فصل: سورة الإنسان:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم




.سورة الإنسان:

.فصول مهمة تتعلق بالسورة الكريمة:

.فصل في فضل السورة الكريمة:

قال مجد الدين الفيروزابادي:
فضل السّورة:
فيه من الأَحاديث المنكَرة حديث أُبي: «مَنْ قرأها كان جزاؤه على الله جَنَّة وحريرًا».
وحديث علي: «يا علي مَنْ قرأ {هَلْ أَتَى عَلَى الإنسان} أَعطاه الله من الثواب مثلَ ثواب آدم، وكان في الجنَّة رفيق آدم، وله بكلّ آية قرأها مثلُ ثواب سيّدَىْ شباب أَهل الجنَّة الحسن والحسين». اهـ.

.فصل في مقصود السورة الكريمة:

.قال البقاعي:

سورة الإنسان وتسمى هل أتى والأمشاج والدهر، مقصودها ترهيب الإنسان بما دل عليه آخر القيامة من العرض على الملك الديان بتعذيب العاصي في النيران وتنعيم المطيع في الجنان بعد جمع الخلائق كلها الإنس والجان والملائكة والجان وغير ذلك من الحيوان، ويكون لهم مواقف طوال وأهوال وزلزال، لكل منها أعظم شأن، وأدل ما فيها على ذلك الإنسان بتأمل آيته وتدبر مبدئه وغايته، وكذا تسميتها بهل أتى وبالدهر وبالأمشاج من غير ميل ولا اعوجاج. اهـ.

.قال مجد الدين الفيروزابادي:

.بصِيرة في {هل أتى على الإنسان}:

السّورة مكِّيّة.
وآياتها إِحدى وثلاثون.
وكلماتها مائتان وأَربعون.
وحروفها أَلْف وخمسون.
وفواصل آياتها على الأَلِف، ولها ثلاثة أَسماء: سورة (هل أَتى)؛ لمفتتحها، وسورة الإنسان؛ لقوله: {عَلَى الإنسان}، وسورة الدّهر؛ لقوله: {حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ}.

.معظم مقصود السّورة:

بيان مُدّة خِلقة آدم، وهداية الخَلْق بمصالحهم، وذكر ثواب الأَبرار، في دار القرأر، وذكر المِنّة على الرّسول صلى الله عليه وسلم وأَمره بالصّبر، وقيام اللَّيل، والمِنَّة على الخَلْق بإِحكام خَلْقهم، وإِضافة كلِّيّة المشيئة إِلى الله، في قوله: {يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}.

.الناسخ والمنسوخ:

فيها من المنسوخ ثلاث آيات: م {أَسِيرًا} في قوله: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ} م، والصّبر من قوله: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} م، والتخيير من قوله: {فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ} ن آية السّيف. اهـ.

.فصل في متشابهات السورة الكريمة:

.قال ابن جماعة:

سورة الإنسان:
457- مسألة:
قوله تعالى: {إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} ولم يقل شكورا لمطابقة كفورا؟
جوابه:
أنه جاء باللفظ الأعم لأن كل شكور شاكر وليس كل شاكر شكورا، أو قصد المبالغة في جانب الكفر ذماً له لأن كل كافر كفور بالنسبة إلى نعم الله عليه.
458- مسألة:
قوله تعالى: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ} {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا} لما لم يسم فاعله ثم قال تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ} بصيغة الفاعل؟.
جوابه:
أن القصد بالأول: وصف الآنية والمشروب، والمقصود بالثاني: وصف الطائف.
459- مسألة:
قوله تعالى: {كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا}، وقال تعالى بعد ذلك: {مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا}
جوابه:
أشار بالأولى إلى برودتها وطيبها.
والثانية: إلى طعمها ولذتها، لأن العرب كانت تستطيب الشراب البارد، وتستلذ طعم الزنجبيل، وذكرت ذلك في أشعارها، فظاهر القرآن أنهما أسماء عينين في الجنة، فقيل: الكافور للإبراد، والزنجبيل يمزجون بها أشربتهم، ويشربها المقر بون صرفا.
460- مسألة:
قوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ} وفى المدثر: {إِنَّهُ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ}.
جوابه:
أن المراد هنا هذه السورة أو الآيات. وفى المدثر: المراد القرآن. اهـ.

.قال مجد الدين الفيروزابادي:

المتشابهات:
قوله: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ}، وبعده: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ} إِنَّما ذكر الأَوّل بلفظ المجهول؛ لأَنَّ المقصود ما يطاف به له الطَّائفون.
ولهذا قال: {بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ} ثمّ ذكر الطَّائفين، فقال: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ}.
قوله: {مِزَاجُهَا كَافُوراً} وبعدها: {زَنْجَبِيلاً}؛ لأَنَّ الثَّانية غير الأُولى.
وقيل: {كَافُوراً} اسم عَلَم لذلك الماءِ، واسم الثانى زنجبيل.
وقيل اسمها: سلسبيل.
قال ابن المبارك: معناه: سَلْ من الله إِليه سبيلاً.
ويجوز أَن يكون اسمها زنجبيلاً، ثمّ ابتدأَ فقال: سلسبيلا.
ويجوز أَن يكون اسمها هذه الجملة، كقوله: تأَبّط شرًّا، وشاب قرناها.
ويجوز أَن يكون معنى تُسمّى: تُذكر، ثمّ قال الله: سل سبيلا، واتصاله في المصحف لا يمنع هذا التأْويل؛ لكثرة أَمثاله فيه. اهـ.

.فصل في التعريف بالسورة الكريمة:

.قال ابن عاشور:

سورة الإنسان:
سميت في زمن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم {سورة هل أتى على الإنسان}. روى البخاري في باب القراءة في الفجر من (صحيحه) عن أبي هريرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر بـ: {ألم السجدة وهل أتى على الإنسان} (الإنسان: 1).
واقتصر صاحب (الإِتقان) على تسمية هذه السورة (سورة الإنسان) عند ذكر السور المكية والمدنية، ولم يذكرها في عداد السور التي لها أكثر من اسم.
وتسمّى (سورة الدهر) في كثير من المصاحف.
وقال الخفاجي تسمى (سورة الأمشاج)، لوقوع لفظ الأمشاج فيها ولم يقع في غيرها من القرآن.
وذكر الطبرسي: أنها تسمى (سورة الأَبرار)، لأن فيها ذكر نعيم الأبرار وذكرهم بهذا اللفظ ولم أره لغيره.
فهذه خمسة أسماء لهذه السورة.
واختلف فيها فقيل هي مكية، وقيل مدنية، وقيل بعضها مكي وبعضها مدني.
فعن ابن عباس وابن أبي طلحة وقتادة ومقاتل: هي مكية، وهو قول ابن مسعود لأنه كذلك رتبها في مصحفه فيما رواه أبو داود كما سيأتي قريباً.
وعلى هذا اقتصر معظم التفاسير ونسبه الخفاجي إلى الجمهور.
وروى مجاهد عن ابن عباس: أنها مدنية، وهو قول جابر بن زيد وحكي عن قتادة أيضاً.
وقال الحسن وعكرمة والكلبي: هي مدنية إلاّ قوله: {ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً} (الإنسان: 24 {إلى آخرها، أوْ قوله:)فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم} (الإنسان: 24) الخ. ولم يذكر هؤلاء أن تلك الآيات من أيَّة سورة كانت تعد في مكة إلى أن نزلت سورة الإنسان بالمدينة وهذا غريب. ولم يعينوا أنه في أية سورة كانَ مَقْرُوءاً.
والأصح أنها مكية فإن أسلوبها ومعانيها جارية على سنن السور المكية ولا أحسب الباعث على عدها في المدني إلاّ ما روي من أن آية {يُطعمون الطعام على حبه} (الإنسان: 8) نزلت في إطعام علي بن أبي طالب بالمدينة مسكيناً ليلةً، ويتيماً أخرى، وأسيراً أخرى، ولم يكن للمسلمين أسرى بمكة حملاً للفظ أسير على معنى أسير الحرب، أو ما روي أنه نزل في أبي الدحداح وهو أنصاري، وكثيراً ما حملوا نزول الآية على مُثل تنطبق عليها معانيها فعبروا عنها بأسباب نزول كما بيناه في المقدمة الخامسة.
وعدّها جابر بن زيد الثامنة والتسعين في ترتيب نزول السور. وقال: نزلت بعد سورة الرحمن وقَبْل سورة الطلاق. وهذا جريٌ على ما رآه أنها مدنية.
فإذا كان الأصح أنها مكية أخذاً بترتيب مصحف ابن مسعود فتكون الثلاثين أو الحادية والثلاثين وجديرة بأن تعد قبل سورة القيامة أو نحو ذلك حسبما ورد في ترتيب ابن مسعود.
روي أبو داود في باب تَحْزيب القرآن من (سُننه) عن علقمة والأسود عن ابن مسعود قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ النظائر السورتين وعدّ سوراً فقال: {هل أتى} {ولا أقسم بيوم القيامة} في ركعة. قال أبو داود: هذا تأليف ابن مسعود (أي تأليف مصحفه).
واتفق العادُّون على عد آيها إحدى وثلاثين. اهـ.

.قال سيد قطب:

تعريف بسورة الإنسان:
في بعض الروايات أن هذه السورة مدنية، ولكنها مكية؛ ومكيتها ظاهرة جدا، في موضوعها وفي سياقها، وفي سماتها كلها. لهذا رجحنا الروايات الأخرى القائلة بمكيتها. بل نحن نلمح من سياقها أنها من بواكير ما نزل من القرآن المكي.. تشي بهذا صور النعيم الحسية المفصلة الطويلة، وصور العذاب الغليظ، كما يشي به توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الصبر لحكم ربه، وعدم إطاعة آثم منهم أو كفور؛ مما كان يتنزل عند اشتداد الأذى على الدعوة وأصحابها في مكة، مع إمهال المشركين وتثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم على الحق الذي نزل عليه، وعدم الميل إلى ما يدهنون به.. كما جاء في سورة القلم، وفي سورة المزمل، وفي سورة المدثر، مما هو قريب من التوجيه في هذه السورة.. واحتمال أن هذه السورة مدنية- في نظرنا- هو احتمال ضعيف جدا، يمكن عدم اعتباره!
والسورة في مجموعها هتاف رخي ندي إلى الطاعة، والالتجاء إلى الله، وابتغاء رضاه، وتذكر نعمته، والإحساس بفضله، واتقاء عذابه، واليقظة لابتلائه، وإدراك حكمته في الخلق والإنعام والابتلاء والإملاء.. وهي تبدأ بلمسة رفيقة للقلب البشري: أين كان قبل أن يكون؟ من الذي أوجده؟ ومن الذي جعله شيئا مذكورا في هذا الوجود؟ بعد أن لم يكن له ذكر ولا وجود: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا}.. تتلوها لمسة أخرى عن حقيقة أصله ونشأته، وحكمة الله في خلقه، وتزويده بطاقاته ومداركه: {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا}..
ولمسة ثالثة عن هدايته إلى الطريق، وعونه على الهدى، وتركه بعد ذلك لمصيره الذي يختاره: {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا}..
وبعد هذه اللمسات الثلاث الموحية، وما تثيره في القلب من تفكير عميق، ونظرة إلى الوراء. ثم نظرة إلى الأمام، ثم التحرج والتدبر عند اختيار الطريق.. بعد هذه اللمسات الثلاث تأخذ السورة في الهتاف للإنسان وهو على مفرق الطريق لتحذيره من طريق النار.. وترغيبه في طريق الجنة، بكل صور الترغيب، وبكلهواتف الراحة والمتاع والنعيم والتكريم: {إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا}..
وقبل أن تمضي في عرض صور المتاع ترسم سمات هؤلاء الأبرار في عبارات كلها انعطاف ورقة وجمال وخشوع يناسب ذلك النعيم الهانئ الرغيد: {يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا}..
ثم تعرض جزاء هؤلاء القائمين بالعزائم والتكاليف، الخائفين من اليوم العبوس القمطرير، الخيرين المطعمين على حاجتهم إلى الطعام، يبتغون وجه الله وحده، لا يريدون شكورا من أحد، إنما يتقون اليوم العبوس القمطرير!
تعرض جزاء هؤلاء الخائفين الوجلين المطعمين المؤثرين. فإذا هو الأمن والرخاء والنعيم اللين الرغيد:
{فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قوارير قوارير من فضة قدروها تقديرا ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا عينا فيها تسمى سلسبيلا ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا}.
فإذا انتهى معرض النعيم اللين الرغيد المطمئن الهانئ الودود اتجه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتثبيته على الدعوة- في وجه الإعراض والكفر والتكذيب- وتوجيهه إلى الصبر وانتظار حكم الله في الأمر؛ والاتصال بربه والاستمداد منه كلما طال الطريق: {إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا}..
ثم تذكيرهم باليوم الثقيل الذي لا يحسبون حسابه؛ والذي يخافه الأبرار ويتقونه، والتلويح لهم بهوان أمرهم على الله، الذي خلقهم ومنحهم ما هم فيه من القوة، وهو قادر على الذهاب بهم، والإتيان بقوم آخرين؛ لولا تفضله عليهم بالبقاء، لتمضي مشيئة الابتلاء. ويلوح لهم في الختام بعاقبة هذا الابتلاء: إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا. نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا. إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا. وما تشاؤون إلا أن يشاء الله، إن الله كان عليما حكيما. يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما..
تبدأ السورة بالتذكير بنشأة الإنسان وتقدير الله في هذه النشأة، على أساس الابتلاء، وتختم ببيان عاقبة الابتلاء، كما اقتضت المشيئة منذ الابتداء. فتوحي بذلك البدء وهذا الختام بما وراء الحياة كلها من تدبير وتقدير، لا ينبغي معه أن يمضي الإنسان في استهتاره. غير واع ولا مدرك، وهو مخلوق ليبتلى، وموهوب نعمة الإدراك لينجح في الابتلاء.
وبين المطلع والختام ترد أطول صورة قرآنية لمشاهد النعيم. أو من أطولها إذا اعتبرنا ما جاء في سورة الواقعةمن صور النعيم، وهو نعيم حسي في جملته، ومعه القبول والتكريم، وهو بتفصيله هذا وحسيته يوحي بمكيته، حيث كان القوم قريبي عهد بالجاهلية، شديدي التعلق بمتاع الحواس، يبهرهم هذا اللون ويعجبهم، ويثير تطلعهم ورغبتهم. وما يزال هذا اللون من المتاع يثير تطلع صنوف من الناس، ويصلح جزاء لهم يرضي أعمق رغباتهم. والله أعلم بخلقه ما يصلح لهم وما يصلح قلوبهم، وما يليق بهم كذلك وفق تكوينهم وشعورهم. وهناك ما هو أعلى منه وأرق كالذي جاء في سورة القيامة: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة}.. والله أعلم بما يصلح للعباد في كل حال. اهـ.

.قال الصابوني:

سورة الإنسان:
مدنية.
وآياتها إحدى وثلاثون آية.
بين يدي السورة:
* سورة الدهر من السور المدنية، وهي تعالج أمورا تتعلق بالآخرة، وبوجه خاص تتحدث عن نعيم المتقين الأبرار، في دار الخلد والإقامة في جنات النعيم، ويكاد يكون جو السورة هو جو السور المكية لإيحاءاتها وأسلوبها ومواضيعها المتنوعة.
* ابتدأت السورة الكريمة ببيان قدرة الله في خلق الإنسان في أطوار، وتهيئته ليقوم بما كلف به من أنواع العبادة، حيث جعل الله تعالى له السمع والبصر وسائر الحواس {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا} الآيات.
* ثم تحدثت عن النعيم الذي أعده الله في الآخرة لأهل الجنة {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا} الآيات.
* ثم ذكرت أوصاف هؤلاء السعداء بشيء من الاسهاب، فوصفتهم بالوفاء بالنذر، وإطعام الفقراء ابتغاء مرضاة الله، والخوف من عذاب الله، وذكرت أن الله تعالى قد آمنهم من ذلك اليوم العبوس، الذي تكلح فيه الوجوه {يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا} الآيات.
* وأشادت بعد ذكر أوصافهم بما لهم عند الله من الأجر والكرامة في دار الإقامة، وبما حباهم الله من الفضل والنعيم يوم الدين {وجزاهم بما صبروا جنة وحربرا متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا} الآيات.
* وتتابعت السورة في سرد نعيم أهل الجنة في مأكلهم، ومشربهم، وملبسهم، وخدمهم الذين يطوفون عليهم صباح مساء {ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا قوارير من فضة قدروها تقديرا ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا عينا فيها تسمى سلسبيلا ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا} الآيات.
* وختمت السورة الكريمة ببيان أن هذا القرآن تذكرة لمن كان له قلب يعي، أو فكر ثاقب يستضيء بنوره {إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما}. اهـ.

.قال أبو عمرو الداني:

سورة الإنسان 76:
مكية وقال جابر بن زيد هي مدنية.
وقد ذكر نظيرتها في المدني الأخير والمكي ولا نظير لها في غيرهما.
وكلمها مائتان واثنتان وأربعون كلمة.
وحروفها ألف وأربعة وخمسون حرفا.
وهي إحدى وثلاثون آية في جميع العدد ليس فيها اختلاف.
وفيها مما يشبه الفواصل أربعة مواضع:
{السبيل} {مسكينا ويتيما} {مخلدون} {رأيت نعيما}.

.ورءوس الآي:

{مذكورا}.
1- {بصيرا}.
2- {كفورا}.
3- {وسعيرا}.
4- {كافورا}.
5- {تفجيرا}.
6- {مستطيرا}.
7- {وأسيرا}.
8- {شكورا}.
9- {قمطريرا}.
10- {وسرورا}.
11- {وحريرا}.
12- {زمهريرا}.
13- {تذليلا}.
14- {قواريرا}.
15- {تقديرا}.
16- {زنجبيلا}.
17- {سلسبيلا}.
18- {منثورا}.
19- {كبيرا}.
20- {طهورا}.
21- {مشكورا}.
22- {تنزيلا}.
23- {أو كفورا}.
24- {وأصيلا}.
25- {طويلا}.
26- {ثقيلا}.
27- {تبديلا}.
28- {سبيلا}.
29- {حكيما}.
30- {أليما}. اهـ.

.فصل في معاني السورة كاملة:

.قال المراغي:

سورة الإنسان:
{هل}: أي قد، {حين}: أي طائفة محدودة من الزمان، و{الدهر}: الزمان غير المحدود، {أمشاج}: أي أخلاط واحدها مشج (بفتحتين) ومشيج، {نبتليه}: أي نختبره، {السبيل}: الطريق، أي بنصب الدلائل وإنزال الآيات.
{أعتدنا}: أي هيأنا وأعددنا، والأغلال: واحدها غلّ (بالضم) وهو القيد، والسعير: النار الموقدة، و{الأبرار}: واحدهم برّ. قال في الصحاح: جمع البر الأبرار، وجمع البارّ البررة، والأبرار هم أهل الطاعة والإخلاص والصدق وقال قتادة: هم الذين يؤدون حق الله ويوفون بالنذر، وقيل هم الصادقون في إيمانهم، المطيعون لربهم، الذين سمت همتهم عن المحقرات، فظهرت في قلوبهم ينابيع الحكمة، والكأس: هي الإناء الذي فيه الشراب، وقد يطلق الكأس على الخمر نفسها وهو للمراد كما قال أبو نواس:
وكأس شربت على لذة ** وأخرى تداويت منها بها

وقال عمرو بن كلثوم:
صبنت الكأس عنا أم عمرو ** وكان الكأس مجراها اليمينا

والمزاج: ما يمزج به كالحزام لما يحزم به، أي يكون شوبها وخلطها بماء الكافور كما قال:
كأن سبيئة من بيت رأس ** يكون مزاجها عسل وماء

وجعلت كالكافور لما فيه من البياض وطيب الرائحة والبرودة، {بها}: أي منها، {يفجرونها}: أي يجرونها إلى منازلهم وقصورهم حيث شاءوا، {يوفون بالنذر}: أي يؤدون ما أوجبوه على أنفسهم من الطاعات، شره: أي شدائده، {مستطيرا}: أي فاشيا منتشرا في الأقطار من قولهم: استطار الحريق والفجر إذا انتشر، {عبوسا}: أي تعبس فيه الوجوه، {قمطريرا}: أي شديد العبوس، تقول العرب يوم قمطرير وقماطر، وأنشد الفراء:
بنى عمنا هل تذكرون بلاءنا عليكم إذ

وقاهم: أي دفع عنهم، لقّاهم: أي أعطاهم، {نضرة}: أي حبورا. قال الحسن ومجاهد: {نضرة} في وجوههم، و{سرورا} في قلوبهم.
{الأرائك}: واحدتها أريكة، وهو السرير في الحجلة (الناموسية) والزمهرير: البرد الشديد، {دانية}: أي قريبة، {ظلالها}: أي ضلال أشجارها، {وذللت}: أي سخرت ثمارها وسهل أخذها وتناولها، والقطوف: الثمار، واحدها قطف (بكسر القاف) و(آنية): واحدها إناء، وهو ما يوضع فيه الشراب، والأكواب: واحدها كوب، وهو كوز لا عروة له، والقوارير: واحدتها قارورة، وهى إناء رقيق من الزجاج، {قدّروها تقديرا}: أي قدرها السقاة على قدر رىّ شاربها، {كأسا}: أي خمرا، والزنجبيل: نبت في أرض عمّان وهو عروق تسرى في الأرض وليس بشجر، ومنه ما يأتى من بلاد الزنج والصين وهو الأجود، قاله أبو حنيفة الدينوري، وكانت العرب تحبه في الشراب، لأنه يحدث لذعا في اللسان إذا مزج بالشراب، قال الأعشى.
كأن القرنفل والزنجبيل ** باتا بفيها وأريا مشورا

والسلسبيل: الشراب اللذيذ، تقول العرب: هذا شراب سلسل وسلسال وسلسبيل: أي طيب الطعم لذيذه، وتسلسل الماء في الحلق: جرى، {مخلدون}: أي دائمون على البهاء والحسن لا يهرمون ولا يتغيرون، {ثمّ}: أي هناك، والسندس: ما رقّ من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه، والأساور: واحدها سوار.
{نزّلنا عليك القرآن تنزيلا}: أي أنزلناه عليك مفرقا منجما، حكم ربك: هو أخير نصرك على الكفار إلى حين، والآثم: هو الفاجر المجاهر بالمعاصي، والكفور: هو المشرك المجاهر بكفره، {بكرة وأصيلا}: أي أول النهار وآخره، والمراد بذلك جميع الأوقات، اسجد: أي صلّ، سبحه: أي تهجد، {وراءهم}: أي أمامهم، {شددنا أسرهم}: أي أحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب والعروق، {بدّلنا أمثالهم}: أي أهلكناهم وبدلنا أمثالهم في شدة الخلق. اهـ. باختصار.

.قال الفراء:

سورة الإنسان:
{هَلْ أَتَى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً}
قوله تبارك وتعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ..}..
معناه: قد أتى على الإنسان حين من الدهر. {وهل} قد تكون جحدا، وتكون خبرا. فهذا من الخبر؛ لأنك قد تقول: فهل وعظتك؟ فهل أعطيتك؟ تقرره بأنك قد أعطيته ووعظته والجحد أن تقول: وهل يقدر واحد على مثل هذا؟.
وقوله تبارك وتعالى: {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً..}..
يريد: كان شيئا، ولم يكن مذكورا. وذلك من حين خلقه الله من طين إلى أن نفخ فيه الروح.
{إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نبتليه فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً}
وقوله عز وجل: {أَمْشَاجٍ نبتليه..}..
الأمشاج: الأخلاط، ماء الرجل، وماء المرأة، والدم، والعلَقة، ويقال للشيء من هذا إذا خلط: مشيج؛ كقولك: خليط، وممشوج، كقولك: مخلوط.
وقوله: {نبتليه..}. والمعنى والله أعلم: جعلناه سميعا بصيرا لنبتليه، فهذه متقدّمة معناها التأخير، إنما المعنى: خلقناه وجعلناه سميعا بصيرا لنبتليه.
{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكراً وَإِمَّا كفوراً}
وقوله تبارك وتعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ..}..
وإلى السبيل، وللسبيل. كل ذلك جائز في كلام العرب. يقول: هديناه: عرّفناه السبيل، شكر أو كفر، و(إما) ها هنا تكون جزاء، أي: إن شكر وإن كفر، وتكون على (إما) التي مثل قوله: {إِما يُعَذِّبهمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} فكأنه قال: خلقناه شقيا أو سعيدا.
{إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سلاسل وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً}
وقوله عز وجل: {سلاسل وَأَغْلاَلاً..}..
كتبت {سلاسل} بالألف، وأجراها بعض القراء لمكان الألف التي في أخرها. ولم يجر بعضهم. وقال الذي لم يجر: العرب تثبت فيما لا يجرى الألف في النصب، فإِذا وصلوا حذفوا الألف، وكلٌّ صواب. ومثل ذلك قوله: {كانَتْ قَوَارِيراً} أثبتت الألف في الأولى؛ لأنها رأس آية، والأخرى ليست بآية. فكان ثباتُ الألف في الأولى أقوى لهذه الحجة، وكذلك رأيتها في مصحف عبد الله، وقرأ بها أهل البصرة، وكتبوها في مصاحفهم كذلك. وأهل الكوفة والمدينة يثبتون الألف فيهما جميعا، وكأنهم استوحشوا أن يكتب حرف واحد في معنًى نصب بكتابين مختلفين. فإن شئت أجريتهما جميعا، وإن شئت لم تجرهما، وإن شئت أجريت الأولى لمكان الألف في كتاب أهل البصرة. ولم تجر الثانية إذ لم يكن فيها الألف.
{إِنَّ الأَبْرَارَ يشربونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً}
وقوله عز وجل: {يشربونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً..}..
يقال: إنها عين تسمى الكافور، وقد تكون كان مزاجها كالكافور لطيب ريحه، فلا تكون حينئذ اسماً، والعرب تجعل النصب في أي هذين الحرفين أحبوا. قال حسان:
كأنَّ خبيئَةً من بيت رأْسٍ ** يكونُ مِزاجُها عَسلٌ وماءُ

وهو أبين في المعنى: أن تجعل الفعل في المزاج، وإن كان معرفة، وكل صواب. تقول: كان سيدَهم أبوك، وكان سيدُهم أباك. والوجه أن تقول: كان سيدَهم أبوك؛ لأن الأب اسم ثابت والسيد صفة من الصفات.
{عيناً يشرب بها عِبَادُ الله يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً}
وقوله عز وجل: {عيناً..}..
إن شئت جعلتها تابعة للكافور كالمفسِّرة، وإن شئت نصبتها على القطع من الهاء في {مزاجها}.
وقوله عز وجل: {يشرب بها..}.، و{يشربها}.
سواء في المعنى، وكأن يشرب بها: يَروَى بها، وينقَع. وأما يشربونها فبيّن، وقد أنشدنى بعضهم:
شَرِبْنَ بِمَاءِ البحرِ ثمَّ تَرَفَّعتْ ** مَتى لُججٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نئيجُ

ومثله: إنه ليتكلم بكلام حسن، ويتكلم كلاماً حسناً.
وقوله عز وجل: {يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً..}..
أيها أحب الرجل من أهل الجنة فجرها لنفسه.
{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً}
وقوله عز وجل: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ..}..
هذه من صفاتهم في الدنيا، كأن فيها إضمار كان: كانوا يوفون بالنذر.
وقوله عز وجل: {وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً..}..
ممتد البلاء، والعرب تقول: استطار الصدع في القارورة وشبهها، واستطال.
{إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً}
وقوله عز وجل: {عَبُوساً قَمْطَرِيراً..}..
والقمطرير: الشديد، يقال: يوم قمطرير، ويوم قماطر، أنشدنى بعضهم:
بَنِى عمِّنا، هل تذكُرونَ بَلاءَنا ** علَيكُمْ إذا ما كانَ قُمَاطِرُ

{متكئين فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً}
وقوله عز وجلك {متكئين فِيهَا..}..
منصوبة كالقطع. وإن شئت جعلته تابعاً للجنة، كأنك قلت: جزاؤهم جنة متكئين فيها.
{وَدانية عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا وَذللت قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً}
وقوله جل ذكره: {وَدانية عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا..}..
يكون نصباً على ذلك: جزاؤهم جنة متكئين فيها، ودانية ظلالها. وإن شئت جعلت: الدانية تابعة للمتكئين على سبيل القطع الذي قد يكون رفعاً على الاستئناف. فيجوز مثل قوله: {وَهَذَا بَعْلِى شَيْخاً} {وشيخٌ}، وهى في قراءة أبى: {ودانٍ عليهم ظلالها} فهذا مستأنف في موضع رفع، وفى قراءة عبد الله: {ودانياً عليهم ظلالها}، وتذكير الدانى وتأنيثه كقوله: {خَاشِعاً أبْصَارُهم} في موضع، وفى موضع {خاشعةً أبصارهم}. وقد تكون الدانية منصوبة على مثل قول العرب: عند فلان جاريةٌ جميلةٌ، وشابةً بعد طريةً، يعترضون بالمدح اعتراضاً، فلا ينوون به النسق على ما قبله، وكأنهم يضمرون مع هذه الواو فعلا تكون به النصب في إحدى القراءتين: {وحوراً عيناً}. أنشدنى بعضهم:
ويأوى إلى نسوة عاطلاتٍ ** وشُعثا مراضيعَ مثل السعالِى

بالنصب يعنى: وشعثا، والخفض أكثر.
وقوله عز وجل: {وَذللت قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً..}..
يجتنى أهل الجنة الثمرة قياماً وقعوداً، وعلى كل حال لا كلفة فيها.
{وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَاْ}
وقوله عز وجل: {كَانَتْ قَوَارِيرَاْ..}..
يقول: كانت كصفاء القوارير، وبياض الفضة، فاجتمع فيها صفاء القوارير، وبياض الفضة.
{قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً}
وقوله عز وجل: {قَدَّرُوهَا..}..
قدروا الكأس على رِى أحدهم لا فضل فيه ولا عجز عن ريه، وهو ألذ الشراب.
وقد رَوى بعضهم عن الشعبى: {قُدِّروها تَقْدِيراً}. والمعنى واحد، والله أعلم، قدِّرت لهم، وقدِروا لها سواء.
{وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً عيناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً}
وقوله: {كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً..}..
إنما تسمى الكأس إذا كان فيها الشراب، فإذا لم يكن فيها الخمر لم يقع عليها اسم الكأس. وسمعت بعض العرب يقول للطبق الذي يُهدى عليه الهدية: وهو المِهْدَى، ما دامت عليه الهدية، فإذا كان فارغا رجع إلى اسمه إن كان طبقاً أو خواناً، أو غير ذلك.
وقوله عز وجل: {زَنجَبِيلاً... عيناً..}..
ذكر أن الزنجبيل هو العين، وأن الزنجبيل اسم لها، وفيها من التفسير ما في الكافور.
وقوله عز وجل: {تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً..}..
ذكروا أن السلسبيل اسم للعين، وذكر أنه صفة للماء لسلسلته وعذوبته، ونرى أنه لو كان اسما للعين لكان ترك الإجراء فيه أكثر، ولم نَر أحدا من القراء ترك إجراءها وهو جائز في العربية، كما كان في قراءة عبد الله: {وَلاَ تَذَرُنّ وَدًّا ولا سُوَاعاً ولا يَغُوثاً ويَعُوقاً} بالألف. وكما قال: {سلاسلا}، و{قواريرا} بالألف، فأجروا ما لا يجرى، وليس بخطأ، لأن العرب تجرى ما لا يجرى في الشعر، فلو كان خطأ ما أدخلوه في أشعارهم، قال متمم بن نويرة:
فما وجد أظآرٍ ثلاثٍ روائمٍ ** رأين مَجَرًّا من حُوارٍ ومصْرعَا

فأجرى روائم، وهى مما لا يجرى فيما لا أحصيه في أشعارهم.
{وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً}
وقوله عز وجل: {مُّخَلَّدُونَ..}..
يقول: محلّون مُسَورون، ويقال: مُقَرطون، ويقال: مخلدون دائم شبابهم لا يتغيرون عن تلك السنن، وهو أشبهها بالصواب- والله أعلم- وذلك أن العرب إذا كبر الرجل، وثبت سواد شعره قيل: إنه لمخلد، وكذلك يقال إذا كبر ونبتت له أسنانه وأضراسه قيل: إنه لمخلد ثابت الحال. كذلك الوُلدانُ ثابتة أسنانهم.
{وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً}
وقوله عز وجل: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً..}..
يقال: إذا رأيت ما ثَمّ رأيت نعيما، وصلح إضمار (ما) كما قيل: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ}. والمعنى: ما بينكم، والله أعلم. ويقال: إذا رأيت ثم، يريد: إذا نظرت، ثم إذا رميت ببصرك هناك رأيت نعيما.
{عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبرق وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبهمْ شَرَاباً طَهُوراً}
وقوله عز وجل: {عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ..}..
نصبها أبو عبدالرحمن وعاصم والحسن البصرى، جعلوها كالصفة فوقهم. والعرب تقول: قومك داخل الدار، فينصبون داخل الدار؛ لأنه مَحَل، فعاليهم من ذلك. وقد قرأ أهل الحجاز وحمزة: {عَالِيهم} بإرسال الياء، وهى في قراءة عبد الله: {عاليتُهم ثيابُ سُنْدُسٍ} بالتاء. وهى حجةٌ لمن أرسل الياءَ وسكنها. وقد اختلف القراء فى: الخضر والسندس، فخفضهما يحيى بن وثاب أراد أن يجعل الخضر من صفة السندس ويكسر على الاستبرق ثيابَ سندس، وثيابَ استبرق، وقد رفع الحسن الحرفين جميعاً. فجعل الخضر من صفة الثياب، ورفع الاستبرق بالرد على الثياب، ورفع بعضهم الخضر، وخفض الاستبرق ورفع الاستبرق وخفض الخضر، وكل ذلك صواب. والله محمود.
وقوله عز وجل: {شَرَاباً طَهُوراً..}..
يقول: طهور ليس بنجس كما كان في الدنيا مذكوراً بالنجاسة.
{فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كفوراً}
وقوله عز وجل: {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كفوراً..}..
(وُ) ها هنا بمنزلة (لا)، وأو في الجحد والاستفهام والجزاء تكون في معنى (لا) فهذا من ذلك. وقال الشاعر:
لا وَجْدُ ثَكْلَى كما وَجِدْتُ وَلا ** وَجْدُ عَجُولٍ أَضَلَّهَا رُبَعُ

أَوْ وَجْدُ شيخٍ أصَلَّ ناقَتهُ ** يَوْمَ توافَى الحجيجُ فاندفعُوا

أراد: ولا وجد شيخ وقد يكون في العربية: لا تطيعن منهم من أثم أو كفر. فيكون المعنى في (أو) قريباً من معنى (الواو). كقولك للرجل: لأعطينك سَألت، أو سكتَّ معناه: لأعطينك على كل حال.
{نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً}
وقوله عز وجل: {وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ..}..
والأسر؛ الخَلْق. تقول: لقد أُسِر هذا الرجل أحسنُ الأسر، كقولك: خُلِقَ أحْسَن الخَلْق.
{إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبه سَبِيلاً}
وقوله عز وجل: {إِنَّ هَاذِهِ تَذْكِرَةٌ..}..
يقول: هذه السورة تذكرة وعظة. {فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبه سَبِيلاً..}. وِجهة وطريقاً إلى الخير.
{وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ الله إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً}
وقوله عز وجل: {وَمَا تَشَاءُونَ..}..
جواب لقوله: {فَمَنْ شَاءَ اتّخذَ إلَى رَبه سَبِيلاً}.
ثم أخبرهم أن الأمر ليس إليهم، فقال: {وَمَا تَشَاءُونَ} ذلك السبيل {إِلاَّ أَن يَشَاءَ الله} لكم، وفى قراءة عبد الله {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ الله} والمعنى في (ما) و(أن) متقارب.
{يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}
وقوله عز وجل: {وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ..}..
نصبت الظالمين؛ لأن الواو في لها تصير كالظرف لأعدّ. ولو كانت رفعاً كان صوابا، كما قال: {والشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} بغير همز، وهى في قراءة عبد الله: {وللظالمين أعد لهم} فكرر اللام في (الظالمين) وفى (لهم)، وربما فعلت العرب ذلك. أنشدنى بعضهم:
أقول لها إذا سألت طلاقا ** إلامَ تسارعين إلى فراقى

وأنشدنى بعضهم:
فأصبحْنَ لا يَسلنهُ عن بما به ** أصعَّد في غاوى الهَوى أم تصوَّبا؟

فكرر الباء مرتين. فلو قال: لا يسلنه عما به، كان أبين وأجود. ولكن الشاعر ربما زاد ونقص ليكمل الشعر. ولو وجهت قول الله تبارك وتعالى: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عن النَّبَإِ الْعَظِيم} إلى هذا الوجه كان صواباً في العربية.
وله وجه آخر يراد: عم يتساءلون يا محمد! ثم أخبر، فقال: يتساءلون عن النبإ العظيم، ومثل هذا قوله في المرسلات: {لأَِىِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ} تعجباً، ثم قال: {ليوم الفصل} أي: أجلت ليوم الفصل. اهـ.

.قال بيان الحق الغزنوي:

سورة الإنسان:
{هل أتى على الإنسان} [1] يمكن تقدير هل على وضعه في الاستفهام ها هنا، كأنه سؤال عن الإنسان: هل أتى عليه هذا؟ فلابد في جوابه من (نعم) ملفوظاً أو مقدراً، ثم يكون المعنى: إن الأمر كما أنه كذلك، فينبغي للإنسان أن يحتقر نفسه، ولا يرتكب ما قبح له. ويبين هذا ما عدد عليه من النعم بعده.
وقوله: {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج} [2] المشج: الخلط وهي ماء الرجل والمرأة.
قال صلى الله عليه: «أي الماءين سبق أو علا فمنه يكون الشبه».
{نبتليه} [2] نختبره حالاً بعد حال.
{إما شاكراً وإما كفوراً} [3] الفعول للمبالغة والكثرة، وشكر الإنسان قليل بالإضافة إلى كثرة النعم عليه. وعلى العكس فإن كفره وإن قل كثير بالإضافة إلى الإحسان إليه.
{إنا أعتدنا للكافرين سلاسلاً} [4] بالتنوين بمشاكلة قوله: {أغلالاً وسعيراً}. أو أجرى السلاسل مجرى الواحد، فيكون الجمع (سلاسلات)، كما في الحديث: «إنكن صواحبات يوسف».
وكذلك قوله: {قواريرا}، إذ جمعها قواريرات، ولأنها خاتمة الآية، فصرفت ليتفق النظام. وليس هذا المعنى في {قواريرا} الثانية. قال أبو عبيد: رأيت حك الألف في {قوارير} الثانية في المصحف الإمام.
{كان مزاجها كافوراً} [5] أي: في طيب الجنة. قال قتادة: مزج بالكافور، وختم بالمسك. {يفجرونها} [6] يجرونها كيف شاؤوا.
{مستطيراً} [7] منتشراً.
{قمطريراً} [10] شديداً طويلاً.
{لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً} [13] أي: حراً وبرداً. قال المتلمس:
من القاصرات سجوف الحجال ** لم تر شمساً ولا زمهريراً

{قواريرا من فضة} [16] أي: كأنها في بياضها من فضة، على التشبيه بالفضة، وإن لم يذكر حرفه، كما قال:
حلبانة ركبانة صفوف

تخلط بين وبر وصوف

أي: كأن يديها في إسراعها يدا خالط وبراً بصوف.
وعن ابن عباس: إن قوارير كل أرض من تربتها، وأرض الجنة فضة، فقواريرها من فضة.
{كان مزاجها زنجبيلاً} [17] أي: في لذاذة المقطع، لأن الزنجبيل يحذي اللسان، وهو عند العرب من أجود الأوصاف للخمر، قال الأعشى:
كأن القرنفل والزنجبيلا ** باتا بفيها وأرياً مشوراً.

وقال ابن مقبل:
مما تفتق في الحانوت ناطفها ** بالفلفل الجون والرمان مختوم

وقال حسان:
كأن فاها قهوة مزة ** حديثة العهد بفض الختام

من خمر بيسان تخيرتها ** درياقة تسرع فتر العظام

{سلسبيلاً} [18] سميت به لسهولتها وسلاستها.
{عاليهم} [21] نصبه على أنه صفة جعلت ظرفاً، كقوله تعالى: {والركب أسفل منكم}.
{وشددنا أسرهم} [28] خلقهم. تمت سورة الإنسان. اهـ.

.قال الأخفش:

سورة الإنسان:
{إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نبتليه فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً}
قال {أَمْشَاجٍ} واحدها: (المَشَج).
{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكراً وَإِمَّا كفوراً}
وقال {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكراً وَإِمَّا كفوراً} كذلك {إِمَّا العَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ} كأنك لم تذكر {إمَّا} [180] وان شئت ابتدأت ما بعدها فرفعته.
{عيناً يشرب بها عِبَادُ الله يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً}
وقال {عيناً يشرب بها عِبَادُ الله} فنصبه من ثلاثة أوجه، ان شئت فعلى قوله: {يشربونَ} [5] {عيناً} وان شئت فعلى {يشربونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً} {عيناً} وان شئت فعلى وجه المدح كما يذكر لك الرجل فتقول انت: العاقلَ واللبيبَ. أي: ذكرتَ العاقلَ اللبيبَ. على (أَعْنِي عيناً).
{إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً}
وقال {وَلاَ شُكُوراً} ان شئت جعلته جماعة (الشُكْر) وجعلت (الكُفُور) جماعة (الكُفْر) مثل (الفَلْس) و(الفُلُوس). وان شئت جعلته مصدرا واحدا في معنى جميع مثل: (قَعَد قُعُودا) و(خَرَج خُروجا).
{متكئين فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً وَدانية عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا وَذللت قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً}
وقال {متكئين} على المدح أو على: (جَزَاهُمْ جَنَّةً متكئين فيها) على الحال. وقد تقول (جَزاهُم ذلكَ قِياماً) وكذلك {وَدانية} على الحال أو على المدح، انما انتصابه بفعل مضمر. وقد يجوز في قوله: {وَدانية} أن يكون على وجهين على (وجزاهمْ دانية ظِلاَلُها) تقول: (اَعطَيْتُكَ جَيْداً طَرَفاهُ) و(رأينَا حَسَناً وَجْهُهُ).
{وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً}
وقال {كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً} فنصب العين على اربعة وجوه على (يُسْقَوْنَ عيناً) أو على الحال، أو بدلاً من الكأس أو على المدح والفعل مضمر. وقال بعضهم (أن) (سلسبيل) صفة للعين بالسلسبيل. وقال بعضهم: إِنّما أراد (عيناً تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً) أي: تسمى من طِيبها، أيْ: تُوصَفُ للناسِ كما تقول: (الأعوجيّ) و(الأَرْحَبِيّ) و(المَهْرِيّ من الإِبل) وكما تنسب الخيل اذا وصفت إلى هذه الخيل المعروفة والمنسوبة كذلك تنسب العين إلى أنها تسمى (سَلسبيلا) لأن القرآن يدل على كلام العرب. قال الشاعر وانشدناه يونس هكذا: من الكامل وهو الشاهد الرابع والسبعون بعد المئتين:
صَفْراءُ مِنْ نَبْعٍ يُسَمَّى سَهْمُها ** مِنْ طُولِ ما صَرَعَ الصُّيُودَ الصَّيِّبُ

فرفع (الصيِّب) لأنه لم يرد (يسمى سهمها بالصيِّب) انما (الصيِّب) من صفة الاسم والسهم. وقوله (يسمى سهمها): يُذْكَرُ سهمُها. وقال بعضهم: لا بل هو اسم العين وهو معرفة ولكن لما كان رأس آية وكان مفتوحاً زدت فيه الألف كما كانت {قَوَارِيرَاْ} [15].
{وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً}
وقال {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً} يريد ان يجعل {رأَيْتَ} لا تتعدى كما يقول: (ظننت في الدار خيرٌ) لمكان ظنه وأخبر بمكان رؤيته. اهـ.

.قال ابن قتيبة:

سورة الدهر:
1- {هَلْ أَتى عَلَى الإنسان} قال المفسرون: (أراد: قد أتي على الإنسان).
2- {أَمْشاجٍ}: أخلاط، يقال: مشجته فهو مشيخ. يريد: اختلاط ماء الرجل بماء المرأة، {نبتليه...}: أي إنا جعلناه سمعيا بصيرا، لنبتليه بذلك.
7- {كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} أي فاشيا منتشرا. يقال: استطار الحريق، إذا انتشر. واستطار الفجر: إذا انتشر الضوء.
10- {يَوْماً عَبُوساً} أي يوما تعبس فيه الوجوه. فجعل عبوسا من صفة اليوم، كما قال: {فِي يَوْمٍ عاصِفٍ} [إبراهيم آية: 18]، أراد: عاصف الريح.
و (القمطرير): الصعب الشديد. يقال: يوم قمطرير وقماطر، إذا كان صعبا شديدا أشدّ ما يكون من الأيام، وأطوله في البلاء. ويقال: المعبس الوجه.
14- {وَذللت قُطُوفُها تَذْلِيلًا} أي أدنيت منهم. ممن قولك: حائط ذليل، إذا كان قصير السّمك.
ونحوه قوله: {قُطُوفُها دانية}. و(القطوف): الثمر، واحدها: (قطف).
و (التذليل) أيضا: تسوية العذوق. يقول أهل المدينة: ذلّل النخل، أي سوي عذوقه.
15- و(الأكواب): كيزان لا عري لها. واحدها: كوب.
16- {قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ} مفسر في كتاب (تأويل المشكل).
ق {دَّرُوها تَقْدِيراً} على قدر الرّيّ.
17- و18- {كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا} يقال: هو اسم العين. وكذلك (السلسبيل): اسم العين.
قال مجاهد: السلسبيل: الشديدة الجرية.
وقال غيره: السلسبيل: السّلسة اللينة.
وأمّا (الزنجبيل): فإن العرب تضرب به المثل وبالخمر ممتزجين. قال المسيّب ابن علس يصف فم المرأة:
وكان طعم الزنجبيل به- إذ ذقته- وسلافة الخمر.
21- و(السندس) و(الإستبرق) قد تقدم ذكرهما.
28- {وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ} أي خلقهم. يقال: امرأة حسنة الأسر، أي حسنه الخلق: كأنها أسرت، أي شدّت.
وأصل هذا من (الإسار) وهو: القدّ الذي يشدّ به الأقتاب.
يقال: ما احسن ما اسر قتبه! أي ما احسن ما شدّه بالقد! وكذلك امرأة حسنة العصب، إذا كانت مدمجة الخلق: كأنها عصّبت، أي شدت. اهـ.

.قال الغزنوي:

ومن سورة الإنسان:
2 {أَمْشاجٍ}: المشج: الخلط، وهي ماء الرّجل والمرأة.
قال عليه السلام: «أيّ الماءين سبق فمنه الشّبه».
3 {إِمَّا شاكراً وَإِمَّا كفوراً}: ال (فعول) للمبالغة والكثرة، وشكر الإنسان قليل وكفرانه كثير.
4 {سلاسلا}: بالتنوين لتشاكل أَغْلالًا وَسَعِيراً أو أجرى (السلاسل) مجرى الواحد والجمع (السلاسلات)، وفي الحديث: «إنكنّ صواحبات يوسف».
5 {كانَ مِزاجُها كافُوراً}: مزج بالكافور وختم بالمسك.
6 {يُفَجِّرُونَها}: يجرونها كيف شاؤوا.
7 {مُسْتَطِيراً}: منتشرا.
10 {قَمْطَرِيراً}: شديدا طويلا.
16 {قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ}: أي: كأنها في بياضها من فضة على التشبيه من غير أداة أراد به.
قال ابن عبّاس: «قوارير كلّ أرض من تربتها وأرض الجنة فضة».
17 {مِزاجُها زَنْجَبِيلًا}: أي: في لذاذة المقاطع، والزّنجبيل يحذى اللسان، وهو عند العرب من أجود أوصاف الخمر.
21 {عالِيَهُمْ}: نصبه على أنه صفة جعلت ظرفا، كقوله: {وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ}.
28 {أَسْرَهُمْ}: خلقهم. قال المبرد: الأسر القوى كلها، وأصله القدّ يشدّ به الأقتاب. وقيل: أسير لأنّه مشدود بالقدّ. اهـ.

.قال ملا حويش:

تفسير سورة الإنسان:
عدد 12- 98 و76.
نزلت بالمدينة بعد سورة الرّحمن.
وهي إحدى وثلاثون آية.
ومائتان وأربعون كلمة.
وألف وأربعمائة وخمسون حرفا.
وتسمى سورة الدّهر.
بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قال تعالى: {هَلْ أَتى} قال أكثر المفسرين معناه قد مضى.
وظاهره استفهام للحمل على الإقرار بما دخلت عليه هل الاستفهامية، أي مضى عليه زمن كثير ولم يدر ما هو على المعنى الأول، والمقرر به من ينكر البعث لأنهم يقولون مضى على انسان دهور وهو كذلك، أي قولوا لهم إن الذي أوجده بعد أن لم يكن، كيف يمتنع عليه إعادته بعد موته؟ ثم بين كيف كان وما آل إليه فقال عز قوله مرّ {عَلَى الإنسان} آدم عليه السلام في بداية خلقه {حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ} مدة كثيرة وهي من معاني الحين {لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً} ولم يدر ما هو وما يراد به لأنه عبارة عن هيكل مصنوع من طين لا حراك به.
وهذا الاستفهام على المعنى الثاني تقريري يجاب ببلى أي أنه مر عليه زمن طويل وهو مجندل مصور من الطّين لم يذكره ولم يعلم بأنه سيكون بشرا، وتتولد منه هذه الخلائق وما قيل أن آدم صور وطرح بين مكة والطّائف ينفيه ما رواه مسلم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لما صور الله آدم في الجنّة تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطوف به وينظر إليه فلما رآه أجوف علم أنه خلق لا يتمالك» أي لا يملك نفسه ويحبسها عن الشّهوات، وإذا كان كذلك فمن الممكن التسلط عليه وإغواؤه، قال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان} المذكور بعد أن كوناه من التراب جعلنا ذريته مخلوقة {مِنْ نُطْفَةٍ} حقيرة {أَمْشاجٍ} ممزوجة من ماء المرأة والرّجل يقال مشجت الشّيء بمعنى مزجته وخلطته، وإنا بعد أن خلقناه على هذه الصّورة {نبتليه} فنختبره ونمتحنه بأوامرنا ونواهينا بعد أن نركب فيه العقل ونصيّره قادرا على تمييز الخير من الشّر {فَجَعَلْناهُ} بعد تمام خلقه وكمال حواسه على الصّورة المبينة في الآية 17 فما بعدها من سورة المؤمن {سَمِيعاً بَصِيراً} قدم السّمع على البصر لأنه أفضل منه، لأن الأعمى يمكن التفاهم معه بخلاف الأطرش، وخصّ هاتين الحاستين من بين الحواس العشر المشار إليها في الآية 73 من سورة يوسف لعظم فضلهما {إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ} السوي في دنياه وبينا له عاقبة الخير والشّر وأعطيناه عقلا يميز به النّفع من الضّر، وجعلنا له الخيار فيما يريد {إِمَّا شاكراً} يكون لنعمنا هذه مقدرها حق تقديرها موحدا لإلهيتنا مؤمنا بقدرتنا آخذا بإرشاد رسلنا {وَإِمَّا كفوراً} بذلك جحودا لما أوليناه من النّعم كافرا برسلنا وكتبنا.
هذا، وقال ابن عباس إنه بقي مئة وعشرين سنة، يريد أربعين سنة طينا وأربعين صلصالا، وأربعين حمأة، وقال الفخر إن الحين له معنيان الأوّل أنه طائفة من الزمن الطّويل الممتد وغير مقدر في نفسه، والثاني مقدر بأربعين سنة وبالنظر للأحاديث الواردة في هذا الشّأن المعبرة للأول وهو الأولى، والله أعلم {إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ} بنا في الآخرة {سلاسل} يوثقون بها بأرجلهم {وَأَغْلالًا} تربط بها أيديهم وأعناقهم {وَسَعِيراً} نارا موقدة تحرقهم {إِنَّ الْأَبْرارَ} الشاكرين لنعمنا قد هيأنا لهم الجنّة يدخلونها مع الشّهداء {يشربونَ مِنْ كَأْسٍ} راجع معناه في الآية 18 من سورة الواقعة {كانَ مِزاجُها كافُوراً} من حيث بياضه ورائحته وبرده وهذا اسم لعين الماء التي يخلط بها شرابهم لا الكافور المعروف، لأنه لا يشرب، ومما يدل على ما ذكرناه قوله تعالى: {عيناً} بدل من كافور {يشرب بها عِبادُ الله يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً} إلى حيث شاءوا وأرادوا من قصورهم وخيامهم، لأن التفجير شق الشّيء بان يجروها جداول إلى حيث شاءوا في مساكنهم وغيرها بمجرد إشارتهم إليها، وقد أعطوا هذا الشّيء العظيم في الآخرة لأنهم في الدّنيا كانوا {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} الذي أوجبوه على أنفسهم لذلك فإن الله تعالى وفّى لهم ما وعدهم به وأوجبه على نفسه تفضلا منه إذ لا واجب عليه.

.مطلب في الحين والنّذر والكرم وأنواعه وثوابه وأول من سنه:

روى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال استفتى سعد بن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم في نذر كان على أمه فتوفيت قبل أن تقضيه فأمره أن يقضيه عنها وفي هذا دليل على وجوب الوفاء بالنّذر أما إذا كان معصية فلا، فقد روى البخاري عن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من نذر أن يطيع الله فليف بنذره، ومن نذر أن يعصيه فلا يف به». وعنها قال: «لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين»- أخرجه الترمذي- وأبو داود والنّسائي.
{وَيَخافُونَ يَوْماً} عظيما لأن تنكيره يدل على هول ما فيه من الفزع {كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} منتشرا على الخلائق والسّموات والأرضين وما فيهما {وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ} في الدّنيا قصد الثواب ابتغاء مرضاة الله تعالى: {عَلى حُبه} وحاجتهم إليه ويؤثرون على أنفسهم {مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً}ويقولون لمن يتفضلون عليهم {إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً} لئلا يعزم المحتاجون على مكافتهم وتكون طيبة أنفسهم ويتأثمون من المن والأذى بنفقاتهم قائلين {إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً} وجه أهله المفرطين بدنياهم {قَمْطَرِيراً} شديد الا كفهرار تتغير فيه الوجوه حتى لا تكاد تعرف وعليه قوله:
واصطليت الحروب في كلّ يوم ** باسل الشّر قمطرير الصّباح

أي إنما يقصدون بإحسانهم الوقاية من هول ذلك اليوم فقط لا لأمر آخر.
{فوقاهم الله شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ} جزاء إطعامهم واعتقادهم وإحسانهم للوقاية من هوله وحسن ظنهم بالله والله عند حسن ظن عبده {وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً} بهاء وبهجة في وجوههم {وَسُرُوراً} في قلوبهم أشرق لمعانه على وجوههم، لأن فرح القلب يبعث الانطلاق على الوجه فيظهر الابتسام عليه وهو نوره {وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا} على إيثار الفقراء على أنفسهم وعلى فعل الطّاعات والكف عن المعاصي وأذى النّاس إليهم {جَنَّةً وَحَرِيراً} يلبسونه في تلك الجنّة {متكئين فِيها عَلَى الْأَرائِكِ} الأسرة الجميلة خلال الحجال، ولا تسمى أريكة إلّا وهي فيها {لا يَرَوْنَ فِيها} أي تلك الجنّة {شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً} (13) لا حرا ولا بردا مزعجين وليسوا بحاجة إلى ضوء الشّمس والقمر لأن الجنّة مضيئة بنفسها بنور ربها المشرق عليها قال تعالى وأشرقت الأرض (أي أرض الجنّة) بنور ربها الآية 69 من سورة الزمر، والزمهرير هو القمر على لغة طيء وعليه قولهم:
وليلة ظلامها قد اعتكر قطعتها والزمهرير ما زهر أي ما درّ وما طلع {وَدانية عَلَيْهِمْ ظِلالُها} الحاصلة من أشجارها بدليل قوله {وَذللت قُطُوفُها تَذْلِيلًا} أي سخرت للتناول تسخيرا كما يشاء طالبها بحيث يتمكن من قطعها على أي حالة كان راجع الآية 54 من سورة الرّحمن، وقيل المراد بتذليلها ثقل حملها وليس بشيء إذ لا فضل لهم به، والقصد هنا تفضيلهم وإكرامهم حتى في مثل هذا {وَيُطافُ عَلَيْهِمْ} بواسطة الجوار الحسان {بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ} كؤوس ملأى من الشّراب اللذيذ لها عرى {وَأَكْوابٍ} كيزان لا عرى لها {كانَتْ} هذه الأوان والأكواب {قَوارِيرَا} شفافة لطيفة ليست بجام بل هي {قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ} جامعة بين بياض الفضة وحسنها وصفاء الجام ولطافته بحيث يرى الشّراب من خارجها وتتلون بلون ما فيها {قَدَّرُوها تَقْدِيراً} لدى الرّجل الواحد بلا زيادة ولا نقص وهذا يكون في غاية اللّذة، وهكذا كلّ ما في الجنّة كامل طيب {وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً} ملأي خمرا لم تمزج بماء بل {كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا} اسم لعين ماء خاص لمزج شراب الأبرار، ولهذا أبدل منه {عيناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا} كانت العرب تضع الزنجبيل في شرابهم لما فيه من الرّائحة واللّذع، قال المسيب ابن علس:
وكأن طعم الزنجبيل إذا ذقته وسلافة الخمر

وقال الأعشى:
كان القرنفل والزنجبيل ** باتا بفيها وأره مشورا

الأرى العسل، والمشور المستخرج من بيوت النّحل.
وقد ذكره الله تعالى لأنه كان مستطابا عند العرب، والآن يضعون اليانسون في شرابهم قبح الله شاربيه إذا ماتوا مدمنين عليه، وسميت هذه العين سل سبيلا كأنها تقول لأهل الجنّة اختاروا أي طريق تريدون أن أجري فيه إلى قصوركم وخيامكم.
وقدمنا وصف خمرة الآخرة في الآية 18 من سورة الواقعة والآية 25 من المطففين فراجعهما {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ} راجع الآية 17 من سورة الواقعة المذكورة في معنى مخلدون، لأن معنى الخلد هنا لا يتم عن كبير معنى، لأن الخلود في الجنّة لمن فيها محقق وكلّ ما فيها خالد فلا حاجة لذكر خلود خدمها وهي دار الخلد، بل معناه مقرطون، وقيل مسوّرون أي لابسون أقراطا وأسورة من ذهب كالمخدومين، راجع الآية 24 من سورة الحج الآتية فيشابهون أسيادهم من هذه الجهة، وان إلباس العبيد يشير إلى عظمة الأسياد في الدّنيا، لأنا نرى بعض الشيوخ يلبسون عبيدهم أحسن منهم، فلأن يكون في الآخرة من باب أولى {إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً} في البياض والحسن والكثرة و{إِذا رَأَيْتَ ثَمَّ} هناك يا سيد الرّسل في تلك الجنان الباهرة {رَأَيْتَ نَعِيماً} عظيما لا يوصف بهاؤه {وَمُلْكاً كَبِيراً} لا يقدر قدره وإن أهل هذه الجنان.
{عالِيَهُمْ} لباسهم الفوقي كالعباءة والملحفة والجبة وهو مبتدأ خبره {ثِيابُ سُندُسٍ} هو ما، رقّ من الحرير {خُضْرٌ وَإِسْتَبرق} هو أثخنه {وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ} وقد مر في سورة فاطر يحلون فيها من أساور من ذهب الآية 23 وفي آية الحج الآتية في ذهب ولؤلؤ الآية 23، وعليه يكون المعنى أن كلا من أهل الجنّة يلبس اسورة من فضة وذهب ولؤلؤ، ومن هنا تعلم أن أهل الدّنيا لما صاروا يوسون اللّؤلؤ بالذهب ويتحلون به أخذوه من كتاب الله {وَسَقاهُمْ رَبهمْ شَراباً طَهُوراً} لم تلمسه يد ولم تدنسه رجل، لأنه صنع الله بكلمة كن {إِنَّ هذا} المذكور كله وأضعافه {كانَ لَكُمْ} أيها المؤمنون {جَزاءً} لأعمالكم الصّالحة {وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً} عند ربكم محمودا مرضيا، لأن أعمالكم في الدّنيا كانت مرضية عنده، ولأنكم قلتم للفقراء لا نريد منكم جزاء ولا شكورا، لمثل هذا فليعمل العاملون أيها النّاس، وبه فليتنافس المتنافسون.
نعمت جزاء المؤمنين الجنه ** دار الأمالي والمنى والمنه

من الزرابي فرشها أي صاح ** ترى بها الحرام كالمباح

و هذه الآيات عامة في كلّ مؤمن يعمل مثل هذا العمل، وإن سبب نزولها على ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عليا كرم الله وجهه كان عمل ليهودي بشعير، فأصلحوا هو وزوجته فاطمة رضي الله عنهما وخادمته فضة قسما منه ليأكلوه، فجاءهم مسكين فأعطوه إياه، ثم أصلحوا القسم الآخر فجاءهم يتيم فأعطوه إياه، ثم أصلحوا باقيه وعند ما تم نضجه أتاهم أسير فدفعوه له، وباتوا طاوين شاكرين الله على ذلك، لأنهم تصدقوا بما عندهم مع احتياجهم إليه، وهذا معنى قوله تعالى: {عَلى حُبه} إذا صح لا يخصصها فيه عليه السلام دون غيره بل يشمل عمومها كل من عمل عمله لعموم اللفظ، ويدخل فيها هو دخولا أوليا، كيف وهو من بيت الكرم، لأن أول من سن القرى جده ابراهيم عليه السلام وأول من هشم الثريد جده هاشم، وأول من أفطر جيرانه على مائدته في الإسلام عمه عبد الله بن عباس، وهو أول من وضع الموائد على الطّريق وكان إذا خرج الطّعام من بيته لا يرد منه شيئا بل يتركه لمن يأكله وهو أول من وضع الطّعام على الطّرق للمسافرين والقافلين، وهذه سنة لم يسبقه بها أحد من أجواد الجاهلية والإسلام مثل حاتم وهرم بن سنان وكعب بن مامه وغيرهم.
قالوا وقد جدد هذه السّنة الأخيرة من أكارم العرب صفوك الجرياء شيخ عشائر شمر في الجزيرة جد مشعل باشا الموجود الآن وجد عجيل الياور القاطن في الموصل كثر الله الكرام وأدام نعمه عليهم في الدنيا والآخرة.
ومما قاله معدن الكرم عبد الله بن عباس:
إذا طارقات الهم ضاجعت الفتى ** وأعمل فكر اللّيل واللّيل عاكر

وباكرني في حاجة لم يجد بها سواي ** ولا من نكبة الدّهر ناصر

فرجت بما لي همه من مقامه ** وزايله هم طروق مسافر

وكان له فضل عليّ بظنه بي ** الخير إني للذي ظن شاكر

و من مروءة ابن عمه عبد الله بن جعفر أنه أسلف الزبير الف درهم، فلما توفي الزبير قال ابنه عبد الله له اني أجد في كتب أبي أن له عليك الف الف درهم قال هو صادق فاقبضها إن شئت، ثم لقيه بعد ذلك، فقال يا أبا جعفر اني واهم المال لك على أبي، قال فهو له، فقال لا أريد ذلك، قال فاختر إن شئت فهو له، وإن كرهت ذلك فلك فيه نظرة ما شئت، فانظروا أيها النّاس أين هؤلاء الكرام ألا يوجد من يتأسى بهم فينال الثناء من النّاس في الدّنيا والثواب من الله في الآخرة، ولكن النّاس ويا للأسف حرصوا على الدّنيا بحبهم لحطامها الذي يسهل لهم كلّ شيء كما قيل:
وإذا رأيت صعوبة في مطلب ** فاحمل صعوبته على الدّينار

وابعثه فيما تشتهيه فإنه ** حجر يلين قوة الأحجار

فخير للناس من أن يجمعوه ويتركوه فيحاسبوا عليه أن يصرفوه في طرق الخير، وينالوا ثوابه، اللهم وفقنا لما فيه خيرنا وفلاحنا.
قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القرآن تَنْزِيلًا} كثيرا، المرة بعد المرة لأن التشديد يفيد التكثير والتضعيف، إذ أنزل آية آية، وخمس خمس، وسورة سورة، كما اقتضته حكمة الله.
وفي هذه الآية ردّ على الكافرين والمنافقين القائلين إنه سحر وكهانة وشعر واختلاق وتعلم وخرافات {فَاصْبِرْ} يا حبيبي على أذى قومك وتحمل ثقلهم، فقد آن أن يأتيك الفرج العام والنّصر المبين، فانتظر {لِحُكْمِ رَبِّكَ} بهذا إلى أن يأتي الوقت المقدر للفتح العظيم الذي وعدناك به {وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كفوراً} وإنما وصمهم بهاتين الخصلتين لأنهم أحد رجلين: إما كثير الإثم كأهل الكتابين أو مشرك كأهل مكة وحلفاهم من العرب، وإن كلا منهم يدعو إلى ما هو عليه.
هذا ولا يصح نزول هذه الآية في عتبة بن ربيعة والوليد بن المغيرة أو في أبي جهل كما قاله بعض المفسرين، لأنهم قتلوا قبل نزولها ولا قائل بأنها مكية أو أن هذه الآية مستثناة منها، وكون مجيئها مسوقة على ما كان منهم عند حدوث ذكرهم بعيد أيضا، ولهذا فإنها عامة مطلقة في كلّ من هو كذلك.
قال تعالى: {وَاذْكُرِ} يا سيد الرّسل {اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} أول النّهار وآخره، وهذا إشارة إلى صلاة الصّبح والظّهر والعصر {وَمِنَ اللَّيل فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} وهذه اعلام بصلاة المغرب والعشاء والتطوع، والقصد منها إدامة ذكر الله تعالى ليل نهار وفي كلّ حال، واعلم يا سيد الرّسل {إِنَّ هؤُلاءِ} الكفرة والمنافقين {يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ} متوغلين في الدّنيا متهالكين عليها ولذلك يعرضون عنك لأنك تدعوهم إلى ضدها، ولكنهم لا يريدون الآخرة التي تدعوهم إليها لأنهم لم يصدقوا بوجودها ويرون إجابة طلبك بالرشد والنّصح صعبا عليهم قال:
ومكلف الأيام ضد طباعها ** متطلّب في الماء جذوة نار

وهيهات ذلك لأن الآخرة لمن يؤمن بالغيب الذي تخبر به وهم جاحدون له كافرون به مقتصرون على الدّنيا {وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا} عليهم وقعه شديدا بلاؤه، ولو علموه لجعلوه أمامهم صباح مساء ولكن لم يعرفوه فتركوه وراءهم، ولم يلتفتوا إليه، قال تعالى: {نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ} مفاصلهم بالأعصاب ليتمكنّوا من القيام والقعود والأخذ والدّفع والقبض والبسط ولو لا هذا الرّبط المحكم بهذا النّظام البديع لما انتفعنا بجوارحنا وحق لمن فعل هذا معنا أيها النّاس الشّكر والطّاعة لا الكفر والمعصية {وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا} فجعلناهم على صور أخرى وأهلكناهم وخلقنا قوما غيرهم يشكرون ويطيعون ليعلموا أنا قادرون على إحيائهم بعد الموت، كما نحن قادرون على تبديلهم الآن، وهذه الآية بمعنى الآية 27 من سورة النّساء {إِنَّ هذِهِ} الآيات المندرجة في هذه السّورة {تَذْكِرَةٌ} عظيمة وعظة بليغة لمن يوفقه الله لامتثالها والقيام بمقتضاها {فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبه سَبِيلًا} بالتذكر فيها واتباع سبيل النّجاح الموصل إلى النّجاة {وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله} لأن الأمر كله له وحده فلا تقدرون على طاعته إلّا بتوفيقه وإرادته ولا ينكفون عن معصيته إلّا بمشيئته وأمره {إِنَّ الله كانَ عَلِيماً} بأحوال خلقه وما يؤل إليه حالهم في الدّنيا والآخرة {حَكِيماً} مصيبا بما يفعله بخلقه.
{يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ} بهدايته لدينه القويم وتأهيله لها {وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ} باختيارهم المعاصي وظلمهم أنفسهم وغيرهم {عَذاباً أَلِيماً} في الآخرة لا تطيقه قواهم لأنه علم إصرارهم على الكفر فلم يوفقهم للتوبة ولم يهديهم لسلوك طريقة السّوي فاستحقوا العذاب الدّائم بسوء نيتهم. هذا والله أعلم.
وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأتباعه أجمعين.
والحمد للّه رب العالمين. اهـ.

.فصل في الوقف والابتداء في آيات السورة الكريمة:

.قال زكريا الأنصاري:

سورة الإنسان:
مكية أو مدنية.
{مذكورا} كاف.
{نبتليه} تام عند بعضهم.
{بصيرا} حسن.
{كفورا} تام وكذا {سعيرا}.
{تفجيرا} حسن.
{مستطيرا} صالح وكذا {ولا شكور}.
{قمطريرا} تام.
{وسرورا} صالح وكذا {على الأرائك} و{تذليلا} وهو أصلحها.
{كانت قواريرا} كاف وكذا {تقديرا} و{سلسبيلا}.
والعامة تقف على {إذا رأيت ثم} وليس بشيء لأن الجواب بعده.
{كبيرا} صالح.
{وإستبرق} كاف.
{من فضة} صالح.
{طهورا} كاف.
{مشكورا} تام.
{تنزيلا} حسن وكذا {كفورا}.
{وأصيلا} تام. وكذا {ثقيلا}.
{أسرهم} كاف.
{تبديلا} تام.
{تذكرة} صالح.
{سبيلا} حسن.
{حكيما} كاف.
{في رحمته} تام وكذا آخر السورة. اهـ.

.قال أحمد عبد الكريم الأشموني:

سورة الإنسان:
مكية أو مدنية.
إحدى وثلاثون آية إجماعاً.
وكلمها مائتان واثنتان وأربعون كلمة.
وحروفها ألف وأربعة وخمسون حرفاً.
وفيها مما يشبه الفواصل وليس معدوداً إجماعاً خمسة مواضع:
{السبيل} و{مسكيناً} و{يتيماً} و{مخلدون} و{رأيت نعيماً}.
{مذكوراً} كاف.
{أمشاج} حسن عند بعضهم.
و {نبتليه} جواب بعد سؤال سائل قال كيف كان خلق الإنسان فقال {نبتليه} أي نختبره {فجعلناه سميعاً بصيراً} وقال جمع أمشاج نبتليه.
وقال آخرون الوقف على آخر الآية على التقديم والتأخير أي فجعلناه سميعاً بصيراً لنبتليه وهو الكافي والأمشاج الأخلاط واحدها مشج بفتحتين أو مشج كعدول أعدال أو مشيج كشريف وأشراف قاله ابن الأعرابي.
قال الزمخشري ومشجه ومزجه بمعنى والمعنى من نطفة امتزج فيها المان قاله السمين وقيل عروق النطفة وقيل ألوانها وقيل ماء الرجل وماء المرأة وهما لونان فماء الرجل أبيض ثخين وماء المرأة أصفر رقيق وأيهما علا ماؤه كان الشبه له قال أبو حاتم الوقف التام {نبتليه} وبه يتم المعنى لأنَّه في موضع الحال من فاعل {خلقنا} أي خلقناه حال كوننا مبتلين له أو من الإنسان.
وقال الفراء ليس بتام لأنَّ المعنى على التقديم والتأخير أي فجعلناه سميعاً بصيراً لنبتليه في الدنيا بالتكليف وغلط في هذا لآنَّ الآية ليس فيها لام ولا المعنى على ما قاله وقد يبتلى ويختبر وهو صحيح وإن لم يكن سميعاً بصيراً وردَّ عليه بعين ما علل به لأنَّ من شرط التام أن لا يتعلق بما بعده وتتم الفائدة بما دونه فإذا جعل على التقديم والتأخير فكيف يتم الوقف على {نبتليه} وأبى بعضهم هذا الوقف وجعل موضع {نبتليه} نصباً حالاً أي خلقناه مبتلين له أي مريدين ابتلاءه كقولك مررت برجل معه صقر صائداً به غداً أي قاصداً به الصيد غداً.
قال أبو عثمان {أمشاج نبتليه} ابتلى الله الخلق بتسعة أمشاج ثلاث مفتنات وثلاث كافرات وثلاث مؤمنات فالمفتنات سمعه وبصره ولسانه والكافرات نفسه وهواه وشيطانه والمؤمنات عقله وروحه وملكته فإذا أيد الله العبد بالمعونة سلط العقل على القلب فملكه وأسرت النفس الهوى فلا يجد إلى الجراءة سبيلاً فجانست النفس الروح وجانس الهوى العقل وصارت كلمة الله هي العليا وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة.
{سميعاً بصيراً} حسن.
{كفوراً} تام. ومثله {وسعيراً}.
ولا يوقف على {كافوراً} لأنَّ {عيناً} منصوب بدلاً من {كافوراً} أي وماء عين أو بدلاً من محل {من كأس} أو مفعول {يشربون} أو حالاً من الضمير في {مزاجها} وإن نصب على الاختصاص جاز الوقف على {كافوراً}.
{عباد الله} جائز.
{تفجيراً} حسن.
بالنذر جائز..
{ويخافون يوماً} ليس بوقف ونصب على أنَّه مفعول به فليس هو بمعنى في.
{مستطيراً} حسن.
{على حبه} ليس بوقف لأنَّ ما بعده مفعول ثان لـ: {يطعمون} فلا يقطع منه وهو مصدر مضاف للمفعول أي على حب الطعام فهو حال من الطعام أو من الفاعل.
وأسيراً حسن ومثله {لوجه الله} وكذا {ولا شكوراً} لأنَّ الكلام متحد في صفة الأبرار.
{قمطريراً} تام.
{شرّ ذلك} اليوم حسن ومثله {وسروراً}.
ولا يوقف على {حريراً} لأنَّ {متكئين} حال من مفعول {جزاهم} ولا يجوز أن يكون صفة لـ: {جنة} عند البصريين لأنَّه كان يلزم بروز الضمير فيقال متكئين هم فيها لجريان الصفة على غير من هي له خلافاً للزمخشري حيث جوز أن يكون {متكئين} و{لا يرون} و{دانية} كلها صفات لـ: {جنة} ولا يجوز أن يكون حالاً من فاعل {صبروا} لأنَّ الصبر كان في الدنيا واتكاؤهم إنَّما هو في الآخرة قاله مكي انظر السمين.
{على الأرائك} حسن على استئناف ما بعده.
ولا يوقف على {زمهريرا} لأنَّ {ودانية} منصوب بالعطف على {جنة} كأنَّه قال جزاؤهم حنة ودانية عليهم ظلالها أي وشجرة دانية عليهم ظلالها وانظر قول السمين {ودانية} عطف على محل لا {يرون} مع أنَّه لا يعطف إلاَّ على محل الحرف الزائد وما هنا ليس كذلك.
{تذليلاً} جائز ومثله {كانت قوارير} كاف. أي أنَّ أهل الجنة قدَّروا الأواني في أنفسهم على أشكال مخصوصة فجاءت كما قدورها تكرمة لهم جعلها السقاة على قد رويّ شاربيها.
{زنجبيلاً} ليس بوقف لأنَّ {عيناً} بدل من {زنجبيلاً} فلا يفصل بين البدل والمبدل منه بالوقف وإن نصبت عيناً على الاختصاص جاز.
{سلسبيلاً} كاف.
وأغرب بعضهم ووقف على {وإذا رأيت ثم} فكأنَّه حذف الجواب تعظيماً لوصف ما رأى المعنى وإذا رأيت الجنة رأيت ما لا تدركه العيون ولا يبلغه علم أحد كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فيها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر» وما أرادوه ليس بشيء لأنَّ ثم ظرف لا يتصرف فلا يقع فاعلاً ولا مفعولاً وغلط من أعربه مفعولاً لـ: {رأيت} لأنَّه لا مفعول لها لا ظاهراً ولا مقدراً خلافاً للأخفش والفراء ليكون أشيع لكل مرئي وزعم الفراء أن تقديره إذا رأيت ما ثم وهذا غير جائز عند البصريين لأنَّ ثم صلة لما ولا يجوز حذف الموصول وترك الصلة بل تقديره إذا وجدت الرؤية في الجنة رأيت نعيما.
و{كبيراً} جائز لمن قرأ {عاليهم} بإسكان الياء مبتدأ خبره {ثياب} وهو حمزة ونافع والباقون بنصبها ظرفاً أو حالاً من الضمير في {يطوف عليهم} أو في {حسبتهم} أي يطوف عليهم ولدان مخلدون عالياً للمطوف عليهم ثياب أو حسبتهم لؤلؤاً عاليهم ثياب ومحلها نصب حال وليس بوقف لمن قرأ {عاليهم} بالنصب على الحال مما قبله.
{وإستبرق} كاف على القراءتين أعني برفعه أو جره فمن رفعه عطفه على {ثياب} ومن جره عطفه على {سندس} وهمزة {إستبرق} همزة قطع.
{من فضة } حسن. على استئناف ما بعده.
{طهوراً} كاف.
{جزاء} جائز.
{مشكوراً} تام.
{تنزيلاً} كاف..
{لحكم ربك} جائز.
{أو كفوراً} حسن.
{وأصيلاً} كاف.
{فاسجد له} جائز.
{طويلاً} كاف.
{العاجلة} حسن.
{ثقيلاً} كاف.
{أسرهم} حسن ومعناه خلقهم.
{تبديلاً} تام.
{تذكرة} حسن للابتداء بالشرط مع الفاء.
{سبيلاً} كاف.
{إلا أن يشاء الله} حسن على استئناف ما بعده.
{حكيماً} كاف. وقيل تام على استئناف ما بعده وليس بوقف إن جعل متصلاً بما قبله.
{في رحمته} كاف.
{والظالمين} منصوب بمقدر أي وعذب الظالمين ولا يجوز أن يكون معطوفاً على {من} أي يدخل من يشاء في رحمته ويدخل الظالمين أو وعذب الظالمين أعدَّ لهم.
وتام على قراءة الحسن {والظالمون} بالرفع.
آخر السورة تام.. اهـ.

