فصل: نوع آخر يتصل بهذا الفصل:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحيط البرهاني في الفقه النعماني



.كتاب الطلاق:

هذا الكتاب يشتمل على سبعة وعشرين فصلًا:
1- في بيان أنواع الطلاق.
2- في بيان شرط صحة الطلاق وبيان حكمه.
3- في بيان من يقع طلاقه ومن لا يقع طلاقه.
4- فيما يرجع إلى صريح الطلاق.
5- في الكنايات.
6- في إيقاع الطلاق بالكتابات.
7- في الشركة في الطلاق.
8- في الطلاق الذي يكون من غير الزوج فيجزه الزوج.
9- في الاستثناء في الطلاق.
10- في إيقاع الطلاق على امرأة بعينها ثم الرجوع عنها بالإيقاع على أخرى.
11- في إضافة الطلاق إلى الأوقات.
12- في الرجل يوقع الطلاق ثم يقول: لي امرأة أخرى والمطلقة هي الأخرى.
13- في طلاق الغاية والظرف.
14- في الشك في إيقاع الطلاق وفي الشك في عدد ما وقع وفي الإيجاب المبهم.
15- في إيقاع الطلاق بالمال.
16- في الخلع.
17- في الأيمان في الطلاق.
18- في الطلاق الذي يقع بقوله: أول امرأة أتزوجها وبقوله: آخر امرأة أتزوجها.
19- في الشهادة في الطلاق والدعوى والخصومة.
20- في طلاق المريض.
21- في التعليقات التي هي إيقاع في الحال.
22- في مسائل الرجعة.
23- في مسائل الظهار وكفارته.

.الفصل الأول: في بيان أنواع الطلاق:

فنقول الطلاق نوعان: مسمى وبدعي والمسمى نوعان: مسمى من حيث العدد، ومسمى من حيث الوقت المسمى من حيث العدد نوعان: حسن وأحسن وأما الأحسن أن يطلقها واحدة في وقت السنة ويتركها حتى تنقضي عدتها لأنه أبعد عن العدم فيكون أحسن ضرورة، وأما الحسن أن يطلقها ثلاثًا في ثلاثة أطهار لأن الإنسان قد يحتاج إلى حسم باب النكاح حتى يتخلص عنها بالكلية.
ولكن إنما يحتاج إلى ذلك إذا أخرت نفسها فوجدت نفسه بمال لا يتبعها إذا لم يجد إلى النكاح سبيلًا، فقدر الشرع زمان التجربة بثلاثة أطهار فصار إيقاع الثلاث في ثلاثة الأطهار محتاجًا إليها فكان حسنًا، وأما المسمى من حيث الوقت أن يطلقها طاهرًا من غير جماع، أو حاملًا قد استبان حملها، وهذا لأن الأصل في الطلاق الحظر والإباحة باعتبار الحاجة ودليل الحاجة الإقدام على الطلاق في زمان كمال الرغبة فيها، وزمان كمال رغبة الزوج فيها زمان الحبل يشفعه على الولد فزمان الطهر الذي لم يجامعها لأنه لم يحصل مقصود منها في هذا الطهر، أما زمان الحيض زمان تغربه عنها شرعًا وطبعًا، والطهر الذي جامعها فيه زمان فل رغبته فيها لتحصيل مقصوده فيها في هذا الطهر فكان الطلاق في الطهر الذي لم يجامعها فيه واقعًا عن حاجة فيكون سببًا، وفي الطهر الذي جامعها فيه وفي زمان الحيض واقعًا لا عن حاجة فيكون بدعيًا ثم ظاهر ما يذكر محمد رحمه الله في (الأصل) في هذه المسألة يدل على أنه يطلقها متى طهرت من الحيض.
فإنه قال: يطلقها إذا طهرت من الحيض قبل أن يجامعها، واختار بعض مشايخنا تأخير الإيقاع إلى أحسن الطهر ليكون أبعد من تطويل مدة العدة وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله، ثم الطهر الذي لم يجامعها فيه إنما يكون وقتًا للطلاق المسمى إذا لم يحتاج معها في الحيض الذي سبقه هذا الطهر، فإن الجماع في حالة الحيض، والطلاق في حالة الحيض يخرجان الطهر الذي عقبته من أن يكون محلًا للطلاق المسمى، نص عليه في (الزيادات) وهذا إذا لم يراجعها حين طلقها في حالة الحيض فإذا راجعها منذ ذكر في الأصل أنها إذا طهرت ثم حاضت ثم طهرت طلقها إن شاء وهذا إشارة إلى أن في المراجعة لا يعود الطهر الذي عقيب الحيض محلًا للطلاق المسمى، وذكر الطحاوي رحمه الله أنه يطلقها في الطهر الذي يلي الحيضة وهذا إشارةً إلى أنه يعود محلًا للطلاق السني. قال أبو الحسن رحمه اللَّه ما ذكر الطحاوي قول أبي حنيفة رحمه الله، وما ذكر في الأصل قولهما، ولو طلقها في حالة الحيض ثم تزوجها ثم أراد أن يطلقها في الطهر الذي يلي هذه الحيضة فهذا الطلاق يكون سببًا بالاتفاق، وهذا كله إذا كانت المرأة مدخولًا بها وهي ممن تحيض، وإن كانت ممن لا تحيض لصغر أو كبر طلقها متى شاء واحدة، وإن كان عقيب الجماع وكذلك الحامل، وقال زفر رحمه الله يفصل بين الطلاق والجماع في حق الآيسة والصغيرة بشهر.
والصحيح مذهب علمائنا الثلاثة رحمهم اللَّه، لأن الطلاق في حق ذوات الأمر في الطهر الذي جامعها فيه إنما كان حرامًا لأنه ربما يكون سببًا للندم بأن يظهر بها حبل فيندم على طلاقها وإنما يباح الإيقاع بشرط أن يأمن الندم، هذا المعنى لا يتأتى بحق الآيسة والصغيرة، قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني: فكان شيخنا رحمهما الله يقول: هذا إذا كانت صغيرة لا يرجى منها الحيض والحبل وأما إذا كانت صغيرة يرجى منها الحيض والحبل فالأفضل أن يفصل بين جماعها وطلاقها بشهر.
وأما البدعي فنوعان: بدعي لمعنى يعود إلى العدد، بدعي لمعنى يعود للوقت فالذي يعود إلى العدد أن يطلقها ثلاثًا في طهر واحد بكلمة واحدة أو بكلمات متفرقة، أو يجمع بين التطليقتين في طهر واحد بكلمة أو بكلمتين متفرقتين، وأما الذي يعود إلى الوقت أن يطلق المدخول بها وهي من ذوات الأقراء في حالة الحيض لم يكن مكروهًا، لأنه إيقاع بحاجة لأن جميع الأزمنة في حق غير المدخول بها زمان كمال الرغبة فيها لأنه لم يقض وطهره منها والمرء تواق بمعنى شواق إلى ما لم ينل وبه فارق المدخول بها، ولو طلق غير المدخول بها ثلاثًا يكون بدعيًا ففي حق العدد سوى بين المدخول بها وغير المدخول بها وفي حق الوقت فرق بينهما فجعل الطلاق في حالة الحيض مكروهًا في حق المدخول بها، ولم يجعله مكروهًا في حق غير المدخول بها لأن الجميع إنما يكره لأنه بسبب يحسم باب النكاح وأنه لا يختلف، فأما الإيقاع في حق المدخول بها في زمان الحيض كره لأنه زمان التفرقة عنها فيكون إيقاعًا لا عن حاجة وجميع الأزمة في حق غير المدخول بها زمان كمال الرغبة فيها فكان الإيقاع عن حاجة فافترقا، والمرأة التي خلى بها زوجها في حق مراعاة وقت الطلاق بمنزلة المدخول؛ لأن الخلوة أقيمت مقام الدخول في بعض الأحكام فكذا في حق هذا الحكم احتياطًا، وطلاق الناس ليس بسني في ظاهر الرواية، وفي (الزيادات) أنه بسني والخلع سني كان في حالة الحيض أو في غير حالة الحيض.
وفي (المنتقى) ذكر مسألة الخلع بهذه الصورة ولا بأس بأن يخالعها في الحيض إذا رأى منها ما يكره وفيه أيضًا: فلا بأس بأن خير امرأته في حالة الحيض فلا بأس لها أن تختار نفسها في حق الحيض. وفيه أيضًا: أدركت واختارت نفسها فلا بأس للقاضي أن يفرق بينهما في حالة الحيض، وإذا قال لامرأته المدخول بها وهي من ذوات الأقراء أنت طالق للسنة وقعت تطليقة للحال إن كانت ظاهرة من غير جماع، وإن كانت حائضًا، أو كانت في طهرٍ جامعها، لم يقع للحال بِسُني حتى يأتي وقت السنة، ولو قال لها: أنت طالق ثلاثًا لسُنة فهو على وجوه: إن نوى أن يقع عند كل طهرٍ تطليقه فهو على ما نوى، فكذلك إذا لم ينو شيئًا فهي طالق عند كل طهر تطليقة وإن نوى أن يقع الثلاث جملة للحال صحت نيته لأن وقوع الثلاثه جملة عرف بسنة رسول الله عليه السلام ولو نوى أن يقع عند رأس كل شهر تطليقة فهو على مانوى، لأن قوله محتمل يحتمل أن يكون للسنة كاملًا بأن يكون رأس الشهر زمان الطهر، فيكون سنة وقوعًا وإيقاعًا ويحتمَل أن يكون رأس الشهر زمان الحيض، فيكون سنة وقوعًا لا إيقاعًا.
ولو نوى ما هو بدعة حقيقة وهو الثلاث جملة في الحال يقع ثلاثًا. وإذا نوى ما تردد حاله بين السنة والبدعة أولى، ولو كانت آيسة أو صغيرة مدخولة فقال لها: أنت طالق ثلاثًا للسنة وقعت في الحال وطئها في الحال أو لم يطأها ويقع بعد شهر أخرى لأن الشهر في حق الأمة والصغيرة أقيم مقام الحيض في ذوات الأقراء فكما أن في حق ذوات الأقراء يقع أخرى إذا طهرت من الحيض فكذا في حق الآيسة والصغيرة إذا مضى شهر.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد رحمه الله إذا قال لأمرأته: أنت طالق كل شهر للسنة كانت قد أيست من المحيض تعتد بالشهور فهي طالق ثلاثًا عند كل شهر واحدة، وإن كانت تعتد بالحيض فهي طالق واحدة إن نوى ثلاثًا فيكون ثلاثًا بمنزلة قوله كل يوم.
وفي (الأصل) إذا طلق امرأته في طهر لم يجامعها فيه واحدة ثم راجعها في ذلك الطهر بالقول فله أن يطلقها ثانيًا في ذلك الطهر، وكان سنة عند أبي حنيفة رحمه الله، وعند أبي يوسف رحمه الله لا يكون سنة، وعن محمد رحمه الله روايتان وعلى هذا الاختلاف إذا راجعها بالقبلة والملامسة فأبو يوسف رحمه الله يقول: الشرط للفصل بين طلاق السنة الحيضة الكاملة ولم يوجد ذلك هاهنا. وأبو حنيفة رحمه الله يقول: الفصل بالحيضة إنما يعتبر إذا كانت الثانية تقع في العدة وبالمراجعة ارتفعت العدة فكانت الثانية بمنزلة ابتداء الإيقاع وقد حصل في طهر لا جماع فيه فيكون سنة.
ثم الفقه لأبي حنيفة رحمه الله في المسألة أن إيقاع الثانية حصل عن حاجة فيكون سنة كما لو كان مكان الرجعة نكاحًا. بيانه: أن الحاجة إلى إيقاع الثانية عليها حاجة الخلاص عنها عند عجزه عن الإمساك بالمعروف وقد تجددت هذه الحاجة بالمراجعة فإنه عاد حقها في القسم فيجب عليه الإمساك بالمعروف.
وذكر في (المنتقى) مسألة النكاح على الخلاف أيضًا، وصورة ما ذكر ثمة: إذا قال لامرأته ولم يدخل بها: طالق للسنة وقعت واحدة ساعة ما تكلم، فإن تزوجها وقعت أخرى ساعة تزوجها في قول أبي حنيفة رحمه الله، وقال أبو يوسف رحمه الله: لا تقع حتى يمضي شهر كامل من الطلاق الأول، وكذا لو كانت حاملًا فقال لها: أنت طالق ثلاثًا للسنة حتى وقعت واحدة ساعة ما تكلم ولو وضعت حملها بعد ذلك بيوم وتزوجها تقع أخرى عند أبي حنيفة رحمه الله خلافًا لأبي يوسف.
وعلى هذا إذا لمسها بشهوة ثم قال لها في حالة الملامسة: أنت طلاق للسنة يقع عليها ثلاث تطليقات على التعاقب عند أبي حنيفة رحمه الله، ولو كان راجعها بالجماع فإن لم تحبل فليس له أن يطلقها أخرى بالإجماع وإن حبلت فله أن يطلقها أخرى عند أبي حنيفة رحمه الله فيكون سببًا، وقال أبو يوسف رحمه الله: ليس له أن يطلقها أخرى، فأبو يوسف رحمه الله مر على أصله أن الشرط للفصل بين طلاقي السنة الحيضة الكاملة، وأبو حنيفة رحمه الله فرق بينما إذا حبلت وبينما إذا لم تحبل. والفرق أنها إذا لم تحبل فهذا طهر جامعها فيه، والطلاق عقيب الجماع في الطهر لا يكون سببًا لاحتمال حدوث الندم على ذلك لاشتباه الأمر، وهذا المعنى لا يتأتى إذا كان الحبل ظاهرًا.
وفي (المنتقى): إذا طلق امرأته واحدة وهي طاهرة من غير جماع ثم جامعها نكاية صار رجعة ثم قال لها: أنت طالق للسنة لم يقع في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله من قبل الجماع الذي كان في هذا الطهر وإنه محمول على ما إذا لم تحبل عند أبي حنيفة رحمه الله قال ثمة: ولو قال: كان طلاق سنتها بالشهر، وإن كان له أن يوقع الثانية بعد الجماع، لأن الجماع فيهما لا يمنع من طلاق السنة.
وفيه أيضًا: إذا طلق امرأته وهي حامل ثم راجعها فولدت واغتسلت من النفاس فله أن يطلقها للسنة في قول أبي حنيفة رحمه الله وأبي يوسف رحمه الله وإن لم يتم بين التطليقتين شهر ودم وفصل النفاس بين الطلاقين كالحيض، ولو طلقها وهي صغيرة ثم حاضت وطهرت قبل مضي الشهر فله أن يطلقها أخرى في قولهم جميعًا لأن الشهر إنما يعتبر للفصل بين الطلاقين في حق الآيسة والصغيرة بدلًا عن الحيض فإذا وجد الحيض سقط حكم البدل، ولو طلقها وهي من ذوات الأقراء ثم النسب فله أن يطلقها أخرى حين تيأس عند أبي حنيفة رحمه الله، وقال أبو يوسف رحمه الله: لا يطلقها حتى يمضي شهر.
وفي (نوادر أبي سليمان) عن أبي يوسف رحمه الله لا يطلقها حتى يمضي شهر وفي (نوادر أبي سليمان) عن أبي يوسف رحمه الله: رجل قال لأمرأته وقد أيست من الحيض: أنت طالق ثلاثًا للسنة وقعت واحدة حين تكلم به، ثم إذا حاضت بعد ذلك وطهرت بطلت تلك التطليقة الأولى ولزمتها تطليقة عند الطهر من الحيض يريد به إذا كان جامعها بعد الإياس قبل هذه المقالة قال: وليست هذه كالصغيرة إذا حاضت، فإن في حق الصغيرة لا تبطل التطليقة الأولى قال: فإن أيست بعد هذه الحيضة من المحيض واستبان إياسها وقعت التطليقتان الباقيتان بالشهور، وإذا قال لأمرأته: أنت طالق هذا للسنة وهي ممن لا يقع عليها طلاق السنة في العدة لا يقع عليها الطلاق إلا في وقت السنة.
قال ابن سماعة في (نوادره) أبا ترى أنه إذا قال لها: أنت طالق غدًا إذا دخلت الدار أنت طالق غدًا بدخولك الدار لا تطلق ما لم تدخل الدار كذا هاهنا.
ذكر المعلى في (نوادره): رجل طلق امرأته للسنة وهي طاهرة من غير جماع من الزوج إلا أن رجلًا آخر كان وطئها في طهرها هذا قال: إن كان وطئها بالزنا فالطلاق واقع عليها في طهرها هذا وإن كان وطئها لشبهة فالطلاق لا يقع عليها في هذا الطهر وعليها العدة من الذي وطئها ومن المشايخ من قال على العكس، ومن المشايخ من قال بالوقوع في الوجهين جميعًا.
وفي (المنتقى): إذا ظاهر من امرأته ثم طلقها طلاق السنة في وقته قبل أن يكفر عن الظهار وقع ولم يمنع حرمة الظهار وقوع الطلاق السني، وكذلك لو تزوج بأخت امرأته ودخل بها وفرق بينهما وطلق امرأته للسنة في عدة الأخت وكذلك لو طلق امرأته للسنة وهي حبلى من فجور.
امرأة نعي إليها زوجها فتزوجت بزوج آخر ودخل بها هذا الزوج ثم قدم زوجها الأول ثم فرق بينها وبين الزوج الثاني حتى وجبت العدة من الثاني فطلقها الأول للسنة في عدتها من الثاني لم يقع في قول أبي يوسف رحمه الله، وفي قول أبي حنيفة رحمه الله يقع. ولو كان الأول طلقها ثلاثًا للسنة قبل أن تتزوج بالثاني فحاضت وطهرت فلزمها تطليقة ثم تزوجت بالثاني ودخل بها الثاني وفرق بينهما لم يقع عليها ما بقي من طلاق السنة ما دامت تعتد من الثاني في قول أبي يوسف رحمه الله، وفي قول أبي حنيفة رحمه الله يلزمها الطلاق.

.نوع آخر يتصل بهذا الفصل:

ذكر في (المنتقى): إذا قال: لها أنت طالق للسنة فقالت أنا طاهرة، وقال الزوج: أوقعت عليك في الحيض أو بعده فالقول قول المرأة، ولو قالت: أنا حامل فقال هو: ليست بحامل لم تصدق المرأة على ادعاء الحمل.
وفي (نوادر هشام) عن أبي يوسف رحمه الله: إذا قال لامرأته وقد دخل بها أنت طالق واحدة للسنة، وقالت المرأة: قد كنت حضت وطهرت قبل هذا قبل أن تتكلم بهذا الكلام تكلمت به وأنا طاهرة لم يقربني، وقال الزوج: قد كنت قربتك بعد الطهر قبل هذا الكلام فالقول قول الزوج، ولو قال الزوج: قد كنت قربتك في الحيض وكذبته المرأة فالقول قول المرأة، وكذلك لو قالت: لم يكن دخلت بها قط، فالقول قولها.

.نوع آخر يتصل بهذا الفصل أيضا:

قال القدوري: رجل قال لامرأته وهي أمة أنت طالق للسنة وهي الساعة ممن لا يقع عليها طلاق السنة ثم اشتراها ثم جاء وقت السنة لم يقع عليها شيء؛ لأن الطلاق إنما يقع إذا بقي النكاح والعدة، وبعدما اشتراها لا نكاح ولا عدة، أما لا نكاح فظاهر لطريان ملك اليمين المنافي للنكاح، وأما لا عدة فلأنها تحل له بملك اليمين وإنها تنافي وجوب العدة فإن اعتقها ثم جاء وقت السنة يقع الطلاق لأن حكم العدة قد ظهر بعد العتاق فكانت محلًا للطلاق، ولو كان الزوج عبدًا والمرأة حرة فقال لها: أنت طالق للسنة ثم اشترته وقع الطلاق إذا جاء وقت سنتها.
رجل قال لامرأته الأمة: أنت طالق ثلاثًا للسنة وهي طاهرة بطهر جامعها فيه ثم اشتراها ثم أعتقها مكانه فإنها تعتد بحيضتين، فإذا طهرت من الحيضة الأولى وقع بها تطليقة وتبين بالأخرى أي: بالحيضة الأخرى ولا يقع طلاق آخر ولو كانت حائضًا حينما قال لها هذه المقالة ثم اشتراها وأعتقها في تلك الحيضة ثم طهرت من تلك الحيضة لا يقع عليها الطلاق من قبل أنه قد وقعت الفرقة منها بفساد النكاح ولا يقع طلاق السنة بعد فرقة كانت بين الزوج وامرأته إلا بعد شهر أو بعد حيضة، وكذلك المعتقة إذا اختارت نفسها في حالة الحيض وقد كان الزوج قال لها: أنت طالق للسنة لم يقع عليها الطلاق إذا طهرت من هذه الحيضة.
إذا قال لامرأته الأمة: أنت طالق للسنة وهي في الحال من لا يقع عليها طلاق السنة فاشتراها ثم أعتقها في مدة العدة وتزوجها في مدة العدة يقع عليها الطلاق إذا كانت طاهرة من غير جماع ولو تزوجها بعد انقضاء العدة فهي حائض وقع الطلاق عليها كأنه قال لها: إذا تزوجتك فأنت طالق للسنة فتزوجها وهي حائض.

.نوع آخر يتصل بهذا الفصل أيضا:

إذا قال لها: أنت طالق للبدعة ونوى ثلاثًا فهي ثلاث لأن إيقاع الثلاث جملة بدعة فقد نوى ما يحتمله لفظه ففتحت ثلاثة هكذا روى ابن سماعة عن محمد رحمه الله، وروى إبراهيم عنه أنها واحدة تملك الرجعة.
إذا قال لها: أنت طالق للشهور وهي لا تحيض فهي طالق عند كل شهر تطليقة، هكذا ذكر (القدوري) رحمه الله في (شرحه) فزاد في (المنتقى) ونوى ثلاثًا فهي طالق ثلاثًا عند كل شهر واحدة، ولو قال لها: أنت طالق للحيض وهي ممن لا تحيض لا يقع شيء ولم يفصل بين الآيسة والصغيرة قال بعض مشايخنا: وهذا الجواب ظاهر في حق الآيسة لأن الحيض في حقها ليس بموجود ولا يوجد غالبًا مشكل في حق الصغيرة لأن الحيض في حقها يحتمل الوجود ويوجد غالبًا، والإضافة إلى معدومة يحتمل الوجود صحيح، كما لو قال لها: أنت طالق بعد غد وهذا القائل يقول: بأن جواب (الكتاب) محمول على الآيسة، وفي حق الصغيرة يتوقف وقوع الطلاق على وجود الحيض وبعض مشايخنا قالوا: هذا الجواب مشكل في حق الآيسة والصغيرة جميعًا؛ لأن الحيض الذي يضاف إليها الطلاق حيض العدة فكأنه قال لها: أنت طالق للعدة هذا إذا قال لها أنت طالق للحيض وهي ممن لا تحيض، وإن قال لها: أنت طالق للحيض وهي ممن تحيض قال: كانت طاهرة من غير جماع وقت هذه المقالة طلقت الساعة كأنه قال لها: أنت طالق للعدة، هكذا روى ابن سماعة عن محمد رحمه الله، إن قال لها ذلك وهي حائض فإن لم ينو شيئًا فهي واحدة رجعية تقع عند كل طهرها من الحيضة، وإن نوى ثلاثًا فهي طالق عند طهرها من كل حيضة حتى تطلق ثلاثًا، ذكر المسألة على هذا التفصيل ابن سماعة رحمه الله. وفي (القدوري) ذكر المسألة من غير تفصيل فقال: إذا قال لها أنت طالق للحيض وهي ممن تحيض وقع عند كل حيضة تطليقة.
وفي (المنتقى): إذا قال لها أنت طالق بكتاب الله ينوي طلاق السنة فهو على ما نوى وإن لم ينو شيئًا فهي طالق ساعة ما تكلم به، ولو قال لها: أنت طالق على ما في كتاب الله تعالى، أو على قول القضاة، أو على قول الفقهاء، أو قال: بسنة رسول الله عليه السلام فهي طالق ساعة ما تكلم، إلا أن يقول عنيت للسنة فيكون على ما عنى.

.نوع آخر يتصل بهذا الفصل أيضا:

ذكر ابن سماعة في (نوادره) عن محمد رحمه الله إذا قال لامرأته أنت طالق ثلاثًا للسنة مع كل واحدة واحدة للبدعة فهي طالق ثلاثًا الساعة للبدعة، وذكر المعلى عن أبي يوسف رحمه الله إذا قال لأمرأته: أنت طالق تطليقتين أولهما للسنة، فإن كانت طاهرة من غير جماع وقعت عليها التي هي للسنة أولًا، ثم تتبعها الأخرى، وإن كانت حائضًا تأخرت التطليقتان جميعًا حتى تطهر ثم تقعان التي للسنة قبل الأخرى، ولو قال لها: أنت طالق تبين إحداهما للسنة والأخرى للبدعة، أو قال: أنت طالق واحدة للسنة والأخرى للبدعة فإن كان الوقت وقت السنة تقعان جميعًا تقع السنة أولًا ثم تتبعها البدعة، وإن لم يكن الوقت وقت السنة تقع البدعية وتتأخر السنية وإن بدأ بالبدعة والوقت ليس وقت السنة يقع البدعة ويتأخر السنة والله أعلم.

.نوع آخر من هذا الفصل أيضا:

أبو يوسف رحمه الله في رجل قال لامرأته وقد دخل بها: أنت طالق ثلاثًا للسنة بألف درهم وقبلت المرأة ذلك، وقال: عنيت أن تقع الثلاث جميعًا لزمها ثلاث تطليقات بقوله فلا يكون له إلا ثلث الألف إلا أن تصدقه المرأة في هذه الثلاثة، ولو قال: أنت طالق ثلاثًا للسنة بألف درهم إن شئت، أو قدم المشيئة على الطلاق، فإن كانت هذه المقالة في حالة الحيض فالمشيئة في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله لا يكون حتى تطهر من الحيض، وإن كانت هذه المقالة في طهر جامعها فيه، فحتى تحيض حيضة أخرى وتطهر والله أعلم.

.الفصل الثاني: في بيان شرط صحة الطلاق وبيان حكمه:

فنقول شرط صحة الطلاق قيام العقد في المرأة نكاحًا كان أو عدة، وقيام حل جواز العقد، ولا يكفي أحدهما لصحة الطلاق، أما قيام العقد وحده فلأنها إذا حرمت بالمصاهرة بعد الدخول بها حتى وجبت العدة وطلقها في العدة لا يصح طلاقه وإن كان العقد قائمًا لما لم يكن حل جواز العقد قائمًا، وأما قيام حل جواز العقد وحده لأنه بعدما طلقها واحدة أو ثنتين وانقضت عدتها وطلقها لا يصح طلاقه، وإن كان حل جواز العقد قائمًا لما لم يكن العقد قائمًا.
وقيام ملك النكاح ليس بشرط لوقوع الطلاق وصحته حتى إن المختلعة يلحقها صريح الطلاق ما دامت في العدة، فإن لم يكن ملك النكاح قائمًا وحكم الطلاق زوال ملك النكاح، وزوال حل العقد متى تم ثلاثًا، والطلاق يصح مفيدًا (أحد حكمته)، فإنه إذا طلق امرأته واحدة وتركها حتى انقضت عدتها فهذا الطلاق صحيح، وإن كان لا يفيد إلا زوال ملك النكاح، وكذا إذا طلق المختلعة أو المبانة تطليقتين في حالة العدة يصح وهذا الطلاق لا يفيد إلا زوال حل العقد لأن ملك النكاح زال بالخلع والطلاق البائن.

.الفصل الثالث: في بيان من يقع طلاقه ومن لا يقع طلاقه:

طلاق الصبي غير واقع، وكذلك طلاق المجنون والمعتوه، وقيل في الحد الفاصل بين المعتوه والمجنون والعاقل أن العاقل من يستقيم كلامه وأفعاله فيكون هذا غالبًا، وذلك غالبًا فيكون سواء، قيل أيضًا: المجنون من يفعل هذه الأفعال لا عن قصد والعاقل يفعل ما يفعله المجانين في الأحايين لكن لا عن قصد يعني يفعل على ظن الصلاح، والمعتوه من يفعل ما يفعله المجانين في الأحايين لكن عن قصد يعني يقصد فعله مع ظهور وجه الفساد، وكذلك طلاق النائم غير واقع، وإذا طلق النائم امرأته في حالة النوم ثم قال بعدما انتبه: أجزت ذلك الطلاق لا يقع شيء، ولو قال: أوقعت ذلك يقع تطليقه، ولو قال أوقعت ما تلفظت به في حالة النوم لا يقع شيء، ذكره شيخ الإسلام رحمه الله المعروف بخواهر زاده في آخر باب الطلاق.
على هذا الصبي إذا طلق امرأته ثم قال بعدما بلغ أجزت ذلك الطلاق لا يقع، ولو قال: أوقعت ذلك يقع، وكذلك لو أن رجلًا طلق امرأة الصبي فقال الصبي بعد بلوغه أوقعت الطلاق الذي أوقعه فلان يقع ولو قال أجزت ذلك لا يقع، ذكره رحمه الله في (شرح المأذون الكبير). قال القدوري رحمه الله في (كتابه): وطلاق السكران واقع إذا سكر من الخمر والنبيذ، وهو مذهب أصحابنا، وكان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يختار أنه لا يقع وهو قول الطحاوي وأحد قولي الشافعي رحمهما الله.
ولو أكره على الشرب أو شرب الخمر عند الضرورة فذهب عقله وطلق امرأته فطلاقه واقع رواه هشام عن محمد رحمه الله وعلل فقال: لأن عقله إنما ذهب بلذة، ولو ذهب عقله من داليس وطلق امرأته لا تطلق، وكذلك لو شرب البنج وذهب عقله وطلق، وذكر عبد العزيز الترمذي رحمه الله قال: سألت أبا حنيفة وسفيان الثوري رحمة الله عليهما عن رجل شرب البنج فارتفع إلى رأسه وطلق امرأته قال: إن كان حين يشرب يعلم أنه ما هو فهي طالق، وإن كان حين يشرب لم يعلم أنه ما هو لم تطلق، ولو شرب النبيذ ولم يذهب عقله منه ولكن لم يوافقه فصدع منه فزال عقله بالصداع دون الشرب لم يقع طلاقه، ولو شرب من الأشربة التي تتخذ من الحبوب أو من العسل أو من الشهد وسكر وطلق امرأته لا يقع طلاقه عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله خلافًا لمحمد رحمه الله.
وطلاق اللاعب والهازل به واقع، وكذلك الرجل يريد أن يتكلم بكلام فسبق لسانه بالطلاق فالطلاق واقع ذكر القدوري العتاق مثل الطلاق في جميع ذلك في المشهور.
وفي (المنتقى): وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يجوز الغلط في الطلاق ويجوز في العتاق حتى إن الرجل لو أراد أن يقول لامرأته اسقيني فسبقه اللسان فقال: أنت طالق قال: هي طالق، ولو كان ذلك في العتاق يدين فيما بينه وبين الله تعالى. وقال أبو يوسف رحمه الله: هما سواء ولا يجوز في واحد منهما وسوّى أبو يوسف رحمه الله في (الإملاء) بينهما على قول أبي حنيفة رحمه الله، وقال على قول أبي حنيفة: لا يدين فيما بينه وبين الله تعالى فيهما.

.الفصل الرابع: فيما يرجع إلى صريح الطلاق:

إذا قال لامرأته: يا مطلقة وقع الطلاق عليها، ولو قال: أردت به الشتم دين فيما بينه وبين الله تعالى ولم يدين في القضاء؛ لأنه وصفها بالطلاق. وإذا قال: أردت الشتم فقد نوى شيئًا ليس بوصف لها فيكون مدعيًا خلاف الظاهر فلا يصدق في القضاء، ولو قال: أردت طلاق زوج كان لها قبل ذلك إن لم يكن لها زوج قبل ذلك لا يلتفت إلى قوله، وكذا إذا كا لها زوج قبل ذلك وقد مات عنها زوجها لا يلتفت إلى قوله، وإن كان قد طلقها صدق ديانة باتفاق الروايات ويدين في القضاء في رواية أبي سليمان لأنه وصفها بطلاق واقع والطلاق لا يختص بإيقاع زوج دون زوج فيصدق في ذلك، ولو قال لها: أنت مطْلقة بالتخفيف فذلك على النية.
وفي (الواقعات): إذا طلق امرأته ثم قال لها: قد طلقتك أو قال بالفارسية: طلاق دادم تر ادادم ترا طلاق يقع تطليقة بائنة، ولو قال: قد كنت طلقتك أو قال بالفارسية طلاق داده اهم ترا لا يقع شيء.
وفي (الأصل) في باب الطلاق إذا قال لامرأته قد طلقتك أمس وهو كاذب كانت طالقًا في القضاء ولو قال لها: أنت طالق طالق أو قال: طلقتك طلقتك، أو قال: أنت طالق قد طلقتك، ثم قال عنيت الأولى دين فيما بينه وبين الله تعالى ولم يدين في القضاء.
ومن هذا الجنس ما ذكر في (الفتاوى) إذا قال لامرأته نبك طلاق دست بازدا سمت أو قال: دست بازدا سم نبك طلاق، فقالت امرأته: بازاوى تامرديان سنويد باز كيت اكرباء دوم حنين كفت دست بازدا سته أم باكد بردست باردا سنه كم بكت واحدا. وإن قال: دست بارداسمت نبك طلاق يقع إلا إذا قال: عنيت بالثاني الإخبار فيصدق ديانة، ولو قال لها: أنت طالق فقال له رجل: ما قلت فقال طلقتها قال: أو قلت هي طالق فهي واحدة في القضاء لأن قوله في المرأة الثانية خرج جوابًا فيكون إخبارًا عن الإيقاع الأول ليتحقق جوابًا بخلاف المسألة المتقدمة لأن قوله في المرة الثانية خرج على سبيل الابتداء فكان إيقاعًا، هذه الجملة في (شرح القدوري).
ولو قال لها: أنت طالق ثم قال لها: يا مطلقة لا تقع أخرى لأنه صادق في مقالته، ولو قال لها: أنت طالق ونوى طلاقًا من وثاق لم يدين في القضاء ويدين فيما بينه وبين الله تعالى، ولو صرح وقال: أنت طالق من وثاق لا يقع في القضاء شيء. ولو قال: أنت طالق من قبل أو من عل ذكر هذه المسألة: (المنتقى) في موضعين وأجاب في أحد الموضعين أنه لا يقع الطلاق في القضاء وأجاب في الموضع (الآخر) أنه يقع الطلاق في القضاء، فروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمهما الله إذا قال لامرأته، أنت طالق من هذا القبل أو من هذا العل لم تطلق، ولو قال أنت طالق ثلاثًا من هذا القبل أو من هذا العل طلقت ثلاثًا ولم يدين في القضاء.
ولو قال لها: أنت طالق وأراد به أنها طالق من العمل لم يدين فيما بينه وبين الله تعالى لأنه نوى ما لا يحتمله لفظه لأن الطلاق لإزالة القيد وهي غير مقيدة بالعمل فروي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه يدين لأن الإطلاق يذكر ويراد به التخليص عن العمل فكان ناويًا ما يحتمله لفظه.
ولو قال: أنت طالق من هذا العمل وقع الطلاق في القضاء ولا يقع فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن المرأة إذا لم تكن مقيدة بالعمل كان قوله من هذا العمل بيانًا صورة لا حقيقة فلا يصدق قضاءً باعتبار الحقيقة فيدين فيما بينه وبين الله تعالى، لوجود البيان صورة.
ولو قال لها أنت طالق وقال: لم أعنِ الطلاق عن وثاق النكاح فإنه يقع الطلاق فيما بينه وبين الله تعالى كما يقع في القضاء، والوجه في ذلك أن الطلاق في حقيقة اللغة، وإن كان الإطلاق عن وثاق العبد، إلا أنه صار الإطلاق عن وثاق النكاح حقيقة، والإطلاق عن قيد الحقيقي مجازًا لأنه ثبت هذا الاسم للطلاق عن وثاق النكاح عرفًا وشرعًا والاسم متى ثبت لغير ما وضع له عرفًا وشرعًا يصير لذلك حقيقة ولما وضع له مجازًا والحقيقة من الكلام لا النية ندفع حكمها إلا بإرادة المجاز، أما بمجرد ترك نية الحقيقة من غير نية المجاز لا يندفع حكم الحقيقة لأن النية ليست بشرط لثبوت ما هو حقيقة اللفظ ولا لمنع ثبوت حكم الحقيقة بترك النية والحاصل أن الكلام أنواع أربعة حقيقة باعتبار الوضع، وحكمه لا يندفع ما لم ينوِ المجاز، ومجازٌ صار كالحقيقة وهو ما ثبت عرفًا وشرعًا، وحكمه لا يندفع أيضًا ما لم ينو المجاز، لأنه ألحق بالحقيقة، ومجازٌ متعارف ومطلق للفظ ينصرف إليه ولكن إذا نوى أن لا يثبت ذلك لا يثبت وإن لم ينو غيره. ومجازٌ غير متعارف، وإنه لا يثبت بمطلق الكلام إلا الهيئة.
رجل قال لامرأته: براشه طلاق يقع الثلاث لأن هذا بمنزلة قوله أعطيتك ثلاث تطليقات ألا ترى أنه لو قال لغيره لك هذا الثوب كان هبة وكان بمنزلة قوله أعطيتك هذا الثوب. هكذا ذكر الصدر الشهيد رحمه الله في باب النون.
وفي هذا الباب أيضًا: إذا تشاجر الرجل مع امرأته فقال لها بالفارسية هرار طلاق برا ولم يزد على هذا تقع الثلاث لأن هذا فارسي قوله ألف تطليقة لك، ولو قال ألف تطليقة لك تقع الثلاث لأنه لو قال: لك ألف تطليقة تقع الثلاث، وكذلك إذا قدم المؤخر، هكذا ذكر رحمه الله تعليل المسألتين مع صورتهما.
وفي (فتاوى أهل سمرقند) من طلاق برا دادم. قال: نوى الإيقاع وقع الطلاق وإن نوى التفويض لا يقع لأنه يحتمل التفويض، وإن لم يكن له نية يقع لأنه إيقاع ظاهرًا فيصُرِفَ إليه ما لم ينو شيئًا آخر. وفي (فتاوى الفضلي) تر طلاق إيقاع طلاق ترا تفويض إن طلقت نفسها في المجلس يقع.
وفي (المنتقى) رجل قال لامرأته لك الطلاق قال أبو حنيفة رحمه الله: إن نوى الطلاق فهي طالق وإن لم يكن له نية فلا شيء عليه، وقال أبو يوسف رحمه الله: إن نوى الطلاق فطلاق وإلا فالأمر بيدها، ولو قال عليك الطلاق فهي طالق إذا نوى.
وفيه أيضًا عن أبي يوسف رحمه الله: إذ قال لامرأته لكم الطلاق إنها طالق في القضاء ويدين فيما بينه وبين الله تعالى إن عنى غير ذلك، ولو قال: طلاقي عليك واجب وقع، وكذا إذا قال لها الطلاق عليك واجب ذكره البقالي في (فتاويه). ولو قال لها: طلاقك عليَّ لا يقع، ولو قال: طلاقك عليَّ واجب أو لازم أو فرض أو ثابت ذكر الفقيه أبو الليث رحمه الله في (فتاويه) خلافًا بين المتأخرين، منهم من قال يقع واحدة رجعية نوى أو لم ينوِ، ومنهم من قال لا يقع نوى أو لم ينوِ، ومنهم من قال في قوله واجب يقع بدون النية، وفي قوله لازم لا يقع وإن نوى والفارق العرف، وعلى هذا الخلاف إذا قال لها إن فعلت كذا فطلاقك عليَّ واجب، أو قال: لازم أو قال ثابت ففعلت. وذكر القدوري رحمه الله في (شرحه) أن على قول أبي حنيفة رحمه الله لا يقع في الكل، وعند أبي يوسف رحمه الله إن نوى الطلاق يقع في الكل وعن محمد رحمه الله أنه يقع في قوله لازم ولا يقع في قوله واجب و(هو) اختيار الصدر الشهيد رحمه الله، قال: الوقوع في الكل لأن نفس الطلاق لا يكون واجبًا ولا لازمًا وفرضًا إنما يكون حكمه واجبًا وحكم الطلاق لا يجب إلا بعد الوقوع، وكان الشيخ الإمام ظهير الدين الحسن بن علي المرغيناني رحمه الله يفتي بعدم الوقوع في الكل، وعن ابن سّلام فيمن قال إن فعلت كذا فثلاث تطليقات عليَّ أو قال عليَّ واجب فإنه يعتبر عادة أهل البلد هل غلب، ذلك في كلامهم.
ولو قال لامرأته: طلقك الله تطلق، وإن لم ينو لأنه لا يطلقها الله إلا وهي طالق، هكذا ذكر في (فتاوى أبي الليث رحمه الله). وفي (المنتقى) وفي (العيون) شرط النية، والأول أصح، ولو قال لها: نسيه طلاق باش، أو قال بطلاق باش تحكم النية، فكان الشيخ الإمام ظهير الدين رحمه الله يفتي بالوقوع (في) هذه الصورة بل لنية إذا قال لامرأته أنت أطلق من امرأة فلان وهي مطلقة فذلك على نيته إلا أن يكون جوابًا لمسألة الطلاق، هكذا ذكر القدوري رحمه الله في (شرحه) وصورة ذلك: أن المرأة إذا قالت لزوجها قد طلق فلان امرأته فطلقني، فقال الزوج: أنت أطلق منها فهي طالق ولا يدين، وكذلك لو قال: أنت أبين منها. وسأل نصر عن ذلك فقال: تقع ثم قال في اليوم الثاني، وجدت رواية عن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يقع، قال الفقيه أبو الليث رحمه الله معناه: إن لم ينو وإذا نوى يقع كذا روي عن أبي يوسف رحمه الله في (الأمالي).
إذا قال: خذي طلاقك يقع، وكذا وإذا قال لها: أوجدت طلاقك يقع، وإذا قال لها شئت طلاقك ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في (شرحه) أنه يقع الطلاق، ولم يشترط نية الإيقاع، وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في (شرحه) إذا قال: شئت طلاقك بنية الإيقاع يقع.
وذكر في (المنتقى) في باب اللفيف من كتاب الطلاق: قال لامرأته: شئت طلاقك وهو ينوي الطلاق طلقت، وذكر في باب الكنايات إذا قال لها: شاء الله طلاقك، قضى الله طلاقك، شئت طلاقك، أمضيت، قضيت لا تطلق إلا أن ينوي، ولو قال: نويت طلاقك أحببت طلاقك رضيت طلاقك أردت طلاقك لا تطلق وإن نوى.
قال في (المنتقى): والقياس في ذلك سواء غير أن شئت هو أشبه بالطلاق فاستحسنه وحده.
إذا قال لها وهبت طلاقك فهذا صريح حتى يقع الطلاق قضاء وإن لم ينو به الطلاق، وإذا قال: نويت أن يكون الطلاق في يدها لا يصدق قضاء ويصدق ديانة، وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه يصدق قضاء أيضًا، ولو قال لها: أعدتك طلاقك، روي عن أبي يوسف رحمه الله أنه يقع، وعن محمد أنه لا يقع، وذكر هذه المسألة في (فتاوى أبي الليث) رحمه الله، وقال نصر: الطلاق في يدها بمنزلة ما لو قال لها: أمرك بيدك، ولو قال لها: أقرضتك طلاقك لا يقع، ولو قال لها: وهبتك طلاقك قال (في) مشايخنا ينبغي أن لا يقع، وإذا قال لرجل أخبر امرأتي بطلاقها فهي طالق ساعة ما تكلم أخبرها ذلك الرجل أو لم يخبرها فكذلك إذا قال شهرها بطلاقها، احمل إليها طلاقها، أخبرها أنها طالق قل لها إنها طالق بخلاف ما لو قال لها أنت طالق فإنه لا يقع الطلاق هناك ما لم يطلقها إذا قال لها برشه طلاق دادستند لا يقع لأنه ذكر الإيقاع دون الوقوع.
امرأة قالت لزوجها طلقني فضربها وقال: اينك طالق لا يقع لأنه لم يوجد الإضافة، ولو قال: ابيكت طلاق يقع كذا حكي عن شمس الأئمة الحلواني رحمه الله، في (مجموع النوازل) في (كتاب الأيمان) سئل شيخ الإسلام رحمه الله عن امرأة قالت لزوجها عند المشاجرة: مرا طلاق ده مر دجوب برداشت ومي زدومي كفت دار طلاق قال: لا تطلق، وسئل الإمام أحمد الغلاييني رحمه الله عن امرأة قالت لزوجها: طلقني فوكزها قال: اينك طالق ثم وكزها ثانيًا وقال: اينك ذو طلاق ثم وكزها ثالثًا وقال: اينك ننته طلاق قال: تطلق ثلاثًا قال: ولو كان قال لها: اينك نكي، اينك دو، اينك ننته ولم يتلفظ بالطلاق لم تطلق، قال نجم الدين النسفي رحمه الله: جواب شيخ الإسلام في المسألة الأولى كجوابه في المسألة الثانية يعني لا تطلق، وجواب الغلاييني رحمه الله في المسألة الأولى كجوابه في المسألة الثانية يعني تطلق فشيخ الإسلام يقول: تسمى الضربة طلاقًا فبطل، والغلاييني يقول يلفظ الطلاق فيقع. سئل الفقيه أبو جعفر رحمه الله عمن قال لامرأته هذا وطلاق بدا منت اندر كردم قال: إن كان هذا في مذاكرة الطلاق فكذلك وإن لم يرد الطلاق فالقول قوله مع يمينه، إذا قال لها: طالق يرتحا دركوشه توبرشت قومي والبسي الملحفة لا يقع الطلاق عليها في الحال ولا بعد ما لبست الملحفة، وكذا لو قال لها طلاق توكو ارستان برتهادة است مريه هنل بخلاف ما ذكرنا في المسألتين جميعًا وهو الأظهر والأشبه لأن هذا يقتضي وجود الطلاق فرايت ديوى بجوارشان أراد به رف نجم الدين في قوله شبه طلاق تركزانه خادرت بريشتم إنه يقع الطلاق، قال ولها دار طلاق يتوى لعدم الإضافة إليها وقيل يقع من غير نية وهو الأشبه لأن قوله دار في العادة وقوله حد سواء ولو قال لها: خذي طلاقك يقع من غير نية كذا هاهنا.
سئل شمس الأئمة الأوزجندي رحمه الله عن امرأة قالت لزوجها لو كان الطلاق بيدي لطلقت نفسي ألف تطليقة فقال الزوج من هزار هذا طلاق دارم ولم يقل دارم برا قال: يقع الطلاق لأن كلامه خرج جوابًا.
امرأة قالت لزوجها طلقني ثلاثًا فقال الزوج: إنك هزار لا تطلق من غير نية لأن قوله إنك هزار كلام محتمل لو قال: بنية طلاق وليست امرأته في بيته وقت هذه المقالة تطلق امرأته إذ ليس المراد من البيت المذكور في هذه الصورة حقيقة البيت إنما المراد بيت النكاح فكأنه، قال: المرأة التي في نكاحي طالق، ولو قال: ابن طالق وليست امرأته في ذلك البيت وقت المقالة لا تطلق امرأته، لأن المراد من اسم البيت عند تعيين الزيادة على ما سمى أولًا وهو الطلاق فصار كأنه قال: دادش هزار طالق ذكر امرأة قالت لزوجها من طلاقه لم فقال الزوج شي أو قال: طلاقه تشي أو قال توكن بالبيت فيقع عليها ثلاث تطليقات.
سئل الفقيه أبو بكر رحمه الله عمن قال لامرأته: هزار طلاق تو لكن قال يقع ثلاث تطليقات كأنه قال طلقتك الصادر وكذلك إذا قال: هزار طلاقي توكى ونوى الطلاق تطلق ثلاثًا لأنه يراد بمثل هذا الكلام الإيجاب وقيل في الصورة الأولى ينوي الزوج لأنه يحتمل هزار طالق توكى كردم فيكون هذا وعدًا في الإيقاع فينوي لهذا وقيل: في الصورة الثانية لا تطلق وإن نوى لأن هذا وعد ولا يحتمل الايقاع في الحال. امرأة سألت من زوجها الطلاق فقال الزوج لها: أنت طالق خمس تطليقات فقالت المرأة: الثلاث تكفيني فقال الزوج: الثلاث لك والباقي لصواحبك فله سواها امرأة أو امرأتان يقع على المخاطبة ثلاث تطليقات ولا يقع على غيرها شيء لأن الزيادة على الثلاث لغو شرعًا فقد صرف إلى غير المخاطبة ما هو لغو شرعًا فلا يعمل، وإذا قال لها قولي إني طالق فإن قالت ذلك طلقت، وإن لم تقل لم تطلق بخلاف ما إذا قال لغيره: قل لامرأتي أنها طالق حيث تطلق قال ذلك الرجل لها ذلك أو لم يقل وقد مر نظير هذا.

.نوع آخر في الإيقاع بطريق الإجازة وفي ترك الإضافة وما يشبهها:

إذا قال: أنت ثلاث وأضمر الطلاق فاعلم أن هذا ثلاث فصول:
أحدها: أن يضم بالطلاق الثلاث وفي هذا الفصل لا يقع الطلاق.
والثاني: واحتياطًا إذا قال لامرأته توكى يوشه أو قال لها: تراكى قال الشيخ أبو القاسم الصفار البلخي رحمه الله لا يقع الطلاق قال: لأن العربية لها أجازات فأما الفارسية فليس لها اجازات قال الصدر الشهيد: المختار عندي أنه إذا نوى يقع الطلاق لأن هذا ليس من باب الإجاز بل هذا من باب تعيين أحد محتملي اللفظ لأن اسم الثلاث يقع على غير الطلاق وعلى الطلاق فإذا لم ينو الطلاق لا يتعين الطلاق مرادًا فإذا نواه يتعين.
وفي (فتاوي شمس الأئمة الأوزجندي): رحمه الله ذكر قبل هذا في التعليق فصورته الكرتومكا فأجاب بأنه لا يقع بدون النية، وفي (فتاوي النسفي): رجل اتهمته امرأته بشيء وطلبت منه أن يحلف على ذلك بطلاقها فحلف بهذا اللفظ: اكرفلان وأجاب أنها لا تطلق.
في (فتاوي الفضلي): إذا قال لها: أنت مني ثلاثًا إن نوى الطلاق طلقت لأنه نوى ما يحتمله وإن قال: لم أنو الطلاق لم يصدق إذا كان الحال حال مذاكرة الطلاق.
وفيه أيضًا: إذا قال لها: بوبيه ده ونوى الطلاق قال: يقع الطلاق لأنه أضمر الطلاق وهو نظير قوله أنت الثلاث ونوى الطلاق.
وفيه أيضًا اكرتوا فلان كاركني نويتك طلاق ففعلت وقع الطلاق من غير نية الزوج لأن المعنى كلامه نويتك طلاق هشتي، ولو قال لها: نوبيه ثارا بدون فكان ذلك في حالة الغضب فالقول قوله أنه لم يرد الطلاق لأن قوله الدون كما يحتمل الطلاق يحتمل اللعن وغيره ولا يتعين الطلاق مرادًا إلا بالنية.
قالت لزوجها طلقني وأشار إليها ثلاث أصابع يريد بذلك ثلاث تطليقات لا تطلق ما لم يقل بلسانه لأنه لو وقع وقع بالضمر فالطلاق لا يقع بالضمر، وفي (فتاوى أهل سمرقند) إذا قال لها.... طلاقي يقع عليها طلقة لأن معناه.... طالقي، وفي (نوادر أبي الليث) رحمه الله قالت لزوجها كيف لا تطلقني فقال لها بالفارسية توخودا سراز تاناني طلاق كردواي قال: تسأل الزوج عن مراده لأنه أخبر عن الطلاق فتسأل عن مراده. إذا قال لها في حالة الغضب: اكرتوزن مني بنية طلاق لا يقع شيء لأنه حذف الباء فلم يكن مضيفًا إليها فلا يكون موجبًا، وعلى هذا فصل للتعليق.
إذا قال: هرزن طلاق فتزوج امرأة لا يقع الطلاق هو الصحيح وسئل أبو خضر عن سكران قال لأمرأته أتريدين أن أطلقك فقالت: نعم فقال بالفارسية: اكرتوزن طلاق ذو طلاق بنية طلاق قومي واخرجي من عندي وهو يزعم أنه لم يرد به الطلاق فالقول قوله، قال الفقيه أبو الليث رحمه الله؛ لأنه لم يضف الطلاق إلى المرأة. ولم يذكر الإيقاع.
إذا قالت لزوجها طلقني فقال الزوج طالق يردارور في إن نوى طلاقها يقع الطلاق، ولو قال بنية طلاق جود يقع الطلاق من غير نية. قال لامرأته: أنت طالق واحدة فقالت المرأة: هزار فقال الزوج هزار ينوي الزوج فإن لم يكن له نية لا يقع شيء في الحكم لأنه يحتمل وإن كان إلى الإيقاع أقرب.
رجل اتهم امرأته برجل ثم رأى ذلك الرجل في بيته فغضب فقال: زن دادم عددًا طلاق قيل يقع الطلاق إذا نوى وقيل بالوقوع من غير نية. رجل جمع أصدقاءه وأمر امرأته أن تتخذ لهم طعامًا فلم تفعل وذهبت من بيت الزوج فقال الزوج: زنى كردوست شمن مرا بنو داز من بينة طلاق ذكر في (مجموع النوازل) أنه تطلق امرأته.
رجل قال لخدمه وهم يذكرون امرأته بسوء جندان كرديت كه نسه طلاقه كردتبش أو قال: جندان كردتب كه ست طلاق كردتيش يقع الطلاق عليها.
رجل قال: طلقت امرأة أو قال: امرأة طالق، ثم قال: لم أعن امرأتي يصدق ولم يقل عمرة طالق وامرأته عمرة وقال: لم أعن امرأتي لم يصدق قضاءً لأن في الوجه الأول لم تعرف امرأته أصلًا وفي الوجه الثاني عرفها بالاسم ذكره في (فتاوى أهل سمرقند).
وفي (النوازل) رجل يريد الخروج إلى السفر وأخذته صهرته فقالت: لا أدعك تخرج حتى تطلق ابنتي فقال الزوج: دختر تراسه طالق ثم لم أنو امرأتي وإنما نويت بنتك التي ليست بامرأتى لا يصدق قضاء ويصدق ديانة.
سئل نجم الدين النسفي رحمه الله عن رجل عادة إذا رأى صبيًا أن يقول: ما درت طلاقه فسكن... فقال: أي ما دريت بنية طلاقه وهو لم يعرفه قال: تطلق امرأته ثلاثًا. إذا قال ابنته لأنها طالق نسب امرأته إلى أبيها ولم يسميها أو نسبها إلى أمها أو إلى أخيها أو ما أشبه ذلك ولم يذكر اسمها طلقت امرأته إذا كانت كذلك وعن أبي يوسف رحمه الله ممن قال: عمرة بنت صبيح طالق وامرأته عمرة بنت حفص ولا نية له لم تطلق امرأته وإن كان صبيح زوج أمها فكانت في حجره وكانت تنسب إليه وإنما أبوها حفص وهو يعلم نسبها أو لا يعلم فقال مثل ما قلنا ولا نية له لم يدين في القضاء ويقع الطلاق، وأما فيما بينه وبين الله تعالى: إن كان يعرف نسبها لا يقع الطلاق وإن كان لا يعرف يقع الطلاق وإن نوى في هذه الوجوه امرأته طلقت امرأته في القضاء وفيما بينه وبين الله تعالى: وإن كان يريد اسم امرأته وإنما يريد الاسم الذي سمي على النسب الذي أضافها إليه وهو يعرف نسبها لم تطلق في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى.
ولو قال: امرأته الحبشية طالق ولا نية له في طلاق امرأة وامرأته ليست بحبشية لا يقع عليها، وعلى هذا امرأته الأسدية وغلامه السندي وعلى هذا إذا سماها بغير اسمها ولا نية له في طلاق امرأته، وإن نوى طلاق امرأته في هذه الوجوه طلقت امرأته، وإن سمى امرأته واسم أبيها بأن قال: امرأتي عمره بنت صبيح بن فلان أو قال: أم هذا الرجل التي في وجهها الخال طالق طلقت امرأته سواء كان في وجهها الخال أو لم يكن، لأنه وصفها باسمها ونسبتها قيمت المعرفة الشرعية فلا حاجة إلى ذكر بني آخر ويجعل كل شيء آخر كلامه.
وفي (المنتقى): زوج رجل.... امرأته قالت: أنا أسماء بنت عبدالله القرشية والرجل لا يعرفها فقال الرجل بعدما تزوجها كل امرأة لي طالق غير اسماء بنت عبدالله القرشية واسم هذه المرأة كانت وبنت النبطية فهي طالق في القضاء ولا تطلق فيما بينه وبين الله تعالى، إذا قال: نساء أهل الدنيا طالق أو قال أهل راي. وهو من أهل راي، أو قال: نساء أهل بغداد وهو من بغداد لم تطلق امرأته عند أبي يوسف رحمه الله إلا أن ينويها قال لأن هذا أمر عام، وعن محمد رحمه الله روايتان: روى ابن سماعة عنه أنه تطلق امرأته من غير النية فروى هشام عنه أنه لا تطلق امرأته إلا أن ينويها، وذكر في (فتاوى أهل سمرقند) أن في قوله جميع نساء الدنيا طوالق أو قال جميع نساء أهل العالم طالق أنه تطلق امرأته من غير نية ولو قال: نساء أهل هذه السكة طالق وهو من أهل هذه السكة طلقت امرأته.
وكذلك لو قال نساء أهل هذه الدار طوالق وهو من غير أهل هذه الدار طلقت امرأته بلا خلاف، ولو قال: نساء أهل هذه القرية طالق فقد اختلف المشايخ فيه منهم من ألحقه بالبيت والسكة ومنهم من ألحقه بالمصير.
وجه عدم الوقوع في قوله نساء أهل الراي نساء أهل الدنيا أنه لو وقع الطلاق على امرأته إنما يقع إذا اعتبر هذا الكلام النساء في حق هذا القائل وإذا اعتبر نساء في حق هذا القائل يعتبر النساء في حق الكل وبعد اعتباره النساء في حق الكل لأنه إذا اعتبر النساء في حق الكل لابد وأن يتوقف على إجازتهم وإجازة أهل الدنيا متعذر خرج على هذا فصل السكة والقرية على قول بعض المشايخ.

.نوع آخر يتصل بهذا الفصل بالإيقاع وبالإضافة إلى بعض المرأة:

إذا قال لامرأته رأسك طالق فالأصل في جنس هذه المسائل أن كل (ما) يعبر به عن جميع البدن نحو الرأس والرقبة والفرج والوجه يصح إضافة الطلاق إليه وكل جزء لا يعتبر به عن جميع البدن إن كان جزءًا لا يستمتع به نحو الدمع والريق والدم لا يصح إضافة الطلاق إليه بالاتفاق، هكذا ذكر شيخ الإسلام خواهر زاده رحمه الله في (شرحه).
قال: شمس الأئمة الحلواني رحمه الله، ولو نوى جميع ما في بدنها من الدم يتبع أن تطلق، وذكر الصدر الشهيد رحمه الله في أول باب الطلاق أنه إذا أضاف الطلاق إلى دمها ففيه روايتان: على رواية (كتاب العتاق) لا تطلق، وعلى رواية (كتاب الكفالة) تطلق، وإن كان جزءًا يستمتع به نحو اليد والرجل لا يصح إضافة الطلاق إليه عندنا.
وقال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: إذا قال لها رأسك طالق وعنى اقتصار الطلاق على الرأس لا يبعد أن يقول لا تطلق، ولو قال لها يدك طالق وأراد به العبارة عن جميع البدن لا يبعد أن يقول بأنها تطلق.
وفي (البقالي): أنه لا يقع الطلاق بالإضافة إلى اليد وإن نوى، وإذا قال لها: بضعك طالق. ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في (شرحه) أن يقع وهكذا وقع في بعض النسخ، قال ظهرك طالق وبطنك طالق ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في (شرحه) أن الأصح أن لا يقع واستدل بمسألة ذكرها في (الأصل) إذا قال: ظهرك عليَّ كظهر أمي أو قال بطنك عليَّ كظهر أمي أنه لا يصير مظاهرًا.
وذكر شمس الأئمة الحلواني رحمه الله في (شرحه): أن الأشبه بمذهب أصحابنا أنه يقع الطلاق قال هو نظير ما قال مشايخنا فيما إذا أضاف عقد النكاح إلى ظهر المرأة أو إلى بطنها أن الأشبه لمذهب أصحابنا أن ينعقد النكاح، وذكر القاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي رحمه أن الأصح أن يقع، وإذا قال لها يدك طالق فالمحفوظ عن أصحابنا أنها لا تطلق بخلاف قوله مدحك طالق في الحكمة، وذكر في (المنتقى) أن قوله: استك طالق في الحكمة بمنزلة قوله مدحك طالق ولو قال لها نصفك الأعلى طالق واحدة ونصفك الأسفل طالق تبين فلا رواية في هذه المسألة عن المتقدمين وعن المتأخرين وقد صارت هذه المسألة موافقة ببخارى فأفتى بعض مشايخنا بوقوع الواحدة بالإضافة إلى النصف الأعلى لأن الرأس في النصف الأعلى فيصير مضيفًا الطلاق إلى رأسها وأفتى بعضهم بوقوع بالإضافتين لأن الرأس في النصف الأعلى والفرج في النصف الأسفل فيصير مضيفًا الطلاق إلى رأسها بالإضافة إلى النصف الأعلى وإلى فرجها بالاضافة إلى النصف الأسفل.

.نوع آخر في تكرار الطلاق وإيقاع العدد في المدخولة وغير المدخولة:

امرأة قالت لزوجها: طلقني وطلقني فقال الزوج: قد طلقتك طلقت ثلاثًا نوى الزوج أو لم ينو، ولو قال بغير حرف الواو طلقني طلقني طلقني فقال الزوج قد طلقتك فإن نوى الثلاث طلقت ثلاثًا، وإن نوى واحدة أو لم ينو شيئًا تقع واحدة لأن بدون حرف الواو يحتمل كل الأول ويحتمل الابتداء ذلك نوى الزوج صحت بنية، هكذا ذكر في (عيون المسائل).
وفي (المنتقى): إذا قالت: طلقني طلقني طلقني بدون حرف الواو فقال: الزوج قد طلقتك أنه يقع ثلاث تطليقات ولم تشترط نية الزوج الثلاث.
امرأة قالت لزوجها: طلقني ثلاثًا فقال الزوج أنت طالق أو قال: فأنت طالق تقع واحدة هكذا رواه ابن سماعة، وهشام عن محمد رحمه الله علل محمد في رواية هشام رحمه الله فقال: لأن هذا ليس بجواب قال في رواية هشام: وإن عنى الجواب في قوله أنت طالق استحسن أن جعلها ثلاثًا، ولو كان قال: قد طلقتك تقع الثلاث فكذا لو قال: فعلت وقيل: ينبغي أن تقع الثلاث في الوجه الأول لأنه إخراج الكلام فخرج الجواب وأنه يصلح جوابًا، وسيأتي في مسائل الخلع ما يدل على أن قوله أنت طالق جواب، وذكر في (البقالي) في (فتاويه) في الوجه الأول أنها تطلق واحدة إلا أن ينوي الثلاث فيصح استحسانًا قال: ثمة فروى إنما تطلق واحدة يعني مع نية الثلاث.
وفي (المنتقى): امرأة قالت لزوجها طلقني فقال الزوج: قد فعلت طلقت فإن قالت: ردني فقال: قد فعلت طلقت أيضًا.
إبراهيم عن محمد رحمه الله: في رجل قيل لرجل طلقت امرأتك ثلاثًا فقال: نعم واحدة قال: القياس أن يقع عليها ثلاث تطليقات ولكنا نستحسن فنجعلها واحدة.
في (المنتقى): إذا قالت المرأة طلقني ثلاثًا فقال الزوج قد أبنتُك فهذا جواب وثلاث وكذا قوله: بائن.
وفي (نوادر ابن سماعة) سئل عن أبي يوسف رحمه الله عمن طلق امرأته قد حلت عليه أخت امرأته وعاينته وقالت: طلقت أختي فلأنه تطليقتين ولم يحفظ حق...... فقال الزوج: هذه ثالثة أو قال فهذه ثالثة لزمته الثلاث: وإن لم يذكر الطلاق في معاينتها وباقي المسألة بحالها فقوله هذه ثالثة ليس بشيء إذا لم ينو الطلاق.
إذا قال لها قبل الدخول بها أنت طالق ثلاث يقع الثلاث وكذلك إذا قال لها: ثنتين تقع ثنتان والوجه في ذلك أن في هذه الصورة أول الكلام يتوقف على آخره لأن في آخر الكلام ما يغير حكم أوله لأن قوله أنت طالق لا يحتمل العدد عندنا.
ولهذا لا تصح نية العدد فيه وإذا توقف أول الكلام على آخره كان الوقوع عنه آخر فيصادفها آخر الكلام وهي منكوحة بخلاف ما إذا كرر لفظ الطلاق بحرف العطف أو بغير حرف العطف فقال لها: أنت طالق وطالق أو قال وطالق أو وقال ثم طالق أو قال أنت طالق طالق، أو قال: ترايك طلاق ترايك طلاق حيث تقع واحدة لأن هناك ليس في آخر كلامه ما يغير حكم أوله فلم يتوقف أوله على آخره فطلقت بأول الكلام وبانت لا إلى عدة فيصادفها الكلام الثاني فهي مبانة.....
وفي (فتاوى الفضلي): إذا قال لها قبل الدخول بها اكرتوزن مني بيك طلاق وذو طلاق دست باردا شبه يقع ثلاث تطليقات، ولو لم يقل دست باز داسبيه تقع واحدة لأن في الوجه الأول النكاح إنما يتم عند قوله دست باز داسبيه لأنه صار يعتبر الأول فيتوقف فتقع الثلاث جملة وفي الثاني الأول كلام تام صاحب به لا إلى عدة قال لامرأته المدخول بها طلاق داديت طلاق داديت تقع عليها ثلاث تطليقات لأن هذا في الفارسية عطف بمنزلة قوله وتبين في العربية، ولو قال دويعبر حرف الواو وإن نوى العطف تقع الثلاث، وإن لم ينو العطف تقع واحدة، ولو قال لها: ترابك طلاق اكرم من لكن قال شيخ الإسلام أبو الحسن رحمه الله تقع الثلاث عند وجود الشرط قال الشيخ الإمام محمد بن علي.... رحمه الله: تقع واحدة.
إذا قال لامرأته ولم يدخل بها: أنت طالق طالق إن دخلت الدار بانت بالأولى ولم تتعلق البائنة بالدخول، ولو كان معطوفًا فقال أنت فقال: طالق وطالق إن دخلت الدار أو طالق إن دخلت تعلقا جميعًا بالدخول لأنه كما ذكر بحرف الواو علم أن عرض الزوج من الأول التعليق والأول ناقصى في معنى التعليق فتوقف أول الكلام على آخره وتعلق الكل بالشرط دفعة واحدة فيما لم يذكر حرف العطف لم يظهر إن عرض المتكلم من أول التعليق فنفى الأول يتخير فبانت بالأولى لا إلى عدة وعلقت الثانية لأن تعليقها حصن في غير الملك.
إذا قال لها ولم يدخل بها إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق فدخلت الدار تقع واحدة عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما: تقع الثلاث ولو قدم الجزاء فقال: أنت طالق وطالق وطالق إن دخلت الدار فدخلت الدار تقع الثلاث بلا خلاف والمسألة معروفة.
ولو قال لها: أنت طالق ثم طالق ثم طالق إن دخلت الدار فعند أبي حنيفة رحمه الله تقع عليها واحدة للحال، وثنتين بها ويبطل ما بعد ذلك من الكلام، وعندهما يتوقف الكل على وجود الشرط وإذا وجد الشرط تقع الثلاث هكذا ذكر المسألة في (النوازل) وذكر القدوري رحمه الله أن على قولهما إنما تقع الثلاث عند وجود الشرط بعدما دخل الزوج بها أما إذا وجد الشرط قبل أن يدخل الزوج بها تقع واحدة وهو الأشبه.
وجه قولهما: أن كلمة ثم من حروف العطف كالواو والفاء إلا أنه يقتضي العطف على التراخي فلاقتضائه العطف قلنا تتعلق الكل بالشرط وباعتبار اقتضاء به التراخي قلنا تأخر البائنة، والبائنة عن الأول وقوعًا، ولأبي حنيفة رحمه الله أن خاصة هذه الكلمة التراخي وقد دخلت على اللفظ فيجب إظهار التراخي في نفس اللفظ وذلك فإن يتراخى تعليق الثاني عن الأول، وعلى هذا الاعتبار يقع الفصل بين الأول والثاني فصار كما لو فصل بينهما بالسكوت وهناك الجواب كما قلنا فهاهنا كذلك.
والحاصل: أنهما يظهران التراخي في الوقوع دون التعليق وأبو حنيفة رحمه الله أظهر التراخي في التعليق دون الوقوع، ولو قدم الشرط فقال: إن دخلت الدار فأنت طالق ثم طالق ثم طالق تعلق الأول بالدخول ووقعت الثانية ولغُيت الثالثة عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما: يتوقف الكل على وجود الشرط وإذا وجد الشرط تقع واحدة والكلام في هذا الفصل بناء على ما ذكرنا في الفصل المتقدم أنهما يظهران التراخي في الوقوع، وأبو حنيفة رحمه الله يظهر التراخي في التعليق.
وفي (نوادر هشام) عن محمد رحمه الله: إذا قال لامرأته: أنت طالق واحدة حتى تبين بثلاث وهوينوي ثلاثًا طلقت ثلاثًا واحدة بعد واحدة بعد أخرى، ولو قال لها: أنت طالق حتى تبين بثلاث فهي ثلاث فيما أظن الشك من هشام، وفي باب اللفيف من (المنتقى) أنت طالق حتى تحرمي حتى تبين لكن تبين لثنتين أنها واحدة وإن نوى ثلاثًا فهي ثلاث، وعن أبي يوسف رحمه الله إذا قال لها: أنت طالق حتى تشكل ثلاث تطليقات فهي طالق ثلاثًا ولا تدين في القضاء على إبطال ابن سماعة عن أبي يوسف رحمه الله إذا قال لامرأته: أنت طالق وبائن أو قال لها: أنت طالق ثم بائن وقال: لم أنو بقول بائن شيئًا فهي طالق تطليقة رجعية، ولو ذكر بحرف الفاء وباقي المسألة بحالها فهي تطليقة ثانية.
وفي (المنتقى): إذا طلق امرأته ولم يدخل بها ثنتين ثم قال:... طلقها واحدة قبل الثنتين فأنا لا أبطل عنه الثنتين وألزمه التي أقر بها فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره.
إذا قال لامرأته ولم يدخل بها أنت. طالق واحدة قبل واحدة أو بعدها واحدة طلقت واحدة، ولو قال قبلها واحدة أو مع واحدة أو معها واحدة أو بعد واحدة وقعت ثنتان، والأصل في تخريج هذه المسائل أن كلمة قبل إذا دخلت بين اسمين إن كانت مذكورة بحرف الهاء كانت القبلية صفة للمذكور آخرًا، وإن كانت مذكورة بدون حرف الهاء كانت القبلية صفة للمذكور أولًا بقول الرجل: جاءني زيد قبله عمرو وكانت القبلية صفة لعمرو وتقول جاءني زيد قبل عمرو وكانت القبلية صفة لزيد وكلمة بعد مقتضاها على... مقتضى كلمة قبل وكلمة مع للقران ذكرت بالهاء أو بغير الهاء فتقول في كلمة مع يستوي الجواب بين أن يكون مذكورة بالهاء أو بغير الهاء لأن كلمة مع للقران فاقتضى وقوع التطليقتين معًا على غير المدخول بها، وعن أبي يوسف رحمه الله إذا قال معها واحدة تقع واحدة، والصواب ما ذكرنا. وفي كلمة قبل وبعد يختلف الجواب بالذكر مع الهاء وبغيرالهاء، وإذا قال: لها أنت طالق واحدة قبل واحدة فالقبلية صفة المذكور أولًا فسبق الأول في الوقوع وبانت لا إلى غيره فلا تقع البائنة وإذا قال قبلها واحدة والقبلية صفة المذكور آخر وليس في وسعه تقديم الآخر على الأول إما في وسعه القران فيثبت من قصده قدر ما كان في وسعه وهو القران فتقعان معًا، وإذا قال لها: أنت طالق واحدة بعد واحدة فالتعدية صفة للمذكور أولًا فاقتضى وقوع الأول بعد الثاني وليس في وسعه ذلك أما في وسعه القران فتقعان معًا، وإذا قال: واحد بعدها واحدة فالتعدية صفة المذكور آخرًا وهو كان موصوفًا بهذه الصفة من غير وصفه ولم يرد ذلك إلا بكل كذا وبعدما وقع الأول لا يتصور وقوع الثاني قبل الدخول.
وفي (المنتقى): وقال أبي يوسف رحمه الله في رجل قال لامرأته ولم يدخل بها أنت واحدة بعدها واحدة إن دخلت الدار بانت بالأولى ولم يلزمها اليمين لأن هذا منقطع، ولو قال لها: أنت طالق واحد قبل واحدة إن دخلت الدار لم تطلق حتى تدخل الدار، وإذا دخلت طلقت واحدة، ولو قال لها: أنت طالق واحدة أو معها أو مع واحدة أو معها واحدة إن دخلت الدار لم تطلق حتى تدخل: وإذا دخلت تقع عليها ثنتان، ولو قال لها: أنت طالق واحدة وبعدها أخرى إن دخلت الدار لم تطلق حتى تدخل وإذا دخلت وقع عليها ثنتان وهذا وقوله واحدة وواحدة سواء.
ولو قال لها ولم يدخل بها أنت طالق أحد وعشرون تقع الثلاث عند علمائنا رحمهم الله الثلاثة خلافًا لزفر رحمه الله، ولو قال أحد عشر تقع الثلاث في قولهم والوجه لعلمائنا الثلاثة أن قوله أحد وعشرون كلام واحد كقوله وأحد عشر فلا يحكم بأوله قبل آخره حتى يقال تبين بواحدة بأول الكلام فيصدقها العدد الآخر وهي مثابة.
وإنما قلنا: أنه كلام واحد فإن من أراد أن يعبر عن واحدة وعشرين لا يمكنه أن يعبر عنها بعبارة أوجز من هذا في عرف الاستعمال ويجعل كلامًا وأحد عشر وقت واحدة لأنه يمكنه أن يأتي باللفظ المعتاد وبعبارة أوجز من هذا وجعل العددين شيئًا واحدًا يكون بطريق الضرورة والضرورة تندفع بالمعتاد فينبغي ما وراء المعتاد مردودًا إلى أصل القياس وهما عددان في الحقيقة، ولو قال: واحد ومائة وواحد وألف كانت واحدة في رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله وقال أبو يوسف رحمه الله تقع الثلاث، ولو قال واحدة ونصفًا وقع عليها ثنتان، ولو قال نصفًا وواحدة وقعت واحدة عند محمد رحمه الله خلافًا لأبي يوسف رحمهما الله. ابن سماعة في (نوادره) عن أبي يوسف رحمه الله رجل وامرأتان لم يدخل بهما فقال امرأتي طالق امرأتي طالق قال: أردت واحدة منهما لا أصدقه وأبنتهما منه، وكذلك لو قال: امرأتي طالق وامرأتي طالق، ولو كان قد دخل بهما وما في المسألة بحالها منه أن يوقع الطلاقين على أحديهما والله أعلم.

.نوع آخر في إيقاع الطلاق بعدد ما له عدد وما لا عدد له وفي البينةالواقع بما له عدد وما لا عدد له:

إذا قال لها أنت طالق مثل عدد كذا لشيء لا عدد له كالشمس والقمر وما أشبه ذلك فهي واحدة بائنة لقول أبي حنيفة رحمه الله وعند أبي يوسف رحمه الله: تقع واحدة رجعية لأنها لما شبهه بعدد ما لا عدد له لما ذكر العدد وبقي قوله: أنت طالق، والواقع واحدة رجعية ولأبي حنيفة رحمه الله أنه وصف الطلاق بضرب من الزيادة فليس بعذر إظهار الزيادة من حيث العدد أمكن إظهارها من حيث وصف البينونة فيجب إظهارها.
فروي عن أبي يوسف رحمه الله رواية أخرى أنه تقع واحدة بائنة كما هو قول أبي حنيفة رحمه الله، ولو قال أنت طالق عدد شعر بطن كفي فهي طلقة واحدة لأنه لا شعر على بطن كفه فلا يكون بذكر هذا العدد موافق العدد، كذلك وإذا قال عدد ما في كفي من الدراهم وليس في يده شيء تقع طلقة واحدة.
وكذا إذا قال عدد ما في هذا الحوض من السمك وليس في الحوض سمك، وكذلك لو قال بعدد كل شعرة على جسد إبليس تقع واحدة حتي يُعلم على جسد إبليس شعر.
ولو قال: أنت طالق عدد شعر رأسي أو عدد شعر ظهر كفي وقد كان حلق ظهر كفه أو رأسه قبل هذه المقالة طلقت ثلاثًا لأنه شبه الواقع بعدد شعر الرأس وبعدد شعر الكف وشعر ظهر الكف وشعر الرأس ذو عدد في نفسه، وإن لم يكن موجودًا بالحال ويصير موقعًا للعدد بخلاف ما لو قال عدد ما على رأسي من الشعر أو عدد ما على ظهر كفي من الشعر لأن هناك شبهة الطلاق بالعدد الموجود حيث قال: عدد ما على ظهر كفي من الشعر وإذا لم يكن موجودًا لفي ذكر العدد.
ولو قال لها أنت طالق كعدد النجوم أو مثل عدد النجوم أو كالنجوم أو كالرمل فهي واحدة بائنة كذا رواه ابن سماعة عن محمد رحمه الله، وفي رواية أخرى عنه أنها واحدة رجعية.
ولو قال: عدد النجوم فهو ثلاث وفي (الجامع الصغير) إذا قال لها أنت طالق كألف فهي واحدة بائنة إلا أن ينوي ثلاثًا لأن الشيء قد شبه الألف لزيادة قوة كما في قوله رب واحد لعدل الألف زائدة وقوة الطلاق بالبينونة فهذا يقتضي وقوع واحدة بائنة وقد يشبه به لكثرته وهذا يقتضي وقوع الثلاث لأن الثلاث كثير لأن الواحدة أدنى وقيد الإطلاق يقع واحدة، وإذا نوى ثلاث صحت نيته، وفي (القدوري) إذا قال لها أنت طالق كألف وإن نوى ثلاثًا فثلاث وإن نوى واحدة أو لم يكن له بينة فهي واحدة بائنة لقول أبي حنيفة رحمه الله وأبي يوسف الآخر رحمه الله، وقال محمد رحمه الله هي ثلاث ولا تدين في الحكم وتبين بما ذكر القدوري رحمه الله أن المذكور في (الجامع الصغير) قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وجه قول محمد رحمه الله: ما ذكره القدوري أن هذا يشتبه من حيث العدد لأن الألف عدد واقتضى التشبيه بعدده كما لو قال أنت طالق كعدد ألف بخلاف ما لو قال أنت طالق واحدة كألف لأنه صرح بالواحدة علمًا أنه أرادا به التشبه في الشدة والقوة دون العدد وتقع واحدة لهذا ولا تقع الثلاث وإن نوى لأن الواحدة لا تحتمل العدد ومن نوى ما لا يحتمله لفظه لا يعمل بنية، ولو قال أنت طالق كعدد ألف أو ثلاث فهي ثلاث في القضاء.
ذكره في (القدوري) أيضًا: لأنه لما صرح بالتشبيه من حيث العدد لم يبق لاحتمال التشبيه من حيث القوة غيره، وإذا قال لها: أنت طالق مثل عظم رأس الإبرة أو قال مثل الجبل أو قال مثل حبة الخردل فلأصل عند أبي حنيفة رحمه الله في حبس هذه المسائل أنه إذا شبه الطلاق بشيء عظيم أو صغير يقع بائن أي شيء كان المشبه به سواءً ذكر العظيم أو لم يذكر والأصل عند زفر رحمه الله أنه متى شبه الطلاق بشيء عظيم يكون بائن ومتى شبهه بشيء صغير حقير يكون رجعيًا ذكر العظم أو لم يذكر.
والأصل عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله أنه متى ذكر العظم باللفظ يكون بائنًا وإن كان المشبه به صغيرًا أو من لم يذكر العظم باللفظ وشبهه بشيء عظيم أو شيء صغير حقير إن كان له حدة يكون بائنًا وإن لم يكن له حدة يكون رجعيًا بناه في مسائل إذا قال لها أنت طالق عظم سمسم أو عظم الخردل.
وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تقع تطليقة بائنة إعتبار للعظم ذكرًا. وعند زفر رحمه الله تقع واحدة رجعية في مسألتين اعتبارًا لصغر المسمى ولو قال مثل رأس الإبرة تقع واحدة بائنًا عندهما لأن له حدة ولو قال مِثْلًا لسمسم تقع واحدة رجعية إذ ليس له حدة وأنه صغير وعند زفر رحمه الله تقع واحدة رجعية في المسألتين جميعًا إعتبارًا لصغر المسمى، ولو قال: مثل الأساطين أو التراب أو الجبال عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تقع تطليقة رجعية.
وعند زفر رحمه الله تقع واحدة بائنة، وعند أبي حنيفة رحمه الله تقع واحدة بائنة في هذه الفصول كلها للأصل الذي ذكره. ذكر بعض مشايخنا قول محمد رحمه الله مع أبي يوسف رحمه الله على نحو ما بينا وبعضهم قول محمد مع أبي حنيفة رحمهما الله، وإذا قال لها أنت طالق مثل سبحة دانق طلاق تقع واحدة لأنها سبحة واحدة فقد شبه الواقع بالواحدة فتقع واحدة، ولو قال مثل سبحة دانق ونصف وفارسية تقع ثنتان لأن سبحة دانق ونصف وفارسية دانكم سبيك تقع ثنتان لأن سبحة دانية ونصف سبحتان من حيث العدد فقد شبه الواقع بعددين فتقع ثنتان، ولو قال يتم درم سيك تقع واحدة لأن سبحة ونصف درهم في العرف واحدة، ولو قال صار دانك سنك تقع تطليقتان لأن له سبحتان في العرف، ولو قال جهاردانك ديتم سنك تقع ثلاث بثلث سبحات في العرف فقد يك شبه الواقع بالثلاث.
والحاصل: أن التعديل على عدد السبحات المتعارفة فيما بين الناس.
ولو قال لها أنت طالق هكذا وأشار بإصبع واحدة فهي واحدة وإن أشار بثنتين فهي ثنتان وإن أشار بالثلاثة فهي ثلاث لأن الإشارة بالأصابع بمنزلة التصريح بالعدد وإن أشار بثلاثة أصابع وقال: عنيت بهذه الإشارة التشبيه بالكف دون الأصابع لا يصدق قضاء لأنه خلافًا للظاهر لأن الظاهر فيما بين الناس أنهم يريدون بهذه الاشارة تنقض الأصابع والتشبيه بالأصابع دون الكف ومن المتأخرين من قال: إذا جعل ظهر الكف. إليها والأصابع إلى نفسه صدق قضاءٍ.
ولو قال: عنيت اثنتين بالأصبعين اللتين عقدتهما لا يصدق في القضاء وتقع ثلاث تطليقات لأنه نوى خلاف الظاهر فالظاهر فيما بين الناس أنهم يريدون الإشارة بالأصابع المنشورة دون المعقودة بعض مشايخ بلخ قالوا: إنما لا يصدق قضاء إذا كانت الأصابع كلها معقودة قبل الإشارة نضف ثلاثًا منها وقال: أنت طالق هكذا، وقال أعني بها الأصابع المعقودة أما إذا كانت الأصابع كلها منشورة عقد ثنتين منها وقال: أنت طالق هكذا وقال عنيت به الأصابع المعقودة يصدق قضاءً لأنه ادعى المعتاد لأن المعتاد فيما بين الناس أنهم يريدون الإشارة بما أخذ فوافقه الحركة فإذا كانت الأصابع كلها منشورة وعقد ثنتين منها، وإنما أخذت الحركة في المعقودة فكان مدعيًا هو المعتاد فيصدق قضاء ولكن هذا الخلاف رواية محمد رحمه الله.
قال محمد رحمه الله في (الأصل): إذا قال عنيت اثنتين بالاصبعين اللتين عقدت لا يصدقه القاضي وقوله عقدت يقتضي أنها كانت منصوبة من قبل وإن أشار بالأصابع كلها فقال أنت طالق ولم يقل هكذا تقع واحدة لأن الإشارة بالأصابع محتملة بين أن تكون نسبة الواقع بها وبين أن تكون للكناية عن المرأة تأكيدًا لقوله أنت فيقع الشك في وقوع ما زاد على الواحدة بخلاف ما إذا قال: هكذا لأنه إذا قال هكذا؛ فقد نص على التشبيه والظاهر يشبه الطلاق بها دون المرأة لأن الطلاق يتعدد في نفسه دون المرأة.
ولو قال: لها أنت طالق من هنا إلى الشام فهي واحدة رجعية لأنه وضعها بالمصر لأن الطلاق إذا وقع يقع في جميع الدنيا فإذا قال إلى الشام فقد وصفه بالمصر ومصره يكون من حيث الحكم والمصر من حيث الحكم هو الرجعي.
إذا قال لها: أنت طالق طلاق ملء الدار فإن نوى ثلاثًا فهي ثلاث وإن نوى واحدة أو ثنتين أو لم يكن له نية فهي واحدة بائنة لأن الطرف قد يمتلئ من الشيء بضخامته وقد يمثل به لكثرته ونفس الطلاق لا يوصف بالغلط فأما حكم يوصف بالغلط وهو البينونة فإذا لم ينو شيئًا تقع واحدة بائنة؛ لأنه أدنى، وإذا نوى الثلاث تصح نيته لأن اللفظ يحتمله.
وإذا قال لها: أنت طالق واحدة بملء الدار فهي واحدة بائنة لأنه لما نص على الواحدة نص على الواحدة ووصفها بملء الدار علمًا أنه إذا أراد ملء الدار من حيث الضخامة والغلظ، وإذا قال: لها أنت طالق لونين من الطلاق فهما تطليقتان تملك الرجعة ولو قال لها: ثلاثة ألوان فهي ثلاثة فكذلك إذا قال ألوانًا من الطلاق فهي طلاقًا ثلاثًا وإن نوى ألوان الحمرة والصفرة فله بينة فيما بينه وبين الله تعالى وكذلك إذا قال: ضروبًا أو أنواعًا أو وجوهًا من الطلاق.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن أبي يوسف رحمه الله أنت طالق واحدة يكون ثلاثًا أو يصير ثلاثًا أو يعود ثلاثًا فهو ثلاث، وكذلك إذا قال: يتم ثلاثًا، ولو قال لها أنت طالق كماهي ثلاثًا وثالث فهي ثلاثة، ولو قال لها: أنت طالق آخر ثلاث تطليقات فهي واحدة، ولو قال: أطلقك آخر ثلاث تطليقات طلقت ثلاثًا إذا قال لها: تراسيار طلاق ولا نية له تقع تطليقتان لأن الشيء إذا ضم إلى الشيء يصير كثيرًا ويكثر أكثر فأكثر كثير الطلاق ثلاث الكثير ثنتان هكذا ذكر في (فتاوى أهل سمرقند).
وفي (البقالي): إذا قال لها: أنت طالق قال؛ لأن الثلاث إذا نصف كان نصفه الأكثر ثنتان من القاضي فخر الدين رحمه الله عامة الطلاق أو قال: هل الطلاق منهما تطليقتان ولو قال أكثر الطلاق فهو ثلاث، ولو قال: كل الطلاق فهو واحدة ولو قال أكثر الطلاق فهو ثلاث. ولو قال: كل الطلاق فهو واحدة ولو قال أكثر الثلاث فهو ثلثان وأخرى فهي واحدة ولو قال: أنت طالق، ولو قال: أنت طالق طالق الطلاق كله فهو ثلاثة وكذلك إذا قال كل طلقة، ولو قال عددًا من الطلاق فهو ثنتان وكذلك إذا قال عدد الطلاق، ولو قال عدة الطلاق فهو ثلاث.
ولو قال أنت طالق واحدة وأخرى فهي ثنتان، ولو قال: أنت طالق غير واحدة فهي ثنتان ولو قال غير ثنتين فهي ثلاث.
وروى ابن سماعة عن أبي يوسف رحمه الله في قوله أنت طالق غير واحدة أنها واحدة إلا أن ينوي، ولو قال لها: أنت طالق لا قليل فلا كثير. حكي عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل رحمه الله أنه تقع واحدة قال؛ لأن الطلاق لا يوصف بالقلة والكثرة فلما ذكر القلة أو الكثرة ففي قوله أنت طالق وهكذا حكي عن الفقيه أبي بكر البلخي رحمه الله، واختيار الصدر الشهيد رحمه الله على أنه تقع الثلاث لأنه لما قال أولًا لا قليل فقد قصد إيقاع الثلاث لأن الثلاث هو الكثير فلا يعمل بعد ذلك قوله فلا كثير، فعلى هذا لو قال لا كثير ولا قليل تقع واحدة.
وحكي عن الفقيه أبي جعفر الهندواني رحمه الله أنه يقع ثنتان وهو الأشبه؛ لأن الثنتان كثير على ما ذكرنا فإذا قال لا قليل بعد قصد إيقاع الثنتين فلا يعمل بعد ذلك قوله ولا كثير.

.نوع آخر في إلحاق العدد بالإيقاع وفي نية العدد:

إذا قال لها: أنت طالق فسكت ثم قال ثلاثًا فإن كان سكوته لانقطاع النفس وقع الثلاث لأن الفصل هنا غير معتبر وإن كان سكوته ليس لانقطاع النفس لا تقع إلا واحدة لأن الفصل هنا معتبر هكذا ذكر في (النوازل).
ولو قال لها: أنت طالق فقيل له بعدما سكت ثم قال ثلاثًا قال أبو يوسف رحمه الله: كانت طالقًا ثلاثًا هكذا ذكر في (العيون) فيحتمل أن يكون هذا قول أبي يوسف رحمه الله خاصة بناءً على ما روى عنه أن من قال لامرأته: أنت طالق ونوى الثلاث أنه يصح ويحتمل أن هذا قول أبي حنيفة رحمه الله أيضًا على أن من طلق امرأته واحدة ثم قال جعلها ثلاثًا قال الصدر الشهيد رحمه الله وهو الظاهر.
رجل قال لامرأته: ترا طلاق أو قال دامت طلاق ونوى الثلاث يصح وتقع الثلاث بخلاف ما إذا قال لها: أنت طالق ونوى الثلاث؛ لأن قوله طالق نعت فرد ونعت الفرد لا يحتمل العدد وأما الطلاق مصدر والمصادر أسماء الأجناس واسم الجنس يتناول الأدنى ويحتمل الكل فعند انعدام البينة تنصرف إلى الواحدة وإذا نوى الثلاث فقد نوى ما يحتمله لفضله.
وفي (الأصل): إذا قال لها: أنت طالق لا يقع إلا واحدة وإن نوى الثلاث، ولو قال أنت الطلاق ونوى الثلاث تقع الثلاث ولو قال: أنت طالق الطلاق كله تقع الثلاث وإن لم ينوِ الثلاث ومن المشايخ من يشترط نية الثلاث لوقوع الثلاث وهو قول عيسى بن أبان. وإذا قال لها: طلقي نفسك ونوى الثلاث صحت نيته حتى لو طلقت نفسها ثلاثًا تقع الثلاث لأن معنى كلامه افعلي فعل الطلاق أوقعي الطلاق على نفسك كما أن معنى قوله اضرب افعل فعل الضرب والطلاق مصدر والتقريب ما ذكرنا.
ولو قال لها: أنت طالق طلاقًا ولا نية لم تقع واحدة ولو نوى الثلاث صحت نيته ولو نوى الثنتين لا تصح لأن المصدر يحتمل الكل ظظاما لا يحتمل العدد والثنتان عدد فلم تصح نية الثنتين في الطلاق وصحة نية الثلاث فيه أجدى ولو نوى بقوله أنت طالق واحدة وبقوله طلاقًا أخرى تصح نيته وتقع ثنتان هكذا ذكر القدوري في كتابه يصير تقدير المسألة أنت طالق أنت طالق طلاقًا.

.نوع آخر في إيقاع بعض التطليقة:

إذا قال لامرأته: طالق ثلاثة أيضًا تطليقتين يقع عليه ثلاث تطليقات هكذا ذكر في (الجامع الصغير) فاعلم بأن من هذا الجنس مسائل:
أحدها: إذا قال لها أنت طالق نصفي تطليقة تقع تطليقة واحدة لأن نصفي تطليقه تكون تطليقة واحدة كنصفي درهم يكون درهمًا واحدًا.
الثانية: إذا قال لها: أنت طالق ثلاثة أيضًا وتطليقة تقع تطليقتان لأن ثلاثة أنصاف تطليقة، تطليقة ونصف فكأنه قال لها: أنت طالق تطليقة ونصف.
الثالثة: أن يقول: أنت طالق أربعة أنصاف تطليقة تقع تطليقتان لأن أربعة أنصاف تطليقة تطليقتان كما أن أربعة أنصاف درهم درهمان فصار كأنه قال: أنت طالق تطليقتين.
الرابعة: أن يقول: أنت طالق نصف تطليقتين فهي واحدة لأن نصف تطليقتين طلقة فكأنه قال لها: أنت طالق تطليقة.
الخامسة: أن يقول: لها أنت طالق تطليقتان. السادسة: إذا قال لها أنت طالق ثلاث أنصاف تطليقتين نصفي تطليقتين تقع تطليقتان لأن نصفي تطليقة طلقة فيكون نصفي تطليقتين تطليقتان وكأنه قال لها: أنت طالق تطليقتان.
السادسة: إذا قال لها: أنت طالق ثلاث أنصاف تطليقتين تطليقتين وهي مسألة (الجامع الصغير) والجواب فهذا ما ذكرنا أنه يقع ثلاث تطليقات لأن التطليقتين نصف وهو يكون ثلاث تطليقات ضرورة.
السابعة: إذا قال لها أنت طالق نصف ثلاث تطليقات تقع تطليقتان لأن نصف الثلاث تطليقة ونصف فكأنه قال لها: أنت طالق تطليقة ونصف.
الثامنة: إذا قال لها: أنت طالق نصفي تطليقات طلقت ثلاثًا؛ لأن لثلاث تطليقات نصف وذلك طلقة ونصف وطلقة ونصف مرتين يكون ثلاث تطليقات.
وإذا قال لها: أنت طالق نصف تطليقة وثلث تطليقة والسدس تطليقة تقع ثلاث تطليقات لأن... إذا كررت كانت البائنة غير الأول فيكون موقعًا ثلث، تطليقة أخرى وسدس تطليقة أخرى، ولو قال نصف تطليقة وثلثها وسدسها تقع واحدة؛ لأنه أضاف الثلث وسدس والنصف إلى الموقعة والواحدة الموقعة تقع لجميع أجزائها فلا يتصور إيقاع شيء بها مرة أخرى هكذا ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في (شرحه): وبه كان يفتي ظهير الدين المرغيناني رحمه الله.
وذكر الصدر الشهيد رحمه الله في (واقعاته): إذا قال لها: أنت طالق نصف تطليقة ونصف تطليقة ووقع تطليقة تقع ثنتان هو المختار؛ لأنه متى جمع هذه الأخرى تزداد على الواحد فعلى قياس ما ذكر الصدر الشهيد رحمه الله ينبغي في قوله أنت طالق نصف تطليقة وثلث تطليقة وسدس تطليقة أن تقع تطليقة واحدة لأنه متى جمع بين هذه الأخرى لا تزداد على الواحدة ولو قال نصف تطليقة وثلثها وربعها وقعت ثنتان هكذا ذكر الحسن بن زياد رحمه الله لأنه زاد على آخر الواحدة لابد وأن تكون الزيادة من طلقة أخرى، وبعض مشايخنا قالوا: تقع واحدة وإليه مال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي رحمه الله، ولو قال لها: أنت طالق واحدة ونصف أو قال واحدة وربع أو ما أشبه ذلك تقع ثنتان، ولو قال واحدة ونصفها أو قال واحدة وربعها تقع واحدة.
والفرق أن في المسألة الأولى ذكر نصفًا مطلقًا وربما مطلقًا فاقتضى ذلك تطليقة بائنة، وفي المسألة الثانية ذكر النصف والربع مضافًا إلى الواحدة الموقعة لكون الهاء كناية عن المذكور أولًا وقد وقعت الأولى تحملها فلا يتصور إيقاعها بائنًا.
ذكر القدوري رحمه الله في (شرحه) إذا قال الرجل لأربع نسوة له بينكن تطليقة طلقت كل واحدة واحدة لأن كلمة بين كلمة تقسيم وتشريك فتصير التطليقة مقسومة بينهن فيصيب كل واحد منهن ربع تطليقة وإيقاع بعض التطليقات إيقاع الكل.
وكذا إذا قال بينكن تطليقتان أو ثلاثة أو أربعًا، فروى الحسن بن زياد عن أبي يوسف رحمه الله، لو قال لامرأتين له جعلت بينكما تطليقتين أو قسمت بينكما تطليقتين تطلق كل واحدة ثنتين وكأنه قال: إن كل تطليقة تقسم بينهن على حدة وعلى قياس هذا ينبغي أن تقع على كل واحدة ثلاث تطليقات في قوله ثلاثًا أو أربعًا وهو قول زفر رحمه الله.
ولكن نقول الأصل في العددي المتفاوت قسمت الجملة والطلاق من جملة الاعداد المتقارب ولو قال بينكن خمس تطليقات طلقت كل واحدة ثنتين لأن الخمس إذا قسم بين الأربع نصيب كل واحدة تطليقة وربع فيه كامل الربع فتصير تطليقتان وكذا الجواب فيما زاد على الخمس إلى الثمانية وعلى قياس قول أبي يوسف رحمه الله: تقع على كل واحدة ثلاث تطليقات لأن نصيب كل واحدة طلقتان وربع والله أعلم.

.نوع منه:

في قوله: أنت علي حرام وما يتصل به إذا قال لامرأته: أنت علي حرام فإنه يسأل عن بينته قال نوى الطلاق يسأل كم نوى ثلاثًا قبلت وإن نوى واحدة فواحدة بائنة وإن نوى ثنتين فهي واحدة بائنة أيضًا وهذا لأن الحرمة نوعان:
حقيقة: وهي التي تثبت بالواحدة البائنة.
وغليظة: وهي التي تثبت بالثلاث فأي ذلك نوى فقد نوى ما يحتمله لفظه هذا المعنى معدوم في البينتين فنفى هدايته العدد وهذا اللفظ لا يحتمل العدد حتى لو كانت المرأة أمة تصح نية الثنتين لا يلزم على هذا ما إذا طلق امرأته الحرة واحدة ثم قال لها: أنت علي حرام ينوى ثنتين حيث لا يصح هذه النصيحة لأن هناك الحرمة المغلظة لا يحصل بهما بل يحصل بهما وبما تقدم هي هذا مجرد نية العدد حتى لو قال لها بعدما طلقها واحدة أنت علي حرام ونوى الثلاث تصح نيته وتقع تطليقتان آخر بأن نص على هذا محمد رحمه الله في آخر بأن ما تقع به الفرقة مما يشبه الطلاق.

