فصل: كتاب الجنايات

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الذخيرة في فروع المالكية ***


كتاب الجنايات

وهي سبعة‏:‏ البغي، والردة، والزنا، والقذف، والسرقة، والحرابة، والشرب‏.‏ وأصلها من الجني، كأن من فعل أحدها فقد استثمر أخلاقه كما تجنى الثمرة من الشجرة‏.‏

الجناية الأولى‏:‏ في البغي والنظر في صفات البغاة وأحكامهم

النظر الأول‏:‏ في صفاتهم

وأصلها لغة‏:‏ الطلب، قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا‏)‏ أي‏:‏ ما نطلب‏.‏ وفي الجواهر‏:‏ خصصه الشرع ببعض موارده، وهو الذي يخرج على الإمام يبغي خلعه، أو يمتنع من الدخول في طاعته أو يمنع حقا وجب عليه بتأويل‏.‏ ووافقنا الأئمة على هذا التفسير، غير أنهم نصوا على اشتراط الكثرة المحوجة للجيش، وأن العشرة ونحوها قطاع الطريق؛ لأن ابن ملجم لما جرح عليا - رضي الله عنه - قال للحسن‏:‏ إن برئت رأيت رأي، وإن مت فلا تمثلوا به، فلم يثبت لفعله حكم البغاة‏.‏ واشترطوا التأويل مع الكثرة والخروج على الإمام، فجعلوا الشروط ثلاثة، واختلفوا في الخوارج المكفرين لكثير من الصحابة المستحلين دماء المسلمين وأموالهم، فقال‏:‏ ‏(‏ش‏)‏ و‏(‏ح‏)‏‏.‏ ‏(‏ومتأخرو الجنايات هم‏:‏ بغاة، ولمالك في تكفيرهم قولان، فعلى تكفيرهم يكونون بغاة‏)‏‏.‏

النظر الثاني‏:‏ في أحكامهم

وهي اثنا عشر‏:‏

الأول‏:‏ وجوب قتالهم، لقوله تعالى‏:‏ ‏(‏وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ‏)‏ وفيها أربع فوائد‏:‏

الأولى‏:‏ أنه تعالى لم يخرجهم بالبغي عن الإيمان؛ لأنه تعالى سماهم مؤمنين‏.‏

الثانية‏:‏ ثبوت قتالهم لأن الأمر للوجوب‏.‏

الثالثة‏:‏ سقوط قتالهم إذا فاءوا إلى أمر الله‏.‏

الرابعة‏:‏ جواز قتال كل من منع حقا عليه‏.‏ وقاتل الصديق رضي الله عنه ما نعي الزكاة بتأويل‏.‏ وقاتل علي رضي الله عنه البغاة الذين امتنعوا من بيعته وهم أهل الشام، وطائفة خلعته وهم أهل القيروان‏.‏ وفي الجواهر‏:‏ قال سحنون‏:‏ إذا خرجوا بغيا ورغبة عن حكم الإمام دعاهم الإمام إلى الحق فإن أبو قاتلهم، وجاز له سفك دمهم حتى يقرهم، فإن تحققت هزيمتهم وأمنت دعوتهم فلا يقتل منهزمهم، ولا يذفف على جريحهم - بالذال المنقوطة -، وهو ما يسرع به إلى قتله، وقال الأئمة‏:‏ فإن لم يأمن رجعوهم قتل منهزمهم وجريحهم، وروى عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي - صلى لله عليه وسلم - قال‏:‏ ‏(‏يا ابن أم عبد، ما حكم بغي من أمتي‏؟‏ فقلت‏:‏ الله ورسوله أعلم، قال‏:‏ أن لا يتبع مدبرهم، ولا يجهز بالرأس المقدمة على جريحهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يقسم فيئهم‏)‏‏.‏ ولأن العصمة لقوله عليه الصلاة والسلام ‏(‏فإن قالوها عصما مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها‏)‏ ويقتل الرجل في قتالهم أخاه وقريبه مبارزة وغير مبارزة، وجده لأبيه وأمه كما في قتال الكفار؛ لأنه قتال ضرورة، ولا أحب قتل الأب وحده عمدًا أو مبارزة أو غيرها، وإن كان كافرًا لقوله تعالى‏:‏ ‏(‏ولَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا‏)‏ وقال تعالى ‏(‏وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين، أن اشكر لي ولوالديك، إلي المصير، وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا‏)‏ ‏.‏ فدل على أن الكافر اندرج في الموصى ببره؛ لأنه لا يأمر بالشرك إلا كافر، وقال أصبغ‏:‏ يقتل أباه وأخاه، وإذا امتنع أهل البغي وكانوا أهل بصائر وتأويل، أو أهل عصبية من الإمام العدل‏:‏ ينصب المجانيق ‏(‏عليهم‏)‏ ويقطع ميرتهم وماءهم أو يرسل الماء عليهم ليغرقهم كالكفار، وإن كان فيهم النساء والذرية، ولا يرميهم بالنار إلا أن ‏(‏لا‏)‏ يكون فيهم نساء ولا ذرية فله ذلك، إلا أن يكون فيهم من لا يري رأيهم ويكره بغيهم، أو خيف أن يكون فيهم، فلا يفعل شيئا مما ذكرناه‏.‏ واختلف العلماء إن حضر معهم من لا يقاتل، فقال ابن حنبل والشافعي في أحد قوليه‏:‏ لا يقتل؛ لأن عليا - رضي الله عنه - نهى أصحابه عن قتل محمد بن طلحة السجاد، وقال‏:‏ إياكم وصاحب البرنس - وصف بذلك لكثرة عبادته - فقتله رجل وأنشأ يقول‏:‏

