

فقبل الأرض ودعا وشكر وانصرف‏.‏

وكانت إذا قالت قولاً وفت به وثبتت عليه فإنها كانت وثيقة العقد حافظة العهد غير ناقضة له ولا متغيرة عنه مع من تطلع من أمره على ما يقتضي التغيير عليه فكيف بمن ترتضي طريقته وتحمد خلائقه‏.‏

وفيها ولي القائد بهاء الدولة وصارمها طارق الصقلبي المستنصري دمشق فقدمها صبيحة يوم الجمعة مستهل شهر رجب وساعة وصوله دخل القصر وقبض على ناصر الدولة أبي محمد الحسن بن الحسين بن حمدان‏.‏