.الفصل الخامس: في الكنايات:

هذا الفصل يشتمل على أنواع.
وإن نوى الطلاق في قوله: أنت علي حرام ولم ينو العدد فهي واحدة وإن لم ينو الطلاق فهو يمين نوى اليمين أو لم ينو لأن تحريم الحلال يمين غير أن اليمين في الزوجات إيلاء فإن قربها كان عليها الكفارة وإن لم يقربها حتى مضت أربعة أشهر بانت بالإيلاء فلا وكذلك هذا الحكم في جانب المرأة إذا قالت لزوجها أنت علي حرام أو قالت أنا عليك حرام كان يمينًا وإن لم ينو كما في جانب الزوج حتى لو مكنت زوجها الإيلاء حنثت في يمينها ولزمها الكفارة محفوظ عن أصحابنا رحمهم الله في (النوادر) وإن قال الرجل أردت بهذا الكلام الإيك فهو وما لو قال أردت اليمين سواء وإن قال: نويت الظهار فعلى قول محمد رحمه الله لا يكون ظهارًا وعندهما يكون ظهارًا وإن قال نويت بهذا الكلام الكذب فهو كذب فلا حكم له ويصدقه القاضي لأنه فسر لفظه بما يقتضيه ظاهره وهو نظير ما لو قال لامرأته: أنت حرة فقال أردت نفيها بالحرية لا الطلاق، يدين في القضاء هكذا ذكر شمس الأئمة الحلواني رحمه الله، وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله قالوا: لا تصدق في القضاء.
وفي (المنتقى): إذا قال لها أنت علي حرام ثم قال: عنيت به الكذب لم يصدق في إبطال الإيلاء قضاء ويدين فيما بينه وبين الله تعالى، ولوقال كل حل علي حرام فإنه يسأل عنه النية فإن نوى اليمين أو لم ينو شيئًا بعينه كان يمينًا وتنصرف إلى الطعام والشراب ولا تدخل فيه امرأته به إلا بالنية استحسانًا هكذا قال محمد رحمه الله في (الكتاب)، وحكي عن مشايخ بلخ أنه تدخل فيه امرأته أيضًا وإن لم ينوها لأن العرف قد مشى فيما بينهم أنهم يريدون بهذه اللفظة النساء، قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله حتى لو فشى هذا العرف فيما بينا أيضًا دخلت امرأته في اليمين من غير الله وبعض مشايخ زماننا.
وفي قوله حلال بر من حرام هرجه حلال است مرا بر من حرام أنه ينصرف إلى الطلاق من غير نية لأنه علة استعمال هذا في النساء ثم على ما هو جواب محمد رحمه الله إذا نوى امرأته حتى دخلت فيه امرأته لا يخرج الطعام والشراب من اليمين فيحنث إذا أكل أو شرب أو قرب امرأته وتلزمه الكفارة ويصير تقدير المسألة كأنه قال والله تناول النساء والطعام والشراب، وإذا تناول شيئًا من الطعام والشراب حنث في يمينه وانقضى حكم يمينه حتى لو قرب امرأته بعد ذلك لا يحنث في يمنه أن يتناول شيئًا قليلًا أو كثيرًا من الطعام والشراب بخلاف ما إذا قال والله لا آكل هذا الطعام أو الشراب وذلك مما يستوفيه واحد، فإن هناك لا يحنث في يمينه ما لم يستوف جميع ذلك.
والفرق: أن هناك الحنث بحكم الشرط، والحرمة تثبت ضرورة كون الأكل والشرب شرطًا والحالف جعل أكل كل الطعام وشرطا، والمعلق بالشرط لا ينزل عند وجود بعضها وأما هاهنا الحرمة لموجب التحريم وضرورته شرطًا كان ضرورة تنوب الحرمة، والحرمة إذًا ثبتت للمعنى صار كل جزء جوابًا، فصار الحلال اليمين وجوب الكفارة معلقًا يناول جزءًا منه فكذلك لا يدخل في هذا اليمين اللباس إلا بالنية وإذا نوى اللباس حتى دخل اللباس تحت اليمين لا يخرج الطعام والشراب عن اليمين فإنه ليس شيئًا من الملبوسات حنث في بيمنيه فتلزمه الكفارة وينقضي حكم اليمين.
والحاصل: أنه إذا لم ينو في هذه اليمين شيئًا بعينه من الحلال فيمينه على الطعام والشراب خاصة، وإن كان اللفظ عامًا صالحًا يناول جميع الحلال به لأنه مقصود الحالف من اليمين البر دون الحنث، ولا تصور للبر إذا حمل على العموم، لأنه حينئذٍ يصير مرتكبًا هو شرط الحنث عقب اليمين؛ لأن التنفيس وفتح العين والقعود والقيام بها أشبه ذلك من الأشياء التي لا يخلو الإنسان عنها تدخل تحت التحريم.
وإذا تعذر اعتبار معنى العموم فدخل على المتعارف وهو الطعام والشراب الذي بهما قوام النفس فلا يدخل تحت التحريم سواهما إلا بالنية، ولو نوى الطعام خاصة أو الشراب خاصة، أو اللباس خاصة، فهو على ما نوى فيما بينه وبين الله تعالى وفي القضاء، أما فيما بينه وبين الله تعالى فإنه نوى ما يحتمله لفظه، وأما في القضاء فلأن عدم التصديق في القضاء لو كان إنما يكون لمراعاة العموم، وقد سقط اعتبار العموم على ما بينا، ولو نوى المرأة خاصة، ذكر شمس الأئمة الحلواني رحمه الله في (شرحه) أن نيته لا تعمل، ويكون يمينه على الطعام والشراب والنساء، وعن أبي حنيفة رحمه الله في فصل التعليق إذا قال الرجل: كل حل حرامٌ إذا دخلت الدار فدخلها، إن هذا على الطعام والشراب خاصة دون ما سواه، وإن نوى، امرأته دون ما سواها فهو كما نوى فليس على الطعام ولا على الشراب، فذكر شيخ الإسلام رحمه الله أنّه يصدَّق ويعمل بنيتهُ، وهكذا ذكر القدوري في (شرحه)، وإن قال نويت بهذا الطلاق في امرأتي فإن نيته تعمل في طلاق امرأته، فيخرج الطعام والشراب من أن يكون مرادًا حتى لو أكل أو شرب بعد ذلك لا يحنث من يمينه، لأن اللفظ واحد، واللفظ الواحد لا يجتمع فيه معنيان مختلفان، ومعنى الطلاق غير معنى اليمين أصلًا، فروى إبراهيم عن محمد رحمه الله وإذا قال: كل حلِّ عليَّ حرام ونوى الطلاق في لسانه واليمين في نعم الله تعالى فهو طلاق ويمين.
وفي (نوادر ابن سماعة): عن أبي يوسف رحمه الله إذا قال لامرأتين له: أنتما عليّ حرام ينوي الطلاق في إحديهما واليمين أي الإيلاء في الأخرى فهما طالقتان فهكذا روي عن محمد رحمه الله أيضًا.
ووجه ذلك: أن اللفظ واحد فلا يحتمل معنيين مختلين فحمله على الأغلظ وهو الطلاق عند عدم إمكان اعتبارهما، وكذلك إذا نوى في إحديها ثلاث تطليقات وفي الأخرى واحدة فهما طالقتان ثلاثًا لأن الحرمة بالثلاث. نوع آخر غير الذي يثبت بالواحدة فلا يجتمعان في لفظ واحد، فحمل على الأغلظ.
وعلى قول أبي حنيفة رحمه الله الأمر كما نوى يقع على إحديهما ثلاث تطليقات وعلى الأخرى واحدة، لأن هذا اللفظ للثلاث حقيقة، والواحدة كالمجاز، لأن الحرمة المطلقة تثبت بالثلاث فصار نظير لفظة النذر، إذا نوى به النذر واليمين، وهناك يكون يمينًا ونذرًا عند أبي حنيفة رحمه الله، خلافًا لأبي يوسف رحمه الله كذا هاهنا.
ولو قال هذه عليَّ حرام وهذه وهو ينوي الطلاق في إحديهما فالإيلاء في الأخرى، فهما طالقتان لأنه كلام واحد حنث، قال وهذه، ولم يقل وهذه علي حرام، والكلام الواحد لا ينتظم معنيين مختلفين فحمل على الأغلظ وهو الطلاق.
ولو قال هذه عليَّ حرام ونوى الطلاق، وهذه عليّ حرام ينوي الإيلاء، فهو كما ينوي، لأنهما لفظان وكلامان، فجاز أن يراد بكل واحد منهما معنى على حدة، ولو قال لأمرأته وأم ولده أنتما علي حرام، ينوي في الحرة اليمين وفي أم الولد الطلاق فهو يمين فيهما.
وعن اسماعيل بن حماد عن أبي يوسف رحمه الله في رجل قال لامرأته وجاريته أعتقتكما ينوي طلاق المرأة وعتاق الأمة قال: تعتق الأمة ولا تطلق المرأة، قال: لأن العتق أغلب لأنه لا يحتاج فيه إلى نية، ولو قال لثلاث نسوة أنتنّ علي حرام ينوي لأحداهن طلاقًا، واليمين في الأخرى، والكذب في الثالثة طلقن جميعًا، هكذا ذكر في (النوازل)، قال الصدر الشهيد رحمه الله في (واقعاته)، وهذا قول أبي يوسف رحمه الله، أما على قول أبي حنيفة رحمه الله يجب أن تكون كما نوى قياسًا على المسألة المتقدمة. ولو قال لها: أنت علي حرام، قال ذلك مرتين ونوى بالمرة الأولى الطلاق وبالمرة الثانية اليمين فهو على ما نوى بالإجماع لأن اللفظ مختلف.
وقد مرَّ جنس هذا، إذا قال حلال الله علي حرام أو قال حلال حرام أو قال: حلال هذا بر من حرام إن فعلت كذا، أو قال حلال المسلمين فهذا كله طلاق بائن، لأن الناس في بلادنا تعارفوا هذا طلاقًا، فصار حكم العرف، كالصريح في هذا الباب فلا يحتاج فيه إلى النية، أو يقال فلا يصدق في ترك النية فبعد ذلك ينظر إن كانت له امرأة وقت الحلف طلقت واحدة بائنة، وإن لم يكن له امرأة وقت الحلف كان يمينًا لأنه تعذر صرفه إلى المرأة فتحق المسألة لأن تحريم الحلال يمين حتى إن من قال لغيره حرام است بوستخن كفتن كان يمينًا حتى لو كلمة تلزمه الكفارة، فكذا هاهنا يكون يمينًا، وتلزمه الكفارة إذا حنث، هكذا ذكر الصدر الشهيد رحمه الله في (واقعاته)، وبه كان يفتي القاضي الإمام شمس الأئمة الأوزخندي رحمه الله، وكان الفقيه أبو جعفر رحمه الله يقول إذا لم يكن له امرأة وقت اليمين، فتزوج امرأة تطلق، ويصير تقدير كلامه كل امرأة أتزوجها فهي طلاق.
وكان نجم الدين النسفي رحمه الله يقول إذا لم يكن له امرأة وقت اليمين يبطل الكلام ولا يحمل هذا يمينًا، لأن هذا الكلام لما تعين للطلاق بحكم العرف صار تقدير كلامه: كل امرأة لي طالق إن فعلت كذا، وليس له امرأة، وهناك لا ينعقد اليمين على قول من يقول إنه لا يكون يمينًا إذا لم يكن له امرأة وقت هذه المقالة إذا عنى التعليق حتى يصير تقدير كلامه: إن تزوجت فهي طالق إن فعلت كذا، هل تصدق في ذلك وهل تصح عنايته، قالوا: ينبغي أن.... وهكذا حكى فتوى شمس الإسلام فسيأتي شيء من هذا الجنس في فصل المتفرقات، ولو قال: حلال الله علي حرام وكذلك في أجناسه، وله أربع نسوة وقعت على كل واحدة تطليقة، هكذا حكي عن الفقيه أبي بكر البلخي، وحكي عن الإمام أبي الحسن الرستفغني رحمه الله، أنه كان يقول فيمن قال: حلّ المسلمين علي حرام، ونوى الطلاق وله امرأتان، أنه يقع على كل واحدة تطليقة.
وفي (فتاوى أئمة بخارى) فيمن قال: حلال الله علي حرام وله امرأتان، قال محمد بن الفضل رحمه الله: إن لم يكن له نية طلقتا جميعًا، وإن نوى أن تطلق إحداهما ثنتين فيما بينه وبين الله تعالى ولا يدين في القضاء وحكى فتوى القاضي الإمام شمس الإسلام الأوزجندي رحمه الله، والشيخ الإمام الخطيب مسعود بن الحسين الكُشاني رحمه الله أنه يقع الطلاق على واحدة منهن وإليه البيان وهو الأظهر والأشبه، وهذا لأن قوله حلال الله علي حرام بمنزلة قوله امرأتي طالق عرفًا ولهذا وقع الطلاق به من غير نية، وفي قوله: امرأتي طالق يقع الطلاق على واحدة منهن والبيان إليه كذا هاهنا إذا قال: هرجه بدست راست كيرم يرمن حرام فهذا طلاق بائن بحكم العرف وقوله هرجه بدست راست كرفته أم نظير قوله هرجه بدست راست كيرم وسيأتي في فصل المتفرقات بخلافه ولو قال: هرجة بدست كيرم أو قال كرفته أم لا يكون طلاقًا لانعدام العرف ولو قال هرجة بدست كيرم فقد قيل: يجب أن يكون طلاقًا لأن اليد اسم جنس. وقيل: لا يكون طلاقًا لانعدام العرف.
سئل نجم الدين رحمه الله عن رجل خلع امرأته ثم تزوجها بعد ذلك، ثم قال لها: بعد ذلك توبي من حرامي بأن خلع قال: يحرم لأنه أخبر أنها حرام عليه الآن بذلك الخلع وإنما يكون حرامًا عليه بذلك الخلع إذا كان ذلك الخلع طلاقًا ثلاثًا حتى لا يصح هذا النكاح، فيكون مقرًا على نفسه بالطلقات الثلاث، وإقراره على نفسه صحيح قيل: له.... يجب لها بحكم هذا النكاح، المسمى في هذا النكاح أو مهر المثل قال المسمى في هذا النكاح لأنه لم يصدق عليها في حق فساد النكاح، وفساد التسمية لأن ذلك حق المرأة فصحت التسمية في نفسها، وحرمت عليه بإقراره الآن بالحرمة. إذا قال لآمرأته: أنت علي حرام ألف مرة تقع واحدة، لأن معنى كلامه مرة بعد مرة.
سئل نجم الدين رحمه الله أيضًا: عن امرأة قالت لزوجها حلال جيراي بدنو حرام قال يروي حرام شودبيك طلاق قال شود لأن قوله لدي يتضمن إعادة كلامها فصار كأن الزوج قال: حلال خذاي من حرام وهو تطليق في عرفنا تغير نية ثم في قوله: حلال خداي. واختار نية إذا وقع الطلاق بغير نية كان الواقع بها ثانيًا اشتراط النية بحكم العرف فبقي فيما ورائه غير صريح، فيجوز أن يكون اللفظ صريحًا في حق حكم كتابه في حق حكم آخر كقوله: اعتدي واستبرئي رحمك وأنت واحدة فقال هذه الألفاظ في حكم الصريح على معنى أن الواقع بها رجعي ولا يقع بها أكثر من واحدة، وهي في معنى الكنايات لافتقارها إلى النية أو دلالة الحال.
وحكي عن شيخ الإسلام علي الإسبيجابي رحمه الله أنه كان يقول في جنس هذه المسائل ينبغي للمعنى أن ينظر في سؤال السائل، إن كان سأل أن قد قلت كذا، هل يكون طلاقًا، تكتب في الجواب نعم إن نويت الطلاق، لأنه لما سأل عن كونه طلاقًا وغير طلاق فقد زعم كونه غير طلاق، وإن كانت تسأل أني قد قلت كذا كم يقع من الطلاق تكتب في الجواب أنه تقع واحدة ولا تتعرض للنية وإنه حسن.
وفي (واقعات الناطقي): إذا قال لها: أنت معي في الحرام فهو كقوله لها أنت علي حرام لأنها إذا حرمت عليه يحرم هو عليها فتكون معه في الحرام، إذا قال لها أنت علي حرام والحرام عنده طلاق لكن لم ينو الطلاق، فهي طالق على قول من يشترط نية الطلاق في هذا اللفظ، لما كان الحرام عنده الطلاق كان ذكره وذكر الطلاق سواء، وكما يصح إضافة التحريم إلى المرأة يصح إضافة الرجل بأن يقول الرجل أنا عليك حرام حرمت نفسي عليك غير أن إضافة التحريم إلى المرأة صحيح من غير ذكر الزوج حتى لو قال لها: حرمتك ونوى الطلاق، يقع الطلاق وإن لم يقل حرمتك على نفسي، وإضافة التحريم إلى الزوج لا يصح من غير ذلك المرأة، حتى لو قال: حرمت نفسي أو قال: أنا حرام، ولم يقل عليك نوى الطلاق لا يقع.
وكذلك يصح إضافة البينونة إلى الرجل كما يصح أضافتها إلى المرأة غير إضافة البينونة إلى المرأة صحيحة، من غير ذكر الرجل حتى إن الرجل إذا قال للمرأة أنت بائن، ولم يقل مني، يقع الطلاق إن نوى، ولو قال: أنا بائن ولم يقل منك، لا يقع الطلاق وإن نوى.
والفرق: إن وصله المرأة يختص بهذا الزوج لأن المرأة لا يحل لها الأزواج واحد، فإذا قال: لها أنت بائن، علمنا أنه أراد قطع الوصلة التي بينها وبينه فقد وضع البينونة في محلها فتقع وأما وصلة الزوج لا تختص بها المرأة لأن الرجل يحل له أربع نسوة فإذا قال: أنا بائن لا يعلم أنه أراد به قطع الوصلة التي بينه وبين هذه أو بينه وبين امرأة أخرى، ولهذا لا تقع ما لم يقل أنا منك بائن، وإذا قال أنت علي كمتاع فلان ينوي الطلاق الإيلاء فهذا ليس بشيء.
وإذا قال لها: أنت علي كالخمر والخنزير فهذا وما لو قال لها: أنت علي حرام سواء على التفاصيل التي قلنا.
فالحاصل: أن بالتشبيه إذا حصل بما هو محرم العين كالعين والخنزير والميتة فالحكم فيه كالحكم في قوله: أنت علي حرام إلا أن في قوله أنت علي حرام إذا لم ينو شيئًا كان يمينًا بلا خلاف بين المشايخ هاهنا إذا لم ينو شيئًا فقد اختلف المشايخ فيه أنه هل يكون يمينًا.
امرأة قالت لزوجها: أنا حرام عليك أو حلال لك فقال أنت علي مثل ما أنت على جميع أهل المصر، أو قال بالفارسية: ير أحياني كي ينمة سهررا أو قال بائن حياتي كباسمة سهر فهي طالق إذا نوى الطلاق.
وسئل نجم الدين عمر قال: إن فعلت كذا فحلال واحد من حلال الله علي حرام، وقال: عنيت به لحم الإبل قال: طلقت امرأته.

.نوع آخر: في قوله أنت خلية أو ما أشبهها:

إذا قال لها أنت خلية أو قال برية، أو قال بتة أو قال بائنة، وقال لم أنو به الطلاق فالأصل في جميع ألفاظ الكنايات أنه لا يقع الطلاق إلا بالنية، وإذا قال الزوج لم أنو به الطلاق فالمسألة على وجوه: أما إن قال ذلك في حالة الرضا، أو في حالة الغضب أو في حال مذاكرة الطلاق بأن سألت طلاقها أو سأل غيرها طلاقها، ففي حال الرضا يصدق الزوج في قوله لم أنو به الطلاق في الألفاظ كلها قضاء، وديانة وفي حال مذاكرة الطلاق لا يصدق الزوج في قوله لم أنو به الطلاق في كل لفظة يصلح جوابًا ولا يصلح ردًا قضاء ويصدق الزوج ديانة وذلك نحو قوله الرحله أنت بحرية نية بائن حرام لأن هذه الألفاظ لما خرجت عقيب سؤال الطلاق وأنها صالحة للجواب، فالظاهر أنه يريد الجواب فإذا قال: لم أنو به الجواب فقد ادعى أمرًا بخلاف الظاهر فلا يصدق القاضي بيان أنها صالحة للجواب، لأن الصالح للجواب عن سؤال الطلاق كل لفظة منه إيجاب نفس الطلاق إذ إيجاب حكمه، لأنها تطلب بالطلاق حكمه.
إذا ثبت هذا فنقول في هذه الألفاظ إيجاب حكم الطلاق لأن حكم الطلاق ما يثبت بالطلاق من غير فعل فاعل مختار، والبينونة والحرمة والخلو عن النكاح والمرأة عن النكاح يثبت بنفس الطلاق من غير فعل فاعل مختار فكانت هذه الألفاظ صالحة للجواب من هذا الوجه.
بخلاف قوله: اغربي اذهبي، اخرجي، تقنعي، استتري، تخمري لأنه ليس في هذه الألفاظ تنصيصًا على حكم الطلاق، لأن الذهاب والتقنع والتستر والتغرب كلها أفعال اختيارية لا أحكام شرعية ولم توجد الإجابة لا في عين الطلاق ولا في حكمه.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه ألحق قوله خليت سبيلك لا سبيل لي عليك، لا ملك لي عليك، الحقي بأهلك، فارعتك، سرحتك بقوله خلية، برية وأشباهها فقال لا يصدّق الزوج في القضاء، إذا قال الزوج لم أنوبها الطلاق في حال مذاكرة الطلاق، لأنها صالحة للجواب فيجعل جوابًا بدلالة الحال ولها في حالة الغضب كل ما لا يصلح للشتم ويصلح للطلاق الذي يدل عليه الغضب يجعل طلاقًا فلا يصدق الزوج في قوله: أنوي به الطلاق، وما يصلح ردًا فيصلح جوابًا، نحو قوله: اعدلي اخرجي، لا يجعل طلاقًا وصلاحية هذه الألفاظ للرد أن يرد الزوج بقوله: اخرجي، اتركي سؤال الطلاق، ولما احتمل هذا الرد والإجابة تثبت الأولى.... أو الرد أدنى والإجابة أعلى، ولا تثبيت الإجابة بالشك وما يصلح أن يكون جوابًا، ويصلح تسميه بحق قوله: خلية، برية، بتة، بائن حرام لا يجعل طلاقًا إذا قال: لم أنو به الطلاق وصلاحية هذه الألفاظ التسمية إن يريد الزوج بقوله: خلية الخلية من الخيرات، ويريد بقوله برية البرية عن الطاعات، والمحامد، ويريد بالبته والبائن أبتة والبائن عن كل...، فإذا احتمل الشتم والطلاق، وحالة المقايضة كما تدل على الطلاق تدل على الشتم يثبت أدناهما وهو....، وإن نوى في الخلية والبرية وألبتة والبائن والحرام ثلاثًا أو واحدة بائنة، فهو على ما نوى، أما في البائن والحرام، لأن البينونة به نوعان غليظة لا تحتمل الفصل، وخفيفة تحتمل الوصل، وكذا الحرمة ولكل نوع مقتضى، فتقتضي الخفيفة طلقة واحدة ومقتضى الغليظ الثلاث، فعند عدم النية تثبت الخفيفة وهو الخفيفة، وإذا نوى الغليظة تثبت الغليظة، لأنه نوى أحد نوعي الحرمة واحد نوعي البينونة، وكذا في الخلية والبرية وألبتة لأن هذه الألفاظ تبنى عن البينونة، والبينونة على ما مر.
وأما قوله: اعتدي لا يكون إلا واحدة تملك الرجعة، لأنه أمر بالاعتداد وليس فيه ما يبنى في الطلاق لأن الأمر بالاعتداد لما كان لا يصلح إلاّ بعد سابقة للطلاق اقتضى طلاقًا سابقًا ليصح الأمر بالاعتداد، والمقتضى بائن بطريق الضرورة، يرتفع بأصله فلا يظهر سبق الطلاق في حق صحة بنية الثلاث فيه في قوله: اخرجي، اذهبي، اغربي، تقنعي، استتري، تخمري، تصح نية الثلاث، لأن هذه الألفاظ يبنى عن البينونة، وأنها نوعان على ما مر، وإذا قال لها وهبتك لأهلك فهو من جملة الكنايات لا يقع الطلاق به إلا بالنية، وإنما وقع الطلاق بالنية لأنه نوى ما يحتمله لفظه، لأن الهبة تقتضي زوال الملك، ويتسوى إن قبلتها أو لم تقبلها، لأن القبول في الهبة إنما يحتاج إليه لدخول الموهوب في ملك الموهوب له والبائن هاهنا: إزالة الملك، فلا يحتاج إلى القبول.
وروي عن أبي يوسف رحمه الله: أنه إذا قال لها: وهبتك لأهلك، أو لأبيك، أو لأمك أو للأزواج فهو طلاق، إذا نوى لأن المرأة ترد على هؤلاء فلا يكون بالطلاق، ويملكها الزوج بعد الطلاق فكانت من مدلولات هذه الألفاظ، ولو قال وهبتك لأخيك، أو لأختك أو ما أشبه ذلك، فليس بطلاق، وإن نوى لأن المرأة بالطلاق لا ترد على هؤلاء فلا يكون الطلاق من مدلولات هذا، وإذا قال لها وهبت نفسك منك، فهو من جملة الكنايات إن نوى به الطلاق يقع وإلا فلا، ولو قال لها: ألحقك لا تقع وإن نوى، ولو قال لها: جهارداه برتوكشادم دست لا يقع الطلاق، وإن نوى ما لم يقل خذي إنها سبب عند أكثر المشايخ، وأنه منقول عن محمد رحمه الله، ولو قال جهارداه برتوكشادم يقع الطلاق إذا نوى، وإن لم يقل خذي أيها شئت لأن في الوجه الأول أخبر عن كون الطلاق مفتوحة عليها فهي كذلك، فإذا قال خذي في أيها شئت فكأنه قال: اذهبي، ونوى الطلاق، وفي الوجه الثاني أخبر عن فتح الطريق عليها وذلك قد يكون بالإذن، وقد يكون برفع النكاح بالطلاق، فإذا نوى رفع النكاح فقد عين الطلاق، ولو قال لها: اذهبي فتزوجي لا يقع الطلاق إلا بالنية، وإن نوى فهي واحدة بالله وإن نوى الثلاث فهي ثلاث، وإذا قالت لزوجها طلقني فقال: لا أفعل فقالت إن لم تطلقني أذهب فأتزوج فقال الزوج: سوى كن خوانتي بكلي خواهي دوخواهي نية لا يقع الطلاق في (واقعات الصدر الشهيد) رحمه الله، ولو قال: اذهبي البسي الثوب أو قال: اذهبي فتقنعني أو ما أشبه ذلك فأراد بقوله: اذهبي الطلاق لا تطلق.
وفي (مجموع النوازل): دستاز من بدار فقال لها: اذهبي إلى جهنم ونوى الطلاق يقع.

.نوع آخر في قوله: نهشم وما يتصل به:

الأصل في هذا النوع من الألفاظ أن يقال كل لفظ في الفارسية يستعمل في الطلاق، ولا يستعمل في غيره، فهو كصريح الطلاق بالعربية، وإن كانت اللفظة مستعملة في الطلاق وغيره فهو بمنزلة كنايات العربية.
إذا ثبت هنا فنقول إذا قال الرجل لامرأته بهشتم ترا أرزتي فاعلم بأن هذا لفظ استعمله أهل خراسان وأهل العراق في الطلاق، وإنه صريح عند أبي يوسف رحمه الله، حتى كان الواقع به رجعيًا ويقع بدون النية لأن الناس تعارفوا إيقاع الطلاق بالفارسية بهذا اللفظ فالمستحق تصريح الطلاق بالعربية فكان الواقع به رجعيًا لهذا، أو أما إذا قال: بهشتم ترا ولم يصل أرزتي، فإن كان في حال غضب أو مذاكرة الطلاق فواحدة لملك الرجعة، إذ ليس لهذا اللفظ اختصاص بالنكاح، فلا يحمل عليه إلا بقرينة أو دلالة حال، أو نية، فإذا وجد شيء من ذلك لا يصدق في صرفه إلى غير الطلاق، وإن نوى بائنًا أو ثلاثًا فهو كما نوى، وقول محمد رحمه الله في هذا كقول أبي يوسف رحمه الله، وعن أبي حنيفة رحمه الله روايتان، في رواية الحسن رحمه الله يقع الطلاق بلا نية ويكون رجعيًا، وبه أخذ الفقيه محمد بن إبراهيم الميداني رحمه الله، وفي رواية ابن رستم رحمه الله، لا يقع إلا بالنية ويكون بائنًا وبه أخذ الفقيه أبو نصر أحمد بن سهل رحمه الله، لأن هذا تفسير قوله خليتك.
وذكر القدوري رحمه الله في (شرحه): وقال أبو حنيفة رحمه الله في فارسي قال لامرأته: بهشتم ترا أو: بهشتم أرزتي إنه لا يكون طلاقًا إلا بالنية، وأنه يوافق رواية ابن رستم ثم قال: فإن نوى الطلاق ولم ينو البينونة ولا عددًا فهو واحد بملك الرجعة، وإن نوى ثلاثًا قبلت وإن نوى بائنًا كان بائنًا قال القدوري رحمه الله: فصارت هذه اللفظة ملحقة بكنايات العربية من حيث اعتبار أصل النية وصحت نية الثلاث، ولم يلحقه في حق صفة البينونة، إذا لم ينو البينونة وهذا لأن هذا اللفظ كما يحتمل غيره فلابد من اعتبار النية، فإذا نوى الطلاق كان صريحًا فتقع واحدة رجعية، وإن نوى البينونة، أو الثلاث فقد جعل هذا اللفظ تفسير التخلية، ونية الثلاث والبينونة في التخلية صحيحة، فكذا في هذه اللفظة.
أما إذا لم ينو البينونة والثلاث لم يجعل هذا اللفظ تفسيرًا للتخلية فبقيت صريحًا فتقع واحدة رجعية، أو يقال عند عدم نية البينونة والثلاث، يحتمل أنه جعله تفسير التخلية، ويحتمل أنه جعله تفسير التصريح، فلا تقع البينونة بالشك والاحتمال قال القدوري رحمه الله: وأثبتت المغايرة بين العربية والفارسية من وجه آخر.
فقال لو قال في حال مذاكرة الطلاق بالعربية خليتك أنه يكون طلاقًا، ويتعين بدلالة الحال، ولو قال بالفارسية في حال مذاكرة الطلاق أو حالة الغضب بهشتم لم يقع شيء حتى ينوي، لأن هذه اللفظة وإن أقيمت مقام لفظة التخلية إلا أنها تستعمل لا للتخلية فكانت أضعف من لفظة التخلية فلا تؤثر فيها دلالة الحال، ولو قال بله كردم يرافقه اختلاف الشيخين على نحو ما ذكرنا في قوله بهشتم ولو قال دست بازداشتم يرافقه اختلاف الشيخين ولكن على عكس ما ذكرنا في قوله بهشم ولو قال باي كشا دكردم كسرا يقع الطلاق بلا نية، ويكون رجعيًا باتفاق الشيخين ولو قال حبك بازداشتم ترا فهو نظير قوله دست بازداشتم ترا، ومن المتأخرين من مشايخ بخارا من جعل الثلاث، الأول تفسيرًا لقوله طلقت عرفًا حتى يقع بلا نية وجعل الرابع والخامس تفسيرًا لقوله خليت سبيلك حتى لا يقع الطلاق إلا بالنية ويكون الواقع بائنًا، وكان الشيخ الإمام ظهير الدين المرغيناني رحمه الله يفتي في قوله بهشتم بالوقوع بلا نية ويكون الواقع به رجعنا ويفتي فيما سواها في اشتراط النية ويكون الواقع بائنًا.
وعن شمس الإسلام الأوزجندي رحمه الله، أنه كان يقول صريح الطلاق في ديارنا طلقتك طلاق دادم ترايا كشادة كردمت وفي بلاد العراق دهاكردم بيك طلاق إذا قال تيك طلاق بازداشتم فهي واحدة بائنة وكذلك إذا قال: طلاق فهو واحدة بائنة، ولو قال به تك صلاق دست بازداشتم أو قال رها كردم بيك طلاق فهي واحدة رجعية، وإذا قالت مرارهاكن فقال رهاكردم فهو بمنزلة قوله دهاكردمت في (فتاوى النسفي)، وإذا قالت بازداشتم مرا وقال بازداشتم فهذا بمنزلة ما لو قال: دست بازداشتم ترا لأن كلامه خرج جوابًا فيتضمن إعادة ما في السؤال، وإذا قال مرادركارخداي كن فقال الزوج برادركارخداي كردم أو قالت براخداي إن نوى الطلاق يقع وإن لم ينو لا يقع استدلالًا بما لو قال تصده أبت.... أو خولتك الله فإن هناك إن نوى يقع العتق، وإن لم ينو لا يقع العتق ويصدق في أنه لم ينو الطلاق فيما بينه وبين الله تعالى، وفي القضاء سواء كان ذلك في حالة الرضا، أو في حال الغضب أو في جواب كلامها، وفي (فتاوى أهل سمرقند) إذا قال الرجل لامرأته من نيردست بازداشتم أزتوان نوى الزوج فقالت المرأة بازداشتم بنية الطلاق فقال الزوج من بزدست بازداشتم ارتوان نوى الزوج واحدة أو ثلاثًا فهو كما نوى، لأنه محتمل لذلك، وإن لم ينو شيئًا لا يقع شيء، لأنه لو وقع وقع بقوله من نيرازتو وبهذا لا يقع إلا بالنية.

.نوع آخر في قوله ليست لي بامرأة وما يتصل به:

إذا قال: مراحيرى بيانتي وكذا هذا القول ونوى به الطلاق لا يقع الطلاق وكذا إذا قال لم يكن بيننا نكاح، أو قال لم أتزوجك ونوى به الطلاق لا يقع الطلاق، بالإجماع، ولو قال: لست لي امرأة، إذا ما تزوجتك ونوى الطلاق، وطلاق عند أبي حنيفة رحمه الله خلافًا لهما.
وإذا سئل الرجل ألك امرأة فقال لا، ونوى الطلاق فهو على هذا الخلاف، فرق أبو حنيفة رحمه الله بين قوله ليست لي امرأة وبين قوله لم يكن بيننا نكاح، لم أتزوجك.
والفرق: أن قوله لم أتزوجك لم يكن مبينًا نكاح لا يحتمل النفي بالطلاق، ولهذا لو قال لم أتزوجك لم يكن بيننا نكاح لأني قد طلقتك لا يصح، فإن نوى الطلاق به فقد نوى ما لا يحتمله لفظه أما قوله ليست لي امرأة، ما أنا بزوجك كما يحتمل نفي النكاح من الأصل يحتمل للحال بالقطع أي ليست لي امرأة لأني قد طلقتك، ألا ترى أنه لو صرح به يصح، فإذا نوى به الطلاق فقد نوى ما يحتمله لفظه، ولو قال لا نكاح بيني وبينك.
ذكر الصدر الشهيد رحمه الله في (واقعاته): إنه إذا نوى الطلاق يقع، ولم يُحْكَ خلافًا، قيل: وينبغي أن يكون هذا قول أبي حنيفة رحمه الله بناءً على ما إذا قال لست لي بامرأة ونوى به الطلاق وعلى هذا إذا قال: ليس بيني وبينك نكاح ونوى به الطلاق، ولو قال: لم يبق بيني وبينك شيء ونوى به الطلاق لا يقع، ولو قالت لزوجها لست لي بزوج فقال الزوج: صدقت، قال الفقيه أبو نصر رحمه الله: أخاف أن يقع عند أبي حنيفة رحمه الله كما في قولهما، أما تزوجتك ونوى الطلاق، ولو قال: والله ما أنت لي بامرأة أو قال علي حجة إن كانت لي امرأة، لم يكن طلاقًا بلا خلاف، وإن نوى، هكذا ذكر القدوري رحمه الله في كتابه، لأنه لما قرن به اليمين، واليمين لتأكيد الخبر، علمنا أنه أراد به الماضي، إذ الخبر إنما يقع عن الماضي، فإذا أراد به الماضي كان كذبًا، فأما بدون اليمين يحتمل معنى الإنشاء فيقع به الطلاق إذا نوى عند أبي حنيفة رحمه الله ومن مشايخنا من قال:
هذه المسألة على الخلاف أيضًا: وذكر الناطفي في (طلاق الهداية): إذا قال: ما لي امرأة ونوى الطلاق لا يكون طلاقًا عند أبي حنيفة رحمه الله.
ولو قال: لست لي بامرأة ولم يواجهها لا يقع به الطلاق عند أبي حنيفة رحمه الله وإن نوى في هذا الموضع أيضًا.
وفي هذا الموضع أيضًا: إذا قال لها: لست لي بامرأة إن دخلت الدار ونوى به الطلاق طلقت إذا دخلت في قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
ولو صرت غير أمرأتي ونوى به الطلاق يكون طلاقًا.
قال الناطفي رحمه الله: وهو قول أبي حنيفة رحمه الله. ولو قال لها فسخت النكاح بيني وبينك ونوى الطلاق فهو طلاق، لأن الفسخ أوجب البينونة، فقد نوى ما يوجبه لفظه، وعن أبي حنيفة رحمه الله إذا قال: لا حاجة لي فيك فليس بطلاق وإن نوى؛ لأن نفي الحاجة لا ينفي الزوجية، ولا أحكامها لأن النكاح نكاح مع عدم الحاجة فإن الإنسان قد يتزوج بمن لا حاجة له فيها.
في (مجموع النوازل): امرأة قالت لزوجها احرز بوم فقال الزوج مه تودمه رني تو لا يقع بها شيء.
وفيه أيضًا: رجل قال لامرأته: إنبكانة لا يقع الطلاق لأن كونها أجنبية لا ينافي النكاح فقد نوى ما لا يحتمله لفظه.
رجل قال لامرأته: برئت من طلاقك أَو قال: برئت إليك من طلاقك، إن لم ينو الطلاق لا يقع، وإن نوى فقد اختلف المشايخ، واختار الفقيه أبو الليث السمرقندي رحمه الله أنه لا يقع.
ولو قال: أنا بريء من نكاحك يقع الطلاق لأن البراءة عن الشيء إعراض عنه والإعراض عن الطلاق لا يكون طلاقًا، فأما الإعراض عن النكاح فطلاق وفي (مجموع النوازل): امرأة قالت لزوجها: أنا بريء منك فقال الزوج: أنا بريء منك أيضًا، فقال: أنظر ماذا يقول، فقال الزوج: ما نويت الطلاق، قال: لا يقع الطلاق لعدم النيّة.
وفي (فتاوى شمس الإسلام) رحمه الله: إذا قال لها: أنا أبرأتك عن الزوجية يقع الطلاق من غير نية في حال الغضب وغيره.

.نوع آخر في قوله طلاق زاده كير وما يتصل به:

امرأة قالت لزوجها: مر إطلاق ده فقال الزوج داره كير أو قال دارده ماد ينوي، فإن نوى الإيقاع يقع الطلاق، وإن لم ينو الإيقاع لا يقع الطلاق لأنه يحتمل الإيقاع والوعد. فإذا نوى الإيقاع حتى وقع الطلاق يقع رجعيًا.
ويجوز أن يشترط النية، ويكون الواقع رجعيًا. وكذلك إذا قال: كرده كير أو كرده باد أو قال يقع الطلاق نوى أو لم ينوِ لأنه للتحقيق. ولو قال داده إنكار وكرده إنكار لا يقع الطلاق وإن نوى. ولو قالت: مر إطلاق فقال الزوج كفتة كير لا يقع الطلاق وإن نوى لأن قوله كفتة كير لا يحتمل الجواب بخلاف قوله داده كير ولو قالت: مرامدار فقال الزوج ما دست كير يقع الطلاق إذا نوى ويكون ثابتًا وكذلك إذا قال: دست أزمن بازدار فقال بازداشت كير يقع الطلاق إذا نوى فيكون ثابتًا.
ولو قالت من برتو بطلاقم فقال الزوج كحان كير فقد ذكر في (مجموع النوازل): إنها تطلق وفيه اختلاف المشايخ.
ولو قال: حنان ولم يقل كير لا تطلق لأنه ليس بتام في الجواب والتام أن يقول: بحنان است كناني بحنان كير.
قالت لامرأته: أنت طالق، فقالت لا أكتفي بالواحدة فقال الزوج دوكير فإن نوى الطلاق الزوج بقوله دوكير إيقاع الطلاق تطلق ثلاثًا، ويكون قوله دوكير إيقاع الثنتين ابتداءً وقد سبقها طلقة وطلقت ثلاثًا لهذا. ولو قالت مرايله كن فقال الزوج بله كرده كير أو قال دما كيردده فهو على ما قلنا أنه إن نوى الإيقاع يقع.
ولو قالت خويشتن خريدم أزتو نفروش فقال الزوج: فزوجته فقد قيل: ينبغي أن يصح الخلع، وهذا إذا أراد به التحقيق.
ولو قال: سوكيدخوربر فقالخورده كير حكى، فتوى شمس الإسلام الأوزجندي رحمه الله أنه لا تطلق، وعلى قياس المسألة المتقدمة ينبغي أن تطلق إذا نوى التحقيق.
امرأة قالت لزوجها من بيك سو وتونيك سو فقال الزوج نجذبين كير لم تطلق لأن هذا ليس من ألفاظ الكنايات.
امرأة قالت لزوجها: برمن جرا امرءاي كرمن زن تونم ومالي ني كير فقال: لا تطلق.
رجل دعى امرأته إلى الفراش فأبت فقال: لها اخرجي من عندي فقالت: طلقني حتى أذهب فقال الزوج: إكرارزوني توجنين است حنين كبر ولم تقل شيئًا، قد قامت لا تطلق في أيمان (مجموع النوازل).

.نوع آخر في بيان حكم الكنايات:

فنقول: الكنايات التي هي بوائن، إذا نوى به الزوج الطلاق كان طلاقًا بائنًا، وإن نوى اليمين كان يمينًا، لأن هذه الألفاظ تحتمل إيجاب الحرمة فصارت هذه الألفاظ بمنزلة قوله: أنت علي حرام، وإن لم يكن نوى شيئًا، هل يكون يمينًا؟ ففيه اختلاف المشايخ: من قال بأنها يمين قاس هذه الألفاظ على قوله: أنت عليّ حرام.
ومن قال: إنها ليست بيمين قال: بأن هذه الألفاظ ليس بصريح في باب اليمين، وما ليس بصريح في باب إنما يلحق بالصريح فيه إما بغلبة الاستعمال، أو بدلالة الحال، أو بالنية، ولم يوجد شيء من ذلك هنا، بخلاف قوله: أنت علي حرام لأن هناك وجد غلبة الاستعمال في اليمين فالتحق بالتصريح والله أعلم.

.نوع آخر في تكرار ألفاظ الكنايات وما يتصل به:

قال محمد رحمه الله في (الأصل): إذا قال لها: اعتدي اعتدي اعتدي وقالت: نويت بالكل طلقة واحدة لا يُصدّق قضاء، ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى: أما لا يصدق قضاء لأنه لما نوى بالكل طلقة واحدة، كأنه نوى بكل لفظ ثلث تطليقة والتطليقة مما لا يتجزّأ نية بعضها يكون نية كلها، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى لمكان الاحتمال لأنه نوى بالأول الإيقاع وبالثاني وبالثالث الأمر بعدة واجبة، أو لأنه نوى بالأول الإيقاع وبالثاني والثالث التكرار وإذا قال: عنيت بالأول طلاقًا وبالثاني والثالث الأمر بعدة واجبة يصدق في القضاء وفيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه لما نوى بالأول الطلاق صار كأنه قال لها: أنت طالق ثم قال بعد ذلك: اعتدي اعتدي، ولو قال هكذا وقال: عنيت بقولي: اعتدي اعتدي الأمر بعدة واجبة كان كما نوى؛ لأنه نوى حقيقة واحدة لأن هناك نوى بكل لفظ ثلث تطليقة والتقريب فامر.
ولو قال: عنيت بالأولى طلاقًا ولم ينو بالثاني والثالث شيئًا تقع الثلاث عند علمائنا الثلاثة رحمهم الله؛ لأن الثاني والثالث واحد حال مذاكرة الطلاق لما نوى بالأول الطلاق وقوله اعتدي حال مذاكرة الطلاق طلاق.
وفي (الأصل) أيضًا: إذا قال: أنت طالق فاعتدي، وقال: أنت طالق واعتدي، وأراد بقوله واعتدي فاعتدي الأمر بعدة واحدة صدق قضاءً. وإن أراد به تطليقة أخرى أولم ينوبه شيئًا فهي أخرى.
قال مشايخنا: وما ذكر محمد رحمه الله من الجواب أنه إذا لم ينو شيئًا فهما طلاقان فذلك مستقيم في قوله: أنت طالق واعتدي، غير مستقيم في قوله: فاعتدي، وينبغي أن تقع واحدة في هذه الصورة، وإليه أشار في اختلاف زفر ويعقوب رحمهما الله وهو الصحيح.
وفي (المنتقى): إذا قال لها: اعتدي يا مطلقة، ونوى بقوله اعتدي الطلاق فهي طالق تطليقتين أحدهما: بقوله اعتدي، والثانية: بقوله يا مطلقة فإن قال: نويت أنها مطلقة بما لزمها من الطلاق فاعتدي يدين فيما بينه وبين الله تعالى، ولو قال: بيني فأنت طالق فهي طالق واحدة إذا لم ينو بقوله بيني طلاقًا (ولو بيني طلاقًا).
ولو قال: حرمت نفسي عليك فاستتري ونوى بها طلاقًا فهي واحدة بائنة؛ لأنه لا يقع بائن بائن، وكذلك إذا قال: نويت بقولي حرمت نفسي واحدة وبقولي استتري ثلاثًا فهي واحدة. ولو قال: لم أنو بقولي حرمت نفسي شيئًا، وأردت بقولي فاستتري واحدة أو ثلاثًا فهو كما نوى.
ولو قال لها: أنت طالق ألبتة، أو قال لها: أنت طالق بائن تقع تطليقة واحدة بقوله: أنت طالق نوى الطلاق أو لم ينو فبعد ذلك المسألة على خمسة أوجه.
وإن أراد بقوله ألبتة والبائن صيغة قوله: أنت طالق أو لم ينو شيئًا فالواقع واحدة بائنة.
وإن نوى بقوله: ألبتة أو البائن طلاقًا آخر كان كما نوى وطلقت تطليقتين سوى الأول طلقت تطليقتين:
أحدهما بالكلام الأول والثانية بالكلام الثاني.
ولو نوى بقوله ألبتة ثلاثًا تقع ثلاث تطليقات كما لو قال ابتداءً: أنت بائن أنت بتة.
وفي (المنتقى) لو قال: أنت طالق واحدة بائن ونوى ثلاثًا فهي اثنتان، واحدة بالطلاق وواحدة بالواحدة. ولو نوى بالبائن الثلاث فهي ثلاث.

.نوع آخر في تفويض الطلاق إلى المرأة أو إلى الأجنبي بقوله: أمرك بيدك، طلقي نفسك، أمرها بيدك، طلقها، وبيان أحكامه وما يتصل به من المسائل:

قال: إذا قال الرجل لامرأته: أمرك بيدك ينوي الطلاق فإن كانت تسمع فأمرها بيدها ما دامت في مجلسها، وإن لم تسمع فأمرها بيدها إذا علمت أو بلغها.
والأصل في هذا: أن الزوج يملك إيقاع الطلاق بنفسه فيملك التفويض إلى غيره فيتوقف عمله على العلم؛ لأن تفويض طلاقها إليها يتضمن معنى التمليك، لأنها فيما فوّض إليها من طلاقها عاملة لنفسها دون الزوج، والإنسان فيما يعمل لنفسه يكون مالكًا ولا يكون بائنًا عن المرة وعمل التمليكات يقف على علم من يقع التمليك منه فلأجل ذلك اقتصر الجواب على المجلس كما في سائر التمليكات، إلا أن هذا التمليك مفارق سائر التمليكات من حيث إنه يبقى إلى ما وراء المجلس لأن هذا التمليك يضمن معنى التعليق فإن الإيقاع، وإن صدر من غير الزوج إلا أن الوقوع مضاف إلى معنى من قبل الزوج فلابد من اعتبار معنى التعليق والتعليق لا يتوقف على المجلس فاعتبرنا معنى التعليق فقلنا ببقاء الإيجاب إلى ما وراء المجلس إذا كانت غائبة.
واعتبرنا معنى التمليك فقلنا بالاقتصار على مجلس العلم عملًا بالدليلين بقدر الإمكان. ولو لم يرد الزوج بالأمر باليد طلاقًا فليس بشيء إلا أن يكون في حالة الغضب أو في حالة مذاكرة الطلاق فلا يُديّن في الحكم وهذا لأن قوله: أمرك يحتمل وجوهًا شتى، ألا ترى أنه يحتمل أمرك بيدك في الخروج والانتقال، والمحتمل لوجوه شتى لا يتعين بعض وجوهه إلا بالنية أو دلالة حال تقوم مقام النية.
ولو ادعت المرأة منه الطلاق أو أنه كان في غضب أو مذاكرة طلاق فالقول قوله مع اليمين وتقبل بينة المرأة في إثبات حالة الغضب ومذاكرة الطلاق؛ لأنها قامت على معنًى بشهادة الشهود فلا تقبل شبهتها في نية الطلاق؛ لأنها قامت على ما لا يشاهده الشهود فلا يقبل إلا أن تقوم البنية على إقرار الزوج بذلك.
ثم الأمر باليد قد يكون مرسلًا وقد يكون معلقًا بالشرط بأن قال: إذا قدم فلان فأمر امرأتي بيدها أو قال: بيد فلان.
وإن كان مرسلًا فهو على وجهين:
إن كان مطلقًا غير مؤقت بوقت فحكمه ما ذكرنا أن المفوض إليه إن كان يسمع فالأمر بيده. ما داموا في ذلك المجلس وإن لم يسمع أو كان غائبًا قائمًا يصير الأمر بيده إذا علم أو بلغه الخبر، ويكون الأمر في يده ما دام في مجلس العلم.
والقبول في المجلس ليس بشرط ولكن إذا ردّ المفوض إليه ذلك يريد بردّه، وهذا لما ذكرنا أن الأمر باليد يتضمن معنى التمليك ومعنى التعليق والقبول في التعليقات ليس بشرط، فاعتبرنا معنى التعليق، ولم يشترط القبول في المفوض إليه، واعتبرنا معنى التمليك فقلنا: يريد بالرد عملًا بالمعنيين بقدر الإمكان.
وأما إذا كان مؤقتًا بوقت وإن علم المفوض إليه بالأمر مع بقاء شيء من الوقت فله الخيار في بقية الوقت ولا يبطل بالقيام عن المجلس. وإن مضى الوقت قبل علم المفوض إليه بذلك ينتهي الأمر؛ لأنه خصّ التفويض بزمان فلا يبقى بعد مضي ذلك الزمان.
وأما إذا كان الأمر معلقًا بالشرط فإنما يصير الأمر في يد المفوض إليه إذا جاء الشرط، وإذا جاء الشرط فإن كان الأمر مطلقًا غير موقت بوقت صار الأمر في يده في مجلس علمه.
والقبول في ذلك المجلس ليس بشرط، لكن يريد بالرد، وإن كان مؤقتًا فعلم المفوض إليه بالأمر، مع بقاء شيء من الوقت والأمر في يده ما دام ذلك الوقت باقيًا.
وإذا مضى الوقت قبل العلم ينتهي الأمر، ثم إذا جعل الأمر بيدها فاختارت نفسها في مجلس علمها بانت بواحدة.
وإن كان الزوج أراد ثلاثًا فثلاث، وإن نوى ثنتين فواحدة أو لم تكن له نية في العدد فهي واحدة لأن قوله: أمرك بيدك من جملة الكنايات لافتقارها إلى النية أو دلالة الحال.
والواقع بالكنايات واحدة، إلا أن ينوي ثلاثًا ولا تقع به ثنتان وإن نوى على ما عرف.
وليس للزوج أن يرجع عن ذلك ولا أن ينتهي المفوض إليه عن الإيقاع لما ذكرنا أن هذا التصرف يتضمن معنى التعليق، والتعليق لا يقبل الرجوع، ولو قال لها: أمرك بيدك إلى عشرة أيام فالأمر في يدها من هذا الوقت إلى مضي عشرة أيام فتحفظ بالساعات، وهذا لأن الأمر باليد مما يحتمل التأقيت، ألا ترى أن من قال لامرأته: أمرك بيدك اليوم لا يبقى الأمر بيدها بعد اليوم فيعمل تحقيقه ويجعل الأمر بيدها من هذا الوقت إلى تمام عشرة أيام.
ولو أراد الزوج أن يكون الأمر بيدها بعد مضي عشرة أيام دُيّن فيما بينه وبين الله تعالى ولا يدين في القضاء؛ لأنه خلاف الظاهر، وهذا بخلاف ما ذكرنا في الطلاق العصام.
إذا قال لامرأته: أنت طالق إلى سنة فإنها تطلق بعد مضي السنة إلا أن ينوي الوقوع للحال لأن الطلاق لا يحتمل التأقيت فيجعل هذا إيقاعًا بعد مضي السنة ولا كذلك الأمر باليد.
وإذا قال: أمرك بيدك في تطليقة رجعيّة لأنه جعل أمرها بيدها في تطليقة والتطليقة تعقبه الرجعة.
في (الكتاب) وفي (المنتقى): إذا قال: أمرك بيدك في ثلاث تطليقات وطلقت نفسها واحدة أو ثنيتين فهي رجعية.
وإذا قال لها: أمري بيدك فاختارت نفسها تكلموا فيه، قال الصدر الشهيد رحمه الله: المختار أن يقع الطلاق؛ لأن هذا أبلغ في التفويض من أن يجعل أمرها بيدها.
وفي (البقالي): عن محمد رحمه الله: أنه لا يقع الطلاق. وسئل الإمام نجم الدين النسفي رحمه الله عمن قال لغيره إن غبت عن هذه البلدة ومضى على غيابي ستة أشهر فأمر امرأتي بيدك حتى يخلعها ببقية مهرها ونفقة عدتها، فغاب ولم يحضر حتى مضت هذه المدة قال هو: توكيل مطلق حتى لا يبطل بالقيام عن المجلس لأنه وإن ذكر الأمر باليد، لكن فسّره بما هو توكيل وهو أن يخلعها.
وغيره من مشايخ سمرقند وبخارى أفتوا، لأنه تمليك حتى يبطل بالقيام عن المجلس لأنه صريح بالأمر باليد. والصحيح إذا قال لها: أمرك ثلاث تطليقات بيدك إن أبرأتيني عن المهر فقالت: وكلني حتى أطلق نفسي فقال لها: أنت وكيلي حتى تطلقي نفسك، إن قامت عن المجلس خرج الأمر عن يدها حتى لو طلقت نفسها لا يقع وإن طلقت نفسها في المجلس إن أبرأته من المهر أولًا يقع الطلاق، وإن لم تبرئه لا يقع لأن التوكيل كان بشرط أن تبرئه عن المهر.
رجل جرى بينه وبين امرأته كلام فقالت المرأة: اللهم نجِّني منه، فقال الزوج: إن كنت تريدين النجاة فأمرك بيدك وهو ينوي طلقة واحدة فقالت المرأة: طلقت نفسي ألفًا فقال لها الزوج: نجوت لم يقع عليها شيء عند أبي حنيفة رحمه الله، لأنه فوض إليها الواحدة وهي أتت بالثلاث، ونظيره: إذا قال لغيره: خوا هي كناريت واطلاق كتم.
فقال ذلك الغير خواهم فقال دادمش منه طلاق لا تطلق شيء على قياس قول أبي حنيفة رحمه الله لما قلنا: حتى أن في المسألة الأولى لو قالت المرأة: طلقت نفسي، وفي المسألة الثانية لوقال ذلك الرجل دادمش طلاق يقع طلقة واحدة عند الكل.
وعن هذا قلنا: إن من وكّل الرجل أن يطلق امرأته فطلقها الوكيل ثلاثًا إن كان الزوج نوى الثلاث تقع الثلاث، وإن لم يكن نوى الثلاث لا يقع شيء عند أبي حنيفة رحمه الله.
وفي (المنتقى): إذا قال لامرأته: إن غبت عنك ومكثت في غيبتي يومًا أو يومين فأمرك بيدك فمكث يومًا في غيبته يصير الأمر بيدها.
قال: وهذا على أول الكلام، ولك هذا الحكم في جنس هذه المسائل.
وفيه أيضًا: رجل جعل أمر امرأته بيد أبيها فقال أبوها: قد قَبِلْتُها طلقت.
وكذلك لو جعل أمر امرأته بيدها فقالت قبلت بشيء طلقت وإذا قال لامرأته: أمر نسائي بيدك، أو قال لها: طلقي أية نسائي شئت ليس لها أن تطلق نفسها، مذكور في (الأصل).
وفي (المنتقى) في باب الأمر باليد إذا قال لامرأته: أمر امرأة من نسائي في يدك يعني في الطلاق فطلقت نفسها أو غيرها طلقت. ولو قال لامرأةٍ له: طلقي أية نسائي شئت وطلقت نفسها لم تطلق.
وفي (المنتقى) في باب المنبتَّة: إذا قال لامرأةٍ له طلقي أية نسائي شئت فلها أن تطلق نفسها ومن شاءت من نسائه. وكذلك لو قال لعبد من عبيده أعتق أي عبدٍ شئت.
وفي (المنتقى): في الذي يلي باب الأمر باليد: إذا قال لامرأةٍ له طلقي كل امرأة لي ليس لها أن تطلق نفسها.
وفي (المنتقى) في باب الأمر باليد إن طلقت امرأة من نسائي فهي طالق وطلقت نفسها لا تطلق، وكذلك لو قال: طلقي امرأة من نسائي أو قال لعبدٍ له بع عبدًا من عبيدي وطلقت نفسها أو باع العبد نفسه لم يجز.
رجل جعل أمر امرأته بيدها فقالت للزوج: أنت عليّ حرام وأنت مِنّي بائن أو أنا عليك حرام أو أنا (بائن) منك فهذا كله طلاق.
ولو قالت: أنت حرام، ولم تقل علي أو قالت: أنت بائن ولم تقل مني فهو باطل. ولو قالت: أنا حرام ولم تقل عليك أو قالت: أنا بائن ولم تقل منك فهذا كله طلاق.
وفي (المنتقى): إذا قال لامرأته: طلقي نفسك فقالت: أنا حرام أو خلية أو بريئة أو بائن فهذا كله طلاق.
والأصل في هذا كله: أن كل شيء يكون من الزوج طلاقًا فيما يقوله إذا سألته المرأة فأجابها، فإذا أوقعت المرأة مثل ذلك على نفسها بعدما صار الطلاق بيدها يقع الطلاق.
والمرأة لو قالت لزوجها: طلقني فقال الزوج: أنت حرام أو أنت بائن كان طلاقًا فإذا قالت المرأة مثل ذلك بعدما صار الطلاق في يدها يكون طلاقًا أيضًا.
ولو قالت لزوجها: طلقني فقال لها: الحقي بأهلك وقال لم أنو به الطلاق كان مصدقًا ولا يقع الطلاق، فإذا قالت المرأة مثل ذلك بعدما صار مفوضًا إليها ألحقتُ نفسي بأهلي لا تطلق.
وفي (فتاوى أهل سمرقند): إذا جعل أمر امرأته بيدها فقالت المرأة: أعطني كذا إن طلقتني فقال الزوج: لا أدري ما هذا فقالت المرأة: إن جعلت أمري بيدي فقد طلقت نفسي لا تطلق لأنها لما تكلمت بكلام وهو قولها أعطني كذا إن طلقتني، وقولها إن جعلت أمري بيدي فقد قطعت الملجس.
وفيه أيضًا: رجل قال لامرأته: أمر ثلاث تطليقاتك بيدك فقالت له لم لا تطلقني بلسانك فقالت: طلقت نفسي، طلقت؛ لأن قولها لم لا تطلقني بلسانك ليس برد للتمليك فكان لها أن تطلق نفسها بعد ذلك، وفيه نوع نظر لأنه يتبدل المجلس به من حيث إنه كلام زائد إن كان لا يريد به التمليك.
وفي (واقعات الناطفي): إذا قال لامرأته: أمرك بيدك وأمر امرأتي الأخرى هذه بيدك فقالت: قد طلقت فلانة ولم تطلق نفسها طلقت لأن بتطليق الأولى لم يتبدل المجلس ولم يوجد منها الرد.
وسئل الإمام ظهير الدين المرغيناني رحمه الله عن رجل جعل أمر امرأته بيدها على أنه إن غاب عنها شهرين فهي تطلّق نفسها متى شاءت فغاب شهرين إلا يومًا وحضر في اليوم الأخير وغيبت المرأة نفسها حتى مضى شهرين ثم طلقت نفسها، فأجاب: إنه يقع الطلاق. وفيه نظر يتأمل بعد هذا إن شاء الله تعالى.
إذا جعل أمر امرأته بيدها على أنه إن غاب عنها عن بخارى أو عن المكان الذي يسكنان فيه شهرين، فهي تطلق نفسها متى شاءت، فغاب عن بخارى شهرين، وكان ذلك قبل أن يبني بها وطلقت المرأة نفسها، فقد قيل: بأنها لا تطلق لأن الغيبة عنها قبل البناء لا يتحقق؛ لأن الغيبة إنما تتحقق من الحاضر. وقبل البناء بها هو غائب عنها فلا تتحقق الغيبة منها.
إذا قال لامرأته: إن دخلت دار فلان فأمرك بيدك فدخلت دار فلان فطلقت نفسها، أن تَزامل المكان الذي فيه سميت داخلة طلقت؛ لأنها طلقت والأمر في يدها. وإن مشت خطوتين ثم طلقت نفسها لا تطلق لأنها طلقت نفسها بعدما خرج الأمر عن يدها.
رجل جعل أمر امرأته بيدها، فقالت دست ازداستم ولم تقل خويستن الابين، ولو قالت: عنيت نفسي، إن كان المجلس قائمًا صدقت لأنها تملك الإنشاء، وإن تبدل المجلس لا تصدق.
وإنما لم تبين في الصورة الأولى لأنها لم تضف الإبانة إلى نفسها فصار كما لو قال لها: اختاري فقالت اخترت. هكذا ذكر في (فتاوى الفضلي)، وبعض مشايخنا قالوا: ينبغي أن يقع استدلالًا بمسألة الخلع فإنه إذا قيل للمرأة خويشين خريدي فقالت خريدم، ثم قيل للزوج فزوجني فقال فزوجتم يتم الخلع، وإن لم توجد الإضافة إلى المرأة، ولا يستقيم الاستدلال بمسألة الخيار؛ لأنه ثمة لم توجد الإضافة إلى نفسها من الجانبين حتى لو قال لها: اختاري نفسك فقالت: اخترت يقع الطلاق، وهاهنا وجدت الإضافة إليها من جانب الرجل حتى جعل أمرها بيدها وذلك كافٍ لوقوع الطلاق، وستأتي مسألة الخيار وتفاصيلها بعد هذا إن شاء الله تعالى.
ولو قالت أمكندم تسأل نادي أمكندي إن قالت: الطلاق طلقت وما لا فلا، وإن قالت طلاق أمكندم تطلق نوى الطلاق أم لا، وكذلك إذا قالت أمرًا مكندم تطلق نوي الطلاق أو لا؛ لأن هذا اللفظ بحكم العرف يعتبر لإيقاع الطلاق، يقال: زن فلان أمر أمكند ويفهم فيما بين الناس أنها طلقت نفسها.
رجل جعل أمر امرأته بيدها على أنه متى ضربها بغير جناية فهي تطلق نفسها متى شاءت فخرجت من البيت بغير إذن الزوج فضربها هل يصير الأمر بيدها؟
قيل: لا يصير الأمر بيدها إن أوفى صداقها المعجل، وإن لم يوفها ذلك صار الأمر في يدها؛ لأنه إذا لم يوفها المعجل، فلها أن تذهب إلى بيت أبيها من غير إذنه وتمنع نفسها لاستيفاء المعجل فلا يكون الخروج جناية.
وكان الإمام ظهير الدين المرغيناني رحمه الله يفتي بأن الأمر لا يصير في يدها من غير تفصيل وكان يقول: خروجها من البيت جناية إذ ليس لها ولاية الخروج عن بيت الخروج بغير إذن الزوج لمنع نفسها منه لأجل أنها يمكنها منع نفسها عنه في بيته والأول أصح، فقد ذكر القدوري رحمه الله في (شرحه) في كتاب النكاح: وليس للزوج أن يمنعها من السفر والخروج من منزله حتى يوفيها جميع المهر.
جعل أمرها بيدها على (أنه) متى ضربها بغير جناية فهي تطلق نفسها، ثم قال لها الزوج لعت بربوباد فقالت لعت خود بربوباد فضربها تكلموا فيه. وبعضهم قالوا: هذا ليس بجناية منها لأنها ثانية وليست ببادئه، وعامتهم على أن هذا جناية منها، وهو الأصح إذ ليس في هذا قصاص في الشرع حتى لا يكون الثاني جانيًا.
وعلى هذا: إذا قال لها: مادرت سياهه فقالت المرأة ما درت أست سياهة فعلى قول الأولين هذا ليس بجناية لأنها بائنة، والعامة تكلموا فيما بينهم، قال بعضهم: إن كانت أم الزوج حيّة فهذا ليس بجناية منها في حقه. وإن كانت أمّهُ ميتة فهذا جناية منها في حقه.
وبعضهم قالوا: لا يصير الأمر بيدها سواء كانت أم الزوج حيّة أو ميتة؛ لأن الزوج ذكر الجناية مطلقة وما ذكر الجناية في حقّه، ألا ترى أنها لو تركت الصلاة في هذه الصورة فضربها لا يصير الأمر بيدها قلنا: وشتمها أمه جناية، سواء كانت أمه حية أو ميتة، وإن لم تكن جناية في حقه إذا كانت أمها حية إذا جعل أمرها بيدها على أنه متى ضربها بغير جناية، فهي تطلق نفسها فلازمت الزوج لأجل الكسوة فضربها صار الأمر بيدها، فإن هذه ليست بجناية، فإن لصاحب الحق حق الملازمة. ولو كانت تعلقت به وأخذت لحيته فهذا منها جناية إذ ليس لها ذلك شرعًا. ولو قالت له: خذ أنت مرك دعاة فهذا جناية منها، وكذلك لو قالت له: أي خزاي، كاو فهذا جناية منها. ولو قالت: أي يدحو إن كان كذلك فهذا ليس بجناية، وإن لم يكن كذلك فهو جناية.
ولو قال لها: لا تفعلي هكذا، فقالت: حوش في ارم، إن كانت قالت في فعل هو معصية فهذا منها جناية، وإن كان قالت في فعل هو ليس بمعصية فهو ليس بجناية، ولو كشفت وجهها لغير محرم فقد قيل: هذه جناية، وقد قيل: هذه ليست بجناية، والتكلم ورفع الصوت مع غير المحرم جناية بلا خلاف.
إذا جعل أمر امرأته بيد امرأة له أخرى، ثم إنه طلق المفوض إليها طلاقًا بائنًا أو رجعيًا لا يخرج الأمر من يدها. ولو جعل أمرها بيدها ثم طلقها طلاقًا بائنًا خرج الأمر من يدها. ولو طلقها واحدة رجعية بقي الأمر على حاله.
وفي (الأمالي): إذا قال لها: أمرك بيدك إذا شئت، ثم طلقها واحدة بائنة، ثم تزوجها واختارت نفسها طلقت عند أبي حنيفة رحمه الله خلافًا لأبي يوسف رحمه الله. ولو قال لها: إذا تزوجت عليك امرأة، فأمر تلك المرأة بيدك ثم خالعها أو طلقها بائنًا أو ثلاثًا ثم تزوج امرأة أخرى لا يصير أمرها بيدها.
ولو قال: إذا تزوجت امرأة فأمر تلك المرأة بيدك ولم يقل: عليك ثم إنه طلقها بائنًا أو ثلاثًا أو خالعها، ثم تزوج امرأة يصير أمرها بيدها؛ لأن في الفصل الأول الشرط التزوج عليها، وفي هذا الفصل الشرط التزوج مطلقًا.
وإذا قال لها: إن تزوجت عليك في هذا النكاح فأمرك بيدك، أو قال: فأمرها بيدك، ثم إنه طلقها واحدة بائنة ثم تزوجها ثم تزوج امرأة أخرى لا يصير الأمر بيدها، لأن الشرط التزوج عليها في ذلك النكاح، وهذا نكاح آخر.
وإذا قال لها: إن دخلت الدار فأمرك بيدك ثم طلقها واحدة ثم طلقها واحدة أو ثنتين لا يبطل الأمر حتى لو تزوجها ثم دخلت الدار صار الأمر بيدها سواء تزوجها وهي في العدة أو تزوجها بعدما انقضت العدة. أو كانت غير مدخول بها قيل: الرواية في (المنتقى): إذا قالت لزوجها: طلقني، فقال الزوج: من طلاق توبدست تونهادم، فقالت: من خوشين باطلاق دارم، فقال الزوج: من مرها داوم تقع طلقتان؛ لأن الواقع بكل إيقاع رجعي والرجعي. يلحق الرجعي،.... لآخر حتى مضى ذلك الوقت وقد تزوج امرأة، فليس لصاحب المال اكرستم من ندعي إلى وقت كذا أمر يدست من نهاوي طلاق زن فراتسني، فقال: تهادم فلم يعطه المال حتى مضى ذلك الوقت وقد تزوج امرأة، فليس لصاحب المال أن يطلقها.
ولو كان قال: اكر سيم من ندعي إلى وقت كذا أمر يدست من نهادى طلاق. راكي بخواعي وباقي المسألة بحالها، فله أن يطلقها؛ لأن قوله: زن خواستي ينطلق على امرأة يريد أن يتزوجها، فلا ينطلق على التي يتزوجها، وتفويض طلاق امرأة يريد أن يتزوجها لا يصح.
ونظير هذا اللفظ: است برنشتي، فإن هذا اللفظ في العرف ينطلق على فرست يريدان يركبها لا على مرتين يركبها لا محالة.
رجل جعل أمر امرأته بيدها على أنه إن لم يعطها كذا في وقت كذا، فهي تطلق نفسها متى شاءت، فمضى ذلك الوقت فطلقت نفسها، ثم اختلفا، فقال الزوج: أعطيتها ذلك في الوقت وأنكرت المرأة ذلك، فالقول قول الزوج في حق الطلاق حتى لا يحكم بوقوع الطلاق عليها؛ لأنه ينكر وقوع الطلاق، والقول قول المرأة في حق عدم وصول ذلك الشيء إليها؛ لأنها منكرة وصول ذلك الشيء إليها.
أصل المسألة مسألة ذكرها في (المنتقى)، وصورتها: رجل قال لأب امرأته: إن لم أتك إلى أربعين يومًا، فأمر امرأتي بيدك، فإذا مضى أربعون يومًا..... فإن قال الزوج: إنها من الساعة التي تكلم فيها فأمرها بيده ما دام في مجلسه، فإن قال الرجل بعد ذلك قد آتيتك، فقال أب المرأة: لم يأتني، فالقول قول الزوج؛ لأنه ينكر صيرورة الأمر بيده.
ونظير هذا مسألة (الجامع الصغير): إذا قال الرجل لعبده: إن لم أحج العام (فأنت حر)، فمضى العام، فقال المولى: حججت. فقال العبد: لم حج، فالقول قول المولى؛ لأنه ينكر العتق، وعلى هذا إذا جعل أمرها بيدها على أنه متى ضربها بغير جناية (فالقول)، فهي تطلق نفسها فضربها، ثم اختلفا، فقال الزوج: ضربتها بجناية، فالقول قوله لما ذكرنا.
وفقد محمد رحمه الله في كتاب الكفالة مسألة تدل على أن القول قول المرأة، صورتها: رجل قال لغيره: إن مات فلان قبل أن يعطيك الألف التي لك عليه فأنا كفيل بها، فوقع الاختلاف بين الكفيل وبين الطالب بعد موت المطلوب، فقال الطالب: لم يعطني، فصرت كفيلًا. وقال الكفيل: قد أعطاك ولم أصر كفيلًا إن القول قول الطالب. وهذا استحسان؛ لأنه ينكر الاستيفاء.
فإن قيل: إن كان ينكر الاستيفاء صورة يدعي الكفالة على الكفيل معنى، والكفيل ينكر الكفالة، فلِمَ كان اعتبار الصورة أولى من اعتبار المعنى؟
ألا ترى أن من قال لعبده: إن لم أدخل الدار اليوم فأنت حر، فمضى اليوم، فقال العبد: لم تدخل وعتقت. وقال المولى: لا بل دخلته ولم تعتق، فالقول قول المولى؛ لأنه يدعي الدخول وينكر ثبوت العتق فكان منكرًا معنىً (إن) مدعيًا صورة كذا هنا.
والجواب وهو الأصل في جنس هذه المسائل: أنه متى أمكن اعتبار المنازعة فيما وقع فيه الاختلاف صورة لا تعتبر المنازعة من حيث المعنى.
وفي مسألة الكفالة أمكن اعتبار المنازعة فيما وقع فيه الاختلاف من حيث الصورة؛ لأن الاختلاف من حيث الصورة وقع في إيفاء الدين والمنازعة في إيفاء الدين معتبر في الجملة، ويكون القول قول من ينكر الإيفاء، ألا ترى أنه لو لم يكن بالمال كفيل ووقع الاختلاف بين رب الدين وبين المديون في الإيفاء كان القول قول رب الدين.
فهو معنى قولنا أمكن اعتبار المنازعة فيما وقع فيه الاختلاف من حيث الصورة، فلا تعتبر المنازعة من حيث المعنى، وباعتبار الصورة الطالب منكر، وفي مسألة اليمين تعذر اعتبار المنازعة فيما وقع فيه الاختلاف صورة، وهو الدخول وعدم الدخول.
ألا ترى أنه لو وقعت المنازعة في الدخول وعدم الدخول ابتداء من غير أن يكون فيه تعليق العتق لأن تعليق العتق لا يعتبر المنازعة أصلًا، فاعتبر بالمنازعة في المعنى، ومن حيث المعنى المولى ينكر العتق.
وخرج على هذا مسألة (الجامع الصغير): لأن هناك تعذر اعتبار المنازعة، وفيما وقع فيه الاختلاف صورة والحج وعدم الحج، ألا ترى أنه لو وقع الاختلاف فيه ابتداء من غير أن يكون فيه تعليق العتق لا تعتبر المنازعة فيه أصلًا، فاعتبرنا المنازعة من حيث المعنى.
جئنا إلى مسألة الأمر باليد، فنقول: أمكن اعتبار المنازعة فيما وقع فيه الاختلاف صورة، وهو إعطاء النفقة وعدم الإعطاء، ألا ترى أنه لو وقع الاختلاف فيه ابتداء بأن قال الزوج للمرأة: أعطيت نفقتك، وقالت المرأة: لم تعطني، كان القول قول المرأة، فقد أمكن اعتبار المنازعة فيما وقع فيه الاختلاف صورة، وباعتبار الصورة المرأة منكرة، فيكون القول قولها.
امرأة قالت لزوجها: أريد أن أطلق نفسي، وقال الزوج: نعم. وقالت: طلقت نفسي. ذكر الصدر الشهيد رحمه الله في باب... أنها تطلق من غير تفصيل.
وفي (فتاوى أبي الليث) رحمه الله ذكر المسألة على التفصيل: إن نوى الزوج التفويض يقع، وإن نوى الرد يعني: طلقي إن استطعت لا تطلق.
وعلى قياس مسألة الأمان المذكورة في (السير) ينبغي أن يقال: إن غيّر الزوج النغمة في قوله: نعم، بحيث يعلم أنه أراد به الاستهزاء والرد لا تطلق. وذكر في طلاق (الجامع): إذا قال الرجل لغيره: أمر امرأتي بيد الله وبيدك، وهو يريد الطلاق، فطلقها الرجل يقع الطلاق؛ لأن اسم الله في مثل هذا إنما يذكر للتبرك به عند افتتاح الكلام على هذا استعمال الناس، وقد تأيد ذلك بالكتاب، وهو قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَيْء فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 41] مطلق الكلام ينصرف إلى المتعارف، فيكون هذا تفويضًا للطلاق إلى من خاطبه وحده، فإذا أوقع يقع.
وإذا قال: أمر امرأتي بيدي ويدك، أو قال: جعلت أمرها بيدي ويدك وطلقها المخاطب لم يجز طلاقه إلا أن يخير الزوج؛ لأنه ما جرت العادة بذكر المتصرف بنفسه ابتداء للتبرك، فلابد وأن يحمل ذكر المتصرف بنفسه على وجه يخرج من أن يكون لغوًا، وذلك بأن يحمل بأن مراده من هذا أن لا يتصرف المخاطب على وجه الاستبداد بخلاف الفصل الأول.
وفي (الجامع) أيضًا: إذا قال الرجل: أمر امرأتي بيدك، وطلقها الوكيل قبل أن يقوم عن المجلس فهي واحدة بائنة إلا أن ينوي الزوج ثلاثًا، فتكون ثلاثًا. ولو قام الرجل عن مجلسه قبل أن يطلقها بطل الأمر؛ لأن قول الزوج، وطلقها عقيب قوله: أمر امرأتي بيدك علم أنه أراد مما سبق جعل الأمر إليه في الطلاق، فكان هذا تفويض الطلاق إليه والتفويض مقصور على المجلس، وكذلك لو قال: طلقها وأمرها بيدك كان هذا وما تقدم سواء.
ولو قال له: طلق امرأتي قد جعلت ذلك إليك، أو قال: جعلت طلاق امرأتي إليك فطلِّقها، فهذا والفصل الأول سواء، يريد به أنه يقتصر على المجلس. وإذا طلقها في المجلس كان الواقع رجعيًا، بخلاف الفصل الأول؛ لأن في الفصل الأول التفويض حصل بقوله: أمر امرأتي بيدك وإنه من جملة الكنايات، فيكون المفوض إليه تطليقة بائنة، والتفويض هاهنا حصل بقوله: طلقها، وإنه صريح. وقوله: قد جعلت ذلك إليه إشارة إلى ما سبق ذِكْره. والذي سبق ذكره صريح الطلاق، فكأنه قال: جعلت إليك صريح الطلاق فطلِّقها. ولو نص على ذلك كان المفوض إليه طلقه رجعية، كذا هاهنا.
وفي (المنتقى): إذا قال لغيره: طلق امرأتي فقد جعلت أمرها بيدك فهذا وكيل يطلق في المجلس وغيره، والطلاق رجعي. ولو قال: جعلت أمرها بيدك فطلقها، فهذا على المجلس، والطلاق بائن.
ولو قال له: طلق امرأتي وقد جعلت امرأتي أمرها بيدك، وإن طلقها في المجلس طلقت تطليقتين لا يملك الرجعة بعد ذلك.
ولو قام عن مجلسه وطلقها تقع واحدة رجعية؛ لأن قوله طلق امرأتي توكيل بصريح الطلاق. وقوله: قد جعلت أمرها بيدك هذا تفويض آخر ليس بحكم الأول؛ لأن حرف الواو لا يحتمل ذلك، وقد صار الحال حالة مذاكرة الطلاق بما سبق ذكره، وهو قوله: طلق امرأتي، فكان هذا (الوكيل) بصريح الطلاق، وتفويضًا للطلاق إليه.
فإذا قال في المجلس: طلقها، صار جوابًا لهما، فلا رجعة مع البينونة، ولهذا قال: وقعت تطليقتين لا يملك الرجعة.
وإذا قام عن المجلس بطل التفويض وبقي التوكيل بصريح الطلاق، فتقع به واحدة رجعية إلا إن نوى الزوج الثلاث فحينئذ تقع الثلاث، لأن هذا أمر بالطلاق وإنه يحتمل الثلاث.
وكذلك الجواب فيما إذا قال له: جعلت أمرها بيدك وطلقها، جعل قوله وطلقها في هذه الصورة تفويضًا مبتدأً حتى قال له: جعلت أمرها بيدك وطلقها إذا طلقها في المجلس. طلقت ثنتين.
وفيما إذا قال له: جعلت أمرها بيدك وطلقها لم يجعل قوله: وطلقها تفويضًا مبتدأً حتى قال: إذا طلقها في المجلس تطلق واحدة بائنة.
والفرق: أن حرف الفاء وجد للتعقيب والفصل، فإذا قال فطلقها جعل الثاني حكمًا للأول وتفسيرًا له، إذ حكم الشيء يعقب ذلك الشيء، وقوله فطلقها يصلح حكمًا وتفسيرًا لقوله: أمر امرأتي وقوله: أمر امرأتي بيدك يصلح علة للطلاق، ولهذا لو نص عليه يصح، وكما لو كان هكذا صار كأنها: طلق امرأتي لأني فوضت طلاقها إليك، ولو نص على هذا، لم يكن ذلك تفويضًا مبتدأً فهاهنا كذلك.
وهذا المعنى لا يتأتى فيما إذا ذكره بحرف الواو فبقي على حقيقته، وحقيقته تقتضي أن يكون تفويضًا مبتدأً. ولو قال له: طلق امرأتي فأبنها، فهذا على المجلس وغيره، لأن هذا (الوكيل) وليس بتمليك؛ إذ ليس فيه تفويض الأمر إليه، ولا جعل ذلك منوطًا بمشيئته ورأيه نصًا أو معنى، بل هو مطلق استثنائه وما هذا سبيله فهو توكيل، والوكيل بالإيقاع يملك الإيقاع في المجلس وبعده، فإن طلقها في المجلس أو بعده، كانت تطليقة بائنة، لأن الفاء للوصل والتعقيب وإنما تتصل الصيغة بالأصل، فكان معناه وأبنها بتلك التطليقة، فيكون توكيلًا بإيقاع طلقة بائنة، وكذلك الجواب فيما إذا قال: أنبها فطلقها، ولو قال: طلقها وأنبها، أو قال: أبنها وطلقها، فطلقها في المجلس أو بعد القيام عن المجلس، طلقت تطليقتين بائنتين، لأن العطف بحرف الواو لا يصلح لبيان الحكم والعلة على ما مر، فصارا جميعًا أمرين: أحدهما صريح ولا تمليك في واحد منهما، بل كل واحد منهما توكيل، فلم يقتصر على المجلس، فإذا طلقها صار جوابًا لهما فيقع تطليقتان، ولا تظهر حق الرجعية مع وجود الإبانة، فلهذا قال: طلقت تطليقتين لا يملك الرجعة بعدهما.
فإذا قال لها: أمرك بيدك يومًا أو شهرًا أو سنة، فلها الأمر من تلك الساعة إلى استكمال المدة التي ذكر، ولا تسقط بالقيام عن المجلس، ولا بشيء آخر، وهذا لما ذكرنا أن في هذا التفويض معنى التعليق، والتوقيت يلائم التعليق، فصح التوقيت من حيث إنه يتضمن التعليق، وإذا صح التوقيت صار الطلاق بيدها في هذه المدة، ولو بطل الأمر بعد ذلك بقيامها عن المجلس، أو بشيء آخر لم يكن للتأقيت حينئذ فائدة، ويكون الشهر هاهنا بالأيام؛ لأن التفويض حصل في بعض الشهر، فلا يمكن اعتبار الأهلية فيه، فيعتبر الأيام بالإجماع ولو عرف وقال: هذا اليوم، أو قال: هذا الشهر، أو قال: هذه السنة، كان لها الخيار في اليوم والشهر والسنة ويكون الشهر هاهنا على الهلال.
فروي عن أبي يوسف رحمه الله: إذا قال لها: أمرك بيدك هذا اليوم، فهذا على اليوم كله، ولو قال: في هذا اليوم كان على مجلسها، لأن في الفصل الأول جعل كل اليوم وقتًا للأمرباليد فعم الوقت، وفي الفصل الثاني جعل الأمر بيدها في جزء من اليوم، لأنه جعل اليوم ظرفًا وذلك لا يقتضي التعميم، فإن المظروف قد يستعمل جزءًا من الظرف.
ألا ترى لو قال: لله تعالى علي صوم عمري، يلزمه صوم العمر، ولو قال في عمري يلزمه صوم يوم من العمر، فهذا يبين لك الفرق بين اللفظتين.
وذكر ابن سماعة عن محمد رحمهما الله: إذا قال لها: أمرك بيدك رأس الشهر كان الأمر بيدها، الليلة التي يهل فيها الهلال، ومن الغد إلى الليل، ولو قال لها أمرك بيدك في رأس الشهر كان لها مجلسها حتى تغرب الشمس. قال: ألا ترى أنه لو قال لها أمرك بيدك غدًا، كان لها الغد كله، ولو قال في غد، كان على المجلس حتى تغرب الشمس من الغد.
وذكر إبراهيم عن محمد رحمه الله ما يخالف هذا، فقد روي عنه: إذا قال لها: أمرك بيدك رمضان، أو قال في رمضان، فهما سواء، والأمر في يدها رمضان كله، وكذلك لو قال لها: أمرك بيدك غدًا أو في غد، فهما سواء.
وفي القدوري روي عن أبي يوسف رحمه الله: أنه إذا قال لها أمرك بيدك إلى رأس الشهر، فلها أن تطلق نفسها مرة واحدة في الشهر، وليس لها أن تطلق (مرة) أخرى في الشهر لأنه جعل الشهر وقتًا للطلاق، فإذا طلقت مرة واحدة، فقد استوفت ما جعل إليها فلا تملك إيقاع العدد، فلا يخرج الأمر من يدها بتبدل المجلس ليكون التأقيت مفيدًا.
ولو قالت: اخترت زوجي بطل خيارها في اليوم فلها أن تختار نفسها من الغد في قول أبي حنيفة رحمه الله، وقال أبو يوسف رحمه الله: خرج الأمر عن يدها في الشهر كله. ذكر القدوري رحمه الله الخلاف في هذه المسألة على هذا الوجه، وذكر الخلاف في مثل هذه المسألة على عكس هذا.
وصورتها: إذا قال لها: أمرك بيدك هذا الشهر فاختارت زوجها أو قالت: لا أختار الطلاق، خرج الأمر من يدها في جميع الشهر عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، قال أبو يوسف رحمه الله: لا يبطل خيارها في مجلس آخر.
وجه قول من قال: إن خيارها لا يبطل في مجلس آخر: إن ردها لقيامها عن المجلس فإذا لم يبطل قيامها اختيارها في المجلس الثاني كذا الرد.
وجه قول من يقول ببطلان الخيار في المجلس الثاني أن الأمر يتحد في نفسه وقد صادفه الرد صريحًا فبطل في نفسه بخلاف القيام عن المجلس لأنه ليس ردًا صريحًا، وإنما هو امتناع عن الاتحاد فيبقى في نفسه إذ لو لم يبق في نفسه لم يكن التأقيت مفيدًا.
ولو قال لها: أمرك بيدك اليوم وبعد غد. لم يدخل الليل في ذلك لو اختارت نفسها لا يقع وإن ردت الأمر في يومها، بطل أمر ذلك اليوم فكان لها الأمر بعد غد.
ولو قال لها: أمرك بيدك اليوم وغدًا، دخلت الليلة تحت الأمر وإن ردت الأمر في يومها ذلك لم يكن لها الأمر في الغد، هكذا ذكر محمد رحمه الله المسألة في (الجامع الصغير)، وإن لم تدخل الليلة في الفصل الأول لأن كل واحد من اليومين ذكر منفردًا، واليوم المنفرد لا يستتبع ما بإزائه من الليل وإنما دخل الليل في الفصل الثاني لأنه جمع بين اليوم والغد في الفصل الثاني بحرف الجمع فينزل منزلة الجمع بلفظ الجمع، فكأنه قال: يومين وهناك تدخل الليلة لما عرف أن اسم اليومين يستتبع الليلة، وإنما كان لها الأمر بعد الغد في الفصل الأول، لأن في الفصل الأول الموجود أمران لأن بمجيء الغد ينقطع الأمر الأول لما لم يدخل الليل في الأمر، والأمر إذا انقطع لا يعود به إلا بتجديد الأمر، فاقتضى ذكر ما بعد الغد معطوفًا على اليوم أمرًا آخرًا حتى يصح العطف، فثبت أن الأمر متعدد فإبطال أحدهما لا يكون إبطالًا للآخر.
كما لو قال لها: أمرك بيدك اليوم، وأمرك بيدك بعد غد، بخلاف المسألة الأولى على قول من يقول ببطلان الخيار في جميع الشهر. إذا قالت: اخترت زوجي لأن هناك الأمر واحد، لأن الوقت واحد لم يتخلله وقت لا خيار فيه ولهذا دخلت الليالي فإذا كان الأمر واحد، فإذا بطل بالرد لا يبقى نفسه.
أما في الفصل الثاني الموجود أمر واحد؛ لأنه جمع بين الغد واليوم بحرف الجمع فصار كأنه جمع بينهما بلفظ الجمع، وهناك يكون الأمر واحد فهاهنا كذلك، وإذا أبطلته في اليوم بطل في نفسه.
وذكر ابن سماعة عن محمد رحمهما الله: إذا قال لها: أمرك بيدك اليوم وغدًا وبعد غد، فردت الأمر اليوم، بطل خيارها في اليوم فكان لها الخيار غدًا، وكذلك إن ردت اليوم وغدًا، فلها الخيار بعد الغد.
ثم رجع عن هذا فقال: إذا ردت الأمر اليوم: بطل الأمر كله، وقال أبو يوسف رحمه الله: إذا قال لها: أمرك بيدك هذه السنة، فاختارت نفسها ثم تزوجها، لم يكن لها خيار في باقي السنة لأن الأمر واحد، إلا أنه ممتد، فإذا استوفت مرة لا يبقى في نفسه، قال أبو يوسف رحمه الله: وقياس قول أبي حنيفة رحمه الله أن يثبت لها خيار آخر، ولم يظهر لنا وجه القياس. ولو طلقها زوجها واحدة ولم يكن قد دخل بها، ثم تزوجها في تلك السنة، فلها الخيار في قول أبي حنيفة رحمه الله، لأنها لم تستوف موجب الخيار، وتطليقات ذلك الملك باق، فيبقى موجب التخيير.
وقال أبو يوسف رحمه الله: لا خيار لها لأن الزوج أزال بنفسه عما جعل، إليها إزالته، فيخرج الأمر من يدها كالموكل بالبيع إذا باع عين ما وكل ببيعه، غير أن هذا مشكل، لأن التخيير ينصرف إلى تطليقات هذا الملك فإذا بقي شيء من تطليقات هذا الملك يبقى موجب التخيير إذا قال لها: يوم يقدم فلان فأمرك بيدك، فقدم فلان نهارًا فلم يعلم به حتى جن الليل فلا خيار لها، ولو قال لأجنبية يوم أتزوجك فأنت طالق فتزوجها ليلًا يحنث في عينيه فجعل اليوم في مسألة الأمر عبارة عن بياض النهار وفي مسألة التزوج جعله عبارة عن مطلق الوقت.
والأصل في ذلك أن اليوم لغة يستعمل لمطلق الوقت فيحتمل الليل والنهار جميعًا، ويستعمل أيضًا في بياض النهار خاصة، والنهار لا يستعمل إلا في البياض، والليل لا يستعمل إلا في السواد، هذا هو المشهور من أهل اللغة، غير أن الناس تعارفوا استعمال اليوم لمطلق الوقت إذا قرن بفعل لا يمتد، وتعارفوا استعمال اليوم لبياض النهار إذا قرن بفعل يمتد، واستعمال الناس حجة يجب العمل بها منجمًا ذكر اليوم على مطلق الوقت عند قرانه بفعل لا يمتد كما في مسألة النكاح، فإن التزوج لا يمتد ولهذا لا يضرب له مدة.
ويحمل ذكر اليوم على بياض النهار عند قرانه بفعل يمتد كما في الأمر باليد فإن الأمر باليد مما يمتد، ولهذا يضرب له مدة فيقال جعل فلان أمر امرأته بيدها شهرًا أشباه ذلك.
وإذا حمل على بياض النهار صار الأمر مؤقتًا ببياض النهار فلا يبقى بعد ذهاب البياض، فإذا علمت به بعد ذهاب البياض فإنما علمت به بعد انتهائها، فلهذا لا يكون لها الخيار.
وفي (المنتقى): إذا قال لها إذا هل الهلال فأمرك بيدك، فإن علمت أن الهلال قد أهل ولم تختر نفسها في ذلك المجلس خرج الأمر من يدها، وإن جاءت بعد الهلال بأيام، وقالت: لم أعلم به، فإن جاءت بأمر أرى أنها فيه صادقة حلفها على ذلك وقبل قولها والأمر بيدها، وإن جاءت بأمر أرى أنها كاذبة فيه لم أقبل قولها.
وفيه أيضًا: إذا قال لها أمرك بيدك على أن لا تأتيني البصرة أو على أن لا تخرجي من مصرك، أو ما أشبه ذلك هذا كله على القبول، فإذا قبلت ثم اختارت نفسها طلقت.
وكذلك لو قال: إن تؤدي (لي) ألف درهم، أو قال على أن تؤدي إلي كل يوم درهمًا، أو قال على أن تعمل في حاجتي اشترط شيئًا مجهولًا، فهذا على القبول وإذا قبلت واختارت نفسها وقع الطلاق وردت مهرها الذي أخذت منه إلا في قوله ألف درهم، ولو قال: أمرك بيدك إن لم تخرجي اليوم من منزلك فهذا يمين مؤقت إلى القبول فيكون الأمر بيدها حتى تغرب الشمس إن لم تخرج من منزلها، فإذا غربت الشمس خرج الأمر من يدها.
إذا قال لها: أمرك بيدك كلما شئت فلها أن تختار نفسها كلما شاءت في ذلك المجلس وغيره حتى تبين بثلاث؛ لأن كلمة كلما تقتضي تكرار الأفعال فيتكرر التفويض بتكرر المشيئة إلا أنها لا تطلق نفسها أكثر من مرة في كل مجلس أكثر من واحدة؛ لأن كلمة كلما لما اقتضت التكرار صار كأنه قال لها في كل مجلس: أمرك بيدك، فإذا اختارت نفسها مرة الملك عند مشيئة استوفت موجب ذلك الأمر من التطليقة فإنما يتجدد لها الملك عند مشيئة مستقبلة، فإذا استوفت ثلاث تطليقات ثم عادت إليه بعد زوج فلا خيار لها؛ لأنها استوفت ذلك الملك بتمامه والمفوض إليها ذلك إذ هو المملوك للزوج.
ولو قال لها: أمرك بيدك إذا شئت أومتى شئت فلها أن تختار نفسها مرة واحدة في ذلك المجلس وغيره أما الاقتصار على المرة لأن إذا ومتى لا تقتضيان التكرار، وأما التعدي إلى ما بعد المجلس لأن كلمة إذا ومتى توجبان تعميم الوقت فقد جعل لها مشيئة عامة في الأوقات كلها كأنه قال لها: في أي وقت شئت، ولو اختارت زوجها خرج الأمر من يدها، لأنها ردت ما جعل إليها هذه الجملة من (القدوري).
ولو قال لامرأته: أمر فلانة بيدك لتطلقيها متى شئت، فهذه مشورة والأمر بيدها في ذلك المجلس، ذكره في (المنتقى).
ذكر في (الأصل): إذا قال الرجل لغيره: قل لامرأتي أمرك بيدك، لا يصير الأمر بيدها ما لم يقل المأمور لها أمرك بيدك، وجعل هذا من الزوج أمرًا بالتفويض لا أمرًا بالإخبار عن كون الأمر في يدها؛ لأنه لا يمكن أن يجعل هذا أمرًا بالإخبار لأن الأمر بالإخبار يقتضي وجود المخبر عنه أولًا، وما أحدث الزوج لا يصلح لتفويض الأمر إليها ليجعل تفويضًا من الزوج أولًا ثم أمرًا بالإخبار تفويضًا إلى الغائبة لا يثبت بقوله: أمرك بيدك، وإذا تعذر أن يجعل هذا أمرًا بالإخبار جعلنا أمرًا بالتفويض.
ولمثله لو قال لغيره قل لامرأتي إن أمرها بيدها، يصير الأمر بيدها قبل الإخبار وجعل ذلك أمرًا بالإخبار عن كون الأمر بيدها لا أمرًا بالتفويض إليها، لأنه أمكن أن يجعل ذلك أمرًا بالإخبار، لأن (قول) الزوج إن أمرها بيدها يصلح لتفويض الأمر إلى الغائبة، فيجعل تفويضًا من الزوج أولًا ثم أمرًا بالإخبار كما هو حقيقة اللفظ؛ لأن قوله: إن أمرها بيدها حقيقة الإخبار عن كون الأمر بيدها.
وفي (الأصل): إذا قال لها: أمرك بيدك ثم قال لها: أمرك بيدك، بألف درهم فقالت: اخترت نفسي فهي بائن بتطليقتين والألف لازم لها.
وفيه أيضًا: إذا جعل أمرها بيد صبي أو مجنون فليس له أن يخرجه منه ويتقيد بالمجلس جعل أمرها بيد رجلين فطلقها أحدهما لم يجز؛ لأن هذا أمر يحتاج فيه إلى الرأي وقد رضي برأيهما، والراضي برأي المثنى لا يكون راضيًا برأي الواحد وهذا بخلاف ما لو قال لهما: طلقا امرأتي وطلقها أحدهما، فإنه يجوز لأن هذا أمر لا يحتاج فيه إلى الرأي.
وفي (المنتقى): الحسن بن زياد رحمه الله: إذا قال لامرأتين له أمركما بيدكما لم تطلق واحدة منهما إلا باجتماعهما على طلاقهما. إذا جعل أمر امرأته بيدها إن غاب عنها أو شرب المسكر فوجد أحد الأمرين وطلقت المرأة نفسها ثم وجد الأمر الآخر ليس لها أن تطلق نفسها، لأن الأمر واحد، وإنه تعلق بأحد الشرطين لا أن يكون معلقًا بكل واحد من الشرطين.
وقعت واقعة في زماننا أن رجلًا جعل أمر امرأته بيدها على أنه متى ضربها بغير جناية منها فهي تطلق نفسها متى شاءت، فخاصمته المرأة إلى القاضي وقالت: إنه ضربني بغير جناية وطلقت نفسي وطالبته ببقية المهر، فسأل القاضي الزوج: لماذا ضربتها، فقال الزوج: تقصدني زدم، فقالت المرأة للقاضي: إنه أقر بالضرب وأقر بشرط صحة إيقاع الطلاق فمره بتسليم بقية مهري إلي فجاء الزوج بعد ذلك عند القاضي وادعى أنه ضربها بجناية كانت منها وأقامت على ذلك بينة فاستفتوا عن صحة دعواه فاتفقت الأجوبة على فساده لمكان التناقض.
ووجه ذلك: أن المرأة ادعت الضرب بغير جناية، والقاضي سأله عن ذلك لأن القاضي، إنما يسأل المدعى عليه عما يدعيه المدعي، فإذا أقر بالضرب فقد أقر بالضرب بعد جناية لأن كلامه خرج جوابًا لسؤال القاضي والجواب يتضمن إعادة ما في السؤال فيصير بدعوى الضرب بالجناية بعد ذلك متناقضًا فلا تسمع دعواه.
ويمكن أن يقال: تسمع دعواه ولا تناقض فيه؛ لأنه ما أقر أولًا بالضرب بعد جناية؛ لأن القاضي لم يسأله عن الضرب لغير جناية نصًا بل سأله عن الضرب مطلقًا وسؤاله عقيب دعواها الضرب بغير جناية لا يدل على تقيد السؤال بالضرب بغير جناية؟ إذ يجوز أن يسأله عن أصل الضرب حتى إذا جحد الضرب أصلًا يأمرها بإقامة البينة على الضرب، ولو أقر بالضرب يسأله أكان الضرب بجناية أو كان بغير جناية، فلا يتقيد السؤال عن الضرب بغير جناية بالشك فلا يصير الزوج بما تكلم مقرًا بالضرب بغير جناية، ولا يتحقق التناقض في دعواه الضرب بجناية بعد ذلك، ثم إذا صار الأمر بيدها كانت على خيارها ما دامت في المجلس وإن تطاول يومًا أو أكثر، لأن المجلس قد يطول وقد يقصر وهذا حكم يؤقت بالمجلس فلا يفترق الحال بين أن يطول الحال وبين أن يقصر.
ألا ترى أن حكم قبض بدل الصرف والسلم لما يؤقت بالمجلس لا يفترق الحال بين أن يطول الحال وبين أن يقصر. وإن قامت عن محلها بطل الخيار لأن هذا دليل الإعراض والأمر باليد يبطل بصريح الإعراض فكذا بدليل، فكذا إذا أحدث في عمل آخر يعلم أنه قطع لما كانت فيه بطل خيارها، وإن كانت قائمة فقعدت لا يبطل خيارها؛ لأن القعود دليل الإقبال لا دليل الإعراض، لأن هذا أمر يحتاج فيه إلى الرأي والقعود أجمع للرأي بخلاف ما إذا كانت قاعدة فقامت ولو كانت قاعدة فاضطجعت ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله أن عن أبي يوسف رحمه الله فيه روايتان.
وذكر شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: أنها إذا وضعت وسادة واضطجعت ووضعت عليها رأسها فيه اختلاف المشايخ، منهم من قال: لا يبطل خيارها ومنهم من قال: إذا هيأت الوسادة لما تفعل للنوم، فهذا منها تهاون بالأمر وإعراض عنه ويبطل خيارها. ولو كانت...... قاعدة لا يبطل خيارها.
ولو كانت قاعدة فاتكأت ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله أن فيه روايتين، وذكر شمس الأئمة الحلواني رحمه الله فيما إذا كانت قاعدة فاتكأت أن في ظاهر الرواية لا يبطل خيارها.
فروي عن أبي يوسف رحمه الله: أنه يبطل وإن ركبت يبطل خيارها. وإن نزلت من الدابة لا يبطل خيارها وإن كانت محتبية فتربعت، أو كان على العكس لا يبطل خيارها.
وإذا كانت على دابة حين جعل الزوج أمرها بيدها فهذا على وجوه: إن كانت الدابة واقفة حين جعل أمرها بيدها فسارت أو كانت سائرة فسارت كذلك خرج الأمر من يدها، وإن كانت واقفة فأجابت ثم سارت أو كانت سائرة وكما سمعت التفويض أجابت في خطوتها ذلك وأسرعت في ذلك حتى سبق جوابها خطوتها بانت منه.
وكذلك الجواب إذا كانت تمشي وإن تسبق خطوتها جوابها لم تبن منه، وإن كانت الدابة سائرة فأوقفتها لا يبطل خيارها، ولو كانت في بيت فمشت في البيت من جانب إلى جانب فهي على خيارها.
والسفينة كالبيت لا كالدابة، وفي الحقيقة لا فرق بين السفينة وبين ظهر الدابة، فإن المجلس قد تبدل حقيقة، ولكن إنما فرقنا بينهما لأن سير السفينة لا يضاف إلى راكبها لأنها لا تساق لكنها تجري بالماء والريح، ليست في يد أحد بخلاف سير الدابة، فإنه يضاف إلى راكبها يقال في العرف: فلان سار اليوم كذا فرسخًا وإن كان سار على الدابة.
قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: وسواء كانا على دابتين أو على دابة واحدة، أو كانت هي على دابة وهو يمشي، أو كانا في سفينتين أو في سفينة واحدة، أو كانا في محلين أو في محل واحد حتى إنهما إذا كانا على عاتق رجل واحد فاختارت نفسها في خطوتها ذلك بانت منه، وإذا قال لها أمرك بيدك فقالت: ادع إلي أبي أستشيره، أو قالت ادع شهودًا أشهدهم فهي على خيارها لأن هذا من أسباب الامتثال، ودليل الإقبال دون الإعراض حتى إذا اختارت نفسها ووقعت الفرقة فالزوج لا ينكرها، وكذا إذا لبست ثيابًا من غير قيامها عن المجلس لا يبطل خيارها، وإن لم تجد أحدًا يدعو بالشهود فقامت بنفسها ولم تنتقل لتدعوا شهودًا هل يبطل خيارها؟ اختلف فيه المشايخ قال بعضهم: لا يبطل خيارها؛ لأنه لم يوجد منها الإعراض لا نصًا ولا دلالة فإن هذا القيام ليس دليل الإعراض، وقال بعضهم: يبطل خيارها؛ لأنه تبدل المجلس إن لم يوجد منها الإعراض وتبدل المجلس يوجب بطلان الخيار سواء كانت معذورة أو غير معذورة.
ألا ترى أن الزوج إذا أخذ بيدها وأقامها من مجلس الخيار بطل الخيار وإنما بطل لتبدل المجلس لا لوجود الإعراض منها كذا هاهنا.
وإذا بدأت الصلاة بعدما جعل أمرها بيدها يبطل الخيار، فلو كانت في صلاة الفريضة لا يبطل خيارها بإتمام الصلاة؛ لأنها ممنوعة عن القطع فلا تكون متمكنة من الاختيار قبل الإتمام، وإنما الإعراض بترك الاختيار بعد التمكن منه وإن كانت في تطوع لم يبطل خيارهما إن سلمت على رأس الركعتين، لأنه لا يحل لها قطع ذلك، وإن قامت إلى الشفع الآخر حينئذ يبطل خيارها؛ لأن كل شفع من التطوع صلاة على حدة، فصار القيام إلى الشفع الآخر بمنزلة اشتغالها بابتداء الصلاة.
ثم إن محمدًا رحمه الله في (الأصل): لم يفصل بين تطوع وتطوع، فروى ابن سماعة في (نوادره) عنه أنها إذا كانت في الأربع قبل الظهر في الشفع الأول فقامت إلى الشفع الثاني، لا يبطل خيارها؛ لأن الأربع قبل الظهر شرعت بتحريمة واحدة لا يجوز أداؤها بتحريمتين فكانت هذه الأربعة كالركعتين في سائر التطوعات.
ولو كانت في الوتر في الشفع الأول فأتمتها لا يبطل خيارها. أما عند أبي حنيفة رحمه الله فلأن الوتر واجب بمنزلة المغرب وأما عندهما فلأنهما سنة مؤكدة شرعت بتحريمة واحدة فكانت كالأربع قبل الظهر، ألا ترى أن الوتر يقضى إذا فات عن وقته بخلاف الأربع قبل الظهر.
ولو دعت بطعام في مجلس الخيار وطعمت بطل خيارها قل ذلك أو كثر، ولو شربت ماءً لا يبطل خيارها.
والفرق: أن مجلس الخيار مجلس التدبير والناس لا يأكلون عادة في مجلس الرأي والتدبير، بل يفردون للأكل مجلسًا فتصير بالأكل رافضة مجلس الرأي فكان ذلك دليل الأعراض، فأما شرب الماء في مجلس التدبير معتاد، فلا تصير بشرب الماء رافضة مجلس الرأي.
وذكر القدوري رحمه الله في (شرحه): أن الأكل اليسير لا يبطل الخيار وإذا أكلت من غير أن تدعو بطعام، لأن الأكل اليسير لا يدل على الإعراض فأما إذا دعت بطعام أو تكلمت بكلام يكون تركًا للجواب بأن أمرت وكيلها ببيع أو شراء أو أمرت أجنبيًا بذلك بطل خيارها، لأن هذه الأفعال دليل الإعراض، وإذا انبسطت أو اغتسلت أو مكنت من زوجها بطل خيارها، وإن... أو قرأت شيئًا قليلًا لا يبطل خيارها، ولو طال ذلك يبطل خيارها.
وفي (المنتقى): إذا قال لها أمرك بيدك فقالت: الحمد لله على عتق نسمة وهدي بدنة وحجة شكرًا لما جعلت إلي وقد طلقت نفسي فهو جائز فلا يخرج الأمر من يدها بما قالت.
وإذا قال لغيره: طلق امرأتي واحدة رجعية فطلقها واحدة بائنة، أو قال: طلقها واحدة بائنة فطلقها واحدة رجعية تقع تطليقة واحدة على حسب ما أمره الزوج ذكره في (الأصل).
وفي (المنتقى): إذا قال لها: طلقي نفسك واحدة بائنة إن شئت، فطلقت نفسها واحدة تملك الرجعة ولم يقع عليها شيء في قول أبي يوسف وهو قياس قول حنيفة رحمهما الله.
ولو قال لها: طلقي نفسك واحدة أملك الرجعة إن شئت وطلقت نفسها واحدة بائنة فإنه يقع عليها واحدة يملك الرجعة في قول أبي يوسف، ولا يقع شيء في قياس قول أبي حنيفة رحمهما الله.
إذا وكل رجلًا بأن يطلق امرأته للسنة وهي ممن تحيض وكان التوكيل في حالة الحيض أو في طهر جامعها فيه، وطلقها الوكيل في حالة الحيض أو في ذلك الطهر لا يقع الطلاق؛ لأنه ليس بتوكيل للحال بل وكالته مضافة إلى الطهر في الصورة الأولى، وإلى الحيض والطهر في الصورة الثانية.
وكذلك لو قال لها في هذه الحالة: أنت طالق للسنة أنت طالق إذا طهرت أنت طالق إذا حضت وطهرت لا يقع الطلاق، وإذا طهرت في الصورة الأولى أو حاضت وطهرت في الصورة الثانية وطلقها الوكيل بعد ذلك يقع الطلاق؛ لأنه صار وكيلًا الآن فالإيقاع حصل بحكم التوكيل فيصح.
وإذا وكل غيره بأن يطلق امرأته ثم طلقها الزوج بنفسه قبل طلاق الوكيل، فهذا لا يكون عزلًا للوكيل ويقع طلاق الوكيل عليها ما دامت في العدة وبعدما انقضت العدة لا يقع طلاق الوكيل عليها تزوجها الزوج أو لم يتزوج.
وكل رجلًا بطلاق امرأته والوكيل غائب لا يعلم فطلق الوكيل قبل العلم لا يقع طلاقه؛ لأنه لا يصير وكيلًا قبل العلم. وفي (المنتقى): عن أبي يوسف رحمه الله: أنه يصير وكيلًا قبل العلم، قال أبو يوسف رحمه الله. ولا أحفظه عن أبي حنيفة رحمه الله وإذا قال لغيره: طلق امرأتي ثلاثًا، فقال: فعلت صح، وإذا قال لرجلين طلقا امرأتي ثلاثًا وطلقها أحدهما واحدة والآخر ثنتين طلقت ثلاثًا.
في (البقالي): وإذا قال لغيره: طلق امرأتي إن شاءت لا يعتبر وكيلًا ما لم تشأ ولها المشيئة في مجلس علمها، وإذا شاءت في مجلس علمها حتى صار وكيلًا لو طلقها الوكيل في ذلك المجلس يقع، ولو قام عن مجلسه بطل التوكيل ولا يقع طلاقه بعد ذلك، قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: وينبغي أن يحفظ هذا وأن البلوى فيه تعم وأن عامة كتب الطلاق التي يكتبها الزوج من القرية يكون فيها: أيها الذي كتبت إليك هذا الكتاب سل امرأتي هل تشاء الطلاق، فإن شاءت فطلقها، ثم إن الوكلاء كثيرًا ما يؤخرون الإيقاع عن مجلس مشيئتها فلا يدرون أن الطلاق لا يقع.
وإذا قال لغيره: أنت وكيلي في طلاقها على أني بالخيار أو على أنها بالخيار أو على أن فلانًا بالخيار، فالوكالة جائزة والخيار باطل.
قال لغيره: طلق إحدى نسائي فطلق واحدة منهن بعينها صح، وليس للزوج أن يصرف الطلاق إلى غيرها، وكذلك إذا طلق واحدة منهن لا بعينها صح فيكون الخيار للزوج، وهذا؛ لأن إحدى كما تطلق على واحدة نكرة تطلق على واحدة بعينها ألا ترى أنه يستقيم أن يقال هذه من إحدى نسائي وقد حصل التوكيل مطلقًا من غير تقييد الإحدى بالعينية ولا بالجهالة، فيجوز على إطلاقه ويصير تقدير المسألة كأنه قال: طلق واحدة من نسائي إن شئت بعينها وإن شئت لا بعينها، ولو نص على هذا كان الجواب كما قلنا فهاهنا كذلك الجملة (في) (الأصل).
وفي (الجامع): إذا قال لامرأته: طلقي نفسك ثلاثًا للسنة، وقد كان دخل بها فقالت في زمان الحيض أو في طهر جامعها فيه: طلقت نفسي ثلاثًا للسنة لم يقع عليها شيء بهذا القول، أما في الحال فظاهر، وأما إذا جاء وقت السنة فلأنها تتصرف بحكم التفويض، والداخل تحت التفويض والتنجيز دون الإضافة والتعليق.
بخلاف ما إذا قال الزوج لها: أنت طالق للسنة في غير زمان السنة حيث يقع الطلاق إذا جاء وقت السنة لأن الزوج يتصرف بحكم المالكية، وهو كما يملك التنجيز يملك الإضافة والتعليق فإذا لم يصح هذا القول تنجيزًا صح إضافةً وتعليقًا صيانة للتصرف عن البطلان.
وإن كانت طاهرة من غير جماع حين قالت هذا القول وقعت للحال واحدة لوجود وقت السنة ثم لا يقع عليه بذلك اللفظ شيء في الطهر الثاني والثالث إلا إذا جددت الإيقاع عند كل طهر لما ذكرنا أن المفوض إليها أن تطلق نفسها عند كل طهر طلقة، ومن فوض إليه إيقاع الطلاق في المستقبل إذا أوقع في الحال لا يصح إيقاعه لأنه لا يمكن تصحيحه منجزًا وإنه ظاهر، ولا يمكن تصحيحه معلقًا لأن المفوض إليه التنجيز، فلهذا لا يقع عليها شيء بذلك اللفظ في الطهر الثاني والثالث إلا إذا جددت الإيقاع في الطهر الثاني والثالث، وينبغي أن تجدد الإيقاع في المجلس الذي طهرت فيه الطهر الثاني، وكذا في الطهر الثالث لما عرف.
فإن قيل: لو كان هذا تفويضًا عند كل طهر تطليقة ويجب أن لا يقع في الطهر الأول شيء عند أبي حنيفة رحمه الله، لأنها طلقت نفسها ثلاثًا، والزوج إذا قال لها: طلقي نفسك واحدة فطلقت نفسها ثلاثًا لا يقع شيء عند أبي حنيفة رحمه الله.
قلنا: اختلف مشايخنا في الجواب عن هذا الإشكال بعضهم قالوا ما ذكر في (الكتاب) قولهما، أما على قول أبي حنيفة رحمه الله: لا يقع في الطهر الأول شيء، وبعضهم قالوا: لا بل ما ذكر في (الكتاب) قول الكل، والفرق لأبي حنيفة رحمه الله على قول هذا القائل بين هذه المسألة وبين تلك المسألة أن هناك خالفت أمر الزوج لفظًا ومعنى فلم يقع، وهاهنا وافقت أمره؛ لأنه أمرها أن تطلق نفسها ثلاثًا للسنة وقد طلقت كذلك، والأول أصح.
ولو قال لها: طلقي نفسك ثلاثًا للسنة بألف درهم، فقالت: طلقت نفسي ثلاثًا للسنة بألف درهم وهي طاهرة من غير جماع، وقعت واحدة للحال بثلث الألف، فإذا حاضت وطهرت لا يقع عليها شيء آخر بذلك القول إلا بتجدد الإيقاع لما قلنا وإن جددت الإيقاع بعدما طهرت في مجلس طهرها وقعت واحدة بغير شيء، وكذلك في الطهر الثالث. وإن قال الزوج: أنا رضيت بإيقاعها الثلاث بالألف، وقد أوقعت الثلاث بثلث الألف فصارت مخالفة لا يلتفت إلى قوله، ويقال له: إنها لم تخالف أمرك لفظًا ومعنى، لكن امتنع وجوب بعض البدل حكمًا لانعدام شرط الوجوب بالثانية والثالثة، وهو زوال الملك لكون الملك زائلًا بالطلقة الأولى، ولكن الطلاق يجعل شرط وقوعه وجود القبول لا وجوب القبول، وقد تقدم قبول صحيح فوقعت الثانية والثالثة بغير شيء.
لهذا قلنا: وامتناع وجوب بعض البدل حكمًا لانعدام شرط الوجوب لا يجعلها مخالفة ألا ترى أنه لو أبانها ثم قال لها: طلقي نفسك واحدة بألف، فقالت: طلقت نفسي بألف يقع الطلاق عليها مجانًا.
وألا ترى أنه إذا قال لغيره: طلق امرأتي بخمر أو خنزير وطلقها، يقع الطلاق بغير شيء.
وألا ترى أنه إذا قال لغيره: قل لامرأتي: أنت طالق ثلاثًا عند كل طهر واحدة بألف درهم، فقال الرجل لها ذلك وقبلت، وقع عليها في الطهر الأول واحدة بألف، ويقع الآخران بغير شيء.
والمعنى في الكل ما قلنا: إذا وقعت المشاجرة بين رجل وامرأته فقالا لرجل: أمرنا بيدك تصلح بيننا، وإن جرى مذاكرة طلاق فله أن يطلقها في (البقالي).
وفي (فتاوى أبي الليث) رحمه الله: أولياء المرأة إذا اجتمعوا وطلبوا من الزوج أن يطلقها فطال الكلام بينهم فقال الزوج لأبيها: ماذا تريد مني، اِفعلْ ما تريد وخرج ثم طلقها أبوها لم تطلق إن لم يرد به الزوج التفويض لأنه قد لا يراد به التفويض، وفي (فتاوى أهل سمرقند)، إذا قالت المرأة لزوجها في غضب: إن كان ما في يدك في يدي استنقذت نفسي، فقال الزوج: الذي في يدي في يدك فقالت المرأة: طلقت نفسي ثلاثًا فقال الزوج لها: قولي مرة أخرى فقالت طلقت نفسي ثلاثًا، ثم قال الزوج لم أرد بذلك طلاقًا طلقت ثلاثًا بقولها طلقت نفسي ثلاثًا بعد قوله: قولي مرة أخرى؛ لأن هذا بمنزلة قول الزوج لها قولي طلقت نفسي ثلاثًا تطلق ثلاثًا.
وفي (فتاوى أبي الليث) رحمه الله: إذا قالت المرأة لزوجها على وجه وكيل هتم، فقال: هتى فقالت: طلقت نفسي ثلاثًا، فقال الزوج بالفارسية تريد من حرام الشتى ما راجدا بايد شرن، ثم تفرقا ثم أراد الزوج أن يراجعها قال في (الكتاب) يسأل الزوج، قال: نوى بالتوكيل الطلاق، ولم ينو العدد طلقت واحدة رجعية، وإن نوى بالتوكيل المفارقة ولم ينو العدد فهي واحدة بائنة، ويمكن أن يقال: بأن قول الزوج توبر من حرام الشتى دليل إراده البينونة، فينبغي أن يسأل: هل نوى الثلاث، فإن كان نوى الثلاث يقع الثلاث، وإن لم ينو الثلاث تقع واحدة بائنة عندهما وعلى قول أبي حنيفة رحمه الله: لا يقع شيء، لأنها مأمورة بإيقاع الواحدة، وقد أوقعت الثلاث.
إذا وكل رجلًا بأن يطلق امرأته وقال له: طلقها بين يدي أخي فلان، فذاك مشورة وليس بشرط حتى لو طلقها لابين يديه وقع كما لو قال له: طلقها بشهود، وطلقها بغير شهود.
في (فتاوى أهل سمرقند).
وفي (فتاوى أبي الليث) رحمه الله إذا قال الرجل لغيره: لا أنهاك عن طلاق امرأتي، لا يصير وكيلًا بالطلاق، وهذا بخلاف ما لو قال لعبده لا أنهاك عن التجارة حيث يصير ماذونًا في التجارة لأن ترك النهي سكوت، وبالسكوت يثبت الإذن في التجارة، أما لا يثبت التوكيل بالطلاق.
وفي (مجموع النوازل) قالت لزوجها: يك سحن كويم رواد أشتى أو قالت يكي كاركتم رواد أشتى: فقال الزوج واشتم، فقالت المرأة: طلقت نفسي ثلاثًا، لا يقع شيء وقول الزوج أنه لم يرد الطلاق، وسئل شمس الإسلام الأوزجندي رحمه الله عمن قال لغيره: طلق امرأتك فقال ذلك الغير: الحكم لك فقال: الحكم والأمر لك فطلقها، قال: لا تطلق.
إذا وكل الرجل رجلًا أن يطلق امرأته وطلقها وهو سكران، ينظر إن وكله وهو سكران فطلق يقع، وإن وكله وهو صاح وطلقها بعدما صار سكرانًا لا يقع، هكذا حكى فتوى شمس الأئمة الحلواني رحمه الله قبل هذا إذا كان الطلاق على مال، أما في الطلاق بغير المال يقع الطلاق على كل حال؛ لأن المطلوب من الوكيل مجرد العبارة إذا كان الطلاق بغير مال، والسكران وغيره في مجرد العبارة على السواء.