وأشعث قَوَّام بـآيـات ربـه *** قليل الأذى ترى العينُ مسلمِ

هتكتُ لـه بالرمح جيبَ قَميصه *** فَخَرَّ صَريـعًا لليديـن ولِلفَمِ

على غيرِ شيء غيرَ أن ليْس تابعًا *** عليًّا ومَن لم يتْبَع الـحَق يظلم

يناشدِني حاميم والرمح سـاجرٌ *** فـهَلا تَلا حـاميمَ قبلَ التقدم

وكان السجاد حامل راية أبيه، ولم يكن يقاتل، فلم ينكر على قتله، ولأنه مبارزة لهم، أو يلاحظ أن المؤمن معصوم الدم إلا ما أجمعنا على تخصيصه، فتوجه الخلاف، وإذا استعان أهل التأويل بالذمة ردوا إلى ذمتهم، ووضع عنهم مثل ما وضع عن المتأولين، وإن قاتل النساء مع البغاة بالسلاح فلنا قتلهن في القتال، وإن لم يقاتلن إلا بالتحريض ورمي الحجارة فلا يقتلن إلا أن يقتلن أحدًا بذلك، وإن أسرن وقدن كن يقاتلن قتال الرجال إلا أن يكن قد قتلن، قال الشيخ‏:‏ يريد في غير أهل التأويل‏.‏

نظائر‏:‏

قال ابن بشير‏:‏ يمتاز قتال البغاة على قتال المشركين بأحد عشر وجها‏:‏ أن يقصد بالقتال ردعهم القهري، ويكف عن مدبرهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يقتل أسراهم، ولا تغنم أموالهم، ولا تسبى ذراريهم، ولا يستعان عليهم بمشرك، ولا يوداعهم على مال، ولا تنصب عليهم الرعادات، ولا تحرق عليهم المساكن، ولا يقطع شجرهم‏.‏ وقتال المحاربين قتال البغاة إلا في خمس‏:‏ يقاتلون مدبرين، ويجوز تعمد قتلهم، ويطالبون بما استهلكوا من دم ومال في الحرب وغيرها، ويجوز حبس أسراهم لاستبراء حالهم، وما أخذوه من الخراج والزكوات لا تسقط عمن كان عليه كالغاصب‏.‏ ‏(‏الثاني‏:‏ في الجواهر‏:‏ إن ولوا قاضيا وأخذوا الزكاة أو أقاموا حدًا نفذ عبد الملك ذلك كله للضرورة مع شبهة التأويل، ورده ابن القاسم كله لعدم صحة الولاية‏)‏‏.‏

فرع‏:‏

قال‏:‏ ولا يضمنون ما أتلفوه في الفتنة من نفس أو مال إن كانوا خرجوا بتأويل، وأهل العصبية ومخالفي السلطان بغير تأويل يزملهم النفس والمال قائما، أو فائتا‏.‏ قال الطرطوشي‏:‏ ولا يضمن المرتدون النفس والمال - وهو خلاف ما تقدم لابن بشير - قال‏:‏ ولا خلاف أن أهل العدل لا يضمنون، وأن ما أتلفته إحدى الطائفتين على الأخرى في غير القتال أنه يضمن، وقال ‏(‏ح‏)‏‏:‏ ما أتلفه البغاة لا يضمن بخلاف المرتد قبل الدخول بدار الحرب، وبعد اللحوق بدار الحرب يضمن، ووافقنا ابن حنبل في البغاة، وعند ‏(‏ش‏)‏ في المسألتين قولان‏.‏

لنا في المرتدين قوله تعالى‏:‏ ‏(‏قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف‏)‏، وقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏الإسلام يجب ما قبله‏)‏ وإجماع الصحابة لأن الصديق رضي الله عنه قال للمرتدين‏:‏ مسيلمة وطليحة وغيرهما‏:‏ تدون قتلانا، ولا ندي قتلاكم، فقال عمر‏:‏ ولا يدون 11/ 402

قتلانا وإنما أصحابنا عملوا لله تعالى فأجرهم على الله، فسكت أبو بكر ولم ينكر عليه أحد، وكان إجماعًا ‏(‏‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏، ولنا في البغاة‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا‏)‏ إلى قوله ‏(‏فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي‏)‏، والإذن في القتال يسقط الضمان كالسبع والصائل، وقياسًا على الحربيين، ولأنه لا يضمن المحق فلا يضمن المبطل كالمسلمين على الكفار‏.‏

احتجوا بالقياس على الأموال الباقية العين، ولأن كل واحد من أهل الضمان في حق الآخر في إتلاف العدوان فيضمن مطلقًا كغير الباقي، وقياسًا على ما بعد القتال، وقاطع الطريق، وأهل العدل في بعضهم، وعلى الجماعة التي لا تمتنع‏.‏

والجواب عن الأول‏:‏ بالفرق بأن المعين لا يتقرر في الذمة بخلاف التالف؛ ولأنه لا ضرر في رد العين القائمة والغرامة في التالفة‏.‏

والجواب عن الثاني‏:‏ بالفرق بعدم العذر وتحقق القصد للفساد، وهو جواب الثالث والرابع، والخامس، وعن السادس‏:‏ أنهم إذا امتنعوا كانوا أضر على الإسلام فيتلافوا بإسقاط التبعات إذا رجعوا‏.‏