.فصل في ذكر قراءات السورة كاملة:

.قال ابن جني:

سورة الإنسان:
بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قرأ: {وَاسْتَبرق}، بوصل الألف، وفتح القاف- ابن محيصن.
قال أبو الفتح: قد تقدم القول على هذا عند قول الله تعالى: {بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبرق} وغيره.
ومن ذلك قراءة عبد الله بن الزبير وأبان بن عثمان: {والظالمون أعدّ}، بالواو.
قال أبو الفتح: هذا على ارتجال جلمة مستأنفة، كأنه قال: الظالمون أعد لهم عذابا أليما، ثم إنه عطف الجملة على ما قبلها. وقد سبق الرفع إلى مبتدئها، غير أن الذي عليه الجماعة أسبق، وهو النصب. ألا ترى أن معناه يدخل من يشاء في رحمته ويعذب الظالمين؟ فلما أضمر هذا الفعل فسره بقوله: {أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}، وهذا أكثر من أن يؤتى له بشاهد. اهـ.

.قال الدمياطي:

سورة الإنسان:
مكية وقيل مدنية إلا آية {ولا تطع} إلخ وقيل من {فاصبر} الخ.
وآيها إحدى وثلاثون.
مشبه الفاصلة خمسة:
{السبيل} و{قوارير} الثاني {مخلدون} {نعيما} وعكسه {قوارير} الأول.
القراءات:
أمال {أتى} حمزة والكسائي وخلف وقلله الأزرق بخلفه.
واختلف في {سلاسل} الآية 4 فنافع وهشام من طريق الحلواني والشذائي عن الداجوني وأبو بكر والكسائي وأبو جعفر ورويس عن طريق أبي الطيب بالتنوين للتناسب لأن ما قبله منون منصوب. وقال الكسائي وغيره من الكوفيين إن بعض العرب يصرفون جميع ما لا ينصرف إلا أفعل التفضيل وعن الأخفش يصرفون مطلقا وهم بنو أسد لأن الأصل في الأسماء الصرف والوقف في هذه القراءة بالألف بدل التنوين وعن الحسن والشنبوذي كذلك والباقون بالمنع من الصرف على الأصل بلا تنوين لكونه جمع تكسير بعد ألفه حرفان كمساجد وهو رواية زيد عن الداجوني وهؤلاء في الوقف على ثلاث فرق منهم من وقف بالألف بلا خلاف وهو أبو عمرو وروح من طريق المعدل وافقه اليزيدي ومنهم من وقف بغير ألف كذلك وهم حمزة وخلف وزيد عن الداجوني عن هشام ورويس من غير طريق أبي الطيب وروح من غير طريق المعدل وافقهم المطوعي واختلف عن الباقين وهم ابن كثير وابن ذكوان وحفص وافقهم ابن محيصن فروى الحمامي عن النقاش عن أبي ربيعة وابن الحباب عن البزي وابن شنبوذ عن قنبل وغالب العراقيين عن ابن ذكوان وأكثر المغاربة عن حفص كل هؤلاء بالألف عمن ذكر ووقف عنهم بغير ألف باقي أصحاب النقاش عن أبي ربيعة عن البزي وابن مجاهد عن قنبل والنقاش عن الأخفش عن ابن ذكوان والعراقيون عن حفص وأطلق الوجهين عنهم في التيسير.
وأمال {فوقاهم الله} و{لقاهم} و{جزاهم} و{تسمى} و{سقاهم} وحمزة والكسائي وخلف وبالفتح والصغرى الأزرق.
وحذف أبو جعفر همز {متكئين} كوقف حمزة في أحد وجهيه والثاني بين بين على القياس.
واختلف في {قوارير قوارير} الآية 15 فنافع وابو بكر والكسائي وأبو جعفر بتنوينها معا لأنهما كسلاسل جمعا وتوجيها غير أن السلاسل على مفاعل و{قوارير} على مفاعيل ووقفوا عليهما بالألف للتناسب موافقة لمصاحفهم وافقهم الحسن والأعمش وعن الأعمش وجه آخر رفعهما بلا تنوين على إضمار مبتدأ أي هي.
وقرأ ابن كثير وخلف عن نفسه بالتنوين في الأول وبدونه في الثاني مناسبة لرؤوس الآي في الأول ووقفا بالألف في الأول وبدونها في الثاني وافقهما ابن محيصن.
وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحفص وروح بغير تنوين فيهما ووقفوا على الأول بالألف لكونه رأس آية بخلف عن روح في الوقف وعلى الثاني بدونها إلا هشاما فاختلف عنه في الثاني من حيث الوقف من طريق الحلواني فوقف عليه بالألف عنه المغاربة وبدونها عنه المشارقه وافقهم اليزيدي.
وقرأ حمزة ورويس بغير تنوين فيهما أيضا ووقفا بغير ألف فيهما ومرضم هاء عليهم لحمزة ويعقوب.
ويوقف لحمزة على {لؤلؤا} بوجه واحد وهو إبدال الأولى واوا ساكنة والثانية واوا مفتوحة وافقه في الأولى أبو عمرو بخلفه وأبو بكر وأبو جعفر.
ويوقف لرويس على {ثم} بهاء السكت بخلفه.
واختلف في {عاليهم} الآية 21 فنافع وحمزة وأبو جعفر بسكون الياء خبر مقدم و{ثياب} مبتدأ مؤخر وافقهم ابن محيصن والحسن وعن المطوعي كذلك مع ضم الهاء والباقون بفتح الياء وضم الهاء على أنه حال من الضمير المجرور في {عليهم} أو من مفعول {حسبتهم} أو على الظرفية خبرا مقدما لـ: {ثياب} كأنه قيل فوقيهم.
واختلف في {خضر وإستبرق} الآية 21 فنافع وحفص بالرفع فيهما فرفع {خضر} على النعت لثياب {وإستبرق} نسقا على {ثياب} على حذف مضاف أي وثياب إستبرق وافقهما الحسن لكنه بغير تنوين في {إستبرق} وهمزة القطع.
وقرأ ابن كثير وأبو بكر بخفض الأول ورفع الثاني فـ: {خضر} نعت لـ: {سندس} وفيه وصف المفرد بالجمع وأجازه الأخفش وأجيب عنه بأنه اسم جنس وقيل جمع لسندسه واسم الجنس يوصف بالجمع قال تعالى {السحاب الثقال} {وإستبرق} نسق على {ثياب} على ما مر وافقهما ابن محيصن إلا أنه لم ينونه وعنه بخلف وصل همزة القطع.
وقرأ أبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب برفع الأول وخفض الثاني فـ: {خضر} نعت لـ: {ثياب} {وإستبرق} نسق على {سندس} أي ثياب خضر من سندس ومن إستبرق وافقهم اليزيدي.
وقرأ حمزة والكسائي وخلف بخفضهما فـ: {خضر} نعت لـ: {سندس} على ما مر {وإستبرق} نسق على {سندس} وافقهم الأعمش.
واختلف في {وما تشاؤون} الآية 30 هنا فابن كثير وأبو عمر وابن عامر بخلف عنه من روايتيه بالياء من تحت وافقهم ابن محيصن والحسن واليزيدي والباقون بالتاء من فوق والوجهان صحيحان عن ابن عامر من روايتي هشام وابن ذكوان كما في النشر أي من طريقي كل منهما كما يفهم منه وخرج موضع التكوير المتفق على الخطاب فيه.
المرسوم في كل الرسوم {سلاسل} و{كانت قواريرا} بألف مكان التنوين.
واختلفوا في {قوارير من فضة} ففي بعضها بألف وفي بعضها بدونها.
واتفقوا على حذف ألف {عليهم}. اهـ.

.قال عبد الفتاح القاضي:

سورة الدهر:
{نبتليه}، {بصيرا} {شاكرا}، {وسعيرا}، {كأس}، {يفجرونها تفجيرا}، {مستطيرا}، {وأسيرا} {قمطريرا}، {وحريرا}، {زمهريرا}، {عليهم}، {تقديرا} {كأسا}، لا يخفى ما فيه.
{وسلاسل} قرأ المدنيان وهشام وشعبة والكسائي التنوين وصلا وبإبداله ألفا وقفا، والباقون بحذف التنوين وصلا.
واختلفوا في الوقف فوقف أبو عمرو وروح بالألف وحمزة وقنبل ورويس وخلف من غير ألف مع إسكان اللام. ولحفص والبزي وابن ذكوان وجهان وقفا: الأول كأبي عمرو وروح، والثاني كحمزة ومن معه.
{متكئين} قرأ أبو جعفر بحذف الهمزة في الحالين ولحمزة في الوقف عليه وجهان: الأول كأبي جعفر والثاني التسهيل بين بين.
{قوارير قوارير} قرأ المدنيان وشعبة والكسائي بالتنوين فيهما وبإبداله ألفا وقفا، وقرأ ابن كثير وخلف في اختياره بالتنوين في الأول وبتركه في الثاني ووقفا على الأول بالألف وعلى الثاني بحذفها مع إسكان الراء، وأبو عمرو وابن عامر وروح وحفص بترك التنوين فيهما ووقفوا على الأول بالألف وعلى الثاني بحذفها مع إسكان الراء إلا هشاما فوقف على الثاني بالألف أيضا. وقرأ حمزة ورويس بترك التنوين فيهما وإذا وقفا حذفا الألف فيهما مع إسكان الراء.
{سلسبيلا} آخر الربع.
الممال:
رءوس الآي الممالة:
{صلى}، {وتولى}، {يتمطى}، {فأولى} معا، {سدى}، {يمنى}، {فسوى}، {والأنثى}، {الموتى}، وهي معدودة إجماعا، وقد أمالها كلها الأخوان وخلف ووافقهم شعبة على إمالة شعبة على إمالة {سدى} فقط وقللها كلها البصري وورش بلا خلاف عنهما.
ما ليس برأس آية:
{بلى}، و{ألقى}، و{أولى} معا، و{أتى}، و{فوقاهم}، و{لقاهم}، و{جزاهم} و{تسمى} بالإمالة للأصحاب والتقليل لورش بخلف عنه.
{للكافرين} بالإمالة للبصري والدوري رويس وبالتقليل لورش.
المدغم الصغير:
{بل تحبون} للأخوين وهشام.
الكبير:
{لا أقسم بيوم}، {ولا أقسم بالنفس}، {نجمع عظامه}، {الدهر لم}، {يشرب بها}.
{لؤلؤا} أبدل الهمزة الأولى ووا ساكنة شعبة والسوسي وأبو جعفر مطلقا وكذلك حمزة إن وقف ويبدل حمزة أيضا الثانية عند الوقف واوا محضة.
{ثم} وقف عليه رويس بهاء السكت وغيره بتركها.
{عاليهم} قرأ المدنيان وحمزة بإسكان الياء ويلزمه كسر الهاء وغيرهم بنصب الياء ويلزمه ضم الهاء.
{خضر وإستبرق} قرأ نافع وحفص برفع الراء والقاف. وابن كثير وشعبة بخفض الأول ورفع الثاني وأبو جعفر والبصريان والشامي برفع الأول وخفض الثاني، والأخوان وخلف بخفضهما.
{القرآن}، و{سبحه}، {شئنا}، {تذكرة}، جلي.
{تشاءون} قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بياء الغيبة وغيرهم بتاء الخطاب وثلاثة البدل لورش واضحة. اهـ.

.فصل في حجة القراءات في السورة الكريمة:

.قال ابن خالويه:

ومن سورة الإنسان:
قوله تعالى: {سلاسل} يقرأ بالتنوين وتركه فالحجة لمن نون انه شاكل به ما قبله من رؤوس الآي لانها بالالف وان لم تكن رأس آية ووقف عليهما بالالف والحجة لمن ترك التنوين قال هي على وزن فعالل وهذا الوزن لأن ينصرف الا في ضرورة شاعر وليس في القرآن ضرورة وكان ابو عمرو يتبع السواد في الوقف فيقف بالالف ويحذف عند الادراج.
قوله تعالى: {كانت قواريرا قوارير} يقرآن معا بالتنوين وبالالف في الوقف وبطرح التنوين فيهما والوقف على الاول وعلى الثاني بغير ألف إلا ما روي عن حمزة انه كان يقف عليهما بغير الف فالحجة لمن قرأهما بالتنوين انه نون الأولى لأنها رأس آية وكتابتها في السواد بألف وأتبعها الثانية لفظا لقربها منها وكراهية للمخالفة بينهما وهما سيان كما قال الكسائي {ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود} فصرف الثاني لقربه من الاول والحجة لمن ترك التنوين انه أتى بمحض قياس العربية لأنه على وزن فواعيل وهذا الوزن نهاية الجمع المخالف لبناء الواحد فهذا ثقل وهو مع ذلك جمع والجمع فيه ثقل ثان فلما اجتمع فيه ثقلان منعاه من الصرف.
فأما الوقف عليه في هذه القراءة بالالف فاتباع للخط ولان من العرب من يقول رأيت عمرا فيقف على ما لا ينصرف بالالف ولزم حمزة القياس وصلا ووقفا.
وأراد بقوله: {من فضة} صفاء لونها وانها تؤدي ما داخلها كما يؤدي الزجاج.
قوله تعالى: {عاليهم} يقرأ بفتح الياء وسكونها فالحجة لمن فتح انه جعله ظرفا من المكان لأن الثاني فيه غير الاول كما تقول فوقك السقف وامامك الخير والحجة لمن أسكن انه جعله اسما واراد به ان الاول هو الثاني كما تقول فوقك رأسك وامامك طهرك فهذا فرق ما بين الظرف والاسم في هذا القبيل وما اشبهه فمن فتح الياء ضم الهاء ومن اسكنها كسر الهاء.
قوله تعالى: {خضر وإستبرق} يقرآن بالرفع والخفض فالحجة لمن رفع انه جعل الخضر نعتا للثياب وعطف الاستبرق عليها ودليله قوله {يلبسون ثيابا خضرا} على النعت والحجة لمن خفض انه جعل الخضر نعتا للسندس وجعل الاستبرق عطفا على سندس واصله بالعجمية استبره فعربته العرب فقالت استبرق وهو الديباج الغليظ.
قوله تعالى: {وما تشاؤون} يقرأ بالياء والتاء وقد تقدم ذكره فيما سلف. اهـ.

.قال ابن زنجلة:

76- سورة الإنسان:
{إنا أعتدنا للكفرين سلسلا وأغللا وسعيرا}
قرأ نافع وأبو بكر والكسائي {سلاسلا} بالتنوين، وقرأ الباقون {سلاسل} بغير تنوين لأن فعالل لا تنصرف وكل جمع ثالثه ألف وبعدها حرف مشدد أو حرفان خفيفان أو أكثر فإنه لا ينصرف في معرفة ولا نكرة نحو مساجد قال الله تعالى {مساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا}.
وحجة من صرف أمران أحدهما ذكر الفراء فقال إن العرب تجري ما لا يجري في الشعر فلو كان خطأ ما أدخلوه في أشعارهم فكذلك هؤلاء اجروا سلاسلا قال الشاعر:
فما وجد أظآر ثلاث روائم

فأجرى روائم والوجه الثاني أنهم اتبعوا مرسوم المصاحف في الوصل والوقف لأنها مكتوبة بالألف وإن لم تكن رأس آية فهي تشاكل رؤوس الآي لأن بعده {أغلالا} و{سعيرا} و{أكواب كانت قواريرا قواريرا من فضة قدروها تقديرا} 16، 15.
قرأ نافع وأبو بكر والكسائي {قواريرا قواريرا} منونا كلاهما وإذا وقفوا وقفوا عليهما بالف اتباعا للمصحف ولأن الأولى راس آية وكرهوا أن يخالفوا بين لفظين معناهما واحد كما قرأ الكسائي {ألا إن ثمودا كفروا ربهم ألا بعدا لثمود}فصرف الثاني لقربه من الأول.
قرأ ابن كثير {قواريرا} منونا و{قوارير من فضة} بغير تنوين وهو الاختيار لأن الأولى رأس آية وليست الثانية كذلك.
فمن قرأ {قواريرا قواريرا} بإجرائهما جميعا كانت له ثلاث حجج إحداهن أن يقول نونت الأولى لأنها رأس آية ورؤوس الآيات جاءت بالتنوين كقوله {مذكورا} {سميعا} {بصيرا} فنون الأولى ليوافق بين رؤوس الآيات ونون الثاني على ا لجوار للأول.
والحجة الثانية أن العرب تجري ما لا يجرى في كثير من كلامها من ذلك قول عمرو بن كلثوم:
كأن سيوفنا فينا وفيهم ** مخاريق بأيدي لاعبينا

فأجرى مخاريق.
والثالثة اتباع المصاحف وذلك أنهم جميعا في مصاحف أهل الحجاز والكوفة بالألف.
وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص {قوارير قوارير} بغير تنوين وهو محض العربية لأن فواعل لا تنصرف في معرفة ولا نكرة ووقفوا على الأولى بالألف لأنها رأس آية وآيتها على الألف ووقفوا على الثانية بغير ألف لأنها ليست برأس آية ووقف حمزة بغير ألف فيهما.
قوله {كانت قوارير قوارير من فضة} يقول كانت كصفاء القوارير وبياض الفضة فاجتمع فيها صفاء القوراير وبياض الفضة {قدروها تقديرا} أي قدروا الكأس على ري أحدهم لا فضل فيه ولا عجز عن ريه.
{عليهم ثياب سندس خضر وإستبرق 21}
قرأ نافع وحمزة {عاليهم} ساكنة الياء وهي في موضع رفع على الابتداء وخبره {ثياب سندس} لأن العالي هو الثياب.
وقرأ الباقون عاليهم بفتح الياء على الحال قال الزجاج نصب على الحال من شيئين أحدهما من الهاء والميم المعنى يطوف على الأبرار ولدان مخلدون على الأبرار ثياب سندس لأنه قد وصفت أحوالهم في الحنة فيكون المعنى يطوف عليهم في هذه الحال هؤلاء ويجوز أن يكون حالا من الولدان المعنى إذا رأيته حسبتهم لؤلؤا منثورا في حال علو الثياب إياهم وقال قوم نصب على الظرف بمعنى فوقهم.
وقرأ ابن كثير وأبو بكر {ثياب سندس خضر} خفضا {وإستبرق} رفعا، وقرأ أبو عمرو وابن عامر {خضر} رفع {وإستبرق} خفض وقرأ نافع وحفص بالرفع فيهما، وقرأ حمزة والكسائي بالخفض فيهما.
فمن قرأ {خضر} بالرفع فهو أحسن لأنه يكون نعتا للثياب ولفظ الثياب لفظ الجمع وخضر لفظها لفظ الجمع، ومن قرأ {خضر} فهو من نعت السندس والسندس في المعنى راجع إلى الثياب، ومن قرأ {إستبرق} بالرفع فهو نسق على ثياب المعنى وعليهم إستبرق ومن خفض فهو نسق على السندس وثياب إستبرق.
ويكون المعنى عليهم ثياب من هذين النوعين ثياب سندس وإستبرق، وأجود هذه الوجوه قول أبي عمرو ومن معه فرفع الخضر لأنه صفة مجموعة لموصوف مجموع فأتبع الخضر الذي هو جمع مرفوع الجمع المرفوع الذي هو ثياب وأما {إستبرق} فجر من حيث كان جنسا أضيف إليه الثياب كما اضيف إلى {سندس} فاضاف الثياب إلى الجنسين كما تقول ثياب خز وكتان ويدل على ذلك قوله تعالى: {ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق} وأما خفض {خضر} و{إستبرق} بالرفع فإنه أجرى الخضر وهو جمع على السندس لما كان المعنى أن الثياب من هذا الجنس.
وأجاز أبو الحسن الأخفش وصف بعض هذه الأجناس بالجمع فقال تقول أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض والصفر والبيض جمعان والدرهم لفظه واحد أراد به الجنس وما تشاءون إلا أن يشاء الله 30.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر {وما يشاؤون} بالياء ردوه على قوله {ويذرون وراءهم} 27 و{نحن خلقناهم وشددنا أسرهم} فجعلوا قوله {يشاؤون} خبرا عنهم إذ أتى في سياق الخبر عنهم ليأتلف الكلام على نظام واحد.
وقرأ الباقون {وما تشاءون} بالتاء على الخطاب وإنما خاطبهم بذلك بعد انقضاء الخبر عنهم ولأن الخطاب يدخل فيه معنى الخبر فهو أوعب. اهـ.

.فصل في فوائد لغوية وإعرابية وبلاغية في جميع آيات السورة:

.قال في الجدول في إعراب القرآن الكريم:

سورة الإنسان:
بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

.[الإنسان: آية 1]

{هَلْ أَتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1)}

.الإعراب:

{هل} حرف استفهام للتقرير، {على الإنسان} متعلّق بـ {أتى}، {حين} فاعل {أتى} مرفوع.
جملة: {أتى... حين} لا محلّ لها ابتدائيّة.
وجملة: {لم يكن..}. في محلّ نصب حال من {الإنسان}.

.الصرف:

{حين}، اسم بمعنى المدّة غير المحدودة الكثيرة أو القليلة، وزنه فعل بكسر فسكون.
{الدهر}، اسم للزمان الممتدّ غير المحدود، وزنه فعل بفتح فسكون.
{مذكور}، اسم مفعول من الثلاثيّ ذكر، وزنه مفعول.

.[الإنسان: آية 2]

{إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نبتليه فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (2)}.

.الإعراب:

{من نطفة} متعلّق بـ {خلقنا}، {أمشاج} نعت لـ {نطفة} مجرور (الفاء) عاطفة {سميعا} حال منصوبة من المفعول بتضمين الفعل معنى خلقناه {بصيرا} حال ثانية منصوبة..
جملة: {إنّا خلقنا..}. لا محلّ لها استئناف بيانيّ.
وجملة: {خلقنا..}. في محلّ رفع خبر إنّ.
وجملة: {نبتليه..}. في محلّ نصب حال من فاعل {خلقنا} أو من المفعول.
وجملة: {جعلناه..}. في محلّ رفع معطوفة على جملة {خلقنا..}.

.الصرف:

{أمشاج}، جمع مشج زنة فعل بفتحتين أو بفتح فسكون بمعنى خليط.

.[الإنسان: آية 3]

{إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكراً وَإِمَّا كفوراً (3)}.

.الإعراب:

{إمّا} حرف لتفصيل الأحوال {شاكرا} حال من مفعول {هديناه} منصوبة (الواو) عاطفة..
جملة: {إنّا هديناه..}. لا محلّ لها استئنافيّة.
وجملة: {هديناه..}. في محلّ رفع خبر إنّ.

.البلاغة:

في قوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكراً وَإِمَّا كفوراً..}..
فعند ما كان الشكر قليلا من يتصف به قال {شاكرا...}، فعبّر عنه باسم الفاعل، للدلالة على قلته، وأما إيراد الكفور بصيغة المبالغة، لمراعاة الفواصل، والإشعار بأن الإنسان قلما يخلو من كفران ما، فهو كثير من يتصف به، ويكثر وقوعه من الإنسان.

.الفوائد:

- {إمّا}:
وهي حرف شرط وتفصيل، ولها خمسة معان:
1- الشك نحو: (جاءني إما حسن وإما حسين) إذا لم تعلم الجائي منهما.
1- الشك نحو: (جاءني إما حسن وإما حسين) إذا لم تعلم الجائي منهما.
2- الإبهام، كقوله تعالى: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ الله إِمَّا يُعَذِّبهمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ..}..
3- التخيير، كقوله تعالى: {إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى}.
4- الإباحة، نحو (جالس إما الحسن وإما ابن سيرين).
5- التفصيل، كقوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكراً وَإِمَّا كفوراً}.
و (إما) يبنى الكلام معها- من أول الأمر- على ما جيء بها لأجله، من شك وغيره، لذلك وجب تكرارها في غير ندور، و(أو) يفتتح الكلام معها على الجزم، ثم يطرأ الشك أو غيره، ولهذا لم تتكرر.

.[الإنسان: آية 4]

{إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سلاسل وَأَغْلالاً وَسَعِيراً (4)}.

.الإعراب:

{للكافرين} متعلّق بـ {أعتدنا}، ومنع {سلاسل} من التنوين لأنه جمع على صيغة منتهى الجموع.
جملة: {إنّا أعتدنا..}. لا محلّ لها استئنافيّة.
وجملة: {أعتدنا..}. في محلّ رفع خبر إنّ.

.[الإنسان: الآيات 5- 10]

{إِنَّ الْأَبْرارَ يشربونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً (5) عيناً يشرب بها عِبادُ الله يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبه مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (8) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً (9) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (10)}

.الإعراب:

{من كأس} متعلّق بـ {يشربون}، {عينا} بدل من {كافورا} منصوب، {بها} متعلّق بـ {يشرب} بتضمينه معنى يلتذّ أو يرتوي، {تفجيرا} مفعول مطلق منصوب.
جملة: {إنّ الأبرار يشربون..}. لا محلّ لها استئنافيّة.
وجملة: {يشربون..}. في محلّ رفع خبر إنّ.
وجملة: {كان مزاجها كافورا..}. في محلّ جرّ نعت لكأس.
وجملة: {يشرب بها..}. في محلّ نصب نعت لـ عينا وجملة: {يفجّرونها..}. في محلّ نصب حال من فاعل يشرب.
7- {بالنذر} متعلّق بـ {يوفون}، {يوما} مفعول به منصوب..
وجملة: {يوفون..}. لا محلّ لها استئناف بيانيّ- أو تعليل لما سبق- وجملة: {يخافون..}. لا محلّ لها معطوفة على جملة يوفون.
وجملة: {كان شرّه مستطيرا..}. في محلّ نصب نعت لـ {يوما}.
8- (الواو) عاطفة {على حبه} حال من الفاعل أو المفعول..
وجملة: {يطعمون..}. لا محلّ لها معطوفة على جملة يوفون.
9- {إنّما} كافّة ومكفوفة {لوجه} متعلّق بحال من فاعل نطعم، {لا} نافية {منكم} متعلّق بـ {نريد} {لا} الثانية زائدة لتأكيد النفي {شكورا} معطوف على {جزاء} منصوب مثله.
وجملة: {نطعمكم..}. في محلّ نصب مقول القول لقول مقدّر هو حال من فاعل {يطعمون} أي: يطعمون الطعام قائلين إنّما نطعمكم..
وجملة: {لا نريد..}. في محلّ نصب حال من فاعل {نطعمكم}.
10- {من ربّنا} متعلّق بـ {نخاف}..
وجملة: {إنّا نخاف..}. لا محلّ لها تعليليّة.
وجملة: {نخاف..}. في محلّ رفع خبر إنّ.

.الصرف:

(5) {مزاجها}: اسم لما يمزج به، وزنه فعال بكسر الفاء.
{كافورا}، اسم للمادّة المعروفة ذات اللون الأبيض والرائحة الطيّبة، وقد يكون علما لعين ماء في الجنّة، وزنه فاعول مشتقّ من الكفر وهو الستر، قيل لأنه يغطّي الأشياء برائحته.
(7) {يوفون}: فيه إعلال بالتسكين وإعلال بالحذف، أصله يوفيون..
استثقلت الضمّة على الياء فسكّنت ونقلت الضمّة إلى الفاء قبلها، ثمّ حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع الواو.. وزنه يفعون.. وفيه أيضا حذف الهمزة من أوّله حذفا قياسيّا فهو مضارع أوفى مثل أكرم فحذفت الهمزة من المضارع كما حذفت من (يكرم).
{مستطيرا}، اسم فاعل من السداسيّ استطار بمعنى انتشر، مشتقّ من الطيران، وقال الفرّاء: المستطير المستطيل، وزنه مستفعل بضمّ الميم وكسر العين، وفيه إعلال بالتسكين أي تسكين الياء.
(10) {عبوسا}: صيغة مبالغة- أو صفة مشبهة- من الثلاثيّ عبس، وزنه فعول بفتح الفاء.
{قمطريرا}، اسم بمعنى الشديد من الأيام أو الشرّ، وزنه فعلليل.

.البلاغة:

المجاز: في قوله تعالى: {يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً..}..
وصف اليوم بالعبوس، مجاز على طريقين: أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء، كقولهم: نهارك صائم- وأن يشبه في شدته وضرره بالأسد العبوس أو الشجاع الباسل.

.[الإنسان: الآيات 11- 19]

{فوقاهم الله شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (11) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً (12) متكئين فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً (13) وَدانية عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذللت قُطُوفُها تَذْلِيلاً (14) وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (15) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (16) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً (17) عيناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (18) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (19)}

.الإعراب:

(الفاء) عاطفة وكذلك (الواو)، {شرّ} مفعول به ثان منصوب وكذلك {نضرة}..
جملة: {وقاهم الله..}. لا محلّ لها معطوفة على جملة {يوفون}...
وجملة: {لقّاهم..}. لا محلّ لها معطوفة على جملة {وقاهم الله}..
12- (الواو) عاطفة (ما) حرف مصدريّ {جنّة} مفعول به ثان منصوب..
وجملة: {جزاهم..}. لا محلّ لها معطوفة على جملة (وقاهم الله).
وجملة: {صبروا..}. لا محلّ لها صلة الموصول الحرفيّ (ما).
والمصدر المؤوّل: {ما صبروا..}. في محلّ جرّ بالباء متعلّق بـ {جزاهم} و(الباء) سببيّة.
13- {متكئين} حال منصوبة من ضمير المفعول في {جزاهم}، {فيها} متعلّق بحال من الضمير في {متكئين}، فهي متداخلة {على الأرائك} متعلّق بـ {متكئين} {لا} نافية {فيها} متعلّق بـ {يرون}، {لا} الثانية زائدة لتأكيد النفي.
وجملة: {لا يرون..}. في محلّ نصب حال ثانية من ضمير {جزاهم}.
14- (الواو) عاطفة في الموضعين {دانية} معطوفة على {متكئين} {عليهم} متعلّق بـ {دانية} بمعنى مائلة {ظلالها} فاعل اسم الفاعل {دانية} مرفوع {تذليلا} مفعول مطلق منصوب..
وجملة: {ذللت قطوفها..}. في محلّ نصب معطوفة على {دانية}.
15- (الواو) عاطفة في الموضعين {عليهم} متعلّق بـ {يطاف}، {بآنية} نائب الفاعل لفعل {يطاف} {من فضّة} متعلّق بنعت لـ {آنية}، {قوارير} الثاني بدل من الأول منصوب {من فضّة} متعلّق بنعت لـ {قوارير}، {تقديرا} مفعول مطلق منصوب.
وجملة: {يطاف.. بآنية..}. لا محلّ لها معطوفة على جملة {جزاهم}..
وجملة: {كانت قواريرا..}. في محلّ جرّ نعت لأكواب.
وجملة: {قدّروها..}. في محلّ نصب نعت لـ: {قوارير} الثاني.
17- (الواو) عاطفة {فيها} متعلّق بحال من ضمير {يسقون} {عينا} بدل من {زنجبيلا}، {فيها} متعلّق بنعت لـ {عينا}.
وجملة: {يسقون..}. لا محلّ لها معطوفة على جملة {يطاف}..
وجملة: {كان مزاجها زنجبيلا..}. في محلّ نصب نعت لـ {كأسا}.
وجملة: {تسمّى..}. في محلّ نصب نعت لـ {عينا} الثاني.
19- (الواو) عاطفة {عليهم} متعلّق بـ {يطوف}، {لؤلؤا} مفعول به ثان منصوب..
وجملة: {يطوف عليهم ولدان..}. لا محلّ لها معطوفة على جملة {يسقون}.
وجملة: الشرط وفعله وجوابه... في محلّ رفع نعت لـ: {ولدان} ثان.
وجملة: {رأيتهم..}. في محلّ جرّ مضاف إليه.
وجملة: {حسبتهم..}. لا محلّ لها جواب شرط غير جازم.

.الصرف:

(11) (وقاهم): فيه إعلال بالقلب، أصله وقيهم، تحركت الياء بعد فتح قلبت ألفا.
{لقّاهم}، فيه إعلال بالقلب، أصله لقّيهم، تحركت الياء بعد فتح قلبت ألفا.
(11) {نضرة}: مصدر الثلاثيّ نضر باب نصر وباب فرح وباب كرم، وزنه فعلة بفتح فسكون بمعنى الحسن.
{سرورا}، مصدر الثلاثيّ سرّ باب نصر، وزنه فعول بضمّ الفاء، وثمّة مصادر أخرى للفعل هي سرّ بضمّ السين، وسرّى بضم السين وفتح الراء المشدّدة، ومسرّة بفتح فكسر، ومسرّة- مصدر ميميّ- بفتحتين.
(12) {جزاهم}: فيه إعلال بالقلب، أصله جزيهم، تحركت الياء بعد فتح قلبت ألفا.
(13) {زمهريرا}: اسم بمعنى شدّة البرد- قيل هو القمر على لغة طيء- وزنه فعلليل.
(14) {تذليلا}: مصدر قياسيّ للرباعيّ ذلّل، وزنه تفعيل.
(15) {يطاف}: فيه إعلال بالقلب لمناسبة البناء للمجهول، جاء ما قبل الواو مفتوحا فقلبت ألفا.
{آنية}، جمع إناء، اسم للوعاء وزنه فعال بكسر الفاء، والهمزة فيه منقلبة عن ياء لتطرّفها بعد ألف ساكنة، وزن آنية فاعلة، والمدّة فيه أصلها همزة وألف (أأنية).
(17) {يسقون}: فيه إعلال بالحذف أصله يسقاون، التقى ساكنان فحذفت الألف وبقي ما قبل الواو مفتوحا دلالة على الحرف المحذوف، وزنه يفعون بضمّ الياء وفتح العين.
{زنجبيلا}، اسم للنبات المعروف- وليس كزنجبيل الدنيا- وزنه فعلليل.
(18) {سلسبيلا}: إمّا اسم علم لماء في الجنّة، أو صفة مشبهة للماء الذي هو في غاية السلاسة، قيل زيدت فيه الباء مبالغة فوزنه فعلبيل، أو بدون زيادته فوزنه فعلليل.

.[الإنسان: الآيات 20- 22]

{وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (20) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبرق وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبهمْ شَراباً طَهُوراً (21) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (22)}.

.الإعراب:

(الواو) استئنافيّة {ثمّ} ظرف مكان مبنيّ على الفتح في محلّ نصب متعلّق بـ {رأيت} الأول..
جملة: {رأيت..}. في محلّ جرّ مضاف إليه.
وجملة: {رأيت} (الثانية)... لا محلّ لها جواب شرط غير جازم.
21- {عاليهم} ظرف مكان منصوب متعلّق بمحذوف خبر مقدّم للمبتدأ {ثياب}، {خضر} نعت لـ: {ثياب} مرفوع {إستبرق} معطوف بالواو على {ثياب} مرفوع، و(الواو) في {حلّوا} نائب الفاعل {من فضّة} متعلّق بنعت لـ {أساور}، {شرابا} مفعول به ثان منصوب.
وجملة: {عاليهم ثياب..}. لا محلّ لها استئناف بيانيّ.
وجملة: {حلّوا..}. لا محلّ لها معطوفة على جملة {عاليهم ثياب}.
وجملة: {سقاهم ربهم..}. لا محلّ لها معطوفة على جملة {حلّوا}...
22- {لكم} متعلّق بحال من جزاء (الواو) عاطفة..
وجملة: {إنّ هذا كان..}. لا محلّ لها استئناف بيانيّ.
وجملة: {كان لكم جزاء..}. في محلّ رفع خبر إنّ.
وجملة: {كان سعيكم مشكورا..}. في محلّ رفع معطوفة على جملة {كان} (الأولى).

.الصرف:

(21) {عاليهم}: إمّا اسم فاعل من (علا)، أو هو ظرف على وزن اسم الفاعل كداخل الشيء وخارجه.
{حلّوا}، فيه إعلال بالتسكين وإعلال بالحذف.. أصله حلّيوا- بياء مضمومة قبل الواو- استثقلت الضمّة على الياء فسكّنت ونقلت الضمّة إلى اللام قبلها- إعلال بالتسكين- ثمّ حذفت الياء لاجتماعها ساكنة مع واو الجماعة- إعلال بالحذف-، وزنه فعّوا بضمّ الفاء والعين المشدّدة.
{سقاهم}، فيه إعلال بالقلب... أصله سقيهم- تحركت الياء بعد فتح قلبت ألفا.

.الفوائد:

ثمّ اسم يشار به إلى المكان البعيد كقوله تعالى: {وَ أَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ} وهو ظرف لا يتصرف، ولذلك غلط من أعربه مفعولا لرأيت في قوله تعالى: {وَ إِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً}، ولا يتقدمه حرف التنبيه، ولا يتأخر عنه كاف الخطاب.

.[الإنسان: الآيات 23- 26]

{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القرآن تَنْزِيلاً (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كفوراً (24) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (25) وَمِنَ اللَّيل فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (26)}.

.الإعراب:

{نحن} ضمير في محلّ نصب مستعار لتوكيد الضمير اسم إنّ، {عليك} متعلّق بـ {نزّلنا}، {تنزيلا} مفعول مطلق منصوب.
جملة: {إنّا... نزّلنا..}. لا محلّ لها استئنافيّة.
وجملة: {نزّلنا..}. في محلّ رفع خبر إنّ.
24- (الفاء) رابطة لجواب شرط مقدّر {لحكم} متعلّق بـ (اصبر) بتضمينه معنى أذعن (الواو) عاطفة {لا} ناهية جازمة {منهم} متعلّق بحال من {آثما}، {أو} حرف عطف للإباحة..
وجملة: {اصبر..}. في محلّ جزم جواب شرط مقدّر أي إن جاء قدر الله فاصبر.
وجملة: {لا تطع..}. في محلّ جزم معطوفة على جملة الجواب.
25- (الواو) عاطفة {بكرة} ظرف زمان منصوب متعلّق بـ {اذكر}.
وجملة: {اذكر..}. في محلّ جزم معطوفة على جملة الجواب.
26- (الواو) عاطفة في الموضعين (الفاء) رابطة لجواب شرط مقدّر {له} متعلّق بـ (اسجد)، {ليلا} ظرف منصوب متعلّق بـ {سبّحه}.
وجملة: {اسجد..}. في محلّ جزم جواب شرط مقدّر أي مهما حصل فاسجد والشرط المقدّر معطوف على الشرط المقدّر السابق.
وجملة: {سبّحه..}. في محلّ جزم معطوفة على جملة {اسجد}.

.[الإنسان: آية 27]

{إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)}.

.الإعراب:

{وراءهم} ظرف مكان منصوب متعلّق بحال من {يوما}.
(يوما) مفعول به منصوب.
جملة: {إنّ هؤلاء يحبّون..}. لا محلّ لها استئنافيّة.
وجملة: {يحبّون..}. في محلّ رفع خبر إنّ.
وجملة: {يذرون..}. في محلّ رفع معطوفة على جملة {يحبّون}.

.البلاغة:

الاستعارة التصريحية: في قوله تعالى: {يَوْماً ثَقِيلًا..}.: وصف اليوم بالثقيل لتشبيه شدته وهوله بثقل شيء قادح باهظ لحامله، بطريق الاستعارة.

.[الإنسان: آية 28]

{نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً (28)}.

.الإعراب:

{تبديلا} مفعول مطلق منصوب..
جملة: {نحن خلقناهم..}. لا محلّ لها استئنافيّة.
وجملة: {خلقناهم..}. في محلّ رفع خبر المبتدأ (نحن).
وجملة: {شددنا..}. في محلّ رفع معطوفة على جملة {خلقناهم}.
وجملة: {شئنا..}. في محلّ جرّ مضاف إليه.
وجملة: {بدّلنا..}. لا محلّ لها جواب شرط غير جازم.

.الصرف:

{أسرهم}، اسم بمعنى المفاصل والأعضاء، وفي القاموس:
الأسر الشدّة والغضب وشدّة الخلق وشددنا أسرهم أي مفاصلهم. وفي المختار: أسره الله أي خلقه، وشددنا أسرهم أي خلقهم، وزنه فعل بالفتح.

.[الإنسان: الآيات 29- 31]

{إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبه سَبِيلاً (29) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ الله إِنَّ الله كانَ عَلِيماً حَكِيماً (30) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (31)}.

.الإعراب:

الإشارة في {هذه} إلى السورة (الفاء) عاطفة (من) اسم شرط جازم في محلّ رفع مبتدأ {شاء} ماض في محلّ جزم فعل الشرط، وكذلك جواب الشرط {اتّخذ}، {إلى ربه} متعلّق بمحذوف مفعول به ثان عامله {اتّخذ}.
جملة: {إنّ هذه تذكرة..}. لا محلّ لها استئنافيّة.
وجملة: {من شاء..}. لا محلّ لها معطوفة على الاستئنافيّة.
وجملة: {شاء..}. في محلّ رفع خبر المبتدأ (من).
وجملة: {اتّخذ..}. لا محلّ لها جواب الشرط الجازم غير مقترنة بالفاء.
30- (الواو) عاطفة {ما} نافية، ومفعول {تشاؤون} محذوف أي الطاعة {إلّا} للحصر، {أن} حرف مصدريّ.
والمصدر المؤوّل: {أن يشاء الله} في محلّ نصب ظرف زمان بحذف مضاف أي إلا وقت مشيئة الله.
وجملة: {تشاؤون..}. لا محلّ لها معطوفة على جملة {من شاء}.
وجملة: {يشاء الله..}. لا محلّ لها صلة الموصول الحرفيّ (أن).
وجملة: {إنّ الله كان..}. لا محلّ لها تعليليّة.
وجملة: {كان عليما..}. في محلّ رفع خبر إنّ.
31- {في رحمته} متعلّق بـ {يدخل}، (الواو) عاطفة {الظالمين} مفعول به لفعل محذوف على الاشتغال يفسّره ما بعده أي أوعد أو عاقب {لهم} متعلّق بـ {أعدّ}..
وجملة: {يدخل..}. لا محلّ لها استئناف بيانيّ.
وجملة: {يشاء..}. لا محلّ لها صلة الموصول (من).
وجملة: {(أوعد) الظالمين..}. لا محلّ لها معطوفة على جملة {يدخل}.
وجملة: {أعدّ لهم..}. لا محلّ لها تفسيريّة. اهـ.

.قال محيي الدين الدرويش:

76 سورة الإنسان:
مدنية.
وآياتها إحدى وثلاثون.
بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

.[الإنسان: الآيات 1- 12]

{هَلْ أَتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1) إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نبتليه فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (2) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكراً وَإِمَّا كفوراً (3) إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سلاسل وَأَغْلالاً وَسَعِيراً (4) إِنَّ الْأَبْرارَ يشربونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً (5) عيناً يشرب بها عِبادُ الله يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبه مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (8) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً (9) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (10) فوقاهم الله شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (11) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً (12)}

.اللغة:

{أَمْشاجٍ} أخلاط أي من ماء الرجل وماء المرأة المختلطين الممتزجين، ووقع الجمع صفة لمفرد أي لنطفة لأنه في معنى الجمع أو جعل كل جزء من النطفة نطفة فاعتبر ذلك فوصف بالجمع وفي المختار: مشج بينهما خلط وبابه ضرب والشيء مشيج والجمع أمشاج كيتيم وأيتام ويقال نطفة أمشاج لماء الرجل يختلط بماء المرأة ودمها. وعبارة الزمخشري: نطفة أمشاج كبرمة أعشار وبرد أكباش وهي ألفاظ مفردة غير جموع ولذلك وقعت صفات للأفراد ويقال أيضا نطفة مشج قال الشماخ:
طوت أحشاء مرتجة لوقت ** على مشج سلالته مهين

و لا يصحّ {أمشاج} أن يكون تكسيرا له بل هما مثلان في الإفراد لوصف المفرد بهما ومشجه ومزجه بمعنى، والمعنى: من نطفة امتزج فيها الماءان.
{كافُوراً} الكافور: نبت طيب وكأن اشتقاقه من الكفر وهو الستر لأنه يغطي الأشياء براحته والكافور أيضا كمام الشجر التي تغطي ثمرتها.
{مُسْتَطِيراً}: فاشيا منتشرا بالغا أقصى المبالغ من استطار الحريق واستطار الفجر وهو من طار بمنزلة استنفر من نفر يقال: استطار يستطير استطارة فهو مستطير وهو استفعل من الطيران وقال الفراء: المستطير: المستطيل كأنه يريد أنه مثله في المعنى إلا أنه أبدل من اللام راءه، والفجر فجران مستطيل كذنب السرحان وهو الكاذب ومستطير وهو الصادق لانتشاره في الأفق.
{قَمْطَرِيراً} القمطرير: الشديد العبوس الذي يجمع ما بين عينيه قال الزجّاج: يقال قمطرت الناقة إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها وزقت بأنفها فاشتقته من القطر وجعل الميم زائدة، وقال أسد بن ناعصة:
واصطليت الحروب في كل يوم ** باسل الشر قمطرير الصباح

وفي القاموس: ويوم قماطر كعلابط وقمطرير شديد واقمطرّ اشتد.

.الإعراب:

{هَلْ أَتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً} في {هل} وجهان: أحدهما هي بمعنى قد والثاني هي استفهام على بابها والاستفهام هنا للتقرير وللتوبيخ.
وعبارة السمين: في هل هذه وجهان: أحدهما أنها على بابها من الاستفهام المحض وقال مكّي في تقرير كونها على بابها من الاستفهام الذي معناه التقرير: وهو تقرير لمن أنكر البعث فلابد أن يقول نعم قد مضى دهر طويل لا إنسان فيه فيقال له: من أحدثه بعد أن لم يكن وكونه بعد عدمه كيف يمتنع عليه بعثه وإحياؤه بعد موته؟ وهو معنى قوله: {ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون} أي فهلّا تذكرون فتعلمون أن من أنشأ شيئا بعد أن لم يكن قادرا على إعادته بعد موته وعدمه فقد جعلها للاستفهام التقريري لا للاستفهام المحض وهذا هو الذي يجب أن يكون لأن الاستفهام لا يرد من الله تعالى ألا على هذا النحو وما أشبهه، الثاني أنها بمعنى قد.
أما الزمخشري فقال: هل بمعنى قد في الاستفهام خاصة والأصل أهل بدليل قوله:
أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم

فالمعنى قد أتى على التقرير والتقريب جميعا أي أتى على الإنسان قبل زمان قريب.
أما شطر البيت الذي أورده الزمخشري فهو عجز البيت:
سائل فوارس يربوع بشدتنا ** أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم

والبيت لزيد الخيل الذي سمّاه النبي صلى الله عليه وسلم زيد الخير، وسائل فعل أمر بمعنى اسألهم وراجعهم في السؤال لتتيقن حقيقة الحال ويربوع أبو حي، والباء بمعنى عن أي سلهم عن قوتنا والأصل في الاستفهام الهمزة ولذلك كان لها تمام التصدير في الكلام وأصل هل بمعنى قد لكن لكثرة الاستعمال فيه صارت الهمزة نسيا منسيا في حيز الإهمال والاستفهام هنا للتقرير.
و {أتى} فعل ماض و{على الإنسان} متعلقان بـ: {أتى} و{حين} فاعل و{من الدهر} نعت لـ: {حين}، وجملة {لم يكن} فيها وجهان أحدهما أنها في موضع نصب على الحال من {الإنسان} أي هل أتى عليه حين في هذه الحالة.
والثاني أنها في موضع رفع نعتا لحين بعد نعت وعلى هذا فالعائد محذوف تقديره حين لم يكن فيه شيئا مذكورا والأول أرجح.
وعبارة الزمخشري فإن قلت: ما محل لم يكن شيئا مذكورا قلت محله النصب على الحال من الإنسان كأنه قيل: هل أتى عليه حين من الدهر غير مذكور أو الرفع على الوصف لحين كقوله يوما لا يجزي والد عن ولده. و{لم} حرف نفي وقلب وجزم و{يكن} فعل مضارع ناقص مجزوم بلم واسمها مستتر تقديره هو يعود على {الإنسان} و{شيئا} خبرها و{مذكورا} نعت لـ: {شيئا}.
{إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نبتليه} كلام مستأنف مسوق لبيان كيفية خلق الإنسان وإن واسمها وجملة {خلقنا الإنسان} خبرها و{من نطفة} متعلقان بـ: {خلقنا} و{أمشاج} نعت لـ: {نطفة}، وقد تقدم في باب اللغة سر وقوع الجمع صفة لمفرد على أن أبا البقاء أجاز أن تكون بدلا من {نطفة}، وجملة {نبتليه} فيها وجهان:
أحدهما أنها حال من فاعل {خلقنا} أي خلقناه حال كوننا مبتلين له.
والثاني أنها حال من {الإنسان} وصحّ ذلك لأن في الجملة ضميرين كلّ منهما يعود على ذي الحال ثم هذه الحال يجوز أن تكون مقارنة إن كان المعنى نبتليه بتصريفه في بطن أمه نطفة ثم علقة وأن تكون مقدّرة إن كان المعنى نبتليه نختبره بالتكليف لأنه وقت خلقه غير مكلّف.
{فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً} الفاء عاطفة للترتيب مع التعقيب و{جعلناه} فعل وفاعل ومفعول به و{سميعا بصيرا} مفعول به ثان، وقد نزلت الكلمتان منزلة الكلمة الواحدة لأنهما كناية عن التمييز والفهم إذ آلتهما سبب لذلك وهما أشرف الحواس تدرك بهما أعظم المدركات أي جعلناه بسبب الابتلاء حين تأهله له سميعا بصيرا ليتمكن من مشاهدة الدلائل واستماع الآيات فالعطف على إرادة الابتلاء لا الابتلاء فيه فلا يرد السؤال الآتي: كيف عطف على {نبتليه} ما بعده بالفاء مع أن الابتلاء متأخر عنه.
{إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكراً وَإِمَّا كفوراً} الجملة تعليل للابتلاء وإن واسمها وجملة {هديناه} من الفعل والفاعل والمفعول خبر {إنّا} و{السبيل} مفعول به ثان أو في محل نصب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بـ: {هديناه} و{إما} حرف شرط وتفصيل و{شاكرا} و{كفورا} حالان من الهاء في {هديناه} أي مكّناه وأقدرناه على حالتيه جميعا أو دعوناه إلى الإسلام بأدلة العقل والسمع وكان معلوما أنه يؤمن أو يكفر لإلزام الحجة، ويجوز أن يكونا حالين من {السبيل} أي عرفناه إما سبيلا شاكرا وإما سبيلا كفورا كقوله {وهديناه النجدين} ويكون وصف السبيل بالشكر والكفر مجازا، وسيأتي سر المخالفة بين اسم الفاعل وصيغة المبالغة في باب البلاغة.
{إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سلاسل وَأَغْلالًا وَسَعِيراً} الجملة تعليل أيضا لأنه لما ذكر الفريقين اتبعهما الوعيد والوعد، وإن واسمها وجملة {أعتدنا} خبرها و{للكافرين} متعلقان بـ: {أعتدنا} و{سلاسل} مفعول به ومنع من الصرف لأنه جمع على وزن مفاعل وقرئ بالصرف للمناسبة مع {أغلالا} وهما قراءتان سبعيتان.
و عبارة أبي حيان: وقرأ طلحة وعمرو بن عبيد وابن كثير وأبو عمرو وحمزة {سلاسل} ممنوع الصرف وقفا ووصلا وقيل عن حمزة وأبي عمرو الوقف بالألف وقرأ حفص وابن ذكوان بمنع الصرف واختلف عنهم في الوقف وكذا عن البزّي وقرأ باقي السبعة بالتنوين وصلا وبالألف المبدلة منه وقفا وهي قراءة الأعمش، قيل: وهذا على ما حكاه الأخفش من لغة من يصرف كلّ ما لا ينصرف إلا أفعل وهي لغة الشعراء ثم كثر حتى جرى في كلامهم وعلل ذلك بأن هذا الجمع لما كان يجمع فقالوا صواحبات يوسف ونواكسي الأبصار أشبه المفرد فجرى فيه الصرف وقال بعض الرجّاز:
والصرف في الجمع أتى كثيرا ** حتى ادّعى قوم به التخييرا

{إِنَّ الْأَبْرارَ يشربونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً} إن واسمها وجملة {يشربون} خبرها و{من كأس} متعلقان بـ: {يشربون} ومفعول {يشربون} محذوف أي خمرا من كأس، والكأس الزجاجة إذا كانت فيها خمر وتسمى الخمر نفسها كأسا، قال الأعشى:
وكأس شربت على لذة ** وأخرى تداويت منها بها

وجملة {كان مزاجها كافورا} نعت لـ: {كأس} وكان واسمها وخبرها.
{عيناً يشرب بها عِبادُ الله يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً} {عينا} أفاض النحاة في أوجه إعرابها والأوجه التي أوردوها تتناهى إلى السبعة ونوردها فيما يلي باختصار ثم نعمد إلى الترجيح:
1- بدل من {كافورا} لأن ماءها في بياض الكافور وفي رائحته وبرودته.
2- بدل من محل {من كأس}، وقدّر الزمخشري على هذا الوجه حذف مضاف قال: (كأنه قيل يشربون فيها خمرا خمر عين) وأما أبو البقاء فجعل المضاف مقدّرا على وجه البدل من كافورا فقال: والثاني بدل من {كافورا} أي ماء عين أو خمر عين.
3- مفعول {يشربون} أي يشربون عينا من كأس.
4- النصب على الاختصاص.
5- منصوب بـ: {يشربون} مقدّرا يفسّره ما بعده قاله أبو البقاء أيضا.
6- منصوب بإضمار فعل تقديره يعطون.
7- منصوب على الحال من الضمير في مزاجها قاله مكّي. ونرى أن الأول والرابع أرجح الأوجه وأدناها إلى السهولة على أن ذلك لا يمنع الاعتراف بصحة الأوجه التي أوردناها كلها.
وجملة {يشرب} صفة لـ: {عينا} و{بها} جار ومجرور متعلقان بـ: {يشرب} والضمير يعود على الكأس أي يشربون العين بتلك الكأس والباء للإلصاق.
قال الزمخشري: فإن قلت لم وصل فعل الشرب بحرف الابتداء أولا وبحرف الإلصاق أخيرا؟
قلت: لأن الكأس مبدأ شربهم وأول غايته وأما العين فبها يمزجون شرابهم فكأن المعنى يشرب عباد الله بها الخمر كما تقول شربت الماء بالعسل.
وقيل: الباء زائدة أي يشربها ويدل له قراءة {يشربها} معدى إلى الضمير بنفسه وإنها بمعنى من فتكون للتبعيض أثبته الأصمعي وابن مالك والفارسي والقتبي وجعلوا منه هذه الآية وقوله تعالى {فامسحوا برءوسكم} وعليها بنى الشافعي مذهبه في مسح بعض الرأس في الوضوء لما قام عنده من الأدلة ويجوز أن تكون في موضع نصب على الحال أي ممزوجة ويجوز أن يتضمن يشربون معنى يلتذون بها شاربين أو يتضمن معنى يرتوي أي يرتوي بها عباد الله.
وجملة {يفجرونها} في موضع نصب على الحال أي يجرونها حيث شاءوا من منازلهم فهي سهلة لا تمتنع عليهم أو نعت ثان لـ: {عينا} و{تفجيرا} مفعول مطلق.
{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} كلام مستأنف استئنافا بيانيا كأنه قيل: بم استحقوا هذا النعيم؟ فقيل يوفون، و{يوفون} فعل مضارع مرفوع والواو فاعل و{بالنذر} متعلقان بـ: {يوفون} و{يوما} مفعول به وجملة {كان} صفة لـ: {يوم} و{شره} اسم كان و{مستطيرا} خبرها.
{وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبه مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} عطف على {يوفون} و{يخافون}، و{الطعام} مفعول به و{على حبه} متعلقان بمحذوف حال أي محبين له وعلى بمعنى مع أي للمصاحبة وحبه مصدر أضيف للمفعول فالضمير للطعام أي مع اشتهائه والحاجة إليه ونحوه {وآتى المال على حبه} ويصحّ رجوع الضمير للّه أي على حب الله أي لوجه وابتغاء مرضاته والأول أمدح أن فيه الإيثار على النفس والطعام محبوب للفقراء والأغنياء وأما على الثاني فقد يفعله الأغنياء أكثر ومسكينا مفعول به ثان وما بعده عطف عليه وخصّ هؤلاء بالذكر لسر يأتي في باب البلاغة.
{إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً} الجملة تعليل لبيان سبب الإطعام وإنما كافّة ومكفوفة و{نطعمكم} فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره نحن ومفعول به و{لوجه الله} متعلقان بـ: {نطعمكم} وجملة {لا نريد} إلخ حالية و{لا} نافية و{نريد} فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره {نحن} و{منكم} متعلقان بـ: {نريد} و{جزاء} مفعول به {ولا شكورا} عطف عليه.
{إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً} تعليل لقوله {إنما نطعمكم} وإن واسمها وجملة {نخاف} خبرها وفاعل {نخاف} ضمير مستتر تقديره نحن و{من ربنا} متعلقان بـ: {نخاف} و{يوما} مفعول به و{عبوسا} نعت و{قمطريرا} نعت ثان لـ: {يوما}.
{فوقاهم الله شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً} الفاء عاطفة لبيان السبب أي فبسبب خوفهم وقاهم الله أي دفع عنهم شرّ ذلك اليوم ووطأته، ووقاهم فعل ماض ومفعول به مقدّم و{الله} فاعل مؤخر و{شر} مفعول به ثان وذلك مضاف إليه و{اليوم} بدل من اسم الإشارة و{لقاهم} فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به و{نضرة} مفعول به ثان {وسرورا} عطف على {نضرة}.
{وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً} {وجزاهم} عطف أيضا {وجزاهم} فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به و{بما} متعلقان بـ: {جزاهم} وما مصدرية أي بصبرهم و{جنة} مفعول به ثان {وحريرا} عطف على {جنة}.

.البلاغة:

1- في قوله: {إنّا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا} لما كان الشكر قلّ من يتّصف به قال شاكرا فعبّر عنه باسم الفاعل للدلالة على قلته، ولما كان الكفر كثيرا من يتّصف به ويكثر وقوعه من الإنسان قال كفورا فعبّر عنه بصيغة المبالغة.
2- وفي قوله: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا}
خصّ هؤلاء الثلاثة بالذكر لأن المسكين عاجز عن اكتساب قوته بنفسه واليتيم مات أبواه وهما اللذان يكتسبان وبقي عاجزا عن الكسب لصغره والأسير لا يملك لنفسه ضرّا ولا نفعا ولا نصرا ولا حيلة، قال عطاء:
نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب وذلك أنه أجّر نفسه ليلة ليسقي نخلا بشيء من شعير حتى أصبح وقبض الشعير وطحنوا ثلثه فجعلوا منه شيئا ليأكلوه فلما تمّ نضجه أتى مسكين فأخرجوا له الطعام ثم صنع الثلث الباقي فلما تمّ نضجه أتى يتيم فأطعموه ثم الثالث فلما تمّ نضجه أتى أسير من المشركين فسأل فأطعموه وطووا يومهم ذلك فأنزل الله فيهم هذه الآيات.
3- في قوله {إنّا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا} مجاز إسنادي وقد تقدمت له نظائر كثيرة في هذا الكتاب، لأن وصف اليوم بالعبوس مجاز كما يقال نهاره صائم وليله قائم والمراد أهلهما.

.الفوائد:

1- {كان} في القرآن على خمسة أوجه:
1- بمعنى الأول والأبد نحو {وكان الله عليما حكيما}.
2- بمعنى المضي المنقطع نحو {وكان في المدينة تسعة رهط}.
3- بمعنى الحال نحو {كنتم خير أمة}.
4- بمعنى الاستقبال نحو {ويخافون يوما كان شره مستطيرا}.
5- بمعنى صار نحو {وكان من الكافرين}.
2- ولإما خمسة معان:
1- الشك نحو: جاءني إما زيد وإما عمرو إذا لم تعلم الجائي منهما.
2- الإبهام نحو {وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم} أي إن الله تعالى عالم بحقيقة حالهم، وقصد الإبهام على السامع.
3- التخيير نحو {إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا} ولا يكون إلا بعد الطلب فيقدّر في الآية والأصل: يا ذا القرنين افعل فإما أن تعذب إلخ.
4- الإباحة نحو تعلّم إما فقها وإما نحوا.
5- التفصيل نحو: {إنّا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا}.

.[الإنسان: الآيات 13- 22]

{متكئين فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً (13) وَدانية عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذللت قُطُوفُها تَذْلِيلاً (14) وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (15) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (16) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً (17) عيناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (18) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (19) وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (20) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبرق وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبهمْ شَراباً طَهُوراً (21) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (22)}.

.اللغة:

{زَمْهَرِيراً} في المختار: الزمهرير: شدة البرد قلت: قال ثعلب الزمهرير أيضا القمر في لغة طيء وبه فسّر قوله تعالى: لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا أي فيها من الضياء والنور ما لا يحتاجون معه إلى شمس ولا قمر.
وعبارة أبي حيّان: الزمهرير أشد البرد وقال ثعلب هو القمر بلغة طيء وأنشد قول الراجز:
وليلة ظلامها قد اعتكر ** قطعتها والزمهرير ما ظهر

وعبارة الزمخشري: يعني أن هواءها معتدل لا حرّ شمس يحمي ولا شدّة برد تؤذي وفي الحديث: «هواء الجنة سجسج لا حرّ ولا قرّ».
{قَوارِيرَا} القارورة إناء صاف توضع فيه الأشربة قيل ويكون من الزجاج.
{زَنْجَبِيلًا} الزنجبيل قال الدينوري: نبت في أرض عمان عروق تسري وليس بشجر يؤكل رطبا وأجوده ما يحمل من بلاد الصين كانت العرب تحبه لأنه يوجب لذعا في اللسان إذا مزج بالشراب فيتلذذون به، قال الشاعر:
كأن القرنفل والزنجبي ل ** باتا بفيها وأريا مشورا

وقال المسيب بن علس:
وكأن طعم الزنجبيل به ** إذ ذقته وسلافة الخمر

والضمير في به يعود للفم وإذ ذقته أي حين ذقت ريقه فهو مجاز وسلافة الخمر أول ما يعصر من العنب وقال آخرون: الزنجبيل: نبات له عروق تسري في الأرض ويتولد فيها عقد حريفة الطعم وتتفرع هذه العروق من نبت كالقصب.
{سَلْسَبِيلًا} السلسبيل: ما سهل انحداره في الحلق وقال الزجّاج: هو في اللغة صفة لما كان في غاية السلاسة. وقال الزمخشري: يقال شراب سلسل وسلسال وسلسبيل وقد زيدت الباء في التركيب حتى صارت الكلمة خماسية ودلّت على غاية السلاسة. وقال ابن الأعرابي: لم أسمع السلسبيل إلا في القرآن. وقال مكّي: هو اسم أعجمي نكرة فلذلك صرف. ووزن سلسبيل مثل دردبيس وقيل فعفليل لأن الفاء مكررة وقرأ طلحة {سلسبيل} دون تنوين ومنعت من الصرف للعلمية والتأنيث لأنها اسم لعين بعينها وعلى هذا فكيف صرفت في قراءة العامة ويجاب بأنها سمّيت بذلك لا على جهة العلمية بل على جهة الإطلاق المجرد أو يكون من باب تنوين {سلاسل} و{قوارير} كما تقدم وكما سيأتي.
{سُندُسٍ} السندس ما رقّ من الحرير ويكون أخضر وغير أخضر.
{إِسْتَبرق} الإستبرق: ما غلظ من الديباج فهو البطائن والسندس الظهائر.

.الإعراب:

{متكئين فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً} {متكئين} حال من مفعول {جزاهم} ووهم أبو البقاء فأجاز أن تكون صفة لـ: {جنة} ولا أدري كيف سبق هذا إلى وهمه وازداد عجبي عند ما رأيت الزمخشري يجيز ذلك قال: ويجوز أن تجعل {متكئين} و{لا يرون} و{دانية} كلها صفات لـ: {جنة}. وذلك مردود لعدم بروز الضمير ليكون نعتا سببيا فلم يقل {متكئين} هم فيها و{فيها} حال أي في الجنة و{على الأرائك} متعلقان بـ: {متكئين} وجملة {لا يرون} حال ثانية من مفعول {جزاهم} ولك أن تجعلها حالا من الضمير في {متكئين} فتكون حالا متداخلة كما يجوز لك أن تجعلها صفة لـ: {جنة} كما قرر أبو البقاء والزمخشري و{فيها} متعلقان بـ: {يرون} و{شمسا} مفعول و{لا زمهريرا} عطف على {شمسا}.
{وَدانية عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذللت قُطُوفُها تَذْلِيلًا} عطف على {متكئين} فيكون فيها ما فيها ودخلت الواو للدلالة على أن الأمرين يجتمعان لهم كأنه قيل وجزاهم جنة جامعين فيها بين السلامة من الحرّ والقرّ وبين دنو الظلال عليهم ولك أن تجعلها منصوبة عطفا على محل {لا يرون} وقال الزجّاج صفة لـ: {جنة} الملفوظ بها أما أبو البقاء فأغرب إذ أعربها صفة لـ: {جنة} محذوفة أي وجنة دانية وهو تكلّف وتحكم لا مبرر لهما. و{عليهم} متعلقان بـ: {دانية}، ولابد من تضمين على معنى من لأن الدنو لا يتعدى بعلى وإنما لم يقل منهم لأن الظلال عالية عليهم، والواو عاطفة و{ذللت} فعل ماض مبني للمجهول وعطف على {دانية} وإنما خولف بعطف الفعلية على الاسمية للإشارة إلى أن التظليل أمر دائم لا يزول لأنها لا شمس فيها بخلاف التذليل فإنه أمر متجدد طارئ، و{قطوفها} نائب فاعل و{تذليلا} مفعول مطلق.
{وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا} الواو عاطفة و{يطاف} فعل مضارع مبني للمجهول و{عليهم} متعلقان بـ: {يطاف} و{بآنية} نائب مفعول لأنه هو المفعول به في المعنى ويجوز أن تكون عليهم هي النائبة و{بآنية} متعلقان بـ: {يطاف} والآنية جمع إناء والأصل أأنية بهمزتين الأولى مزيدة للجمع والثانية فاء الكلمة فقلبت الثانية ألفا وجوبا وهذا نظير كساء وأكسية وغطاء وأغطية، ونظيره في الصحيح اللام حمار وأحمرة.
و {من فضة} نعت لآنية {وأكواب} عطف على آنية من عطف الخاص على العام وجملة {كانت} نعت لـ: {أكواب} واسم كانت مستتر يعود على الأكواب و{قواريرا} خبر {كانت} ويجوز أن تكون {كانت} تامة فيكون {قواريرا} حالا أي كونت.
وعبارة أبي البقاء: ويقرآن بالتنوين وبغير التنوين والأكثرون يقفون على الأول بالألف لأنه رأس آية.
{قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً} {قوارير} بدل من {قواريرا} الأولى وقد منعت من الصرف و{من فضة} نعت لـ: {قوارير} وجملة {قدّرت} نعت ثان و{تقديرا} مفعول مطلق وقرئ {قوارير} بالرفع على إضمار مبتدأ أي هي قوارير ومعنى التقدير أنها هيئت على قدر ريّ الشاربين أي شهوتهم لأنه لا ظمأ في الجنة من غير زيادة ولا نقص وذلك ألذ الشراب.
{وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا} الواو عاطفة و{يسقون} فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل و{فيها} متعلقان بـ: {يسقون} و{كأسا} مفعول به ثان وجملة {كان} صفة لـ: {كأسا} و{مزاجها} اسم {كان} و{زنجبيلا} خبرها.
{عيناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا} {عينا} بدل من {زنجبيلا} وقيل تمزج كأسهم بالزنجبيل بعينه أو يخلق الله طعمه فيها و{عينا} على هذا القول مبدلة من {كأسا} أو منصوبة على الاختصاص ولعلّ هذا هو الأرجح وعلى كل حال تطبق عليها الأوجه المطبقة على {عينا} الأولى و{فيها} نعت لـ: {عينا} وجملة {تسمى} نعت ثان ونائب الفاعل مستتر تقديره هي و{سلسبيلا} مفعول به ثان.
{وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً} الواو عاطفة و{يطوف} فعل مضارع و{عليهم} متعلقان بـ: {يطوف} و{ولدان} فاعل و{مخلدون} نعت لـ: {ولدان} و{إذا} ظرف لما يستقبل من الزمن وجملة {رأيتهم} في محل جر بإضافة الظرف إليها وجملة {حسبتهم} لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم و{حسبتهم} فعل ماض وفاعل ومفعول به و{لؤلؤا} مفعول به ثان و{منثورا} نعت أي متفرقا، وفي المصباح نثرته نثرا من بابي قتل وضرب رميت به متفرقا فانتثر.
{وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً} الواو عاطفة و{إذا} ظرف لما يستقبل من الزمن متضمن معنى الشرط وجملة {رأيت} في محل جر بإضافة الظرف إليه و{رأيت} فعل وفاعل وليس له مفعول ظاهر ولا مقدّر لإشاعة الرؤية وتعميمها كأنه قيل: وإذا أوجدت الرؤية ثم، و{ثم} ظرف مكان مختص بالعبد متعلق بـ: {ثم} والمعنى وإذا صدرت منك الرؤية في ذلك المكان رأيت وجملة {رأيت} لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم و{نعيما} مفعول {رأيت} الثانية و{ملكا كبيرا} عطف على {نعيما} وقال الفراء {ثم} مفعول به لـ: {رأيت} والتقدير وإذا رأيت ما ثم فحذفت ما وقامت ثم مقامها ولا داعي لهذا التكلّف.
{عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبرق} {عاليهم}: في إعرابه وجهان أحدهما أنه ظرف مكان لأنه بمعنى فوقهم وقد اعترض أبو حيان على هذا الإعراب فقال: وعال وعالية اسم فاعل فيحتاج في كونهما ظرفين إلى أن يكون منقولا من كلام العرب عاليك أو عاليتك ثوب.
وهذا اعتراض مردود لأنه وردت ألفاظ من صيغ أسماء الفاعلين ظروفا نحو خارج الدار وداخلها وباطنها وظاهرها تقول جلست خارج الدار وكذا البواقي فكذلك هذا.
وإذا تقرر هذا فإن الظرف متعلق بمحذوف خبر مقدّم و{ثياب سندس} مبتدأ مؤخر و{خضر}نعت لـ: {ثياب} {وإستبرق} عطف على {ثياب} على حذف مضاف أي ثياب إستبرق وقرئ بجر {إستبرق} بالعطف على {سندس} لأن المعنى ثياب من سندس وثياب من إستبرق.
والوجه الثاني وهو الذي جرى عليه الأكثرون أنه حال من الضمير في {يطوف عليهم} أو من مفعول {حسبتهم} أو من مضاف مقدّر أي رأيت أهل نعيم وملك كبير عاليهم، فـ: {عاليهم} حال من أهل المقدّر.
وقد ذكر الزمخشري هذا القول وعبارته: و{عاليهم} بالنصب على أنه حال من الضمير في {يطوف عليهم} أو في {حسبتهم} أي يطوف عليهم ولدان عاليا للمطوف عليهم ثياب أو حسبتهم لؤلؤا عاليا لهم ثياب ويجوز أن يراد أهل نعيم.
وقرئ {عاليهم} بسكون الياء وكسر الهاء على أنها خبر مقدّم و{ثياب} مبتدأ مؤخر كأنه قيل فوقهم ثياب.
أما نص إعراب أبي البقاء فهو:
قوله تعالى: {عاليهم} فيه قولان أحدهما هو فاعل وانتصب على الحال من المجرور في {عليهم} و{ثياب سندس} مرفوع به أي يطوف عليهم في حال علو السندس ولم يؤنث {عاليهم} لأن تأنيث الثياب غير حقيقي.
و القول الثاني هو ظرف لأن عاليهم جلودهم وفي هذا القول ضعف ويقرأ بسكون الياء إما على تخفيف المفتوح المنقوص أو على الابتداء والخبر ويقرأ {عاليتهم} بالتاء وهو ظاهر و{خضر} بالجر صفة لـ: {سندس} وبالرفع لـ: {ثياب} و{إستبرق} بالجر عطف على {سندس} وبالرفع على {ثياب}.
ولا أدري كيف استساغ أبو البقاء أن يستضعف وجه الظرف والخطب فيه أهون من الحال لوروده معرفة مهما قيل في تأويله.
{وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبهمْ شَراباً طَهُوراً} عطف على {ويطوف عليهم} وساغ عطف الماضي على المضارع لأنه مستقبل المعنى وللإيذان بتحقيقه {وحلّوا} فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل و{أساور} مفعول به ثان وقيل نصب بنزع الخافض لأنهم يعدّونه إلى واحد و{من فضة} نعت لـ: {أساور} {وسقاهم} عطف على {حلّوا} و{ربهم} فاعل و{شرابا} مفعول به ثان و{طهورا} نعت لـ: {شرابا}.
{إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً} الجملة مقول قول محذوف أي يقال لأهل الجنة و{إن} واسمها وجملة {كان} خبرها و{لكم} متعلقان بـ: {جزاء} واسم كان مستتر تقديره هو و{جزاء} خبرها {وكان} عطف على كان الأولى و{سعيكم} اسمها و{مشكورا} خبرها.

.[الإنسان: الآيات 23- 31]

{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القرآن تَنْزِيلاً (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كفوراً (24) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (25) وَمِنَ اللَّيل فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (26) إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27) نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً (28) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبه سَبِيلاً (29) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ الله إِنَّ الله كانَ عَلِيماً حَكِيماً (30) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (31)}.