.نوع آخر في تفويض الطلاق إليها بقوله اختاري:

إذا قال لها: اختاري وهو ينوي الطلاق فلها الخيار ما دامت في ذلك الملجس، وإن تطاول المجلس يومًا أو أكثر، وإن قال الزوج: لم أرد الطلاق بقوله: اختاري فذاك ليس بشيء، ويقبل قول الزوج في ذلك إلا أن يكون في حالة الغضب أو في حالة مذاكرة الطلاق أو يكون كرر لفظة الاختيار بأن قال: اختاري اختاري اختاري؛ لأن هذا الكلام لا يذكر على وجه التكرار إلا في حق الطلاق وإن قامت عن مجلسها قبل أن تختار شيئًا بطل خيارها، واعلم بأن الخيار بمنزلة الأمر باليد في جميع ما ذكرنا من الأحكام إلا في حكم واحد، وهو صحة نية الثلاث.
قال: الزوج إذا نوى بالأمر باليد الثلاث صحت نيته؛ وإذا نوى بالتخيير الثلاث لا تصح نيته؛ لأن قوله: أمرك بيدك تفويض الأمر، وأنه يحتمل العموم والخصوص، فأي ذلك نوى صحت نيته، أما قوله اختاري أمر بالفعل وأنه لا يحتمل العموم فلا تصح نية العموم، فإن اختارت زوجها فليس بشيء، روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: خيرنا رسول الله عليه السلام فاخترناه، ولم يكن طلاقًا، وإن اختارت نفسها فهي تطليقة بائنة؛ لأن هذا من جملة ذكر نفس المرأة أو التطليقة أو الاختيارة بأن قال الكنايات ثم التخيير لا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يكون في كلامهما ذكر نفس المرأة أو التطليقة أو الاختيارة بأن قال لها: اختاري نفسك، أو قال لها: اختاري تطليقة أو قال: اختاري اختيارة، فقالت المرأة: اخترت نفسي أو قالت: اخترت تطليقة أو قالت: اخترت اختيارة، وفي هذا الوجه يقع الطلاق.
وإما أن يكون في كلام أحدهما ذكر شيء من ذلك إما في كلام المرأة، أو كلام الزوج بأن يقول الزوج: اختاري نفسك اختاري تطليقة أو اختاري اختيارة، فتقول المرأة: اخترت، أو يقول الزوج: اختاري، فتقول المرأة: اخترت نفسي أو تقول: اخترت تطليقة، وفي هذا الوجه يقع الطلاق أيضًا؛ لأنه إذا ثبت ذلك في كلام الزوج ثبت في كلامها لأن كلامها خرج جوابًا والجواب يتضمن إعادة ما في السؤال، فلم ينو الاحتمال لا في الخطاب ولا في الجواب.
وإذا ثبت ذلك في كلام المرأة يزول الاحتمال عن الخطاب بالنية، وعن الجواب بالتنصيص أما إذا خلا اللفظان عن ذكر شيء من ذلك لم يقع شيء؛ لأن اختيارها محتمل بين أن يكون لنفسها فيقع، وبين أن يكون لزوجها فلا يقع بالشك، ولا يصير مجمل كلامها مفسرًا بنية الزوج، لأن نية الزوج؛ إنما تفسر ليصير الطلاق بيدها، فأما أن يصير المجمل من كلامها مفسرًا بنية الزوج فلا (يقع) ولو قال: اختاري اختاري اختاري، ينوي الطلاق بهذا كله فاختارت نفسها فهي طالق ثلاثًا، قال مشايخنا: قول محمد رحمه الله في هذه المسألة وهو ينوي الطلاق بذلك كله يقع اتفاقًا؛ لأن عند تكرار هذه اللفظة لا يحتاج إلى النية على ما مر، وكذلك لو قالت قد طلقت نفسي، أو قالت: أنا طالق، فهو جواب للكل وتطلق ثلاثًا، ولو قال: اخترت تطليقة فهو تطليقة بائنة.
هشام قال: سألت محمدًا رحمه الله عمن قالت لزوجها: خيرني خيرني خيرني فقال: قد فعلت، فطلقت نفسها فهي واحدة بائنة، ولو قالت: خيرني وخيرني وخيرني: فقال: قد فعلت وطلقت نفسها فهي ثلاث.
الحسن بن زياد رحمه الله إذا قال لها (الزوج): اختاري اختاري اختاري، فقالت: قد الطلب واحدة بطل ذلك كله، رواه عن أبي حنيفة رحمه الله. ولو قال لها: اختاري ثم اختاري، ثم اختاري فاختارت نفسها، ذكر محمد رحمه الله أنها تطلق ثلاثًا واختلف المشايخ فيه: منهم من قال: إن المسألة مأولة.
تأويلها: أنه قال لها: اختاري وسكت ثم قال: اختاري وسكت، ثم قال اختاري وسكت، فقالت: اخترت نفسي وما من كلمة ثم فذلك لفظ محمد رحمه الله لا لفظ الزوج، حتى لو كان ذلك لفظ الزوج بأن قال: الزوج اختاري ثم اختاري ثم اختاري، فقالت: اخترت نفسي، لا تقع إلا الأولى، ويتوقف وقوع الثانية والثالثة على قولها: اخترت ثانيًا وثالثًا.
وهو نظير ما لو قال لامرأته: إن دخلت الدار فإنت طالق، إن دخلت الدار فأنت طالق إن دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت مرة تطلق ثلاثًا، ولو قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق ثم إن دخلت الدار فأنت طالق ثم إن دخلت الدار فأنت طالق فدخلت الدار مرة تطلق واحدة ولا يقع الثلاث ما لم تدخل الدار ثلاث مرات كذا هاهنا ومنهم من قال تقع الثلاث وإن ذكر الثانية والثالثة بكلمة ثم فعلى هذا يحتاج إلى الفرق بين هذه المسألة وبين مسألة الدخول.
والفرق: أن قوله: اختاري تفويض وتمليك نصًا وتعليق اقتضاء، وإذا كان تمليكًا نصًا كانت العبرة للتمليك وجواب واحد يكفي لتمليكات كثيرة حصلت جملة أو مرتبة، فإنه لو قال: بعت هذا منك بكذا، ثم قال وهبتك هذا فقال قبلت كان جوابًا للكل أما قوله إن دخلت الدار تعليق نصًا وليس فيه معنى التمليك وفي التعليقات تداعى صفة الشرط لوقوع الطلاق كما تداعى أصل الشرط وصفة الشرط لم يوجد في الثانية والثالثة.
إذا قال: لها اختاري اختاري وقال عقيب الأولى الطلاق وبالتالي إن أفهمها صدق ديانة لا قضاء. إذا قال لها: اختاري الأزواج أو قال: اختاري أهلك ونوى الطلاق فقالت: اخترت الأزواج أو قالت: اخترت أهلي، وقع الطلاق استحسانًا.
ولو قال اختاري أختك أو أمك. أو أباك ونوى الطلاق فاختارت ما قال، ففيما إذا اختارت أمها أو أباها يقع الطلاق استحسانًا، وفيما عداهما لا يقع.
وفي (الجامع) إذا قال لها: اختاري اختاري اختاري بألف درهم، فقالت: اخترت نفسي واحدة أو بواحدة، طلقت ثلاثًا وكان عليها الألف؛ لأن قولها: اخترت نفسي جواب تام لجميع ما قال الزوج لو اقتصرت عليه وكذا إذا أرادت قولها واحدة؛ لأن قولها: واحدة يَصلح جوابًا عن الكل أيضًا، بأن يكون معناه اخترت نفسي باختيارة واحدة، لا يحتاج بعد هذا إلى اختيارة أخرى كما في قولهم: ضربته وجيعًا، أي ضربًا وجيعًا.
ولو كانت قالت: اخترت نفسي بالأولى أو بالوسطى أو بالأخيرة طلقت ثلاثًا وعليها الألف في قياس قول حنيفة رحمه الله، وفي قولهما: إن قالت بالأولى أو بالوسطى طلقت واحدة بائنة بغير شيء، وإن قالت بالأخيرة طلقت واحدة بألف درهم. ولو قال: اختاري تطليقة فهي تطليقة رجعية، وقد ذكرنا نظير هذا في الأمر باليد إذا قال لها: اختاري فقالت: لا أختارك أو قالت لا أريدك: أو لا أريدك أو لا حاجة لي فيك، وهذا كله باطل ولو قالت: لا أختار الطلاق فهذا رد للأمر، وإن قالت: هويت زوجي أو أجبته فهي على خيارها، فهي وإن قالت كرهت فراق زوجي فقد اختارته، وإن قالت: اخترت أن لا أكون امرأتك فقد برأت منه عن أبي يوسف رحمه الله إذا قال الرجل لغيره: أخبر امرأتي أن أمرها بيدها، فاختارت من نفسها قبل أن يخبرها جاز وعن محمد رحمه الله بخلاف ذلك.

.نوع آخر فيما يصلح جوابًا في التفويض:

قول المرأة: طلقت اخترت، يصلح جوابًا لقول الزوج: أمرك بيدك، ولقوله: اختاري، وقولهما: اخترت لا يصلح جوابًا لقوله طلقي نفسك حتى إنه إذا قال: طلقي نفسك فقالت اخترت نفسي لا يقع شيء، ولو قال لها: أمرك بيدك أو قال: اختاري فقالت: طلقت نفسي يقع.
والفرق: وهو أن قولها: اخترت ليس من ألفاظ الطلاق لا وصفًا ولا حكمًا، ولهذا لو أراد الزوج أن يوقع الطلاق عليها بقوله اخترت لا يقدر، ولكن جعل جوابًا بإجماع الصحابة متى انبنى على تخير من الزوج، فإذا لم يسبق من الزوج تخيير بقيت لفظة الاختيار وأما قولها: طلقت من ألفاظ الطلاق وضعًا وحكمًا بل هو الأصل فيه، إلا أنها خالفت في الوصف متى سبق من الزوج التخيير فيلفوا الوصف ولكن الموافقة في الأصل كافية في الوقوع، فإذا جمع الزوج بين ألفاظ التفويض وهو قوله: أمرك بيدك اختاري طلقي، فإن ذكرها بغير حرف صلة لجعل كل واحدًا كلامًا مبتدأً، ولو ذكرها بحرف الفاء فالمذكور بحرف الفاء يجعل تفسيرًا إن صلح تفسيرًا، وقال أبو يوسف رحمه الله إذا قال لها طلقي نفسك فقالت: أبنت نفسي، لم يقع على قياس قول أبي حنيفة رحمه الله.
وعندهما يقع تطليقة رجعية؛ لأن لفظ البينونة متضمنه طلاقًا فصار كما لو قالت: طلقت نفسي تطليقة بائنة فيصح الأصل ويلغوا الوصف لأبي حنيفة رحمه الله أن لفظة الإبانة جوابًا تضمنت طلاقًا، وهاهنا لفظة الإبانة لا تصح جوابًا؛ لأنه لم يفوض إليها الإبانة فصارت مبتدأة بهذا الكلام، فلم يتضمن هذا الكلام طلاقًا هكذا ذكر القدوري في (شرحه).
وذكر في (الجامع) قول أبي حنيفة رحمه الله: إنه يقع، والوجه ما ذكرنا لأبي يوسف ومحمد رحمهما الله، ولفظ الاختيار يصلح تفسيرًا للأمر باليد؛ لأنه أخص من لفظة الأمر؛ لأن الأمر باليد قد يكون في الاختيار وغيره، وقد يكون بثلاث، وقد يكون بواحد، والخاص يصلح تفسيرًا للعام، والأمر باليد لا يصلح تفسيرًا للاختيار؛ لأن العالم لا يصلح تفسيرًا للخاص، والطلاق يصلح تفسيرًا للأمر، والاختيار؛ لأنه مفسر مصرح فيصلح تفسيرًا لهما، والأمر لا يصلح تفسيرًا للأمر.
وكذلك الاختيار لا يصلح تفسيرًا للاختيار؛ لأن الشيء لا يصلح تفسيرًا لنفسه، وإذا لم يصلح تفسيرًا يجعل علة لما تقدم، وإن تعذر جعله علة يحمل على العطف. ولو ذكرها بحرف الواو فهو للعطف والمعطوف لا يصلح تفسيرًا للمعطوف عليه؛ لأن العطف يقتضي المغايرة والتفسير مع المفسر كشيء واحد، وإذا عطف البعض على البعض والتفسير المذكور في آخرها يجعل تفسيرًا للكل؛ لأن بحكم العطف صار الكل في معنى كلام واحد إذا قال: أمرك بيدك طلقي نفسك أو قال لها: اختاري نفسك، فقالت اخترت نفسي وقال الزوج: لم أرد الطلاق كان مصدقًا، ولا يقع عليها شيء؛ لأن قوله: طلقي نفسك لما ذكر بدون حرف الصلة لم يجعل جوابًا وتفسيرًا لأول الكلام بل اعتبر تفويضًا مبتدأً فبقي الأول منهما، فكان القول قوله في أنه لم يرد الطلاق، وقوله: طلقي وإن كان تفويضًا مفسرًا إلا أن قولها اخترت لا يصلح جوابًا له فلا يقع به شيء، حتى لو قالت طلقت نفسي تقع تطليقة رجعية في المسألتين جميعًا بقوله: طلقى نفسك؛ لأنه تفويض صريح مفسر وقولها طلقت يصلح جوابًا له والواقع بالصريح رجعي.
ولو قال لها: أمرك بيدك وطلقي نفسك أو قال لها: اختاري وطلقي نفسك فاختارت نفسها، فقال الزوج: لم أرد الطلاق بالأمر باليد، وبالاختيار لم يقع شيء؛ لأن الكلام بقي منهما مجملًا؛ لأن قوله: وطلقي لم يصر تفسيرًا لكونه معطوفًا عليه، فيقبل قول الزوج: إنه لم يرد الطلاق بالكلام الأول، وقوله: وطلقي وإن كان تفويضًا مفسرًا إلا أن قولها اخترت نفسي لا يصلح جوابًا له. ولو قال لها: أمرك بيدك فاختاري وطلقي نفسك، فقالت: قد اخترت نفسي، وقال الزوج: لم أرد بشيء من ذلك، فإنه لا يصدق على ذلك، وتقع تطليقة بائنة بقوله: أمرك بيدك مع يمينه بالله ما أراد به الثلاث؛ لأن الأمر باليد؛ كلام مبهم، وقوله اختاري خرج جوابًا وتفسيرًا له لأنه ذكره بحرف الفاء وهو يصلح جوابًا وتفسيرًا للأمر باليد؛ لأن الأمر أشد إبهامًا من الاختيار ولأنه ينتظم الاختيار وغيره، فإذا فسره بالاختيار قبل الإبهام فيصلح تفسيرًا له من هذا الوجه.
ويصير تقدير الكلام: أمرك بيدك لتختاري نفسك فلما قال بعد ذلك فطلقي نفسك وأنه يصلح تفسيرًا للاختيار، صار الاختيار مفسرًا بالطلاق فصار الاختيار المفسر تفسيرًا للأمر باليد والوقوع بالمفسر لا بالتفسير والواقع بالأمر باليد طلاق بائن ولكن مع احتمال الثلاث، فلهذا قال: تقع تطليقة بائنة مع يمينه بالله ما أراد به الثلاث.
ولو قال لها: اختاري فاختاري فطلقي نفسك، فاختارت نفسها طلقت تطليقتين بائنتين؛ لأن قوله اختاري مبهم وقوله: فاختاري لا يصلح تفسيرًا له فيجعل تفويضًا مبتدأً معطوفًا على الأول كأنه قال: اختاري واختاري لما عرف أن حروف الصلات يقام بعضها مقام البعض باعتبار الخاصية.
وصارت مسألتنا: اختاري واختاري وطلقي نفسك وهناك قوله فطلقي نفسك، يصير تفسيرًا للتفويض بحكم العطف كذا هاهنا، وإذا صار قوله: فطلقي نفسك تفسيرًا لهما كان الواقع بهما وقولهما: اخترت يصلح جوابًا لهما، والواقع بكل واحد منهما طلاق بائن فطلقت تطليقتين بائنتين.
لهذا ولو قال لها: اختاري فأمرك بيدك وطلقي نفسك فقالت: قد اخترت نفسي أو قالت طلقت نفسي فهي طالق تطليقة بائنة بقوله أمرك بيدك يجعل المقدم مؤخرًا كأنه قال: أمرك بيدك فاختاري فطلقي نفسك وإنما كان كذلك، لأن الأمر باليد لا يصلح تفسيرًا للاختيار والاختيار يصلح تفسيرًا للأمر باليد فيجعل الاختيار تفسيرًا للأمر باليد بالتقديم والتأخير، فإن التقديم والتأخير في كلام العرب جائز فصار كأنه قال: أمرك بيدك فاختاري وطلقي نفسك.
ولو قال هكذا تقع تطليقة بائنة بقوله أمرك بيدك وهي المسألة المتقدمة كذا هاهنا، فلم يجعل الفاء هاهنا بمنزلة الواو ليصير كأنه قال: اختاري وأمرك بيدك فطلقي نفسك، لأنا لو جعلنا هكذا تقع تطليقتان، ولو جعلنا المقدم مؤخرًا على نحو ما ذكرنا تقع تطليقة واحدة وكلا الوجهين من الممكنات، فجعلنا المقدم مؤخرًا كيلا تقع تطليقة أخرى بالشك والله أعلم.

.نوع آخر يتصل بهذا الفصل في تعليق الطلاق بالمشيئة وفي تعليق التفويض بالمشيئة:

إذا قال لامرأته: أنت طالق إن شئت، فذلك إليها ما دامت في مجلسها فإن شاءت في مجلسها وقع الطلاق؛ لأن هذا في معنى الخيار من حيث إن المشيئة عمل فلها كالاختيار فيكون الواقع رجعيًا؛ لأن الوقوع بصريح الطلاق وهو قول الزوج: أنت طالق، وكذلك إذا قال: طلقي نفسك إن شئت أو لم يقل إن شئت فذلك إليها في مجلسها إلا أن هاهنا لا تطلق ما لم تطلق نفسها؛ بخلاف المسألة الأولى، فإن هناك إذا شاءت طلاقها وإن لم تطلق نفسها لأن هاهنا المعلق بالمشيئة التطليق وهناك المعلق بالمشيئة الطلاق.
ولو قال لأجنبي: طلق امرأتي إن شئت يقتصر على المجلس وبدون قوله: إن شئت لا يقتصر على المجلس؛ لأن بدون ذكر المشيئة توكيل ومع ذكر المشيئة تمليك.
وقوله: للمرأة طلقي نفسك مع المشيئة وبدون المشيئة تمليك، وقوله للمرأة: طلقي صاحبك نظير قوله للأجنبي: طلق امرأتي إن كان مع ذكر المشيئة فهو تمليك وإن كان بدون ذكر المشيئة فهو توكيل.
ولو قال لها: أنت طالق ثلاثًا ثلاثًا إن شئت فقالت: شئت في واحدة فهو باطل؛ لأن معنى قوله: إن شئت الثلاث فصار الطلاق معلقًا بمشيئتها الثلاث.
وعلى هذا إذا قال لها: طلقي نفسك ثلاثًا إن شئت، فطلقت نفسها واحدة، لم يقع شيء؛ لأن معنى كلامه طلقي نفسك ثلاثًا إن شئت الثلاث فإذا طلقت نفسها واحدة فقد شاءت واحدة دون الثلاث.
وروى ابن سماعة عن أبي يوسف رحمه الله: إذا قال لها: أنت طالق ثلاثًا إن شئت فقالت: أنا طالق لا يقع إلا أن تقول: أنا طالق ثلاثًا، إذا قال لها: طلقي نفسك إن شئت، فقالت: قد طلقت نفسي يقع الطلاق؛ لأنها شاءت حيث طلقت نفسها إذا قال لها إذا جاء الغد فأنت طالق إن شئت، كان لها المشيئة في الغد؛ لأن في الفصل الأول علق الطلاق بمشيئتها ثم جعل المعلق بمشيئتها مضافًا إلى الغد فلابد من اعتبار مشيئتها أولًا لتصح الإضافة إلى ما بعد الغد، وفي الفصل الثاني علق الطلاق بمجيء الغد وجعل المعلق بمجيء الغد معلقًا بمشيئتها فلابد من مجيء الغد أولًا ليتعلق ذلك بمشيئتها ذكر المسألة في (الزيادات).
وذكر في (الأصل): إذا قال لها: أنت طالق غدًا إن شئت فلها المشيئة في الغد، ولو قال: إن شئت فأنت طالق غدًا فلها المشيئة في الحال، ولم يذكر في المسألة خلافًا. قالوا وهذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وعن أبي يوسف رحمه الله: أن لها المشيئة في الغد في المسألتين جميعًا.
وفي (المنتقى): بشر عن أبي يوسف رحمهما الله: إذا قال لها: أنت (طالق) غدًا إن شئت، أو أنت طالق إن شئت غدًا، فإن أبا حنيفة رحمه الله قال: لها المشيئة غدًا، وقال أبو يوسف رحمه الله: إن قدم المشيئة فلها المشيئة في الحال، وإن آخرها فهو على ما قال أبو حنيفة رحمه الله، وعلى هذا إذا قال لها: اختاري غدًا إن شئت اختاري إن شئت غدًا أمرك بيدك غدًا إن شئت أمرك بيدك إن شئت غدًا فالمشيئة في الغد في الحالين عند أبي حنيفة رحمه الله.
وعلى هذا إذا قال لها: طلقي نفسك غدًا إن شئت طلقي نفسك إن شئت غدًا إن شئت فطلقي نفسك غدًا لم يكن لها أن تطلق نفسها حتى يجيء الغد في قول أبي حنيفة رحمه الله وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: إن قدم المشيئة فلها أن تطلق نفسها في الحال فتقول في الحال: طلقت نفسي غدًا.
وذكر هشام عن محمد رحمهما الله: إذا قال لامرأته: أنت طالق غدًا، أو لم يقل غدًا على ألف إن شئت فقالت في الحال شئت لا يقع الطلاق حتى يقول الزوج: قبلت؛ لأن الإيجاب من الزوج مضاف إلى الغد، فالمشيئة من المرأة قبل مجيء الغد يصير ابتداء، ولو ابتدأت مشيئة الطلاق على ألف تتعلق بقبول الزوج، فهاهنا كذلك.
ولو قال لها: إن شئت الساعة فأنت طالق غدًا طالقًا وقع الطلاق في الغد، ولو قال شئت أو نوى ذلك ولم يقل الساعة فقالت شئت أن أكون غدًا طالقًا وقع الطلاق في الغد، ولو قال: شئت أن يقع الطلاق في اليوم، فإنه لا يقع الطلاق في اليوم ويخرج الأمر من يدها (وإن قال:) أنت طالق إذا شئت أو متى شئت فلها أن تشاء في المجلس وبعده ولكن مرة واحدة.
ولو قال لها: واحدة بعد واحدة حتى تطلق ثلاثًا.
ولو قال لها: أنت طالق كلما شئت فلها ذلك أبدًا كلما شاءت في المجلس وغير واحدة بعد واحدة حتى تطلق ثلاثًا. أما في قوله متى فلأن متى للوقت فصار كأنه قال: في أي وقت شئت، وهناك لها أن تطلق نفسها في أي وقت شاءت، ولا يبطل بالقيام عن المجلس؛ لأن هذا إيقاع في وقت المشيئة فلا يعتبر له المجلس قبل وقت المشيئة وهاهنا، كذلك لو ردت الأمر لا يكون ردًا لما ذكرنا أن هذا إيقاع في وقت المشيئة والإيقاع لا يحتمل الرد، ثم لها أن تشاء واحدة وليس لها أن تشاء أخرى؛ لأن كلمة متى تعم الزمان، أما (إذا) تعم الأفعال فتملك الإيقاع في أي وقت شاءت ولكن مرة واحدة.
أما في قوله إذا زادا ما، أما عندهما فإن إذا وإذا عندهما للوقت، وعنده يستعملان للشرط وللوقت فباعتبار الشرط يخرج الأمر عن يدها بالقيام عن الملجس، وباعتبار الوقت لا يخرج فلا يخرج بالشك.
وأما في قوله: كلما؛ فلأن كلمة كلما توجب التكرار فيتكرر الطلاق بتكرر المشيئة حتى تتم الثلاث. وإن عادت إليه بعد زوج فليس لها أن تشاء آخر بعد ذلك؛ لأن اليمين إنما يصح باعتبار الملك القائم للحال، فإذا وقعت الثلاث فقد ذهب ذلك الملك بتمامه فلم يبق اليمين وإذا تزوجها بعد ذلك وشاءت الطلاق فقد شاءت ولا يمين. ولو قال: أنت طالق حيث شئت أو إن شئت لم تطلق حتى تشاء، وإن قامت عن مجلسها فلا مشيئة لها بعد ذلك. ولو قال لها: كلما شئت فأنت طالق ثلاثًا فشاءت واحدة، فذلك باطل لأن معنى كلامه كلما شئت الثلاث لأنه لم يذكر للمشيئة خبرًا وصار تأخر خبرًا للمشيئة. إذا قال لامرأتين له: إذا شئتما فأنتما طالقتان فشاءت إحداهما دون الأخرى، أو شاءتا طلاق إحداهما لا يقع شيء، لأن معنى المسألة: إن شئتما طلاقكما فصار الشرط مشيئتهما طلاقهما.
وكذلك إذا قال لامرأتين له: طلقا أنفسكما ثلاثًا إن شئتما، فطلقت إحداهما نفسها وصاحبتها ثلاثًا في المجلس لم تطلق واحدة منهما، لأن معنى كلامه طلقا أنفسكما إن شئتما طلاكما؛ لأنه لم يذكر لمشيئتهما خبرًا فيصرف إلى السابق ذكره وهو طلاقهما.
فإذا طلقت إحداهما نفسها وصاحبتها فإنما وجد نصف الشرط فبوجود نصف الشرط لا يترك الجزاء، فإن طلقت الأخرى نفسها وصاحبتها بعد ذلك ثلاثًا قبل القيام عن المجلس طلقتا ثلاثًا؛ لأنه يكمل الشرط فإن طلقتا إحداهما لم يقع الطلاق.
ولو قامتا عن المجلس ثم طلقت كل واحدة منهما؛ نفسها وصاحبتها ثلاثًا لم تطلق واحدة منهما لأن الأمر كله معلق بالمشيئة هاهنا فكان كله تمليكًا فيبطل بالقيام عن المجلس.
ولو كان قال لهما: طلقا أنفسكما ثلاثًا فطلقت إحداهما نفسها وصاحبتها قلنا: طلقتا ثلاثًا، لأن التفويض هنا مطلق غير معلق بمشيئتهما وقد أمرنا بالإيقاع بغير بدل، فتنفرد إحداهما بالإيقاع. كما لو قال لرجلين طلقا امرأتي، فإذا قال لها طلقي نفسك واحدة إن شئت فطلقت نفسها ثلاثًا لا يقع شيء عند أبي حنيفة رحمه الله لأن الزوج علّق تمليك الواحدة بمشيئة الواحدة لأن معنى كلامه طلقي نفسك واحدة إن شئت الواحدة والثلاث غير الواحدة عنده، فكانت مشيئة الثلاث مشيئة غير الواحدة فكانت مبتدئة بهذه المشيئة لا بانية كلامها على كلام الزوج، ولا صحة لكلامها إلا على سبيل الجواب والبناء.
وعندهما: تقع واحدة لأن الواحدة من جملة الثلاث عندهما فكانت مشيئة الثلاث مشيئة الواحدة.
وعلى هذا الخلاف إذا قال لها: أنت طالق واحدة إن شئت فقالت: شئت ثلاثًا لم يقع شيء عند أبي حنيفة رحمه الله خلافًا لهما.
وفي (المنتقى): عن أبي يوسف رحمه الله: إذا قال لها: طلقي نفسك عشرًا إن شئت فقالت: طلقت نفسي ثلاثًا لم تطلق، إذا قال لها: أنت طالق إن شئت، فقالت: شئت إن كان هكذا فهذا على وجهين: إما إن علّق مشيئتها بشيء ماض قد وجد، وفي هذا الوجه يقع الطلاق لأن التلعيق بشيء موجود كائن تخيّر وليس بتعليق حقيقة فكانت آتية بمشيئة منجزة كما فوض إليها الزوج فصحت، وأما إن علق مشيئتها بشيء لم يوجد بعد. وفي هذا الوجه لا يقع الطلاق؛ لأن التعليق بشيء لم يوجد تعليق على الحقيقة والمفوض إليها مشيئة منجزة لا مشيئة معلقة فلا تعتبر هذه المشيئة في حق وقوع الطلاق ويخرج الأمر من يدها لأنها اشتغلت بما لم يفوض إليها صارت معرضة عما فوض إليها ومن هذا إذا قالت شئت إن شاء أبي، كان ذلك باطلًا، وكذلك إذا قالت: شئتُ إن شئتَ لا يقع، فإن قال الأب بعد ذلك: شئت أو قال الزوج: شئت لا يقع الطلاق أيضًا.
وفي (المنتقى): إذا قال لها: أنت طالق إن هويت أو أردت أو أعجبك أو وافقك أو أحببت فقالت: شئت وقع.
وفيه أيضًا: عن أبي يوسف رحمه الله: إذا قال لها: طلقي نفسك واحدة بائنة متى ما شئت ثم قال لها طلقي نفسك واحدة أملك الرجعة حينما شئت، فقالت بعد أيام أنا طالق فهي طالق واحدة يملك الرجعة ويصير قولها جوابًا بالكلام الآخر.
وفيه أيضًا: داود بن رشيد عن محمد رحمهما الله: إذا قال لامرأته: أنت طالق واحدة إن شئت أنت طالق ثنتين إن شئت فقالت: قد شئت واحدة قد شئت ثنتين، قال: إن وصلت فهي طالق ثلاثًا إذا قال لأمرأته أنت طالق إن شئت وأبيت لا تطلق بهذا اليمين أبدًا لأنه جعل المشيئة والإباء شرطًا واحدًا فيشترط اجتماعهما في حالة واحدة وإنه لا يتصور، هكذا ذكر في (المنتقى) وفي (النوازل).
وفي (العيون): أنها إذا شاءت تطلق وإن أبت فكذلك تطلق، والصحيح: ما ذكر في (المنتقى والنوازل)، وكذلك إذا قال: إن شئت وأبيتِ فأنت طالق.
وكذلك إذا قال إن شئت ولم تشائي، ولو قال: أنت طالق إن شئت وإن لم تشائي فإن شاءت في مجلسها طلقت بحكم المشيئة، وإن قامت من مجلسها طلقت أيضًا لأنها لم تشاء، وهذا لأنه جعل المشيئة وعدم المشيئة وكل واحدة منهما شرطًا على حدة لوقوع الطلاق فأيهما وجد يقع الطلاق، وكذلك الجواب فيما إذا قال لها: أنت طالق إن شئت أو لم تشائي، إن شاءت في المجلس، طلقت بحكم المشيئة وإن قامت عن مجلسها طلقت أيضًا لما قلنا.
وأما إذا قال لها: إن شئت وإن لم تشائي فأنت طالق شئت كلامًا لا تطلق بهذه اليمين أبدًا، لأنه لما أخر الطلاق لم يكن قوله إن شئت كلامًا تامًا فيوقف على ذكر الطلاق فإذا قال: وإن لم تشائي صارا شرطًا واحدًا فيشترط اجتماعهما في حالة واحدة وأنه لا يتصور.
وإذا قال لها: أنت طالق إن شئت أو أبيت فهو على أحد الأمرين في مجلسها إن شاءت في المجلس طلقت، وإن قالت في المجلس: أبيت، طلقت أيضًا وإن قامت قبل أن تشاء أو تأبى لا تطلق ولا يكون الإباء إلا بكلام، وهذا كله إذا لم يكن للزوج نيّة. وإن نوى إيقاع الطلاق عليها على كل حال يريد به أنك طالق شئت أو أبيت، أنت طالق إن شئت وإن أبيت أنت طالق إن شئت وإن لم تشائي فهو على ما نوى، ويقع الطلاق عليها لا محالة.
بشر بن الوليد عن أبي يوسف رحمهما الله: رجل قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا، إلا أن تشائي واحدة، فقامت عن مجلسها قبل أن تشاء طلقت ثلاثًا، وإن شاءت واحدة قبل أن تقوم لزمها تطليقة واحدة، وكذلك لو قال لها: أنت طالق ثلاثًا إلا أن تريدي واحدة إلا أن تهوي واحدة إلا أن تحبي وكذلك لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا أن يشاء فلان واحدة وإلا أن يهوى وإلا أن يحب.
إذا قال لها: أنت طالق واحدة إن شئت، فشاءت نصف واحدة، أو إلا أن تريد واحدة فهو مثل ذلك، وإن لم يكن فلان حاضرًا فله ذلك إذا علم به في المجلس الذي يعلم فيه.
إذا قال لها: أنت طالق واحدة إن شئت ثنتين، فإن شاءت ثنتين فهي طالق واحدة فقال: بعتك طلاقك بألف درهم فقبلت بطل الأمر، بخلاف ما لو لم يذكر المشيئة.
وفي (البقالي): إذا قال لامرأة: إن تزوجتك فأنت طالق إن شئت، فلها مجلس العلم بعد النكاح والله أعلم.

.نوع آخر في الرجوع عن التفويض:

ذكر في طلاق (الجامع): إذا قال لامرأته: طلقي نفسك بألف درهم أو قال: طلقتك بألف درهم قبل أن تتكلم المرأة بشيء إن رجع الزوج عن هذه المقالة، كان رجوعه باطلًا، حتى لو قبلت المرأة بعد ذلك، وهي في مجلسها صح ذلك منها وطلقت، وكذلك...... طالق بقيام الزوج عن المجلس، حتى أن بعد قيام الزوج لو قبلت وهي في المجلس طلقت، وكذا ثم رجع المولى لو قال لعبده بعتك عتقك بألف درهم، اعتقك بألف درهم ثم رجع المولى أو قام عن المجلس، قبل قبول العبد، لا يبطل ذلك حتى لو قبل العبد بعد ذلك وهو في المجلس صح.
ولو كانت البداية من المرأة والعبد، كان الجواب على عكس ما تقدم في الوجهين.
والفرق: أن الطلاق على مال والعتق على مال من جانب الزوج والمولى يمين؛ لأن الملتمس من الزوج والمولى الطلاق والعتق وهما مما يحلف بهما ويصح تعليقهما بالشروط والأخطار وينفرد الزوج والمولى بإيجاب ذلك، فإذا تعلق بالقبول صار في معنى اليمين فألحق له واليمين لا يقبل الرجوع فلا يبطل بقيام الحالف عن المجلس، والمتوقع من المرأة والعبد المال، والمال مما لا يحلف به ولا يصح تعليقه بالشروط والأخطار ولا تنفرد المرأة والعبد بإيجابه فكان كالبيع من جانبهما، والرجوع عن إيجاب البيع قبل قبول المشتري صحيح.
ولو قال: طلقي نفسك إن شئت، أو لم يقل: إن شئت، ثم أراد أن يرجع عن ذلك ليس له.
ولو قال لها: طلقي صاحبك أو قال لرجل أجنبي: طلّق امرأتي لمن قال إن شئت فليس له أن يرجع عن ذلك، وإن لم يقل إن شئت فله أن يرجع.
والحاصل: أن قول الزوج لامرأته طلقي نفسك تمليك الطلاق منها. وفيه معنى التعليق وكل ذلك لا يقبل الرجوع.
وقوله للأجنبي: طلق امرأتي، وقوله لامرأته: طلقي صاحبتك إن كان مقترنًا بالمشيئة فهو تمليك؛ لأن المالك هو الذي يتصرف عن مشيئة. وهذا النوع من التمليك لا يقبل الرجوع وإن لم يكن مقرونًا بالمشيئة فهو توكيل محض، والتوكيل يقبل الرجوع فلا يصح عزل التوكيل بالطلاق قبل علمه، لأن العزل خطاب الوكيل بالنهي عن الإيقاع وحكم الخطاب لا يثبت في حق المخاطب قبل العلم.
قال في كتاب الوكالة: إذا قال الرجل لامرأته انطلقي إلى فلان حتى يطلقك، ثم إنه نهاها عن الذهاب وقال: لا تذهبي إلى فلان ولا يطلقك، لا يكون هذا نهيًا عن الطلاق ولا ينعزل فلان بنهي المرأة ما لم يعلم بالنهي.
يجب أن يعلم إن قال لامرأته: انطلقي إلى فلان حتى يطلقك فذهبت فطلقها فلان صح ويصير فلان وكيلًا بالتطليق، وإن لم يعلم وكالته.
وذكر في (الزيادات) ما يدل على أنه لا يصير وكيلًا قبل العلم قيل: في المسألتين روايتان وقيل: ما ذكر في (الزيادات) قياس، وما ذكر في (الأصل) استحسان، ثم على رواية (الأصل) وهو جواب الاستحسان إذا صار وكيلًا وإن لم يعلم لو أن الزوج نهى المرأة عن الانطلاق إلى فلان لا يصير فلان معزولًا بنهي المرأة قبل العلم بالنهي، لأن النهي في حق الغائب لم يصح لأنه لو صح إما أن يصح مقصودًا ولا وجه إليه لأن النهي مقصودًا قبل العلم لا يصح، وإما أن يصح؛ مقتضى نهي المرأة عن الانطلاق إلى فلان ولا وجه إليه أيضًا؛ لأن نهي المرأة عن الانطلاق إلى فلان لا يصح؛ لأنه نهي عن فعل فيه طلاقها وهو الانطلاق ويعتبر بما لو فوض إليها طلاقها ثم نهاها عن الإيقاع، وذلك لا يصح فكذا هذا.
فصار الجواب فيه نظير الجواب فيمن وكل رجلًا أن يطلق امرأته ثم قال للمرأة نهيت فلانًا أن يطلقك فلأن فلانًا لا ينعزل ما لم يعلم بالنهي؛ لأنه لو انعزل انعزل بالنهي مقصودًا لانتفاء النهي للمرأة؛ لأنه ما نهي المرأة عن شيء وما فوض إليها شيئًا حتى يصح نهي الغائب بطريق التبعيّة وتعذر القول بانعزاله مقصودًا بالنهي قبل العلم فلهذا لا ينعزل قبل العلم، هذا إذا نهى المرأة قبل الانطلاق إلى ذلك الرجل.
أما إذا نهاها بعد الانطلاق إلى ذلك الرجل لا يصير فلان معزولًا، وإن علم بالعزل وقبل الانطلاق يصير معزولًا إذا علم بالعزل النهي وصار الجواب فيه نظير الجواب فيما إذا قال لآخر: طلق امرأتي إن شاءت إذا عزل الوكيل قبل مشيئتها صح العزل إذا علم بالعزل وإذا لم يعلم لا يصح العزل وبعد مشيئتها لا يصح العزل. وإن علم الوكيل بالعزل، وذلك لأن المفوض إلى المرأة في المسألتين جميعًا ليس بطلاق حتى لا يصح نهي الزوج عن ذلك على كل حال، وإنما المفوض إليها ما هو سبب طلاقها وهو الانطلاق والمشيئة، فمن حيث إن المفوض إليها لم يكن طلاقًا صح نهي الزوج إذا علم الوكيل بذلك قبل الانطلاق والمشيئة، ومن حيث إن المفوض إليها هو سبب طلاقها لم يصح نهي الزوج بعد الانطلاق والمشيئة وإن علم الوكيل بذلك توفيرًا على الأمرين حظهما بقدر الإمكان. وهذا بخلاف ما لو قال لأجنبي: انطلق إلى فلان وقل له حتى يطلق امرأتي، ثم نهاه بعد ذلك صح النهي.
ولو نهى المرأة عن الانطلاق لا يصح لأن المفوض إلى الأجنبي فعل فيه طلاق المرأة فيعتبر بما لو فوض إليه طلاقها بأن قال: له طلق امرأتي. ولو قال له ذلك صح نهيه فكذا هاهنا، وهاهنا فوض إلى المرأة فعلًا فيه طلاقهما، فيعتبر بما لو فوض إليها طلاقها بأن قال لها: طلقي نفسك وهناك لا يصح نهيه إياها فهنا كذلك.
وهذا بخلاف ما لو قال لغيره: إن جاءتك امرأتي فطلقها، أو قال: إن خرجت إليك امرأتي فطلقها، ثم إنه نهى الوكيل عن الإيقاع بعد مجيء المرأة إليه، وبعد خروجها إليها يصح النهي إذا علم كما قبل المجيء والخروج.
وإذا قال لها: انطلقي إلى فلان حتى يطلقك ثم نهاها بعد الانطلاق إنه لا يصح وإن علم فلان بذلك؛ لأن في تلك المسألة لم يُفوض إلى المرأة شيئًا إنما علق الوكالة بالطلاق بمجيئها وخروجها فيعتبر بما (لو) علق الطلاق بمجيئها وخروجها، ولو علق الطلاق بمجيئها لا يصير مفوضًا إليها شيئًا وهاهنا كذلك.
أما في مسألة الانطلاق فوض إليها فعلًا فيه طلاقها فيعتبر بما لو فوض إليها طلاقها. وهناك لا يصح عزل الزوج كذا هنا.
وفي (الزيادات): إذا قال لامرأته: إذا جاء الغد فطلقي نفسك بألف درهم ثم رجع قبل مجيء الغد لا يعمل رجوعه. ولو كانت المرأة قالت إذا جاء الغد فطلقني على ألف درهم، ثم رجعت قبل مجيء الغد يعمل رجوعها. وهذا بناء على ماتقدم ذكره أن الطلاق على مال من جانب الزوج يمين، ومن جانب المرأة بمنزلة البيع. والتقريب ما ذكرنا.
ومن هذا الجنس امرأة قالت لرجل: خلعت نفسي من زوجي بألف درهم فاذهب إلى زوجي وأخبره بذلك، فلما ذهب الرجل أشهدت المرأة أنها رجعت عن ذلك صح رجوعها حتى لو بلغ الرسول الرسالة بعد ذلك وقبل الزوج كان قبوله باطلًا حتى لا يقع الخلع علم الرسول بالرجوع أو لم يعلم.
وكذلك لو رجعت بعد تبليغ الرسالة قبل قبول الزوج، وكذلك العبد إذا أعتق نفسه على مال وأرسل بذلك إلى المولى رسولًا فلما ذهب الرسول رجع العبد صح رجوعه علم الرسول بذلك أو لم يعلم، فرق بين هذا وبينما إذا وكلت المرأة رجلًا بالخلع أو وكل العبد رجلًا أن يشتري له نفسه من مولاه بألف درهم ثم رجعا من غير علم الوكيل إنه لا يعمل رجوعهما.
والفرق: وهو أن التوكيل إثبات الحكم في حق الوكيل فإن للوكيل إطلاق التصرف، والعزل منع له عن التصرف، فلو صح من غير علمه كان ذلك غرورًا في حقه والغرور حرام.
فأما الرسالة فليست بإثبات شيء للرسول، فإن الرسول ينقل عبارة المرسل كأن المرسل حضر بنفسه وكان ذلك، ولو صح الرجوع من غير علمه لا يكون ذلك غرورًا في حقه، ألا ترى أن الرسول لا تلزمه العهدة أصلًا، والوكيل في بعض العقود تلزمه العهدة.
وكذلك لو رجعت بعد تبليغ الرسالة قبل قبول الزوج صح رجوعها أيضًا وإن لم يعلم الرسول بذلك، إليه أشار في (الكتاب).
ولو كانت المرأة قالت لزوجها: اخلعني على ألف درهم، أو قال العبد للمولى: أعتقني على ألف درهم ثم رجعا من غير علمهما لا يعمل رجوعهما لأن هذا توكيل منهما للولي والزوج، والتوكيل لا يقبل الرجوع من غير علم الوكيل.
ومما يتصل بهذا الفصلإيقاع الطلاق على المُبانة والمطلقة بصريح الطلاق.
أجمع العلماء على أن الصريح يلحق بالصريح ما دامت في العدة، فكذلك البائن يلحق بالصريح، والصريح يلحق بالبائن ما دامت في العدة عندنا؛ لأن بعد الإبانة محلية الطلاق باقية ما دامت العدة باقية؛ لأن محلية الطلاق بقيام العقد وبعد الإبانة العقد باق ما بقيت العدة بدليل بقاء الأثر المختص به وهو المنع عن الخروج والتزين والتزوج بزوج آخر.
والبائن لا يلحق البائن إلا أن يتقدم سببه بأن قال لها: إن دخلت الدار، فأنت بائن ونوى بها الطلاق ثم أبانها ثم دخلت الدار وهي في العدة وقعت عليها تطليقة بالشرط عند علمائنا الثلاثة رحمهم الله خلافًا لزفر رحمه الله.
فوجه قول زفر رحمه الله: أن المعلق بالشرط عند الشرط كالمرسل، ولو أرسل الإبانة عند دخول الدار بعدما أبانها لا يصح فلا يترك بحكم التعليق.
والدليل عليه: أنه إذا علق بدخول الدار ظهارًا أو إيلاءً ثم أبانها ثم دخلت الدار لا يترك الظهار والإيلاء، وطريقه ما قلنا. ولنا: أن المعلق بالشرط عند وجود الشرط كالمرسل ولكن كما تعلق بالشرط، والمتعلق بالشرط طلاق بائن لا الإبانة، فنزل عند الشرط طلاق بائن لا مجرد الإبانة كأنه قال لها عند الشرط: أنت طالق بائن. ومن قال لمبانته وهي في العدة: أنت طالق بائن تطلق كذا هنا.
وإنما قلنا: إن المعلق بالشرط طلاق بائن بأن قوله: أنت بائن قد صح لمصادفته المنكوحة وإنه يصلح صفة للمرأة ويصلح صفة للطلاق، يقال: طلاق بائن وامرأة بائنة فيجعل صفة للطلاق ليثبت السبب أولًا لأن الأصل ثبوت السبب أولًا، فيثبت الحكم عقيبه، والصفة تقتضي ذكر الموصوف فيصير في التقدير كأنه قال: أنت طالق بائن فينزل عند الشرط أنت طالق بائن، والتقريب ما ذكرنا، وهذا بخلاف ما لو قال لمبانته: أنت بائن ابتداءً حيث لا يصح، ولا يجعل كأنه قال أنت طالق بائن لأنا إنما نجعل كذلك إذا صح قوله أنت طالق بائن. وقوله للمبانة: أنت بائن لم يصح لعدم مصادفته محلها؛ لأن محل الإبانة من قام به الاتصال؛ لأن الإبانة لقطع الوصلة والوصلة قد انقطعت بالإبانة السابقة. فهذا هو الفرق بين الصورتين.
وهكذا نقول في فصل الظهار إن المعلق بالشرط عند وجود الشرط كالمرسل إلا أنه لو أرسل الظهار البينونة لا يصح؛ لأن حكم الظهار ليس هو الطلاق بل حكمه حرمة المتعة لشبهة المحللة بالمحرمة، والحرمة تثبت بالبينونة ولا يثبت بالظهار.
وأما مسألة الإيلاء فغير مُسلّم لوآلى منها ثم طلقها واحدة بائنة ثم مضت مدة الإيلاء قبل أن تنقضي عدة الطلاق يقع عليها تطليقة أخرى بالإيلاء؛ لأن الإيلاء متى صح كان بمنزلة ما لو قال لها: إن لم أقربك أربعة أشهر فأنت طالق، فيكون المعلق بمضي أربعة أشهر (فإن) لم يقربها فيها (يقع) الطلاق لا البينونة ولا الحرمة. وعلى هذا إذا قال: أنت بائن الغد ونوى به الطلاق ثم أبانها اليوم ثم جاء الغد يقع عليها تطليقة بالشرط عندنا.
قال مشايخنا رحمهم الله: وينبغي على قياس هذه المسألة أنه إذا قال: إن دخلت هذه الدار فأنت بائن، ينوي به الطلاق ثم قال لها: إن كلمت فلانًا فأنت بائن ينوي به الطلاق ثم دخلت الدار ووقع عليها تطليقة واحدة ثم كلمت فلانًا بعد ذلك يقع عليها تطليقة أخرى.
وإذا قال لها: إذا جاء الغد فاختاري، ثم أبانها ثم جاء الغد فاختارت نفسها لا يقع الطلاق كما لو نجز التنجيز.
وكذلك إذا قال لها: اختاري، ولم يقل إذا جاء الغد ثم اختارت نفسها بعدما أبانها لم يقع عليها شيء؛ لأن قولها اخترت إيقاع مبتدأ منها، وليس بإيجاد لشرط وقوع الطلاق، والواقع بقولها: اخترت البينونة، فإنه من جملة الكنايات فصار كما لو قال لها: أنت بائن ابتداءً وهناك لا يقع به شيء فهاهنا كذلك.
وأما الدخول في مسألة التعليق إيجاد شرط وقوع الطلاق، والوقوع مضاف إلى التعليق السابق، ووقت التعليق كان النكاح قائمًا فيصح قوله: أنت بائن وصار بمنزلة قوله: أنت طالق بائن، ولو قال للمختلعة اعتدي، ينوي الطلاق، أو قال لها: استبرئي رحمك ونوى بالطلاق، أو قال لها أنت واحدة يقع بها تطليقة أخرى.
وقال أبو يوسف رحمه الله؛ لا يقع بها شيء لأنها من جملة الكنايات، وبهذا يحتاج فيه إلى النية، فلا يقع بها شيء كسائر الكنايات. ولهما أن هذه الألفاظ في حكم الصريح على معنى أن الواقع بها رجعي، وإنما اعتبرت النية لأنه في الصريح يحتمل وجوهًا أُخَر. أما بعدما نوى كان الواقع صريحًا والصريح يلحق بالصريح بالإجماع. وإذا قال لمبانته أبنتك بتطليقة ولا يقع عليها شيء. ولا يلغو، قوله أبنتك، بخلاف ما لو قال لها: أنت طالق بائن، فإنه يقع عليها تطليقة، ويلغو قوله: أبنتك، لأن في قوله أنت طالق بائن لو ألغينا قوله بائن، يبقى قوله أنت طالقة وإنه كلام مبتدأ في الإيقاع فألغيناه تصحيحًا للإيقاع.
أما في قوله: أبنتك بتطليقة لو ألغينا قوله: أبنتك يبقى قوله بتطليقة، وإنه غير مفيد في الإيقاع. وعلى هذا إذا قالت المختلعة لزوجها خويشتن خريسدم أرقوا بكابين وتقع عدة، فقال الزوج لا يقع بشيء، فلا يلغو قوله: فروختم الأفللو ألغيناه يبقى قوله بيك طلاق، وإنه لا يفيد شيئًا، فكل فرقة توجب التحريم مؤبدًا فإن الطلاق لا يلحق بالمرأة؛ لأنه لا يظهر له أثر، وكذلك إذا اشترى منكوحته لا يلحقها الطلاق.
وإذا ارتد الرجل ولحق بدار الحرب لم يقع على المرأة طلاقه؛ لأن تباين الدارين ينافي النكاح، فيكون منافيًا للطلاق الذي هو من أحكام النكاح، فإن عاد إلى دار الإسلام وهي في العدة وقع عليها الطلاق؛ لأن المنافي وهو تباين الدارين قد ارتفع، ومحلية الطلاق بالعدة إنها قائمة فيقع الطلاق.
وإذا ارتدت المرأة ولحقت بدار الحرب لم يقع طلاق الزوج عليها، فإن عادت قبل الحيض لم يقع طلاق الزوج عليها عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن العدة قد سقطت عليها عنده لفوات المحلية؛ لأن من كان في دار الحرب فهو كالميت في حقنا، وبقاء الشيء في غير محله مستحيل، والعدة متى سقطت لا تعود إلا بعود سببها بخلاف الفصل الأول؛ لأن هناك العدة باقية ببقاء محلها؛ لأنها في دار الإسلام إلا أن تباين الدارين كان مانعًا وقوع الطلاق، فإذا ارتفع المانع والعدة باقية وقع. وقال أبو يوسف رحمه الله: يقع الطلاق؛ لأن العدة باقية عنده إلا أنه لم يقع الطلاق لتباين الدارين، والتقريب ما ذكرنا والله أعلم.

.الفصل السادس: في إيقاع الطلاق بالكتابات:

يجب أن يعلم بأن الكتابة نوعان: مرسومة وغير مرسومة.
فالمرسومة: أن تكتب على صحيفة مصدرًا ومعنونًا وإنها على وجهين:
الأول: أن تكتب هذا كتاب فلان بن فلان إلى فلانة أما بعد: فأنت طالق. وفي هذا الوجه يقع الطلاق عليها في الحال.
وإن قال: لم أعنِ به الطلاق لم يصدق في الحكم، وهذا لأن الكتابة المرسومة بمنزلة المقال.
ولو قال لها: يا فلانة أنت طالق ولم يذكر شرطًا يقع الطلاق عليها في الحال. وإذا قال لم أنو الطلاق لم يصدق في الحكم كذا هاهنا. وهل يدين فيما بينه وبين الله تعالى؟ ذكر هذه المسألة في (المنتقى): في موضعين، وذكر في أحد الموضعين أنه لا يدين، وذكر في الموضع الآخر أنه يدين.
الوجه الثاني: أن يكتب إذا جاءك كتابي هذا فأنت طالق. وفي هذا الوجه لا يقع الطلاق إلا بعد مجيء الكتاب؛ لأنه علّق الطلاق بالشرط كتابة، ولو علقه بالشرط مقالة لا يقع الطلاق قبل وجود الشرط كذا هاهنا. فإن كتب أول الكتاب أما بعد: إذا جاءك كتابي هذا أنت طالق، ثم كتب الحوائج، ثم بدا له مجيء الحوائج وترك قوله: إذا جاءك كتابي هذا فأنت طالق فوصل إليها هذا القدر يقع الطلاق. وإن محى قوله إذا جاء كتابي هذا فأنت طالق وترك الحوائج لا يقع الطلاق عليها وإن وصل إليها الكتاب، هكذا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله؛ لأن شرط وقوع الطلاق عليها أن يصل إليها ما كتب قبل قوله هذا ولم يصل لما محاه قبل الوصول.
وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: أنه إذا محى ذلك الطلاق من كتابه، وترك ما سوى ذكر وبعث بالكتاب إليها فهي طالق إذا وصل، وهكذا ذكر في (العيون)؛ لأن شرط وقوع الطلاق وصول كتابه إليها وقد وصل، ومجيء الطلاق بمنزلة الرجوع عن التعليق، وإن محى الخطوط كلها وبعث بالبياض إليها تطلق.
وفي (القدوري): لو محى ذكر الطلاق عنه وأنفذ الكتاب وقع الطلاق إن بقي منه ما يسمى كتابة أو رسالة، وإن لم يبق منه كلام يكون رسالة لم يقع الطلاق، وإن وصل إليها لأن الشرط وصول الكتاب إليها فلابد من أن يبقى بعد المحو ما يسمى كتابًا. وإن كتب الحوائج أولًا ثم كتب بعده: أما بعد إذا جاءك كتابي هذا، فأنت طالق، فبدا له محو الحوائج وترك قوله إذا جاءك كتابي هذا فأنت طالق لا يقع عليها الطلاق. وإن وصل إليها الكتاب.
وفي (الحاوي) أنها تطلق، وإذا محى قوله: إذا جاءك كتابي هذا فأنت طالق فجاءها الكتاب طلقت. ولو كتب وسط الكتاب إذا جاءك كتابي هذا فأنت طالق وكتب قبله حوائج وبعده حوائج ثم بدا له فمحى الطلاق وترك ما قبله طلقت، وإن محى ما قبله أو أكثر وترك الطلاق وترك ما قبله لم تطلق.
وفي (الحاوي): إذا كتب فصل الطلاق في وسط الكتاب ثم محى ذلك، قال أبو يوسف رحمه الله: إن كان ما قبل الطلاق أكثر طلقت، وإن كان الأكثر بعده لا تطلق.
وفي (المنتقى): لو كتب رجل رسالة منه إلى امرأته وكتب: إذا جاءك كتابي هذا فأنت طالق، فمحى ذكر الطلاق وبعث بالكتاب إليها، فإن كان صدر الرسالة أكثرها على ما يكتب الناس على حاله فالطلاق لها لازم.
معنى المسألة: أنه إن بقي بعد محو الطلاق ما يسمى كتابة أو رسالة يقع الطلاق وما لا فلا، ألا ترى أنه ذكر بعده، قال: كأن كتب: إذا أتاك كتابي هذا فأنت طالق، فمحى أنت طالق وترك إذا أتاك كتابي هذا، وليس للكتاب صدر غير هذا الحرف لم يقع عليها الطلاق، وليس هذا كتابه إليها.
وفي (الحاوي): لو محى بعض الكلمات وترك بعضه وترك فصل الطلاق أيضًا وهو في آخره فإن كان الممحو أكثر والمتروك أقل لا تطلق، وإن كان على العكس تطلق. وأما إذا كانت الكتابة مرسومة، فإن كانت غير مستبينة بأن كتب على وجه لا يمكن فهمها وقراءتها بأن كتب على الماء أو على الهواء، وفي هذا الوجه يقع الطلاق نوى أو لم ينو.
وإن كانت مستبينة على وجه يمكن قراءتها وفهمها بأن كتب على الأرض أو الحجر إلا أنه غير مصدر ولا معنون وفي هذا الوجه إن نوى الطلاق يقع، وإن لم ينو لا يقع، فبعد ذلك إن (كان) ذلك صحيحًا يبين بنية بلسانه وإن كان أخرسًا...... بالكتاب.
ولو كتب الصحيح أو الأخرس إلى امرأته كتابًا فيه طلاقها وكان الكتاب مرسومًا ثم جحد الكتاب وقامت عليه البينة أنه كتبه فرق بينهما قضاء، وأما ديانة فإن كان لم ينو به الطلاق فهي امرأته.
وفي (المنتقى): لو كتب كتابًا في قرطاس فكان فيه: إذا أتاك كتابي هذا فأنت طالق ثم نسخه في كتاب آخر أو أمر غيره أن ينسخه ولم يُمل هو، فأتاها الكتابات بأن طلقت تطليقتين في القضاء إذا أقرأتهما كتاباه أو قامت به بينة. وأما فيما بينه وبين الله تعالى فيقع عليها تطليقة واحدة بأيهما أتاها ويبطل الآخر لأنها نسخة واحدة.
وفيه أيضًا: رجل كتب من رجل آخر إلى امرأته كتابًا بطلاقه وقرأه على الزوج وأخذه الزوج وطول وختم وكتب في عنوانه وبعثه إلى امرأته، فأتاها الكتاب وأقرّ الزوج أنه كتابه فإن الطلاق يقع عليها، وكذلك لو قال لذلك الرجل: ابعث بهذا الكتاب إليها أو قال له: اكتب نسخة وابعث بها إليها، وإن لم تقم عليه بينة بالكتاب ولم يقر أنه كتابه ولكنه وصف الأمر على وجهه، فإنه لا يلزمه الطلاق في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى، وكذلك كل كتاب لا يكتبه بخطه ولم يمله بنفسه لا يقع به الطلاق إذا لم يقر أنه كتابه.
وفي (المنتقى): عن محمد رحمه الله: إذا كتب الرجل إلى امرأته: كل امرأة لي غيرك وغير فلانة فهي طالق، ثم محى ذكر غير فلانة، وبعث بالكتاب لا تطلق فلانة وهذه حيلة جيدة.
وفي (العيون): إذا كتب إلى امرأته أما بعد أنت طالق إن شاء الله، فإن كان كتب إن شاء الله موصولًا بكتابته أما بعد فأنت طالق لا تطلق، وإن فتر فترة بعدما كتب أنت طالق ثم كتب إن شاء الله تطلق؛ لأن الكتاب من الغائب بمنزلة التلفظ من الحاضر.
وفي (النوازل): إذا كتب إلى امرأته إذا جاءك كتابي هذا فأنت طالق، فوصل الكتاب إلى أبيها فمزق الكتاب ولم يدفعه إليها، فإن كان الأب هو المتصرف في جميع أمورها وقع الطلاق متى وصل الكتاب إلى أبيها في بلدها؛ لأن الوصول إلى أبيها وهو المتصرف في عموم أمرها بمنزلة الوصول إليها، وإن لم يكن الأب هو المتصرف في عموم أمورها لا يقع عليها الطلاق؛ لأن الوصول إليه حينئذ لا يكون كالوصول إليها.
وفي (فتاوى أهل سمرقند): إذا أكره الرجل بالحبس والضرب على أن يكتب طلاق امرأته فكتب فلانة بنت فلان طالق لا تطلق لأن الكتاب من الغائب جعل بمنزلة الخطاب من الحاضر باعتبار الحاجة، ولا حاجة هاهنا حيث احتيج إلى الضرب والله أعلم.

.الفصل السابع: في الشركة في الطلاق:

إذا طلق الرجل امرأته ثم قال لامرأة أخرى له: أشركتك معها في الطلاق وقع على الأخرى مثل ما وقع على الأولى ثلاثًا كانت أو أقل، وهذا لأن الشركة تقتضي المساواة، فإذا قال للأخرى: أشركتك معها في الطلاق، فقد أثبت المساواة بين الأولى وبين الأخرى، والمساواة بينهما في الطلاق إنما يتحقق إما بنقل نصف ما وقع على الأولى إلى (الأولى) كمن اشترى عبدًا فقال لآخر أشركتك فيه يصير نصف العبد منقولًا منه إلى الذي أشركه أو بأن يقع على الأخرى مثل ما وقع على الأولى والأول متعذر لأن الطلاق الواقع مما لا يقبل الرفع والنقل فتعين الثاني، فصار قوله: أشركتك مع فلانة في الطلاق بمنزلة قوله أوقعت عليك مثل ما أوقعت على فلانة، ولو صرح بذلك يقع للأخرى مثل ما وقع على الأولى كذا هاهنا.
وفي (البقالي): لو طلق امرأته ثلاثًا ثم قال لامرأة له أخرى: جعلت لك في هذا الطلاق نصيبًا، أنه ينوي، فإن نوى واحدة فواحدة وإن نوى نصيبًا في كل واحدة من الثلاث قبلت.
وفي (المنتقى): لو طلق امرأته واحدة ثم قال لامرأة له أخرى: قد اشركتك في طلاقها وقعت على الثانية واحدة، فإن قال لثالثة: قد أشركتك في طلاقهما وقعت عليها ثنتان، فإن قال لرابعة: قد أشركتك في طلاقهن وقع عليها ثلاث تطليقات.
في (البقالي): لو طلق ثلاث نسوة له واحدة، واحدة ثم قال لرابعة: أشركتك في طلاقهن وقع عليها ثلاث تطليقات، ولو طلقهن على التفاوت بأن طلق واحدة منهن واحدة وطلق الأخرى ثنتين وطلق الأخرى ثلاثًا، ثم قال للرابعة: أشركتك في طلاق إحداهن فقد قيل: يخير.
فروى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله في (الإملاء): لو أن رجلًا طلق امرأته على جُعل ثم قال لامرأة أخرى له: قد أشركتك في طلاقها فقالت: لا أقبل يلزمها، الطلاق وليس عليها من الجعل شيء. ولو أن هذه المرأة التي طلقها الزوج أولًا أقامت البينة على ثلاث قبل الخلع ورجعت بالجعل الذي أعطته، فإن كان الزوج جاحدًا للطلقات الثلاث، يعني قبل إقامة البينة وبعدها يقع الطلاق على الثانية بغير شيء. فإن كان مصدقًا لها فيه يعني بعد إقامة البينة لم يقع على الثانية شيء.
وفي (القدوري): لو قال لامرأتين له: أشركت بينكما في تطليقتين فهو بمنزلة قوله: بينكما تطليقتان حتى يقع على كل واحدة واحدة، وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه يقع على كل واحدة تطليقتان.
وفي (البقالي) وفي (المنتقى): إذا طلق امرأة له ثم تزوجها، ثم قال لامرأة أخرى له قد أشركتك في طلاق فلانة طلقت. ولو قال أشركتك في طلاق فلانة ولم يكن طلقها أو كانت فلانة تحت زوج آخر قد طلقها أو لم يطلقها، ففي امرأة الغير لا يلزم امرأته طلاق إن كان طلقها أو لم يطلقها نوى الزوج طلاقًا أو لم ينو، وفي امرأة يملكها لا تطلق الثانية إذا لم يكن طلق تلك ولا يكون هذا إقرار بطلاق تلك.
رواه بشر عن أبي يوسف رحمهما الله وأبو سليمان عن محمد رحمهما الله مطلقًا، وزاد في (البقالي): ولا يكون هذا إقرارًا بطلاق تلك إلا أن يقول: أشركتك في طلاق فلانة التي طلقها، وفي (البقالي) أيضًا: أشركها في طلاق امرأة الغير لا يصح إلا أن يقول: أنا أوقع طلاقه الذي أوقع عليها على امرأتي: ولو قال لامرأة له: إذا دخلت هذه الدار فأنت طالق، ثم قال لامرأة أخرى له: أشركتك في هذه التطليقة، فإذا دخلت الدار طلقتا.
وكذلك لو قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق ثم قال لامرأة له أخرى: قد أشركتك في طلاق هذه، إذا تزوجها طلقتا. وإذا تزوج امرأة نكاحًا فاسدًا ثم طلقها ثلاثًا ثم قال لأخرى قد أشركتك في طلاق هذه ولا نيّة له لم تطلق. ولو قال: قد أشركتك في الطلاق الذي تكلمت به طلقتا ثلاثًا.
وفي (المنتقى): إذا قال لامرأته: إن طلقتك، فهذه مثلك لامرأة أخرى له، ولا نية له في الطلاق أو نوى الطلاق، ثم إنه طلق الأولى ثلاثًا تطلق هذه الأخيرة واحدة. وكذلك إذا قال لامرأته حيثما طلقتك، فهذه الأخرى مثلك ينوي الطلاق وطلق الأولى ثلاثًا طلقت الأخرى واحدة إلا أن ينوي ثلاثًا. وإن طلق الأولى واحدة طلقت الأخرى واحدة.
وفي (نوادر ابن سماعة) (عن محمد) رحمهما الله: إذا طلق الرجل امرأته ثم قال لامرأة له: أنت مثلها ينوي به الطلاق. إذا قال: أنت نظيرها ينوي بها الطلاق فهي طالق، وكذا لو قال رجل لآخر لامرأته.
وروى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله في أمة أعتقت واختارت نفسها، فقال زوجها لامرأة أخرى قد أشركتك في طلاق هذه لا يقع عليها طلاق، وكذلك كل فرقة بغير طلاق.
ولو قال: قد أشركتك في فرقة هذه، أو قال: قد أشركتك في بينونة ما بيني وبينها لزمها تطليقة بائنة، وإن نوى ثلاثًا قبلت. وإن قال: لم أنو الطلاق لم يدين في القضاء ويدين فيما بينه وبين الله، وروى أبو سليمان عن محمد رحمهما الله أنه لا يقع عليها شيء.
وفي (المنتقى): إذا خلع امرأته على ألف ثم قال لامرأة أخرى له: قد أشركتك في خلع هذه فإن قبلت وقع عليها الخلع بخمس مائة.
وعلى قياس ما تقدم ينبغي أن يقع عليها الخلع بألف إذا قبلت؛ لأنه تعذر إثبات المساواة بينهما بنقل الخلع بنصف المال إلى الأخرى، فيتعين إثبات المساواة بإيقاع مثل ذلك إلى الأخرى، والله أعلم بالصواب.

.الفصل الثامن: في الطلاق الذي يكون من غير الزوج فيجيزه الزوج، فيقع أو لا يقع:

إذا قالت المرأة لزوجها: قد طلقت نفسي فقال الزوج: قد أجزت ذلك فهذا جائز، ويقع عليها تطليقة رجعية؛ لأن هذا تصرف فضولي لم يجد نفاذًا عليها؛ لأن المرأة لا تملك إيقاع الطلاق على نفسها وله مجيز حال وقوعه وهو الزوج، فيتوقف على إجازته. وإذا أجاز ينفذ ويقع الطلاق رجعيًا لأن الفضولي عند الإجازة كالتوكيل، وقول التوكيل ينتقل إلى الموكل فيما لا ترجع حقوقه إلى الوكيل، فإن قال الزوج لها: طلقتك وهناك يقع الطلاق رجعيًا. ولا يشترط به الطلاق من الزوج عند قوله؛ أجزت لوقوع الطلاق.
ولو نوى الزوج الثلاث عند قوله: أجزت لا تصح نيته؛ لأن تقدير هذه المسألة كأن الزوج قال لها: طلقتك، وهناك لا يحتاج إلى نية الزوج، فلا تصح نية الثلاث منه كذا هاهنا.
وكذلك إذا قالت: أبنت نفسي منك أو حرمت نفسي عليك فقال الزوج: أجزت ذلك وهو يريد الطلاق يقع الطلاق؛ لأن هذا تصرف فضولي لم يجد نفاذًا على الفضولي وله مجيز حال وقوعه وهو الزوج فيقف على إجازة الزوج، فإذا أجازه ينفذ، ويصير تقدير المسألة كأن الزوج قال: أبنتك حرمتك على نفسي، ولهذا يحتاج إلى نية الطلاق عند قوله أجزت، وتصح نية الثلاث عند عدم نية الثلاث وتقع تطليقة بائنة لأن هذه الألفاظ من جملة الكنايات، والواقع بالكنايات بائن وتصح نية الثلاث فيها.
ولو قالت: اخترت نفسي (منك، فقال الزوج: أجزت ذلك وهو يريد الطلاق لا يقع الطلاق؛ لأنه لم يكن له) مجيزٌ حال وقوعه؛ لأن الزوج لا يملك إجازة ذلك؛ لأن ملك الإجازة يستفاد من ملك الإنشاء والزوج لا يملك إنشاء الإيقاع بهذا اللفظ فإنه لو قال: اخترتك اخترت نفسك ونوى الطلاق لا يقع لأنه نوى ما لا يحتمله لفظه ولو قالت المرأة: جعلت أمري بيدي، فقال الزوج: أجزت ذلك وهو يريد الطلاق صار أمرها بيدها؛ لأن الزوج يملك جعل أمرها بيدها بهذه اللفظة بأن يقول جعلت أمرك بيدك فكان لهذا التصرف مجيز حال وقوعه فيتوقف على إجازته وينفذ بإجازته وإن اختارت نفسها بعد ذلك في المجلس يقع الطلاق وما لا فلا، وكذلك لو قالت: جعلت الخيار إليّ فقال الزوج: أجزت ذلك وهو يريد الطلاق صار الخيار إليها.
ولو قالت: جعلت أمري بيدي واخترت نفسي فقال الزوج: أجزت ذلك صار الأمر بيدها، ولكن لا يقع الطلاق ما لم تختر نفسها بعد إجازة الزوج في مجلسها ذلك لأنها باشرت تصرفين ولأحدهما الزوج مجيز وهو جعل الأمر بيدها ولا مجيز للآخر، وهو الاختيار، فيتوقف الأمر باليد على الإجازة، ولا يتوقف الاختيار بل يبطل. فإذا أجازهما صار الأمر بيدها، فإذا اختارت نفسها بعد ذلك في مجلسها ذلك طلقت وما لا فلا.
ولو قالت: قد كنت جعلت أمس أمري بيدي واخترت نفسي، فقال الزوج: صدقت وقد أجزت ذلك الساعة وهو يريد الطلاق بيدها، ولكنها، لا تطلق إلا إذا اختارت نفسها في ذلك المجلس. ولو كانت قالت: قد كنت قلت أمس: أمري بيدي اليوم كله واخترت نفسي، فقال الزوج: صدقت وقد أجزت ذلك الساعة كان ذلك باطلًا كما لو اختارت نفسها بعد إجازة الزوج لا يقع عليها الطلاق.
والفرق: أن في المسألة الأولى ذكرا الأولى ذكر أمس لبيان وقت التفويض على سبيل التاريخ لا لتأقيت التفويض بالأمس، كقوله بعت أمس، أجزت أمس، فبقي الأمر مرسلًا غير مؤقت بالأمس، فيكون قائمًا وقت الإجازة، فالإجازة لاقت تفويضًا قائمًا وقت الإجازة، فعملت.
أما ذكر أمس في المسألة الثانية لبيان تأقيت التفويض فيه لا لبيان تاريخ التفويض لأنه إن ذكر الأمس مطلقًا أو ذكر بعض الأمس يكفي في التاريخ، فلم يكن لقوله كله فائدة سوى التأقيت به، ألا ترى أن من قال لغيره: أجزت منك هذا العبد اليوم كله كان ذلك اليوم للتأقيت حتى يجوز العقد. وإذا قال: بعت منك هذا العبد اليوم كله، ذكر اليوم للتأقيت حتى يبطل العقد فكذا هاهنا. ولما ذكر الأمس لتأقيت التفويض به لا يبقى التفويض بعد، فالإجازة تلاقي تفويضًا منتهيًا، فلا تعمل. هذه الجملة من أيمان (الجامع).
وفي طلاق (الجامع): رجل قال لامرأة رجل: جعلت أمرك بيدك، فقالت قد اخترت نفسي فبلغ الزوج الخبر، فقال: أجزت ذلك كله صار الأمر بيدها، ولكن لا يقع الطلاق ما لم تختر نفسها في مجلس علمها بإجازة الزوج. والمعنى ما ذكرنا في قول المرأة: جعلت أمري بيدي واخترت نفسي.
ولو قالت المرأة: جعلت أمري بيدي وطلقت نفسي بذلك، فأجاز الزوج ذلك طلقت واحدة رجعية، وصار الأمر بيدها حتى لو طلقت نفسها بحكم التفويض يقع طلاق آخر بائن؛ لأنها تصرفت تصرفين: الطلاق والتفويض، والزوج مجيز لهما، فيتوقفا على إجازته وينفذا بإجازته. وكان ينبغي أن لا يكون الواقع للحال رجعيًا؛ لأنها أوقعت الطلاق بطريق الاختيار، حيث قالت: وطلقت نفسي بذلك، أي بذلك التخيير الذي جعلت في يدي والواقع بالتخيير يكون بائنًا، والجواب أن إشارتها لا تصح لأنها؛ لا تملك التطليق قبل التفويض، وقبل الإجازة لم يوجد التفويض إليها، فلغت الإشارة وبقي أصل الطلاق....، كأنها قالت: جعلت أمري بيدي وطلقت نفسي.
ولو قالت المرأة لزوجها: قد اخترت نفسي منك كان باطلًا؛ لأن اختيارها نفسها لا يتوقف على الإجازة ولا ينفذ ذلك منها لاختيارها نفسها قبل صيرورة الأمر بيدها فيبطل ضرورة.
رجل قال لامرأة رجل: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق فأجاز الزوج ذلك ثم دخلت الدار طلقت. ولو دخلت الدار قبل إجازة الزوج لا تطلق، فإن عادت بعد الإجازة فدخلت الدار طلقت؛ لأن تصرف الفضولي إنما يصير يمينًا بإجازة الزوج والأيمان تقتضي شروطًا في المستقبل.
ولو أن رجلًا قال لرجل: بلغني أن امرأتي تخرج من منزلها وأنا غائب وأنا أريد أن أحذرها فاكتب في ذلك كتابًا، فكتب الرجل إليها: أما بعد فإن خرجت من منزلك فأنت طالق ثلاثًا، فخرجت المرأة من المنزل بعدما كتب الرجل الكتاب قبل أن يقرأه الكاتب على الزوج ثم قرأه على الزوج فأجازه وبعث بالكتاب إلى المرأة فليس يقع بالخروج الأول شيء، وإنما هذا على خروج يوجد بعد الإجازة؛ لأن قول الزوج للكاتب: اكتب بذلك كتابًا ليس فيه ما يدل على الطلاق، وإنما أمره أن يكتب كتابًا يمنعها عن الخروج بعظة يعظها، وقد يكون ذلك بالطلاق وقد يكون بغيره، فلم يثبت الأمر بكتابة اليمين بالطلاق، فكان فضوليًا في كتابة اليمين بالطلاق وإنما ينعقد يمينًا إذا أجاز الزوج ولا معتبر فالشروط قبل انعقاد اليمين.
وفي (المنتقى) عن ابن سماعة قال: سمعت أبا يوسف رحمهما الله: يقول في رجل قال لامرأة رجل: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق، فقال الزوج: نعم قد حلف الزوج بذلك كله، فإن دخلت بعد قوله نعم فهي طالق. فكذلك قال: ألزمتها ذلك ولو لم يقل الزوج شيئًا حتى دخلت الدار، فقال: قد أجزت هذا الطلاق عليها فهو جائز.
وفي أيمان (القدوري): إذا قال الزوج: امرأة زيد طالق وعبده حر، وعليه المشي إلى بيت الله تعالى إن دخل هذه الدار، فقال زيد: نعم، وقد حلفت بذلك كله، ولو لم يقل نعم ولكن قال: أجزت ذلك، فهذا لم يحلف على شيء، وإنه يخالف مسألة (الجامع) التي تقدم ذكرها. ولو قال: أجزت ذلك عليها إن دخلت الدار، أو قال: ألزمته نفسي إن دخلت الدار لزمه.
وفيه أيضًا: لو قال امرأة زيد طالق، فقال زيد: أجزت أو رضيت أو ألزمته نفسي لزمه الطلاق.
وفيه أيضًا: إذا قال الرجل: إن بعت هذا المملوك من زيد فهو حر، فقال زيد: نعم، ثم اشتراه زيد لا يعتق عليه. ولو قال: إن اشترى زيد مني هذا العبد فهو حر، فقال زيد: نعم، ثم اشتراه عتق عليه.
وفي (المنتقى): إذا طلق الرجل امرأة رجل أو أعتق عبده أو باعه فقال الزوج أو المولى: رضيت بذلك أو قال: شئت ذلك، فهو إجازة. ولو قال: قد أحببت ذلك، أو قال: هويت، أو أردت، أو قال: أعجبني ذلك، أو قال وافقني ذلك فذلك ليس بإجازة.
وفيه أيضًا: إذا قال الرجل لامرأة رجل: اختاري، يعني الطلاق فاختارت نفسها أو قال لها: أمرك بيدك، ينوي الطلاق، فاختارت نفسها، أو قال لها: أنت طالق إن شئت، فقالت: شئت، وقال الزوج: قد أجزت ذلك فهي طالق. ولو قال: أجزت قوله: أمرك بيدك وأجزت قوله: اختاري لم يلزمها الطلاق إلا أن تختار نفسها بعد إجازة الزوج في مجلس علمها بإجازة الزوج.
وفيه أيضًا: إذا قالت لنفسها: إذا ولدت ولدًا، فأنا طالق فولدت ولدًا فقال الزوج: قد أجزت ذلك فهي طالق. ولو قال ألزمت نفسي قولك إذا ولدت ولدًا لا تطلق ما لم تلد ولدًا آخر. ولو قالت: أنا طالق بألف درهم، فقال الزوج: نعم لزمها تطليقة بألف درهم.

.الفصل التاسع: في الاستثناء في الطلاق:

يجب أن يعلم بأن الاستثناء يصح موصولًا ولا يصح مفصولًا. وشرطه أن يتكلم بالحروف سواء كان مسموعًا أو لم يكن عند الشيخ أبي الحسن الكرخي رحمه الله، وكان الفقيه أبو جعفر الهندواني رحمه الله يقول: لابد وأن يسمع نفسه، وبه كان يفتي الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل رحمه الله، قال الكرخي رحمه الله في (كتابه) كلمة إن شاء الله إذا وصلت بالكلام ترفع حكمه، أي: يصرف (أيًا) كان.
وحكي عن الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: إذا قال الرجل: نويت أن أصوم غدًا إن شاء الله كانت نيته صحيحة، لو صام غدًا بهذه النية يجوز استحسانًا. وتخرج المسألة من وجهتين:
إحداهما: أن كلمة إن شاء الله في هذه الصورة تستعمل لطلب التوفيق عادة، ولا تستعمل للتعليق، حتى لو استعملها للتعليق لا تصح نيته أيضًا.
الثاني: أن الاستثناء عمل اللسان ويرفع حكم كل تصرف يختص باللسان نحوالطلاق والعتاق والبيع، والنية عمل القلب لا تعلق له باللسان، فلا يرفع الاستثناء حكمه.
وذكر في (الفتاوى): المريض إذا قال لورثته: اعتقوا فلانًا عني بعد موتي إن شاء الله صح الإيصاء حتى يجب عليهم الإعتاق.
وتخريجه: أن هناك الاستثناء دخل في الأمر، والاستثناء يعمل في الإيجاب لا في الأوامر لعلة أن الإيجاب يقع لازمًا فيحتاج فيه إلى الاستثناء حتى لا يلزمه حكمه، وأما الأوامر لا تقع لازمة، فإنه يمكن الرجوع فيها، فلا تقع الحاجة فيها إلى الاستثناء، وصار الحاصل أن كلمة إن شاء الله إذا دخلت على ما يختص باللسان وهو إيجاب يرفع حكمه، وإذا دخلت على ما لا يختص باللسان أو هو أمر، فليس بإيجاب إذا دخلت على الأمر يرفع حكمه.
وإذا قال لها: أنت طالق إن شاء الله، فهذا استثناء، وكذلك إذا قال: ما شاء الله فهو استثناء، وكذلك إذا قال: إلا إن شاء الله، ولو قدم الاستثناء فإن ذكر الطلاق بحرف الفاء بأن قال إن شاء الله فأنت طالق، فهذا استثناء صحيح.
وكذلك إذا قال: إن شاء الله قوله... لله لا أدخل الدار، فهذا استثناء صحيح، لو دخلت الدار لا يحنث في يمينه. ألا ترى أنه لو ذكر مكان: إن شاء الله شرطًا آخر بأن قال مثلًا: إن دخلت الدار فأنت طالق كان تطليقًا صحيحًا. وإن ذكر الطلاق بدون حرف الفاء قال: إن شاء الله أنت طالق فهذا استثناء صحيح في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله. وقال محمد رحمه الله: هذا استثناء منقطع، والطلاق واقع في القضاء ويدين فيها بينه وبين الله تعالى، وإن كان إرادته الاستثناء ذكر الخلاف على هذا الوجه.
وعن أبي يوسف رحمه الله إذا قال: إن شاء الله وأنت طالق فهذا استثناء. وعنه أيضًا: إنه ليس باستثناء. وعنه أيضًا: إذا قال: أنت طالق وإن شاء الله، أو قال: أنت طالق فإن شاء الله، فهذا ليس باستثناء.
وفي (المنتقى): إذا قال لها: أنت طالق ثلاثًا إلا ما شاء الله إنها تطلق واحدة قال ثمة: وأجعل الاستثناء على الأكثر، وذكر بعد ذلك مسائل أنت طالق ثلاثًا إلا ما شاء الله أنت طالق ثلاثًا إلا أن يشاء الله، وذكر أنه لا يقع الطلاق أصلًا. وإذا قال لها: أنت طالق إن شاء الله ولا يدري أي شيء إن شاء الله لا يقع الطلاق؛ لأن الطلاق مع الاستثناء ليس بإيقاع بعلمه وجهله يكون فيه سواء.
ألا ترى أن سكوت البكر لما جعل قضاء شرعًا استوى فيه الجهل والعلم حتى لو زوجها أبوها فسكتت وهي لا تعلم أن السكوت رضا يجوز النكاح، ولم يعتبر جهلهما ولو قال لها: أنت طالق فجرى على لسانه من غير قصد إن شاء الله، فكان قصده إيقاع الطلاق لا يقع الطلاق؛ لأن الاستثناء قد وجد موصولًا مع الاستثناء لا يكون إيقاعًا فهو كما لو قال لها: أنت طالق فجرى على لسانه أو غير طالق، ولو ضم مع مشيئة الله تعالى مشيئة غيره كان استثناء. كأن قال: أنت طالق إن شاء الله و.... قال: أنت (طالق) إن شاء الله وشاء فلان. ولو شرط مشيئة من لا تعلم مشيئته نحو أن يقول إن شاء جبريل أو الملائكة أو الشياطين كان استثناء من الكلام وهذا وما لو شرط مشيئة الله تعالى سواء.
وفي (الجامع) لو قال لرجل: طلق امرأتي إن شاء الله وشئت وطلقها المخاطب لا يقع، وكذلك لو قال: طلق امرأتي ما شاء الله، وشئت، فطلقها المخاطب لا يقع؛ لأن معنى قوله ما شاء الله وشئت العدد الذي شاء الله وشئت ولا يدري إن شاء الله تعالى أي عدد أو شاء شيئًا أو لم يشأ أصلًا. وهذه المسألة ودليل على أن كلمة إن شاء الله إذا دخل على الأمر ترفع حكمه.
ولو قال له: طلق امرأتي بما شاء الله، وشئت أو قال: أعتق عبدي بما شاء الله وشئت فطلقها أو أعتقه على مال يجوز؛ لأن هاهنا أدخل المشيئة على البدل، لا على الطلاق والعتاق فبطل ذكر البدل وبقي الأمر بالطلاق والعتاق مطلقًا، أما في قوله ما شاء الله أدخل المشيئة في عدد الطلاق ولا يدرى أي عدد شاء الله.
وفي (النوازل): إذا قال لامرأته: أنت طالق اليوم واحدة إن شاء الله وإن لم يشأ فثنتين، فمضى اليوم ولم يطلقها وقع ثنتان؛ لأن الله تعالى لو شاء الواحدة من طلقها لطلقها قبل مضي اليوم، فلما لم يطلقها علم أنه لم يشأ الواحدة، وقد علق بعدم مشيئة الواحدة تطليقتان. ولهذا قال: إذا مضى اليوم ولم يطلقها طلقت تطليقتين وإن طلقها واحدة قبل مضي اليوم لا يقع عليها إلا تلك الواحدة؛ لأن وقوع ما زاد على الواحد متعلق بعدم مشيئة الله تعالى الواحدة اليوم، وقد شاء ذلك حتى طلقها الواحدة قبل مضي اليوم. ولو لم يقيده باليوم وقال لها: أنت طالق واحدة إن شاء الله، وأنت طالق ثنتين إن لم يشأ الله لا يقع شيء لأن قوله: أنت طالق إن شاء الله كلام صحيح فلا يقع به شيء؛ وقوله: فأنت طالق ثنتين إن لم يشأ الله إذا لم يقيده باليوم كان باطلًا، لأنه لو صح لبطل من حيث صح؛ لأنه لو وقع الطلاق ثبتت مشيئة الله تعالى، ووجود الأشياء كلها مشيئة الله تعالى تخالف ما إذا قيده باليوم وذكر هذه المسألة في (المنتقى) ووصفها في الثنتين والثلاث وقال لها: أنت طالق ثنيتين اليوم إن شاء الله وإن لم يشأ الله تعالى في اليوم، فأنت طالق ثلاثًا فمضى ولم يطلقها طلقت ثلاثًا وإن لم يؤقت في اليمينين جميعًا فهو إلى الموت، فإذا لم يطلقها طلقت قبل الموت، فصل هذه الزيادة في (المنتقى)، وإنه يخالف ما ذكر في (النوازل) وذكر في (المنتقى) أيضًا قبل هذه المسألة إذا قال لها أنت طالق إن لم يشأ الله طلاقك لا تطلق بهذا اليمين أبدًا وإنه يوافق ما ذكر في (النوازل).
وفي (المنتقى) عن محمد رحمه الله إذا قال لها: أنت طالق أمس إن شاء الله إنه لا يقع الطلاق.

.نوع آخر فيما يقع به الفعل من الإيجاز والاستثناء وفيما لا يقع:

عن أبي يوسف رحمه الله فيمن حلف بالطلاق واستثنى وتنفس بين الاستثناء وبين الطلاق ووجد من النفس بدًا أو لم يجد قال: إذا فصله فهو استثناء.
قال في (الجامع): إذا قال لامرأته يا زانية أنت طالق إن شاء الله كان استثناؤه على الطلاق، ويصير قاذفًا للحال. ولو قال لها: أنت طالق يا زانية بنت الزانية إن شاء الله، فالاستثناء على الكل حتى لا يقع الطلاق ولا يَلزمه حد ولا لعان؛ لأن النسبة إنما تذكر لتعريف المنادى فيصير من جملة النداء، والنداء لا يصير فاصلًا، فكذا ما هو جملة النداء.
فإن قيل: التعريف يقع بالنسبة إلى الأب دون الأم، فلم يكن قوله بنت الزانية محتاجًا إليه لتعريف المنادى فيجب أن يصير فاصلًا، قلنا النسبة إلى الأب مما يقع به التعريف، إلا أن الأم لا تذكر في النسبة لا؛ لأن التعريف بها لا يقع لكن لأن الأنساب إلى الآباء، ألا ترى أنه لو قال: أنت طالق يا عمرة بنت فاطمة إن دخلت الدار؛ لا يكون قوله بنت فاطمة فاصلًا كما لو قال يا عمرة بنت عبدالله وطريقه ما قلنا. ولو قال لها: أنت طالق ثلاثًا يا طالق إن شاء الله انصرف الاستثناء إلى الكل حتى لا يقع شيء من الطلاق، وعن أبي حنيفة رحمه الله: أنه يقع ثلاث تطليقات ويصير قوله يا طالق فاصلًا بين الثلاث.
فعلى هذه الرواية فرق أبو حنيفة رحمه الله بين هذه المسألة وبين ما إذا قال لها: أنت طالق يا زانية إن دخلت الدار حيث قوله يا زانية لا يصير فاصلًا بين الطلاق والشرط حتى يتعلق الطلاق بالدخول، وهاهنا قال: يا طالق يصير فاصلًا.
والفرق: أن قوله: يا طالق إن كان نداء بصيغته فهو إيقاع بمعناه، ولهذا إذا قال يا طالق تطلق، كما لو قال لها: أنت طالق ثلاثًا، أنت طالق إن شاء الله. وإذا كان هذا إيقاعًا معنى صار كأنه قال لها: أنت طالق ثلاثًا أنت طالق إن شاء الله، ولو قال هكذا كان قوله أنت طالق فاصلًا بين الثلاث وبين الاستثناء كذا هاهنا.
أما قوله: يا زانية إخبار عن صفة قائمة بها وليس بإيقاع فبقي نداء، والنداء لا يصير فاصلًا بين الشرط والجزاء والصحيح ما ذكر في ظاهر الرواية لأن قوله يا طالق نداء بصيغته وليس بإيقاع وإنما يثبت الوقوع بقوله يا طالق بطريق الضرورة لا بموجب الصيغة ليصير اللفظ نداء، بمعنى قائم بالمنادى، وهاهنا لا ضرورة إلى القول بالوقوع بطريق الاقتضاء ولا يمكن القول به لما كان الاستثناء متصلًا بقوله: يا طالق، فكان نداء بصورته كقوله يا فاطمة، يا عائشة، والنداء لا يصير فاصلًا.
وفي (المنتقى): إذا قال لها: أنت طالق ثلاثًا يا عمرة بنت عبدالله إن شاء الله لا تطلق. ولو قال أنت طالق ثلاثًا يا عَمرة بنت عبد الله بن عبد الرحمن إن شاء الله تطلق، فالنسبة إلى الأبوين، وأكثر من ذلك فاصل بين الإيقاع والاستثناء، والنسبة إلى أب واحد ليس بفاصل.
وفي (نوادر بشر بن الوليد): عن أبي يوسف رحمه الله: قال لها: أنت طالق ثلاثًا يا زانية إن شاء الله. فالاستثناء على الآخر وهو القذف ويقع الطلاق، وكذلك إذا قال لها أنت طالق يا طالق إن شاء الله، ولو قال لها: أنت طالق يا خبيثة إن شاء الله، فالاستثناء على الكل ولا يقع الطلاق كأنه قال يا فلانة، وذكر ثمة أصلًا فقال: المذكور في آخر الكلام إذا كان يقع به طلاق أو يجب به حد فالاستثناء عليه، نحو قوله: يا زانية ويا طالق، وإن كان يجب به حد ولا يقع به طلاق فإنه استثناء على الكل وذكر نحو قوله يا خبيثة.
وفي (الجامع): إذا قال: امرأتي طالق إن دخلت الدار، وعبدي حر إن كلمت فلانًا إن شاء الله، انصرف الاستثناء إلى اليمينين، وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه يقتصر الاستثناء على اليمين الثانية.
حكي عن الكرخي رحمه الله كان يقول: حاصل الخلاف في هذه المسألة راجع إلى مسألة أخرى مختلفة، إن قوله إن شاء الله يستعمل لإبطال الكلام، أو يستعمل استعمال الشروط، للتعليق فعلى قول أبي يوسف رحمه الله يستعمل استعمال الشروط، وعلى قولهما يستعمل استعمال الإبطال حتى إن من قال لامرأته: إن شاء الله أنت طالق، فعلى قولهما: لا يقع الطلاق، وعلى قول أبي يوسف رحمه الله: يقع، ولو قال يستعمل عندهما استعمال الشروط للتعليق لكان يقع الطلاق عندهما كما يقع عند أبي يوسف رحمه الله، ألا ترى أنه لو قال: لامرأته: إن دخلت الدار أنت طالق إن دخلت الدار، وأنت طالق يقع الطلاق في الحال عند الكل، لما كان قوله إن دخلت الدار يستعمل استعمال الشروط ذكر الكرخي رحمه الله الخلاف في مسألة المشيئة على هذا الوجه.
وقد حكينا عن القدوري الخلاف في مسألة المشيئة على عكس هذا فعلى (ما) ذكره الكرخي، وأبو يوسف رحمه الله يعتبر اللفظ ويقول: اللفظ لفظ شرط، وهما قالا: إنما يعتبر اللفظ عند الإمكان ولا إمكان هاهنا؛ لأن معنى الشرط غير موجود هاهنا؛ لأن الشرط ما ينتظر وجوده لا ما لا وجوده، ألا ترى أنه لو علق الطلاق بفعل في الماضي لا يكون ذلك شرطًا بالاتفاق لأنه لا يمكن انتظاره.
قلنا: وإنما ينتظر الشيء ليتوصل إلى معرفته، ومشيئة الله تعالى مما لا يتوصل إلى معرفته فلا يصح انتظاره. إذا ثبت أن من مذهب أبي يوسف رحمه الله أن هذا الكلام يستعمل استعمال الشروط يقتصر على الثاني كصريح الشرط، وعندهما لما كان يستعمل استعمال الإبطال ينصرف إليهما؛ لأنه كما مست الحاجة إلى الإبطال الثاني مست الحاجة إلى إبطال الأول، والكلام متصل، فينصرف الاستثناء إليهما بخلاف صريح الشرط؛ لأن اليمين الأول غير محتاج إلى شرط آخر بل هو بدون شرط آخر فانصرف هذا الشرط إلى الثاني لهذا. وغيره من المشايخ تكلموا في المسألة على سبيل الابتداء وإنه يبتني على أصل معروف أن حرف الواو إذا دخل بين جملتين، الأولى ناقصة والأخرى تامة يجعل حرف الواو للعطف حتى يصير خبر الجملة التامة خبرًا للجملة الناقصة.
وإذا دخل حرف الواو بين جملتين تامتين يجعل حرف الواو للاستئناف لا للعطف، حتى لا يصير خبر إحدى الجملتين خبرًا للجملة الأخرى.
وجه قول أبي يوسف رحمه الله: أن حرف الواو دخل هاهنا بين جملتين تامتين لأنه دخل بين يمينين تامتين، فيجعل للاستئناف لا للعطف، بخلاف قوله: امرأته طالق، وعبده حر إن شاء الله حيث تنصرف المشيئة هناك إلى الجملة؛ لأن هناك حرف الواو دخل بين جملتين، الأولى منهما ناقصة من حيث التعليق؛ لأنه ذكر شرطًا واحدًا، فانصرف الشرط إلى الكل بحكم العطف. وهما يقولان حرف الواو دخل بين جملتين، الأولى منها ناقصة.
بيانه: أن اليمين الأولى إن كانت تامة في حق التعليق بمطلق الشرط فهي ناقصة في حق التعليق بمشيئة الله تعالى الذي يخرج الكلام بها من أن يكون إيقاعًا حالًا، وما لا مكان للمشيئة المذكورة في الجملة الأخرى مذكورة في الجملة الأخرى مذكور في الجملة الأولى بحكم العطف، وكذلك الجواب فيما إذا علقه بمشيئة فلان انصرفت المشيئة إلى اليمينين ثم إذا انصرفت المشيئة إلى اليمينين إن كانت مشيئة الله تعالى بطل جميع الكلام، وإن كانت مشيئة فلان توقف الانعقاد على مشيئته، وإن شاء فلان ذلك في مجلس العقد أو تعلق كل جزاء بشرطه كأنه قال: عند مشيئة فلان امرأته طالق إن دخل الدار، وعبده حر إن كلم فلانًا، وإن قال: لا أشاء بطل اليمينان، وكذلك إن شاء إحدى اليمينين بطلا؛ لأن الحالف علق انعقاد اليمينين بمشيئة اليمينين ولم يوجد ذلك في المجلس، فصار ذلك كما لو قال: امرأته طالق، وعبده حر إن شاء فلان فشاء أحدهما لا يقع شيء، وطريقه ما قلنا.
وذكر في (المنتقى) إذا قال: عمرة طالق ثلاثًا إن دخلت الدار، وزينب طالق واحدة إن كلمت فلانًا فهما يمينان، فإن استثنى بعد آخرهما ينصرف الاستثناء إلى اليمين الأخيرة، ولو أراد في القضاء والاستثناء على اليمين الأخيرة في القضاء.
وفي أيمان (الأصل): فإذا قال: والله لا أكلم فلانًا والله لا أكلم فلانًا آخر، إنه إن عنى بالاستثناء اليمينين فهو على ما نوى من غير فصل بين القضاء والديانة وإن لم يكن له نية ولاستثناء على اليمين الأخيرة، لأن الواو في اليمين الثانية واو القسم لا واو العطف. وقد ذكرنا في مسألة (الجامع) أن الاستثناء على اليمينين عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، فإن كان ما ذكر في (المنتقى) قول الكل، صار عن أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله روايتان في المسألة، وفي (المنتقى) أيضًا: إذا قال: عمرة طالق ثلاثًا إن دخلت الدار وزينب طالق إن دخلت الدار، فهما يمين واحد، وإذا دخلت الدار مرة واحدة وقع الطلاق عليهما، وإن ذكر بعده استثناء فلاستثناء عليهما.
وفيه أيضًا: لو قال: عمرة طالق إن شاءت وزينب طالق إن شاء الله، كان الاستثناء عليهما ولو قال: عمرة طالق إن شاءت، وزينب طالق إن شاءت فهما أمران مختلفان، فإذا ذكر عقيبهما استثناء ينصرف الاستثناء إلى آخرهما وإنه يخالف المذكور في (الجامع) على ما قلنا.
وفي (القدوري): إذا قال لها: أنت طالق ثلاثًا وثلاثًا إن شاء الله، وقع الثلاث ولغى الاستثناء في قول أبي حنيفة رحمه الله وقال أبو يوسف ومحمد رحمة الله عليهما: الاستثناء جائز. وعلى هذا الاختلاف إذا قال لها أنت طلق ثلاثًا وواحدة إن شاء الله، ولو قال لها أنت طالق واحدة وثلاثًا إن شاء الله، فالاستثناء صحيح في قولهم جميعًا.
وجه قولهما أن الجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع ولو جمع بلفظ الجمع، فقال: أنت طالق ستًا إن شاء الله أو قال: أنت طالق أربعًا إن شاء الله، كان الاستثناء صحيحًا في قولهم جميعًا. وكذا هاهنا.
وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن العدد الثاني حشو لا يتعلق به حكم، فإن الزوج لا يملك إيقاع أكثر من الثلاث واللغو حشو من الكلام فيصير كالسكوت؛ بخلاف قوله أنت طالق واحدة وثلاثًا إن شاء الله، لأن العدد الثاني تعلق به حكم فلا يصير لغوًا، وفاصلًا بين الإيقاع والاستثناء وفي (النوازل): رجل بلسانه ثقل لا يتم كلامه إلا بعد طول المدة: حلف بالطلاق وأراد الاستثناء التعليق فطال في تردده، إن عُرف أنه هكذا يتكلم يجوز ديانة وقضاء لأنه موصول معنى لمكان العذر.
وفي (النوازل): إذا قال لها أنت طالق ثلاثًا، فأراد أن يقول: إن دخلت الدار فأخذ غيره فمه وإن قال بعدما خلى فمه موصولًا: إن دخلت الدار، لا يقع؛ لأنه سكت لضرورة، فلا يعتبر فاصلًا، كما إذا اعترض له عطاس أو جشاء.
ولو قال: لله علي أن أتصدق بدرهم أكر، وهو يريد أن يقول أكر فلان كتم فأخذ إنسان فمه، فلم يتم الكلام، فلما رفع يده عن فمه قال: فلان كاركتم، فالأحوط أن يتصدق، والفرق أن الطلاق محظور فيتكلف لإعدامها وأمكن إعدامها بجعل هذا الانقطاع غير فاصل كما لو حصل الانقطاع بعطاس وأما الصدقة عبادة، فلا يتكلف لإعدامها.
وعلى قياس مسألة (النوازل) قالوا: إنما ذكر في الأيمان أن من حلف وأراد أن يقول في آخره: إن شاء الله فشد إنسان فمه إنه يكون استثناء، تأويله إذا ذكر الاستثناء بعد رفع اليد عن فمه متصلًا به. وقد وجدنا في (نوادر هشام) أنه قال سألت محمدًا رحمه الله عمن قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا، وهو يريد أن يستثني فأمسكت بفمه، وخلت بينه وبين الاستثناء قال: يلزمه الطلاق في القضاء وفيما بينه وبين الله تعالى، وعن أبي يوسف رحمه الله إذا قال: أنت طالق أستغفر الله إن شاء الله، أو قال سبحان الله إن شاء الله كان استثناء ديانة، ولم يكن استثناء قضاء.
وفي (فتاوى أهل سمرقند): إذا أراد أن يستحلف رجلًا فخاف أن يستثني في السر، فالوجه في ذلك أن يأمره حتى يقول عقب اليمين كلامًا لا يصلح استثناء أو تعليقًا، لأنه إذا فعل ذلك يمتنع الاستثناء لوجود الفاصل.