الرابع‏:‏ قال في الجواهر‏:‏ لا تؤخذ أموالهم ولا حريمهم، ولا يقتل أسيرهم، ويؤدب ويسجن حتى يتوب، وإن قتل أحد قتل به إن كانوا بغير تأويل، قال ابن حبيب، إن كانت لهم فيه قائمة استعان الإمام بسلاحهم وكراعهم على قتالهم إن احتاج إليه، ويرد لربه إذا زالت الحرب، ولا يستعان بشيء منه إن لم يكن فيه قائمة، ويرد إليهم أو لأهلهم عند الأمن منهم‏.‏

الخامس‏:‏ قال‏:‏ إذا سأل أهل البغي الإمام العدل التأخير أيامًا أو شهرًا حتى ينظروا في أمرهم، أو يدلوا بحجة، ولم يحل أخذ شيء منهم، وله تأخيرهم تلك المدة ما لم يقاتلوا فيما أخذوا، أو يفسدوا فلا يؤخرهم حينئذ‏.‏

السادس‏:‏ في النوادر‏:‏ إذا قتل البغاة أو الكفار رهائننا لم نقتل رهائنهم ونردهم اليهم، وكذلك فعل معاوية، وقال عبد الملك‏:‏ نسترقهم ولا نردهم‏.‏

السابع‏:‏ قال‏:‏ قتلانا في القتال كالشهداء، وقتلاهم يتركون، إن صلى عليهم منهم أحد وإلا دفنوا بغير صلاة، وعند سحنون، يصلي عليهم غير الإمام‏.‏

الثامن‏:‏ لا يبعث بالرؤوس للآفاق؛ لأنه مثله‏.‏

التاسع‏:‏ من قتل أباه أو أخاه من البغاة لم يحرم عليه ميراثه لأنه لم يتعجل ما أجله الله تعالى فيحرم‏.‏

العاشر‏:‏ قال‏:‏ إن ألجاونا إلى دار الحرب لم يجز أن يغزوا بمشركين عليهم‏.‏

الحادي عشر‏:‏ قال‏:‏ إذا اقتتل منهم طائفتان لا نقدر نحن على إحداهما ‏(‏فلا نقاتل مع أحداهما‏)‏ الأخرى، لأنهم غير منضبطين للقتال المشروع‏.‏

الثاني عشر‏:‏ إن سبوا مشركين قد صالحناهم حرم علينا شراؤهم منهم، ونقاتلهم لخلاصهم، وكذلك من صالحهم أهل البغي من الكفار، بخلاف لو استعانوا بهم؛ لأن الاستعانة ليس تأمينًا‏.‏

تنبيه‏:‏ الأصل في الإتلاف إيجاب الضمان، واستثنى من ذلك صورتين‏:‏ البغاة ترغيبا في الرجوع إلى الحق، والحكام ليلا يزيد الناس في الولايات فتضيع الحقوق‏.‏

الجناية الثانية‏:‏ الردة

نسأل الله تعالى العافية منها ومن غيرها‏!‏ والنظر في حقيقتها وحكمها‏!‏

النظر الأول‏:‏ في حقيقتها‏:‏

وهي عبارة عن قطع الإسلام من مكلف - وفي غير البالغ خلاف - إما باللفظ أو بالفعل كإلقاء المصحف في القاذورات، ولكليهما مراتب في الظهور والخفاء،

ولذلك لا تقبل الشهادة فيها إلا على التفضيل، ولختلاف المذاهب في التكفير‏.‏

والأصل‏:‏ حمله على الاختيار في دار الحرب وغيره حتى يثبت الإكراه فيسقط اعتباره لقوله تعالى‏:‏ ‏(‏إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان‏)‏‏.‏

وفي هذا الطرف سبع مسائل‏:‏

الأولى‏:‏ في الجواهر‏:‏ روى ابن القاسم، إن أسلم، ثم ارتد عن قرب، وقال‏:‏ أسلمت عن ضيق، إن عرف أنه ضيق ناله أو خوف ونحوه عذر، وقاله ابن القاسم، وقال أشهب‏:‏ لا يعذر ويقتل وإن علم أنه عن ضيق، وقاله ‏(‏ش‏)‏؛ لأن الإكراه على الإسلام مشروع كما في الحربيين، جوابه‏:‏ أنه مسلم فيهم لعدم العهد، أما الذمي‏:‏ فعهده يمنع الإكراه فلا يثبت منه إسلام حقيقي مع اختيار‏.‏

قال أصبغ‏:‏ قول مالك أحسن، إلا أن يثبت على الإسلام بعد الخوف‏.‏ قال محمد في النصراني‏:‏ يصحب القوم في سفر فيظهر الإسلام ويتوضأ ويصلي وربما أمهم، فلما أمن قال‏:‏ تحصنت بالإسلام لئلاً تؤخذ بناتي ونحو ذلك، له إن أشبه ما قال، ويعيدون ما صلوا خلفه في الوقت وبعه، وقاله مالك، وقال سحنون‏:‏ إن كان في موضع يخاف على نفسه فدارى عنها وعن ماله فلا شيء عليه، ويعيد القوم صلاتهم، أو في موضع هو فيه آمن عرض عليه الإسلام، إن أسلم لم يعيدوا صلاتهم وإلا قتل وأعادوا‏.‏