.الإعراب:

{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القرآن تَنْزِيلًا} إن واسمها و{نحن} ضمير فصل أو تأكيد لاسم إن وجملة {نزلنا} خبر {إنّا} و{عليك} متعلقان بـ: {نزلنا} و{القرآن} مفعول به و{تنزيلا} مفعول مطلق ولك أن تجعل {نحن} مبتدأ فتكون جملة {نزلنا} خبر {نحن} والجملة خبر إن.
{فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كفوراً} الفاء الفصيحة أي إن عرفت هذا فاصبر، واصبر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت و{لحكم ربك} متعلقان باصبر والواو حرف عطف و{لا} ناهية و{تطع} فعل مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر تقديره أنت و{منهم} حال و{آثما} مفعول به و{أو} حرف عطف و{كفورا} عطف على {آثما} وإنما جنح إلى {أو} دون الواو لإفهام النهي عن طاعتهما معا ولو عطف بالواو لأفهم جواز طاعة أحدهما وليس مرادا.
وعبارة الزجّاج: أو هنا أوكد من الواو لأنك لو قلت لا تطع زيدا وعمرا فأطاع أحدهما كان غير عاص فإذا أبدلتها بأو فقد دللت على أن كل واحد منهما أهل أن يعصى.
وعبارة أبي حيان: والنهي عن طاعة كل واحد منهما أبلغ من النهي عن طاعتهما لأنه يستلزم النهي عن أحدهما لأن في طاعتهما طاعة أحدهما ولو قال لا تضرب زيدا وعمرا لجاز أن يكون نهيا عن ضربهما جميعا لا عن ضرب أحدهما.
وقال أبو عبيدة {أو} بمعنى الواو والكفور وإن كان آثما فإن فيه مبالغة في الكفر ولما كان وصف الكفور مباينا للموصوف لمجرد الإثم صلح التغاير فحسن العطف.
{وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} عطف على ما تقدم و{اذكر} فعل أمر و{اسم ربك} مفعول به و{بكرة وأصيلا} ظرفان متعلقان بـ: {اذكر} والمراد الدوام على الصلاة في أوقاتها.
{وَمِنَ اللَّيل فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} و{من الليل} متعلقان باسجد ومعنى من التبعيض أي اسجد وصل له بعض الليل، واسجد فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت و{له} متعلقان باسجد أيضا و{سبّحه} فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به و{ليلا} ظرف متعلق بـ: {سبّحه} و{طويلا} نعت.
{إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا} الجملة تعليل لما قبلها من النهي والأمر وعبارة الشهاب الخفاجي: هذا التعليل لما قبله من النهي والأمر في قوله {ولا تطع} إلى هنا فكأنه قال: لا تطعهم واشتغل بالأهمّ من العبادة لأن هؤلاء تركوا الآخرة للدنيا فاترك أنت الدنيا وأهلها للآخرة فالأول علّة للنهي عن طاعة الآثم والكفور والثاني علّة للأمر بالطاعة، و{إن} حرف مشبه بالفعل و{هؤلاء} اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب اسمها وجملة {يحبون} خبرها و{العاجلة} مفعول به {ويذرون} عطف على {يحبون} و{وراءهم} ظرف مكان بمعنى قدّام متعلق بمحذوف حال من المفعول مقدم عليه و{يوما} مفعول به و{ثقيلا} ظرف، وسيأتي معنى الثقل في باب البلاغة.
{نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ} {نحن} مبتدأ وجملة {خلقناهم} خبر {و شددنا} عطف على {خلقناهم} و{أسرهم} مفعول به أي قوينا أسرهم والأسر كما في القاموس الشدة والغضب وشدة الخلق والخلق وشددنا أسرهم أي مفاصلهم. وفي المختار: أسره من باب ضرب أي شدّه بالإسار بوزن الإزار وهو القدّ بالكسر وهو سير يقدّ من جلد غير مدبوغ ومنه سمي الأسير لأنهم كانوا يشدّونه بالقدّ فسمي كل مأخوذ أسيرا وإن لم يشدّ به وأسره الله خلقه وبابه ضرب ومنه: وشددنا أسرهم أي خلقهم والأسر بالضم احتباس البول كالحصر في الغائط وأسرة الرجل أهله لأنه يتقوى بهم.
{وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا} الواو عاطفة و{إذا} ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة {شئنا} في محل جر بإضافة الظرف إليها وجملة {بدّلنا} لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم و{أمثالهم} مفعول به و{تبديلا} مفعول مطلق، ومفعول {بدّلنا} الثاني لأنها بمعنى جعلنا محذوف تقديره بدلا منهم. هذا وقد تورط الزمخشري ورطة كان له مندوحة عنها ذلك أنه قال وحقه أن يؤتى بإن لا بإذا كقوله: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم}، {إن يشأ يذهبكم}.
ولم يعقب على ذلك بشيء فأوهم أنه يعني ورود القرآن في تعبيره بإذا على خلاف الحق والواقع أن إذا وإن تتعاوران فقد قالوا: إن إذا للمحقق وإن للممكن وهو تعالى لم يشأ فالظاهر أن تستعمل إن لكنه قد توضع إذا موضع إن وإن موضع إذا كقوله: {أفإن متّ فهم الخالدون}.
{إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبه سَبِيلًا} إن واسمها والإشارة إلى السورة و{تذكرة} خبرها والفاء عاطفة و{من} شرطية مبتدأ و{شاء} فعل ماض في محل جزم فعل الشرط ومفعول {شاء} محذوف أي الخير لنفسه وحسن العاقبة و{اتخذ} فعل ماض في محل جزم جواب الشرط و{إلى ربه} في موضع المفعول الثاني و{سبيلا} مفعول اتخذ الأول.
{وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله إِنَّ الله كانَ عَلِيماً حَكِيماً} الواو عاطفة و{ما} نافية و{تشاءون} فعل مضارع مرفوع والواو فاعل والمفعول به محذوف أي الطاعة و{إلا} أداة حصر و{أن يشاء الله} المصدر المؤول في موضع نصب على الظرفية لأنه استثناء من أعمّ الظروف وأصله إلا وقت مشيئة الله وأجاز أبو البقاء أن يكون الاستثناء من أعمّ الأحوال فيكون المصدر حالا وإن واسمها وجملة {كان} خبرها واسم كان مستتر و{عليما} خبرها الأول و{حكيما} خبرها الثاني.
{يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً} الجملة حالية من {الله} و{يدخل} فعل مضارع مرفوع وفاعله هو و{من} مفعول به وجملة {يشاء} صلة من و{في رحمته} متعلقان بـ: {يدخل}، {و الظالمين}: الواو عاطفة و{الظالمين} منصوب بفعل مقدّر يفسّره ما بعده وقدّره أبو البقاء: ويعذب الظالمين، وجملة {أعدّ} مفسّرة و{لهم} متعلقان بـ: {أعدّ} و{عذابا} مفعول به و{أليما} نعت.

.البلاغة:

في قوله {يوما ثقيلا} استعارة تصريحية، فقد استعير الثقل لشدة ذلك اليوم وهوله من الشيء الثقيل الباهظ لحامله ونحوه ثقلت في السموات والأرض.
خطأ وقياس في غير محله:
هذا ومن المضحك أن بعضهم علّق على قوله {وسبّحه ليلا طويلا} فقال هذه الآية رد على عدم ما قاله أهل علم المعاني والبيان إن الجمع بين الحاء والهاء مثلا يخرج الكلمة من فصاحتها وجعلوا من ذلك قول أبي تمام:
كريم متى أمدحه أمدحه والورى معي ** وإذا ما لمته لمته وحدي

وهذا خطأ من الناقد الذي ظن أنه يبرئ القرآن الكريم من العيوب المخلّة بالفصاحة بشجبه لما قرره علماء البلاغة وقياس في غير محله فالفرق واضح بين الآية والشعر وهو أن تكرار أمدحه هو الذي أخرجه عن مهيع الفصاحة لا مجرد اجتماع الحاء والهاء، وإذن فالآية سليمة من تنافر الحروف قال الشيخ مخلوف الميناوي في حاشيته على شرح الشيخ أحمد الدمنهوري لمتن الإمام الأخضري: فإن منشأ الثقل هو تكرار أمدحه دون مجرد الجمع لوقوعه بين الحاء والهاء في التنزيل نحو فسبّحه.

.الفوائد:

(أن) و(إذا) يشتركان في إفادة تعليق حصول الجزاء في المستقبل بحصول الشرط فيه، لكن أصل إن، أي موضع استعمالها الحقيقي، الشك في وقوع الشرط، قيل والتوهم وقيل وكذا المظنون. وأصل إذا الجزم بوقوعه، ولا تستعمل إن في غير الشك وإذا في غير الجزم إلا لنكتة، كما أنهما لا يدخلان على ماض من شرط أو جزاء إلا لنكتة ولو لتعليق حصول مضمون الجزاء بحصول مضمون الشرط. اهـ.

.قال أبو البقاء العكبري:

سورة الإنسان:
بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
في (هل) وجهان: أحدهما هي بمعنى قد.
والثانى هي استفهام على بابها والاستفهام هنا للتقرير أو التوبيخ، و{لم يكن شيئا} حال من {الإنسان}، و{أمشاج} بدل أو صفة، وهو جمع مشيج، وجاز وصف الواحد بالجمع هنا لأنه كان في الإصل متفرقا ثم جمع: أي نطفة أخلاط، و{نبتليه} حال من {الإنسان}، أو من ضمير الفاعل.
قوله تعالى: {إما شاكرا} إما هاهنا لتفصيل الأحوال، و{شاكرا} و{كفورا} حالان أي يناله في كلتا حالتيه.
قوله تعالى: {سلاسل} القراءة بترك التنوين، ونونه قوم أخرجوه على الأصل، وقرب ذلك عندهم شيئان: أحدهما إتباعه ما بعده.
والثانى أنهم وجدوا في الشعر مثل ذلك منونا في الفواصل، وإن هذا الجمع قد جمع كقول الراجز:
قد جرت الطير أيا منينا

قوله تعالى: {من كأس} المفعول محذوف: أي خمرا أو ماء من كأس، وقيل {من} زائدة، و{كان مزاجها} نعت لـ: {كأس}، وأما {عينا} ففي نصبها أوجه: أحدها هو بدل من موضع {من كأس}. والثانى {من كافور}: أي ماء عين أو خمر عين.
والثالث بفعل محذوف: أي أعنى والرابع تقديره: أعطوا عينا.
والخامس {يشربون عينا} وقد فسره ما بعده.
قوله تعالى: {يشرب بها} قيل الباء زائدة، وقيل هي بمعنى (من) وقيل هو حال أي يشرب ممزوجا بها، والأولى أن يكون محمولا على المعنى، والمعنى يلتذ بها، و{يفجرونها} حال.
قوله تعالى: {يوفون} هو مستأنف ألبتة.
قوله تعالى: {متكئين فيها} يجوزأن يكون حالا من المفعول في {جزاهم}، وأن يكون صفة لـ: {جنة}، و{لا يرون} يجوز أن يكون حالا من الضمير المرفوع في {متكئين} وأن يكون حالا أخرى، وأن يكون صفة لـ: {جنة}، وأما {ودانية} ففيه أوجه: أحدها أن يكون معطوفا على {لا يرون} أو على {متكئين}، فيكون فيه من الوجوه ما في المعطوف عليه.
والثانى أن يكون صفة لمحذوف تقديره: وجنة دانية، وقرئ {ودانية} بالرفع على أنه خبر، والمبتدأ {ظلالها} وحكى بالجر: أي في جنة دانية، وهو ضعيف لأنه عطف على المجرور من غير إعادة الجار، وأما {ظلالها} فمبتدأ، و{عليهم} الخبر على قول من نصب {دانية} أو جره، لأن دنا يتعدى بإلى، ويجوز أن يرتفع بـ: {دانية} لأن دنا وأشر ف بمعنى، وأما {وذللت} فيجوز أن يكون حالا: أي وقد ذللت، وأن يكون مستأنفا.
قوله تعالى: {قواريرا قوارير} يقرآن بالتنوين وبغير التنوين وقد ذكر، والأكثرون يقفون على الإول بالإلف لأنه رأس آية.
وفي نصبه وجهان: أحدهما هو خبر كان والثانى حال، وكان تامة: أي كونت، وحسن التكرير لما اتصل به من بيان أصلها، ولولا التكرير لم يحسن أن يكون الأول رأس آية لشدة اتصال الصفة بالموصوف، و{قدروها} يجوز أن يكون نعتا لـ: {قوارير}، وأن يكون مستأنفا، و{عينا} فيها من الوجوه ما تقدم في الأول والسلسبيل كلمة واحدة ووزنها فعليل مثل إدريس.
قوله تعالى: {عاليهم} فيه قولان: أحدهما هو فاعل، وانتصب على الحال من المجرور في {عاليهم}، و{ثياب سندس} مرفوع به: أي يطوف عليهم في حال علو السندس، ولم يؤنث عاليا لأن تأنيث الثياب غير حقيقي والقول الثاني هو ظرف لأن {عاليهم} جلودهم، وفي هذا القول ضعف، ويقرأ بسكون الياء إما على تخفيف المفتوح المنقوص، أو على الابتداء والخبر، ويقرأ: {عاليتهم} بالتاء وهو ظاهر، و{خضر} بالجر صفة لسندس، وبالرفع لثياب {وإستبرق} بالجر عطفا على سندس، وبالرفع على {ثياب}.
قوله تعالى: {أو كفورا} أو هنا على بابها عند سيبويه، وتفيد في النهى المنع من الجميع، لأنك إذا قلت في الإباحة جالس الحسن أو ابن سيرين كان التقدير: جالس أحدهما، فإذا نهى قال لاتكلم زيدا أو عمرا، فالتقدير: لاتكلم أحدهما.
فأيهما كلمه كان أحدهما فيكون ممنوعا منه، فكذلك في الآية، ويئول المنع إلى تقدير: فلا تطع منهما آثما ولا كفورا.
قوله تعالى: {إلا أن يشاء الله} أي إلا وقت مشيئة الله أو إلا في حال مشيئة الله عز وجل {والظالمين} منصوب بفعل محذوف تقديره: ويعذب الظالمين، وفسره الفعل المذكور، وكان النصب أحسن لأن المعطوف عليه قد عمل فيه الفعل وقرئ بالرفع على الابتداء، والله أعلم. اهـ.

.قال حميدان دعاس:

سورة الإنسان:
بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

.[الإنسان: آية 1]:

{هَلْ أَتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1)}
{هَلْ أَتى} حرف استفهام للتشويق وماض و{عَلَى الإنسان} متعلقان بالفعل و{حِينٌ} فاعل {أتى} و{مِنَ الدَّهْرِ} متعلقان بمحذوف صفة {حين} والجملة ابتدائية لا محل لها. و{لَمْ يَكُنْ} مضارع ناقص مجزوم بلم واسمه مستتر و{شَيْئاً} خبر {يكن} و{مَذْكُوراً} صفة والجملة حال.

.[الإنسان: آية 2]:

{إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نبتليه فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (2)}
{إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان} إن واسمها وماض وفاعله ومفعوله والجملة الفعلية خبر إنا والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها و{مِنْ نُطْفَةٍ} متعلقان بالفعل و{أَمْشاجٍ} صفة {نطفة} و{نبتليه} مضارع ومفعوله والفاعل مستتر والجملة حال. و{فَجَعَلْناهُ} ماض وفاعله ومفعوله الأول و{سَمِيعاً} مفعول به ثان و{بَصِيراً} صفة والجملة معطوفة على ما قبلها.

.[الإنسان: آية 3]:

{إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكراً وَإِمَّا كفوراً (3)}.
{إِنَّا هَدَيْناهُ} إن واسمها وماض وفاعله ومفعوله الأول و{السَّبِيلَ} مفعوله الثاني والجملة الفعلية خبر {إنا} والجملة الاسمية تعليل لا محل لها و{إِمَّا} أداة شرط وتفصيل و{شاكراً} حال {وَإِمَّا كفوراً} معطوف على ما قبله.

.[الإنسان: آية 4]:

{إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سلاسل وَأَغْلالاً وَسَعِيراً (4)}.
{إِنَّا أَعْتَدْنا} إن واسمها وماض وفاعله والجملة الفعلية خبر {إنا} والجملة الاسمية مستأنفة و{لِلْكافِرِينَ} متعلقان بالفعل و{سلاسل} مفعول به {وَأَغْلالًا وَسَعِيراً} معطوفان على ما قبلهما.

.[الإنسان: آية 5]:

{إِنَّ الْأَبْرارَ يشربونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً (5)}.
{إِنَّ الْأَبْرارَ يشربونَ} إن واسمها ومضارع مرفوع والواو فاعله و{مِنْ كَأْسٍ} متعلقان بمحذوف صفة لمفعول محذوف والجملة الفعلية خبر إن والجملة الاسمية مستأنفة و{كانَ مِزاجُها كافُوراً} كان واسمها وخبرها والجملة صفة {كأس}.

.[الإنسان: آية 6]:

{عيناً يشرب بها عِبادُ الله يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً (6)}.
{عيناً} بدل من {كافورا} و{يشرب} مضارع و{بها} متعلقان بالفعل و{عِبادُ الله} فاعل مضاف إلى لفظ الجلالة والجملة الفعلية صفة {عينا} و{يُفَجِّرُونَها} مضارع وفاعله ومفعوله والجملة حال و{تَفْجِيراً} مفعول مطلق.

.[الإنسان: آية 7]:

{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (7)}.
{يُوفُونَ} مضارع مرفوع والواو فاعله و{بِالنَّذْرِ} متعلقان بالفعل والجملة مستأنفة و{وَيَخافُونَ} مضارع وفاعله و{يَوْماً} مفعول به والجملة معطوفة على ما قبلها و{كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} كان واسمها وخبرها والجملة صفة يوما.

.[الإنسان: آية 8]:

{وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبه مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (8)}.
{وَيُطْعِمُونَ} مضارع مرفوع والواو فاعله و{الطَّعامَ} مفعول به أول والجملة معطوفة على ما قبلها و{عَلى حُبه} متعلقان بالفعل و{مِسْكِيناً} مفعول به ثان و{يَتِيماً وَأَسِيراً} معطوفان على ما قبلهما.

.[الإنسان: آية 9]:

{إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً (9)}.
{إِنَّما نُطْعِمُكُمْ} كافة ومكفوفة ومضارع ومفعوله والفاعل مستتر والجملة مقول قول مقدر و{لِوَجْهِ الله} متعلقان بالفعل ولفظ الجلالة مضاف إليه و(لا) نافية و{نُرِيدُ} مضارع فاعله مستتر و{مِنْكُمْ} متعلقان بالفعل و{جَزاءً} مفعول به والجملة حال {وَلا} نافية و{شُكُوراً} معطوف على {جزاء}.

.[الإنسان: آية 10]:

{إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (10)}.
{إِنَّا نَخافُ} إن واسمها ومضارع فاعله مستتر و{مِنْ رَبِّنا} متعلقان بالفعل و{يَوْماً} مفعول به و{عَبُوساً} صفة {يوما} و{قَمْطَرِيراً} صفة ثانية والجملة الفعلية خبر {إنا} والجملة الاسمية تعليل.

.[الإنسان: آية 11]:

{فوقاهم الله شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (11)}.
{فوقاهم الله} الفاء حرف استئناف وماض ومفعوله الأول ولفظ الجلالة فاعل و{شَرَّ ذلِكَ} مفعول به ثان مضاف إلى اسم الإشارة و{الْيَوْمِ} بدل من اسم الإشارة والجملة مستأنفة {وَلَقَّاهُمْ} معطوف على {فوقاهم} {نَضْرَةً} مفعول به ثان و{سُرُوراً} معطوف على {نضرة}.

.[الإنسان: آية 12]:

{وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً (12)}.
{وَجَزاهُمْ} ماض ومفعوله الأول والفاعل مستتر والجملة معطوفة على ما قبلها و{بِما صَبَرُوا} الباء حرف جر وما مصدرية وماض وفاعله والمصدر المؤول من ما والفعل في محل جر بالباء والجار متعلقان بالفعل و{جَنَّةً} مفعول به ثان و{حَرِيراً} معطوف على {جنة}.

.[الإنسان: آية 13]:

{تَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً (13)}.
{متكئين} حال منصوبة و{فِيها} متعلقان بما قبلهما و{عَلَى الْأَرائِكِ} متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر بـ: {متكئين}. و(لا) نافية و{يَرَوْنَ} مضارع مرفوع والواو فاعله و{فِيها} متعلقان بالفعل و{شَمْساً} مفعول به {وَ} الواو حرف عطف و{لا زَمْهَرِيراً} معطوف على {شمسا} والجملة حال.

.[الإنسان: آية 14]:

{وَدانية عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذللت قُطُوفُها تَذْلِيلاً (14)}.
{وَدانية} معطوفة على {متكئين} و{عَلَيْهِمْ} متعلقان بـ: {دانية} و{ظِلالُها} فاعل {دانية} و{وَذللت} ماض مبني للمجهول و{قُطُوفُها} نائب فاعل و{تَذْلِيلًا} مفعول مطلق والجملة معطوفة على {دانية}.

.[الإنسان: آية 15]:

{وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (15)}.
{وَيُطافُ} مضارع مبني للمجهول و{عَلَيْهِمْ} متعلقان بالفعل و{بِآنِيَةٍ} متعلقان بالفعل و{مِنْ فِضَّةٍ} صفة {آنية} والجملة معطوفة على ما قبلها {وَأَكْوابٍ} معطوف على ما قبله {كانَتْ} ماض ناقص اسمه مستتر و{قَوارِيرَا} خبره والجملة الفعلية صفة {أكواب}.

.[الإنسان: آية 16]:

{قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (16)}.
{قَوارِيرَا} بدل مما قبله و{مِنْ فِضَّةٍ} صفة {قوارير} و{قَدَّرُوها} ماض وفاعله ومفعوله و{تَقْدِيراً} مفعول مطلق والجملة حال.

.[الإنسان: آية 17]:

{وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً (17)}.
{وَيُسْقَوْنَ} حرف عطف ومضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل و{فِيها} متعلقان بالفعل و{كَأْساً} مفعول به ثان والجملة معطوفة على ما قبلها و{كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا} كان واسمها وخبرها والجملة صفة {كأسا}.

.[الإنسان: آية 18]:

{عيناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (18)}.
{عيناً} بدل من {زنجبيلا} و{فِيها} صفة {عينا} و{تُسَمَّى} مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر و{سَلْسَبِيلًا} مفعول به ثان والجملة صفة ثانية لـ: {عينا}.

.[الإنسان: آية 19]:

{وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (19)}.
{وَيَطُوفُ} مضارع مرفوع و{عَلَيْهِمْ} متعلقان بالفعل و{وِلْدانٌ} فاعل و{مُخَلَّدُونَ} صفة {ولدان} والجملة معطوفة على ما قبلها. و(إذا) ظرفية شرطية غير جازمة و{رَأَيْتَهُمْ} ماض وفاعله ومفعوله والجملة في محل جر بالإضافة و{حَسِبْتَهُمْ} ماض وفاعله ومفعوله الأول و{لُؤْلُؤاً} مفعول به ثان و{مَنْثُوراً} صفة لؤلؤا والجملة جواب الشرط لا محل لها.

.[الإنسان: آية 20]:

{وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (20)}.
{وَإِذا} الواو حرف عطف و(إذا) ظرفية شرطية غير جازمة و{رَأَيْتَ} ماض وفاعله والجملة في محل جر بالإضافة و{ثَمَّ} ظرف مكان و{رَأَيْتَ} ماض وفاعله و{نَعِيماً} مفعول به {وَمُلْكاً} معطوف على {نعيما} و{كَبِيراً} صفة والجملة جواب الشرط لا محل لها.

.[الإنسان: آية 21]:

{عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبرق وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبهمْ شَراباً طَهُوراً (21)}.
{عالِيَهُمْ} ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم و{ثِيابُ} مبتدأ مؤخر مضاف إلى {سُندُسٍ} و{خُضْرٌ} صفة ثياب والجملة الاسمية مستأنفة و{إِسْتَبرق} معطوف على {ثياب}. {وَحُلُّوا} الواو حالية وماض مبني للمجهول ونائب فاعل و{أَساوِرَ} مفعول به ثان و{مِنْ فِضَّةٍ} صفة {أساور} والجملة حالية. {وَسَقاهُمْ} ماض ومفعوله الأول و{رَبهمْ} فاعل و{شَراباً} مفعول به ثان و{طَهُوراً} صفة {شرابا} والجملة معطوفة على ما قبلها.

.[الإنسان: آية 22]:

{إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (22)}.
{إِنَّ هذا كانَ} إن واسمها وماض ناقص اسمه مستتر و{لَكُمْ} متعلقان بالخبر {جَزاءً} خبر وجملة {كان} خبر إن والجملة مقول قول محذوف {وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً} كان واسمها وخبرها والجملة معطوفة على ما قبلها.

.[الإنسان: آية 23]:

{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القرآن تَنْزِيلاً (23)}.
{إِنَّا} إن واسمها و{نَحْنُ} ضمير فصل و{نَزَّلْنا} ماض وفاعله والجملة خبر {إنا} والجملة الاسمية مستأنفة و{عَلَيْكَ} متعلقان بالفعل و{القرآن} مفعول به و{تَنْزِيلًا} مفعول مطلق.

.[الإنسان: آية 24]:

{فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كفوراً (24)}.
{فَاصْبِرْ} الفاء الفصيحة وأمر فاعله مستتر و{لِحُكْمِ} متعلقان بالفعل و{رَبِّكَ} مضاف إليه والجملة جواب شرط مقدر لا محل لها. و{وَلا تُطِعْ} مضارع مجزوم بلا فاعله مستتر و{مِنْهُمْ} متعلقان بالفعل و{آثِماً} مفعول به و{أَوْ} حرف عطف و{كفوراً} معطوف على {آثما} والجملة معطوفة على ما قبلها.

.[الإنسان: آية 25]:

{وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (25)}.
{وَاذْكُرِ} أمر فاعله مستتر و{اسْمَ} مفعول به مضاف إلى {رَبِّكَ} مضاف إليه {بُكْرَةً} ظرف زمان {وَأَصِيلًا} معطوف على {بكرة} والجملة معطوفة على ما قبلها.

.[الإنسان: آية 26]:

{وَمِنَ اللَّيل فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (26)}.
{وَمِنَ اللَّيل} متعلقان باسجد و{فَاسْجُدْ} الفاء زائدة وأمر فاعله مستتر و{لَهُ} متعلقان بالفعل و{وَسَبِّحْهُ} أمر ومفعوله والفاعل مستتر والجملة معطوفة على ما قبلها و{لَيْلًا} ظرف زمان و{طَوِيلًا} صفة.

.[الإنسان: آية 27]:

{إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)}.
{إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ} إن واسمها ومضارع مرفوع والواو فاعله و{الْعاجِلَةَ} مفعول به والجملة الفعلية خبر إن والجملة الاسمية تعليل، {وَيَذَرُونَ} مضارع وفاعله {وَراءَهُمْ} ظرف مكان و{يَوْماً} مفعول به و{ثَقِيلًا} صفة {يوما} والجملة معطوفة على ما قبلها.

.[الإنسان: آية 28]:

{نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً (28)}.
{نَحْنُ خَلَقْناهُمْ} مبتدأ وماض وفاعله ومفعوله والجملة الفعلية خبر المبتدأ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. {وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ} ماض وفاعله ومفعوله والجملة معطوفة على ما قبلها {وَإِذا} ظرفية شرطية غير جازمة و{شِئْنا} ماض وفاعله والجملة في محل جر بالإضافة و{بَدَّلْنا} ماض وفاعله و{أَمْثالَهُمْ} مفعول به و{تَبْدِيلًا} مفعول مطلق والجملة جواب الشرط لا محل لها.

.[الإنسان: آية 29]:

{إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبه سَبِيلاً (29)}.
سبق إعرابها في الآية- 19- من سورة المزمل.

.[الإنسان: آية 30]:

{وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ الله إِنَّ الله كانَ عَلِيماً حَكِيماً (30)}.
{وَما} نافية و{تَشاؤُنَ} مضارع مرفوع والواو فاعل والجملة مستأنفة و{إِلَّا} حرف حصر {أَنْ يَشاءَ الله} مضارع منصوب بأن ولفظ الجلالة فاعل والمصدر المؤول من أن والفعل في محل جر بالإضافة لظرف محذوف أي إلا وقت مشيئة الله و{إِنَّ الله كانَ} إن واسمها وماض ناقص اسمه مستتر و{عَلِيماً حَكِيماً} خبران والجملة الفعلية خبر إن والجملة الاسمية تعليلية.

.[الإنسان: آية 31]:

{يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (31)}.
{يُدْخِلُ} مضارع فاعله مستتر و(من) مفعول به والجملة حال و{يَشاءُ} مضارع فاعله مستتر و{فِي رَحْمَتِهِ} متعلقان بالفعل والجملة صلة من {وَالظَّالِمِينَ} مفعول به لفعل محذوف تقديره يعذب والجملة معطوفة على ما قبلها و{أَعَدَّ} ماض فاعله مستتر و{لَهُمْ} متعلقان بالفعل و{عَذاباً} مفعول به و{أَلِيماً} صفة والجملة مفسرة لما قبلها. اهـ.

.فصل في تخريج الأحاديث الواردة في السورة الكريمة:

قال الزيلعي:
سورة الإنسان ذكره فِيهَا خَمْسَة أَحَادِيث:
1441- الحديث الأول:
عَن الْحسن قال: «كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يُؤْتَى بالأسير فيدفعه إِلَى بعض الْمُسلمين فَيَقول أحسن إِلَيْهِ فَيكون عِنْده الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَة فَيُؤْثِرُهُ على نفسه».
1442- الحديث الثَّانِي:
وَسَمَّى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْغَرِيم أَسِيرًا قال: «غريمك أسيرك فَأحْسن إِلَى أسيرك».
1443- الحديث الثَّالِث:
عَن ابْن عَبَّاس «أَن الْحسن وَالْحُسَيْن رَضِيَ الله عَنْهما مَرضا فَعَادَهُمَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي نَاس مَعَه فَقالوا يَا أَبَا الْحسن لَو نذرت عَلَى ولدك فَنَذر عَلّي وَفَاطِمَة وَفِضة جَارِيَة لَهما إِن برئا مِمَّا بهما أَن يَصُومُوا ثَلَاثَة أَيَّام فشفيا وَمَا مَعَهُمَا شَيْء فَاسْتقْرض عَلّي رَضِيَ الله عَنْه من شَمْعُون الْخَيْبَرِيّ الْيَهُودِيّ ثَلَاثَة آصَع من شعير فَطحنت فَاطِمَة صَاعا واختبزت خَمْسَة أَقراص عَلَى عَددهمْ فَوَضَعُوهَا بَين أَيْديهم لِيُفْطِرُوا فَوقف عَلَيْهِم سَائل فَقال السَّلَام عَلَيْكُم أهل بَيت مُحَمَّد مِسْكين من مَسَاكِين الْمُسلمين أَطْعمُونِي أطْعمكُم الله من مَوَائِد الْجنَّة فَآثَرُوهُ وَبَاتُوا وَلم يَذُوقُوا إِلَّا المَاء وَأَصْبحُوا صياما فَلَمَّا أَمْسوا وضعُوا الطَّعَام بَين أَيْديهم لِيُفْطِرُوا فَوقف عَلَيْهِم سَائل فَقال يَتِيم من أَيْتَام الْمُسلمين أَطْعمُونِي أطْعمكُم الله من مَوَائِد الْجنَّة فَآثَرُوهُ وَبَاتُوا لم يَذُوقُوا شَيْئا إِلَّا المَاء فَأَصْبحُوا صياما فَلَمَّا أَمْسوا وضعُوا الطَّعَام لِيُفْطِرُوا فَوقف عَلَيْهِم سَائل وَقال أَسِير من أسَارِي الْمُسلمين أَطْعمُونِي أطْعمكُم الله من مَوَائِد الْجنَّة فَآثَرُوهُ وَبَاتُوا وَلم يَذُوقُوا إِلَّا المَاء فَلَمَّا أَصْبحُوا أَخذ عَلّي رَضِيَ الله عَنْه بيد الْحسن وَالْحُسَيْن وَأَقْبلُوا إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا رَآهُمْ يَرْتَعِشُونَ كَأَنَّهُمْ الْفِرَاخ من شدَّة الْجُوع قال مَا أَشد مَا يسوءني مِمَّا أرَى بكم وَقَامَ فَانْطَلق مَعَهم فَرَأَى فَاطِمَة فِي مِحْرَابها قد الْتَصق ظهرهَا بِبَطْنِهَا وَغَارَتْ عَيناهَا فساءه ذَلِك فَنزل جِبْرِيل عليه السلام وَقال خُذ يَا مُحَمَّد هَنَّأَك الله فِي أهل بَيْتك فَأَقرأهُ السُّورَة».
قلت رَوَاهُ الثَّعْلَبِيّ فِي تَفْسِيره من حديث الْقَاسِم بن بهرَام عَن لَيْث عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس وَمن حديث مُحَمَّد بن السَّائِب الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس فِي قول تعالى {يُوفونَ بِالنذرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَره مُسْتَطِيرا} قال: «مرض الْحسن وَالْحُسَيْن فَعَادَهُمَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم...» فَذكره وَزَاد فِي أَثْنَائِهِ شعرًا لعَلي وَفَاطِمَة.
وَقال أَبُو عبد الله التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم فِي كِتَابه نَوَادِر الْأُصُول فِي الأَصْل الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ وَمن الْأَحَادِيث الَّتِي تنكرهَا الْقُلُوب حديث رَوَوْهُ عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس فِي قوله تعالى: {يُوفونَ بِالنذرِ} قال: «مرض الْحسن وَالْحُسَيْن فَعَادَهُمَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم» إِلَى آخر الحديث بِشعرِهِ ثمَّ قال هَذَا حديث مُزَوق مفتعل لَا يروج إِلَّا عَلَى أَحمَق جَاهِل وَكَيف يظنّ بعلي رَضِيَ الله عَنْه مثل هَذَا فَيجْهد نَفسه وَعِيَاله وَأَطْفَالًا صغَارًا عَلَى جوع ثَلَاثَة أَيَّام وَقد قال تعالى {يَسْأَلُونَك مَاذَا يُنْفقُونَ قل الْعَفو} وَقال عليه السلام «خير الصَّدَقَة مَا كَانَ عَن ظهر غنى» وَقال: «كفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَن يضيع من يقوت» انتهى كَلَامه.
وَرَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي الموضوعات من حديث أبي عبد الله السَّمرقَنْدِي عَن مُحَمَّد بن كثير الْكُوفِي عَن الْأَصْبَغ بن نَبَاته قال: «مرض الْحسن وَالْحُسَيْن...» إِلَى آخِره فَذكره بِشعرِهِ وَزِيَادَة أَلْفَاظ ثمَّ قال وَهَذَا حديث لَا يشك فِي وَضعه وَلَو لم يدل عَلَيْهِ إِلَّا هَذِه الْأَلْفَاظ الرَّكِيكَة والأشعار الرَّديئَة وَالْأَفْعَال الَّتِي تنزه عَنْهَا أُولَئِكَ السَّادة قال ابْن معِين أصبغ بن نَبَاته لَا يُسَاوِي شَيْئا وَقال احْمَد حرقنا حديث مُحَمَّد بن كثير وَأما أَبُو عبد الله السَّمرقَنْدِي فَلَا يوثق به.
1444- الحديث الرَّابِع:
قوله وَفِي الحديث «هَوَاء الْجنَّة سَجْسَج لَا حر وَلَا قر».
قلت رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه فِي بَاب صفة الْجنَّة من قول ابْن مَسْعُود فَقال ثَنَا أَبُو أُسَامَة ثَنَا زَكَرِيَّا عَن أبي إِسْحَاق عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْسَجَة عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله قال: «الْجنَّة سَجْسَج لَا حر بها وَلَا قر» انتهى.
وَرَوَاهُ عبد الله بن احْمَد بن حَنْبَل فِي كتاب الزّهْد لِأَبِيهِ عَن ابْن أبي شيبَة بِسَنَدِهِ الْمَذْكُور.
وَرَوَاهُ الإِمَام أَبُو مُحَمَّد قَاسم بن ثَابت السَّرقسْطِي فِي كِتَابه غَرِيب الحديث من حديث سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَاق عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله... فَذكره وَقال السجسج من الزَّمَان الَّذِي لَيْسَ فِيهِ برد وَلَا رد يُؤْذيَانِ انتهى.
قال الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله هَذَا حديث رَوَاهُ زَكَرِيَّا عَن أبي إِسْحَاق عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْسَجَة عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله بن مَسْعُود وَخَالفهُ الثَّوْريّ فَرَوَاهُ عَن أبي إِسْحَاق عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله بن مَسْعُود قال وَقول زَكَرِيَّا أصح انتهى.
وَقال ابْن أبي حَاتِم فِي علله سَأَلت أبي عَن حديث رَوَاهُ إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله... فَذكره هَل سمع أَبُو إِسْحَاق من عَلْقَمَة فَقال لَا وَلَكِن هَكَذَا رَوَاهُ وَقد رَوَاهُ زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة فَقال عَن أبي إِسْحَاق عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْسَجَة عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله انتهى.
وَقال فِي مَوضِع آخر من علله وَرَوَاهُ مَالك بن إِسْمَاعِيل وَعَمْرو بن خَالِد عَن زُهَيْر بن مُعَاوِيَة عَن أبي إِسْحَاق عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله ثمَّ قال وَقد رَوَاهُ جرير عَن مَنْصُور عَن أبي إِسْحَاق عَن عَلْقَمَة من قوله لم يُجَاوز به وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَلّي بن الْجَعْد عَن زُهَيْر بن مُعَاوِيَة عَن أبي إِسْحَاق عَن عَلْقَمَة من قوله انتهى. قال فِي الصِّحَاح يَوْم سَجْسَج لَا حر فِيهِ وَلَا برد وَفِي الحديث «الْجنَّة سَجْسَج» انتهى.
1445- الحديث الْخَامِس:
قال عليه السلام «من قرأ سُورَة هَل أَتَى كَانَ جَزَاؤُهُ عَلَى الله جنَّة وَحَرِيرًا».
قلت رَوَاهُ الثَّعْلَبِيّ أخبرنَا بَاقِل بن أَرقم ثَنَا مُحَمَّد بن شَادَّة ثَنَا مُحَمَّد بن احْمَد بن الْحسن ثَنَا مُحَمَّد بن يَحْيَى ثَنَا سلم بن قُتَيْبَة عَن شُعْبَة عَن عَاصِم عَن زر عَن أبي قال قال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم... فَذكره.
وَرَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره بِسَنَدِهِ الثَّانِي فِي آل عمرَان.
وَرَوَاهُ الواحدي فِي تَفْسِيره الْوَسِيط بِسَنَدِهِ الْمُتَقدّم فِي يُونُس. اهـ.

.فصل في ذكر آيات الأحكام في السورة الكريمة:

قال إلكيا هراسي:
ومن سورة الإنسان:
قوله تعالى: {وَأَسِيراً}، الآية/ 8.
يدل على أن إطعام المشرك يتقرب به إلى الله تعالى، غير أنه صدقة التطوع، وأما المفروض فلا دليل عليه. اهـ.

.من مجازات القرآن في السورة الكريمة:

.قال ابن المثنى:

سورة هل أتى على الإنسان 76:
بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{هَلْ أَتى عَلَى الإنسان} (1) مجازها: قد أتى على الإنسان، ليس باستفهام ويحقّق ذلك قول أبى بكر: ليتها كانت تمّت فلم نبتل..
{أَمْشاجٍ} (2) خلطين قال رؤبة:
من دم أمشاج

[923] وقال أبو ذؤيب:
كأن الرّيش والفوقين منه ** خلاف النّصل سيط به مشيج

{شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} (7) فاشيا..
{عَبُوساً} العبوس (10) والقمطرير (10) والقماطر والعصيب والعصيب أشد ما يكون من الأيام وطوله في البلاء.
{ذللت قُطُوفُها} (14) ثمارها..
{سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً} (22) عملكم..
{لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كفوراً} (24) ليس هاهنا تخيير أراد آثما وكفورا..
{وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا} (27) أي قدّامهم قال مساور بن حمئان من بنى ربيعة ابن كعب:
أترجو بنو مروان سمعى وطاعتى ** وقومى تميم والفلاة ورائيا

(387) أي قدامى.
{أَسْرَهُمْ} (28) شدة الخلق، يقال للفرس: شديد الأسر شديد الخلق وكل شيء شددته من قتب أو من غبيط فهو مأسور..
{يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً} (31) انتصب بالجوار ولا يدخل الظالمين في رحمته. اهـ.

.قال الشريف الرضي:

ومن السورة التي يذكر فيها هل أتى على الإنسان:

.[الإنسان: آية 7]:

{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (7)}.
قوله سبحانه: {وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} [7] وهذه استعارة. وحقيقة الاستطارة من صفات ذوات الأجنحة. يقال: طار الطّائر، واستطرته أنا إذا بعثته على الطيران. ويقولون أيضا من ذلك على طريق المجاز: استطار لهيب النار. إذا انتشر وعلا، وظهر وفشا. فكأنه سبحانه قال: يخافون يوما كان شرّه فاشيا ظاهرا، وعاليا منتشرا.

.[الإنسان: آية 10]:

{إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (10)}.
وقوله سبحانه: {إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً} [10] وهذه استعارة.
لأن العبوس من صفة الإنسان القاطب المعبّس. فشبه سبحانه ذلك اليوم- لقوّة دلائله على عظيم عقابه، وأليم عذابه- بالرجل العبوس الذي يستدلّ بعبوسه وقطوبه على إرصاده بالمكروه، وعزمه على إيقاع الأمر المخوف. وأصل العبوس تقبيض الوجه، وهو دليل السخط، وضده الاستبشار والتطلّق وهما دليلا الرضا والخير.
وكما سمّت العرب اليوم المحمود طلقا، فكذلك سمّت اليوم المذموم عبوسا. ويقال: يوم قمطرير وقماطر إذا كان شديدا ضرّه، طويلا شرّه.

.[الإنسان: آية 14]:

{وَدانية عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذللت قُطُوفُها تَذْلِيلاً (14)}.
وقوله سبحانه: {وَدانية عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذللت قُطُوفُها تَذْلِيلًا} [14] وهذه استعارة. والمراد بتذليل القطوف- وهى عناقيد الأعناب وواحدها قطف- أنها جعلت قريبة من أيديهم، غير ممتنعة على مجانيهم، لا يحتاجون إلى معاناة في اجتنائها، ولا مشقة في اهتصار أفنانها، فهى كالظّهر الذلول الذي يوافق صاحبه، ويواتى راكبه.
والتذليل هاهنا مأخوذ من الذّلّ بكسر الذال، وهو ضد الصعوبة. والذّل- بضم الذال- ضدّ العز والحميّة.

.[الإنسان: آية 27]:

{إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)}.
وقوله سبحانه: {إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا} [27] وهذه استعارة. وقد مضى الكلام على نظيرها فيما تقدم. والمراد باليوم الثقيل هاهنا:
استثقاله من طريق الشدة والمشقة، لا من طريق الاعتماد بالأجزاء الثقيلة. وقد يوصف الكلام بالثقيل على هذا الوجه، وهو عرض من الأعراض، فيقول القائل: قد ثقل علىّ خطاب فلان. وما أثقل كلام فلان. اهـ.

.فصل في التفسير الموضوعي للسورة كاملة:

قال محمد الغزالي:
سورة الإنسان:
مر ركب مسرع ببعض المقابر، فقال أحدهم لزميله: أتدرى ما تقول هذه القبور عنا؟ فقال: ماذا تقول؟ أجاب: تقول: كما أنتم كذا كنا، كما نحن تكونون. وقد تساءلت أنا عن نفسى: ماذا كنت قبل مائة عام؟ وماذا كان أغلب الجيل الذي أعيش فيه؟ ولم أجد ردا أصدق من قوله تعالى: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا}. إننا لم نكن شيئا، ثم خلقنا الله نسمع ونبصر، ثم استعادنا إليه وخلت الأرض منا! لكن على أي نحو نعود؟ قال في سورة الإنسان {إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا}. وقال! {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد الله}. والملاحظ في هذه السورة أنها اختصرت وصف العذاب...
إن الذي يلقاه الكفار على حين أفاضت في وصف النعيم والعظمة التي تنتظر المؤمنين {وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا}. ثم قيل لهم- تذكيرا بما مضى {إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا}. ونصف السورة الأخير يتحدث عن الرسالة الخاتمة ودورها في صنع الحياة العامة. ذلك أن أثر البيئة في الأخلاق خطير وتأثرنا بها لا يمكن إنكاره. فإذا استطاع الرسول أن يغير اتجاه مجتمع، وأن يملأ بالوحى قلوبا كانت فارغة، فقد صنع أمة تمحو وتثبت وتهدى الناس إلى صراط مستقيم. ومن هنا قيل له {إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا}. والتذكير المستمر بالله يتناول أول النهار وآخره {واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا}. كما يتناول سحابة الليل {ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا}.
ووصف القرآن الكريم طباع البشر على عهد الرسالة وقبله وبعده فقال: {إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا}. والحق أن الناس يكادون يفقدون رشدهم مع سكرة الحياة ومطالبها ولذاتها. وفى عصرنا الحاضر، يكاد ذكر الآخرة يكون محظورا، كما أن ذكر الموت وعظ بارد!! ولست أحب النواح والتشاؤم والنعيق، ولكنى أكره الغفلة وهزائم الفكر الإنسانى أمام الهوى الجامح. أريد أن يعرف الناس من أين جاءوا وإلى أين يعودون {إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا}. والله يزيد الذين اهتدوا هدى ويزيح من أمامهم العوائق. أما الناسون لله العمون عن آياته فهو يذرهم في طغيانهم {يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما}. اهـ.

.في رياض آيات السورة الكريمة:

.فصل في أسرار ترتيب السورة:

قال السيوطي:
سورة الإنسان:
أقول: وجه اتصالها بسورة القيامة في غاية الوضوح فإنه تعالى ذكر في حر تلك مبدأ خلق الإنسان من نطفة، ثم ذكر مثل ذلك في مطلع هذه السورة، مفتتحاً بخلق آدم أبي البشر ولما ذكر هناك خلقه منهما، قال هنا {فجَعلَ منهُ الزوجينِ الذكرَ والأُنثى} ولما ذكر هناك خلقه منهما، قال هنا {فجعلناهُ سميعاً بصيراً}، فعلق به غير ما علق بالأول، ثم رتب عليه هداية السبيل، وتقسيمه إلى شاكر وكفور، ثم أخذ في جزاء كل.
ووجه آخر، هو أنه لما وصف حال يوم القيامة في تلك السورة، ولم يصف فيها حال النار والجنة، بل ذكرهما على سبيل الإجمال، فصلهما في هذه السورة، واطنب في وصف الجنة، وذلك كله شرح لقوله تعالى هناك: {وجوهٌ يَومَئذٍ ناضِرة} وقوله هنا: {إِنّا أَعتدنا للكافِرينَ سلاسل وأَغلالا وسَعيراً} شرح لقوله هناك {تظنُ أَن يُفعل بها فاقرة} وقد ذكر هناك {كلا بل يحبونَ العاجِلة ويَذَرونَ الآخِرة} وذكر هنا في هذه السورة {إِن هؤلاء يحبون العاجِلة ويَذرونَ وراءهم يوماً ثقيلا} وهذا من وجوه المناسبة. اهـ.

.تفسير الآيات (1- 3):

قوله تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نبتليه فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
(بسم الله) الملك الذي خلق الخلائق لمعرفة أسمائه الحسنى (الرحمن) الذي عمهم بنعمة الظاهرة فرادى ومثنى (الرحيم) الذي خص منهم من اختاره لوداده بالنعمة الباطنة والمقام الأسنى.
ولما تقدم في آخر القيامة التهديد على مطلق التكذيب، وأن المرجع إلى الله وحده، والإنكار على من ظن أنه يترك سدى والاستدلال على البعث وتمام القدرة عليه، تلاه أول هذه بالاستفهام الإنكاري على ما يقطع معه بأن لا يترك سدى، فقال مفصلاً ما له سبحانه عليه من نعمة الإيجاد والإعداد والإمداد والإسعاد: {هل أتى} أي بوجه من الوجوه {على الإنسان} أي هذا النوع الذي شغله عما يراد به ويراد له لعظم مقداره في نفس الأمر الأنس بنفسه والإعجاب بظاهر حسه والنسيان لما بعد حلول رمسه {حين من الدهر} أي مقدار محدود وإن قل من الزمان الممتد الغير المحدود حال كونه {لم يكن} أي في ذلك الحين كوناً راسخاً {شيئاً مذكوراً} أي ذكراً له اعتبار ظاهر في الملأ الأعلى وغيره حتى أنه يكون متهاوناً به غير منظور إليه ليجوز أن يكون سدى بلا أمر ونهي، ثم يذهب عدماً ليس الأمر كذلك، بل ما أتى عليه شيء من ذلك بعد خلقه إلا وهو فيه شيء مذكور، وذلك أن الدهر هو الزمان، والزمان هو مقدار حركة الفلك- كما نقله الرازي في كتاب اللوامع في سورة {يس} عند قوله تعالى: {ولا الليل سابق النهار} فإنه قال: الزمان ابتداؤه من حركات السماء فإن الزمان مقدار حركات الفلك- انتهى وآدم عليه السلام تم الخلق بتمام خلقه في آخر يوم الجمعة أول جمعة كانت، وكانت طينته- قبل ذلك بمدة مخمرة هو فيها بين الروح والجسد، قال ابن مسعود- رضى الله عنه ـ: خلق الله آدم عليه السلام من تراب فأقام أربعين سنة ثم من طين أربعين سنة ثم من صلصال أربعين سنة ثم من حمإ مسنون أربعين سنة ثم خلقه بعد ستين ومائة سنة، وقال البغوي: قال ابن عباس- رضى الله عنهما ـ: ثم خلقه بعد عشرين ومائة سنة: فحينئذ ما أتى عليه زمان إلا وهو شيء مذكور إما بالتخمير وإما بتمام التصوير، فالاستفهام على بابه وهو إنكاري، وليست (هل) بمعنى (قد) إلا إن قدرت قبلها الهمزة، وكان الاستفهام إنكارياً لينتفي مضمون الكلام، والمراد أنه هو المراد من العالم، فحينئذ ما خلق الزمان إلا لأجله، فهو أشرف الخلائق، وهذا أدل دليل على بعثه للجزاء، فهل يجوز مع ذلك أن يترك سدى فيفنى المظروف الذي هو المقصود بالذات، ويبقى الظرف الذي ما خلق إلا صواناً له، والذي يدل على ذلك من أقوال السلف أنه روي أن رجلاً قرأها عند ابن مسعود- رضى الله عنه- فقال: يا ليت ذلك لم يكن.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: قوله تعالى: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً} [الإنسان: 1] تعريف الإنسان بحاله وابتداء أمره ليعلم أن لا طريق له للكبر واعتقاد السيادة لنفسه، وأن لا يغلطه ما اكتنفه من الألطاف الربانية والاعتناء الإلهي والتكرمة فيعتقد أنه يستوجب ذلك ويستحقه {وما بكم من نعمة فمن الله} [النحل: 53] ولما تقدم في القيامة إخباره تعالى عن حال منكري البعث عناداً واستكباراً وتعامياً عن النظر والاعتبار {أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه} [القيامة: 3] وقوله بعد {فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى} [القيامة: 31- 33] أي يتبختر عتواً واستكباراً ومرحاً وتجبراً، وتعريفه بحاله التي لو فكر فيها لما كان منه ما وصف، وذلك قوله: {ألم يكن نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى} [القيامة: 37- 38] أتبع ذلك بما هو أعرق في التوبيخ وأوغل في التعريف وهو أنه قد كان لا شيء فلا نطفة ولا علقة، ثم أنعم الله عليه بنعمة الإيجاد ونقله تعالى من طور إلى طور فجعله نطفة من ماء مهين في قرار مكين ثم كان علقة ثم مضغة إلى إخراجه وتسويته خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين، فمن اعتبر اتصافه بالعدم ثم تقلبه في هذه الأطوار المستنكف حالها والواضح فناؤها واضمحلالها، وأمده الله تعالى بتوفيقه عرف حرمان من وصف في قوله: {ثم ذهب إلى أهله يتمطى} فسبحان الله ما أعظم حلمه وكرمه ورفقه، ثم بين تعالى ما جعله للإنسان من السمع والبصر ابتلاء له، ومن أدركه أدركه الغلط وارتكب الشطط- انتهى.
ولما ذكر مطلق خلقه، وقرر أنه خلاصة الكون، شرع يذكر كيفية خلقه ويدل على ما لزم من ذلك من أنه ما خلق الخلق إلا لأجله وأنه لا يجوز أن يهمل فقال معلماً بالحال التي هي قيد الجملة ومحط الفائدة أنه ما خلق إلا للآخرة، مفصلاً أمر الإيجاد بالفاعل والصورة والمادة والغاية وأكده لإنكارهم له: {إنا} أي على ما لنا من العظمة {خلقنا} أي قدرنا وصورنا، وأظهر ولم يضمر لأن الثاني خاص والأول عام لآدم عليه الصلاة والسلام وجميع ولده فقال: {الإنسان} أي بعد خلق آدم عليه الصلاة والسلام {من نطفة} أي مادة هي ماء جدًّا من الرجل والمرأة، وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة وهي المادة التي هي السبب الحامل للقوة المولدة.
ولما كان خلقه على طبائع مختلفة وأمزجة متفاوتة أعظم لأجره إن جاهد ما يتنازعه من المختلفات بأمر ربه الذي لا يختلف، وكانت أفعاله تابعة لأخلاقه وأخلاقه تابعة لجبلته قال: {أمشاج} أي أخلاط- جمع مشج أو مشيج مثل خدن وخدين وأخدان، وخلط وخليط وأخلاط، من مشجت الشيء- إذا خلطته، لأنه من مني الرجل ومني المرأة، وكل منهما مختلف الأجزاء متباين الأوصاف في الرقة والثخن والقوام والخواص تجتمع مع الأخلاط وهي العناصر الأربعة، ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر فأيهما علا كان الشبه له، وما كان من عصب وعظم فمن نظفة الرجل، وما كان من دم ولحم وشعر فمن ماء المرأة، وقال يمان: كل لونين اختلطا فهو أمشاج، وقال قتادة: هي أطوار الخلق من النطفة وما بعدهما، وكما يشبه ما غلب عليه من باطن الأمشاج من الطيب والخبث، وكيفية تمشيجه أن الماء إذا وصل إلى قرار الرحم اختلط بماء المرأة ثم بدم الطمث وخثر حتى صار كالرائب ثم احمر وحينئذ يسمى علقة، فاذا اشتد ذلك الامتزاج وقوي وتمتن حتى استعد لأن يقسم فيه الأعضاء سمي مضغة، فإذا أفيضت عليه صورة الأعضاء وتقسم كساه حينئذ مفيضه عز وجل لحماً، فأفاض عليه القوة العاقلة، ويسمى حينئذ جنيناً، وذلك بعد تقسم أجزائه إلى عظام وعروق وأعصاب وأوتار ولحم، فدور الرأس وشق في جانبيه السمع وفي مقدمه المبصر والأنف والفم، وشق في البدن سائر المنافذ ثم مد اليدين والرجلين وقسم رؤوسها بالأصابع، وركب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد- والطحال والرئة والمثانة، فسبحان من خلق تلك الأشياء من نطفة سخيفة مهينة كوّن منها العظام مع قوتها وشدتها وجعلها عماد البدن وقوامه وقدرها بمقادير وأشكال مختلفة، فمنها صغير وكبير، وطويل وقصير، وعريض ومستدير، ومجوف ومصمت، ودقيق وثخين، ولم يجعلها عظماً واحداً لأن الإنسان محتاج إلى الحركة بجملة بدنه وببعض أعضائه ثم جعل بين تلك العظام مفاصل ثم وصلها بأوتار أنبتها من أحد طرفي العظم وألصقها بالطرف الآخر بالرباط له ثم خلق في أحد طرفي العظم زوائد خارجة، وفي الآخر حفراً موافقة لشكل الزوائد لتدخل فيها، وخلق الرأس مع كريته من خمسة وخمسين عظماً مختلفة الأشكال وألف بعضها مع بعض، فجعل في القحف ستة وفي اللحى الأعلى أربعة عشر، واثنان للأسفل، والباقي في الأسنان، وجعل الرقبة مركباً للرأس وركبها من سبع خرزات فيها تجويفات وزيادات ونقصانات لينطبق بعضها على بعض، وركب الظهر من أربع وعشرين خرزة وعظم العجز من ثلاثة أجزاء، وجعل من أسفله عظم العصعص أو اللفة من ثلاثة أجزاء مختلفة، ثم وصل عظام الظهر بعظام الصدر وعظام الكتف وغيرها حتى بلغ مجموع عظام بدن الإنسان مائتي عظم وثمانية وأربعين عظماً سوى العظام التي حشا بها خلل المفاصل، وخلق سبحانه آلات التحريك للعظام وهي العضلات وهي خمسمائة وسبع وعشرون عضلة كل منها على قدر مخصوص ووضع مخصوص لو تغير عن ذلك أدنى تغير لاختلت مصالح البدن، وكذا الأعصاب والأوردة والشرايين، ثم انظر كيف خلق الظهر أساساً للبدن، والبطن حاوياً لآلات الغذاء والرأس مجمعاً للحواس، ففتح العين ورتب طبقاتها وأحسن شكلها ولونها وأحكمها بحيث ينطبع في مقدار عدسة منها صورة السماوات على عظمها، وحماها بالأجفان لتسترها وتحفظها، ثم أودع الأذنين ماء مراً يدفع عنها الهوام وحاطهما بصدفين لجمع الصوت ورده إلى الصماخ وليحس بدبيب الهوام وجعل فيها تعريجاً لتطويل الطريق فلا تصل الهوام إلى جرم الصماخ سريعاً، ثم رفع الأنف في الوجه وأودع فيه حاسة الشم للاستدلال بالروائح على الأطعمة والأغذية ولاستنشاق الروائح الطيبة لتكون مروحة للقلب، وأودع الفم اللسان وجعله على كونه لحمة واحدة معرباً عما في النفس، وزين القم بالإنسان فحدد بعضها لتكون آلة للنقب وحدد بعضها لتصلح للقطع، وجعل بعضها عريضاً مفلطحاً صالحاً للطحن وبيض ألوانها ورتب صفوفها وسوى رؤوسها ونسق ترتيبها حتى صارت كالدر المنظوم، ثم أطبق على الفم الشفتين وحسن لونهما لتحفظا منفذه وهيأ الحنجرة لخروج الصوت، وخالف أشكال الحناجر في الضيق والسعة والخشونة والملاسة والصلابة والرخاوة والطول والقصر، فاختلفت الأصوات بسببها ليميز السامع المصوّتين بسبب تمييز أصواتهم فيعرفهم وإن لم يرهم، وسخر كل عضو من أعضاء الباطن لشيء مخصوص، فالمعدة لإنضاج الغذاء، والكبد لإحالته إلى الدم، والطحال لجذب السواد، والمرارة لجذب الصفراء، والكلية لجذب الفضلة المائية، والمثانة لخدمة الكلية بقبول الماء عنها ثم إخراجه من طريقه، والعروق لخدمة الكبد في إيصال الدم إلى سائر أطراف البدن، وكان مبدأ ذلك كله النطفة على صغرها في داخل الرحم في ظلمات ثلاثة ولو كشف الغطاء وامتد البصر إليه لرأى التخطيط والتصوير يظهر عليه شيئاَ فشيئاً ولا يرى المصور ولا الإله، فسبحانه ما أعظم شأنه وأبهر برهانه، فيالله العجب ممن يرى نقشاً حسناً على جدار فيتعجب من حسنه وحذق صانعه ثم لا يزال يستعظمه ثم ينظر إلى هذه العجائب في نفسه وفي غيره ثم يغفل عن صانعه ومصوره فلا تدهشه عظمته ويحيره جلاله وحكمته.
ولما كان الإنسان مركباً من روح خفيف طاهر وبدن هو مركب الحظوظ والشهوات واللوم والدنيات، فكان الروح بكماله والبدن بنقصانه يتعالجان، كل منهما يريد أن يغلب صاحبه، قوى سبحانه الروح بالشرع الداعي إلى معالي الأخلاق، الناهي عن مساويها، المبين لذلك غاية البيان على يد إنسان طبعه سبحانه على الكمال ليقدر على التلقي من الملائكة، فيكمل أبناء نوعه، فدل على ذلك بحال بناها من ضمير العظمة فقال مبيناً للغاية: {نبتليه} أي نعامله بما لنا من العظمة بالأمر والنهي والوعظ معاملة المختبر ونحن أعلم به منه، ولكنا فعلنا ذلك لنقيم عليه الحجة على ما يتعارفه الناس، فإن العاصي لا يعلم أنه أريد منه العصيان، وكذا الطائع، فصار التكليف بحسب وهمه لما خلق الله له من القوة والقدرة الصالحة في الجملة.
ولما ذكر الغاية، أتبعها الإعدادات المصححة لها فقال: {فجعلناه} أي بما لنا من العظمة بسبب ذلك {سميعاً} أي بالغ السمع {بصيراً} أي عظيم البصر والبصِيرة ليتمكن من مشاهدة الدلائل ببصره وسماع الآيات بسمعه، ومعرفة الحجج ببصيرته، فيصح تكليفه وابتلاؤه، فقدم العلة الغائية لأنها متقدمة في الاستحضار على التابع لها من المصحح لورودها، وقدم السمع لأنه أنفع في المخاطبات، ولأن الآيات المسموعة أبين من الآيات المرئية، قال الرازي في اللوامع وإلى هنا انتهى الخبر الفطري ثم يبتدئ منه الاختبار الكسبي- انتهى.
وذلك بنفخ الروح وهي حادثة بعد حدوث البدن بإحداث القادر المختار لها بعد تهيئة البدن لقبولها، ثم أفاض سبحانه على الجملة العقل، وجعل السمع والبصر اللتين له، ولعله خصهما لأنهما أنفع الحواس، ولأن البصر يفهم البصِيرة وهي تتضمن الجميع، وجعل سبحانه له ذلك لاستقراء صور المحسوسات وانتزاع العلوم الكلية منها، وبذلك يكمل علمه الذي منه الدفع عن نفسه التي جعلها الله تعالى محل التكليف ليكمل تكليفه، وذلك أنه سبحانه ركبه من العناصر الأربعة، وجعل صلاحه بصلاحها، وفساده بفسادها لتعاليها، فاضطر إلى قوى يدرك بها المنافي فيجتنبه والملائم فيطلبه، فرتب له سبحانه الحواس الخمس الظاهرة، فجعل السمع في الأذن، والبصر في العين، والذوق في اللسان، والشم في الأنف، وبث اللمس في سائر البدن، ليدفع به عن جميع الأعضاء ما يؤذيها، وهذه الحواس الظاهرة تنبعث عن قوة باطنة تسمى الحس المشترك بحمل ما أدركته فيرتسم هناك وهو في مقدم البطن الأول من الدماغ وينتقل ما ارتسم هنا إلى خزانة الخيال وهي في مؤخر هذا البطن من الدماغ فتحفظ فيها صورته وإن غابت عن الحواس، وثم قوة أخرى من شأنها إدراك المعاني الجزئية المتعلقة بالمحسوسات الشخصية كعداوة زيد وصداقته تسمى الوهم ومحلها الدماغ كله والأخص بها التجويف الأوسط وخصوصاً مؤخره، وقوة أخرى أيضاً شأنها خزن ما أدركته القوة الوهمية من المعاني الجزئية تسمى الحافظة باعتبار، والذاكرة باعتبار، ومحلها التجويف المؤخر في الدماغ، وقوة أخرى من شأنها تفتيش تلك الخزائن وتركيب بعض مودعاتها مع بعض وتفصيل بعضها مع بعض ومحلها وسلطانها في أول التجويف الأوسط، وتلك القوة تسمى مخيلة باعتبار تصريف الوهم لها ومفكرة باعتبار استعمال النفس لها، وقد اقتضت الحكمة الربانية تقديم ما يدرك الصور الجرمية وتأخير ما يدرك المعاني الروحانية، وتوسيط المتصرف فيهما بالحكم والاسترجاع للأمثال المنمحية من الجانبين، ثم لا تزال هذه القوى تخدم ما فوقها كما خدمتها الحواس الخمس إلى أن تصير عقلاً مستفاداً، وهو قوة للنفس بها يكون لها حضور المعقولات بالفعل، وهذا العقل هو غاية السلوك الطلبي للإنسان وهو الرئيس المطلق المخدوم للعقل بالفعل، وهو القوة التي تكون للنفس بها اقتدار على استحضار المعقولات- الثانية وهو المخدوم للعقل الهيولاني المشبه بالهيولى الخالية في نفسها عن جميع الصور، وهو قوة من شأنها الاستعداد المحض لدرك المعقولات باستعمال الحواس في تصفح الجزئيات واستقرائها المخدومات كلها للعقل العملي، وهو القوة النظرية المخدوم للوهم المخدوم لما بعده من الحافظة وما قبله من المتخيلة المخدومتين للخيال المخدوم للحس المشترك المخدوم للحواس الظاهرة.
ولما كان كأنه قيل: هبه خلق هكذا فكان ماذا؟ قال شفاء لعيّ هذا السؤال وبياناً لنعمة الإمداد: {إنا} أي بما لنا من العظمة {هديناه} أي بينا له لأجل الابتلاء {السبيل} أي الطريق الواضح الذي لا طريق في الحقيقة غيره، وهو طريق الخير الذي من حاد عنه ضل، وذلك بما أنزل من الكتب وأرسلنا من الرسل ونصبنا من الدلائل في الأنفس والآفاق، وجعلنا له من البصِيرة التي يميز بها بين الصادق والكاذب وكلام الخلق وكلام الخالق والحق والباطل وما أشبهه.
ولما كان الإنسان عند البيان قد كان منه قسمان، وكان السياق لبيان تعظيمه بأنه خلاصة الكون والمقصود من الخلق، قال بانياً حالاً من ضميره في {هديناه} مقسماً له مقدماً القسم الذي أتم عليه بالبيان نعمة الهداية بخلق الإيمان، لأن ذلك أنسب بذكر تشريفه للإنسان، بجعله خلاصة الوجود وبقوله: «إن رحمتي سبقت غضبي» في سياق ابتداء الخلق، معبراً باسم الفاعل الخالي من المبالغة، لأنه لا يقدر أحد أن يشكر جميع النعم، فلا يسمى شكوراً إلا بتفضل من ربه عليه: {إما شاكراً} أي لإنعامه ربه عليه.
ولما كان الإنسان، لما له من النقصان، لا ينفك غالباً عن كفر ما، أتى بصيغة المبالغة تنبيهاً له على ذلك معرفاً له أنه لا يأخذه إلاّ بالتوغل فيه ليعرف نعمة الحلم عنه فيحمله الخجل على الإقبال على من يرضى منه بقليل الشكر، ويحتمل أن يفهم ذلك أن من كفر نعمة واحدة فقد كفر الجميع فصار بليغ الكفر فقال: {وإما كفوراً} أي بليغ الكفر بالإعراض والتكذيب وعبادة الغير والمعاندة فإحسانه غير موف إساءته مفرطة، وبدأ بالشكر لأنه الأصل، روى الشيخان عن أبي هريرة- رضى الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» الحديث، ورواه أحمد بن منيع عن ابن عباس- رضى الله عنهما ـ، ورواه الإمام أحمد عن جابر- رضى الله عنه- ولفظه: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه إما شاكراً وإما كفوراً» رواه الإمام أحمد أيضاً وأبو يعلى عن الأسود بن سريع- رضى الله عنه ـ. اهـ.

.القراءات والوقوف:

قال النيسابوري:

.القراءات:

{سلاسلاً} بالتنوين والوقف بالألف: أبو جعفر ونافع وعلي وأبو بكر وحماد وهشام {سلاسل} في الحالين: ابن كثير وحمزة وخلف وسهل ويعقوب يصلون بغير ألف ويقفون بالألف {قوارير قوارير} غير مصروفين في الحالين: حمزة ويعقوب كلاهما بالتنوين والوقف بالألف والثاني بغير الألف في الحالين. الباقون كلاهما بغير تنوين والوقف على الأول بالألف. {لؤلؤاً} بالواو في الأول: شجاع ويزيد وأبو بكر وحماد. الآخرون: بهمزتين. {عاليهم} بسكون الياء وكسر الهاء: أبو جعفر ونافع وحمزة والمفضل الباقون: بفتح الياء وضم الهاء {خضر واستبرق} بالرفع فيهما {وإستبرق} بالخفص: ابن كثير والمفضل وأبو بكر وحماد. الآخرون: بالخفض فيهما {وما يشاؤن} على الغيبة: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو.