.نوع آخر في دعوى الزوج الاستثناء، وفي إخبار غير الزوج الزوج بالاستثناء:

إذا ادعى الزوج التكلم بالاستثناء أو التكلم بالشرط في الخلع أوادعى التكلم بالاستثناء أو الشرط في الطلاق، فالقول قول الزوج، فإن شهد الشهود بخلع أو طلاق بغير استثناء لم يقبل قول الزوج بعد ذلك ويقضي القاضي بالطلاق وبالخلع.
وإن شهدوا بالخلع أو بالطلاق، وقالوا: لم نسمع منه غير كلمة الخلع والطلاق والزوج يدعي الاستثناء، فالقول قول الزوج ولا يقضى بالطلاق إلا إذا ظهر منه ما هو دليل صحة الخلع من غير قبض البدل أو ما أشبه ذلك، كذا ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في (شرح السير) في باب ما يصدق فيه الرجل من الردة فلا تبين منه امرأته.
وفي باب الخلع من (الكافي)، (مختصر القصار): إذا خالع ثم قال: لم أعن به الطلاق إن كان أخذ جُعلًا على الخلع لم يصدق قضاءً. قال مشايخنا رحمهم الله: والمراد من أخذ الجعل ذكر الجعل لا حقيقة الأخذ. فعلى هذا إن ذكر البدل وقت الطلاق والخلع لا يصدق قضاءً في دعوى الاستثناء، وإن لم يذكر البدل يصدق قضاء في دعوى الاستثناء.
وذكر نجم الدين النسفي رحمه الله في (فتاويه) عن شيخ الإسلام أبي الحسن رحمه الله أن مشايخنا استحسنوا في دعوى الاستثناء في الطلاق لا يصدق الزوج إلا ببينة؛ لأنه خلاف الظاهر وقد فسدت أحوال الناس فلا يؤمن التلبيس.
وحكي عن شمس الإسلام محمود الأوزجندي رحمه الله بأنه كان يقول: إن عرف الطلاق بإقراره تسمع دعوى الاستثناء منه، وإن عرف بالبينة لا تسمع منه دعوى الاستثناء. وكان الشيخ الإمام ظهير الدين المرغيناني رحمه الله يقول: لو قال طلقت واستثنيت لا يصدق قضاء. ولو قال: قلت لها أنت طالق واستثنيت يصدق قضاءً.
وذكر محمد رحمه الله في كتاب الإقرار في باب الإقرار بالعتق: إذا قال لعبده: أعتقك أمس وقلت إن شاء الله صدق ولا يعتق العبد، وذكر في باب الإقرار بالنكاح: إذا قال الرجل لامرأة: تزوجتك أمس وقلت: إن شاء الله، وقالت المرأة: ما استثنيت، فالقول قوله. وكذلك العتق والطلاق والفتوى على ما ذكره شمس الأئمة السرخسي رحمه الله أن دعوى الاستثناء في الطلاق صحيح، وكذا في الخلع إلا إذا ظهر منه ما هو دليل صحة الخلع. وقد وجدت الرواية في (المنتقى) عن أبي يوسف رحمه الله أنه لو قال: طلقتها، ولكن كنت نائمًا ألزمته الطلاق، ولو قال: طلقتها ثم استثنيت لم يكن مستثنيًا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله. وبهذه الرواية يتبين أن ما ذكر في (الأصل) قول محمد رحمه الله: وإذا طلق الرجل امرأته فشهد عنده شاهدان أنك استثنيت موصولًا بالطلاق ولا يتذكر هو ذلك ينظر إن كان هو بحال إذا غضب تجرى على لسانه ما لا يحفظ بعده جاز له الاعتماد على قول الشاهدين بناء على الظاهر، وإن لم يكن بهذه الحالة لا يعتمد؛ لأنه بخلاف الظاهر والله أعلم.

.نوع آخر في إيقاع عدد من الطلاق واستثناء بعضه:

قال هشام: سألت محمدًا رحمهما الله عمن قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة وواحدة، وواحدة قال وقع الثلاث وبطل الاستثناء في قول أبي حنيفة رحمه الله، وفي قولنا: تطلق ثنتين. وعن أبي يوسف رحمه الله إنها تطلق واحدة. فالأصل: أن استثناء البعض من الكل صحيح قلّ المستثنى أو كثر، وإنما ينظر في هذا إلى اللفظ لا إلى الحكم، ألا ترى أنه لو قال لها: أنت طالق أربعًا إلا ثلاثًا صح الاستثناء، وإن كان هذا استثناء الكل من الكل من حيث الحكم؛ لأن ذكر الأربع ذكر للثلاث لأن الطلاق لا يزيد على الثلاث اعتبارًا للفظ. وسيأتي شيء من هذا في آخر هذا النوع.
واستثناء الكل من الكل باطل بلا خلاف بين أصحابنا رحمهم الله واختلفت ألفاظ المشايخ فيه: بعضهم قالوا: الاستثناء جارٍ مجرى التخصيص، والتخصيص لا يرد على الكل. وبعضهم قالوا: الاستثناء إذا دخل على الكلام يصير تكلمًا بالباقي، ولابد وأن يكون تكلمًا بالكل لا باقيًا بعد الاستثناء بعد هذا قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: الكلام يحمل على الصحة ما أمكن ذلك في مسألتنا في اقتصار الاستثناء على الأولى والثانية عند أبي يوسف رحمه الله، وعلى الأولى عند محمد رحمه الله. وعند ذلك لا يتحقق استثاء الكل من الكل.
وأبو حنيفة رحمه الله يقول: أول الكلام يتوقف على آخره إذا وجد في آخره ما يغير حكم أوله، وبذكر الثالثة يتغير الحكم الأولى والثانية؛ لأن الكل إذا اعتبر جملة يلغو الاستثناء لأنه يصير كأنه قال: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا.
ولو قال لها: أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا ثلاثًا بطل الاستثناء؛ لأنه استثنى الكل.
ولو قال لها: أنت طالق ثنتين وواحدة إلاّ ثنتين فهي ثلاث، وكذلك الجواب فيما إذا بدأ بالواحدة، فقال أنت طالق واحدة وثنتين إلا ثنتين فهي ثلاث، أما إذا بدأ بالواحدة لأن الأصل في الاستثناء أن ينصرف إلى ما يليه، فيصير مستثنيًا لكل ما تكلم به نظرًا إلى ما يلي الاستثناء فيلغو. وأما إذا بدأ بالثنتين؛ لأنه لا يمكن صرف الاستثناء إلى الثنتين المذكورتين في صدر الكلام إما لأنه يصير مستثنيًا جميع ما تكلم به، وإما لأن الواحدة فاصلة ولا يمكن صرف الاستثناء إلى جملة الكلام لأنه يصير مستثنيًا الواحدة المفردة بتمامها.
فيصير مستثنيًا جميع ما تكلم به نظرًا إلى الواحدة المفردة.
ولو قال لها: أنت طالق واحدة وثنتين إلا واحدة تقع ثنتان ويصير مستثنيًا الواحدة من الثنتين وإنه استثناء البعض من الكل فيصح.
ولو قال: أنت طالق ثنتين (واثنتين) إلا ثنتين صح الاستثناء (و) وقعت ثنتان في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، ويجعل مستثنيًا من كل ثنتين تطليقة تصحيحًا لكلام القائل بقدر الممكن.
هكذا ذكر القدوري رحمه الله في (شرحه)، وذكر شيخ الإسلام هذه المسألة في (شرحه)، وذكر أنه ينوي الزوج، فإن عنى استثناء إحدى الثنتين بكماله إما الأولى وإما الأخرى كان الاستثناء. باطلًا، وإن نوى واحدة من الثنتين الأوليين وواحدة من الثنتين الأخريين الاستثناء صحيح وعندهما فروي عن محمّد رحمه الله، إذا قال لها: أنت طالق ثنتين واثنتين إلا ثلاثًا، قال: هي ثلاث والاستثناء باطل، وكذلك إذا قال لها: أنت طالق ثنتين، وأربعًا إلا خمسًا هكذا ذكر في (القدوري).
وفي (المنتقى) إذا قال لها: أنت طالق ثلاثًا وثلاثًا إلا أربعًا فهي ثلاث في قول أبي حنيفة رحمه الله، وهكذا روي عن محمد رحمه الله ويصير قوله ثلاثًا ثانيًا فاصلًا بين الأوّل وبين الاستثناء.
وقال أبو يوسف رحمه الله: إنّها تطلق ثنتين، وهو الظاهر من قول محمّد رحمه الله، ولا يصير قوله: وثلاثًا ثانيًا فاصلًا، وإذا لم يصر الثاني فاصلًا عندهما. ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في (شرحه) أنّه ينوي هذا الرجل إن قال عنيت الثنتين من الثلاث الأول والثنتين من الثلاث الأخر يصحّ الاستثناء، وما لا فلا. ولم يشترط هذه النية في (المنتقى)، وكذلك لم يشترط شمس الأئمة الحلواني رحمه الله هذه النية على قولهما، فصار حاصل مذهبهما، كأنّه قال لها: أنت طالق ستًا إلا أربعًا، فروى ابن سماعة عن أبي يوسف رحمه الله فيمن قال لامرأته؛ أنت طالق ثنتين وثنتين وثنتين إلا أربعًا، فهي طالق ثنتين، من حيث المعنى هذه المسألة والمسألة المتقدمة سواء، وإذا قال لها: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة أو ثنتين، لم تأت قبل أن يختار واحدة أو ثنتين، فهي واحدة، ويجعل الاستثناء على أكثر.
ذكر القدوري رحمه الله في (شرحه): إذا أوقع أكثر من ثلاث، ثم استثنى كان الاستثناء من جملة الكلام، لا من جملة الثلاث التي يحكم بوقوعها نحو أن يقول: أنت طالق عشرًا إلا تسعًا وقعت واحدة، ولو قال: إلا ثمانًا وقعت ثنتان، ولو قال إلا سبعًا وقع الثلاث، فقد صحّ الاستثناء في هذه الصورة، وإن كان هذا استثناء الكل من الكلّ؛ لأنَّ هذا استثناء البعض من الكل لفظًا، وقد مر شيء من هذا قبل هذا.
ومن هذا الجنس. روي عن محمّد رحمه الله في (النوادر) إذا قال: نسائي طوالق إلا فلانة وفلانة وفلانة ليس له من النسوة سواهن صح الاستثناء، ولو قال: نسائي طوالق إلا نسائي لا يصحّ، وما أقرها إلا باعتبار اللفظ.
وفي (البقالي): إذا قال: كلّ امرأتي لي طالق إلا هذه، وليس له غيرها لم تطلق، ولو قال: نسائي طوالق فلانة وفلانة وفلانة إلا فلانة فالاستثناء جائز؛ لأن قوله: فلانة وفلانة وفلانة تفسير لقوله: نسائي طوالق، فيكون الحكم بقوله: نسائي طوالق. ولو قال نسائي طوالق إلا فلانة يصحّ الاستثناء كذا ها هنا، ولو قال: فلانة طالق وفلانة وفلانة إلا فلانة لا يصح الاستثناء، وكذلك إذا قال: هذه وهذه وهذه إلا هذه كان الاستثناء باطلًا.
وفي (المنتقى): إذا قال لها: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة أو لا شيء، فهذا لم يستثن شيئًا وطلقت ثلاثًا، وإذا قال لها: أنت طالق ثلاثًا إلا نصف تطليقة، فاعلم بأن الطلقة لا تتجزأ في طرف الإيقاع، وهل تتجزأ في طرف الاستثناء. فعلى قول أبي يوسف رحمه الله، لا تتجزأ وعن محمّد رحمه الله، روايتان: حتى إن في هذه المسألة تقع ثنتان عند أبي يوسف، وإحدى الروايتين عن محمد رحمهما الله، ويصير كأنّه قال: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة، في رواية أخرى تتجزأ في طرف الاستثناء حتّى إن في هذه المسألة تقع الثلاث على هذه الرواية؛ لأنّه لما صح استثناء النصف، صار تقدير كلامه؛ أنت طالق تطليقتين ونصف فتكاملت التطليقة الثالثة، وعلى هذا إذا قال لها: أنت طالق واحدة ونصف، فعلى قول أبي يوسف رحمه الله تقع ثنتان، وعن محمّد رحمه الله روايتان، في رواية: تقع ثنتان كما هو قول أبي يوسف رحمه الله، وفي رواية تقع واحدة.

.نوع آخر:

وكما يصح الاستثناء من أصل الكلام يصح الاستثناء من الاستثناء، قال الله تعالى: {إِلا ءالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ امْرَأَتَهُ} [الحجر: 59، 60] استثنى آل لوط من جملة الناس، واستثنى امرأة لوط من آله.
بيان هذا: إذا قال لها: أنت طالق ثلاثًا إلا ثنتين إلا واحدة يقع ثنتان، والأصل في جنس هذه المسائل أن المستثنى ثانيًا يجعل مستثنيًا من الاستثناء الأوّل، ثمِّ ينظر إلى ما بقي من هذا، فيعزل من: الاستثناء الأول فيجعل ذلك مستثنيًا من أصل الكلام.
إذا ثبت هذا فنقول له: الاستثناء الثاني واحدة، فيجعل ذلك مستثنيًا من أصل الكلام، وهو الثلاث يبقى من أصل الكلام ثنتان، فهي الواقع.
وعلى هذا إذا قال: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا إلا واحدة تقع واحدة، ويجعل الواحدة مستثنيًا من الاستثناء الثاني، وهو الثلاث يبقى من الاستثناء الثاني ثنتان يجعل ذلك مستثنيًا من الاستثناء الثاني وهو الثلاث يبقى من الاستثناء الثاني ثنتان يجعل ذلك مستثنيًا من الأصل، وهو الثلاث يبقى واحدة، فهي الواقع.
وكذلك إذا قال لها: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا إلا ثنتين إلا واحدة وقعت واحدة، والوجه ما ذكرنا. ومن المشايخ من اعتبره بنوع تقريب، فقال: ينبغي أن تعقد العدد الأوّل بيمينك، والثاني بيسارك، والثالث بيمينك، والرابع بيسارك ثمَّ أسقط ما في يسارك مما في يمينك، فما بقي فهو الواقع.

.نوع آخر من الاستثناء:

ينبني على أصلين:
أحدهما: أن المتكلم بكلام مقرون بالاستثناء إذا ذكر عقيبه وصفًا يليق بالمستثنى، ولا يليق بالمستثنى منه يجعل وصفًا للمستثنى حتى يبطل ببطلانه، وإذا ذكر (عقيبه وصفًا) يليق بالمستثنى منه، ولا يليق بالمستثنى فقد اختلفت عبارة المشايخ فيه بعضهم قالوا: يجعل وصفًا للمستثنى منه حتى تثبت بينونة تصحيحًا له بقدر الإمكان، وبعضهم قالوا: يجعل وصفًا للكل تحقيقًا لدخوله على الكل، أو تحقيقًا للمجانسة بين المستثنى والمستثنى منه، فإنَّ المستثنى من جنس المستثنى منه في الظاهر.
وإذا ذكر وصفًا يليق بالمستثنى وبالمستثنى منه، فقد اختلفت عبارة المشايخ فيه أيضًا. بعضهم قالوا: يجعل وصفًا للكل تحقيقًا لدخوله على الكل أو تحقيقًا للمجانسة، فيبطل المستثنى بوصفه ويبقى المستثنى منه بوصفه، وبعضهم قالوا: يجعل وصفًا للمستثنى منه لا غير، لأنه لو جعل وصفًا للمستثنى منه اعتبر، ولوجعل وصفًا للمستثنى بطل، والوصف إنما يذكر للاعتبار لا للإبطال، وهذا كلّه إذا ذكر وصفًا زائدًا أمّا إذا ذكر وصفًا أصليًا لا يعتبر أصلًا، ويجعل ذكره ولا ذكر سواء.
الأصل الثاني: أن الوصف المذكور على سبيل التأكيد لا يصير فاصلًا بين الطلاق والاستثناء، ولا بين الطلاق والشرط، حتّى إنَّ من قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا يا فلانة إلا واحدة يقع ثنتان، ولا يصيّر قوله يا فلانة فاصلًا لما كان لتعريف تأكيد المحل، وإذا قال لامرأته قبل الدخول بها: أنت طالق بائن إن دخلت الدار لا تطلق ما لم تدخل الدار، ولا يصير قوله بائن فاصلًا بين الطلاق والشرط لما ذكره، لتأكيد تعريف الواقع.
جئنا إلى المسائل؛ قال محمّد رحمه الله في (الزيادات): إذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة للسنّة، كانت طالقًا ثنتين للسنّة عند كل طهر تطليقة؛ لأن وصف السنّة يليق بالمستثنى منه دون المستثنى؛ لأنّه صفة الواقع، والمستثنى منه واقع، وأمّا المستثنى فغير واقع، فجعلناه صفة للمستثنى منه، وصار كأنّه قال: أنت طالق ثنتين للسنّة أو يقول: يجعل وصفًا للكلّ، ويصير كأنّه قال: أنت طالق ثلاثًا للسنّة إلا واحدة، ألا ترى أنّه لو قال: عليَّ لفلان ألف إلا مائة درهم كانت التسعمائة من الدراهم.
فكذلك إذا قال لها: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة إذا حضت وطهرت، أو إن كلمت فلانًا أو إن دخلت الدار كانت التطليقتان معلقتين بالحيض وبالطهر في المسألة الأولى، وبالكلام في المسألة الثانية، وبالدخول في المسألة الثالثة، وينصرف الشرط إلى المستثنى؛ لأنّه إنّما يحتاج إلى الشرط فيما يقع والذي وقع منه دون المستثنى؛ لأنّه يليق بالمستثنى منه، ولا يليق بالمستثنى؛ لأنّه إنّما يحتاج إلى الشرط فيما يقع، والذي يقع المستثنى منه دون المستثنى أو نقول: ينصرف الشرط إلى الكل، ويصير معلقًا الثلاث بالشرط مستثنيًا واحدة منها.
ولو قال لها: أنت طالق ثلاثًا البتة إلا واحدة أو بائنة إلا واحدة كان طالقًا تطليقتين رجعيتين، ولا يصير قوله البتّة البائنة فاصلًا بين الاستثناء وبين الإيجاب؛ لأنّ كل واحدة منهما صفة أصلية للثلاث لا يوجد الثلاث إلا وأن يكون بتة بائنة، فصار ذكرهما ولا ذكر سواء. فكأنّه قال لها: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة، ولو قال لها: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة بائنة أو إلا واحدة البتّة طلقت تطليقتين رجعيتين أيضًا.
وذكر هشام رحمه الله في (نوادره) عن محمّد رحمه الله أن من قال لامرأته: أنت بائن إلا واحدة ونوى بالبائن الثلاث، قال: هي طلاق واحد؛ لأن نيّة الثلاث إلا واحدة نيّة الثنتين.
ومن قال لامرأته: أنت بائن ينوي ثنتين تقع واحدة، وعن أبي يوسف رحمه الله فيمن قال لامرأته: أنت طالق واحدة البتة إلا واحدة، ونوى بالبتة الثلاث يقع تطليقتان بائنتان؛ لأنّه لما نوى بالبتة الثلاث علم أنّه ما جعلها صفة للواحدة؛ لأنَّ الواحدة لا تحتمل نيّة الثلاث، فلمّا ذكر الواحدة، صار كأنّه قال: أنت طالق البتّة إلا واحدة، وقد نوى بالبتّة الثلاث، وهناك الجواب كما قلنا وإنما ألقينا الواحدة؛ لأنا لو لم نلقها يبطل الاستثناء، وهو أصل، فكان إلقاء الواحدة وهي.... أولى.
قال في (الزيادات) أيضًا: إذا قال لها أنت طالق اثنتين البتّة إلا واحدة، فهي طالق واحدة بائنة؛ لأنَّ البتة تصلح صفة للثنتين؛ لأنَّ الثنتين لا تكون بتة بنفسها، فيصح وصفهما بالبتّة، وقد استثنى واحدة منهما، فتقع واحدة بتة. وكذلك إذا قال لها: أنت ثنتين إلا واحدة البتة، فهي طالق واحدة بائنة؛ لأنَّ البتة لا تصلح صفة للمستثنى؛ لأنّه لا يصح، فيجعل صفة للمستثنى منه أو يجعل صفة للكل، وصار كأنّه قال: أنت طالق ثنتين البتة إلا واحدة، وهي المسألة المتقدمة.
ولو قال لها: أنتِ طالق ثنتين إلا واحدة بائنة أو قال إلا واحدة أمّا بائنًا، فهي طالق واحدة رجعية، لأن البائن لا تصلح صفة للمستثنى منه، فإنّه لا يقال: تطليقتان بائن، وإنّما يقال: تطليقتان بائنتان، وتصلح صفة للمستثنى، فتجعل صفة للمستثنى، فيبطل ببطلان المستثنى، بخلاف قوله البتّة؛ لأنّه يصلح صفة للتطليقتين، فإنّه يستقيم أن يقال تطليقتان البتّة، قال في (الكتاب): إلا أن ينوي أن يكون البائن صفة للثنتين، فحينئذٍ واحدة بائنة؛ لأنّه نوى ما يحتمله لفظه فالبتة قد تنعت بنعت الواحدة، قال الله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَوتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَهُمَا} [الأنبياء: 30] ولم يقل كانتا رتقين، والله أعلم بالصواب.

.الفصل العاشر: في إيقاع الطلاق على امرأة بعينها ثمّ الرجوع عنها بالإيقاع على أخرى:

يجب أن تعلم أنّ كلمة (بل) متى دخلت في الكلام الصادر على الإثبات كانت للرجوع عن الأوّل، ولإقامة الثاني مقام الأوّل على سبيل استدراك الغلط، يقال: جاءني زيد بل عمرو، وكان قوله بل عمرو رجوع عمّا أخبر عن مجيء زيد، وإقامة لمجيء عمرو مقام مجيء زيد على سبيل استدراك الغلط، كأنّه قال كان عزمي أن أخبر عن مجيء عمرو، فغلطت وأخبرت عن مجيء زيد، ثمَّ استدرك ذلك الغلط بقولي بل عمرو.
وفي كلام الله تعالى متى دخلت هذه الكلمة على الإثبات كانت لإبطال الأوّل ولإقامة الثاني مقام الأوّل، ولكن لا على سبيل استدراك الغلط؛ لأنَّ الغلط على الله لا يجوز والغلط على العباد يجوز، (.....) وكلمة: (لا بل) نظير كلمة بل، لأنهما يستعملان استعمالًا واحدًا، وقوله: (لا) لتأكيد النفي المستفاد بقوله بل، وإذا كانت هذه الكلمة في الإثبات للرجوع عن الأوّل ولإقامة الثاني مقام الأوّل على سبيل استدراك الغلط ينظر:
إن كان الأوّل شيئًا يصح الرجوع عنه ينفى الأوّل، ويثبت الثاني مقام الأوّل.
وإن كان الأوّل شيئًا لا يصح الرجوع عنه لا ينتفي الأوّل، بل يبقى على حاله ويثبت للثاني إثباتًا لحكم الدليل بقدر الإمكان، إلا أنَّ المتكلم إذا لم يذكر للمذكور عقيب كلمة (لا بل) خبرًا على هذه يجعل الخبر المذكور لما قبلها خبرًا للمذكور عقيبها، صيانة له عن البطلان، ومتى ذكر للمذكور عقيب هذه الكلمة خبرًا لا يجعل الخبر المذكور لما قبلها خبرًا؛ لأنّه صحيح بدونه، فلا حاجة إلى جعله خبرًا له، ومتى دخلت هذه الكلمة على النفي لا يوجب رجوعًا عن الكلام الأوّل، وإنّما يوجب نفي الفعل عن الاسم الأوّل بإثبات ذلك المنفي للثاني، أو بإثبات فعل آخر للأوّل.
نظير الأوّل قول الرجل: ما قام زيد لا بل عمرو، نفي الكلام لزيد وإثباته لعمرو. ومثال الثاني قول الرجل: ما قام زيد بل قعد، نفى القيام عن زيد وإثبات الوجود له، هذا هو الكلام في كلمة بل وحدها أو مع لا.
وأما جاء كلمة لا بدون بل متى دخلت على الإثبات كانت لتأكيد ما أثبته الأوّل بنفيه عن الثاني، ومتى دخلت على النفي، كانت لتأكيد ما نفاه عن الأوّل بإثبات ضدّه للثاني.
مثال الأوّل: جاءني زيد لا عمرو. كان قوله: لا عمرو لتأكيد إثبات المجيء لزيد بنفي المجيء عن عمرو.
ومثال الثاني: ما جاءني زيد لا عمرو كان قوله: لا عمرو لتأكيد نفي المجيء عن زيد بإثبات المجيء لعمرو.
جئنا إلى المسائل: قال محمّد رحمه الله في (الجامع): وإذا كان للرجل امرأتان، فقال لإحداهما أنت طالق إن دخلت الدّار لا بل هذه، وأشار إلى امرأة أخرى لا تطلق واحدة منهما ما لم تدخل الأولى الدّار لم تطلق. وإذا دخلت الأولى الدار طلقتا، وإن دخلت الأخرى الدار لم تطلق واحدة منهما، قال محمدّ رحمه الله: وقوله: لا بل هذه على الطلاق خاصّة والوجه لما ذكرنا في (الجامع) أنّه علق طلاق الأولى بدخولها الدّار، حيث قال لها: أنت طالق إن دخلت هذه الدّار، وبقوله: لا بل هذه رجع عن تعليق طلاق الأولى بدخولها، وعلق طلاق الأخرى بطريق استدراك الغلط، كأنّه قال: من عزمي أن أعلق طلاق الأخرى، إلا أنّي غلطت، فعلقت طلاق الأولى. إلا أنّه لا يملك الرجوع عن تعليق طلاق الأولى، ويملك تعليق طلاق الأخرى، فبقي طلاق الأولى معلقًا بدخولها الدار، وتعلق طلاق الثانية بالدخول، وإذا تعلق طلاق الثانية بالدخول، يتعلق طلاقهما بدخول الأولى؛ لأن كلمة (لا بل) لإبطال الأوّل، وإقامة الثاني مقام الأوّل على سبيل استدراك الغلط، يجب أن يكون المثبت في حق الثانية مثل المثبت في حق الأولى. وإنّما يكون كذلك إذا تعلق طلاق الثانية بدخول الأولى، كما تعلق طلاق الأولى بدخول الأولى. وقول محمّد رحمه الله في (الكتاب) قوله: (لا بل) هذه على الطلاق خاصّة، معناه أنه للرجوع عن الطلاق لا للرجوع عن الدخول.
وإن نوى الرجوع عن الشرط وهو الدخول دون الطلاق صحّت نيّته فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنّه نوى ما يحتمله لفظه إلا أنَّ القاضي لا يصدقه؛ لأنّه نوى أمرًا بخلاف الظاهر، وفيه تخفيف عليه لأن الثانية لا تطلق بدخول الأولى الدار، فبعد ذلك إذا دخلت الأولى الدار طلقت الأولى في القضاء، وفيما بينه وبين ربّه وتطلق الثانية في القضاء، لا فيما بينه وبين ربّه وإن دخلت الثانية الدار طلقت الأولى في القضاء، وفيما بينه وبين ربه.
وكذلك لو قال لإحداهما: أنت طالق إن شئت لا بل هذه؛ لأنّ قوله لا بل هذه على الطلاق خاصة، لا على المشيئة كما في المسألة الأولى، إلا أنَّ فرق ما بين المسألتين أنَّ في هذه المسألة لو شاءت الأولى طلاق نفسها طلقت الأولى (بالنكاح) الأوّل دون الثانية. ولو شاءت الأولى طلاق الثانية طلقت الثانية بالكلام الثاني، دون الأولى. ولو شاءت الأولى طلاقها وطلاق الثانية طلقتا جميعًا. وفي مسألة أوّل الباب إذا دخلت الأولى الدار مرّة واحدة طلقت الأولى والثانية حميعًا.
والفرق أنَّ في المسألة الأولى علق طلاق كل واحدة بدخول الأولى الدار مطلقًا غير مقيّد بصفة، فإذا دخلت الأولى الدّار مرّة واحدة، فقد وجد شرط وقوع الطلاق عليها. وفي هذه المسألة ليس الشرط مشيئة مطلقة، فإنَّ الأولى بعد هذا التعليق لو شاءت الجاه أو المال لا تطلق، وإنّما الشرط مشيئة مقيّدة فالشرط في حقّ الأوّل مشيئة الأولى طلاق نفسها. والشرط في حقّ الثانية مشيئة الأولى طلاق الثانية.
وهذا لما ذكرنا أنَّ المسبب في مثل هذه الصورة في حقّ الثانية مثل المسبب في حقّ الأولى، والمسبب في حقّ الأولى تعليق طلاق الأولى بمشيئة الأولى طلاق الأولى، يجب أن يكون المسبب في حقّ الثانية تعلق طلاق الثانية بمشيئة الأولى طلاق الثانية، فإذا شاءت الأولى طلاقها وجد شرط وقوع الطلاق على الأولى دون الثانية وإذا شاءت الأولى طلاق الثانية وجد شرط وقوع الطلاق على الثانية دون الأولى. وإذا شاءت الأولى طلاقهما وجد شرط وقوع الطلاق عليهما. قول محمّد رحمه الله إذا شاءت الأولى طلاقها طلقت الأولى دون الثانية، وإذا شاءت طلاق الثانية طلقت الثانية دون الأولى، كلام محتمل يحتمل أن يكون المراد منه: أنَّ الأولى شاءت طلاق الثانية بعدما شاءت طلاق نفسها، فيكون هذا بيانًا أنَّ الأولى إن شاءت طلاق الأخرى بعدما شاءت طلاق نفسها. ويحتمل أن يكون المراد منه: أن الأولى شاءت طلاق الأخرى ابتداءً، فلا يكون بيانًا.
كذلك حكي عن أبي الحسن الكرخي رحمه الله أنّه إذا شاءت الأولى طلاق نفسها أوّلًا ليس لها أن تشاء طلاق الأخرى بعد ذلك. وإذا شاءت طلاق الأخرى أوّلًا ليس لها أن تشاء طلاق نفسها بعد ذلك، لأن المشيئة واحدة، فإذا شاءت مرّة ووقع الطلاق ارتفع اليمين، فلا يعود بعد ذلك، حتّى لا يؤدي إلى التكرار، إذ ليس في اللفظ ما يوجب التكرار. وعامّة المشايخ على أنَّ لها أن تشاء طلاق الأخرى بعد ما شاءت طلاق نفسها. وأن تشاء طلاق نفسها بعدما شاءت طلاق الأخرى. وأن المشيئة متعدّدة لما ذكرنا أنَّ تقدير المسألة، كأنّه قال للأولى: أنت طالق إن شئت طلاقك لا بل هذه طالق إن شئت أيتها الأولى طلاقها.
وإن نوى الرجوع عن المشيئة، صحّت نيّته فيما بينه وبين ربّه؛ لأنّه نوى ما يحتمله. ولهذا لو صرح به يصح، فإذا شاءت الأولى طلاقها طلقت الأولى فيما بينه وبين ربّه. وإن شاءت الأخرى طلاق الأولى طلقت الأولى بنيته، وإن شاءت الأولى طلاق الأخرى طلقت الأخرى في القضاء، لا فيما بينه وبين الله تعالى.
واستشهد محمد رحمه الله لإيضاح مسألة المشيئة أنَّ قوله: لا بل هذه. على الطلاق خاصة، بما لو قال لها أنت طالق إن شاء الله لا بل هذه كان قوله: لا بل هذه على الطلاق خاصة، ويصير تقدير المسألة، كأنّه قال: أنتِ طالق، لا بل هذه إن شاء الله.
وفي (المنتقى): إذا قال لها أنتِ طالق إن كلمت فلانًا لا بل هذه لامرأة أخرى، كان قوله: لا بل هذه على الكلام دون الطلاق، وإذا قال أردت بلا بل الطلاق ألزمته ذلك، فإذا كلمته طلقتا، وهذا يخالف ما ذكر في (الجامع) قال ثمة: ولو قال لها إن كلمت فلانًا، فأنتِ طالق لا بل هذه كان قوله لا بل هذه على الطلاق دون الكلام؛ لأنّه أخّر.
فإن قال لم أرد بقولي: لا بل هذه، الطلاق دينته فيما بين الله تعالى وبينه، ولم أدين في القضاء.
وإذا قال لامرأته، أنتِ طالق إن دخلت الدار، لا بل فلانة طالق، قال ذلك لامرأة أخرى له طلقت الأخرى ساعة ما تكلم، وتعلّق طلاق الأولى بدخولها الدار، بخلاف ما لو قال: لا بل فلانة، ولم يقل طالق يتعلق طلاقهما بدخول الدّار؛ لأنّه إذا لم يقل لا بل فلانة طالق لم يذكر لفلانة خبرًا فكان جملة ناقصة، فتصير خبر الجملة الأولى، وهو طلاق معلق بدخول الأولى خبر الجملة الثانية، أمّا إذا قال لا بل فلانة طالق، فقد ذكر لفلانة خبرًا، فاكتفى به.
وإنّه إرسال، ولهذا قال تطلق الثانية في الحال.
وعلى هذا إذا قال لامرأته أنتِ طالق ثلاثًا لا بل هذه. قال ذلك لامرأة أخرى، طلقت كل واحدة منهما ثلاثًا، ولو قال لا بل هذه طالق طلقت الأولى ثلاثًا، والثانية واحدة لأن في الوجه الأوّل لم يذكر لهذه خبرًا على حدة. وفي الوجه الثاني ذكر لهذه خبرًا على حدة، والتقريب ما ذكرنا.
وفي (القدوري): إذا قال لها إن دخلت الدّار فأنتِ طالق وطالق وطالق لا بل هذه، فدخلت الأولى الدار طلقتا ثلاثًا والتعليق في هذا يخالف التنجيز، فإنّه لو قال لها أنتِ طالق وطالق وطالق لا بل هذه وقع على الأخيرة واحدة، وعلى الأولى الثلاث. ولو قال لها إن دخلت هذه الدار، لا بل هذه الدار الأخرى، فأنتِ طالق تعلق طلاقهما بدخول الدار الأخرى لا غير؛ لأن قوله إن دخلت هذه الدار مجرد الشرط، والرجوع صحيح، وبقوله لا بل هذه رجع عنه وأقام الدّار الثانية مقام الدار الأولى، فلهذا تعلق طلاقهما بدخول الدّار الأخرى.
ولو قال لامرأته أنتِ طالق واحدة، لا بل ثلاثًا إن دخلت الدار طلقت واحدة للحال، ووقع طلاقان عند دخول الدار إن كانت المرأة مدخولًا بها؛ لأن بقوله لا بل ثلاثًا إن دخلت الدّار رجع عن إيقاع الواحدة، وأقام الحلف بما بقي من الثلاث مقام الواحدة قد صحت إذا كانت المرأة مدخولًا بها.
لو قال لها أنتِ طالق إن دخلت الدّار فأنتِ طالق واحدة، لا بل ثلاثًا، لم تطلق شيئًا حتّى تدخل الدّار. وإذا دخلت الدار طلقت ثلاثًا سواء كانت مدخولًا بها أو لم تكن. فرق بين هذا وبينما إذا قال لها: أنتِ طالق واحدة، لا بل ثلاثًا إن دخلت الدّار. وهي المسألة المتقدمة، والفرق أن في المسألة المتقدمة ذكر لقوله: لا بل خبرًا على حدة، فلم يصر خبر الأوّل خبرًا له، بل اعتبر لا بل مقطوعًا عنه، فوقعت الواحدة للحال وتعلق الباقي بالدخول، أمّا في المسألة الثانية لم يذكر لقوله: لا بل. خبرًا على حدة، فجعل خبر الأول خبرًا له، والأول تعليق، فكذا الثاني، فتعلق الكل بالدخول.
وفي (المنتقى): إذا قال لها: أنتِ طالق لا بل طالق، فهي طالق ثنتين، وكذلك لو قال أنتِ طالق واحدة لا بل واحدة، وكذلك لو قال أنتِ طالق واحدة لا بل طالق واحدة.
وذكر فيه أيضًا: عن أبي يوسف رحمه الله إذا قال لها أنتِ طالق لا بل أنتِ طالق، فهي طالق واحدة بالكلام الأول، فلا يلزمه بالكلام الثاني شيء إلا أن ينوي.
ولو قال أنتِ طالق لا بل أنتما لزم من الأولى تطليقتان والأخرى واحدة. وإذا قال إن تزوجت فلانة فهي طالق لا بل عَبدي حرّ، ذكر هذه المسألة في (المنتقى) في موضعين، وقال في موضع: لا يعتق العبد إلا بعد التزوّج، وقال في موضع آخر العبد حرّ الساعة. وإن تزوج فلانة فهي طالق، وذكر عقيبه ما إذا قال إن اشتريت فلانًا فهو حرّ، لا بل فلان بمعنى عبد آخر له في ملكه، لم يعتق عنده حتّى يشتري العبد الذي حلف بعتقه. وأشار إلى المعنى، فقال: لأن هذا شيء واحد، وطلاق المرأة غير عتق العبد.
وفي (الأصل): لو قال لها كنت طلقتك أمس واحدة، لا بل ثنتين وقعت ثنتان؛ لأن كلمة لا بل في الإخبارات تستعمل لتقرير الأقل وإلحاق الزيادة به يقول الرجل: حججت حجّة لا بل حجتين، ويصير كأنّه قال طلقتك ثنتين، ولا كذلك في الإثبات، والله أعلم.

.الفصل الحادي عشر: في إضافة الطلاق إلى الأوقات:

يجب أن تعلم: بأن الطلاق إذا أضيف إلى وقت ينصرف إلى وقت في المستقبل، حتّى إنّ من قال لامرأته: أنتِ طالق يوم الجمعة، ينصرف إلى الجمعة الآتية؛ لأن المقصود من الإضافة تأخير الحكم إلى وقت المضاف إليه، وإنّما يتأتى التأخير في المستقبل، لا في الماضي. فإذا وجد أصل الوقت في المستقبل لا في الماضي، وإذا وجد أصل الوقت ولم توجد الصفة التي ذكرها الحالف لا يقع الطلاق، وهذا ظاهر. وإذا وجد الوقت المضاف إليه الطلاق مع الصفة التي ذكرها الحالف، يجعل المضاف كالمرسل، إذا صحت الإضافة كما في المعلق بالشرط يجعل عند وجود الشرط، كالمرسل.
فبعد ذلك إن كان المعلق، والمضاف طلاقًا صحيحًا، قابلًا للوقوع كان المرسل طلاقًا صحيحًا، فيقع. فإذا وقع الطلاق يترك عقيب الشرط، وعقيب الوقت المضاف؛ لأنّ الحكم يتأخر عن سببه، وإنّما يوجد السبب بعد الشرط، وبعد الوقت؛ لأن المعلق والمضاف كل واحد منهما ليس بسبب للحال، وإنّما يصير سببًا عند وجود الشرط والوقت، فإذا كانت السببية معلقة بوجود الشرط والوقت، كانت السببية متأخرة عن الشرط، والحكم يتأخر عن السبب، فيكون متأخرًا عن الشرط والوقت ضرورة، وإذا أضيف الطلاق إلى وقت سابق على قول مسمى، ووجد الوقت بوصف أنّه سابق على الفعل المسمّى، فالطلاق وقوعه لا يتأخر عن ذلك الفعل ولا يسبقه بل يقارنه، إلا في الموت عند أبي حنيفة رحمه الله على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
بيانه في مسألة ذكرها في (الزيادات): إذا قال الرجل: إن تزوجت زينب قبل أن أتزوج عمرة بشهر فهما طالقان، فتزوج زينب ثمّ مضى شهر، ثمَّ تزوج عمرة طلقت زينب، ولا تطلق عمرة، وهذا لأنّ الفعل المذكور ليس بشرط لوقوع الطلاق؛ لأنّ الزوج ما جعله شرطًا بل هو موجه للشرط؛ لأن الطلاق مضاف إلى شهر موصوف بأنّه قبل الفعل المسمّى لابد من وجود الفعل متصلًا بالوقت، ليعلم أن هذا وقت سابق على الفعل المسمّى، فكان الفعل موجدًا صفة الفعلية للوقت المسمّى، فكان موجدًا للشرط، وموجدُ الشرط ليس بشرط، من حيث إنّه موجود الشرط، فالوقوع لا يسبقه. ومن حيث إنّه ليس بشرط لا يتأخر عنه، فإذًا يقع مقارنًا له إلا في الموت عند أبي حنيفة رحمه الله على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
قال في أيمان (الجامع): إذا قال الرجل لامرأة لا يملكها: أنتِ طالق قبل أن أتزوجك بشهر، فمكث شهرًا ثمَّ تزوجها لا تطلق.
يجب أن تعلم أن هذه المسألة على وجهين: إضافة من غير تعليق، وإضافة مع التعليق. والتعليق لا يخلو إمّا أن يكون بشرط سابق، أو بشرط لاحق وكل ذلك على وجهين: إمّا أن يكون مؤقتًا، أو غير مؤقت، صورة الإضافة من غير التعليق في المؤقت ما ذكرنا، وإنّما لا تطلق إمّا لأنّه أضاف الطلاق إلى وقت سابق على قول مسمّى، وهو التزوج فيكون الوقوع مقارنًا للتزوج، والطلاق لا يقع مقارنًا للتزوج، أو لأنّه وصفها بكونها طالقًا قبل التزوج، وهي كذلك؛ لأن الطلاق في الخالي عن القيد وهي خالية عن القيد قبل التزوج، فهو صاد في هذا الوقت، فلا حاجة إلى الإيقاع.
وصورة الإضافة من غير تعليق في المطلق، إذا قال لامرأة لا يملكها: أنتِ طالق قبل (أن) أتزوجك، فتزوجها بعد ذلك لا تطلق أيضًا؛ لأنّ هذا إيقاع للحال، فالأصل أن الطلاق إذا أضيف إلى المرأة قبل الفعل المسمّى قبلية مطلقة، يكون إيقاعًا للحال، كما في قوله أنتِ طالق قبل قدوم فلان، فإنّ هناك يقع الطلاق عليها للحال قدم فلان، أو لم يقدم، ولمّا كان هذا إيقاعًا للحال يبطل لعدم الملك.
صورة الإضافة مع التعليق والشرط سابق في الموت إذا قال لها: إذا تزوجتك فأنتِ طالق قبل أن أتزوجتك بشهر، فتزوجها بعدما مضى شهر من وقت هذه المقالة طلقت، كذا ذكر في رواية أبي سليمان رحمه الله.
وذكر في رواية أبي حفص رحمه الله، وقال طلقت في قول أبي يوسف رحمه الله، فقد إلى الخلاف، ولكن لم ينصّ عليه.
وذكر في طلاق الجامع الإضافة مع التعليق في المطلق، وصورتها: إذا (أشاء) قال لامرأة لا يملكها: إن تزوجتك فأنتِ طالق قبل ذلك، ولم يوقّت بأن لم يقل قبل ذلك بشهر ثمَّ تزوجها، فعلى قول أبي حنيفة ومحمّد رحمهما الله لا تطلق، وعلى قول أبي يوسف رحمه الله تطلق، من مشايخنا من قال: الخلاف في المطلق، وأمّا في المؤقت تطلق بلا خلاف، كما ذكر في رواية أبي سليمان رحمه الله، وعامتهم على أنّ الخلاف في المطلق والمؤقت جميعًا، لأبي يوسف رحمه الله أنّه علق الطلاق بشرط التزوّج؛ لأن كلمة (إن) و(إذا) للشرط، ثمَّ أضافه إلى ما قبل الشرط مطلقًا أو موصوفًا بأنّه قبل الشرط بشهر، فيصحّ من الوقت لما في تصحيحه تصحيح هذا التعليق، ويلغو ما في تصحيحه إبطال هذا التعليق، قلنا: وفي تصحيح القبليّة في المطلقة والمؤقتة إبطال هذا التعليق؛ لأنّه متى تعلق الطلاق بالتزوج يقع الطلاق بعده، ولا يقع قبله، فبقي الإيقاع إبطال هذا التعليق، فأبطلنا ذكر القبلية في المطلقة والموقتة.
وليس في اعتبار الشهر في المؤقتة إبطال هذا التعليق، فاعتبرنا الشهّر في المؤقتة، ويصير تقدير المسألة في المطلقة: إذا تزوجتك فأنتِ طالق، وفي المؤقتة: إذا تزوجتك بعد شهر فأنتِ طالق، ولو نصّ على هذا يصحّ التعليق ويقع الطلاق بعدما وجد الشرط، وهو التزوّج في المطلقة في أيّ وقت وجد، والتزوج بعد الشهر في المؤقتة كذا ها هنا، بخلاف مسألة أوّل الباب؛ لأنّ هناك ما جعل التزوج بشرط، بل جعله موجدًا للشرط فيكون وقوع الطلاق مقارنًا للتزوج.
فلأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله أنَّ المعلق بالشرط والمضاف إلى وقت بعد وجود الشرط، والوقت بمنزلة المرسل، فيصير بعد التزوّج، كأنه قال: أنتِ طالق قبل أن أتزوجك بشهر، وإنّه باطل لا وقوع له، فكذا إذا كان معلقًا وما قال من المعنى، فهو صحيح إذا صحّ التعليق حتّى يلغو ذكر القبلية ضرورة صحّة التعليق، والتعليق ها هنا لا يصح، فكيف يلغو ذكر القبلية.
هذا كلّه على قول عامة المشايخ: إنَّ الخلاف في المطلق والموقت خلاف واحد، وأما على قول بعض المشايخ إنّ الخلاف في المطلق وفي الموقت يقع الطلاق بلا خلاف، يحتاج أبو حنيفة رحمه الله إلى الفرق بين المطلق والمؤقت، والفرق أنّ في المؤقت القبلية صفة الشهر لا صفة الطلاق، وهذا لأنّ الطلاق كما هو مذكور، والشهر أيضًا مذكور والقبلية كما يصلح صفة للطلاق، ومعناه: إذا تزوجتك فالمرأة طالق قبل النكاح بشهر يصلح صفة للشهر، ومعناه: إذا تزوجتك، وقد مضى شهر قبله من وقت هذه المقالة، فجعلناها صفة للشهر حتّى يصلح التعليق بخلاف المطلق؛ لأنّ القبلية صفة الطلاق هناك؛ لأنّ المذكور هناك الطلاق لا غير، وإذا صارت القبلية في المطلق صفة الطلاق بطل التعليق؛ لأنَّ المعلق باطل، وهذا هو الفرق لكن ما قاله عامّة المشايخ أصحّ؛ لأنَّ القبلية لمّا صلحت صفة الطلاق وصفة الشهر وقع الشك في صحّة التعليق، وفي وقوع الطلاق، فلا يصح ولا يقع بالشك.
صورة الإضافة مع التعليق والشرط لاحق في المطلق والمؤقت إذا قال لأجنبيّة: أنتِ طالق قبل أن أتزوجك أنتِ طالق قبل أن أتزوجك بشهر إذا تزوجتك، فتزوجها لا نص فيه عن محمّد رحمه الله، وقد اختلف المشايخ فيه: بعضهم قالوا لا فرق بينما إذا كان الشرط لاحقًا، وبينما إذا كان سابقًا، وإليه مال شيخ الإسلام رحمه الله؛ لأنّ أوّل الكلام يتوقف على آخره إذا وجد في آخره ما يقلب حكم أوّله، ويصير كأنّه تكلم بكلمة واحدة، وفي حق هذا المعنى تقديم الشرط، وتأخيره سواء، وبعضهم قالوا ها هنا يقع الطلاق بلا خلاف، وإليه مال فخر الإسلام علي البزدوي رحمه الله.
ووجهه أنّ قوله أنتِ طالق قبل أن أتزوجك موجبه وقوع الطلاق للحال، وقوله: أنتِ طالق قبل أن أتزوجك بشهر موجبه وقوع الطلاق مقارنًا للتزوج، فإذا أدخل عليه الشرط أوجب تأخيره، ومن ضرورته بطلان صفة القبلية، فيصير قائلًا عند التزوج أنتِ طالق.
فأمَّا إذا قدم الشرط فالشرط ما أوجب تأخير الجزاء، ولكن الجزاء يتأخر عن الشرط؛ لأنّ الحالف تكلّم به بعد الشرط، لا لأنَّ الشرط أوجب تأخيره، وإذا لم يكن تأخير الجزاء بحكم الشرط لم يكن من ضرورته بطلان صفة القبلية، فيصير قائلًا عند التزوج أنتِ طالق، قبل أن أتزوجك أنتِ طالق قبل أن أتزوجك بشهر وهناك لا يقع الطلاق، كذا هاهنا.
هذا كلّه إذا حصل الإيجاب في غير الملك، وأما إذا حصل الإيجاب في الملك فله صور، من جملة ذلك ما ذكر في (المنتقى) إذا قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنتِ طالق قبل أن أتزوجك، فهي طالق إذا دخلت الدار، وكذلك إذا قال لها إذا جَاء غد فأنتِ طالق قبل أن أتزوجك، أو قال لها أنتِ طالق غدًا قبل أن أتزوجك، فهي طالق غدًا.
وقال في (الجامع الصغير): إذا قال لامرأته: أنتِ طالق قبل أن أتزوجك، أو قال لها طلقتك قبل أن أتزوجك لا يقع شيء. وفيه أيضًا: إذا قال لها أنتِ طالق أمس، وقد تزوجها اليوم لا يقع الطلاق، ولو تزوجها أوّل من أمس يقع الساعة واحدة.
وفي (الجامع الكبير) لو قال لامرأته: أنتِ طالق قبل دخولك الدّار بشهر، أو قال لها أنتِ طالق قبل قدوم فلان بشهر، فدخلت الدار أو قدم فلان قبل تمام الشهر من وقت اليمين لا تطلق؛ لأن الطلاق المضاف إلى وقت موصوف بصفه تنصرف إلى وقت في المستقبل، ولو دخلت الدار بعد تمام الشهر، أو قدم فلان (بعد) إتمام الشهر من وقت اليمين يقع الطلاق؛ لأنّه يصير قائِلًا عند تمام الشهر وعند قدوم فلان أنتِ طالق قبل هذا الشهر، ومن قال لامرأته أنتِ طالق قبل هذا بشهر في الحال تطلق في الحال.
ثمَّ عند علمائنا الثلاثة رحمهم الله يقع الطلاق مقارنًا للدخول، ويقتصر الوقوع على وقت القدوم والدخول حتى لو خالعها تطلق في وسط الشهر، ثمَّ دخلت الدار أو قدم فلان لتمام وهي في العدة، لا يظهر بطلان الخلع، خلافًا لزفر رحمه الله.
ولو قال لها: أنتِ طالق قبل موت فلان بشهر، فمات فلان لتمام الشهر، فعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يقع الطلاق مقارنًا للموت، ويقتصر على وقت الموت، وعلى قول أبي حنيفة رحمه الله يقع الطلاق في آخر جزء من أجزاء حياته، ويستند إلى أول الشهر، وعلى قول زفر يقع الطلاق بعد الموت، ويستند إلى أول الشهر.
وثمرة الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه رحمهم الله إنّما تظهر فيما إذا قال لها أنتِ طالق قبل موتي بشهر، أو قال قبل موتك بشهر، فعلى قولهما لا يقع؛ لأنّه لو وقع الطلاق بهذا اليمين وقع مقارنًا لموت أحد الزوجين، ولا وجه إليه؛ لأنّه حال زوال الملك والطلاق لا يقع في حال زوال الملك، وعند أبي حنيفة رحمه الله يقع الطلاق؛ لأنّ عنده الطلاق يقع في آخر جزء من آخر الحياة، وفي تلك الحال الملك قائم.
والحاصل أنهما يقولان بمقارنة الوقوع القدومَ والدخول والموت وبالاقتصار في الأفعال كلها، وأبو حنيفة رحمه الله قال بمقارنة الوقوع الدخول والقدوم، وبالاقتصار فيهما ويسبق الوقوع الموت والاستثناء فيه، فهما يقولان: هذه الأفعال للشروط من وجه من حيث إنّها ملفوظة على خطر الوجود، ويقف وقوع الطلاق عليها معرفات من وجه حيث إنَّ الزوج ما ذكرها بحرف الشرط، ولكن أضاف الطلاق إلى زمان موصوف بأنّه قبل هذه الأفعال بشهر، فكانت هذه الأفعال معرّفة إيّانا أن الشهر السابق بهذه الصفة.
ولو كانت معرفة من كل وجه لوقع الطلاق من أوّل الشهر من كلّ وجه، كما لو قال لها أنتِ طالق قبل رمضان بشهر، فإنَّ هناك يقع الطلاق في أوّل شعبان من كل وجه، ولو كانت شروطًا من كل لوقع الطلاق بعدها مقصورًا عليها من كلّ وجه، كما لو ذكرها بحرف الشرط صريحًا بأن قال؛ إن قدم فلان، إن مات فلان، إن دخلت الدار، فأنتِ طالق قبل ذلك بشهر، فإذا كانت شروطًا من وجه معرفات من وجه، قلنا بالوقوع بعدها، عملًا بالشرطية. وقلنا بالاستناد عملًا بالمعرفية، ولأبي حنيفة رحمه الله أن الموت ليس بشرط لوقوع الطلاق؛ لأن الموت أمر لا يدخل تحت الأمر والنهي وما لا يدخل تحت الأمر والنهي لا يصلح شرطًا، لوقوع الطلاق؛ لأن المقصود من الأيمان النهي عن إيجاد شرط وقوع الطلاق، فبذكر ما لا يدخل تحت الأمر والنهي يعلم أنّه لم يقصد به النهي عنها، فلا يكون شرطًا. وذكرها لتعريف الوقت المضاف إليه الطلاق، والتعريف حاصل قبله بآخر أجزاء حياته؛ لأنّ آخر أجزاء حياته يتصل بموته بتقدير الله عزّ وجلّ لا يفصل عنه إلا أنّا لا نعرف آخر أجزاء حياته إلا بالموت، فبالموت عرفنا وجود ذلك الجزء قبله، فهو معنى قولنا: إنَّ التعريف حاصل قبل الموت بآخر جزء من أجزاء حياته، فيقع الطلاق في آخر جزء من أجزاء حياته. ويستند إلى أوّل الشهر، بخلاف الدخول والقدوم وما شاكلهما؛ لأن هذه الأشياء تدخل تحت الأمر والنهي، فأمكن جعلها شرطًا، فيقع الطلاق عندها مقصورًا عليها على ما ذكرنا، فهذه النكتة منقولة عن القاضي الإمام الكبير أبي زيد رحمه الله.
ولو قال لها: أنتِ طالق قبل موت فلان وفلان بشهر فمات أحدهما قبل تمام الشهر لم تطلق بهذه اليمين أبدًا، لانعدام الوقت المضاف إليه الطلاق وهو شهر بعد اليمين موصوف بأنّه قبل موتهما. وإن مضى شهر من وقت اليمين ثمَّ مات أحدهما طلقت، ولا ينتظر موت الآخر؛ لأن بموت أحدهما تيقنا بوجود الوقت المضاف إليه الطلاق، وهو شهر قبل موتهما يتصل بآخره موت أحدهما؛ لأن اتصالهما بآخر الشهر إنّما يكون بوقوعهما معًا، واقتران بالشهر موتهما ممتنع عادة، فيسقط اعتبار المقارنة وتعلّق وقوع الطلاق بوصف التقدّم على الموتين بشرط اتصال أحدهما به.
ولو قال لها أنتِ طالق قبل قدوم فلان وفلان بشهر، فقدم أحدهما لتمام الشهر من وقت اليمين، ثمَّ قدم الآخر بعد ذلك طلقت؛ لأنّ وجود القدومين معًا ممتنع عادة، فيسقط اعتباره، فبقي الطلاق مضافًا إلى شهر بعد اليمين يتصل به قدوم أحدهما، وقدوم الآخر يتصل بمطلق الوقت. وهو نظير ما لو قال لامرأته أنتِ طالق قبل مطلع يوم الأضحى والفطر بشهر، فإنها تطلق إذا أهلَّ هلال رمضان؛ لأن الفطر مع الأضحى لا يوجدان معًا، فتعلق وقوع الطلاق بصفة التقدم، واعتبر اتصال الشهر بأحدهما دون الآخر كذا ها هنا، فصار موتهما وقدومهما من حيث إنّه يكتفى فيهما باتصال الشهر بأحدهما سواء، إلا أنّ فرق ما بينهما أنّه إذا مات أحدهما لتمام الشهر يقع الطلاق، ولا يتوقف وقوعه على موت الآخر، وإذا قدم أحدهما بعد تمام الشهر لا يقع الطلاق، بل يتوقف وقوعه على قدوم الآخر.
قال في (الجامع) أيضًا: إذا قال الرجل لامرأته أنتِ طالق قبل أن تحيضي حيضة بشهر، فمكثت بعد هذه المقالة شهرًا، ثمَّ رأت الدم يومًا أو يومين في أيام حيضها، فإنّها لا تطلق ما لم يتمادى بها الدم ثلاثة أيام، وإذا تمادى يحكم بوقوع الطلاق من حين ما رأت الدم؛ لأنَّ بمادي الدم ثلاثة أيام تيقنا أنّ المرئي كان حيضًا من وقت الرؤية، فتيقنا بكون هذه الشهر شهرًا قبل حيضها، ولا يتوقف وقوع الطلاق على الطهر. وإن ذكر الحيضة مع الهاء أنّها مع الهاء اسم للكامل منها؛ لأنّه ما جعل الحيضة شرطًا بل جعلها معرفة للوقت المضاف إليه الطلاق، وقد حصل التعريف بمضي ثلاثة أيام وإن لم تطهر، ثمَّ إذا وقع الطلاق عليها من حين ما رأت الدم، لا شكَّ أنَّ على قولهما يقتصر استدلالًا بنظائره من الميت والقدوم على ما مرّ.
وأمّا على قول أبي حنيفة رحمه الله قد اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: يستند وألحقوه بالموت، وبعضهم قالوا لا يستند، وألحقوه بالقدوم من حيث إنّ الحيضة ملفوظ بها على خطر الوجود، كالقدوم بخلاف الموت.
قال في (الجامع): وإذا (قال) لامرأته أنتِ طالق ثلاثًا قبل موت فلان بشهر، ثمَّ إنّه خالعها على مال قبل تمام الشهر ثمَّ مات فلان لتمام الشهر، فالمسألة على وجهين: إن لم تكن المرأة في العدّة يوم مات فلان، بأن كانت غير مدخول بها أو كانت مدخولًا بها، إلا أنّه انقضت عدتها بوضع الحمل قبل تمام الشهر، لا يقع شيء عليها شيء من الطلقات المضاف.
أمّا عندهما فلأنّ الطلاق يقع عند الموت مقصورًا على حالة الموت، فيشترط قيام الملك عند الموت، ولم يوجد.
وعند أبي حنيفة رحمه الله يقع الطلاق في آخر جزء من آخر الحياة ويستند، فلابد من قيام الملك في آخر جزء من آخر الحياة حتّى يقع ثمّ يستند، وإن كانت في العدة يقع الطلاق غير أنَّ عندهما يقتصر الوقوع على وقت الموت، فلا يتبين بطلان الخلع، وعند أبي حنيفة رحمه الله يستند، فيتبيّن أنّه حين خالعها لم يكن له عليها ملك فيتبيّن بطلان الخلع فكان عليه أن يردّ ما أخذ منها؛ لأنّه تبيّن أنّه أخذ ما أخذ بغير حق، ولم يذكر محمّد رحمه الله في (الكتاب) أنَّ العدة تعتبر من أيِّ وقت ولا شكَّ أن على قولهما تعتبر العدة من وقت الموت؛ لأنَّ عندهما يقع الطلاق مقصورًا على وقت الموت، وأما على قول أبي حنيفة رحمه الله عند عامّة الشايخ يعتبر من وقت الموت.
وعند علي الرازي رحمه الله يعتبر من أوّل الشهر، وهذا بناءً على أن عند علي الرازي الطريق في وقوع الطلاق عند أبي حنيفة رحمه الله في هذه الصورة طريق الظهور من كلِّ وجه، ومعناه أنَّ بالموت يظهر أنَّ الطلاق كان واقعًا من أوّل الشهّر من كلِّ وجه، وكان يطعن على محمّد رحمه الله فيما ذكر من اشتراط قيام العدّة وقت الموت، لوقوع الثلاث؛ لأنّ عنده الطلاق يقع من أوّل الشهر من كلِّ وجه، فلا معنى لاشتراط قيام العدّة عند الموت، والدليل على أنَّ طريقه الظهور من كلِّ وجه عند أبي حنيفة أنَّ محمّدًا رحمهما الله ذكر بطلان الخلع، على قوله: لو كانت العدة قائمة وقت الموت، ولو كان طريقه طريق الاستناد لما قال ببطلان الخلع؛ لأنَّ الخلع بعد وقوعه. ونفاذه لا يحتمل البطلان.
والدليل عليه: أنَّ أبا حنيفة رحمه الله قال: لو وطئها بعد اليمين، ثمَّ مات، فلان لتمام الشهر إنّه يلزمه العقد، ولو كان طريقه طريق الاستناد لما لزمه العقد، لأنَّ الاستناد لا يظهر في حقِّ المستوفى بالوطء، وما ذكرنا من نكتة القاضي الإمام الكبير أبي زيد رحمه الله، يشير إلى ما يقوله علي الرازي رحمه الله، فكأنه يميل إلى ما قاله علي الرازي رحمه الله. وعند عامة المشايخ الطريق عند أبي حنيفة رحمه الله طريق الاستناد، وهو الوقوع للحال من وجه، ومن أوّل الشهر من وجه، ولما كان الطريق عند عامة المشايخ الاستناد يعتبر العدّة من وقت الموت؛ لأنَّ باعتبار الوقوع في الحال يجب العدّة في الحال، وباعتبار الوقوع من أوّل الشهر تجب العدّة من أوّل الشهر، فتجب في الحال احتياطًا والصحيح ما عليه عامّة المشايخ.
وأمّا تخريج مسألة الخلع، فنقول: باعتبار الحال يصح ما مضى من الخلع، وباعتبار أوّل الشهر لا يصح فلا يصح بالشك والاحتمال وبهذا تبيّن أنّا لا نقول ببطلان الخلع بعد صحته ونفاذه، بل لا نقول بصحته.
وأمّا مسألة العقد قلنا: الأصل في ضمان منافع البضع العقد لكن يصير إلى المسمّى حال قيام الملك من كل وجه، فإذا ظهر زوال الملك من أوّل الشهر من وجه، بقي مضمونًا بالضمان الأصلي.
وفي (المنتقى) عن محمّد رحمه الله: إذا قال لامرأته أنتِ طالق قبيل غد أو قبيل قدوم فلان، فهو قبيل ذلك بطرفة عين؛ لأنَّ قبيل وقت. قال الحاكم أبو الفضل رحمه الله. هذا الجواب في قوله قبيل قدوم فلان غير مستقيم، والصحيح أنّه يقع الطلاق إذا قدم فلان، والله أعلم.

.نوع آخر في إضافة الطلاق إلى الوقتين وإلى أحدهما وفي تعليق الطلاق بالفعلين وبأحدهما وفي الجمع بين وقت وفعل:

يجب أن تعلم بأنَّ الطلاق المضاف إلى أحد الوقتين يقع عند آخرهما، إمّا لأنَّ الزوج وصفها بالطلاق في أحد الوقتين، ولو وقع الطلاق في أولهما كانت موصوفة بالطلاق في الوقتين، أوْ لأنَّ الزوج أوقع الطلاق بأحد وصفين الأخف والأغلظ وهو التعجل والتأخّر فإنَّ المؤخّر أخف من المعجّل.
والأصل في مثل هذا أن يتعين للزوج الأخف؛ لأنّه متيقّن ولهذا قالوا: إن من قال لامرأته أنتِ طالق بائن أو رجعي يقع طلاق رجعي، وكذلك قالوا فيمن قال لامرأته أنتِ طالق ثلاثًا أو واحدة يقع واحدة، وطريقه ما قلنا.
بيان هذا (الأصل) فيما إذا قال لامرأته: أنتِ طالق غدًا أو بعد غد، فإنّها تطلق بعد غد وكذلك إذا قال لها أنتِ طالق غدًا أو رأس الشّهر، فإنّه يقع الطلاق عند أحديهما إلا إذا نوى أن يقع بكل وقت تطليقة، فحينئذٍ تقع تطليقة غدًا وتطليقة بعد غد؛ لأنّه نوى ما يحتمله لفظه بإقامة حرف الواو مقام أو ويصير تقدير المسألة: أنتِ طالق غدًا، وبعد غدٍ أو بإضمار كلمة في، ويصير تقدير المسألة أنتِ طالق في غدٍ وفي بعد غدٍ والمضاف إلى الوقتين يقع بأولهما؛ لأنّه وصفها بكونها طالقًا في الوقتين، وإنّما يكون مقصودًا بالطلاق في الوقتين إذا وقع الطلاق بأولهما، وإذا وقع الطلاق عند وجود أوّلهما لا يقع عند وجود آخرهما شيء إذا لم يكن أحد الوقتين كائنًا، أو كان أحدهما كائنًا وبدأ بالكائن، ففي الحالين جميعًا يقع طلاق واحد عند وجود أوّلهما.
بيان هذا (الأصل): إذا لم يكن أحد الوقتين كائنًا أن يقول لها اليوم: أنتِ طالق غدًا، وبعد غد. وبيانه فيما إذا كان أحد الوقتين كائنًا وبدأ بالكائن بأن يقول لها اليوم أنتِ طالق اليوم وغدًا، فإنّه يقع الطلاق ساعة ما تكلّم، ولا يقع عليها في الغد شيء؛ لأنه وصفها بكونها طالقًا في الوقت الكائن والآتي، وهي الطلقة الواقعة في الوقت الكائن يتصف بالطلاق في الوقت الآتي.
وعلى هذا إذا قال لها في الليل أنتِ طالق في ليلك ونهارك يقع الطلاق عليها ساعة ما تكلم بهذه المقالة، ثمَّ لا يقع في النهار شيء، وهذا إذا لم يكن لها نية، فإن نوى أن يقع بكل وقت تطليقة كان كما نوى، لما قلنا.
وفي (مجموع النوازل): إذا قال لها: أنتِ طالق اليوم وغدًا، يقع واحدة اليوم، وأخرى غدًا وأمّا إذا كان أحد الوقتين كائنًا وبدأ بالآتي فإنه يقع بكل وقت تطليقة، بأن قال لها اليوم: أنتِ طالق غدًا واليوم تقع واحدة ساعة ما تكلم به، وتقع أخرى غدًا، وكذلك إذا قال في الليل أنتِ طالق في نهارك وليلك يقع واحدة ساعة ما قال هذه المقالة، ويقع أخرى إذا طلع الفجر؛ لأنّه وصفها بكونها طالقًا في الوقت الآتي ابتداء، وعطف عليه الوقت الكائن، وهي بالطلاق الواقع في الوقت الآتي لا تتصف بكونها طالقًا في الوقت الكائن.
ولو قال لها ليلًا أنتِ طالق في ليلك وفي نهارك، أو قال لها نهارًا أنتِ طالق في نهارك، وفي ليلك، طلقت في كلِّ وقت تطليقة؛ لأنّه جعل كلّ وقت ظرفًا على حدة فاستدعى مظروفًا على حدة، وفيما تقدّم جعل الوقتين ظرفًا واحدًا، فاكتفى بمظروف واحد.
وعلى هذا إذا قال لها أنتِ طالق ليلًا ونهارًا أو قال في الليل والنهار لم يقع إلا واحدة، ولو قال في الليل وفي النهار، يقع تطليقتان وعلى هذا إذا قال أنتِ طالق في أكلك وشربك، في قيامك وقعودك لم يقع ما لم يوجدا. ولو قال في أكلك وفي شربك، وفي قيامك وفي قعودك فأيهما وجد يقع؛ لأنّه جعل كلَّ فعل شرطًا على حدة فإن نوى طلقة واحدة في قوله في ليلك وفي نهارك ديّن فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنّه نوى ما يحتمله لفظه، وذلك بحذف كلمة في.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمّد رحمه الله: إذا قال لامرأته أنتِ طالق بالنهار، والليل إذا قال ذلك نهارًا طلقت واحدة، وإن قال ذلك ليلًا طلقت ثنتين، ولو قال لها ولم يدخل بها أنتِ طالق غدًا واليوم طلقت الساعة واحدة، وإن تزوجها اليوم طلقت إذا جاء غد ولو لم يتزوجها اليوم حتى جاء غد ثم تزوجها لا تطلق.
وأمّا إذا كان أحد الوقتين كائنًا والآخر ماضيًا لم يذكر هذه المسألة في الأصول، وإنّما ذكرها في (النوادر)؛ ووضعها في غير المدخول بها، فقال: إذا قال لها أنتِ طالق أمس واليوم فهي واحدة لأنا لو أوقعنا أمس بها تطليقة ممّا سمى بعد ذلك يكون باطلًا، ولو قال أنتِ طالق اليوم وأمس كانت طالقًا ثنتين، كأنّه قال لها أنتِ طالق ثنتين.
وفي (مجموع النوازل): إذا قال لامرأته أنتِ طالق اليوم فأمس فهي واحدة، هذا هو الكلام في المضاف.
جئنا إلى المعلّق، فنقول: المعلق بأحد الفعلين يقع بأولهما لأن الحالف جعل أحد الفعلين شرطًا، وإنّما يكون أحدهما شرطًا إذا وقع الطلاق بأولهما، بيان هذا الأصل: إذا قال لها أنتِ طالق إذا جاء رأس الشهر أو إذا قدم فلان، فأيهما وجد أولًا يقع الطلاق ثمَّ لا يقع عند الآخر شيء؛ لأنَّ المعلق طلاق واحد، إلا أن ينوي بكل فعل تطليقة، فيكون كما نوى؛ لأنّه نوى ما يحتمله لفظه؛ لأنه يذكر بمعنى الواو، قال الله تعالى {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الاْرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ} [الإسراء: 90، 91] ومعناه وتكون لك ويصير تقدير المسألة أنتِ طالق إذا جاء رأس الشهر، وإذا قدم فلان.
وأمّا المعلق بالفعلين، فهو على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون الجزاء مقدمًا على الفعلين، وإنّه على وجهين:
أمّا (إن) ذكر للثاني حرف الشرط، بأن قال لها: أنتِ طالق إذا قدم فلان وإذا قدم فلان آخر، وفي هذا الوجه أيّهما قدم أوّلًا يقع الطلاق ولا يقع بالثاني شيء إلا إذا نوى ذلك.
وأمّا إن لم يذكر للثاني حرف الشرط، بأن قال لها أنتِ طالق إذا قدم فلان وفلان، وفي هذا الوجه لا يقع الطلاق ما لم يقدما، والفرق أنَّ قوله أنتِ طالق إذا قدم فلان وإذا قدم فلان يمين تامّه؛ لأنّه ذكر شرط وجزاء، فإذا ذكر للثاني حرف الشرط، فالثاني تامّ في معنى الشرطية، ناقص في معنى الجزائية، فصار جزاء الشرط الأوّل جزاء له بحكم العطف إذ العطف يقتضي المشاركة بين المعطوف وبين المعطوف عليه، فيما هو ناقص، ويصير تقدير المسألة؛ كأنّه قال أنتِ طالق إذا قدم فلان، وإذا قدم فلان آخر فأنتِ طالق تلك التطليقة ولو نصَّ على ذلك كان الجواب كما قلنا فها هنا كذلك.
وأمّا إذا لم يذكر للثاني حرف الشرط فالثاني ناقص في معنى الشرطية، كما هو ناقص في معنى الجزائية وقد عطفه على الأول بحرف الجمع، والجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع، فصار كأنّه قال: أنتِ طالق إذا قدما.
الوجه الثاني: أن يكون الجزاء وسط الفعلين، بأن قال لها إذا قدم فلان، فأنتِ طالق، وإذا قدم فلان فالجواب فيه كالجواب فيما إذا قدّم الجزاء؛ لأنّ قوله إذا قدم فلان، فأنتِ طالق يمين تامّة، فإذا قال وإذا قدم فلان فقد ذكر حرف الشرط ولم يذكر له الجزاء، فصار جزاء الأوّل جزاءً للثاني بحكم العطف.
الوجه الثالث: أن يكون الجزاء مؤخرًا عن الفعلين، بأن قال: إذا قدم فلان، وإذا قدم فلان فأنتِ طالق، فما لم يقدما لا يقع الطلاق لأنَّ قوله إذا قدم فلان ليس بكلام تامّ، بل هو شرط محض، وإذا قال: وإذا قدم فلان، فهذا أيضًا شرط محض، وقد جمع بينهما، فصار كالمجموع بلفظ الجمع فكأنّه قال: إذا قدما فأنتِ طالق، بخلاف ما إذا قدم الجزاء أو وسط؛ لأن هناك الكلام الأوّل يمين تامة على ما ذكرنا والكلام الثاني تام في معنى الشرطية ناقص في معنى الجزائية على ما مرّ.
وإذا جمع بين وقت وفعل وأضاف الطلاق إلى أحدهما، بأن قال لها: أنتِ طالق رأس الشهر أو إذا قدم فلان، فإن وجد الفعل أوّلًا بأن قدم فلان في هذه الصورة أوّلًا يقع الطلاق، ويجعل كأنَّ المضموم إليه فعل آخر، فكان هذا طلاقًا معلقًا بأحد الفعلين فيقع بأولهما، وإن جاء رأس الشهر أوّلًا لا يقع الطلاق ما لم يقدم فلان، ويجعل كأن المضموم إليه وقت آخر كأنّه قال: أنتِ طالق رأس الشهر أو وقت قدوم فلان، فكان الطلاق مضافًا إلى أحد الوقتين، فيقع بآخرهما.
واختلفت عبارة المشايخ في بيان العلّة، فعبارة بعضهم: إنَّ الجمع بين قضيّة الفعل وبين قضيّة الوقت متعذر، لما بين الإضافة والتعليق من التضاد وجب القول بالترجيح، فرجحنا السابق؛ لأنّه لا (حكم) له فيعطى له حكمه ويجعل الآخر تبعًا له، فإن وجد الفعل أولًا جعل كأن المضموم إليه فعل آخر وإن وجد الوقت أوّلًا، جعل كأنَّ المضموم إليه وقت آخر.
وعبارة القاضي الإمام أبي سعيد البردعي رحمه الله أنَّ من أوقع أحد الطلاقين، إمّا الأخف وإمّا الأغلظ يقع الأخف، وقد أتى بالمضاف إلى الوقت أو بالمعلق بالفعل، والمعلق أخف من المضاف؛ لأن المضاف أقرب إلى المنجّز من المعلق، ألا ترى أنَّ من قال لامرأته: إن حلفت بعتق عبدي، فأنتِ طالق ثمَّ قال لعبده أنت حرّ غدًا لا تطلق امرأته، كما لو قال أعتقت للحال. وكذا النذر المضاف إلى الغد يجوز تعجيله قبل مجيء الغد، بأن قال: لله تعالى عليَّ أن أصدّق بدرهم غدًا، فتصدق اليوم والنذر المعلق بمجيء الغد لا يجوز تعجيله قبل مجيء الغد، فعلم أن المضاف قرب المنجز، فكان المعلّق أخف، فيعتبر الأخف ويلغوا الوقت، ولكن هذه العلّة إنّما تتأتى فيما إذا وجد الفعل أوّلًا، ولا تتأتى فيما إذا وجد الوقت أوّلًا، واستشهد محمّد رحمه الله لإيضاح هذه المسألة في (الزيادات) بمسألة أخرى، فقال: ألا ترى أنّه لو قال لها أنتِ طالق غدًا، أو إن شئت، فشاءت الساعة أنه يقع الطلاق، ولا ينتظر مجيء الغدّ، ويجعل كأنَّ المضموم إلى المشيئة فعل آخر، فكان الطلاق معلقًا بأحد الفعلين، فكذا في مسألتنا إلا أنَّ بين مسألتنا، وبين مسألة الاستشهاد فرق، فإنَّ في مسألة الاستشهاد إذا قامت عن مجلسها قبل أن تشاء طلقت غدًا، وفي مسألتنا هذه إذا جاء رأس الشهر قبل أن يقدم فلان لا تطلق ما لم يقدم فلان.
وفي (نوادر ابن سماعة) قال: سمعت أبا يوسف رحمه الله يقول: إذا قال لامرأته أنتِ طالق إن دخلت الدار، أو بعد غد، فدخلت الدار اليوم قال: لا تطلق حتّى يجيء بعد الغد، قال: وهذا بمنزلة وقتين.
وقال محمّد رحمه الله: إن دخلت الدار اليوم طلقت قبل مجيء بعد الغد، وهذه الرواية عن أبي يوسف رحمه الله تخالف ما ذكر محّمد رحمه الله في (الزيادات).
وعن أبي يوسف رحمه الله أيضًا أنّه إذا علق الطلاق بوقت وفعل على الشك، فهو بمنزلة فعلين، قال الحاكم أبو الفضل رحمه الله: يريد به أن الطلاق يقع بأيهما سبق، وهذه الرواية توافق ما ذكر محمّد رحمه الله في (الزيادات)، ومتى جمع بين الوقت والفعل وأضاف الطلاق إليهما بأن قال لها: أنتِ طالق غدًا، وإذا قدم فلان فهاتان تطليقتان تطلق غدًا واحدة، وإذا قدم فلان أخرى؛ لأنّه لا مجانسة بين الوقت وبين الفعل، حتّى يصير جزاء الأوّل جزاء الثاني بحكم العطف إذ المشاركة إنّما تثبت في جنس واحد، لا في جنسين. وقد ذكر للثاني حرف الشرط، ولم يذكر له جزاء، فاستدعى الثاني جزاء آخر، فصار تقدير المسألة كأنّه قال: أنت طالق غدًا، وإذا قدم فلان فأنتِ طالق تطليقة أخرى، بخلاف ما إذا ذكر فعلين أو وقتين؛ لأنَّ هناك الثاني من جنس الأوّل، فصار جزاء الأوّل جزاءً للثاني بحكم العطف، فلم يستدعي الثاني جزاء آخر.
فروى ابن سماعة عن محمّد رحمهما الله فيمن قال لامرأته: أنتِ طالق السّاعة، وإذا جاء غد وإذا جاء بعد غد، فهي طالق السّاعة واحدة وإذا جاء غد أخرى: ولا تطلق بمجيء ما بعد الغد؛ لأنَّ قوله إذا جاء غد فعل وقوله، وإذا جاء بعد غد فعل آخر، فإنّما يقع بأوّل الفعلين ويسقط اليمين، قال: ألا ترى أنّه لو قال أنتِ طالق إن دخلت هذه الدّار وإن دخلت هذه الدّار فدخلت إحدى الدّارين طلقت، وسقطت اليمين حتّى لا تطلق بدخول الدّار الأخرى، كذا ها هنا.
وروى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله، فيمن قال لامرأته: أنتِ طالق اليوم، وإن دخلت الدّار فهي طالق حين تكلم، وإن دخلت الدار أخرى وهذا وما لو قال لها أنتِ طالق غدًا وإذا قدم فلان سواء.
وفي (الجامع الصغير) إذا قال لها أنتِ طالق غدًا اليوم أو قال أنتِ طالق اليوم غدًا، فهو بأوّل الوقتين تفوه، يريد به أنَّ في الصورة الأولى يقع الطلاق غدًا، وفي الصورة الثانية يقع الطلاق اليوم؛ لأنّه أضاف الطلاق إلى وقتين ولم يذكر بينهما حرف العطف، وفي مثل هذا يقع الطلاق بأولهما لفظًا، ويصير الثاني حشوًا ولغوًا من الكلام. وكذلك إذا قال لها أنتِ طالق الساعة غدًا يقع الطلاق عليها في الحال، فإن قال عنيت بهذه الساعة الساعة من الغد فإنّه لا يصدّق في القضاء ويديّن فيما بينه وبين الله تعالى.
ولو قال: أنتِ طالق اليوم إذا جاء غد، فهي طالق غدًا حين يطلع الفجر لأنَّ قوله أنتِ طالق اليوم إيقاع للحال وقوله إذا جاء غد تعليق، فقد أتى بالإيقاع والتعليق والجمع بينها متعذّر، فلابد من اعتبار أحدهما وترك الآخر فنقول: اعتبار التعليق أولى، لأنا متى اعتبرنا الإيقاع يلغو قوله إذا جاء غد، وإنها كلمات، ولو اعتبرنا التعليق يلغو قوله اليوم، وإنه كلمة واحدة، فكان اعتبار التعليق أولى، وإذا اعتبرنا التعليق بقي ذكر اليوم فصار كأنّه قال لها: أنتِ طالق إذا جاء غد وهناك لا يقع الطلاق ما لم يجيء الغد كذا ها هنا.
وفي (مجموع النوازل): إذا قال لها أنتِ طالق تطليقة تقع عليك غدًا، فإنّه لا تقع إلا غدًا ولو قال تطليقة لا يقع عليك إلا غدًا وقع السّاعة، قال لأنّه تأجيل في الواقع.
وفي (المنتقى) إذا قال لها أنتِ طالق رأس كلِّ شهر، فإنّها تطلق ثلاثًا في رأس كلِّ شهر واحدة، ولو قال لها أنتِ طالق كلّ شهر، فإنّها تطلق واحدة قال لأنَّ في الأوّل ثلثهما فصل في الوقوع، ولا كذلك في الباقي ولو قال لها أنتِ طالق كل جمعة، فإن كان نيته على كلّ يوم جمعة فهي طالق في كل يوم جمعة حتّى تبين بثلاث وإن كان نيته على كلّ جمعة تأتي بأيامها على الدهر فهي طالق واحدة، وإن لم يكن له نيّة طلقت واحدة. وفي (مجموع النوازل): إذا قال لها أنتِ طالق يوم الجمعة، أو في الجمعة وهو في بعض اليوم، فإنّه يقع الطلاق، فلا يكون على الجمعة الثانية إلا أن ينوي.
وفيه يضًا: إذا قال لها أنتِ طالق قبل يوم قبله يوم الجمعة، أو قال بعد يوم بعده يوم الجمعة يقع الطلاق عليها يوم الجمعة في المسألتين جميعًا، ولو قال لها أنتِ طالق واحدة كل يوم، فهي طالق واحدة كلَّ يوم.
وكذلك إذا قال لها أنتِ طالق كل يوم واحدة، ولو قال لها أنتِ طالق شهرًا، غير هذا اليوم أو سوى هذا اليوم كان كما قال، فكانت طالقًا بعد مضي ذلك اليوم، ولا يشبه هذا قوله إلا هذا اليوم، فإنَّ هناك تطلق حين تكلم، وقوله هذا الشهر إلا هذا اليوم نظير قوله شهرًا إلا هذا اليوم. والفرق بين قوله إلا هذا وبين قوله سوى هذا، وغير هذا أنَّ قوله غير هذا اليوم وسوى هذا اليوم قد يكون وقتًا، ألا ترى لو قال الرجل لغيره: والله لا أكلمك ثلاثة أيام غير هذا اليوم، أو سوى هذا اليوم كان حالفًا أن لا يكلمه ثلاثة أيام مستقبلات بعد هذا اليوم. ولو قال: والله لا أكلمك ثلاثة أيام إلا هذا اليوم كان حالفًا أن لا يكلمه يومين بعد يومه ذلك؛ لأنَّ بقوله هذا اليوم استثنى هذا اليوم من الثلاثة.
وروى بشر عن أبي يوسف رحمة الله عليهما: إذا قال لامرأته أنتِ طالق بعد أيام فإنّما يقع بعد سبعة أيام. وروى المعلّى عنه إذا قال لها: إذا كان ذو القعدة فأنتِ طالق، وقد مضى بعضه، قال: هي طالق ساعة تكلّم وإذا قال لها أنتِ طالق في مجيء يوم إن قال ذلك ليلًا طلقت كما طلع الفجر من اليوم الثاني وإن قال ذلك في ضحوة من النهار طلقت كما طلع الفجر من اليوم الثاني.
ولو قال لها أنتِ طالق في مضي يوم إن قال ذلك ليلًا طلقت إذا غربت الشمس من الغد، وإن قال ذلك في ضحوة من النهار طلقت إذا جاءت الساعة التي حلف فيها من اليوم الثاني، وكان ينبغي أن يشترط في المجيء مجيء يوم كامل، كما يشترط في المضي مضي يوم كامل، كأنّه أضاف المجيء إلى اليوم مطلقًا ولا يوجد مجيء اليوم مطلقًا على الحقيقة إلا المجيء كله.
والجواب أن القياس هذا، إلا أنَّا تركنا القياس في المجيء بنوع ضرورة لأنّا لو شرطنا في المجيء مجيء جميع اليوم، وذلك بغروب الشمس يفوت اسم المجيء فإنّه لا يقال بعدما غربت الشمس جاء اليوم، وإنّما يقال مضى اليوم أما في المضي لو شرطنا مضيّ حميع اليوم لا يفوت اسم المضي، فعملنا بالقياس في المضي وتركنا القياس في المجيء، واعتبرنا فيه مجيء أواخر من آخر اليوم، والعرف يشهد لما قلنا، فإنّه تعالى يوم الغد إذا طلع الفجر من يوم الجمعة وجاء شهر رمضان إذا أهلّ الهلال من شهر رمضان.
ولو قال لها: أنتِ طالق في مجيء ثلاثة أيام إن قال ذلك ليلًا طلقت كما طلع الفجر من اليوم الثالث لأنّه علق وقوع الطلاق بطلوع ثلاث فجرات، وكما طلع الفجر من اليوم الثالث، فقد تمَّ طلوع ثلاث فجرات. وإن قال ذلك في ضحوة من النهار طلقت إذا طلع الفجر من اليوم الرابع؛ لأنَّ هذا اليوم لم يعتبر داخلًا في اليمين، وإنما يعتبر طلوع ثلاث فجرات بعد هذا اليوم.
ولو قال لها أنتِ طالق في مضيّ ثلاثة أيام إن قال ذلك ليلًا طلقت إذا غربت الشمس من اليوم الثالث؛ إذ به يتمّ الشرط، هكذا وقع في بعض نسخ (الجامع)، ووقع في بعضها: لا يطلق حتّى يجيء مثل تلك الساعة التي حلف فيها من الليل الرابعة، وهكذا ذكر القدوري رحمه الله في (شرحه)؛ لأنَّ الأيام متى ذكرت باسم الجمع يستتبع ما بإزائها من الليالي فيجب تكميلها من الليلة الرابعة، بخلاف اليوم المفرد، والله أعلم بالصواب.

.الفصل الثاني عشر: في الرجل يوقع الطلاق على امرأته ثم يقول: لي امرأة أخرى والمطلقة هي الأخرى:

قال محمّد رحمه الله في (الجامع) إذا قال الرجل أوّل امرأة أتزوجها طالق، ثمَّ تزوّج امرأة بعد اليمين، وادعت هي الطلاق فقالت: أنا أوّل امرأة تزوجني بعد اليمين، وقال الزوج لا بل تزوجت فلانة بعد اليمين لا يُصدّق الزوج في صرف الطلاق عن المعروفة، ولو كان قال: إنّ كانت فلانة أول امرأة أتزوجها فهي طالق ثمَّ تزوجها، فادعت هي الطلاق، وقال الزوج؛ تزوجت امرأة قبلها، وهذه ليست بأولى، فالقول قول الزوج.
الأصل في جنس هذه المسائل: أن الزوج متى ما أنكر وجود ما هو شرط وقوع الطلاق، فالقول قوله؛ لأنّه ينكر وقوع الطلاق ومتّى أقرّ ما هو شرط وقوع الطلاق، وله امرأة معروفة، فادعت المعروفة أنّها طلقت، وادّعى الزوج أنَّ له امرأة أخرى سوى هذه المعروفة، وهي التي طلقت فالقول قول المعروفة؛ لأنَّ الزوج لما أقرّ بما هو شرط وقوع الطلاق، فقد أقرّ بالإيقاع؛ لأنَّ المعلق بالشرط يصير مرسلًا عند الشرط، فصار كأنّه قال عند إقراره بوجود الشرط: امرأتي طالق. ولو قال لها هكذا، وله امرأة معروفة ينصرف الإيقاع إليها؛ لأنَّ صحّة الإيقاع يعتمد محلا قائمًا والمحل المنكوحة والمنكوحة الظاهرة المعروفة، فيصير الزوج مقرًا بطلاقها من حيث الظاهر، فإذا ادّعى بعد ذلك الوقوع على امرأة أخرى، فقد ادّعى أمرًا بخلاف الظاهر. وإذا ادعت المعروفة الوقوع عليها، فقد ادعت أمرًا موافقًا للظاهر قبل فيما قد تمّ اعتبار الظاهر، لإيقاع الطلاق على المعروفة، ولاستحقاق المعروفة نفسها على زوجها، والظاهر يصلح للدفع دون الاستحقاق قلنا.... يعتبر الظاهر لدفع دعوى الزوج، ثمَّ يقع الطلاق على المعروفة بالإيقاع الثالث بإقرار الزوج، فلا يكون في هذا اعتبارًا لظاهر حجّته في إيقاع الطلاق على المعروفة.
إذا ثبت هذا جئنا إلى تخريج المسألة، فنقول: في المسألة الأولى الزوج أقر بما هو شرط وقوع الطلاق؛ لأنَّ على ما زعم وعلى ما ظهر الطلاق واقع، وله امرأة معروفة يدعي طلاق نفسها، فيكون القول قولها وفي المسألة الثانية الزوج منكر ما هو شرط وقوع الطلاق؛ لأنَّ شرط وقوع الطلاق كون هذه المرأة موصوفة بصفة الأوّلية في التزوّج، والزوج ينكر ذلك، ألا ترى أنّه لو ثبت ما أقرّ به الزوج، لا يقع الطلاق أصلًا، فيكون القول قول الزوج، وإذا وقع الطلاق على المعروفة في المسألة الأولى ينظر إن كذبت المجهولة الزوج في النكاح لا يقع عليها شيء، وإن صدقته يقع عليها الطلاق بإقرار الزوج، والمعروفة مطلقة بحكم الظاهر.

.فرع على المسألة الأولى:

فقال: لو كان الزوج قال تزوجت هذه وفلانة معها، كان القول قول الزوج، فلا يقع (على) المعروفة؛ لأن الزوج أنكر شرط الوقوع ها هنا إذ الشرط تزوّج امرأة معروفة موصوفة بصفة الأوّلية في التزوج، والأوّل اسم لفرد سابق، فالزوج يدّعي المقارنة (و) ينكر الفردية فينكر الأوّلية فيكون منكر شرط الوقوع، ألا ترى أنّه لو ثبت ما أقرّ به الزوج لا يقع الطلاق أصلًا، فلهذا كان القول قول الزوج، ولا تطلق المجهولة ها هنا وإن صدقت الزوج في دعوى نكاحها، بخلاف المسألة الأولى لأنَّ في المسألة الأولى المجهولة إنّما تطلق بإقرار الزوج، والزوج ها هنا غير مقرّ بطلاق المجهولة.
ولو نظر إلى امرأتين، فقال أوّل امرأة أتزوجها منكما طالق فتزوّج إحداهما، وادعت هي الطلاق، فقالت: تزوجني أوّلًا، وقال الزوج تزوجت الأخرى أوّلًا، فالقول قول المعروفة؛ لأنَّ الزوج أقرّ بوجود شرط وقوع الطلاق ها هنا، وهو تزوّج إحداهما أوّلًا، فلا يصدّق في صرف الطلاق عن المعروفة، ولو كان الزوج قال: تزوجت الأخرى معها فالقول قول الزوج، فلا تطلق المعروفة؛ لأنَّ الزوج منكر شرط وقوع الطلاق عليها ها هنا.
وإذا قال الرجل كنت طلقت امرأة تزوجتها أو قال كانت لي امرأة فطلقتها، وادعت المعروفة أنّها هي وقال الزوج كانت لي امرأة أخرى غير المعروفة وإيّاها طلقت، فالقول قول الزوج لأنَّ الزوج لم يقرّ بالإيقاع في الحال في هذه الصورة، حتّى تتعيّن المعروفة لهذا الطلاق بحكم الظاهر، إنّما أقرَّ بالإيقاع فيما مضى في نكاح بما مضى؛ لأنَّ قوله كنت إخبار عن الماضي.
فإن قيل هذا التعليل لا يستقيم في قوله فطلقتها؛ لأنَّ قوله طلقتها إيقاع في الحال، فيستدعي محلًا قائمًا في الحال وليس ذلك إلا المعروفة، قلنا: قوله: وطلقتها عطف على قوله كانت لي امرأة، وقوله: كانت لي امرأة إخبار عن نكاح ماض فيصير قوله فطلقتها إخبارًا عن نكاح ماض بحكم العطف.
فإن قيل هذا الشكل بما لو قال كانت لي امرأة، فاشهدوا أنها طالق، فادعت المعروفة أنّها هي، فالقول قول المعروفة حتّى تطلق هي. وقوله إنّها طالق معطوف على نكاح ماض، ولم يجعل إخبارًا عن طلاق ماض بحكم العطف قلنا: قوله: إنها طالق معطوف على قوله: فاشهدوا الإشهاد للحال، فقوله إنّما يكون إنشاء الطلاق للحال.
ولو قال طلقت امرأة لي فاشهدوا، أو قال امرأة من نسائي طالق، وباقي المسألة على حالها يقع الطلاق على المعروفة في الحكم؛ لأنَّ هذا الكلام، أو قال امرأة لي طالق إيقاع للحال فيستدعي محلا قائمًا للحال، والمعروفة تعينت لذلك بحكم الظاهر.
وكذلك لو قال قد كنت طلقت امرأتي، قد كنت امرأة لي، قد كنت طلقت إحدى نسائي، وباقي المسألة بحالها يقع الطلاق على المعروفة في الحكم؛ لأنّه وإن أضاف الطلاق إلى الماضي إلا أنّه إنّما أضاف إلى الماضي طلاق امرأة مضافة إليه في الحال، والمرأة المضافة إليها في الحال من حيث الظاهر المعروفة.
وكذلك لو قال: طلقت أول امرأة قد كنت تزوّجتها، أو قال: طلقت امرأة كانت لي، وباقي المسألة على حالها تطلق المعروفة؛ لأنَّ قوله طلقت إيقاع في الحال ومحله في الحال المعروفة بحكم الظاهر، وكلّه من أيمان (الجامع).
وفي (المنتقى) ابن سماعة عن محمّد رحمة الله عليهما؛ إذا قال زينب امرأة طالق، فخاصمته زينب إلى القاضي في الطلاق، فقال: لي امرأة أخرى ببلدة كذا اسمها زينب وإياها عنيت، ولم يقم على ذلك بنيّة، فإنَّ القاضي يطلّق هذه المرأة، ويبينها منه إن كان الطلاق بائنًا فإن أحضر.... واسمها زينب وعرفها القاضي بذلك، فإنه يوقع الطلاق عليها ويرد إليه الأولى ويبطل طلاقها وكذلك هذا في العتق. وعن أبي يوسف رحمه الله أنّه يطلقهما جميعًا ويعتقهما جميعًا.
وروى هشام عن محمّد رحمة الله عليهما إذا قال الرجل امرأته طالق، فاستقدم عليه امرأته فقال لي امرأة أخرى غائبة وإيّاها عنيت. قال: إن أقام البيّنة أن له امرأة أخرى غائبة سواها وقفت الأمر، ولم أوقع الطلاق حتّى يقدم إليّ الغائب، وعن أبي يوسف رحمه الله، فيمن قال: امرأته طالق وله امرأة معروفة فقال لي امرأة أخرى، وجاءت امرأة أخرى وادّعت أنها امرأته وصدقها الزوج في ذلك، فقال: إيّاها عنيت أو قال: اخترت أن أوقع الطلاق على هذه فإن أقام بيّنة على التزوّج بالمجهولة قبل الطلاق صرف الطلاق عن المعروفة، وإن لم يقم له بيّنة على ذلك، وقضى القاضي ببطلان المعروفة، ثمَّ قامت له بيّنة على التزوّج بالمجهولة قبل الطلاق، أو قبل أن يقضي القاضي ببطلان المعروفة، وقال الزوج عنيت بالطلاق المجهولة، فالقاضي يبطل ما قضى به من طلاق المعروفة ويردها إليه، ويوقع الطلاق على المجهولة. وكذلك لو كانت المعروفة قد تزوجت.
وفي (المنتقى) أيضًا: إذا قال لامرأتي عليَّ ألف درهم، وله امرأة معروفة، ثمَّ قال لي امرأة أخرى والدّين لها، فالقول قوله.
ولو قال: امرأته طالق على ألف درهم، فالطلاق والمال على امرأته المعروفة، فلا يصدق في صرفها إلى غيرها.
ولو قال: امرأتي طالق، ثمَّ قال لامرأتي عليَّ ألف درهم، وله امرأة معروفة، فقال لي امرأة أخرى وإيّاها عنيت صدّق في حقّ المال، ولا يصدّق في حقّ الطلاق.
وفي طلاق (الأصل) في باب الشهادة في الطلاق: إذا قال فلانة بنت فلان طالق، سمّى امرأة ونسبها، ثمَّ قال عنيت بذلك امرأة أجنبيّة هي على هذا الاسم والنسب، لم يصدّق قضاء.
وإن قال هذه المرأة التي عنيتها امرأتي، وصدقته في ذلك وقع الطلاق عليها بإقراره، ولم يصدق في حقّ صرف الطلاق عن المعروفة إلا أن يشهد الشهود على نكاح هذه المرأة قبل الإيقاع، أو على إقرار الرجل، وهذه المرأة بالنكاح أو على إقرار المرأة المعروفة بذلك، فحينئذٍ يعين الزوج بالبيان أنّه أوقع الطلاق على أيّهما.
وفيه أيضًا: إذا تزوّج امرأتين إحداهما نكاحًا صحيحًا، والأخرى نكاحًا فاسدًا أو اسمهما واحد، فقال: فلانة طالق ثمَّ (قال) عنيت التي نكاحها فاسدًا لم يصدّق قضاء، وكذلك إذا قالك إحدى امرأتي طالق ثم قال: عنيت التي نكاحها فاسد لم يصدق قضاء؛ لأنَّ التي نكاحها فاسد لم تصر امرأة له فكأنّه قال: إحدى امرأتيّ طالق وليس له إلا امرأة واحدة، ولو قال إحداكما طالق ثمَّ تطلق التي صحّ نكاحها، إلا أن يعنيها. ولو قال في يده عبدان قد اشترى أحدهما شراءً صحيحًا، واشترى الآخر شراءً فاسدًا فقال أحدكما حر أو قال أحد عبدي حرّ فهما سواء، فالقول في البيان قوله والله أعلم.

.الفصل الثالث عشر: في طلاق الغاية والظرف:

إذا قال لها أنتِ طالق من واحدة إلى ثنتين، أو ما بين واحدة إلى ثنتين، فهي واحدة أو من واحدة إلى ثلاث أو ما بين واحدة إلى الثلاث فهي ثنتان وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله، وقال أبو يوسف ومحمّد رحمهما الله إن قال من واحدة إلى ثنتين، أو ما بين واحدة إلى ثنتين يقع ثنتان، وإن قال ما بين واحدة إلى ثلاث أو من واحدة إلى ثلاث فهي ثلاث، وقال زفر رحمه الله: (إن قال من واحدة إلى ما بين لا يقع شيء)، وإن قال من واحدة إلى ثلاث يقع واحدة.
والحاصل أنَّ على قول أبي حنيفة رحمه الله تدخل الغاية الأولى دون الثانية وعلى قولهما تدخل الغايتان، وعلى قول زفر رحمه الله لا تدخل الغايتان وهو القياس.
إلا أنَّ أبا حنيفة رحمه الله يقول في إدخال الغاية الأولى ضرورة؛ لأنَّ الثانية لا وجود لها بدون الأولى، وهذه الضرورة معدومة في الثالثة؛ لأنَّ الثانية لها وجود بدون الثالثة، فبقيت الثالثة على أصل القياس، وقال أبو حنيفة رحمه الله: لو نوى واحدة في قوله من واحدة من ثلاث ديّن فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنّه أخرج الغاية الأولى، فالكلام محتملة إلا أنَّه خلاف الظاهر.
وروي عن أبي يوسف رحمه الله أنّه لو قال أنتِ طالق ما بين واحدة وثلاث، فهي واحدة؛ لأنّه لم يجعل الثلاث غاية لما أوقع ما بين العددين، وذلك واحدة.
ولو قال ما بين واحدة إلى أخرى أو من واحدة إلى واحدة، فهي واحدة عند أبي حنيفة رحمه الله، وقد اختلف المشايخ على قولهما، قال بعضهم: يقع ثنتان، وهكذا ذكر في (تجريد القدوري)؛ لأنَّ عندهما تدخل الغايتان، وقال بعضهم تقع واحدة؛ لأنّه يحتمل أن يكون معنى قوله: من واحدة إلى واحدة منها وإليها، فلا يقع أكثر من واحدة بالشّك وهكذا ذكر في (شرح القدوري) وهو الصحيح.
ولو قال: من واحدة إلى ثنتين وقعت واحدة عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما يقع ثنتان هكذا ذكر القدوري رحمه الله في (شرحه) قال: وقياس مذهبهما أن يقع الثلاث؛ لأنّ عندهما تدخل الغايتان، ولكن الوجه فيه أنَّ قوله من واحدة إلى ثنتين مجمل يحتمل أنّه جعل تلك الواحدة من الثنتين، كأنّه قال من واحدة هي من الثنتين، ويحتمل أنّه جعل الواحدة غير الثنتين فلا تقع الزيادة على الثنتين بالشّك، وهذه المسألة تؤيّد قول من يقول في قوله من واحدة إلى واحدة إنّه تقع واحدة عندهما.
وكذا روي عن أبي يوسف رحمه الله أنّه قال: إذا قال أنتِ طالق ثنتين إلى ثنتين إنّه تقع ثنتان لما قلنا إنّه مجمل يحتمل أنّه جعل الابتداء هو الغاية، كأنّه قال من ثنتين إليهما.
ولو قال أنتِ طالق واحدة في ثنتين، إن نوى واحدة وثنتين أو نوى واحدة مع ثنتين يقع الثلاث، وكذلك إذا قال أنتِ طالق واحدة في ثلاث ونوى واحدة وثلاثًا، أو نوى واحدة مع ثلاث تقع الثلاث، وكذلك إذا قال أنتِ طالق ثنتين في ثنتين، ونوى ثنتين وثنتين أو ثنتين مع ثنتين تقع الثلاث، وإن لم يكن له نيّة أو نوى الضرب والحساب، ففي قوله واحدة في ثنتين تقع واحدة، لا غير. وفي قوله واحدة في ثلاث كذلك، وفي قوله ثنتين في ثنتين تقع ثنتان لا غير.
والحاصل أنَّ الواقع في جنس هذا المعروف لا غير عند علمائنا الثلاثة رحمهم الله وهذا لأنَّ بالضرب لا يكبر الشيء في ذاته بل يكبر أجزاؤه ضرورة، فواحدة في ثنتين واحدة لها جزء وواحدة في ثلاث واحدة لها ثلاثة أجزاء، وإذا لم يكثر ذات الطلاق بقيت طلقة واحدة، فتقع طلقة واحدة لهذا.
ولو قال لها أنتِ طالق إلى الليل، أو إلى أشهر أو قال إلى سنة، فهو على ثلاثة أوجه إمّا أن ينوي الوقوع للحال ويجعل الوقت للامتداد وفي هذا الوجه يقع الطلاق للحال، وإما أن ينوي الوقوع بعد الوقت المضاف إليه، وفي هذا الوجه يقع الطلاق بعد مضي الوقت المضاف إليه إن لم يكن له نيّة أصلًا لا يقع الطلاق إلا بعد مضي الوقت المضاف إليه، عندنا، خلافًا لزفر رحمه الله، فإنّه يقول بوقوع الطلاق للحال وببطلان الغاية وقاسه على ما إذا جعل الغاية مكانًا، بأن قال لها أنتِ طالق إلى مكة أو إلى بغداد، وإن هناك تبطل الغاية ويقع الطلاق للحال كذا ها هنا.
وإنا نقول كلام العاقل لا يلغى ما أمكن العمل به، وقد أمكن العمل ها هنا بمجاز مكة إلى بغداد بحقيقتها. بيانه: وهو أنَّ كلمة إلى كما تذكر ويراد به الغاية يذكر ويراد بها بَعْد كقول الرجل في العرف والعادة أنا خارج من هذا البلد إلى عشرة أيام، ويريد به أنّه خارج بعد عشرة أيام فجعلنا مجازًا عن بَعْد فصار تقدير المسألة، كأنّه قال لها أنتِ طالق بعد شهر أو قال سنة، ولو صرّح بذلك لا يقع الطلاق إلا بعد مضيّ شهر كذا ها هنا، بخلاف قوله: إلى مكان كذا، فإنَّ هناك كما تعذر العمل بحقيقة كلمة إلى تعذر العمل بمجازها بجعلها عبارة عن بعد، لأنّه لو نصّ على البعد ثمة، فإن قال أنتِ طالق بعد مكة، أو بعد بغداد يقع الطلاق في الحال، وفي قوله بعد شهر لا يقع الطلاق في الحال، ولو قال لها أنتِ طالق إلى الصيف أو قال إلى الشتاء، فهذا وما لو قال إلى الليل أو إلى الشهر سواء، وكذلك إذا قال: إلى الربيع أو إلى الخريف.
وتكلّموا في معرفة هذه الفصول: قال بعضهم متى اتصل الحرّ على الدوام كان صيفًا، وإذا انكسر الحرّ ولم يتصل البرد كان خريفًا، وإذا اتصل البرد كان شتاءً وإذا انكسر البرد ولم يتصل الحرّ كان ربيعًا. قال بعضهم: الشتاء ما يحتاج فيه إلى الوقود والثوب المحشو، والصيف ما لا يحتاج فيه إلى البيان، ولا يحتاج فيه إلى الوقود والثوب المحشو.
وقال بعضهم: الصيف ما يكون (فيه) على الأشجار الأوراق والثمار، والخريف ما يكون (فيه) على الأشجار الأوراق، ولا يكون عليها الثمار، والشتاء ما لا يكون (فيه) على الأشجار الثمار ولا الأوراق، والربيع ما يخرج (فيه) من الأشجار والأوراق.
إذا قال لها أنتِ طالق في الدار أو في مكة طلقت، وإن لم يكن في الدار، ولا في مكة، وكذلك إذا قال لها أنتِ طالق في الشمس وهي في الظلّ كانت طالقًا للحال: لأنه جعل هذه الأشياء ظرفًا للطلاق وإنهاءً وجعل الموجود ظرفًا يوجب الوقوع للحال، كجعل الموجود شرطًا.
وكذا إذا قال لها أنتِ طالق في ثوب كذا، وعليها ثوب آخر، فهي طالق وطريقه ما قلنا، ولو قال لها أنتِ طالق في ذهابك إلى مكة أو في دخولك دار فلان، أو في لبسك ثوب كذا لم تطلق حتى تفعل ذلك الفعل؛ لأنّه جعل طرف الطلاق شيئًا معدومًا فيعتبر بما لو جعل شرط وقوع الطلاق شيئًا معدومًا وهناك لا يقع الطلاق ما لم يوجد الشرط، كذا ها هنا.
ولو قال عنيت بقولي أنتِ طالق في الدّار أو في مكّة إذا أتيت مكّة إذا دخلت الدّار صدّق ديانة لا قضاء، ولو قال لها أنتِ طالق في صلاتك لم تطلق حتّى تركع وتسجد وقيل حتّى ترفع رأسها من السجدة حتّى توجد القعدة، ولو قال: في حيضتك أو في طهرك، فإن كان موجودًا وقع وإلا يقف على وجوده، ولو قال لها: أنتِ طالق في الغد أو قال غدًا، ولا نيّة له يقع الطلاق حتّى يطلع الفجر من الغد، وإن قال نويت به الوقوع في آخر الغد فإنّه يصدّق فيما بينه وبين الله تعالى في الفصلين؛ لأنّه نوى ما يحتمله لفظه لأنّه ذكر الكلّ، وأراد به البعض وهل يصدّق قضاءً؟ أجمعوا على أنّه لا يصدّق في قوله غدًا.
واختلفوا في قوله في الغد قال أبو حنيفة رحمه الله يصدّق وقالا: لا يصدق لأنّه نوى خلاف الظاهر لأنّ الغد اسم من أوّل النهار فنيّة آخر النهار تكون بخلاف، ولأبي حنيفة رحمه الله أنَّ قوله: أنتِ طالق في الغد إيقاع في الغد، والطلاق لا يقع في جميع أجزاء الغد، وإنّما يقع في جزء منه، ففي أيِّ جزء وقع كان الواقع في الغد، فنيّة الجزء الآخر، وهو صالح للوقوع فيه لا يكون نيّة، بخلاف الظاهر بخلاف قوله غدًا؛ لأنَّ هناك جعلها طالقًا غدًا والغد اسم من أوّل النهار إلى آخره، فما لم يقع الطلاق في الجزء الأوّل لا تكون طالقًا من أوّل النهار إلى آخره، فإذا نوى آخر النهار، فقد نوى خلاف الحقيقة، وخلاف الظاهر.
وعلى هذا إذا قال لها أنتِ طالق رمضان أو قال في رمضان، وعلى هذا إذا قال لها أنتِ طالق شهرًا أو في الشهر، ولو قال لها أنتِ طالق في رمضان، وهو على أوّل رمضان يأتي، وكذلك إذا قال لها أنتِ طالق في يوم الخميس، فهو على أوّل خميس يأتي، ولو قال عنينا الرمضان الثاني لا يصدّق في القضاء؛ لأنّه خلاف الظاهر ويصدّق فيما بينه وبين الله تعالى، والله أعلم بالصواب.