قاعدة‏:‏ الإكراه مسقط؛ لاعتبار الأسباب كالبيع والطلاق وغيرهما، والردة سبب الإهدار والإسلام سبب العصمة فيسقطان مع الإكراه، غير أن ‏(‏ش‏)‏ اشترط الإكراه على غير الذمي يقضي بإسقاطه فلا بد أن يلزمه على الطلاق‏.‏ وإلا لا يسقط، وكذلك سائر الأسباب، ونحن نلاحظ المعنى، فمتى ألجئ للشيء بالخوف على غيره وإن لم يقصد المكره له، عد إكراها فيه، وهو مقتضي الفقه؛ لأن المقصود وقوع التصرف على خلاف الداعية والاختيار، وأنه صار كالآلة، ما فيه من الداعية منسوب للمكره، لا له‏.‏

الثانية‏:‏ في النوادر‏.‏ قيل لراهب‏:‏ أنت عربي عرفت فضل الإسلام فما معك منه‏؟‏ قال‏:‏ كنت مسلما زمانًا ولم أره خيرًا من النصرانية فرجعت إليها، وقال‏:‏ عند الإمام كنت كاذبا، قال ابن وهب‏:‏ لا يعاقب ولا يستتاب إلا أن يشهد عليه من رآه يصلي ولو ركعة‏.‏

الثالثة‏:‏ قال‏:‏ قال ابن القاسم‏:‏ إن قال أسلمت مخافة الجزية أو أمر أظلم فيه، قبل منه، وليس كالمرتد، ولو اشترى مسلمة فأخذ معها فقال‏:‏ أنا مسلم، واعترف أنه إنما قال ذلك لمكانها، لا يلزمه إلا الأدب دون السبعين سوطًا ‏(‏قاله ابن القاسم‏)‏‏.‏

الرابعة‏:‏ قال‏:‏ إن ارتد ولد المسلم المولود على الفطرة وعقل الإسلام ولم يحتلم، قال ابن القاسم‏:‏ يجبر على الإسلام بالضرب والعذب، فإن احتلم على ذلك ولم يرجع قتل، بخلاف الذمي يسلم ثم يرتد وقد عقل، ثم يحتمل على ذلك، وفرق بينهما، وليس كذلك المرتد، وجعلهم أشهب سواء، ويرد إلى الإسلام بالسوط والسجن‏.‏ وقال ‏(‏ش‏)‏‏:‏ لا تنعقد ردة الصبي والمجنون ولا إسلامها، وله في السكران بمعصية قولان‏.‏ ومنع ‏(‏ح‏)‏ في السكران الإسلام والردة، وقال أصبغ وابن حنبل‏:‏ يصح إسلام الصبي وردته، غير أن ‏(‏ح‏)‏ قال‏:‏ تبين امرأته ويزول ملكه ولا يقتل، وقال ابن حنبل‏:‏ يقتل بعد البلوغ بثلاثة أيام للاستتابة‏.‏

لنا قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله‏)‏ في الحديث، و‏(‏من قال لا إله إلا الله دخل الجنة‏)‏ وقياسًا على الصلاة والحج، وهو إجماع الصحابة رضي الله عنهم، فأول الصبيان إسلامًا علي - رضي الله عنه - وهو ابن ثمان، وكذلك الزبير ابن ثمان، وهو كثير، وإذا صح إسلامه فكذلك ردته، لأنهما معنيان يتقرران في القلب كالبالغ‏.‏

احتجوا بقوله - عليه السلام -‏:‏ ‏(‏رفع القلم عن ثلاثة‏:‏ عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق‏)‏، وأنه لا يصح إقراره ولا طلاقه ولا عقوده، فلا تصح ردته وإسلامه كالمجنون‏.‏

والجواب عن الأول‏:‏ أن رفع القلم رفع الإثم، ونحن لا نوثمه حينئذ، بل نعتبره شيئا يظهر أمره بعد البلوغ‏.‏

الجواب عن الثاني‏:‏ أن هذه أعظم خطرًا، فاعتبرت بخلاف غيرها، فإن قاسوا على قتل الآدمي فإنه لا يوجب عليه قتلا بعد البلوغ قريبًا بذلك، ويؤكد ما قلناه أن الأسباب العقيلة معتبرة من الصبي والمجنون، كالاصطياد والاختطاف وإحبال الإماء، والكفر والإيمان فعلان للقلب فاعتبرا‏.‏

قاعدة‏:‏ خطاب التكليف يفتقر إلى العلم والقدرة وأهلية التكليف، وخطاب الوضع لا يفتقر لشيء من ذلك في أكثر صوره، وهو وضع الأسباب والشروط والموانع، كالتطليق بالإعسار، والتوريث بالأسباب، والضمان بالإتلاف، والزكاة بملك النصاب، وغير ذلك‏.‏ ومقضتى هذه القاعدة اعتبار الإسلام والكفر من الصبيان؛ لأنهما سببان للعصمة والإهدار، وكذلك الطلاق والقتل

البيوع والعقود والتصرفات كلها، لأنها أسباب، غير أن ثم فروقا وأسرارًا تذكرها في أبواب الفقه في هذه الفروع، غير أن هذه القاعدة في هذه المسألة معنا، فتنبيه بهذه القاعدة على فروعها، والسعي في الفرق مما استثنى عنها فإنها جليلة‏.‏