.الوقوف:

{مذكوراً} o {أمشاج} لا قد قيل يوقف عليه لئلا يوهم أن {نبتليه} صفة له لأنه حال من {خلقنا} أي خلقناه مريدين ابتلاءه والوهم المذكور زائل لأن ضمير المفعول في {نبتليه} واحد والأمشاخ جمع. {بصيراً} o {كفوراً} o {سعيراً} o {كافوراً} o ج لاحتمال أن يكون {عيناً} بدلاً {تفجيراً} o {مستطيراً} o {شكوراً} o {قمطريراً} o {سروراً} o ج {على الأرائك} ط لاحتمال ما بعده الحال والإستئناف {زمهريراً} o ج لما يعرف في التفسير {تذليلاً} o {كانت قوارير} o لا وقيل: بوقف عليه وليس به لأن الثانية بدل من الأولى {تقديراً} o {زنجبيلاً} o ج لما مر في {كافوراً} {سلسبيلاً} o ج {مخلدون} o بناء على أن {حسبتهم} صفة الولدان والظرف عارض. o {كبيراً} o {واستبرق} ك لاختلاف الجملتين مع أن وجه الحال في الواو واضح أي وقد حلوا {فضة} ج لأن الواو ويحتمل الحال والإستئناف وهذا أولى لإفراد هذه النعمة العظيمة عن سائر النعم {طهوراً} o ط {مشكوراً} o {تنزيلاً} o ج للآية مع الفاء {أو كفوراً} o {أصيلاً} o ج لما ذكرنا {طويلاً} o {ثقيلاً} o {أسرهم} ج {تبديلاً} o {تذكرة} ج {سبيلاً} o {أن يشاء الله} ط {حكيماً} o والوصل أوجه بناء على أن الجملة صفة {في رحمته} ط {أليماً} o. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

{هَلْ أَتَى عَلَى الإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1)}
اتفقوا على أن {هَلُ} هاهنا وفي قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حديث الغاشية} [الغاشية: 1] بمعنى قد، كما تقول: هل رأيت صنيع فلان، وقد علمت أنه قد رآه، وتقول: هل وعظتك هل أعطيتك، ومقصودك أن تقرره بأنك قد أعطيته ووعظته، وقد تجيء بمعنى الجحد، تقول: وهل يقدر أحد على مثل هذا، وأما أنها تجيء بمعنى الاستفهام فظاهر، والدليل على أنها هاهنا ليست بمعنى الاستفهام وجهان الأول: ما روي أن الصديق رضي الله عنه لما سمع هذه الآية قال: يا ليتها كانت تمت فلا نبتلي، ولو كان ذلك استفهاماً لما قال: ليتها تمت، لأن الاستفهام، إنما يجاب بلا أو بنعم، فإذا كان المراد هو الخبر، فحينئذ يحسن ذلك الجواب الثاني: أن الاستفهام على الله تعالى محال فلابد من حمله على الخبر.
المسألة الأولى:
اختلفوا في الإنسان المذكور هاهنا فقال: جماعة من المفسرين يريد آدم عليه السلام، ومن ذهب إلى هذا قال: إن الله تعالى ذكر خلق آدم في هذه الآية ثم عقب بذكر ولده في قوله: {إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نبتليه} [الإنسان: 2]، والقول الثاني: أن المراد بالإنسان بنو آدم بدليل قوله: {إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ} فالإنسان في الموضعين واحد، وعلى هذا التقدير يكون نظم الآية أحسن.
المسألة الثانية:
{حِينٍ} فيه قولان: الأول: أنه طائفة من الزمن الطويل الممتد وغير مقدر في نفسه والثاني: أنه مقدر بالأربعين، فمن قال: المراد بالإنسان هو آدم قال المعنى: أنه مكث آدم عليه السلام أربعين سنة طيناً إلى أن نفخ فيه الروح، وروى عن ابن عباس أنه بقي طيناً أربعين سنة وأربعين من صلصال وأربعين من حمأ مسنون فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة، فهو في هذه المدة ما كان شيئاً مذكوراً، وقال الحسن: خلق الله تعالى كل الأشياء ما يرى وما لا يرى من دواب البر والبحر في الأيام الستة التي خلق فيها السموات والأرض وآخر ما خلق آدم عليه السلام وهو قوله: {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} فإن قبل: إن الطين والصلصال والحمأ المسنون قبل نفخ الروح فيه ما كان إنساناً، والآية تقتضي أنه قد مضى على الإنسان حال كونه إنساناً حين من الدهر مع أنه في ذلك الحين ما كان شيئاً مذكوراً، قلنا: إن الطين والصلصال إذا كان مصوراً بصورة الإنسان ويكون محكوماً عليه بأنه سينفخ فيه الروح وسيصير إنساناً صح تسميته بأنه إنسان، والذين يقولون الإنسان هو النفس الناطقة، وإنها موجودة قبل وجود الأبدان، فالإشكال عنهم زائل واعلم أن الغرض من هذا التنبيه على أن الإنسان محدث، ومتى كان كذلك فلابد من محدث قادر.
المسألة الثالثة:
لم يكن شيئاً مذكوراً محله النصب على الحال من الإنسان كأنه قيل: هل أتى عليه حين من الدهر غير مذكور أو الرفع على الوصف لحين، تقديره: هل أتى على الإنسان حين لم يكن فيه شيئاً.
قوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} فيه مسائل:
المسألة الأولى:
المشج: في اللغة الخلط، يقال: مشج يمشج مشجاً إذا خلط، والأمشاج الأخلاط، قال ابن الأعرابي: واحدها مشج ومشيج، ويقال للشيء إذا خلط: مشيج كقولك: خليط وممشوج، كقولك مخلوط.
قال الهذلي:
كأن الريش والفوقين منه ** خلاف النصل شط به مشيج

يصف السهم بأنه قد بعد في الرمية فالتطخ ريشه وفرقاه بدم يسير، قال صاحب (الكشاف): الأمشاج لفظ مفرد، وليس يجمع بدليل أنه صفة للمفرد وهو قوله: {نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} ويقال أيضاً: نطفة مشيج، ولا يصح أن يكون أمشاجاً جمعاً للمشج بل هما مثلان في الإفراد ونظيره برمة أعشار أي قطع مسكرة، وثوب أخلاق وأرض سباسب، واختلفوا في معنى كون النطفة مختلطة فالأكثرون على أنه اختلاط نطفة الرجل بنطفة المرأة كقوله: {يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترائب} [الطارق: 7] قال ابن عباس هو اختلاط ماء الرجل وهو أبيض غليظ وماء المرأة وهو أصفر رقيق فيختلطان ويخلق الولد منهما، فما كان من عصب وعظم وقوة فمن نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم فمن ماء المرأة، قال مجاهد: هي ألوان النطفة فنطفة الرجل بيضاء ونطفة المرأة صفراء، وقال عبد الله أمشاجها عروقها، وقال الحسن: يعني من نطفة مشجت بدم وهو دم الحيضة وذلك أن المرأة إذا تلقت ماء الرجل وحبلت أمسك حيضها فاختلطت النطفة بالدم، وقال قتادة: الأمشاج هو أنه يختلط الماء والدم أولاً ثم يصير علقة ثم يصير مضغة، وبالجملة فهو عبارة عن انتقال ذلك الجسم من صفة إلى صفة، ومن حال إلى حال.
وقال قوم: إن الله تعالى جعل في النطفة أخلاطاً من الطبائع التي تكون في الإنسان من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، والتقدير من نطفة ذات أمشاج فحذف المضاف وتم الكلام، قال بعض العلماء: الأولى هو أن المراد اختلاط نطفة الرجل والمرأة لأن الله تعالى وصف النطفة بأنها أمشاج، وهي إذا صارت علقة فلم يبق فيها وصف أنها نطفة، ولكن هذا الدليل لا يقدح في أن المراد كونها أمشاجاً من الأرض والماء والهواء والحار.
أما قوله تعالى: {نبتليه} ففيه مسائل:
المسألة الأولى:
نبتليه معناه لنبتليه، وهو كقول الرجل: جئتك أقضي حقك، أي لأقضي حقك، وأتيتك أستمنحك، أي لأستمنحك، كذا قوله: {نبتليه} أي لنبتليه ونظيره قوله: {وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6] أي لتستكثر.
المسألة الثانية:
{نبتليه} في موضع الحال، أي خلقناه مبتلين له، يعني مريدين ابتلاءه.
المسألة الثالثة:
في الآية قولان: أحدهما: أن فيه تقديماً وتأخيراً، والمعنى فجعلناه سميعاً بصيراً لنبتليه والقول الثاني: أنه لا حاجة إلى هذا التغيير، والمعنى إنا خلقناه من هذه الأمشاج لا للبعث، بل للابتلاء والامتحان.
ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء وهو السمع والبصر، فقال: {فَجَعَلْنَا سَمِيعاً بَصِيراً} والسمع والبصر كنايتان عن الفهم والتمييز، كما قال تعالى حاكياً عن إبراهيم عليه السلام: {لِمَ تَعْبُدُ مَالا يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ} [مريم: 42] وأيضاً قد يراد بالسميع المطيع، كقوله سمعاً وطاعة، وبالبصير العالم يقال: فلان بصير في هذا الأمر، ومنهم من قال: بل المراد بالسمع والبصر الحاستان المعروفتان.
والله تعالى خصهما بالذكر، لأنهما أعظم الحواس وأشرفها.
قوله تعالى: {إِنَّا هديناه السبيل} أخبر الله تعالى أنه بعد أن ركبه وأعطاه الحواس الظاهرة والباطنة بين له سبيل الهدى والضلال.
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
الآية دالة على أن إعطاء الحواس كالمقدم على إعطاء العقل والأمر كذلك لأن الإنسان خلق في مبدأ الفطرة خالياً عن معرفة الأشياء، إلا أنه أعطاه آلات تعينه على تحصيل تلك المعارف، وهي الحواس الظاهرة والباطنة، فإذا أحس بالمحسوسات تنبه لمشاركات بينها ومباينات، ينتزع منها عقائد صادقة أولية، كعلمنا بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان وأن الكل أعظم من الجزء، وهذه العلوم الأولية هي آلة العقل لأن بتركيباتها يمكن التوصل إلى استعلام المجهولات النظرية، فثبت أن الحس مقدم في الوجود على العقل، ولذلك قيل: من فقد حساً فقد علماً، ومن قال: المراد من كونه سميعاً بصيراً هو العقل، قال: إنه لما بين في الآية الأولى أنه أعطاه العقل بين في هذه الآية، أنه إنما أعطاه العقل ليبين له السبيل ويظهر له أن الذي يجب فعله ما هو.
والذي لا يجوز ما هو.
المسألة الثانية:
السبيل هو الذي يسلك من الطريق، فيجوز أن يكون المراد بالسبيل هاهنا سبيل الخير والشر والنجاة والهلاك، ويكون معنى هديناه، أي عرفناه وبينا كيفية كل واحد منهما له، كقوله تعالى: {وهديناه النجدين} [البلد: 10] ويكون السبيل اسماً للجنس، فلهذا أفرد لفظه كقوله تعالى: {إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ} [العصر: 2] ويجوز أن يكون المراد بالسبيل، هو سبيل الهدى لأنها هي الطريقة المعروفة المستحقة لهذا الاسم على الإطلاق، فأما سبيل الضلالة فإنما هي سبيل بالإضافة، ألا ترى إلى قوله تعالى: {إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا} [الأحزاب: 67] وإنما أضلوهم سبيل الهدى، ومن ذهب إلى هذا جعل معنى قوله: {هديناه} أي أرشدناه، وإذا أرشد لسبيل الحق، فقد نبه على تجنب ما سواها، فكان اللفظ دليلاً على الطريقين من هذا الوجه.
المسألة الثالثة:
المراد من هداية السبيل خلق الدلائل، وخلق العقل الهادي وبعثة الأنبياء وإنزال الكتب، كأنه تعالى قال: خلقتك للابتلاء ثم أعطيتك كل ما تحتاج إليه ليهلك من هلك عن بينة وليس معناه خلقنا الهداية، ألا ترى أنه ذكر السبيل، فقال: {هديناه السبيل} أي أريناه ذلك.
المسألة الرابعة:
قال الفراء: هديناه السبيل، وإلى السبيل وللسبيل، كل ذلك جائز في اللغة.
قوله تعالى: {إِمَّا شاكراً وَإِمَّا كفوراً} فيه مسائل:
المسألة الأولى:
في الآية أقوال:
الأول: أن {شاكرًا أو كفوراً} حالان من الهاء، في {هديناه السبيل}، أي هديناه السبيل كونه شاكراً وكفوراً، والمعنى أن كل ما يتعلق بهداية الله وإرشاده، فقد تم حالتي الكفر والإيمان.
والقول الثاني: أنه انتصب قوله {شاكراً أو كفوراً} بإضمار كان، والتقدير سواء كان شاكراً أو كان كفوراً.
والقول الثالث: معناه إنا هديناه السبيل، ليكون إما شاكراً وإما كفوراً أي ليتميز شكره من كفره وطاعته من معصيته كقوله: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هود: 7] وقوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ} [العنكبوت: 3] وقوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين وَنَبْلُوَ أخباركم} [محمد: 31] قال القفال: ومجاز هذه الكلمة على هذا التأويل قول القائل، قد نصحت لك إن شئت فأقبل، وإن شئت فاترك، أي فإن شئت فتحذف الفاء فكذا المعنى: إنا هديناه السبيل فإما شاكراً وإما كفوراً، فتحذف الفاء وقد يحتمل أن يكون ذلك على جهة الوعيد أي إنا هديناه السبيل فإن شاء فليكفر وإن شاء فليشكر، فإنا قد أعتدنا للكافرين كذا وللشاكرين كذا، كقوله: {وَقُلِ الحق مِن رَّبّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29].
القول الرابع: أن يكونا حالين من {السبيل} أي عرفناه السبيل، أي إما سبيلاً شاكراً، وإما سبيلاً كفوراً، ووصف السبيل بالشكر والكفر مجاز.
واعلم أن هذه الأقوال كلها لائقة بمذهب المعتزلة.
والقول الخامس: وهو المطابق لمذهب أهل السنة، واختيار الفراء أن تكون إما هذه الآية كإما في قوله: {إِمَّا يُعَذّبهمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 106] والتقدير: إنا هديناه السبيل ثم جعلناه تارة شاكراً أو تارة كفورًا ويتأكد هذا التأويل بما روي أنه قرأ أبو السمال بفتح الهمزة في {أَمَّا}، والمعنى أما شاكراً فبتوفيقنا وأما كفوراً فبخذلاننا.
قالت المعتزلة: هذا التأويل باطل، لأنه تعالى ذكر بعد هذه الآية تهديد الكفار فقال: {إِنَّا أَعْتَدْنَا للكافرين سلاسل وأغلالا وَسَعِيراً} [الإنسان: 4] ولو كان كفر الكافر من الله وبخلقه لما جاز منه أن يهدده عليه، ولما بطل هذا التأويل ثبت أن الحق هو التأويل الأول وهو أنه تعالى هدى جميع المكلفين سواء آمن أو كفر، وبطل بهذا قول المجبرة أنه تعالى لم يهد الكافر إلى الإيمان، أجاب أصحابنا بأنه تعالى لما علم من الكافر أنه لا يؤمن ثم كلفه بأن يؤمن فقد كلفه بأن يجمع بين العلم بعدم الإيمان ووجود الإيمان وهذا تكليف بالجمع بين المتنافيين، فإن لم يصر هذا عذراً في سقوط التهديد والوعيد جاز أيضاً أن يخلق الكفر فيه ولا يصير ذلك عذراً في سقوط الوعيد وإذا ثبت هذا ظهر أن هذا التأويل هو الحق، وأن التأويل اللائق بقول المعتزلة: ليس بحق، وبطل به قول المعتزلة.
المسألة الثانية:
أنه تعالى ذكر نعمه على الإنسان فابتدأ بذكر النعم الدنيوية، ثم ذكر بعده النعم الدينية، ثم ذكر هذه القسمة.
واعلم أنه لا يمكن تفسير الشاكر والكفور بمن يكون مشتغلاً بفعل الشكر وفعل الكفران وإلا لم يتحقق الحصر، بل المراد من الشاكر الذي يكون مقرا معترفاً بوجوب شكر خالقه عليه والمراد من الكفور الذي لا يقر بوجوب الشكر عليه، إما لأنه ينكر الخالق أو لأنه وإن كان يثبته لكنه ينكر وجوب الشكر عليه، وحينئذ يتحقق الحصر وهو أن المكلف، إما أن يكون شاكراً وإما أن يكون كفوراً، واعلم أن الخوارج احتجوا بهذه الآية على أنه لا واسطة بين المطيع والكافر، قالوا: لأن الشاكر هو المطيع، والكفور هو الكافر، والله تعالى نفى الواسطة وذلك يقتضي أن يكون كل ذنب كفراً، وأن يكون كل مذنب كافراً، واعلم أن البيان الذي لخصناه يدفع هذا الإشكال، فإنه ليس المراد من الشاكر الذي يكون مشتغلاً بفعل الشكر فإن ذلك باطل طرداً وعكساً، أما الطرد فلأن اليهودي قد يكون شاكراً لربه مع أنه لا يكون مطيعاً لربه، والفاسق قد يكون شاكراً لربه، مع أنه لا يكون مطيعاً لربه، وأما العكس فلأن المؤمن قد لا يكون مشتغلاً بالشكر ولا بالكفران، بل يكون ساكناً غافلاً عنهما، فثبت أنه لا يمكن تفسير الشاكر بذلك، بل لابد وأن يفسر الشاكر بمن يقر بوجوب الشكر والكفور بمن لا يقر بذلك، وحينئذ يثبت الحصر، ويسقط سؤالهم بالكلية، والله أعلم. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدهر لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً}
(هل): بمعنى قد؛ قاله الكسائي والفراء وأبو عبيدة.
وقد حكي عن سيبويه (هل) بمعنى قد.
قال الفراء: هل تكون جَحْداً، وتكون خبراً، فهذا من الخبر؛ لأنك تقول: هل أعطيتك؟ تُقَرِّره بأنك أعطيته.
والجحد أن تقول: هل يقدر أحد على مثل هذا؟ وقيل: هي بمنزلة الاستفهام، والمعنى: أتى.
والإنسان هنا آدم عليه السلام؛ قاله قتادة والثَّوريّ وعِكرمة والسّديّ.
وروي عن ابن عباس.
{حِينٌ مِّنَ الدهر} قال ابن عباس في رواية أبي صالح: أربعون سنة مرّت به، قبل أن ينفخ فيه الروح، وهو ملقى بين مكة والطائف.
وعن ابن عباس أيضاً في رواية الضحاك أنه خلق من طين، فأقام أربعين سنة، ثم من حَمَإٍ مسنون أربعين سنة، ثم من صَلْصال أربعين سنة، فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة.
وزاد ابن مسعود فقال: أقام وهو من تراب أربعين سنة، فتم خلقه بعد مائة وستين سنة، ثم نفخ فيه الروح.
وقيل: الحين المذكور ها هنا: لا يُعْرف مقدارُه؛ عن ابن عباس أيضاً، حكاه الماورديّ.
{لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} قال الضحاك عن ابن عباس: لا في السماء ولا في الأرض.
وقيل: أي كان جسداً مصوّراً تراباً وطيناً، لا يُذكَر ولا يُعرَف، ولا يُدرَى ما اسمه ولا ما يراد به، ثم نُفِخ فيه الرُّوح، فصار مذكوراً؛ قاله الفراء وقطرب وثعلب.
وقال يحيى بن سلاّم: لم يكن شيئاً مذكوراً في الخَلْق وإن كان عند الله شيئاً مذكوراً.
وقيل: ليس هذا الذِّكر بمعنى الإخبار، فإن إخبار الربّ عن الكائنات قديم، بل هذا الذِّكر بمعنى الخطر والشرف والقدر؛ تقول: فلان مذكور أي له شرف وقدر.
وقد قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف: 44] أي قد أتى على الإنسان حين لم يكن له قَدْر عند الخليقة.
ثم لما عَرَّف الله الملائكة أنه جعل آدم خليفة، وحمَّله الأمانة التي عجز عنها السموات والأرض والجبال، ظهر فضله على الكل، فصار مذكوراً.
قال القُشيريّ: وعلى الجملة ما كان مذكوراً للخلق، وإن كان مذكوراً لله.
وحكى محمد ابن الجهم عن الفراء: {لَمْ يَكُنْ شَيْئاً} قال: كان شيئاً ولم يكن مذكوراً.
وقال قوم: النفي يرجع إلى الشيء؛ أي قد مضى مُدَد من الدهر وآدم لم يكن شيئاً يذكر في الخليقة؛ لأنه آخر ما خلقه من أصناف الخليقة، والمعدوم ليس بشيء حتى يأتي عليه حين.
والمعنى: قد مضت عليه أزمنة وما كان آدم شيئاً ولا مخلوقاً ولا مذكوراً لأحد من الخليقة.
وهذا معنى قول قتادة ومقاتل: قال قتادة: إنما خلق الإنسان حديثاً ما نعلم من خليقة الله جل ثناؤه خليقة كانت بعد الإنسان.
وقال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: هل أتى حين من الدهر لم يكن الإنسان شيئاً مذكوراً؛ لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله، ولم يخلق بعده حيواناً.
وقد قيل: (الإنسان) في قوله تعالى: {هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ} عُنِيَ به الجنس من ذرّية آدم، وأن الحين تسعة أشهر، مدّة حمل الإنسان في بطن أمه {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً}: إذ كان علقة ومضغة؛ لأنه في هذه الحالة جماد لا خطر له.
وقال أبو بكر رضي الله عنه لما قرأ هذه الآية: ليتها تَمَّت فلا نُبْتَلى.
أي ليت التي أتت على آدم لم تكن شيئاً مَذْكُوراً تَمَّت على ذلك، فلا يلد ولا يُبْتَلى أولادُه.
وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً يقرأ {هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدهر لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} فقال ليتها تَمَّت.
قوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان} أي ابن آدم من غير خلاف {مِن نُّطْفَةٍ} أي من ماء يقطُر وهو المنيّ، وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة؛ كقول عبد الله بن رواحة يعاتب نفسه:
مالي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الْجَنَّهْ ** هل أنتِ إِلاَّ نُطْفةٌ في شَنَّهْ

وجمعها: نَطف ونِطَاف.
{أَمْشَاجٍ}: أخلاط.
واحدها: مِشْج ومَشِيج، مثل خِدْن وخَدِين؛ قال: رؤبة:
يَطْرحْن كُلَّ مُعْجَلٍ نَشَّاجِ ** لَمْ يُكْسَ جِلْداً في دَمٍ أَمْشَاجِ

ويقال: مَشَجتُ هذا بهذا أي خلطته، فهو مَمْشوج ومَشِيج؛ مثل مَخْلوط وخَلِيط.
وقال المبرّد: واحد الأمشاج: مشيج؛ يقال: مشج يمشِج: إذا خلط، وهو هنا اختلاط النطفة بالدم؛ قال الشَّمَّاخ:
طَوَتْ أَحْشَاء مُرْتِجَةٍ لِوَقْتٍ ** على مَشَج سُلاَلَتُهُ مَهِينُ

وقال الفراء: أمشاج: أخلاط ماء الرجل وماء المرأة، والدم والعَلَقة.
ويقال للشيء من هذا إذا خُلط: مَشِيج كقولك خَلِيط، ومَمْشوج كقولك مَخْلوط.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: الأمشاج: الحمرة في البياض، والبياض في الحمرة.
وهذا قول يختاره كثير من أهل اللغة؛ قال الهُذليّ:
كَأَنَّ الرِّيشَ والْفُوقَيْنِ مِنْهُ ** خِلاَفَ النَّصْلِ سِيطَ به مَشِيجُ

وعن ابن عباس أيضاً قال: يختلط ماء الرجل وهو أبيض غليظ بماء المرأة وهو أصفر رقيق فيخلق منهما الولد، فما كان من عصب وعظم وقوّة فهو من ماء الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر فهو من ماء المرأة.
وقد روي هذا مرفوعا؛ ذكره البزار.
وروي عن ابن مسعود: أمشاجها عروق المضغة.
وعنه: ماء الرجل وماء المرأة وهما لونان.
وقال مجاهد: نطفة الرجل بيضاء ونطفة المرأة خضراء وصفراء.
وقال ابن عباس: خلق من ألوان؛ خلق من تراب، ثم من ماء الفرج والرحم، وهي نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظم ثم لحم.
ونحوه قال قتادة: هي أطوار الخلق: طور وطور علقة وطور مضغة عظام ثم يكسو العظام لحماً؛ كما قال في سورة (المؤمنون)
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} [المؤمنون: 12] الآية.
وقال ابن السِّكِّيت: الأمشاج الأخلاط؛ لأنها ممتزجة من أنواع فخلق الإنسان منها ذا طبائع مختلفة.
وقال أهل المعاني: والأمشاج ما جمع وهو في معنى الواحد؛ لأنه نعت للنطفة؛ كما يقال: بُرْمَةٌ أَعشَار وثوبٌ أخلاقٌ.
وروي عن أبي أيوب الأنصاريّ: قال: جاء حبر من اليهود إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرني عن ماء الرجل وماء المرأة؟ فقال: «ماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق فإذا عَلاَ ماء المرأة آنثَتْ وإذا عَلاَ ماءُ الرجل أَذْكَرَتْ» فقال الحبر: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. وقد مضى هذا القول مستوفًى في سورة (البقرة).
{نبتليه} أي نختبره.
وقيل: نقدر فيه الابتلاء وهو الاختبار.
وفيما يختبر به وجهان: أحدهما نختبره بالخير والشر؛ قاله الكلبي: الثاني نختبر شكره في السَّراء وصبره في الضَّرَّاء؛ قاله الحسن.
وقيل: {نبتليه} نُكلِّفه.
وفيه أيضاً وجهان: أحدهما بالعمل بعد الخلق؛ قاله مقاتل.
الثاني بالدِّين ليكون مأموراً بالطاعة ومنهيًّا عن المعاصي.
وروي عن ابن عباس: {نبتليه}: نصرفه خلقاً بعد خلق؛ لنبتليه بالخير والشر.
وحكى محمد بن الجهم عن الفراء قال: المعنى والله أعلم {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} لنبتليه، وهي مُقدّمة معناها التأخير.
قلت: لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخِلْقة.
وقيل: {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً}: يعني جعلنا له سمعاً يسمع به الهدى، وبصراً يبصر به الهدى.
قوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل} أي بيّنا له وعَرَّفناه طريق الهدى والضلال، والخير والشرّ ببعث الرسل، فآمن أو كفر؛ كقوله تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النجدين} [البلد: 10].
وقال مجاهد: أي بيّنا له السبيل إلى الشَّقاء والسَّعادة.
وقال الضحاك وأبو صالح والسّديّ: السبيل هنا خروجه من الرحم.
وقيل: منافعه ومضارّه التي يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله.
{إِمَّا شاكراً وَإِمَّا كفوراً} أي أيهما فعل فقد بيّنا له.
قال الكوفيون: (أن) هاهنا تكون جزاء و(ما) زائدة أي بيّنا له الطريق إن شَكَر أو كَفَر.
واختاره الفراء ولم يجزْه البصريون؛ إذ لا تدخل (أن) للجزاء على الأسماء إلا أن يضمر بعدها فعل.
وقيل: أي هديناه الرشد، أي بيّنا له سبيل التوحيد بنصب الأدلة عليه؛ ثم إن خلقنا له الهداية اهتدى وآمن، وإن خذلناه كَفَر.
وهو كما تقول: قد نصحت لك، إن شئت فاقبل، وإن شئت فاترك؛ أي فإن شئت، فتحذف الفاء.
وكذا {إِمَّا شاكراً} والله أعلم.
ويقال: هديته السبيل وللسبيل وإلى السبيل.
وقد تقدّم في (الفاتحة) وغيرها.
وجمع بين الشاكر والكفور، ولم يجمع بين الشكور والكفور مع اجتماعهما في معنى المبالغة؛ نفياً للمبالغة في الشكر وإثباتاً لها في الكفر؛ لأن شكر الله تعالى لا يُؤدَّى، فانتفت عنه المبالغة، ولم تنتف عن الكفر المبالغة، فقَلَّ شكره، لكثرة النِّعم عليه وكَثرة كفره وإن قَلّ مع الإحسان إليه.
حكاه الماورديّ. اهـ.

.قال الألوسي:

{هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مّنَ الدهر لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً}
أصله على ما قيل أهل على أن الاستفهام للتقرير أي الحمل على الإقرار بما دخلت عليه والمقرر به من ينكر البعث وقد علم أنهم يقولون نعم قد مضى على الإنسان حين لم يكن كذلك فيقال فالذي أوجده بعد أن لم يكن كيف يمتنع عليه إحياؤه بعد موته وهل بمعنى قد وهي للتقريب أي تقريب الماضي من الحال فلما سدت هل مسد الهمزة دلت على معناها ومعنى الهمزة معاً ثم صارت حقيقة في ذلك فهي للتقرير والتقريب واستدل على ذلك الأصل بقول زيد الخيل:
سائل فوارس يربوع بشدتنا ** أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم

وقيل هي للاستفهام ولا تقريب وجمعها مع الهمزة في البيت للتأكيد كما في قوله:
ولا للمابهم أبداد واه

بل التأكيد هنا أقرب لعدم الاتحاد لفظاً على أن السيرافي قال الرواية الصحيحة أم هل رأونا على أن أم منقطعة بمعنى بل وقال السيوطي في (شرح شواهد المغني) الذي رأيته في نسخة قديمة من ديوان زيد فهل رأونا بالفاء وعن ابن عباس وقتادة هي هنا بمعنى قد وفسرها بها جماعة من النحاة كالكسائي وسيبويه والمبرد والفراء وحملت على معنى التقريب ومن الناس من حملها على معنى التحقيق وقال أبو عبيدة مجازها قد أتى على الإنسان وليس باستفهام وكأنه أراد ليس باستفهام حقيقة وإنما هي للاستفهام التقريري ويرجع بالآخرة إلى قد أتى ولعل مراد من فسرها بذلك كابن عباس وغيره ما ذكر لا أنها بمعنى قد حقيقة وفي (المغنى) ما تفيدك مراجعته بصِيرة فراجعه.
والمراد بـ: {الإنسان} الجنس على ما أخرجه ابن المنذر عن ابن عباس والحين طائفة محدودة من الزمان شاملة للكثير والقليل والدهر الزمان الممتد الغير المحدود ويقع على مدة العالم جميعها وعلى كل زمان طويل غير معين والزمان عام للكل والدهر وعاء الزمان كلام فلسفي وتوقف الإمام أبو حنيفة في معنى الدهر منكراً أي في المراد به عرفاً في الايمان حتى يقال بماذا يحنث إذا قال والله لا أكلمه دهراً والمعرف عنده مدة حياة الحالف عند عدم النية وكذا عند صاحبيه والمنكر عندهما كالحين وهو معرفاً ومنكراً كالزمان ستة أشهر إن لم تكن نية أيضاً وبها ما نوى على الصحيح وما اشتهر من حكاية اختلاف فتاوي الخلفاء الأربعة في ذلك على عهده عليه الصلاة والسلام مستدلاً كل بدليل وقوله صلى الله عليه وسلم بعد الرفع إليه «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» إلا أنه اختار فتوى الأمير كرم الله تعالى وجهه بأن الحين يوم وليلة لما فيه من التيسير لا يصح كما لا يخفى على الناقد البصير ولو صح لم يعدل عن فتوى الأمير معدن البسالة والفتوة بعد أن اختارها مدينة العلم ومفخر الرسالة والنبوة والمعنى هنا قد أتى أو هل أتى على جنس الإنسان قبل زمان قريب طائفة محدودة مقدرة كائنة من الزمان الممتد لم يكن شيئاً مذكوراً بل كان شيئاً غير مذكور بالإنسانية أصلاً أي غير معروف بها على أن النفي راجع إلى القيد والمراد أنه معدوم لم يوجد بنفسه بل كان الموجود أصله مما لا يسمى إنساناً ولا يعرف بعنوان الإنسانية وهو مادته البعيدة أعني العناصر أو المتوسطة وهي الأغذية أو القريبة وهي النطفة المتولدة من الأغذية المخلوقة من العناصر وجملة {لم يكن} إلخ حال من {الإنسان} أي غير مذكور وجوز أن تكون صفة لـ: {حين} بحذف العائد عليه أي لم يكن فيه شيئاً مذكوراً كما في قوله تعالى: {واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا} [البقرة: 48] وإطلاق الإنسان على مادته مجاز بجعل ما هو بالقوة منزلاً منزلة ما هو بالفعل أو هو من مجاز الأول وقيل المراد بالإنسان آدم عليه السلام وأيد الأول بقوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ} فإن الإنسان فيه معرفة معادة فلا يفترقان كيف وفي إقامة الظاهر مقام المضمر فضل التقرير والتمكين في النفس فإذا اختلفا عموماً وخصوصاً فاتت الملايمة ولا شك أن الحمل على آدم عليه السلام في هذا لا وجه له ولا نقض به على إرادة الجنس بناء على أنه لا عموم فيه ولا خصوص نعم دل قوله سبحانه {من نطفة} على أن المراد غيره أو هو تغليب وقيل يجعل ما للأكثر للكل مجازاً في الإسناد أو الطرف ورويت إرادته عن قتادة والثوري وعكرمة والشعبي وابن عباس أيضاً وقال في رواية أبي صالح عنه مرت به أربعون سنة قبل أن ينفخ فيه الروح وهو ملقى بين مكة والطائف وفي رواية الضحاك عنه أنه خلق من طين فأقام أربعين سنة ثم من حمأ مسنون فأقام أربعين سنة ثم من صلصال فأقام أربعين سنة فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة ثم نفخ فيه الروح وحكي الماوردي عنه أن الحين المذكور هاهنا هو الزمن الطويل الممتد الذي لا يعرف مقداره وروي نحوه عن عكرمة فقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر أنه قال: إن من الحين حين لا يدرك وتلا الآية فقال والله ما يدري كم أتى عليه حتى خلقه الله تعالى ورأيت لبعض المتصوفة أن {هل} للاستفهام الإنكاري فهو في معنى النفي أي ما أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا وظاهره القول بقدم الإنسان في الزمان على معنى أنه لم يكن زمان إلا وفيه إنسان وهو القدم النوعي كما قال به من قال من الفلاسفة وهو كفر بالإجماع ووجه بأنهم عنوا شيئية الثبوت لقدم الإنسان عندهم بذلك الاعتبار دون شيئية الوجود ضرورة أنه بالنسبة إليها حادث زمانا ويرشد إلى هذا قول الشيخ محيي الدين في الباب 358 من (الفتوحات المكية):
لو لم يكن في العالم من هو على صورة الحق ماحصل المقصود من العلم بالحق أعني العلم الحادث في قوله سبحانه «كنت كنزاً لم أعرف فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق وتعرفت إليهم فعرفوني» فجعل نفسه كنزاً والكنز لا يكون إلا مكتنزاً في شيء فلم يكن كنز الحق نفسه إلا في صورة الإنسان الكامل في شيئية ثبوته هناك كان الحق مكنوزاً فلما ألبس الحق الإنسان ثوب شيئية الوجود ظهر الكنز بظهوره فعرفه الإنسان الكامل بوجوده وعلم أنه كان مكنوزاً فيه في شيئية ثبوته وهو لا يشعر به.
انتهى.
ولا يخفى أن الأشياء كلها في شيئية الثبوت قديمة لا الإنسان وحده ولعلهم يقولون الإنسان هو كل شيء لأنه الإمام المبين وقد قال سبحانه {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} [يس: 12] والكلام في هذا المقام طويل ولا يسعنا أن نطيل بيدانا نقول كون هل هنا للإنكار منكر وإن دعوى صحة ذلك لإحدى الكبر والذي فهمه أجلة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم من الآية الاخبار الإيجابي أخرج عبد بن حميد وغيره عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه سمع رجلاً يقرأ هل أتى على الإنسان شيء من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً فقال ليتها تمت وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه سمع رجلاً يتلو ذلك فقال يا ليتها تمت فعوتب في قوله هذا فأخذ عموداً من الأرض فقال يا ليتني كنت مثل هذا.
{أَمْشَاجٍ} جمع مشج بفتحتين كسبب وأسباب أو مشج بفتح فكسر ككتف وأكتاف أو مشيج كشهيد وأشهاد ونصير وأنصار أي أخلاط جمع خلط بمعنى مختلط ممتزج يقال مشجت الشيء إذا خلطته ومزجته فهو مشيج وممشوج وهو صفة لنطفة ووصف بالجمع وهي مفردة لأن المراد بها مجموع ماء الرجل والمرأة والجمع قد يقال على ما فوق الواحد أو باعتبار الإجزاء المختلفة فيهما رقة وغلظاً وصفرة وبياضاً وطبيعة وقوة وضعفاً حتى اختص بعضها ببعض الأعضاء على ما أراده الله تعالى بحكمته فخلقه بقدرته وفي بعض الآثار إن ما كان من عصب وعظم وقوة فمن ماء الرجل وما كان من لحم ودم فمن ماء المرأة والحاصل أنه نزل الموصوف منزلة الجمع ووصف بصفة أجزائه وقيل هو مفرد جاء على أفعال كإعشار وأكياش في قولهم برمة أعشار أي متكسرة وبرد أكياش أي مغزول غزله مرتين واختاره الزمخشري والمشهور عن نص سيبويه وجمهور النحاة أن أفعالاً لا يكون جمعاً وحكى عنه أنه ذهب إلى ذلك في إنعام ومعنى نطفة مختلطة عند الأكثرين نطفة اختلط وامتزج فيها الماءان وقيل اختلط فيها الدم والبلغم والصفراء والسوداء وقيل الأمشاج نفس الأخلاط التي هي عبارة عن هذه الأربعة فكأنه قيل من نطفة هي عبارة عن أخلاط أربعة وأخرج ابن المنذر عن مجاهد أنه قال أمشاج أي ألوان أي ذات ألوان فإن ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اختلطا ومكثا في قعر الرحم اخضرا كما يخضر الماء بالمكث وروى عن الكلبي وأخرج عن زيد بن أسلم أنه قال الأمشاج العروق التي في النطفة وروى ذلك عن ابن مسعود أي ذات عروق وروى عن عكرمة وكذا ابن عباس أنه قال {أمشاج} أطوار أي ذات أطوار فإن النطفة تصير علقة ثم مضغة وهكذا إلى تمام الخلقة ونفخ الروح وقوله تعالى: {نبتليه} حال من فاعل {خلقنا} والمراد مريدين ابتلاءه واختباره بالتكليف فيما بعد على أن الحال مقدرة أو ناقلين له من حال إلى حال ومن طور إلى طور على طريقة الاستعارة لأن المنقول يظهر في كل طور ظهوراً آخر كظهور نتيجة الابتلاء والامتحان بعده وروى نحوه عن ابن عباس وعلى الوجهين ينحل ما قيل أن الابتلاء بالتكليف وهو يكون بعد جعله سميعاً بصيراً لا قبل فكيف يترتب عليه قوله سبحانه: {فجعلناه سَمِيعاً بَصِيراً} وقيل الكلام على التقديم والتأخير والجملة استئناف تعليلي أي {فجعلناه سَمِيعاً بَصِيراً} {لنبتليه} وحكى عن الفراء وعسف لأن التقديم لا يقع في حاق موقعه لا لفظاً لأجل الفاء ولا معنى لأنه لا يتجه السؤال قبل الجعل والأوجه الأول وهذا الجعل كالمسبب عن الابتلاء لأن المقصود من جعله كذلك أن ينظر الآيات الآفاقية والأنفسية ويسمع الأدلة السمعية فلذلك عطف على الخلق المقيد به بالفاء ورتب عليه قوله تعالى: {إِنَّا هديناه السبيل} لأنه جملة مستأنفة تعليلية في معنى {إِنَّا هديناه} أي دللناه على ما يوصله من الدلائل السمعية كالآيات التنزيلية والعقلية كالآيات الأفاقية والأنفسية وهو إنما يكون بعد التكليف والابتلاء {إِمَّا شاكراً وَإِمَّا كفوراً} حالان من مفعول {هدينا} و{أما} للتفصيل باعتبار تعدد الأحوال مع اتحاد الذات أي هديناه ودللناه على ما يوصل إلى البغية في حالتيه جميعاً من الشكر والكفر أو للتقسيم للمهدي باختلاف الذوات والصفات أي هديناه السبيل مقصوماً إليه بعضهم شاكر بالاهتداء للحق وطريقه بالأخذ فيه وبعضهم كفور بالإعراض عنه وحاصله دللناه على الهداية والإسلام فمنهم مهتد مسلم ومنهم ضال كافر وقيل حالان من {السبيل} أي عرفناه السبيل إما سبيلاً شاكراً وإما سبيلاً كفوراً على وصف {السبيل} بوصف سالكه مجازاً والمراد به لا يخفى.
وعن السدي أن {السبيل} هنا سبيل الخروج من الرحم وليس بشيء أصلاً وقرأ أبو السمال وأبو العاج {أما} بفتح الهمزة في الموضعين وهي لغة حكاها أبو زيد عن العرب وهي التي عدها بعض الناس على ما قال أبو حيان في حروف العطف وأنشدوا:
تلقحها أما شمال عرية ** وأما صبا جنح العشي هبوب

وجعلها الزمخشري أما التفصيلية المتضمنة معنى الشرط على معنى {أما شاكراً} فبتوفيقنا {وأما كفوراً} فبسوء اختياره وهذا التقدير إبراز منه للمذهب قيل ولا عليه أن يجعله من باب {يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً} [البقرة: 26] كأنه قيل {أما شاكراً} فبهدايتنا أي دعائنا أو اقدارنا على ما فسر به الهداية {وأما كفوراً} فبها أيضاً لاختلاف وجه الدعاء لأن الهداية هاهنا ليست في مقابلة الضلال وهذا جار على المذهبين وسالم عن حذف ما لا دليل عليه وجوز في الانتصاف أن يكون التقدير أما شاكراً فمثاب وأما كفوراً فمعاقب وإيراد الكفور بصيغة المبالغة لمراعاة الفواصل والإشعار بأن الإنسان قلما يخلو من كفران ما وإنما المؤاخذ عليه الكفر المفرط. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{هَلْ أَتَى عَلَى الإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1)}
استفهام تقريري والاستفهام من أقسام الخطاب وهو هنا موجَّه إلى غير معين ومُسْتعمل في تحقيق الأمر المقرر به على طريق الكناية لأن الاستفهام طلب الفهم، والتقرير يقتضي حصول العلم بما قرر به وذلك إيماء إلى استحقاق الله أن يعترف الإنسان له بالوحدانية في الربوبية إبطالاً لإِشْراك المشركين.
وتقديم هذا الاستفهام لما فيه من تشويق إلى معرفة ما يأتي بعده من الكلام.
فجملة {هل أتى على الإنسان} تمهيد وتوطئة للجملة التي بعدها وهي {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج} [الإنسان: 2] إلخ.
و {هل} حرف يفيد الاستفهام ومعنى التحقيق، وقال جمعٌ أصل {هل} إنها في الاستفهام مثل (قَدْ) في الخبر، وبملازمة {هل} الاستفهامَ كثير في الكلام حذف حرف الاستفهام معها فكانت فيه بمعنى (قد)، وخصت بالاستفهام فلا تقع في الخبر، ويَتطرق إلى الاستفهام بها ما يَتطرق إلى الاستفهام من الاستعمالات.
وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: {هل ينظرون إلاّ أن يَأتيهم الله في ظلل من الغمام} في سورة [البقرة: 210]. وقد علمت أن حمل الاستفهام على معنى التقرير يحصِّل هذا المعنى.
والمعنى: هل يقر كل إنسان موجودٍ أنه كان معدوماً زماناً طويلاً، فلم يكن شيئاً يذكر، أي لم يكن يسمى ولا يتحدث عنه بذاته وإن كان قد يذكر بوجه العُموم في نحو قول الناس: المعدوم مُتوقف وجوده على فاعل.
وقول الواقف: حبست على ذريتي، ونحوه فإن ذلك ليس ذِكراً لمعين ولكنه حكم على الأمر المقدَّر وجودُه.
وهم لا يسَعهم إلاّ الإقرار بذلك، فلذلك اكتفي بتوجيه هذا التقرير إلى كل سامع.
وتعريف {الإنسان} للاستغراق مثل قوله: {إِن الإنسان لفي خسر إلاّ الذين ءامنوا} الآية [العصر: 2، 3]، أي هل أتى على كل إنسان حينُ كان فيه معدوماً.
و {الدهر}: الزمان الطويل أو الزمان المقارن لوجود العالم الدنيوي.
والحين: مقدار مُجمل من الزمان يطلق على ساعة وعلى أكثر، وقد قيل إن أقصى ما يطلق عليه الحين أربعون سنة ولا أحسبه.
وجملة {لم يكن شيئاً مذكوراً} يجوز أن تكون نعتاً ل {حين} بتقدير ضمير رابط بمحذوف لدلالة لفظ {حين} على أن العائد مجرور بحرف الظرفية حذف مع جاره كقوله تعالى: {واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً} [البقرة: 48] إذ التقدير: لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئاً، فالتقدير هنا: لم يكن فيه الإنسان شيئاً مذكوراً، أي كان معدوماً في زمن سبق.
ويجوز أن تكون الجملة حالاً من {الإنسان}، وحذف العائد كحذفه في تقدير النعت.
والشيء: اسم للموجود.
والمذكورُ: المعيّن الذي هو بحيث يُذكر، أي يعبّرُ عنه بخصوصه ويخبر عنه بالأخبار والأحوال.
ويعلَّق لفظه الدال عليه بالأفعال.
فأمّا المعدوم فلا يذكر لأنه لا تعيّن له فلا يذكر إلاّ بعنوانه العام كما تقدّم آنفاً، وليس هذا هو المراد بالذّكر هنا.
ولهذا نجعل {مذكوراً} وصفاً ل {شيئاً}، أريد به تقييد {شيئاً}، أي شيئاً خاصاً وهو الموجود المعبر عنه باسمه المعيِّن له.
{إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نبتليه فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2)}
استئناف بياني مترتب على التقرير الذي دل عليه {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً} [الإنسان: 1] لما فيه من التشويق.
والتقرير يقتضي الإقرار بذلك لا محالة لأنه معلوم بالضرورة، فالسامع يتشوف لما يرد بعد هذا التقرير فقيل له: إن الله خلقه بعد أن كان معدوماً فأوجَد نطفة كانت معدومة ثم استخرج منها إنساناً، فثبت تعلُّق الخلق بالإنسان بعد عدمه.
وتأكيد الكلام بحرف (إنَّ) لتنزيل المشركين منزلة من ينكر أنّ الله خلق الإنسان لعدم جريهم على موجَب العلم حيث عبدوا أصناماً لم يخلقوهم.
والمراد بـ {الإنسان} مثل ما أريد به في قوله: {هل أتى على الإنسان} [الإنسان: 1] أي كل نوع الإنسان.
وأُدمج في ذلك كيفية خلق الإنسان من نطفة التناسِل لما في تلك الكيفية من دقائق العلم الإلهي والقدرة والحكمة.
وقد تقدم معنى النطفة في سورة القيامة.
و {أمشاج}: مشتق من المشج وهو الخلط، أي نطفة مخلوطة قال تعالى: {سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون} [يس: 36] وذلك يفسر معنى الخلط الذي أشير إليه هنا.
وصيغة {أمشاج} ظاهرها صيغة جمع وعلى ذلك حملها الفراء وابن السكيت والمبرد، فهي إما جمع مِشْج بكسر فسكون بوزن عِدْل، أي ممشوج، أي مخلوط مثل ذِبح، وهذا ما اقتصر عليه في (اللسان) و(القاموس)، أو جمع مَشَج بفتحتين مثل سَبب وأسباب، أو جمع مَشِج بفتح فكسر مثل كَتِف وأكتاف.
والوجه ما ذهب إليه صاحب (الكشاف): أن {أمشاج} مفرد كقولهم: بُرمة أعشار وبُرد أكياش بهمزة وكاف وتحتية وألف وشين معجمة الذي أعيد غزله مرتين.
قال: ولا يصح أن يكون أمشاج جمع مَشَج بل هما (أي مَشج وأمشاج) مِثلان في الإِفراد. اهـ.
وقال بعض الكاتبين: إنه خالف كلام سيبويه.
وأشار البيضاوي إلى ذلك، وأحسب أنه لم يَر كلام سيبويه صريحاً في منع أن يكون {أمشاج} مفرداً لأن أثبت الإِفراد في كلمة أنعام والزمخشري معروف بشدة متابعة سيبويه.
فإذا كان {أمشاج} في هذه الآية مفرداً كان على صورة الجمع كما في (الكشاف).
فوصف {نطفة} به غير محتاج إلى تأويل، وإذا كان جمعاً كما جرى عليه كلام الفراء وابن السكيت والمبرد، كان وصف النطفة به باعتبار ما تشتمل عليه النطفة من أجزاء مختلفة الخواص، فلذلك يصير كل جزء من النطفة عضواً فوصفُ النطفة يجمع الاسم للمبالغة، أي شديدة الاختلاط.
وهذه الأمشاج منها ما هو أجزاء كيمائية نباتية أو ترابية ومنها ما هو عناصر قوى الحياة.
وجملة {نبتليه} في موضع الحال من الإنسان وهي حال مقدرة، أي مريدين ابتلاءه في المستقبل، أي بعد بلوغه طور العقل والتكليف، وهذه الحال كقولهم: مررتُ برجل معه صِقر صائداً به غداً.
وقد وقعت هذه الحال معترضة بين جملة {خلقنا} وبين {فجعلناه سَميعاً بصيراً} لأن الابتلاء، أي التكليف الذي يظهر به امتثاله أو عصيانه إنما يكون بعد هدايته إلى سبيل الخير، فكان مقتضى الظاهر أن يقع {نبتليه} بعد جملة {إنا هديناه السبيل} [الإنسان: 3]، ولكنه قدم للاهتمام بهذا الابتلاء الذي هو سبب السعادة والشقاوة.
وجيء بجملة {إنا هديناه السبيل بياناً لجملة نبتليه} تفنناً في نظم الكلام.
وحقيقة الابتلاء: الاختبار لتُعرف حال الشيء وهو هنا كناية عن التكليف بأمر عظيم لأن الأمر العظيم يظهر تفاوت المكلفين به في الوفاء بإقامته.
وفُرع على خلقه {من نطفة} أنه جعله {سميعاً بصيراً}، وذلك إشارة إلى ما خلقه الله له من الحواس التي كانت أصل تفكيره وتدبيره، ولذلك جاء وصفه بالسميع البصير بصيغة المبالغة ولم يقل فجعلناه: سامعاً مبصراً، لأن سمع الإنسان وبصره أكثر تحصيلاً وتمييزاً في المسموعات والمبصرات من سمع وبصر الحيوان، فبالسمع يتلقَّى الشرائع ودعوة الرسل وبالبصر ينظر في أدلة وُجود الله وبديع صنعه.
وهذا تخلص إلى ما ميز الله به الإنسان من جعله تجاه التكليف واتباع الشرائع وتلك خصيصية الإنسان التي بها ارتكزتْ مدنيته وانتظمت جامعاته، ولذلك أعقبت هذه الجملة بقوله: {إنا هديناه السبيل} الآيات.
{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)}
استئناف بياني لبيان ما نشأ عن جملة {نبتليه} [الإنسان: 2] ولتفصيل جملة {فجعلناه سميعاً بصيراً} [الإنسان: 2]، وتخلُّصّ إلى الوعيد على الكفر والوَعد على الشكر.
وهداية السبيل: تمثيل لحال المرشدِ.
و {السبيل}: الطريق الجادة إلى ما فيه النفع بواسطة الرُسل إلى العقائد الصحيحة والأعمال الصالحة التي هي سبب فوزه بالنعيم الأبدي، بحال من يدل السائر على الطريق المؤدية إلى مقصده من سَيْره.
وهذا التمثيل ينحل إلى تشبيهاتِ أجزاءِ الحالة المركَّبَة المشبهة بأجزاء الحالة المشبه بها، فالله تعالى كالهادي، والإنسان يشبه السائر المتحير في الطريق، وأعمال الدين تشبه الطريق، وفوز المتتبع لهدي الله يشبه البلوغ إلى المكان المطلوب.
وفي هذا نداء على أن الله أرشد الإنسان إلى الحق وأن بعض الناس أدخلوا على أنفسهم ضلالَ الاعتقاد ومفاسدَ الأعمال، فمن بَرَّأَ نفسه من ذلك فهو الشاكر وغيره الكفور، وذلك تقسيم بحسب حال الناس في أول البعثة، ثم ظهر من خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً.
وتأكيد الخبر بـ (إنَّ) للرد على المشركين الذين يزعمون أن ما يدعوهم إليه القرآن باطل.
و {إِما شاكراً وإما كفوراً} حالان من ضمير الغيبة في {هديناه}، وهو ضمير {الإنسان} [الإنسان: 2].
و {إما} حرف تفصيل، وهو حرفٌ بسيط عند الجمهور.
وقال سيبويه: هو مركب من حرف (إِنْ) الشرطية و(مَا) النافية.
وقد تجردت (إنْ) بالتركيب على الشرطية كما تجردت (مَا) عن النفي، فصار مجموع {إِما} حرف تفصيل، ولا عمل لها في الاسم بعدها ولا تمنع العامل الذي قبلها عن العمل في معموله الذي بعدها فهي في ذلك مثل (اَلْ) حرففِ التعريف.
وقدر بعض النحاة {إما} الثانية حرفَ عطف وهو تحكم إذ جعلوا الثانية عاطفة وهي أخت الأولى، وإنما العاطف الواو و{إِما} مقحمة بين الاسم ومعموله كما في قول تأبط شراً:
هُمَا خُطَّتَا إِمَّا إِسارٍ ومِنَّةٍ ** وإِمَّا دَممٍ والموتُ بالحُر أجْدَرُ

فإن الاسمين بعد (إما) في الموضعين من البيت مجرورَان بالإِضافة ولذلك حذفت النون من قوله: هما خطتَا، وذلك أفصح كما جاء في هذه الآية.
قال ابن جنيّ: أما من جرَّ (إِسار) فإنه حذف النون للإِضافة ولم يَعتد (إِمَّا) فاصلاً بين المضاف والمضاف إليه، وعلى هذا تقول: هما إِما غلاما زيدٍ وإما عمرو، وأجودُ من هذا أن تقول: هما خطتَا إِسارٍ ومنةٍ وإِما خطتا دم ثم قال: وأما الرفع فطريق المذهب، وظاهر أمره أنه على لغة من حذف النون لغير الإِضافة فقد حُكي ذلك. الخ.
ومقتضى كلامه أن البيت روي بالوجهين: الجرِ والرفع وقريب منه كلام المرزوقي وزاد فقال وحَذف النون إذا رفعتَ (إسارُ) استطالة للاسم كأنه استطال خطتا ببدَلِه وهو قوله: إِما إسار الخ.
والمعنى: إنا هديناه السبيل في حال أنه متردد أمره بين أحد هذين الوصفين وصففِ شاكر ووصففِ كفور، فأحدُ الوصفين على الترديد مقارنٌ لحال إرشاده إلى السبيل، وهي مقارنةٌ عرفية، أي عَقب التبليغ والتأمل، فإن أخذ بالهدى كان شاكراً وإن أعرض كان كفوراً كمن لم يأخذ بإرشاد من يهديه الطريق فيأخذ في طريق يلقى به السباع أو اللصوصَ، وبذلك تم التمثيل الذي في قوله: {إِنا هديناه السبيل}. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

.قال مجد الدين الفيروزابادي:

بصِيرة في الدهر:
الدّهر: الزَّمان، قاله شمر وأَنشد:
إِن دهرا يلُفُّ شَمْلِى بجُمْل ** لزمان يَهُمّ بالإِحسان

وقيل: الدّهر الأَبَد لا ينقطع.
قال الأَزهرى: الدّهر يقعِ عند العرب على بعض الدّهر الأَطول، ويقع على مُدّة الدّنيا كلِّها، وقيل: الدّهر مدّة الدنيا كلَّها من ابتدائها إِلى انقضائها.
وقال آخرون: بل دَهْر كلِّ قوم زمانهم، قال الله تعالى: {وَقالواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدَّهْرُ}.
وقول النبيَّ صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الدّهر فإِن الدّهر هو الله» وروى «فإِنَّ الله هو الدّهر» قِيل: الدّهر اسم من أَسماءِ الله تعالى.
وقال الزَّمخشرى: الدّهر هو الزَّمان الطَّويل، وكانوا يعتقدون فيه أَنَّه الطَّارق بالنَّوائب، ولذلك اشتَقُّثوا من اسمه دَهَر فلاناً خَصْبٌ إِذا دهاه، وما زالوا يَشْكونه ويذُمُّونه، قال حُريثُ بن جَبَلة وقيل أَبو عُيينة المهلبى:
إِذا هو الرَّمْسُ تعفوه الأَعاصير ** والدّهر أَيَّتَمَا حالٍ دهادير

أَى دواهٍ وخطوب مختلِفة.
وهو بمنزلة عباديد في أَنَّه لم يستعمل واحدُه.
وقال رجل من كلب:
لَحَى الله دهرا شرُّه قبل خيره ** تقاضى فلم يُحسن إِلينا التقاضيا

وقال يحيى بن زياد:
عَذِيرىَ من دهر كأَنى وتَرْته ** رهين بحبل الوُدّ أن يتقطَّعا

فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذمّ الدّهر، وبيّن لهم أَنَّ الطَّوارق التي تنزِل بهم مُنْزلها الله عَزَّ سلطانه دون غيره، وأَنَّهم متى اعتقدوا في الدّهر أَنَّه هو المُنْزِل ثمَّ ذمّوه كان مرجع المذمّة إِلى العزيز الحكيم، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.
والَّذى يُحقِّق هذا الموضع ويَفصل بين الرّوايتين هو قوله «فإِنَّ الدّهر هو الله» حقِيقتُه: فإِن جالبَ الحوادث هو الله لا غيره، فوضع الدّهر موضع جالب الحوادث، كما تقول: إِن أَبا حنيفة أَبو يوسف، تريد أَنَّ النهاية في الفقه هو أَبو يوسف لا غيره، فيضع أَبا حنيفة موضع ذلك لشهرته بالتناهى في فقهه، كما شُهِر عندهم الدهر بجَلْب الحوادث.
ومعنى الرّواية الثانية: إِنَّ الله هو الدّهر، فإِنَّ الله هو الجالب للحوادث.
لا غيره الجالب، ردّا لاعتقادهم أَنَّ الله ليس مِن جَلْبها في شئ وأَنَّ جالبها هو الدّهر، كما لو قلت إِنَّ أَبا يوسف أَبو حنيفة كان المعنى أَنَّه النِّهاية في الفقه لا المتقاصر.
«هو» فصل أَو مبتدأُ خبره اسم الله أَو الدّهر في الرّوايتين.
وقال بعضهم: الدّهر الثانى في الحديث غير الأَوّل وإِنما هو مصدر بمعنى الفاعل ومعناه أَنَّ الله هو الداهر أَي المصرِّف المدبّر المُفِيض لما يَحْدُث.
وقال الأَزهرى في قول جَرِير:
أَنا الدّهر يَفْنى الموتُ والدّهر خالد ** فجئنى بمثل الدّهر شيئاً يطاوله

جعل الدّهر الدّنيا والآخرة لأَنَّ الموت يَفنى بعد انقضاءَ الدّنيا.
وقال تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ} وقد يستعار الدّهر للعادة الباقية مدّة الحياة، فقيل: ما دهرى بكذا.
والدّهر أَيضاً الغَلَبة. اهـ.

.فروق لغوية دقيقة:

الفرق بين الزمان والدهر والأجل والمدة والسنة والعام وما يجري مع ذلك.

.الفرق بين الدهر والمدة:

أن الدهر جمع أوقات متوالية مختلفة كانت أو غير مختلفة ولهذا يقال الشتاء مدة ولا يقال دهر لتساوي أوقاته في برد الهواء وغير ذلك من صفاته ويقال للسنين دهر لأن أوقاتها مختلفة في الحر والبرد وغير ذلك وأيضا من المدة ما يكون اطول من الدهر ألا تراهم يقولون هذه الدنيا دهور ولا يقال الدنيا مدد والمدة والأجل متقاربان فكما أن من الأجل ما يكون دهورا فكذلك المدة.

.الفرق بين المدة والزمان:

أن اسم الزمان يقع على كل جمع من الأوقات وكذلك المدة إلا أن أقصر المدة أطول من اقصر الزمان ولهذا كان معنى قول القائل لآخر إذا سأله أن يمهله أمهلني زمانا آخر غير معنى قوله مدة أخرى لأنه ل لاخف بين أهل اللغة أن معنى قوله مدة آخرى أجل أطول من زمن ومما يوضحافرق بينهما أن المدة أصلها المد وهو الطول ويقال مده إذا طوله إلا أن بينها وبين الطول فق وهو أن المدة لا تقع على أقصر الطول ولهذا يقال مد الله في عمرك ولا يقال لوقتين مدة كما لا يقال لجوهرين إذا ألفا إنهما خط ممدود ويقال لذلك طول فإذا صح هذا وجب أن يكون قولنا الزمان مدة يراد به أنه أطول الأزمنة كما قلنا للطويل إنه ممدود كان مرادنا أنه أطول من غيره فأما قول القائل آخر الزمان فمعناه أنه آخر الأزمنة لأن الزمان يقع على الواحد والجمع فالستثقلوا أن يقولوا آخر الأزمنة والأزنان فاكتفوا بزمان.

.الفرق بين الزمان والوقت:

أن الزمان أوقات متوالية مختلفة أو غير مختلفة فالوقت واحد وهو المقدر بالحركة الواحدة من حركات الفلك وهو يجري من الزمان مجرى الجزء من الجسم والشاهد أيضا أنه يقال زمان قصير وزمان طويل ولا يقال وقت قصير.

.الفرق بين الوقت والميقات:

أن الميقات ما قدر ليعمل فيه عمل من الأعمال والوقت وقت الشيئ قدره أو لم يقدره ولهذا قيل مواقيت الحج للمواضع التي قدرت للإحرام وليس الوقت في الحقيقة غير حركة الفلك وفي ذلك كلام كثير ليس هذا موضع ذكره.

.الفرق بين العام والسنة:

أن العام أيام والسنة جمع شهور ألا ترى أنه لما كان يقال أيام الزنج قيل عام الزنج ولما لم يقل شهور الزنج لم يقل سنة الزنج ويجوز أن يقال العالم يفيد كونه وقتا لشيء والسنة لاتفيد ذلك ولهذا يقال عام الفيل ولا يقال سنة الغيل ويقال في التاريخ سنة مائة وسنة خمسين ولا يقال عام مائة وعام خمسين إذا ليس وقتا لشيء مما ذكر من هذا العدد ومع هذا فإن العام هو السنة والسنة هي العام وإن اقتضى كل واحد منهما ما لا يقتضيه الآخر مما ذكرناه كما أن الكل هو الجمع هو والجمع هو الكل وإن كان الكل إحاطة بالأبعاض والجمع إحاطة بالأجزاء.

.الفرق بين السنة والحجة:

أن الحجة تفيد أنها يحج فيها والحجة المرة الواحدة من حج يحج والحجة فعله مثل الجلسة والقعدة ثم سميت بها السنة كما يسمى الشيء باسم ما يكون فيه.

.الفرق بين لحين والسنة:

أن قولنا حين اسم جمع أوقاتا متناهية سواء كان سنة أو شهورا أو أياما أو ساعات ولهذ جاء في القرآن لمعان مختلفة وبينه وبين فرق وو أن الدهر يقتضي أنه أوقات متوالية مختلفة على ما ذكرنا ولهذا قال الله عز وجل حاكيا عن الدهريين {وما يهلكنا إلا الدهر} أي يهلكنا الدهر باختلاف أحواله والدهر أيضا لا يكون إلا ساعات قليهة ويكون الحين كذلك.

.الفرق بين الدهر والعصر:

أن الدهر ما ذكرناه والعصر لكل مختلفين معناهما واحد مثل الشتاء والصيف والليلة واليوم والغدة والسحر يقال لذلك كله العصر وقال المبرد في تأويل قوله عز وجل: {والعصر أن الإنسان لفي خسر} قال العصر هاهنا الوقت قال ويقولون أهل هذا العصر كما يقولون أهل هذا الزمان والعصر اسم للسنين الكثيرة قال الشاعر من المنسرح:
أصبح مني الشباب قد نكرا ** إن بان مني فقد ثوى عصرا

وتقول عاصرت فلانا أي كنت في عصره أي زمن حياته.

.الفرق بين الوقت والساعة:

أن الساعة هي الوقت المنقطع من غيره والوقت اسم الجنس ولهذا تقول إن الساعة عندي ولا تقول الوقت عندي.

.الفرق بين البكرة والغداة والمساء والعشاء والعشي والأصيل:

أن الغداة اسم لوقت والبكرة فعله من بكر يبكر بكور ألا ترى أنه يقال صلاة الغداة وصلاة الظهر والعصر فتضاف إلى الوقت ولا يقال صلاة البكرة وإنما يقال جاء في بكرة كما تقول جاء في غدوة وكلاهما مثل النقلة ثم كثر استعمال البكرة حتى جرت على الوقت وإذا فاء الفيء سمي عشية ثم أصيلا بعد ذلك ويقال فاء الفيء إذا زاد على طول على طول الشجرة ويقال أتيته عشية أمس وسأتيه العشية ليومك الذي أنت فيه وسآتيه عشي غد بغير هاء وسآتيه بالعشي والغداة أي كل عشي وكل غداة والطفل وقت غروب الشمس والعشاء بعد ذلك وغذا كان بعيد العصر فهو المساء ويقال للرجل عند العسر إذا كان يبادر حاجة قد أمسيت وذلك على المبالغة.

.الفرق بين الزمان والحقبة والبرهة:

أن الحقبة اسم للسنة إلا أنها تفيد غير ما تفيده السنة وذلك أن لسنة تفيد أنها تجمع شهور ولاحقبة تفيد أنها ظرف لأعمال ولأمور تجري فيها مأخوذ من الحقيبة وهي ضرب من الظروف تتخذ من الأدم يجعل الراكب فيها متاعة وتشد خلف رحله أو سرجه وأما البرهة فبعض الدهر ألا ترى أنه يقال برهة من الدهر كما يقال قطعة من الدهر وقال بعضعهم هي فارسية معربة.

.الفرق بين المدة والأجل:

أن الأجل الوقت المضروب لانقضاء الشيء ولا يكون أجلا بجعل جاعل وما علم أنه يكون في وقت فلاأجل له إلا أن يحكم بأنه يكون فيه وأجل الإنسان هو الوقت لانقضاء عمره وأجل الدين محله وذلك لانقضاء مدة الدين وأجل الموت وقت حلوله وذلك الانقضاء مدة الحياة قبله فأجل الأخرة الوقت لانقضاء ما تقدم قبلها قبل ابتدائها ويجوز أن تكون المدة بين الشيئين بجعل جاعل وبغير جعل وكل أجل مدة وليس كل مدة أجلا.

.الفرق بين النهار واليوم:

أن اسم للضياء المنفسح الظاهر الحصول الشمس بحيث ترى عينها أو معظم ضوئها وهذا حد النهار وليس هو في الحقيقة اسم للوقت واليوم اسم لمقدار من الأوقات يكون فيه هذا السنا ولهذا قال النحويون إذا قلت سرت يوما فأنت مؤقت تريد مبلغ ذلك ومقدراه وإذا قلت سرت اليوم أو يوم الجمعة فأنت مؤرخ فإذا قلت سرت نهارا أو النهار فلست بمؤرخ ولا بمؤقت وإنما المعنى سرت في الضياء النفسح ولهذا يضاف النهار إلى اليوم فيقال سرت نهار يوم الجمعة ولهذا لا يقال للغلس والسحر نهار حتى يتضييء الجو.

.الفرق بين الدهر والأبد:

أن الدهر أوقات متوالية مختلغة غير متناهية والأبد عبارة عن مدة الزمان التي ليس لها حد محدود وهو في المستقبل خلاف قط في الماضي وقوله عز وجل: {خالدين فيها أبدا} حقيقة وقولك أفعل هذا أبدا مجاز والمراد المبالغة في إيصال هذا الفعل.

.الفرق بين الوقت وإذ:

وهما جميعا اسم لشء واحد أنه تمكن أحدهما ولم يتمكن الآخر أو مضمن اليه لكون البيان غير معناه بحسب ذلك المضاف اليه والوقت مطلق. اهـ.

.تفسير الآيات (4- 9):

قوله تعالى: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سلاسل وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (4) إِنَّ الْأَبْرَارَ يشربونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يشرب بها عِبَادُ الله يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبه مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما قسمهم إلى القسمين، ذكر جزاء كل قسم فقال مستأنفاً جواب من يسأل عن ذلك مبشراً للشاكر الذي استعد بعروجه في مراقي العبادات إلى ملكوت العلويات لروح وريحان وجنة نعيم، ومنذراً للكافر الذي استعد بالهبوط في دركات المخالفات إلى التقيد بالسفليات لنزل من حميم وتصلية جحيم، مقدماً للعاصي لأن طريق النشر المشوش أفصح، وليعادل البداءة بالشاكر في أصل التقسيم ليتعادل الخوف والرجاء، وليكون الشاكر أولاً وآخراً، ولأن الانقياد بالوعيد أتم لأنه أدل على القدرة لاسيما في حق أهل الجاهلية الذين بعدت عنهم معرفة التكاليف الشرعية، وأكثر في القرآن العظيم من الدعاء بالترغيب والترهيب لأنه الذي يفهمه الجهال الذين هم أغلب الناس دون الحجج والبراهين، فإنها لا يفهمها إلا الخواص، وأكد لأجل تكذيب الكفار: {إنا} أي على ما لنا من العظمة {أعتدنا} أي هيأنا وأحضرنا بشدة وغلظة {للكافرين} أي العريقين في الكفر خاصة، وقدم الأسهل في العذاب فالأسهل ترقياً فقال: {سلاسلاً} يقادون ويرتقون بها، وقراءة من نوّن مشيرة إلى أنها عظيمة جدًّا، وكذا وقف أبي عمرو عليه بالألف مع المنع من الصرف {وأغلالاً} أي جوامع تجمع أيديهم إلى أعناقهم فيها فيهانون بها {وسعيراً} أي ناراً حامية جدًّا شديدة الاتقاد.
ولما أوجز في جزاء الكافر، أتبعه جزاء الشاكر وأطنب فيه تأكيداً للترغيب، فإن النفوس بعد كسر الوعيد لها تهتز لأدنى وعد وأقله فكيف بأتمه وأجله، فقال مستأنفاً مؤكداً لتكذيب الكافر مبيناً بذكر الخمر على هذه الصفة أنهم في أنهى ما يكون من رغد العيش لأنه يلزم من شربها جميع مقدماتها ومتمماتها: {إن الأبرار} بخصوصهم من عموم الشاكرين جمع بر كأرباب جمع رب، أو بار كأشهاد جمع شاهد، وهم الذين سمت هممهم عن المستحقرات فظهرت في قلوبهم ينابيع الحكمة فأنفقوا من مساكنة الدنيا {يشربون} أي ما يريدون شربه {من كأس} أي خمر- قاله الحسن وهو اسم لقدح تكون فيه {كان مزاجها} أي الذي تمزج به {كافوراً} أي لبرده وعذوبته وطيب عرفه، وذكر فعل الكون يدل على أن له شأناً في المزج عظيماً يكون فيه كأنه من نفس الجبلة لا كما يعهد.
ولما كان الكافور أعلى ما نعهده جامداً، بين أنه هناك ليس كذلك، فقال مبدلاً من (كافور): {عيناً يشرب بها} أي بمزاجها كما تقول: شربت الماء بالعسل {عباد الله} أي خواص الملك الأعظم وأولياؤه أي شراب أرادوه.
ولما كان المزاج يتكلف لنقله قال: {يفجرونها تفجيراً} أي حال كونهم يشققونها ويجرونها بغاية الكثرة إجراء حيث أرادوا من مساكنهم وإن علت وغيرها.
ولما ذكر جزاءهم على برهم المبين لشكرهم، أتبعه تفصيله فقال مستأنفاً بياناً لأن شكرهم بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وعمارة الظاهر والباطن لأنهم جمعوا بين كرم الطبع ولطافة المزاج الحامل على تجويز الممكن المقتضي للإيمان بالغيب: {يوفون} أي على سبيل الاستمرار {بالنذر} وهذا كناية عن وفائهم بجميع أنحاء العبادة لأن من وفى بما أوجبه على نفسه كان بما أوجبه الله من غير واسطة أوفى، ويجوز أن يكون النذر كل ما تقدم إليهم فيه سبحانه.
ولما دل وفاؤهم على سلامة طباعهم، قال عاطفاً دلالة على جمعهم للأمرين المتعاطفين فهم يفعلون الوفاء لا لأجل الخوف بل لكرم الطبع: {ويخافون} أي مع فعلهم للواجبات {يوماً كان} أي كوناً هو في جبلته {شره} أي ما فيه من الشدائد {مستطيراً} أي موجود الطيران وجوداً كأنه بغاية الرغبة فيه فهو في غاية الانتشار، والخوف أدل دليل على عمارة الباطن، قالوا: وما فارق الخوف قلباً إلا خرب، من خاف أدلج، ومن أدلج المنزل، فالخوف لاجتناب الشر والوفاء لاجتلاب الخير.
ولما كان من خاف شيئاً سعى في الأمن منه بكل ما عساه ينفع فيه، وكان قد ذكر تذرعهم بالواجب، أتبعه المندوب دلالة على أنهم لا ركون لهم إلى الدنيا ولا وثوق بها، فقد جمعوا إلى كرم الطبع بالوفاء ورقة القلب شرف النفس بالانسلاخ من الفاني فقال: {ويطعمون الطعام} أي على حسب ما يتيسر لهم من عال ودون على الدوام.
ولما كان الإنسان قد يسمح بما لا يلذ له قال: {على حبه} أي حبه إياه حباً هو في غاية المكنة منهم والاستعلاء على قلوبهم لقلته وشهوتهم له وحاجتهم إليه كما قال تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} [آل عمران: 92] ليفهم أنهم للفضل أشد بذلاً، ولهذا قال- صلى الله عليه وسلم ـ: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم أي الصحابة رضى الله عنهم ولا نصيفه» لقلة الموجود إذ ذاك وكثرته بعد {مسكيناً} أي محتاجاً احتياجاً يسيراً، فصاحب الاحتياج الكثير أولى {ويتيماً} أي صغيراً لا أب له ذكراً كان أو أنثى {وأسيراً} أي في أيدي الكفار أي أعم من ذلك، فيدخل فيه المملوك والمسجون والكافر الذي في أيدي المسلمين، وقد نقل في غزوة بدر أن بعض الصحابة رضى الله عنهم كان يؤثر أسيره على نفسه بالخبز، وكان الخبز إذ ذاك عزيزاً حتى كان ذلك الأسير يعجب من مكارمهم حتى كان ذلك مما دعاه إلى الإسلام، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما دفعهم إليهم قال: «استوصوا بهم خيراً» ومن حكم الأسير الحقيقي كل مضرور يفعلون ذلك والحال أنهم يقولون بلسان الحال أو القال إن احتيج إليه إزاحة لتوهم المن أو توقع المكافأة مؤكدين إشارة إلى أن الإخلاص أمر عزيز لا يكاد أحد يصدق أنه يتأتى لأحد: {إنما نطعمكم} أيها المحتاجون {لوجه الله} أي لذات الملك الذي استجمع الجلال والإكرام لكونه أمرنا بذلك، وعبر به لأن الوجه يستحيى منه ويرجى ويخشى عند رؤيته.
ولما أثبتوا بهذا الإخلاص، حققوه بنفي ما يغير فيه، وفسروه لما لا يكون إلا به فقالوا: {لا نريد منكم} أي لأجل ذلك {جزاء} أي لنا من أعراض الدنيا {ولا شكوراً} بشيء من قول ولا فعل، وكأنه اختير هذا المصدر المزيد كالدخول والخروج والقعود إيماءً إلى أن المنفي ما يتكلف له، وأما مثل المحبة والدعاء فلا، ولو أرادوا شيئاً من ذلك لما كان لله، وروي في سبب نزول هذه الآية: «أن علياً وابنيه وأمهما فاطمة رضى الله عنهم أجمعين آثروا على أنفسهم ثلاثة أيام، وأصبحوا الرابع يرتعشون، فلما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم ساءه ذلك، فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام بهذه السورة مهنئاً له بها» ولا يستبعد الصبر على الجوع هذه المدة لأنه ربما كانت للنفس هيئة قوية من استغراق في محبة الله تعالى أو غير ذلك، فهبطت إلى البدن فشغلت الطبيعة عن تحليل الأجزاء فلا يحصل الجوع كما أنا نشاهد الإنسان يبقى في المرض الحاد مدة من غير تناول شيء من غذاء ولا يتأثر بدنه لذلك، فلا بدع أن تقف الأفعال الطبيعية في حق بعض السالكين وهو أحد القولين في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني». اهـ.