.الفصل الرابع عشر: في الشك في إيقاع الطلاق وفي الشك في عدد ما وقع وفي الإيجاب المبهم:

إذا قال لامرأته أنتِ طالق أو لا شيء، أو قال أنتِ طالق واحدة أو لا شيء أو قال: أو لا، يقع واحدة عند محمّد رحمه الله، وهو قول أبي يوسف رحمه الله أوّلًا، ثمَّ رجع أبو يوسف رحمه الله، فقال: لا يقع شيء، وأمّا إذا قال أنتِ طالق ولم يذكر عددًا ثمَّ قال أو لا أو قال لا شيء، فإنْ قال أو لا، لا يقع شيء باتفاق الروايات. وإن قال: أو لا شيء ذكر في رواية أبي سليمان أنه لا يقع شيء من غير ذكر خلاف، وذكر في رواية أبي حفص رحمه الله أنّه على الاختلاف الذي تقدم، وهكذا ذكر الفقيه أبو الليث رحمه الله في (مختلفاته) ذكر شيخ الإسلام رحمه الله هذه الجملة في (شرحه) وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمّد رحمهما الله: إذا شكَّ أنه طلّق واحدة أو ثلاثًا، فهي واحدة حتّى يستيقن، أو يكون أكثر ظنّه على خلافه. وإن قال الزوج عزمت على أنها ثلاث، أو هي عندي على أنّها ثلاث، أضع الأمر على أشدّه، (فأخبره غد وأحضروا) ذلك المجلس، وقالوا كانت واحدة قال إذا كانوا عدولًا صدقهم وأخذ بقولهم. وعن هشام رحمه الله قال: سألت أبا يوسف رحمه الله عن رجل حلف بطلاق امرأته، ولا يدري بثلاث حلف أو بواحدة، قال: يتحرّى الصواب فإن: استوى ظنّه عمل بأشد ذلك عليه.
ذكر في (القدوري): إذا ضمَّ على امرأته ما لا يقع عليه الطلاق مثل الحجر والبهيمة، وقال: إحداكما طالق أو قال هذه طالق، أو هذه طلقت امرأته في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وقال محمّد رحمه الله: لا تطلق؛ لأنّ كلمة أو إذا دخلت بين الشيئين توجب الشكّ، فصار في حقّ المرأة كأنّه قال لها أنتِ طالق أو غير طالق.
ولهما: أن الشّك إنّما يقع بحكم كلمة أو إذا صحّ ضم غير المنكوحة إلى المنكوحة والضمّ لم يصح ها هنا، لانعدام المحليّة في حقّ المضموم أصلًا فصارت المنكوحة متعينة للإيقاع.
ولو جمع بين منكوحته وبين رجل، وقال: إحداكما طالق، أو قال هذه أو هذه يقع الطلاق على منكوحته في قول أبي حنيفة رحمه الله، وقال أبو يوسف رحمه الله: لا يقع: لأنّ الرجل ليس بمحلَ للطلاق، فكان كالبهيمة، ولأبي حنيفة رحمه الله أنّ الرجل محلّ إضافة الطلاق إليه، ألا ترى أنّه لو أضاف الإبانة إلى نفسه بأن قال لامرأته أنا منك بائن، ونوى الطلاق صحّ، والإبانة طلاق.
وكذلك حكم الطلاق وهو الحرية ثبت في حقّه. وإذا جاز وصف الرّجل بالطلاق لم يكن الضمّ لغوًا من كلِّ وجه، ولو ضمّ إلى امرأته امرأة أجنبيّة وقال إحداكما طالق، أو قال هذه طالق أو هذه لم تطلق امرأته إلا بالثلاثة لأنّ الأجنبيّة محلّ لذلك خبرًا إن لم تكن محلًا له إنشاء، وهذه الصيغة حقيقة إخبار، فإذا كانت الأجنبيّة محلًا لما وضعت هذه الصيغة له من طريق الحقيقة صح الضمّ، فوقع الشك ولو قال في هذه الصورة طلقت إحداكما طلقت امرأته من غير نيّة، ذكره في طلاق (الأصل).
وفي (المنتقى): إذا خاطب الرّجل غيره: امرأتي طالق أو بع عبدي هذا، فباع عبده يسقط الطلاق عن امرأته. وفيه أيضًا؛ إذا قال لامرأته أنتِ طالق أو أنا لست برجل، أو أنا غير رجل، فهي طالق وهو كاذب، ولو قال أنتِ طالق أو أنا رجل فهو صدق ولا تطلق، وفي موضع آخر منه لو قال لها: أنتِ طالق أو ما أنا برجل فهي طالق، وهذا منه على التهديد ولو قال أو هذه الأسطوانة من ذهب، والأسطوانة من ساج، فهي طالق كأنّه قال إن لم تكن من ذهب.
وفيه أيضًا: رجل أمَّرَ امرأتين قال لإحداهما أمرك بيدك أو هذه طالق، فأشار إلى الأخرى. فإن اختارت المفوضة إليها الأمر نفسها قبل أن تقوم من مجلسها بطل الطلاق عن الأخرى وإن قامت قبل أن تختار نفسها وقع الطلاق على الأخرى ذكر في (الأصل) فيمن كان له ثلاث نسوة، قال: هذه طالق (و) هذه وهذه طلقت الثالثة في الحال، ويخيّر الزوج بين الأولى والثانية.
وذكر ابن سماعة في (نوادره) عن محمّد رحمة الله عليهما أنَّ الثالثة لا تطلق للحال، ويخيّر الزوج بين الإيقاع على الأولى وبين الإيقاع على الثانية، والثالثة.
وفي (نوادر ابن سماعة) أيضًا: رجل له أربع نسوة، فقال: هذه طالق أو هذه وهذه أو هذه وقع على إحدى الأوليين إحدى والأخريين. ولو قال: هذه طالق أو هذه وهذه وهذه طلقت الثالثة والرابعة، وإليه الخيار في الأوليين، ولو قال هذه طالق وهذه أو هذه وهذه طلقت الأولى والرابعة، وله الخيار في الثانية والثالثة. وذكر هشام في (نوادره) عن محمّد رحمهما الله: إذا قال لامرأته ولأجنبيّة إحداكم طالق واحدة والأخرى ثلاثًا وقعت الواحدة على امرأته.
قال محمّد رحمه الله في (الزيادات): رجل له امرأتان رضيعتان فقال: إحداكما طالق ثلاثًا طلقت إحداهما، والبيان إليه، الأصل في هذا أنَّ إيقاع الطلاق في المجهول صحيح ويتعلّق نفاذه ووقوعه بالبيان، والطلاق يقبل التعليق بسائر الشروط، فيقبل التعليق بالبيان ويقع الموقع بالبيان لأنّ التجهيل كان منه، ولو أنّه لم يبن الطلاق في إحداهما حتّى جاءت امرأته وأرضعتهما معًا أو على التعاقب بانتا جميعًا، وهذه المسألة دليل على أنَّ الطلاق المبهم غير نازل في المحل أصلًا، إذ لو كان نازلًا كانت الأجنبيّة طارئة بعد بينونة إحداهما، وإنّها لا توجب الحرمة.
وذكر محمّد رحمه الله في (الأصل) ما يدلُّ على أنَّ الطلاق المبهم نازل في المحلّ، فإنّه ذكر أنَّ رجلًا تحته أربع نسوة من الكوفيات لم يدخل بهنّ، فقال إحداكن طالق ثم تزوج مكيّة جاز نكاحها ولو لم يكن الطلاق المبهم نازلًا في حقّ المحلّ كان هذا تزوجًا بالخامسة، والتزوّج بالخامسة حرام.
واختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا في المسألة روايتان، ورواية (الأصل) الطلاق المبهم نازل في المحل وعلى رواية (الزيادات) غير نازل في المحل، فعلى قول هذا القائل على رواية (الأصل) لا تقع الفرقة في مسألة الرضاع، وعلى رواية (الزيادات) تقع، وفي مسألة النكاح على رواية (الزيادات): لا يجوز التزوّج بالمكيّة، وعلى رواية (الأصل) يجوز وبعض مشايخنا قالوا: ما ذكر في (الزيادات) قول أبي حنيفة رحمه الله فإنَّ الطلاق المبهم عنده غير نازل في المحل أصلًا كالعتاق المبهم، وما ذكر في (الأصل) قولهما فإنَّ الطلاق المبهم عندهما نازل في المحلّ، كالعتاق المبهم وعلى قول هذا القائل لا يجوز التزوّج بالمكيّة على قول أبي حنيفة رحمة الله عليه ولا تقع الفرقة في مسألة الرضاع على قول محمّد رحمه الله. وبعض مشايخنا رحمهم الله: قالوا الطلاق المبهم والعتاق المبهم لا ينزلان أصلًا بالاتفاق إلا أنْ يوجد من الموقع فعلًا يصير به موقعًا في العين، كما في العبدين لو باع أحدهما أو وهب أو تصدّق بالاتفاق.
وكما في الجاريتين إذا وطئ إحداهما عند أبي يوسف ومحمّد رحمهما الله، فإنَّ في هذه الصورة يصير موقعًا العتق في المعين بصيغته إذا أثبت هذا، فنقول في مسألة النكاح وجد من الزوج فعل يستدل به على إيقاع الطلاق في المعين، وهو إقدامه على نكاح المكيّة، فإنَّ الظاهر من حال العاقل أن يقصد صحّة النكاح، ولا صحّة لنكاح المكيّة إلا بعد إيقاع الطلاق في إحدى الكوفيات فيصير موقعًا في إحدى الكوفيات.
أمّا في مسألة الرضاع لم يوجد من الزوج بعد قوله: إحداكما طالق فعل يستدل به على إيقاع الطلاق في إحداهما، فكان النكاح بائنًا فيهما من كلِّ وجه، وبعضهم قالوا الطلاق المبهم نازل في المحل في حقّ معنى يرجع إلى الموقع ويختص به، غير نازل في المحلّ في حقّ معنى يرجع إلى المحل ويختص به، والعتاق المبهم كذلك وهو الأصح، وهذا لأنّه لا تنكير من جانب الموقع، وإنّما التنكير من جانب المحل فكل حكم يختص بالموقع فالطلاق واقع فيه.
إذا ثبت هذا فنقول: حلّ التزوّج بالمكيّة حكم يختص وكل حكم يختص بالمحل فالطلاق غير واقع فيه إذا ثبت هذا فنقول حلّ التزوّج بالمكيّة حكم يختص بالموقع، فكان الطلاق المبهم نازلًا فيه، فهذا تزوّج بالرابعة لا بالخامسة، وأمّا جهة الأختين جمعًا حكم يختص بهما لأنّه إنّما حرم الجمع بين الأختين صيانة لهما عن قطيعة الرحم، والطلاق المبهم غير نازل في حقهما، فيصير جامعًا بين الأختين وعن (هذا) قلنا إن العدّة في الطلاق المبهم تعتبر من وقت البيان، حتّى إنّه إذا كانت له امرأتان دخل بهما أو أكثر من ذلك، فطلق إحداهما بغير عينها ثم إنه عين الطلاق في إحداهما فإنّه تعتبر العدّة من وقت التعيين؛ لأنَّ العدّة حكم يختص بالمحل، والطلاق المبهم غير نازل في حقّ حكم يختصّ بالمحل.
قال في (الزيادات): رجل تحته حرّة وأمة قد دخل بهما، فقال إحداكما طالق ثنتين ثمّ عتقت الأمة، ثمَّ بيّن الزوج الطلاق والمعتقة قال تحرم حرمة غليظة، ولا يبطل ميراثها إذا كان الإعتاق في حالة الصحّة، والبيان في حالة المرض.
واعلم بأنَّ البيان في الإيجاب المبهم إنشاء من وجه إظهار من وجه إنشاء في حقّ حكم يرجع إلى المحلّ ويختص به؛ لأنَّ الإيجاب المبهم غير نازل في حقّ المحلّ أصلًا على أصح الأقوال، فكان البيان إظهارًا في حقّه.
إذا ثبت هذا، فنقول: الميراث حكم يختص بالمرأة، فاعتبر البيان فيه إنشاءً فصار الزوج فارًّا فأمّا حرمة الغليظة حكم يختصّ بالزوج، فاعتبر البيان فيه إظهار إمكان الطلاق واقعًا على الأمة، والأمة تحرم حرمة غليظة بتطليقتين ثمَّ إذا قربت المعتقة كان لها ربع الميراث، وللحرة الأصلية ثلاثة أرباع الميراث لأنّ البيان من الزوج في حقّ الميراث لم يصح، فيحال كأنّه لم يكن، ولو عدم البيان كان الميراث ها هنا أرباعًا؛ لأنّه إن وقع الطلاق على الحرة الأصلية كان للحرة الأصلية نصف الميراث، لأنها لا تبين بالطلقتين فيكون نصف الميراث لها والنصف للمعتقة وإن وقع على المعتقة كان للحرّة الأصلية كلّ الميراث، فنصف الميراث ثابت لها بيقين، والنصف الآخر يثبت في حال دون حال فينتصف، فصار للحرّة الأصلية ثلاثة أرباع الميراث لهذا، وعلى الحرّة الأصلية عدّة الوفاة لا يعتبر فيها الحيض، وعلى المعتقة أربعة أشهر وعشر يستحمل فيها ثلاث حيض، وهما عند أبي حنيفة ومحمّد رحمهما الله بناء على أنَّ امرأة الفار تعتد بأبعد الأجلين عندهما.
وأمّا عند أبي يوسف رحمه الله امرأة الفار تعتد بعدّة الطلاق لا غير فتجب على المعتدة عدّة الطلاق لا غير، فكان ينبغي أن لا يعتبر في حقّها ثلاث حيض؛ لأنَّ اعتبار شبه الإظهار عليها حيضتان؛ لأنَّ الطلاق كان في حالة الرّق، وباعتبار شبه الإنشاء عليها عدّة الوفاة، فثلاث حيض من أين تجب.
ولو كانتا أمتين فقال الزوج إحداكما طالق ثنتين، ثمَّ أعتقا جميعًا ثمَّ مرض، وبين الطلاق في إحداهما فإنها تحرم حرمة غليظة لما بيّنا، والميراث بينهما نصفان؛ لأنَّ البيان في حق الميراث كالمعدوم، ولو عدم البيان كان الميراث بينهما؛ لأنَّ إحداهما وارثة بيقين وهي التي ارتفع عليها الطلاق، والأخرى ليست وارثة بيقين، وهي التي وقع عليها الطلاق، وليست إحداهما أولى من الأخرى، فتكون بينهما.
وعلى المعتقة للطلاق أربعة أشهر وعشرًا فيها ثلاث حيض احتياطًا، وعلى الأخرى أربعة أشهر لا حيض فيها؛ لأنَّ زوجها مات عنها، وهي منكوحة.
رجل تحته امتان لرجل، فقال المولى إحداكما حرة، ثمَّ قال الزوج التي أعتقها المولى طالق ثنتين كان البيان إلى المولى لا إلى الزوج؛ لأنَّ الأصل في هذا المولى؛ لأنَّ الزوج بيّن إيقاع الطلاق على إعتاق المولى، وإذا بين المولى العتق في إحداهما طلقت هي ثنتين ويملك الزوج مراجعتها؛ لأنَّ الطلاق إنّما يقع عليها بعد العتق؛ لأنَّ الزوج هكذا أوقع، فصادفها الطلاق هي حرّة والحرّة لا تحرم حرمة غليظة بتطليقتين.
ولو كان الزوج هو الذي بدأ، فقال إحداكما طالق ثنتين، ثمَّ قال المولى التي طلقها الزوج حرّة فها هنا خيار البيان إلى الزوج؛ لأنَّ الزوج صاحب أصل وإذا بين الزوج الطلاق في إحداهما عتقت وحرمت حرمة غليظة، لأنَّ الطلاق صادفها وهي أمة فتحرم حرمة غليظة، وتعتد بحيضتين.
رجل تحته أمتان لرجل قال المولى إحداكما حرّة، ثمَّ قال الزوج التي أعتقها المولى طالق ثم مات المولى قبل البيان عتق من كلِّ واحدة منهما نصفها؛ لأنَّ بيان العتق قد فات لموت المولى ويشيع العتق فيهما، ثمَّ يخير الزوج في الطلاق يوقعه على أيهما شاء وإن كان الزوج صاحب تبع؛ لأنَّ البيان في حقّ صاحب الأصل مات على وجه لا يرجى وجوده، ولا يمكن إلغاء الطلاق لصدوره من أهله في محلّه، ولا يمكن القول بشيوع الطلاق؛ لأنَّ الطلاق لا يقبل الشيوع، فمسّت الضرورة إلى جعل البيان إلى الزوج.
وهذا بخلاف ما لو غاب المولى فإنَّ هناك لا يؤمر الزوج بالبيان لأن هناك لا ضرورة؛ لأنّه لم يقع اليأس عن بيان صاحب الأصل، ولا كذلك فصل الموت، ولو كان الطلاق ثنتين هل يحرم حرمة غليظة؟ لم يذكر هذا الفصل محمّد رحمه الله في (الكتاب)، وقد اختلف المشايخ فيه، وحكى الشيخ الإمام الزاهد عبد الواحد الشيباني رحمه الله؛ أنها لا تحرم؛ لأنَّ الطلاق صادفها وهي حرّة؛ لأنَّ العتق سار فيهما لموت المولى، وغيره من المشايخ قال على قول أبي حنيفة رحمه الله ينبغي أن يحرم حرمة غليظة خلافًا لهما؛ لأنَّ العتق وإن شاع فيهما إلا أنّه عتق من كلِّ واحدة منها نصفها والعتق عند أبي حنيفة رحمه الله يتجزأ؛ فكانت كلّ واحدة منهما معتق البعض ويعتق البعض في معنى المكاتب، فصادفها الطلاق وهي كاتبة، والمكاتبة تحرم حرمة غليظة بتطليقتين.
قال محمّد رحمه الله في (الجامع): إذا كان للرجل امرأتان دخل بهما، فقال لهما أنتما طالقان طلقت كل واحدة منهما تطليقة رجعية، فإن لم يراجع واحدة منهما حتّى (قال) لهما إحداكما طالق ثلاثًا كان له البيان، وإن لم يبين حتّى انقضت عدّة إحداهما تعيّنت الثانية للثلاث؛ لأنَّ التي انقضت عدّتها خرجت من أن تكون محلا للبيان؛ لأنَّ البيان إيقاع من وجه، وإظهار للواقع من وجه، وأيُّ الأمرين اعتبرنا يجب أن يشترط لصحّة البيان قصدًا ما يشترط لصحة الإيقاع إن اعتبرناه إيقاعًا فظاهر، وإن اعتبرناه إظهارًا للواقع فلأنَّ ولاية الإظهار إنما تستفاد بولاية الإيقاع على ما عرف، والتي انقضت عدتها ليست بمحلّ للإيقاع ابتداء، فلا يكون محلًا للبيان، فتتعيّن الأخرى للثلاث، وإن انقضت عدتهما معًا لم تقع الثلاث على واحدة منها.
قالوا: أراد به أن لا تقع الثلاث على واحدة منهما بعينها، وإما يقع الثلاث على واحدة منهما لا بعينها، ثمَّ قال: وليس له أن يوقع الطلاق على واحدة منهما بعينها، قالوا أراد به ذلك أنّه ليس له أن يوقع على واحدة منهما بعينها مقصودًا بالبيان، أما له ذلك حكمًا للنكاح بأن يتزوّج إحداهما بعد انقضاء العدّة، ولو انقضت عدتهما ثمَّ أراد أن يتزوّج بهما معًا لم يجز؛ لأنّ إحداهما مطلقة بالثلاث لا تحل له إلا بعد زوج آخر، وغير المطلقة غير معلوم والنكاح في المجهولة لا يجوز. ولو تزوّج بإحداهما جاز وتتعيّن الأخرى للطلقات الثلاث أمّا جواز نكاحها؛ لأنَّ المقتضي لحلّ المحليّة موجود في حقها وهو كونها أنثى من بنات آدم عليه السلام والمزيل، وهو الطلقات الثلاث لا ندري هل صادفت هذه أم لا. وإذا جاز نكاح هذه تعيّنت الأخرى للثلاث ضرورة؛ لأن من ضرورة صحة نكاح هذه انتفاء الثلاث عن هذه، ومن ضرورة انتفاء الثلاث عن هذه تتعيّن الأخرى للثلاث.
وقد ملك البيان ضرورة. وإن كان لا يملكه مقصودًا، ومثل هذا جائز ولو لم يتزوّج واحدة منهما حتّى تزوجت إحداهما زوجًا، ودخل بها ثمَّ فارقها أو مات عنها، وانقضت عدّتها ثمَّ نكحهما الأوّل جميعًا جاز؛ لأنَّ الزوج الثاني عرف محلّلًا بالكتاب، ويحتمل أنّه أصاب محلا ثبتت فيه الحرمة وقع الشك في بقاء ذلك التحريم، ودليل الحلّ موجود قطعًا، فلا يمتنع عمل دليل الحلّ الموجود قطعًا عند وقوع الشكّ في بقاء المانع، وكذلك لو انقضت عدّتها ثمّ ماتت إحداهما، فتزوّج الثانية جاز نكاحها؛ لأنّه لم يوجد في الميتة ما يوجب تعينها للواحدة حتّى تتعيّن الحيّة للثلاث؛ لأنَّ الموت كما يحل المطلقة بالواحدة يحلّ المطلقة بالثلاث، بخلاف ما إذا كانتا حيتين وتزوّج بإحداهما؛ لأن النكاح لا يصحّ إلا في المطلقة بواحدة فتعيّنت المتزوّجة للواحدة.
قال في (الزيادات): رجل تحته أمتان لرجل لم يدخل بها، فقال: إحداكما طالق ثنتين ثمَّ اشترى إحداهما تتعيّن الأخرى للطلاق؛ لأن المشتراة خرجت من أن تكون محلًا لإنشاء الطلاق لزوال ملك النكاح عنها، لوجود ملك اليمين المنافي لملك النكاح فخرجت من أن تكون محلًا للبيان، فتتعيّن الأخرى للطلاق كما لو ماتت إحداهما. ولو اشتراهما معًا يبقى الطلاق منهما مجملًا، ولا يملك الزوج البيان في إحداهما؛ لأنّ كلّ واحدة منهما لم تبق محلا للبيان، ولو وطئ إحداهما بملك اليمين تعينت الأخرى للطلاق؛ لأنَّ حمل أمره على الصلاح واجب، وذلك بحمل وطئه على الحلال وذلك بانتفاء الطلاق عنها لأنَّ الأمة المطلقة بتطليقتين كما لا تحل بملك النكاح لا تحل بملك اليمين، ومن ضرورة انتفاء الطلاق عنها تعيين الأخرى للطلاق، فقد ملك البيان ضرورة وإن لم يملك قصدًا، وقدّم نظيره من مسألة (الجامع).
قال في (الزيادات) أيضًا: رجل قال لامرأتين له في صحّته وقد دخل بهما إحداكما طالق ثلاثًا، ثمَّ مرض مرض الموت وبين الطلاق في إحداهما، ثمَّ مات قبل انقضاء عدّة المطلقة، فإنّهما ترثان وهذا لما ذكرنا قبل هذا أنَّ البيان في حقّ حكم الميراث بمنزلة الإنشاء، فيصير الزوج به فارًّا كما لو أنشأ الطلاق في حالة المرض.
وإن كانت له امرأة أخرى غيرهما لم يقل لها شيئًا من ذلك كان نصف الميراث لتلك المرأة؛ لأنّه لا يزاحمها في الميراث من هاتين المرأتين إلا واحدة، والنصف الآخر بين هاتين بالسويّة لعدم الإقدامية، وإن لم يبيّن الزوج الطلاق في إحداهما حتّى ماتت إحداهما والزوج مريض، فإنّه تتعيّن الأخرى للطلاق ضرورة ولا ترث، وإن كان البيان إنشاء في حقّ المحلّ؛ لأنَّ البيان ها هنا حصل حكمًا لا بصنع من جهة الزوج، فلا يصير الزوج فارًّا وإن كانت له امرأة أخرى كان لها كلُّ الميراث؛ لأنَّ الميتة صارت محرومة عن الميراث بالموت، والحيّة صارت محرومة بوقوع الطلاق عليها نحو ما قلنا فكان كلّ الميراث للأخرى إن كانت، وإن لم تمت واحدة منهما حتّى عيّن الزوج الطلاق في إحداهما في مرض موته، ثمَّ ماتت إحداها قبل موته ولا زوجة له غيرهما، فإن كانت التي ماتت هي التي أوقع عليها الطلاق كان الميراث كلّه للأخرى. وإن كانت التي ماتت هي الأخرى وتعيّنت التي عين الطلاق فيما كان للمعيّنة نصف الميراث، والفرق أنّ الزوجيّة التي هي سبب الإرث قد انقطعت في حقّ المعينة بحكم البيان، ولهذا حرّم الوطء، ولكن قامت العدّة مقام الزوجيّة في حقّ الميراث بخلاف القياس في القدر الذي كان لها، وذلك النصف أمّا في حقّ غير المعيّنة الزوجيّة قائمة من كلّ وجه، وإنها سبب لاستحقاق جميع الميراث إلا أن بحكم المزاحمة كان لها نصف الميراث، وقد زالت المزاحمة ها هنا فتستحق جميع الميراث، وإن كانت للزوج امرأة أخرى لم يقل لها شيئًا من هذه المقالة ففيما إذا ماتت المعيّنة للطلاق كان الميراث بين الباقيتين نصفين، وفيما إذا بقيت المعينة للطلاق كان للمعينة ربع الميراث، وللأخرى ثلاثة أرباع الميراث.
ولو قال لامرأتين له إحداكما طالق، وماتت إحداها قبل البيان حتّى تعيّنت الأخرى للطلاق، قال الزوج: عنيت الميتة بالطلاق لا يقبل قوله في حقّ صرف الطلاق عن الباقية، وقبل قوله في حقّ إبطال حقّه في ميراث الميتة.
وكذلك إذا ماتتا جميعًا إحداهما بعد الأخرى، ثمَّ قال عنيت التي ماتت أوّلًا لم يَرث منهما؛ لأنَّ ميراثه عن الثانية سقط لتعيّنها للطلاق حكمًا بموت الأولى، وعن الأولى سقط باعترافه، ولو ماتتا معًا أو إحداهما قبل الأخرى ولا يعرف التي ماتت أوّلًا ورث عن كلِّ واحدة نصف ميراثه عنها باعترافه، ويَرث عن الأخرى نص ميراث زوج. ولو قال أردت إحداهما بعينها سقط ميراثه عنها باعترافه ويرث عن الأخرى نصف ميراث زوج.
ولو طلق الزوج واحدة بعينها، ثمَّ قال أردت بهذا الطلاق التعيين كان القول قوله لأنّ التعيين والإنشاء في الصيغة واحد، فكان اللفظ محتملًا لما ادعاه، فقبل قوله، ولو قال لامرأتين له، وقد دخل بهما: إحداكما طالق واحدة، والأخرى ثلاثًا، ولا نية له في واحدة منهما، وله أن يوقع الثلاث على أيّهما شاء ما دامتا في العدّة، وإذا انقضت عدتهما ليس له أن يوقع الثلاث في إحداهما بعينها، وإن انقضت عدّة إحداهما بانت هي بواحدة والأخرى طالق ثلاثًا؛ لأنه إنّما يحتاج إلى إثبات ولاية البيان في حقّ الثلاث دون الواحدة، لوقوع الواحدة على كلّ واحدة منهما، فإن المطلقة بالثلاث تكون مطلقة بالواحدة، أمّا المطلقة بالواحدة لا تكون مطلقة بالثلاث صحّ أن الحاجة إلى إثبات ولاية البيان في حقّ الثلاث دون الواحدة، وإذا انقطعت ولاية البيان في حقّ التي انقضت عدتها تعينت الأخرى للثلاث التي يحتاج إلى إثبات ولاية البيان فيها وإن لم يكن دخل بهما وباقي المسألة على حالها، فليس له أن يوقع الطلاق على إحداهما، فإن تزوّج بإحداهما في هذه الصورة جاز، وليس له أن يتزوّج بالأخرى.
قال أبو يوسف رحمه الله: إنّي علمت أنَّ الثلاث وقع على إحداهما، وليس له أن يجمعهما قال: ولا أقول إنَّ التي لم تتزوّج وقع عليها الثلاث.
ولو طلّق امرأة من نسائه بعينها ثلاثًا ثمَّ مسها لم يحل له وطء واحدة حتّى يعلم التي طلّق؛ لأنّ كلّ واحدة منهن يحتمل أن تكون هي المحرمة، وكذلك لا يحمل لواحدة منهن التزوج بغيره لأنّ كلّ واحدة منهن يحتمل أن تكون هي المنكوحة، ولو رافعنه إلى القاضي وطلبن منه النفقة، قضي بنفقتهن وحبسه حتى يبيّن التي طلقت منهن.
وفي (المنتقى): القاضي يقول له: أوقع الطلاق على أيّهن شئت، واحتلف للباقيات إن ادعين ذلك، فإن قال: لا أدري ولم يوقع على واحدة حلّفه القاضي لكلّ واحدة منهن بالله ما هي المطلقة ثلاثًا إن ادعت كلّ واحدة منهن أنها هي المطلقة، وإن نكل لهن فرق بينه وبينهنّ بثلاث تطليقات وإن حلف لهنَّ بقي الأمر على ما كان قبل الدعوى؛ لأنّ القاضي يتقي بمجازفته في هذه الأيمان؛ لأنّه عرف وقوع الطلاق على واحدة منهن والطلاق متى وقع لا يرتفع باليمين.
وعن محمّد رحمه الله أنه إذا حلف للثلاث منهن تعيّنت الرابعة للثلاث، ولا يحلف لها. وعن محمّد فيما إذا كانتا امرأتين أنّه إذا حلف لإحداهما طلقت التي لم يحلف لها؛ لأنّ يمينه محمولة على الصدق، ومن ضرورة حمل يمينه على الصدق تعيّن الأخرى للثلاث.
ولو لم يحلف للأولى طلقت واحدة منهن، وإن تشاحا على اليمين حلّفته لهما بالله ما طلقت واحدة منهما، وإنّما كانت لهما المشاحة في اليمين؛ لأنّ لهما في ذلك فائدة، فإنّه إذا نكل للأولى تتعيّن الأخرى للطلاق وصارا شيوعًا في السبب، وهو الدعوى فأمكن إبقاء حقّ كلّ واحدة منهما معًا بأن يحلف بالله ما طلق واحدة منهما، فكان لهما في المشاحة فائدة من هذا الوجه، فكان لهما أن يتشاحا على اليمين، وإن حلف لهما يوجب عنهما حتّى يبين لما مرّ، فلو أنّه وطئ إحداهما فيما إذا كانتا امرأتين قبل المرافعة إلى القاضي وقبل العلم بالمطلقة مع أنه ليس له ذلك تتعيّن الأخرى للطلاق.
وكذلك إذا وطئ الثلاث فيما إذا كانت له أربع نسوة قبل العلم بالمطلقة تتعين الرابعة للطلاق؛ لأنّ فعل المسلمين محمول على الصلاح وإنّما يكون وطؤه محمولًا على الصلاح إذا كانت الموطوءة منكوحة، ومن ضرورته تعيّن الأخرى للطلاق هذا كلّه بيان حكم القضاء.
وأمّا بيان الحكم فيما بينه وبين الله تعالى إنّه ينبغي له أن يطلّق كلّ واحدة منهنّ واحدة ويتركهن؛ لأنّ في إمساكهنّ إضرار بهنّ، لأنّه لا يجوز له قربانهنّ لأنّ إحداهن مطلقة ولو تركهنّ بغير طلاق لم يحل لها التزوّج بزوج آخر؛ لأن إحداهما في مسألة المرأتين والثلاث في مسألة الأربع ليست بمطلقة، وبعدما طلقهنّ لا ينبغي له أن يتزوّج واحدة منهنّ، حتّى تعلم المطلقة ثلاثًا، وإن تزوّج واحدة منهما في مسألة المرأتين أو الثلاث في مسألة الأربع تتعين الأخرى والرابعة للطلاق.
وإن تزوّج واحدة منهنّ فخاصمته إلى القاضي في الطلاق، أو لم تخاصمه حلّفه القاضي لها، فإن حلف أمسكها، وكذلك لو تزوّج ثنتين أو ثلاثًا، فلو أنّه بعد ما طلقهنّ تزوجن أزواجًا غيره، ودخل بهنّ أزواجهنّ ثمَّ فارقهن نكح أيّهن شاء. وإن تزوجت واحدة منهنّ زوجًا غيره ودخل بها الزوج وفارقها، فأراد الأوّل أن يتزوّج الكلّ له ذلك، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدّم.

.الفصل الخامس عشر: في إيقاع الطلاق بالمال:

قال محمّد رحمه الله في (الأصل): إذا قال الرجل لامرأته أنتِ طالق بألفّ درهم، فقبلت طلقت وعليها ألف درهم لأنّ هذا خطاب مبادلة لأنّ حرف الباء يصحب الأبدال، فقد جعل الألف بدلًا عن الطلاق، وإنّه يصلح بدلًا والطلاق يصلح مبدلًا فهو معنى قولنا إنَّ هذا خطاب مبادلة والمبادلة تتمّ في حقّ وجوب العوضين بالإيجاب والقبول كما في البيع.
وكذلك إذا قال لها أنتِ طالق على ألف درهم؛ لأنّ كلمة على تستعمل لإيجاب البدل في المعاوضات بمنزلة حرف الباء يقول الرجل لغيره: بعت منك هذا، وعليك ألف درهم أخذت منك هذا، وعليك درهم وكان معناه بألف درهم، وهذا بخلاف قوله إن أعطيتني ألف درهم فأنتِ طالق، إن جئتني بألف درهم فأنتِ طالق، إن أديت إليّ ألف درهم فأنتِ طالق، إذا أعطيتني ألف درهم فأنتِ طالق، متى أعطيتني ألف درهم فأنتِ طالق، حيث لا يقع الطلاق ما لم يوجد الأداء؛ لأنّ هذا تعليق بالشرط صريحًا والتعليق بالشرط عدم قبل وجود الشرط، بخلاف قوله: على ألف درهم على ما مرّ.
وكذلك إذا قال أنتِ طالق على أن تعطيني ألف درهم، فقبلت يقع الطلاق، بمنزلة ما لو قال أنتِ طالق على ألف درهم؛ لأنّ هذا إيجاب الطلاق بجعل، وليس بتعليق بشرط الإعطاء بمنزلة قوله بعت منك هذا العبد على أن تعطيني ألف درهم فيكتفى بقبولها لوقوع الطلاق، فعلى هذا إذا قال بالفارسيّة براطلاق بشرط أنّك فلان خير عن دهي، أو قال بان شرط كي فلان خير عن دهي، فقبلت يقع الطلاق.
ثمَّ في قوله: إن أعطيتني ألف درهم، إن جئتني بألف درهم، إنّما يقع الطلاق بالإعطاء إذا وجد الإعطاء في المجلس؛ لأنّ هذا الكلام تعليق صورة، ومعاوضة معنى، لأنّ الطلاق لا يقع إلا بمال، وهذا هو حدّ المعاوضة فاعتبرنا معنى التعليق، فقلنا لا يقع الطلاق إلا بعد وجود الإعطاء اعتبرنا معنى المعاوضة، فقصرنا بالإعطاء على المجلس. وفي قوله: متى أعطيتني يقع الطلاق إذا وجد الإعطاء في المجلس أو خارج المجلس.
وإذا قال لامرأته أنتِ طالق وعليك ألف درهم فقبلت أو قال لعبده أنت حر، وعليك ألف درهم فقبل عتق العبد، وطلقت المرأة، فلا شيء عليهما في قول أبي حنيفة رحمه الله، وقال أبو يوسف ومحمّد رحمهما الله على كلّ واحد منها ألف درهم؛ لأنّ قوله: وعليك ألف درهم يستعمل في معنى المعاوضة فقال: أحمل هذا المتاع إلى منزلك، وعليك ألف درهم، أخيط هذا الثوب لك، وعليك درهم بعتك هذا الثوب وعليك درهم فكان بمنزلة قوله بدرهم، فصار تقدير مسألتنا أنتِ طالق بألف درهم.
ولأبي حنيفة رحمه الله أنّ الواو قد تجيء بمعنى العطف وقد تجيء بمعنى الابتداء، فلو حملناه على العطف يجب المال، ولو حملنا على الابتداء لا (فلا) يجب بالشك، وفي البيع والإجارة حمل على العوض بدلالة العقد فإن كلّ واحد من العقدين معاوضة، فذكرهما يكون ذكر العوض. وقوله: وعليك ألف درهم يكون بيانًا لذلك، وفي مسألة الحمّال والخيّاط حمل على العوض؛ لأنَّ مثل هذا العمل عرفًا لا يعمل إلا بعوض وأمّا الطلاق قد يوقع بعوض، وقد يوقع بغير عوض.
على هذا الخلاف إذا قالت المرأة للرجل طلقني ولك ألف درهم وطلقها، فلا شيء له في قول أبي حنيفة رحمه الله خلافًا لهما ولو قالت: طلقني ولك ألف درهم، فقال الزوج أنتِ طالق على ألف التي سمّيت فإن قبلت لزمها المال ووقع الطلاق، وإن لم تقبل لا يقع الطلاق، وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله، وعلى قولهما يقع الطلاق وتجب الألف قبلت أو لم تقبل، ولو قال لها: أنتِ طالق بألف درهم على أنّي بالخيار، أو على أنك بالخيار ثلاثة أيّام فقبلت، فالخيار باطل إذا كان للزوج، وهو جائز إذا كان للمرأة، فإن ردّت المال ارتد الطلاق. وقال أبو يوسف ومحمّد رحمهما الله: الخيار باطل في الوجهين جميعًا.
وإذا قالت المرأة لزوجها: طلقني ثلاثًا بألف درهم، فطلقها واحدة وقعت واحدة بثلث الألف، ولو قالت طلقني ثلاثًا على ألف، فطلقها واحدة وقعت واحدة رجعيّة بغير شيء، وهذا قول أبي حنيفة رحمة الله، وقال أبو يوسف ومحمّد رحمة الله عليهما تقع واحدة بائنة بثلث الألف، فأبو يوسف ومحمّد رحمهما الله قاسا كلمة على حرف الباء حيث إن كلّ واحد منهما يستعمل في المعاوضات استعمالًا واحدًا يقول الرّجل لغيره: بعت منك بألف درهم وبعت منك على ألف درهم.
وأبو حنيفة رحمه الله يقول كلمة على للشرط في وضع اللغة، وأمكن العمل بحقيقتها في باب الخلع؛ لأنَّ تعليق بدل الطلاق جائز نفيًا للطلاق؛ لأنّ البدل يكون تبعًا للبدل في المبادلات، كالثمن تبع للمثمن فإذا صحّ تعليق بدل الخلع تبعًا للطلاق، جعلنا وجود الألف معلّقًا بإيقاع الثلاث فما لم يوجد إيقاع الثلاث، لا يوجد الشرط بكماله فلا ينزل شيء من الجزاء فأمّا في باب البيع والإجارة فالعمل بحقيقة الشرط غير ممكن؛ لأن كل واحد من البدلين في باب البيع والإجارة لا يقبل التعليق فجعل على مجازًا عن حرف الباء، والبدل ينقسم على المبدل إذا كان متعدّدًا.
وإذا قالت المرأة لزوجها: طلقني وضرتي على ألف درهم فطلّق ضرتها أو طلقها تجب نصف الألف إذا كان مهر مثلهما على السواء، كما لو قالت طلقني وضرتي بألف درهم، وإن كان مهر مثلهما على التفاوت تجب حصّة المطلقة من الألف.
من مشايخنا من قال: هذا على قولهما أمّا على قول أبي حنيفة رحمه الله لا يجب شيء، ومنهم من قال هذا قول الكل، والأوّل أصح.
وأمّا إذا قالت طلقني وضرتي على ألف عليّ فطلق إحداهما، فلا رواية في هذه الصورة ولقائل أن يقول: يلزمها حصّتها من الألف. ولقائل أن يقول: لا يلزمها شيء من الألف ما لم يطلقها على ألف درهم أو بألف، فطلق إحداهما جملة.
وإذا كانت للرجل امرأتان سألتاه أن تطلقهما على ألف درهم أو بألف، فطلّق إحداهما لزم المطلقة حصتها من الألف وإن طلّق الأخرى لزمها حصتها أيضًا إذا كان طلقها في المجلس، ثمَّ في قوله: طلقني ثلاثًا بألف درهم إذا طلقها ثلاثًا متفرقًا في مجلس واحدة القياس أن يقع تطليقة بثلث الألف والأخريان بغير شيء، وفي الاستحسان يقع ثلاث تطليقات بألف درهم، وحسب القياس أنّه لمّا طلقها واحدة وقعت واحدة بثلث الألف وبانت منه، فحين طلقها الثانية والثالثة طلقها وهي بائنة، فتقع الثانية والثالثة بغير (شيء) كما لو طلقها الثانية والثالثة بعدما تفرقا عن المجلس.
وجه الاستحسان أنَّ إيقاع الثلاث وجد في لفظة واحدة من حيث الحكم، لما عرف أنَّ المجلس الواحد يجمع الكلمات المتفرقة حكمًا، فيعتبر بما لو حصل إيقاع الثلاث في لفظة واحدة من حيث الحقيقة، وهناك جميع الألف فها هنا كذلك.
من مشايخنا من قال: ما ذكر من جواب الاستحسان محمول على ما إذا وصل الطلقات بعضها ببعض، أمّا إذا فصل بين كلّ طلقة بسكوت لا تجب جميع الألف وإن حصل الإيقاع في مجلس واحد.
واستدل هذا القائل بما ذكر محمّد رحمه الله في باب المشيئة إذا قال لها: أنتِ طالق ثلاثًا إن شئت فقالت: شئت واحدة وواحدة وواحدة موصولًا يقع الثلاث، وتصير كأنها قالت شئت الثلاث، ولو قالت شئت واحدة وسكتت ثمَّ قالت وواحدة وسكتت ثمَّ قالت وواحدة وسكتت فإنه لا يقع وإن كان المجلس واحدًا واعتبر مع اتحاد المجلس الوصل، فكذا ها هنا. ومنهم من يقول إذا كان المجلس واحدًا لا يشترط الوصل.
واستدل هذا القائل بما ذكر محمّد رحمه الله بعد هذه المسألة. إذا قالت المرأة للزوج سألتك أن تطلقني ثلاثًا بألف درهم، فطلقتني واحدة فلك ثلث الألف، وقال الزوج لا بل طلقتك ثلاثًا ولي عليك جميع الألف، فالقول قول الزوج إذا كانا في المجلس يعني في مجلس السؤال فقد اعتبر باتحاد المجلس، ولم يعتبر الوصل في التطليقات وهذا القائل يفرق بين هذه المسألة وبين مسألة المشيئة، وهو الصحيح. ووجه ذلك قولها شئت واحدًا إذا سكتت عقيبها لم يصلح جوابًا لبعض ما فوّض إليها الزوج، ألا ترى أنّه لم يقع بها شيء، فجعل ذلك منها إعراضًا عمّا فوّض إليها الزوج، فبطل التفويض أصلًا.
أما قول الزوج طلقت واحدة في مسألتنا صلح جوابًا لبعض ما طلبت منه، ولهذا وقع تطليقة بثلث الألف، ولم يكن ذلك من الزوج إعراضًا عمّا طلبت منه، فبقي طلب الثانية والثالثة على حاله فصحّت الثانية والثالثة إذا كان المجلس واحدًا.
وفي قولها: طلقني ثلاثًا على ألف درهم. إذا طلقها ثلاثًا متفرقًا إن طلقها ثلاثًا متفرقًا في مجلس واحد، فالمسألة على قولهما على القياس والاستحسان كما في حرف الباء، وعلى قول أبي حنيفة رحمه الله يقع ثلاث تطليقات فما قياسًا واستحسانًا؛ لأنَّ عنده في هذه الصورة تقع الأولى، والثانية رجعيتان، فتقع الثالثة وهي منكوحة فتستوجب عليها الألف عند وقوع الثالثة قياسًا واستحسانًا، بخلاف حرف الباء لأنّ هناك تقع الأولى بثلث الألف وتبين منه.
فأمّا إذا طلقها ثلاثًا متفرقًا في مجالس مختلفة فعلى قولهما يجب ثلث الألف كما في حرف الباء، وعند أبي حنيفة رحمه الله لا يستوجب عليها شيئًا، وهذا لأنَّ أبا حنيفة رحمه الله وإن اعتبر كلمة على الشرط في هذه الصورة، حتّى لم يقل بوجوب شيء من الألف بدون إيقاع الثلاث إلا أنَّ معنى المعاوضة فيها ظاهر على ما مرّ، فيجب اعتباره، فاعتبرناه في اشتراط اتحاد المجلس بصحّة الإيجاب والقبول. والجواب في قولها طلقني ثلاثًا علي أنَّ لك على ألف درهم نظير الجواب في قولها طلقني ثلاثًا على ألف درهم.
وإذا طلقها واحدة على مال، وقبلت ثمَّ طلقها أخرى على مال إن قبلت يقع عليها أخرى بغير شيء؛ لأنّها لم تملك نفسها من جهة الزوج بهذا الطلاق، فلا يلزمها المال.
ابن سماعة في (نوادره) عن محمّد رحمه الله: إذا قال الرجل لامرأته أنتِ طالق عشرًا بمائة دينار، فقبلت فهي طالق ثلاثًا بمائة دينار. وعنه أيضًا في رجل قالت له امرأته طلقني سبعين تطليقة بمائة دينار، فقال طلقت فهي طالق ثلاثًا بمائة دينار. وعن أبي يوسف رحمه الله في امرأة قالت لزوجها طلقني أربعًا بألف درهم، فطلقها ثلاثًا قال هي بألف درهم، ولو طلقها واحدة فهي بثلث الألف.
وفي (الأصل) في امرأة قد كان طلقها زوجها اثنتين، قالت لزوجها طلقني ثلاثًا على أنَّ لك ألف درهم فطلقها واحدة لزمها الألف كلها، والأصل في هذه المسائل وأجناسها إذا التزمت مالًا بمقابلة طلاق يقع، وبمقابلة طلاق لا يقع يجعل الكلّ بمقابلة طلاق يقع، كما لو قالت له: طلقني وهذا الحمار بألف درهم وطلقها، فإنّه يجب عليه جميع الألف.
وفي (القدوري): إذا قالت المرأة لزوجها طلقني واحدة بألف، فقال لها: أنتِ طالق ثلاثًا ولم يقل بألف وقع الثلاث مجانًا عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما يجب جميع الألف، وهذا بناءً على أنَّ (عند) أبي حنيفة رحمه الله الثلاث لا يصحّ جوابًا للواحدة، فكان مبتدئًا بالإيقاع، وعندهما: الزوج أدى ما سألته فيلزمها ما التزمت من الألف.
ولو قالت طلقني واحدة بألف فقال الزوج أنتِ طالق ثلاثًا بألف، وقفت على قبولها على قول أبي حنيفة رحمه الله، فإن قبلت جاز وإلا بطل، وعندهما الثلاث واحدة بألف وثنتان بغير شيء بناءً على الأصل الذي تقدم.
وحكى أبو الحسن عن أبي يوسف رحمهما الله أنه رجع إلى قول أبي حنيفة رحمه الله في هذه المسألة. ووجه الرجوع: أنَّ الزوج جعل الألف بمقابلة ثلاث تطليقات، وهذا بخلاف ما سألته بخلاف المسألة المتقدّمة.
وفي (المنتقى): ابن سماعة عن محمّد رحمة الله عليهما: إذا قالت المرأة لزوجها: طلقني واحدة بألف، فقال لها أنتِ طالق ثلاثًا بألف فإن قبلت فهي ثلاث بألف، وإلا لم يقع شيء، قال الحاكم أبو الفضل وكان محمّد رحمهما الله، يقول: أما في هذه الصورة إنّه يقع واحدة بثلث الألف، وإن لم تقبل المرأة ولا تقع الثنتان إلا إذا قبلت فإذا قبلت وقعتا بغير شيء، وكان يقول هذا بمنزلة رجل قالت له امرأته: طلقني واحدة بألف، ففعل، ثمَّ قال لها أنتِ طالق ثنتين بألف، فلا تقعان حتّى تقبل، وإذا قبلت وقعتا لغير شيء ثمَّ رجع وقال إن قبلت المرأة ما قال الزوج وقع الثلاث بألف، وإن لم تقبل لا يقع شيء كما هو رواية ابن سماعة، فبهذه الجملة ثبت رجوع محمّد رحمه الله إلى قول أبي حنيفة رحمه الله في هذه المسألة أيضًا.
وفيه أيضًا: الحسن بن زياد عن أبي يوسف رحمة الله عليهما إذا قال لامرأته أنتِ طالق على ألف درهم إن دخلت الدّار، فالقول إليها بعد دخول الدّار تقبل ساعة تدخل.
وروى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله إذا قال الرّجل لامرأة لا يملكها: أنتِ طالق على مائة دينار إن تزوجتك يومًا من الدّهر، فقالت قد قبلت ثمَّ تزوّجها على قول أبي حنيفة رحمه الله، لا يقع الطلاق، ولا يلزمها المال، قال: وقال أبو يوسف رحمه الله الطلاق واقع والمال لازم، ولو أنّها قالت حين تزوّجها قبلت الطلاق الذي جعلتها لي بمائة دينار، لزمها الطلاق والمال في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله.
قال أبو يوسف: ولا أحفظ في هذا رواية عن أبي حنيفة رحمه الله، والذي أحفظ عنه من الرواية رجل قال لمملوكه أنت حرٌّ بعد موتي إن شئت، أو قال: إن شئت فأنت حر بعد موتي، قال أبو حنيفة رحمه الله لا يكون مدبرًا، إذ لا مشيئة للعبد حتّى يموت المولى، فإن مات المولى فإن شاء العبد فهو حرّ، وقال أبو يوسف رحمه الله إن قدّم المشيئة على العتق بأن قال إن شئت فأنت حرّ بعد موتي، فالمشيئة إليه في الحال وإن قدّم العتق على المشيئة، بأن قال: أنت حرّ إذا متُّ إن شئت أو قال: إن متُّ أو قال أنت حرّ بعد موتي إذا شئت، فله المشيئة بعد الموت.
ابن سماعة عن محمّد رحمة الله عليهما: إذا قال الرّجل لامرأته: طلقتك على ألف، فقالت: رضيت أو قالت أجزت فهو قبول، وإن قالت نعم فليس بقبول؛ لأنّ معناه سأقبل.
وعن أبي يوسف رحمه الله إذا قالت لزوجها طلقني على حكمي فقال نعم فهذا معتاد، ولو قال: قد فعلت وقع، ولو قال لها: طلقتك على حكمك فقالت قبلت أو قالت نعم جاز، ولو قالت أنا طالق على حكمي، فقال الزوج نعم فهو مثل ذلك.
وفي (نوادر بشر) عن أبي يوسف رحمهما الله: إذا قال لامرأته أنتِ طالق ثلاثًا بألف درهم أنتِ طالق ثلاثًا بمائة دينار، فقالت قد قبلت فهو جواب عن الكلام الآخر.
وذكر ابن سماعة عن محمّد رحمهما الله أنّه يلزمه المالان، وعن أبي يوسف رحمه الله إذا قالت المرأة لزوجها: طلقني ثلاثًا بألف درهم طلقني ثلاثًا بمائة دينار فقال لها أنتِ طالق ثلاثًا بالجعل الأوّل، أو بالجعل الثاني فهو كما قال وأنت. وإن طلقها ثلاثًا ولم يتعرّض لأحد الجعلين فهو جواز الكلام الآخر، حتّى لو كان الكلام الآخر بغير جعل يقع الثلاث، ولا يلزمها شيء. ولو كان الكلام الأوّل بغير جعل، والثاني بجعل لزمها الجعل.
وعنه أيضًا: أنّه فرّق بين جانب الزوج وبين جانب المرأة، فقال: لو كان الإيجاب من جانب المرأة بأن قالت المرأة لزوجها: طلقني ثلاثًا بألف درهم طلقني ثلاثًا بمائة دينار فقال طلقتك بالجعل الأوّل يتوقف على قبولها، ولو كان الإيجاب من جانب الزوج بأن قال لها أنتِ طالق ثلاثًا بمائة دينار بألف درهم أنتِ طالق ثلاثًا بمائة دينار، فقبلت بالجعل الأوّل أو بالجعل الثاني صحّ.
والفرق أنَّ الإيجاب إذا كان من جانب المرأة، فقول الزوج طلقتك بالجعل الأوّل ابتداء إيجاب من الزوج، فليس جواباٌ بيانه أنَّ الإيجاب الثاني رجوع عن الإيجاب الأوّل، وإقامة للثاني مقام الأوّل، وقد صحّ رجوعها؛ إذ الإيجاب من جانبها غير لازم؛ لأن الطلاق على مال من جانب المرأة معاوضة والرجوع في المعاوضات قبل قبول الآخر صحيح، بخلاف جانب الزوج لأنَّ الطلاق على مال في جانب الزوج تعليق، فالتعليق يقع لازمًا على وجه لا يصحّ الرجوع عنه، فبقي الإيجاب الأوّل، وصحّ الإيجاب الثاني فأيّ ذلك اختارت، فقد اختارت إيجابًا قائمًا يصح على هذه الرواية إذا قال لها طلقتك بالمالين يتوقّف على قبولها؛ لأنَّ هذا ابتداء إيجاب في حقّها على ما مرّ.
وفي الروايات: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق ثلاثًا على ألف أو بألف، فقالت فقد قبلت الواحدة لا يقع شيء لأنّه لو وقع واحدة وقع بثلث الألف أو بغير شيء والزوج ما رضي بالوقوع بغير شيء، فلا تثبت الألف، وهذا لأنّه لو وقع واحدة تثلث الألف، وكذلك لو قالت وقع بائنًا والزوج ما رضي بالبينونة تثلث الألف، وكذلك لو قالت قبلت الواحدة بألف لا يقع شيء، لأنّ الزوج ما أوجبها كذلك.
وذكر في وكالة (الأصل) أن من وكّل رجلًا أن يطلّق امرأته ثلاثًا بألف، فطلقها واحدة بألف جاز، والعرف أن يصرف الوكيل نفاذه، وبطلانه يعتمد الموافقة والمخالفة والوكيل بهذا لا يصير مخالفًا؛ لأنّه خلاف إلى خير والخلاف إلى خير لا يعد خلافًا أما تصرف الزوج مع المرأة صحّته ونفاذه يعتمد المطابقة بين الإيجاب والقبول صورة ومعنى، ولم يوجد ذلك ها هنا.
إذا قال لامرأته: أنتِ طالق واحدة بألف درهم، فقالت؛ قبلت هذه التطليقة طلقت واحدة بألف بلا خلاف، ولو قالت قبلت نصفها بخمسمائة كان باطلًا؛ لأنّ قبولها نصفها بخمسمائة كقبول كلّها بخمسمائة، وذلك باطل لأنّه لم يرض به.
ولو قالت المرأة لزوجها: طلقني واحدة بألف درهم، فقال الزوج: أنتِ طالق نصف تطليقة طلقت تطليقة بألف درهم، ولو قال أنتِ طالق نصف تطليقة بخمسمائة طلقت واحدة بخمسمائة؛ لأن إيقاع النصف بخمس مائة إيقاع الكلّ بخمسمائة وذلك من الزوج صحيح؛ لأنّ المرأة التمست تطليقة بألف، فتكون راضية بها بخمسمائة من طريق الأولى.
إذا قال لامرأته وقد دخل بها: أنتِ طالق السّاعة على أنّك طالق أخرى غدًا بألف درهم، فقبلت وقعت واحدة للحال بنصف الألف؛ لأنّ تقدير هذه المسألة أنتِ طالق السّاعة واحدة، وغدًا أخرى بألف درهم.
بيانه: أنَّ كلمة (على) وإن كانت حقيقة للشرط، لكن يقدّر العمل بالشرط ها هنا لأنَّ الطلقة الواقعة في الحال لا يمكن تعليقها بتطليقة، تقع في الغدّ فيحمل على العطف لأنّ حروف الصلات يقام بعضها مقام البعض، فصار تقدير المسألة ما قلنا من هذا الوجه، وهناك تقع واحدة للحال بألف درهم فالأصل أنَّ الزوج متى عطف إحدى التطليقتين على الأخرى، وذكر عقيبها مالًا ولم يخصّ إحداهما بوصف ما في البدل ولا بوصف يلائم البدل، فالبدل ينصرف إليهما لاستوائهما وعدم الأوّليّة، ثمَّ إذا جاء غد يقع عليها تطليقة أخرى، وهل يلزمها المال؟ ينظر إن كان قد تزوّجها قبل مجيء الغد، يلزمها خمس مائة وإن لم يتزوّجها قبل مجيء الغد لا يلزمه شيء؛ لأنّ وجوب البدل يعتمد زوال الملك به، وهو نظير ما لو قال لامرأته: أنتِ طالق ثلاثًا للسنة بألف درهم يقع عليها واحدة للحال بثلث الألف إذا كان الزمان زمان السنة، ثمَّ إذا حاضت وطهرت يقع عليها أخرى، ثمَّ إذا حاضت وطهرت يقع عليها أخرى، ولا يلزمها المال بالطلاق الثاني والثالث إلا بواسطة سبق الزوج، كذا ها هنا.
ولو قال لها أنتِ طالق الساعة واحدة أملك الرجعة على أنّك طالق غدًا أخرى بألف درهم، فقبلت وقع عليها واحدة للحال بغير شيء؛ لأنّه قرن بالطلقة الأولى مانعًا في وجوب البدل به، وهو قول أملك الرجعة فإن الطلاق ببدل لا يكون رجعيًا فانصرف البدل إلى الطلقة الأخرى، وهذا هو الأصل في كلّ طلاقين عطف أحدها على الآخر، وقرن بالأوّل وصف ينافي البدل، البدل ينصرف إلى الطلاق الثاني فإن جاء الغد يقع عليها تطليقة أخرى بألف درهم؛ لأنّ البدل مقابل بها وأمكن إيجاب البدل بها لزوال الملك لها لأنّ الملك لم يزل بالأولى؛ لكونها رجعيّة.
ولو قال لها: أنتِ طالق اليوم تطليقة بائنة على أنّك طالق غدًا أخرى بألف درهم وقعت للحال واحدة بغير شيء؛ لأنّه قرن بالطلقة الأولى مانعًا في وجوب البدل بها وهو قوله بائنة؛ لأنّه إنّما يحتاج إلى وصف الطلاق بصريح الإبانة إذا لم يكن بمقابلته شيء، ثمَّ إذا جاء الغد تقع عليها تطليقة أخرى بغير شيء؛ لأنّ الملك لا يزول بالطلقة البائنة، لزواله بالطلقة الأولى لكونها بائنة، وإن كان تزوّجها قبل مجيء الغد ثمَّ جاء الغد يقع عليها تطليقة أخرى بألف درهم؛ لأنّ الملك يزول بها في هذه الصورة، والألف مقابل بها.
ولو قال لها: أنتِ طالق اليوم تطليقة بغير شيء على أنّك طالق غدًا أخرى بألف درهم وقع في الحال تطليقة رجعيّة؛ لأنه قرن بالأولى ما ينافي كون البدل بمقابلته، وهو قوله بغير شيء فصار كلّ الألف بمقابلة الطلقة الثانية فإذا جاء الغد تقع تطليقة أخرى بألف درهم؛ لأنّ الملك يزول بها لكون الأولى رجعيّة.
ولو قال لها: أنتِ طالق واحدة وأنتِ طالق أخرى بألف درهم فقبلت وقعت الطلقتان بألف درهم، وانصرف البدل إليهما. وكذلك لو قال: أنتِ طالق اليوم واحدة وغدًا أخرى بألف درهم، فقبلت وقعت في اليوم واحدة بنصف الألف وغدًا أخرى بنصف الألف إن تخلّل التزوّج؛ لأنَّ البدل انصرف إليهما.
ولو قال لها أنتِ طالق السّاعة واحدة أملك الرجعة وغدًا أخرى أملك الرجعة بألف درهم، أو قال أنتِ طالق الساعة واحدة بائنة وغدًا أخرى بائنة بألف درهم، أو قال أنتِ طالق الساعة واحدة بغير شيء وغدًا أخرى بغير شيء صحّ بألف درهم، فالبدل ينصرف إليهما وتكون كلّ تطليقة بنصف الألف، فتقع واحدة في الحال بنصف الألف، وغدًا أخرى مجانًا إلا أن يتزوّجها قبل مجيء الغد، ثمَّ جاء الغد فحينئذٍ تقع أخرى بنصف الألف وإنّما انصرف البدل إليهما في هذه الصورة؛ لأنّه قرن بكلّ تطليقة وصفًا ينافي البدل.
والأصل في كلّ طلاقين عطف أحدهما على الآخر، وقرن بكلَ منهما ما ينافي البدل أو قرن بالطلقة الثانية ما ينافي البدل، والبدل ينصرف إليهما جميعًا؛ لأنّه لابد من إلغاء إحداهما، إمّا المنافي وإمّا البدل، وإلغاء المنافي أولى لأنّه ذكر المنافي أوّلًا، وذكر البدل آخرًا وإبداء الآخر يكون ناسخًا للأوّل.
ولو قال لها: أنتِ طالق السّاعة واحدة أملك الرجعة أو قال بائنة أو قال بغير شيء وغدًا أخرى بألف درهم، والبدل ينصرف إلى التطليقة الثانية.
ولو قال أنتِ طالق اليوم واحدة وغدًا أخرى أملك الرجعة ينصرف البدل إليهما؛ لأنّه قرن بالطلقة الثانية ما ينافي وجوب البدل بها، وفي مثل هذا ينصرف البدل إلى الطلقتين، وعلى هذا يخرج جنس هذه المسائل.
وفي (المنتقى): بشر عن أبي يوسف رحمهما الله: رجل قال لآخر طلق امرأتك فلانة واحدة ولك ألف درهم، ففعل وقع الطلاق في الحال في قول أبي حنيفة رحمه الله بغير مال، وقال أبو يوسف رحمه الله: لا يقع حتّى تقبل المرأة، فإنّ قامت عن المجلس الذي يبلغها فيه الخبر قبل أن تقبل بطل الطلاق.
وذكر ابن سماعة عنه أيضًا: رجل قال لزوج ابنته الصغيرة: طلقها ولك ألف درهم فقال نعم فعلت، قال أبو حنيفة رحمه الله: هي طالق السّاعة بغير شيء، وقال أبو يوسف رحمه الله: لا يقع الطلاق ما لم تقبل الصغيرة، فإذا قبلت وقع الطلاق فلا يلزمها المال.
وذكر ابن سماعة عن أبي يوسف رحمة الله عليهما أيضًا: رجل جعل لرجل ألف درهم على طلاق امرأته، فقبل وطلّق فالطلاق بائن والذي جعل الألف ضامن للألف وهي عليه للزوج، ولو كان له دين على الزوج فقال له أنت بريء على أن تطلق امرأتك، فقبل وفعل فالطلاق جائز وهو بريء من المال.
قال: ولو كانت هاتين المسألتين في العتاق، فالعتق جائز والبراءة من الدّين جائزة، والجعل الذي جعل له باطل؛ لأنّه لو لزمه لزمه بغير عوض؛ لأنَّ العتاق من المولى، فالعتق لا يكون له، والمال لا يجب على الإنسان من غير عوض بقضيّة الأصل بخلاف البراءة؛ لأنَّ البراءة تجوز بغير عوض.
وروى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله: إذا أمر الرجل رجلًا أن يطلّق امرأتيه بألف درهم، وطلّق إحداهما بألف أو بأقلّ إلا أنّه إذا قسم الألف على مهرها كان ذلك حصتها، فهو جائز.
وروى أبو سليمان عن أبي يوسف رحمهما الله: إذا قال الرجل لغيره طلّق إمرأتي بما شئت أو قال بما رأيت، أو قال على كم شئت أو قال على كم رأيت، فهو على المجلس وغيره، قال: لأنَّ المشيئة في الجعل ليس في الطلاق.
وفي (الأصل): إذا قال الرجل لامرأته طلقتك أمس بألف درهم، فلم تقبل فقالت المرأة لا بل قبلت فالقول قول الزوج.
فرق بين هذا وبينما إذا قال لغيره بعتك أمس بكذا فلم يقبل، وقال الآخر لا بل قبلت، فالقول قول المشتري، وكذلك إذا قال لغيره أجرت منك أمس كذا بكذا فلم تقبل، فقال الآخر لا بل قبلت، والقول قول المتأخّر. والفرق أنَّ البيع معاوضة، والمعاوضة لا تتم إلا بالإيجاب والقبول فإذا أقر بالبيع والإتمام له لا بالقبول صار مقرًا بالقبول دلالة راجعًا عنه بقوله، فلم تقبل، فلا يقبل ذلك منه، فأمّا الطلاق على مال كما هو معاوضة فهو تعليق أيضًا، والمعاوضة إن كانت لا تبنى إلا بالقبول فالتعليق بني بدون القبول، فبإقراره بالطلاق على المال إن صار مقرًا بالقبول من حيث إنّه معاوضة لا يصير مقرًا بالقبول من حيث إنّه تعليق، فلا يثبت الإقرار بالقبول بالشك بقيّت المرأة مدّعية والزوج منكر دعواها، فيكون القول قول الزوج.
وعلى هذا إذا قال لها قد كنت بعتك طلاقك أمس بألف، ولم تقبلني، وقالت المرأة لا بل قبلت فالقول قولها.
ولو قال: طلقتها ثلاثًا بألف درهم فقالت المرأة هذا منك إقرار ماض، وقد كنت قبلته منك، وقال الزوج كان هذا مني إقرارًا مستقبلًا حين تكلمت فلم تقبلي، فالقول قول الزوج وإن أقاما البيّنة أخذت بيّنة المرأة، ذكره في (المنتقى).
وفي (البقالي): أنتِ طالق غدًا على عبدك هذا، فقبلت وباعت العبد ثم جاء الغد يقع الطلاق وعليها قيمة العبد، ولو طلقها ثلاثًا في يومه، ثمَّ جاء الغد فلا شيء له.
وفيه أيضًا إذا قال لها أنتِ طالق بعد غد على ألف درهم وغدًا على ألف، واليوم على ألف، فقبلت اليوم بألف، والباقي بغير شيء هكذا ذكر وعلى قياس ما تقدم إذا تزوّجها قبل مجيء الغد، ثمَّ جاء الغد يقع طلاق آخر بألف، وإذا تزوّجها في الغد ثم جاء بعد الغد يقع طلاق آخر بألف.
وفيه أيضًا: إذا قال لامرأتيه إحداكما طالق بألف درهم، والأخرى بمائة دينار فقبلتا طلقتا بغير شيء. وفيه أيضًا؛ روى ابن سماعة عن محمّد رحمهما الله في العتاق: إذا قال لامرأتيه إحداكما طالق بألف، فقبلتا ومات فعلى كلّ واحد منهما خمسمائة وبانتا، ولا ميراث.
وروى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله: إذا قال الرّجل لامرأته أنتِ طالق على حكمك من الجعل فقبلت ثمَّ حكمت مالًا ولم يرض به الزوج فإن كان ما حكمت مثل مهرها الذي أخذت، أو أكثر من ذلك لم يكن للزوج إلا ذلك، وإن كان أوّل تممّنا له مهرها الذي أخذت، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمة الله عليهما.
وعلى هذا إذا قالت المرأة لزوجها اجعلني طالقًا على حكمك من الجعل، فطلقها على ذلك ثمّ حكم بحكم له فرضه، فإن حكم بمهرها أو أقل لزمها الطلاق على الفعل ثمَّ ينظر إلى الفعل فإن كان جعلًا، فهو على ما صيّرت ذلك فإن كان غير جعل، فقد مضى الطلاق.
بشر عن أبي يوسف رحمهما الله: إذا طلّق امرأته على أن تهب عنه لفلان ألف درهم أجبرتها على إنفاذ الألف، والزوج هو الواهب وإن لم يقل عنه لا تجبر على الهبة وعليهما أن ترد المهر والطلاق بائن، فإن وهبت فالهبة عنها والطلاق بائن ولا شيء عليها غير الهبة التي وهبت، ولا رجوع لأحد في هذه الهبة.
وعن محمّد رحمه الله في امرأة قالت لزوجها: طلقني على أن أهب مهري من ولدك ففعل، فأبت أن تهبه فالطلاق رجعي فلا شيء عليها.
أبو سليمان عن أبي يوسف رحمهما الله: إذا أبرأت المرأة زوجها عمّا لها عليه على أن يطلقها، فقد جاز ذلك و(حارت) المرأة فكان الطلاق بائنًا وكذلك لو جعلت له مالًا على ذلك، ولو قالت لزوجها طلقني على أن أؤخّر مالي عليك وطلقها على ذلك، فإن كان للتأخير غاية معلومة صحّ التأخير، وإن لم يكن له غاية معلومة لا يصح التأخير، والطلاق رجعي على كلّ حال. وكذلك لو طلقها على أن تبرئه عن كفالة نفس فلان، فأبت أن تبرئ فالطلاق رجعي، ولو طلقها على أن تبرّئه عن الألف التي كفل بها لها عن فلان، فالطلاق بائن، والله أعلم.

.الفصل السادس عشر: في الخلع:

هذا الفصل يشتمل على أنواع:

.نوع منه في بيان صفته وكيفيته:

قال علماؤنا رحمهم الله: الخلع طلاق بائن ينتقص به من عدد الطلاق، به ورد الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم وعن عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم. وقال الشافعي رحمه الله: هو فسخ لا ينتقص به من عدد الطلاق، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه، وتكلّم أصحابنا رحمهم الله فيما إذا قضى قاضٍ بكونه فسخًا، هل ينفذ قضاؤه؟ منهم من قال ينفذ، ومنهم من قال لا ينفذ، وتكلّم المشايخ في لفظة البيع والشراء هل لابن عباس رضي الله عنه فيه قول كما في الخلع، قال بعضهم ليس له فيه قول وهو طلاق بائن بالاتفاق، وقال بعضهم خلافه في كل موضع عدم فيه لفظة الطلاق، وإنّه من جملة الكنايات حتّى لا يقع به الطلاق بدون النيّة، وتصح نيّة الثلاث فيه، وإذا قال الزوج لم أنوِ به الطلاق، فإن لم يذكر بدلًا صدّق ديانة وقضاء وإن ذكر بدلًا بأن قال لها مثلًا، خالعتك على ألف درهم، ثمَّ قال لم أعن به الطلاق لا يصدّق وقدم هذا فيما تقدّم، ويعتبر من جانب الزوج يمينًا وتعليقًا للطلاق بقبولها حتّى لو قال لها خالعتك على كذا، ثمَّ رجع قبل قبول المرأة لا يصح رجوعه، وكذلك لا يبطل بقيامه عن المجلس قبل قبول المرأة، وكذلك لا يتوقف على حضورها، بل يجوز إذا كانت غائبة، فإذا بلغها فلها خيار القبول في مجلسها، ويصحّ التعليق بالشرط والإضافة إلى الأوقات، نحو أن يقول: إذا جاء غد فقد خالعتك على ألف درهم، فإذا قدم فلان فقد خالعتك كان القبول إليها بعد مجيء الوقت وقدوم فلان.
ومن (جار) المرأة تعتبر بالإيجاب والقبول كما في باب البيع حتّى إنّه إذا كانت البداية من جانب الزوج، فقامت عن المجلس قبل القبول يبطل الإيجاب، وإن كانت البداية من جانب المرأة بأن قالت له اخلعني على كذا، صحّ رجوعها قبل قبوله ويبطل بقيامها عن المجلس وبقيامه ولا يتوقف حال غيبة الزوج، ولا يجوز التعليق منها بشرط، ولا إضافة إلى وقت وقدّم الفرق من الجانبين قبل هذا.
وينبني على هذا ما قال أبو حنيفة رحمه الله إذا خالعها وشرطت المرأة لنفسها الخيار جاز، وقال أبو يوسف ومحمّد رحمهما الله: لا يجوز ولو شرط الزوج الخيار لنفسه لا يجوز إجماعًا فهما قاسا جانبها بجانبه، وأبو حنيفة رحمه الله فرّق بينهما بما قلنا إنَّ الخلع من جانب الزوج يمين، واليمين غير قابلة للخيار، ومن جانب المرأة معاوضة، والمعاوضة قابلة للخيار.
وإذا قال لامرأته كلّ امرأة أتزوجها، فقد بعت طلاقها منك بكذا، ثمَّ تزوّج امرأة فالقبول إليها بعد التزوّج، فإن قالت بعد التزوّج قبلت أو قالت اشتريت طلاقها أو قالت طلّقها يقع الطلاق عليها، وإن قالت قبل التزوّج قبلت فهذا ليس بشيء؛ لأنَّ هذا الكلام من الزوج خلع بعد التزوّج، فإنّما يشترط القبول بعده.

.نوع آخر منه:

ذكر في (فتاوى سمرقند) بأن صورة الخلع بالفارسيّة تقال: أن تقول المرأة لزوجها: (خوشتن رااز تونهر كاينن كرم أست وبهر هريبة عدة كي اجب مرابد توسيس طلاق أختم بيك طلاق فيقول الزوج)، (اهتحيدم برااز خوشتن بائن شرطها) وإذا أمر الرجل امرأته بالخلع، فهو على أربعة أوجه:
إمّا أن يقول اخلعي نفسك بكذا من المال سمّى مالًا مقدارًا معلومًا مثلًا ألف درهم. أو يقول؛ اخلعي نفسك بمال ولم يسمه ولم يقدّره، أو يقول: اخلعي نفسك بغير شيء. أو يقول: اخلعي نفسك ولم يزد على هذا، وأمّا إذا قال: اخلعي نفسك بألف درهم أو على ألف درهم، فخلعت نفسها على ذلك، ولم يقل الزوج بعد ذلك خلعت هل يتمّ الخلع فيه روايتان عن أصحابنا، والمختار أنّه يتمّ بناءً على أنّ الواحد هل يتولّى طرفي الخلع؟ إذا كان البدل مقدّرًا معلومًا، وفي رواية يتولى وهو المختار وتصير المرأة وكيلة من جانب الزوج؛ لأنّه يمكنها الامتثال بما أمرت، وحقوق العقد لا ترجع إليها حتّى يقال تؤدّي إلى التضاد في حقّ الأحكام، أمّا إذا قال لها: اخلعي نفسك بمال، ولم يقدّر المال فقالت: خلعت نفسي على كذا في ظاهر رواية أصحابنا رحمهم الله لا يتمّ الخلع ما لم يقل الزوج بعد ذلك خلعت. وروى ابن سماعة عن محمّد رحمهما الله: أنه يتمّ وإن لم يقل الزوج بعد ذلك خلعت، وكثير من مشايخنا أخذوا برواية ابن سماعة.
ووجه ظاهر الرواية: أنّه لابد من التسمية في الخلع لأنَّ المال بدون التسمية لا يجب في الخلع، وإذا لم يكن البدل مقدرًا لا تدري هي أي قدر تسمّي فعجزت عن الامتثال، فلا يصحّ الأمر فلا تصير وكيلة من جهة الزوج فلا يتمّ الخلع بمجرّد قولهما اختلعت، وأمّا إذا قال لها اخلعي نفسك بغير مال، فقالت: خلعت يتم الخلع بقولها؛ لأنَّ الخلع بغير مال والطلاق البائن سواء، فكأنّه قال لها: طلقي نفسك تطليقة بائنة فقالت طلقت.
وأمّا إذا قال لها اخلعي نفسك، ولم يزد على هذا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن يتمّ الخلع بقول المرأة اختلعت للمعنى الذي ذكرنا في قوله اخلعي نفسك بغير مال، وحكي عن الشيخ الإمام أبي بكر محمّد بن الفضل البخاري رحمه الله أنّه كان يقول: روي عن محمّد رحمه الله أنّ هذا بمنزلة قوله: اخلعي نفسك بمال، وروي عن أبي حنيفة رحمه الله أنّ هذا بمنزلة قوله اخلعي نفسك بغير شيء.
وإذا سألت المرأة من زوجها أن يخلعها، فهو على أربعة أوجه أيضًا: أما إن قالت له اخلعني على كذا سمّت ألف درهم مثلًا، وفي هذا الوجه إذا خلعها على ذلك يتمّ الخلع بقول الزوج ولا يحتاج إلى قول المرأة اختلعت قبلت في رواية، هو المختار.
وعلى هذا إذا وكّل الرّجل رجلًا أن يخلع امرأته على ألف درهم، ووكّلت المرأة ذلك الرجل أن يختلعها من زوجها على ألف درهم، فقال الوكيل: اختلعت فلانة من زوجها فلان بألف درهم يتم الخلع بقوله في رواية، وهو المختار، وأمّا إن قالت اخلعني على مال ولم يسمه، ولم يقدّره، فقال الزوج خلعتها على كذا، وفي هذا الوجه لا يتمّ الخلع بقول الزوج خلعت ما لم تقل المرأة قبلت، أو اختلعت في ظاهر رواية أصحابنا. وعلى رواية ابن سماعة يتمّ.
ومعنى قولنا لا يتمّ الخلع على ظاهر الرواية أنّه لا يجب عليها بدل الخلع، وهل يقع الطلاق؟ اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: يقع، به كان يفتي ظهير الدين المرغيناني رحمه الله، وبعضهم قالوا لا يقع، وهو الأظهر والأشبه.
وأمّا إن قالت اخلعني بغير مال، وفي هذا الوجه إذا قال الزوج خلعت يقع الطلاق؛ لأنّ تقدير المسألة كأنّ المرأة قالت طلقني طلاقًا بائنًا، فقال الزوج طلقت، وأمّا إن قالت اخلعني ولم يزد على هذا، وفي هذا الوجه ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أنّه يقع الطلاق بقول الزوج خلعت، وعلى قياس ما حكي عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمّد بن الفضل رحمه الله فيما إذا أمر الزوج المرأة بالخلع يجب أن يكون في المسألة روايتان.
وإذا قال لها: (خوشتن أزمن بحز) فقالت: (خريدم)، ولم يقل الزوج (فروحتم) لا تطلق، وهذا بخلاف ما لو قال لها اخلعي نفسك منّي، فقالت: اختلعت ولم يقل الزوج قبلت، وكذلك لو قال لها بالعربية اشتري نفسك منّي، فقالت الزوجة اشتريت، ولم يقل الزوج بعت لا يقع الطلاق، بخلاف قوله: اخلعي، هكذا ذكر الصدر الشهيد رحمه الله.
والفرق أنَّ قوله: اخلعي نفسك أمر الطلاق بلفظ الخلع والزوج يملك أمرها بذلك ببدل وبغير بدل، فصحّ الأمر وإن لم يكن البدل مذكورًا، أمّا قوله: (خوشتن بحر) أو اشتري نفسك أمر بالمعاوضة، والأمر بالمعاوضة لا يصحّ إذا لم يكن البدل مقدّرًا معلومًا، وحكي عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمّد بن الفضل رحمه الله، بخلاف ما ذكره الصدر الشهيد في قوله اشتر نفسك منّي، على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله.
ولو قال: (خوشتن بخر بكذا) ذكر مالًا مقدّرًا، أو قال بالعربية اشترِ نفسك بكذا، فقالت (خريدم) أو قالت؛ (اشتريت)، ولم يقل الزوج بعت أو (فروختم) يتمّ الخلع في رواية، وهو المختار على ما بيّنا، وكذا في هذه الصورة إذا قال الزوج من لي (فروختم) بعد قول المرأة (خريد) يتمّ الخلع على الرواية المختارة.
وعن هذا قيل: إذا قال لها: (خوشتن بخراز من بكايين ونفقة عدّة)، فقالت: فقال الزوج: (من يك طلاق دادم) يقع عليها طلاقان أحدهما بالخلع، والثاني بالتطليق وأمّا إذا قال لها: (خوشتن بخر عدى أزمن) أو قال: (بحامة) ذكر بدلًا مجهولًا، فقالت (خريدم على كذا) لا يتمّ الخلع ما لم يقل الزوج (فروحتم)، ولا يقع طلاق أيضًا، وهذا يجب أن يكون على ظاهر الرواية، أمّا إذا قال لها (خوشتن بخر) بغير شيء أو قال: اشتر نفسك منّي بغير شيء لم يذكر الصدر الشهيد رحمه الله هذا الفصل في (واقعاته).
ورأيت مكتوبًا بخطّ الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمه الله عقب ذكر مسألة أمر الزوج المرأة بالخلع عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمّد بن الفضل، وكذلك لو تلفظ بلفظة البيع والشراء في الفصول كلّها فهو على ما وصفنا، وهذا إشارة إلى أنّ في هذا الفصل، يقع الطلاق بقولها (خريدم) كما في قوله: اخلعي نفسك بغير شيء وإشارة إلى أنَّ في قوله؛ اشترِ نفسك منّي روايتان: كما في قوله اخلعي نفسك وإذا قال لها (خوشتن خريدي أزمن) بمهرك، ونفقة عدتك، فقالت (خريدم) ولم يقل الزوج (فروحتم)، قال بعض مشايخنا يتمّ الخلع، وقال بعضهم لا يتمّ.
وقال الفقيه أبو جعفر نسأل الزوج أنّه أراد بقوله (خريدى) التحقيق أو السوم، فإن قال: أردت السوم لا يتمّ الخلع، وإن قال أردت التحقيق يتمّ، وعن الفقيه أبي الليث رحمه الله ما هو قريب عن هذا، فإنّه قال: لا يتمّ الخلع إلا إذا أراد بقوله (خريدي) التحقيق.
وحكي عن شمس الإسلام الأوزجندي عن شمس الأئمة السرخسي رحمهما الله أنّه كان يقول: يتمّ الخلع وإن لم يقل الزوج (فروحتم)، وقد رأيت في (فتاويه) هكذا.
وصورة ما رأيت في (فتاويه) إذا قال لها: (خوشتن أزمن بهمّه حقّها خريدي)، أو قال: (بجندين درم خريدي) فقالت (خريدم) ولم يقل الزوج (فروحتم) إن الخلع تام، ولو قال (خريدي) ولم يقل (بهمه حقها) ولا قال (بجندين درم)، فقالت لا يتم الخلع ما لم يقل الزوج (فروحتم)، والمعنى في ذلك أنّ تقدير كلامه (خوشتن خريدي كي من فروختم) وإذا، قال لها: اشتريت منّي ثلاث تطليقات بمهرك ونفقة عدّتك فقالت اشتريت أو قال لها خلعت نفسك منّي بكذا، فقالت: خلعت، والجواب فيها كالجواب في قوله: (خريدي)، ولو قال لها (خوشين مي خريد بكذا) فقالت (خريدم) لا يتمّ الخلع ما لم يقل الزوج (فروحتم)، وهذا باتفاق الأقول لأنَّ هذا للسوم خاصة ولا يحتمل التحقيق، وكذا إذا قالت: (خوشتن ميحزم) فقال الزوج (فروحتم) لا يتم الخلع.
وفي (فتاوى الفضلي): امرأة قالت لزوجها اشتريت نفسي منك لما أعطيت، أو قالت: اشتر وأرادت الإيجاب دون العدّة، فقال الزوج أعاطيك كذا يقع الطلاق لأنَّ هذا يصلح جوابًا ولو قالت بالفارسيّة، قالت: (إنَّ حرمي) وباقي المسألة بحالها تصح لا تنوي أنّها أرادت العدّة أو الإيجاب.
وإن قال حرم لا يصح ولا ينوي لأنَّ في الفارسيّة للإيجاب لفظًا، وهو قولها (حرمى) وللعدّة لفظ وهو قولها (حرم) ولا ينوي، فأمّا في العربية لفظهما واحد وهو قولها اشتري فينوي.
وفيها أيضًا إذا قالت: (خوشتن حرمي ان تو بمهري، ونفقة عدتي دأدى) فقال الزوج أرى وقعت الفرقة؛ لأنَّ قولها بالفارسية خرمي الإيجاب، وقول الزوج أرى جواب، فصار كأنّه قال (دادم) ولو قال أرى تتم لا تقع الفرقة.
وفي (فتاوى النسفي): إنَّ قولها (خرمي) ليس بإيجاب حتّى إنّها لو قالت (خوشتن خرمى) فقال الزوج (فروحتم) لا يتمّ الخلع ذكر الجهل أو لم يذكر؛ لأنّه للاستفهام إذا قالت لزوجها: (مر حقي مرابد تواست خوشتن خريدم)، فقال الزوج (فروختم) لا يكون خلعًا بذلك المال، ولو قالت (به حقي) كان خلعًا ولو جرت العادة فيما بين النّاس أنّهم يريدون بقوله (صر حقي نهر حقي) يجب أن يصح الخلع والفتوى على أنه لا يصح إلا أن يكتب في الفتوى، كذا جرت العادة فحينئذٍ يفتى بالصحّة، وفي موضح آخر لو قالت (هر حقي) ك (مرااز تومى بايد خوشتن خريدم ازتو)، أو قالت: (ميروين خوشتن خريدم ازتوا) فقال الزوج (فروختم) يكون خلعًا، ويلغوا قولها (حر حقي كه مرا ازنومى يايد وتصير كأنها ابتدأت فقالت: خويشتن خريدم ازتوا) أو قالت (سمرين خوشتن خريدم ازتو).
وإذا قالت المرأة اختلعت نفسي بمهري ونفقة عدتي ولم تقل منك، فقال الزوج خلعت، ولم يقل خلعتك لا يكون هذا خلعًا صحيحًا كذلك إذا قال بالفارسيّة: (خوشتن خريدم)، فقال الزوج (فروختم) لا يكون خلعًا صحيحًا ولو قال (فروخمت) فهو خلع صحيح، هكذا ذكر في (مجموع النوازل) عن شيخ الإسلام السغدي رحمه الله. قال لابد من ذكر الإضافة من أحد الزوجين، وقاسه على ما إذا قال لها اختاري، فقالت: اخترت لا يقع شيء، ولو قال اختاري، فقالت اخترت نفسي أو قال اختاري نفسك فقالت اخترت وقع الطلاق.
وفي (فتاوى أبي الليث) رحمه الله: إذا جرت مقدّمات الخلع بين الزوجين، فقالت المرأة بعد ذلك (خوشتن خريدم بعدت وكايين) فقالت الزوج (فروختم) تصح، وإن لم يقل منك، وعلى هذا البيع والنكاح، وحكي عن عمر النسفي أنّه قال: اتفق المشايخ في زماننا: أنَّ الخلع صحيح بغير الإضافة إلى أحدهما لكثرة الاستعمال من العامّة، وعدّهم هذا خلعًا صحيحًا فصار بمنزلة قولهم (مرجه بدست كيرم برمن حرام)، وبمنزلة البيع والشراء إذا قال البائع بعت هذا، وقال المشتري اشتريت هذا، فإنَّ هناك يتمّ البيع كذا ها هنا.
وذكر في (المنتقى): عن محمّد رحمه الله: إذا قالت المرأة لزوجها خلعت نفسي منك بألف درهم قالت ذلك ثلاث مرّات، فقال الزوج قد رضيت وأجزت كان ثلاثًا بثلاثة آلاف درهم، ولو قال الزوج للمرأة قد خلعتك على ما لك عليَّ من المال، قال ذلك ثلاث مرّات ولم يسمّ شيئًا فقالت المرأة قبلت ورضيت طلقت ثلاثًا، قال لأنّه لم يقع شيء إلا بقبولها.
وفيه أيضًا: إذا قال الرجل لامرأته: أخلعك، فقالت قد فعلت فهذا باطل حتّى يقول الزوج: قبلت، قال ثمّة: والخلع في هذا من جانب الرجل لا يشبه التزوّيج، يريد به أن الرجل إذا قال لامرأة: أتزوجك على مائة درهم، فقالت: فعلت فإنه ينعقد النكاح بينهما وإن لم يقل الزوج بعد ذلك قبلت.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمّد رحمه الله: امرأة قالت لزوجها اخلعني، فقال قد خلعتك بألف درهم لم يقع الخلع حتّى قبلت المرأة قال ثمّة: النكاح والخلع سواء إلا في قول الرّجل لامرأة زوجيني نفسك، فقالت زوجتك نفسي ولم يذكرا مالًا، فهذا الجواز في النكاح ولا يجوز في الخلع؛ لأنَّ النكاح يجوز بلا تسمية مال، بخلاف الخلع إذا قالت (خوشتن خريدم بكيين) ونفقة عدّة، فقال الزوج (يدر فيم)، فقد قيل لا يقع الخلع لأنَّ كلام الزوج لا يصلح جوابًا لكلامها، فكان ابتداء رجل قال لامرأته (من خوشتن بازتو بعدت وكايين خريدم) ونوى الطلاق فقالت المرأة (فروختم)، فقد قيل صحّ الخلع كمن قال لامرأته أنا منك بائن ونوى الطلاق إنَّ هناك تطلق المرأة، وأكثر المشايخ على أنّه لا يصح الخلع؛ لأنّه ليس للزوج مهر ولا نفقة حتّى يصحّ قوله (فريدم بكايين).
وهو نظير ما لو قال لعبده (خويشتن ازتو خريدم) فقال العبد (فروختم)، فإنّه لا يعتق العبد، هكذا قالوا والمعنى الصحيح لمن يقول بعدم الصحّة أنّه أضاف الشراء إلى غير محلّه؛ لأنَّ الشراء لإثبات الملك فإنّما تصح إضافته إلى محلّ لا ملك فيه للمشتري، والزوج مالك نفسه فكيف يصح منه شراء نفسه.

.نوع آخر منه:

إذا قال لها خالعتك، ولم يذكر المال أصلًا قالت قبلت لا يسقط شيء من المهر هذا جواب ظاهر الرواية. وذكر شيخ الإسلام خواهر زاده في أوّل إقرار (الكافي)؛ إذا قال لها خالعتك، فقالت قبلت يقع الطلاق وتقع البراءة للزوج عن المهر إن كان عليه مهر، وإن لم يكن عليه مهر يجب عليها ردّ ما ساق إليها من المهر؛ لأنَّ المال مذكور عرفًا بذكر الخلع.
وإذا قالت بالفارسيّة: (خويشتن خريدم ارتو)، فقال الزوج: (فروحتم) تقع تطليقة بائنة ولا ترد ما قبضت من المهر، وإن لم تقبض برئ الزوج من المهر لأنَّ الخلع أوجب البراءة، هكذا ذكر الصدر الشهيد رحمه الله في (واقعاته)، ورأيت في بعض الكتب أنَّ في براءة الزوج عن المهر إذا لم يذكر في الخلع شيئًا روايتان عن أبي حنيفة رحمه الله، والأصح هو البراءة، وفي (شرح الكافي): أنَّ الزوج يبرأ عن المهر عند أبي حنيفة رحمه الله، وإن ما يذكر في الخلع شيئًا، ولا تسقط نفقة العدّة إلا بالذكر، وإذا قال لها خالعتك ونوى الطلاق يقع الطلاق، ولا يبرأ الزوج عن المهر بالاتفاق.
وإذا قال لها بالعربية: بعت لا يقع الطلاق ما لم يقل اشتريت، وإذا قالت اشتريت حتّى يقع الطلاق، فحكم المهر ما ذكرنا فيما إذا قال لها بالفارسية (مروحيمت) هذا إذا خالعها، ولم يذكر المال أصلًا.
وأمّا إذا خالعها على جميع مهرها والمهر مقبوض وذلك ألف درهم والمرأة مدخول بها كان عليها ردّ ما قبضت من المهر، أو ردّ مثله وإن كان غير مقبوض سقط عن الزوج جميع المهر؛ لأنّه وجب للزوج عليها ألف درهم لأنه خالعها على مهرها ومهرها ألف درهم، وكان للمرأة على الزوج مثل ذلك فيلتقيان قصاصًا، ولا يتبع أحدهما صاحبه بشيء من المهر بسبب الطلاق في الفصلين جميعًا، وإن لم يكن الزوج دخل بها فخالعها والمهر مقبوض، فالقياس أن يرجع الزوج عليها بألف وخمسمائة، ألف بدل الخلع وخمسمائة نصف المهر بالطلاق قبل الدخول، وفي الاستحسان يرجع عليها بألف درهم لا غير خمس مائة بدل الخلع وخمس مائة بالطلاق قبل الدخول، وإن كان المهر غير مقبوض فالقياس أن يرجع الزوج عليها بخمسمائة.
وفي الاستحسان لا يرجع عليها بشيء ويبرأ عن جميع المهر، وبيان وجه الاستحسان أنّه أضاف الخلع إلى مهرها ومهرها ما يجب لها بالنكاح والواجب لها بالنكاح متى ورد الطلاق قبل الدخول نصف المهر، وذلك خمس مائة، فكأنّه خالعها على ذمّة الزوج خمس مائة بعد الطلاق قبل الدخول فالتقيا قصاصًا، وإن كان مقبوضًا يرجع الزوج عليها بألف لا غير خمس مائة بدل الخلع، وخمس مائة بالطلاق قبل الدخول، كذا ها هنا هذا إذا خالعها على جميع مهرها.
وإن خالعها على بعض مهرها بأن خالعها على عشر مهرها مثلًا والمهر مقبوض، وذلك ألف درهم والمرأة مدخول بها فللزوج عليها من المهر مائة بدل الخلع، والباقي سالم لها وإن كان غير مقبوض سقط عن الزوج عشر الألف بدل الخلَع للاختلاف، وتسقط التسعة المائة الباقية بسبب أي المهر الخلع عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأنَّ الخلع عنده يوجب براءة كل واحد منها عن صاحبه عن حقوق النكاح، سمّى ذلك في الخلع أو لم يسمّ وعندهما لا يسقط والتسعمائة الباقية؛ لأنَّ عندهما لا تسقط بالخلع إلا ما سمّيا فيه وإن لم يكن الزوج دخل بها والمهر مقبوض، فالقياس أن يرجع الزوج عليها أنَّ الستمائة بدل الخلع وخمس مائة بالطلاق قبل الدخول بها.
وفي الاستحسان: يرجع عليها بخمس مائة وخمسين درهمًا؛ لأنّه أضاف الخلع إلى عشر مهرها وبالطلاق قبل الدخول تبيّن أنَّ مهرها خمس مائة، وأنَّ عشرها خمسون وكأنّه خالعها على خمسين، وإن كان المهر غير مقبوض فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله على حقّ أنَّ الاستحسان لا يرجع المرأة على الزوج بشيء وعلى قولهما على جواب الاستحسان، سقط عن الزوج خمسون درهمًا بسبب الخلع ويرجع عليه بأربعمائة وخمسين بناءً على الأصل الذي مرّ، وعلى هذا القياس يخرج جنس هذه المسائل هذا إذا خالعها على جميع مهرها أو على بعض مهرها.
وإن بارأها على جميع مهرها، أو على بعض مهرها، فعند محمّد رحمه الله الجواب فيه، كالجواب في الخلع لا يسقط إلا ما سميّا فيها، وعندهما الجواب فيها، كالجواب في الخلع على قول أبي حنيفة رحمه الله حتّى برئ كل واحد منهما عن صاحبه عن جميع حقوق النكاح.
وأمّا إذا خالعها على مال مسمّى معروف سوى الصداق؛ فإن كانت المرأة مدخولًا بها والمهر مقبوض، فإنّها تسلم إلى الزوج بدل الخلع ولا يتبع أحدهما صاحبه بعد ذلك بشيء، وإن كان المهر غير مقبوض فالمرأة تسلّم إلى الزوج بدل الخلع، ولا ترجع على الزوج بشيء من المهر عند أبي حنيفة رحمه الله طلاقًا لهما على الأصل الذي قلنا، وأمّا إذا كانت المرأة غير مدخول بها والمهر مقبوض فإن الزوج يأخذ منها بدل الخلع، ولا يرجع عليها بنصف المهر بسبب الطلاق قبل الدخول عند أبي حنيفة رحمه الله، وبهذا الفصل تبيّن أنَّ ما ذكر من جواب الاستحسان فيما إذا خالعها على مهرها والمرأة غير مدخول بها والمهر مقبوض قول أبي يوسف ومحمّد رحمهما الله، وإن لم يكن المهر مقبوضًا يأخذ الزوج منها بدل الخلع، وهي لا ترجع على زوجها بنصف المهر عند أبي حنيفة خلافًا لهما.
وأمّا إذا بارأها بمال معلوم سوى المهر فالجواب فيه عند محمّد كالجواب في الخلع عنده، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف الجواب فيه كالجواب في الخلع عند أبي حنيفة.
وأمّا نفقة العدّة ومؤنة السكنى إن شرط ذلك في الخلع فالمبارأة تقع البراءة عليهما للزوج بلا خلاف، وإن لم يشترط ذلك في الخلع فالمبارأة لا تقع للمرأة بالإجماع، أمّا على قولهما فلا مشكل، وأمّا على قول أبي حنيفة فلأنَّ الخلع عنده إنّما يوجب البراءة عن حقوق قائمة وقت الخلع ونفقة العدّة تجب شيئًا فشيئًا، والخلع لا يمنع ثبوت حقّ بعده، وإن شرطا البراءة عن السكنى في الخلع لا يصح؛ لأنَّ السكنى في بيت العدّة حقّ الله تعالى وإسقاطها لا يعمل في حقّ الله.
وأمّا نفقة الولد وهي مؤنة الرضاع فلا تقع البراءة عنها إن لم يشترط ذلك في الخلع والمبارأة بالإجماع، وإن شرطا إن وقتا لذلك وقتًا بأن قال: إلى سنة، أو ما أشبه ذلك جاز، وإن لم يوقتا لا يجوز ولا تقع البراءة عنها، وأمّا دين آخر سوى المهر فلا تقع البراءة عنها في الخلع، والمبارأة بدون الشرط في (ظاهر الرواية) عن أبي حنيفة رحمه الله، وفي رواية الحسن عنه تقع البراءة عنه بدون الشرط.
وإذ قالت: (خويشتن خيدم بهر حقي كي مرا بد توايت) لا تقع البراءة عن نفقة العدّة؛ لأنَّ نفقة العدّة ليست لها عليها في الحال، وأمّا إذا طلقها بمال آخر سوى المهر فالجواب فيه عندهما كالجواب في الخلع، وأما عند أبي حنيفة رحمه الله فقد روى الحسن عنه أن كل واحد منهما يبرأ عن حقوق النكاح، وبه أخذ الفقيه أبو بكر البلخي رحمه الله. وفي (ظاهر الرواية) عنه لا يبرأ، وبه أخذ عامّة المشايخ. وأمّا إذا كان العقد بلفظة البيع بالعربية، أو الفارسيّة فعلى قولهما الجواب فيه كالجواب في الخلع.
وأمّا عند أبي حنيفة رحمه الله فقد اختلفت المشايخ فيه، وإذا خالعها بما لها عليه من المهر وقع الطلاق، ظنًّا منه أنَّ لها عليه بقيّة المهر ثمَّ علم أنه لم يبق لها عليه من المهر وقع الطلاق على مهرها، فيجب عليها أن ترد المهر؛ لأنّه طلّقها بطمعٍ خالصٍ عليه، فلا يقع الخلع مجانًا.
ونظير هذا ما لو خالعها على عبدك الذي لك عبدي أو على متاعك الذي في يدي فإذا ليس في يديه شيء وقع الخلع على مهرها، إن لم تقبض المهر برئ الزوج عنه، وإن قبضت ردّت المهر عليه، فأمّا إذا علم الزوج أن لا مهر عليه وباقي المسألة بحالها يصح الخلع، ولا يرد على الزوج شيئًا، بمنزلة ما لو خالعها على ما في هذا البيت من المتاع والزوج يعلم أنّه لا متاع فيه، ذكره الصدر الشهيد رحمه الله في الباب الأوّل من (الواقعات).
وعلى هذا إذا قال لها: بعتك تطليقة بمهرك والزوج يعلم أنّه لم يبقَ لها عليه شيء من المهر، فاشترت هي يقع الطلاق رجعيًا مجانًا، وإذا تزوّج امرأة على مهر مسمّى، ثمَّ طلقها بائنًا ثمَّ تزوجها ثانيًا على مهر آخر ثمَّ اختلعت من زوجها على مهرها يبرأ عن المهر الثاني دون الأوّل؛ لأنَّ الخلع وقع في هذا النكاح فينصرف إلى مهر هذا النكاح. وكذلك لو قالت بالفارسيّة: (خويشتن خريدم آزتو بكايين ويهمه حقها كحرابرتواست) لا تبرأ عن المهر الأوّل، والله أعلم بالصواب.
تمَّ هذا الكتاب بحمد الله وحسن توفيقه في يوم الخميس في شهر ذي القعدة سنة أربعين وثمانمائة الهجرية على يد العبد الفقير الحقير، على ابن حمشيد بن حسن......... في مدينة الكرمان يتلوا في الدفتر الآخر.

.نوع آخر منه:

إذا اختلعت المرأة من زوجها على شيء آخر سوى المهر مهر بين ما فيه من كتاب الطلاق،.... الأوّل: في بيان أنواعه. الثاني: في بيان شرط صحّته وحكمه. الثالث: في بيان من يقع طلاقه ومن لا يقع. الرابع: فيما يرجع إلى صريح الطلاق. الخامس: في الكنايات والمشيئة والتفويض. ويتصل به إيقاع الطلاق على المبانة، وعلى المطلقة بصريح الطلاق. السادس: في الإيقاع بالكتاب، والصلاة والسلام على خير خلقه محمّد وآله أجمعين الطيبين الطاهرين.

.نوع آخر منه:

إذا اختلعت المرأة من مهرها عن شيء آخر سوى المهر فهذا على وجوه: الأوّل: أن يسمّي في الخلع شيئًا لا قيمة له أصلًا نحو الخمر والخنزير والميتة والدّم، وفي هذا الوجه الخلع واقع، ولا شيء للزوج على المرأة؛ لأنّ الزائل بالخلع عن الزوج منافع البضع، ومنافع البضع غير متقوّمة في الأصل لعدم المماثلة، ولا تصير متقوّمة بنفس الخلع؛ لأنَّ الخلع بغير مال جائز، وإنّما تصير متقوّمة إذا سمّى في الخلع ما هو مال من كل وجه، والخمر وما أشبهها مال من وجه دون وجه؛ لأنّها إن كانت مالًا عند غيرنا فليس بمال عندنا، ولا يثبت التقوّم بتسميتها فوقع الخلع مجّانًا لهذا الوجه.
الوجه الثاني: أن يُسمّى في الخلع مالٌ احتمل أن يكون مالًا، وأن لا يكون مالًا بأن اختلعت على ما في بيتها، أو على ما في يدها من شيء، فإن اسم الشيء كما يتناول المال يتناول غير المال، وفي هذا الوجه ينظر إن كان في يدها أو في بيتها في تلك السّاعة شيء فذلك للزوج، وإن لم يكن في بيتها ولا في يدها شيء فلا شيء للزوج، وهذا لأنَّ البدل في العقود لا يثبت إلا بالتسمية أو بمقتضى العقد، أو بالإشارة، ولم يوجد ها هنا تسمية المال...، وهذا ظاهر، ولا مقتضى العقد فإنَّ الخلع بغير مال صحيح، وكذلك لم توجد الإشارة إلى المال، فلم يثبت ذكر المال أصلًا، فلهذا يقع الخلع مجّانًا، وكذلك إذا اختلعت على ما في بطون غنمها أو جاريتها ولم ينصّ على الولد؛ فإن ما في البطن قد يكون مالًا، وقد لا يكون بأن تكون ريحًا.
الوجه الثالث: إذا سمّت في الخلع ما هو مال، إلا أنّه ليس بموجود في الحال، وإنّما توجد في الثاني بأن اختلعت على نمو نخيلها العام أو على ما تلد أغنامها العام، أو على ما تكسب العام، وفي هذا الوجه وجب عليها ردّ ما قبضت من المهر وجد ذلك أم لا؛ لأنَّ المعدوم لا يصح ذكره عوضًا في شيء من العقود فيبقى مجرّد تسمية ما هو مال متقوّم، وذلك يوجب ردّ ما قبضت من المهر على الزوج لما نُبَيِّن بعد هذا إن شاء الله.
الوجه الرّابع: إذا سمّت في الخلع ما هو مال لا يتعلق وجوده بالزمان إلا أنّه مجهول لا يقف على قدره، بأن اختلعت على ما في بيّتها أو يدها من المتاع، أو اختلعت على ما في نخيلها من الثمار، أو اختلعت على ما في بطون غنمها من ولد، أو على ما في ضرع غنمها من لبن، وفي هذا الوجه إن كان هناك ما سمّت في الخلع فللزوج ذلك، وإن لم يكن هناك شيء لزمها ردّ ما قبضت من المهر؛ لأنّه صار مغرورًا من جهتها تسمية ما هو مال، ولا يمكن الرجوع إلى قيمة هذه الأشياء بجهالتها نفسها، ولا يمكن الرجوع إلى قيمة البضع عند الخروج عن ملك الزوج فوجب الرجوع إلى ما قام على الزوج، وذلك ما أعطاها من المهر.
الوجه الخامس: إذا سمّت في المتاع ما هو مال، وله مقدار معلوم بأن اختلعت على ما في يدها من دراهم، أو دنانير، أو فلوس، فإنَّ أوّل ما يطلق عليه اسم الدراهم ثلاثة، فإن كان مقداره معلومًا، وفي هذا الوجه ينظر إن كانت في يدها ثلاثة دراهم فصاعدًا فللزوج ذلك، وإن لم يكن في يدها شيء من ذلك فله ثلاثة......... من الدراهم والدنانير وعددًا من الفلوس، وإنّما أوجبنا أوّل ما يطلق عليه اسم الدراهم والدنانير؛ لأنّها تلتزم بمقابلة ما ليس بمال ولا متقوّم، فكان هذا في حقّها.... الإقرار والوصيّة.
ومن أقرّ لغيره بدراهم أو أوصى له بدراهم، فإنّه يلزمه ثلاثة دراهم، وإن كان في يده درهمان يؤمر بإتمام ثلاثة دراهم؛ لأنها ذكرت ما التزمت باسم الجمع والمثنى إن كان فيه معنى الجمع فليس بجمع مطلق، فإنّ التثنية غير الجمع.
فإن قيل: قد ذكرت في كلامها كلمة (من) وإنّها للتبعيض والدرهمان بعض الجمع، ولا تلزمها الزيادة عليها.
قلنا: كلمة من إنها تذكر للتبعيض في كل موضع كان الكلام صحيحًا بدونها، أمّا في كلّ موضع كان الكلام مختلًا بدونها فكلمة من تكون صلة تصحيحًا للكلام، وها هنا الكلام يختلّ بدون كلمة من، فإنّها تصير قائلة: اخلعني على ما في يدي دراهم، وهذا كلام مختل فجعلناها صلة فبقي لفظ الجمع في الدراهم معتبرًا.
جواب آخر: أنَّ كلمة من في مسألتنا عملت مرّة في التمييز؛ لأنّها دخلت على ما هو عام وهو قولها على ما بدئ فبقولها من الدراهم ميّزت الدراهم من غيرها، وإذا عملت في التمييز مرّة لا تعمل في التبعيض مرّة أخرى، وإذا لم تعمل هذه الكلمة في تبعيض الدراهم صار ذكرها في حقّ الدراهم ولا ذكر بمنزلة، ولو لم تذكر كلمة من وقالت: اخلعني على ما في الدارهم التي في يدي لزمها ثلاثة دراهم؛ لأنّه أقل ما يطلق عليه هذا الاسم.
الوجه السادس: إذا سمّت في الخلع ما هو مال، وأشارت إلى ما ليس بمال بأن اختلعت على هذا الدن من الخلّ فإذا هو خمر، وفي هذا الوجه: إن علم الزوج بكونه خمرًا فلا شيء له، وإن لم يعلم رجع عليها بالمهر الذي أعطاها، وعندهما له مثل ذلك الدن من الخلّ، كما في الطلاق.