تنبيه‏:‏ الطلاق والعقود ينبني عليها فوات مصالح في الأعراض والمعوضات، فاشترط فيها رضاه المطابق للمصلحة غالبًا، وذلك إنما يكون بعد البلوغ وكمال العقل المدرك لذلك، فلم يعتبر قبل البلوغ، والكفر والإيمان حق الله تعالى، فلم يكن رضاه المعتبر معتبرًا فيها، إذ الحق لغيره، كالجنايات بالإتلاف وغيره، فهذا سرها من حيث الإجمال، والتفصيل يذكر في مواضعه‏.‏

فرع‏:‏

قال ابن القاسم‏:‏ إن طلقت النصرانية وغفلت، عن ولدها منك حتى احتلم على النصرانية، ترك، وكذلك إن أسلم وترك ولده الصغير حتى كبر، قاله مالك، وقال ابن القاسم وأشهب‏:‏ يجبر على الإسلام؛ لتعين إسلامه الحكمي بإسلام أبيه، وقال ابن عبد الحكم‏:‏ إلا أن يكون وقت الإسلام ابن اثنتي عشرة سنة، لستقلاله بالنظر حينئذ، وإن مات أبوه وقف ميراثه، إن ثبت بعد البلوغ نصرانيًا لم يرثه، وإلا ورث، وإن أسلم قبل البلوغ ورث أيضًا، إن كان وقت الإسلام ابن ست فهو مسلم‏.‏

قال مالك‏:‏ إن أسلم والولد مراهق، وقف الميراث إلى البلوغ، إن أسلم ورث وإلا ترك ولم يرث‏.‏ قال ابن القاسم، ولا يقبل منه قبل البلوغ إن قال لا أسلم وإن احتلمت، إن أسلم الآن لم يعط الميراث للبلوغ، والمرتد قبل البلوغ لا يصلي عليه ولا توكل ذبيحته‏.‏ قال سحنون‏:‏ من رأى عدم الصلاة عليه كانت ردته فرقة من امرأته وإلا فلا، والأولى قول ابن القاسم في الصبي والصبية، وإن أسلم وعقل الإسلام، وارتد قبل البلوغ ومات ورثه أهله لضعف إسلامه؛ لأن مالكًا يكرهه بالضرب وإن بلغ، والمغيرة يقتله إن تمادى بعد البلوغ، وأما المرتد من أولاد المسلمين فأجمع أصحابنا على قتله إذا بلغ وتمادى‏.‏ قال مالك‏:‏ إن تزوجت نصرانية فلما بلغ أولادها قالوا لا نسلم، لا يجبرون على الإسلام ولا يقتلون؛ لأن الخلاف في تبعهم لأمهم‏.‏

الخامسة‏:‏ قال مالك وابن القاسم‏:‏ من سب الله سبحانه من اليهود والنصارى بغير الوجه الذي كفر به انتقض عهده بخلاف نسبة الصاحبة والولد والشريك مما هو دينهم الذي أقروا عليه بالجزية، ومن تزندق منهم لا يقتل، لخروجه من كفر إلى كفر‏.‏ قاله مالك، وقال عبد الملك‏:‏ يقتل لأنه دين لا يقر عليه بالجزية‏.‏ قال ابن حبيب‏:‏ ولم أعلم من قاله ولا أخذ به‏.‏ قال ابن القاسم‏:‏ ومن سب الله تعالى أو النبي - عليه السلام - من المسلمين قتل ولم يستتب، وكذلك من عابه عليه السلام أو نقصه؛ لأنه كالزنديق لا تعرف توبته‏.‏ قال سحنون‏:‏ وميراثه للمسلمين؛ لأنه ردة، وقبل توبته ‏(‏ش‏)‏ و‏(‏ح‏)‏، واتفقا على أن حده القتل؛ لقوله تعالى‏:‏ ‏(‏فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا‏)‏، فأخبر تعالى أن الإيمان لا يجتمع مع الحرج، فالسب أولى بالمنافاة، ثم هذا القتل عندن حد لا يسقط بالتوبة كتوبة القاذف‏.‏

ونعرض للكلام في القذف فنقول‏:‏ هو معنى يراعي في الإحصان، فوجب أن يكون منه ما يعتبر القتل كالزنا، ولم يتصور القتل إلا في حقه عليه السلام؛ لأن الحرمة لها مدخل في القذف؛ لأن قاذف العبد لا يحد، وحرمته - عليه السلام - لا تساوي حرمة أمته، فيكون حدها القتل‏.‏

احتجوا بأن حرمة الله أعظم، وتوبته تقبل، ولأنه لا يزيد على الردة، والتوبة تسقط حدها، وفي الصحيح قال بعض اليهود له - عليه السلام - ‏(‏السام عليك‏)‏ ولم يقتله، ولم يقتل اليهودية التي سمت الشاة‏.‏

الجواب عن الأول‏:‏ أنا نلتزم التسوية، أو نفرق بأن البشر قابل للنقص، فكان التأثير فيه أعظم، وذلك أن الله تعالى أظهر المعجزة على يد مدعي الربوبية كالدجال، ولم يظهرها على يد مدعي النبوة؛ لأن العقل يبطل الأول دون الثاني؛ ولأن حق الله تعالى يسقط بالتوبة كالكفر، وحقوق العباد لا تسقط بها كالقذف والمال، وهو الجواب عن الثاني، فإنه حق الله تعالى وهو كالقذف والردة، مفسدتهما خاصة بالمرتد، ومفسدة هذا تتعدى للأمة، ويجوز إقرار الذمي بالجزية على سب المعبود، بخلاف الأنبياء‏.‏