.الإسرائيليات والموضوعات في تفسير الآيات:

قال الدكتور محمد أبو شهبة:
4- سبب نزول مشهور على ما هو موضوع:
ومن ذلك ما يذكره غالب المفسرين في سبب نزول قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبه مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}؛ فقد روي عن ابن عباس: «أن الحسن والحسين مَرِضَا، فعادهما جدهما رسول الله، ومعه أبو بكر وعمر، وعادهما من عادهما من الصحابة، فقالوا لعلي كرم الله وجهه: لو نذرت على ولديك، فنذر علي، وفاطمة، وجارية لهما إن برءا أن يصوموا ثلاثة أيام شكرًا لله، فألبس الله الغلامين ثوب العافية، فاستقرض سيدنا علي ثلاثة آصع، فجاء بها، فقامت السيدة فاطمة إلى صاع، فطحنته، وخبزت منه خمسة أقراص على عددهم، فوقف بالباب سائل، فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، أنا مسكين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة، فآثروه، وباتوا لم يذوقوا شيئا، وفي اليوم الثاني: جاء يتيم فأعطوه الأقراص الخمسة كذلك، وفي اليوم الثالث: جاء أسير فعل مثل الأولين، وقد اشتمل الخبر على شعر ركيك، فهبط جبريل على النبي، فقال: خذها يا محمد، فأقرأه: {هَلْ أَتَى عَلَى الإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ} السورة». وقد أخرج هذا الخبر معظم المفسرين، ويكاد لم يسلم تفسير منه، حتى إن الحافظ السيوطي ذكره في: (الدر) مع أنه وافق على ضعفه في اللآلئ: وقد نبه على وضعه: الحكيم الترمذي، والحافظ ابن الجوزي، وابن حجر في: الإسرائيليات والموضوعات سبب نزول مشهور على الألسنة وهو موضوع (التخريج)، وقال: آثار الوضع لائحة عليه لفظا ومعنى، فبناء سيدنا علي بالسيدة فاطمة كان بالمدينة في السنة الثانية، مع أن السورة مكية، كما روي عن ابن عباس والجمهور، فليس من المعقول أن يكون هذا هو السبب، ومن العجيب: أن الإمام الألوسي قد حاول إثبات الخبر بالخلاف في مكيتها ومدنيتها، وبأن ابن الجوزي متساهل في الحكم بالوضع. ومعظم التفاسير ذكرت هذا السبب؛ لأن الحكم بوضعه يخفى إلا على الحافظ الناقد البصير. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

قوله تعالى: {إِنَّا أَعْتَدْنَا للكافرين سلاسل وأغلالا وَسَعِيراً}. اعلم أنه تعالى لما ذكر الفريقين أتبعهما بالوعيد والوعد.
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
الاعتداد هو إعداد الشيء حتى يكون عتيداً حاضراً متى احتيج إليه، كقوله تعالى: {هذا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ} [ق: 23] وأما السلاسل فتشد بها أرجلهم، وأما الأغلال فتشد بها أيديهم إلى رقابهم، وأما السعير فهو النار التي تسعر عليهم فتوقد فيكونون حطباً لها، وهذا من أغلظ أنواع الترهيب والتخويف.
المسألة الثانية:
احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الجحيم بسلاسلها وأغلالها مخلوقة، لأن قوله تعالى: {أَعْتَدْنَا} إخبار عن الماضي، قال القاضي: إنه لما توعد بذلك على التحقيق صار كأنه موجود، قلنا: هذا الذي ذكرتم ترك للظاهر فلا يصار إليه إلا لضرورة.
المسألة الثالثة:
قرئ {سلاسلاً} بالتنوين، وكذلك {قَوَارِيرَاً قَوَارِيرَاً} [الإنسان: 15، 16] ومنهم من يصل بغير تنوين، ويقف بالألف فلمن نون وصرف وجهان أحدهما: أن الأخفش قال: قد سمعنا من العرب صرف جميع مالا ينصرف، قال: وهذا لغة الشعراء لأنهم اضطروا إليه في الشعر فصرفوه، فجرت ألسنتهم على ذلك الثاني: أن هذه الجموع أشبهت الآحاد، لأنهم قالوا صواحبات يوسف، فلما جمعوه جمع الآحاد المنصرفة جعلوها في حكمها فصرفوها، وأما من ترك الصرف فإنه جعله كقوله: {لَّهُدّمَتْ صوامع وَبِيَعٌ وصلوات ومساجد} [الحج: 40] وأما إلحاق الألف في الوقف فهو كإلحاقها في قوله: {الظنونا} [الأحزاب: 10] و{الرسولا} [الأحزاب: 66] و{السبيلا} [الأحزاب: 67] فيشبه ذلك بالإطلاق في القوافي.
ثم إنه تعالى ذكر ما أعد للشاكرين الموحدين فقال: {إِنَّ الأبرار يشربونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كافورا} الأبرار جمع بر، كالأرباب جمع رب، والقول في حقيقة البر قد تقدم في تفسير قوله تعالى: {ولكن البر مَنْ ءامَنَ بالله} [البقرة: 177] ثم ذكر من أنواع نعيمهم صفة مشروبهم، فقال: {يشربونَ مِن كَأْسٍ} يعني من إناء فيه الشراب، ولهذا قال ابن عباس ومقاتل: يريد الخمر.
وفي الآية سؤالان:
السؤال الأول:
أن مزج الكافور بالمشروب لا يكون لذيذاً، فما السبب في ذكره ههنا؟ الجواب: من وجوه أحدها: أن الكافور اسم عين في الجنة ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبرده، ولكن لا يكون فيه طعمه ولا مضرته، فالمعنى أن ذلك الشراب يكون ممزوجاً بماء هذه العين وثانيها: أن رائحة الكافور عرض فلا يكون إلا في جسم، فإذا خلق الله تلك الرائحة في جرم ذلك الشراب سمي ذلك الجسم كافوراً، وإن كان طعمه طيباً وثالثها: أي بأس في أن يخلق الله تعالى الكافور في الجنة لكن من طعم طيب لذيذ، ويسلب عنه ما فيه من المضرة؟ ثم إنه تعالى يمزجه بذلك المشروب، كما أنه تعالى سلب عن جميع المأكولات والمشروبات ما معها في الدنيا من المضار.
السؤال الثاني:
ما فائدة كان في قوله: {كَانَ مِزَاجُهَا كافورا}؟ الجواب: منهم من قال: إنها زائدة، والتقدير من كأس مزاجها كافوراً، وقيل: بل المعنى كان مزاجها في علم الله، وحكمه كافورا.
{عَيْنًا يشرب بها عِبَادُ الله يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6)}
المسألة الأولى:
إن قلنا: الكافور اسم النهر كان {عيناً} بدلاً منه، وإن شئت نصبت على المدح، والتقدير أعني عيناً، أما إن قلنا: إن الكافور اسم لهذا الشيء المسمى بالكافور كان {عيناً} بدلاً من محل {من كأس} على تقدير حذف مضاف، كأنه قيل: يشربون خمراً خمر عين، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
المسألة الثانية:
قال في الآية الأولى: {يشربونَ مِن كَأْسٍ} [الإنسان: 5] وقال ههنا: {يشرب بها}، فذكر هناك من وهاهنا الباء، والفرق أن الكأس مبدأ شربهم وأول غايته.
وأما العين فبها يمزجون شرابهم فكأن المعنى: يشرب عباد الله بها الخمر، كما تقول: شربت الماء بالعسل.
المسألة الثالثة:
قوله: {يشرب بها عِبَادُ الله} عام فيفيد أن كل عباد الله يشربون منها، والكفار بالاتفاق لا يشربون منها، فدل على أن لفظ عباد الله مختص بأهل الإيمان، إذا ثبت هذا فقوله: {وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر} [الزمر: 7] لا يتناول الكفار بل يكون مختصاً بالمؤمنين، فيصير تقدير الآية ولا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، فلا تدل الآية على أنه تعالى لا يريد كفر الكافر.
قوله تعالى: {يُفَجّرُونَهَا تَفْجِيراً} معناه يفجرونها حيث شاؤا من منازلهم تفجيراً سهلا لا يمتنع عليهم واعلم أنه سبحانه لما وصف ثواب الأبرار في الآخرة شرح أعمالهم التي بها استوجبوا ذلك الثواب.
{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7)}
فالأول قوله تعالى: {يُوفُونَ بالنذر} وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
الإيفاء بالشيء هو الإتيان به وافياً، أما النذر فقال أبو مسلم: النذر كالوعد، إلا أنه إذا كان من العباد فهو نذر، وإن كان من الله تعالى فهو وعد، واختص هذا اللفظ في عرف الشرع بأن يقول لله عليَّ كذا وكذا من الصدقة، أو يعلق ذلك بأمر يلتمسه من الله تعالى مثل أن يقول: إن شفى الله مريضي، أو رد غائبي فعليَّ كذا كذا، واختلفوا فيما إذا علق ذلك بما ليس من وجوه البر، كما إذا قال: إن دخل فلان الدار فعليَّ كذا، فمن الناس من جعله كاليمين، ومنهم من جعله من باب النذر، إذا عرفت هذا، فنقول للمفسرين في تفسير الآية أقوال: أولها: أن المراد من النذر هو النذر فقط، ثم قال الأصم: هذا مبالغة في وصفهم بالتوفر على أداء الواجبات.
لأن من وفى بما أوجبه هو على نفسه كان بما أوجبه الله عليه أوفى، وهذا التفسير في غاية الحسن وثانيها: المراد بالنذر هاهنا كل ما وجب عليه سواء وجب بإيجاب الله تعالى ابتداء أو بأن أوجبه المكلف على نفسه فيدخل فيه الإيمان وجميع الطاعات، وذلك لأن النذر معناه الإيجاب وثالثها: قال الكلبي: المراد من النذر العهد والعقد، ونظيره قوله تعالى: {أَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [البقرة: 40] فسمى فرائضه عهداً، وقال: {أَوْفُواْ بالعقود} [المائدة: 1] سماها عقوداً لأنهم عقدوها على أنفسهم باعتقادهم الإيمان.
المسألة الثانية:
هذه الآية دالة على وجوب الوفاء بالنذر، لأنه تعالى عقبه بيخافون يوماً وهذا يقتضي أنهم إنما وفوا بالنذر خوفاً من شر ذلك اليوم، والخوف من شر ذلك اليوم لا يتحقق إلا إذا كان الوفاء به واجباً، وتأكد هذا بقوله تعالى: {وَلاَ تَنقُضُواْ الإيمان} بعد توكيدها [النحل: 91] وبقوله: {ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ} [الحج: 29] فيحتمل ليوفوا أعمال نسكهم التي ألزموها أنفسهم.
المسألة الثالثة:
قال الفراء: وجماعة من أرباب المعاني.
كان في قوله: {كَانَ مِزَاجُهَا كافورا} [الإنسان: 5] زائدة وأما هاهنا فكان محذوفة، والتقدير كانوا يوفون بالنذر.
ولقائل أن يقول: إنا بينا أن كان في قوله: {كَانَ مِزَاجُهَا} [الإنسان: 5] ليست بزائدة، وأما في هذه الآية فلا حاجة إلى إضمارها، وذلك لأنه تعالى ذكر في الدنيا أن الأبرار يشربون أي سيشربون، فإن لفظ المضارع مشترك بين الحال والاستقبال، ثم قال: السبب في ذلك الثواب الذي سيجدونه أنهم الآن يوفون بالنذر.
النوع الثاني: من أعمال الأبرار التي حكاها الله تعالى عنهم قوله تعالى: {ويخافون يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً}.
واعلم أن تمام الطاعة لا يحصل إلا إذا كانت النية مقرونة بالعمل، فلما حكى عنهم العمل وهو قوله: {يُوفُونَ} حكى عنهم النية وهو قوله: {ويخافون يَوْماً} وتحقيقه قوله عليه السلام: «إنما الأعمال بالنيات» وبمجموع هذين الأمرين سماهم الله تعالى بالأبرار.
وفي الآية سؤالات:
السؤال الأول:
أحوال القيامة وأهوالها كلها فعل الله، وكل ما كان فعلاً لله فهو يكون حكمة وصواباً، وما كان كذلك لا يكون شراً، فكيف وصفها الله تعالى بأنها شر؟ الجواب: أنها إنما سميت شراً لكونها مضرة بمن تنزل عليه وصعبة عليه، كما تسمى الأمراض وسائر الأمور المكروهة شروراً.
السؤال الثاني:
ما معنى المستطير؟ الجواب: فيه وجهان أحدهما: الذي يكون فاشياً منتشراً بالغاً أقصى المبالغ، وهو من قولهم: استطار الحريق، واستطار الفجر وهو من طار بمنزلة استنفر من نفر، فإن قيل: كيف يمكن أن يقال: شر ذلك اليوم مستطير منتشر، مع أنه تعالى قال في صفة أوليائه: {لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر} [الأنبياء: 103]، قلنا: الجواب من وجهين الأول: أن هول القيامة شديد، ألا ترى أن السموات تنشق وتنفطر وتصير كالمهل، وتتناثر الكواكب، وتتكور الشمس والقمر، وتفرغ الملائكة، وتبدل الأرض غير الأرض، وتنسف الجبال، وتسجر البحار وهذا الهول عام يصل إلى كل المكلفين على ما قال تعالى: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ} [الحج: 2] وقال: {يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً} [المزمل: 17] إلا أنه تعالى بفضله يؤمن أولياءه من ذلك الفزع والجواب الثاني: أن يكون المراد أن شر ذلك اليوم يكون مستطيراً في العصاة والفجار.
وأما المؤمنون فهم آمنون، كما قال: {لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر} [الأنبياء: 103] {لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليوم وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} [الزخرف: 68] {الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن} [فاطر: 44] إلا أن أهل العقاب في غاية الكثرة بالنسبة إلى أهل الثواب، فأجرى الغالب مجرى الكل على سبيل المجاز.
القول الثاني: في تفسير المستطير أنه الذي يكون سريع الوصول إلى أهله، وكأن هذا القائل ذهب إلى أن الطيران إسراع.
السؤال الثالث:
لم قال: {كان شره مستطيراً}، ولم يقل: وسيكون شره مستطيراً؟ الجواب: اللفظ وإن كان للماضي، إلا أنه بمعنى المستقبل، وهو كقوله: {وَكَانَ عَهْدُ الله مسؤلا} [الأحزاب: 15] ويحتمل أن يكون المراد إنه كان شره مستطيراً في علم الله وفي حكمته، كأنه تعالى يعتذر ويقول: إيصال هذا الضرر إنما كان لأن الحكمة تقتضيه، وذلك لأن نظام العالم لا يحصل إلا بالوعد والوعيد، وهما يوجبان الوفاء به، لاستحالة الكذب في كلامي، فكأنه تعالى يقول: كان ذلك في الحكمة لازماً، فلهذا السبب فعلته.
النوع الثالث: من أعمال الأبرار قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبه مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)}
اعلم أن مجامع الطاعات محصورة في أمرين التعظيم لأمر الله تعالى، وإليه الإشارة بقول: {يُوفُونَ بالنذر} [الإنسان: 7] والشفقة على خلق الله، وإليه الإشارة بقوله: {وَيُطْعِمُونَ الطعام}
وهاهنا مسائل:
المسألة الأولى:
لم يذكر أحد من أكابر المعتزلة، كأبي بكر الأصم وأبي علي الجبائي وأبي القاسم الكعبي، وأبي مسلم الأصفهاني، والقاضي عبد الجبار بن أحمد في تفسيرهم أن هذه الآيات نزلت في حق علي بن أبي طالب عليه السلام، والواحدي من أصحابنا ذكر في كتاب (البسيط) أنها نزلت في حق علي عليه السلام، وصاحب (الكشاف) من المعتزلة ذكر هذه القصة، فروى عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن الحسن والحسين عليهما السلام مرضا فعادهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس معه، فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك، فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما، إن شفاهما الله تعالى أن يصوموا ثلاثة أيام فشفيا وما معهم شيء فاستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاثة أصوع من شعير فطحنت فاطمة صاعاً واختبزت خمسة أقراص على عددهم ووضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة فآثروه وباتوا ولم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صائمين، فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه وجاءهم أسير في الثالثة، ففعلوا مثل ذلك فلما أصبحوا أخذ علي عليه السلام بيد الحسن والحسين ودخلوا على الرسول عليه الصلاة والسلام، فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال: ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم. وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد التصق بطنها بظهرها وغارت عيناها فساءه ذلك، فنزل جبريل عليه السلام وقال: خذها يا محمد هنّاك الله في أهل بيتك فأقرأها السورة». والأولون يقولون: إنه تعالى ذكر في أول السورة أنه إنما خلق الخلق للابتلاء والامتحان، ثم بين أنه هدى الكل وأزاح عللهم ثم بين أنهم انقسموا إلى شاكر وإلى كافر ثم ذكر وعيد الكافر ثم أتبعه بذكر وعد الشاكر فقال: {إِنَّ الأبرار يشربونَ} [الإنسان: 5] وهذه صيغة جمع فتتناول جميع الشاكرين والأبرار، ومثل هذا لا يمكن تخصيصه بالشخص الواحد، لأن نظم السورة من أولها إلى هذا الموضع يقتضي أن يكون هذا بياناً لحال كل من كان من الأبرار والمطيعين، فلو جعلناه مختصاً بشخص واحد لفسد نظم السورة والثاني: أن الموصوفين بهذه الصفات مذكورون بصيغة الجمع كقوله: {إِنَّ الأبرار يشربونَ... يُوفُونَ بالنذر ويخافون.... وَيُطْعِمُونَ} [الإنسان: 5، 7، 8] وهكذا إلى آخر الآيات فتخصيصه بجمع معنيين خلاف الظاهر، ولا ينكر دخول علي بن أبي طالب عليه السلام فيه، ولكنه أيضاً داخل في جميع الآيات الدالة على شرح أحوال المطيعين، فكما أنه داخل فيها فكذا غيره من أتقياء الصحابة والتابعين داخل فيها، فحينئذ لا يبقى للتخصيص معنى ألبتة، اللهم إلا أن يقال: السورة نزلت عند صدور طاعة مخصوصة عنه، ولكنه قد ثبت في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
المسألة الثانية:
الذين يقولون: هذه الآية مختصة بعلي بن أبي طالب عليه السلام، قالوا: المراد من قوله: {وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبه مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} هو ما رويناه أنه عليه السلام أطعم المسكين واليتيم والأسير، وأما الذين يقولون الآية عامة في حق جميع الأبرار (فإنهم) قالوا: إطعام الطعام كناية عن الإحسان إلى المحتاجين والمواساة معهم بأي وجه كان، وإن لم يكن ذلك بالطعام بعينه، ووجه ذلك أن أشرف أنواع الإحسان هو الإحسان بالطعام وذلك لأن قوام الأبدان بالطعام ولا حياة إلا به، وقد يتوهم إمكان الحياة مع فقد ما سواه، فلما كان الإحسان لا جرم عبر به عن جميع وجوه المنافع والذي يقوي ذلك أنه يعبر بالأكل عن جميع وجوه المنافع، فيقال: أكل فلان ماله إذا أتلفه في سائر وجوه الإتلاف، وقال تعالى: {إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نَاراً} [النساء: 10] وقال: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل} [البقرة: 188] إذا ثبت هذا فنقول: إن الله تعالى وصف هؤلاء الأبرار بأنهم يواسون بأموالهم أهل الضعف والحاجة، وأما قوله تعالى: {على حُبه} ففيه وجهان أحدهما: أن يكون الضمير للطعام أي مع اشتهائه والحاجة إليه ونظيره {وَآتَى المال على حُبه} [البقرة: 177] {لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] فقد وصفهم الله تعالى بأنهم يؤثرون غيرهم على أنفسهم على ما قال: {وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بهمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] والثاني: قال الفضيل بن عياض على حب الله أي لحبهم لله: واللام قد تقام مقام على، وكذلك تقام على مقام اللام، ثم إنه تعالى ذكر أصناف من تجب مواساتهم، وهم ثلاثة أحدهم: المسكين وهو العاجز عن الاكتساب بنفسه والثاني: اليتيم وهو الذي مات كاسبه فيبقى عاجزاً عن الكسب لصغره مع أنه مات كسبه والثالث: الأسير وهو المأخوذ من قومه المملوك رقبته الذي لا يملك لنفسه نصراً ولا حيلة، وهؤلاء الذين ذكرهم الله تعالى هاهنا هم الذين ذكرهم في قوله: {فَلاَ اقتحم العقبة وَمَا أَدْرَاكَ مَا العقبة فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ في يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 11- 16] وقد ذكرنا اختلاف الناس في المسكين قبل هذا، أما الأسير فقد اختلفوا فيه على أقوال: أحدها: قال ابن عباس والحسن وقتادة: إنه الأسير من المشركين، روى أنه عليه الصلاة والسلام كان يبعث الأسارى من المشركين ليحفظوا وليقام بحقهم، وذلك لأنه يجب إطعامهم إلى أن يرى الإمام رأيه فيهم من قتل أو فداء أو استرقاق، ولا يمتنع أيضاً أن يكون المراد هو الأسير كافراً كان أو مسلماً، لأنه إذا كان مع الكفر يجب إطعامه فمع الإسلام أولى، فإن قيل: لما وجب قتله فكيف يجب إطعامه؟ قلنا: القتل في حال لا يمنع من الإطعام في حال أخرى، ولا يجب إذا عوقب بوجه أن يعاقب بوجه آخر، ولذلك لا يحسن فيمن يلزمه القصاص أن يفعل به ما هو دون القتل ثم هذا الإطعام على من يجب؟ فنقول: الإمام يطعمه فإن لم يفعله الإمام وجب على المسلمين وثانيها: قال السدي: الأسير هو المملوك وثالثها: الأسير هو الغريم قال عليه السلام: «غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك» ورابعها: الأسير هو المسجون من أهل القبلة وهو قول مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير، وروى ذلك مرفوعا من طريق الخدري أنه عليه السلام قال: «{مِسْكِيناً} فقيراً {وَيَتِيماً} لا أب له {وَأَسِيراً} قال المملوك والمسجون» وخامسها: الأسير هو الزوجة لأنهن أسراء عند الأزواج، قال عليه الصلاة والسلام: «اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم أعوان» قال القفال: واللفظ يحتمل كل ذلك لأن الأصل الأسر هو الشد بالقد، وكان الأسير يفعل به ذلك حبساً له، ثم سمي بالأسير من شد ومن لم يشد فعاد المعنى إلى الحبس.
واعلم أنه تعالى لما ذكر أن الأبرار يحسنون إلى هؤلاء المحتاجين بين أن لهم فيه غرضين أحدهما: تحصيل رضا الله.
وهو المراد من قوله: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله} والثاني: الاحتراز من خوف يوم القيامة وهو المراد من قوله: {إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً} وهاهنا مسائل:
المسألة الأولى:
قوله: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله} إلى قوله: {قَمْطَرِيراً} يحتمل ثلاثة أوجه أحدها: أن يكون هؤلاء الأبرار قد قالوا: هذه الأشياء باللسان، إما لأجل أن يكون ذلك القول منعاً لأولئك المحتاجين عن المجازاة بمثله أو بالشكر، لأن إحسانهم مفعول لأجل الله تعالى فلا معنى لمكافأة الخلق، وإما أن يكون لأجل أن يصير ذلك القول تفقيهاً وتنبيهاً على ما ينبغي أن يكون عليه من أخلص لله حتى يقتدي غيرهم بهم في تلك الطريقة وثانيها: أن يكونوا أرادوا أن يكون ذلك وثالثها: أن يكون ذلك بياناً وكشفاً عن اعتقادهم وصحة نيتهم وإن لم يقولوا شيئاً.
وعن مجاهد أنهم ما تكلموا به ولكن علمه الله تعالى منهم فأثنى عليهم.
المسألة الثانية:
اعلم أن الإحسان من الغير تارة يكون لأجل الله تعالى، وتارة يكون لغير الله تعالى إما طلباً لمكافأة أو طلباً لحمد وثناء وتارة يكون لهما وهذا هو الشرك والأول هو المقبول عند الله تعالى، وأما القسمان الباقيان فمردودان قال تعالى: {لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى كالذى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء الناس} [البقرة: 264] وقال: {وَمَا ءاتَيْتُمْ مّن رِباً لّيَرْبُوَاْ في أَمْوَالِ الناس فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ الله وَمَا ءاتَيْتُمْ مّن زكواة تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فأولئك هم المضعفون} [الروم: 39] ولا شك أن التماس الشكر من جنس المن والأذى.
إذا عرفت هذا فنقول: القوم لما قالوا: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله} بقي فيه احتمال أنه أطعمه لوجه الله ولسائر الأغراض على سبيل التشريك، فلا جرم نفى هذا الاحتمال بقوله: {لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلاَ شُكُوراً}.
المسألة الثالثة:
الشكور والكفور مصدران كالشكر والكفر، وهو على وزن الدخول والخروج، هذا قول جماعة أهل اللغة، وقال الأخفش: إن شئت جعلت الشكور جماعة الشكر وجعلت الكفور جماعة الكفر لقول: {فأبى الظالمون إَلاَّ كُفُورًا} [الإسراء: 99] مثل برد وبرود وإن شئت مصدراً واحداً في معنى جمع مثل قعد قعوداً وخرج خروجاً. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سلاسل وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً}
بين حال الفريقين، وأنه تعَبَّد العقلاء وكَلَّفهم ومَكَّنهم مما أمرهم، فمن كَفَر فله العقاب، ومن وَحَّد وشكَر فله الثواب.
والسلاسل: القيود في جهنم طول كل سلسلة سبعون ذراعاً كما مضى في (الحاقة).
وقرأ نافع والكسائيّ وأبو بكر عن عاصم وهشام عن ابن عامر {سلاسلاً} منوّناً.
الباقون بغير تنوين.
ووقف قُنْبُل وابن كثير وحمزة بغير ألف.
الباقون بالألف.
فأما {قوارِير} الأوّل فنوّنه نافع وابن كثير والكسائيّ وأبو بكر عن عاصم، ولم ينوّن الباقون.
ووقف فيه يعقوب وحمزة بغير ألف.
والباقون بالألف.
وأما {قَوَارِير} الثانية فنوّنه أيضاً نافع والكسائيّ وأبو بكر، ولم ينوّن الباقون.
فمن نوّن قرأها بالألف، ومن لم ينوّن أسقط منها الألف، واختار أبو عُبيد التنوين في الثلاثة، والوقف بالألف اتباعا لخط المصحف؛ قال: رأيت في مصحف عثمان {سلاسلاً} بالألف و{قَوَارِيراً} الأوّل بالألف، وكان الثاني مكتوباً بالألف فَحُكَّت فرأيت أثرها هناك بَيِّناً.
فمن صرف فله أربع حجج: أحدها أن الجموع أشبهت الآحاد فجمعت جمع الآحاد، فجعلت في حكم الآحاد فصرفت.
الثانية أن الأخفش حكى عن العرب صرف جميع ما لا ينصرف إلا أَفْعَل منك، وكذا قال الكسائيّ والفراء: هو على لغة من يُجرِ الأسماء كلها إلا قولهم هو أظرف منك فإنهم لا يُجْرونه؛ وأنشد ابن الأنباري في ذلك قول عمرو بن كُلْثوم:
كَأَنَّ سُيوفَنَا فِينا وفِيهِمْ ** مَخَارِيقٌ بِأَيْدِي لاَعِبِينَا

وقال لَبِيد:
وجَزُورِ أَيْسَارٍ دَعوتُ لِحَتفِها ** بِمَغَالِقٍ مُتَشَابه أَجْسَامُهَا

وقال لَبِيد أيضاً:
فَضَلاً وذو كَرمٍ يُعِينُ على النَّدَى ** سَمْحٌ كَسُوبُ رَغَائِبٍ غَنَّامُهَا

فصرف مَخَاريق ومَغَالق ورَغَائب، وسبيلها ألا تُصرَف.
والحجة الثالثة أن يقول نوّنت قوارِير الأوّل لأنه رأس آية، ورؤوس الآي جاءت بالنون، كقوله جلّ وعزّ: {مَّذْكُوراً} {سَمِيعاً بَصِيراً} فنوّنا الأوّل ليوقف بين رؤوس الآي، ونوّنا الثاني على الجوار للأوّل.
والحجة الرابعة اتباع المصاحف، وذلك أنهما جميعاً في مصاحف مكة والمدينة والكوفة بالألف.
وقد احتج من لم يصرفهنّ بأن قال: إن كل جمع بعد الألف منه ثلاثة أحرف أو حرفان أو حرف مشدّد لم يُصَرف في معرفة ولا نكرة؛ فالذي بعد الألف منه ثلاثة أحرف قولك: قناديل ودنانير ومناديل، والذي بعد الألف منه حرفان قول الله عز وجل: {لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ} [الحج: 40] لأن بعد الألف منه حرفين، وكذلك قوله: {وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً} [الحج: 40] والذي بعد الألف منه حرف مُشَدّد شَوَابّ ودَوَابّ.
وقال خلف: سمعت يحيى بن آدم يحدّث عن ابن إدريس قال: في المصاحف الأوَل الحرف الأوّل بالألف والثاني بغير ألف؛ فهذا حجة لمذهب حمزة.
وقال خلف: رأيت في مصحف ينسب إلى قراءة ابن مسعود الأول بالألف والثاني بغير ألف.
وأما أَفْعَل مِنْك فلا يقول أحد من العرب في شعره ولا في غيره هو أفعل منك منوّناً؛ لأن مِن تقوم مقام الإضافة فلا يجمع بين تنوين وإضافة في حرف؛ لأنهما دليلان من دلائل الأسماء ولا يجمع بين دليلين؛ قاله الفراء وغيره.
قوله تعالى: {وَأَغْلاَلاً} جمع غُلّ تُغلّ بها أيديهم إلى أعناقهم.
وعن جُبَير ابن نُفَير عن أبي الدراء كان يقول: ارفعوا هذه الأيدي إلى الله جلّ ثناؤه قبل أن تُغلّ بالأغلال.
قال الحسن: إن الأغلال لم تجعل في أعناق أهل النار؛ لأنهم أعجزوا الربّ سبحانه ولكن إذلالاً.
{وَسَعِيراً} تقدّم القول فيه.
قوله تعالى: {إِنَّ الأبرار يشربونَ مِن كَأْسٍ}
الأبرار: أهل الصدق واحدهم بَرٌّ، وهو من امتثل أمر الله تعالى.
وقيل: البرّ الموحِّد والأبرار جمع بارّ مثل شاهد وأشهاد، وقيل: هو جمع بَرّ مثل نَهْر وأنهار؛ وفي الصحاح: وجمع البر الأبرار، وجمع البار البَرَرة، وفلان يَبَرُّ خالقَه وَيَتَبَّرره أي يُطِيعه، والأم بَرّةٌ بولدها.
وروى ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما سمّاهم الله جل ثناؤه الأبرار لأنهم بَرُّوا الآباء والأبناء، كما أن لوالدك عليك حقًّا كذلك لولدك عليك حقًّا» وقال الحسن: البَرّ الذي لا يؤذي الذَّرّ.
وقال قتادة: الأبرار الذين يؤدّون حقّ الله ويوفون بالنَّذْر.
وفي الحديث: «الأبرار الذين لا يؤذون أحداً». {يشربونَ مِن كَأْسٍ} أي من إناء فيه الشراب.
قال ابن عباس: يريد الخمر، والكأس في اللغة الإناء فيه الشراب: وإذا لم يكن فيه شراب لم يسمّ كأساً.
قال عمرو بن كُلْثوم:
صَبنْتِ الكأسَ عَنَّا أُمَّ عَمرٍو ** وكان الْكَأْسُ مَجْرَاها الْيَمِينَا

وقال الأصمعيّ: يقال صَبَنْتَ عنّا الهديةَ أو ما كان من معروف تَصبِنُ صَبْنا: بمعنى كَفَفْتَ؛ قاله الجوهري.
{كَانَ مِزَاجُهَا} أي شَوْبها وخلطها؛ قال حسّان:
كَأَنَ سَبِيئةً مِن بيْتِ رَأَسٍ ** يكونُ مِزَاجَها عَسلٌ وماءُ

ومنه مِزاج البدن وهو ما يمازجه من الصفراء والسوداء والحرارة والبرودة.
{كَافُوراً} قال ابن عباس: هو اسم عين ماء في الجنة، يقال له عين الكافور.
أي يمازجه ماء هذه العين التي تسمّى كافوراً.
وقال سعيد عن قتادة: تُمزَج لهم بالكافور وتُختَم بالمسك.
وقاله مجاهد.
وقال عِكرمة: مِزَاجها طعمها.
وقيل: إنما الكافور في ريحها لا في طعمها.
وقيل: أراد كالكافور في بياضه وطيب رائحته وبَرْده؛ لأن الكافور لا يشرب؛ كقوله تعالى: {حتى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً} [الكهف: 96] أي كنارٍ.
وقال ابن كَيْسان: طُيِّب بالمسك والكافور والزنجيل.
وقال مقاتل: ليس بكافور الدنيا.
ولكن سمَّى الله ما عنده بما عندكم حتى تهتدي لها القلوب.
وقوله: {كَانَ مِزَاجُهَا} {كَانَ} زائدة أي من كأس مِزاجُها كافورٌ.
{عيناً يشرب بها عِبَادُ الله} قال الفراء: إن الكافور اسم لعين ماء في الجنة؛ ف {عيناً} بدل من كافور على هذا.
وقيل: بدل من كأس على الموضع.
وقيل: هي حال من المضمر في {مِزاجها}.
وقيل: نصب على المدح؛ كما يُذكَر الرّجلُ فتقول: العاقلَ اللبيبَ؛ أي ذكرتم العاقلَ اللبيبَ فهو نصب بإضمار أعني.
وقيل يشربون عيناً.
وقال الزجاج: المعنى من عين.
ويقال: كافور وقافور.
والكافور أيضاً: وعاء طلع النخل وكذلك الكُفُرَّي؛ قاله الأصمعيّ.
وأما قول الراعي:
تَكْسُو الْمَفَارِقَ واللَّبَّاتِ ذَا أَرَجٍ ** مِن قُصْبِ مُعْتَلِفِ الكافورِ دَرَّاجِ

فإنّ الظبي الذي يكون منه المسك إنما يَرْعي سُنْبَل الطِّيب فجعله كافوراً.
{يشرب بها} قال الفراء: يشرب بها ويشربها سواء في المعنى، وكأنّ يشرب بها يَرْوَي بها ويَنْقع؛ وأنشد:
شَرِبْنَ بمِاءِ البحرِ ثم تَرَفَّعتْ ** مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئيج

قال: ومثله فلان يتكلم بكلام حسن، ويتكلم كلاماً حسناً.
وقيل: المعنى يشربها والباء زائدة.
وقيل: الباء بدل (من) تقديره يشرب منها؛ قاله القتبيّ.
{يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً} فيقال: إن الرجل منهم ليمشي في بيوتاته ويصعد إلى قصوره، وبيده قضيب يشير به إلى الماء فيجري معه حيثما دار في منازله على مستوى الأرض في غير أخدود، ويتبعه حيثما صعد إلى أعلى قصوره؛ وذلك قوله تعالى: {عيناً يشرب بها عِبَادُ الله يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً} أي يُشقِّقونها شَقًّا كما يفجر الرجل النهر هاهنا وها هنا إلى حيث يريد.
وعن ابن أبي نَجيح عن مجاهد {يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً} يقودونها حيث شاؤوا، وتتبعهم حيثما مالوا مالت معهم.
وروى أبو مقاتل عن أبي صالح عن سعد عن أبي سهل عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع عيون في الجنة عينان تجريان من تحت العرش إحداهما التي ذكر الله {يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً} والأخرى الزنجبيل والأخريان نَضًّاختان من فوق العرش إحداهما التي ذكر الله {عيناً فِيَها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً} والأخرى التَّسْنيم» ذكره الترمذيّ الحكيم في (نوادر الأصول).
وقال: فالتسنيم للمقربين خاصة شربا لهم، والكافور للأبرار شربا لهم؛ يمزج للأبرار من التسنيم شرابهم، وأما الزنجبيل والسلسبيل فللأبرار منها مِزاج هكذا ذكره في التنزيل وسكت عن ذكر ذلك لمن هي شرب، فما كان للأبرار مِزاج فهو للمقربين صِرف، وما كان للأبرار صِرف فهو لسائر أهل الجنة مِزاج.
والأبرار هم الصادقون، والمقرَّبون: هم الصديقون.
قوله تعالى: {يُوفُونَ بالنذر} أي لا يُخلِفون إذا نَذَرواً.
وقال مَعْمَر عن قتادة: بما فرض الله عليهم من الصلاة والزكاة والصوم والحج والعُمْرة وغيره من الواجبات.
وقال مجاهد وعكرمة: يوفون إذا نذروا في حقّ الله جل ثناؤه.
وقال الفرّاء والجرجاني: وفي الكلام إضمار؛ أي كانوا يوفون بالنذر في الدنيا.
والعرب قد تزيد مرة (كان) وتحذف أخرى.
والنذر: حقيقته ما أوجبه المكلّف على نفسه من شيء يفعله.
وإن شئت قلت في حَدِّه: النذر: هو إيجاب المكلَّف على نفسه من الطاعات ما لو لم يوجبه لم يلزمه.
وقال الكَلْبيّ: {يُوفُونَ بالنذر} أي يتممون العهود والمعنى واحد؛ وقد قال الله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ} [الحج: 29] أي أعمال نسكهم التي ألزموها أَنفسهم بإحرامهم بالحج.
وهذا يقوّي قول قتادة.
وأن النذر يندرج فيه ما التزمه المرء بإيمانه من امتثال أمر الله؛ قاله القُشيري.
وروى أشهب عن مالك أنه قال: {يُوفُونَ بالنذر} هو نذر العتق والصيام والصلاة.
وروى عنه أبو بكر بن عبد العزيز قال مالك: {يُوفُونَ بالنذر} قال: النذر: هو اليمين.
قوله تعالى: {وَيَخَافُونَ} أي يحذرون {يَوْماً} أي يوم القيامة.
{كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} أي عالياً داهياً فاشياً وهو في اللغة ممتدّاً؛ والعرب تقول: استطار الصدع في القارورة والزجاجة واستطال: إذا امتد؛ قال الأعشى:
وبَانَتْ وقد أَسْأَرَتْ في الفُؤَا ** دِ صَدْعاً على نَأْيِهَا مُسْتَطِيرَا

ويقال: استطار الحريق: إذا انتشر.
واستطار الفجر إذا انتشر الضوء.
وقال حسان:
وهَانَ على سَرَاة بنِي لُؤَيٍّ ** حرِيقٌ بالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ

وكان قتادة يقول: استطار والله شرُّ ذلك اليوم حتى ملأ السموات والأرض.
وقال مقاتل: كان شره فاشياً في السموات فانشقت، وتناثرت الكواكب، وفزعت الملائكة، وفي الأرض نُسِفت الجبالُ وغارت المياهُ.
قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبه} قال ابن عباس ومجاهد: على قِلّته وحبهم إياه وشهوتهم له.
وقال الداراني: على حبّ الله.
وقال الفُضَيل بن عِياض: على حبّ إطعام الطعام.
وكان الربيع بن خيثم إذا جاءه السائل قال: أطعموه سُكَّراً فإن الربيع يحب السكر.
{مِسْكِيناً} أي ذا مسكنة.
وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: هو الطوّاف يسألك مَالَكَ {وَيَتِيماً} أي من يتامى المسلمين.
وروى منصور عن الحسن: أن يتيماً كان يحضر طعام ابن عمر، فدعا ذات يوم بطعامه، وطلب اليتيم فلم يجده، وجاءه بعد ما فرغ ابن عمر من طعامه فلم يجد الطعام، فدعا له بسَوِيق وعسل؛ فقال: دونك هذا، فوالله ما غُبِنتَ؛ قال الحسن وابن عمر: والله ما غُبِن.
{وَأَسِيراً} أي الذي يؤسر فيحبس.
فروى أبو صالح عن ابن عباس قال: الأسير من أهل الشرك يكون في أيديهم.
وقاله قتادة.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: الأسير هو المحبوس.
وكذا قال سعيد بن جُبير وعطاء: هو المسلم يُحبس بحقّ.
وعن سعيد بن جبير مثل قول قتادة وابن عباس.
قال قتادة: لقد أمر الله بالأسرى أن يحسن إليهم، وأن أسراهم يومئذ لأَهلُ الشِّرك، وأخوك المسلم أحقُّ أن تطعمه.
وقال عِكرمة: الأسير العبد.
وقال أبو حمزة الثُّمَالي: الأسير المرأة، يدلّ عليه قوله عليه السلام: «استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عَوَانٍ عندكم». أي أسيرات.
وقال أبو سعيد الخُدري: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبه مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} فقال: «المسكين الفقير، واليتيم الذي لا أب له، والأسير المملوك والمسجون». ذكره الثعلبي.
وقيل: نسخ إطعام المسكين آية الصدقات؛ وإطعام الأسير (آية) السيف؛ قاله سعيد بن جُبير.
وقال غيره: بل هو ثابت الحكم، وإطعام اليتيم والمسكين على التطوع، وإطعام الأسير لحفظ نفسه إلاّ أن يتخير فيه الإمام.
الماورديّ: ويحتمل أن يريد بالأسير الناقص العقل؛ لأنه في أسر خَبْله وجنونه، وأسر المشرك انتقام يقف على رأي الإمام، وهذا بِرٌّ وإحسان.
وعن عطاء قال: الأسير من أهل القبلة وغيرهم.
قلت: وكأنّ هذا القول عام يجمع جميع الأقوال، ويكون إطعام الأسير المشرك قربة إلى الله تعالى، غير أنه من صدقة التطوع، فأما المفروضة فلا.
والله أعلم.
ومضى القول في المسكين واليتيم والأسير واشتقاق ذلك من اللغة في (البقرة) مستوفًى والحمد لله.
قوله تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله} أي يقولون بألسنتهم للمسكين واليتيم والأسير {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ} في الله جلّ ثناؤه فزعاً من عذابه وطمعاً في ثوابه.
{لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً} أي مكافأة.
{وَلاَ شُكُوراً} أي ولا أن تثنوا علينا بذلك؛ قال ابن عباس: كذلك كانت نياتهم في الدنيا حين أطعموا.
وعن سالم عن مجاهد قال: أما إنهم ما تكلّموا به ولكن علمه الله جلّ ثناؤه منهم فأثنى به عليهم؛ ليرغب في ذلك راغب.
وقاله سعيد بن جُبير حكاه عنه القُشيريّ.
وقيل: إن هذه الآية نزلت في مُطْعِم بن ورقاء الأنصاريّ نذر نذراً فوفَّى به.
وقيل: نزلت فيمن تكفّل بأسرى بدروهم سبعة من المهاجرين: أبو بكر وعمر وعليّ والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وأبو عبيدة رضي الله عنهم؛ ذكره الماورديّ.
وقال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار أطعم في يوم واحد مسكيناً ويتيماً وأسيراً.
وقال أبو حمزة الثُّمَالي: بلغني أن رجلاً قال يا رسول الله أطعمني فإني والله مجهود؛ فقال: «والذي نفسي بيده ما عندي ما أطعمك ولكن اطلب» فأتى رجلاً من الأنصار وهو يتعشى مع امرأته فسأله، وأخبره بقول النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فقالت المرأة: أطعمه واسقه. ثم أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم يتيم فقال: يا رسول الله! أَطعمني فإني مجهود. فقال: «ما عندي ما أطعمك ولكن اطلب» فاستطعم ذلك الأنصاريّ فقالت المرأة: أطعمه واسقه، فأطعمه. ثم أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم أسير فقال: يا رسول الله! أطعمني فإني مجهود. فقال: «والله ما معي ما أطعمك ولكن اطلب» فجاء الأنصاريّ فطلب، فقالت المرأة: أطعمه واسقه.
فنزلت: {وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبه مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} ذكره الثعلبيّ.
وقال أهل التفسير: نزلت في عليّ وفاطمة رضي الله عنهما وجارية لهما اسمها فضة.
قلت: والصحيح أنها نزلت في جميع الأبرار، ومَن فعل فعلاً حسناً؛ فهي عامة.
وقد ذكر النقاش والثّعلبيّ والقشيريّ وغير واحد من المفسّرين في قصة عليّ وفاطمة وجاريتهما حديثاً لا يصح ولا يثبت، رواه ليث عن مجاهد عن ابن عباس: في قوله عز وجل: {يُوفُونَ بالنذر وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبه مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} قال: مرض الحسن والحسين فعادهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعادهما عامة العرب؛ فقالوا: يا أبا الحسن ورواه جابر الجُعْفيّ عن قَنْبَر مولى عليّ قال: مرض الحسن والحسين حتى عادهما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا أبا الحسن رجع الحديث إلى حديث ليث بن أبي سليم «لو نذرتَ عن ولديك شيئاً، وكل نذر ليس له وفاء فليس بشيء».
فقال رضي الله عنه: إن بَرأَ ولداي صمت لله ثلاثة أيام شكراً. وقالت جارية لهم نوبية: إن بَرأَ سيِّداي صمت لله ثلاثة أيام شكراً. وقالت فاطمة مثل ذلك.
وفي حديث الجُعْفيّ فقال الحسن والحسين: علينا مثل ذلك فأُلْبِس الغلامان العافية، وليس عند آل محمد قليل ولا كثير، فانطلق عليّ إلى شمعون بن حاريا الخيبريّ، وكان يهودياً، فاستقرض منه ثلاثة أصوُع من شعير، فجاء به، فوضعه ناحية البيت، فقامت فاطمة إلى صاع فطحنته واختبزته، وصلّى عليٌّ مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه.
وفي حديث الجُعْفيّ: فقامت الجارية إلى صاع من شعير فخبزت منه خمسة أقراص، لكل واحد منهم قرص، فلما مضى صيامهم الأوّل وضع بين أيديهم الخبز والملح الجريش؛ إذ أتاهم مسكين، فوقف بالباب وقال: السلام عليكم أهلَ بيت محمد في حديث الجُعْفي أنا مسكين من مساكين أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنا والله جائع؛ أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة.
فسمعه عليّ رضي الله عنه، فأنشأ يقول:
فاطمَ ذاتَ الفضلِ واليقينْ ** يا بنتَ خير الناسِ أجمعينْ

أما تَرَينَ البائسَ المسكينْ ** قد قام بالباب له حنينْ

يشكو إلى الله ويستكينْ ** يشكو إلينا جائعٌ حزينْ

كل امرىء بكسبه رهينْ ** وفاعل الخيرات يستبِينْ

موعِدُنا جَنّة عِلِّيينْ ** حرّمها الله على الضَّنِينْ

ولِلبِخيل موقِفٌ مهِين ** تَهوِي به النار إلى سِجِّينْ

شرابه الحميم والغِسْلينْ ** من يفعلِ الخيرَ يقم سمينْ

ويَدْخُل الجنةَ أيّ حِينْ

فأنشأت فاطمة رضي الله عنها تقول:
أمرُكَ عندي يا بن عَمٍّ طاعهْ ** ما بِيَ من لُؤْم ولا وَضَاعهْ

غَدَيْتُ في الخبز له صناعهْ ** أُطعِمه ولا أُبالي السَّاعهْ

أرجو إذا أَشبعتُ ذا المَجَاعهْ ** أَنْ أَلحقَ الأخيارَ والجَمَاعهْ

وأدخلَ الجنةَ لي شَفاعهْ

فأطعموه الطعام، ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا شيئاً إلا الماء القراح، فلما أن كان في اليوم الثاني قامت إلى صاع فطحنته واختبزته، وصلّى عليٌّ مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين أيديهم؛ فوقف بالباب يتيم فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، يتيم من أولاد المهاجرين استشهد والدي يوم العَقَبة.
أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة.
فسمعه عليّ فأنشأ يقول:
فاطِمَ بنتَ السِّيدِ الكريمْ ** بنتَ نبِيٍّ ليس بالزَّنِيمْ

لقد أتى الله بِذِي اليتيمْ ** من يرحم اليوم يكن رحِيمْ

ويدخل الجنة أي سلِيمْ ** قد حرم الخلدُ على اللئيمْ

ألاَّ يَجوزَ الصراطَ المستقيمْ ** يزلّ في النار إلى الجحيمْ

شرابه الصديدُ والحميمْ

فأنشأت فاطمة رضي الله عنها تقول:
أطعِمه اليوم ولا أبالِي ** وأوثر الله على عيالي

أَمَسوْا جياعاً وَهُمُ أَشْبَالي ** أصغرُهم يُقتَلُ في القِتالِ

بِكَرْ بَلاَ يُقتَلُ باغتيال ** يا ويلُ لِلقاتِل مَعْ وَبَالِ

تَهوى به النار إلى سِفالِ ** وفي يديهِ الغُلَّ والأغلال

كبولة زادت على الأكبالِ ** فأطعموه الطعام ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا شيئاً إلا الماء القرأح؛ فلما كانت في اليوم الثالث قامت إلى الصاع الباقي فطحنته واختبزته، وصلّى عليٌّ مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين أيديهم؛ إذ أتاهم أسير فوقف بالباب فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، تأسروننا وتَشُدُّوننا ولا تطعموننا أطعموني فإنّي أسير محمد.

فسمعه عليّ فأنشأ يقول:
فاطم يا بنتَ النبيِّ أحمدْ ** بنت نبِيٍّ سيِّدٍ مُسَوَّدْ

وسماه الله فهو محمد ** قد زانه الله بِحسنٍ أغيدْ

هذا أسِيرٌ للنبيّ المهتدْ ** مُثقَّلٌ في غُلِّه مُقيَّدْ

يَشكو إلينا الجوعَ قد تمددْ ** من يُطعِمِ اليومَ يجِده في غدْ

عند العليّ الواحِدِ الموحَّدْ ** ما يزرع الزارِعُ سوف يَحصُدْ

أعطيه لا لا تجعلِيهِ أقعد

فأنشأت فاطمة رضي الله تعالى عنها تقول:
لم يَبْقَ مِمّا جاء غيرُ صاعْ ** قد ذهبت كَفِّي مع الذِّراعْ

ابناي والله هُمَا جِيَاعْ ** يا ربّ لا تتركهما ضياعْ

أبوهما للخير ذو اصطناع ** يَصطنِع المعروفَ بابتداعْ

عَبْلُ الذِّراعين شديد الباعْ ** وما على رأسِيَ مِن قِناعْ

إلاَّ قناعاً نَسْجهُ أَنْسَاعْ

فأعطوه الطعام ومكثوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا شيئاً إلا الماء القرأح، فلما أن كان في اليوم الرابع، وقد قضى الله النذر أخذ بيده اليمنى الحسن، وبيده اليسرى الحسين، وأقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع؛ فلما أبصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أبا الحسن ما أشدّ ما يسوءني ما أرى بكم انطلق بنا إلى ابنتي فاطمة».
فانطلقوا إليها وهي في محرابها، وقد لصق بطنها بظهرها، وغارت عيناها من شدة الجوع، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرف المجاعة في وجهها بكى وقال: «واغوثاه يا الله، أهُل بيت محمد يموتون جوعاً» فهبط جبريل عليه السلام وقال: السلام عليك، ربك يقرئك السلام يا محمد، خذه هنيئاً في أهل بيتك. قال: «وما آخذ يا جبريل» فأقرأه {هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدهر} إلى قوله: {وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبه مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً} قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول: فهذا حديث مُزوَّق مُزيَّف، قد تَطرَّف فيه صاحبه حتى تَشبه على المستمعين، فالجاهل بهذا الحديث يَعَضُّ شفتيه تلهفاً ألاّ يكون بهذه الصفة، ولا يعلم أن صاحب هذا الفعل مذموم؛ وقد قال الله تعالى في تنزيله: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو} [البقرة: 219] وهو الفضل الذي يفضل عن نفسك وعيالك، وجرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متواترة بأن «خير الصدقة ما كان عن ظهر غِنًى».
«وابدأ بنفسك ثم بمن تعول». وافترض الله على الأزواج نفقة أهاليهم وأولادهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يَقُوت». أفيحسب عاقل أن عليًّا جهل هذا الأمر حتى أجهد صبياناً صغاراً من أبناء خمس أو ست على جوع ثلاثة أيام ولياليهن؟ حتى تَضوَّروا من الجوع، وغارت العيون منهم؛ لخلاء أجوافهم، حتى أبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بهم من الجهد.
هَبْ أنه آثَرَ على نفسه هذا السائل، فهل كان يجوز له أن يحمل أهله على ذلك؟! وهَبْ أنّ أهله سمحت بذلك لعليّ فهل جاز له أن يحمل أطفاله على جوع ثلاثة أيام بلياليهن؟! ما يُروج مثل هذا إلا على حَمْقى جهّال؛ أبى الله لقلوب متنبهة أن تظن بعليّ مثل هذا.
وليت شعري من حفظ هذه الأبيات كل ليلة عن عليّ وفاطمة، وإجابة كل واحد منهما صاحبه، حتى أدّاه إلى هؤلاء الرواة؟! فهذا وأشباهه من أحاديث أهل السجون فيما أرى.
بلغني أن قوماً يُخلَّدون في السجون فيبقون بلا حيلة، فيكتبون أحاديث في السَّمَر وأشباهه، ومثل هذه الأحاديث مفتعلة، فإذا صارت إلى الجهابذة رمَوا بها وزَيفَّوها، وما من شيء إلا له آفة ومكيدة، وآفة الدِّين وكيُده أكثر. اهـ.

.قال الألوسي:

{إِنَّا أَعْتَدْنَا} هيأنا {للكافرين} من إفراد الإنسان الذي هديناه السبيل {سلاسل} بها يقادون {وأغلالا} بها يقيدون {وَسَعِيراً} بها يحرقون وتقديم وعيدهم مع تأخرهم للجمع بينهما في الذكر كما في قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ} [آل عمران: 106] الآية ولأن الانذار أنسب بالمقام وحقيق بالاهتمام ولأن تصدير الكلام وختمه بذكر المؤمنين أحسن على أن وصفهم تفصيلاً ربما يخل تقديمه بتجارب أطراف النظم الكريم وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر والأعمش {سلاسلاً} بالتنوين وصلاً وبالألف المبدلة منه وقفاً وقال الزمخشري وفيه وجهان.
أحدهما: أن تكون هذه النون بدلاً عن حرف الإطلاق ويجري الوصل مجرى الوقف والثاني أن يكون صاحب القراءة ممن ضرى برواية الشعر ومرن لسانه على صرف غير المنصرف وفي الأول أن الإبدال من حروف الإطلاق في غير الشعر قليل كيف وضم إليه إجراء الوصل مجرى الوقف وفي الثاني تجويز القراءة بالتشهي دون سداد وجهها في العربية والوجه أنه لقصد الازدواج والمشاكلة فقد جوزوا لذلك صرف ما لا ينصرف لاسيما الجمع فإنه سبب ضعيف لشبهه بالمفرد في جمعه كصواحبات يوسف ونواكسي الأبطار ولهذا جوز بعضهم صرفه مطلقاً كما قيل:
والصرف في الجمع أتى كثيرا ** حتى ادعى قوم به التخييرا

وحكى الأخفش عن قوم من العرب أن لغتهم صرف كل ما لا ينصرف إلا أفعل من وصرف {سلاسلاً} ثابت في مصاحف المدينة ومكة والكوفة والبصرة وفي مصحف أبي وعبد الله بن مسعود وروى هشام عن ابن عامر {سلاسل} في الوصل و{سلاسلاً} بألف دون تنوين في الوقف.
{إِنَّ الأبرار} شروع في بيان حسن حال الشاكرين إثر بيان حال سوء الكافرين وإيرادهم بعنوان البر للإشعار بما استحقوا به ما نالوه من الكرامة السنية مع تجديد صفة مدح لهم والابرار جمع بر كرب وأرباب أو بار كشاهد وأشهاد بناء على أن فاعلاً يجمع على أفعال والبر المطيع المتوسع في فعل الخير وقيل من يؤدي حق الله تعالى ويوفي بالنذر وعن الحسن وهو الذي لا يؤذي الذر ولا يرضي الشر {يشربونَ} في الآخرة {مِن كَأْسٍ} هي كما قال الزجاج الإناء إذا كان فيه الشراب فإذا لم يكن لم يسم كأساً وقال الراغب الكأس الإناء بما فيه من الشراب ويسمى كل واحد منهما بانفراده كأساً والمشهور أنها تطلق حقيقة على الزجاجة إذا كانت فيها خمر ومجازاً على الخمر بعلاقة المجاورة والمراد بها هاهنا قيل الخمر فمن تبعيضية أو بيانية وقيل الزجاجة التي فيها الخمر فمن ابتدائية وقوله تعالى: {كَانَ مِزَاجُهَا كافورا} أظهر ملاءمة للأول والظاهر أن هذا على منوال {كان الله عليماً حكيماً} [النساء: 17] والمجيء بالفعل للتحقيق والدوام وقيل كان تامة من قوله تعالى: {كن فيكون} [يس: 82] والمزاج ما يمزج به كالحزام لما يحزم به فهو اسم آلة وكافور على ما قال الكلبي علم عين في الجنة ماؤها في بياض الكافور وعرفه وبرده وصرف لتوافق الآي والكلام على حذف مضاف أي ماء كافور والجملة صفة {كأس} وهذا القول خلاف الظاهر ولعله إن لم يصح فيه خبر لا يقبل وقرأ عبد الله {قافوراً} بالقاف بدل الكاف وهما كثيراً ما يتعاقبان في الكلمة كقولهم عربي قح وكح وقوله تعالى: {عيناً} بدل من كافور وقال قتادة يمزج لهم بالكافور ويختم لهم بالمسك وذلك لبرودة الكافور وبياضه وطيب رائحته فالكافور بمعناه المعروف وقيل أن خمر الجنة قد أودعها الله تعالى إذ خلقها أوصاف الكافور الممدوحة فكونه مزاجاً مجاز في الاتصاف بذلك فعينا على هذين القولين بدل من محل {كأس} على تقدير مضاف أي يشربون خمراً خمر عين أو نصب على الاختصاص بإضمار أعني أو أخص كما قال المبرد وقيل على الحال من ضمير {مزاجها} وقيل من {كأس} وساغ لوصفه وأريد بذلك وصفها بالكثرة والصفاء وقيل منصوب بفعل يفسره ما بعد أعني قوله تعالى: {يشرب بها عِبَادُ الله} على تقدير مضاف أيضاً أي يشربون ماء عين يشرب بها إلخ وتعقب بأن الجملة صفة {عيناً} فلا يعمل فعلها بها وما لا يعمل لا يفسر عاملاً وأجيب بمنع كونها صفة على هذا الوجه والتركيب عليه نحو رجلاً ضربته نعم هي صفة {عينا} على غير هذا الوجه والباء للإلصاق وليست للتعدية وهي متعلقة معنى بمحذوف أي يشرب الخمر ممزوجة بها أي بالعين عباد الله وهو كما تقول شربت الماء بالعسل هذا إذا جعل {كافور} علم عين في الجنة وأما على القولين الآخرين فقيل وجه الباء أن يجعل الكلام من باب:
شع يجرح في عراقيبها نصلي

لإفادة المبالغة وقيل الباء للتعدية وضمن يشرب معنى يروي فعدى بها وقيل هي بمعنى من وقيل هي زائدة والمعنى يشربها كما في قول الهذلي:
شربن بماء البحر ثم ترفعت ** متى لحج خضر لهن نئيج

ويعضد هذا قراءة ابن أبي عبلة {يشربها} وقيل ضمير بها للكاس والمعنى يشربون العين بتلك الكأس وعليه يجوز أن يكون {عيناً} مفعولاً لـ: {يشرب} مقدماً عليه وعباد الله المؤمنين أهل الجنة {يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً} صفة أخرى لـ: {عينا} أي يجرونها حيث شاؤا من منازلهم إجراء سهلاً لا يمتنع عليهم على أن التنكير للتنويع أخرج عبد الله بن أحمد في (زوائد الزهد) عن ابن شوزب أنه قال معهم قضبان ذهب يفجرون بها فيتبع الماء قضبانهم وفي بعض الآثار أن هذه العين في دار رسول الله صلى الله عليه وسلم تفجر إلى دور الأنبياء عليهم السلام والمؤمنين.
{يُوفُونَ بالنذر} استئناف مسوق لبيان ما لأجله يرزقون هذا النعيم مشتمل على نوع تفصيل لما ينبىء عنه اسم الأبرار إجمالاً كأنه قيل ماذا يفعلون حتى ينالوا تلك المرتبة العالية فقيل {يوفون} إلخ وأفيد أنه استئناف للبيان ومع ذلك عدل عن أوفوا إلى المضارع للاستحضار والدلالة على الاستمرار والوفاء بالنذر كناية عن أداء الواجبات كلها العلم ما عداه بالطريق الأولى وإشارة النص فإن من أوفى بما أوجبه على نفسه كان إيفاء ما أوجبه الله تعالى عليه أهم له وأحرى وجعل ذلك كناية هو الذي يقتضيه ما روى عن قتادة وعن عكرمة ومجاهد إبقاؤه على الظاهر قالا أي إذا نذروا طاعة فعلوها {ويخافون يَوْماً كَانَ شَرُّهُ} عذابه {مُسْتَطِيراً} فاشياً منتشراً في الأقطار غاية الانتشار من استطار الحريق والفجر وهو أبلغ من طار لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى وللطلب أيضاً دلالة على ذلك لأن ما يطلب من شأنه أن يبالغ فيه وفي وصفهم بذلك إشعار بحسن عقيدتهم واجتنابهم عن المعاصي.
{وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبه} أي كائنين على حب الطعام أي مع اشتهائه والحاجة إليه فهو من باب التتميم ويجاوبه من القرآن قوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] وروى عن ابن عباس ومجاهد أو على حب الإطعام بأن يكون ذلك بطيب نفس وعدم تكلف وإليه ذهب الحسن بن الفضل وهو حسن أو كائنين على حب الله تعالى أو إطعاماً كائناً على حبه تعالى ولوجهه سبحانه وابتغاء مرضاته عز وجل وإليه ذهب الفضيل بن عياض وأبو سليمان الداراني فعلى حبه من باب التكميل وزيفه بعضهم وقال الأول هو الوجه ويجاوبه القرآن على أن في قوله تعالى: {لِوَجْهِ الله} [الإنسان: 9] بَعْدَ غنية عن قوله سبحانه: {نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله} وفيه نظر بل لعله الأنسب لذاك وذكر الطعام مع أن الإطعام يغني عنه لتعيين مرجع الضمير على الأول ولأن الطعام كالعلم فيما فيه قوام البدن واستقامة البنية وبقاء النفس ففي التصريح به تأكيد لفخامة فعلهم على الأخيرين ويجوز أن يعتبر على الأول أيضاً ثم الظاهر أن المراد بإطعام الطعام حقيقته وقيل هو كناية عن الإحسان إلى المحتاجين والمواساة معهم بأي وجه كان وإن لم يك ذلك بالطعام بعينه فكأنه ينفعون بوجوه المنافع {مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} قيل أي أسير كان فعن الحسن أنه صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض المسلمين فيقول «أحسن إليه» فيكون عنده اليومين والثلاثة فيؤثره على نفسه وقال قتادة كان أسيرهم يومئذ المشرك وأخوك المسلم أحق أن تطعمه وأخرج ابن عساكر عن مجاهد أنه قال لما صدر النبي صلى الله عليه وسلم بالأسارى من بدر انفق سبعة من المهاجرين أبو بكر وعمر وعلي والزبير وعبد الرحمن وسعد وأبو عبيدة بن الجراح على أسارى مشركي بدر فقالت الأنصار قتلناهم في الله وفي رسوله صلى الله عليه وسلم وتعينونهم بالنفقة فأنزل الله تعالى فيهم عشرة آية {أن الأبرار يشربون} إلى قوله تعالى: {عيناً فيها تسمى سلسبيلاً} [الإنسان: 5-18] ففيه دليل على أن إطعام الأسارى وإن كانوا من أهل الشرك حسن ويرجى ثوابه والخبر الأول قال ابن حجر لم يذكره من يعتمد عليه من أهل الحديث وقال ابن العراقي لم أقف عليه والخبر الثاني لم أره لفرد غير ابن عساكر ولا وثوق لي بصحته وهو يقتضي مدنية هذه الآيات وقد علمت الخلاف في ذلك نعم عند عامة العلماء يجوز الإحسان إلى الكفار في دار الإسلام ولا تصرف إليهم الواجبات وقال ابن جبير وعطاء هو الأسير من أهل القبلة قال الطيبي هذا إنما يستقيم إذا اتفق الإطعام في دار الحرب من المسلم لأسير في أيديهم وقيل هو الأسير المسلم ترك في بلاد الكفار رهينة وخرج لطلب الفداء وروى محيي السنة عن مجاهد وابن جبير وعطاء أنهم قالوا هو المسجون من أهل القبلة وفيه دليل على أن إطعام أهل الحبوس المسلمين حسن وقد يقال لا يحسن إطعام المحبوس لوفاء دين يقدر على وفائه إنما امتنع عنه تعنتاً ولغرض من الأغراض النفسانية وعن أبي سعيد الخدري هو المملوك والمسجون وتسمية المسجون أسيراً مجاز لمنعه عن الخروج وأما تسمية المملوك فمجاز أيضاً لكن قيل باعتبار ما كان وقيل باعتبار شبهه به في تقييده بأسار الأمر وعدم تمكنه من فعل ما يهوى وعد الغريم أسيراً لقوله صلى الله عليه وسلم: «غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك» وهو على التشبيه البليغ إلا أنه قيل في هذا الخبر ما قيل في الخبر الأول وقال أبو حمزة اليماني هي الزوجة وضعفه هاهنا ظاهر.
{إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله} على إرادة قول هو في موضع الحال من فاعل {يطعمون} أي قائلين ذلك بلسان الحال لما يظهر عليهم من أمارات الإخلاص وعن مجاهد أما أنهم ما تكلموا به ولكن علمه الله تعالى منهم فأثنى سبحانه به عليهم ليرغب فيه راغب أو بلسان المقال إزاحة لتوهم المن المبطل للصدقة وتوقع المكافأة المنقصة للأجر وعن الصديقة رضي الله تعالى عنها كانت تبعث بالصدقة إلى أهل بيت ثم تسأل الرسول ما قالوا فإذا ذكر دعاء دعت لهم بمثله ليبقى لها ثواب الصدقة خالصاً عند الله عز وجل وجوز أن يكون قولهم هذا لهم لطفاً وتفقيهاً وتنبيهاً على ما ينبغى أن يكون عليه من أخلص لله تعالى وليس بذاك وقوله سبحانه: {لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء} بالأفعال {وَلاَ شُكُوراً} ولا شكراً وثناء بالأقوال تقرير وتأكيد لما قبله. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سلاسل وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (4)}
أريد التخلص إلى جزاء الفريقين الشاكر والكفور.
والجملة مُستأنفة استئنافاً بيانياً لأن قوله: {إمّا شاكراً وإمّا كفوراً} [الإنسان: 3] يثير تطلع السامعين إلى معرفة آثار هذين الحالين المترددِ حالُه بينَهما، فابتدىء بجزاء الكافر لأن ذكره أقرب.
وأكد الخبر عن الوعيد بحرف التأكيد لإِدخال الروْع عليهم لأن المتوعِّد إذا أكَّد كلامه بمؤكِّد فقد آذن بأنه لا هوادة له في وعيده.
وأصل {أعتَدْنا} أعدَدنا، بدالين، أي هيأنا للكافرين، يقال: اعتدّ كما يقال: أعَدَّ، قال تعالى: {وَأعَتدتْ لهن متّكَأً} [يوسف: 31].
وقد تردد أئمة اللغة في أن أصل الفعل بدالين أو بتاء ودال فلم يجزموا بأيهما الأصل لكثرة ورود فعل: أعدّ، وفعل اعْتَدَّ في الكلام والأظهر أنهما فعلان نشآ من لغتين غير أن الاستعمال خصّ الفعل ذا التاء بعُدة الحرب فقالوا: عَتَاد الحرب ولم يقولوا عدَاد.
وأما العُدة بضم العين فتقع على كل ما يعد ويهيأ، يقال: أعد لكل حال عُدة.
ويطلق العَتاد على ما يُعدّ من الأمور.
والأكثر أنه إذا أريد الإِدغام جيء بالفعل الذي عينه دال وإذا وجد مقتضى فك الإِدغام لموجب مثل ضمير المتكلم جيء بالفعل الذي عينه تاء.
والسلاسل: القيود المصنوعة من حَلق الحديد يقيد بها الجناة والأسرى.
والأغلال: جمع غُلّ بضم الغين، وهو حلقة كبيرة من حديد توضع في رقبة المقيَّد، وتناط بها السلسلة قال تعالى: {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل} [غافر: 71] فالأغلال والسلاسل توضع لهم عند سَوْقهم إلى جهنم.
والسعير: النار المسعرة، أي التي سعَّرها الموقِدون بزيادة الوَقود ليشتد التهابها فهو في الأصل وصف بمعنى اسم المفعول جعل علماً على جهنم.
وقد تقدم عند قوله: {كلَّما خبَتْ زدناهم سعيراً} في سورة الإسراء (97).
وكتب {سلاسلا} في المصحف الإِماممِ في جميع النسخ التي أرسلت إلى الأمصار بألف بعد اللام الثانية ولكن القراء اختلفوا في قراءته، فنافع والكسائي وهشام عن ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر قرأوا {سلاسلاً} منوناً في الوصل ووقفوا عليه كما يوقف على المنون المنصوب، وإذ كان حقه أن يمنع من الصرف لأنه على صيغة منتهى الجمع تعين أن قراءته بالتنوين لمراعاة مزاوجته مع الاسمين اللذيْن بعده وهما {أغلالاً} و{سعيراً}، والمزاوجة طريقة في فصيح الكلام، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم لنساءٍ «ارجِعْنَ مَأزورات غير مأجورات» فجعل «مأزورات» مهموزاً وحقه أن يكون بالواو لكنه هُمز لمزاوجة مأجورات، وكذلك قوله في حديث سؤال الملكين الكافر «فيقال له: لاَ درَيْت ولا تلَيْت»، وكان الأصل أن يقال: ولا تَلوت.
ومنه قول ابن مُقْبِل أو القَلاَّحُ:
هتَّاكُ أخْبيَةٍ وَلاَّجُ أبْوِبَةٍ ** يُخَالطُ البِرُّ منه الجِدَّ واللينا

فقوله (أبوبة) جمع باب وحقه أن يَقول أبواب.
وهذه القراءة متينة يعضدها رسم المصحف وهي جارية على طريقة عربية فصيحة.
وقرأه الباقون بدون تنوين في الوصل.
واختلفوا في قراءته إذا وقفوا عليه فأكثرهم قرأه في الوقف بدون ألف فيقول {سلاسل} في الوقف.
وقرأه أبو عمرو ورويس عن يعقوب بالألف على اعتباره منوناً في الوصل.
قرأه البَزي عن ابن كثير وابنُ ذكوان عن ابن عامر وحفصٌ عن عاصم في الوقف بجواز الوجهين بالألف وبتركها.
فأما الذين لم ينونوا {سلاسلا} في الوصل ووقفوا عليه بألف بعد لامه الثانية.
وهما أبو عمرو ورويس عن يعقوب فمخالفة روايتهم لرسم المصحف محمولة على أن الرسم جرى على اعتبار حالة الوقف وذلك كثير فكتابة الألف بعد اللام لقصد التنبيه على إشباع الفتحة عند الوقف لمزاوجة الفواصل في الوقف لأن الفواصل كثيراً ما تعطى أحكام القوافي والأسجاع.
وبعدُ فالقراءات روايات مسموعة ورسم المصحف سُنة مَخصوصة به وذكر الطيبي: أن بعض العلماء اعتذر عن اختلاف القراء في قوله: {سلاسلا} بأنه من الاختلاف في كيفية الأداء كالمَدّ والإِمالة وتخفيف الهمزة وأن الاختلاف في ذلك لا ينافي التواتر.
{إِنَّ الْأَبْرَارَ يشربونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5)}
هذا استئناف بياني ناشىء عن الاستئناف الذي قبله من قوله: {إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا} [الإنسان: 4] الخ.
فإن من عرف ما أعد للكَفُور من الجزاء يتطلع إلى معرفة ما أعد للشاكر من الثواب.
وأخر تفصيله عن تفصيل جزاء الكفور مع أن {شاكراً} [الإنسان: 3] مذكور قبل {كفوراً} [الإنسان: 3]، على طريقة اللف والنشر المعكوس ليتسع المجال لإِطناب الكلام على صفة جزاء الشاكرين وما فيه من الخير والكرامة، تقريباً للموصوف من المشاهدة المحسوسة.
وتأكيد الخبر عن جزاء الشاكرين لدفع إنكار المشركين أن يكون المؤمنون خيراً منهم في عالم الخلود، ولإِفادة الاهتمام بهذه البشارة بالنسبة إلى المؤمنين.
و {الأبرار}: هم الشاكرون، عُبر عنهم بالأبرار زيادة في الثناء عليهم.
و {الأَبرار}: جمع بَر بفتح الباء، وجمعُ بَار أيضاً مثل شاهد وأشهاد، والبار أو البَرّ المكثر من البِرّ بكسر الباء وهو فعل الخير، ولذلك كان البَرّ من أوصاف الله تعالى قال تعالى: {إنا كنا من قبل ندعوه أنه هو البَر الرحيم} [الطور: 28].
ووصف بَرَ أقوى من بارّ في الاتصاف بالبرِ، ولذلك يقال: الله بَر، ولم يُقل: الله بَار.
ويجمع برّ على بَرَرة.
ووقع في (مفردات الراغب): أن بررة أبلغ من أبرار.
وابتدىء في وصف نعيمهم بنعيم لذة الشرب من خمر الجنة لما للذة الخمر من الاشتهار بين الناس، وكانوا يتنافسون في تحصيلها.
والكأس: بالهمزة الإِناء المجعول للخمر فلا يسمى كأساً إلاّ إذا كان فيه خمر، وقد تسمى الخمر كأساً على وجه المجاز المرسل بهذا الاعتبار كما سيجيء قريباً قوله تعالى: {ويسقون فيها كأساً كان مزاجُها زنجبيلاً} [الإنسان: 17] فيجوز أن يراد هنا آنية الخمر فتكون {مِن} للابتداء وإفراد {كأس} للنوعية، ويجوز أن تراد الخمر فتكون {مِن} للتبعيض.
وعلى التقديرين فكأس مراد به الجنس وتنوينه لتعظيمه في نوعه.
والمزاج: بكسر الميم ما يمزج به غيرُه، أي يخلط وكانوا يمزجون الخمر بالماء إذا كانت الخمر معتقة شديدة ليخففوا من حدتها وقد ورد ذكر مزج الخمر في أشعار العرب كثيراً.
وضمير {مزاجها} عائد إلى {كأس}.
فإذا أريد بالكأس إناء الخمر فالإِضافة لأدنى ملابسة، أي مزاج ما فيها، وإذا أريدت الخمر فالإضافة من إضافة المصدر إلى مفعوله.
والكافور: زيت يستخرج من شجرة تشبه الدِفْلَى تنبت في بلاد الصين وجَاوة يتكون فيها إذا طالت مدتُها نحواً من مائتي سنة فيُغلَّى حَطَبها ويستخرج منه زيت يسمى الكَافور.
وهو ثخِن قد يتصلب فيصير كالزُبْد وإذا يقع حطب شجرة الكافور في الماء صار نبيذاً يتخمر فيصير مسكراً.
والكافور أبيض اللون ذكي الرائحة منعش.
فقيل إن المزاج هنا مراد به الماء والإِخبار عنه بأنه كافور من قبيل التشبيه البليغ، أي في اللون أو ذكاء الرائحة، ولعل الذي دعا بعض المفسرين إلى هذا أن المتعارف بين الناس في طيب الخمر أن يوضع المسك في جوانب الباطية قال النابغة:
وتسقى إذا ما شئت غير مُصرَّد ** بزوراء في حافاتها المسك كارع

ويختم على آنية الخمر بخاتم من مسك كما في قوله تعالى في صفة أهل الجنة: {يُسْقَوْن من رحيق مختوم ختامه مسك} [المطففين: 25، 26].
وكانوا يجعلون الفلفل في الخمر لحسن رائحته ولذعة حرارته لذعة لذيذة في اللسان، كما قال امرؤ القيس:
صُبِّحْنَ سلافاً من رحيق مُفلفل

ويحتمل أن يكونوا يمزجون الخمر بماء فيه الكافور أو بزيته فيكون المزاج في الآية على حقيقته مما تمزج به الخمر ولعل ذلك كان من شأن أهل الترف لأن الكافور ثمين وهو معدود في العطور.
ومن المفسرين من قال: إن كافور اسم عين في الجنة لأجل قوله عقبه: {عيناً يشرب بها عباد الله} وستعلم حق المراد منه.
وإقحام فعل {كان} في جملة الصفة بقوله: {كان مزاجها كافوراً} لإِفادة أن ذلك مزاجها لا يفارقها إذ كان معتاد الناس في الدنيا ندرة ذلك المزاج لغلاء ثمنه وقلة وجدانه.
وانتصب {عيناً} على البدل من {كافوراً} أي ذلك الكافور تجري به عين في الجنة من ماء محلول فيه أو من زيته مثل قوله: {وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى} [محمد: 15].
وعدي فعل {يشرب} بالباء وهي باء الإِلصاق لأن الكافور يمزج به شرابهم.
فالتقدير: عيناً يشرب عباد الله خمرهم بها، أي مصحوباً بمائها، وذهب الأصمعي إلى أن الباء في قوله تعالى: {يشرب بها عباد الله} بمعنى (من) التبعيضية ووافقه الفارسي وابن قتيبة وابن مالك، وعَدّ في كتبه ذلك من معاني الباء ونُسب إلى الكوفيين.
و {عبادُ الله} مراد بهم: الأبرار.
وهو إظهار في مقام الإِضمار للتنويه بهم بإضافة عبوديتهم إلى الله تعالى إضافةَ تشريف.
والتفجير: فتح الأرض عن الماء أي استنباط الماء الغزير وأطلق هنا على الاستقاء منها بلا حدّ ولا نضوب فكان كل واحد يفجر لنفسه ينبوعاً وهذا من الاستعارة.
وأكد فعل {يفجرونها تفجيراً} ترشيحاً للاستعارة.
{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7)}
اعتراض بين جملة {يشربون من كأس} [الإنسان: 5] إلخ وبين جملة {ويطاف عليهم بآنية من فضة} [الإنسان: 15] الخ.
وهذا الاعتراض استئناف بياني هو جواب عن سؤال من شأن الكلام السابق أن يثيره في نفسه السامع المغتبِط بأن ينال مثل ما نالوا من النعيم والكرامة في الآخرة.
فيهتم بأن يفعل مثل ما فعلوا، فذكر بعض أعمالهم الصالحة التي هي من آثار الإِيمان مع التعريض لهم بالاستزادة منها في الدنيا.
والكلام إخبار عنهم صادر في وقت نزول هذه الآيات، بعضُه وصف لحالهم في الآخرة وبعضه وصف لبعض حالهم في الدنيا الموجب لنوال ما نالوه في الآخرة، فلا حاجة إلى قول الفراء: إن في الكلام إضماراً وتقديره: كانوا يُوفُون بالنذر.
وليست الجملة حالاً من {الأبرار} [الإنسان: 5] وضميرهم لأن الحال قيد لعاملها فلو جعلت حالاً لكانت قيداً ل {يشربون} [الإنسان: 5]، وليس وفاؤهم بالنذر بحاصل في وقت شربهم من خمر الجنة بل هو بما أسلفوه في الحياة الدنيا.
والوفاء: أداء ما وجب على المؤدي وافياً دون نقص ولا تقصير فيه.
والنذر: ما يعتزمه المرء ويعقد عليه نِيته، قال عنترة:
والنَّاذِرَيْنِ إذا لم ألْقهما دَمي

والمراد به هنا ما عقدوا عليه عزمهم من الإِيمان والامتثال وهو ما استحقوا به صفة {الأبرار} [الإنسان: 5].
ويجوز أن يراد {بالنذر} ما ينذرونه من فعل الخير المتقرَّب به إلى الله، أي ينشئون النذور بها ليوجبوها على أنفسهم.
وجيء بصيغة المضارع للدلالة على تجدد وفائهم بما عقدوا عليه ضمائرهم من الإِيمان والعمل الصالح، وذلك مشعر بأنهم يكثرون نذر الطاعات وفعل القربات ولولا ذلك لما كان الوفاء بالنذر موجباً الثناء عليهم.
والتعريف في (النذر) تعريف الجنس فهو يعم كل نذر.
وعطف على {يوفون بالنذر} قوله: {ويخافون يوماً كان شرّه مستطيراً} لأنهم لما وصفوا بالعمل بما ينذرونه أتبع ذلك بذكر حسن نيتهم وتحقق إخلاصهم في أعمالهم لأن الأعمال بالنيات فجمع لهم بهذا صحة الاعتقاد وحسن الأعمال.
وخوفهم اليوم مجاز عقلي جرى في تعلق اليوم بالخوف لأنهم إنما يخافون ما يجري في ذلك اليوم من الحساب والجزاء على الأعمال السيئة بالعقاب فعلق فعل الخوْف بزمان الأشياء المخوفة.
وانتصب {يوماً} على المفعول به ل {يخافون} ولا يصح نصبه على الظرفية لأن المراد بالخوف خوفهم في الدنيا من ذنوب تجر إليهم العقاب في ذلك اليوم، وليس المراد أنهم يخافون في ذلك اليوم فإنهم في ذلك اليوم آمنون.
ووُصِف اليومُ بأن له شرّاً مستطيراً وصفاً مشعراً بعلة خوفهم إياه.
فالمعنى: أنهم يخافون شر ذلك اليوم فيتجنبون ما يُفضي بهم إلى شره من الأعمال المتوعد عليها بالعقاب.
والشر: العذاب والجزاء بالسوء.
والمستطير: هو اسم فاعل من استطار القاصر، والسين والتاء في استطار للمبالغة وأصله طار مثل استكبر.
والطيران مجازي مستعار لانتشار الشيء وامتداده تشبيهاً له بانتشار الطير في الجو، ومنه قولهم: الفجر المستطير، وهو الفجر الصادق الذي ينتشر ضوؤه في الأفق ويقال: استطار الحريق إذا انتشر وتلاحق.
وذكر فعل {كان} للدلالة على تمكن الخبر من المخبر عنه وإلاّ فإن شر ذلك اليوم ليس واقعاً في الماضي وإنما يقع بعد مستقبل بعيد، ويجوز أن يجعل ذلك من التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي تنبيهاً على تحقق وقوعه.
وصيغة {يخافون} دالة على تجدد خوفهم شّر ذلك اليوم على نحو قوله: {يوفون بالنذر}.
{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبه مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)}
خصص الإِطَعام بالذكر لما في إطعام المحتاج من إيثاره على النفس كما أفاد قوله: {على حبه}.
والتصريح بلفظ الطعام مع أنه معلوم من فعل {يطعمون} توطئةٌ ليبنى عليه الحال وهو {على حبه} فإنه لو قيل: ويطعمون مسكيناً ويتيماً وأسيراً لفات ما في قوله: {على حبه} من معنى إيثار المحاويج على النفس، على أن ذكر الطعام بعد {يطعمون} يفيد تأكيداً مع استحضار هيئة الإِطعام حتى كأنَّ السامع يشاهد الهيئة.
و {على حبه} في موضع الحال من ضمير {يطعمون}.
و {على} بمعنى (مع)، وضمير {حبه} راجع للطعام، أي يطعمون الطعام مصحوباً بحبه، أي مصاحباً لحبهم إياه وحب الطعام هو اشتهاؤه.
فالمعنى: أنهم يطعمون طعاماً هم محتاجون إليه.
ومجيء {على} بمعنى (مع) ناشىء عن تمَجز في الاستعلاء، وصورته أن مجرور حرف {على} في مثله أفضل من معمول متعلقها فنزل منزلة المعتلي عليه.
والمسكين: المحتاج.
واليتيم: فاقد الأب وهو مظنة الحاجة لأن أحوال العرب كانت قائمة على اكتساب الأب للعائلة بكدحه فإذا فُقد الأب تعرضت العائلة للخصاصة.
وأما الأسير فإذ قد كانت السورة كلها مكية قبل عِزّة المسلمين، فالمراد بالأسير العبد من المسلمين إذ كان المشركون قد أجاعوا عبيدهم الذين أسلموا مثل بلال وعمار وأمه وربما سيَّبوا بعضهم إذا أضجرهُم تعذيبهم وتركوهم بلا نفقة.
والعبودية تنشأ من الأسر فالعبد أسير ولذلك يقال له العاني أيضاً قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فُكّوا العاني» وقال عن النساء «إنهن عَوانٍ عندكم» على طريقة التشبيه وقال سحيم عبد بني الحسحاس:
رأتْ قَتَباً رَثّاً وسَحْق عِمامةٍ ** وأسْودَ هِمّاً يُنكِرُ الناسُ عَانِيا

يريد عبداً.
وذكر القرطبي عن الثعلبي: قال أبو سعيد الخدري «قرأ رسول الله: {ويطعمون الطعام على حُبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً} فقال: المسكينُ الفقير، واليتيم: الذي لا أب له، والأسير: المملوك والمسجون».
ولم أقف على سند هذا الحديث.
وبهذا تعلم أن لا شاهد في هذه الآية لجعل السورة نزلت بالمدينة وفي الأسارى الذين كانوا في أسر المسلمين في غزوة بدر.
وجملة {إنما نطعمكم لوجه الله} إلى آخرها مقول قول محذوف تقديره: يقولون لهم، أي للذين يُطعمونهم فهو في موضع الحال من ضمير {يُطعمون}، وجملة: {لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً} مبيِّنة لمضمون جملة {إنما نطعمكم لوجه الله}.
وجملة {إنا نخاف من ربنا} إلى آخرها واقعة موقع التعليل لمضمون جملة {لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً}.
والمعنى: إنهم يقولون ذلك لهم تأنيساً لهم ودفعاً لانكسار النفس الحاصل عند الإِطعام، أي ما نطعمكم إلاّ استجابة لما أمر الله، فالمطعم لهم هو الله.
فالقول قول باللسان، وهم ما يقولونه إلاّ وهو مضمر في نفوسهم.
وعن مجاهد أنه قال: ما تكلموا به ولكن عَلِمه الله فأثَنى به عليهم.
فالقصر المستفاد من {إنما} قصر قلب مبني على تنزيل المطعَمين منزلة من يظن أن من أطعمهم يمنّ عليهم ويريد منهم الجزاء والشكر بناء على المتعارف عندهم في الجاهلية.
والمراد بالجزاء: ما هو عوض عن العطية من خدمة وإعانة، وبالشكور: ذكرهم بالمزية.
والشُكور: مصدر بوزن الفُعول كالقُعود والجلوس، وإنما اعتبر بوزن الفُعول الذي هو مصدر فعَل اللازم لأن فعل الشكر لا يتعدى للمشكور بنفسه غالباً بل باللام يقال: شكرت لك قال تعالى: {واشكروا لي} [البقرة: 152]. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال مجد الدين الفيروزابادي:
بصِيرة في الباء:
وقد ورد في القرآن، وفى كلام العرب، على وجوه:
الأول: حرف مِن حروف المتهجى بها.
ومخرجه من انطباق الشفتين قرب مخرج الفاء.
ويمدّ ويُقصر.
والنسبة باوىّ وبائِى.
وبيّب باء حسنة، وحسنا.
وجمع المقصور أَبواء (كذَا وأَذْواءٍ) وجمع الممدودِ باءَات كحالات.
الثانى: اسم لعدد اثنين في حساب الجُمَّل.
الثالث: الباءُ الأَصلى؛ كباء برك، وكبر، وركب.
الرّابع: باءُ الإِلصاق.
ويكون حقيقة؛ كأَمَسكْتُ بزيد، ومجازاً؛ كمررت به.
الخامس: يكون للتعدية؛ نحو {ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ} {وَلَوْ شَاءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ}.
السّادس: باءُ السّببية: {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبه}، وقال الشاعر:
قد سُقِيت آبالهم بالنَّار

وفى الحديث: «لن يدخُل أَحدكم الجنَّة بعمله».
السّابع: باءُ الاستعانة؛ كباءِ بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، وقولك: نَجَرتُ بالقدوم، وكتبت بالقلم.
الثامن: باءُ العِوَض؛ كقول الشاعر:
ولا يواتيك فيما ناب من حدَث ** إِلاَّ أَخُو ثِقَة فانظر بمن تثق

أَراد مَن تثق به فزادها عوضاً عنه.
التَّاسع: باءُ المصاحبة: {اهْبِطْ بِسَلاَمٍ}، {وَقَدْ دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ}، {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ}، سبحانك الله وبحمدك.
العاشر: باءُ المقابلة: {ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}، وقولك: كافأْت إِحسانه بضعف.
اشتريته بأَلف.
الحادى عشر: باءُ المجاوزة: {فَسْئَلْ به خَبِيراً}، {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} {السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ به}.
الثانى عشر: باءُ الغاية، وهى التي بمعنى إِلى: {وَقَدْ أَحْسَنَ بَي}.
الثالث عشر: باءُ البدل:
فليت لى بهمُ قوما إِذا ركبوا ** شَنُّوا الإِغارة فرساناً وركباناً

الرابع عشر: باءُ الاستعلاءِ بمعنى عَلى: {مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ} {وَإِذَا مَرُّواْ بهمْ يَتَغَامَزُونَ} بدليل {وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ} وقال:
أَربّ يبول الثُعْلبان برأسه ** لقد ذَلّ من بالت عليه الثعالب

{يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بهمُ الأَرْضُ}، زَيْد بالسطح.
الخامس عشر: باءُ التبعيض: {عيناً يشرب بها عِبَادُ الله} أَي منها.
شربن بماءِ النحر ثم ترفعتْ

وقول الآخر:
فلثِمْتُ فاها آخِذاً بقرونها ** شُرب النزيف ببرْد ماءِ الحَشْرج

السّادس عشر: باءُ القسم: أَقسم بالله.
السّابع عشر: باءُ التعليل: {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ}.
الثامن عشر: باء الظرفيّة: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ} {نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ} وقال الشَّاعر:
ويُستخرجُ اليربوع من نافقائه ** ومن جُحْرِه بالشَّيْخَة اليُتقصّع

التَّاسع عشر: الباءُ التي تدخل على الاسم لإِرادة التشبيه، كقولهم: لقيت بزيد الأَسد، ورأَيت بفلان القمر.
والصحيح أَنها للسبب العشرون: باءُ التقليل، كقول الشاعر:
فلئن صرت لا تُحير جوابا ** لما قد تُرى وأَنت خطيب

الحادى والعشرون: الباءُ الزَّائدة، وهى المؤكِّدة.
وتزاد في الفاعل.
{كَفى بِالله شَهِيداً} أَحْسِنْ بزيد، أَصله حَسُن زيد، وقال الشاعر:
كفى ثعلا فخراً بأَنَّك منهم ** ودهرٌ لأَن أَمسَيْت من أَهله أَهل

وفى الحديث: «كفى بالمرءِ كذباً أَن يحدِّث بكلّ ما سمع» ويزاد ضرورة كقوله:
أَلم يأْتيك والأَنباءُ تَنْمى ** بما لاقت لبونُ بنى زياد

وقوله:
مهمالى الليلة مهماليه ** أَودى بنعلىّ وسِرْباليه

وتزادُ في المفعول {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} {وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ}.
نضرب بالسّيف ونرجو بالفرج ** سود المحاجر لا يقرآن بالسور

وقلَّت في مفعول ما يتعدّى لاثنين؛ كقوله:
تَبَلَتْ فؤادَك في المنام خَرِيدَةٌ ** تسقى الضَّجيعَ بباردٍ بسّامِ

ويزاد في المبتدأ: {بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ}، بحسبك درهم، خرجت فإِذا بزيدٍ.
ويزاد في الخبر {وَمَا الله بِغَافِلٍ}، {جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا}.
ومنعكها بشئ يستطاع

ويزاد في الحال المنفىّ عاملها:
فما رجعت بخائبة ركاب ** حكيم بن المسيّب منتهاها

وليس بذى سيف وليس بنبَّال

ويزاد في التوكيد بالنَّفس والعين {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ}.
ومن أقسام الباءِ الباءُ المبدلة؛ كمكَّة وبكَّة، ولازم ولازب، والباءُ المكرّرة، كباءِ الرّب، وكبّر، وتكبّر.
ومنها باءُ الاستقامة {آمَنَّا بِرَبِّنَا} أَي استقمنا {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أوحي إليّكَ}.
ومنها باءُ التعبير.
وتكون متضمّنة لزيادة العلم: {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ الله بِدِينِكُمْ} ومنها الباءُ اللُّغوى، وهو الرّجل الشَّبق.
الباءُ أَيضاً: النكاح.
وكذلك الباءَة والباه. اهـ.