.نوع آخر فيما يصلح جوابًا، وما لا يصلح جوابًا:

رجل قالت له امرأته: اخلعني أو قالت: (خويشتن خريدم آزتو بعدت وكايين) وقال الرجل: أنتِ طالق، أو قال: طلقتك، يقع تطليقة بائنة؛ لأنَّ هذا خرج مخرج الجواب وإنّه يصلح جوابًا فيجعل جوابًا.
في (فتاوى أبي الليث)، وفي (مجموع النوازل) عن شيخ الإسلام أبي الحسن رحمه الله: أنّه تقع تطليقة رجعيّة، ولم يجعله جوابًا والصحيح هو الأوّل، وهكذا كان يُفتي شيخ الإسلام الأوزجندي رحمه الله، وكذلك إذا قال لها: بعت منك طلاقك بمهرك التي لك عليّ، فقالت: طلقت نفسي، يقع طلاق بائن بمهرها، بمنزلة قولها: اشتريت، لأنَّ هذا يصلح جوابًا فيجعل جوابًا.
وفي (فتاوى النسفي) إذا قالت المرأة لزوجها: (خويشتن خريدم آزتو بكايين ونفقة عدة)، وقال الزوج: (من دست كوتاه كردم) أنّه لا يكون جوابًا، وقيل ينبغي أن يكون جوابًا إذا نوى الجواب أو نوى الطلاق. قال لها: بعت منك تطليقة بمهرك ونفقة عدتك، فقالت المرأة: (بحان خريدم) يصحّ الخلع، ويقع الطلاق؛ لأنَّ هذا جواب على سبيل المبالغة، كقولها: (بارز وخريدم المتوسطون). إذا قالوا للمرأة (بهر حقّي كه ربان راد ركردن شوبان بود بيك طلاق خويشتن خريدي) فقالت: (خريدم)، فقال الزوج: (من يك طلاق نسيت داوم) والمرأة مدخولة بها يقع تطليقة رجعية؛ لأنّه لو وقع تطليقة بائنة لا يكون سنة، فيكون هذا ابتداء كلام من الزوج، لا جواب سؤالها.
هكذا ذكر في (فتاوى سمرقند):... إلا أنَّ هذا الجواب إنّما يستقيم على رواية (الأصل)؛ لأنَّ على رواية (الأصل): الثاني ليس بشيء، وأمّا على رواية زيادات (الزيادات): البائن شيء، ولا يستقيم هذا الجواب على تلك الرواية، إذا قال لامرأته (بهر حقي كه زنان رادر كردن شوعان بود خويشتن آزمن خريدي) فقالت: (خريدم)، فقال الزوج: (روا كنون) لا يقع الطلاق؛ لأنّ قوله (رواكنون) لا يحتمل الخلع؛ لأنّه يحتمل إظهار النفرة عنها لما علم بمقالتها، ولا يقع الطلاق إلا بالنيّة في هذا الموضع أيضًا، وهذا الجواب إنّما يستقيم على قول من يقول في قوله (خويشتن خريدي)، فقالت (خريدم) فإنّه لا يتمّ الخلع أيّضًا، وعلى قول من يقول يتمّ الخلع لا يستقيم هذا الجواب، وكذلك إذا قالت: (خويشتن خريدم آزتو بكايين ونفقة عدة)، فقال الزوج: (رو) لا يقع الخلع ولا يكون قوله (رو) جوابًا إلا بالنيّة.
امرأة قالت لزوجها (خويشتن خريدم)، فقال الزوج بطريق الاستهزاء: (دارهان فرو حيت)، فقد قيل: الخلع صحيح. والجدّ والهزل والقصد وغير القصد فيه سواء. وإذا قالت لزوجها (هويشتن خريدم بعدت كايين)، فقال الزوج (فروختم بسه طلاق) فهذا ابتداء كلام من الزوج وليس بجواب فيتوقف على قبولها، فإن قبلت يقع الثلاث وإلا لا يقع شيء، إلا إذا كانت المرأة نوت الشراء بثلاث تطليقات، فحينئذٍ يصحّ الخلع، ويكون كلام الزوج جوابًا فتقع الثلاث وكانت واقعة الفتوى.
امرأة قالت لزوجها (خويشتن خريدم آزتو سكى حانادى)، فقال الزوج (زمن سكى كرده فروحتم) فقيل: إن كانت الكردة مثل الحانادي أو أصغر منه يكون جوابًا، وإن كان أزيد منه لا يكون جوابًا بل يكون ابتداءً، فيحتاج فيه إلى قبول المرأة، وإن كانت الكردات مختلفة يسأل الزوج: (كدام كرده خواشتي)، ويبق الحكم عليه، وإن قال: لم أرد نوعًا منها بعينه إن قيل: لا يجعل جوابًا فله وجه، وإن قيل: يجعل جوابًا يصرف كلامه إلى أصغر الأنواع فله وجه أيضًا، قال له: (خويشتن بخر بعدت وكايين) فقالت: (خريدم بكايين) لا يقع الخلع ما لم يقل الزوج بعت؛ لأنّ هذا الكلام من المرأة ليس بجواب؛ لأنّها زادت حرف الجواب، فإنّه يكفيها أن تقول: (خريدم) ولو قالت: (خريدم بعدت وكايين) يقع الخلع، فإن لم يقل الزوج بعت، فيجعل ذلك منها جوابًا وإن زادت على حرف الجواب إلا أنّها ما قصدت على التمام بل أعادت جميع ما في السؤال، والزيادة على حرف الجواب إنّما يمنع الجواب إذًا، فيصير المجيب عن التمام بأن لم يعد جميع ما في السؤال، وأمّا إذا عاد جميع ما في السؤال لا يمنع الجواب، وهذا أصل معروف.
في (الجامع): امرأة قالت لزوجها: (خو يشتن خريدم قروش)، فقال الزوج: فعلت، يكون خلعًا، ولو لم يقل: (قروش) لا يكون خلعًا، هكذا قيل وفيه نظر، وفي (فتاوى الأصل): امرأة قالت لزوجها: اختلعت منك بكذا، وهو ينسج كرباس فجعل ينسج ويخاصم ثمَّ قال: خلعتك، إن لم يطل، فهذا جواب، وقيل: هو جواب وإن طال إذا كانت كلماتهم تتعلّق بالخلع، وحكي عن شمس الإسلام الأوزجندي رحمه الله: أنّه سئل عن امرأة قالت لزوجها: اشتريت رأسي بكذا، فقال الزوج بعد اشتغال بكلمات: بعت، قال: إن كان كلامهم يتعلّق بالخلع، لا يتبدّل المجلس.
وفي (مجموع النوازل): إذا قالت المرأة (خويشتن خريدم بعدت وكايين)، فقال الزوج (بيك آند) فهذا ليس بجواب، وفيه أيضًا: (خويشتن خريدم آزتو بكايين ونفقة عدت)، فقال الزوج (فروختم باين وبسه عطريف ديكر)، فقالت المرأة: (آند)، فهذا خلع تام؛ لأنَّ كلامهما الأوّل وقع معتبرًا، كلام الزوج جواب شرط الزيادة، وقوله: (آند) دليل الرضا بالزيادة، فلهذا تمّ الخلع، قالت: (خويشتن خيدم بمهري ونفقة عدتي)، فقال الزوج: (فروحتم بحكم خويشن) فهذا خلع تامّ. إذا قالت: (خويشتن خريدم بعدت وكايين)، وقال الزوج (فروحته كير)، فهذا خلع تام، وهذا إذا أراد به الزوج التحقيق، وقد مرّت المسألة من قبل.
امرأة قالت لزوجها (خويشتن خريدم آزتو سكى حانادى)، فقال الزوج (زمن سكى كرده فروحتم) فقيل: إن كانت الكردة مثل الحانادي أو أصغر منه يكون جوابًا، وإن كان أزيد منه لا يكون جوابًا بل يكون ابتداءً، فيحتاج فيه إلى قبول المرأة، وإن كانت الكردات مختلفة يسأل الزوج: (كدام كرده خواشتي)، ويبق الحكم عليه، وإن قال: لم أرد نوعًا منها بعينه إن قيل: لا يجعل جوابًا فله وجه، وإن قيل: يجعل جوابًا يصرف كلامه إلى أصغر الأنواع فله وجه أيضًا، قال له: (خويشتن بخر بعدت وكايين) فقالت: (خريدم بكايين) لا يقع الخلع ما لم يقل الزوج بعت؛ لأنّ هذا الكلام من المرأة ليس بجواب؛ لأنّها زادت حرف الجواب، فإنّه يكفيها أن تقول: (خريدم) ولو قالت: (خريدم بعدت وكايين) يقع الخلع، فإن لم يقل الزوج بعت، فيجعل ذلك منها جوابًا وإن زادت على حرف الجواب إلا أنّها ما قصدت على التمام بل أعادت جميع ما في السؤال، والزيادة على حرف الجواب إنّما يمنع الجواب إذًا، فيصير المجيب عن التمام بأن لم يعد جميع ما في السؤال، وأمّا إذا عاد جميع ما في السؤال لا يمنع الجواب، وهذا أصل معروف.
في (الجامع): امرأة قالت لزوجها: (خو يشتن خريدم قروش)، فقال الزوج: فعلت، يكون خلعًا، ولو لم يقل: (قروش) لا يكون خلعًا، هكذا قيل وفيه نظر، وفي (فتاوى الأصل): امرأة قالت لزوجها: اختلعت منك بكذا، وهو ينسج كرباس فجعل ينسج ويخاصم ثمَّ قال: خلعتك، إن لم يطل، فهذا جواب، وقيل: هو جواب وإن طال إذا كانت كلماتهم تتعلّق بالخلع، وحكي عن شمس الإسلام الأوزجندي رحمه الله: أنّه سئل عن امرأة قالت لزوجها: اشتريت رأسي بكذا، فقال الزوج بعد اشتغال بكلمات: بعت، قال: إن كان كلامهم يتعلّق بالخلع، لا يتبدّل المجلس.
وفي (مجموع النوازل): إذا قالت المرأة (خويشتن خريدم بعدت وكايين)، فقال الزوج (بيك آند) فهذا ليس بجواب، وفيه أيضًا: (خويشتن خريدم آزتو بكايين ونفقة عدت)، فقال الزوج (فروختم باين وبسه عطريف ديكر)، فقالت المرأة: (آند)، فهذا خلع تام؛ لأنَّ كلامهما الأوّل وقع معتبرًا، كلام الزوج جواب شرط الزيادة، وقوله: (آند) دليل الرضا بالزيادة، فلهذا تمّ الخلع، قالت: (خويشتن خيدم بمهري ونفقة عدتي)، فقال الزوج: (فروحتم بحكم خويشن) فهذا خلع تامّ. إذا قالت: (خويشتن خريدم بعدت وكايين)، وقال الزوج (فروحته كير)، فهذا خلع تام، وهذا إذا أراد به الزوج التحقيق، وقد مرّت المسألة من قبل.

.نوع آخر:

رجل قال لامرأته: كلّ شيء سألني الله تعالى من أجلك سبب المهر وغيره (ترفرو ختم بان طلاق كيه آن توست)، فقالت المرأة: اشتريت مرّة يقع الطلاق؛ لأنّه باع منها ما هو حقّها ولا يصحّ، كما لو قال لغيره: بعت منك خادمك هذا بعبدي هذا.
في (فتاوى أبي الليث): ولو قالت: بعت منك مهري، ونفقة عدّتي اشتريت، فقال اشتريت (خيزورو) فقامت المرأة وذهبت فالظاهر أنّها لا تطلق؛ لأنّه ما باع نفسها ولا طلاقها منها، وإنّما اشترى مهرها، وهذا لا يكون طلاقًا في هذا الموضع أيضًا، وهذا إذا لم ينوِ الزوج بقوله (خيزورو) الطلاق.
إذا قال الرّجل لامرأته: بعت منك ثلاث تطليقات بمهرك ونفقة العدّة، فقالت المرأة مجيبة له: بعت، ولم تقل اشتريت، أو كان كأنّها بالفارسية فقال الزوج: (فروحتم سنه طلاق بكايين ونفقة عدّت تو) فقالت: (فروحتم) ولم تقل: (خريدم)، قال الفقيه أبو بكر الإسكاف رحمه الله: (أنت بهمه)، كأنّها قالت: بعت مهري ونفقة عدتي بهذه التطليقة، وقال الفقيه أبو الليث رحمه الله لا يقع؛ لأنّ كلامها لا يصح جوابًا فكان ابتداء، وقول الفقيه أبي بكر أحب إلينا. إذا قال لها: بعت منك تطليقة، فقالت: اشتريت، تقع تطليقة رجعية مجّانًا، ولو قال: بعت منك نفسك، فقالت: اشتريت، تقع تطليقة بائنة؛ لأنَّ قوله بعت نفسك من كنايات الطلاق، وقوله بعتك تطليقة صريح. وإذا قالت: بعت منك مهري بتطليقة، فقال الزوج: اشتريت، تقع تطليقة بائنة. امرأة قالت لزوجها: (سيح روز ينست كه از خويشتن نمي حرم)، فقال الزوج: (من ينومي فروشم) لا يصحّ الخلع.
ولو قالت: (مردوز خويشتن في خرم) فقال الزوج (من ينومي فروشم) يصحّ الخلع، وقد قيل: لا يصح الخلع في الوجهين وهو الأصح. قالت لزوجها: (خويشتن خريدم آزتو ناوندي درهم فعلان سبه ناره جاه)، فقال الزوج: (فروختم تران كه ناده روزان حامها بمن وده روز كدشت ونداد) هل يصحّ الخلع؟ فقد قيل: لا يصحّ. وقال نجم الدين رحمه الله: الخلع صحيح تامّ؛ لأنَّ الشرط هو القبول دون الإعطاء منها وهو الصحيح، وقد مرّ جنس هذا في الفصل المتقدّم.
رجل قال لامرأته: (فروختي آين رزو سراي بدان طلاق كه ترا سوى منست)، فقالت: (فروختم)، فقال الزوج (خريدم) طلقت ثلاثًا، لأنَّ الطلاق الذي لها عنده الثلاث. قال: ألا يرى أنّه لو قال لها: مالك عندي من الوديعة دخل كل وديعة لها عنده؟ كذا ها هنا. هكذا ذكر في (فتاوى أهل سمرقند) قالوا: إنّما يقع الثلاث إذا نوى الزوج والمرأة الثلاث، قال لها: بعت منك تطليقة بجميع مهرك، وبجميع ما في البيت غير ما عليك من القميص، فاشترت المرأة وكان عليها سوار وخلخال، فالخلع واقع، وما عليها من كسوتها وحليتها ما استثنى، وما لم يستثني فهو لها؛ لأنّ ما في البيت لا يراد به ما عليها.
إذا قال الرّجل لامرأته: اخلعي نفسك منّي بمهرك ونفقة عدّتك، ولغتها بالعربيّة حتّى قالت: اختلَعت منك بالمهر ونفقة العدّة وأبرأتك عن المهر ونفقة العدّة وهي لا تعلم بذلك. ذكر في (فتاوى أهل سمرقند) أنّه إن قبل الزوج صحّ، وإن لم يقبل لا يصحّ؛ لأنَّ قوله اخلعي نفسك بالمهر ونفقة العدّة توكيل، والتوكيل لا يعمل بدون العلم من الوكيل، فإذا قالت اختلعت نفسي منك بالمهر ونفقة العدة كان هذا ابتداء إيجاب منه فيصحّ وإن لم يعلم بذلك، كمن طلّق أو أعتق أو دبّر وهو لا يعلم، وإذا صحّ الإيجاب يتوقف عمله على قبول الزوج، فإن قبل صحّ، ويبرأ عن المهر والنفقة فيما مضى بالإبراء صريحًا. وبعض مشايخنا على أنّه لا يصح الخلع، ولا يبرأ الزوج عن المهر إذا لم تعلم المرأة بذلك وهو الصحيح؛ لأنَّ الخلع معاوضة فصار بمنزلة البيع، والعوامّ لو قالوا: بعنا واشترينا ولا يعلمون ذلك لا يصح، بخلاف الطلاق والعتاق؛ لأن كل واحد منها إسقاط محض، والخلع ليس بإسقاط محض بل فيه معنى المعاوضة فكان.... البيع، ولا.... الطلاق والعتاق فلا يصحّ من غير علم لهذه.
رجل قال لامرأته: بعت منك تطليقة بثلاثة آلاف درهم، ثمَّ قال لها ثالثًا مثل ذلك، فقالت: اشتريت، والزوج يقول: أردت بذلك التكرار، لا يصدّق، ويقع ثلاث تطليقات، ولا يجب عليها إلا ثلاثة آلاف درهم، لأنَّ الأوّل وإن كان ثانيًا أو الثاني والثالث صريح ولا يجب البدل بهما لانعدام شرط وجوب البدل بهما، وهو زوال الملك بهما لزواله بالطلاق الأوّل، وصريح الطلاق إذا لم يجب به المال يلحق الثاني بلا خلاف.
ولو قال لها: بعت منك هذا الثوب بمهرك ونفقة عدّتك، فقالت اشتريت ثمَّ طلقها، فبيع الثوب باطل بجهالة نفقة العدّة، ويقع الطلاق رجعيًّا؛ لأنَّه أتى بصريح الطلاق.
وفي (الأصل): إذا قالت بعني طلاقي كلّه بألف درهم، فقال: بعت، وقع ثلاث تطليقات، وله ألف درهم سواء قبلت المرأة بعد ذلك أو لم تقبل وهو الصحيح؛ لأنَّ معنا قولها: بعني طلاقي كلّه بألف درهم، طلقني ثلاثًا بألف درهم، ولو قالت: طلقني ثلاثًا بألف درهم، فقال: طلقت، لا يحتاج إلى قبول المرأة بعد ذلك، كذا ها هنا، والله أعلم.

.نوع آخر في العوارض بعد وقوع الخلع:

ذكر في (فتاوى أبي الليث): أنَّ من خلع امرأته على مال، ثمَّ زادت في بدل الخلع أنَّ الزيادة باطلة، لأنَّ هذه زيادة بعد هلاك المعقود عليه، وبهذا الطريق لم تصح الزيادة في بدل الصلح عن دم العمد. وفي (فتاوى النسفي): سئل نجم الدين رحمه الله عمّن خلع امرأته ثمَّ قال في العدّة: (دادمت سه)، ولم يزد على هذا هل تطلق ثلاثًا؟ قال: إن نوى الطلقات الثلاث تطلق ثلاثًا، وإلا فلا. قال: لأنّه لم يتلفّظ بالطلاق فصار كأنّه قال لها: أنت واحدة، وهناك لا يقع الطلاق بغير نيّة فهنا كذلك، قيل: ينبغي أن لا يقع الطلاق مع النيّة؛ لأنَّ قوله (دادمت سه) ليس بصريح بل هو من جملة الكنايات، ولهذا شرطت النيّة، والكنايات لا تلحق المختلعة.
قال: الكنايات التي تقع بائنًا لا تلحق المختلعة، وأمّا الكنايات التي تقع رجعيًّا، نحو قوله: اعتدي، اسبرئي رحمك وأنت واحدة لمجيئها، وهذا لأنَّ صحّة هذا اللفظ بالإضمار، فإنَّ معنى قوله: (دادمت سه) (دادمت سه) طلاق كأنّه صرّح بالطلاق، وصريح الطلاق يلحق البائن، والخلع قبل الواقع.
قوله (دادمت سه) مع النيّة الثلاث والثلاث تكون بائن، والمختلعة لا يلحقها البوائن، قال: المضمر صريح الطلاق، وصريح الطلاق لا يكون بائنًا، وإنّما تثبت البينونة لا لأنَّ اللفظ للبينونة، لكن لأنَّ الواقع الثلاث.... إلا نوى أنّه لو طلقها مرتين ثمَّ قال لها أنتِ طالق صحّ، فإن كان يصير به ثلاثًا لما أنّه صريح كذا ها هنا. هكذا حكي عنه رحمه الله، وأظنُّ أنّه لا حاجة إلى هذا التكلّف، لأنّ الواقع بقوله (دادمت سه) مع نيّة الثلاث إذا سبقه الخلع تطليقتان، وأنهما لا تكونان بائنتان.
رجل خلع امرأته فقال لها بالفارسيّة (ديكر يده)، فقال الزوج.... قال أبو بكر رحمه الله: تقع الثلاث وصار كأنّه قال طلّق الباقي، وقال الفقيه أبو الليث رحمه الله: وعندي أنّه يقع تطليقة أخرى لا غير؛ لأنَّ قوله (ديكر يده) بمنزلة قولها طلقها أخرى.
إذا باع من إمرأته تطليقة بمهرها ونفقة عدّتها واشترت هي كذلك، ثمَّ قال الزوج من ساعته (هرسه هرسه)، فخاف أن يقع عليه الثلاث. هكذا ذكر في (النوازل)؛ لأنَّ قوله (هرسه هرسه) ينصرف إلى الطلاق؛ لأنّه السابق ذكره فصار كأنّه قال: (أوقعت هرسه طلاق)، وفي (فتاوى أهل سمرقند): إذ خلع إمرأته بتطليقة واحدة، فقال له رفقاؤه لِمَ فعلت هكذا؟ فقال بالفارسيّة (روسه باد) لا يقع بهذا الكلام شيء؛ لأنَّ هذا ليس بإيجاب.
وفي (فتاوى الفضلي): إذا خالع إمرأته فقيل له: كم نويت؟ فقال شاءت، فإن لم يؤكد الزوج طلقت واحدة؛ لأنَّ تفويض المشيئة إليها ليس بشيء. وفي (فتاوى أهل سمرقند): إذا قالت لزوجها اخلعني، وقالت بالفارسيّة (سه خوام)، فقال الزوج (سه باد)، ثمَّ خالعها بعد ذلك تطليقة تقع واحدة؛ لأنّه لم يقع بقول (سه باد) شيء، يعني الحكم للخلع وأنّه وقع بالواحدة، والله أعلم.

.نوع آخر منه:

ذكر ابن سماعة عن محمّد رحمه الله في امرأة اختلعت من زوجها بِمَالَها على الزوج من المهر والرضاع للولد التي هي حامل به إذا ولدته لسنتين، وذلك جائز، فإن ولدته فمات أو لم يكن في بطنها ولد منه، فإنّها تردّ قيمة الرضاع، قال بعد هذا ولو مات الولد أو ماتت بعد بيّنة، عليها قيمة رضاع ببيّنة، ولو شرطت أنّها إن ولدته ثمَّ مات قبل الحولين، فهي ترثه من قيمة الرضاع، فذلك جائز وهذا ممّا يجوز في الخلع.
قال بعد هذا: وكذلك لو قالت: على أن أحملك على دابتي هذه إلى مكّة، فإن بدا لك أن تخرج، ولا.... على فهو جائز.
وروى أبو سليمان عن محمّد عن أبي حنيفة رحمهم الله في المرأة تختلع من زوجها بنفقة ولد له منها ما عاشوا، فإنَّ عليها أن تردّ المهر الذي أخذت منه.
وروى هشام عن محمّد فيمن خلع امرأته على رضاع ابنه، ولم يسمّ لذلك وقتًا قال هو جائز وهو على سنتين.
ولو خلعها على رضاع ابنه سنتين، وعلى نفقة ابنه هذا عشر سنين يعني بعد الفطام. قال: فهو قبل السن هذا مجهول، قال: هذا يجوز في الطلاق.
وعلى هذا إذا خلعها على أن تمسك الولد سنتين وعلى أن تكسوه من مالها في هاتين السنتين، فالخلع جائز بهذا الشرط وإن كانت مجهولة لما ذكرنا، وإذا جاز الخلع بهذا الشرط فطلبت من الزوج كسوة الولد لم يكن لها ذلك، وإن لم تشترط ذلك في الخلع فلها أن تطالبه بكسوة الولد.
ولو خلعها على مهر وعلى أن ترضع الصبي في الحولين كلّ شهر بدرهم جاز، وتجبر المرأة على الرضاع يعني تجبر لأنّه لو لم تذكر للرضاع بدلًا معلومًا جاز، فهذا أولى.
وفي (النوازل): اختلعت من زوجها على مهرها ونفقة عدّتها، وعلى أن تمسك ولدها منه ستَّ سنين بنفقتها، فلما مضى عليها أيّام ردّت الولد على الزوج، أجبرت هي على إمساك الولد؛ لأنَّ الخلع بهذا الشرط قد صحّ فيجب عليها الوفاء بالشرط، وإن تركته على الزوج وتوارت وهربت فللزوج أن يأخذ قيمة النفقة منها؛ لأنها امتنعت عن إبقاء بدل الخلع، فيجب عليها قيمة البدل، كما لو اختلعت على عبد ومات العبد كان عليها قيمة العبد، كذا ها هنا.
وإذا طلّقها على أن تمسك ولده إلى وقت الإدراك ثمَّ إنّها أبت إمساك الولد أجبرت عليه، وإن أبت فعليها آخر مثل إمساكه إلى وقت الإدراك، وبعض مشايخنا قالوا: إذا وقع الخلع على إمساك الولد، وهو رضيع إن بيّن المدّة يصح وإن لم يبيّن المدّة لا يصح، وإنّه يخالف رواية هشام عن محمّد رحمهما الله على ما ذكرنا. وكذلك قالوا: إذا وقع الخلع على إمساك الولد وهو فطيم بنفقتها لا يجوز وإن بيّن المدّة، وإنّه يخالف رواية هشام عن محمّد، ويخالف المذكور في (مجموع النوازل).
وإذا اختلعت من زوجها على أن تترك ولدها عند الزوج، فالخلع جائز والشرط باطل في باب الولد عند من يكون في الفرقة.

.نوع آخر:

رجل خلع ابنته الصغيرة عن زوجها على مالها لم يجز؛ لأنَّ الخلع على مالها بمنزلة التبرّع بمالها؛ لأنّه يُقابل ما لها بما ليس بمتقوّم؛ لأنَّ منافع البضع لا قيمة لها عند الخروج على ملك الزوج، والأب لا يملك التبرّع بمال الصغير والصغيرة، ثمَّ قول محمّد رحمه الله في (الكتاب) إذا خالعها على مالها لا يجوز محتمل يحتمل أن لا يصحّ الخلع أصلًا، ولا يقع الطلاق، ويحتمل أن لا يصح جعل مالها بدلًا ويقع الطلاق، وقد اختلف المشايخ فيه، وقيل عن أصحابنا رحمهم الله: فيه روايتان: في رواية يقع الطلاق، وبه أخذ بعض المشايخ؛ لأنّه علّق الطلاق بقبول الأب، ولو علّق بشرط آخر هو فعل الأب كدخول الدار يقع الطلاق إذا وجد الشرط، كذا ها هنا. ولكن لا يجب المال؛ لأنَّ بدل الخلع تبرّع ومال الصغير لا يقبل التبرّع، ومنهم من قال لا يقع الطلاق إلا إذا قبلت الصغيرة عند الخلع؛ لأنَّ الأب إذا لم يضمن بدل الخلع كان هذا خلعًا مع....، كأنّه خاطب الأثبت بذلك، فيتوقّف على قبولها والأوّل أصحّ، ولو خالعها على ألف وهي صغيرة على أنَّ الأب ضامن الألف، فالخلع واقع والألف واجب على الأب؛ لأن الأب لا يكون أدنى حالًا من الأجنبي، واشتراط بدل الخلع على الأجنبي صحيح، فكذا على الأب من طريق الأولى.
ولو خالعها على ألف درهم وقبل الأب الخلع، ولكن لم يضمن بدل الخلع لا رواية في هذا الفصل عن محمّد، وقد اختلف فيه المشايخ، قال بعضهم: لا يقع الطلاق ما لم تقبل الصغيرة، وقال بعضهم: يقع الطلاق بقبول الأب، ويجب المال على الأب؛ لأن عبارة الأب عنها في صغرها كعبارتها في كبرها، ولو قبلت بعدما كبرت وقع الطلاق ولزمها المال، فكذا إذا قبل الأب، وقال بعضهم: يقع الطلاق بقبول الأب، ولا يجب المال على الأب أصلًا لعدم الضمان وعلى الصغيرة؛ لأنَّ الصغيرة لا تحتمل التبرّع، وإذا خلعها الزوج على مهرها وهي صغيرة وقبل الأب وضمن ذلك يتمّ الخلع بقبول الأب، ويقع الطلاق ويجب بدل الخلع على الأب كما لو كانت بالغة، فبعد ذلك ينظر إن لم يدخل بها الزوج كان لها على الزوج نصف الصداق، تأخذ ذلك منه إذا بلغت ثمَّ يرجع الزوج على الأب بذلك، وإن دخل بها الزوج كان لها على الزوج جميع الصداق، ثمَّ يرجع الزوج على الأب، قال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: أو يرجع الأثبت على الأب بنصف الصداق في الفصل الأوّل، وتملك الصداق في الفصل الثاني، ولا يرجع على الزوج.
قال رحمه الله أيضًا من مشايخنا من قال: تأويل المسألة إذا خالعها على مال مثل صداقها، وأمّا إذا خالعها على الصداق لا يجوز الخلع أصلًا، قال رحمه الله: والأصح أنَّ الخلع على صداقها، وعلى مال مثل صداقها سواء، وكتبت في كتاب الجعل إذا وقع الخلع على صداقها، وله يضمن المخالع للصداق للزوج لا شكَّ أنّه لا يسقط صداقها بهذا الخلع، وهل تقع البينونة يُنْظَر إن قبلت الصغيرة عند الخلع وكانت من أهل ذلك بأن كانت تقبل العقد وتعتبر يقع الطلاق بالاتفاق، وإن لم تقبل الصغيرة عقد الخلع ينظر إن كان العاقد أجنبيًا لا يقع الخلع والبينونة بالاتفاق، ولكن تكلمّوا أنّه هل يتوقف لأنَّ هذا عقد لا يحتمله ذلك على إجازتها إذا بلغت، قال بعضهم: لا يتوقف؛ لأنَّ هذا عقد لا يحتمله في الحال وقال بعضهم: يتوقف.
وهكذا ذكر الخصّاف في شروطه في باب الخلع، وإليه أشار في حيل (الأصل) وهذا لأنَّ لهذا العقد يجيز حال وقوعه، فإنَّ الأب أو الأجنبي الآخر لو قال للزوج: اضمن لكن بدل الخلع للحال يجوز، فجاز أن يتوقّف.
وأمّا إذا كان العاقد أبًا ولم يضمن الصداق هل يقع الطلاق؟ فقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في شرح كتاب (الطلاق) أنَّ فيه اختلاف المشايخ، وذكر شمس الأئمة الحلواني رحمه الله أنَّ فيه روايتين: على رواية الشروط يقع الطلاق ولا يسقط صداقها، وعلى رواية الحيل: لا يقع الطلاق، قال شيخ الإسلام رحمه الله: ما ذكر في الشروط محمول على ما إذا ضمن الأب بدل الخلع توفيقًا بين رواية الشروط وبين رواية الحيل.
ولو خلع ابنته الكبيرة على صداقها وضمن الأب الصداق أو كان مكان الأب أجنبيًا، وضمن الصداق للزوج يقع الطلاق، ثمَّ ينظر إن أجازت أنَّ صداقها بدل الخلع عمل إجازتها، وإن لم يجز كان لها أن ترجع بالصداق على الزوج، ثمَّ الزوج يرجع على الأب، وهذا لأنَّ الخلع مضاف إلى مالها فيتوقف نفاذه على إجازتها، فإن أجازت نفذ الخلع عليها، وإن لم تجز كان الخلع على الأب، كأنّه لم يضف إلى مالها، وصار تقدير الكلام من الأب خالعًا على إن أجازت، وإن لم تجز فعلى مقدار ذلك، وإن لم يضمن الأب ذلك فالخلع يقف على قبولها، فإن قبلت يتمّ الخلع يعني في حقّ المال وما لا فلا، وهذا لأنّ الإيجاب إذا كان مطلقًا كان إيجابًا على المرأة فيتوقف على قبولها لهذا، ثمَّ قوله: إن قبلت تمَّ الخلع في حق المال يشير إلى أن الطلاق واقع، وقد كتبت في شرح الحيل أن في هذه لا يقع الطلاق إلا بإجازتها.
اختلعت الصبيّة من زوجها وزوجها كبير، فالطلاق واقع والمال لا يجب؛ لأنَّ بدل الخلع بمنزلة التبرع، والصبية ليست من أهل التبرّع. وذكر المسألة في (الأصل) مطلقة وقيّدها في حيل (الأصل) بما إذا كانت تعقد العقد وتعبّر عن نفسها.
وكذلك الأمة إذا اختلعت من زوجها أو طلاقها على جعل، فإنه يقع الطلاق، ولا يؤاخذ بالجعل في الحال، وإنّما يؤاخذ به بعد العتق. وإن اختلعت بإذن المولى تؤاخذ به للحال، وتباع فيه إلا أن يقوّمها المولى كما في سائر الديون، والأمة تفارق الصغيرة، والعاقلة إذا اختلعت من زوجها، فإنّها لا تؤاخذ ببدل الخلع بعد البلوغ كما لا تؤاخذ به في الحال. والمدبرة وأم الولد في ذلك كالأمة، إلا أنّها لا تحتمل البيع فتؤدي البدل من كسبها إذا التزمت بإذن المولى. والمكاتبة لا تؤاخذ ببدل الخلع إلا بعد العتق سواء اختلعت بإذن المولى أو بغير إذنه.
وإذا اختلعت الأمة من زوجها بمهرها بغير إذن مولاها يقع الطلاق، ولكن لا يسقط المهر لأنَّ مهرها حقّ المولى ولا يسقط إلا برضا المولى. وإذا وكلت الصغيرة رجلًا بالخلع، فخلعها الوكيل بصداقها أن يضمن للزوج ذلك تقع البينونة بالاتفاق، وإن لم يضمن ذكر في كتاب الوكالة أنها تبين من زوجها. وذكر في (النوادر): أنّها تبين من زوجها.

.نوع آخر:

ينبني على أصل أن خطاب الخلع متى جرى بين الزوج وبين المرأة، كان القبول إلى المرأة، سواء كان البدل مرسلًا أو مضافًا إلى المرأة أو إلى الأجنبي إضافة ملك أو إضافة ضمان، وأمّا إذا كانت البدل مرسلًا، فكان هذا الخطاب لو جرى بين الزوج وبين أجنبي وكان البدل مرسلًا كان القبول إلى المرأة، فإذا جرى بين الزوج وبين المرأة أولى، وأمّا إذا كان البدل مضافًا إلى الأجنبي ولأن شروع المرأة في الخلع والمبدل سلّم لها بسبب الخلع بمنزلة اشتراط الضمان على نفسها دلالة؛ لأنَّ البدل بقضيّة (الأصل) إنّما يجب على من يُسلّم له المبدل، فقد وجد من المرأة اشتراط الضمان على نفسها دلالة بقضيّة (الأصل)، ووجود إضافة البدل إلى الأجنبي أيضًا صريحًا ذلك واحد منهما يجوز أن يكون عاقدًا في باب الخلع، فأمّا المرأة فظاهر، وأمّا الأجنبي بدليل أنّه يجب عليه بدل الخلع بحكم العقد على ما تبيّن، وإذا صلح كلّ واحد منهما عاقدًا كان جعل المرأة عاقدة، حتّى يشترط قبول المرأة أولى؛ لأنّا إذا جعلنا الأجنبي عاقدًا يحتاج إلى إثبات عقد جديد من جهة، مع أنّه لم يوجد منه العقد حقيقة، ولو جعلنا المرأة عاقدة لا تحتاج إلى إثبات عقد جديد، فإنَّ العقد وجد منها حقيقة فجعلنا المرأة عاقدة وشرطنا قبولها وجعلنا الأجنبي كتب لا عنها، حتّى تبطل إضافة الضمان إليه، وصار تقدير المسألة كأنَّ الزوج قال لها: خالعتك على ألف درهم على أنَّ فلانًا كتب لاعنك بذلك، ولو نصّ على هذا كان القبول إلى المرأة، كذا هنا.
وأمّا إذا جرى خطاب الخلع من الأجنبي ومن الزوج؛ فإن كان البدل مرسلًا فالقبول إلى المرأة. وصورته أن يقول أجنبي للزوج: اخلع امرأتك فلانة على ألف درهم، فالقبول إلى المرأة؛ لأنَّ الأجنبي يجوز أن يكون هو العاقد بأن أراد أن يقوله بألف على المرأة، فكان جعل المرأة عادة، والنفقة تحصل لها أولى.
فإن كان البدل مضافًا إلى الأجنبي إضافة ملك أو إضافة ضمان لا يشترط قبول المرأة ولا تجعل المرأة عاقدة.
وصورته: أن يقول أجنبي للزوج: خالع إمرأتك على ألف درهم عليَّ، أو على ألف على أنّي ضامن، أو يقول: خالع إمرأتك على ألفي أو على ألف من مالي، وهذا لأنا لو جعلنا المرأة عاقدة نحتاج إلى إثبات عقد جديد من جهة المرأة، والعقد لم يوجد منها حقيقة، ولو جعلنا الأجنبي عاقدًا لا نحتاج إلى إثبات عقد جديد، فجعلنا الأجنبي عاقدًا. وصار تقدير هذا الخلع كأن الأجنبي قال للزوج: خالع إمرأتك على ألفٍ تجب عليَّ لا على المرأة. ولو صرّح بهذا لا يشترط قبول المرأة؛ لأن القبول إنّما يشترط ممّن عليه البدل لا ممّن يقع عليه الطلاق؛ لأنَّ القبول إنّما يشترط بوجود البدل لا لوقوع الطلاق.
بيان هذا الأصل من المسائل ما ذكر محمّد رحمه الله في نكاح الجامع: رجل قال لغيره اخلع امرأتك على هذا العبد، أو على هذا الدّار، أو على هذا الألف فالقبول إلى المرأة؛ لأنَّ خطاب الخلع وإن جرى بين الأجنبي وبين الزوج ولكنّ البدل مرسل. وفي مثل هذه الصورة العاقد المرأة وتطلق، هذا إذا قال الرّجل لغيره: بع عبدك هذا من فلان بألف درهم، أو قال بهذا العبد، يتوقف على قبوله ولأنَّ في هذا المجلس...، ولا يقف على قبوله في المجلس، والخلع هو على مجلس علم المرأة، والفرق معروف.
ثمَّ إذا قبلت المرأة الخلع كان عليها أن تسلّم للزوج ما سمى في عقد الخلع إن قدرت على تسليمه؛ لأنّها هي العاقدة، وإن عجزت عن تسليم ذلك بالاستحقاق أو بسبب آخر فعليها تسليم المثل في المثلي، وتسليم القيمة في غير المثلي.
والبيع في هذا يخالف الخلع؛ لأنَّ البيع ينفسخ بالاستحقاق، ولا ينفي السبب الموجب للتسليم ليصار إلى المثل أو إلى القيمة، وأمّا الخلع لا ينفسخ بالاستحقاق فيبقى السبب الموجب للتسليم.
ولو كان قال للزوج: خالع إمرأتك على عبدي هذا، أو على داري هذه، أو على ألفي هذه ففعل فالخلع واقع ولا يحتاج إلى قبول المرأة؛ لأنَّ عاقد الخلع في هذه الصورة الأجنبي لأنَّ خطاب الخلع جرى منه، والبدل مضاف إليه إضافة ملك، ثمَّ يتمّ الخلع بقول الزوج: فعلت، ولا يحتاج إلى قبول الأجنبي؛ لأنَّ الواحد يصلح عاقدًا في باب الخلع من الجانبين، والعاقد من الجانبين إذا كان واحدًا يتمّ العقد بقوله: فعلت، كالأب إذا باع مال ابنه من نفسه، فإنّه يتمّ العقد بقوله: بعت. ثمَّ إذا وقع الخلع وجب على الأجنبي تسليم ما يسمّى في الخلع؛ لالتزامه ذلك.
ولو قالت المرأة لزوجها: اخلعني على عبد فلان، أو قالت: على دار فلان، ففعل تمَّ الخلع، ولا يحتاج في هذا إلى قبول صاحب العبد والدّار؛ لأنَّ العاقد في هذه الصورة المرأة؛ لأن خطاب الخلع جرى منها، ولم يشترط في (الكتاب) قبول المرأة لتمام الخلع، وكذلك لم يشترط قبول المرأة في هذه الصورة في كتاب الوكالة.
وفي (نوادر ابن سماعة): يشترط قبول المرأة، فعلى رواية هذا الكتاب يحتاج إلى الفرق بينما إذا كانت البداية من المرأة وبينما إذا كانت البداية من الزوج بأن قال لامرأته: خالعتك على دار فلان، أو قال: على عبد فلان، فإنَّ هناك يشترط قبول المرأة لتمام الخلع. والفرق: أنَّ الخطاب إذا كان من جانب المرأة فالزوج مأمور بالخلع من جهة المرأة، فيجعل عاقدًا من جهة نفسه بطريق الأصالة، ومن جهة المرأة بطريق النيابة عنها يتمّ الخلع بالزوج، ولا يشترط قبولها بائنًا، فأمّا الخطاب إذا كان من جهة الزوج، فالزوج غير مأمور من جهة المرأة بشيء، فكان عاقدًا من جهة نفسه لا من جهة المرأة، فلهذا يشترط قبول المرأة. قال: وعلى المرأة تسليم الدّار والعبد إن أجاز ذلك صاحب الدار والعبد، وإن لم يجز فعليها تسليم القيمة هذا إذا ابتدأت المرأة بالخطاب، وأمّا إذا ابتدأ الزوج بالخطاب بأن قال لها: طلقتك على عبد فلان أو قال: خالعتك على عبد فلان كان القبول إلى المرأة؛ لأنّها عاقدة.
ولو أنَّ الزوج خاطب صاحب العبد والمرأة حاضرة، فقال: أنا وفلان قد خلعت امرأتي بعبدك، فالقبول إلى صاحب العبد إن قبل هو تمّ الخلع وما فلا فلا؛ لأنَّ العاقد في هذه الصورة صاحب العبد؛ لأنَّ خطاب الخلع جرى بين الزوج وبين صاحب العبد والبدل يضاف إلى صاحب العبد.
ولو أنَّ أجنبيًّا قال للزوج: خالع امرأتك على عبد فلان هذا فالقبول إلى صاحب العبد.
وكذلك لو قال الأجنبي للزوج: خالع امرأتك بألف على أنَّ فلان ضامن لها، فالقبول إلى فلان لما ذكرنا ولو قالت المرأة لزوجها خالعني على ألف درهم، على أنَّ فلانًا ضامن لها ففعل تمَّ الخلع، ولا يلتفت إلى قبول الضمين، وبعد ذلك ينظر إن قبل فلان المال كان للزوج الخيار إن شاء أخذ المرأة بذلك، بحكم الأصالة، وإن شاء أخذ الضمين بحكم الكفالة، وإن لم يقبل الضمين من ذلك لا شيء عليه ولا يبطل الخلع.

.نوع آخر:

قال في الخالع: امرأة وكّلت رجلًا بأن يخلعها من زوجها بألف درهم، ففعل الوكيل، فهذا على وجهين:
أما إن أرسل الوكيل البدل بأن قال: خالع امرأتك على ألف درهم، أو على هذه الألف أو أضاف البدل إلى نفسه إضافة ملك، أو إضافة ضمان، بأن قال: خالع إمرأتك على ألف درهم من مالي، أو على ألف على أنيّ ضامن. وفي الوجهين جميعًا يتمّ الخلع بقبول الوكيل؛ لأنَّ الوكيل نائب عن المرأة، فيكون قبوله كقبولها، فبعد ذلك ينظر إن كان البدل مرسلًا فالبدل عليها وهي المطالب به؛ لأنَّ الوكيل في باب الخلع سفير، وحقوق العقد ترجع إلى من وقع العقد له لا إلى السفير ولا لكونه سفيرًا أنّه لا يستغني عن إضافة العقد إلى المرأة، لابد وأن يقول للزوج خالع امرأتك، وفي مثل هذا الوكيل سفير كما في النكاح.
وإن كان البدل مضافًا إلى الوكيل إضافة ملك أو إضافة ضمان فالوكيل هو المطالب بالبدل دون المرأة، ويرجع الوكيل بما أدّى على المرأة، وإنّما كان كذلك؛ لأن ما يجب على الوكيل بالخلع متى كان مضافًا إليه إضافة ملك وضمان يجب ابتداءً بحكم العقد لا بحكم الكفالة عن المرأة؛ لأنَّ ما يملك الوكيل من الخلع قبل الوكالة نوعان: نوع يوجب البدل على المرأة بأن يرسل الوكيل البدل إرسالًا، ونوع يوجب البدل على الأجنبي ابتداءً بحكم الخلع، لا بحكم الكفالة عن المرأة بأن يخاطب الأجنبي الزوج بالخلع ونصف البدل إلى نفسه إضافة ملك أو إضافة ضمان.
وإذا كان ما يملكه الوكيل من الخلع قبل الوكالة نوعان وقد أمرا به بالخلع مطلقًا، والأمر المطلق انصرف إلى النوعين، فكان فائدة الأمر وإن كان مالكًا لهذا قبل الوكالة الرجوع بما ضمن على الموكل، كما في الوكيل بالشراء، وإذا كان ما يلزم الوكيل من الضمان متى كان البدل مضافًا إليه إضافة ملك أو إضافة ضمان يلزمه ابتداءً بالخلع، لا بحكم الكفالة، وقد دخل هذا الخلع تحت الأمر كان له أن يرجع بما ضمن على موكلته، وكانت المطالبة على الوكيل خاصّة، كما في الوكيل بالشراء، ولهذا كان له الرجوع على المرأة قبل الأداء، كالوكيل بالشراء؛ لأنّه يرجع بحكم الخلع ابتداء لا بحكم الكفالة.
وإذا وكلت رجلًا بأن يخعلها من زوجها، فخلعها على عَرَضٍ له يعني للوكيل، وهلك العرض في يد الوكيل قبل التسليم إلى الزوج فإن الوكيل يضمن فيه ذلك للزوج؛ لما ذكرنا أنَّ ما يجب على الوكيل بدل الخلع إذا كان البدل مضافًا إليه يجب ابتداءً بحكم الخلع لا بحكم الكفالة، فصار الوكيل في هذا بمنزلة المرأة. والمرأة لو اختلعت من زوجها على عرض لها وهلك العرض، كان عليها تسليم قيمة العرض كذا ها هنا.
قال في (الزيادات): إذا وكلت المرأة رجلًا بالخلع، ثمَّ رجعت من غير علم الوكيل لا يعمل رجوعها، فرّق بين هذا وبينما إذا قالت: خلعت نفسي من زوجي بألف درهم، فاذهب يا فلان إلى زوجي وأخبره بذلك، فلما ذهب الرسول إلى الزوج أشهدت على أنّها قد رجعت عن ذلك، ثمَّ بلّغ الرسول الزوج ذلك فقبل كان قبوله باطلًا، حتّى لا يقع عن الخلع علم الرسول بالرجوع أو لم يعلم، والفرق وهو أنَّ التوكيل إثبات الحكم في حقّ الوكيل، فإنَّ التوكيل إطلاق التصرّف، والعزل منع له عن التصرّف، ولو صحّ من غير علم الوكيل كان غرورًا في حق الوكيل وإنّه حرام.
وأمّا الرسالة فليست إثبات شيء للرسول؛ لأنّ الرسول ينقل عبارة المرسل، كأنَّ المرسل بنفسه حضر بنفسه وقال ذلك، ولو صحّ الرجوع من غير علمه لا يكون ذلك غرورًا في حقّ نفسه، وكذلك لو رجعت بعد تبليغ الرسالة قبل قبول الزوج صحّ رجوعها أيضًا وإن لم يعلم الرسول بذلك، وكذلك هذا الجواب في البيع والعتق والنكاح والإجارة إذا رجع المرسل قبل قبول المرسل إليه صح رجوعه، وإن لم يعلم الرسول به.
وإذا قالت المرأة لزوجها: اخلعني على ألف درهم، ثمَّ رجعت من غير علم الزوج لا يصحّ رجوعها؛ لأنَّ هذا توكيل منها للزوج والتوكيل لا يقبل الرجوع من غير علم الوكيل.
أمر رجلًا أن يخلع امرأته، فليس للمأمور أن يخلعها إلا بمال، رواه بشر عن أبي يوسف رحمه الله. وروى ابن سماعة عن محمّد رحمه الله: أنّه لو خلعها بغير مال كان طلاقًا بائنًا بلا مال، وَكّل رجلين بالخلع بألف درهم فخالعها أحدهما بألف درهم وأجاز الآخر ذلك لم يجز، وإن قال أحدهما: قد خلعها وقال الآخر: قد خلعها، فهو جائز. هشام عن محمّد: إذا وكّل الزوج رجلًا بأن يخلع إمرأته إن تركت مهرها، فتركت فقال الوكيل: طلقتك ثلاثًا لا يقع شيء في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله. قال محمّد رحمه الله: ونحن نرى أنّه يقع واحدة بجميع المهر.
وفي (الأصل) أيضًا: إذا قال لغيره إخلع امرأتي، فإن أتت فطلقها بانت المرأة بالخلع، فطلقها الوكيل، ثمَّ قالت: أنا أختلع، فخالعها جاز إن كان الطلاق رجعيًا، وفي (فتاوى أبي الليث) رحمه الله: رسول المرأة إلى زوجها إذا قال لها: طلقها أو أمسكها، فقال الزوجة أمسكها ولكن أطلقها، فقال الرسول: أبرأتك على جميع مالَها عليك، فطلقها الزوج، ثمَّ أنَّ المرأة أنكرت أن تكون أمرت رسولها بالإبراء والرسول يدّعي، فإن ادّعى الزوج توكيلها للرسول بذلك فالطلاق واقع وهي على حقّها لأنَّ إقرار الزوج يصح فيما يملك لا فيما لا يملك. وإن لم يدّع الزوج توكيلها للرسول بذلك فهو على قسمين: إن كان الرسول قال للزوج أبرأتك عن حقّها عليك على أن تطلقها على ما ذكرنا، والطلاق غير واقع فهي على حقّها؛ لأنَّ إيقاع الطلاق بالمهر يتوقّف على إجازتها، وإن لم يكن قال الرسول على أن تطلقها، أو فطلقها، فالطلاق واقع وهي على حقّها؛ لأنّ....
ولو أنَّ قومًا جاؤوا إلى رجل وزعموا أنَّ امرأته وكّلتهم باختلاعها منه، فخالعها معهم على ألف درهم وأنكرت التوكيل، إن ضمنوا بدل الخلع للزوج فالطلاق واقع؛ لأنّ خطاب الخلع جرى بين الزوج وبين الأجنبي وضمن الأجنبي بدل الخلع، وفي مثل هذا يشترط قبول الأجنبي على ما مرّ، وإن لم يضمنوا فهذا على وجهين، إمّا أن يدعي الزوج أنّها وكلتهم أو لم يدع إلى آخر ما ذكرنا في المسألة المتقدّمة، هذا إذا خالع الزوج معهم. وأمّا إذا باع منهم تطليقة بألف درهم، قال الفقيه أبو القاسم الصفّار رحمه الله: وقع الطلاق وجد منهم الضمان أو لم يوجد؛ لأنّ لفظ الشراء لفظ الضمان، قال الفقيه أبو بكر الإسكاف رحمه الله: هذا والأوّل سواء وعليه الفتوى.
وإذا وكّل الرجل رجلًا بطلاق امرأته، فطلقها بمهرها ونفقة عدّتها أو خالعها على ذلك، قال الفقيه أبو جعفر رحمه الله: يجوز ذلك كانت مدخولًا بها أو غير مدخول؛ لأنَّ الغالب من عادات النّاس أنّهم يريدون بالتوكيل بالطلاق الطلاق بجعل، لكن هذا الوجه غير مختار؛ لأنَّ هذا يقتضي أنَّ الوكيل بالطلاق إذا طلّق مطلقًا أنّه لا يجوز، وهذا بعيد، وقال الفقيه أبو بكر الإسكاف رحمه الله مرّة: لا يجوز من غير تفصيل بين المدخول بها وغير المدخول؛ لأنه وكلّه بالتنجيز وقد أتى بالتعليق، وهذا التعليل يوجب التسوية بين المدخول بها وغير المدخول بها، وبه كان يفتي الشيخ الإمام ظهير الدين المرغيناني رحمه الله، وهو اختيار الفقيه أبي الليث رحمه الله. وقال الفقيه أبو بكر الإسكاف رحمه الله مرّة أخرى: إن كانت المرأة مدخولًا بها لا يجوز وإن لم يكن مدخولًا بها يجوز، وهكذا حكي عن الفقيه أبي القاسم الصفّار، وهو اختيار الصدر الشهيد رحمه الله في (واقعاته). والوجه في ذلك أنَّ المرأة إذا لم تكن مدخولًا بها، فهذا من الوكيل خلافٌ إلى خير؛ لأنّه وكّله بطلاق يقطع النكاح مجانًا، وقد أتى بطلاق قطع النكاح بعوض ولا يعدّ ذلك خلافًا وإذا كانت مدخولًا بها. هذا من الوكيل خلاف إلى شرَ؛ لأنّه وكله بطلاق بغير عوض، والطلاق بغير عوض في المدخول بها لا يقطع النكاح، وقد أتى بطلاق قطع النكاح، فكان هذا خلافًا إلى شرَ فاعتبر خلافًا.
وفي (فتاوى أبي الليث): رجل قال لغيره: طلّق امرأتي على أن تخرج من البيت، ولا تُخرِجْ منه شيئًا ففعل ثمَّ اختلفا، فقال الزوج: أخرجت، وقالت: المرأة لم أُخْرِج، فالقول قول الزوج؛ لأنّه ينكر شرط وقوع الطلاق. قال الصدر الشهيد في (واقعاته): في المسألة نوعان إيهام أنه أراد بقوله طلّق امرأتي على شرط أن لا تخرج من البيت، علّق طلاقها بشرط أن تخرج من البيت ولا تخرج منه شيئًا، فهذا صحيح؛ لأنَّ المعلّق بالشرط عُدِمَ قبل وجود الشرط، فالزوج بقوله: أخرجتَ شيئًا من البيت أنكر شرط وقوع الطلاق فالقول قوله، وإن أراد بقوله: طلقها على شرط أن لا تخرج من البيت شيئًا. قل لها: أنتِ طالق على أن لا تخرجي من البيت شيئًا، فهذا الجواب غير صحيح، لأنها إذا قبلت ينبغي أن يقع الطلاق للحال أخرجت شيئًا أو لم تخرج، فإنَّ الرواية محفوظة فيما إذا قال: أنتِ طالق على أن تعطيني ألف درهم ففعلت تطلق وإن لم تعط الألف، وكذلك إذا قال لها: أنتِ طالق على دخولك الدّار، يقع الطلاق إذا قبلت دخلت أو لم تدخل؛ لأنّه استعمل الدخول استعمال العوض فكان الشرط قبوله لا وجوده.
قال محمّد رحمه الله في (الأصل): إذا وكلت المرأة صبيًّا أو معتوهًا أن يخالعها من زوجها كان التوكيل صحيحًا؛ والصبيِّ والمعتوه في هذا كالبالغ، وفيه نوع إشكال؛ لأنّ الصبي لا يملك هذا العقد لنفسه، فكيف يملك لغيره، والجواب: إنّما لا يملك الخلع لنفسه؛ لأنّه يلزم حكم الخلع فيتضرّر به، ومتى كان وكيلًا عن غيره لا يلزمه حكم الخلع، ولا ترجع إليه الحقوق ولا يتضرّر.

.نوع آخر في اختلاف الواقع بين الزوج والمرأة، في صحّة الخلع وفساده في الشهادة في ذلك:

إذا خلع امرأته بالفارسيّة (خريدم وفروحتم)، وقال الزوج: كان في ضميري أني بعت رأس الشاة، أو قال: قلت: (فروحتم من الانفاذ) أو قال: قلت: (فروحتم) بالفاء، فقد قيل القول في ذلك قوله مع اليمين، إلا إذا كان قبض بدل الخلع، فحينئذٍ لا يقبل قوله؛ لأنَّ الظاهر يكذبّه. وقد قيل: لا يقبل قوله قضاءً، وإن كان لم يقبض بدل الخلع؛ لأنَّ كلامه خرج جوابًا، والجواب يتقيد بالسؤال، والسؤال عن تملك النفس: التوكيل، فيكون الجواب منصرفًا إليه، وعلى هذا إذا قال: كان في ضميري أنّي بعت (بيد فياي) لا يقبل قوله قضاء عند بعض المشايخ، وعليه الفتوى.
ولو أشار الزوج عند قوله (فروحت) إلى رأس شاة، أو إلى (بيد فياي) فعلى قول هؤلاء فهذا ليس بشيء، والخلع هذا صحيح، إلا إذا صرّح وقال: (بيد فناي فروحتم) فحينئذٍ لا يصح الخلع، هذا لأنّ بالإشارة لا يخرج كلامه من أن يكون خارجًا مخرج الجواب والسؤال عن تمليك النفس، فينصرف الجواب إليه. ولو أقام الزوج بيّنة (على) الشاة قبلت بينته، وكذلك إذا قالت: إنّه باع رأس الشاة، وشهدت بيّنته أو أنه قال: بعت رأس الشاة قبلت بيّنته، وكذلك إذا قامت بيّنة أنّه قال: (فروحتم من الانفاذ) قبلت بيّنته.
ولو أقامت المشتراة البيّنة بمعارضته أنّه باع نفسها، أو أنّه باعها فبيّنتها أولى، هكذا قيل وفيه نظر عندي، وينبغي أن تكون بيّنة الزوج أولى.
وفي (فتاوى النسفي): لو أشهد الزوج شاهدين عدلين أنّ امرأتي إذا قالت: (من خويشتن خريدم) أقول: (فروختم) بالفاء، ثمَّ اجتمعوا عند القاضي لأجل الخلع واختلعا فقال الزوج بعد ذلك قد قلت: (فروختم) بالفاء وشهد شاهداه على ذلك، فإن كان القاضي قد سمع أنّه قال (فروحتم) بالحاء يقضى بالخلع، ولا يلتفت إلى شهادة شهوده فإني إذا لم تسمع القاضي ذلك، وقال: لم أتيقّن أنّه قال بالحاء أو بالفاء وشهد شاهداه أنّه قال بالفاء قبل شهادتهما، وقضى ببطلان الخلع، ولو شهد شاهداه أنّه قال بالفاء، وشهد بعض أهل المجلس أنّه قال بالحاء قضي بصحّة الخلع شهادة من شهد بالحاء.
وإذا وقع الخلع على بدل مسمّى ودفعت المرأة إليه مقدار المسمّى وقالت: إنّه بدل الخلع، وقال الزوج: قبضت بجهة كذا غير جهة الخلع، فقد قيل: القول قول الزوج، وبه كان يفتي ظهير الدين المرغيناني رحمه الله، وقيل: القول قول المرأة؛ لأنّ التمليك يصير من المرأة فيكون القول قولها في بيان جهة التمليك.
وهذا أصل كبير في الشرع فيما إذا اختلعت الزوج والمرأة في الخلع فقال أحدهما اختلعا بألف وأقام على ذلك بيّنة،.... أحد الشاهدين أنّهم اختلعا بألف، وشهد الآخر أنّهما اختلعا بخمس مائة، فإن كان مدّعي الخلع الزوج فالجواب فيه كالجواب في دعوى مجرّد المال بلا سبب؛ لأنّ المدّعي إذا كان هو الزوج فالحاجة إلى إثبات المال لا إلى إثبات الطلاق؛ لأنَّ الطلاق وقع بإقرار الزوج.
ولو وقع الدعوى في الألف المجرّد وشهد أحد الشاهدين بألف والآخر بخمس مائة فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله لا تقبل الشهادة أصلًا، وعلى قولهما تقبل الشهادة على خمس مائة، كذا ها هنا، وإذا كان مدّعي الخلع المرأة لا تقبل هذه الشهادة بلا خلاف؛ لأنَّ الحاجة ها هنا إلى إثبات الطلاق؛ لأنّ الطلاق لا يثبت بمجرّد دعوى المرأة، والطلاق بألفٍ غير الطلاق بخمس مائة؛ لأنَّ شرط وقوع الطلاق بألف قبول الألف، وشرط وقوع الطلاق بخمس مائة قبول خمس مائة وهما شرطان مختلفان، وليس على كل واحد منهما إلا شاهد واحد.

.نوع آخر في الخلع الواقع في المرض:

قال محمّد رحمه الله في (الأصل): إذا اختلعت المرأة من زوجها في مرضها بالمهر الذي كان تزوّجها عليه فهذا على وجهين: أمّا إن كان الزوج قريبًا منها بأن كان ابن عم لها أو كان أجنبيًا عنها، فإن كان الزوج أجنبيًّا فهو على وجهين: أما إن كانت المرأة مدخولًا بها، أو غير مدخول بها، ومتى كانت مدخولًا بها، أمّا إن ماتت هي في العدّة، أو ماتت بعد انقضاء العدّة، فإن كانت مدخولًا بها وماتت هي بعد انقضاء العدّة، وأنّه ينظر إلى المسمّى في بدل الخلع، وإلى ثلث مالها. فإن كان المسمّى ثلث مالها أو أقلّ فللزوج ذلك. وإن كان أكثر من ثلث مالها فليس للزوج الزيادة على الثلث إلا برضا باقي الورثة، وهذا إذا كان لها مال آخر سوى المهر يخرج المسمّى من الثلث، وإن لم يكن لها مال آخر سوى المهر الذي تزوّجها عليه يعتبر الثلث من المهر وهذا لأنَّ الخلع منها بمنزلة التبرّع؛ لأنّها تبدل مالًا بإزاء مال يتعلّق به حقّ الورثة، وهو منافع بضعها. ومن غير حاجتها إلى ذلك فإنّها غير محتاجة إلى الخلع حاجة أصلية، والتبرّع من المريض إذا حصل مع الأجنبي يصحّ بقدر الثلث من غير إجازة الورثة، ويقف فيما زاد على الثلث على إجازة الورثة، والتبرع حصل ها هنا مع الأجنبي لما ماتت بعد انقضاء العدّة؛ لأنّه لم يبق لها وارثٌ في هذه الحالة، لانقطاع بيّنة الورثة، وهو النكاح بعد انقضاء العدّة من كلِّ وجه.
وإن ماتت قبل انقضاء العدّة فإنّه ينظر إلى المسمّى في بدل الخلع وإلى قدر ميراثه منها، فإن كان المسمّى مثل ميراثه منها أو أقلّ سلّم للزوج ذلك، فإن كان الخلع بمنزلة التبرّع، والمريض محجور عن التبرّع على الوارث؛ لأنّ المريض إنّما حجر عن التبرّع مع الوارث لما فيه من إبطال حقّ الباقين عن الزيادة على ميراثه، وليس في قدر ميراث الزوج إبطال حقّ على الباقين، فلم تصر محجورة عن هذا التبرّع مع الزوج، وإن كان المسمّى أكثر من ميراثه فيها، فإنّه لا تسلم له الزيادة على ميراثه إلا بإجازة بقيّة الورثة؛ لأنَّ حقّ الباقين يبطل عند الزيادة على قدر الميراث، وقد حجرت عن ذلك في حالة المرض بسب النكاح، والنكاح وإن ارتفع بالخلع فالعدّة باقية، وكلّ حجر يثبت بالنكاح يبقى ما بقيت العدّة على ما عرف أنَّ العدّة من آثار النكاح بخلاف ما بعد انقضاء العدّة؛ لأنّ بعد انقضاء العدّة ارتفع النكاح بأثره، فزوال المانع من التبرّع فيما زاد على قدر حقّه في الميراث إلى تمام الثلث، وصار حاصل التفاوت بينهما قبل انقضاء العدّة، وبينهما بعد انقضاء العدّة أن بعد انقضاء العدّة لا ينظر إلى قدر حقّ الزوج في الميراث، وإنّما ينظر إلى الثلث يُسلّم للزوج قدر الثلث من بدل الخلع. وإن كان أكثر من حقّه في الميراث فسلّم للزوج قدر حقّه في الميراث من بدل الخلع، ولا تسلم له قدر ثلث مالها إذا كان ثلث مالها أكثر من حقّه في الميراث. والفرق ما مرّ.
وإن كانت المرأة غير مدخولٍ بها وقد اختلف من زوجها بمهرها فإن النصف يعود إلى الزوج بحكم الطلاق لا بحكم التبرّع، ألا ترى إنْ طلقها قبل الدخول بها ولم يختلع منها عاد إلى الزوج ذلك، فلا يعتبر ذلك النصف أصلًا إلى الزوج من جهة المرأة حتّى يكون تبرّعًا من جهتها، وأمّا النصف الآخر وصل إليه من جهة المرأة فتعتبر متبرعة في ذلك، وقد حصل التبرّع على الأجنبي؛ لأنّ النكاح انقطع بأثره فسلم للزوج ذلك النصف من الثلث، وإن لم يكن لها مال سوى المهر سلّم للزوج ثلث ذلك النصف.
وإن كان الزوج ابن عمّ لها، والمرأة مدخول بها فإن كان لا يرث منها بحقّ القرابة بأن كان لها عصبة أخرى أقرب منه، فهذا وما لو كان الزوج (أجنبيًّا) أو إن كان يرث منها بحكم القرابة، وقد جاءت بعد انقضاء العدّة فإنّه ينظر إلى بدل الخلع وإلى قدر ميراثه منها بحقّ القرابة، فإن كان بدل الخلع قدر ميراثه أو أقلّ سلّم للزوج ذلك، فإن كان أكثر فالزيادة على قدر ميراثه منها لا تسلم له إلا بإجازة باقي الورثة.
وإن كانت المرأة غير مدخول بها، فإنَّ نصف المهر سلّم للزوج بالطلاق قبل الدخول، فلم تعتبر المرأة متبرعة في ذلك النصف، وإنّما تعتبر متبرعة في النصف الآخر، وقد صارت متبرّعة على الوارث، فينظر إلى ذلك النصف وإلى قدر ميراثه منها، فتسلّم للزوج الأقلّ منهما، وهذا إذا ماتت من مرضها، وإن برأت منه تسلم للزوج جميع ما سمّت، بمنزلة ما لو وهبت له شيئًا ثمَّ برأت من مرضها. ولو اختلعت من زوجها وهي صحيحة والزوج مريض فالخلع جائز بالمسمّى قلَّ ذلك أو كثر؛ لأنّها وإن صارت متبرّعة إلا أنّها صحيحة، والتبرّع من الصحيح نافذ، ولا ميراث بينهما سواء مات بعد انقضاء العدّة أو قبل ذلك بوجود الرضا من كلّ واحد ببطلان حقّه.
وإن تبرّع أجنبي باختلاعها من الزوج بمال ضمنته للزوج، وكان ذلك من الأجنبي في مرض الموت، فالخلع جائز والطلاق واقع، ويُعتبر بدل الخلع من ثلث مال الأجنبي؛ لأنَّ الخلع عندنا تبرع من المرأة مع أنّه يحصل لها بالخلع نوع فائدة، فَلأَنْ يُعَدُّ تبرعًا من الأجنبي أولى، وإن كان الزوج مريضًا حين تبرّع الأجنبي باختلاعها فلها الميراث إن مات الزوج من مرضه ذلك وهي في العدّة؛ لأنها لم ترض بهذا الطلاق، فيعتبر الزّوج فارًّا، والله أعلم بالصواب.

.الفصل السابع عشر: في الأيمان في الطلاق:

هذا الفصل يشتمل على أنواع:

.نوع في بيان معرفة اليمين بغير الله وبيان شرائط صحّته.:

يجب أن تعلم بأنَّ اليمين بغير الله تعالى ذكر شرط وجزاء يحلف به عادة؛ لأنَّ اليمين بغير الله تعالى إنّما يعرف الجزاء، فإذا كان الجزاء ممّا لا يحلف به لم يكن هذا التعليق يمينًا، وتعليق الجزاء بالشرط على الشرط الحقيقة وطريقه ما قلنا، والشرط يصحّ في الملك وفي غير الملك، والجزاء لا يصح إلا بالملك أو في أثره أو مضافًا إلى الملك، أو إلى أثره أو إلى سببه، وهذا لأنّ الشرط أمر حسّي، فصحته تكون بوجوده حسًّا، وأمّا الجزاء فأمر شرعي فصحته إنّما تكون بالشرائط التي اعتبرها الشرع للصحّة، والشرع اعتبر بصحته الجزاء الشرائط التي قلنا تحقيقًا بما هو المقصود من اليمين، وهو تقوي الحالف على تحصيل الشرط والامتناع عنه؛ لأنَّ الحالف إنّما يتقوّى على ذلك خوفًا لزوال الجزاء، والخوف إنّما يحصل إذا كان الجزاء غالب النزول عند الشرط، أو متيقن النزول عند الشرط، وعليه النزول عند الشرط لقيام الملك، أو أثره للحال وتيقّن النزول عند الشرط بالإضافة إلى الملك، أو إلى سبب الملك، ثمَّ الشرط إن كان متأخّرًا عن الجزاء فالتعليق صحيح وإن لم يذكر حرف الفاء إذا لم يتخلّل بين الجزاء وبين الشرط سكوت.
ألا ترى أنَّ من قال لامرأته: أنتِ طالق إن دخلت الدّار، أو قال: لعبده أنت حرّ إن دخلت الدّار يتعلّق الطلاق بالدخول والعتاق بالدخول؟ وإن لم يذكر حرف الفاء لما لم يتخلل بينهما سكوت، وإن كان الشرط مقدّمًا على الجزاء فإن كان الجزاء اسمًا قائمًا يتعلّق بالشرط إذا ذكر الجزاء بحرف الفاء؛ لأنّ الاستعمال بمثله ورد، قال الله تعالى: {إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118] حتّى إنَّ من قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنتِ طالق يتعلق الطلاق بالدخول.
ولو قال إن دخلت الدّار فأنتِ طالق يقع الطلاق للحال إلا إذا قال: عنيت به التعليق، فحينئذٍ يديّن فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يديّن في القضاء، وإن كان الجزاء فعلًا، إمّا فعلًا مستقبلًا أو فعلًا ماضيًا فالجزاء يتعلق بالشرط بدون حرف الفاء، به ورد الاستعمال، قال الله تعالى: {لَّيْسَ بِأَمَنِيّكُمْ وَلآ أَمَانِىّ أَهْلِ الْكِتَبِ مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا} [النساء: 123] ويقول الرجل لغيره إن زرتني زرتك أو أزورك، ويبنى على هذا الأصل ما إذا قال لها: إن دخلت الدّار فأنتِ طالق، فإنها تطلق للحال لأنَّ الشرط سابق والجزاء اسم ولا يتعلّق بدون حرف الفاء، وإن قال: عنيت التعليق يديّن أصلًا، هكذا ذكر في (الجامع)، وبعض مشايخنا قالوا: نسأل الزوج كيف نويت التعليق؟ إن قال بإضمار حرف الفاء لا تصحّ نيّته أصلًا، وإن قال بالتقديم والتأخير تصح نيّته فيما بينه وبين الله تعالى ولا يصحّ في القضاء.
وكذلك إذا قال لها: أنتِ وإن دخلت الدّار أنتِ طالق تطلّق للحال، وإن عنى التعليق ديّن فيما بينه وبين الله تعالى، وكذلك إذا قال لها: أنتِ طالق وإن دخلت الدار، فإنّها تطلق للحال؛ لأنَّ الواو في مثل هذا التحقيق بقول الرّجل لغيره أحسن إلى فلان وإن أساء إليك، ومعناه: أحسن إلى فلان على كلّ حال أساء إليك أو لم يسء فكذا ها هنا. معنى كلام الزوج أنتِ طالق على كلّ حال، وإن عنى التعليق لا يديّن أصلًا، لا في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى، ولم يذكر محمّد رحمه الله ما إذا نوى به بيان الحال، ومعناه أنتِ طالق في حال دخولك الدّار.
وحكي عن أبي الحسن الكرخي رحمه الله أنّه قال: يجب أن تصحّ نيّته؛ لأنّ الواو في مثل هذا يذكر الحال بقول الرجل لامرأته: أنتِ طالق راكبة، ومعناه: أنتِ طالق في حال ركوبك، وقد نوى ما يحتمله لفظه، ولو قال لها: أنتِ طالق ولم يذكر بعده حالًا لم يذكر محمّد رحمه الله هذه في الكتب الظاهرة، وفي (النوادر) المسألة مذكورة على الخلاف، على قول محمّد رحمه الله يقع الطلاق لا يخلو من ثلاثة أوجه: أمّا إن كان مضافًا ولم توجد الإضافة ها هنا، وإمّا أن يكون معلّقًا ولا تعليق ها هنا إذ لم يذكر عقيب الشرط فعلًا يتعلّق به، فيتعيّن تنجيزًا أو إيقاعًا للحال، وعلى قول أبي يوسف: لا يقع الطلاق إلا إذا ذكر عقيب الشرط فعلًا أنها لا يقع الطلاق في الحال؛ لأن بذكر الشرط يتبيّن أنَّ ما أراد به الإرسال، وهذا المعنى ينبئ عن ذكر الشرط، لا عن ذكر الفعل عقيب الشرط، والكلام مع ذكر الشرط لا يكون إرسالًا أصلًا.
ولو قال لها أنتِ طالق، ثمَّ إن دخلت الدّار فإنّه يقع الطلاق عليها للحال، ولو نوى التعليق لا يصحّ بيَّتَهُ أصلًا، وأمّا إذا نوى المقارنة بأن نوى وقوع الطلاق مقارنًا لدخول الدار، لم يذكر محمّد رحمه الله هذه المسألة في شيء من الكتب، وكان القاضي الإمام أبو الهيثم يحكي عن القضاة الثلاثة: أنّه تصحّ نيته فيما بينه وبين ربّه؛ لأنّه نوى ما يحتمله لأنَّ كلمة ثمَّ تذكر ويراد بها الجمع والمقارنة بين الشيئين مجازًا قال الله تعالى: {فَكُّ رَقَبَةٍ فَادْخُلِى أَحَدٌ النَّفْسُ الإِنسَنُ الإِنسَنُ أَوْ إِطْعَامٌ في يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ فَادْخُلِى أَحَدٌ الْمُطْمَئِنَّةُ الإِنسَنُ الإِنسَنُ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ فَادْخُلِى أَحَدٌ ارْجِعِى الإِنسَنُ الإِنسَنُ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ فَادْخُلِى أَحَدٌ إِلَى الإِنسَنُ الإِنسَنُ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَمَةِ جَلَّهَا نَارٌ تَلهَا الَّذِينَ الَّذِينَ} [البلد: 13- 17]، وكان المراد من ذلك الجمع والمقارنة، فإنّ فك الرقبة إنّما ينفع إذا كان معه إيمان، وعامّة مشايخنا على أنّه لا صحّ نيته؛ لأنَّ كلمة ثمَّ لغة للترتيب على سبيل التراخي لا للمقارنة، ولا للجمع، وفي الآية ما ثبت الجمع والقِرَان بكلمة ثمَّ وإنّما ثبت بكلام كان بقوله: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَمَةِ} [البلد: 17]؛ لأنَّ كلمة كان يعبّر بها عن الماضي يعني مع وجود هذه الأفعال كان من قبل مؤمنًا، والله أعلم.

.نوع آخر: في بيان حروف الشرط:

يجب أن تعلم أن حروف الشرط أن، وإذا وما، ومتى، وبينما ومَنْ، وما، وكل، وكلّما، هذا هو المذكور في كتب عامة المشايخ، وذكر القدوري رحمه الله أن شروط الإيمان ستة: إذا، وإذا ما، وإن، ومتى، ومهما، وكلما والأصل كلمة إن فهي شرط محض، وما سواها ففيها معنى الوقت، قال: وهذه حروف تتعلّق بالأفعال المستقبلة دون الماضي؛ لأنَّ الشرط ما يكون على خط الوجود، وذلك يكون في المستقبل دون الماضي وتختصّ بالأفعال دون الأسماء؛ لأن الآخرية تختص بالأفعال دون الأسماء، من قال وبهذا قيل: إنَّ كلمة كل ليست بشرط على الحقيقة؛ لأنّ الذي يليه اسم على ما نبيّن بعد هذا إن شاء الله تعالى، لكن جعل بمعنى الشرط إذا وصف الاسم بفعل كقوله: كلّ امرأة أتزوجها، وكلّ عبد أشتريه، فأخذ معنى الشرط من حيث وصف الاسم بالفعل، كأنّه قال: إن تزوجت، إن اشتريت.
قال: ويستوي إن دخل على فعله أو فعل غيره لأنَّ الشرط علم على نزول الجزاء، وفي حقّ العلميّة لا فرق بين فعله وبين فعل غيره، أما لفظ (كه)، قال امرأته طالق ثلاثًا (كه آين كاريكى)، فإن لم يتعارفوا التعريف بقوله (كه) يقع للحال؛ لأنّه تحقيق، وإن لم يتعارفوا التعليق إلا به لا تطلق ما لم يوجد الشرط؛ لأنّ المعروف كالمشروط، وإن تعارفوا التعليق بهذا وبصريح الشرط؛ ذكر الفضلي في فتاويه؛ أنّه يقع الطلاق للحال وبعض مشايخنا قالوا لا يقع وهو الأصح.
وقد روى ابن سماعة عن أبي يوسف أنّه إذا قال لامرأته: أنتِ طالق لدخلت الدار، فإن لم يكن دخل الدار تطلق، وإن كان دخل الدار لا تطلق، وهذا وما لو قال أنتِ طالق إن لم أكن دخلت الدّار سواء، فقد اعتبر قوله لدخلت الدار شرطًا ولفظ (كه) ترجمة قولهم لدخلت، والله أعلم.

.نوع آخر:

إذا علّق طلاق امرأته بفعل إن حصل التعليق بكلمة إن وإذا وإذا ما ومتى ومهما، فهذا على مرّة واحدة، حتّى لو فعلت ذاك الفعل مرّة وقع الطلاق، ولو فعلت ذلك الفعل مرّة أخرى لا يقع الطلاق، وإن حصل التعليق بكلمة كلّما فكلّما تكرّر ذلك الفعل يتكرّر الطلاق حتّى يستوفي طلاق الملك الذي حَلف عليه، ثمَّ يبطل اليمين حتّى لو تزوّجت بزوج آخر وعادت إلى الزوج الأوّل وفعلت ذلك الفعل لا يقع الطلاق، أمّا تكرّر الطلاق؛ لأنَّ كلمة كلّما تقتضي تكرار ما دخلت عليه من الأفعال لما تبيّن، وأمّا بطلاق اليمين باستيفاء طلقات هذا الملك؛ لأنّ اليمين انعقدت على الملك القائم لا يملك إلا ثلاث تطليقات، فإذا استوفاها تبطل اليمين؛ لأنّ اليمين إنّما تنعقد على ما تملك إيقاعه، لا على ما لا يملك إيقاعه، ولو كان أضاف الطلاق إلى ملك الثاني أو إلى كلّ ملك يملكه بكلمة كلّما بأن قال لامرأته: كلّما تزوجتك فأنتِ طالق فتزوّجها مرّة بعد مرّة حتّى وقع عليها ثلاث تطليقات وتزوجت بزوج آخر، ثمَّ تزوّجها الزوج الأوّل تطلق أيضًا؛ لأنَّ في هذه المسألة أضاف الطلاق إلى كلّ ملك يوجد منه، وطلاق الملك الأوّل وإن ذهب فطلاق الملك الثاني والثالث لم يذهب فيه من اليمين على الملك الثاني والثالث.
ولو قال: كلّ امرأة أتزوّجها فهي طالق فتزوّج نسوة طلقن، ولو تزوّج امرأة واحدة مرارًا لم تطلق إلا مرّة واحدة، وقرب بين قوله كل امرأة أتزوّجها، وبين قوله كلّما تزوجت امرأة، فإنَّ هناك لو تزوّج امرأة مرارًا طلقت في كلِّ مرّة. والفرق: أنَّ كلمة كلّما وكلّ توجبان التعميم لأنّ كل موضوعة للتعميم؛ لأنَّ ضد البعض، والبعض للخصوص وضدّه وهو لكلّ يكون العموم... غير أنَّ كلمة كلّما توجد عموم الأفعال نصًّا ووضعًا، وعموم الأسماء ضرورة عموم الأفعال؛ لأنّها تصحب الأفعال، ولا تصحب الأسماء، ألا ترى أنّه يقال: كلّما ذهب وكلّما قام، ولا يقال كلّما رجل وكلّما امرأة والأصل فيه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِئَايَتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 56]، وقوله تعالى: {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} [الملك: 8] فإذا أوجبت عموم الأفعال دخل تحت اليمين كلّ تزوّج يوجد منه، فيجب بكلّ تزوّج منه، أمّا كلمة كل توجب عموم الأسماء لأنها تصحب الأسماء، قال الله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185] وبكل يقال: كل رجل وامرأة، ولا يوجب عموم الأفعال؛ لأنّها لا تصحب الأفعال، ألا ترى أنّه لا يقال كلٌّ قام وكلٌّ ذهب وإذا ثبت أنها توجب عموم الأسماء دون الأفعال... عموم النساء، لا عموم التزوّج، ويكون شرط الحنث في كلّ امرأة التزوّج مرّة واحدة.
وعن أبي يوسف في (المنتقى): إذا قال: كلما تزوّجت امرأة فهي طالق، فتزوّج امرأة حتّى طلقت لو تزوّجها ثانيًا لا تطلق ولا يحنث في هذا مرتين، قال: وهذا بمنزلة قوله: كلّ امرأة أتزوجها فهي طالق، قال أبو يوسف رحمه الله: وليس هذا كقوله: كلما تزوّجت إذا خاطبها، فإنّ هناك يقع عليه الطلاق كلّما تزوجها، أشار إلى أنَّ كلمة كلّما إذا دخلت على المغير، أو على المخاطب تقتضي التكرار، وإذا دخلت على غير المغيّر لا تقتضي التكرار، وأوضح هذا بما إذا قال: كلّما اشتريت هذا الثوب فهو صدقة، وكلّما ركبت هذه الدابة فعليّ صدقة كذا، فإنّه يلزمه في كلّ دفعة ما التزمه، ولو قال كلّما اشتريت ثوبًا كلّما ركبت دابّة لا يلزمه ما التزم إلا مرّة واحدة، وكذلك قال في حقّ رجل قال: كلّما كلمت رجلًا فعليَّ أن أتصدّق بدرهم، فكلّم رجلًا واحدًا مرتين في موطنين فإنّما عليه أن يتصدّق بدرهم واحد.
ولو قال لرجل بعينه: كلّما كلمتك فعليّ أن أتصدّق بدرهم، فكلّمة مرتين في موطنين فعليه أن يتصدق بدرهمين، قال لأجنبيّة بالفارسيّة (آك حزاز توزن كنم)، أو قال: (آكر مراجز آز تون باشد) فهي طالق، فتزوّج امرأة ثمَّ أخرى طلقت الأولى دون الثانية؛ لأنّه لما لم يقل (هررني) كان اللفظ حاصلًا، ولا يتناول إلا مرّة واحدة وقد حنث بالأولى، ولا تبقى اليمين إذا قال (آكر مرايد ين جهان زن بودان بسه طلاق) فتزوّج امرأة تطلق، ولو تزوّج الأخرى لا تطلق، ولو قال لامرأة بالفارسيّة (آكر باين خانة آندر ايتي ترا طلاق).
قال الناطقي رحمه الله: ها هنا ستة ألفاظ (آكرو ميمي وميمشة وهركاه وهرز بان وميربار)، والأوّل فارسيّة قوله (ان) ولا يحنث إلا مرّة واحدة، وقوله: (ميمي)، معناه: قوله: متى وقوله: (ميمشة) معناه قوله....، فلا يحنث فيهما إلا مرّة واحدة، وأمّا قوله: (هركاه وحرزمان)، قال الناطفي: رحمه الله في (واقعاته): هذه الألفاظ تشبه كلمة كل، ولا يقع الحنث فيها إلا مرّة واحدة، وتشبّه بكلمة كلّما فيتكرّر الحنث فيها، ورجّح المشابهة وكلمة كلّما فيتكرّر الحنث فيها.
قال الصدر الشهيد رحمه الله في (واقعاته): المختار أنَّ في قوله (ميركاه وميرزمان) لا يقع الحنث إلا مرّة واحدة، وفي قوله (مربار)، يتكرّر الحنث، ولو قال: أيُّ امرأة أتزوّجها فهي طالق يقع على امرأة واحدة إلا إن نوى العموم، هكذا قيل، وكان ينبغي أن لا تصحّ نيّة العموم فيه؛ لأنَّ هذه الكلمة لا تحتمل العموم، قال أهل اللغة والنحو: كلمة أَن تتناول جزءًا في جملة ما أضيفت إليه هذه الكلمة غير عين، ألا ترى أنّه لا يستقيم قران فعل الجماعة بها لا يستقيم أن يقال: أيُّ الرجال أبوك، ويستقيم قران فعل الواحد بما يستقيم أن يقال: أيَّ الرّجل أباك، غير أنّه صحّ بنيّة العموم باعتبار أنَّ عرف بعض المواضع هذه الكلمة لجميع النساء فيقع على امرأة واحدة باعتبار المواضع، وتصح نيّة العموم فيه، باعتبار عرف البعض. وذكر في (المنتقى): أنَّ كلمة أي تتناول كل امرأة.
وصورة ما ذكر في (المنتقى): إذا قال: أيّ امرأة أتزوجها فهي طالق وعمرة امرأة الحالف، فتزوّج امرأة طلقت هي وعمرة فإن تزوّج امرأة أخرى بعد ذلك طلقت هي، ولا تطلق عمرة ولا يعود.... في عمرة مرتين. ولو قال: (هر كدام زني كه ترى كنم)، فهذا يقع على كلّ امرأة مرّة واحدة، هكذا ذكر الفضليّ رحمه الله في (فتاويه)، وذكر الصدر الشهيد رحمه الله في (واقعاته): أنّه يقع على امرأة واحدة مرّة واحدة، وقيل يقع على كل امرأة مرّة واحدة، ولو قال أيَّةُ امرأة زوجت نفسها مني، فهذا على كلّ امرأة؛ لأنَّ النكرة وضعت بصفة عامّة فتعم، بخلاف قوله: أيّة امرأة أتزوّجها، وقوله: أَيّة امرأة زوّجت نفسها مني، بمنزلة قوله: أي عبيدي ضربَك يا فلان. وقوله: أَيّة امرأة أتزوّجها بمنزلة قوله أيُّ عبيدي ضربته يا فلان، وبيان مسألة الضرب في كتاب الأيمان.

.نوع آخر في لو ولولا إذا جعل شرطًا:

إذا قال لامرأته: أنتِ طالق لو دخلت الدّار، لم تطلق حتّى تدخل الدّار؛ لأنَّ لو بمعنى الشرط، فإنّه يستعمل لأمر مترقب، فصار بمعنى الشرط الذي هو مترقب الثبوت، فيتوقّف عليه.
وعن أبي يوسف رحمه الله إذا قال لها: أنتِ طالق لو دخلت الدّار لطلقتك، فهذا رجل حلف بطلاق امرأته ليطلقها إن دخلت الدّار، وهو بمنزلة قوله: عبدي حرٌّ لو دخلت الدّار وضربتك، وهذا رجل حلف بعتق عبده ليضربها إن دخلت الدّار، فإن دخلت الدّار في مسألة الطلاق لزمه الطلاق إن طلقها، فإن ماتت أو مات هو فقد فات الشرط في آخر جزء من آخر الحياة فيقع الطلاق، كما في قوله: إن لم آتِ فأنتِ طالق فمات قبل أن يأتيها طلقت في آخر جزء من أجزاء حياته، قال محمّد رحمه الله: إذا قال لامرأته: أنتِ طالق لولا دخولك الدّار، فهذا استثناء ولا يقع الطلاق عليها، وكذلك لو قال: لولا مهرك عليّ، والأصل في جنس هذه المسائل أنَّ لولا تستعمل لامتناع الشيء بوجود غيره، قال الله تعالى: {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَكَ} [هود: 91] فيصير تقدير كلامه: امتناع وقوع الطلاق عليك لمكان مهرك عليَّ، ولمكان دخولك الدّار. وقول محمّد رحمه الله في (الكتاب): هذا استثناء معناه: أنَّ هذا بمعنى الاستثناء، فإنّه يمنع ثبوت موجب الكلام كالاستثناء.

.نوع آخر في حرف الباء:

إذا جعل شرطًا إذا قال لامرأته: أنتِ طالق إن خرجت من هذه الدّار إلا بإذني، أو قال: إلا برضاي، أو قال: إلا بعلمي أو قال لها: أنتِ طالق إن خرجت من هذه الدّار بغير إذني، فهما سواء؛ لأنّ كلمة إلا وغير للاستثناء، والجواب فيهما أن بالإذن مرّة لا ينتهي اليمين حتّى لو أذن لها بالخروج مرّة وخرجت، ثمَّ خرجت بعد ذلك بغير إذنه طلقت، وإنّما كان كذلك؛ لأنّ كلمة الاستثناء دخلت على الخروج لا على الحرمة البائنة باليمين؛ لأن محلّ الاستثناء ما هو متعدّد؛ لأنَّ الاستثناء موضوع لاستخراج البعض، وذلك إنّما يتحقّق فيما هو متعدّد والخروج متعدّد، وأمّا الحرمة البائنة باليمين غير متعدّدة، فإذا قال لها: إن خرجت، فقد منعها عن جميع الخروجات، واستثنى خروجًا موضوعًا بإذن، فإذا وجد الخروج بإذن كان مستثنيًا عن اليمين فلا تطلق، وإن وجد الخروج بغير إذن لم يكن مستثنًا عن اليمين، فتطلق.
وهو نظير ما لو قال لها: إن خرجت من هذه الدّار إلا بملحفة، فخرجت بغير ملحفة طلقت فطريقه ما قلنا. والحيلة للزوج في ذلك أن يقول لها: كلّما شئت الخروج فقد أذنت لك، فإن أذن لها بالخروج في كلِّ مرّة ثمَّ نهاها عن الخروج؛ قال محمّد رحمه الله: يُعمل نهيه، وقال أبو يوسف: لا يعمل، وأجمعوا على أنّه لو أذن لها بالخروج مرّة ثمَّ نهاها يعمل نهيه.
ولو قال لها: أنتِ طالق إن خرجت من هذه الدّار حتّى آذن لك، فأذن لها بالخروج مرة بينهنّ اليمين، حتّى لو خرجت بعد ذلك بغير إذن لا تطلق؛ لأنَّ كلمة حتّى كلمة غاية، وقد دخلت على ما يقبل التأقيت، فإن اليمين يقبل التأقيت بوقت، ألا ترى أنَّ من قال لامرأته: أنتِ طالق إن خرج فلان من هذه الدّار حتّى الليلة، أو قال: إلى الليلة كانت اليمين مؤقتة. إذا ثبت هذا فنقول: الزوج جعل ليمينه غاية، وهو إذن، فإذا وجد الإذن مرّة فقد وجدت الغاية فتنتهي اليمين فلا تطلق بعد ذلك وإن خرجت بغير إذنه، وإن عنى بقوله حتّى آذن إلا بإذني صحّت نيته فيما بينه وبين الله تعالى وفي القضاء؛ لأنّه نوى ما يحتمله كلامه وفيه تغليظ عليه، وإن عنى بقوله: إلا بإذني حتّى آذن صحّت نيته فيما بينه وبين الله تعالى، ولا تصحّ نيته في القضاء، وفي إحدى الروايتين عن أبي يوسف في القضاء.
ذكر المسألة في (الجامع) من غير ذكر خلاف، وذكر القدوري أنّ على قول أبي حنيفة ومحمّد، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف رحمهم الله، وفي رواية عن أبي يوسف: لا تصحّ نيته في القضاء، والوجه لهم: أنَّ أنَّ التكرار ما ثبت بصريح اللفظ، بل بدلالة حرف الباء، فإذا نوى مرّة واحدة فقد نوى صريح لفظه، فيصدّقه القاضي في ذلك. ولو قال لها: أنتِ طالق إن خرجت من هذه الدّار إلا أن آذن لك، فهذا وما لو قال: حتّى آذن لك سواء حتّى ينتهي اليمين بالإذن مرّة.
إذا قال لها: إن خرجت من هذه الدّار من غير إذني فأنتِ طالق، فأذن لها بالعربية فخرجت تطلق؛ لأنَّ العلم شرط تحقق الإذن، ولم يوجد. ونظير هذا ما لو أذن لها وهي نائمة أو غائبة، هكذا ذكر في (النوازل) وفي (أيمان القدوري) إذا أذن لها وهي نائمة فهو إذن.
وفي أيمان (الأصل): إذا أذن لها من حيث لا تسمع لم يكن إذنًا، إن خرجت بعد ذلك طلقت في قول أبي حنيفة ومحمّد، وقال أبو يوسف رحمهما الله: هو إذن، ولو خرجت بعد ذلك لم تطلق، أبو يوسف يقول: الإذن يقوم بالإذن وحده وقد وجد، فهو بمنزلة ما لو أذن لها وهي نائمة، وهما قالا: الإذن مشتق من الأذان، وهو الإعلام، ومعنى الإعلام لا يحصل إلا بوصول الكلام إلى سمعها، بخلاف ما إذا أذن لها وهي نائمة؛ لأنَّ هناك وصل الكلام إلى سمعها إلا أنّه لم يحصل لها لمانع، فهو بمنزلة ما لو أذن لها وهي عاقلة، وحكي عن أبي شجاع: أنّه لا خلاف في هذه المسألة، وإنّما الخلاف في الأمر، إلا أنّ أبا سليمان حكى الخلاف في الإذن.
وفي (المنتقى): إذا قال لها أنتِ طالق إن خرجت إلا بأمري، فالأمر أن يسمعها الأمر بنفسه أو رسوله، وإذا أشهد قومًا على ذلك لم يكن أمرًا قال ثمّة، وهذا الخلاف الإذن على أصله؛ لأنَّ حكم الأمر لا يثبت إلا بعد علم المأمور، كأوامر الشرع بخلاف الإذن؛ لأنَّ المقصود من الإذن أن لا يكون الخروج مع كراهية، وانعدام الكراهية لا يتوقف على علمها، ولو أنَّ هؤلاء الذين أشهدهم الزوج على الأمر بلغوها أنَّ الزوج قد أمرها بالجواب، وإن لم يأمرهم أن يبلغوها فخرجت، فهي طالق وإن أمرهم أن يبلغوها، فخرجت بعد ذلك لا تطلق. وفي الإرادات والهواء والرضاء لا يشترط رضاه، وأراد به حتّى لو خرجت بعدما قال رضيت أردت هديت لا تطلق، وإن لم تسمع هي ذلك، فلا خلاف إنّما الخلاف في الإذن والأمر، وفي هذا الموضع أيضًا إذا قال لها إن خرجت من هذه إلا بإذني، فأنتِ طالق ثمَّ سمع سائلًا، فقال لها: أعطِ هذه السائل هذه الكسوة، فإن كان السائل بحيث لا تقدر المرأة على دفع ذلك إليه إلا بالخروج، فهو إذن لها بالخروج وإن كان بحيث تقدر المرأة على دفع ذلك إليه من غير خروج، ثمَّ خرج السائل إلى الطريق فخرجت إليه وأعطته طلقت، ولو دعته فجاء حتّى صار بحال تقدر المرأة على دفع ذلك إليه من غير خروج، فلم تدفع إليه حتّى انصرف، فخرجت إليه ودفعت ذلك إليه طلقت أيضًا. ولو حلف بطلاق امرأته على جاريته أن لا تخرج من الدّار إلا بإذنه، وهي تشتري لها الحوائج، فقال لها: اشتري بهذه الدراهم لحمًا، فهو إذن لها بالخروج، وإذا خرجت بعد ذلك لا تطلق امرأته.
وفيه أيضًا: إذا قال لامرأته: إن خرجت إلا بإذني فأنتِ طالق، فاستأذنيه بالخروج إلى أبيها، فأذن لها فخرجت إلى منزل أخيها لا تطلق من قبل أنّه إذن لها بالخروج ولا..... ذهبت إلى الذي أمرها به أو إلى غيره من قبيل أنَّ اليمين ها هنا على الإذن في الخروج إلى أبيها، فأذن لها فخرجت إلى أخيها طلقت.
وفي (النوازل) إذا قال لها: إن خرجت بغير إذني فأنتِ طالق، فاستأذنه نية للخروج إلى بعض أهلها فأذن لها، فلم تخرج إلى ذلك لكنّها كانت تكنس الدّار فخرجت إلى باب الدّار لتكنس الباب وقع الطلاق؛ لأنّها خرجت بغير إذن؛ لأنّه إنّما أذن لها في الخروج إلى بعض أهلها ولم تخرج إلى بعض أهلها، فإن تركت الخروج ثمَّ خرجت في وقت آخر إلى بعض أهلها الذي أذن لها في الخروج؛ قال: أخاف أن يقع الطلاق عليها؛ لأنَّ هذا إذن في الخروج في هذا الوقت عادة.
وفي (المنتقى): إذا قالت المرأة لزوجها: ائذن لي في الخروج إلى بيت أبي فقال: إن أذنت لك في ذلك فأنت طالق ثمَّ قال لها: أذنت لك في الخروج، ولم يقل إلى أين لا يحنث في يمينه، وهذا بخلاف ما لو استأذن الغلام مولاه في تزوّج أمة رجل، فقال له المولى: إن أذنت لك في تزوّجها فامرأته طالق، ثمَّ قال بعد ذلك: قد أذنت لك في تزوّج النساء، أو قال: أذنت لك في التزوّج حنث (في) يمينه، وعلّل ثمّة في الفرق فقال: لأنّه لا يكون متزوّجًا غير امرأة، وقد تكون خارجة من الدّار إلى غير منزل أحد.
ومعنى هذا: أن التزوّج إذا كان لا يكون إلا بالمرأة فإذا أذن له في التزوّج مطلقًا يثبت الإطلاق في النسوة ضرورة ثبوت التزوّج الإطلاق في التزوّج، فكان نكاح هذه المرأة داخلًا تحت الإذن، وأمّا الخروج قد يكون لا إلى منزل أحد، فلم تكن من ضرورة الإطلاق في الخروج الإطلاق في جهة الخروج، فلا يكون الخروج إلى منزل أبيه داخلًا تحت الإذن فلهذا لا يحنث، وإذا قال لعبده: إن اشتريت هذا العبد بإذني فامرأتي طالق، ثمَّ أذن له في التجارة، فاشترى هذا العبد طلقت امرأة المولى، ولو قال: أذنت لك في شراء البُرّ، فاشترى هذا العبد لا تطلق امرأة المولى؛ لأنَّ الأوّل إذن عام أو مطلق، فتناول شراء العبد بعمومه أو بإطلاقه، فأمّا الثاني إذن خاص يتقيد بالبرّ، ولا يتناول بالدّقيق بحقيقته، ولكن صار مأذونًا في التجارات كلّها حكمًا لا بإذن ظهر منه حقيقة، ولا يتحقق شرط الحنث نظرًا إلى الحقيقة.
المعلى عن أبي يوسف رحمه الله: رجل حلف بطلاق امرأته أن لا تشرب نبيذًا إلا بإذن فلان، ولا تأكل طعامًا إلا بإذن فلان، قائمًا هذا الإذن على شربة واحدة، وعلى لقمة واحدة.
رجل قال: امرأتي طالق إن دخلت هذه الدّار، إلا أنَّ يأمرني فلان، فهذا على الأمر مرّة واحدة، ولو قال إلا أن يأمرني به فلان فلابد من الأمر في كلِّ مرّة. وعلى هذا إذا قال لغيره: إن عملت لك كذا إلا أن يأمرني فلان فهذا على الأمر مرّة، ولو قال: إلا أن يأمرني به فلان لابد من الأمر في كلِّ مرّة، والأصل أنَّ الحالف إذا وصل الأمر بالفعل المحلوف عليه بحرف الفاء يشترط الأمر في كلِّ مرّة، وإذا ذكر الأمر مطلقًا يكتفي بالأمر مرّة واحدة.
ولو قال لامرأته: إن خرجت من هذه الدّار إلا بإذني فأنتِ طالق، ثمَّ قال لها أطيعي فلانًا في جميع ما أمرك به، فأمرها فلان بالخروج فخرجت طلقت من قبل أن الزوج لم يأذن لها بالخروج. وكذلك لو قال الزوج لرجل: ائذن لها في الخروج، فأذن لها فخرجت طلقت، وكذلك لو قال ذلك الرجل: إنَّ زوجك قد أذن لك، وكذلك لو قال لها الزوج: ما أمرك به فلان فقد أمرتك (به)، ثمَّ أذن لها بالخروج فبلغها ذلك ثمَّ خرجت طلقت، ولو قال الزوج لرجل: قد أذنت لها بالخروج، فبلغها ذلك ثمَّ خرجت لم تطلق.
قال لامرأته: إن خرجت من هذا الدّار إلا بعلمي أو بغير علمي فأنتِ طالق، فخرجت وهو يراها فمنعها أو لم يمنعها لم تطلق؛ لأنَّها خرجت بعلمه.
وفي (المنتقى): إذا قال: إن خرجت من هذه الدّار بغير علمي فأنتِ طالق، فأذن لها بالخروج فخرجت بغير علمه لا تطلق؛ لأنَّ غرضه أن لا تخرج بغير رضاه، وفي (القدوري): إذا قال لامرأته إن خرجت من هذه الدّار إلا بإذني فأنتِ طالق، ثمَّ قال لها: إن فعلت كذا فقد أذنت لك لا يكون إذنًا، ولو قال لها أذنت لك أبدًا، أو الدّهر، أو كلّما شئت فهو إذن لها في كلِّ مرّة، ولو قال لها: أذنت لك عشرة أيّام، كان لها أن تخرج في العشرة ما شاءت، ولو عصبت وتهيّأت للخروج فقال الزوج: دعوها تخرج ولا نيّة له لم يكن إذنًا إلا إذا نوى الإذن، ولو قال لها في غضبه: اُخرجي ولا نيّة له كان على الإذن، إلا إذا نوى اخرجي حتّى تطلق؛ لأنَّ الأمر قد يقصد به التهديد وقد نوى ما يحتمله لفظه، وفيه تشديد عليه.
ولو حلف على امرأته بطلاقها أن لا تخرج من الدّار إلا بإذنه، أو حَلّف السلطان رجلًا بطلاق امرأته أن لا يخرج من البلدة إلا بإذنه، أو حَلَّف صاحب الدّين مديونه أن لا يخرج من البلدة إلا بإذنه فاليمين.... بحال قيام الزوجيّة والسلطنة والدّين، فإن بانت المرأة، وعزل السلطان، وسقط الدّين يسقط اليمين ثمَّ لا يعود أبدًا وإن عادت الولاية للسلطان والزوج وعاد الدّين.
وفي (المنتقى): عن أبي يوسف: سلطان حَلَّف رجلًا لا تدخل من هذا المسجد إلا بإذنه، ثمَّ عُزِل السلطان فقد سقط اليمين، وإن مات فاليمين على حالها. رجل خرج مع الوالي فحلف أن لا يرجع إلا بإذنه وقد سقط منه شيء فرجع كذلك لا تطلق؛ لأنَّ هذا الرجوع لا يراد باليمين عرفًا. وعن أبي يوسف فيمن حلف الطلاق على امرأته أن لا تخرج من بغداد إلا بإذنه، فقال الرجل: لم آذن لك، فادّعت المرأة الإذن فالقول قول الزوج، ولو قال لامرأته: أنتِ طالق إن خرجت من هذه الدّار إلا بإذن فلان، فمات فلان قبل الإذن بطلت اليمين في قول أبي حنيفة رحمه الله ومحمّد خلافًا لأبي يوسف. والأصل عندهما: أنَّ اليمين إذا انعقدت على فعل في المستقبل ومات المعقود عليه أنّ اليمين تبطل، وعند أبي يوسف لا تبطل. وسيأتي الكلام فيه في كتاب الأيمان إن شاء الله.
وفي (الفتاوى): إذا قال إن خرجتِ من هذه الدّار بغير إذني فأنتِ طالق، فقالت المرأة للزوج تريد أن أخرج حتّى أصير مطلقة، فقال الزوج: نعم، فخرجت تطلق؛ لأنَّ هذا تهديد وليس بإذن.