والجواب عن الثالث‏:‏ أنه لم ينقل في الخبر أنهم أهل عهد، فلا يتم الدليل، أو كان في أول الإسلام حيث كانت الموادعة مشروعة، وهو الجواب عن الرابع، مع أنه روى أنها قتلت، وإن قلنا‏:‏ قتله كفر؛ لم تقبل التوبة من المسلم؛ لأنها لا تعرف‏.‏

تفريع‏:‏ قال أصبغ‏:‏ ميراثه لورثته إن كان مستترًا، أو مظهرًا فللمسلمين‏.‏

قال ابن القاسم ومالك‏:‏ لا يقتل الساب الكافر إلا أن يسلم‏.‏ قال سحنون‏:‏ لايقال له‏:‏ أسلم، ولكن إن أسلم فذلك توبته‏.‏ قال ابن القاسم‏:‏ إن شتم الأنبياء أو أحدًا منهم، أو نقصه قتل ولم يستتب، ‏(‏لا نفرق بين أحد منهم‏)‏ قال مالك‏:‏ إن قال الكافر‏:‏ ‏(‏مسكين محمد يخبركم أنكم في الجنة فهو الآن في الجنة، فماله لم يغن عن نفسه حين كانت الكلاب تأكل ساقيه‏)‏‏.‏ قال‏:‏ لو قتلوه استراحوا منه، وأرى أن تضرب عنقه، والفرق بين، توبة المسلم لا تقبل بخلاف الكافر‏:‏ إن قتل المسلم حد؛ وهو زنديق لا تعرف توبته، والكافر كان على كفره فيعتبر إسلامه، ولا يجعل سبه من جملة كفره؛ لأنا لا نعطيهم العهد على ذلك، ولا على قتلنا وأخذ أموالنا، ولو قتل أحدنا قتلناه، وإن كان من دينه استحلاله‏.‏

قال سحنون‏:‏ ولو بذل الحربي لجزية على إظهار السب للأنبياء - عليهم السلام - لم نقبله، وحل لنا دمه، فكذلك يحل دمه بالسب الطارئ، ويسقط القتل عنه في السب بإسلامه، ولا يسقط القتل بقتلنا‏:‏ لأن حق الآدمي لا يسقط بالتوبة‏.‏ قال ملك‏:‏ إن قال‏:‏ رداء النبي - عليه السلام - وسخ، يريد عيبه؛ قتل، وإن عير بالفقر فقال‏:‏ يعيرون بالفقر وقد رعى سول الله - صلى الله عليه وسلم - الغنم؛ يؤدب؛ لأنه عرض بذكره - عليه السلام - في غير موضعه، ولا ينبغي إذا عوقب أهل الذنوب أن يقول‏:‏ قد أخطأت الأنبياء قبلنا‏:‏ وقال عمر بن عبد العزيز‏:‏ انظروا لنا كاتبًا يكون أبوه عربيًا، فقال كاتبه‏:‏ قد كان أبو النبي - صلى الله عليه وسلم - كافرًا، فقال له‏:‏ جعلته - عليه السلام - مثلا، لا تكتب لي أبدًا‏.‏

قال سحنون‏:‏ إن خاصمته، فأغضبته فقال‏:‏ صلى الله على محمد، فقال الطالب‏:‏ لا صلىالله على من صلى عليه، هل هو كمن شتم النبي - صلى الله عليه وسلم - أو الملائكة الذين يصلون عليه‏؟‏ قال‏:‏ لا إذا كان على وجه الغضب والضيق؛ لأنه لم يكن مصرًا على السب، بل تكلم على وجه‏.‏ قال أصبغ‏:‏ لا يقتل؛ لأنه إنما شتم الناس، وقال الحارث‏:‏ يقتل، وسب الملائكة كسب الأنبياء، وعن ابن القاسم في الكتابي أو المجوسي يقول‏:‏ إن محمدًا لم يرسل إلينا، بل إنما أرسل إليكم، وإنما نبينا موسى أو عيسى، أولم يرسل، أولم ينـزل عليه قرآن وإنما هو شيء يقوله، ونحو هذا؛ يقتل‏.‏ قال مالك‏:‏ إن ناديته فأجابك‏:‏ لبيك اللهم لبيك، جاهلاً، لا شيء عليه‏.‏

قال سحنون‏:‏ يكره قولك عند التعجب‏:‏ صلى الله على النبي محمد، ولا يصلي على النبي - عليه السلام - إلا على وجه التقرب‏.‏