.تفسير الآيات (10- 14):

قوله تعالى: {إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فوقاهم الله شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) متكئين فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13) وَدانية عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذللت قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما كانت الأنفس مجبولة على حب الجزاء والثناء، فكان لا يكاد يصدق أحد أن أحداً يفعل ما لا يقصد به شيئاً من ذلك، وكان الله سبحانه وتعالى قد منَّ علينا بأن جعل العبادة لأجل خوفه ورجائه لا يقدح في الإخلاص، عللوا قولهم هذا على وجه التأكيد بقولهم: {إنا نخاف} ولما كان الخوف من المحسن بالنظر إلى إحسانه موجباً للخوف منه بالنظر إلى عزه وجبروته وسلطانه من باب الأولى قالوا: {من ربنا} أي الخالق لنا المحسن إلينا {يوماً} أي أهوال يوم هو- في غاية العظمة، وبينوا عظمته بقولهم: {عبوساً} أي ضيقاً- قاله ابن عباس- رضى الله عنهما ـ، نسبوا العبوس إليه لأنه في شدته كالأسد الغضوب، فهو موجب لعبوس الوجوه فيه أو هو لعبوس أهله ك (ليله قائم ونهاره صائم وعيشة راضية) {قمطريراً} أي طويلاً- قاله ابن عباس- رضى الله عنهما ـ، أو شديد العبوس مجتمع الشر كالذي يجمع ما بين عينيه- مأخوذ من القطر لأن يومه يكون عابساً، وزيد فيه الميم وبولغ فيه بالصيغة، وهو يوم القيامة، يقال: اقمطر اليوم فهو مقمطر- إذا كان صعباً شديداً.
ولما كان فعلهم هذا خالصاً لله، سبب عنه جزاءهم فقال مخبراً أنه دفع عنهم المضار وجلب لهم المسار: {فوقاهم الله} أي الملك الأعظم بسبب خوفهم {شر ذلك اليوم} أي العظيم، وأشار إلى نعيم الظاهر بقوله: {ولقّاهم} أي تلقية عظيمة فيه وفي غيره {نضرة} أي حسناً ونعمة تظهر على وجوههم وعيشاً هنيئاً، وإلى نعيم الباطن بقوله: {وسروراً} أي دائماً في قلوبهم في مقابلة خوفهم في الدنيا وعبوس الكفار في الآخرة وخزيهم- وهذا يدل على أن وصف اليوم بالعبوس للدلالة على المبالغة في عبوس أهله، وأشار إلى المسكن بقوله: {وجزاهم بما صبروا} أي بسبب ما أوجدوه من الصبر على العبادة من لزوم الطاعة واجتناب المعصية ومنع أنفسهم الطيبات وبذل المحبوبات {جنة} أي بستاناً جامعاً يأكلون منه ما يشتهون جزاء على ما كانوا يطعمون.
ولما ذكر ما يكسو الباطن، ذكر ما يكسو الظاهر فقال: {وحريراً} أي هو في غاية العظمة.
ولما ذكر أنه كفاهم المخوف وحباهم الجنة، أتبعه حالهم فيها وحالها فقال دالاًّ على راحتهم الدائمة: {متكئين فيها} أي لأن كل ما أرادوه حضر إليهم من غير حاجة إلى حركة أصلاً، ودل على الملك بقوله: {على الأرآئك} أي الأسرة العالية التي في الحجال، لا تكون أريكة إلا مع وجود الحجلة، وقال بعضهم: هي السرير المنجد في قبة عليه شواره ونجده أي متاعه، وهي مشيرة إلى الزوجات لأن العادة جارية بأن الأرائك لا تخلو عنهن بل هي لهن لاستمتاع الأزواج بهن فيها.
ولما كانت بيوت الدنيا وبساتينها تحتاج إلى الانتقال منها من موضع إلى موضع لأجل الحر أو البرد، بين أن جميع أرض الجنة وغرفها سواء في لذة العيش وسبوغ الظل واعتدال الأمر، فقال نافياً ضر الحر ثم البرد: {لا يرون فيها} أي بأبصارهم ولا بصائرهم أصلاً {شمساً} أي ولا قمراً {ولا} أي ولا يرون فيها أيضاً ببصائرهم أي لا يحسون بما يسمى {زمهريراً} أي برداً شديداً مزعجاً ولا حراً، فالآية من الاحتباك: دل بنفي الشمس أولاً على نفي القمر، لأن ظهوره بها لأن نوره اكتساب من نور الشمس، ودل بنفي الزمهرير الذي هو سبب البرد ثانياً على نفي الحر الذي سببه الشمس، فأفاد هذا أن الجنة غنية عن النيرين، لأنها نيرة بذاتها وأهلها غير محتاجين إلى معرفة زمان لأنه لا تكليف فيها بوجه، وأنها ظليلة ومعتدلة دائماً لأن سبب الحر الآن قرب الشمس من مسامته الرؤوس، وسبب البرد بعدها عن ذلك.
ولما كانت ترجمة هذا كما مضى: جنة ظليلة ومعتدلة، عطف عليه بالواو دلالة على تمكن هذا الوصف وعلى اجتماعه مع ما قبله قوله: {ودانية} أي قريبة من الارتفاع {عليهم ظلالها} من غير أن يحصل منها ما يزيل الاعتدال {وذللت قطوفها} جمع قطف بالكسر وهو العنقود واسم للثمار المقطوفة أي المجنية {تذليلاً} أي سهل تناولها تسيهلاً عظيماً لا يرد اليد عنها بعد ولا شوك لكل من يريد أخذها على أي حالة كان من اتكاء وغيره، فإن كانوا قعوداً تدلت إليهم، وإن كانوا قياماً وكانت على الأرض ارتقت إليهم، وهذا جزاء لهم على ما كانوا يذللون أنفسهم لأمر الله. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

المسألة الرابعة:
قوله: {إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبّنَا} يحتمل وجهين أحدهما: أن إحساننا إليكم للخوف من شدة ذلك اليوم لا لإرادة مكافأتكم والثاني: أنا لا نريد منكم المكافأة لخوف عقاب الله على طلب المكافأة بالصدقة، فإن قيل: إنه تعالى حكى عنهم الإيفاء بالنذر وعلل ذلك بخوف القيامة فقط، ولما حكى عنهم الإطعام علل ذلك بأمرين بطلب رضاء الله وبالخوف عن القيامة فما السبب فيه؟ قلنا: الإيفاء بالنذر دخل في حقيقة طلب رضاء الله تعالى، وذلك لأن النذر هو الذي أوجبه الإنسان على نفسه لأجل الله فلما كان كذلك لا جرم ضم إليه خوف القيامة فقط، أما الإطعام، فإنه لا يدخل في حقيقة طلب رضا الله، فلا جرم ضم إليه طلب رضا الله وطلب الحذر من خوف القيامة.
المسألة الخامسة:
وصف اليوم بالعبوس مجازاً على طريقتين أحدهما: أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء كقولهم: نهارك صائم، روي أن الكافر يحبس حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران والثاني: أن يشبه في شدته وضراوته بالأسد العبوس أو بالشجاع الباسل.
المسألة السادسة:
قال الزجاج: جاء في التفسير أن قمطريراً معناه تعبيس الوجه، فيجتمع ما بين العينين، قال: وهذا سائغ في اللغة يقال: اقمطرت الناقة إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها ورمت بأنفها يعني أن معنى قمطر في اللغة جمع، وقال الكلبي: قمطريراً يعني شديداً وهو قول الفراء وأبي عبيدة والمبرد وابن قتيبة، قالوا: يوم قمطرير، وقماطر إذا كان صعباً شديداً أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء، قال الواحدي: هذا معنى والتفسير هو الأول.
{فوقاهم الله شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11)}
اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم أتوا بالطاعات لغرضين طلب رضا الله والخوف من القيامة بين في هذه الآية أنه أعطاهم هذين الغرضين، أما الحفظ من هول القيامة، فهو المراد بقوله: {فوقاهم الله شَرَّ ذَلِكَ اليوم} وسمى شدائدها شراً توسعاً على ما علمت، واعلم أن هذه الآية أحد ما يدل على أن شدائد الآخرة لا تصل إلا إلى أهل العذاب، وأما طلب رضاء الله تعالى فأعطاهم بسببه نضرة في الوجه وسروراً في القلب، وقد مر تفسير {ولقاهم} في قوله: {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً} [الفرقان: 75] وتفسير النضرة في قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ} [القيامة: 23] والتنكير في {سروراً} للتعظيم والتفخيم.
وقوله تعالى: {وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً}
والمعنى وجزاهم بصبرهم على الإيثار وما يؤدي إليه من الجوع والعري، بستاناً فيه مأكل هنيء وحريراً فيه ملبس بهي، ونظيره قوله تعالى: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [الحج: 23] أقول: وهذا يدل على أن المراد من قوله: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ} [الإنسان: 9] ليس هو الإطعام فقط بل جميع أنواع المواساة من الطعام والكسوة، ولما ذكر تعالى طعامهم ولباسهم، وصف مساكنهم، ثم إن المعتبر في المساكن أمور:
أحدها: الموضع الذي يجلس فيه فوصفه بقوله: {متكئين فِيهَا على الأرائك} وهي السرر في الحجال، ولا تكون أريكة إلا إذا اجتمعت، وفي نصب متكئين وجهان الأول: قال الأخفش: إنه نصب على الحال، والمعنى وجزاهم جنة في حال اتكائهم كما تقول: جزاهم ذلك قياماً، والثاني: قال الأخفش: وقد يكون على المدح.
والثاني: هو المسكن فوصفه بقوله: {لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً} وفيه وجهان أحدهما: أن هواءها معتدل في الحر والبرد والثاني: أن الزمهرير هو القمر في لغة طيء هكذا رواه ثعلب وأنشد:
وليلة ظلامها قد اعتكر ** قطعتها والزمهرير ما زهر

والمعنى أن الجنة ضياء فلا يحتاج فيها إلى شمس وقمر.
{وَدانية عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذللت قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14)}
والثالث: كونه بستاناً نزهاً، فوصفه الله تعالى بقوله: {وَدانية عَلَيْهِمْ ظلالها} وفي الآية سؤالان:
الأول:
ما السبب في نصب {وَدانية}؟ الجواب: ذكر الأخفش والكسائي والفراء والزجاج فيه وجهين أحدهما: الحال بالعطف على قوله: {متكئين} كما تقول في الدار: عبد الله متكئاً ومرسلة عليه الحجال، لأنه حيث قال: عليهم رجع إلى ذكرهم والثاني: الحال بالعطف على محل: {لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً} [الإنسان: 13] والتقدير غير رائين فيها شمساً ولا زمهريراً ودانية عليهم ظلالها ودخلت الواو للدلالة على أن الأمرين يجتمعان لهم، كأنه قيل: وجزاهم جنة جامعين فيها بين البعد عن الحر والبرد، ودنو الظلال عليهم والثالث: أن يكون دانية نعتاً للجنة، والمعنى: وجزاهم جنة دانية، وعلى هذا الجواب تكون دانية صفة لموصوف محذوف، كأنه قيل: وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً، وجنة أخرى دانية عليهم ظلالها، وذلك لأنهم وعدوا جنتين، وذلك لأنهم خافوا بدليل قوله: {إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبّنَا} [الإنسان: 10] وكل من خاف فله جنتان، بدليل قوله: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبه جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46] وقرئ: {وَدانية} بالرفع على أن {ظلالها} مبتدأ {وَدانية} خبر، والجملة في موضع الحال، والمعنى: لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً والحال أن ظلالها دانية عليهم.
السؤال الثاني:
الظل إنما يوجد حيث توجد الشمس، فإن كان لا شمس في الجنة فكيف يحصل الظل هناك؟ والجواب: أن المراد أن أشجار الجنة تكون بحيث لو كان هناك شمس لكانت تلك الأشجار مظلله منها.
قوله تعالى: {وَذللت قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً} ذكروا في ذللت وجهين الأول: قال ابن قتيبة: ذللت أدنيت منهم من قولهم: حائط ذليل إذا كان قصير السمك والثاني: ظللت أي جعلت منقادة ولا تمتنع على قطافها كيف شاءوا.
قال البراء بن عازب: ذللت لهم فهم يتناولون منها كيف شاءوا، فمن أكل قائماً لم يؤذه ومن أكل جالساً لم يؤذه ومن أكل مضطجعاً لم يؤذه. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً}
{عَبُوساً} من صفة اليوم، أي يوماً تعبِس فيه الوجوه من هوله وشدته، فالمعنى نخاف يوماً ذا عبوس.
وقال ابن عباس يعبس الكافر يومئذ حتى يسيلَ منه عرَق كالقطران.
وعن ابن عباس: العَبُوس: الضَّيِّق، والقَمْطَرِير: الطويل؛ قال الشاعر:
شدِيداً عبوساً قَمْطَرِيراً

وقيل: القَمْطرير الشديد؛ تقول العرب: يوم قَمْطرير وقُمَاطِر وعَصِيب بمعنًى؛ وأنشد الفرّاء:
بنِي عَمِّنَا هل تَذْكُرونُ بَلاَءَنا ** عليكْم إذا ما كان يومٌ قُمَاطِرُ

بضم القاف.
واقمطر إذا اشتد.
وقال الأخفش: القمطرير: أشدّ ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء؛ قال الشاعر:
ففرُّوا إذا ما الحرب ثار غُبارُها ** ولَجَّ بها اليومُ العَبُوسُ القُمَاطِرُ

وقال الكسائي: يقال اقمطر اليومُ وازمهر اقمطرارا وازمهرارا، وهو القمطرير والزمهرير، ويوم مُقْمَطِرّ إذا كان صعباً شديداً؛ قال الهذليّ:
بَنُو الحرْبِ أُرْضِعْنا لهم مُقْمَطِرَّةٌ ** ومَنْ يُلْقَ مِنّا ذلكَ اليومَ يَهْرُبِ

وقال مجاهد: إنّ العُبوس بالشفتين، والقمطرير بالجبهة والحاجبين؛ فجعلها من صفات الوجه المتغيّر من شدائد ذلك اليوم؛ وأنشد ابن الأعرابيّ:
يَغْدُو على الصَّيْدِ يَعُودُ مُنْكَسِرْ ** ويَقْمَطِرُّ ساعةً ويَكْفَهِرُّ

وقال أبو عبيدة: يقال رجل قَمْطرير أي متقبض ما بين العينين.
وقال الزجاج: يقال اقمطرت الناقةُ: إذا رَفَعت ذَنَبها وجَمَعت قُطْرَيها، وزَمَّت بأنفها؛ فاشتقه مِن القُطْر، وجعل الميم مزيدة.
قال أسد بن ناعِصة:
واصطليت الحروبَ في كلّ يومٍ ** باسِلِ الشَّرِّ قَمْطَرِيرِ الصَّباحِ

قوله تعالى: {فوقاهم الله} أي دفع عنهم {شَرَّ ذَلِكَ اليوم} أي بأسه وشدته وعذابه {وَلَقَّاهُمْ} أي أتاهم وأعطاهم حين لقُوه أي رأوه {نَضْرَةً} أي حسناً {وَسُرُوراً} أي حبوراً.
قال الحسن ومجاهد: {نَضْرَةً} في وجوههم {وَسُرُوراً} في قلوبهم.
وفي النضرة ثلاثة أوجه: أحدها أنها البياض والنقاء؛ قاله الضحاك.
الثاني الحسن والبهاء؛ قاله ابن جبير.
الثالث أنها أثر النعمة؛ قاله ابن زيد.
قوله تعالى: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ}
على الفقر، وقال القرظيّ: على الصوم، وقال عطاء: على الجوع ثلاثة أيام وهي أيام النذْر.
وقيل: بصبرهم على طاعة الله، وصبرهم على معصية الله ومحارمه.
و (ما): مصدرية، وهذا على أن الآية نزلت في جميع الأبرار ومن فعل فعلاً حسناً.
وروى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الصبر فقال: الصبر أربعة: أوّلها الصبر عند الصدمة الأولى، والصبر على أداء الفرائض، والصبر على اجتناب محارم الله، والصبر على المصائب.
{جَنَّةً وَحَرِيراً} أي أدخلهم الجنة وألبسهم الحرير.
أي يسمى بحرير الدنيا وكذلك الذي في الآخرة (وفيه) ما شاء الله عز وجل من الفضل.
وقد تقدم: أن من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإنما أُلبسه من أُلبسه في الجنة عوضاً عن حبسهم أنفسهم في الدنيا عن الملابس التي حرم الله فيها.
قوله تعالى: {متكئين فِيهَا} أي في الجنة؛ ونصب {متكئين} على الحال من الهاء والميم في {جَزَاهُمْ} والعامل فيها جزي ولا يعمل فيها {صَبَرُوا}؛ لأن الصبر إنما كان في الدنيا والاتكاء في الآخرة.
وقال الفرّاء: وإن شئت جعلت {متكئين} تابعاً، كأنه قال جزاهم جنة {متكئين فِيهَا}.
{على الأرائك} السُّرُر في الحِجَال وقد تقدم.
وجاءت عن العرب أسماء تحتوي على صفات: أحدها الأريكة لا تكون إلا في حَجَلة على سرير، ومنها السَّجْل، وهو الدّلو الممتليء ماءً، فإذا صَفِرت لم تُسمَّ سَجْلاً، وكذلك الذَّنُوب لا تُسمَّى ذَنُوباً حتى تُملأ، والكأس لا تسمى كأساً حتى تُتْرَع من الخمر.
وكذلك الطَّبَق الذي تُهدَى عليه الهدية مِهْدَى، فإذا كان فارغاً قيل طَبَق أو خِوان؛ قال ذو الرُّمَّة:
خُدُودٌ جَفَتْ في السَّيْرِ حتَّى كأنَّمَا ** يُبَاشِرْنَ بِالْمَعْزاءِ مَسَّ الأرائِكِ

أي الفرش على السرر.
{لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً} أي لا يرون في الجنة شدة حرٍّ كحرِّ الشمس {وَلاَ زَمْهَرِيراً} أي ولا برداً مفرطاً؛ قال الأعشى:
مُنَعَّمَةٌ طَفْلَةٌ كَالْمَهَا ** ةِ لَمْ تَرَ شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيرَاً

وعن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشتكت النارُ إلى ربها عز وجل قالت: يا ربّ أَكَلَ بعضي بعضاً، فجعل لها نَفَسين نَفَساً في الشتاء ونَفَساً في الصّيف، فشدّة ما تجدون من البرد من زمهريرها، وشدّة ما تجدون من الحرّ في الصيف من سَمُومها». وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن هواء الجنة سَجْسَج: لا حرٌّ ولا بردٌ» والسَّجْسَج: الظِّل الممتد كما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس.
وقال مُرَّة الهَمْداني: الزمهرير البرد القاطع.
وقال مقاتل بن حيان: هو شيء مثل رؤوس الإبر ينزل من السماء في غاية البرد.
وقال ابن مسعود: هو لون من العذاب، وهو البرد الشديد، حتى إن أهل النار إذا أُلْقوا فيه سألوا الله أن يعذِّبهم بالنار ألف سنة أهونَ عليهم من عذاب الزمهرير يوماً واحداً.
قال أبو النَّجْم:
أو كُنتُ ريحاً كُنتُ زَمْهَريراً

وقال ثعلب: الزَّمْهرير: القمر بلغة طيِّيء؛ قال شاعرهم:
وليلةٍ ظَلاَمُهَا قدِ اعتكر ** قَطَعْتُهَا والزِّمْهَريرُ ما زَهَرْ

ويروى: ما ظهر؛ أي لم يطلع القمر.
فالمعنى لا يرون فيها شمساً كشمس الدنيا ولا قمراً كقمر الدنيا، أي إنهم في ضياء مستديم، لا ليل فيه ولا نهار؛ لأن ضوء النهار بالشمس، وضوء الليل بالقمر.
وقد مضى هذا المعنى مجوداً في سورة (مريم) عند قوله تعالى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} [مريم: 62].
وقال ابن عباس: بينما أهل الجنة في الجنة إذ رأوا نوراً ظنوه شمساً قد أشرقت بذلك النور الجنة، فيقولون: قال ربنا: {لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً} فما هذا النور؟ فيقول لهم رضوان: ليست هذه شمس ولا قمر، ولكن هذه فاطمة وعليّ ضحكا، فأشرقت الجنان من نور ضحكهما، وفيهما أنزل الله تعالى: {هَلْ أتى عَلَى الإنسان} وأنشد:
أنا مَوْلىً لِفَتَى ** أُنْزِلَ فيه هَلْ أَتَى

ذاكَ عليٌّ المُرْتَضَى ** وابن عَمِّ المصطفَى

قوله تعالى: {وَدانية عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا} أي ظل الأشجار في الجنة قريبة من الأبرار، فهي مُظِلّة عليهم زيادة في نعيمهم وإن كان لا شمس ولا قمر ثَمَّ؛ كما أن أمشاطهم الذهب والفضة، وإن كان لا وسخ ولا شَعَث ثَمَّ.
ويقال: إن ارتفاع الأشجار في الجنة مقدار مائة عام، فإذا اشتهى وليّ الله ثمرتها دانت حتى يتناولها.
وانتصبت {دانية} على الحال عطفاً على {متكئين} كما تقول: في الدار عبد الله متكئاً ومرسلة عليه الحجال.
وقيل: انتصبت نعتاً للجنة؛ أي وجزاهم جنةً دانية، فهي صفة لموصوف محذوف.
وقيل: على موضع {لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً} ويرون دانية.
وقيل: على المدح أي دنت دانية.
قاله الفراء.
{ظِلاَلُهَا} الظلال مرفوعة بدانية، ولو قرئ برفع دانية على أن تكون الظلال مبتدأ ودانية الخبر لجاز، وتكون الجملة في موضع الحال من الهاء والميم في {وجَزَاهُمْ} وقد قرئ بذلك.
وفي قراءة عبد الله {وَدَانِيًا عَلَيْهِمْ} لتقدم الفعل.
وفي حرف أُبيّ {وَدَانٍ} رفع على الاستئناف {وَذللت} أي سُخِّرت لهم {قُطُوفُهَا} أي ثمارها {تَذْلِيلاً} أي تسِخيراً، فيتناولها القائم والقاعد والمضطجع، لا يرد أيديهم عنها بُعدٌ ولا شوك؛ قاله قتادة.
وقال مجاهد: إن قام أحد ارتفعت له، وإن جلس تدلّت عليه، وإن اضطجع دنت منه فأكل منها.
وعنه أيضاً: أرض الجنة من وَرِق، وترابها الزعفران، وطيبها مسك أذفر، وأصول شجرها ذهب وورِق، وأفنانها اللؤلؤ والزبرجد والياقوت، والثمر تحت ذلك كله؛ فمن أكل منها قائماً لم تؤذِه، ومن أكل منها قاعداً لم تؤذِه، ومن أكل منها مضطجعاً لم تؤذِه.
وقال ابن عباس: إذا همَّ أن يتناول من ثمارها تدلّت إليه حتى يتناول منها ما يريد، وتذليل القطوف تسهيل التناول.
والقطوف: الثمار، الواحد قِطف بكسر القاف، سمّي به لأنه يُقطَف، كما سمّي الجَنَى لأنه يُجنى.
{تَذْلِيلاً} تأكيد لما وصف به من الذِّل؛ كقوله: {وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} [الإسراء: 106] {وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً} [النساء: 164].
الماورديّ: ويحتمل أن يكون تذليل قطوفها أن تبرز لهم من أكمامها، وتخلص لهم من نواها.
قلت: وفي هذا بعدٌ؛ فقد روى ابن المبارك، قال: أخبرنا سفيان عن حماد عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس قال: نخل الجنة: جذوعها زُمُرُّد أخضر، وكَرَبها ذهب أحمر، وسَعَفها كُسْوة لأهل الجنة، منها مُقطَّعاتهم وحُلَلهم، وثمرها أمثال القِلال والدِّلا، أشدّ بياضاً من اللَّبَن، وأحلى من العسل، وألين من الزُّبْد ليس فيه عَجَم.
قال أبو جعفر النحاس: ويقال المذلّل الذي قد ذلّله الماءُ أي أرواه.
ويقال المذلّل الذي يُفَيِّئُه أدنى ريح لنَعْمته، ويقال المذلّل المُسَوَّى؛ لأن أهل الحجاز يقولون: ذلّل نَخْلكَ أي سَوِّه، ويقال المُذلّل القريب المتناوَل؛ من قولهم: حائط ذَليلٌ أي قصير.
قال أبو جعفر: وهذه الأقوال التي حكيناها ذكرها أهل العلم باللغة وقالوها في قول امرىء القيس:
وساقٍ كَأَنْبوبِ السَّقِيّ المُذلّل

اهـ.

.قال الألوسي:

{إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبّنَا يَوْماً} أي عذاب يوم فهو على تقدير مضاف أو إن خوفه كناية عن خوف ما فيه {عَبُوساً} تعبس فيه الوجوه على أنه من الإسناد المجازي كما في نهاره صائم فقد روى عن ابن عباس أن الكافر يعبس يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران أو يشبه الأسد العبوس على أنه من الاستعارة المكنية التخييلية لكن لا يخفى أن العبوس ليس من لوازم الأسد وإنما اشتهر وصفه به ففي التخييلية ضعف ما وقيل أنه من التشبيه البليغ {قَمْطَرِيراً} شديد العبوس ويقال شديداً صعباً كأنه التف شره بعضه ببعض وقيل طويلاً وهو رواية عن ابن عباس وجاء قماطر وأنشدوا لأسد بن ناغصة: واصطليت الحروب في كل يوم ** باسل الشر قمطرير الصباح
وقول آخر:
بني عمنا هل تذكرون بلائنا ** عليكم إذا ما كان يوم قماطر

وإلى الأول ذهب الزجاج فقال القمطرير الذي يعبس حتى يجتمع ما بين عينيه ويقال اقمطرت الناقة إذا رفعت ذنبها وزمت بأنفها وجمعت قطريها أي جانبيها كأنها تفعل ذلك إذا لحقت كبراً وقيل لتضع حملها فاشتقاقه عنده على ما قيل من قطر بالاشتقاق الكبير والميم زائدة وهذا لا يلزم الزجاج فيجوز أن يكون مشتقاً كذلك من القمط ويقال قمطه إذا شده وجمع أطرافه وفي (البحر) يقال اقمطر فهو مقمطر و{قمطرير} وقماطر إذا صعب واشتد واختلف في هذا الوزن وأكثر النحاة لا يثبتون أفمعل في أوزان الأفعال وهذه الجملة جوز أن تكون علة لإحسانهم وفعلهم المذكور كأنه قيل نفعل بكم ما نفعل لأنا نخاف يوماً صفته كيت وكيت فنحن نرجو بذلك أن يقينا ربنا جل وعلا شره وأن تكون علة لعدم إرادة الجزاء والشكور أي إنا لا نريد منكم المكافأة لخوف عقاب الله تعالى على طلب المكافأة بالصدقة وإلى الوجهين أشار في (الكشاف) وقال في الكشف الثاني أوجه ليبقى قوله: {لوجه الله} [الإنسان: 9] خالصاً غير مشوب بحظ النفس من جلب نفع أو دفع ضر ولو جعل علة للإطعام المعلل على معنى إنما خصصنا الإحسان لوجهه تعالى لأنا نخاف يوم جزائه ومن خافه لازم الإخلاص لكان وجهاً.
{فوقاهم الله شَرَّ ذَلِكَ اليوم} بسبب خوفهم وتحفظهم عنه وقرأ أبو جعفر {فوقاهم} بشد القاف وهو أوفق بقوله تعالى: {ولقاهم نَضْرَةً وَسُرُوراً} أي أعطاهم بدل عبوس الفجار وحزنهم نضرة في الوجوه وسروراً في القلوب.
{وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ} بصبرهم على مشاق الطاعات ومهاجرة هوى النفس في اجتناب المحرمات وإيثار الأموال ما كلا وملبسا {جَنَّةُ} بستاناً عظيماً يأكلون منه ما شاؤا {وَحَرِيراً} يلبسونه ويتزينون به ومن رواية عطاء عن ابن عباس أن الحسن والحسين مرضا فعادهما جدهما محمد صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وعادهما من عادهما من الصحابة فقالوا لعلي كرم الله تعالى وجهه يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما أن برآ مما بهما أن يصوموا ثلاثة أيام شكراً فالبس الله تعالى الغلامين ثوب العافية وليس عند آل محمد قليل ولا كثير فانطلق علي كرم الله تعالى وجهه إلى شمعون اليهودي الخيبري فاستقرض منه ثلاثة أصوع من شعير فجاء بها فقامت فاطمة رضي الله تعالى عنها إلى صاع فطحنته وخبزت منه خمسة أقراص على عددهم وصلى علي كرم الله تعالى وجهه مع النبي صلى الله عليه وسلم المغرب ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه فوقف بالباب سائل فقال السلام عليكم يا أهل بيت محمد صلى الله عليه وسلم أنا مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله تعالى من موائد الجنة فآثروه وباتوا لم يذوقوا شيئاً إلا الماء وأصبحوا صياماً ثم قامت فاطمة رضي الله تعالى عنها إلى صاع آخر فطحنته وخبزته وصلى علي كرم الله تعالى وجهه مع النبي صلى الله عليه وسلم المغرب ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه فوقف يتيم بالباب وقال السلام عليكم يا أهل بيت محمد صلى الله عليه وسلم يتيم من أولاد المهاجرين أطعموني أطعمكم الله تعالى من موائد الجنة فآثروه ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا شيئاً إلا الماء القرأح وأصبحوا صياماً فلما كان يوم الثالث قامت فاطمة رضي الله تعالى عنها إلى الصاع الثالث وطحنته وخبزته وصلى علي كرم الله تعالى وجهه مع النبي صلى الله عليه وسلم المغرب فأتى المنزل فوضع الطعام بين يديه فوقف أسير بالباب فقال السلام عليكم يا أهل بيت محمد صلى الله عليه وسلم أنا أسير محمد عليه الصلاة والسلام أطعموني أطعمكم الله فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلا الماء القرأح فلما أصبحوا أخذ علي كرم الله تعالى وجهه الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورآهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال: «يا أبا الحسن ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم» وقام فانطلق معهم إلى فاطمة رضي الله تعالى عنها فرآها في محرابها قد التصق بطنها بظهرها وغارت عيناها من شدة الجوع فرق لذلك صلى الله عليه وسلم وساءه ذلك فهبط جبريل عليه السلام فقال خذها يا محمد هناك الله تعالى في أهل بيتك قال: «وما آخذ يا جبريل» فاقرأه {هل أتى على الإنسان} [الإنسان: 1] السورة وفي رواية ابن مهران فوثب النبي صلى الله عليه وسلم حتى دخل على فاطمة فأكب عليها يبكي فهبط جبريل عليه السلام بهذه الآية {إن الأبرار يشربون} [الإنسان: 5] إلى آخره.
وفي رواية عن عطاء أن الشعير كان عن أجرة سقي نخل وأنه جعل في كل يوم ثلث منه عصيدة فآثروا بها.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه قال في قوله سبحانه: {وَيُطْعِمُونَ} إلخ نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر القصة والخبر مشهور بين الناس وذكره الواحدي في كتاب البسيط وعليه قول بعض الشيعة:
إلام آلام وحتى متى ** أعاتب في حب هذا الفتى

وهل زوجت غيره فاطم ** وفي غيره هل أتى هل أتى

وتعقب بأنه خبر موضوع مفتعل كما ذكره الترمذي وابن الجوزي وآثار الوضع ظاهرة عليه لفظاً ومعنى ثم إنه يقتضي أن تكون السورة مدنية لأن بناء علي كرم الله تعالى وجهه على فاطمة رضي الله تعالى عنها كان بالمدينة وهي عند ابن عباس المروى هو عنه على ما أخرج النحاس مكية وكذا عند الجمهور في قول وأقول أمر مكيتها ومدنيتها مختلف فيه جدًّا كما سمعت فلا جزم فيه بشيء وابن الجوزي نقل الخبر في تبصرته ولم يتعقبه على أنه ممن يتساهل في أمر الوضع حتى قالوا أنه لا يعول عليه في هذا الباب فاحتمال أصل النزول في الأمير كرم الله تعالى وجهه وفاطمة رضي الله تعالى عنها قائم ولا جزم بنفي ولا إثبات لتعارض الأخبار ولا يكاد يسلم المرجح عن قيل وقال نعم لعله يترجح عدم وقوع لكيفية التي تضمنتها الرواية الأولى ثم إنه على القول بنزولها فيهما لا يتخصص حكمها بهما بل يشمل كل من فعل مثل ذلك كما ذكره الطبرسي من الشيعة في (مجمع البيان): راوياً له عن عبد الله بن ميمون عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه وعلى القول بعدم النزول فيهما لا يتطامن مقامهما ولا ينقص قدرهما إذ دخولهما في الأبرار أمر جلي بل هو دخول أولى فهماهما وماذا عسى يقول أمرؤ فيهما سوى أن علياً مولى المؤمنين ووصى النبي وفاطمة البضعة الأحمدية والجزء المحمدي وأما الحسنان فالروح والريحان وسيدا شباب الجنان وليس هذا من الرفض بشيء بل ما سواه عندي هو الغي.
أنا عبد الحق لا عبد الهوى ** لعن الله الهوى فيمن لعن

ومن اللطائف على القول بنزولها فيهم أنه سبحانه لم يذكر فيها الحور العين وإنما صرح عز وجل بولدان مخلدين رعاية لحرمة البتول وقرة عين الرسول لئلا تثور غيرتها الطبيعة إذا أحست بضرة وهي في أفواه تخيلات الطباع البشرية ولو في الجنة مرة ولا يخفى عليك أن هذا زهرة ربيع ولا تتحمل الفرك ثم التذكير على ذلك أيضاً من باب التغليب وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه {جازاهم} على وزن فاعل.
{متكئين فِيهَا على الأرائك} حال من هم في {جزاهم} والعامل جزى وخص الجزاء بهذه الحالة لأنها أتم حالات المتنعم ولا يضر في ذلك قوله تعالى: {بِمَا صَبَرُواْ} [الإنسان: 12] لأن الصبر في الدنيا وما تسبب عليه في الآخرة وقيل صفة الجنة ولم يبرز الضمير مع أن الصفة جارية على غير من هي عليه فلم يقل متكئين هم فيها لعدم الإلباس كما في قوله:
قومي ذرى المجد بانوها وقد علمت ** بكنه ذلك عدنان وقحطان

وأنت تعلم أن هذا رأي الكوفية ومذهب البصرية وجوب إبراز الضمير في ذلك مطلقاً وفي البيت كلام وقيل يجوز كونه حالاً مقدرة من ضمير صبروا وليس بذاك والأرائك جمع أريكة وهي السرير في الحجلة من دونه ستر ولا يسمى مفرداً أريكة وقيل هو كل ما اتكىء عليه من سرير أو فراش أو منصة وكان تسميته بذلك لكونه مكاناً للإقامة أخذاً من قولهم أرك بالمكان أروكاً أقام وأصل الأروك الإقامة على رعي الأراك الشجر المعروف ثم استعمل في غيره من الإقامات وقوله تعالى: {لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً} إما حال ثانية من الضمير أو حال من المستكن في {متكئين} وجوز فيه كونه صفة لـ: {جنة} أيضاً والمراد من ذلك أن هواءها معتدل لا حر شمس يحمي ولا شدة برد يؤذي وفي الحديث «هواء الجنة سجسج لا حر ولا قر» فقصد بنفي الشمس نفيها ونفي لازمها معاً لقوله سبحانه {ولا زمهريراً} فكأنه قيل لا يرون فيها حراً ولا قرأ وقيل الزمهرير القمر وعن ثعلب أنه في لغة طيء وأنشد:
وليلة ظلامها قد اعتكر ** قطعتها والزمهرير ما زهرر

وليس هذا لأن طبيعته باردة كما قيل لأنه في حيز المنع بل قيل أنه برهن على أن الأنوار كلها حارة فيحتمل أن ذلك للمعانه أخذاً له من ازمهر الكوكب لمع والمعنى على هذا القول أن هواءها مضيء بذاته لا يحتاج إلى شمس ولا قمر وفي الحديث: «أن الجنة لا خطر بها هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد» الحديث ثم أنها مع هذا قد يظهر فيها نور أقوى من نورها كما تشهد به الأخبار الصحيحة وفي بعض الآثار عن ابن عباس بينا أهل الجنة في الجنة إذ رأوا ضوءا كضوء الشمس وقد أشرقت الجنان به فيقول أهل الجنة يا رضوان ما هذا وقد قال ربنا {لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً} فيقول لهم رضوان ليس هذا بشمس ولا قمر ولكن علي وفاطمة رضي الله تعالى عنهما ضحكا فأشرقت الجنان من نور ثغريهما.
{وَدانية عَلَيْهِمْ ظلالها} عطف على الجملة وحالها حالها أو صفة لمحذوف معطوف على {جنة} فيما سبق أي وجنة أخرى دانية عليهم ظلالها على أنهم وعدوا جنتين كما في قوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبه جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46] وقرأ أبو حيوة {دانية} بالرفع وخرج على أن {دانية} خبر مقدم لظلالها والجملة في حيز الحال على أن الواو عاطفة أو حالية أو في حيز الصفة على أن الواو عاطفة أيضاً أو للإلصاق على ما يراه الزمخشري وقال الأخفش {ظلالها} مرفوع بـ: {دانية} على الفاعلية واستدل بذلك على جواز عمل اسم الفاعل من غير اعتماد نحو قائم الزيدون وقد علمت أنه لا يصلح للاستدلال لقيام ذلك الاحتمال على أنه يجوز أن يكون خبر المبتدأ مقدر فيعتمد أي وهي دانية عليهم ظلالها وقرأ أبي {ودان} كقاض ولا يتم الاستدلال به للأخفش أيضاً وإن كان بينه وبين ما تقدم فرق ما وقرأ الأعمش {ودانياً} عليهم نحو {خاشعاً أبصارهم} والمراد أن ظلال أشجار الجنة قريبة من الأبرار مظلة عليهم زيادة في نعيمهم {وَذللت قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً} أي سخرت ثمارها لمتناولها وسهل أخذها من الذل وهو ضد الصعوبة قال قتادة ومجاهد وسفيان إن كان الإنسان قائماً تناول الثمر دون كلفة وإن كان قاعداً أو مضطجعاً فكذلك فهذا تذليلها لا يرد اليد عنها بعد ولا شوك والجملة حال من ضمير {دانية} أي تدنو ظلالها عليهم مذللة لهم قطوفها أو معطوفة على ما قبلها وهي فعلية معطوفة على اسمية في قراءة {دانية} بالرفع ونكتة التخالف أن استدامة الظل مطلوبة هنالك والتجدد في تذليل القطوف على حسب الحاجة. اهـ.

.قال ابن عاشور:

وأما قوله: {إنّا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً}
فهو مقول لقول يقولونه في نفوسهم أو ينطق به بعضهم مع بعض وهو حال من ضمير {يخافون} [الإنسان: 7] أي يخافون ذلك اليوم في نفوسهم قائلين: {إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريرا}، فحكي وقولهم: {إنما نطعمكم لوجه الله} وقولهم: {إنا نخاف} الخ.
على طريقة اللف والنشر المعكوس والداعي إلى عكس النشر مراعاة حسن تنسيق النظم ليكون الانتقال من ذكر الإِطعام إلى ما يقولونه للمطعمين، والانتقال من ذكر خوف يوم الحساب إلى بشارتهم بوقاية الله إياهم من شر ذلك اليوم وما يلقونه فيه من النضرة والسرور والنعيم.
فيجوز أن يكون {من ربنا} ظرفاً مستقرا وحرف {مِن} ابتدائية وهو حال من {يوماً} قُدم عليه، أي نخاف يوماً عبوساً قمطريراً حال كونه من أيّام ربنا، أي من أيام تصاريفه.
ويجوز أن تكون {مِن} تجريدية كقولك: لي من فلان صديق حميم.
ويكون {يوماً} منصوباً على الظرفية وتنوينه للتعظيم، أي نخافه في يوم شديد.
و {عَبوساً}: منصوباً على المفعول لفعل {نخاف}، أي نخاف غضبان شديدَ الغضب هُو ربنا، فيكون في التجريد تقوية للخوف إذ هو كخوف من شيْئينِ (وتلك نكتة التجريد)، أو يكون {عبوساً} حالاً {من ربنا}.
ويجوز أن تجعل {مِن} لتعدية فعل {نخاف} كما عدي في قوله تعالى: {فمن خاف مِن موصصٍ جَنفَاً} [البقرة: 182].
وينتصب {يوماً} على المفعول به لفعل {نخاف} فصار لفعل {نخاف} معمولانِ.
و {عبوساً} صفة ل {يوماً}، والمعنى: نخاف عذاب يوم هذه صفته، ففيه تأكيد الخوف بتكرير متعلِّقه ومرجع التكرير إلى كونه خوف الله لأن اليوم يوم عدل الله وحكمه.
والعبوس: صفة مشبهة لمن هو شديد العبس، أي كُلُوحُ الوجه وعدم انطلاقه، ووصف اليوم بالعبوس على معنى الاستعارة.
شُبه اليوم الذي تحدث فيه حوادث تَسُوءهم برجل يخالطهم يكون شرس الأخلاق عبوساً في معاملته.
والقمطرير: الشديد الصعب من كل شيء.
وعن ابن عباس: القمطرير المقبض بين عينيه مشتق من قمطر القاصر إذا اجتمع، أو قمطر المتعدي إذا شد القربة بوكاء ونحوه، ومنه سمي السفط الذي توضع فيه الكتب قمطرا وهو كالمحفظة.
وميم قمطرير أصلية فوزنه فعلليل مثل خَنْدَرِيس وزَنْجبيل، يقال: قمطر للشر، إذا تهيأ له وجمع نفسه.
والجمهور جعلوا {قمطريراً} وصف {يوماً} ومنهم من جعلوه وصف {عبوساً} أي شديد العبوس.
وهذه الآية تعمّ جميع الأبرار وعلى ذلك التحم نسجها، وقد تلقفها القصاصون والدعاة فوضعوا لها قصصاً مختلفة وجاؤوا بأخبار موضوعة وأبيات مصنوعة فمنهم من زعم أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب وفاطمة رضي الله عنهما في قصة طويلة ذكرها الثعلبي والنقاش وساقها القرطبي بطولها ثم زيفها.
وذكر عن الحكيم الترمذي أنه قال في (نوادر الأصول): هذا حديث مروّق مزيف وأنه يشبه أن يكون من أحاديث أهل السجون.
وقيل نزلت في مُطعم بن ورقاء الأنصاري، وقيل في رجل غيره من الأنصار، وقد استوفى ذلك كله القرطبي في تفسيره فلا طائل تحت اجتلابه، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله أهل لأن ينزل القرآن فيهم إلاّ أن هذه الأخبار ضعيفة أو موضوعة.
{فوقاهم الله شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11)}
تفريع على قوله: {يُوفُون بالنذر إلى قمطريراً} [الإنسان: 7 10].
وفي هذا التفريع تلوين للحديث عن جزاء الأبرار وأهل الشُكور، وهذا برزخ للتخلص إلى عَود الكلام على حسن جزائهم أن الله وقاهم شرّ ذلك اليوم وهو الشر المستطير المذكور آنفاً، وقاهم إياه جزاءً على خوفهم إياه وأنه لقاهم نضرة وسروراً جزاء على ما فعلوا من خير.
وأُدمج في ذلك قوله: {بما صبروا} الجامع لأحوال التقوى والعمل الصالح كله لأن جميعه لا يخلو عن تحمل النفس لترك محبوب أو فعل ما فيه كلفة، ومن ذلك إطعام الطعام على حبه.
و {لقَّاهم} معناه: جعلهم يَلْقَون نضرة وسروراً، أي جعل لهم نضرة وهي حسن البشَرة، وذلك يحصل من فرح النفس ورفاهية العيش قال تعالى: {وجوه يومئذٍ ناضرة} [القيامة: 22] فمُثل إلقاء النضرة على وجوههم بزجّ أحد إلى لقاء أحد على طريقة التمثيل.
وضمير الغائبةِ و{نضرة} مفعولا (لَقى) من باب كَسَا.
وبين (وَقَاهم) و{لَقَّاهم} الجناس المحرَّف.
وجملة {وجزاهم بما صبروا جنةً وحريراً}، عطف على جملة {فوقاهم} وجملة {ولقاهم} لتماثل الجمل الثلاث في الفعلية والمُضيّ وهما محسنان من محسنات الوصل.
والحرير: اسم لخيوط من مفرزات دودة مخصوصة، وتقدم الكلام عليه في سورة فاطر.
وكان الجزاء برفاهية العيش إذ جعلهم في أحسن المساكن وهو الجنة، وكساهم أحسن الملابس وهو الحرير الذي لا يلبسه إلاّ أهل فرط اليسار، فجمع لهم حسن الظرف الخارج وحسن الظرف المباشر وهو اللباس.
والمراد بالحرير هنا: ما ينسج منه.
و {متكئين}: حال من ضمير الجمع في {جزاهم}، أي هم في الجنة متكئون على الأرائك.
والاتكاء: جَلسة بين الجلوس والاضطجاع يستند فيها الجالس على مرفقه وجنبه ويمد رجليه وهي جلسة ارتياح، وكانت من شعار الملوك وأهل البذخ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أمَّا أنا فلا آكل متكئاً» وتقدم ذلك في سورة يوسف (31) عند قوله تعالى: {وأعْتَدَتْ لَهُن مُتَّكَئاً}
و {الأرائك}: جمع أريكة بوزن سفينة.
والأريكة: سرير عليه وسادة معها ستر وهو حَجَلتُه، والحجلة بفتحتين وبتقديم الحاء المهملة على الجيم: كِلَّة تنصب فوق السرير لتقي الحر والشمس، ولا يسمى السرير أريكة إلاّ إذا كان معه حَجَلة.
وقيل: كل ما يتوسد ويفترش مما له حشو يسمى أريكة وإن لم تكن له حَجَلة، وفي (الإِتقان) عن ابن الجوزي: أن الأريكة السرير بالحبشية فزاده السيوطي على أبيات ابن السبكي وابن حجر في (جمع المعرب في القرآن).
وجملة: {لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً} حال ثانية من ضمير الغائب في {جزاهم} أو صفة {جنة}.
والمراد بالشمس: حرّ أشعتها، فنفي رؤية الشمس في قوله: {لا يرون فيها شمساً} فيكون نفي رؤية الشمس كناية عن نفي وجود الشمس الذي يلزمه انتفاء حرّ شعاعها فهو من الكناية التلويحية كقوله:
ولا تَرى الضب بها ينجَحِرْ

أي لا ضب بها فتراه ولا يكون انجحاره.
والزمهرير: اسم للبرْد القوي في لغة الحجاز، والزمهرير: اسم البرد.
والمعنى: أن هواء الجنة معتدل لا ألم فيه بحال.
وفي كلام الرابعة من نساء حديث أم زرع «زوجي كلَيْللِ تِهامهْ، لا حرَّ ولا قُرّ ولا مخافةَ ولا سآمهْ».
وقال ثعلب: الزمهرير اسم القمر في لغة طيء، وأنشد:
وليلة ظلامها قد اعتكر ** قطعتها والزمهريرُ ما زَهَر

والمعنى على هذا: أنهم لا يرون في الجنة ضوء الشمس ولا ضوء القمر، أي ضوء النهار وضوء الليل لأن ضياء الجنة من نور واحد خاص بها.
وهذا معنى آخر غير نفي الحر والبرد.
ومن الناس من يقول: المراد بالشمس حقيقتها وبالزمهرير البرد وإن في الكلام احتباكاً، والتقديرُ: لا يرون فيها شمساً ولا قَمراً ولا حَرّاً ولا زمهريراً وجعلوه مثالاً للاحتباك في المحسنات البديعية، ولعل مراده: أن المعنى أن نورها معتدل وهواءَها معتدل.
{ودانية عليهم ظلالها} انتصب {دانية} عطفاً على {متكئين} لأن هذا حال سببي من أحوال المتكئين، أي ظلال شجر الجنة قريبَة منهم.
و {ظلالها} فاعل {دانية} وضمير {ظلالها} عائد إلى {جنة}.
ودنو الظلال: قربها منهم وإذ لم يعهد وصف الظل بالقرب يظهر أن دنوّ الظلال كناية عن تدلّي الأدواح التي من شأنها أن تظلل الجنات في معتاد الدنيا ولكن الجنة لا شمس فيها فيستظلَّ من حرّها، فتعين أن تركيب {دانية عليهم ظلالُها} مثَل يطلق على تدلِّي أفنان الجنة لأن الظل المظلل للشخص لا يتفاوت بدنوّ ولا بعد، وقد يكون {ظلالها} مجازاً مرسلاً عن الأفنان بعلاقة اللزوم.
والمعنى: أن أدواح الجنة قريبة من مجالسهم وذلك مما يزيدها بهجة وحسناً وهو في معنى قوله تعالى: {قُطُوفها دانية} [الحاقة: 23].
ولذلك عطف عليه جملة {وذللت قطوفها تذليلاً}.
أي سخرت لهم قطوف تلك الأدواح وسهلت لهم بحيث لا التواء فيها ولا صلابة تتعب قاطفها ولا يتمطَّون إليها بل يجتنونها بأسهللِ تناول.
فاستعير التذليل للتيسير كما يقال: فرس ذَلول: أي مِطواع لراكبه، وبقرة ذَلول، أي ممرنة على العمل، وتقدم في سورة البقرة.
والقُطوف: جمع قِطف بكسر القاف وسكون الطاء، وهو العنقود من التمر أو العنب، سمّي قِطفاً بصيغة من صيغ المفعول مثل ذِبح، لأنه يقصد قَطفه فإطلاق القطف عليه مجاز باعتبار المآل شاع في الكلام.
وضمير {قطوفها} عائد إلى {جنة} أو إلى {ظلالها} باعتبار الظلال كناية عن الأشجار.
و {تذليلاً} مصدر مؤكّد لذلك، أي تذليلاً شديداً منتهياً. اهـ.

.قال الشوكاني في الآيات السابقة:

{هَلْ أَتَى عَلَى الإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1)}
حكى الواحدي عن المفسرين، وأهل المعاني أن {هَلُ} هنا بمعنى قد، وليس باستفهام، وقد قال بهذا سيبويه، والكسائي، والفراء، وأبو عبيدة.
قال الفراء: هل تكون جحداً، وتكون خبراً، فهذا من الخبر؛ لأنك تقول: هل أعطيتك تقرّره بأنك أعطيته، والجحد أن تقول: هل يقدر أحد على مثل هذا وقيل: هي وإن كانت بمعنى قد، ففيها معنى الاستفهام، والأصل: أهل أتى، فالمعنى: أقد أتى، والاستفهام للتقرير والتقريب، والمراد بالإنسان هنا آدم، قاله قتادة، والثوري، وعكرمة، والسديّ وغيرهم {حِينٌ مّنَ الدهر} قيل: أربعون سنة قبل أن ينفخ فيه الروح.
وقيل: إنه خلق من طين أربعين سنة، ثم من حمأ مسنون أربعين سنة، ثم من صلصال أربعين سنة، فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة.
وقيل: الحين المذكور هنا لا يعرف مقداره.
وقيل المراد بالإنسان بنو آدم، والحين مدّة الحمل، وجملة: {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} في محل نصب على الحال من الإنسان، أو في محل رفع صفة لحين.
قال الفراء، وقطرب، وثعلب: المعنى أنه كان جسداً مصوّراً تراباً وطيناً لا يذكر، ولا يعرف ولا يدرى ما اسمه، ولا ما يراد به، ثم نفخ فيه الروح فصار مذكوراً.
وقال يحيى بن سلام: لم يكن شيئًا مذكوراً في الخلق، وإن كان عند الله شيئًا مذكوراً.
وقيل: ليس المراد بالذكر هنا الإخبار، فإن إخبار الربّ عن الكائنات قديم، بل هو الذكر بمعنى الخطر والشرف، كما في قوله: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف: 44].
قال القشيري: ما كان مذكوراً للخلق وإن كان مذكوراً لله سبحانه.
قال الفراء: كان شيئًا ولم يكن مذكوراً.
فجعل النفي متوجهاً إلى القيد.
وقيل المعنى: قد مضت أزمنة وما كان آدم شيئًا، ولا مخلوقاً ولا مذكوراً لأحد من الخليقة.
وقال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: هل أتى حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكوراً؛ لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله، ولم يخلق بعده حيوان.
{إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ} المراد بالإنسان هنا: ابن آدم.
قال القرطبي: من غير خلاف، والنطفة: الماء الذي يقطر، وهو المنيّ، وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة، وجمعها نطف، و{أَمْشَاجٍ} صفة لنطفة، وهي جمع مشج أو مشيج، وهي الأخلاط، والمراد: نطفة الرجل ونطفة المرأة واختلاطهما.
يقال: مشج هذا بهذا، فهو ممشوج، أي: خلط هذا بهذا فهو مخلوط.
قال المبرد: مشج يمشج إذا اختلط، وهو هنا اختلاط النطفة بالدم.
قال رؤبة بن العجاج:
يطرحن كل معجل مشاج ** لم يكس جلداً من دم أمشاج

قال الفراء: أمشاج: اختلاط ماء الرجل وماء المرأة، والدم والعلقة، ويقال مشج هذا: إذا خلط.
وقيل الأمشاج: الحمرة في البياض والبياض في الحمرة.
قال القرطبي: وهذا قول يختاره كثير من أهل اللغة.
قال الهذلي:
كأن الريش والفوقين منه ** حلاف النصل نيط به مشيج

وذلك لأن ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فيخلق منهما الولد.
قال ابن السكيت: الأمشاج: الأخلاط لأنها ممتزجة من أنواع يخلق الإنسان منها وطباع مختلفة.
وقيل: الأمشاج لفظ مفرد كبرمة أعشار، ويؤيد هذا وقوعه نعتاً لـ: {نطفة}، وجملة: {نبتليه} في محل نصب على الحال من فاعل {خلقنا}، أي: مريدين ابتلاءه، ويجوز أن يكون حالاً من {الإنسان}، والمعنى: نبتليه بالخير والشرّ وبالتكاليف.
قال الفراء: معناه والله أعلم {جعلناه سَمِيعاً بَصِيراً} نبتليه، وهي: مقدّمة معناها التأخير؛ لأن الابتلاء لا يقع إلاّ بعد تمام الخلقة، وعلى هذا تكون هذه الحال مقدّرة.
وقيل: مقارنة.
وقيل: معنى الابتلاء: نقله من حال إلى حال على طريقة الاستعارة، والأوّل أولى.
ثم ذكر سبحانه أنه أعطاه ما يصحّ معه الابتلاء، فقال: {إِنَّا هديناه السبيل إِمَّا شاكراً وَإِمَّا كفوراً} أي: بينا له، وعرّفناه طريق الهدى والضلال، والخير والشرّ، كما في قوله: {وهديناه النجدين} [البلد: 10] قال مجاهد: أي بينا السبيل إلى الشقاء والسعادة.
وقال الضحاك، والسديّ، وأبو صالح: السبيل هنا خروجه من الرحم.
وقيل: منافعه ومضارّه التي يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله، وانتصاب {شاكراً} و{كفوراً} على الحال من مفعول، {هديناه} أي: مكناه من سلوك الطريق في حالتيه جميعاً.
وقيل: على الحال من سبيل على المجاز، أي: عرّفناه السبيل إما سبيلاً شاكراً وإما سبيلاً كفوراً.
وحكى مكيّ عن الكوفيين أن قوله: {إمّا} هي إن شرطية زيدت بعدها ما، أي: بينا له الطريق إن شكر وإن كفر.
واختار هذا الفرّاء، ولا يجيزه البصريون؛ لأن إن الشرطية لا تدخل على الأسماء إلا أن يضمر بعدها فعل، ولا يصح هنا إضمار الفعل؛ لأنه كان يلزم رفع {شاكراً} و{كفوراً}.
ويمكن أن يضمر فعل ينصب {شاكراً} و{كفوراً}، وتقديره: إن خلقناه شاكراً فشكور، وإن خلقناه كافراً فكفور، وهذا على قراءة الجمهور: {إما شاكراً وإما كفوراً} بكسر همزة إما.
وقرأ أبو السماك، وأبو العجاج بفتحها، وهي على الفتح إما العاطفة في لغة بعض العرب، أو هي التفصيلية، وجوابها مقدّر.
وقيل: انتصب {شاكراً} و{كفوراً} بإضمار كان، والتقدير: سواء كان شاكراً أو كان كفوراً.
ثم بيّن سبحانه ما أعدّ للكافرين فقال: {إِنَّا أَعْتَدْنَا للكافرين سلاسل وأغلالا وَسَعِيراً} قرأ نافع، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وهشام عن ابن عامر: {سلاسلاً} بالتنوين، ووقف قنبل عن ابن كثير، وحمزة بغير ألف، والباقون وقفوا بالألف.
ووجه من قرأ بالتنوين في {سلاسل} مع كون فيه صيغة منتهى الجموع أنه قصد بذلك التناسب؛ لأن ما قبله وهو: {إِمَّا شاكراً وَإِمَّا كفوراً}، وما بعده وهو: {أغلالا وَسَعِيراً} منوّن، أو على لغة من يصرف جميع ما لا ينصرف، كما حكاه الكسائي، وغيره من الكوفيين عن بعض العرب.
قال الأخفش: سمعنا من العرب من يصرف كل ما لا ينصرف؛ لأن الأصل في الأسماء الصرف، وترك الصرف لعارض فيها.
قال الفراء: هو على لغة من يجرّ الأسماء كلها إلاّ قولهم: هو أظرف منك، فإنهم لا يجرّونه، وأنشد ابن الأنباري في ذلك قول عمرو بن كلثوم:
كأن سيوفنا فينا وفيهم ** مخاريق بأيدي لاعبينا

ومن ذلك قول الشاعر:
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم ** خضع الرقاب نواكس الأبصار

بكسر السين من نواكس، وقول لبيد:
وحسور أستار دعوني لحتفها ** بمعالق متشابه أعلاقها

وقوله أيضاً:
فضلاً وذو كرم يعين على الندى ** سمح لشوب رغائب غنامها

وقيل: إن التنوين لموافقة رسم المصاحف المكية والمدنية والكوفية فإنها فيها بالألف.
وقيل: إن هذا التنوين بدل من حرف الإطلاق، ويجري الوصل مجرى الوقف، والسلاسل قد تقدّم تفسيرها، والخلاف فيها هل هي القيود، أو ما يجعل في الأعناق، كما في قول القائل:.........................................ولكن ** أحاطت بالرقاب السلاسل والأغلال

جمع غلّ تغلّ به الأيدي إلى الأعناق.
والسعير: الوقود الشديد، وقد تقدّم تفسير السعير، ثم ذكر سبحانه ما أعدّه للشاكرين، فقال: {إِنَّ الأبرار يشربونَ مِن كَأْسٍ} الأبرار: أهل الطاعة والإخلاص، والصدق، جمع برّ أو بارّ.
قال في الصحاح: جمع البرّ الأبرار، وجمع البارّ البررة، وفلان يبرّ خالقه ويبرره، أي: يطيعه.
وقال الحسن: البرّ الذي لا يؤذي الذر.
وقال قتادة: الأبرار الذين يؤدون حق الله ويوفون بالنذر.
والكأس في اللغة هو الإناء الذي فيه الشراب، وإذا لم يكن فيه الشراب لم يسمّ كأساً، ولا وجه لتخصيصه بالزجاجة، بل يكون من الزجاج ومن الذهب والفضة والصيني وغير ذلك، وقد كانت كاسات العرب من أجناس مختلفة، وقد يطلق الكأس على نفس الخمر، كما في قول الشاعر:
وكأس شربت على لذة ** وأخرى تداويت منها بها

{كَانَ مِزَاجُهَا كافورا} أي: يخالطها، وتمزج به، يقال: مزجه يمزجه مزجاً، أي: خلطه يخلطه خلطاً، ومنه قول الشاعر:
كأن سبية من بيت رأس ** كان مزاجها عسل وماء

ومنه قول عمرو بن كلثوم:
صددت الكأس عنا أمّ عمرو ** وكان الكأس مجراها اليمينا

معتقة كأن الخصّ فيها ** إذا ما الماء خالطها سخينا

ومنه مزاج البدن، وهو ما يمازجه من الأخلاط، والكافور قيل: هو اسم عين في الجنة يقال لها: الكافوري تمزج خمر الجنة بماء هذه العين.
وقال قتادة، ومجاهد: تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك.
وقال عكرمة: مزاجها طعمها.
وقيل: إنما الكافور في ريحها لا في طعمها.
وقيل: إنما أراد الكافور في بياضه وطيب رائحته وبرده، لأن الكافور لا يشرب، كما في قوله: {حتى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً} [الكهف: 96] أي: كنار.
وقال ابن كيسان: طيبها المسك والكافور والزنجبيل.
وقال مقاتل: ليس هو كافور الدنيا، وإنما سمى الله ما عنده بما عندكم حتى تهتدي له القلوب، والجملة في محل جرّ صفة لكأس.
وقيل: إن كان هنا زائدة أي: من كأس مزاجها كافوراً.
{عيناً يشرب بها عِبَادُ الله} انتصاب {عيناً} على أنها بدل من {كافوراً}؛ لأن ماءها في بياض الكافور.
وقال مكي: إنها بدل من محل {مِن كَأْسٍ} على حذف مضاف كأنه قيل: يشربون خمراً خمر عين.
وقيل: إنها منتصبة على أنها مفعول {يشربون} أي: عيناً من كأس، وقيل: هي منتصبة على الاختصاص، قاله الأخفش.
وقيل: منتصبة بإضمار فعل يفسره ما بعده، أي: يشربون عيناً يشرب بها عباد الله، والأوّل أولى، وتكون جملة {يشرب بها عِبَادُ الله} صفة ل {عيناً}.
وقيل: إن الباء في {يشرب بها} زائدة.
وقيل: بمعنى من قاله الزجاج، ويعضده قراءة ابن أبي عبلة {يشربها عباد الله}.
وقيل: إن يشرب مضمن معنى يلتذّ.
وقيل: هي متعلقة ب {يشرب}، والضمير يعود إلى الكأس.
وقال الفراء: {يشربها} و{يشرب بها} سواء في المعنى، وكأنّ يشرب بها يروى بها، وينتفع بها وأنشد قول الهذلي:
شربن بماء البحر ثم ترفعت

قال: ومثله تكلم بكلام حسن، وتكلم كلاماً حسناً {يُفَجّرُونَهَا تَفْجِيراً} أي: يجرونها إلى حيث يريدون، وينتفعون بها كما يشاءون، ويتبعهم ماؤها إلى كل مكان يريدون وصوله إليه، فهم يشقونها شقاً، كما يشقّ النهر ويفجر إلى هنا وهنا.
قال مجاهد: يقودونها حيث شاءوا، وتتبعهم حيث مالوا مالت معهم، والجملة صفة أخرى ل {عيناً}، وجملة {يُوفُونَ بالنذر} مستأنفة مسوقة لبيان ما لأجله رزقوا ما ذكر، وكذا ما عطف عليها، ومعنى النذر في اللغة: الإيجاب، والمعنى: يوفون بما أوجبه الله عليهم من الطاعات.
قال قتادة، ومجاهد: يوفون بطاعة الله من الصلاة والحج ونحوهما.
وقال عكرمة: يوفون إذا نذروا في حق الله سبحانه، والنذر في الشرع ما أوجبه المكلف على نفسه، فالمعنى: يوفون بما أوجبوه على أنفسهم.
قال الفراء: في الكلام إضمار، أي: كانوا يوفون بالنذر في الدنيا.
وقال الكلبي: يوفون بالعهد، أي: يتممون العهد.
والأولى حمل النذر هنا على ما أوجبه العبد على نفسه من غير تخصيص {ويخافون يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} المراد يوم القيامة، ومعنى استطارة شرّه: فشوّه وانتشاره، يقال: استطار يستطير استطارة، فهو مستطير، وهو استفعل من الطيران، ومنه قول الأعشى:
فباتت وقد أثارت في الفؤا ** د صدعاً على نأيها مستطيرا

والعرب تقول: استطار الصدع في القارورة والزجاجة: إذا امتدّ، ويقال استطار الحريق: إذا انتشر.
قال الفراء: المستطير المستطيل.
قال قتادة: استطار شرّ ذلك اليوم حتى ملأ السماوات، والأرض.
قال مقاتل: كان شرّه فاشياً في السموات، فانشقت وتناثرت الكواكب وفزعت الملائكة، وفي الأرض نسفت الجبال وغارت المياه.
{وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبه مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} أي: يطعمون هؤلاء الثلاثة الأصناف الطعام على حبه لديهم وقلته عندهم.
قال مجاهد: على قلته، وحبهم إياه وشهوتهم له؛ فقوله: {على حبه} في محل نصب على الحال، أي: كائنين على حبه، ومثله قوله: {لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] وقيل: على حبّ الإطعام لرغبتهم في الخير.
قال الفضيل بن عياض: على حب إطعام الطعام.
وقيل: الضمير في حبه يرجع إلى الله أي: يطعمون الطعام على حبّ الله، أي: يطعمون إطعاماً كائناً على حبّ الله، ويؤيد هذا قوله: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله} والمسكين ذو المسكنة، وهو الفقير، أو من هو أفقر من الفقير، والمراد باليتيم يتامى المسلمين، والأسير الذي يؤسر فيحبس.
قال قتادة، ومجاهد: الأسير المحبوس.
وقال عكرمة: الأسير العبد.
وقال أبو حمزة الثمالي: الأسير المرأة.
قال سعيد بن جبير: نسخ هذا الإطعام آية الصدقات، وآية السيف في حق الأسير الكافر.
وقال غيره: بل هي محكمة، وإطعام المسكين واليتيم على التطوّع، وإطعام الأسير لحفظ نفسه إلى أن يتخير فيه الإمام.
وجملة: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله} في محل نصب على الحال بتقدير القول، أي: يقولون إنما نطعمكم، أو قائلين إنما نطعمكم يعني: أنهم لا يتوقعون المكافأة ولا يريدون ثناء الناس عليهم بذلك.
قال الواحدي: قال المفسرون: لم يستكملوا بهذا، ولكن علمه الله من قلوبهم فأثنى عليهم، وعلم من ثنائه أنهم فعلوا ذلك خوفاً من الله ورجاء ثوابه {لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلاَ شُكُوراً} أي: لا نطلب منكم المجازاة على هذا الإطعام، ولا نريد منكم الشكر لنا، بل هو خالص لوجه الله، وهذه الجملة مقرّرة لما قبلها؛ لأن من أطعم لوجه الله لا يريد المكافأة، ولا يطلب الشكر له ممن أطعمه.
{إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً} أي: نخاف عذاب يوم متصف بهاتين الصفتين، ومعنى {عَبُوساً}: أنه يوم تعبس فيه الوجوه من هوله وشدته، فالمعنى: أنه ذو عبوس.
قال الفراء، وأبو عبيدة، والمبرد: يوم قمطرير وقماطر: إذا كان صعباً شديداً، وأنشد الفراء:
بني عمنا هل تذكرون بلاءنا ** عليكم إذا ما كان يوم قماطر

قال الأخفش: القمطرير أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء، ومنه قول الشاعر:
ففرّوا إذا ما الحرب ثار غبارها ** ولج بها اليوم العبوس القماطر

قال الكسائي: اقمطرّ اليوم وازمهرّ: إذا كان صعباً شديداً، ومنه قول الشاعر:
بنو الحرب أوصينا لهم بقمطرة ** ومن يلق منا ذلك اليوم يهرب

وقال مجاهد: إن العبوس بالشفتين، والقمطير بالجبهة والحاجبين، فجعلهما من صفات المتغير في ذلك اليوم لما يراه من الشدائد، وأنشد ابن الأعرابي:
يقدر على الصيد بعود منكسر ** ويقمطر ساعة ويكفهر

قال أبو عبيدة: يقال: قمطرير، أي: منقبض ما بين العينين والحاجبين.
قال الزجاج: يقال اقمطرت الناقة: إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها ورمت بأنفها ما يسبقها من القطر، وجعل الميم مزيدة.
{فوقاهم الله شَرَّ ذَلِكَ اليوم} أي: دفع عنهم شرّه بسبب خوفهم منه وإطعامهم لوجهه {ولقاهم نَضْرَةً وَسُرُوراً} أي: أعطاهم بدل العبوس في الكفار نضرة في الوجود وسروراً في القلوب.
قال الضحاك: والنضرة البياض والنقاء في وجوههم.
وقال سعيد بن جبير: والحسن والبهاء.
وقيل: النضرة أثر النعمة.
{وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ} أي: بسبب صبرهم على التكاليف.
وقيل: على الفقر.
وقيل: على الجوع.
وقيل: على الصوم.
والأولى حمل الآية على الصبر على كل شيء يكون الصبر عليه طاعة لله سبحانه، و(ما) مصدرية، والتقدير: بصبرهم {جَنَّةً وَحَرِيراً} أي: أدخلهم الجنة وألبسهم الحرير، وهو لباس أهل الجنة عوضاً عن تركه في الدنيا امتثالاً لما ورد في الشرع من تحريمه، وظاهر هذه الآيات العموم في كلّ من خاف من يوم القيامة وأطعم لوجه الله وخاف من عذابه، والسبب وإن كان خاصاً، كما سيأتي، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويدخل سبب التنزيل تحت عمومها دخولاً أوّلياً.
وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {هَلْ أتى عَلَى الإنسان} قال: كل إنسان.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله: {أَمْشَاجٍ} قال: أمشاجها عروقها.
وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم {أَمْشَاجٍ} قال: العروق.
وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} قال: ماء الرجل وماء المرأة حين يختلطان.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال: {أَمْشَاجٍ} ألوان: نطفة الرجل بيضاء وحمراء، ونطفة المرأة خضراء وحمراء.
وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: الأمشاج الذي يخرج على أثر البول كقطع الأوتار، ومنه يكون الولد.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً {كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} قال: فاشياً.
وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر عنه أيضاً في قوله: {وَأَسِيراً} قال: هو المشرك.
وأخرج ابن مردويه، وأبو نعيم عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {مِسْكِيناً} قال: «فقيراً» {وَيَتِيماً} قال: «لا أب له» {وَأَسِيراً} قال: «المملوك والمسجون».
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَيُطْعِمُونَ الطعام} الآية قال: نزلت هذه الآية في عليّ بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {يَوْماً عَبُوساً} قال: ضيقاً {قَمْطَرِيراً} قال: طويلاً.
وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً} قال: «يقبض ما بين الأبصار» وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر من طرق عن ابن عباس قال: القمطرير الرجل المنقبض ما بين عينيه ووجهه.
وأخرج ابن المنذر عنه {ولقاهم نَضْرَةً وَسُرُوراً} قال: نضرة في وجوههم، وسروراً في صدورهم. اهـ.