.نوع آخر في ذكر مسائل الشرط بكلمة إن:

ذكر شيخ الإسلام في شرح كتاب (الحيل): إذا وهب الرجل لرجل مالًا، ثمَّ إنّ الواهب قال للموهوب له: امرأتي طالق إن أنفقت هذا المال الذي وهبت لك إلا على أهلك، ثمَّ إنَّ الموهوب له أنفق بعض الهبة على أهله وقضى بالباقي دينًا عليه أو حجّ لا تطلق امرأة الواهب. علّل فقال: شرط برِّه إنفاق جميع الهبة على أهله، فيكون شرط حنثه ضدّ ذلك وهو إنفاق جميع الهبة على غير أهله، ولم يوجد ذلك ها هنا. قال: وهو نظير ما لو حلف لا يأخذ ماله على فلان إلا الجميع، فأخذ البعض دون البعض لا يحنث؛ لأنَّ شرط برّه أخذ جميع الدّين جملة، فيكون شرط حنثه ضدّه، وهو أخذ جميع الدّين متفرّقًا، وستأتي مسألة الاستشهاد في كتاب الأيمان مع أجناسها إن شاء الله.
إذا قال لامرأته: إن أكلت من القِدر الذي تطبخي أنتِ فأنتِ طالق، فإن أوقدت هي النّار فهي طابخة سواء حصل الإيقاد بعدما وضعت القدِر على الكانون أو في التّنّور أو قبل ذلك، وسواء حصل وضع القِدر على الكانون منها أو من غيرها، فإن أوقدت النّار غيرها، فليست بطابخة حصل الإيقاد بعدما وضعت القِدر على الكانون أو قبل ذلك، وإليه أشار في (القدوري) حيث قال: الطابخة توقد النّار دون التي تنصب القِدر ونصب القِدر ونصب الماء، وتَلَقّي الأباريق، واختيار الفقيه أبي الليث رحمه الله: أنّها تكون طابخة إذا وضعت القِدر في التنور، أو على الكانون بعد إيقاد النّار وإن حصل الإيقاد من غيرها قال الصدر الشهيد رحمه الله في (واقعاته): وعليه الفتوى. قال: ألا ترى في العادة التنّور إذا كان في سكّة توقد النّار فيه امرأة واحدة ثمَّ تضع كلّ امرأة قدرها في التنور؟ وبعد ذلك من كلّ واحدة منهنّ طبخًا.
وفي (فتاوى أبي الليث): إذا أراد الرّجل أن يجامع امرأته، فقال لها: إن لم تدخلي معي في البيت فأنتِ طالق، فدخلت بعدما سكنت شهوته وقع الطلاق عليها، وإن دخلت قبل ذلك لم تطلق؛ لأنَّ شرط الحنث عدم الدخول لقضاء شهوته فيها، وقد تحقّق ذلك في الصورة الأولى دون الثانية في الباب الأوّل من طلاق (الواقعات).
رجل خرج من بخارى إلى سمرقند وقال لامرأته: (آكر سيس من بيرون بياثي) مع فلانة، فأنتِ طالق ثلاثًا، فلم تخرج المرأة حتّى رجع الزوج من سمرقند، ينظر إن كانت فلانة خرجت ولم تخرج امرأته معها وقع الطلاق على امرأته، وإن كانت فلانة لم تخرج أيضًا فإن أراد الزوج بقوله: أن تخرجي مع فلانة أن يكون عدم خروجها شرطها لوقوع الطلاق، فإذا لم يخرجا وقع الطلاق على امرأته، وإن أراد الزوج بذلك: إن خرجت فلانة ولم تخرجي معها على إثري، فإذا رجع الزوج قبل خروج فلانة لا يقع الطلاق، وتسقط اليمين.
قال لامرأته: إن ذهبت إلى قرية كذا فأنتِ طالق، فذهبت المرأة إلى قرية أخرى، ومرّت بضياع تلك القرية ولم تدخل عمران تلك القرية لا تطلق؛ لأنَّ القرية اسم للعمران وهو الدّور والبيوت خاصّة. نصّ عليه في (شرح القدوري) في كتاب (البيع)، هذا إذا عقد يمينه على الذهاب، وإن عقدت يمينه على الخروج بأن قال: لها إن خرجت إلى قرية كذا فأنتِ طالق فخرجت إلى قرية أخرى ومرّت بضياع تلك القرية فإن كانت حين خرجت نوت أن تمرّ بتلك القرية طلقت، وإن كان من نيّتها أنّها لا تمرّ بتلك القرية، ثمَّ بدا لها بعد ذلك فمرّت بها لا تطلق.
قال لامرأته: إن تركتُ أو قال إن تركتُ صلاةً فامرأتي طالق، فترك صلاة أو تركت وقضاها هل يقع الطلاق؟ اختلف فيه المشايخ، قال بعضهم: لا يقع الطلاق، وبه كان يفتي الشيخ الإمام سيف الدّين عبد الرحيم الكرميني رحمه الله، لأنَّ ترك الصلاة أن يتركها ولا يقضيها، وبعضهم قالوا: يقع الطلاق، وبه كان يفتي القاضي الإمام ركن الإسلام عليّ السغدي رحمه الله، وهو الأشبه والأظهر؛ لأنَّ ترك الصّلاة أن يتركها عن وقتها،..... قال محمّد رحمه الله: إذا قضى المتروكة، وقال أيضًا: من ترك صلاة يوم وليلة وقضاها من الغد.
وفي (الفتاوى): سيّد أبو القاسم رحمه الله: قالت المرأة لزوجها: لا طاقة لي بالكون معك جائعة، فقال لها: إن كنت جائعة في بيتي فأنتِ طالق قال: إذا لم يكن كذلك في غير الصّوم لا تطلق، وسئل هو أيضًا عن امرأة خرجت إلى ضيافة فقال الزوج لها: إن سكنت هناك أكثر من ثلاثة أيّام فأنتِ طالق فرجعت في اليوم الثالث إلى قرية زوجها، ثمَّ رجعت ومكثت هناك أيّامًا، قال: لا أفتي بالطلاق غير أنَّ الاحتياط فيه أولى، وقال الفقيه أبو الليث رحمه الله: إن دخلت عمران قرية الزوج ثمَّ رجعت لا تطلق، وإن لم تدخل ينبغي أن لا تطلق؛ لأنَّ شرط الحنث المكث هناك بأكثر من ثلاثة أيّام في هذا الخروج من هذه القرية بدلالة الحال، ففيما إذا دخلت عمران قرية الزوج ثمَّ رجعت فهذا مكث في خروج آخر، وفيما إذا رجعت قبل أن تدخل عمران قرية الزوج فهذا مكث في الخروج الأوّل.
وفي (الفتاوى) أيضًا: رجل خرجت امرأته إلى قرية، فقال لها بالفارسيّة (آكربيش أزسه روز باشي) فأنتِ طالق، فانصرفت المرأة في اليوم الثالث إلى قرية أخرى، ثمَّ انصرفت إليها وأقامت بها أيامًا، فإن كان انصرافها من تلك القرية على أن لا تعود ثمَّ عادت لا تطلق، وإن كان انصرافها على أن تعود ثمَّ عادت تطلق؛ لأنَّ شرط الحنث الكينونة في تلك القرية أكثر من ثلاثة أيّام في هذه الخرجة، فهي خرجت من تلك القرية على أن لا تعود لم تبق الكينونة في تلك القرية، ومتى خرجت من تلك القرية على أن تعود إليها فالكينونة الأولى نافية، وفي المسألة الأولى لم يذكر مثل هذا التفصيل.
وسئل أيضًا: عمّن قال لامرأته: إن لم أشبعك من الجماع فأنتِ طالق، قال: لا يعرف ذلك إلا بقولها، وقال الفقيه أبو الليث والشيخ الإمام أبو حفص البخاري رحمهما الله: أنه إذا جامعها ودام على ذلك حتّى أنزلت فقد أشبعها ولا تطلق. قال الفقيه وبه نأخذ في فتاوى الفضلي إن لم أطأك كالدّر فأنتِ طالق ثلاثًا، فهذا على المبالغة في الجماع، وإن بالغ لم تطلق وإلا تطلق، وفي (الجامع الأصغر): إنَّ الجماع كالدّر أن ينزلا جميعًا في ذلك الجماع إذا قال لها: إن لم أطأك مع هذه المقنعة فأنتِ طالق ثلاثًا، ثمَّ قال لها: إن وطئتك مع هذه المقنعة فأنتِ طالق ثلاثًا، والحيلة في ذلك: أن يطأها بغير مقنعة، ولا يقع الطلاق ما دامت المقنعة قائمة وهما حيّان؛ لأنَّ شرط وقوع الطلاق في الحال يتحقّق، وهو وجود الوطء مع المقنعة، وكذلك العدم لا يتحقق أيضًا للحال، فإن مات أحدهما أو هلكت المقنعة وقع الطلاق؛ لأنَّ العدم قد تحقّق.
إذا قال لها: إن لم أجامعك على رأس هذا الرّمح فأنتِ طالق، فالحيلة في ذلك:.... أن يثقب السقف، ويخرج رأس الرمح من السطح فيجامعها عليه، ولو قال لها: إن لم أجامعك وسط النهار وسط السوق فأنتِ طالق، فالحيلة في ذلك: أن يحملها في عمارى ويدخل السوق ويفعل ذلك الفعل. إذا قال لامرأته: إن بتِ الليلة إلا في حجري فأنتِ طالق، فباتت في فراشه ولم يأخذها في حجره حقيقة، قال الله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّتِى في حُجُورِكُمْ} ولو قال بالفارسيّة (بكنار من آندر)، وباقي المسألة بحالها يجب أن تطلق.
وفي (أيمان فتاوى أهل سمرقند): إذا قال لها: إن لم أبت معك الليلة مع قميصك هذا فأنتِ طالق ثلاثًا، فقالت المرأة: إن بتّ معك مع قميصي هذا فجاريتي حرّة، فالحيلة في ذلك: أن يلبس الرّجل ذلك القميص فيبيتان ولا يجيبان؛ لأنَّ قصد الرّجل أن يبيت معها ومعه هذا القميص، وقصد المرأة أن لا تبيت لابسة قميصها.
إذا قال لامرأته: إن لم يكن ذكري أشدّ من الحديد فأنتِ طالق ثلاثًا، حكي عن شمس الأئمة الحلواني أنّها لا تطلق بهذه اليمين أبدًا؛ لأنَّ الحديد يذوب بالنّار وينتقص بالاستعمال، وذكره لا يذوب بشيء، ولا ينتقص بالاستعمال. وفي (فتاوى أبي الليث): إذا قال لها: إن شتمتني فأنتِ طالق وإن لعنتني فأنتِ طالق فلعنته. قال محمّد بن سلمة رحمه الله: يقع تطليقتان؛ لأنَّ في كلِّ لعنة شتمة، ألا ترى أنَّ من قال لامرأته: إن شتمتني فأنتِ طالق فلعنته طلقت امرأته، وقال نصر رحمه الله يقع طلقة واحدة لأنَّ الزوج عَبّر عن الشتم وعن اللعن، فدلّ تعبيره على أنّه أراد بقوله: إن شتمتني غير اللعن وإن كان في اللعن شتمًا. ولو قالت له: لا بارك الله فيك لا تطلق؛ لأنَّ هذا ليس بشتم بل دعاء سوء، وكذلك لو قالت له: يا جاهل يا حمار يا أبله لا تطلق؛ لأنَّ هذا ليس بشتم. ولو قال لها: إن شتمتك فأنتِ طالق فقال: أيُّ عراى ساحه، فهذا شتم عرفًا وإن كان لا يجب به الجدّ فتطلق بحكم العرف، ولو قال لها: إن شتمتني فأنتِ طالق، فقالت المرأة لولدها الصغير منه: (أي بلاه يحه) ينظر إن قالت ذلك لكراهة عن الولد لا يقع الطلاق؛ لأنّها شتمت الولد دون الوالد، وإن قالت ذلك لكراهة عن الولد تطلق لأنَّ هذا شتم للوالد، وهذا لأنَّ هذا اللفظ يصلح لشتم الولد ولشتم الوالد ويرجّح جانب شتم الولد في الفصل الأوّل، وجانب شتم الوالد في الفصل الثاني.
قال لامرأته إن أغضبتك فأنتِ طالق، فضرب صبيًّا لها فغضبت، ينظر إن ضربه في شيء ينبغي أن يضرب ويورث عليه لا تطلق؛ لأنَّ هذا ليس موضع الغضب، وإن ضربه في شيء لا ينبغي أن يُضرب ويورث عليه تطلق؛ لأنَّ هذا موضع الغضب.
إذا قال لامرأته (إن لم أقل عند الآن هذا موضع أحبك تلك قبيح في الدنيا عوك غدًا)، فأنتِ طالق، فهذا اليمين لا يقع على جميع أنواع القبيح؛ لأنّه لا يتصوّر عادة، وإنّما يقع على ثلاث من أنواع القبيح والفواحش، فإذا قال ثلاثًا من أنواع القبيح والفواحش عند اجتماع أشباهها يقع البر. قال لها: إن لم تكوني عليّ أهون من التراب فأنتِ طالق، إن استهان بها استهانة يُعَدُّ إفراطًا منها لا يحنث؛ لأنّها أهون عليه من التراب عادة.
دعا امرأته إلى الفراش فقالت المرأة: ما تصنع بي ويكفيك، ولأنّه لامرأته أحببته فقال الزوّج: إن كنت أحبُها فأنتِ طالق، تكلموا فيه، قال الصدر الشهيد رحمه الله: والمختار: أنّه لا يقع الطلاق وإن كان يحبّها ما لم يقل الزوج أحبّها؛ لأنَّ الطلاق معلّق بالإخبار على المحبّة.
رجل هدّد رجلًا بالسلطان، فقال المهدّد: إن كنت أخاف من السلطان فامرأتي طالق، إن لم يكن ساعة حلف على خوف من السلطان ولا كان سبيل من الخوف بحياته حياها يخاف من مثلها السلطان، رجوت أن لا تطلق امرأته إن لأنَّ الأمر كما زعم.
إذا قال لامرأته (آكر ترانير رود حياتك تا آكنون رفت) فأنتِ طالق ثلاثًا، فقيل هذا الكلام، ولابد من قرينة يصير بها معلومًا، فإن كان له متقدّمة يرجع بها ويتقيّد بها، وإلا يرجع إلى نيته، فإن نوى أنّي كنت أتجاوز عنكِ والساعة لا تجاوز عنها وقع الطلاق؛ لأن شرط الحنث قد وجد.
قيل لسكران هذا يقول من السّكر، فقال امرأتي طالق إن قلت هذا من السّكر، وليست بسكران فتسميه على ما يسميّه الناس سكرانًا، فإذا بعد كلامه ومعاملته والنّاس يسمّونه سكرانًا، فتطلق امرأته.
سئل أبو القاسم عن النساء يجتمعن يغزلن لأنفسهنَّ، ولغيرهن أيضًا على وجه القرض، فقصّ زوج امرأة وقال لها: إن غزلت لأحد أو غزل لك أحد فأنتِ طالق، ثمَّ إن امرأةً منهن وجهت إلى بيت هذه المرأة قطنًا لتغزله، فغزلته أمّها قال: إن كان من عادة أولئك النسوة أنَّ كلّ واحدةٍ تغزل لنفسها لا تطلق ما لم تغزل هي بنفسها.
وسئل أبو القاسم رحمه الله عمّن قال لامرأته: إن تكوني امرأتي فأنتِ طالق ثلاثًا، أنّه إن لم يطلّقها تطليقة ثانية عند فراغه من اليمين، طلقت ثلاثًا.
إذا قال لامرأته: إن لم أطلقك اليوم ثلاثًا فأنتِ طالق ثلاثًا، فالحيلة في ذلك: أن يقول لها: أنتِ طالق ثلاثًا على ألف، فتقول المرأة: لا أقبل، فإنَّ في هذه الصورة لا يقع الطلاق في رواية أبي حنيفة رحمه الله، وبه أخذ كثير من المشايخ؛ لأنّه أتى بالتطليق، ولكن على ألف وكان تطليقًا مقيدًا، والمقيد يدخل في المطلق، فيتقدّم شرط وقوع الطلاق وقيل هذه الرواية لا تصلح حيلة ويقع الطلاق؛ لأنَّ شرط وقوع الطلاق عدم التطليق، وما أتى به ليس بتطليق، بل هو تطليق والتطليق غير التطليق. ولو قال لها: إن لم أطلقك اليوم ثلاثًا على ألف درهم، فكذا، فهو على ما قال، فإن قال لها: أنتِ طالق ثلاثًا على ألف درهم فقالت: لا أقبل، لا يلزمه الحنث، وهذا الجواب يجب أن يكون على الروايات كلّها.
إذا قال لامرأته (آكر بحانة آندر ايش باشد برا طلاق) فإذا في البيت سراج، قال الفقيه أبي الليث: إن كان يمينه لأجل إيقاد النّار تطلق امرأته، وإن كانت يمينه لأجل الاصطلاء ونحوه لا تطلق امرأته، وإن لم يكن له نيّة لا تطلق امرأته؛ لأنّ هذا ممّا لا يسمّى نارًا على الإطلاق. وفي (فتاوى الفضلي) إذا قال لها: إن سألتني الليلة طلاقك فلم أطلقك فأنتِ طالق فأنتِ طالق ثلاثًا، فقالت المرأة: إن لم أسألك الليلة طلاقي فجميع مالي صدقة في المساكين، فسألت المرأة الطلاق، فقال لها الزوج: أنتِ طالق إن شئتِ، فقالت: لا أشاء ومضت الليلة لا تطلق، ولو قال لها: إن دخلت الدّار فأنتِ طالق، فمضت الليلة طلقت ثلاثًا.
والفرق: أنَّ قوله: أنتِ طالق إن شئت إيقاع؛ لأنّه تقدّر جعله تعليقًا بدلالة اقتصاره على المجلس، وقوله: إن دخلت الدّار تعليق فلم يكن إثباتًا لتطليق.
وفي (فتاوى أبي الليث): إذا قال لها بالفارسيّة (آكر توفر دازن من باشي) فأنتِ طالق ثلاثًا، فخالعها بعد ما طلع الفجر من الغد، ينظر إن كان مراد الزوج من كلامه السابق منع كونها امرأة له في شيء من الغد، فإذا أخّر الخلع إلى ما بعد طلوع الفجر طلقت ثلاثًا؛ لأنَّ شرط وقوع الثلاث قد وجد وهو كونها امرأة له في شيء من الغد، وإن لم يكن له نيّة إذا خالعها قبل غروب الشمس من الغد لا تطلق بحكم اليمين؛ لأنَّ البر إنما يتحقّق في آخر النّهار، وهي ليست امرأته في آخر النّهار، وإن خالعها قبل غروب الشمس من الغد ثمَّ تزوجها قبل غروب الشمس طلقت بحكم اليمين؛ لأنها امرأته قبل غروب الشمس، ولو خالعها قبل غروب الشمس ثمَّ تزوّجها في اليوم الجائي، لا تطلق بحكم اليمين؛ لأنّها لم تكن امرأته قبل غروب الشمس من الغد.
وفي (فتاوى سمرقند): إذا قال لها بالفارسيّة ليلًا: (آكر تراجزا مشب دارم) فأنتِ طالق ثلاثًا، فطلقها في الليلة تطليقة بائنة ومضت الليلة، ثم تزوّجها في الغد لا تطلق، وكذلك إذا قال لها نهارًا: (آكر جزا مروز ترادام) فطلقها تطليقة بائنة في هذا اليوم، ومضى اليوم لا تطلق؛ لأنَّ شرط الحنث في المسألة الأولى أن يديم نكاحها بعد مضي هذه الليلة. وفي المسألة الثانية أن يديم نكاحها بعد مضي هذا اليوم ولم يوجد، وهذا نكاح جديد، فلهذا لا تطلق بحكم اليمين.
وفي (فتاوى أبي الليث): رجل طلّق امرأته ثلاثًا، فتزوّجت بزوج آخر ودخل بها الزوج الثاني وفارقها، وقيل للزوج الأوّل: لمَ لا تتزوّجها، فقال بالفارسيّة: (آكر كار من با أو بيكوشود آكرا رحبايب ميخ مردسر شتست)، فهي طالق ثلاثًا ثمَّ تزوّجها قال: إن كان أراد بقوله (بيكو شود) أن يتزوّجها طلقت ثلاثًا؛ لأن شرط وقوع الطلاق قد تحقّق، وهو التزوّج. وإن كان أراد بقوله (بيكو شود) أن تصير حلالًا له لا تطلق؛ لأنها صارت حلالًا له قبل اليمين حال ما انقضت عدّتها من الزوج الثاني، فلم تنعقد اليمين؛ لأنّها عقدت على شرط موجود، فتكون إيقاعًا في الحال لا يمينًا، أو هي في الحال ليست بمنكوحة له، وليست في عدّته. وهذا الجواب يستقيم فيما إذا أراد بقوله: (حلال شود) حلّ التزوّج، وأمّا إذا أراد به حلّ الوطء بالتزوّج ينبغي أن تطلق؛ لأنَّ اليمين حينئذٍ يكون مضافًا إلى التزوّج، فينعقد وينحلّ عند التزوّج.
وفيه أيضًا: إذا قال لها: إن تزوجت عليك ما عشت فحلال الله عليّ حرام، ثمَّ قال لها: إن تزوجت عليك فالطلاق عليَّ واجب، ثمَّ تزوّج عليها امرأة، قال: يقع على كلِّ واحدة تطليقة، ويقع تطليقة أخرى يصرفها إلى أيّهما شاء؛ لأنَّ اليمين الأولى انصرفت إلى الطلاق عرفًا فينصرف إلى طلاق كل واحدة منهما، واليمين الثانية يمين بطلاق الواحدة منهما، وإذا تزوّج امرأة انحلّت اليمينان، فيقع باليمين الأولى على كلِّ واحدة تطليقة، ويقع باليمين الثانية طلاق آخر، فيصرفه الزوج إلى أيهما شاء؛ لأنَّ اليمين الأولى لما انصرف إلى الطلاق فصار كأنّه قال (دون وراء) طلاق.
ومن قال (زن وراء) وله امرأتان يقع الطلاق على إحداها على ما اخترناه قبل هذا، فها هنا يجب أن يكون كذلك.
إذا قال لامرأته في حالة الغضب: إن فعلت كذا إلى خمسين سنة تصيري منّي مطلقة، وأراد بذلك تخويفها، ففعلت ذلك الفعل قبل انقضاء المدّة التي ذكرها، فإنّه يسأل الزوج: هل كان حلف بطلاقها؟ فإن أخبر أنّه كان حلف بعمل يخبره بحكم يقع الطلاق عليها، وإن أخبر أنّه لم يحلف قُبِلَ قوله؛ لأن قوله: تصيري مطلقة بإيقاع مبتدأ يكون مني. معناه: وإن فعلت كذا أطلقك لا محالة، فيقبل قوله في قوله ذلك.
في (فتاوى شمس الأئمّة الأوزجندي) رحمه الله: إذا قال لامرأته: إن دخلت الدّار صرت مطلقة، فدخلت، فقال الزوج: أردت تخويفها لا يصدّق، وإذا قال لامرأته: إذا طلقتك فأنتِ طالق، وإذا لم أطلقك فأنتِ طالق، فلم يطلّقها حتّى مات طلقت ثنتين؛ لأنّه إذا لم يطلّقها حتّى مات فقد تحقّق شرط وقوع الطلاق باليمين الثانية، وعند ذلك يتحقق شرط وقوع الطلاق باليمين الأولى أيضًا، فلهذا قال طلقت تطليقتين، ولو بدأ فقال: إذا لم أطلقك فأنتِ طالق، وإذا طلقتك فأنتِ طالق، فمات قبل أن تطلق فهي طالق واحدة.
وفي (جامع إسماعيل بن حمّاد): إذا قال لها أنتِ طالق إذا لم أطلقك، وإذا طلقتك فأنتِ طالق فهي امرأته حتّى يموت، فإن طلقها طلقت ثنتين، وإن لم يطلقها طلقت واحدة إذا مات أو ماتت، إذا قال لامرأته ولم يدخل بها: إن خلوت بك أنت فأنتِ طالق، فخلا بها طلقت وعليه نصف المهر، هكذا روي عن محمّد رحمه الله؛ لأنّه صار مطلّقًا لها في أوّل الخلوة في حال لا يقدر على وطئها إلا بعد الطلاق.
وإذا قال: إن خطبت فلانة، أو قال كلّ امرأة أخطبها فهي طالق فاليمين لا تنعقد، حتّى لو تزوّج فلانة في الصورة الأولى، أو تزوّج امرأة في الصورة الثانية لا تطلق؛ لأنَّ الخطبة غير العقد، وهي تسبق العقد فلا يكون هو بهذا اللفظ مضيفًا الطلاق إلى الملك، ولا تنعقد اليمين وهذا في لسان العربية، أمّا بالفارسيّة: إذا قال: (آكر فلا نرا نحواهم)، أو قال (مرزني كه نحواهم)، فعن كلّ موضع يكون هذا اللفظ مبهم تفسيرًا للخطبة لا تنعقد اليمين أيضًا، وفي كل موضع يريدون بهذا اللفظ التزوّج تنعقد اليمين إذا كان مراده هذا........ وإذا تزوجها هذه الجملة مذكورة في شرح (كتاب الحيل) لشمس الأئمة السرخسي رحمه الله، في عرف ديارنا قوله (نحواهم) تفسير قوله: نكحت أو تزوّجت فتنعقد اليمين.
ولو قال: (آكر فلان هكواهم يدكر كنم) فهذا تفسير الخطبة في عرفنا، ولا تنعقد اليمين بهذه اللفظة، حتّى لو تزوّجها لا يقع الطلاق.
ولو قال بالفارسيّة (آكرد حتر فلان مراد هندورا طلاق) فتزوجها لا تطلق؛ لأنّه لم يذكر النكاح، ولو قال: (يرني دهند) وباقي المسألة بحالها إذا تزوّجها طلقت، هكذا ذكر الفضلي رحمه الله في (فتاويه)، ومن المشايخ من قال: لا تطلق في الوجهين؛ لأنَّ اليمين عقدت على التزوّيج فتنحلّ اليمين بالتزوّيج قبل الدخول في نكاحه. وهو نظير ما لو قال لامرأته: إن جلست في نكاحك فأنتِ طالق، فجلس ثمَّ تزوّجها لا تطلق؛ لأن اليمين انحلّت قبل الدخول في نكاحه، وقيل: ينبغي أن تطلق في الوجهين جميعًا؛ لأنَّ شرط الحنث وإن كان هو التزويج إلا إن قام التزويج بتزوّجه، وعند ذلك هي في نكاحه، وسيأتي بعد هذا مسألة ذكرها محمّد رحمه الله في كتاب (الحيل) تؤيّد هذا القول.
والجواب في قوله: (آكرد حتر فلان بمن برني داده شود ورا طلاق) نظير الجواب في قوله (آكرد حتى فلان يرني بمن وهند).
إذا قال: إن ضرطتُ فامرأتي طالق، فخرج منه الضراط من غير قصده لا تطلق امرأته؛ لأنَّ يمينه وقعت على العمد، وهو نظير ما لو حلف أن لا يدخل، فأدخل مكرهًا، أو حلف لا يخرج فأخرج مكرهًا.
قال لامرأته: إن اشتريت جارية فدخلت عليك الغيرة فأنتِ طالق، فهذا على وجود الغيرة وقت الشراء لا بعده، قال الفقيه أبو الليث رحمه الله، ويشترط لوقوع الطلاق أن تظهر الغيرة بلسانها، وأمّا لو دخلت في قلبها غيرة ولم تظهر بلسانها لا تطلق.
وعن أبي يوسف رحمه الله فيمن قال لامرأته: إن سررتك فأنتِ طالق، فضربها فقالت سرني ذلك، قال هذا لا يكون على الضرب، وإنّما على ما يسرّها، قيل: فإن أعطاها ألف درهم فقالت: لم أُسرّ قال القول قولها، قال الفقيه أبو الليث رحمه الله؛ لأنّه يحتمل أنّها كانت تطلب الألفين، فلم تسرها الألف.
وفي (المنتقى): رجل قال لامرأته: أنتِ طالق إن كلمتك إلى سنة، اذهبي يا عدو لله فقد كلمها، ولو قال: فاذهبي أو قال: واذهبي لا تطلق ما لم يكلمها بكلام آخر، ولو قال اذهبي طلقت؛ لأن هذا كلام منقطع عن الأوّل والأوّل متصل باليمين فكان له حكم اليمين، ولابد من كلام آخر بعد ذلك للحنث.
وفيه أيضًا: إذا قال لأجنبية: إن تزوجت عليك فأنتما طالقان، أو قال فأنت وهي طالقان، فتزوّجها ثمَّ تزوّج عليها طلقت.
سئل الفقيه أبو جعفر رحمه الله عن ترمذي تزوّج ببلخ امرأة بلخيّة ثمَّ إنها ذهبت إلى ترمذ بحيث لا يعرف زوجها، ثمَّ قيل له: إن لك بترمذ امرأة، فقال: إن كان لي بترمذ امرأة فهي طالق ثلاثًا. قال: قال أبو نصر رحمه الله لا تطلق وبه قال أبو يوسف، وقال غيره: تطلق، وبه قال محمّد قال وهذا....... إن أحد يقول أبو نصر فعلى هذا إذ....... امرأة، فقيل لرجل: هذه امرأتك ثمَّ قيل له احلف بالطلقات الثلاث إن كان لك امرأة سواها، فحلف فإذا....... أجنبيّة، هل تطلق امرأته؟ فالمسألة تكون على الخلاف.
قال الصدر الشهيد رحمه الله: المختار للفتوى أنّها تطلق في الفصلين قضاء لا ديانة، وهو نظيرها لو لقيت المرأة زوجها طلاقها، فطلقها وهو لا يعلم به.
وفي (فتاوى ما وراء النهر): إذا قال الرجل لامرأته: إن اشتريت بالخبز ما من السقّاء إلى.... فاشترت من الماء بالخبز تطلق، ولو كانت دفعت الخبز إلى السقاء أوّلًا ليحمل إليها الماء بهذا لا تطلق، وقيل تطلق لأنّه سواء عرفًا، سئل أبو نصر الدبوسي رحمه الله عمّن قال: إن تزوجت فلانة أبدًا فهي طالق، فتزوجها مرّة حتّى طلقت أو تزوّجها مرّة أخرى لا تطلق.

.نوع آخر في ذكر مسائل الشرط بكلمة كل وكلّما:

إذا قال: كلّ امرأة تكون لي ببخارى فهي طالق، فتزوّج امرأة ببخارى طلقت، ولو تزوّج امرأة في غير بخارى ونقلها إلى بخارى لا تطلق؛ لأن في العرف يراد بقولهم يكون التزوّج قائمًا عقد اليمين على امرأة ببخارى، فالمرأة التي تزوّجها في غير بخارى ليست بداخلة تحت اليمين في (فتاوى أبي الليث).
وفيه أيضًا: إذا قال: كلّ امرأة أتزوّجها في قرية كذا فهي طالق، فتزوّج امرأة في تلك القرية، إن كانت من أهل تلك القرية لا شكّ أنها تطلق، وإن كانت من غير أهل تلك القرية لم يذكر هذا الفصل ثمّة وينبغي أن تطلق؛ لأنّه تزوّجها في تلك القرية.
ولو قال كلُّ امرأة أتزوّجها من تلك القرية فهي طالق، فتزوّج امرأة من أهل تلك القرية حيث ما تزوّجها تطلق.
إذا قال: (هرزني كه مرا بودتاسي سال) فهي طالق، وإن لم ينوِ شيئًا يقع الطلاق على التي يتزوّجها، ولا يقع على التي كانت عنده وقت اليمين؛ لأنّ قوله؛ (هرزني كه مرا بود) صار عبارة عن قوله (هرزني كه بزني كندا ورا) عرفًا فانصرف المطلق إليه، وذلك الجواب فيما إذا نوى ما...... هكذا اختاره الفقيه أبو الليث رحمه الله.
وحكي عن بعض مشايخ بخارى أنَّ قوله (بود) يقع على المرأة التي تحته للحال، وإن نوى الحالية وما يستعيد ينصرف إليهما؛ لأنّه نوى ما يحتمله لفظه، فإنّه جعل قوله (بود) عبارة عن الكائنة في هذه المدّة، وعند الشرط إن علّق الطلاق بالشرط والحاليّة كائنة والذي يستعيدها كذلك، وإن نوى الحاليّة غير ما يستعيد لم ينقل عن المتقدّمين في هذا الفصل شيءٌ، هكذا ذكر الصدر الشهيد رحمه الله في (واقعاته) قال رحمه الله: والظاهر أنّه يقع عليها، وقد ذكرنا عن بعض مشايخ بخارى أنَّ قوله: (بود) من غير نيّة يقع على امرأته التي تحته للحال، ولا يقع على التي يتزوّجها فها هنا أولى.
وأمّا إذا قال (هرزني كه ورا بائد) فهذا وما لو قال (هرزني كه ورا بود) سواء، وأمّا إذا قال (هرزني كه ورا بود وباشد) حكي عن الشيخ الإمام شيخ الإسلام أبي الحسن عطاء بن حمزة رحمه الله أنّه قال: كان المتقدّمين من مشايخ سمرقند يقولون بأنَّ هذه اليمين لا تنعقد على قياس قول أبي حنيفة رحمه الله؛ لأنَّ قوله: (بود باشد) بمعنى واحد، فيصير أحدهما آخرًا فاصلًا بين الشرط والجزاء كما في قول الرّجل لعبده: أنت حرّ وحرًّا إن شاء الله، صار أحد اللفظين فاصلًا بين الجزاء والاستثناء عند أبي حنيفة رحمه الله، فها هنا يجب أن يكون كذلك.
قال رحمه الله: فأمّا مشايخنا وأساتيذنا من أهل سمرقند كانوا يقولون بصحّة هذه اليمين...... هكذا ذكر عن مشايخ بلخ، وعن مشايخ بخارى أنّهم كانوا يقولون بصحّة هذه اليمين وانعقادها، غير أنَّ بعض مشايخ بخارا كانوا يقولون بأنَّ قوله (بود) يقع على المرأة التي تحته للحال، وقوله: (باشد) يقع على المرأة التي يستعيدها، ويقع الطلاق عليهما من غير نية.
وبعضهم كانوا يقولون بأن هذه المسألة والمسألة الأولى سواء لا يقع الطلاق على المرأة التي تحته في الحال إلا بالنيّة.
وفي (فتاوى النسفي): إذا قال: (آكر فلان كركنم هرزني كه نجواهم خواستن آزمن بطلاق)، ففعل ذلك ثمَّ تزوّج امرأة لا تطلق؛ لأنّه ما (أضاف) الطلاق إلى الملك، وإنّما أضاف إلى إرادة التزوّج.
قال في (الرقيات): إذا قال الرجل لرجلين: كلّما أكلت عندكما طعامًا فامرأته طالق، فتغدَّى عند أحدهما اليوم، وتغدَّى عند الآخر غدًا طلقت امرأته ثلاثًا؛ لأنه لما تغدى صفة الأوّل، فأكل ثلاثة لقم أو أكثر فكأنّه أكل عنده ثلث مرات، فإذا تغدّى عند الآخر فأكل عنده ثلاثة لقم فكأنّه أكل عنده أيضًا ثلاث مرات، فقد وجد الأكل عندهما ثلاث مرات، والأكل عندهما في كلِّ مرّة شرط وقوع طلاق تطليقة، ولذا إذا قال لأحدهما: كلّما أكلت عندك ثم أكلت عند هذا فامرأته طالق كان الجواب كما قيل.
قلنا: المعلى عن أبي يوسف: إذا قال الرّجل لامرأته: كلّما امرأة أتزوّجها من أقرانك أو قال من أنسابك فهي طالق، أو قال: فأنتِ طالق، فكلُّ امرأة ولدت معها في سنها فما دونه فهي من أقرانها وأنسابها ابن..... عن أبي يوسف إذا قال كلما تزوجت امرأتين فإحداهما طالق، فتزوّج أربعًا طلقت ثنتين منهنّ، والخيار إليه.
عن محمّد رحمه الله: إذا قال الرجل لامرأته: كل امرأة أتزوّجها من أهل بيتك فهي طالق، ولها ابنة فإن كان نوى ابنتها دخلت تحت اليمين، وإن لم يكن نواها لم تدخل تحت اليمين؛ لأنّها من أهل بيت زوجها؛ لأنَّ المراد من أهل البيت بنت النسب، والنسب من الآباء دون الأمهات، وإنّما أهل بيت المرأة من كانت من قبل أنّها أخواتها وعمّاتها وبنات أخيها.
وفي (الأصل): إذا قال لامرأته وقد دخل بها: إذا طلقتك فأنتِ طالق، فطلقها واحدة يقع عليها ثنتان؛ لأنّه حلف بطلاقها وجعل شرط وقوع الطلاق عليها تطليقها، فإذا قال لها: أنتِ طالق فقد طلقها فيقع عليها تطليقة بالإيقاع وتطليقة بالحنث، فإن قال: عنيت به الإخبار عن كونها طالقًا إذا طلقها، فإنّه لا يصدّق في القضاء ويصدّق فيما بينه وبين الله تعالى.
كما لو قال لها: أنتِ طالق أنتِ طالق وقال: عنيت بالثانية الإخبار عن كونها طالقًا أن يُطلقها، فإنّه لا يصدّق في القضاء ويصدّق فيما بينه وبين الله تعالى، وكذلك إذا قال: متى طلقتك فأنتِ طالق فإنّه يقع عليه ثنتان لما قلنا، وإذا قال لها: كلّما طلقتك فأنتِ طالق، ثمَّ طلقها واحدة فإنّه يقع عليها ثلاث تطليقات.
والفرق: أنَّ في قوله كلّما وقع عليك طلاق شرط الحنث وقوع الطلاق عليها، وقد تكرّر الوقوع، فإنّه يقع عليه تطليقتان بالإيقاع وتطليقة بالحنث، وفي قوله: كلّما طلقتك شرط الحنث تطليقها، ولم يطلّقها إلا مرّة واحدة فإنّه لم يقل لها: أنتِ طالق إلا مرّة واحدة.
وفي (الجامع): رجل قال لامرأتين له وقد دخل بهما: كلّما حلفت بطلاق كلّ واحدة منكما فكل واحدة منكما طالق، قال ذلك مرّتين يقع على كلّ واحدة منهما تطليقة بالحنث في اليمين الأولى، ولو قال: كلّما حلفت بطلاق واحدة منكما، فكلّ واحدة منكما طالق وباقي المسألة بحالها يقع على كلّ واحدة منكما تطليقتان، ولو قال: كلّما حلفت بطلاق واحدة منكما فهي طالق، قال ذلك مرّتين وقع على كلّ واحدة منهما تطليقة، وكذلك إذا قال: كلّما حلفت بطلاق واحدة منكما طالق أو قال: وإحداكما طالق، قال: يقع تطليقة واحدة على إحداهما بغير عينها، والخيار إليه.
وفي (الجامع) أيضًا: رجل له امرأتان دخل بواحدة منهما دون الأخرى، فقال كلّما حلفت بطلاق واحدة منكما فأنتما طالقان، قال ذلك مرّات طلقت المدخولة ثلاثًا، وغير المدخولة ثنتان، والله أعلم.

.نوع آخر في عطف الشروط بعضها على البعض:

يجب أن تعلم بأنَّ الحالف إذا ذكر شرطين وذكر بينهما جزاء يقدّر كلّ شرط في موضعه يعتبر الشرط الأوّل شرطًا لانعقاد اليمين، والشرط الثاني شرطًا لانحلال اليمين ويزول الجزاء؛ لأنّ الشرط الأوّل إذا ذكر يتحقق الجزاء؛ لأنّ الشرط بدون الجزاء لا يعتبر لأنّه لا يعتد، وإنما يصير معتدًا بالجزاء، والجزاء ما يذكر عقيب حرف الفاء، والمذكور عقيب حرف الفاء يمين عامّة، وهي الشرط والجزاء، فيجعل جزاء الشرط الأوّل، إذ اليمين الثانية تصلح جزاءً للشرط، وإذا صارت جزاءً للشرط الأوّل يوجب وجود اليمين وانعقادها على وجود الشرط الأوّل، فإذا وجد الشرط لأوّل انعقدت اليمين وتعلّق الجزاء بالشرط الثاني حتّى يزول بوجوده، فهو معنى قولنا: إن الشرط الأوّل يعتبر شرطًا لانعقاد اليمين، والشرط الثاني يعتبر شرطًا لانحلال اليمين ويزول الجزاءان.
هذا الأصل فيما إذا قال: كل امرأة أتزوّجها فهي طالق إن كلمت فلانًا، فتزوّج امرأة قبل الكلام وامرأة بعد الكلام تطلق المتزوّجة قبل الكلام، ولا تطلق المتزوّجة بعد الكلام عند أبي يوسف ومحمّد رحمهما الله، هكذا ذكر المسألة في (الجامع) وروى أصحاب (الأمالي) عن أبي يوسف: أنّه تطلق المتزوّجة بعد الكلام، ولا تطلق المتزوّجة قبل الكلام. بعض مشايخنا قالوا: ذكر في (الإملاء) قول أبي يوسف رحمه الله أوّلًا، وما ذكر في (الجامع) قول أبي يوسف آخرًا، وبعضهم قالوا في المسألة روايتان عن أبي يوسف، وهذا إذا لم يوقّت لذلك وقتًا.
وأمّا إذا وقّت لذلك وقتًا بأن قال: كلّ امرأة أتزوّجها أبدًا، أو إلى ثلاثين سنة تطلق المتزوّجة قبل الكلام والمتزوّجة بعد الكلام، وهذا إذا قدم ذكر الوقت، وأمّا لو قدّم ذكر الكلام بأن قال: إن كلّمت فلانًا فكلُّ امرأة أتزوّجها أبدًا أو إلى ثلاثين سنة فهي طالق، تطلق المتزوّجة بعد الكلام ولا تطلق المتزوّجة قبل الكلام، وإنّما وقع الفرق بين تقديم ذكر الوقت وتأخيره؛ لأنّه إذا قدّم ذكر الوقت فقد أوقع الطلاق على كلّ امرأة يتزوّجها في ذلك الوقت، إلا وأن يجعل الكلام شرطًا ليزول الجزاء في حقّ المتزوّجة قبل الكلام وحقّ شرط الانعقاد لليمين في حقّ المتزوّجة بعد الكلام.
وإذا قدّم ذكر الكلام فقد أوقع الطلاق على كلّ امرأة يتزوّجها بعد الكلام أبدًا، وأمكن القول بوقوع الطلاق على كلّ امرأة يتزوّجها بعد الكلام أبدًا من غير تعيين ومن غير أن يعتبر الشرط الواحد شرطًا لانعقاد اليمين، وليزول الجزاء، فاعتبرنا الكلام شرطًا لانعقاد اليمين لا غير، وصار كأنّه قال عند الكلام: كلّ امرأة أتزوّجها أبدًا فهي طالق، فيقع الطلاق على كلّ امرأة يتزوّجها بعد الكلام، ثمَّ إذا لم يذكر الوقت حتّى لم تطلق المتزوّجة بعد الكلام. لو كلّم فلانًا مرة أخرى هل تطلق؟ ذكر في (الجامع) أنها لا تطلق؛ لأنّها لو طلقت؛ أمّا إن طلقت بالكلام الأوّل ولا وجه له؛ لأنّه وجد قبل انعقاد اليمين، وأمّا إن طلقت بالكلام الثاني ولا وجه إليه؛ لأنّ الكلام حينئذٍ يصير شرطًا متكرّرًا ولا وجه إليه؛ لأنّه ذكر الكلام بكلمة إن، وإنّها لا توجب التكرار، وزعم بعض مشايخنا أنّ المذكور في (الجامع) يخالف المذكور في (القدوري).
فقد ذكر في (القدوري) أنّ من قال: كلّ امرأة أتزوّجها فهي طالق إن دخلتِ الدّار، فدخلت الدّار ثمَّ تزوّج امرأة لا يقع الطلاق عليهما، فإن دخل الدّار ثانيًا وقع عليها الطلاق. قال الصدر الشهيد: قال والدي تاج الدين تغمّده الله بالرحمة والرضوان. وليس الأمر كما زعموا؛ لأنّ موضع المذكور في (القدوري) أنّه دخل الدّار بالتزوّج أصلًا، والدخول قبل التزوّج لم تنعقد اليمين عليه، ولم يصر شرطًا في اليمين أصلًا، فصار أن يقع الطلاق بدخول آخر يوجد بعد التزوّج، أو الدخول حينئذٍ لا يصير شرطًا متكرّرًا، وموضوع المذكور في (الجامع) أنّه يتزوّج امرأة قبل الكلام وامرأة بعد الكلام، ثمَّ كلّم فلانًا مرّة أخرى والكلام الأوّل انعقد عليه اليمين، واعتبر شرطًا في حقّ اليمين المتزوّجة قبل الكلام، حتّى يقع الطلاق على المتزوّجة قبل الكلام بالكلام الأوّل بحكم اليمين، وإذا صار الكلام الأوّل شرطًا بحكم هذا اليمين لا يصير الثاني شرطًا؛ لأنّ الكلام بحكم هذا اليمين غير مكرّر حتّى إن في مسألة الجامع لو لم يصر الكلام الأوّل شرطًا فإن لم يتزوّج امرأة أصلًا حتّى كلّم فلانًا ثمَّ تزوّج امرأة يقع الطلاق عليها إذا كلّم فلانًا.
وفي (مسألة القدوري): لو صار الدخول الأوّل شرطًا بأن تزوّج امرأة، ثمَّ دخل الدار، ثمَّ تزوّج امرأة لا تطلق المتزوّجة بعد الدخول، وإن دخل الدّار بعد ذلك مرّة أخرى، فإذًا لا مخالفة بينما ذكر في (الجامع) وبينما ذكر (القدوري) من حيث المعنى، وإنّما المخالفة من حيث الصورة لاختلاف الوضع، ولو قال: إن كلمت فلانًا فكلُّ امرأة أتزوّجها فهي طالق، ففي هذه الصورة تطلق المتزوّجة بعد الكلام، ولا تطلق المتزوّجة قبل الكلام.
هذا كلّه إذا ذكر الحالف شرطين وذكر بينهما جزاء، وأمّا ذكر شرطين ولم يذكر بينها جزاءه وإنّما ذكر الجزاء عقيبها، فإن ذَكَرَ بين الشرطين حرفَ العطف يتعلّق الجزاء بهما، ويصيران في معنى شرط واحد.
بيانه: فيما إذا قال لها: إن دخلت هذه الدّار وهذه الدّار فأنتِ طالق فإنّها لا تطلق ما لم تدخل الدّارين، وإن لم يذكر بينهما حرف العطف يجعل الشرط الأوّل شرط الجزاء، وانحلّ اليمين، ويجعل الشرط الثاني شرط انعقاد اليمين.
بيانة: في قوله: كلّ امرأة أتزوّجها إن دخلت الدّار فهي طالق، فتزوّج امرأة قبل الدخول وامرأة بعد الدخول تطلق المتزوّجة بعد الدخول، ولا تطلق المتزوّجة قبل الدخول، ويصير تقدير المسألة: إن دخلت الدّار فكلّ امرأة أتزوّجها فهي طالق، وهو معنى قول محمّد رحمه الله في الكتب: الشرط إذا اعترض على الشرط قبل مجازاة الأوّل بشيء يجعل المقدم هو جزاء، والمؤخّر مقدّمًا. وإن ذكر شرطين وقدّم الجزاء عليهما إن جمع بينهما بحرف الجمع يتعلّق الجزاء بهما أيضًا.
بيانه: فيما إذا قال لها: أنتِ طالق إن دخلت هذه الدّار وهذه الدّار، فإنّها لا تطلق ما لم تدخل الدارين، وإن لم يجمع بينهما بحرف الجمع يجعل الشرط الثاني شرط انعقاد اليمين.
بيانه: فيما إذا قال لأجنبيّة: أنتِ طالق إن تزوجتك إن كلمت فلانًا، ثمَّ تزوجها تطلق، ولو تزوّجها أوّلًا ثمَّ كلّم فلانًا لا تطلق. هذا إذا لم يذكر كلّ شرط بصريح حرف الشرط، فإن ذكر الجزاء بينهما يقدر كلّ شرط في موضعه، ويعتبر الأوّل شرطًا لانعقاد اليمين، ويعتبر الشرط الثاني شرطًا لانحلال اليمين ويزول الجزاء.
بيانه: فيما إذا قال لها: إن دخلت هذه الدّار فأنتِ طالق إن كلّمت فلانًا، فدخلت الدّار ثمَّ كلمت فلانًا تطلق، ولو كلمت فلانًا أوّلًا ثمَّ دخلت الدّار لم تطلق، وإن ذكر الجزاء أوّلًا فإنْ جمع بين الشرطين بحرف الجمع فإنّه يعتبر كلُّ شرط شرطًا ليزول الجزاء أوْ لا يشترط اجتماعهما، وإذا وجد إحداهما ويزول الجزاء فيبطل اليمين. بيانه: فيما ذكر (القدوري): إذا قال لها: أنتِ طالق إن دخلت هذه الدّار وإن دخلت هذه الدّار الأخرى. فدخلت إحدى الدّارين طلقت وبطلت اليمين؛ لأنّه لمّا أعاد حرف الشرط لم يكن عطفًا على الأوّل في الشرطية، بل كان شرطًا على حدة وصار جزاء الأوّل مضمرًا فيه. كأنّه قال: أنتِ طالق إن دخلت هذه الدّار أنتِ طالق إن دخلت هذه الدّار الأخرى تلك التطليقة، وهناك يقع الطلاق بدخول إحدى الدّارين وتبطل اليمين؛ لأنّ جزاء الثاني لم يبق كذا ها هنا.
وكذلك الجواب فيما إذا قال لها: أنتِ طالق إن دخلت هذه الدّار وإن كلمت فلانًا، أمّا إذا لم يجمع بينهما بحرف الجمع يجعل الشرط الآخر مقدّمًا على الجزاء، حتّى يصير الجزاء بين الشرطين، ويصير الشرط الآخر شرطًا لانعقاد اليمين، ويصير الأوّل شرطًا لانحلال اليمين. بيانه فيما ذكر في (الجامع) إذا قال: عبدي حرّ إن دخلت هذه الدّار إن كلّمت فلانًا، فدخل الدّار أوّلًا ثمَّ كلّم فلانًا لا يعتق عبده، ولو كلّم فلانًا أوّلًا ثمَّ دخل الدّار عتق؛ لأنّ الشرط الثاني وهو الكلام صار مقدّمًا على الجزاء، وصار تقدير المسألة: إن كلّمت فلانًا فعبدي حرّ إن دخلت الدّار، وهناك كان الجواب كما قلنا، وها هنا كذلك.
وإن ذكر الجزاء آخرًا إن جمع بين الشرطين بحرف الجمع ففي قول محمّد رحمه الله يعتبر كلامهما شرطًا واحدًا ويشترط وجودهما لزوال الجزاء، وفي قول أبي يوسف يعتبر كلُّ شرط شرطًا ليزول الجزاء ولا يشترط وجودهما ليزول الجزاء.
بيانه فيما ذكر (القدوري): إذا قال لها: إن دخلت هذه الدّار وإن دخلت هذه الدّار الأخرى فأنتِ طالق، فعلى قول محمّد رحمه الله لا تطلق إلا بدخول الدارين، وعلى قول أبي يوسف رحمه الله: تطلق بدخول إحدى الدارين، أبو يوسف يقول: لا فرق في الأيمان بين تقديم الجزاء أو تأخيره، ومحمّد فرّق بينهما، وإن لم يجمع بين الشرطين بحرف الجمع يجعل الشرط الأوّل مؤخّرًا عن الجزاء، حتّى يصير الجزاء بين الشرطين، ويصير الشرط الأوّل شرط انحلال اليمين والشرط الآخر شرط انعقاد اليمين.
بيانه فيما ذكر في (الجامع) إذا قال: إن دخلت الدّار إن كلّمت فلانًا فعبدي حرّ، ودخل الدّار أوّلًا ثمَّ كلّم فلانًا لا يعتق عبده، ولو كلّم فلانًا أوّلًا ثمَّ دخل الدّار عتق عبده؛ لأن الشرط الأوّل وهو الدخول صار مؤخّرًا عن الجزاء، وصار تقدير المسألة: إن كلّمت فلانًا فعبدي حرّ إن دخلت الدّار، وهناك لا يعتق العبد ما لم يوجد الكلام قبل الدخول كذا ها هنا، وروي عن محمّد رحمه الله في غير رواية الأصول أنّه رجع عن التقديم والتأخير في الشرط المعترض على الشرط، بل قدّر كلّ شرط في موضعه وأضمر حرف العطف، حتّى صار تقدير المسألة فيما إذا قدّم الجزاء: عبدي حرّ إن دخلت الدّار وإن كلّمت فلانًا، وصار تقدير المسألة فيما إذا أجرى الجزاء: إن دخلت الدّار وإن كلّمت فلانًا فعبدي حرّ، وصار تقدير المسألة في قوله: كلُّ امرأة أتزوّجها إن دخلت الدّار فهي طالق، كلُّ امرأة أتزوّجها فإن دخلت الدّار فهي طالق، فتطلق المتزوّجة قبل الدخول، ولا تطلق المتزوّجة بعد الدخول.
وروى ابن سماعة عن أبي يوسف رحمهما الله: أن الحالف إذا ذكر شرطين مرتبين فعلًا من حيث العرف نحو قوله: إن دعوتني إن أجبتك فعبدي حرّ، إن أكلت إن شربت فعبدي حرّ، فإنّه يعتبر هذا الترتيب الظاهر، وقدر كلّ شرط في موضعه حتّى إذا شرب أوّلًا ثمَّ أكل لا يعتق عبده، ولو أكل أولًا ثمَّ شرب عتق عبده؛ لأنّ الأكل يتقدّم على الشرب فعلًا من حيث العرف.
وأما إذا ذكر شرطين غير مرتبين فعلًا من حيث العرف نحو قوله: إن أكلت إن كلّمت فلانًا، ونحو قوله: إن شربت إن أكلت، يجعل المقدّم مؤخرًا أو المؤخّر مقدّمًا، كما هو ظاهر مذهب محمّد رحمه الله. ولو قال لها: إن دخلت هذه الدّار فأنتِ طالق وهذه الدار، فإنّها لا تطلق ما لم تدخل الدُّارين؛ لأنّ قوله: وهذه لا يصلح عطفًا على الجزاء، فيجعل عطفًا على الشرط، وتخلّلُ الجزاء بينهما لا يمنع صحّة العطف، هكذا ذكر (القدوري): رحمه الله في كتابه.
قال في (الجامع): وإذا قال الرجل: كلُّ امرأة أملكها فهي طالق إن دخلت الدّار، أو قال: إن دخلت الدّار فكل امرأة أملكها فهي طالق، وفي ملكه يوم اليمين امرأة ثمَّ تزوّج امرأة قبل الدخول وامرأة بعد الدخول طلقت التي كانت في ملكه يوم اليمين، ولا تطلق التي استعادها بعد اليمين، وهذا الاستحسان، والقياس: أن تطلق التي يملكها في المستقبل، ولا تطلق التي كانت في ملكه يوم اليمين.
وجه القياس: وهو أنَّ كلمة أفعل للاستقبال، كقوله أسافر وأتزوّج، فكأنّه صرّح الاستقبال.
وجه الاستسحان أنَّ صفة أفعل للاستقبال حقيقة، وللحال حقيقة؛ لأنها مستعملة فيهما في الاستقبال كقول الرّجل: أسافر وأتزوّج وفي الحال كقول الرّجل بين يدي القاضي: أشهد.
بعد هذا اختلف عبارة المشايخ، بعضهم قالوا: إنّها للحال أحقّ إذ ليس للحال صفة أخرى، وللاستقبال صفة أخرى وهي سأفعل، سوف أفعل، فإذا كانت هذه الصفة للحال أحقّ فعند الإطلاق ينصرف إليه، فكأنّه مضى على الحال. وبعضهم قالوا: لمّا كانت هذه الصفة حقيقة لهما يتعيّن لإحداهما بحكم العرف، وعليه الاستعمال كما تعيّن للاستقبال، كما في قوله: أسافر وكما تعيّن للحال كما في قول الشاهد: أشهد. قلنا وفي الأملاك استعمال هذه الكلمة للحال بقول الرّجل: أنا أملك كذا، وفلان يملك كذا يريدون الحال.
فإذا علمت استعمال هذه الكلمة للحال كالمنصوص عليه فانصرف يمينه إلى الحال لهذا، ولو عطف أحد الشرطين على الآخر بحرف الياء بأن قال: إن دخلت هذه الدّار فهذه الدّار، يُشترط لوقوع الطلاق دخول الدّارين كما لو عطف بحرف الواو، إلا أنَّ في هذه المسألة يجب أن يكون دخول الدّار الثانية بعد دخول الدّار الأولى، وكذلك إذا عطف بكلمة ثمَّ بأن قال: إن دخلت هذه الدّار ثمَّ هذه الدّار؛ لأنّ كلمة ثمَّ للتراخي، فاقتضى أن يكون دخول الدّار الثانية متراخيًا عن دخول الدّار الأولى.
ولو قال: إن دخلت هذه الدّار ودخلت هذه الدّار أو قال: فدخلت هذه الدّار يشترط دخول الدارين في الحرفين جميعًا، إلا أنَّ في حرف الواو لا يعتبر الترتيب، وفي حرف الفاء يعتبر لما مرّ. وروي عن محمّد رحمه الله إذا قال لها: إن دخلت هذه الدّار فدخلت هذه الدّار، فأتى بها فدخلت الدّار الأولى ثمَّ تزوّجها فدخلت الثانية لم تطلق، كأنّه جعل دخول الدّار الأولى شرط انعقاد اليمين الثانية، بخلاف قوله: إن دخلت هذه الدّار وهذه الدّار، وروي عن أبي يوسف رحمه الله مثل ذلك في مسألة أخرى أنّه إذا قال لامرأتين له: إن غشيت هذه، فغشيت هذه الأخرى فليس الحلف على الأولى، ويكون موليًا من الثانية إذا غشى الأولى فقد جعل غشيان الأولى شرط انعقاد اليمين في حقّ الثانية، ثمَّ قال: والفاء في هذه الموضع لا تشبه الواو.
قال في (الجامع): إذا قال: إن دخلت هذه الدّار إن دخلت هذه الدّار فعبدي حرّ والدّار واحدة فالقياس أن لا يحنث حتّى يدخل دخلتين.
وفي الاستحسان يحنث بدخلة واحدة، وكذلك إذا قال: إن كلّمت فلانًا إن كلمت فلانًا، وفلان واحد، كانت المسألة على القياس، والاستحسان على نحو ما ذكرنا في الدخول، ثمَّ على جواب الاستحسان علّق العتق بالدخول في المسألة الأولى، وبالكلام في المسألة الثانية من غير ذكر خلاف، وكان الكرخي من أصحابنا رحمهم الله يقول على قياس قول أبي حنيفة رحمه الله: ينبغي أن يثبت العتق في الحال ولا يتعلّق، وجعل هذه المسألة فرعًا لمسألة أخرى ذكرت في كتاب الإقرار، وهو ما إذا قال لعبده: أنت حرٌّ وحرٌّ إن شاء الله فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله لا يعمل الاستثناء، ويقع العتق للحال؛ لأنّ قوله وحرٌّ في المرة الثانية تكرار، فصار فاصلًا بين الجزاء والاستثناء، فيمنع تحمّل الاستثناء، فكذا ها هنا.
قوله في المرّة الثانية: إن دخلت هذه الدّار تكرار للأوّل، فيصير فاصلًا بين العتق وبين الدخول، وغيره من المشايخ قالوا: لا بل ما ذكر من الجواب صحيح على قول الكلّ، وفرّقوا بين هذه المسألة وبين مسألة كتاب الإقرار. والفرق: أنّ في مسألة الإقرار قوله: وحرٌّ في المرّة الثانية، إن كان تكرارًا من حيث المعنى والاعتبار؛ لأن حرٌّ بيان لا يتصوّر (أن) ينويهما في عبد واحد، فمن حيث اللفظ ليس بتكرار؛ لأنّه عطف الثاني على الأوّل والشيء لا يعطف على نفسه إنّما يعطف على غيره، والعبرة في هذا الباب اللفظ، وباعتبار اللفظ هذا ليس بتكرار، وإذا لم يكن تكرارًا كان حشوًا من الكلام فاعتبر فاصلًا.
أمّا في مسألتنا لم يعطف أحد الشرطين على الآخر؛ لأنّه لم يذكر بينهما حرف العطف، فأمكن جعل الثاني تكرارًا، فإذا جعلنا الثاني تكرارًا كانا شيئًا واحدًا من حيث المعنى والاعتبار، فلا يعتبر فاصلًا، وإن تلك المسألة من مسألتنا ما لو قال: عبدي حرٌّ حرٌّ إن شاء الله، ولو كان هكذا لا يعتق العبد عند أبي حنيفة رحمه الله أيضًا، ولا يصير قوله حرٌّ ثانيًا فاصلًا، ولا رواية في هذه المسألة عن أبي حنيفة رحمه الله.
قلنا إنما يمنع على قياس مسألة (الجامع) ووزان مسألتنا من تلك المسألة ما لو قال لها: إن دخلت هذه الدّار، وإن دخلت هذه الدّار فعبدي حرّ، ولو قال هكذا يعتق العبد للحال على قياس قول أبي حنيفة رحمه الله ويصير قوله: وإن دخلت هذه الدّار ثانيًا فاصلًا.
قال في (الجامع) أيضًا: رجل له امرأة لم يدخل بها فقال: كلُّ امرأة لي، وكل امرأة أتزوجها إلى ثلاثين سنة فهي طالق إن دخلت الدّار، فتزوّج امرأة وطلّقها وطلّق التي كانت عنده ثمَّ تزوّجها في الثلاثين سنة، ثمَّ دخلت الدّار طلقت القديمة تطليقتين باليمين سوى التطليقة التي أوقع عليها بالتنجيز، فتطلق ثلاثًا؛ لأنّه انعقد عليها يمين الكون بقوله: كلُّ امرأة لي، ولم يبطل بالبينونة بتطليقة واحدة، والعقد في حقها يمين التزوّج أيضًا بقوله: كلُّ امرأة أتزوّجها إلى ثلاثين سنة، وشرط الحنث فيهما دخول الدّار، فإذا دخل الدار والشرط الواحد يكفي شرطًا في أيمان كثيرة وقع عليها تطليقتان بحكم اليمينين، وأمّا الجديدة فتطلق واحدة باليمين سوى ما أوقع عليها بالتنجيز، فتطلق تطليقتان؛ لأنّ المنعقد في حقّهما بيمين واحدة وهي يمين التزوّج.
ولو أنَّ الزوج حين طلّقها أوّل مرّة لم يتزوّجها حتّى تدخل الدّار ثمَّ تزوّجها طلقت القديمة واحدة بالحنث في يمين التزوّج بنفس التزوّج، وإن كان المنعقد في حقهما يمينان يمين التزوّج ويمين الكون؛ لأنّه حين دخل الدّار قبل أن يتزوّج القديمة فقد وجد شرط الحنث في يمين الكون، وهي ليست في نكاحه ولا عدّته، وأنّه يوجب انحلال اليمين، لا إلى جزاء، وأما الجديدة فلا يقع عليها بالحنث شيء؛ لأنّ المنعقد في حقّها يمين التزوّج، ووقوع الطلاق فيها معلّق بالدخول، وحين دخل الزوج الدّار لم تكن هي في نكاحه ولا عدّته فانحلت اليمين في حقها لا إلى حنث، وحين تزوّجها من أخرى لم تنعقد عليها يمين أخرى؛ لأن عقد اليمين بكلمة كل، وإنها لا توجب تكرار الفعل في المرأة الواحدة، فلا يتكرّر انعقاد اليمين عليها.
ولو قال: كلُّ امرأة لي وكلّما تزوّجت امرأة إلى ثلاثين سنة فهي طالق، إن دخلت في ملكه امرأة ثمَّ تزوج امرأة أخرى ثمَّ طلقهما جميعًا، ثمَّ تزوّجهما ثانيًا، ثمَّ دخل الدّار طلقت كلُّ واحدة منها ثلاثًا، واحدة بالإيقاع وثنتان بالحنث، وأمَّا القديمة فلما ذكرنا، وأمّا الجديدة فلأن المنعقد عليها يمينان في هذه الصورة؛ لأنَّ الزوج جعل التزوّج شرط انعقاد اليمين بكلمة تقتضي التكرار، وهي كلمة كلّما، فحين يتزوّج الجديدة ثانيًا انعقد عليها يمين التزوّج ثانيًا، واليمين الأولى باقية، والدخول شرط الحنث فيهما، والحنث فيهما يوجب الطلاقين، ولو كان حين طلقهما لم يتزوّجهما حتّى دخل الدّار ثمَّ تزوّجها طلقت كلُّ واحدةٍ واحدةً بالحنث.
وفي (القدوري): إذا قال: كلّما دخلت هذه الدّار وكلّمت فلانًا، أو فكلّمت فلانًا فامرأة من نسائي طالق، فدخل الدّار دخلات وكلّم فلانًا مرّة واحدة، لم تطلق إلا امرأة واحدة؛ لأنّ الشرط هو الدخول والكلام والدخول، إن تكرّر لم يتكرّر الكلام وإن تكرر بعض الشرط لا يتكرّر الجزاء.
ولو قال: كلّما دخلت هذه الدّار فإن كلّمت فلانًا فأنتِ طالق، فدخل الدّار ثلاثًا وكلّم فلانًا بأمره طلقت ثلاثًا؛ لأنّ قوله: فإن كلّمت فلانًا فأنتِ طالق يمين تامّة هو جزء الدخول، والجزاء يتكرّر بتكرار الشرط، والشرط وهو الدخول تكرّر، فيصير قائلًا عند كلّ دخول: أنتِ طالق إن كلّمت فلانًا، فإذا كلم فلانًا مرّة والشرط الواحد يصلح شرطًا في أيمان كثيرة طلقت ثلاثًا.
وفي (القدوري): إذا قال: كلّما دخلت هذه الدّار وكلّمت فلانًا، أو فكلّمت فلانًا فامرأة من نسائي طالق، فدخل الدّار دخلات وكلّم فلانًا مرّة واحدة، لم تطلق إلا امرأة واحدة؛ لأنّ الشرط هو الدخول والكلام والدخول، إن تكرّر لم يتكرّر الكلام وإن تكرر بعض الشرط لا يتكرّر الجزاء.
ولو قال: كلّما دخلت هذه الدّار فإن كلّمت فلانًا فأنتِ طالق، فدخل الدّار ثلاثًا وكلّم فلانًا بأمره طلقت ثلاثًا؛ لأنّ قوله: فإن كلّمت فلانًا فأنتِ طالق يمين تامّة هو جزء الدخول، والجزاء يتكرّر بتكرار الشرط، والشرط وهو الدخول تكرّر، فيصير قائلًا عند كلّ دخول: أنتِ طالق إن كلّمت فلانًا، فإذا كلم فلانًا مرّة والشرط الواحد يصلح شرطًا في أيمان كثيرة طلقت ثلاثًا.

.نوع آخر:

قال في (القدوري): إذا قال الرّجل: كل امرأة أتزوّجها فهي طالق وفلانة وفلانة امرأته طلقت فلانة السّاعة، ولا ينتظر التزوّج؛ لأنّ قوله كلّ امرأة ليس بشرط على الحقيقة، ولكن أخذ معنى الشرط لأمر أن الفعل له، فصار قوله: وفلانة معطوفة على المذكور في الطلاق لا على المذكور في الشرط، فوقع الطلاق على فلانة السّاعة لهذا، ولو قال لامرأته: أنتِ طالق وفلانة، إن تزوّجها لم يقع الطلاق على امرأته حتّى يتزوّج بالأخرى؛ لأنّه صريح بحرف الشرط، فصار طلاقهما متعلّقًا بالتزوّج بخلاف المسألة الأولى، ولو قال: كلُّ امرأة من نسائي تدخل الدّار فهي طالق وفلانة طلقت فلانة للحال، وإن دخلت الدّار وهي في العدّة طلقت الأخرى.
وقال في (الجامع) إذا قال: كلُّ امرأة لي تدخل الدّار فهي طالق وعبد من عبيدي حرٌّ، فدخلت امرأتان الدّار طلقتا وعتق عبد من عبيده، وأمّا طلاقهما فظاهر، وأمّا عتق عبده فلأنَّ قوله: وعبد اسم منكر ذكر في موضع الإثبات والنكرة في موضع الإثبات تخص ولا تتناول إلا عبدًا واحدًا، ولهذا لو قال ابتداءً: عبد من عبيدي حر لا يعتق إلا عبد واحد، لو ثبت العموم في العبد إنّما يثبت ضرورة العطف على المرأة التي دخل عليها كلمة كل من حيث أنَّ حكم المعطوف حكم المعطوف عليه، والعموم ثابت في حقّ المعطوف عليه ولا وجه إليه؛ لأنّ قوله وعبد غير معطوف عليه المرأة، ألا يرى أنّهما اختلفا في الإعراب، فإن إعراب المرأة كسر وإعراب العبد رفع، فبعد ذلك إما أن يعتبر معطوفًا على قوله (فهي)؛ لأنّ محلّه من الإعراب الرفع؛ لأنّه مبتدأ، أو على قوله طالق؛ لأنّه مرفوع، والأوّل لأنَّ قوله وعبد اسم فرد لا يتصل بالفعل، وقوله فهنّ كناية عن فرد لا يتصل بالفعل، وقوله: طالق اسم فرد يتصل بالفعل، والأحسن في العطف عطف الاسم المفرد عن الفعل على الاسم المفرد عن الفعل، فكان عطفه على قوله فهي أولى.
وإذا صار قوله: وعبد معطوفًا على قوله فهي مفعول لا يجوز أن يثبت العموم في العبد لكونه معطوفًا على هي؛ لأنّ هن فرد يضعه، وإنّما يثبت العموم فيه ضرورة كونه كناية عن المرأة الداخلة عليها كلمة كل؛ لأنَّ الكناية لا تستقل بنفسها، فأخذنا حكمها من المكنّى عنه وهو المرأة، وإذا كانت المرأة عامّة كانت الكناية عامّة ضرورة، ولا ضرورة في قوله: وعبده لأنّه ليس بكناية بل هو كلام مستقل بنفسه، ولهذا لو قال ابتداء: وعبد من عبيدي حرٌّ كان كلامًا مستقيمًا مفهومًا، ويكون له حكم نفسه وحكمه الخصوص؛ لأنّه فرد صفة.
فإن قيل: إن لم يثبت من وجه آخر من حيث العبد من الوجه الذي منهم يثبت من وجه آخر من حيث أنَّ كلمة كلّما وقعت على جماعة النساء، وقعت على جماعة الدخول في حقهن، ألا يرى أنّه لو دخلت أربعة الدّار طلّقهن جميعًا والعتق معلّق بالدخول، فإذا تعدّد الدخول تعدّد العتق، ألا يرى أنّه لو كان مكان كلمة كلّ كلمة كلّما بأن قال: كلّما دخلت امرأة هذه الدّار فهي طالق وعبد من عبيدي حرٌّ، فدخلت امرأتان عتق عبدان وطريقة ما قلنا. قلنا: كلمة كل تقع على جماعة الأسماء مقصورًا، وأمّا على جماعة الأفعال إذا كان الفعل مقرونًا بالاسم يقع ضرورة تعميم الفعل الاسم، فما لم يثبت تعميم الاسم مقصورًا لا يثبت تعميم الفعل.
إذا ثبت هذا فنقول: تعميم الاسم في حقّ البنوّة يثبت مقصودًا، فيثبت تعميم الفعل وهو الدخول في حقّ كلهنّ تبعًا، وأمّا في حقّ العبيد تعميم الاسم لم (يكن) مقصودا، فلا يثبت تعميم الفعل في حقّهن مقصود، فبقي الشرط في حقّهم دخول واحد من واحدة من نسائه، كأنّه قال: إن دخلت واحدة من نسائي الدّار فعبد من عبيدي حرٌّ، ولو نصّ على هذا كان الجواب كما قلنا، وأمّا كلمة كلّما تعم الأفعال مقصودًا، أو صار كلُّ دخول من جماعة....... أو من امرأة واحدة شرطًا، وعتق العبد معلّق بالدخول، فإن كان الدخول متكررًا كان العتق متكررًا.

.نوع آخر في الشرط الذي يحتمل الحال والاستقبال:

إذا قال لامرأته وهي حائض: إن حضت أو قال لها وهي مريضة: إن مرضت فأنتِ طالق، فهذا على الخصوص والمرض في المستقبل، فإن نوى ما يحدث من هذا الحيض، أو من هذا المرض فهو على ما نوى؛ لأنّ الحيض داء أجزاء والمرض كذلك.
وإذا نوى الجزء الذي يكون في المستقبل، فقد نوى ما يحتمله لفظه فصحت نيته، ولو قال: إن حضت غدًا فأنتِ طالق، وهو يعلم أنها حائض فهذا على هذه الحيضة، فإذا دام حتّى انشقّ الفجر من الغد طلقت بعد أن تكون تلك الساعة تمام الثلاث أو زائدًا على الثلاث؛ وهذا لأنّه إذا كان عالمًا بحيضها لا يكون من قصده تعليق الطلاق بدون حيضة أخرى؛ لأنّ ذلك مستحيل، فكان قصده تعليق الطلاق باستمرار ذلك، وإنّما اعتبرنا تمام الثلاث؛ لأنّ الدّم إذا انقطع فيما دون الثلاث لا يكون حيضًا، وإن كان لا يعلم بحيضها فهذا على حدوث الحيض في الغد.
وكذلك إذا قال لها إن حممت وهي محمومة، أو قال إن صدعت وهي مصدوعة، فهذا على التفصيل الذي قلنا في الحيض والمرض. ولو قال وهي صحيحة: إن صححت فأنتِ طالق وقع الطلاق حين سكت يعني في الحال، وكذلك إذا قال لها: إن أبصرت أو سمعت فهي طالق وهي سمعة بصرة وقع للحال؛ لأنّ هذا ليس بمعنى حادث فيتعلّق اليمين بوجودها.
قال: وأمّا القيام والقعود والركوب والسكنى فهو على أن يمكث ساعة بعد اليمين، وأمّا الدخول فلا يكون من داخل إلى خارج وهذا المعنى لا يبقى، وكذلك الحبل هو ابتداء العلوق، وكذلك الشرب والأكل على الحادث بعد اليمين، ولو قال: أنتِ طالق ما لم تحيضي أو ما لم تحبلي وهي حائض أو حبلى، فهي طالق حين سكت إلا أن يكون ذلك منها حين سكوته، فإن نوى ما بقي فيه من الحيض والحبل ديّن في الحيض فيما بينه وبين الله تعالى، ولم يديّن في الحبل؛ لأنّ الحيض داء آخر وما يزداد يسمّى حيضًا، والحبل لا يزداد، وهذه الجملة من (القدوري).
وفي (الأصل): إذا قال لها: إذا حضت حيضة فأنتِ طالق، وإذا حضت حيضتين فأنتِ طالق، فحاضت حيضة وقع عليها تطليقتان، وكانت الحيضة الأولى كمال الشرط في اليمين الأولى وبعض الشرط في اليمين الثانية، ولو قال: إذا حضت حيضة فأنتِ طالق ثمَّ إذا حضت حيضتين فأنتِ طالق، فحاضت حيضة حتّى وقع الطلاق باليمين الأولى، لا يقع الطلاق باليمين الثانية ما لم تحض بعد ذلك به حيضتين أخراوين عملًا بكلمة ثمَّ، فإن قال: عنيت به الأوّل صدّق ديانة لا قضاء؛ لأنّ ثمَّ لا تكون للتعقيب، فكان ناويًا ما يحتمله لفظه إلا أنّه خلاف الظاهر.
وفي (البقالي): إذا قال لها: إذا حضت فأنتِ طالق، ثمَّ قال كلّما حضت حيضتين فأنتِ طالق وقع بأوّل الحيضة طلاق وبانقضائها، وحيضة أخرى بعدها تقع تطليقة أخرى.
وفي (الجامع): إذا قال لها: إذا حضت حيضة، فأنتِ طالق لا تطلق ما لم تحض وتطهر؛ لأنّ الحيضة مع الهاء اسم للكامل منها وكمالها بالطهر.
ولو قال لها: إذا حضت نصف حيضة، فكذلك الجواب لا تطلق ما لم تحض وتطهر؛ لأنَّ الزوج ذكر النصف مطلقًا، واسم النصف عند الطلاق يقع على الشائع، وذلك لا يوجد حتّى بينهنّ، ولو قال لها: إذا حضت نصف حيضة فأنتِ طالق، وإذا حضت نصفها الأخرى فأنتِ طالق، فحاضت حيضة طلقت ثنتان؛ لأنّه وجد كلا النصفين سابقًا.

.نوع آخر في الشرط يكون على الفور أو على التراخي:

عن محمّد رحمه الله فيمن قال لغيره: إن ضربتني ولم أضربك فامرأته طالق، هذا على الفور قال: ولم تكون على وجهين: على قبل وبعد، فإذا كان على بعد فهو على الفور، وإذا كان على قبل فهو على ذلك، قال وقوله: إن ضربتني ولم أضربك فهذا على الماضي عندنا، كأنّه قال: ضربتني، ولم أكن ضربتك قبل ضربك إياي فكذا وإن نوى بعد فهو على (ما) نوى، ومعناه: إن ضربتني ابتداء فلم أضربك بعد ذلك فكذا، فهو على ما نوى، ويكون على الفور، والحاصل: أنّ كلمة (لم) قد تقع على الأبد كقوله: إن أتيتني ولم آتك إن زرتني ولم أزرك، فهذا على الأبد وقد يقع على الفور، والمعتبر في حمله على أحدهما معاني كلام النّاس، وكذلك قد تقع هذه الجملة على قبل وقد تقع على بعد، والمعتبر في حمله على أحدهم معاني كلام النّاس، أو يوجد منطق يستدل به عليه، وما كان شبيهًا نحو قوله: إن كلمتك ولم تكلمي، فهذا على قبل وبعد، فإن نوى شيئًا فهو على ما نوى، وإن لم يكن له نيّة فإنَّه إنْ فعل فقد برَّ في يمينه، ولو قال: إن كلمتني ولم أكلمك فهو على المستقبل والفور؛ لأنّ الجواب لا يصحّ إلا بتقديم الكلام، وإنّما حمل على الفور باعتبار العادة.
وعن محمّد رحمه الله فيمن قال: كلُّ جارية أشتريها فلا أطؤها فكذا، فهو على الوطء ساعة يشتري، فإن قال: فإن لم أطأها فهذا على ما بينه وبين الموت، ومتى وطئها برَّ في يمينه؛ لأن إنْ شرط لا يقتضي التعجيل، وعن أبي يوسف رحمه الله: فيمن قال لغلامه: إن لم تأتني حتّى أضربك فكذا، فأتى قال متى ضربه برّ في يمينه، إلا أن ينوي أن يضربه ساعة ما يأتي، وكذا إذا لم يأتِ ساعة ما أمره وأتاه في وقت آخر؛ لأنّه ليس في لفظه ما ينبئ عن التعجيل فلا يحمل على الفور إلا بدلالة.
وعن محمّد رحمه الله فيمن قال: إن لم أشترِ اليوم عبدًا فأعتقه فامرأته طالق، فاشترى عبدًا ووهبه ثمَّ اشترى آخر فأعتقه، قال: اليمين على العبد الأوّل وتطلق امرأته؛ لأنّ تقدير كلامه: أشتري اليوم عبدًا فأعتقه، فإن لم أعتقه فكذا، فحين اشترى عبدًا فقد انعقد عليه اليمين إذ لا مزاحم له فلا يدخل غيره تحت اليمين.
وعن محمّد رحمه الله: قال لغيره: إن بعثت إليك فلم تأتني فكذا، فبعث إليه فأتاه ثمَّ بعث إليه فلم يأته حنث في يمينه؛ لأنّ اليمين لم تسقط بإتيانه، وكذلك إذا قال: إن بعثت إليَّ فلم آتك، فبعث إليه، فأتاه ثمَّ بعث إليه فلم يأته حنث في يمينه.
وروى المعلّى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمهم الله: إذا قال لغيره: إذا فعلت كذا فلم أفعل كذا فامرأته طالق، فلم يفعل ما قال على إثر المحلوف عليه طلقت امرأته. ولو قالت: إن فعلت كذا ثمَّ لم أفعل كذا فهو على الأبد، قال أبو يوسف رحمه الله: هما سواء وهو على الفور.
وعن أبي يوسف رحمه الله فيمن قال: إن أحدّث فلانًا لأضربنّه مائة سوط، فحدّثه وضربه سوطًا أو سوطين، قال: هو على الأبد. ذكر ابن سماعة في (نوادره) عن محمّد رحمه الله: إذا قال الرّجل: إن رأيت فلانًا لم آتك به فامرأته طالق، فرآه الحالف في أوّل ما رآه مع هذا الرجل الذي قال له فلم آتك به، قال: الحالف حانث الساعة؛ لأنه لا يستطيع أن يأتيه به.
ولو قال: إن رأيت فلانًا، فلم أعلمك به فكذا، فرآه أوّل ما رآه مع هذا الرجل الذي قال له: فلم أعلمك به لم يحنث في قول أبي حنيفة ومحمّد رحمهما الله؛ لأنه ليس هاهنا موضع إعلام، وفي قياس قول أبي يوسف رحمه الله يحنث، وهو بمنزلة قوله: إن لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز غدًا، فانصبّ الماء قبل مجيء الغد ولم ينضح. ولنا وجه الفرق بين المسألتين على قول أبي حنيفة رحمه الله.
وروى إبراهيم عن محمّد رحمهما الله: في رجل خرج إلى الصيد، فأعجب رجلًا فقال له: اخرج معي إلى الصيد، فقال: نعم، اذهب بما معي إلى البيت فأضعه وأتيك، فقال له: احلف بالطلاق، فحلف بالطلاق ليأتينّه ولم يقل اليوم فأتاه بعدما رجع عن الصيد، قال هو حانث.
وفي (المنتقى): إذا قال الرجل لغيره: ادخل هذه الدّار اليوم فقال: إن دخلت اليوم فكذا، فهو على تلك الدّار دون غيرها، وكذلك إذا قال له: كلّم هذا الرجل، فقال: إن كلمت فكذا، فهو على كلام ذلك الرجل، ولو قال لغيره: تزوّج فلانة، فقال: إن تزوّجت فلانة أبدًا فكذا، فتزوّج غير فلانة حنث في يمينه، ومسألة التزوّج يخالف مسألة الدخول وإنّها مشكلة.

.نوع آخر في تعليق الطلاق بالفعلين صورة وبفعل أحدٍ معنى:

قال محمّد رحمه الله في (الجامع): إذا قال الرّجل لامرأتين: إذا ولدتما ولدًا، إن ولدتما ولدًا فأنتما طالقتان، فولدت إحداهما ولدًا فإنهما تطلقان وهذا استحسان، والقياس أن لا تطلق واحدة منهما، وعلى هذا القياس إذا قال لهما: إذا حضتما حيضة إن حضتما حيضة، فأنتما طالقتان، فحاضت إحداهما حيضة فإنّهما تطلقان استحسانًا، والقياس أن لا تطلق واحدة منهما أبدًا.
وجه القياس في ذلك: أنّه علّق الطلاق بفعلهما فلا يقع بفعل إحداهما؛ لأنّه بعض الشرط، وبوجود بعض الشرط لا يترك الجزاء. وجه الاستحسان في ذلك: أنّه علّق الطلاق بفعل إحداهما، فإذا ولدت إحداهما أو حاضت إحداهما فقد وجد شرط وقوع الطلاق عليها، فيقع.
بيانه: وهو أنَّ الزوج وإن ذكر فعلهما إلا أنّه تعذّر العمل بحقيقته؛ لأنّ ولادتهما ولدًا واحدًا وحيضهما حيضة واحدة مستحيل، وأمكن جعله مجازًا عن فعل إحداهما، فإن ذكر المثنّى وإرادة الواحد شائع في اللغة مستعمل فيما بين أهل الشرع، قال الله تعالى في قصّة موسى عليه السلام: {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في الْبَحْرِ سَرَبًا} [الكهف: 61] أضاف النسيان إلى الاثنين، والنسيان كان من أحدهما، وهو يوشع بن نون بدليل قوله: {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنّى نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَنُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في الْبَحْرِ عَجَبًا} [الكهف: 63] والمعنى في ذلك: وهو أنّه ليس في ذكر الاثنين، فإرادة الواحد إرادة الخصوص من العموم، وإرادة الخصوص من العموم شائع في اللغة والشرع، فإذا جاز ذلك جعلنا ذكر الاثنين هاهنا مجازًا عن ذكر الواحد، وصار تقدير هذه اليمين: إذا ولدت إحداكما ولدًا إذا حاضت إحداكما حيضة. وبهذا يتبيّن أن الطلاق معلّق بفعل إحداهما لا بفعلهما.
لو قال لهما: إذا ولدتما ولدين فأنتما طالقان، فولدت إحداهما ولدًا لا تطلق واحدة منهما ما لم تلد كلُّ واحدة منهما ولدًا بخلاف الصورة الأولى؛ لأنّ الشرط في الصورة الأولى ولادتهما مطلقًا لا ولادتهما ولدًا واحدًا وولادتهما مقصورةً، والشرط في الصورة الثانية: ولادتهما ولدين، وولادتهما ولدين مقصور بأن تلد كلُّ واحدة منهما ولدًا، فالعمل بحقيقة الكلام هناك ممكن، فلا يصار إلى المجاز، وكذلك في قوله: إن حضتما حيضتين العمل بحقيقة الكلام ممكن على نحو ما قلنا في الولادة، فصار الشرط فعلهما، أمّا هاهنا بخلافه، فإذا قال لهما: إذا ولدتما ولدين فأنتما طالقتان، فولدت إحداهما ولدين، أو قال: إذا حضتما فأنتما طالقتان فحاضت إحداهما حيضتين لا تطلق واحدة منهما، ولو حاضت كلُّ واحدة منها حيضة أو ولدت كلُّ واحدة منهما ولدًا طلقتا، ولا يشترط ولادة كلِّ واحدة منهما ولدين.
وهو نظير ما لو قال لهما: إن دخلتما بين الدارين فأنتما طالقتان، فدخلت إحداهما دارًا ودخلت الأخرى الدّار الأخرى طلقت كلُّ واحدة منها استحسانًا، وكذلك إذا قال لهما: إن دخلتما هذه الدّار وهذه الدّار الأخرى فأنتما طالقتان، فدخلت إحداهما دارًا ودخلت الأخرى الدّار الأخرى، وهذا استحسان، والقياس في المسألتين أن لا تطلق واحدة منهما حتّى يدخلا هذه الدّار، ويدخلا هذه الدّار الأخرى، وهو رواية عن أبي يوسف رحمه الله في (الأمالي).
ولو قال لهما: إن دخلتما هذه الدّار، ودخلتما هذه الدّار الأخرى فأنتما طالقتان لا تطلق واحدة منهما ما لم يدخلا هذه الدّار ويدخلا هذه الدّار الأخرى قياسًا واستحسانًا، والأصل في جنس هذه المسائل: أنّ الجمع المضاف إلى الواحد يعتبر جمعًا في حقّ الواحد المضاف إليه، ولا يعتبر واحدًا. ألا ترى أنّ من قال لامرأته: إن لبست ثيابك فأنتِ طالق، فلبست ثوبًا واحدًا لا تطلق، وهذا لأنّ المتكلّم أضاف الجمع إلى الواحد، فالواحد إبطال القيد الذي ذكره الحالف، وفيه إبطال غرضه وأنّه لا يجوز فيجب اعتبار الجمع في حقّ الآخر إلا إذا لم يمكن اعتبار الجمع في حقّ الواحد، فحينئذٍ يعتبر الواحد.
بيانه في قوله: {وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ التي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالحَقّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَنًا فَلاَ يُسْرِف في الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: 33] هذا جمع أضيف إلى الواحد ولم يعتبر معًا في حقّ الواحد حتى لا يشترط التحريم ثمَّ اجتماع النّاس على زنا واحد، بل إذا وجد الزنا من واحد كان حرامًا؛ لأنَّ اجتماع الناس على زنا واحد غير ممكن، وأمّا الجمع المضاف إلى الجمع يعتبر واحدًا في حقّ الواحد استحسانًا، ولا يعتبر جمعًا في حقّ الواحد؛ لأنَّ في اعتباره جمعًا في حقّ الواحد إبطال القيد الذي ذكره الحالف، وهو إضافة الجمع إلى الجمع، ولكن إنّما يعتبر واحدًا في حقّ الواحد إذا كان شيئًا يقبل الخصوص، بأن كان عامًا كل.
......؛ لأنّ العام يذكر ويراد به الخصوص، أمّا إذا لم يكن قابلًا للخصوص لا يعتبر آحادًا في حقّ الآحاد، بل يعتبر جمعًا في حقّ الآحاد؛ لأنّه يكون في ذلك إثبات الخصوص فيما لا يقبل الخصوص، ألا ترى أنَّ من قال لثلاث نسوة: أنتنّ طوالق ثلاثًا طلقت كلُّ واحدة ثلاث تطليقات، وهذا جمع مضاف إلى الجمع، ولم يعتبر آحادًا في حقّ الآحاد؛ لأنّ الثلاث لا تحتمل الخصوص؛ لأنّه اسم عدد، واسم العدد لا يحتمل الخصوص إلا بالاستثناء، فإن من سمّى عشرة وقال: أردت التسعة والثمانية لا يصح.
وإذا لم يكن الثلاث قابلًا للخصوص لم يعتبر آحادًا في حقّ الآحاد، بل اعتبر جمعًا في حقّ الآحاد، فيقع على كلّ واحدة منهنّ ثلاث تطليقات، وهذا بخلاف ما لو قال إن دخلتما هذه الدّار، ودخلتما هذه الدّار الأخرى؛ لأنّ هناك الجمع مضاف إلى الواحد في كلّ كلام، فيعتبر الجمع بالواحد في كلّ كلام.
لو قال لهما: إذا أكلتما هذا الرغيف فأنتما طالقتان، لا يقع الطلاق على واحدة منهما ما لم يأكلا جميعًا؛ لأنّه على الطلاق بفعل يكون منهما، وهو اجتماعهما على الأكل فلا يقع الطلاق ما لم يوجد الأكل منهما، كما لو قال لهما: إن ولدتما إن حضتما، وإن أكلا جميعًا يقع الطلاق عليها، وإن أكلت إحداهما أكثر من الأخرى، لأنّ الشرط أكل كلّ واحدة بعض الرغيف بعضًا مطلقًا، لا بعضًا مقيَّدًا، والتي أكلت أقلّ فقد أكلت بعض الرغيف؛ لأنّ اسم البعض كما ينطلق على الكثير ينطلق على القليل، حتّى قالوا: لو أكلت إحداهما مقدارًا لا ينطلق عليه اسم البعض بأن أكلت كسرة خبز لا تطلق واحدة منهما لانعدام الشرط، وهو أكل كل واحدة منهما بعض الرغيف في دخول الواحد تحت الشرطين.
قال محمّد رحمه الله في (الجامع): إذا قال الرجل لامرأته وهي حامل: إذا ولدت ولدًا فأنتِ طالق ثنتين، ثمَّ قال لها: إن كان الولد الذي تلدينه غلامًا فأنتِ طالق واحدة، فولدت المرأة غلامًا طلقت ثلاثًا، لأن المنعقد هاهنا يمينان؛ لأنّه ذكر شرطين وجزاءين أحد الشرطين ولادة ولد مطلق وجزاؤه تطليقتان، والشرط الآخر ولادة الغلام وجزاؤه طلقة واحدة، وإذا ولدت غلامًا والغلام ولد كما أنّه غلام يقع الحنث في اليمينين جميعًا.
وهو نظير ما لو قال: إن دخل رجل داري هذه فعبدي حرٌّ، ثمَّ قال: إن دخل زيد داري هذه فامرأته طالق، فدخل زيد الدّار عتق العبد وطلقت المرأة، وطريقه ما قلنا.
ولو كان قال لها: إذا ولدت ولدًا فأنتِ طالق ثنتين، ثمَّ قال لها: إن كان الولد الذي في بطنك غلامًا فأنتِ طالق واحدة فولدت غلامًا، فإنّها تطلق واحدة بخلاف المسألة المتقدّمة، فإنَّ هناك قال: إذا ولدت غلامًا تطلق ثلاثًا. والفرق: أنَّ في هذه المسألة وقوع الواحدة سابق على الولادة؛ لأنَّ وقوعها معلّق بكون ما في البطن غلامًا بولادة الغلام، وبولادة غلام تبيّن أنَّ ما في بطنها كان غلامًا، وأنَّ الواحدة كانت واقعة قبل الولادة إذ تبيّن أنَّ شرط وقوعها كان موجودًا، وتبين أنها صارت معتدة قبل الولادة، فبالولادة وقع على الأجنبيّة، أمّا في المسألة المتقدّمة وقوع الواحدة لا يسبق الولادة؛ لأنَّ هناك الواحدة معلّقة بالولادة صريحًا كالثنتين؛ إلا أنَّ الواحدة تعلقت بولادة الغلام، والثنتان تعلقتا بولادة ولد مطلق، فإذا ولدت غلامًا فقد وجد شرط الحنث في اليمنين في ساعة واحدة، فنزلت الطلقات الثلاث في ساعة واحدة.
ونظير هذه المسألة: ما قال محمّد بن الحسن رحمه الله في رجل قال: إن كان الذي في هذه الدّار اليوم رجلًا فامرأته طالق، ثمَّ تبيّن في آخر النّهار أنّه كان فيها رجل طلقت المرأة، وحنث حين تكلم به، إذا تبيّن أنّ الشرط الذي علّق به الطلاق كان موجودًا، ولو قال: إن كان الذي يدخل في هذه الدّار اليوم رجلًا فامرأته طالق، فدخل في آخر النّهار رجل طلقت المرأة حين دخل؛ لأنَّ التعليق حصل بدخول الدّار، ودخول الدّار كان معدومًا حالة التعليق، فكان تعليقًا على الحقيقة، فوقع الطلاق عند الدخول فكذا فيما تقدّم.
فإن قيل: كون ما في البطن غلامًا إنّما يعرف بالولادة، فينبغي أن يجعل الولادة شرطًا في المسألة الثانية، حتّى لا تقع الواحدة سابقًا على الولادة كما في المسألة المتقدمة، ألا يُرى أن من قال لامرأته: أنتِ طالق قبل قدوم فلان بشهر، فقدم فلان لتمام الشهر فإنّه يقع الطلاق عليها بعد القدوم، أو مقارنًا للقدوم على حسب ما اختلفوا، وبقدوم فلان لتمام الشهر، (فإنْ) ظهر أنَّ هذا شهر قبل قدوم فلان فينبغي أن يقع الطلاق من أوّل الشهر، ولكن قبل بأن الوقت الموصوف بأنّه قبل قدوم فلان بشهر إنّما يعرف بالقدوم، فيجعل القدوم شرطًا.
والجواب: أنَّ في القدوم أمكن جعل القدوم شرطًا؛ لأنّ القدوم ملفوظة به، وهي على خطر الوجود، وفي مسألتنا لا يمكن أن يجعل الولادة شرطًا؛ لأنّها غير ملفوظ بها إن كانت على خطر الوجود، فلم يجعل شرطًا بل كان معرفًا محضًا وكان بمنزلة ما لو قال لامرأته: إن كان في هذا الجوالق حنطة فأنتِ طالق، فحلَّ الجوالق فإذا فيها حنطة وقع الطلاق من حين تكلّم، وإنّما عرف كون ما في الجوالق حنطة بالحلّ، ومع هذا لم يجعل الحلّ شرطًا؛ لأنّ الحلّ غير ملفوظ به.
وفي (الأصل): إذا قال لها: كلّما ولدت ولدًا فأنتِ طالق، وقال لها أيضًا: إذا ولدت غلامًا فأنتِ طالق، فولدت ولدًا فصارت ولادتها شرطًا لانحلال اليمينين جميعًا.
وهو نظير ما لو قال لها: إن كلّمت فلانًا فأنتِ طالق وقال لها أيضًا: إن كلَّمت أنا فأنتِ طالق، فكلّم فلانًا طلقت تطليقتين؛ لأنّه فلان وإنسان.
وكذلك إذا قال لامرأته: إذا تزوّجتُ فلانة فهي طالق، ثمَّ قال: كل امرأة أتزوّجها فهي طالق، ثمَّ تزوّج فلانة طلقت تطليقتين؛ لأنها امرأة وفلانة، إذا حصل تعليق الطلاق بشرطين ووجد الشرط الأوّل وهي في نكاحه ووجد الشرط الثاني وهي ليست في نكاحه ولا عدّته بأن أبانها بواحدة بعدما وجد الشرط الأوّل وانقضت عدتها، ثمَّ وجد الشرط الثاني لا يقع الطلاق، ولو وجد الشرط الأوّل في غير ملكه وعدّته ووجد الشرط الثاني في ملكه بأن تزوّجها بعد ما وجد الشرط الأوّل ثمَّ وجد الشرط الثاني يقع الطلاق.
مثال الأوّل: إذا قال لامرأته: إن كلمت زيدًا وعمرًا فأنتِ طالق، فكلمت أحدهما، ثمَّ إنَّ الزوج أبانها بواحدة وانقضت عدتها، ثمَّ كلمت الآخر فإنّه لا يقع الطلاق.
ومثال الثاني: إذا قال لها: إن كلمت زيدًا وعمرًا فأنتِ طالق، فأبانها بواحدة وانقضت عدتها، ثمَّ كلّمت أحدهما، ثمَّ تزوّجها، ثمَّ كلّمت الآخر وقع الطلاق عندنا، خلافًا لزفر، وزفر يقول: قيام الملك وقت دخول الشرط شرط وقوع الطلاق، والشرط هاهنا كلامهما، فيعتبر قيام الملك وقت دخول الكلامين، وإنّا نقول: قيام الكل وقت وجود الشرط إنّما يعتبر ليَزول الجزاء، لا لوجود الشرط نفسه، ووقت يزول الجزاء عند وجود آخر الشرطين، فيعتبر قيام الملك عندهما، وإذا حصل التعليق بشرط واحد، ووجد بعض الشرط في ملكه والبعض في غير ملكه وعدّته؛ إن وجد أوّل الشرط في ملكه وآخره في غير ملكه لا يقع الطلاق، وإن وجد أوّل الشرط في غير ملكه ووجد آخر الشرط في ملكه وقع الطلاق.
مثال هذا: قال الرجل لامرأته: إن أكلت هذا الرغيف فأنتِ طالق، فأبانها وانقضت عدّتها فأكلت بعض الرغيف، ثمَّ تزوّجها بعد ذلك، ثمَّ أكلت الباقي طلقت عندنا، ولو أكلت بعض الرغيف وهي في نكاحه ثمَّ أبانها وانقضت عدّتها، فأكلت الباقي لا تطلق، فعلى هذا القياس تخرج جنس هذه المسائل.
وفي (الأصل): إذا قال لها: كلّما حضت حيضتين فأنتِ طالق، فحاضت حيضة في ملكه ثمَّ أبانها وانقضت عدّتها، فحاضت حيضة أخرى لا يبقى اليمين، حتّى لو تزوّجها ثمَّ حاضت حيضتين لا يقع الطلاق. قال الحاكم الشهيد رحمه الله: هذا جواب قوله: إذا حضت إن حضت لا جواب.
قوله: كلّما حضت وفي قوله: كلّما حضت إذا تزوّجها ثمِّ حاضت حيضتين يقع عليها الطلاق، وإليه أشار محمّد رحمه الله في (الجامع)، إلا أن محمدًا رحمه الله في (الأصل) ذكر كلمة إذا وكلّما وإن، وأجاب في الكلّ بجواب إن وإذا، كأنّه ذهب عليه لينقل خاطره، وهذا لما عرف أنَّ كلمة كلّما توجب التكرار بخلاف كلمة إن وإذا.
ومن المشايخ رحمهم الله من قال: ما ذكر في (الأصل) جواب كلّما، وهذا القائل يقول: في المسألة روايتان، على رواية (الجامع) يقع الطلاق إذا حاضت حيضتين بعدما تزوّجها، وعلى رواية (الأصل) لا يقع، وهذا القائل يقول بأنَّ الثابت بكلمة كلّما في الحال يمين واحدة على رواية (الأصل)، ويتجدّد انعقادها مرّة بعد مرّة كلّما حنث يتجدّد بيمين أخرى، فإذا لم يكن في ملكه ولا تجدّد به حال تمام الشرط الأوّل الذي هو حال انعقاد اليمين الأخرى لم تنعقد الأخرى؛ لأنّ اليمين لا تنعقد في غير الملك إذا لم يكن مضافًا إلى الملك، وعلى رواية (الجامع): الثابت بكلمة كلّما في الحال أيمان منعقدة يقع الحنث في البعض بوجود شرط الحنث فيها ويبقى الباقي، فصار حال تمام الشرط الأوّل حال بقاء اليمين الثانية، فلا يشترط قيام الملك في تلك الحالة في تعليق الطلاق بأحد الشرطين صورة ومعنى.
إذا قال الرجل: إن خطبت فلانة وتزوّجها فهي طالق، فخطبها ثمَّ تزوّجها لا تطلق؛ لأنَّ الشرط حيث أحد الشيئين الخطبة أو التزوّج، فإن خطبها فقد وجد شرط الحنث والمرأة ليست في نكاحه فتنحلّ اليمين لا إلى جزاء، فإذا تزوّجها بعد ذلك فإنما تزوّجها واليمين منحلة، فلا يحنث. ذكر المسألة في (الأصل).
قال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في (شرحه): وهو بمنزلة ما لو قال: إن قبلت فلانة أو تزوّجتها فهي طالق، فقبّلها ثمَّ تزوّجها لم تطلق؛ لأنَّ اليمين انحلت بالتقبيل، فإن تزوّجها قبل الخطبة بأن زوجها منه، وقولي: فبلغها فأجازت طلقت، بمنزلة ما لو قال: إن قبّلت فلانة أو تزوّجتها فهي طالق، فتزوّجها قبل أن يقبّلها فإنّها تطلق وكان ينبغي أن لا تطلق؛ لأنَّ شرط وقوع الطلاق التزوّج وقد حصل قبل دخولها في نكاحه فينبغي أن ينحلّ اليمين لا إلى حنث، قلنا: نعم شرط الحنث التزوّج، إلا أنَّ التزوّج إنّما بإجازتها، وعند ذلك هي في نكاحه، وهذه المسألة تؤيّد قول من يقول (آكمر وختر فلان مراد هند)، أو قال (بزني وهند) فهي طالق، فتزوّجها تطلق في الوجهين؛ لأنّ شرط الحنث وإن كان هو التزويج إلا أنَّ تمام التزويج بتزوّجه، وعند ذلك هي في نكاحه، (ألا ترى أنَّ محمدًا رحمه الله في هذه المسألة).
وفي (المنتقى): إذا قال: إن تزوجت فلانة أو أمرت إنسانًا بتزوّجها فهي طالق، فأمر إنسانًا بذلك فزوّجها منه أو تزوّجها بنفسه بعد ذلك لا تطلق؛ لأن اليمين انحلّت بالأمر لا إلى جزاء.
لو قال: إن تزوّجت فلانة فهي طالق، وإن أمرت إنسانًا بتزوّجها فهي طالق، فأمر إنسانًا فزوّجها منه طلقت؛ لأنَّ هاهنا يمينان إحداهما انعقدت على الأمر، والثانية على التزوّج؛ فبالأمران انحلت اليمين المنعقدة على الأمر، ثمَّ تنحل اليمين المنعقدة على التزوّج، وكذا لو تزوّجها بنفسه طلقت لما ذكرنا.
لو قال: إن تزوجت فلانة وإن أمرت من يتزوّجها فهي طالق، فأمر إنسانًا فزوّجها منه طلقت واليمين واحدة، والشرط إثبات الأمر والتزوّج، فلمجرّد الأمر لا تنحل اليمين، وهو بمنزلة قوله: إن دخلت هذه الدّار، وإن دخلت هذه الدّار فأنتِ طالق، وإن تزوّج فلانة من غير أن يأمر أحدًا بذلك لا تطلق؛ لأنّه بعض الشرط، فإن أمر بعد ذلك رجلًا فقال: زوجني فلانة، وهي امرأته على حالها طلقت لامرأته... كمل الشرط، فقد تزوّج وقد أمر.
وعن ابن سماعة عن أبي يوسف رحمهما الله: إذا قال الرّجل: إن تزوجت فلانة فهي طالق، إذا أمرت فلانًا فزوّجها فهي طالق، فأمر فلانًا فزوّجها إيّاه قال تطلق ثنتين وإن نوى واحدة فهي واحدة.
وروي عن أبي يوسف رحمه الله في رجل قال لامرأتين لا يملكهما: إن خطبتكما، أو تزوجتكما فأنتما طالقتان، فخطبهما ثمَّ تزوّجهما لم تطلقا، وقد مرّ مثل هذا في الواحدة، ولو تزوّجهما عن غير خطبة في عقدة أو في عقدتين طلقتا، ولو خطب واحدة وتزوّجها ثمَّ خطب الأخرى وتزوّجها لم تطلقا، ولو خطب واحدة وتزوّجهما طلقتا، ولو تزوّج واحدة وطلقها ثمَّ تزوّجهما طلقتا.
ولو قال: إن خطبتكما أو تزوجت هذه وأشار إلى امرأة أخرى غير المخاطبتين فأنتنّ طوالق، فتزوّج المنفردة ثمَّ خطب الأخريين وتزوّجهما لم يقع الطلاق.
إذا قال لامرأته: أنت طالق إذا أكل كذا أو شرب كذا وكلّم فلانًا، أو قال إذا أكلت كذا وشربت كذا وكلّم فلانًا، وامرأته طالق ما لم تجتمع هذه الأمور لا يقع الطلاق إلا أن ينوي شيئًا آخر، هكذا حكي عن الفقيه أبي القاسم الصفّار رحمه الله.
وإن كرّر حرف الشرط فقال: إن أكل وإن شرب وإن كلّم فلانًا، إن قدّم الجزاء فأي شرط وجد من هذه الأشياء يقع الطلاق ويرتفع اليمين، وإن أخّر الجزاء لا يقع الطلاق ما لم توجد الأمور كلّها، وهذا يجب أن يكون قول محمّد رحمه الله، فأمّا على قول أبي يوسف رحمه الله: إذا وجد واحد من هذه الأشياء يقع الطلاق وترتفع اليمين.
وذكرنا الخلاف على هذا الوجه في قوله: إن دخلت هذه الدّار الأخرى، وقد مرّت المسألة من قبل... به طلاق (سكند خورد كه بزمين فلان آندر بياتم وينبّه ني جينم)، فدخل الأرض ولم يلتقط القطن طلقت لأنَّ كل واحد منهما منتفٍ فيبقى على حدة، فصار كلّ واحد منهما شرطًا على حدة.
وإذا حَلف بطلاق امرأته أن لا تذوق طعامًا ولا شرابًا، فذاقت إحداهما طلقت امرأته، وكذلك إذا حلف أن لا تكلّم فلانًا ولا فلانًا فكلّمت أحدهما، وكذلك إذا حلف أن لا يأكل كذا ولا كذا فأكل أحدهما. وأمّا إذا قال: لا أذوق طعامًا وشرابًا، فذاق أحدهما لا يحنث، هكذا ذكر محمّد رحمه الله في أيمان (الأصل).
وعن الفقيه أبي القاسم الصفّار رحمه الله أنّه يحنث اعتبارًا للعرف، وفي العرف يراد به نفي كلّ واحد منهما، وكان الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمّد بن الفضل رحمه الله يقول: ينوي الزوج، فإن لم يكن له نيّة فالجواب كما قال في (الكتاب): إذا قال: (رن آوى بطلاق آكر سيكي خورد ومقامري كندو كبو تردارد)، حكي عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمّد بن الفضل رحمه الله أنّه قال: كلُّ واحد من هذه الأشياء شرط على حدة، وغيره من المشايخ قالوا: الكلّ شرط واحد، ولو قال: (سيكي ني خورد ومقامري بكند وكبوتر ني دارد)، فكلُّ واحد شرط على حدة بلا خلاف.
إذا علّق الطلاق بعدم الفعل في مجلس في وقت معيّن بأن قال: إن لم أدخل هاتين الدّارين اليوم، أو قال: إن لم أضرب فلانًا سوطين اليوم، فدخل إحدى الدارين دون الأخرى، أو ضرب أحد السوطين اليوم، ومضى اليوم حنث في يمينه؛ لأنّ شرط برّه دخول الدارين وضرب السوطين ولم يوجد، وفات شرط البرّ، وعند فوات شرط البرّ يتعين الحنث.
وكذلك إذا قال: إن لم أكلّم فلانًا وفلانًا اليوم فامرأته طالق، فكلّم أحدهما ولم يكلّم الآخر حتّى مضى اليوم طلقت امرأته. وصار الأصل أنَّ اليمين متى عقدت على عدم الفعل في مجلس ينظر فيها إلى شرط، وعند فوات شرط البرّ يتعيّن الحنث في أيمان (الجامع) في باب الأيمان، مما يوجب الرجل على نفسه.
وفي (فتاوى أبي الليث) رحمه الله: فيمن قال لامرأته: إن لم أدخل الليلة المدينة ولم ألق فلانًا فأنتِ طالق، فدخل فلم يصادفه في منزله ولم يلقه حتى أصبح، قال: إن كان حين حلف كان عالمًا أنّه غائب عن منزله يحنث، وإن كان لا يعلم بغيبته لا يحنث في قول أبي حنيفة رحمه الله ومحمّد رحمه الله خلافًا لأبي يوسف رحمه الله. وهو نظير ما لو حلف ليقتلن فلان وفلان ميّت.
وعلى قياس المسألة المتقدمة ينبغي أن تطلق على كلّ حال وينظر إلى شرط البرّ، وشرط البرّ شيئان: دخول المدينة ورؤية فلان ولم يوجد رؤية فلان، وإن شرط البرّ فيتعيّن الحنث. يبنى على أصل أنَّ المعرّف من كلّ وجه لا يدخل تحت اسم النكرة، وهو قول أحد وما أشبهه، والمعرّف من وجه يدخل اسم النكرة، والمعرّف من كلّ وجه ما لا يشاركه غيره وفي ذلك كالمشار إليه، وكالمضاف بالكناية والمشار إليه، نحو قولك: هذه الدّار وهذا العبد، فإنّه لا يدخل تحت قوله: هذه الدّار وهذا العبد غير المشار إليه، والمضاف بالكناية نحو قولك: داري وعبدي، فإنّه لا يدخل تحت قوله: داري وعبدي دار غيره وعبد غيره، فأمّا المعرّف بالاسم نحو قولك: محمّد بن عبد الله، والمضاف إلى الاسم نحو قولك: دار محمّد بن عبد الله يدخل تحت اسم النكرة؛ لأنّه معرّف من وجه؛ لأنَّ التعريف بالاسم والإضافة إلى الاسم لا يقطع الشركة من كلِّ وجه؛ لأنَّ المسمّى بمحمّد بن عبد الله كثير، ولهذا يحسن الاستفهام فيقال: من محمّد بن عبد الله، فيحتاج إلى زيادة تعريف، فيبقى فيه نوع تنكير إن صار معرّفًا من وجه بالاسم من حيث أنَّ الأسامي في الأصل وضعت للتعريف، فمن حيث أنّه معرفة إن كان يخرج عن اسم النكرة فمن حيث أنّه نكرة لا يخرج، فلا يخرج بالشكّ والاحتمال.
بيان هذا الأصل في مسائل ذكرها محمّد بن الحسن في (الجامع): إذا قال الرّجل: إن دخل داري هذه أحد، فامرأته طالق، فدخلها الحالف بنفسه لا تطلق امرأته إذا لم يكن له نيّة وقت اليمين؛ لأنَّ شرط وقوع الطلاق دخول شخص منكّر، والحالف صار معرّفًا من كلِّ وجه بإضافة الدّار إليه بالكناية، وإن نوى الحالف نفسه صحّت نيَّتُهُ لأنّه نوى ما يحتمله لفظه؛ لأنَّ أحد اسم شخص من بني آدم نكرة، فإذا نوى نفسه فقد نوى شخصًا من بني آدم معرفة، فقد وجد بعض معاني الحقيقة فكان، وبالمجاز من كلامه، وفيه تغليظ عليه؛ لأنّه يحنث بدخوله بإرادته ويحنث بدخول غيره بالظّاهر في القضاء.
قال: رجل اسمه محمّد بن عبد الله وله غلام قال: إن كلّم غلام محمدًا بن عبد الله هذا أحد فامرأته طالق أشار الحالف إلى الغلام لا إلى نفسه، فإن الحالف كلمه بنفسه، أو كلّم غيره تطلق امرأته، وإنّما وقع الطلاق بكلام الحالف وإن صار معرّفًا بالاسم؛ لأنّه صار معرّفًا من وجه لما ذكرنا أنَّ التعريف بالاسم تعريف من وجه دون وجه، وقد ذكرنا أنَّ المعرّف من وجه يدخل تحت اسم النكرة، فإن قيل: لا بل التعريف بالاسم تعريف من كلّ وجه، بدليل أنَّ من قال: فلانة بنت فلان التي أتزوّجها طالق لا يتعلق بالتزوّج؛ لأنّها صارت معرفة بالاسم فلغت الصفة إذًا بالإشارة في هذه الصفة فهاهنا يجب أن يكون كذلك، ولو عرف الحالف نفسه بالإشارة إلى نفسه لا يدخل تحت اليمين، فكذا إذا عرف نفسه بالاسم.
والجواب عن هذا الإشكال من وجهين.
أحدهما: لا بل التعريف بالاسم تعريف من وجه على ما مرّ، فصار الحالف معرّفًا من وجه دون وجه وحاجتنا إلى إخراجه عن قوله: أحد، فمن حيث أنّه معرّف إن كان يخرج من حيث أنّه منكر لا يخرج، فلا يخرج بالشك والاحتمال، وفي مسألة الطلاق الحاجة إلى إيقاع الطلاق عند التزوّج، فلا يقع بالشكّ والاحتمال. فإن قيل: ما ذكرتم يشكل كما لو قال: كل امرأة أتزوّجها ما دامت عمرة حيّة، أو قال متى يموت عمرة معرّفة بالاسم فينبغي أن يدخل تحت اسم النكرة وهو قوله كل امرأة، حتّى تطلق إذا تزوّجها، ومع هذا لا تطلق.
قلنا: عامّة المشايخ على أن تأويل المسألة أنَّ عمرة كانت مشارًا إليها، فإن قال: ما دامت عمرة هذه حيّة، فأمّا إذا لم تكن مشارًا إليها تطلق وتدخل تحت اسم النكرة.
الجواب الثاني: أنَّ الاسم والنسبة وضعا لتعريف الغائب، لا لتعريف الحاضر، بل لتعريف الحاضر الإشارة كما في الشهادة فإنّها (إن) قامت على غائب أو ميّت يشترط الاسم والنسب، وإذا قامت على حاضر تشترط الإشارة. إذا ثبت هذا فنقول: الحالف ها هنا حاضر يشترط لتعريفه الإشارة أو الإضافة بالكناية ولم يوجد، فلم يصير معرّفًا بل بقي منكّرًا، فتدخل تحت اسم النكرة، وفي مسألة الطلاق الاسم والنسب في الغائب لا في الحاضر، فيحصل بهما التعريف وتلغوا الصفة، حتّى لو كانا في الخاص بأن كانت فلانة حاضرة لا يحصل لهما التعريف، ولا تلغوا الصفة ويتعلّق الطلاق بالتزوّج، هكذا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله. ولو قال لنسائه: المرأة التي تدخل منكنّ الدّار طالق، فدخلت امرأة من نسائه الدّار طلقت ولا تطلق واحدة منهن قبل الدخول، ولو قال: امرأته فلانة التي تدخل الدّار طالق طلقت فلانة للحال، ولا يتعلق طلاقها بدخول الدّار؛ لأنّ في المسألة الأولى المسماة غير معرفة، فتعلق الحكم بالصفة المذكورة وصارت بمعنى الشرط، كأنّه قال: إن دخلت امرأة من نسائي الدّار فهي طالق.
وفي المسألة الثانية المسمّاة معرفة بالنسبة، فلغى ذكر الصفة فيها والتحقت بالعدم كأنّه قال: فلانة طالق، وعلى قياس مسألة عمرة ينبغي أن يقال على قول عامّة المشايخ: إنّما تطلق فلانة للحال إذا كانت فلانة مشارًا إليها؛ لأنَّ التعريف لا يحصل بالاسم من كلِّ وجه، فلا يلغوا ذكر الصفة فيها، وعلى ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله يجب أن يقال: لو كانت فلانة حاضرة لا تطلق فلانة للحال؛ لأنّها إذا كانت حاضرة فتعريفها بالإشارة فلا تصير معرفة بالاسم، فلا يلغوا ذكر الصفة فيها، ولو قال: فلانة بنت فلان طالق إن دخلت الدّار لم تطلق حتّى تدخل، بخلاف ما لو قال: فلانة بنت فلان التي تدخل الدّار طالق، والفرق: أنَّ قوله: إن دخلت صريح في الشرط وإنَّ حكم الشرط أنَّ المعلّق به لا يزال إلا عند وجوده، وفي حقّ هذا المعنى المعرّف والمنكّر سواء، فأمّا النسبة أو الصفة ليس بصريح في الشرط ولكن يعتبر النسب والصفة شرطًا إذا صحّ ذكرهما، وإنّما يصح ذكرهما في المنكر دون المعرفة.
إذا قال: المرأة التي أتزوّجها طالق فتزوّج امرأة تطلق، ولو قال: هذه المرأة التي أتزوّجها طالق فتزوّجها لا تطلق؛ لأنَّ في المسألة الأولى المسمّاة غير معرفة أصلًا، فتعلّق الحكم بالصفة المذكورة وصارت شرطًا كأنّه قال: إن تزوّجت امرأة، وفي المسألة الثانية المسمّاة معرفة بالإشارة فلغت الصفة المذكورة، والتعريف بالعدم كأنّه قال: هذه طالق، ومن قال لأجنبيّة: هذه طالق ثمَّ تزوّجها لا تطلق. وإذا قال: إن دخلت الدّار فكل امرأة أتزوّجها فهي طالق وله امرأة، فدخل الدّار وطلق امرأته ثمَّ تزوّجها طلقت؛ لأنّ المعلّق بالشرط كالمرسل عند الشرط فيصير قائلًا عند دخول الدّار: كلّ امرأة أتزوّجها فهي طالق، ولو قال: كلّ امرأة أتزوّجها طالق وله امرأة، فطلّقها ثمَّ تزوّجها تطلق.
ولو قال لامرأته: إن دخلت الدّار فكلّ امرأة أتزوّجها فهي طالق، فدخلت الدّار وطلّقها زوجها ثمَّ تزوّجها تطلق أيضًا. وروى هشام عن أبي يوسف رحمهما الله؛ لأنّها لا تطلق، وروي عنه أيضًا: إذا قال لامرأته: إن طلقت فكلّ امرأة أتزوّجها فهي طالق، فطلقها ثمَّ تزوّجها لا تطلق وعلّل فقال: لأنّ اليمين إنّما وقعت بفعل فيها بالنكاح على غيرها.
وروي عنه أيضًا: إذا قال: إن طلقت فلانة فكلّ امرأة أتزوّجها فهي طالق، فهذا على غير وجه ما روي عن أبي يوسف رحمه الله: أنّها صارت معرفة بالإضافة بالكناية، ويذكر الاسم ولا يدخل تحت اسم النكرة، كما لو قال لامرأته: كلّ امرأة أتزوّجها ما دمت حيّة فهي طالق، فطلق امرأة ثمَّ تزوّجها لا تطلق؛ لأنّها صارت معرفة بالإضافة بالكناية، فلم تدخل تحت اسم النكرة.
وجه ما ذكر أنّها تطلق: أنَّ قوله لامرأته: إن دخلت الدّار فكلّ امرأة أتزوّجها فهي طالق يمينان معنى إن كانت يمينًا واحدة؛ لأنّ قوله: إن دخلت الدّار شرط وجزاؤه قوله: فكلّ امرأة أتزوّجها فهي طالق، وقوله: كل امرأة أتزوّجها فهي طالق عين تامة، فعلم أنّه يمينان معنى بصيرورتها معرفة في اليمين الأولى، لا يمنع دخولها تحت اسم النكرة في اليمين الثانية، ألا ترى أنَّ الرّجل إذا قال: إن دخلت الدّار فكلّ امرأة أتزوّجها فهي طالق وفلانة هذه وأشار إلى المرأة التي في نكاحه فدخل الدّار حتّى وقع الطلاق على فلانة، ثمَّ تزوّج فلانة طلقت، وهل لأحد أن يقول بأنَّ فلانة صارت معرفة بالإشارة إليها؟ فلا تدخل تحت اسم النكرة، ولكن قبل الدخول هاهنا يمينان بصيرورتها معرفة في إحديهما لا يمنع دخولها تحت اسم النكرة في الأخرى.
والدليل على صحة ما قلنا: ما ذكر الفضلي في (فتاواه) فقال: إذا قال الرجل: إن فعلت كذا ما لم أتزوّج فاطمة فكلُّ امرأة أتزوّجها فهي طالق، ففعل ذلك الفعل ثمَّ تزوّج فاطمة تطلق؛ لأنّ عند ذلك الفعل يصير قائلًا: كلُّ امرأة أتزوّجها فهي طالق، فيقع الطلاق على فاطمة، وإن صارت معرفة بقوله: ما لم أتزوّج فاطمة، ولكن قيل هذان يمينان معنى فصيرورتها معرفة في اليمين الأولى لا يمنع دخولها تحت اسم النكرة في اليمين الثانية.
وحكي عن شمس الإسلام الأوزجندي رحمه الله أنّه سئل عمّن قال: امرأته (آكر ترا ترنم زني كه مرابو دو باشد آزمن بطلاق)، فضربها وطلقها وتزوّجها بعد ذلك إنها لا تطلق؛ لأنّه أوقع الطلاق على امرأة منكرة وهي صارت معرفة بالخطاب، وفتواه توافق....
وصار الحاصل: أنّ في كلّ موضع كان الموجود يمينان بالمعرّف في شرط إحديهما تدخل تحت اسم النكرة في اليمين الأخرى، وإن كانت يمينًا واحدة؛ والمعرّفة في الجزاء تدخل تحت اسم الشرط إن إذا كان الشرط باسم النكرة، كما لو قال لامرأته: إن دخل داري هذه أحد فأنتِ طالق، فدخلت المرأة الدّار طلقت، وإن صارت معرفة في الجزاء ولم يمنع ذلك دخولها تحت الشرط المذكور باسم النكرة، والمعرفة في الشرط تدخل تحت الجزاء إذا كان الجزاء باسم النكرة.
بيانه فيما ذكر في (النوادر): إذا قال لامرأته: إن فعلت كذا فنسائي طوالق، ففعلت ذلك الفعل وقع الطلاق عليها وعلى غيرها.
وذكر في (المنتقى): عن محمّد رحمه الله إذا قال لامرأته: إن وطئتك فكل امرأة لي طالق، ثمَّ وطئها طلقت هي، ولو قال: إن وطئتك فأنتِ طالق وكلّ امرأة لي طالق فوطئها وقع الطلاق عليها تطليقتان، ولو كانت له امرأة أخرى وقع عليها تطليقة، والمعرّف في الشرط لا يدخل تحت اسم النكرة المذكورة في الشرط.
بيانه: فيما إذا قال: إن دخل داري هذه أحد فامرأتي طالق، فدخلها الحالف لا تطلق امرأته؛ لأنّه صار معرّفًا في الشرط بإضافة الدّار فلا تدخل تحت اسم النكرة، وهو قوله: أحد، فعلى هذا يخرّج جنس هذه المسائل.
قال محمّد رحمه الله في (الجامع): إذا قالت المرأة لزوجها: إنّك تزوّجت عليّ، فقال الرّجل: كلّ امرأة لي طالق ثلاثًا طلقت المخاطبة. وروي عن أبي يوسف رحمة الله عليه: أنّها لا تطلق؛ لأنَّ غرض الزوج من هذه اليمين تطييب نفسها وتسكين قلبها من كلّ وجه، وذلك إنّما يحصل إذا أراد الزوج إيقاع الطلاق على امرأة أخرى، فإنّما نقول يحتمل أن يكون غرض الزوج ما قاله، ويحتمل أن يكون غرضه مغايظتها بإيقاع الطلاق عليها لما أنّها بالغت في الخصومة والمشاجرة، فأغضبه كلامها، فأراد أن يطلّقها مع غيرها مغايظة لها....... الدلالتان تثبت العبرة لعموم اللفظ.
وحكي من بعض المتأخرين من مشايخنا رحمهم الله: أنّه ينبغي أن يحكم الحال في هذا، فإن كان قد جرى بينهما قبل ذلك مشاجرة وخصومة فدلَّ على أنَّ ذلك أغضب الزوج وأنّ الزوج قد قال ذلك على سبيل الغضب يقع الطلاق عليها، وإن لم يجر بينهما قبل ذلك خصومة ومشاجرة تدلّ على أن ذلك أغضب الزوج لا يقع الطلاق عليها، قال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله وهذا القول حسن عندي، وكذلك إذا قالت: إنك تريد أن تتزوّج عليّ فقال الزوج: كلّ امرأة أتزوّجها فهي طالق، فطلّق المخاطبة ثمَّ تزوّجها تطلق، ولو قيل لرجل: أكلُّ امرأة غير هذه المرأة، فقال: كلُّ امرأة لي فهي طالق لا تطلق هذه، هكذا ذكر في (فتاوى أبي الليث) رحمه الله.
فرق بين هذا وبينما إذا قالت المرأة لزوجها: إنك تزوّجت عليَّ امرأة، فقال: كلُّ امرأة لي فهي طالق حيث تطلق المخاطبة. والفرق أنّ كلام الزوج في المسألتين بناءً على سؤال السائل، فإنّما يدخل تحت كلام الزوج ما يجوز أن يكون داخلًا في سؤال السائل، والمذكور في قول المرأة: إنّك تزوجت عليّ امرأة، واسم المرأة يتناولها كما يتناول غيرها، فجاز أن يدخل تحت قول الزوج، أمّا المذكور في المسألة الأخرى في سؤال السائل غير هذه، وقوله غير هذه المرأة لا يحتمل هذه المرأة، فلا تدخل تحت قول الزوج.
قال لامرأته كلّ امرأة أتزوّجها باسمك فهي طالق هذه المرأة، ثمَّ تزوّجها لا تطلق وإن نواها عند اليمين.