قال ابن القاسم‏:‏ إن قال ديننا خير من دينكم، إنما دينكم دين الحمير، أو سمع المؤذن يقول‏:‏ أشهد أن محمد رسول الله، فقال‏:‏ كذلك يعظكم الله، فيه الأدب الوجيع، والسجن الطويل، وإن سب فقتلته غيظًا وثبت أن قوله يوجب القتل، فلا شيء عليك، وإلا فعليك ديته وضرب مائة وحبس سنة، وإن سب أحد معاوية أو غيره، فإن نسبه للضلال والكفر؛ قتل، أو غير ذلك من مسافهة الناس نكل نكالاً شديدًا، وإن قال‏:‏ إن جبريل عليه السلام أخطأ في الوصي، استتيب، فإن تاب وإلا قتل، وقيل‏:‏ من كفر صحابيا أوجع ضربًا، وعن سحنون‏:‏ إن كفر أبا بكر وعمر وعثمان وعليا، قتل، وينكل في غيرهم‏.‏ قال القاضي في الشفا‏:‏ من سبه - عليه السلام _ أو عابه أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله، أو عرض به أو شبهه بشيء على وجه السب أو الازدراء أو التصغير لشأنه أو الغض منه، يقتل، كالساب‏.‏ ويستوي التصريح والتلويح، وكذلك من دعا عليه أو تمنى مضرة له، وكذلك إن نسب لـه سجعًا، أو هجرًا من القول، أو عيره بشيء مما جرى من البلاء، وبشيء من العوارض البشرية المعهودة لديه‏.‏ وهذا كله مجمع عليه من الصحابة وغيرهم، وعن ابن كنانة‏:‏ يخبر الإمام في الساب المسلم في صلبه حيًا، أو قتله‏.‏ ويقتل من قال‏:‏ هو يتيم أبي طالب، أو كان أسود‏.‏ وإن قيل لرجل‏:‏ لا وحق رسول الله، فقال‏:‏ فعل الله برسول الله كذا وكذا، وذكر كلاما قبيحا، فقيل له‏:‏ ما تقول يا عدو الله‏؟‏ فقال أشد من الأول، وقال‏:‏ أردت برسول الله العقرب، فقال ابن أبي سليمان صاحب سحنون‏:‏ يقتل ولا يقبل التأويل لصراحة اللفظ، وأفتى ابن عتاب في عقاب عشار قال لرجل‏:‏ أد وأشك للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقال‏:‏ إن جهلت فقد جهل بالقتل، وأفتى فقهاء الأندلس بقتل ابن حاتم المتفقه وصلبه لتسميته - عليه السلام - في أثناء المناظرة باليتيم، وختن حيدرة، وزعم أنه لم يكن قصدًا‏.‏

قال ابن المرابط‏:‏ من قال إنه - عليه السلام - هرم، يستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ لأنه نقص لا يجوز عيه في خاصته؛ لأنه على بصيرة من أمره، ويقتل من نقصه بسهو أو سحر أو هزيمة بعض جيوشه، أو شدة من زمانه، أو ميل لبعض نسائه، ومن لم يقصد الأزداء ولا يعتقده في تكمله بالسب أو اللعن أو التكذيب أو إضافة ما لا يجوز عليه أو نفي ما يجب له مم اهو نقص في حقه، وظهر عدم تعمده وقصد السب‏:‏ إما لجهالة، أو لضجر، أو سكر، أو قلة ضبط لسان وتهور في كلامه، فإنه يقتل ولا يعذر أحد في الكفر بالجهالة ولا غيرها وهو سليم العقل إلا للإكراه، وبه أفتى الأندلسيون في علي بن حاتم في نفيه الزهد عنه - عليه السلام - وقاله ابن أبي زيد وابن سحنون أبو الحسن القابسي، ونظر إلى أن السكران إنما ينطق بما يعتقده صاحيًا، ولأنه حد لا يسقطه السكر كالقذف والقتل وجميع الحدود، وأما القاصد لذلك المصرح فأشبه بالمرتد، ويقوى الخلاف في استتابته، أو مستترا فهو كالزنديق لا تسقط قتله التوبة، ومن تنبأ وزعم أنه يوحي إليه‏.‏ قال ابن القاسم‏:‏ هو مرتد لكفره بقوله تعالى‏:‏ ‏(‏وخاتم النبيين‏)‏‏.‏ قال أشهب‏:‏ فإن كان ذميا استتيب إن أعلن ذلك، فإن تاب وإلا قتل‏.‏ وقال ابن سحنون‏:‏ من شك في حرف مما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - عن الله؛ فهو كافر‏.‏

قال أحمد بن أبي سليمان‏:‏ من قال إنه - عليه السلام - مات قبل أن يلتحي، وأنه كان بتاهرت، قتل؛ لأن ذلك نفي له، وتبديل صفته وموضعه كفر، واللفظ المجمل الذي يمكن حمله على النبي - عليه السلام - وعلى غيره، ويتردد في حال المطلق‏:‏ هل أراده مكرها أم لا‏؟‏ فقيل‏:‏ يقتل رعاية لحماه - عليه السلام - وقيل‏:‏ لا يقتل حماية للدم، وقال سحنون فيمن أغضبه غريمه فقال له‏:‏ صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ لا صلى الله على من صلى عليه، ليس كالساب؛ لأجل الغضب، ولم يتضمن كلامه الشتم؛ لأنه إنما شتم الناس دون الملائكة، بل مخاطبه فقط‏.‏ وقال الحارث بن مسكين وغيره‏:‏ يقتل، وتوقف القابسي في القائل‏:‏ كل صاحب فندق قرنان ولو كان نبيًا مرسلاً، وشده بالقيود حتى يستفهم البينة عما يدل على مقصده هل أراد أصحاب الفنادق الآن، فليس فيهم نبي، فيكون أمره أخف لكن ظاهر لفظه العموم، وفي متقدمي الأنبياء - عليهم السلام - من اكتسب المال فوقع التردد‏.‏ وقال ابن أبي زيد في القائل‏:‏ لعن الله العرب، ولعن بني إسرائيل، ولعن الله بني آدم، وقال‏:‏ إنما أردت الظالمين منهم، يؤدب باجتهاد السلطان‏.‏