.تفسير الآيات (15- 18):

قوله تعالى: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما كان الدوران بالآنية متجدداً، عبر فيه بالمضارع، وبناه للمفعول أيضاً لأنه المقصود مطلقاً من غير تعيين طائف فقال: {ويطاف} أي من أيّ طائف كان لكثرة الخدم {عليهم بآنية} جمع إناء جزاء على طوافهم على المحتاجين بما يصلحهم.
ولما كان مقصود هذه السورة ترهيب الإنسان الموبخ في سورة القيامة من الكفر، وكان الإنسان أدنى أسنان المخاطبين في مراتب الخطاب، اقتصر في الترغيب في شرف الآنية على الفضة دون الذهب المذكور في فاطر والحج المعبر فيهما بالناس، فلعل هذا لصنف وذاك لصنف- أعلى منه مع إمكان الجمع والمعاقبة، وأما من هو أعلى من هذين الصنفين من الذين آمنوا ومن فوقهم فلهم فوق هذين الجوهرين من الجواهر ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فقال: {من فضة} أي اسمه ذلك، وأما الحقيقة فأين الثريا من يد المتناول.
ولما جمع الآنية خص فقال: {وأكواب} جمع كوب وهو كوز لا عروة له، فيسهل الشهرب منه من كل موضع فلا يحتاج عند التناول إلى إدارة {كانت} أي تلك الأكواب كوناً هو من جبلتها {قواريراً} أي كانت بصفة القوارير من الصفاء والرقة والشفوف والإشراق والزهارة، جمع قارورة وهي ما قر فيه الشراب ونحوه من كل إناء رقيق صاف، وقيل: هو خاص بالزجاج.
ولما كان هذا رأس آية، وكان التعبير بالقارورة ربما أفهم أو أوهم أنها من الزجاج، وكان في الزجاج من النقص سرعة الانكسار لإفراط الصلابة، قال معيداً للفظ أول الآية الثانية، تأكيداً للاتصاف بالصالح من أوصاف الزجاج وبياناً لنوعها: {قواريراً من فضة} أي فجمعت صفتي الجوهرين المتباينين: صفاء الزجاج وشفوفه وبريقه وبياض الفضة وشرفها ولينها، وقراءة من نوّن الاثنين صارفاً ما من حقه المنع مشيرة إلى عظمتها وامتداد كثرتها وعلوها في الفضل والشرف، وقراءة ابن كثير في الاقتصار على تنوين الأول للتنبيه على أنه رأس آية والثاني أول التي بعدها مع إفهام العظمة لأن الثاني إعادة للأول لما تقدم من الإفادة، فكأنه منون، ووقف أبو عمرو على الأول بالألف مع المنع من الصرف لأن ذلك كاف في الدلالة على أنه رأس آية.
ولما كان الإنسان لا يجب أن يكون الإناء ولا ما فيه من مأكول أو مشروب زائداً عن حاجته ولا ناقصاً عنها قال: {قدروها} أي في الذات والصفات {تقديراً} أي على مقادير الاحتياج من غير زيادة ولا نقص لأن ما أراد كل منها كان، لا كلفة ولا كدر ولا نقص.
ولما ذكر الأكواب، أتبعها غايتها فقال تخصيصاً بالعطف على ما تقديره: يسقون فيها ما تشتهي أنفسهم وتلذ أعينهم: {ويسقون} ممن أرادوه من خدمهم الذين لا يحصون كثرة {فيها} أي الجنة أو تلك الأكواب {كأساً} أي خمراً في إناء {كان مزاجها} على غاية الإحكام {زنجبيلاً} هو في غاية اللذة، وكانت العرب تستلذ الشراب الممزوج به لهضمه وتطييبه الطعم والنكهة.
ولما كان الزنجبيل عندنا شجراً يحتاج في تناوله إلى علاج، أبان أنه هناك عين لا يحتاج في صيرورته زنجبيلاً إلى أن تحيله الأرض بتخميره فيها حتى يصير شجراً ليتحول عن طعم الماء إلى طعم الزنجبيل خرقاً للعوائد فقال: {عيناً فيها} أي الجنة يمزج فيها شرابهم كما يمزج بالماء.
ولما كان الزنجبيل يلذع الحق فتصعب إساغته قال: {تسمى} أي لسهولة إساغتها ولذة طعمها وسمو وصفها {سلسبيلاً} والسلسبيل والسلسل والسلسال ما كان من الشراب غاية في السلاسة، زيدت فيه الباء دلالة على المبالغة في هذا المعنى، قالوا: وشراب الجنة في برد الكافور وطعم الزنجبيل وريح المسك من غير لذع. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

واعلم أنه تعالى لما وصف طعامهم ولباسهم ومسكنهم وصف بعد ذلك شرابهم وقدم عليه وصف تلك الأواني التي فيها يشربون فقال: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15)} في الآية سؤالات:
السؤال الأول:
قال تعالى: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بصحاف مّن ذَهَبٍ وأكواب} [الزخرف: 71] والصحاف هي القصاع، والغالب فيها الأكل فإذا كان ما يأكلون فيه ذهباً فما يشربون فيه أولى أن يكون ذهباً لأن العادة أن يتنوق في إناء الشرب مالا يتنوق في إناء الأكل وإذا دلت هذه الآية على أن إناء شربهم يكون من الذهب فكيف ذكر هاهنا أنه من الفضة والجواب: أنه لا منافاة بين الأمرين فتارة يسقون بهذا وتارة بذاك.
السؤال الثاني:
ما الفرق بين الآنية والأكواب؟ الجواب: قال أهل اللغة: الأكواب الكيزان التي لا عرى لها، فيحتمل أن يكون على معنى أن الإناء يقع فيه الشرب كالقدح، والكوب ما صب منه في الإناء كالإبريق.
السؤال الثالث:
ما معنى {كانت}؟ الجواب: هو من يكون في قوله: {كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 117] أي تكونت قوارير بتكوين الله تفخيماً لتلك الخلقة العجيبة الشأن الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين.
السؤال الرابع:
كيف تكون هذه الأكواب من فضة ومن قوارير؟ الجواب: عنه من وجوه أحدها: أن أصل القوارير في الدنيا الرمل وأصل قوارير الجنة هو فضة الجنة فكما أن الله تعالى قادر على أن يقلب الرمل الكثيف زجاجة صافية، فكذلك هو قادر على أن يقلب فضة الجنة قارورة لطيفة، فالغرض من ذكر هذه الآية، التنبيه على أن نسبة قارورة الجنة إلى قارورة الدنيا كنسبة فضة الجنة إلى رمل الدنيا، فكما أنه لا نسبة بين هذين الأصلين، فكذا بين القارورتين في الصفاء واللطافة وثانيها: قال ابن عباس: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء وإذا كان كذلك فكمال الفضة في بقائها ونقائها وشرفها إلا أنه كثيف الجوهر، وكمال القارورة في شفافيتها وصفائها إلا أنه سريع الانكسار، فآنية الجنة آنية يحصل فيها من الفضة بقاؤها ونقاؤها، وشرف جوهرها، ومن القارورة، صفاؤها وشفافيتها وثالثها: أنها تكون فضة ولكن لها صفاء القارورة، ولا يستبعد من قدرة الله تعالى الجمع بين هذين الوصفين ورابعها: أن المراد بالقوارير في الآية ليس هو الزجاج، فإن العرب تسمي ما استدار من الأواني التي تجعل فيها الأشربة ورق وصفاً قارورة، فمعنى الآية وأكواب من فضة مستديرة صافية رقيقة.
السؤال الخامس:
كيف القراءة في {قَوَارِيرَاْ قَوارِيرَ}؟ الجواب: قرئا غير منونين وبتنوين الأول وبتنوينهما، وهذا التنوين بدل عن ألف الإطلاق لأنه فاصلة، وفي الثاني لاتباعه الأول لأن الثاني بدل من الأول فيتبع البدل المبدل، وقرئ: {قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ} بالرفع على هي قوارير، و{قدروها} صفة لـ: {قوارير من فضة}.
أما قوله تعالى: {قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً} ففيه مسألتان:
المسألة الأولى:
قال المفسرون معناه: {قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً} على قدر ريهم لا يزيد ولا ينقص من الري ليكون ألذ لشربهم، وقال الربيع بن أنس: إن تلك الأواني تكون بمقدار ملء الكف لم تعظم فيثقل حملها.
المسألة الثانية:
أن منتهى مراد الرجل في الآنية التي يشرب منها الصفاء والنقاء والشكل.
أما الصفاء فقد ذكره الله تعالى بقوله: {كَانَتْ قَوَارِير} وأما النقاء فقد ذكره بقوله: {من فضة}، وأما الشكل فقد ذكره بقوله: {قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً}.
المسألة الثالثة:
المقدر لهذا التقدير من هو؟ فيه قولان: الأول: أنهم هم الطائفون الذين دل عليهم قوله تعالى: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ} وذلك أنهم قدروا شرابها على قدر ري الشارب والثاني: أنهم هم الشاربون وذلك لأنهم إذا اشتهوا مقداراً من المشروب جاءهم على ذلك القدر.
واعلم أنه تعالى لما وصف أواني مشروبهم ذكر بعد ذلك وصف مشروبهم، فقال: {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17)}
العرب كانوا يحبون جعل الزنجبيل في المشروب، لأنه يحدث فيه ضرباً من اللذع، فلما كان كذلك وصف الله شراب أهل الجنة بذلك، ولابد وأن تكون في الطيب على أقصى الوجوه.
قال ابن عباس: وكل ما ذكره الله تعالى في القرآن مما في الجنة، فليس منه في الدنيا إلا الاسم، وتمام القول هاهنا مثل ما ذكرناه في قوله: {كَانَ مِزَاجُهَا كافورا} [الإنسان: 5].
{عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18)} فيه مسائل:
المسألة الأولى:
قال ابن الأعرابي: لم أسمع السلسبيل إلا في القرآن، فعلى هذا لا يعرف له اشتقاق، وقال الأكثرون: يقال شراب سلسل وسلسال وسلسبيل أي عذب سهل المساغ، وقد زيدت الباء في التركيب حتى صارت الكلمة خماسية، ودلت على غاية السلاسة، قال الزجاج: السلسبيل في اللغة صفة لما كان في غاية السلاسة، والفائدة في ذكر السلسبيل هو أن ذلك الشراب يكون في طعم الزنجبيل، وليس فيه لذعة لأن نقيض اللذع هو السلاسة، وقد عزوا إلى علي بن أبي طالب عليه السلام أن معناه: سل سبيلاً إليها، وهو بعيد إلا أن يراد أن جملة قول القائل: {سلسبيلا} جعلت علماً للعين، كما قيل: تأبط شراً، وسميت بذلك، لأنه لا يشرب منها إلا من سأل إليها سبيلاً بالعمل الصالح.
المسألة الثانية:
في نصب {عيناً} وجهان أحدهما: أنه بدل من {زنجبيلاً} وثانيهما: أنه نصب على الاختصاص.
المسألة الثالثة:
{سلسبيلاً} صرف لأنه رأس آية، فصار كقوله: {الظنونا} [الأحزاب: 10] و{السبيلا} [الأحزاب: 67]، وقد تقدم في هذه السورة بيان ذلك. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ} أي يدور على هؤلاء الأبرار الخدم إذا أرادوا الشراب {بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ} قال ابن عباس: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء؛ أي ما في الجنة أشرف وأعلى وأنقى.
ثم لم تنف الأواني الذهبية بل المعنى يسقون في أواني الفضة، وقد يسقون في أواني الذهب.
وقد قال تعالى: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ} [الزخرف: 71].
وقيل: نَبه بذكر الفضّة على الذهب؛ كقوله: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر} [النحل: 81] أي والبرد؛ فنبه بذكر أحدهما على الثاني.
والأكواب: الكِيزان العظام التي لا آذان لها ولا عُرًى، الواحد منها كوب؛ وقال عَدِيّ:
مُتَّكِئاً تُقْرَعُ أبوابه ** يَسْعَى عليهِ العبدُ بِالكُوبِ

وقد مضى في (الزخرف).
{كَانَتْ قَوَارِيرَاْ قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ} أي في صفاء القوارير وبياض الفضة؛ فصفاؤها صفاء الزجاج وهي من فضّة.
وقيل: أرض الجنة من فضّة، والأواني تتخذ من تربة الأرض التي هي منها.
ذكره ابن عباس وقال: ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه، إلا القوارير من فضة.
وقال: لو أخذت فضَّة من فضّة الدنيا فضربتها حتى تجعلها مثل جناح الذُّبَاب لم تر من ورائها الماء، ولكن قوارير الجنة مثل الفضّة في صفاء القوارير.
{قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً} قراءة العامة بفتح القاف والدال؛ أي قَدّرها لهم السقاة الذين يطوفون بها عليهم.
قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: أتوا بها على قدر رِيِّهم، بغير زيادة ولا نقصان.
الكلبي: وذلك ألذ وأشهى؛ والمعنى: قدّرتها الملائكة التي تطوف عليهم.
وعن ابن عباس أيضاً: قدّروها على مِلء الكف لا تزيد ولا تنقص، حتى لا تؤذيهم بثقل أو بإفراط صغر.
وقيل: إن الشاربين قَدّروا لها مقادير في أنفسهم، على ما اشتهوا وقَدّروا.
وقرأ عبيد ابن عمير والشَّعْبي وابن سيرين {قُدِّروها} بضم القاف وكسر الدال؛ أي جعللت لهم على قدر إرادتهم.
وذكر هذه القراءة المهدويّ عن عليّ وابن عباس رضي الله عنهما؛ وقال: ومن قرأ: {قُدِّرُوهَا} فهو راجع إلى معنى القراءة الأخرى، وكأنّ الأصل قُدِّروا عليها فحذف الجر؛ والمعنى قُدِّرت عليهم؛ وأنشد سيبويه:
آلَيْتَ حَبَّ العِراقِ الدّهْرَ آكُلُهُ ** والْحَبُّ يأكلُه في القَرْيةِ السُّوسُ

وذهب إلى أن المعنى على حَبِّ العراق.
وقيل: هذا التقدير هو أن الأقداح تطير فتغترف بمقدار شهوة الشارب؛ وذلك قوله تعالى: {قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً} أي لا يفضل عن الرِّيِّ ولا ينقص منه، فقد أُلْهِمت الأقداحُ معرفةَ مقدار رِيّ المشتهى حتى تغترف بذلك المقدار.
ذكر هذا القول الترمذيّ الحكيم في (نوادر الأصول).
قوله تعالى: {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً} وهي الخمر في الإناء.
{كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً} {كَانَ} صلة؛ أي مزاجها زنجبيل، أو كان في حكم الله زنجبيلاً.
وكانت العرب تستلذ من الشراب ما يُمزج بالزنجبيل لِطيب رائحتِه؛ لأنه يَحْذُو اللسان، ويهضم المأكول، فرغبوا في نعيم الآخرة بما اعتقدوه نهاية النَّعمة والطيب.
وقال المسيَّب بن عَلَس يصف ثَغْر المرأة:
وكَأنَّ طَعْمَ الزنجبِيلِ به ** إِذْ ذُقْتَهُ وَسَلاَفَةَ الخَمْرِ

ويروي: الكَرْم.
وقال آخر:
كَأَنَّ جَنِيًّا مِن الزَّنْجَبِي ** لِ بَاتَ بِفِيَها وأرْياً مشُوراً

ونحوه قول الأعشى:
كَأَنَّ القَرَنْفُلَ والزَّنْجَبِي ** لَ بَاتَا بِفيَها وأرياً مَشُوراً

وقال مجاهد: الزنجبيل اسم للعين التي منها مزاج شراب الأبرار.
وكذا قال قتادة: والزّنجبيل اسم العين التي يشرب بها المقربون صِرفاً وتمزج لسائر أهل الجنة.
وقيل: هي عين في الجنة يوجد فيها طعم الزنجبيل.
وقيل: إنّ فيه معنى الشراب الممزوج بالزنجبيل.
والمعنى كأنّ فيها زنجبيلاً.
{عيناً} بدل من {كأس}.
ويجوز أن ينتصب بإضمار فعل أي يسقون عيناً.
ويجوز نصبه بإسقاط الخفاض أي من عين على ما تقدم في قوله تعالى: {عيناً يشرب بها عِبَادُ الله}.
{فِيهَا} أي في الجنة {تسمى سَلْسَبِيلاً} السَّلْسبيل الشراب اللذيذ، وهو فَعْلَلِيل من السَّلاَلة؛ تقول العرب: هذا شراب سَلِسٌ وسَلْسَال وسَلْسَلٌ وسَلْسَبِيل بمعنىً؛ أي طيّب الطعم لذيذه.
وفي الصحاح: وتسلسل الماء في الحلق جرى، وسَلْسَلْتُه أنا صببته فيه، وماء سَلْسَل وسَلْسَال: سهل الدخول في الحلق لعذوبته وصفائه، والسلاسل بالضم مثله.
وقال الزجاج: السَّلْسَبيل في اللغة: اسم لما كان في غاية السَّلاَسة؛ فكأنّ العين سمّيت بصفتها.
وعن مجاهد قال: سَلْسَبيلا: حديدة الجَرْية تسيل في حلوقهم انسلالا.
ونحوه عن ابن عباس: إنها الحديدة الجَرْي.
ذكره الماورديّ؛ ومنه قول حسان بن ثابت رضي الله عنه:
يَسْقُونَ مَنْ وَرَدَ الْبَرِيصَ عليهمُ ** بَردَى يُصَفَّقُ بالرَّحيقِ السَّلْسَلِ

وقال أبو العالية ومقاتل: إنما سميّت {سَلْسَبيلاً}؛ لأنها تسيل عليهم في الطرق وفي منازلهم، تنبع من أصل العرش من جنة عدن إلى أهل الجنة.
وقال قتادة: سلسة منقاد ماؤها حيث شاؤوا.
ونحوه عن عِكرمة.
وقال القَفَّال: أي تلك عين شريفة فَسَلْ سَبِيلاً إليها.
وروي هذا عن عليّ رضي الله عنه.
وقوله: {تسمَّى} أي إنها مذكورة عند الملائكة وعند الأبرار وأهل الجنة بهذا الاسم.
وصرف سلسبيل؛ لأنه رأس آية؛ كقوله تعالى: {الظنونا} و{السَّبِيلاً}. اهـ.

.قال الألوسي:

{وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِئَانِيَةٍ}
جمع إناء ككساء واكسية وهو ما يوضع فيه الشيء والأواني جمع الجمع {مّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ} جمع كوب وهو قدح لا عروة له كما قال الراغب وفي (القاموس) كوز لا عروة له أو لا خرطوم له وقيل الكوز العظيم الذي لا أدن له ولا عروة {كَانَتْ} أي تلك الأكواب {قَوَارِيرَاْ} جمع قارورة وهي إناء رقيق من الزجاج يوضع فيه الأشربة ونصبه على الحال فإن كان تامة وهو كما تقول خلقت قوارير وقوله تعالى: {قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ} بدل والكلام على التشبيه البليغ فالمراد تكونت جامعة بين صفاء الزجاجة وشفيفها ولين الفضة وبياضها وأخرج عبد الرازق وسعيد بن منصور والبيهقي عن ابن عباس قال لو أخذت فضة من فضة الدنيا فضربتها حتى جعلتها مثل جناح الذباب لم ير الماء من ورائها ولكن قوارير الجنة ببياض الفضة مع صفاء القوارير وأخرج ابن أبي حاتم عنه أنه قال ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا قوارير من فضة وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر بتنوين قوارير في الموضعين وصلاً وإبداله ألفاً وقفا وابن كثير يمنع صرف الثاني ويصرف الأول لوقوعه في الفاصلة وآخر الآية وقف عليه بألف مشاكلة لغيره من كلمات الفواصل والتنوين عند الزمخشري في الأول: بدل من ألف الإطلاق كما في قوله:
يا صاح ما هاج العيون الذرفن

وفي الثاني: للاتباع فتذكر والقراءة بمنع صرفهما لحفص وابن عامر وحمزة وأبي عمرو وقرأ الأعمش الثاني {قوارير} بالرفع أي هي قوارير {قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً} أي قدروا تلك القوارير في أنفسهم فجاءت حسب ما قدروا لا مزيد على ذلك ولا يمكن أن يقع زيادة عليه وفي معناه قول الطائي:
ولو صورت نفسك لم تزدها ** على ما فيك من كرم الطباع

فإنه ينبىء عن كون نفسه خلقت على أتم ما ينبغي من مكارم الصفات بحيث لا مزيد على ذلك فضمير قدروها للأبرار المطاف عليهم أو قدروا شرابها على قدر الري وهو ألذ للشارب قال ابن عباس أتوا بها على الحاجة لا يفضلون شيئاً ولا يشتهون بعدها شيئاً وعن مجاهد تقديرها أنها ليست بالملأى التي تفيض ولا بالناقصة التي تغيض فالضمير على ما هو الظاهر للسقاة الطائفين بها المدلول عليه بقوله تعالى: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ} [الإنسان: 15] وقد روى عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس أنه قال قدرتها السقاة وقيل المعنى قدروها بأعمالهم الصالحة فجاءت على حسبها والضمير على هذا قيل للملائكة وقيل للسقاة وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس والسلمي والشعبي وقتادة وزيد بن علي والجحدري والأصمعي عن أبي عمرو وابن عبد الخالق عن يعقوب وغيرهم {قدروها} على البناء للمفعول واختلف في تخريجها فقال أبو علي كان اللفظ قدروا عليها وفي المعنى قلب لأن حقيقته أن يقال قدرت عليهم فهو نحو قوله تعالى: {ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة} [القصص: 76] وقول العرب إذا طلعت الجوزاء ارتقى العود على الحرباء وقال الزمخشري: وجه ذلك أن يكون من قدرت الشيء بالتخفيف أي بينت مقداره فنقل إلى التفعيل فتعدى لاثنين أحدهما: الضمير النائب عن الفاعل والثاني: ها والمعنى جعلوا قادرين لها كما شاؤا وأطلق لهم أن يقدروا على حسب ما اشتهوا وقال أبو حاتم قدرت الأواني على قدر ريهم ففسر بعضهم هذا بأن في الكلام حذفاً وهو أنه كان قدر على قدر ريهم إياها فحذف على فصار قدر نائب الفاعل ثم حذف فصار ريهم نائب الفاعل ثم حذف وصاروا والجمع نائب الفاعل واتصل المفعول الثاني بقدر فصار قدروها وقال أبو حيان الأقرب أن يكون الأصل قدر ريهم منها تقديراً فحذف المضاف وهو الري وأقيم الضمير مقامه فصار قدروا منها ثم اتسع في الفعل فحذفت من ووصل الفعل إلى الضمير بنفسه فصار قدروها فلم يكن فيه إلا حذف مضاف واتساع في المجرور ولا يخفى أن القلب زيف وما قرره البعض تكلف جدًّا وفي كون ما اختاره أبو حيان أقرب مما اختاره جار الله نظر ولعله أكثر تكلفاً منه وقوله تعالى: {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً عيناً فِيهَا تسمى سَلْسَبِيلاً} يجري فيه معظم ما جرى في قوله تعالى: {يشربونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كافورا} [الإنسان: 5] إلخ من الأوجه والزنجبيل قال الدينوري نبت في أرض عمان وهو عروق تسري في الأرض وليس بشجرة ومنه ما يحمل من بلاد الزنج والصين وهو الأجود وكانت العرب تحبه لأنه يوجب لذعاً في اللسان إذا مزج بالشراب فيلتذون ولذا يذكرونه في وصف رضاب النساء قال الأعشى:
كان القرنفل والزنجبيل ** باتا بفيها واريا مسورا

وقال عمر والمسيب بن علس:
وكان طعم الزنجبيل به ** إذ ذقته وسلافة الخمر

وعده بعضهم في المعربات وكون الزنجبيل اسما لعين في الجنة مروى عن قتادة وقال يشرب منها القربون صرفاً وتمزج لسائر أهل الجنة والظاهر أنهم تارة يشربون من كاس مزاجها كافور وتارة يسقون من كاس مزاجها زنجبيل ولعل ذكر {يسقون} هنا دون يشربون لأنه الأنسب بما تقدمه من قوله تعالى: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ} [الإنسان: 15] إلخ ويمكن أن يكون فيه رمز إلى أن هذه الكأس أعلى شأناً من الكأس الأولى وعن الكلبي يسقي بجامين الأول: مزاجه الكافور والثاني: مزاجه الزنجبيل والسلسبيل كالسلسل والسلسال قال الزجاج: ما كان من الشراب غاية في السلاسة وسهولة الانحدار في الحلق وقال ابن الأعرابي لم أسمع السلسبيل إلا في القرآن وكان العين إنما سميت بذلك لسلاستها وسهولة مساغها قال عكرمة: عين سلسل ماؤها وقال مجاهد: حديدة الجري سلسلة سهلة المساغ وقال مقاتل عين يتسلسل عليهم ماؤها في مجالسهم كيف شاؤا وهي على ما روي عن قتادة عين تنبع من تحت العرش من جنة عدن تتسلسل إلى الجنان وفي (البحر) الظاهر أن هذه العين تسمى سلسبيلاً بمعنى توصف بأنها سلسلة في الانسياغ سهلة في المذاق ولا يحمل سلسبيل على أنه اسم حقيقة لأنه إذ ذاك كان ممنوع الصرف للتأنيث والعلمية وقد روي عن طلحة أنه قرأه بغير ألف جعله علماً لها فإن كان علماً فوجه قراءة الجمهور بالتنوين المناسبة للفواصل كما قيل في {سلاسلاً} و{قواريراًْ} وزعم الزمخشري أن الباء زيدت فيه حتى صارت الكلمة خماسية فإن عنى أنها زيدت حقيقة فليس بجيد لأن الباء ليست من حروف الزيادة المعهودة وإن عنى أنها حرف جاء في سنح الكلمة وليس في سلسل ولا في سلسال صح ويكون مما اتفق معناه وكان مختلفاً في المادة انتهى.
وفي (الكشف) لا يريد الزيادة المصطلحة ألا ترى إلى قوله حتى صارت خماسية وهو أيضاً من الاشتقاق الأكبر فلا تغفل.
وقال بعض المعربين {سلسبيلاً} أمر للنبي صلى الله عليه وسلم ولامته بسؤال السبيل إليها وعزوه إلى علي كرم الله تعالى وجهه وهو غير مستقيم بظاهره إلا أن يراد أن جملة قول القائل {سلسبيلاً} جعلت اسماً للعين كما قيل تأبط شراً وذرى حباً وسميت بذلك لأنه لا يشرب منها إلا من سأل إليها سبيلاً بالعمل الصالح وهو مع استقامته في العربية تكلف وابتداع وعزوه إلى مثل الأمير كرم الله تعالى وجهه أبدع ونص بعضهم على أنه افتراء عليه كرم الله تعالى وجهه وفي شعر ابن مطران الشاشي:
سلسبيلاً فيها إلى راحة النفس ** براح كأنها سلسبيل

وفيه الجناس الملفق واستعمله غير واحد من المحدثين. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15)}
عطف على جملة {يشربون من كأس} [الإنسان: 5] إلخ كما اقتضاه التناسب بين جملة {يشربون} وجملة {يطاف عليهم} في الفعلية والمضارعية، وذلك من أحسن أحوال الوصل، عاد الكلام إلى صفة مجالس شرابهم.
وهذه الجملة بيان لما أجمل في جملة {إن الأبرار يشربون من كأس} [الإنسان: 5]، وإنما عطفت عليها لما فيها من مغايرة مع الجملة المعطوف عليها من صفة آنية الشراب، فلهذه المناسبة أعقب ذكر مجالس أهل الجنة ومُتكآتِهم، بذكر ما يستتبعه مما تعارفه أهل الدنيا من أحوال أهل البذخ والترف واللذات بشرب الخمر إذ يُدير عليهم آنية الخمر سقاةٌ.
وإذ قد كان ذلك معروفاً لم تكن حاجة إلى ذكر فاعل الطواف فبُني للنائب.
وهذا وعد لهم بإعطاء متمناهم في الدنيا مع مَزيد عليه من نعيم الجنة «ما لا عيْن رأت ولا خَطَر على قلب بَشَر».
والطواف: مشي مكرر حولَ شيءٍ أو بين أشياء، فلما كان أهل المتكأ جماعة كان دوران السقاء بهم طوافاً.
وقد سمَّوا سقي الخمر: إدَارةَ الخمرِ، أو إدارة الكأس.
والسَّاقي: مدير الكأس، أو مدير الجام أو نحو ذلك.
والآنية: جمع إِناء ممدوداً بوزن أفْعِلة مثل كساء وأكسية ووِعاء وأوعية اجتمع في أول الجمع همزتان مزيدة وأصلية فخففت ثانيتهمَا ألفاً.
والإِناء: اسم لكل وعاء يرتفق له، وقال الراغب: ما يوضع فيه الشيء ا.هـ.
فيظهر أنه يطلق على كل وعاء يقصد للاستعمال والمداولة للأطعمة والأشربة ونحوهما سواء كان من خشب أو معدن أو فَخار أو أديم أو زجاج، يوضع فيه ما يشرب أو ما يؤكل، أو يُطبخ فيه، والظاهر أنه لا يطلق على ما يجعل للخزن فليست القِربة بإناء ولا الباطيةُ بإناء، والكأسُ إناء والكوزُ إناء والإِبريق إناء والصحفة إناء.
والمراد هنا: آنية مجالس شرابهم كما يدل عليه ذكر الأكواب وذلك في عموم الآنية وما يوضع معه من نُقْل أو شِواء أو نحو ذلك كما قال تعالى في آية الزخرف (71) {يطاف عليهم بصِحاف من ذهب وأكواب}
وتشمل الآنية الكؤوسَ.
وذكر الآنِية بعد {كأس} [الإنسان: 5] من قوله: {إن الأبرار يشربون من كأس} [الإنسان: 5] من ذكر العام بعد الخاص إلاّ إذا أريد بالكأس الخمر.
والأكواب: جمع كوب بضم الكاف بعده واو ساكنة.
والكوب: كوز لا عروة له ولا خرطوم له، وتقدم في سورة الزخرف.
وعطف {أكواب} على (آنية) من عطف الخاص على العام لأن الأكواب تحمل فيها الخمر لإِعادة ملءِ الكؤوس.
ووصفت هنا بأنها من فضة، أي تأتيهم آنيتهم من فضة في بعض الأوقات ومن ذهب في أوقات أخرى كما دلّ عليه قوله في سورة الزخرف (71) {يطاف عليهم بصحاف من ذَهب وأكواب} لأن للذهب حسناً وللفضة حسناً فجعلت آنيتهم من المعدنين النفيسين لئلا يفوتهم ما في كل من الحسن والجمال، أو يطاف عليهم بآنية من فضة وآنية من ذهب متنوعة متزاوجة لأن ذلك أبهج منظراً مثل ما قال مرة {وحلّوا أساور من فضة} [الإنسان: 21]، ومرة {يُحَلّون فيها من أساور من ذهب} [الكهف: 31]، وذلك لإِدخال المسرَّة على أنفسهم بحسن المناظر فإنهم كانوا يتمنونها في الدنيا لِعزة وجودها أو وجود الكثير منها، وأوثر ذكر آنية الفضة هنا لمناسبة تشبيهها بالقوارير في البياض.
والقوارير: جمع قارورة، وأصل القارورة إناء شبه كوز، قيل: لا تسمى قارورة إلاّ إذا كانت من زجاج، وقيل مطلقاً وهو الذي ابتدأ به صاحب (القاموس).
وسميت قارورة اشتقاقاً من القرار وهو المكث في المكان وهذا وزن غريب.
والغالب أن اسم القارورة للإِناء من الزجاج، وقد يطلق على ما كان من زجاج وإن لم يكن إناء كما في قوله تعالى: {قال إنه صرح ممرّد من قوارير} [النمل: 44] وقد فسر قوله: {قواريراً} في هذه الآية بأنها شبيهة بالقوارير في صفاء اللون والرقة حتى كأنها تشفّ عما فيها.
والتنافس في رقة آنية الخمر معروف عند شاربيها قال الأعشى:
تريك القذى من دونها وهي دونه ** إذا ذاقها من ذاقها يتمطق

وفعل {كانت} هنا تشبيه بليغ، والمعنى: إنها مثل القوارير في شفيفها، وقرينة ذلك قوله: {من فضة}، أي هي من جنس الفضة في لون القوارير لأن قوله: {من فضة} حقيقة فإنه قال قبله {بآنية من فضة}.
ولفظ {قواريرا} الثاني، يجوز أن يكون تأكيداً لفظياً لنظيره لزيادة تحقيق أن لها رقة الزجاح فيكون الوقف على {قواريرا} الأول.
ويجوز أن يكون تكريراً لإِفادة التصنيف فإن حسن التنسيق في آنية الشراب من مكملات رونق مجلسه، فيكون التكرير مثل ما في قوله تعالى: {والمَلكُ صَفّاً صفّاً} [الفجر: 22] وقول الناس: قرأت الكتاب باباً باباً فيكون الوقف على {قواريراً} الثاني.
وكتب في المصحف {قواريرا قواريرا} بألف في آخر كلتا الكلمتين التي هي علامة تنوين.
وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر {قواريرا} الأول والثاني منونين وتنوين الأول لمراعاة الكلمات الواقعة في الفواصل السابقة واللاحقةِ من قوله: {كافوراً} [الإنسان: 5] إلى قوله: {تقديرا} وتنوين الثاني للمزاوجة مع نظيره وهؤلاء وقفوا عليهما بالألف مثل أخواتهما وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: {سلاسلا وأغلالاً} [الإنسان: 4].
وقرأ ابن كثير وخلف ورويس عن يعقوب {قوايراً} الأول بالتنوين ووقفوا عليه بالألف وهو جار على التوجيه الذي وجهنا به قراءة نافع والكسائي.
وقرأ {قواريرا} الثاني بغير تنوين على الأصل ولم تراع المزاوجة ووقفا عليه بالسكون.
وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم بترك التنوين فيهما لمنع الصرف وعدم مراعاة الفواصل ولا المزاوجة.
والقراءات روايةٌ متواترة لا يناكدها رسم المصحف فلعلّ الذين كتبوا المصاحف لم تبلغهم إلاّ قراءة أهل المدينة.
وحدّث خلف عن يحيى بن آدم عن ابن إدريس قال: في المصاحف الأول ثبتَ {قواريرا} الأول بالألف والثاني بغير ألف، يعني المصاحف التي في الكوفة فإن عبد الله ابن إدريس كوفي.
وقال أبو عبيد: لرأيتُ في مصحف عثمان {قواريرا} الأول بالألف وكان الثاني مكتوباً بالألف فحُكَّت فرأيتُ أثرها هناك بيناً اهـ.
وهذا كلام لا يفيد إذ لو صحّ لما كان يُعرف من الذي كتَبه بالألف، ولا مَن الذي مَحا الألف ولا متى كان ذلك فيما بين زمن كتابة المصاحف وزمن أبي عبيد، ولا يُدرى ماذا عنى بمصحف عثمان أهو مصحفه الذي اختص به أم هو مصحف من المصاحف التي نسخت في خلافته ووزعها على الأمصار؟.
وقرأ يعقوب بغير تنوين فيهما في الوصل.
وأما في الوقف فحمزة وقف عليهما بدون ألف.
وهشام عن ابن عامر وقفا عليهما بالألف على أنه صلة للفتحة، أي إشباع للفتحة ووقف أبو عمرو وحفص وابن ذكوان عن ابن عامر ورويس عن يعقوب على الأول بالألف وعلى الثاني بدون ألف ووجهه ما وجهت به قراءة ابن كثير وخلف.
وقوله: {قدّروها تقديراً} يجوز أن يكون ضمير الجمع عائداً إلى {الأبرار} [الإنسان: 5] أو {عباد الله} [الإنسان: 6] الذي عادت إليه الضمائر المتقدمة من قوله: {يفجرونها} [الإنسان: 6] و{يوفون} [الإنسان: 7] إلى آخر الضمائر فيكون معنى التقدير رغبتَهم أن تجيء على وفق ما يشتهون.
ويجوز أن يكون الضمير عائداً إلى نائب الفاعل المحذوف المفهوم من بناء {يطاف} للنائب، أي الطائفون عليهم بها قدَّروا الآنية والأكوابَ، أي قدروا ما فيها من الشراب على حسب ما يطلبه كل شارب منهم ومآله إلى معنى الاحتمال الأول.
وكان مما يعد في العادة من حِذق الساقي أن يعطِيَ كلَّ أحد من الشَّرْب ما يناسب رغبته.
و {تقديراً} مفعول مطلق مؤكد لعامله للدلالة على وفاء التقدير وعدم تجاوزه المطلوب ولا تقصيره عنه.
{وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17)}
أتبع وصف الآنية ومحاسنها بوصف الشراب الذي يحويه وطِيبه، فالكأس كأس الخمر وهي من جملة عموم الآنية المذكورة فيما تقدم ولا تسمى آنية الخمر كأساً إلاّ إذا كان فيها خمر فكون الخمر فيها هو مصحح تسميتها كأساً، ولذلك حسن تعدية فعل السقْي إلى الكأس لأن مفهوم الكأس يتقوم بما في الإِناء من الخمر، ومثل هذا قول الأعشى:
وكأسسٍ شربتُ على لذة ** وأُخرى تداويتُ منها بها

يريد: وخمر شربتُ.
والقول في إطلاق الكأس على الإِناء أو على ما فيه كالقول في نظيره المتقدم في قوله: {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً} [الإنسان: 5].
ومعنى الآية أن هذه سقْية أخرى، أي مرة يشربون من كأس مزاجها الكافور ومرة يسقون كأساً مزاجها الزنجبيل.
وضمير {فيها} للجنة من قوله: {جنة وحريراً} [الإنسان: 12].
وزنجبيل: كلمة معربة وأصلها بالكاف الأعجمية عوض الجيم.
قال الجواليقي والثعالبي: هي فارسية، وهو اسم لجذور مثل جذور السُّعْد بضم السين وسكون العين تكون في الأرض كالجَزَر الدقيق واللفت الدقيق لونها إلى البياض لها نبات له زهر، وهي ذات رائحة عِطرية طيبة وطعمها شبيه بطعم الفُلفل، وهو ينبت ببلاد الصين والسند وعُمان والشحر، وهو أصناف أحسنها ما ينبت ببلاد الصين، ويدخل في الأدوية والطبخ كالأفاويه ورائحته بهارية وطعمه حريف.
وهو منبه ويستعمل منقوعاً في الماء ومربى بالسّكر.
وقد عرفه العرب وذكره شعراء العرب في طيب الرائحة.
أي يمزجون الخمر بالماء المنقوع فيه الزنجبيل لطيب رائحته وحسن طعمه.
وانتصب {عيناً} على البدل من {زنجبيلاً} كما تقدم في قوله: {كان مزاجها كافوراً عيناً يشرب بها عباد الله} [الإنسان: 5، 6].
ومعنى كون الزنجبيل عيناً: أن منقوعه أو الشراب المستخرج منه كثير كالعين على نحو قوله تعالى: {وأنهار من لبن لم يتغير طعمه} [محمد: 15]، أي هو كثير جدًّا وكان يعرف في الدنيا بالعزة.
و {سلسبيل}: وصف قيل مشتق من السلاسة وهي السهولة واللين فيقال: ماء سلسل، أي عذب بارد.
قيل: زيدت فيه الباء والياء (أي زيدتا في أصل الوضع على غير قياس).
قال التبريزي في (شرح الحماسة) في قول البعيث بن حُرَيْث:
خَيالٌ لأمِّ السَّلْسبيل ودُونَها ** مسيرة شهر للبريد المذبذب

قال أبو العلاء: السلسبيل الماء السهل المَساغ.
وعندي أن هذا الوصف ركب من مادتي السلاسة والسَّبَالة، يقال: سبلت السماء، إذا أمطرت، فسبيل فعيل بمعنى مفعول، رُكب من كلمتي السلاسة والسبيل لإِرادة سهولة شربه ووفرة جريه.
وهذا من الاشتقاق الأكبر وليس باشتقاق تصريفي.
فهذا وصف من لغة العرب عند محققي أهل اللغة.
وقال ابن الأعرابي: لم أسمع هذه اللفظة إلاّ في القرآن، فهو عنده من مبتكرات القرآن الجارية على أساليب الكلام العربي، وفي (حاشية الهمذاني على الكشاف) نسبة بيت البعث المذكور آنفاً مع بيتين بعده إلى أمية بن أبي الصلت وهو عزو غريب لم يقله غيره.
ومعنى {تسمى} على هذا الوجه، أنها توصف بهذا الوصف حتى صار كالعلم لها كما قال تعالى: {لَيُسَمُّونَ الملائكة تسميةَ الأنثى} [النجم: 27] أي يصفونهم بأنهم إناث، ومنه قوله تعالى: {هل تعلم له سَمِيّاً} [مريم: 65] أي لا مثيل له. فليس المراد أنه علَم.
ومن المفسرين من جعل التسمية على ظاهرها وجعل {سلسبيلاً} علماً على هذه العين، وهو أنسب بقوله تعالى: {تسمَّى}. وعلى قول ابن الأعرابي والجمهور: لا إشكال في تنوين {سلسبيلاً}.
وأما الجواليقي: إنه أعجمي سمّي به، يكون تنوينه للمزاوجة مثل تنوين {سلاسلا} [الإنسان: 4].
وهذا الوصف ينحلّ في السمع إلى كلمتين: سَل، سَبيلا، أي اطلُب طريقاً.
وقد فسره بذلك بعض المفسرين وذكر أنه جُعل عَلَماً لهذه العين من قبيل العلَم المنقول عن جملة مثل: تَأبط شراً، وذَرَّى حَبّاً.
وفي (الكشاف) أن هذا تكلف وابتداع. اهـ.

.قال ابن عطية في الآيات السابقة:

{هَلْ أَتَى عَلَى الإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1)}
{هل} في كلام العرب قد يجيء بمعنى (قد) حكاه سيبويه، لكنها لا تخلو من تقرير وبابها المشهور الاستفهام المحض والتقرير أحياناً. فقال ابن عباس وقتادة هي هنا بمعنى (قد)، و{الإنسان} يراد به آدم عليه السلام، و(الحين): هي المدة التي بقي طيناً قبل أن ينفخ فيه الروح؛ أي أنه شيء ولم يكن مذكوراً منوهاً به في العالم وفي حالة العدم المحض قبل {لم يكن شيئاً} ولا {مذكوراً}، وقال أكثر المتأولين: {هل} تقرير، و{الإنسان} اسم الجنس، أي إذا تأمل كل إنسان نفسه علم بأنه قد مر {حين من الدهر} عظيم {لم يكن} هو فيه {شيئاً مذكوراً}، أي لم يكن موجوداً، وقد يسمى الموجود {شيئاً} فهو مذكور بهذا الوجه، و(الحين) هنا: المدة من الزمن غير محدودة تقع للقليل والكثير، وإنما تحتاج إلى تحديد الحين في الإيمان، فمن حلف أن لا يكلم أخاه حيناً، فذهب بعض الفقهاء إلى أن الحين سنة، وقال بعضهم: ستة أشهر، والقوي في هذا أن {الإنسان} اسم جنس وأن الآية جعلت عبرة لكل أحد من الناس ليعلم أن الصانع له قادر على إعادته.
وقوله تعالى: {إنا خلقنا الإنسان} هو هنا اسم الجنس بلا خلاف، لأن آدم لم يخلق {من نطفة}، و{أمشاج} معناه أخلاط وأحدها مَشَج بفتح الميم والشين قاله ابن السكيت وغيره، وقيل: مشج مثل عدل وأعدال، وقيل: مشيج مثل شريف وأشراف، واختلف في المقصود من الخلط، فقيل هو {أمشاج} ماء الرجل بماء المرأة، وأسند الطبري حديثاً وهو أيضاً في بعض المصنفات «إن عظام ابن آدم وعصبة من ماء الرجل، ولحمه وشحمه من ماء المرأة» وقيل هو اختلاط أمر الجنين بالنقلة من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى غير ذلك. فهو أمر مختلط، وقيل هو اختلاط الدم والبلغم والصفراء والسوداء فيه، و{نبتليه} معناه نختبره بالإيجاد والكون في الدنيا هو حال من الضمير في {خلقنا} كأنه قال: مختبرين له بذلك، وقوله تعالى: {فجعلناه} عطف جملة تعم على جملة تعم، وقال بعض النحويين إنما المعنى فنبتليه جعلناه {سميعاً بصيراً}، ثم ترتب اللفظ موجزاً متداخلاً كأنه قال {نبتليه} فلذلك جعلناه، والابتلاء على هذا أنما هو بالإسماع والإبصار لا بالإيجاب وليس {نبتليه} حالاً، وقوله تعالى: {إنا هديناه السبيل} يحتمل أن يريد {السبيل} العامة للمؤمن والكافر فذلك يختلق الحواس وموهبة الفطرة ونصب الصنعة الدالة على الصانع، ف {هديناه} على هذا بمعنى أرشدناه كما يرشد الإنسان إلى الطريق ويوقف عليه، ويحتمل أن يريد {السبيل} اسم الجنس، أي هدى المؤمن إيمانه والكافر لكفره ف {هديناه} على هذا معناه أريناه وليس الهدى في هذه الآية بمعنى خلق الهدى والإيمان، وقوله تعالى: {إما شاكراً وإما كفوراً} حالان وقسمتهما {إما} قاله أبو عمرو الداني، وقرأ أبو العاج {إما شاكراً وإما كفوراً} وأبو العاج كثير بن عبد الله السلمي شامي ولى البصرة لهشام بن عبد الملك، و{أعتدنا} معناه أعددناه، وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم {سلاسلاً} بالصرف وهذا على ما حكاه الأخفش من لغة من يصرف كل ما يصرف إلا أفعل وهي لغة الشعراء.
ثم كثر حتى جرى في كلامهم، وقد علل بعبة وهي أنه لما كان هذا الضرب من الجموع يجمع لشبه الآحاد فصرف، وذلك من شبه الآحاد موجود في قولهم صواحب وصاحبات وفي قول الشاعر الفرزدق: الكامل:
نواكسي الأبصار

بالياء جمع نواكس، وهذا الأجراء في {سلاسلاً} و{قواريراً} أثبت في مصحف ابن مسعود ومصحف أبيّ بن كعب ومصحف المدينة ومكة والكوفة والبصرة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة {سلاسل}، على ترك الصرف في الوقف والوصل، وهي قراءة طلحة وعمرو بن عبيد، وقرأ أبو عمرو وحمزة فيما روي عنهما: {سلاسل} في الوصل و{سلاسلاً} دون تنوين في الوقف، ورواه هشام عن ابن عامر لأن العرب من يقول رأيت عمراً يقف بألف، وأيضاً فالوقوف، بالأف {سلاسلا} اتباع لخط المصحف، و{الأبرار} جمع بار كشاهد وأشهاد، وقال الحسن هم الذين لا يؤذون الذر، ولا يرضون الشر، و(الكأس): ما فيه نبيذ ونحوه مما يشرب به، قال ابن كيسان: ولا يقال الكأس إلا لما فيه نبيذ ونحوه، ولا يقال ظعينة إلا إذا كان عليها امرأة ولا مائدة إلا وعليها طعام وإلا فهي خوان. والمزاج: ما يمزج به الخمر ونحوها، وهي أيضاً مزاج له لأنهما تمازجاً مزاجاً، قال بعض الناس: (المزاج) نفس الكافور، وقال قتادة نعم قوم يمزج لهم بالكافور ويختم لهم بالمسك، وقال الفراء: يقال إنه في الجنة عين تسمى {كافوراً} وقال بعض المتأولين إنما أراد {كافوراً} في النكهة والعرف كما تقول إذا مزجت طعاماً هذا الطعام مسك. وقوله تعالى: {عيناً} هو بدل من قوله: {كافوراً}، وقيل هو مفعول بقوله: {يشربون}، أي {يشربون} ماء هذه العين من كأس عطرة كالكافور، وقيل نصب {عيناً} على المدح أو بإضمار أعني، وقوله: {يشرب بها} بمنزلة يشربها فالباء زائدة، وقال الهذلي: شربن بماء البحر. أي شربن ماء البحر، وقرأ ابن أبي عبلة: {يشربها عباد الله}، و{عباد الله} هنا خصوص في المؤمنين الناعمين لأن جميع الخلق عباده، و{يفجرونها} معناه يبثقونها بعود قصب ونحوه حيث شاؤوا، فهي تجري عند كل أحد منهم، هكذا ورد الأثر، وقال الثعلبي، وقيل هي عين في دار النبي صلى الله عليه وسلم تفجر إلى دور الأنبياء والمؤمنين، وهذا قول الحسن.
{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7)}
وصف الله تعالى حال الأبرار أنهم كانوا {يوفون بالنذر}، أي بكل ما نذروه وأعطوا به عهداً، يقال وفى الرجل وأوفى، و(اليوم) المشار إليه يوم القيامة، و{مستطيراً} معناه متصلاً شائعاً كاستطارة الفجر والصدع في الزجاجة، وبه شبه في القلب، ومن ذلك قول الأعشى: المتقارب:
فبانت وقد أسأرت في الفؤاد ** صدعاً على نأيها مستطيرا

وقول ذي الرمة: الوافر:
أراد الظاعنون لحيزنوني ** فهاجوا صدع قلبي فاستطاروا

وقوله تعالى: {على حبه} يحتمل أن يعود الضمير على الطعام، أي وهو محبوب للفاقة والحاجة، وهذا قول ابن عباس ومجاهد ويحتمل أن يعود على الله تعالى أي لوجهه وابتغاء مرضاته، قاله أبو سليمان الدراني. والأول أمدح لهم لأن فيه الإيثار على النفس. وعلى الاحتمال الثاني فقد يفعله الأغنياء أكثر، وقال الحسين بن الفضل: الضمير عائد على الإطعام، أي محبين في فعلهم ذلك لا رياء فيه ولا تكلف، و(المسكين) الطواف المتكشف في السؤال، و(اليتيم) الصبي الذي لا أب له من الناس. والذي لا أم له من البهائم وهي صفة قبل البلوغ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يتم بعد حلم» و(الأسير) معروف، فقال قتادة: أراد أسرى الكفار وإن كانوا على غير الإسلام، وقال الحسن: ما كان أسراهم إلا مشركين، لأن كل كبد رطبة ففيها أجر. وقال بعض العلماء: هذا إما نسخ بآية السيف وإما أنه محكم لتحفظ حياة الأسير إلى أن يرى الإمام فيه ما يرى، وقال مجاهد وابن جبير وعطاء: أراد المسجونين من الناس، ولهذا يحض على صدقة السجن، فهذا تشبيه، ومن قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا يؤسر أحد في الإسلام بغير العدول. وروى الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الأسير هنا بالمملوك والمسجون، وقال: أراد أسرى المسلمين الذين تركوا في بلاد الحرب رهائن وخرجوا في طلب الفداء، وقال أبو حمزة الثمالي: الأسير هنا المرأة، ودليله قوله صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوانٍ عندكم»، وقوله تعالى: {إنما نطعمكم لوجه الله} المعنى يقولون لهم عند الإطعام، وهذا إما أن يكون المطعم يقول ذلك نصاً فحكي ذلك. وإما أن يكون لك مما يقال في الأنفس وبالنية فمدح بذلك، هذا هو تأويل ابن مجاهد وابن جبير، وقرأ أبو عمرو في رواية عباس بجزم الميم من {نطعمْكم}، قال أبو علي أسكن تخفيفاً، و(الشكور): مصدر الشكر، ووصف اليوم بعبوس هو على التجوز، كما تقول ليل نائم أي فيه نوم، و(القمطرير) والقماطر: هو في معنى العبوس والارتداد، تقول اقمطر الرجل إذا جمع ما بين عينيه غضباً، ومنه قول الشاعر القرطبي: الطويل:
بني عمنا هل تذكرون بلاءنا ** عليكم إذا ما كان يوم قماطر

وقال آخرون:
ففروا إذا ما الحرب ثار غبارها ** ولج بها اليوم العبوس القماطر

وقال ابن عباس: يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من بين عينيه مثل القطران. وعبر ابن عباس عن (القمطرير) بالطويل. وعبر عنه ابن الكلبي بالشديد، وذلك كله قريب في المعنى. وقرأ الجمهور: {فوقاهم} بتخفيف القاف. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع {فوقاهم} بشد القاف. و(النضرة) جمال البشرة، وذلك لا يكون إلا مع فرح النفس وقرة العين، وقرأ علي بن أبي طالب {وجازاهم} بألف، وقوله: {بما صبروا} عام عن الشهوات وعلى الطاعات والشدائد، ففي هذا يدخل كل ما خص الناس من صوم وفقر ونحوه و{متكئين} حال من الضمير المنصور في {جزاهم} وهو الهاء والميم، وقرأ أبو جعفر وشيبة {متكيين} بغير همز، و{الأرائك} السرر المستورة بالحجال، هذا شرط لبعض اللغويين، وقال بعض اللغويين: كل ما يتوسد ويفترش مما له حشو فهو أريكة وإن لم يكن في حجلة، وقوله تعالى: {لا يرون فيها} الآية عبارة عن اعتدال مس هوائها وذهاب ضرري الحر والقر عنها، وكون هوائها سجسجاً كما في الحديث المأثور ومس الشمس وهو أشد الحر، و(الزمهرير): هو أشد البرد، وقال ثعلب: (الزمهرير) بلغة طّيىء القمر.
{وَدانية عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذللت قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14)}
اختلف النحويون في إعراب قوله تعالى: {ودانية}، فقال الزجاج وغيره: هو حال عطفاً على {متكئين} [الإنسان: 13] وقال أيضاً: ويجوز أن يكون صفة للجنة، فالمعنى وجزاهم جنة دانية، وقرأ جمهور الناس {دانية} وقرأ الأعمش {ودانياً عليهم} وقرأ أبو جعفر {ودانية} بالرفع وقرأ أبيّ بن كعب {ودانٍ} مفرد مرفوع في الإعراب، ودنوا الظلال بتوسط أنعم لها، لأن الشيء المظل إذا بعد فترة ظله لاسيما من الأشجار والتذليل أن تطيب الثمرة فتتدلى وتنعكس نحو الأرض، و(التذليل) في الجنة هو بحسب إرادة ساكنيها، قال قتادة ومجاهد وسفيان: إن كان الإنسان قائماً تناول الثمر دون كلفة وإن كان قاعداً فكذلك، وإن كان مضطجعاً فكذلك. فهذا تذليلها لا يرد عنها بعد ولا شوك. ومن اللفظة قول امرىء القيس: الطويل:
كأنبوب السقي المذلل

ومنه قول الأنصاري: والنخل قد ذللت فهي مطوقة بثمرها. و{القطوف}: جمع قطف وهو العنقود من النخل والعنب ونحوه. والعنب ونحوه. و{آنية} جمع إناء. و{الكوب} ما لا عروة له ولا أذن من الأواني، وهي معروفة الشكل في تلك البلاد. وهو الذي تقول له العامة القب، لكنها تسمي بذلك ما له عروة. وذلك خطأ أيضاً. وقال قتادة: الكوب القدح. والقوارير: الزجاج. واختلف القراء فقرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم {قواريراً قواريراً} بالإجراء فيهما على ما قد تقدم في قوله {سلاسلاً}، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي {قرأريرَ قرأريرَ} بترك الإجراء فيهما، وقرأ ابن كثير {قواريراً} بالإجراء في الأول {قواريرَ} بترك الإجراء في الثاني، وقرأ أبو عمرو {قواريرا}، ووقف بألف دون تنوين {قواريرَ} بترك الإجراء في الثاني، وقوله تعالى: {من فضة} يقتضي أنها من زجاج ومن فضة وذلك متمكن لكونه من زجاج في شفوفه و{من فضة} في جوهره، وكذلك فضة الجنة شفافة، وقال أبو علي جعلها {من فضة} لصافئها وملازمتها لتلك الصفة وليست من فضة في حقيقة أمرها. وإنما هذا كما قال الشاعر البعيث: الطويل:
ألا أصبحت أسماء جاذمة الوصل ** وضنت عليها والضنين من البخل

وقوله تعالى: {قدروها} يحتمل أن يكون الضمير للملائكة، ويحتمل أن يكون للطائفين، ويحتمل أن يكون للمنعمين، والتقدير إما أن يكون على قدر الأكف قاله الربيع، أو على قدر الري قاله مجاهد، وهذا كله على قراءة من قرأ: {قَدروها} بتخفيف القاف، وقرأ ابن أبزى وعلي الجحدري وابن عباس والشعبي وقتادة {قُدِروها} بضم القاف وكسر الدال، قال أبو علي: كأن اللفظ قدروا عليها، وفي المعنى قلب لأن حقيقة المعنى أن يقال: قدرت عليهم فهي مثل قوله: {ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة} [القصص: 76]، ومثل قول العرب: إذا طلعت الجوزاء، ألفى العود على الحرباء، حكاه أبو علي، وكون الزنجبيل مزاجها هو على ما ذكرناه في العرف ولذع اللسان، وذلك من لذات المشروب، و(الزنجبيل): طيب حار، وقال الشاعر الأعشى: الرجز:
كأن جنياً من الزنجبيل ** بات بفيها وأرياً مشورا

وقال المسيب بن علس: الكامل:
وكأن طعم الزنجبيل به ** إذ ذقته وسلافة الخمر

وقال قتادة: (الزنجبيل)، اسم لعين في الجنة يشرب منها المقربون صرفاً، وتمزج لسائر أهل الجنة، و{عيناً} بدل من كأس أو من عين على القول الثاني، و{سلسبيلاً} قيل هو اسم بمعنى السلس المنقاد الجرية، وقال مجاهد: حديدة الجرية، وقيل: هي عبارة عن حسن إيساغها، قال ابن الأعرابي: لم أسمع هذه اللفظة إلا في القرآن، وقال آخرون: {سلسبيلاً} صفة لقوله: {عيناً} وتسمى بمعنى توصف وتشهر وكونه مصروفاً مما يؤكد كونه صفة للعين لا اسماً، وقال بعض المقرئين والتصحيح من الألوسي: {سلسبيلاً} أمر للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته بسؤال السبيل إليها، وهذا قول ضعيف لأن براعة القرآن وفصاحته لا تجيء هكذا، واللفظة معروفة في اللسان وأن السلسل والسلسبيل، بمعنى واحد ومتقارب. اهـ.

.قال أبو السعود في الآيات السابقة:

{هَلْ أتى} استفهامُ تقريرٍ وتقريبٍ فإنَّ هَلْ بمَعْنى قَدْ والأصلُ أَهَلْ أَتَى {عَلَى الإنسان} قبلَ زمانٍ قريبٍ {حِينٌ مّنَ الدهر} أي طائفةٌ محدودةٌ كائنةٌ من الزمنِ الممتدِّ {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} بلْ كانَ شيئاً منسياً غيرَ مذكورٍ بالإنسانية أصلاً كالعنصرِ والنطفةِ وغيرَ ذلكَ. والجملة المنفيةُ حالٌ من الإنسان أي غيرَ مذكورٍ أو صفةٌ أُخرى لحينٌ على حذف العائدِ إلى الموصوف أي لمْ يكُن فيه شيئاً مذكُوراً. والمرادُ بالإنسان الجنسُ فالإظهارُ في قوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ} لزيادة التقريرِ، أو آدمُ عليه السلام، وهو المرويُّ عن ابن عباسٍ وقتادة والثوريِّ وعكرمةَ والشعبيِّ. قال ابنُ عباسٍ في روايةِ أبي صالحٍ عنْهُ: مرتْ به أربعونَ سنةً قبلَ أنْ يُنفخَ فيه الروح وهو مُلقى بين مكةَ والطائفِ وفي روايةِ الضحاكِ عنه أنَّه خُلقَ من طينٍ فأقامَ أربعينَ سنةً ثمَّ من حمإٍ فأقامَ أربعينَ سنةً ثمَّ من صلصالٍ فأقامَ أربعينَ سنةً فتمَّ خلقُه بعدَ مائةٍ وعشرينَ سنةً ثمَّ نُفخَ فيهِ الرُّوحُ، وحكَى الماوَرْدِيُّ عن ابن عباسٍ رضيَ الله عنهُمَا أنَّ الحينَ المذكورَ هاهنا هو الزمنُ الطويلُ الممتدُّ الذي لا يُعرفُ مقدارُه فيكونُ الأولُ إشارةً إلى خلقه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وهذا بياناً لخلقِ بنيهِ {أَمْشَاجٍ} أخلاطٌ، جمعُ مشجٍ أو مشيجٍ، منْ مشجتَ الشيءَ إذا خلطتَهُ. وصف النطفةَ به لما أنَّ المرادَ بها مجموعُ الماءينِ، ولكلَ منهُمَا أوصافٌ مختلفةٌ من اللون والرقةِ والغِلَظِ، وخواصُّ متباينةٌ فإنَّ ماءَ الرجلِ أبيضُ غليظٌ فيه قوَّةُ العقدِ وماءَ المرأةِ أصفرُ رقيقٌ فيهِ قوةُ الانعقادِ يُخلقُ منهُمَا الولدُ فمَا كانَ من عصبٍ وعظمٍ وقوةٍ فَمِنْ ماءِ الرُّجُلِ وما كانَ منْ لحمٍ ودمٍ وشعرٍ فَمِنْ ماءِ المرأةِ. قال القرطبيُّ: وقد رُويَ هذا مرفوعا.
وقيلَ: مفردٌ كأعشارٍ وأكياشٍ، وقيلَ: أمشاجٌ ألوانٌ وأطوارٌ فإنَّ النطفةَ تصيرُ علقةً ثمَّ مضغةً إلى تمام الخِلقةِ. وقوله تعالى: {نبتليه} حالٌ منْ فاعل خلقنَا أيْ مريدينَ ابتلأَهُ بالتكليف فيما سيأتي ناقلينَ له من حالٍ إلى حال على طريقة الاستعارةِ كما رُويَ عن ابنِ عباسٍ رضيَ الله عنهُمَا نصرّفه في بطنِ أمه نطفةً ثمَّ علقةً إلى آخرِهِ {فجعلناه سَمِيعاً بَصِيراً} ليتمكنَ من استماعِ الآياتِ التنزيليةِ ومشاهدةِ الآياتِ التكوينيةِ فهو كالمسببِ عن الابتلاءِ فلذلكَ عطف على الخلقِ المقيدِ به بالفاءِ ورُتِّبَ عليهِ قوله تعالى: {إِنَّا هديناه السبيل} بإنزالِ الآياتِ ونصبِ الدلائل {إِمَّا شاكراً وَإِمَّا كفوراً} حالانِ من مفعولِ هدينَا أي مكّناهُ وأقدرناهُ على سلوكِ الطريقِ الموصلِ إلى البُغيةِ في حالتيهِ جميعاً، وإمَّا للتفصيلِ أو التقسيمِ، أيْ هديناهُ إلى ما يوصلُ إليها في حاليهِ جميعاً أو مقسوماً إليهما بعضُهم شاكرٌ بالاهتداءِ والأخذِ فيهِ وبعضُهم كفورٌ بالإعراضِ عنْهُ وقيلَ: من السبيلِ أي عرفناهُ السبيلَ إما سبيلاً شاكراً أو كفوراً على وصفِ السبيلِ بوصفِ سالكِه مجازاً. وقرئ {أَمَّا} بالفتحِ على حذفِ الجوابِ، أي أمَّا شاكراً فبتوفيقِنا، وأَمَّا كفوراً فبسوءِ اختيارِه لا بمجردِ إجبارِنا من غيرِ اختيارٍ منْ قِبَلِه، وإيرادُ الكفورِ لمراعاة الفواصلِ والإشعارِ بأنَّ الإنسان قلَّما يخلُو من كفرانٍ مَا وإنَّما المؤاخذُ عليه الكفرُ المفرطُ.
{إِنَّا أَعْتَدْنَا للكافرين} من أفراد الإنسان الذي هديناهُ السبيلَ {سلاسلا} بها يُقادُون {وأغلالا} بها يُقيَّدونَ {وَسَعِيراً} بها يُحرقُون، وتقديمُ وعيدِهم معَ تأخرهم للجمع بينهُمَا في الذكر كما في قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ} الآيةَ، ولأنَّ الإنذارَ أهمُّ وأنفعُ وتصديرُ الكلامِ وختمُه بذكرِ المؤمنينَ أحسنُ على أنَّ في وصفِهم تفصيلاً ربَّما يُخلُّ تقديمُه بتجاوب أطراف النظمِ الكريمِ. وقرئ سلاسلاً للتناسب.
{إِنَّ الأبرار} شروعٌ في بيان حسنِ حالِ الشاكرينَ إثرَ بيانِ سوءِ حالِ الكافرينَ وإيرادُهم بعنوانِ البِرِّ للإشعارِ بمَا استحقُّوا به ما نالُوه من الكرامةِ السنيةِ. والأبرارُ جمعُ بَرَ أو بارَ كربَ وأربابٍ وشاهدٍ وأشهادٍ. قيلَ: هُو من يبرُّ خالقَهُ أي يطيعُهُ وقيلَ: من يمتثلُ بأمرِه تعالى وقيلَ: من يؤدِّي حقَّ الله تعالى ويوفِّي بالنذرِ، وعنِ الحسنِ البرُّ منْ لا يُؤذِي الذرَّ {يشربونَ مِن كَأْسٍ} هي الزجاجةُ إذا كانتْ فيها خمرٌ وتُطلقُ على نفسِ الخمرِ أيضاً فمِنْ على الأولِ ابتدائيةٌ وعلى الثانِي تبعيضيةٌ أو بيانيةٌ {كَانَ مِزَاجُهَا} أي ما تمزجُ به {كافورا} أي ماءَ كافورٍ وهو اسمُ عينٍ في الجنَّةِ ماؤُها في بياضِ الكافورِ ورائحتِه وبردِه. والجملة صفةُ كأسٍ. وقوله تعالى: {عيناً} بدلٌ من كافُوراً وعنْ قتادةَ: تمزجُ لهم بالكافورِ وتختمُ لهم بالمسكِ، وقيلَ: تخلقُ فيها رائحةُ الكافورِ وبياضُه وبردُه فكأنَّها مُزجتْ بالكافورِ، فعيناً على هذينِ القولينِ بدلٌ منْ محلِّ (منْ كأسٍ) على تقديرِ مضافٍ أي يشربونَ خمراً خمرَ عينٍ أو نَصبٌ على الاختصاصِ. وقوله تعالى: {يشرب بها عِبَادُ الله} صفةُ عيناً أي يشربونَ بها الخمرَ لكونِها ممزوجةً بها وقيل: ضُمِّن يشرب مَعْنى يلتذُّ وقيل: الباءُ بمَعْنى مِنْ وقيلَ: زائدةٌ ويعضدُه قراءة ابنِ أبِي عبلةَ يشربها عبادُ الله وقال: الضميرُ للكأسِ والمَعْنى يشربونَ العينَ بتلكَ الكأسِ {يُفَجّرُونَهَا تَفْجِيراً} أي يُجرونها حيثما شاؤوا من منازلِهم إجراءً سهلاً لا يمتنعُ عليهم بَلْ يَجْري جرياً بقوة واندفاغٍ والجملة صفةٌ أُخرى لـ: {عيناً}.
وقوله تعالى: {يُوفُونَ بالنذر}
استئنافٌ مسوقٌ لبيان ما لأجلِه رُزقُوا ما ذُكِرَ من النعيمِ مشتملٌ على نوع تفصيلٍ لما ينبىءُ عنه اسمُ الأبرارِ إجمالاً كأنَّه قيلَ: ماذَا يفعلونَ حتَّى ينالُوا تلكَ الرتبةَ العاليةَ؟ فقيلَ: يُوفون بما أَوجبُوه على أنفسِهم فكيفَ بما أوجبه الله تعالى عليهم {ويخافون يَوْماً كَانَ شَرُّهُ} عذابه {مُسْتَطِيراً} فاشياً مُنتشراً في الأقطارِ غايةَ الانتشارِ، من استطارَ الحريقُ والفجرُ وهُو أبلغُ من طارَ بمنزلة استنفرَ منْ نفرَ {وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبه} أي كائنينَ على حُبِّ الطَّعامِ والحاجةِ إليهِ كما في قوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} أي على حُبِّ الإطعامِ بأنْ يكونَ ذلكَ بطيبِ النفسِ أو كائنينَ على حُبِّ الله تعالى أو إطعاماً كائناً على حُبه تعالى وهُو الأنسبُ لما سيأتِي من قوله تعالى لوجهِ الله {مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} أيَّ أسيرٍ فإنَّه كانَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُؤتَى بالأسيرِ فيدفعُه إلى بعضِ المسلمينَ فيقول: «أَحْسِنْ إليهِ» أو أسيراً مؤمناً فيدخلُ فيه المملوكُ والمسجونُ وقد سَمَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الغريمَ أسيراً فقال: «غَريمُكَ أسيرُكَ فأحسِنْ إلى أسيرِكَ» {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله} على إرادة قول هو في موقع الحالِ من فاعلِ {يطعمونَ} أي قائلينَ ذلكَ بلسانِ الحالِ أو بلسانِ المقال إزاحةً لتوهمِ المنِّ المبطلِ للصدقةِ وتوقعِ المكافأةِ المنقصةِ للأجرِ. وعن الصديقةِ رضيَ الله تعالى عنها أنَّها كانتْ تبعثُ بالصدقةِ إلى أهلِ بيتٍ ثم تسألُ الرسولَ ما قالوا؟ فإذَا ذكرَ دعاءَهُم دعتْ لَهُم بمثلِه ليبقَى ثوابُ الصدقةِ لها خالصاً عندَ الله تعالى: {لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلاَ شُكُوراً} وهو تقريرٌ وتأكيدٌ لما قبلَهُ.
{إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبّنَا يَوْماً} أي عذابَ يومٍ {عَبُوساً} يعبسُ فيه الوجُوه أو يُشبه الأسدَ العَبُوسَ في الشِّدةِ والضَّراوةِ {قَمْطَرِيراً} شديدَ العُبوسِ فلذلكَ نفعلُ بكُم ما نفعلُ رجاءَ أنْ يقينَا ربُّنا بذلكَ شرَّه، وقيلَ: هو تعليلٌ لعدم إرادةِ الجزاءِ والشكورِ أي إنَّا نخافُ عقابَ الله تعالى إنْ أردناهُمَا {فوقاهم الله شَرَّ ذَلِكَ اليوم} بسبب خوفِهم وتحفظِهم عنه {ولقاهم نَضْرَةً وَسُرُوراً} أي أعطاهُم بدلَ عبوسِ الفُجَّارِ وحُزنِهم نضرةً في الوجوه وسُروراً في القلوبِ.
{وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ} بصبرِهم على مشاقِّ الطاعاتِ ومهاجرةِ هَوَى النفسِ في اجتنابِ المُحرَّماتِ وإيثارِ الأموالِ {جَنَّةُ} بستاناً يأكلُون منه ما شاءُوا {وَحَرِيراً} يلبسونَهُ ويتزينونَ به. وعنِ ابن عباسٍ رضيَ الله عنهما: «أنَّ الحسنَ والحسينَ رضيَ الله تعالى عنهُمَا مَرِضا فعادهُما النبيُّ صلى الله عليه وسلم في ناسٍ معَهُ فقالوا لعليَ رضيَ الله عنهُ: لو نذرتَ على شفاءِ ولدكَ فنذرَ عليٌّ وفاطمةُ رضيَ الله تعالى عنهُمَا وفضةُ جاريةٌ لهما إنْ برئَا مما بهمَا أنْ يصومُوا ثلاثةَ أيامٍ فشُفيا وما معهُم شيءٌ فاستقرضَ عليٌّ رضيَ الله عنْهُ من شمعونَ الخيبريِّ ثلاثة أصوعٍ من شعيرٍ فطحنتْ فاطمةُ رضيَ الله تعالى عنها صاعاً واختبزتْ خمسةَ أقراص على عددِهم فوضعُوها بين أيديهِم ليُفطِرُوا فوقفَ عليهم سائلٌ فقال: السَّلامُ عليكم أهلَ بيتِ محمدٍ مسكينٌ من مساكين المسلمينَ أطعمُوني أطعمكُم الله تعالى من موائدِ الجنةِ فآثرُوه وباتُوا لم يذوقُوا إلا الماءَ وأصبحُوا صياماً فلمَّا أمسَوا ووضعُوا الطعامَ بينَ أيديهِم وقفَ عليهم يتيمٌ فآثرُوه ثم وقفَ عليهم في الثالثةِ أسيرٌ ففعلُوا مثلَ ذلكَ فلما أصبحُوا أخذ عليٌّ بيدِ الحسنِ والحسينِ رضيَ الله عنهُم فأقبلُوا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فلما أبصرهُم وهُم يرتعشونَ كالفراخِ من شدةِ الجُوع قال عليه الصَّلاةُ والسلام: ما أشدَ ما يسوؤُني ما أَرَى بكُم. وقامَ فانطلقَ معهُم فَرَأى فاطمةَ في محرابها قد التصقَ ظهرُها ببطنِها وغارتْ عيناهَا فساءَهُ ذلكَ فنزلَ جبريلُ عليه السلام وقال: خُذْها يا محمدُ هنَّأك الله تعالى في أهلِ بيتكَ. فأَقرأهُ السورةَ» {متكئين فِيهَا على الأرائك} حالٌ مِنْ هُمْ فِي جَزَاهُمْ والعاملُ فيها جَزَى وقيلَ: صفةٌ لـ: {جنةً} من غيرِ إبرازِ الضميرِ. و{الأرائكُ} هي السُّررُ في الحجالِ.
وقوله تعالى: {لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً} إمَّا حالٌ ثانيةٌ من الضمير أو المستكنِّ في {متكئين} والمَعْنى أنَّه يمرُّ عليهم هواءٌ معتدلٌ لا حارٌّ محمٌّ ولا باردٌ مؤذٍ وقيلَ: الزمهريرُ القمرُ في لُغةِ طَيِّيءٍ والمَعْنى أنَّ هواءَهَا مضيءٌ بذاتِه لا يحتاجُ إلى شمسٍ ولا قمرٍ {وَدانية عَلَيْهِمْ ظلالها} عطف على ما قبلَها حالٌ مثلُها أو صفةٌ لمحذوفٍ معطوف على {جنةً} أي وجنةً أخرى دانية عليهم ظلالُها على أنَّهم وُعدوا جنتينِ كما في قوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبه جَنَّتَانِ} وقرئ {دانية} بالرفعِ على أنه خبرٌ لـ: {ظلالِها} والجملة في حيزِ الحالِ والمعنى لا يَرَون فيها شمساً ولا زمهريراً والحالُ أنَّ ظلالَها دانية. قالوا: معناهُ أنَّ ظلالَ أشجارِ الجنةِ قريبةٌ من الأبرارِ مظلةٌ عليهم زيادةً في نعيمِهم على مَعْنى أنه لو كانَ هناكَ شمسٌ مؤذيةٌ لكانتْ أشجارُهَا مظلةً عليهم مع أنَّه لا شمسَ ثمةَ ولا قمرَ {وَذللت قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً} أي سُخرتْ ثمارُها لمتناوليها وسُهلَ أخذُها من الذُّلِّ وهو ضدُّ الصعوبةِ. والجملة حالٌ من {دانية} أي تدنُو ظلالُها عليهم مُذلّلة لهم قطوفُها. أو معطوفةٌ على {دانية} أي دانية عليهم ظلالُها ومذللةً قطوفُها، وعلى تقديرِ رفعِ {دانية} فهيَ جملة فعليةٌ معطوفةٌ على جملة اسميةٍ.
{وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِئَانِيَةٍ مّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ}
الكوبُ الكوزُ العظيمُ الذي لا أُذنَ له ولاَ عُروةَ {كَانَتْ قَوَارِيرَاْ قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ} أي تكونتْ جامعةً بين صفاءِ الزجاجةِ وشفيفِها ولينِ الفِضَّةِ وبياضِها، والجملة صفةٌ لـ: {أكواب}. وقرئ بتنوينِ {قواريرَ} الثانِي أيضاً، وقرئا بغيرِ تنوينٍ، وقرئ الثَّانِي بالرَّفعِ على هيَ قواريرُ {قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً} صفةٌ لـ: {قواريرَ} ومعنى تقديرِهم لها أنَّهم قدَّروها في أنفسِهم وأرادُوا أنْ تكونَ على مقاديرَ وأشكالٍ معينةٍ موافقةً لشهواتهم فجاءتْ حسبمَا قدَّرُوها، أو قدَّرُوها بأعمالِهم الصالحةِ فجاءتْ على حسبها، وقيلَ: الضميرُ للطائفينَ بها المدلولِ عليهم بقوله تعالى: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ} فالمعنى قدَّروا شرابها على قدرِ اشتهائِهم، وقرئ {قُدِّرُوها} على البناءِ للمفعولِ أي جُعلوا قادرينَ لها كما شاءوا من قَدَر منقولاً من قَدَّرتُ الشيءَ.
{وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً} أي ما يشبه الزنجبيلَ في الطعمِ وكان الشرابُ الممزوجُ به أطيبَ ما تستطيبه العربُ وألذَّ ما تستلذُّ به {عيناً} بدلٌ من زنجبيلاً، وقيلَ: تمزجُ كأسُهم بالزنجبيلِ بعينِه، أو يخلقُ الله تعالى طعمَهُ فيها، فعيناً حينئذٍ بدلٌ من كأساً كأنَّه قيلَ: ويُسقَون فيها كأساً كأسَ عينٍ، أو نصبٌ على الاختصاص {فِيهَا تسمى سَلْسَبِيلاً} لسلاسة انحدارِها في الحَلْقِ وسهولةِ مساغِها، يقال: شرابٌ سلسلٌ وسلسالٌ وسلسبيلٌ، ولذلكَ حُكمَ بزيادةِ الباءِ، والمرادُ بيانُ أنَّها في طعم الزنجبيلِ، وليسَ فيها لذعةٌ بل نقيضُ اللذعِ هو السلاسةُ. اهـ.