.الفصل الثامن عشر: في الطلاق الذي يقع بقوله أوّل امرأة أتزوّجها وبقوله آخر امرأة أتزوّجها:

قال حسن رحمه الله في (الأصل): إذا قال الرجل: أوّل امرأة أتزوّجها فهي طالق، فتزوّج امرأتين في عقدة واحدة، وواحدة في عقدة لم تطلق واحدة منهنّ؛ لأنّه أوقع الطلاق على أوّل امرأة يتزوّجها؛ والأوّل اسم مفرد سابق، وفي المرأتين إذا وجد السبق لم توجد الفرديّة، وفي الواحدة؛ لأنّ وحدة الفردية لم توجد السبق، فإن كان قال مع هذا: وآخر امرأة أتزوّجها فهي طالق لا تطلق الثانية ما لم يثبت الزوج، فإذا مات يقع الطلاق عند أبي حنيفة رحمه الله مستندًا إلى وقت التزوّج وعندهما مقيض.
أو لو: قال آخر امرأة أتزوّجها فهي طالق، فتزوّج أم لم يتزوّج قبلها ولا بعدها حتّى مات لم تطلق؛ لأنّها موصوفة بالأوليّة، فلا تتصف بالآخرية ليستا بينهما. ولو قال: أوّل امرأة أتزوّجها فهي طالق، فتزوّج امرأة طلقت تزوّج بعدها أخرى أو لم يتزوّج.
ولو قال: أوّل امرأة أتزوّجها فهي طالق، فتزوّج امرأتين إحداهما معتدّة الغير وقع الطلاق على التي صحّ نكاحها، وكذلك لو تزوّج امرأة نكاحها فاسدة ثمَّ تزوّجها بعدها أخرى نكاحًا صحيحًا يقع الطلاق على الأخرى، وهذا بناءً على أن ذكر التزوّج في المستقبل ينصرف إلى النكاح الصحيح دون الفاسد، فكأنّه قال: أوّل امرأة أتزوّجها نكاحًا صحيحًا، فهي طالق، والتي صحّ نكاحها أوّل امرأة تزوجها نكاحًا صحيحًا.
قال في (الجامع): إذا قال الرّجل: آخر امرأة أتزوّجها فهي طالق، فتزوّج عمرة ثانيًا ثمَّ مات الحالف طلقت زينب، ولا تطلق عمرة؛ لأنّ الحالف جعل الآخرية صفة للعين وزينب هي الموصوفة بذلك لا عمرة؛ لأنّ عمرة موصوفة بكونها أوّلًا في النكاح الأوّل، وكلّ ذات اتصفت بالأوليّة في نكاح لا يتصف بالآخرية في نكاح الآخر؛ لأن الذات لا تختلف باختلاف النكاح، والذات الواحدة في الشاهد لا يجوز أن تتصف بالأوّلية والآخرية.
ولو نظر إلى عشر نسوة وقال: آخر امرأة أتزوّجها منكنَّ طالق، فتزوّج واحدة منهن، ثمَّ تزوّج أخرى ثمَّ طلق الأولى، ثمَّ تزوّجها ثمَّ مات فالطلاق واقع على التي تزوّجها مرّة دون التي تزوّجها مرتين، وهذه المسألة والمسألة الأولى سواء فيما إذا مات الزوّج بعد تزوّج الثانية، وإنّما يفترقان فيما إذا لم يمت الزوج حتى تزوّج العاشرة بأن تزوّج مثلًا أربعًا وفارقهنَّ، ثمَّ تزوّج أربعًا أخرى وفارقهن، ثمَّ تزوّج التاسعة، ثم تزوّج العاشرة فإنّ العاشرة تطلق كما تزوّجها مات الزوج أو لم يمت.
وفي المسألة الأولى: لو تزوّج عشر نسوة على التفاريق، فالعاشرة لا تطلق ما لم يمت الزوج، والفرق أنَّ في المسألة الأولى أوقع الطلاق على آخر امرأة تزوّجها من نساء العالم، وما دام الزوج حيًّا لا ينبغي أن تكون العاشرة آخر امرأة يتزوجها من نساء العالم.
وفي المسألة الثانية: أوقع الطلاق على آخر امرأة يتزوّجها من العشرة، وكما تزوّج العاشرة فقد...... آخر امرأة تزوّجها من العشرة؛ لأنّه لا يحتمل ثبوت هذه الصفة الأخرى منهنّ لإنصاف الأولى بالأوليّة والثانية والثالثة وغيرهما بالوسطى، فتعيّن العاشرة الآخريّة مات الزوج أو لم يمت.
قال في (الكتاب): ألا ترى أنّه لو نظر إلى امرأتين وقال: آخر امرأة أتزوّجها منكما فهي طالق، فتزوّج إحداهما ثمَّ تزوّج الأخرى طلقت الثانية حين تزوّجها وإن لم يمت الزوّج وهو إشارة إلى ما قلنا، ولو قال: آخر امرأة أتزوّجها فهي طالق، فتزوّج امرأة وطلقها ثمَّ تزوّجها ثانيًا لم تطلق، وهو إشارة إلى ما قلنا: أن المرأة إذا اتصفت بالأوّلية في نكاحَ لا يتصوّر إتصافها بالآخرية في نكاح آخر.
ولو قال: آخرُ تزوّيج أتزوّجه فالتي أتزوّجها طالق، فتزوّج امرأة وطلقها ثمَّ أخرى ثمَّ تزوّج التي طلقها ثانيًا ومات الزوج طلقت التي تزوّجها مرتين لا التي تزوّجها مرّة؛ لأنّه جعل الآخرية ها هنا صفة للتزوّج، وآخر تزوّج باشره نكاح التي تزوّجها مرتين أكثرها في الباب أنّه تزوّجها أوّلًا، إلا أن النكاح الثاني غير الأوّل حقيقة، فجاز أن يتصف بكونه آخرًا بخلاف ما تقدّم؛ لأنَّ هناك جعل الآخرية صفة للمرأة وغير هذه المرأة قد اتصف بالأوليّة، فلا يتصوّر اتصافها بالآخرية.
وكذلك لو نظر إلى عشر نسوة وقال: آخر تزوّج أتزوّجه منكن فالتي أتزوّج طالق، فتزوّج واحدة وطلقها، ثم تزوّج أخرى ثمَّ تزوّج التي طلقها، ثمَّ مات الزوج طلقت التي تزوّجها مرتين لما قلنا.
ولو تزوّج العاشرة لم تطلق العاشرة حتّى يموت الزوج، فرق بين هذا وبين ما إذا قال: آخر امرأة أتزوّجها منكن طالق، حيث تطلق العاشرة كما تزوّجها وإن لم يمت الزوج، الفرق أنَّ في هذه المسألة حصلت الآخرية صفة للزوج، وقبل موت الزوّج لم تثبت هذه الصفة للعاشرة، فإنّه إذا تزوّج واحدة أخرى من العشرة، ثمَّ مات الزوج كأنْ تزوّجها آخرًا وفيما تقدّم جعل الآخرية صفة للمرأة، وقبل موت الزوج صفة الآخرية للعاشرة.
قال في (الكتاب): ألا ترى أنّه لو نظر إلى امرأتين وقال: آخر تزويج أتزوّجه منكما فالتي أتزوّج طالق، فتزوّج واحدة ثمَّ الثانية لا تطلق الثانية ما لم يمت الزوج، وبمثله لو قال: آخر امرأة أتزوّجها منكما طالق، فتزوّج إحداهما ثمَّ تزوّج الأخرى طلقت الأخرى، وقع الفرق بينما إذا جعل الآخرية صفة للمرأة وبينما إذا جعل الآخرية صفة للزوج، فكذا فيما تقدّم.

.الفصل التاسع عشر: في الشهادة في الطلاق والدعوى والخصومة:

إذا قال محمّد رحمه الله في (الأصل): إذا شهد شاهدان على رجل أنّه طلّق إحدى امرأتيه ثلاثًا، ولم يسم لنا، فالقياس أن لا تقبل شهادتهما، وفي الاستحسان تقبل ويجبر الزوج على البيان، وبه أخذ علمائنا رحمهم الله.
وحاصل المسألة راجع إلى أنَّ الدعوى هل هي شرط لقبول الشهادة على الطلاق فعلى جواب القياس: شرط والدعوى من المجهول لا تتحقّق، وعلى جواب الاستحسان الدعوى ليس بشرط؛ لأنّها قامت على تحريم الفرج وحرمة الفرج حقّ الله تعالى، بدليل أنّه لا تزول الحرمة بإباحتها وبذلها، والشهادة على حقّ الله تعالى تقبل بدون الدعوى، كالشهادة على الزنا، وإذا لم تكن الدعوى شرطًا لقبول الشهادة على الطلاق استحسانًا لم يكن جهالة المطلقة مانعة قبول الشهادة؛ لأنّه ليس في قبول جهالة المطلقة إلا عدم الدعوى، والدعوى ليس بشرط على جواب الاستحسان.
وإذا شهد الشهود على رجل أنّه طلق فلانة، فقالت امرأته: ما طلقني وقال الزوج: ليس اسمها فلانة، وشهد الشهود أنَّ اسمها فلانة والطلاق ثلاث، فإنّه ينبغي للقاضي أن يفرق بينهما بناءً على ما قلنا: أنّ الشهادة على الطلاق تقبل من غير الدعوى استحسانًا، فإذا قبلت الشهادة وقد ثبت أنّ له امرأة بالاسم الذي سمّاها به وقع الطلاق عليها، وكذلك هذا في عتق الأمة.
إذا شهد الشهود أنّه أعتق فلانة وشهد الشهود أنّ اسم مملوكته فلانة، وقالت فلانة لم يعتقني، فإنَّ القاضي يقضي بالعتق، وإذا شهد شاهدان على تطليقة وشهد آخر على تطليقتين أو على ثلاث تطليقات لم تقبل هذه الشهادة عند أبي حنيفة رحمه الله، وعند أبي يوسف ومحمّد رحمهما الله تقبل الشهادة على تطليقة واحدة، وهو نظير ما لو شهد أحد الشاهدين بألف وآخر شهد بالألفين والمدعي يدعي الألفين لا تقبل الشهادة عند أبي حنيفة رحمه الله أصلًا، على ما يأتي بيانه في كتاب الشهادات إن شاء الله تعالى.
وإذا شهد أحدهما أنّه طلقها إن دخلت الدّار وقد دخلت، وشهد الآخر أنّه طلقها إن كلّمت فلانًا وقد كلّمت فشهادتهما باطلة؛ لأنهما شهدا بيمينين مختلفين، وكذا إذا شهد أحدهما أنه طلقها ثلاثًا، وشهد الآخر أنّه قال لها: أنتِ عليّ حرام ينوي الطلاق، فشهادتهما باطلة أيضًا.
وكذا إذا شهد أحدهما بالخليّة، والآخر بالبريّة، أو شهد أحدهما بنيّة، وشهد الآخر بالبائن فشهادتهما باطلة، وكذا لو شهد أحدهما أنّه قال: إن دخلت فلانة وفلانة الدّار فهما طالقتان، وشهد الآخر أنّه قال: إن دخلت فلانة الدّار فهي طالق فشهادتهما باطلة.
ولو شهد أحدهما أنّه قال لامرأته: إن دخلت الدّار فأنتِ طالق وفلانة معك، وشهد الآخر أنّه قال لها: إن دخلت الدّار فأنتِ طالق، فإنّه تقبل الشهادة على طلاقها ولا تقبل على طلاق فلانة؛ لأنّ هاهنا اتفقا على أن شرط الحنث واحد وهو دخولها الدّار؛ لأنّ أحدهما شهد أنّه على هذا الشرط طلاقها، وطلاق الأخرى بلفظة الجمع، فهذا لا يمنع قبول الشهادة في التنجيز بأن شهد أحدهما أنّه طلّق زينب، وشهد الآخر أنّه طلق زينب وعمرة، فإنّه تقبل شهادتهما على طلاق زينب، فكذا في التعليق بخلاف المسألة الأولى؛ لأنّ هناك اختلفا في شرط الحنث، وليس على كلّ واحد منهما إلا شاهد واحد.
وكذلك إذا شهد أحدهما أنّه قال: فلانة طالق، لا بل فلانة، وشهد الآخر أنّه قال: فلانة طالق سمّى الأولى لا غير، تقبل شهادتهما على طلاق فلانة لاتفاقهما على طلاقها لفظًا ومعنى، وإذا اختلفا في مقدار الشروط التي علّق بها الطلاق أو في التعليق والإرسال أو في مقدار الأجعال أو في صفاتها أو في أشراطها وحذفها، فكذلك كل اختلاف في المشهود به فيمنع قبول الشهادة.
وإذا شهد الرجل على طلاق أمّه، إن كانت الأم تدّعي الطلاق لا تقبل شهادته، وإن كانت تجحد تقبل شهادته؛ لأنّ الأمّ في طلاق نفسها منفعة ومضرّة، فتعيين الشهادة لها إذا ادّعت، وعليها إذا جحدت.
وهذا بخلاف ما لو شهد على طلاق ضرّة أمّه حيث لا تقبل شهادته ادّعت الأمّ ذلك أو جحدت؛ لأنّ للأمّ في طلاق ضرّتها منفعة من كلّ وجه لا يشوبه ضرر، فإنّه يخلص لها الفراش، فاعتبرت الشهادة واقعة للأمّ وإن جحدت.
وإن شهد على طلاق أخته قبلت شهادته، ادعت الأخت ذلك أو جحدت؛ لأنّه إمّا أن تعتبر هذه الشهادة واقعة للأخت، أو عليها وكلُّ ذلك مقبولة.
وإذا شهد أحد الشاهدين على تطليقة واحدة بائنة، وشهد الآخر على تطليقة رجعيّة قبلت شهادتهما، على تطليقة رجعيّة؛ لأنّهما اتفقا على أصل الطلاق وتفرّد أحدهما بزيادة صفة.
وإذا شهد أحدهما بتطليقة والآخر بنصف تطليقة لا تقبل شهادتهما عند أبي حنيفة رحمه الله كما لو شهد أحدهما بتطليقة والآخر بتطليقتين، وهذا لأنّ النصف من الواحدة كالواحدة من الثنتين.
وإذا اختلفا الإنشاء والإقرار شهد أحدهما بالإنشاء، وشهد الآخر بالإقرار، واختلفا في الزمان أو في المكان، بأن شهد أحدهما أنه طلقها يوم الجمعة، وشهد الآخر أنّه طلقها يوم السبت، أو شهد أحدهما أنّه طلقها في بلدة كذا، وشهد الآخر أنّه طلقها في بلدة كذا تقبل شهادتهما.
ولو شهد أحدهما أنّه طلّقها يوم النحر بمكّة، وشهد الآخر أنّه طلقها في ذلك اليوم بكوفة، لا تقبل شهادتهما لا لاختلاف المكان، بل لأنّ القاضي تيقّن بكذب أحدهما.
ولو كانا شهدا بذلك على يومين متفرقين بينهما من الأيام على قدر ما يسير الراكب من كوفة إلى مكّة جازت شهادتهما؛ لأنّا لم نتيقّن بكذب أحدهما في هذه الصورة لم يبق الاختلاف المكان، وباختلاف المكان لا يختلف المشهود به وهو الطلاق، ثمَّ في الوجه الأوّل لو كان أحد الفريقين شهد أوّلًا، وقضى القاضي بشهادتهم، ثمَّ شهد الفريق الآخر فالقاضي لا يقضي بشهادة الفريق الثاني، ولا يبطل قضاؤه بشهادة الفريق الأوّل؛ لأنّ في هذا الوجه بعد قضاء القاضي من حيث الظاهر وقع الشكّ في بطلان شهادة الفريق الثاني، إن كانوا صَدَقَةً يبطل، وإن كانوا كَذَبَةً لا يبطل، فلا يبطل القضاء بالشك، وفي الوجه الأوّل وقع الشك في جواز القضاء.
ونظير هذه المسألة ما لو قال لامرأتين له: أيتكما أكلت هذه الرغيف فهي طالق، فجاءت كلُّ امرأة بالبينة أنّها هي التي أكلته لا تقبل شهادتهما؛ لأنّ القاضي تيقن بكذب إحدى البينتين؛ لأنّ الشرط أكل كل الرغيف، واستحال أن تكون كلّ واحدة منهما أكلت كلّ الرغيف، وإن جاءت إحدى البينتين قبل الأخرى وقضى القاضي بها، ثمَّ جاءت الأخرى فالقاضي لا يلتفت إليها وطريقة ما قلنا.
وفي (نوادر هشام) عن محمّد بن الحسن رحمه الله: في رجل ادعت عليه امرأته أنه طلّقها ثلاثًا وهو يجحد، ثمَّ مات الزوج، فجاءت المرأة تطلب الميراث، قال: إن صدّقته المرأة قبل أن يموت وقالت: صدقت، لم تطلقني وَرِثته، وإن لم ترجع إلى تصديقه حتّى مات لم ترثه.
مرت امرأة بين يدي رجل، فقال الرجل: هي طالق، وسمع ذلك قوم ثمَّ رأوها معه بعد ذلك، فقال: هذه امرأتي فشهدوا عليه أنّه طلّقها، فقال الزوج: طلقتها أمس وهي ليست لي بامرأة وتزوّجتها اليوم، وقال القوم: طلّقها أمس ولا ندري أكانت امرأته أم لا لا تطلق حتىّ يشهدوا عليه أنّه طلقها وهي امرأته.
ابن سماعة في (نوادره) عن محمّد رحمه الله في رجل شهد عليه شاهد أنّه طلّق امرأته واحدة بائنة، وشهد آخر عليه أنّه طلّقها ثلاثًا فهي واحدة يملك الرجعة.
وفي (المنتقى): روي عن محمّد في رجل قال: امرأته طالق ثلاثًا إن كان دخل الدار اليوم، فشهد شاهدان أنّه دخل، فقال: امرأته طالق، فإن قال الزوج: عبده حرٌّ إن كانا رأياني دخلت الدّار، معناه: إن كان الشاهدان رأياني لا يحكم بعتق العبد بقولهما، حتّى شهد شاهدان غير الأولين أنّ الأولين رأياه قد دخل، وكذلك لو كان الزوج قال: عبدي حرٌّ إن لم يكونا شهدا علي الزور لا يحكم بعتق عبده؛ لأنه يمكن للذي حلف أن يقول: إنَّ الشاهدين لم يرياني قد دخلت وقد شهدوا بزور.
بشر عن أبي يوسف رحمه الله: شاهدان شهدا على رجل أنّه طلّق امرأته وشهد آخران في ذلك أنّه قال: إن دخلت الدّار، والمجلس واحد والكلام واحد، فإني أجد ببيّنة الثبات، ولو لم تدع المرأة ذلك فرقت بينهما؛ لأنّهما شهدا بالتحريم.
داود بن رسرد عن محمّد رحمه الله: شهد شاهدان على رجل أنّه طلّقها واحدة قبل أن يدخلها، وشهد آخران أنّه طلقها ثلاثًا ولا... أيهما أوّل، قال أجعلها ثلاثًا من قبل أن شهادتهم أنّه طلقها ثلاثًا إقرار منه أنّه طلّقها وهي امرأته. وكذلك لو شهد كل فريق منهما بطلاق معلّق بدخول الدّار.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمّد رحمه الله: إذا شهد شاهد على رجل أنّه طلّق امرأته واحدة، وشهد آخر أنّه طلّقها ثنتين، وشهد آخر أنّه طلّقها ثلاثًا، وكانت المرأة مدخولًا بها قال: هي طالق ثلاثًا، وإن لم يكن دخل بها فهي طالق ثنتين. قال في تعليل وقوع الثلاث: قيل إنَّ صاحب الثلاث وصاحب الثنتين قد أجمعا على الثنتين، وصاحب الثلاث مع صاحب الواحدة أجمعا على الواحدة فطلقت ثلاثًا لهذا.
وفي شهادات (المنتقى): رجل حلف بطلاق امرأته أو بعتاق عبده أنّه...... عن فلان خصم له به عليه حقًّا، فشهدت عليه بنته أنّه قد خرج من المصر خروج هَرَبٍ من المدعي، ولم يشهدوا على إقرار الخارج أنّه هرب من الخصم، قال أبو يوسف رحمه الله: إذا شهدوا عليه أنّه خرج خروج هرب منه،... عنه قبلت الشهادة وطلقت المرأة وعتق العبد قال: وهذا عندي بمنزلة الشهادة على الإباق.
رجل جعل أمر امرأته بيدها، ثمَّ قال لرجلين: أخبراها أني جعلت أمرها بيدها، فقالا: نشهد أنّا أخبرناها أنَّ زوجها قد جعل أمرها بيدها، وطلّقت نفسها والزوج يجحد ذلك أجزت شهادتهما. ولو قال: لهما طلِّقاها، اجعلا أمرها بيدها، فقالا: نشهد أنّا جعلنا أمرها بيدها وأنّها اختارت نفسها لم أقبل شهادتهما؛ لأنّه فعلهما فلا يستقيم أن يصير الأمر بيدها إلا بقولهما: جعلنا أمرك بيدك، أمّا في الفصل الأوّل لم يشهدا على فعل منهما مثل ذلك، ألا ترى أنّه لو قال: خيراها فلم يفعلا وأخبرها غيرهما أنّ الأمر يصير في يدها.
ابن سماعة عن أبي يوسف رحمه الله: إذا اختلف شاهدان في الطلاق، فشهد أحدهما بالنبطية أو بالفارسيّة أو بلسان آخر غير ذلك، وشهد آخر أنّه طلّقها بالعربية لا تقبل شهادتهما، قال: ولو كان هذا في الإقرار بمال أجزته، قال: وليس الطلاق كذلك؛ لأنّي أنويه في الطلاق في وجوه، وقال فيما إذا شهد شاهد على رجل أنه قال له: أنت حرٌّ، وشهد الآخر أنّه قال له بالفارسيّة: (بوارادي) تقبل شهادتهما، قال: لأنّه ليس له وجه آخر غير العتق.
ابن سماعة عن أبي يوسف في (نوادره): إذا قال لامرأته: إن قلت لك أنتِ طالق فعبدي حرٌّ، فشهد عليه شاهد أنّه قال لها يوم الجمعة غدوة: أنتِ طالق، وشهد عليه شاهد آخر أنّه قال لها يوم الجمعة عشيّة: أنتِ طالق قبلت شهادتهما.
وعنه أيضًا في...... أخرى: إذا قال لامرأته: إن كلّمت فلانًا فأنتِ طالق، فشهد أحد الشاهدين أنّها كلّمته غدوة، وشهد الآخر أنّها كلّمته عشيّة طلقت امرأته، وعنه في فصل العتق بخلاف هذا، فإنّه قال فيمن قال لعبده: إن كلّمت فلانًا فأنت حرٌّ، فشهد شاهد أنّه كلّمه اليوم وشهد الآخر أنّه كلّمه أمس لا تقبل هذه الشهادة.
وعنه أيضًا: إذا قال لامرأته: إن ذكرت طلاقك سميت طلاقك إن تكلّمت به فعبدي حرّ، فشهد أحدهما أنّه طلّقها اليوم، وشهد الآخر أنّه طلقها أمس يقع الطلاق ولا يقع العتق. وعنه أيضًا: إذا قال لها: إن دخلت الدّار فأنتِ طالق، فشهد أحد الشاهدين أنّه دخلها غدوة وشهد الآخر أنّه دخلها عشيّة لم تقبل. وعنه أيضًا: لو جعل أمر امرأته بيدها شهرًا، فشهد شاهد أنّها اختارت نفسها يوم الجمعة وشهد الآخر أنّها اختارت نفسها يوم الخميس لا تقبل شهادتهما.
وفي (نوادر هشام) قال: سمعت محمّدًا رحمه الله يقول في رجل تحته أمة أعتقت، فشهد شاهد عليه أنّه طلّقها- وهي أمة- ثنتين، وشهد آخر أنّه طلقها بعدما أعتقت ثلاثًا، فهما تطليقتان يملك الرجعة. قال هشام: وسمعته يقول في الشاهد شهد أنَّ فلانًا طلّق امرأته ثلاثًا ألبتة، وشهد آخر أنَّ فلانًا طلّقها ثنتين ألبتّة، قال: هي تطليقتان يملك الرجعة.
وذكر ابن سماعة عن أبي يوسف (في) (نوادره): إذا شهد شاهد أنّه قال: إن دخلت هذه الدّار فامرأتي طالق، وشهد آخر أنّه قال: إن دخلت هذه الدّار وهذه الدر فامرأتي طالق، فالشهادة باطلة؛ لأنّ الذي شهد بهذه أو هذه، وشهد أنّه إذا دخل غير الدّار التي شهد عليها صاحبه أنّه يقع الحنث، ثمَّ لا يقع الحنث بعد ذلك بدخول الدّار الأخرى التي شهد عليها صاحبه.
وفي كتاب الأقضية من (المنتقى): إذا شهد شاهدان على رجل أنّه قال لامرأته: إن كلّمت فلانًا فأنتِ طالق ثلاثًا، فالقاضي يسأل المرأة هل كلّمت فلانًا بعد ذلك اليمين، فإن قالت: نعم سمع من الشاهدين شهادتها، وإن قالت: لا، لا يسمع شهادتهما، وإن قالت: لا أدري وهناك شهود يشهدون كلامها سمع القاضي شهادتهم، فإذا شهد الشاهدان على اليمين وشهد آخران على الكلام بعد ذلك فرق بينهما، فإن كان حلف في ذلك بطلاق كلّ امرأة وله امرأة أخرى غائبة وحضرت بعدما نفذ الحكم فإنَّ القاضي يطلّقها في قول أبي يوسف، ولا يطلّقها في قول أبي حنيفة رحمهما الله حتّى يعيد الشهود الشهادة على اليمين والشهادة على الكلام.
وإذا شهد شاهدان عند المرأة بطلاقها، فهذا على وجهين: إن كان الزوج غائبًا وسعها أن تتزوّج، وإن كان الزوج حاضر....... الطلاق لا يسعها أن تتزوّج، لكن لا يسعها أن تمكّن منه؛ لأنَّ في الوجه الأوّل لا يمكنها السؤال عن الزوج... على أنّه في الوجه الثاني السؤال ممكن، فإذا جحد احتيج إلى القضاء بالفرقة، والقضاء بالفرقة إنّما يكون من القاضي بحضرة الخصمين.
وفي (فتاوى النسفي): رحمه الله: إذا شهد الشهود على رجل أنَّ امرأته هذه محرّمة عليه بثلاث تطليقات، أو قالوا: حرام عليه بثلاث تطليقات ولم يقولوا: طلّقها ثلاثًا، قال: في الشهادة قصور، ولابد من إضافة الطلاق إليه، وقال: لا قصور في الشهادة ولا حاجة إلى إضافة الطلاق إليه، وقال: لا، وهو الأشبه والأصوب.
وفيه أيضًا: إذا شهد شاهدان على رجل أنّه حلف بالطلاق أن لا يفعل كذا، وقد فعل وحنث في يمينه، فقيل: ينبغي أن لا تقبل الشهادة بدون لفظ اليمين؛ لأنّ الشاهد قد يظنّ الحنث في اليمين ولا حنث فيه.
وفيه أيضًا: إذا شهد الشهود أنَّ هذه المرأة حرام على زوجها هذا لا تقبل شهادتهم؛ لأنّ الحرمة أنواع، حرمة بالإيلاء، وحرمة بالظهار، وحرمة بالطلاق، وأحكامه مختلفة، فلابد من البيان، والله أعلم بالصواب.

.الفصل العشرون: في طلاق المريض:

إذا طلّق المريض امرأته طلاقًا رجعيًّا ورثت ما دامت في العدّة، ولو طلّقها طلاقًا بائنًا أو ثلاثًا ثمَّ مات وهي في العدّة، فلو طلّقها فكذلك عندنا ترث، ولو انقضت عدّتها ثمَّ مات لم ترث.
والحاصل: أنّ الزوج بالطلاق في حالة المرض قصد إبطال حقّها؛ لأنّه قصد إبطال الزوجيّة، والزوجيّة من الوجه الذي هي متعلّق الإرث حقّها، فيرد عليه إبطاله، وذلك بإبقاء الزوجيّة من الوجه الذي هي متعلّق الإرث ما دام في إمكان الإبقاء ثابتًا، وما دامت العدّة باقية الإمكان ثابت؛ لأنّ الشرع ورد بتأخير عمل الطلاق إلى وقت انقضاء العدّة في كثير من الأحكام، فكذا في حقّ هذا الحكم، أمّا بعد انقضاء العدّة فالإمكان غير ثابت؛ لأنّ الشرع لم يرد بتأخير عمل الطلاق بعد انقضاء العدّة في حق حكم ما يعمل الطلاق عمله، وارتفع النكاح من كلّ وجه، فلهذا لا ترث، وهذا إذا طلقها من غير سؤالها.
فأمّا إذا طلّقها بسؤالها فلا ميراث لها. وكذلك إذا وقعت الفرقة بمعنى من قبلها فلا ميراث لها؛ لأنّا إنّما أبقينا النكاح في حقّ الإرث مع وجوب القاطع ديانة لحقّها، وقد رضيت ببطلان حقّها بسؤالها الطلاق وبّما يسرته بسبب الفرقة، فعمل القاطع عمله، وعن هذا قلنا: إنَّ امرأة العنين إذا اختارت نفسها في مرض الزوج فلا ميراث لها، وإذا جامعها ابن المريض مكرهة لم ترث؛ لأنّ الفرقة غير مضافة إلى الزوج، وبقاء الإرث بعد الفرقة بسبب الفرار، وذلك عند إضافة الفعل إليه، فإذا لم يوجد لا يبقى الميراث.
قال في (الأصل): إلا أن يكون الأب أمر الابن بذلك ونقل فعل الابن إلى الأب في حقّ الفرقة، كأنّه باشر بنفسه فيصير فارًّا. وفي (فتاوى أبي الليث) رحمه الله: إذا قالت لزوجها: طلقني، فطلقها ثلاثًا ثمَّ مات وهي في العدّة ورثت استحسانًا؛ لأنّها سألت الواحدة، وهو طلّقها ثلاثًا، فقد طلّقها بغير رضاها.
وحدُّ مرض الموت الذي يصير الزوج بالطلاق فيه فارًّا ولا يصحّ من المريض تبرعًا به: أن يكون صاحب فراش قد أضناه المرض، فأمّا الذي يجيء ويذهب في حوائجه فليس بمريض ولا فار، وإن كان يشتكي مع ذلك ويحم، هكذا ذكر محمّد رحمه الله، وهكذا ذكر القدوري في (شرحه) فقد شرط أن يكون صاحب فراش، وبه أخذ بعض مشايخ بلخ، وبعض مشايخ ما وراء النّهر رحمهم الله حتى إنَّ على قول هؤلاء: من أخذه وجع البطن لا يكون مريضًا مرض الموت.
واختلفوا فيما بينهم في معنى قوله: فأما الذي يجيء ويذهب في حوائجه، قال مشايخ بلخ رحمهم الله: أراد به الذهاب إلى حوائجه في البيت من مشيه إلى الخلاء، وأشباه ذلك. وقال مشايخنا رحمهم الله: أراد به الذهاب إلى حوائجه خارج البيت، حتّى إنَّ على قول مشايخنا رحمهم الله إذا أمكنه الذهاب إلى حوائجه في البيت ولكن لا يمكنه الذهاب إلى حوائجه خارج البيت فهو مريض وهو الصحيح.
فأمّا المرأة لا تحتاج إلى الخروج في حوائجها، فلا يعتبر هذا الجزء في حقّها، ولكن إذا كانت بحيث لا يمكنها الصعود على السطح فهي مريضة، وقد ذكر محمّد رحمه الله في (الأصل) مسائل تدلُّ على الشرط الذي هو خوف الهلاك على طريق الغلبة، لا كونه صاحب فراش، فإنّه قال: إذا أخرج الرّجل للقصاص أو للرجم فهو في حكم المرض، وكذا قال: إذا بارز وخرج عن الصفّ فهو في حكم المريض. ولو كان محصورًا ومحبوسًا في جزاء وقصاص أو واقعًا في صفّ القتال فهو في حكم الصحيح؛ لأنّ الهلاك غالب في الذي أخرج للقتل، أو أُخرج للبراز، وليس بغالب في المحبوس والواقف في صفّ القتال، والمرأة في حالة الطلاق في حكم المريض وإن لم تكن صاحبة فراش؛ لأنّ التلف في هذه الحالة غالب، ذكره (القدوري)، وإذا نزل في مسبعة أو ركب سفينة فهو في حكم الصحيح؛ لأنّ الهلاك في حقّها ليس بغالب، وإذا أخذه السبع بفمه، أو انكسرت سفينته وبقيت على لوح واحد فهو في حكم المريض؛ لأنَّ الهلاك في حقّه غالب.
وفي (الجامع الصغير) أيضًا ما يدلّ على أنّ الشرط خوف الهلاك على طريق الغلبة، فإنّه قال في المشلول والمقعد والمفلوج: ما دام يزداد منه فهو في حكم المريض؛ لأنّه ما دام يزداد منه من العلّة فالغالب أن آخره الموت، فإن صار قديمًا لا يزداد فهو بمنزلة الصحيح؛ لأنّه لا يخلف عنه الهلاك غالبًا، كذلك الموقوف على هذا، وبه أخذ بعض المشايخ رحمهم الله، وبه كان يفتي الصدر الكبير برهان الأئمة والصدر الشهيد حسام... رحمهما الله، ومن المشايخ من قال: إذا خرج للرجم فهو في حكم المريض، وإذا خرج للقصاص فهو في حكم الصحيح.
وفي (المنتقى): أبو سليمان عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمهم الله: أنَّ البارز طلاقه كطلاق الصحيح، وهذا خلاف ما ذكرنا في مسائل (الأصل)، ثمَّ في كلِّ موضع صار في حكم المريض وطلّقها ومات وهي في العدّة ورثت كان بهذه الجهة أو بجهة أخرى، هكذا ذكر في (الجامع الصغير)؛ لأنّه لمّا ثبت له حكم مرض الموت صار الموت الواقع عقيبه وعقيب سبب آخر مضافًا إليها، كالموت الواقع عقيب جرحين صالحين.... وإن كان التعاقب والترادف، ولهذا قال في (الأصل): المريض الذي هو صاحب فراش إذا طلّق امرأته ثلاثًا ثمَّ قتل إنّها ترث.
ولو طلّقها ثلاثًا وهو مريض وهما لا يتوارثان ثمَّ صار الحال يتوارثان، نحو أن يكون أحدهما عبدًا فيعتق، أو تكون المرأة كتابيّة فتسلم لم ترثه؛ لأنّ حكم الفرار لم يثبت بالإيقاع إذ النكاح لم يكن سبب الميراث في ذلك الوقت ولا شرطه، فلا يثبت حكم الفرار بعد ذلك.
ولو طلّقها ثلاثًا وهو مريض ثمَّ قبّلت ابن زوجها ثمَّ مات وهي في العدّة فلها الميراث. ولو ارتدت في عدّتها ثمَّ أسلمت فلا ميراث لها. والفرق: أنَّ بالارتداد خرجت من أن تكون أهلًا لاستحقاق الإرث، فبطل حقّها في الإرث فلا يعود بالإسلام، فأمّا التقبيل لم تخرج عن أهلية الوراثة؛ لأنّ أثر التقبيل في إثبات المحرميّة والمحرميّة لا تنافي الإرث، فلا تنافي بقاء النكاح في حقّ الإرث.
وإذا علّق الزوج طلاق امرأته بفعل نفسه ففعل ذلك الفعل وهو مريض، فهو فارّ، سواء كان التعليق في حالة الصحّة والشرط في حالة المرض، أو كان التعليق والشرط في حالة المرض، فلأنّه لمّا باشر الشرط مع علمه بوقوع الطلاق عنده لا محالة، وببطلان حقّها في الإرث صار كأنّه أوقع الطلاق في حالة المرض، ويستوي أن يكون فعلًا للزوج منه بُدٌّ كدخول الدّار، ولابد له منه كالصلاة والكلام مع الأبوين؛ لأنَّ الفعل الذي لابد للزوج منه إن لم يكن جناية في حقّه فهو جناية في حقّها حيث إنّه يضرُّ بها ويبطل حقّها، وحقّها معصوم محترم في حقّ الزوج فيجعل اضطرار الزوج عدمًا في حقّها، كتناول مال الغير عند الضرورة.
وإن حصل التعليق بفعل أجنبي إن حصل التعليق ومباشرة الشرط في مرض الزوج ورثت، وإن حصل التعليق في حالة الصحة لا ترث؛ لأنّه لم يوجد من الزوج حال تعلّق حقّها بماله لا مباشرة العلّة، ولا مباشرة الشرط، وكذلك الجواب إذا حصل التعليق بفعل سماوي كمجيء رأس الشهر وما أشبهه.
وإن حصل التعليق بفعلها إن كان فعلًا لها منه بدّ فإنّها لا ترث على كلّ حال؛ لأنّ مباشرة الشرط منها بلا ضرورة دلالة (الدّار) الرضا بوقوع الطلاق فنفذ الطلاق في حقّها، كما لو طلّقها بسؤالها.
وإن كان فعلًا لابد لها منه إن كان التعليق في حالة المرض ترث بالإجماع؛ لأنَّ مباشرة العلة وجدت في حالة المرض بغير رضاها، ومباشرة الشرط منها لا يدلّ على الرضا بحكم هذه العلّة؛ لأنها مضطرّة في مباشرة هذا الشرط، فقد ابتليت بين بليتين فاختارت أهونهما، والعاقل يكون مضطرًا باختيار أدون السوءين لدفع أعلاهما، فلا يثبت به الرضا بوقوع الطلاق.
وإن كان التعليق في حالة الصحّة والشرط في حالة المرض فإنها ترث في قول أبي حنيفة رحمه الله وأبي يوسف رحمه الله لا ترث؛ لأنّه لم يوجد من الزوج مباشرة العلّة في حالة المرض ولا مباشرة الشرط فلا يكون فارًّا كما لو حصل التعليق بفعل أجنبي.
ولهما: أنّ الشرط وجد من الزوج حالة المرض معنى. بيانه: أنّها محمولة من جهة الزوج على مباشرة هذا الشرط، فإنّها بسبب تعليقه ابتليت بين بليتين: أن تفعل هذا الفعل فيقع الطلاق عليها، وبين أن لا تفعل فتتضرّر بسبب الامتناع عن الفعل، إمّا في الدنيا بأن كان استيفاء مال، أو في الآخرة بأن كانت مبلوة......، أو كلام الأبوين، والمبتلى بين الشرّين يكون محمولًا على تحمّل أدناهما ودفع أعلاهما بحكم الطبيعة والعادة كالمبتلى بين قتل نفسه وبين قتل غيره يكون محمولًا على قتل الغير لهذا، وفعل المحمول مضاف إلى الحامل كما في الإكراه، وإذا أضيف فعل المرأة إلى الزوج صار كأن الزوج علق الطلاق في حالة الصحّة بفعل نفسه، وفعل ذلك في مرضه.
وإذا جعل طلاق امرأته إلى أجنبي في الصحّة فطلّقها في المرض، فإن كان التفويض على وجه لا يملك عزله، نحو أن يملكه لم ترث، وإن ملك عزله ورثت؛ لأنّه إذا ملك عزله لا يكون التفويض لازمًا، وما لا يكون لازمًا من التصرّف كان لبقائه حكم الإنشاء، فكأنّه أنشأ التفويض في المرض، وإذا لم يملك عزله كان التفويض لازمًا، فلا يكون لدوامه حكم الإنشاء فلم يوجد في مرض الموت لا مباشرة نفس الطلاق ولا التفويض لا حقيقة ولا حكمًا، فلا يثبت حكم الفرار.
وفي (المنتقى): يقول: إذا أمر رجلًا في صحّته أن يطلّق امرأته ثلاثًا، فانطلق الوكيل إلى خراسان وطلّق امرأة الآمر، ووافق ذلك مرض الآمر فلا ميراث لها إذا كان الآمر في حال لا يستطيع أن يخرج الوكيل، وإن قدر على إخراجه فلم يخرجه فلها الميراث، قلت: وإخراج الوكيل عن الوكالة إنّما يصح إذا علم الوكيل بالإخراج والوكيل ها هنا غائب، فإنّما يثبت........ على الإخراج إذا كان الآمر بحال يخرجه ويعلمه بالإخراج.
وإذا قال: إن لم أفعل كذا فأنتِ طالق ثلاثًا، فلم يفعل حتّى مات ورثت إن كان دخل بها؛ لأنَّ الطلاق إنّما وقع في آخر جزء من آخر حياته؛ لأنّ عدم الفعل عنده يتحقّق وهو مريض في تلك الحالة، فيصير فارًّا، وإن ماتت هي ورثها؛ لأنّ شرط وقوع الطلاق عدم الفعل من الزوج، فإنّه لا يتحقّق بموتها فيَرث منها لبقاء النكاح.
ولو قال: إذا مرضت فأنتِ طالق ثلاثًا، مرض ثمَّ مات ورثته؛ لأنّ المتعلّق بالشرط كالمرسل عند وجود الشرط، فكأنّه قال بعدما مرض: أنتِ طالق ثلاثًا. وكان الفقيه أبو القاسم الصفّار رحمه الله يقول: ينبغي أن لا ترث؛ لأنّ الطلاق إنّما يقع أوّل المرض، وهو في تلك الحالة لا يكون صاحب فراش، والمرض الذي يوجب تعلّق حقّها بماله المرض الذي يصيبه ويجعله صاحب فراش.
إذا ارتدت المرأة وهي مريضة وماتت في العدّة فلزوجها الميراث، ولو ارتدت وهي صحيحة لم يرثها الزوج. والفرق: أنّ الردّة منها متى كانت في حالة المرض فالفرقة جاءت من قبلها بعدما تعلّق حقّ الزوج بمالها، فصارت قاصدة إبطال حقّه فارّة عن الميراث، فيردّ عليها قصدها ما أمكن، فأمّا إذا كانت الردّة منها في حالة الصحّة فالفرقة جاءت من قبلها في حال لم يتعلّق حقّ الزوج بمالها فلا تصير فارة قاصدة إبطال حقّه.
وإذا ارتدّ الزوج ورثت ما دامت في العدّة وإن كان الزوج صحيحًا؛ لأنّ ردّة الزوج توجب القتل فيصير الزوج بها على شرف الهلاك، فيصير كالمريض بسبب الرّدة، والفرقة موجبة الردّة، فحصلت الفرقة في حالة المرض معنى، فيصير الزوج بمباشرتها فارًّا، بخلاف ردّة المرأة؛ لأنّها لا توجب القتل، فلا تصير بمعنى المريضة إذا آلى منها وهو صحيح ثمَّ بانت بالإيلاء وهو مريض لم ترثه؛ لأنّه لم يباشر في مرض موته لا نفس الطلاق ولا شرطه، فلا يصير فارًّا.
ولو كان الإيلاء في المرض ورثت لمباشرته سبب الطلاق؛ لأنّ الإيلاء طلاق مؤجّل؛ لأنّ المولى في المعنى كأنّه قال: إنَّ مضى أربعة أشهر ولم أقربك فأنتِ طالق، أو قال لامرأته في مرضه: قد كنت طلقتك ثلاثًا في صحّتي، أو قال: جامعت أمَّ امرأتي أو أتيت امرأتي، أو قال: تزوّجها بغير شهود، أو قال: كان بيننا رضاع قبل النكاح، أو قال: تزوّجها في العدّة ونكرت المرأة ذلك بانت منه ولها الميراث إن مات وهي في العدّة.
إذا قال: طلقتك في صحتي فلأنه أقرّ بالطلاق في المرض، وادّعى الإسناد إلى حالة الصحّة، ولم يصدّق في دعوى الإسناد صيانة لحقّها في الميراث، بقي الإقرار بالطلاق في المرض، وأمّا إذا قال: جامعت أمّ امرأتي أو أتيت امرأتي، أمّا إذا قال: فعلت ذلك في المرض فظاهر؛ لأنّه باشر سبب الفرقة في المرض، وأمّا إذا قال فعلت في الصحّة فلأنّه لم يصدّق في دعوى الإسناد لما ذكرنا.
بقي الإقرار بمباشرة بسبب الفرقة في المرض، فأمّا إذا قال: كان بيننا رضاع، أو قال: تزوّجتها في العدّة فلأنّه أقرّ بفساد النكاح من الأصل، والإقرار بفساد النكاح من الأصل من الزوج جعل إنشاء للحرمة في الحال، على ما عرف في كتاب النكاح.
وإذا مات الرّجل فقالت المرأة: فإنّه كان طلقني ثلاثًا في مرض موته ومات وأنا في العدة ولي الميراث، وقالت الورثة: طلقك في صحّته ولا ميراث لك فالقول قولها؛ لأنّ الظاهر شاهد لها؛ لأنّها تدّعي بقاء النكاح بعد الموت في حقّ الميراث، والنكاح كان ثابتًا، والظاهر في الثبات البقاء، فكان الظاهر شاهدًا لها.
وهذا بخلاف ما إذا قالت امرأة الرّجل بعد موته: قد كنت أعتقت قبل أن يموت زوجي ولي الميراث، وقالت الورثة: لا بل أعتقت بعد موته. أو قالت امرأة مسلمة وهي يهوديّة أو نصرانيّة بعد موته: أسلمت قبل موته، وقالت الورثة بعد موته فالقول قول الورثة؛ لأنّ هناك الظاهر شاهد للورثة، العتق عارض والإسلام كذلك، والأصل في العوراض: أن يحال حدوثها على أقرب ما ظهر، أمّا ها هنا بخلافه.
وإذا طلّق امرأته ثلاثًا في مرض موته ومات وهي تقول: لم تنقضِ عدّتي قُبِلَ قولها مع اليمين وإن تطاولت المدّة؛ لأنّها أمينة أخبرت عما هو محتمل؛ لأنّ مدة العدة قد تطول، فإذا حلفت أخذت الميراث، وإن نلكت فلا ميراث له كما لو أقرت بانقضاء العدّة، ثمَّ أنكرت الانقضاء وإن لم تقل شيئًا ولكنها تزوّجت بزوج آخر في مدّة تنقضي في مثلها العدّة، ثمَّ قالت: لم تنقضِ عدّتي من الأوّل، فإنّها لا تصدّق على الثاني، وهي امرأة الثاني، ولا ميراث لها من الأوّل وجعل إقدامها على التزوّج إقرارًا منها بانقضاء عدتها دلالة، ولو لم يتزوّج ولكن قالت: أيست من المحيض، وَاعْتَدَتُّ بثلاثة أشهر ثمَّ مات الزوج وحرمت عن الميراث ثمَّ تزوجت بعد ذلك بزوج وجاءت بولد أو حاضت فلها الميراث من الأوّل ونكاح الآخر فاسد.
ولو جاءت الفرقة من المرأة في مرضها أو في حال طلّقها ترث، ويرث الزوج منها؛ لأن حقّ الزوج يتعلّق بمالها في مرضها، كما أنَّ حقّ المرأة يتعلّق بما في مرضه، فكما يمنع الزوج عن إبطال حقّها، وتردّ عليه إبطاله في حقّها فكذا يردّ على المرأة إبطالها حقّ الزوج، ويبقى النكاح في حقّ ميراثه عنها.
فإنْ قيل: كيف يمكن إبقاء النكاح مع الردّة، والردّة تنافي النكاح. قلنا: الردّة تنافي الحلّ أما لا تنافي الميراث، فإنَّ المسلم يرث من المرتدّ فيمكن إبقاء النكاح في حقّ الميراث إن كان لا يمكن إبقاؤه في حقّ الحلّ.
قال محمّد رحمه الله في (الجامع): رجل قال لامرأتين له في مرض موته وقد.......: طلّقا أنفسكما ثلاثًا، فطلقت إحداهما نفسها وصاحبتها في المجلس ثلاثًا ثمَّ طلقت الأخرى نفسها، وصاحبتها في المجلس ثلاثًا طلقتا ثلاثًا وترث التي طلقت أخيرًا، ولا ترث التي طلقت أوّلًا.
هذا الجنس من المسائل ينبني على أصول:
أحدها: أنّ المرأة إذا باشرت علّة الفرقة أو شرط الفرقة لا ترث، وكذلك إذا باشرت أحد وصفي العلّة وهو آخرهما أو باشرت إحدى العلتين لا ترث، وهذا لأنّ الحكم يضاف إلى العلّة ثبوتًا بها وإلى الشرط وجودًا عنده، فتصير المرأة بمباشرة أحدهما راضية بوقوع الطلاق عليها مقرونًا بسبب الطلاق، فلا ترث، وكذا إذا باشرت أحد وصفي العلّة وهو آخرهما وجودًا، وباشرت إحدى العلتين لما عرف أنّ الحكم يضاف إلى أحد الوصفين، وعند اجتماع العلل يضاف الحكم إلى كلّ علّة كأنّه ليس معها علّة أخرى كالقتل العمد الموجود من القاتلين وما أشبه ذلك، فتصير المرأة أيضًا راضية بالطلاق، ومتى باشرت بعض الشرط أو بعض العلَّة أو أحد وصفي العلّة- وهو ليس آخرهما وجودًا- ترث؛ لأنَّ الحكم لا يضاف إليه ثبوتًا به، ولا وجودًا عنده فيما باشرته، ولا تصير المرأة راضية بالفرقة.
وأصل آخر: أنّ الأمر بالطلاق في حقّ المرأة المأمورة بطلاق نفسها تمليك وتفويض حتّى يقتصر على المجلس، وقد مرّ بيان هذا فيما تقدّم.
وأصل آخر: أنّ المأمورين بالطلاق بغير بدل إذا لم يكن الأمر معلّقًا بمسببهما، أو ما أشبهه ذلك يتفرّد أحدهما به؛ لأنّه تصرّف لا يحتاج فيه إلى الرأي والتدبير، فيكون الواحد والمثنى فيه سواء. إذا عرفنا الأصول جئنا إلى تخريج المسألة فنقول: إذا طلقت الأولى نفسها وصاحبتها ثلاثًا في المجلس طلقتا؛ لأنّهما أمرتا بالطلاق بغير بدل ولم يعلّق الأمر بشرط، فتنفرد إحداهما بالإيقاع، ومتى طلقت كلُّ واحدة ثلاثًا بإيقاع الأولى لغى إيقاع الثانية؛ لأنّ الطلاق لا يزيد على الثلاث ولا ترث التي طلقت أوّلًا؛ لأنها لم تباشر علّة الفرقة في حقّها، وترث التي طلقت آخرًا؛ لأنّها لم تباشر علة الفرقة ولا شرط الفرقة ولا أحد وصفي علّة الفرقة وهو آخرها، أكثر ما فيه أنَّ قول الآخرة: طلقت نفسي ثلاثًا رضًا منها بوقوع الفرقة، إلا أنَّ هذا رضًا لا يقترن بوقوع الفرقة بل تأخّر عنه، ومثل هذا الرضا لا يبطل حقّها عن الإرث كما لو طلّق الزوج امرأته في مرضه بغير سؤالها، فسألته الطلاق بعد ذلك لا يبطل حقّها عن الإرث بهذا السؤال كذا هذا.
ولو خرج كلامهما معًا بأن قالت كلُّ واحدة منهما...؛ لأن وقوع الطلاق على كلّ واحد منهما بإيقاعها على نفسها؛ لأنّ كلّ واحدة منهما مطلقة نفسها بحكم الملك وصاحبها بحكم الوكالة، فاجتمع في حقّ كلِّ واحدة منهما تطليقها وتطليق صاحبتها ولا يمكن الجمع بينهما؛ لأنّ الطلاق لا يزيد على الثلاث، فلابد من تنفيذ إحداهما، فنقول: تنفيذ تطليق المالك أولى؛ لأنّ تطليق المالك أسبق لأنّ في التوكيل يحتاج إلى نقل عبارة الوكيل إلى الموكّل، وفي تصرّف المالك لا يحتاج إلى النقل، بل يتقيّد بنفسه فكان تطليق المالك أسبق من هذا الوجه، ولما كان وقوع الطلاق على كلّ واحدة منهما بإيقاع نفسها صارت كلّ واحدة منهما مباشرة علّة الفرقة، فلم يرثا لهذا.
وإن قالت كلُّ واحدة منهما: طلقت صاحبتي ونفسي، لم يذكر محمّد رحمه الله هذا الفصل في (الكتاب) وحكي عن أبي الحسن الجقمي رحمه الله أنّهما يرثان، لأنّ كلَّ واحدة منهما إنّما طلقت بفعل صاحبتها، وفعل صاحبتها لا أثر له في حرمانها، وعامّة المشايخ رحمهم الله على أنّهما لا يرثان؛ لأنّ كلّ واحدة منهما إنّما طلقت بفعل نفسها.
بيانه: أنَّ أوّل الكلام يتوقف على آخره إذا وجد في آخره ما يغيّر حكم أوّله، وقد وجد في آخر كلام كلّ واحدة منهما ما تغيير حكم أوله؛ لأنّ كلّ واحدة لو اقتصرت على قولها: طلقت صاحبتي تطلق كلّ واحدة بتطليق صاحبتها وترثان، فإذا.... قولها: ونفسي فإنما تطلق كلَّ واحدة منهما بتطليق نفسها لما مرَّ، فتوقّف أوّل الكلام من كلّ واحدة على آخره، فصار هذا وما لو قالت: كل واحدة: طلّقت نفسي وصاحبتي سواء.
ولو طلّقتها إحداهما بأن قالت إحداهما: طلّقت نفسي، وقالت الأخرى: طلقتك، طلقت هي ولا ترث؛ لأنها إنما طلقت بفعل نفسها، فقد باشرت علّة الفرقة وورثت الأخرى؛ لأنّها لم تطلق، بل بقيت منكوحة.
وإن طلقتهما إحداهما بأن قالت إحداهما: طلّقت نفسي وصاحبي طلقتا ولم ترث هي؛ لأنّها حرّمت بفعلها وورثت الأخرى؛ لأنّها حرمت بفعل غيرها، فإن قالت إحداهما: طلّقت صاحبتي ثلاثًا ثمَّ قالت صاحبتها بعد ذلك: طلّقت نفسي ثلاثًا ورثتا؛ لأنّ التي تكلّمت أوّلًا لم تطلق أصلًا والتي تكلّمت آخرًا حرمت بفعل غيرها، وإن طلقت كلّ واحدة صاحبتها ورثتا؛ لأنّ كلَّ واحدة طلقت بفعل غيرها. وهذا كلّه إذا كانتا في المجلس.
فأمّا إذا قامتا عن المجلس ثمَّ طلقت كلّ واحدة منهما نفسها وصاحبتها ثلاثًا وخرج الكلامان منهما معًا أو على التعاقب طلقتا وورثتا؛ لأنّ الأمر والتفويض خرج من يد كل واحدة منهما بالقيام عن المجلس، وبقيت الوكالة فصار وقوع الطلاق على كلّ واحدة منهما مضافًا إلى صاحبتها على كلّ حال، فلذلك ورثتا، وكذلك لو طلقت كلّ واحدة منهما صاحبتها، ولو طلقت كلّ واحدة منها نفسها لا يقع الطلاق؛ لأنّ الأمر خرج من يد كلّ واحدة منهما في حقّ نفسها، وإذا لم يقع الطلاق بقيتا منكوحتين فترثان.
ولو قال لهما في مرضه: طلّقا أنفسكما ثلاثًا إن شئتما، وقد دخل بهما فطلقت إحداهما نفسها وصاحبتها ثلاثًا لم تطلق واحدة منهما، بخلاف ما إذا قال: طلّقا أنفسكما ثلاثًا ولم يقل: إن شئتما، فطلقت إحداهما نفسها وصاحبتها حيث تطلقان؛ لأنّ في هذه المسألة علّق التفويض بمشيئتهما، ولم يذكر لذلك سببًا، فانصرف السّابق ذكره وهو طلاقهما كأنه قال: طلّقا أنفسكما إن شئتما طلاقكما، وما شاءتا طلاقهما إنّما شاءت إحداهما ذلك. أمّا في المسألة الأولى التفويض غير معلّق بالشرط، وفي هذا ينفرد أحد المأمورين بالإيقاع، فلو أنّ في هذه المسألة طلقت الأخرى بعد ذلك نفسها وصاحبتها ثلاثًا قبل القيام عن المجلس طلقتا؛ لأنّهما شاءتا طلاقهما وورثت الأولى دون الأخرى، بخلاف المسألة الأولى، فإنَّ في المسألة الأولى ورثت الآخرة دون الأولى؛ لأنّ في المسألة الأولى الأولى ثابت بفعل نفسها، والآخرة ثابت بفعل الأولى، أمّا في هذه المسألة الأولى والآخرة ثابتان بفعل الآخرة؛ لأنّها باشرت أحد وصفي العلّة، فكان حريتهما مضافة إلى الآخرة فلهذا ورثت الأولى دون الآخرة.
ولو خرج كلامهما معًا وباقي المسألة بحالها طلقتا وورثتا؛ لأنّ كلّ واحدة منهما باشرت بعض العلّة ولم يوجد شيء من ذلك آخرًا لينسب إليه، فلا يضاف الوقوع إلى واحدة منهما على سبيل الانفراد.
ولو طلقتا إحداهما لم تطلق، ولو قامتا عن المجلس وطلقت كلُّ واحدة منهما نفسها وصاحبتها معًا أو على التعاقب لم يقع الطلاق على واحدة منهما؛ لأنّ الأمر كلّه معلق بالمشيئة فكان كلّه تمليكًا، فيبطل بالقيام عن المجلس.
رجل قال في مرض موته لامرأتين له وقد دخل بهما: أَمْرُكُمَا بيدكما، يريد به: الطلاق، فطلقت إحداهما نفسها وصاحبتها في المجلس ثمَّ طلقت الأخرى بعد ذلك نفسها وصاحبتها في المجلس طلقتا، وورثت الأولى إن مات الزوج وهي في العدّة، ولا ترث الآخرة؛ لما مر في مسألة المشيئة في إضافة الحكم إلى الوصف الأخير، وذلك موجود في الآخرة.
وإن طلقتا إحداهما طلقت بخلاف مسألة المشيئة، فإنّ هناك إذا طلقتا إحداهما لا تطلق؛ لأنّ هناك فوّض الطلاق إليهما معلّقًا بشرط مشيئتهما طلاقهما، ولا يوجد هذا الشرط باجتماعهما على طلاق إحداهما، أمّا في هذه المسألة التفويض مطلق غير معلّق، لكن طلب الرأي والتدبير منها، فإذا اجتمعتا على طلاق إحداهما فقد وجد رأيهما، بعد هذا ينظر إن تكلمتا معًا ورثت المطلقة؛ لأنّ البينونة مضافة إليهما لا إلى المطلقة وحدها، وكذلك إن بدأت المطلقة بطلاق نفسها ثمَّ طلقتها الأخرى ترث أيضًا؛ لأنّ البينونة مضافة إلى صاحبتها لمباشرتها الوصف الأخير، وإن بدلت الأخرى ثمَّ المطلقة لم ترث المطلقة، وإن طلقتهما إحداهما لم يقع، فإن قامتا عن المجلس بطل ذلك كلّه يقع بعد ذلك طلاق بحال....... هذا الأمر.
ولو قال في مرضه لامرأتين له، وقد دخل بهما: طلّقا أنفسكما بألف درهم، فالأصل في هذا ما مر أنَّ الأمر بالطلاق في حقّ المأمورة بالطلاق تفويض، وفي حقّ صاحبتها توكيل، إلا أنَّ في هذه المسألة لا تنفرد إحداهما بالإيقاع؛ لأن الأمر بالطلاق على مال بالمعاوضة، والأصل في المأمورين بالمعاوضة أن لا ينفرد أحدهما بها على ما عرف.
إذا ثبت هذا فنقول: لو طلقت كلُّ واحدة منهما نفسها وصاحبتها وخرج الكلامان معًا طلقتا لاجتماعهما على تطليق كلُّ واحدة منهما، ولا ترثان؛ لأنّ كلّ واحدة منهما إنما تلتزم البدل بمقابلة طلاق نفسها، لا بمقابلة طلاق صاحبتها، والتزام البدل بمقابلة طلاق نفسها يكون رضًا منها بطلاقها، والرضا بالطلاق مقارنًا للطلاق يوجب حرمان الإرث، بخلاف الفصل الثاني والثالث؛ لأنّ هناك الرضا لم يثبت باعتبار وجوب البدل. لو ثبت إنّما يثبت باعتبار أنّها ثابت بفعلها، وكلُّ واحدة ثابت بفعلها وفعل صاحبتها فلا يثبت الرضا من كلّ وجه.
وكذلك إذا خرج كلامهما على التعاقب لا يرثان أيضًا؛ لأنّ امتناع الإرث ها هنا بسبب الرضا الثابت مقتضى البدل، وفي حقّ هذا المعنى لا تفاوت بينهما إذا خرج الكلامان معًا أو على التعاقب. وإن طلقتا إحداهما جاز ولم ترث المطلقة تكلمتا معًا أو على التعاقب، وإن قامتا عن المجلس قبل أن قولا شيئًا ثمَّ طلقتا أنفسها لم يقع شيء وورثتا.
قال في (الجامع الصغير): إذا قال: طلقتك ثلاثًا في حجّتي، وانقضت عدّتك وصدّقته المرأة، ثمَّ أقرّ لها بدين أو أوصى لها بوصيّة فلها الأوّل من ذلك ومن الميراث. وقال أبو يوسف ومحمّد رحمهما الله: إقراره ووصيّته جائزة؛ لأن بتصادقهما ثبت الطلاق، وثبت انقضاء العدّة والتحقت هي بالأجنبيّات، ولهذا ثبت أحكام الأجنبيات في حقّها حتّى لو تزوّجت آخر يجوز، ويبطل حقّها في النفقة والسكنى، ويجوز وضع الزكاة فيها، وتقبل شهادته لها، والإقرار للأجنبي صحيح، والوصيّة له صحيحة.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أنّه تمكنت التهمّة في هذا التصادق، وشبهة الظلم في هذه الوصية يجوز أنهما تصادقا على ذلك ليبطل الميراث، فيصحّ الإقرار والوصيّة فيزداد حقّها، والنكاح سبب التهمة، فيعتبر تصادفهما في حقّهما ولا يعتبر تصادقهما في حقّ غيرهما؛ لأنّ التهمة تتأتى في حقّ غيرهما.
إذا ثبت هذا فنقول: إذا كان الميراث أكثر من الوصيّة والمقرّ به فلا تهمة؛ إذ ليس فيه إبطال حقّ على الغير، فيعتبر تصادقهما فيه، وإذا كانت الوصية والمقرّ به أكثر ففي حقّ الزيادة تهمة، فلا يعتبر تصادقهما في حقّ الزيادة، وبدون تصديقها إيّاه لا يرتفع النكاح فيما يرجع إلى الطلاق حقّها في الإرث، فبقي الإرث، ومع بقاء الإرث لا يصحّ الإقرار والوصيّة، وأمّا ما ذكر من الأحكام قلنا: تلك الأحكام ثبتت بتصادقهما؛ لأنه لا تهمة فيها إذ ليس فيها ضرر على أحد بخلاف الإقرار والوصية.
فإن طلّقها في مرضه بأمرها ثمَّ أقرّ لها بدين أو أوصى لها بوصيّة فلها الأقلّ من الميراث ومن الوصية في قول علمائنا الثلاثة، وفي قول زفر: الإقرار والوصيّة لها جائز؛ لأنّ المانع من جوازهما الميراث، وقد بطل الميراث بسؤالها الطلاق، ولنا ما بيّنا من التهمة من حيث إنّه يجوز أنّها قصدت بالسؤال تصحيح الإقرار والوصيّة، فرددنا سؤالها لهذه التهمة، وأقيمت العدّة مقام النكاح في حقّ الحجر عن الوصية والإقرار، بخلاف المسألة الأولى على قولها؛ لأنّ ثمّة ثبت وقوع الطلاق في حالة الصحّة بتصادقهما، وثبت انقضاء العدّة محال، وما أقرّ سبب التهمة لم يوجد، وهو النكاح والعدّة، أمّا ها هنا بخلافه، وأبو حنيفة رحمه الله يجيب عن كلامهما في تلك المسألة، ويقول: الزوج متهم في إقراره بالطلاق في حالة الصحّة، فرددنا إقرارها في حقّ صحّة الإقرار والوصية بالزيادة.

.الفصل الحادي عشر: في التعليقات التي هي إيقاع في الحال معنى بطريق المجازات:

إذا قالت المرأة لزوجها: (بامه)،.... أو قالت ما (قلينان)، فقال الزوج: إن كنت أنا...، فقال أو قال: إن كنت أنا (قلينان) فأنتِ طالق، فحاصل الجواب في هذه المسألة وأجناسها أنّ الزوج ينوي، إن أراد التعليق لا يقع الطلاق ما لم يكن كذلك، وإن أراد المكافأة والمجاراة (وفارسيّة حشم رادن) يقع الطلاق وإن لم يكن الزوج كذلك، ومعنى المجاراة بالعربيّة: أني طلقتك مجاراة على مقالتك هذه، ومعنى (خشم رايدن) بالفارسيّة: إنك أغضبتني بهذه المقالة (خشم فيويش باين طريق راندم كه طلاق دادمت)، وإن لم يكن للزوج نيّة تكلم المشايخ فيه والمختار للفتوى: أنّه إن كان في حالة الغضب يحمل على المكافأة والمجاراة، وإن لم يكن في حالة الغضب يحمل على التعليق وتكلّموا في تفسير القلينان فقيل: أن يكون عالمًا بفجور امرأته راضيًا به، وقيل أن يكون التلميذ الكبير إلى امرأته، وقيل أن يخلّيها مع الغلام البالغ.
ولو قال لها: إن علمت أنّي قلينان فأنتِ طالق، لا يقع الطلاق ما لم يقل: علمت أنّك (فرطبان)؛ لأنّه علق الطلاق بمعنى في قلبها، فيتعلّق بالإخبار عنه، كما في قوله: إن كنت تحبينني وأشباه ذلك، فإذا قالت لزوجها: يا سفلة، فقال الزوج: إن كنت أنا سفلة فأنتِ طالق وأراد به التعليق لا يقع الطلاق ما لم تكن سفلة.
وتكلّموا في معنى السفلة، قال أبو حنيفة رحمه الله: الموت لا يكون سفلة بل السفلة هو الكافر، وعن أبي يوسف أنّ السفلة الذي لا يبالي ما قال وما قيل له، وعن محمّد بن الحسن رحمه الله: أنَّ السفلة الذي يلعب بالحمام، ويقال عن خلف بن الأيّوب رحمه الله: أنّ السفلة الذي يرفع الدلّة من الدعوة، وقيل: هو الذي لا يعطي النائبة في قُوّتِهِ، وعن أبي عبد الله البلخي: هو الذي يشتم أباه وأمّه ويقرأ القرآن في الطريق، وعن ابن المبارك: هو الذي يتسفّل لتعجرفه، وقيل هو الطفيلي، وقيل: هو الذي يختلف باب القضاة، وقيل: هو الذي يطعم أهله مع الإمكان خبز الشعير ولحم البقر في موضع لا يعتاد ذلك.
وفي (المنتقى): رواية مجهولة أنّ السفلة الخسيس في عقله ودينه، والساقط قد يكون على الحسب، وعلى ما وصفت لك من الخسيس في العقل والدّين، وقيل في تفسير (بي حميت): أن لا يمنع امرأته عن كشف الوجه عن غير المحارم، وهكذا حكى فتوى شمس الإسلام الأوزجندي رحمه الله أيضًا: أنّ الموت لا يكون بأحد أمور، ألا ترى أنّه يأتي بكلمة الشهادة، ويدعو في صلاته للمؤمنين والمؤمنات، وإذا قال لها: (آكرمن دوزجي أم ترا طلاق) لا تطلق؛ لأنه لا يدري هل هو (دوزخي) أم لا، فإن قيل: أليس أن كل أحد يدخل النّار، قلنا: المسلم بدخول النار لا يسمّى دورخيا، وإنَّ وطئه فيها مستعار.
إذا قالت المرأة لولدها: (أي ثلاثة زاده)، فقال الزوج: إن كان هو ثلاثة زاده فأنتِ طالق وأراد به التعليق لا تطلق في الحكم؛ لأنّه لا يعرف كونه ثلاثة زاده فيما بين النّاس، وإن علمت المرأة أنّه ربا طلقت ولا يسعها المقام معه، وقيل في تفسير الكرخي: أن يشهر به، ويضحك عليه، وهو ضعيف في رأيه، وقال الكرخي: من له امرأة عفيفة صالحة أراد أن يتزوّج عليها أخرى، قيل في تفسير (أبله ريش): أن تكون له لحية طويلة جاوزت عن الحدّ حتّى صارت عارًا، وقيل في تفسير (رغباريس) أن يكون له مع اللحيّة صدغان، والتامس: الذي لا يهتدي إلى الخير، ولا يسترشده.
وعن أبي حنيفة رحمه الله أنّه سئل عن الكوسج فقال: بعد أسنانه، فإن كانت اثنتين وثلاثين، فهو ليس بكوسج؛ لأنّه إذا كان بهذه الصفة كان وافر الخدين، فإن كانت أسنانه ثمانية وعشرين فهو كوسج؛ لأنّه إذا كان بهذه الصفة كان ينضم الخدين، وقيل: إذا كنت لحيته خفيفة فهو كوسج؛ لأنّ الناس تعارفوا إطلاق اسم الكوسج على مثل هذا.
وقيل في تفسير الكشحان: هو الذي لا يبالي عمّا اتهمت زوجته بأجنبي، ومعناه: أنّه إذا سمع ذلك لا يغضب، ولا يتغيّر عن حاله، ولا يضربها ولا يلومها على ذلك، فأمّا إذا ضربها على ذلك فهو ليس بكشحان.
امرأة قالت لزوجها: إنّك تقنت ولا تجلب إليّ النفقة، فغضب الزوج وقصد ضربها، فقالت: ليس هذا بكلام عظيم، فقال الزوج: إن لم يكن عظيمًا فأنتِ طالق وأراد التعليق، فقيل في الجواب: إنّ الزوج إن كان إذا قدر بحيث تكون هذه الشكاية إهانة به لا يقع الطلاق؛ لأنّ هذه الشكاية من قبل هذا الشخص تكون كلامًا عظيمًا فأبت، وإن كان دون ذلك يقع الطلاق؛ لأنّ هذه الشكاية من مثل هذا الشخص لا تكون كلامًا عظيمًا.

.الفصل الثاني والعشرون: في مسائل الرجعة:

إذا أراد الزوج أن يرجع امرأته فالأحسن أن يراجعها بالقول لا بالفعل؛ لأنّ صحّة المراجعة بالقول متفق عليها، وصحّة المراجعة بالفعل مختلف فيها، ويستحب أن يُعلمها بالرجعة، وإن لم تعلم جازت الرجعة عندنا استدامة للعلم وليست......، فكان الزوج بالرجعة متصرّفًا من خالص حقّه، وتصرّف الإنسان في خالص حقّه لا يتوقف على علم الغير، ولكن استحب الإعلام كيلا تقع في المعصية، فإنّها ربما تتزوّج إذا انقضت عدّتها بناءً على زعمها فتقع في المعصية.
والجماع في العدّة رجعة، وكذلك التقبيل واللمس بشهوة، وكذلك النظر إلى الفرج بشهوة، وهذا لأنّه لو لم يجعل ذلك رجعة تظهر في الآخرة أنّه وطئها حرامًا؛ لأنّها تبين عند انقضاء العدّة من وقت الطلاق، والتحرّز عنه ممكن بأن يجعل ذلك من الزوج دليل استدامة الملك بهذا الطريق، قلنا: إنّ البائع يشترط الخيار له إذا وطئ الجارية المبيعة في مدة الخيار كان ذلك منه استدامة ملكه، وإذا ظهر الكلام في الوطء ظهر في التقبيل واللمس والنظر إلى الفرج؛ لأنّ هذه الأشياء دواعي الوطء فيعطى لها حكم الوطء، وقيّد شيخ الإسلام النظر بالنظر إلى داخل الفرج، وأمّا النظر إلى دبرها موضع الجماع........ بغير شهوة لم يكن رجعة في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله، هكذا ذكر القدوري؛ لأنّ هذا السبيل عنده لا يجري مجرى الفرج، ألا ترى أنّ الوطء فيه لا يوجب الحدّ عنده، فكان النظر إلى هذا الموضع والنظر إلى سائر الأعضاء سواء.
في (نوادر ابن رستم) عن محمّد رحمه الله: لا يصير النظر إلى الدّبر رجعة، ولا يصير رجعة إلا النظر إلى الفرج من داخل، ويكره أن يراها متجرّدة إذا لم يرد الرجعة، وكذلك يكره التقبيل واللمس بغير شهوة؛ لأنّه لا يأمن أن يشتهي، فيصير مراجعًا لها، وإذا لم يكن من قصده الرجعة يطلّقها من ساعته، فيؤدّي إلى تطويل العدّة عليها، وذلك منهيّ.
وإن كانت المرأة قبّلته بشهوة أو لمسته بشهوة، أو نظرت إلى فرجه بشهوة، فإن كان ذلك بتمكين من الزوج فهو رجعة، ومعنى تمكين الزوج هاهنا: أنّ الزوج علم ذلك منها، فتركها حتّى فعلت ذلك، وإن فعلت ذلك اختلاسًا لا بتمكين من الزوج ذكر شمس الأئمة السرخسي وشيخ الإسلام خواهر زاده أنّ قول أبي حنيفة ومحمّد رحمهما الله: يصير مراجعًا، خلافًا لأبي يوسف رحمه الله، وذكر شمس الأئمة الحلواني رحمه الله أنّ على قول أبي حنيفة رحمه الله يصير مراجعًا، وعن محمّد رحمه الله فيه روايتان، والظاهر من قول أبي يوسف أنّه مع أبي حنيفة رحمه الله تمامًا تثبت الرجعة بفعلها إذا أقرّ الزوج أنّها فعلت ذلك بشهوة، فأمّا إذا أنكر الزوج الشهوة والمرأة ادّعت ذلك لا تثبت الرجعة، وكذلك لو شهد شهود أنّها فعلت ذلك بشهوة لا تثبت الرجعة؛ لأنّ بالرجعة الشهود لا يعرفون الشهوة إلا بقولها، وقولها غير مقبول إذا أنكر الزوج ذلك.
قال محمّد بن سماعة في (نوادره) عن محمّد رحمهما الله: لو شهد الشهود على القبلة واللمس بشهوة لا أقبل شهادتهم، فالشهوة غيب لا تجوز الشهادة عليها، وذكر في نكاح (الجامع): أنّ الشهادة على اللمس والتقبيل بشهوة جائزة، وفي (القدوري): أنّ فعل المرأة لا تثبت به الرجعة عند محمّد رحمه الله، وفي رواية ابن سماعة: أن فعلها رجعة إذا صدّقها الزوج في الشهوة، أو مات الزوج وصدّقها ورثة الزوج، فصار عن محمّد رحمه الله روايتان كما ذكره شمس الأئمة الحلواني رحمه الله.
قال في (نوادر ابن سماعة): وكذلك لو قبلته وهو نائم أو معتوه، ثمَّ مات وصدّقها الورثة في الشهوة، وعن أبي يوسف رحمه الله في (الأمالي): أنّ المرأة إذا لمسته بشهوة، وأقرّ الزوج أنّها فعلت بشهوة فإنَّ أبا حنيفة رحمه الله قال: هذه رجعة، وإن نظرت إلى فرجه بشهوة فإنّي لا أحفظ فيها قولًا، وهو في القياس مثل ذلك، ولكن هذا فاحش قبيح لا يكون رجعة. وقال أبو يوسف رحمه الله: إذا لمس أو قبّل في الصلاة بشهوة فهو رجعة، ولا تفسد صلاته.
ولو كان الرّجل وإن نظر إلى الفرج من شهوة فهو رجعة، ولا تفسد صلاته، ولو كان الرّجل في الصلاة وما فعلت ذلك فالقياس على الرجعة أن تنقض صلاته، قال: والصلاة وما....... سواء يعني الرجعة، وهو في الصلاة أقبح، وقال أبو يوسف: إذا تركها تقبّله وتباشره فهذه رجعة في الطلاق ونقض للصلاة، وإن فعلته اختلاسًا وهو........ لم يكن رجعة ولا نقضًا للصلاة، ولو... أنّه وهو مكره ثمَّ تركها دائمة عليه، فهو رجعة لا نقضًا.
وفي (نوادر هشام) عن محمّد رحمهما الله: إذا قال لامرأته: إذا جامعتك فأنتِ طالق، فجامعها قال: قال أبو يوسف: إذا أخرج ذكره ثمَّ أدخله فهو رجعة، وكذلك إذا قال لها: إن لمستك فأنتِ طالق، فلمسها فإذا رفع يده عنها ثمَّ أعادها فلمسها ثانيًا فهو رجعة، فقال محمّد رحمه الله: إذا مكث هنيهة بعد ما جامع وإن لم يخرج ذكره فهو رجعة، وكذلك في اللمس إذا لم يرفع يده هنيهة.
والخلوة بالمعتدة ليست برجعة، لأنَّها لا تختص بالملك، وكلّ فعل لا يختص بالملك بالمعتدة إذا فعل الزوج لا يكون رجعة، وتعليق الرجعة بالشرط باطل؛ لأنّ الرجعة استدامة ملك النكاح فيعتبر بابتدائه، وليس في الرجعة مهر ولا عوض لما ذكرنا أنّ الرجعة استدامة الملك. والعوض يقابل ثبوت الملك لا استدامته، والمعتدة من الطلاق الرّجعي تتزين لزوجها إذا كانت المراجعة مرجوة، فأما إذا كانت المرأة تعلم أنّها لا يراجعها لشدة غضبه عليها فإنّها لا تفعل ذلك، وإذا كان من شأنه أن لا يراجعها فالأحسن أن يعلمها بدخوله عليها إمّا بالتنحنح أو تحقق الفعل؛ لأنّ الدخول عليها ليس بمباح ولكن لأنّ المرأة في بيتها تكون في ثياب مهنتها فربّما يراها متجرّدة، ويكره له أن يراها متجرّدة إذا لم يكن من شأنه الرجعة.
وإذا كان الطلاق بعد الخلوة والزوج يقول: لم أدخلها فلا رجعة له عليها، فالخلوة ما أقيمت مقام الوطء في حقّ المراجعة؛ لأنّ ذلك حقّ الزوج.
ادّعى الزوج الدخول بها وقد خلا بها، فله الرّجعة، وإن لم يكن خلا بها فلا رجعة له. وإذا قال لمعتدته: راجعتك أمس، وكذبت فالقول قوله، ولو كان ذلك بعد انقضاء العدّة، فالقول قولها؛ لأنّ في الفصل الأول..... تملك استئنافه في الحال، فلا يتهم بالكذب، ولا كذلك في الفصل الثاني ولا يمين عليها في قول أبي حنيفة رحمه الله. وقال أبو يوسف ومحمّد رحمهما الله: عليها اليمين.
ولو قال لها: راجعتك فقالت مجيبة له: قد انقضت عدّتي، فالقول قول الزوج عندهما، والقول قولها عند أبي حنيفة رحمه الله مع اليمين وإنّما وجبت اليمين عند أبي حنيفة رحمه الله، وإن كان الاستحسان لأجل النكول، والنكول بدل عند أبي حنيفة رحمه الله والبدل لا يجزئ في الانقضاء؛ لأنّها أمينة في الإخبار عمّا في رحمها، والأمينة تستحلف لنفي التهمة، فإذا نكلت عن اليمين فقد حقّقت التهمة فلم يبق قولها حجة مكان التهمة، فبقي حقّ الرجعة لانعدام دليل الانقضاء، لا بسبب النكول الذي هو بدل عند أبي حنيفة رحمه الله، فأمّا إذ قال لها: طلقتك، فقالت مجيبة له: قد انقضت عدّتي، فقد اختلف المشايخ رحمهم الله فيه، منهم من قال: القول قولها عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما: القول قول الزوج كما في تلك المسألة، ومنهم من قال: القول قولها بالاتفاق في هذه المسألة، ولا يقع الطلاق، ومنهم من قال: القول قول الزوج بالاتفاق، ويحكم بوقوع الطلاق، قال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله، وهو الأصح.
إذا قال لمنكوحته: إن راجعتك فأنتِ طالق، ينصرف يمينه إلى الرجعة الحقيقيّة لا إلى العقد حتى (إن) طلّقها ثمَّ تزوجها لا تطلق ولو راجعها تطلق.
ولو قال لأجنبيّة: إن راجعتك فعبدي حرٌّ ينصرف يمينه إلى العقد؛ لأنّ في الأجنبيّة العمل بالحقيقة غير ممكن فينصرف يمينه إلى المجاز، وفي المنكوحة العمل بالحقيقة ممكن فلا ينصرف يمينه إلى المجاز.
إذا تزوّج المطلقة طلاقًا رجعيًّا يصير مراجعًا لها، وقال الصدر الشهيد رحمه الله في الباب الأوّل من (واقعاته): هو المختار؛ لأنّ العمل بحقيقة الرجوع إن لم يكن أمكن العمل بمجازه بأن يجعل مجازًا عن الرجعة. وكتبت في (المستزاد) أنَّ على قول محمّد رحمه الله يصير مراجعًا، وعلى قول أبي حنيفة رحمه الله لا يصير مراجعًا.
قال لمطلقته طلاقًا رجعيًّا: أنت عندي كما كنت، أو قال: أنت امرأتي، فإن نوى الرجعة يصير مراجعًا، وإن نوى في حكم الميراث وغيره أو لم تكن له نيّة لا يصير مراجعًا في هذا الموضع أيضًا.
قال لمطلقته طلاقًا رجعيًا: إن راجعتك فأنتِ طالق ثلاثًا، فانقضت عدّتها ثمَّ تزوّجها لا تطلق ولو كان الطلاق بائنًا تطلق، لأنّ في الوجه الأوّل: المحلّ يقبل حقيقة الرجعة فانصرفت إليه ولم يوجد، وفي الوجه الثاني: لا تقبل فانصرفت إلى الرجعة مجازًا وهو النكاح.
رجل طلّق امرأته طلاقًا رجعيًّا، فذهب إلى بيت أبيها، فقال الزوج: (إن رقية بارا وردمت) إن عنى به الرجعة يصحّ.
وفي (فتاوى الأصل): إذا طلّق امرأته طلاقًا رجعيًّا ثمَّ راجعها وقال: زدّت في مهرك لا يصحّ لأن الزيادة مجهولة، ولو قال: راجعتك بهذا ألف درهم إن قبلت المرأة ذلك صحّ وما لا فلا؛ لأنّ هذه زيادة في المهر فيشترط قبولها، وهذا بمنزلة ما لو جدّد في النكاح، وإذا انقضت العدّة فقد بطل حقّ المراجعة، وإنّما يعرف انقضاء العدّة: إذا كانت المرأة من ذوات الأشهر، بأن كانت آيسة أو صغيرة بمعنى ثلاثة أشهر، وإن كانت من ذوات الأقراء فإن كان حيضها عشرًا فجرى انقطاع الدّم، وإن كان أيّام حيضها أقلّ من عشرة فحين تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة كامل، بل تيمّمت بأن كانت مسافرة لم تنقطع الرجعة لمجرّد التيمم في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله إلا إذا صلّت به، وقال محمّد وزفر رحمهما الله: تنقطع الرجعة بمجرّد التيّمم، فإن شرعت في الصلاة لا يحكم بانقطاع الرجعة عندهما ما لم تفرغ من الصلاة، هو الصحيح من مذهبها، وإن تيّممت وقرأت القرآن أو مسّت المصحف أو دخلت المسجد ففيه اختلاف المشايخ رحمهم الله، وفي (القدوري): وأمّا...... فالرجعة في حقّها تنقطع بمجرّد انقطاع الدّم وإن كان أيّام حيضها دون العشرة.
ولو اغتسلت المعتدة وبقي عضو واحد لم يصبها الماء فالرجعة قائمة استحسانًا ثمَّ قال في بعض النسخ: سواء كان الباقي يدًا أو رجلًا أو شعرًا، فقد سوّى بين الشعر وغيره، قال بعض مشايخنا رحمهم الله: المراد منه منابت الشعر وأصله لا أطراف الشعر.
وقال بعضهم رحمهم الله: المرادكلّ الشّعر بناءً على أنَّ الجنب أو الحائض إذا اغتسل وأصاب الماء منابت الشعر وأصله إلا أنّه لم يصل أطرافه هل يكفها ذلك من الاغتسال؟ ففيه اختلاف المشايخ، وعن أبي حنيفة رحمهم الله فيه روايتان، وإن كان أقلّ من ذلك يعني أقلّ من العضو، وذلك نحو الأصبع واللمعة فلا رجعة استحسانًا. والفرق: أنَّ انقطاع الرجعة معلّق بالاغتسال، ولم يتمّ الاغتسال في الفصل الأوّل بيقين؛ لأنّ العضو الكامل لا يتسارع إليه الجفاف من الأعضاء، ولا يغفل الإنسان عن معرفة حاله عادة، فدلّ الجفاف على عدم وصول الماء إليه، فلا يتمّ الاغتسال؛ لأنّ اللمعة يتسارع إليها الجفاف قبل سائر الأعضاء، فيحتمل أنّ الماء وصل إليها فتنقطع الرجعة، ويحتمل أنّه لم يصل فلا تنقطع الرجعة، فيعتبر الماء واصلًا إليها في حقّ انقطاع الرجعة دون إباحة الصلاة، وإباحة تزوّج آخر احتياطًا حتّى لو تيقّنت هي بعدم وصول الماء إليها بأن منعت عنها قصدًا لا تنقطع الرجعة، بخلاف العضو الكامل على ما مرّ، ولو تركت المضمضة والاستنشاق فالرجعة قائمة عند أبي حنيفة، وقالا: تنقطع الرجعة ولا تحل للأزواج، فإن كان الباقي أحد المنجزين فالرجعة باقية بالاتفاق.
وفي (القدوري): لو اغتسلت بسؤر الحمار فقد انقطعت الرجعة، ولا تحلّ للأزواج، وإذا طلّق امرأته طلاقًا رجعيًّا فليس له أن يسافر بها، والسفر بها ليس برجعة عند علمائنا الثلاثة رحمهم الله؛ لأنّه لا يختص بالملك، وليس لها أن تخرج بنفسها أيضًا لسفر وما دونه سواء؛ لأنّ النصّ المحرّم بخروجها مطلق غير مقيّد بالسفر، قال الله تعالى: {يأيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النّسَآء فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ وَاتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1] والمراد من النصّ الطلاق الرجعي، بدليل ساقه وهو قوله تعالى: {يأيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النّسَآء فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ وَاتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1] إلى قوله: {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ}.
قال في (الجامع الصغير): وإذا طلّق امرأته وهي حامل أو ولدت منه، وقال لمّا جامعها فله عليها الرجعة لأنّا قضينا ببيان النسب منه وبيان النسب منه دليل وجود الوطء منه، فيثبت الوطء منه حكمًا بدليل شرعي، فإذا وجد الوطء منه تأكّد الملك في الرجعي، والملك المتأكّد في الرجعي لا يبطل بنفس الطلاق، فتثبت الرجعة، وقول محمّد رحمه الله في (الكتاب): أو ولدت منه معناه ولدت منه قبل الطلاق، أمّا إذا ولدت منه بعد الطلاق تنقضي العدّة بالولادة فلا تتصوّر الرجعة.
وفيه أيضًا: إذا قال لامرأته: إذا ولدت فأنتِ طالق، فولدت ثم أتت بولد آخر لأكثر من سنتين من ولادة الولد الأوّل ولم تقرّ بانقضاء العدّة فهو رجعة، وكذلك إذا جاءت به لأقل من سنتين من ولادة الولد الأول ولكن لأكثر من سنتين أو لستة أشهر فهو رجعة، أما الفصل الأول لأنها لما جاءت بولد آخر لأكثر من سنتين ولم تقر بانقضاء العدة يجعل الزوج واطئًا إيّاها في العدّة؛ لأنها مسلمة، والظاهر أنّ المسلمة العاقلة لا تزني، فلا يجعل ولد الزنا من زوج آخر؛ لأنّها لم تقرّ بانقضاء العدّة، وأمكن أن يجعل منه بوطء في العدّة، فيجعل كذلك، ويصير بذلك الوطء مراجعًا.
وأمّا الفصل الثاني: فلأنّه لا يمكن أن يجعل هذا الولد من علوق سابق على الطلاق؛ لأنّا متى جعلنا هكذا صار مع الولد الأوّل بطنًا واحدًا، وفي ثبوت اتحاد البطن شكّ إذا كان بين الولدين ستة أشهر فصاعدًا، ولا يثبت الاتحاد بالشك، فصار الولد الثاني من علوق حادث بعد الطلاق فيكون رجعة.
وذكر في كتاب الدعوى: أنّ المطلقة طلاقًا رجعيًّا إذا جاءت بولد لأكثر من سنتين كان رجعة، فإن جاءت به لأقلّ من سنتين لا تكون رجعة؛ لأنها إذا جاء بالولد لأقلّ من سنتين احتمل العلوق بعد الطلاق فيكون رجعة، واحتمل العلوق قبل الطلاق فلا يكون رجعة فلا تثبت الرجعة بالشك، فأمّا في مسألتنا هذه: هذا الاحتمال ساقط الاعتبار، لأنّ في مسألتنا ولدت ولدين، فلو لم يجعل الثاني وعلوق حادث صار مع الولد الأوّل بطنًا واحدًا، وفي اتحاد البطن شك على ما مر، فصار العلوق الثاني من وطء حادث بعد الطلاق فيكون رجعة.
وفي (الأصل): إذا قالت المطلقة طلاقًا رجعيًّا: أسقطت سقطًا مستبين الخلق أو بعض الخلق صدقت، ولا رجعة عليها. ولو قالت: ولدت لا يقبل قولها إلا ببيّنة، فإن طلب الزوج يمينها بالله لقد أسقطت سقطًا بهذه الصفة تحلف بالاتفاق، هو الصحيح؛ لأنّ هذا ليس استحلافًا على الرجعة.
إذا قال بعد مضي شهرين: قد انقضت عدّتي بالحيض، فقال الزوج أخبرتني أمس أنّها لم تحض، فإن صدّقته ملك الزوج الرجعة، وإن كذبته فالقول قولها مع اليمين، والله أعلم بالصواب.

.الفصل الثالث والعشرون: في مسائل الظهار وكفارته:

يجب أن تعلم بأنّ ركن الظهار تشبيه منكوحته بظهر أمّه، بأن يقول لامرأته: أنتِ عليّ كظهر أمّي، فإنه لا يصح الظاهر؛ لأنّ حكم الظاهر ثبت بالنصّ والنصّ خاص في حقّ المنكوحات، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنكُمْ مّن نّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَتِهِمْ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِى وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [المجادلة: 2] وأن تكون المشبه بها محرّمة حرمة مؤبدة، حتّى لو شبّهها بالمحرمة حرمة مؤقتة كالمطلقة ثلاثًا لا يصحّ الظهار؛ لأنّ الأصل في هذا الباب التشبيه بالأم، وحرمة الأمّ ثابتة على سبيل التأبيد، وإذا شبّهها بذوات محارمة كالعمّة والخالة والأخت أو أشبّاههن ممن حرمت عليه برضاع أو صهرية، كأم المرأة وامرأة الأب كان مظاهرًا لأن حرمة هؤلاء مؤبّدة.
ولو شبّهها بأخت امرأته أو بامرأةٍ لها زوج أو مجوسيّة أو مرتدة لم يكن مظاهرًا؛ لأن حرمة هؤلاء غير مؤبدة. ولو شبهها بامرأةٍ زنى بها أبوه أو ابنه فهو مظاهر في قول أبي يوسف رحمه الله، وقال محمد: لا يكون مظاهرًا، وهذا بناءً على أنّ حاكمًا لو حكم بجواز نكاحها لم ينفذ في قول أبي يوسف، وقال محمّد رحمه الله: ينفذ.
وجه البيان: أنّ عند أبي يوسف لمّا لم ينفذ حكم الحاكم علم أنَّ الحرمة مؤبدة نظير حرمة الأم، وعند محمّد لمّا نفذ حكم الحاكم علم أنّ الحرمة مؤقتة، فلا يكون نظير حرمة الأمّ قول أبي يوسف: أنّ الحكم بجواز نكاح هذه حكم بخلاف النصّ، قال الله تعالى {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ النّسَآء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَحِشَةً وَمَقْتًا وَسَآء سَبِيلًا} [النساء: 22] والنكاح عبارة عن الوطء. وجه قول محمّد رحمه الله: أنّ العلماء اختلفوا في حرمة هذه المرأة فكان الحكم بجواز نكاحها حكمًا في محلّ مجتهد فيه، والنكاح كما يذكر ويراد به الوطء يذكر ويراد به العقد بل إرادة العقد فيه أغلب في العرف، فلم يكن هذا حكمًا بخلاف النصّ.
ولو قبّل أجنبيّة بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة ثمَّ شبّه زوجته بابنتها لم يكن هذا مظاهرًا في قول أبي حنيفة رحمه الله، ولا يشبه هذا الوطء وقال أبو يوسف رحمه الله: يكون مظاهرًا، وأبو حنيفة رحمه الله يقول: الحرمة بالوطء ثابتة بالنصّ كما قال أبو يوسف رحمه الله في المسألة المتقدّمة، وبالتقبيل والنظر يثبت باعتبار الإلحاق بالمنصوص عليه لكون هذه الأشياء وسيلة إلى الوطء، فكانت هذه الحرمة أضعف من تلك الحرمة بالنّظر إلى الفرج منصوص عليه قال عليه السلام: «ملعون من نظر إلى الفرج.... امرأة، وابنتها»، فكانت هذه الحرمة نظير الحرمة الثانية بالوطء، وعلى هذا الاختلاف رجل مسّ جاريته ثمَّ قال أبوه لامرأته: أنتِ عليّ كظهر هذه الجارية.
وإن كان الرجل قد جامعها وباقي المسألة بحالها فهو مظاهر بلا خلاف، وحكم الظهار حرمة مؤقتة إلى غاية