قال‏:‏ وكذلك لعن الله من حرم المسكر وقال‏:‏ لم أعلم من حرمه، ومن قال‏:‏ لا يبع حاضر لباد، أن عذر بالجهل أدب الأدب الوجيع، كأنه أراد من حرمه من الناس، وكذلك يا ابن ألف خنزير - مع أنه يدخل في هذا العدد جماعة من أبائه - أساء، فيجز عنه، وإن علم قصده الأنبياء قتل، وقد يضيق القول لو قال لهاشمي‏:‏ لعن الله بني هاشم، ولتمن قال له‏:‏ أتتهمني‏؟‏ فقال‏:‏ الأنبياء يتهمون فكيف أنت، قال أبو إسحاق‏:‏ يقتل لبشاعة ظاهر اللفظ، وتوقف ابن منظور لاحتمال أن يكون خبرًا عمن اتهمهم من الكفار، فأطال القاضي تصفيده واستحلفه بعد ذلك على تكذيب ما شهد به عليه وأطلقه، فإن لم يذكر نقصا ولا عيبا، بل ذكر بعض حاله - عليه السلام - حجة ومثلا لنفسه وغيره لبعض حاله على طريق التأسي، بل لرفع نفسه قصد الهزل، كقوله‏:‏ إن قيل في المكروه فقد قيل في النبي - عليه السلام - فإن أذنبت فقد أذنب، وكيف أسلم من الألسنة، ولم يسلم الأنبياء، وقد صبرت كما صبر النبي، وصبر النبي أكثر مني، وكقول المتنبي‏:‏

أنا في أمة تداركها الله غريب كصالح في ثمود

وقول المعري‏:‏

كنت موسى وافته بنت شعيب غير أن ليس فيكما من فقير

وآخر البيت شديد، وداخل في الإزراء والتحقير، وكذلك قوله‏:‏

هو مثله في الفضل إلا أنه لم يأته برسالة جبريل

هو تشبيه بالنبي - عليه السلام - أو تفضيل عليه باستغنائه عن الرسالة، وهو أشد، وقول الآخر‏:‏

فر من الخلد واستجار بنار فصبر الله فؤاد رضوان

وقول الأخر‏:‏

كأن أبا بكر أبو بكر الرضا وحسان حسان، وأنت محمد‏.‏

فهذه ونحوها إن درئ بها القتل ففيها الأدب والسجن بحسب شناعة المقالة وحال القائل في نفسه في كونه معروفًا بذلك أو لا، ولم يزل المتقدمون ينكرون مثل هذا فأنكر الرشيد على أبي نواس

فإن يك باقي سحر فرعون فيكم فإن عصا موسى بكف خضيب

وقال له‏:‏ يا بن اللخناء، أنت المستهزئ بعصا موسى‏؟‏ وأخرجه من عسكره، وأنكروا عليه أيضًا قوله‏:‏

كيف لا يدنيك من أمل من رسول الله من نفره

لأن حقه عليه السلام أن يضاف إليه ولا يضاف، وقال مالك إذا عير بالفقر فقال‏:‏ قد رعي النبي عليه السلام، يؤدب، ومنع سحنون أن يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - عند التعجب، بل على وجه التقرب، وقال القابسي‏:‏ إذا قال في قبيح الوجه‏:‏ كأنه وجه نكير، أو عبوس كأنه وجه مالك، يؤدب؛ لأنه قصد بالذم المخاطب، وإن أراد به كمالك يغضب لغضب الله، فهو أخف أدبًا، وكل ما طريقه الأدب إذا ندم قائله، لم يؤدب، وأما إن وقعت هذه الألفاظ حكاية عن الغير، فإن كان للشهادة أو للنفي عن قائلها - لأنه ممن يخشى اتباعه - فحسن وإلا فلا يحكي، فإنه التفكه بالأعراض محرم، ومن كان مولعا بذلك ورواية هجوه - عليه السلام - فيقتل، ولا ينفعه نسبته إلى غيره، وحكى الإجماع في تحريم هجوه - عليه السلام - وكتابته، وقد أسقط المحرزون لدينهم من أحاديث المغازي والسير ذلك، وقد كره تعليم النساء سورة يوسف؛ لضعف معرفتهن، ولا يروي من الأحاديث المحتاجة إلى التأويل إلا الصحيح، بل كره مالك وغيره رواية ما ليس فيه عمل‏.‏

ومشهور المذهب‏:‏ قتل الساب حدًا لا كفرًا لا تسقطه التوبة‏.‏ ولا تقبل توبة الزنديق على المشهور خلافًا للشافعي، ووافقنا ابن حنبل، وعند ‏(‏ح‏)‏ خلاف‏.‏ والساب المعتقد حله كافر اتفاقًا‏.‏ وكذلك إن كان السب كفرًا‏.‏ كالتكذب، ويقتل وإن تاب حدًا، فإن لم تتم الشهادة على الساب، بل شهد الواحد أو لفيف الناس، أو ثبت قوله إلا أنه يحتمل، أو تاب على القول بقبول توبته، فيعزر بقدر حاله وقوة الشهادة من التضييق في السجن وشدة القيود إلى غاية انتهاء طاقته بحيث لا يمنعه القيام لضرورته وصلاته، فإن أثبت عداوة البينة وهي غير مبرزة، وهو غير متهم، فلا يعرض له، وإلا اجتهد في تنكيله‏.‏ ومن سب النبي بغير ما به كفر قتل، ووقع لأصحابنا كلام وظواهر ظا