.تفسير الآيات (19- 22):

قوله تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبرق وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبهمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (22)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما ذكر المطوف به لأنه الغاية المقصودة، وصف الطائف لما في طوافه من العظمة المشهودة تصويراً لما هم فيه من الملك بعد ما نجوا منه من الهلك: {ويطوف عليهم} أي بالشراب وغيره من الملاذ والمحاب {ولدان} أي غلمان هم في سن من هو دون البلوغ «أقل أهل الجنة من يخدمه ألف غلام» {مخلدون} أي قد حكم من لا يرد حكمه بأن يكونوا كذلك دائماً من غير غلة ولا ارتفاع عن ذلك الحد مع أنهم مزينون بالخلد وهو الحلق والأساور والقرطة والملابس الحسنة {إذ رأيتهم} أي يا أعلى الخلق صلى الله عليه وسلم وأنت أثبت الناس نظراً أو أيها الرائي من كان في أي حالة رأيتهم فيها {حسبتهم} من بياضهم وصفاء ألوانهم ولمع أنوارهم وانعكاس شعاع بعضهم إلى بعض وانبثاثهم في المجالس ذهاباً وإياباً {لؤلؤاً منثوراً} وذلك كناية عن كثرتهم وانتشارهم في الخدمة وشرفهم وحسنهم؛ وعن بعضهم أن لؤلؤ الجنة في غاية الكبر والعظمة واختلاف الأشكال، وكأنه عبر بالحسبان إشارة إلى أن ذلك مطلق تجويز لا مع ترجيح، قال بعض المفسرين: هم غلمان ينشئهم الله لخدمة المؤمنين.
وقال بعضهم: هم أطفال المشركين لأنهم ماتوا على الفطرة، وقال ابن برجان: وأرى والله أعلم أنهم من علم الله سبحانه وتعالى إيمانه من أولاد الكفار يكونون خدماً لأهل الجنة كما كانوا لهم في الدنيا سبياً وخداماً، وأما أولاد المؤمنين فيلحقون بآبائهم سناً وملكاً سروراً لهم، ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم في ابنه إبراهيم عليه الصلاة والسلام «إن له لظئراً يتم رضاعه في الجنة» فإنه يدل على استقبال شأنه فيما هنالك وتنقله في الأحوال كالدنيا، ولا دليل على خصوصيته بذلك.
ولما ذكر المخدوم والخدم شرع في ذكر المكان فقال: {وإذا رأيت} أي أجلت بصرك، وحذف مفعوله ليشيع ويعم {ثم} أي هناك في أي مكان كان وأي شيء كان {رأيت نعيماً} أي ليس فيه كدر بوجه من الوجوه، ولما كان النعيم قد يكون في حالة وسطى قال: {وملكاً كبيراً} أي لم يخطر على بال مما هو فيه من السعة وكثرة الموجود والعظمة أدناهم وما فيهم دني الذي ينظر في ملكه مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه ومهما أراده كان.
ولما ذكر الدار وساكنيها من مخدوم وخدم، ذكر لباسهم بانياً حالاً من الفاعل والمفعول: {عليهم} أي حال كون الخادم والمخدوم يعلو أجسامهم على سبيل الدوام، وسكن نافع وحمزة الياء على أنه مبتدأ وخبر شارح للملك على سبيل الاستئناف {ثياب سندس} وهو ما رق من الحرير {خضر} رفعه الجماعة صفة لثياب، وجره ابن كثير وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم صفة لسندس حملاً على المعنى فإنه اسم جنس {وإستبرق} وهو ما غلظ من الديباج يعمل بالذهب، أو هو ثياب حرير صفاق نحو الديباج- قاله في القاموس، رفعه ابن كثير ونافع وعاصم نسقاً على ثياب، وجره الباقون على سندس.
ولما كان المقصود لأرباب اللباس الفاخر الحلية، أخبر عن تحليتهم، وبني الفعل للمفعول دلالة على تيسر ذلك لهم وسهولته عليهم فقال: {وحلّوا} أي وجدت تحلية المخدومين والخدم {أساور من فضة} وإن كانت تتفاوت بتفاوت الرتب، وتقدم سر تخصيص هذه السورة بالفضة والأساورة بجمع ما فيها من لذة الزينة لذة اتساع الملك فإنها كناية عنه فإنه- كما قال الملوي- كان في الزمن القديم إذا ملك ملك أقاليم عظيمة كثيرة لبس سواراً وسمي الملك المسور لاتساع مملكته وعظمتها وكثرة أقاليمها، وإن لم تجمع أقاليم لم يسور فما ظنك بمن أعطى من ذلك جمع الكثرة، وهي بالغة من الأعضاء ما يبلغ التحجيل في الوضوء كما قال- صلى الله عليه وسلم ـ: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء» فلذا كان أبو هريرة- رضى الله عنه- يرفع الماء إلى المنكبين وإلى الساقين.
ولما كان ربما ظن بما تقدم من ذلك الممزوج شيء من نقص لأجله يمزج كما هو في الدنيا، وكان قد قال أولاً {يشربون} بالبناء للفاعل، وثانياً (يسقون) بالبناء للمفعول، قال بانياً للفاعل بياناً لفضل ما يسقونه في نفسه وفي كونه من عند الإله الأعظم المتصف بغاية الإحسان على صفة من العظمة تليق بإحسانه سبحانه بما أفاده إسناد الفعل إليه: {وسقاهم} وعبر بصفة الإحسان تأكيداً لذلك فقال: {ربهم} أي الموجد لهم المحسن إليهم المدبر لمصالحهم {شراباً طهوراً} أي ليس هو كشراب الدنيا سواء كان من الخمر أو من الماء أو من غيرهما، بل هو بالغ الطهارة والوصف بالشرابية من العذوبة واللذة واللطافة، وهو مع ذلك آلة للتطهير البالغ للغير فلا يبقى في بواطنهم غش ولا وسواس، ولا يريدون إلا ما يرضي مليكهم مما أسس على غاية الحكمة وفاق كامل وسجايا مطهرة وأخلاق مصطفاة لا عوج فيها، ولا يستحيل شيء من شرابهم إلى نجاسة من بول ولا غيره، بل يصير رشحاً كرشح المسك ويعطي الرجل شهوة مائة رجل في الأكل وغيره، فإذا أكل شرب فطهر باطنه ورشح منه المسك فعادت الشهوة، بل الحديث يدل على أن شهوتهم لا تنقضي أصلاً فإنه قال: «يجد لآخر لقمة من اللذة ما يجد لأولها» يفعل بهم هذا سبحانه قائلاً لهم مؤكداً تسكيناً لقلوبهم لئلا يظنون أن ما هم فيه على وجه الضيافة ونحوها فيظنوا انقطاعه {إن هذا} أي الذي تقدم من الثواب كله {كان} أي كوناً ثابتاً {لكم} بتكويني إياه من قبل موتكم {جزاء} أي على أعمالكم التي كنتم تجاهدون فيها أنفسكم عن هواها إلى ما يرضي ربكم فكنتم كلما عملتم عملاً كونت من هذا ما هو جزاء له {وكان} أي على وجه الثبات {سعيكم} ولما كان المقصود القبول لأن القابل الشاكر هو المعمول له، بني للمفعول قوله: {مشكوراً} أي لا يضيع شيئاً منه ويجازى بأكثر منه أضعافاً مضاعفة. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

واعلم أنه تعالى ذكر بعد ذلك من يكون خادماً في تلك المجالس.
فقال: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ ولدان مُّخَلَّدُونَ}
وقد تقدم تفسير هذين الوصفين في سورة الواقعة والأقرب أن المراد به دوام كونهم على تلك الصورة التي لا يراد في الخدم أبلغ منها، وذلك يتضمن دوام حياتهم وحسنهم ومواظبتهم على الخدمة الحسنة الموافقة، قال الفراء: يقال مخلدون مسورون ويقال: مقرطون.
وروى نفطويه عن ابن الأعرابي مخلدون محلون.
والصفة الثالثة: قوله تعالى: {إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً} وفي كيفية التشبيه وجوه أحدها: شبهوا في حسنهم وصفاء ألوانهم وانتشارهم في مجالسهم ومنازلهم عند اشتغالهم بأنواع الخدمة باللؤلؤ المنثور، ولو كان صفاً لشبهوا باللؤلؤ المنظوم، ألا ترى أنه تعالى قال: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ} فإذا كانوا يطوفون كانوا متناثرين وثانيها: أنهم شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا انتثر من صدفه لأنه أحسن وأكثر ماء وثالثها: قال القاضي: هذا من التشبيه العجيب لأن اللؤلؤ إذا كان متفرقاً يكون أحسن في المنظر لوقوع شعاع بعضه على البعض فيكون مخالفاً للمجتمع منه.
واعلم أنه تعالى لما ذكر تفصيل أحوال أهل الجنة، أتبعه بما يدل على أن هناك أموراً أعلى وأعظم من هذا القدر المذكور فقال: {إِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20)} وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
{رأيت} هل له مفعول؟ فيه قولان: الأول: قال الفراء: المعنى وإذا رأيت ما ثم وصلح إضمار ما كما قال: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} [الأنعام: 94] يريد ما بينكم، قال الزجاج: لا يجوز إضمار ما لأن ثم صلة وما موصولها، ولا يجوز إسقاط الموصول وترك الصلة الثاني: أنه ليس له مفعول ظاهر ولا مقدر والغرض منه أن يشبع ويعم، كأنه قيل: وإذا وجدت الرؤية ثم، ومعناه أن بصر الرائي أينما وقع لم يتعلق إدراكه إلا بنعيم كثير وملك كبير، و{ثم} في موضع النصب على الظرف يعني في الجنة.
المسألة الثانية:
اعلم أن اللذات الدنيوية محصورة في أمور ثلاثة.
قضاء الشهوة، وإمضاء الغضب، واللذة الخيالية التي يعبر عنها بحب المال والجاه، وكل ذلك مستحقر فإن الحيوانات الخسيسة قد تشارك الإنسان في واحد منها، فالملك الكبير الذي ذكره الله هاهنا لابد وأن يكون مغايراً لتلك اللذات الحقيرة، وما هو إلا أن تصير نفسه منقشة بقدس الملكوت متحلية بجلال حضرة اللاهوت، وأما ما هو على أصول المتكلمين، فالوجه فيه أيضاً أنه الثواب والمنفعة المقرونة بالتعظيم فبين تعالى في الآيات المتقدمة تفصيل تلك المنافع وبين في هذه الآية حصول التعظيم وهو أن كل واحد منهم يكون كالملك العظيم، وأما المفسرون فمنهم من حمل هذا الملك الكبير على أن هناك منافع أزيد مما تقدم ذكره، قال ابن عباس: لا يقدر واصف يصف حسنه ولا طيبه.
ويقال: إن أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام ويرى أقصاه كما يرى أدناه، وقيل: لا زوال له وقيل: إذا أرادوا شيئاً حصل، ومنهم من حمله على التعظيم.
فقال الكلبي: هو أن يأتي الرسول من عند الله بكرامة من الكسوة والطعام والشراب والتحف إلى ولي الله وهو في منزله فيستأذن عليه، ولا يدخل عليه رسول رب العزة من الملائكة المقربين المطهرين إلا بعد الاستئذان.
المسألة الثالثة:
قال بعضهم قوله: {وَإِذَا رَأَيْتَ} خطاب لمحمد خاصة، والدليل عليه أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن دخلت الجنة أترى عيناي ما ترى عيناك؟ فقال نعم، فبكى حتى مات، وقال آخرون: بل هو خطاب لكل أحد.
قوله تعالى: {عاليهم ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبرق} فيه مسائل:
المسألة الأولى:
قرأ نافع وحمزة عاليهم بإسكان الياء والباقون بفتح الياء أما القراءة الأولى: فالوجه فيها أن يكون عاليهم مبتدأ، وثياب سندس خبره، والمعنى ما يعلوهم من لباسهم ثياب سندس، فإن قيل: عاليهم مفرد، وثياب سندس جماعة، والمبتدأ إذا كان مفرداً لا يكون خبره جمعاً، قلنا: المبتدأ، وهو قوله: {عاليهم} وإن كان مفرداً في اللفظ، فهو جمع في المعنى، نظيره قوله تعالى: {مُسْتَكْبِرِينَ به سامرا تَهْجُرُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ القوم} [المؤمنون: 67] كأنه أفرد من حيث جعل بمنزلة المصدر أما القراءة الثانية: وهي فتح الياء، فذكروا في هذا النصب ثلاثة أوجه الأول: أنه نصب على الظرف، لأنه لما كان عالي بمعنى فوق أجرى مجراه في هذا الإعراب، كما كان قوله: {والركب أَسْفَلَ مِنكُمْ} [الأنفال: 42] كذلك وهو قول أبي علي الفارسي والثاني: أنه نصب على الحال، ثم هذا أيضاً يحتمل وجوهاً أحدها: قال أبو علي الفارسي: التقدير: {ولقاهم نضرة وسروراً} حال ما يكون {عاليهم ثياب سندس} وثانيها: التقدير: {وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً} حال ما يكون {عاليهم ثياب سندس} وثالثها: أن يكون التقدير ويطوف على الأبرار ولدان، حال ما يكون الأبرار عاليهم ثياب سندس ورابعها: {حسبتهم لؤلؤاً منثوراً}، حال ما يكون {عاليهم ثياب سندس}، فعلى الاحتمالات الثلاثة الأول: تكون الثياب الأبرار، وعلى الاحتمال الرابع تكون الثياب ثياب الولدان الوجه الثالث: في سبب هذا النصب، أن يكون التقدير: رأيت أهل نعيم وملك عاليهم ثياب سندس.
المسألة الثانية:
قرأ نافع وعاصم: {خضر واستبرق}، كلاهما بالرفع، وقرأ الكسائي وحمزة: كلاهما بالخفض، وقرأ ابن كثير: خضر بالخفض، {واستبرق} بالرفع، وقرأ أبو عمرو وعبد الله بن عامر: {خضر} بالرفع، {واستبرق} بالخفض، وحاصل الكلام فيه أن خضراً يجوز فيه الخفض والرفع، أما الرفع فإذا جعلتها صفة لثياب، وذلك ظاهر لأنها صفة مجموعة لموصوف مجموعة، وأما الخفض فإذا جعلتها صفة سندس، لأن سندس أريد به الجنس، فكان في معنى الجمع، وأجاز الأخفش وصف اللفظ الذي يراد به الجنس بالجمع، كما يقال: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض إلا أنه قال: إنه قبيح، والدليل على قبحه أن العرب تجيء بالجمع الذي هو في لفظ الواحد فيجرونه مجرى الواحد وذلك قولهم: حصى أبيض وفي التنزيل {مّنَ الشجر الأخضر} [يس: 80] و{أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} [القمر: 20] إذ كانوا قد أفردوا صفات هذا الضرب من الجمع، فالواحد الذي في معنى الجمع أولى أن تفرد صفته، وأما {استبرق} فيجوز فيه الرفع والخفض أيضاً معاً، أما الرفع فإذا أريد به العطف على الثياب، كأنه قيل: {ثياب سندس واستبرق} وأما الخفض فإذا أريد إضافة الثياب إليه كأنه قيل: {ثياب سندس واستبرق}، والمعنى ثيابهما فأضاف الثياب إلى الجنسين كما يقال: ثياب خز وكتان، ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبرق} [الكهف: 31] واعلم أن حقائق هذه الآية قد تقدمت في سورة الكهف.
المسألة الثالثة:
السندس ما رق من الديباج، والاستبرق ما غلظ منه، وكل ذلك داخل في اسم الحرير قال تعالى: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [الحج: 23] ثم قيل: إن الذين هذا لباسهم هم الولدان المخلدون، وقيل: بل هذا لباس الأبرار، وكأنهم يلبسون عدة من الثياب فيكون الذي يعلوها أفضلها، ولهذا قال: {عاليهم} وقيل هذا من تمام قوله: {متكئين فِيهَا على الأرائك} ومعنى {عاليهم} أي فوق حجالهم المضروبة عليهم ثياب سندس، والمعنى أن حجالهم من الحرير والديباج.
قوله تعالى: {وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ} وفيه سؤالات:
السؤال الأول:
قال تعالى في سورة الكهف: {أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ} [الكهف: 31] فكيف جعل تلك الأساور هاهنا من فضة؟ والجواب: من ثلاثة أوجه أحدها: أنه لا منافاة بين الأمرين فلعلهم يسورون بالجنسين إما على المعاقبة أو على الجمع كما تفعل النساء في الدنيا وثانيها: أن الطباع مختلفة فرب إنسان يكون استحسانه لبياض الفضة فوق استحسانه لصفرة الذهب، فالله تعالى يعطي كل أحد ما تكون رغبته فيه أتم، وميله إليه أشد وثالثها: أن هذه الأسورة من الفضة إنما تكون للوالدان الذين هم الخدم وأسورة الذهب للناس.
السؤال الثاني:
السوار إنما يليق بالنساء وهو عيب للرجال، فكيف ذكر الله تعالى ذلك في معرض الترغيب؟ الجواب: أهل الجنة جرد مرد شباب فلا يبعد أن يحلوا ذهباً وفضة وإن كانوا رجالاً، وقيل: هذه الأسورة من الفضة والذهب إنما تكون لنساء أهل الجنة وللصبيان فقط، ثم غلب في اللفظ جانب التذكير، وفي الآية وجه آخر، وهو أن آلة أكثر الأعمال هي اليد وتلك الأعمال والمجاهدات هي التي يتوسل بها إلى تحصيل المعارف الإلهية والأنوار الصمدية، فتكون تلك الأعمال جارية مجرى الذهب والفضة التي يتوسل بهما إلى تحصيل المطالب، فلما كانت تلك الأعمال صادرة من اليد كانت تلك الأعمال جارية مجرى سوار الذهب والفضة، فسميت الأعمال والمجاهدات بسوار الذهب والفضة، وعبر عن تلك الأنوار الفائضة عن الحضرة الصمدية بقوله: {وسقاهم رَبهمْ شَرَاباً طَهُوراً} وبالجملة فقوله: {وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ} إشارة إلى قوله: {والذين جاهدوا فِينَا} وقوله: {وسقاهم رَبهمْ شَرَاباً طَهُوراً} إشارة إلى قوله: {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] فهذا احتمال خطر بالبال، والله أعلم بمراده.
قوله تعالى: {وسقاهم رَبهمْ شَرَاباً طَهُوراً} الطهور فيه قولان: الأول: المبالغة في كونه طاهراً، ثم فيه على هذا التفسير احتمالات أحدها: أنه لا يكون نجساً كخمر الدنيا وثانيها: المبالغة في البعد عن الأمور المستقذرة يعني ما مسته الأيدي الوضرة، وما داسته الأقدام الدنسة وثالثها: أنها لا تؤول إلى النجاسة لأنها ترشح عرقاً من أبدانهم له ريح كريح المسك القول الثاني: في الطهور أنه المطهر، وعلى هذا التفسير أيضاً في الآية احتمالان أحدهما: قال مقاتل: هو عين ماء على باب الجنة تنبع من ساق شجرة من شرب منها نزع الله ما كان في قلبه من غل وغش وحسد، وما كان في جوفه من قذر وأذى وثانيهما: قال أبو قلابة: يؤتون الطعام والشراب فإذا كان في آخر ذلك أتوا بالشراب الطهور، فيشربون فتطهر بذلك بطونهم، ويفيض عرق من جلودهم مثل ريح المسك، وعلى هذين الوجهين يكون الطهور، مطهراً لأنه يطهر باطنهم عن الأخلاق الذميمة، والأشياء المؤذية، فإن قيل: قوله تعالى: {وسقاهم رَبهمْ} هو عين ما ذكر تعالى قبل ذلك من أنهم يشربون من عين الكافور، والزنجبيل، والسلسبيل أو هذا نوع آخر؟ قلنا: بل هذا نوع آخر، ويدل عليه وجوه أحدها: دفع التكرار وثانيها: أنه تعالى أضاف هذا الشراب إلى نفسه، فقال: {وسقاهم رَبهمْ} وذلك يدل على فضل في هذا دون غيره وثالثها: ما روينا أنه تقدم إليهم الأطعمة والأشربة، فإذا فرغوا منها أتوا بالشراب الطهور فيشربون، فيطهر ذلك بطونهم، ويفيض عرقاً من جلودهم مثل ريح المسك، وهذا يدل على أن هذا الشراب مغاير لتلك الأشربة، ولأن هذا الشراب يهضم سائر الأشربة، ثم له مع هذا الهضم تأثير عجيب، وهو أنه يجعل سائر الأطعمة والأشربة عرقاً يفوح منه ريح كريح المسك، وكل ذلك يدل على المغايرة ورابعها: وهو أن الروح من عالم الملائكة، والأنوار الفائضة من جواهر أكابر الملائكة، وعظمائهم على هذه الأرواح مشبهة بالماء العذب الذي يزيل العطش ويقوي البدن، وكما أن العيون متفاوتة في الصفاء والكثرة والقوة، فكذا ينابيع الأنوار العلوية مختلفة، فبعضها تكون كافورية على طبع البرد واليبس، ويكون صاحبها في الدنيا في مقام الخوف والبكاء والانقباض، وبعضها تكون زنجبيلية على طبع الحر واليبس، فيكون صاحب هذه الحالة قليل الالتفات إلى ما سوى الله تعالى قليل المبالاة بالأجسام والجسمانيات، ثم لا تزال الروح البشرية منتقلة من ينبوع إلى ينبوع، ومن نور إلى نور، ولا شك أن الأسباب والمسببات متناهية في ارتقائها إلى واجب الوجود الذي هو النور المطلق جل جلاله وعز كماله، فإذا وصل إلى ذلك المقام وشرب من ذلك الشراب انهضمت تلك الأشربة المتقدمة، بل فنيت، لأن نور ما سوى الله تعالى يضمحل في مقابلة نور الله وكبريائه وعظمته، وذلك هو آخر سير الصديقين، ومنتهى درجاتهم في الإرتقاء والكمال، فلهذا السبب ختم الله تعالى ذكر ثواب الأبرار على قوله: {وسقاهم رَبهمْ شَرَاباً طَهُوراً}.
واعلم أنه تعالى لما تمم شرح أحوال السعداء، قال تعالى: {إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (22)}
اعلم أن في الآية وجهين الأول: قال ابن عباس المعنى أنه يقال لأهل الجنة بعد دخولهم فيها، ومشاهدتهم لنعيمها: إن هذا كان لكم جزاء قد أعده الله تعالى لكم إلى هذا الوقت، فهو كله لكم بأعمالكم على قلة أعمالكم، كما قال حاكياً عن الملائكة: إنهم يقولون لأهل الجنة: {سلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار} [الرعد: 24] وقال: {كُلُواْ واشربوا هَنِيئَاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ في الأيام الخالية} [الحاقة: 24] والغرض من ذكر هذا الكلام أن يزداد سرورهم، فإنه يقال للمعاقب: هذا بعملك الرديء فيزداد غمه وألم قلبه، ويقال للمثاب: هذا بطاعتك، فيكون ذلك تهنئة له وزيادة في سروره، والقائل بهذا التفسير جعل القول مضمراً، أي ويقال لهم: هذا الكلام الوجه الثاني: أن يكون ذلك إخباراً من الله تعالى لعباده في الدنيا، فكأنه تعالى شرح جواب أهل الجنة، أن هذا كان في علمي وحكمي جزاء لكم يا معاشر عبادي، لكم خلقتها، ولأجلكم أعددتها.
وبقي في الآية سؤالان:
السؤال الأول:
إذا كان فعل العبد خلقاً لله، فكيف يعقل أن يكون فعل الله جزاء على فعل الله؟ الجواب: الجزء هو الكافي، وذلك لا ينافي كونه فعلاً لله تعالى.
السؤال الثاني:
كون سعي العبد مشكوراً لله يقتضي كون الله شاكراً له والجواب: كون الله تعالى شاكراً للعبد محال إلا على وجه المجاز، وهو من ثلاثة أوجه الأول: قال القاضي: إن الثواب مقابل لعلمهم، كما أن الشكر مقابل للنعم الثاني: قال القفال: إنه مشهور في كلام الناس، أن يقولوا: للراضي بالقليل والمثني به إنه شكور، فيحتمل أن يكون شكر الله لعباده هو رضاه عنهم بالقليل من الطاعات، وإعطاؤه إياهم عليه ثواباً كثيراً الوجه الثالث: أن منتهى درجة العبد أن يكون راضياً من ربه مرضياً لربه على ما قال: {ياأيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى رَبّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً} [الفجر: 27، 28] وكونها راضية من ربه، أقل درجة من كونها مرضية لربه، فقوله: {إِنَّ هذا كَانَ لَكُمْ جَزَاء} إشارة إلى الأمر الذي به تصير النفس راضية من ربه وقوله: {وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً} إشارة إلى كونها مرضية لربه، ولما كانت هذه الحال أعلى المقامات وآخر الدرجات لا جرم وقع الختم عليها في ذكر مراتب أحوال الأبرار والصديقين. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ}
بيّن مَن الذي يطوف عليهم بالآنية؛ أي ويخدمهم ولدان مُخلَّدون، فإنهم أخفُّ في الخدمة.
ثم قال: {مُّخَلَّدُونَ} أي باقون على ما هم عليه من الشَّباب والغَضَاضة والحُسْن، لا يَهْرَمون ولا يتغيّرون، ويكونون على سنّ واحدة على مَر الأزمنة.
وقيل: مُخلَّدون لا يموتون.
وقيل: مُسوَّرون مُقَّرطون؛ أي مُحلَّون والتخليد التحلية.
وقد تقدم هذا.
{إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً} أي ظننتهم من حسنهم وكثرتهم وصفاء ألوانهم: لؤلؤاً مفرقاً في عَرْصة المجلس، واللؤلؤ إذا نُثِر على بساط كان أحسن منه منظوماً.
وعن المأمون أنه ليلة زُفَّت إليه بُوران بنت الحسن بن سهل، وهو على بساط منسوج من ذهب، وقد نَثَرت عليه نساءُ دار الخليفة اللؤلؤَ، فنظر إليه منثوراً على ذلك البساط فاستحسن المنظر وقال: للَّهِ دَرُّ أبي نُواس كأنه أبصر هذا حيث يقول:
كأنَّ صُغْرى وكُبْرىَ من فَقَاقِعها ** حَصْبَاءُ دَرٍّ على أرضٍ مِنَ الذَّهَبِ

وقيل: إنما شبههم بالمنثور؛ لأنهم سراع في الخدمة، بخلاف الحور العين إذ شبههنّ باللؤلؤ المكنون المخزون؛ لأنهنّ لا يُمتهنَّ بالخدمة.
قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً} {ثَمَّ}: ظرف مكان أي هناك في الجنة، والعامل في {ثَمَّ} معنى (رَأَيْتَ) أي وإذا رأيت ببصرك (ثَمَّ).
وقال الفرّاء: في الكلام (ما) مضمرة؛ أي وإذا رأيت ما ثَمّ؛ كقوله تعالى: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} [الأنعام: 94] أي ما بينكم.
وقال الزجاج: (ما) موصولة ب {ثم} على ما ذكره الفرّاء، ولا يجوز إسقاط الموصول وترك الصّلة، ولكن (رَأَيْتَ) يتعدّى في المعنى إلى {ثَمَّ} والمعنى: إذا رأيت ببصرك {ثَمَّ} ويعني ب {ثَمَّ} الجنة، وقد ذكر الفرّاء هذا أيضاً.
والنعيم: سائر ما يُتنعمّ به.
والمُلْك الكبير: استئذان الملائكة عليهم؛ قاله السُّديّ وغيره.
قال الكلبيّ: هو أن يأتي الرسول من عند الله بكرامة من الكُسْوة والطعام والشراب والتحف إلى وليّ الله وهو في منزله، فيستأذن عليه؛ فذلك المُلْك العظيم.
وقاله مقاتل بن سليمان.
وقيل: المُلْك الكبير: هو أن يكون لأحدهم سبعون حاجباً، حاجباً دون حاجب، فبينما وليّ الله فيما هو فيه من اللذة والسرور إذ يستأذن عليه مَلَك من عند الله، قد أرسله الله بكتاب وهدية وتحفةٍ من ربّ العالمين لم يرها ذلك الوليّ في الجنة قطّ، فيقول للحاجب الخارج: استأذن علي وليّ الله فإن معي كتاباً وهدية من ربّ العالمين.
فيقول هذا الحاجب للحاجب الذي يليه: هذا رسول من ربِّ العالمين، معه كتاب وهديّة يستأذن على وليّ الله؛ فيستأذن كذلك حتى يبلغ إلى الحاجب الذي يلي وليّ الله فيقول له: يا وليّ الله! هذا رسول من ربّ العالمين يستأذن عليك، معه كتاب وتُحْفة من ربّ العالمين أفيؤذن له؟ فيقول: نعم! فأذنوا له.
فيقول ذلك الحاجب الذي يليه: نَعَم فأذنوا له.
فيقول الذي يليه للآخر كذلك حتى يبلغ الحاجب الآخر، فيقول له: نَعَم أيها المَلَك؛ قد أذن لك، فيدخل فيسلّم عليه ويقول: السَّلامُ يُقرئك السَّلام، وهذه تحفة، وهذا كتاب من رب العالمين إليك.
فإذا هو مكتوب عليه: من الحيّ الذي لا يموت، إلى الحيّ الذي يموت.
فيفتحه فإذا فيه: سلام على عبدي ووليي ورحمتي وبركاتي.
يا وليي أما آن لك أن تشتاق إلى رؤية ربّك؟ فيستخفه الشوق فيركب البُرَاق فيطير به البُرَاق شوقاً إلى زيارة علام الغيوب، فيعطيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وقال سفيان الثوريّ: بلغنا أن المُلْك الكبير تسليم الملائكة عليهم؛ دليله قوله تعالى: {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار} [الرعد: 24] وقيل: المُلْك الكبير كون التّيجان على رؤوسهم كما تكون على رأس ملك من الملوك.
وقال الترمذيّ الحكيم: يعني مُلْك التكوين، فإذا أرادوا شيئاً قالوا له كن.
وقال أبو بكر الورّاق: مُلْك لا يتعقبه هُلْك.
وفي الخبر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إنّ الملك الكبير هو أنّ أدناهم منزلة ينظر في مُلْكه مسيرة ألفي عام، يَرَى أقصاه كما يرى أدناه» قال: «وإن أفضلهم منزلة مَن ينظر في وجه ربه تعالى كل يوم مرتين» سبحان المنعم.
قوله تعالى: {عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبرق} قرأ نافع وحمزة وابن محيصن {عالِيهِم} ساكنة الياء، واختاره أبو عبيد اعتبارا بقراءة ابن مسعود وابن وثاب وغيرهما {عَالِيَتُهُمْ} وبتفسير ابن عباس: أما رأيت الرجل عليه ثيابٌ يعلوها أفضل منها.
الفراء: وهو مرفوع بالابتداء وخبره {ثِيَابُ سُنْدُسٍ} واسم الفاعل يراد به الجمع.
ويجوز في قول الأخفش أن يكون إفراده على أنه اسم فاعل متقدّم و{ثيابُ} مرتفعة به وسَدّت مسدّ الخبر، والإضافة فيه في تقدير الانفصال لأنه لم يَخُصّ، وابتدىء به لأنه اختص بالإضافة.
وقرأ الباقون {عَالِيَهُمْ} بالنصب.
وقال الفراء: هو كقولك فَوْقَهم، والعرب تقول: قومُك داخلَ الدارِ فينصبون داخل على الظرف، لأنه مَحلّ.
وأنكر الزجاج هذا وقال: هو مما لا نعرفه في الظروف، ولو كان ظرفاً لم يجز إسكان الياء، ولكنه بالنصب على الحال من شيئين: أحدهما الهاء والميم في قوله: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ} أي على الأبرار {وِلْدَانٌ} {وِلْدَانٌ} عالياً الأبرارَ ثيابُ سندسٍ؛ أي يطوف عليهم في هذه الحال، والثاني أن يكون حالاً من الولدان؛ أي {إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً} في حال علوّ الثياب أبدانهم.
وقال أبو عليّ: العامل في الحال إمّا {لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً} وإمّا {جَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ} قال: ويجوز أن يكون ظرفاً فصُرِف.
المهدوي: ويجوز أن يكون اسم فاعل ظرفاً؛ كقولك هو ناحيةً من الدار، وعلى أن عالياً لما كان بمعنى فوق أُجْرِي مُجْراه فجعل ظرفاً.
وقرأ ابن محيصن وابن كثير وأبو بكر عن عاصم {خُضْرٍ} بالجر على نعت السُّنْدُس {وَإِسْتَبرق} بالرفع نَسْقاً على الثياب، ومعناه عاليهم ثيابُ سندسٍ وإستبرق.
وقرأ ابن عامر وأبو عمرو ويعقوب {خُضْرٌ} رفعاً نعتاً للثياب {وَإِسْتَبرق} بالخفض نعتاً للسُّنْدس، واختاره أبو عُبيد وأبو حاتم لجودة معناه؛ لأن الخضر أحسن ما كانت نعتاً للثياب فهي مرفوعة، وأحسن ما عطف الإستبرق على السُّنْدس عطف جنس على جنس، والمعنى: عاليَهم ثيابٌ خُضْرٌ مِن سندسٍ وإستبرق، أي من هذين النوعين.
وقرى نافع وحفص كلاهما بالرفع ويكون {خُضْرٌ} نعتاً للثياب؛ لأنهما جميعاً بلفظ الجمع {وإِسْتَبرق} عطفاً على الثياب.
وقرأ الأعمش وابن وَثّاب وحمزة والكسائيّ كلاهما بالخفض ويكون قوله: {خُضْرٍ} نعتاً للسُّندس، والسُّندس اسم جنس، وأجاز الأخفش وصف اسم الجنس بالجمع على استقباح له؛ وتقول: أهلك الناسَ الدينارُ الصُّفْرُ والدرهمُ البِيضُ؛ ولكنه مستبعد في الكلام.
والمعنى على هذه القراءة: عالِيهم ثِيابُ سُندسٍ خضرٍ وثيابُ إِستبرق.
وكلهم صرف الإستبرق إلا ابن محيصن، فإنه فتحه ولم يصرفه فقرأ: {وإستبرق} نصباً في موضع الجر، على منع الصرف، لأنه أعجمي، وهو غلط؛ لأنه نكرة يدخله حرف التعريف؛ تقول الإستبرق إلا أن يزعم ابن محيصن أنه قد يجعل علماً لهذا الضرب من الثياب.
وقرئ: {واستبرق} بوصل الهمزة والفتح على أنه سُمِّي باستفعل من البريق، وليس بصحيح أيضاً؛ لأنه مُعَرَّب مشهور تعريبه، وأن أصله استبرك والسُّندس: ما رَقّ من الديباج.
والإستبرق: ما غَلُظ منه.
وقد تقدّم.
قوله تعالى: {وحلوا} عطف على {وَيَطُوفُ}.
{أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ} وفي سورة فاطر {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ} وفي سورة الحج {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً}، فقيل: حُليّ الرجل الفضة وحُليّ المرأة الذهب.
وقيل: تارة يلبسون الذهب وتارة يلبسون الفضّة.
وقيل: يجمع في يد أحدهم سواران من ذهب وسواران من فضّة وسواران من لؤلؤ، ليجتمع لهم محاسن الجنة؛ قاله سعيد بن المسيّب.
وقيل: أي لكل قوم ما تميل إليه نفوسهم.
{وَسَقَاهُمْ رَبهمْ شَرَاباً طَهُوراً} قال عليّ رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبهمْ شَرَاباً طَهُوراً} قال: إذا توجه أهل الجنة إلى الجنة مرّوا بشجرة يخرج من تحت ساقها عينان، فيشربون من إحداهما، فتجري عليهم بنضرة النَّعيم، فلا تتغير أبشارهم، ولا تتشعث أشعارهم أبداً، ثم يشربون من الأخرى، فيخرج ما في بطونهم من الأذى، ثم تستقبلهم خَزنة الجنة فيقولون لهم: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها خَالِدِينَ} [الزمر: 73].
وقال النَّخَعيّ وأبو قِلابة: هو إذا شربوه بعد أكلهم طَهَّرهم، وصار ما أكلوه وما شربوه رَشْحَ مِسْكٍ، وضَمَرت بطونهم.
وقال مقاتل: هو من عينٍ ماء على باب الجنة، تنبع من ساق شجرة، من شرب منها نزع الله ما كان في قلبه من غِلّ وغشٍّ وحسدٍ، وما كان في جوفه من أذًى وقذر.
وهذا معنى ما روي عن عليّ، إلا أنه في قول مقاتل عين واحدة وعليه فيكون فعلاً للمبالغة، ولا يكون فيه حجة للحنفي أنه بمعنى الطاهر.
وقد مضى بيانه في سورة (الفرقان) والحمد لله.
وقال طَيِّب الجمَّال: صَلَّيْتُ خَلْف سهل بن عبد الله العَتَمة، فقرأ: {وَسَقَاهُمْ رَبهمْ شَرَاباً طَهُوراً} وجعل يُحرِّك شفتيه وفمه، كأنه يَمصُّ شيئاً، فلما فرغ قيل له: أتشرب أم تقرأ؟ فقال: والله لو لم أجد لذته عند قراءته كلذته عند شربه ما قرأته.
قوله تعالى: {إِنَّ هذا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً} أي يقال لهم: إنما هذا جزاء لكم أي ثواب.
{وَكَانَ سَعْيُكُم} أي عملكم {مَّشْكُوراً} أي من قبل الله، وشكره للعبد قبول طاعته، وثناؤه عليه، وإثابته إياه.
وروى سعيد عن قتادة قال: غفر لهم الذَّنْب وشَكَر لهم الحُسْنى.
وقال مجاهد: {مَشْكُوراً} أي مقبولاً والمعنى متقارب؛ فإنه سبحانه إذا قبل العمل شكره، فإذا شكره أثاب عليه بالجزيل، إذ هو سبحانه ذو الفضل العظيم.
روي عن ابن عمر: أن رجلاً حَبَشِيًّا قال: يا رسول الله! فُضِّلتم علينا بالصُّوَر والألوان والنبوّة، أفرأيت إن آمنتُ بما آمنت به، وعملت بما عملت، أكائن أنا معك في الجنة؟ قال: «نعم والذي نفسي بيده إنه ليُرَى بياض الأسود في الجنة وضياؤه من مسيرة ألف عام» ثم قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله كان له بها عند الله عَهْد، ومن قال سبحان الله والحمد لله كان له بها عند الله مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة» فقال الرجل: كيف نهلك بعدها يا رسول الله؟ فقال: «إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وضعه على جبل لأثقله. فتجيء النعمة من نِعم الله فتكاد أن تستنفذ ذلك كله إلا أن يلطف الله برحمته».
قال: ثم نزلت {هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدهر} إلى قوله: {وَمُلْكاً كَبِيراً} قال الحبشيّ: يا رسول الله! وإن عينيّ لترى ما ترى عيناك في الجنة؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «نعم» فبكى الحبشيّ حتى فاضت نَفْسه.
وقال ابن عمر: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُدْليه في حفرته ويقول: {إِنَّ هذا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً} قلنا: يا رسول الله وما هو؟ قال: «والذي نفسي بيده لقد أوقفه الله ثم قال أي عبدي لأبيضنّ وجهك ولأُبَوّئَنَّك من الجنة حيث شئت، فنعم أجر العاملين». اهـ.

.قال الألوسي:

{وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ} أي للخدمة {ولدان مُّخَلَّدُونَ} أي دائمون على ما هم فيه من الطراوة والبهاء وقيل مقرطون بخلدة وهي ضرب من القرطة وجاء في حديث أخرجه ابن مردويه عن أنس مرفوعا أنهم ألف خادم وفي بعض الآثار أضعاف ذلك.
والجود أعظم والمواهب أوسع... ويختلف ذلك قلة وكثرة باختلاف أعمال المخدومين {إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً} لحسنهم وصفاء ألوانهم وإشراق وجوههم وانبثاثهم في مجالسهم ومنازلهم وانعكاس أشعة بعضهم إلى بعض وقيل شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا نثر من صدفه لأنه أحسن وأكثر ماء وعليه هو من تشبيه المفرد لأن الانبثاث غير ملحوظ والخطاب في {رأيتهم} للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل واقف عليه وكذا في قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ} أي هناك يعني في الجنة وهو في موضع النصب على الظرف و{رأيت} منزل منزلة اللازم فيفيد العموم في المقام الخطابي فالمعنى أن بصرك أينما وقع في الجنة {رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً} عظيم القدر لا تحيط به عبارة وهو يشمل المحسوس والمعقول وقال عبد الله بن عمرو الكلبي عريضاً واسعاً يبصر أدناهم منزلة في الجنة في ملك مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه وذلك لما يعطى من حدة النظر أو هو من خصائص الجنة وقال مجاهد: هو استئذان الملائكة عليهم السلام فلا يدخلون عليهم إلا بإذن وقال الترمذي: وأظنه كما ظن أبو حيان الحكيم لا أبا عيسى المحدث صاحب الجامع هو ملك التكوين والمشيئة إذا أرادوا شيئاً كان وقيل هو النظر إلى الله عز وجل وقيل غير ذلك وقيل الملك الدائم الذي لا زوال له وزعم الفراء أن المعنى {وَإِذَا رَأَيْتَ مَا ثَمَّ رَأَيْتَ} إلخ وخرج على أنه أراد أن ثم ظرف لمحذوف وقع صلة لموصول محذوف هو مفعول رأيت والتقدير {وَإِذَا رَأَيْتَ مَا ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً} إلخ فحذف ما كما حذف في قوله تعالى: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} [الأنعام: 94] أي ما بينكم وتعقبه الزجاج ثم الزمخشري بأنه خطأ لأنه لا يجوز إسقاط الموصول وترك الصلة وأنت تعلم أن الكوفيين يجيزون ذلك ومنه قوله:
فمن يهجو رسول الله منكم ** ويمدحه وينصره سواء

أراد ومن يمدحه فحذف الموصول وأبقى صلته وقد يقال أن ذلك إنما يرد لو أراد أن الموصول مقدر أما لو أراد المعنى وأن الظرف يغني غناء المفعول به فهو كلام صحيح لأن الظرف والمرئي كليهما الجنة وقرأ حميد الأعرج {ثم} بضم الثاء حرف عطف وجواب إذا على هذا محذوف يقدر بنحو تحير فكرك أو بنحو رأيت عاملاً في نعيماً.
{عاليهم ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبرق} قيل {عاليهم} ظرف بمعنى فوقهم على أنه خبر مقدم و{ثياب} مبتدأ مؤخر والجملة حال من الضمير المجرور في {عاليهم} فهي شرح لحال الأبرار المطوف عليهم وقال أبو حيان: إن عالى نفسه حال من ذلك الضمير وهو اسم فاعل و{ثياب} مرفوع على الفاعلية به ويحتاج في إثبات كونه ظرفاً إلى أن يكون منقولا من كلام العرب عاليك ثوب مثلاً ومثله فيما ذكر عالية وقيل حال من ضمير {لقاهم} أو من ضمير {جزاهم} وقيل من الضمير المستتر في {متكئين} والكل بعيد وجوز كون الحال من مضاف مقدر قبل {نعيماً} أو قبل {ملكاً} أي رأيت أهل نعيم أو أهل ملك عاليهم إلخ وهو تكلف غير محتاج إليه وقيل صاحب الحال الضمير المنصوب في {حسبتهم} فهي شرح لحال الطائفين ولا يخفى بعده لما فيه من لزوم التفكيك ضرورة أن ضمير سقاهم فيما بعد كالمتعين عوده على الأبرار وكونه من التفكيك مع القرينة المعينة وهو مما لا بأس به ممنوع واعترض أيضاً بأن مضمون الجملة يصير داخلاً تحت الحسبان وكيف يكون ذلك وهم لابسون الثياب حقيقة بخلاف كونهم لؤلؤاً فإنه على طريق التشبيه المقتضى لقرب شبههم باللؤلؤ أن يحسبوا لؤلؤاً وأجيب بأن الحسبان في حال من الأحوال لا يقتضي دخول الحال تحت الحسبان ورفع {خضر} على أنه صفة {ثياب} {واستبرق} على أنه عطف على {ثياب} والمراد وثياب استبرق والسندس قال ثعلب ما رق من الديباج وقيل ما رق من ثياب الحرير والفرق أن الديباج ضرب من الحرير المنسوج يتلون ألواناً وقال الليث هو ضرب من البزيون يتخذ من المرعز وهو معرب بلا خلاف بين أهل اللغة على ما في (القاموس) وغيره وزعم بعض أنه مع كونه معرباً أصله سندي بياء النسبة لأنه يجلب من السند فأبدلت الياء سيناً كما قال في سادي سادس وهو كما ترى والاستبرق قيل ما غلظ من ثياب الحرير وقال أبو إسحاق الديباج الصفيق الغليظ الحسن وقال ابن دريد ثياب حرير نحو الديباج وعن ابن عبادة هو بردة حمراء وقيل هو المنسوج من الذهب وهو اسم أعجمي معرب عند جمع أصله بالفارسية استبره وفي (القاموس) معرب استروه وحكي ذلك عن ابن دريد وأنه قال: إنه سرياني وقيل معرب استفره وما في صورة الفاء ليست فاء خالصة وإنما هي بين الفاء والباء وقيل عربي وافقت لغة العرب فيه لغة غيرهم واستصوبه الأزهري وكما اختلفوا فيه هل هو معرب أو عربي اختلفوا هل هو نكرة أو علم جنس مبني أو معرب أو ممنوع من الصرف وهمزته همزة قطع أو وصل والصحيح على ما قال الخفاجي أنه نكرة معرب مصروف مقطوع الهمزة كما يشهد به القراءة المتواترة وسيعلم إن شاء الله تعالى حال ما يخالفها وفي (جامع التعريب) أن جمعه أبارق وتصغيره أبيرق حذفت السين والتاء في التكسير لأنهما زيدتا معاً فأجري مجرى الزيادة الواحدة وفي المسألة خلاف أيضاً مذكور في محله ولم يذكر لون هذا الاستبرق وأشار ناصر الدين إلى أنه الخضرة فخضر وإن توسط بين المعطوف والمعطوف عليه فهو لهما وعلى كل حال هذه الثياب لباس لهم وربما تشعر الآية بأن تحتها ثياباً أخرى وقيل على وجه الحالية من ضمير {متكئين} أن المراد فوق حجالهم المضروبة عليهم ثياب سندس إلخ وحاصله أن حجالهم مكللة بالسندس والاستبرق وقرأ ابن عباس بخلاف عنه والأعرج وأبو جعفر وشيبة وابن محيصن ونافع وحمزة {عاليهم} بسكون الياء وكسر الهاء وهي رواية أبان عن عاصم فهو مرفوع بضمة مقدرة على الياء على أنه مبتدأ و{ثياب} خبره وعند الأخفش فاعل سد مسد الخبر وقيل على أنه خبر مقدم وثياب مبتدأ مؤخر وأخبر به عن النكرة لأنه نكرة وإضافته لفظية وهو في معنى الجماعة كما في {سامراً تهجرون} [المؤمنون: 67] على ما صرح به مكي ولا حاجة إلى التزامه على رأي الأخفش وقيل هو باق على النصب والفتحة مقدرة على الياء وأنت تعلم أن مثله شاذ أو ضرورة فلا ينبغي أن يخرج عليه القراءة المتواترة وقرأ ابن مسعود والأعمش وطلحة وزيد بن علي {عاليتهم} بالياء والتاء مضمومة وعن الأعمش أيضاً وأبان عن عاصم فتح التاء الفوقية وتخريجهما كتخريج {عاليهم} بالسكون والنصب وقرأ ابن سيرين ومجاهد في رواية وقتادة وأبو حيوة وابن أبي عبلة والزعفراني وأبان أيضاً {عليهم} جاراً ومجروراً فهو خبر مقدم و{ثياب} مبتدأ مؤخر وقرأت عائشة {علتهم} بتاء التأنيث فعلاً ماضياً فثياب فاعل وقرأ ابن أبي عبلة وأبو حيوة {ثياب سندس} بتنوين {ثياب} ورفع {سندس} على أنه وصف لها وهذا كما يقول ثوب حرير تريد من هذا الجنس وقرأ العربيان ونافع في رواية {واستبرق} بالجر عطفاً على {سندس} وقرأ ابن كثير وأبو بكر بجر خضر صفة لـ: {سندس} وهو في معنى الجمع وقد صرحوا بأن وصف اسم الجنس الذي يفرق بينه وبين واحده بتاء التأنيث بالجمع جائز فصيح وعليه {ينشىء السحاب الثقال} [الرعد: 12] {والنخل باسقات} [ق: 10] وقد جاء سندسة في الواحدة كما قاله غير واحد وجوز كونه صفة لثياب وجره للجوار وفيه توافق القراءتين معنى إلا أنه قليل وقرأ الأعمش وطلحة والحسن وأبو عمرو بخلاف عنهما وحمزة والكسائي {خضر} {واستبرق} بجرهما وقرأ ابن محيصن {واستبرق} بوصل الألف وفتح القاف كما في عامة كتب القراءات ويفهم من (الكشاف) أنه قرأ بالقطع والفتح وأن غيره قرأ بما تقدم وهو خلاف المعروف وخرج الفتح على المنع من الصرف للعلمية والعجمة وغلط بأنه نكرة يدخله حرف التعريف فيقال الاستبرق وقيل إن ذاك كذا والوصل مبني على أنه عربي مسمى باستفعل من البريق يقال برق واستبرق كعجب واستعجب فهو في الأصل فعل ماض ثم جعل علماً لهذا النوع من الثياب فمنع من الصرف للعلمية ووزن الفعل دون العجمة وتعقب بأن كونه معرباً مما لا ينبغي أن ينكر وقيل هو مبني منقول من جملة فعل وضمير مستتر وحاله لا يخفى واختار أبو حيان أن {استبرق} على قراءة ابن محيصن فعل ماض من البريق كما سمعت وأنه باق على ذلك لم ينقل ولم يجعل علماً للنوع المعروف من الثياب وفيه ضمير عائد على السندس أو على الأخضر الدال عليه خضر كأنه لما وصف بالخضرة وهي مما يكون فيها لشدتها دهمة وغيش أخبر أن في ذلك اللون بريقاً وحسناً يزيل غبشه فقيل {واستبرق} أي برق ولمع لمعاناً شديداً ثم قال معرضاً بمن غلطه كأبي حاتم والزمخشري وهذا التخريج أولى من تلحين قارىء جليل مشهور بمعرفة العربية وتوهيم ضابط ثقة قد أخذ عن أكابر العلماء انتهى.
وقيل الجملة عليه معترضة أو حال بتقدير قد أو بدونه {وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ} جمع سوار وهو معروف وذكر الراغب أنه معرب دستواره {مِن فِضَّةٍ} هي فضة لائقة بتلك الدار والظاهر أن هذا عطف على {يطوف عليهم} [الإنسان: 19] واختلافهما بالمضي والمضارعة لأن الحالية مقدمة على الطواف المتجدد ولا ينافي ما هنا قوله تعالى: {أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ} [فاطر: 33] لإمكان الجمع بتعدد الأساور لكل والمعاقبة بلبس الذهب تارة والفضة أخرى والتبعيض بأن يكون أساور بعض ذهباً وبعض فضة لاختلاف الأعمال وقيل هو حال من ضمير {عاليهم} بإضمار قد أو بدونه فإن كان الضمير للطائفين على أن يكون {عاليهم} حالاً من ضمير {حسبتهم} جاز أن يقال الفضة للخدم والذهب للمخدومين وجوز أن يكون المراد بالأساور الأنوار الفائضة على أهل الجنة المتفاوتة لتفاوت الأعمال تفاوت الذهب والفضة والتعبير عنها بأساور الأيدي لأنه جزاء ما عملته أيديهم ولا يخفى أن هذا مما لا يليق بالتفسير وحري أن يكون من باب الإشارة ثم أن التحلية إن كانت للولدان فلا كلام ويكونون على القول الثاني في {مخلدون} مسورين مقرطين وهو من الحسن بمكان وإن كانت لأهل الجنة المخدومين فقد استشكل بأنها لا تليق بالرجال وإنما تليق بالنساء والولدان وأجيب بأن ذلك مما يختلف باختلاف العادات والطبائع ونشأة الآخرة غير هذه النشأة ومن المشاهد في الدنيا أن بعض ملوكها يتحلون بأعضادهم وعلى تيجانهم وعلى صدورهم ببعض أنواع الحلى مما هو عند بعض الطباع أولى بالنساء والصبيان ولا يرون ذلك بدعاً ولا نقصاً كل ذلك لمكان الإلف والعادة فلا يبعد أن يكون من طباع أهل الجنة في الجنة الميل إلى الحلى مطلقاً لاسيما وهم جرد مرد أبناء ثلاثين وقيل أن الأساور إنما تكون لنساء أهل الجنة والصبيان فقط لكن غلب في اللفظ جانب التذكير وهو خلاف الظاهر كما لا يخفى {وسقاهم رَبهمْ شَرَاباً طَهُوراً} هو نوع آخر يفوق النوعين السابقين وهما ما مزج بالكافور وما مزج بالزنجبيل كما يرشد إليه إسناد سقيه إلى رب العالمين ووصفه بالطهورية قال أبو قلابة يؤتون بالطعام والشراب فإذا كان آخر ذلك أتوا بالشراب الطهور فيطهر بذلك قلوبهم وبطونهم ويفيض عرقاً من جلودهم مثل ريح المسك وعن مقاتل هو ماء عين على باب الجنة من ساق شجرة من شرب منه نزع الله تعالى ما كان في قلبه من غش وغل وحسد وما كان في جوفه من قذر وأذى أي إن كان فالطهور عليهما بمعنى المطهر وقد تقدم في ذلك كلام فتذكر وقال غير واحد أريد أنه في غاية الطهارة لأنه ليس برجس كخمر الدنيا التي هي في الشرع رجس لأن الدار ليست دار تكليف أو لأنه لم يعصر فتمسه الأيدي الوضرة وتدوسه الأقدام الدنسة ولم يجعل في الدنان والأباريق التي لم يعن بتنظيفها أو لأنه لا يؤل إلى النجاسة لأنه يرشح عرقاً من أبدانهم له ريح كريح المسك وقيل أريد بذاك الشراب الروحاني لا المحسوس وهو عبارة عن التجلي الرباني الذي يسكرهم عما سواه.
صفاء ولا ماء ولطف ولا هوا ** ونور ولا نار وروح ولا جسم

ولعل كل ما ذكره ابن الفارض في خمريته التي لم يفرغ مثلها في كأس إشارة إلى هذا الشراب وإياه عنى بقوله:
سقوني وقالوا لا تغن ولو سقوا ** جبال حنين ما سقوني لغنت

ويحكى أنه سئل أبو يزيد عن هذه الآية فقال سقاهم شراباً طهرهم به عن محبة غيره ثم قال إن لله تعالى شراباً ادخره لأفاضل عباده يتولى سقيهم إياه فإذا شربوا طاشوا وإذا طاشوا طاروا وإذا طاروا وصلوا وإذا وصلوا اتصلوا فهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر وحمل بعضهم جميع الأشربة على غير المتبادر منها فقال إن الأنوار الفائضة من جواهر أكابر الملائكة وعظمائهم عليهم السلام على هذه الأرواح مشبهة بالماء العذب الذي يزيل العطش ويقوي البدن وكما أن العيون متفاوتة في الصفاء والكثرة والقوة فكذا ينابيع الأنوار العلوية مختلفة فبعضها كافورية على طبع البرد واليبس ويكون صاحب ذلك في الدنيا في مقام الحزن والبكاء والانقباض وبعضها يكون زنجبيلياً على طبع الحر واليبس ويكون صاحبه قليل الالتفات إلى السوي قليل المبالات بالأجسام والجسمانيات ثم لا يزال الروح البشري منتقلاً من ينبوع إلى ينبوع ومن نور إلى نور ولا شك أن الأسباب والمسببات متناهية في ارتقائها إلى واجب الوجود الذي هو النور المطلق جل جلاله فإذا وصل إلى ذلك المقام وشرب ذلك الشراب انهضمت تلك الأشربة المتقدمة بل فنيت لأن نور ما سوى الله يضمحل في مقابلة نور جلال الله سبحانه وكبريائه وذلك آخر سير الصديقين ومنتهى درجاتهم في الارتقاء والكمال ولهذا ختم الله تعالى ذكر ثواب الأبرار بقوله جل وعلا وسقاهم ربهم شراباً طهوراً.
{إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (22)}
{إِنَّ هَذَا} الذي ذكر من فنون الكرامات الجليلة الشأن {كَانَ لَكُمْ جَزَاء} بمقابلة أعمالكم الصالحة التي اقتضاها حسن استعدادكم واختياركم والظاهر أن المجيء بالفعل للتحقيق والدوام وجوز أن يكون المراد كان في علمي وحكمي وكذا في قوله تعالى: {وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً} أي مرضياً مقبولاً أو مجازى عليه غير مضيع والكلام على ما روي عن ابن عباس على إضمار القول أي ويقال لهم بعد دخولهم الجنة ومشاهدتهم ما أعد لهم أن هذا إلخ والغرض أن يزداد سرورهم فإنه يقال للمعاقب هذا بعملك الردىء فيزداد غمه وللمثاب هذا بطاعتك وعملك الحسن فيزداد سروره ويكون ذلك تهنئة له وجوز أن يكون خطاباً من الله تعالى في الدنيا كأنه سبحانه بعد أن شرح ثواب أهل الجنة قال: إن هذا كان في علمي وحكمي جزاءً لكم يا معشر عبادي وكان سعيكم مشكوراً قيل وهو لا يغني عن الإضمار ليرتبط بما قبله وقد ذكر سبحانه من الجزاء ما تهش له الألباب وأعقبه جل وعلا بما يدل على الرضا الذي هو أعلى وأغلى لدى الأحباب.
إذا كنت عني يا منى القلب راضيا ** أرى كل من في الكون لي يتبسم

وروي من طرق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه السورة وقد أنزلت عليه وعنده رجل من الحبشة أسود فلما بلغ صفة الجنان زفر زفرة خرجت نفسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أخرج نفس صاحبكم الشوق إلى الجنة». اهـ.

.قال ابن عاشور:

{وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ}
هذا طواف آخر غير طواف السُقاة المذكورِ آنفاً بقوله: {ويطاف عليهم بآنية من فضة} [الإنسان: 15] إلخ فهذا طواف لأداء الخِدمة فيشمل طواف السقاة وغيرهم.
و {وِلْدَان}: جمع وليد وأصل وليد فعيل بمعنى مفعول ويطلق الوليد على الصبي مجازاً مشهوراً بعلاقة ما كان، لقصد تقريب عهده بالولادة، وأحسن من يتخذ للخدمة الوِلدان لأنهم أخف حركةً وأسرع مشياً ولأن المخدوم لا يتحرج إذا أمرهم أو نهاهم.
ووصفوا بأنهم {مخلَّدون} للاحتراس مما قد يوهمه اشتقاق {وِلدان} من أنهم يشبون ويكتهلون، أي لا تتغير صفاتهم فهم وِلدان دَوْماً وإلاّ فإن خلود الذوات في الجنة معلوم فما كان ذكره إلاّ لأنه تخليد خاص.
وقال أبو عبيدة {مخلَّدون}: محلَّون بالخِلدَة بوزن قِرَدَة.
واحدها خُلْد كقُفل وهو اسم للقُرط في لغة حِمير.
وشُبهوا باللؤلؤ المنثور تشبيهاً مقيّداً فيه المشبه بحال خاص لأنهم شبهوا به في حسن المنظر مع التفرق.
وتركيب {إذا رأيتهم حسبتهم} مفيد للتشبيه المرادِ به التشابه والخطاب في {رأيتَ} [الإنسان: 20] خطاب لغَير معين، أي إذا رآه الرائِي.
والقول في معنى الطواف تقدم عند قوله تعالى: {ويُطاف عليهم بآنية من فضة} الآية [الإنسان: 15].
{وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20)}
الخطاب لغير معين.
و {ثَمّ} إشارة إلى المكان ولا يكون إلاّ ظرفاً والمشار إليه هنا ما جرى ذكره أعني الجنة المذكورة في قوله: {وجزاهم بما صبروا جَنة} [الإنسان: 12].
وفعل {رأيتَ} الأول منزل منزلة اللازم يدل على حصول الرؤية فقط لا تعلُّقِها بمرئي، أي إذا وجهت نظرك، و{رأيتَ} الثاني جواب {إذا}، أي إذا فتحت عينك ترى نعيماً.
والتقييد بـ {إذا} أفاد معنى الشرطية فدل على أن رؤية النعيم لا تتخلف عن بصر المبصر هنالك فأفاد معنى: لا ترى إلاّ نعيماً، أي بخلاف ما يرى في جهات الدنيا.
وفي قوله: {ومُلْكاً كبيراً} تشبيه بليغ، أي مثل أحوال المُلك الكبير المتنعِّم ربه.
وفائدة هذا التشبيه تقريب المشبه لِمدارك العقول.
والكبير مستعار للعظيم وهو زائد على النعيم بما فيه من رفعة وتذليل للمصاعب.
{عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبرق وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبهمْ شَرَابًا طَهُورًا (21)}
هذه الأشياء من شعار الملوك في عرف الناس زَمانَئِذ، فهذا مرتبط بقوله: {ومُلكاً كبيراً} [الإنسان: 20].
وقرأ نافع وحمزة وأبو جعفر {عَاليهم} بسكون الياء على أن الكلام جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لجملة {رأيْتَ نعيماً ومُلْكاً كبيراً} [الإنسان: 20]، ف {عاليهم} مبتدأ و{ثياب سندس} فاعلُه سادٌّ مسدّ الخبر وقد عمل في فاعله وإن لم يكن معتمداً على نفي أو استفهام أو وصف، وهي لغة خَبير بنو لهب وتكون الجملة في موضع البيان لجملة: {رأيت نعيماً} [الإنسان: 20].
وقرأ بقية العشرة {عَاليَهم} بفتح التحتية على أنه حال مفرد ل {الأبرار} [الإنسان: 5]، أي تلك حالة أهل الملك الكبير.
وإضافة {ثياب} إلى {سندس} بيانية مثل: خَاتَم ذَهَببِ، وثَوْببِ خَزَ، أي منه.
والسندس: الديباج الرقيق.
والإستبرق: الديباج الغليظ وتقدما عند قوله تعالى: {ويلبسون ثياباً خضراً من سندس وإستبرق} في سورة الكهف (31) وهما معرَّبان.
فأما السندس فمعرب عن اللغة الهندية وأصله (سندون) بنون في آخره، قيل: إن سبب هذه التسمية أنه جلب إلى الإِسكندر، وقيل له: إن اسمه (سندون) فصيره للغة اليونان سندوس لأنهم يكثرون تنهية الأسماء بحرف السين وصيّره العرب سُندساً.
وفي اللسان: أن السندس يتخذ من المِرْعِزَّى (كذا ضبطه مصححه) والمعروف المِرْعِز كما في (التذكرة) و(شفاء الغليل).
وفي (التذكرة) المِرْعز: ما نَعُم وطال من الصوف اهـ.
فلعله صوف حيوان خاص فيه طول أو هو من نوع الشعَر، والظاهر أنه لا يكون إلاّ أخضر اللون لقول يزيد بن حذاق العبدي يصف مرعى فَرسه:
وداوَيْتُها حتى شَتَتْ حَبَشِيَّةً ** كأنَّ عليها سُندساً وسُدُوساً

أي في أرض شديدة الخضرة كلون الحَبشي.
وفي (اللسان): السدوس الطيلسان الأخضر.
ولقول أبي تمَّام يرثي محمد بن حميد النبهاني الطوسي:
تَرَدَّى ثيَابَ الموتِ حُمْراً فما أتَى ** لها الليلُ إلاَّ وهْيَ من سُندس خُضْرُ

وأما الإِستبرق فنسج من نسج الفرس واسمه فارسي، وأصله في الفارسية: استقره.
والمعنى: أن فوقهم ثياباً من الصنفين يلبسون هذا وذاك جمعاً بين محاسن كليهما، وهي أفخر لباس الملوك وأهل الثروَة.
ولون الأخضر أمتع للعين وكان من شعار الملوك، قال النابغة يمدح ملوك غسان:
يَصونُون أجْساداً قديما نعيمها ** بخَالصةِ الأردَان خُضْر المَنَاكِب

والظاهر أن السندس كان لا يصبغ إلاّ أخضر اللون.
وقرأ نافع وحفص {خضرٌ} بالرفع على الصفة ل {ثياب}.
و {إستبرق بالرفع أيضاً على أنه معطوف على ثياب} بقيد كونها من سندس فمعنى عاليهم إستبرق: أن الإِستبرق لباسُهم.
وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم {خُضْرٍ} بالجر نعتاً ل {سندس} و{إستبرق} بالرفع عطفاً على {ثياب}.
وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب {خُضْرٌ} بالرفع و{إستبرق} بالجر عطفاً على {سندس} بتقدير: وثياب إستبرق.
وقرأ حمزة والكسائي {خُضرٍ} بالجر نعتاً ل {سندسٍ} باعتبار أنه بيان للثياب فهو في معنى الجمع.
وقرأ و{إستبرق} بالجر عطفاً على {سندس}.
والأساور: جمع سِوار وهو حَلي شكله اسطواني فارغ الوسط يلبسه النساء في معاصمهن ولا يلبسه الرجال إلاّ الملوك، وقد ورد في الحديث ذكر سواري كسْرى.
والمعنى: أن حال رجال أهل الجنة حال الملوك ومعلوم أن النساء يتحلّيْنَ بأصناف الحلي. ووصفت الأساور هنا بأنها من فضة.
وفي سورة الكهف (31) بأنها {من ذهب} في قوله: يُحلَّون فيها من أساور من ذهب، أي مرة يحلَّون هذه ومرة الأخرى، أو يحلونهما جميعاً بأن تجعل متزاوجة لأن ذلك أبهج منظراً كما ذكرناه في تفسير قوله: {كانت قواريرا قواريرا من فضة} [الإنسان: 15، 16].
هذا احتراس مما يوهمه شُربهم من الكأس الممزوجة بالكافور والزنجبيل من أن يكون فيها ما في أمثالها المعروفة في الدنيا ومن الغَوْل وسوءِ القول والهذيان، فعبر عن ذلك بكون شرابهم طَهوراً بصيغة المبالغة في الطهارة وهي النزاهة من الخبائث، أي منزهاً عما في غيره من الخباثة والفساد.
وأسند سقيه إلى ربهم إظهاراً لكرامتهم، أي أمر هو بسقيهم كما يقال: أطعَمهم ربُّ الدار وسقاهم.
{إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (22)}
هذا الكلام مقول قول محذوف قرينته الخطاب إذ ليس يصلح لهذا الخطاب مما تقدم من الكلام إلاّ أن يكون المخاطَبون هم الأبرارَ الموصوفَ نعيمهم.
والقول المحذوف يقدر فعلاً في موضع الحال من ضمير الغائب في {سقاهم} [الإنسان: 21]، نحو: يُقال لهم، أو يَقول لهم ربهم، أو يقدر اسماً هو حال من ذلك الضمير نحو: مَقولاً لهم هذا اللفظ، أو قائلاً لهم هذا اللفظ.
والإِشارة إلى ما يكون حاضراً لديهم من ألوان النعيم الموصوف فيما مضى من الآيات.
والمقصود من ذلك الثناء عليهم بما أسلفوا من تقوى الله وتكرمتهم بذلك وتنشيط أنفسهم بأن ما أنعم به عليهم هو حق لهم جزاء على عملهم.
وإقحام فعل {كان} للدلالة على تحقيق كونه جزاء لا منًّا عليهم بما لم يستحقوا، فإن من تمام الإِكرام عند الكرام أن يُتبعوا كرامتهم بقول ينشط له المكرَم ويزيل عنه ما يعرض من خجل ونحوه، أي هو جزاء حقاً لا مبالغة في ذلك.
وعطف على ذلك قوله: {وكان سعيكم مشكوراً} علاوة على إيناسهم بأن ما أغدق عليهم كان جزاء لهم على ما فعلوا بأن سعيهم الذي كان النعيمُ جزاء عليه، هو سعي مشكور، أي مشكور ساعِيه، فأسند المشكور إلى السعي على طريقة المجاز العقلي مثل قولهم: سَيْل مُفْعَم.
ولك أن تجعل {مشكوراً} مفعولاً حقيقة عقلية لكن على طريقة الحذف والإِيصال، أي مشكوراً عليه.
وإقحام فعل {كان} كإقحام نظيره آنفاً. اهـ.