فصل: فصل الرشوة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحيط البرهاني في الفقه النعماني



.كتاب القضاء:

هذا الكتاب يشتمل على ثلاثة وثلاثين فصلًا:
1- في بيان من يجوز له تقليد القضاء منه.
2- في الدخول في القضاء.
3- في ترتيب الدلائل للعمل بها.
4- في اختلاف العلماء في اجتهاد الصحابة.
5- في التقليد والعزل.
6- في بعض التقليد وما يقع للقاضي نفسه وحكم الأمراء.
7- في جلوس القاضي، ومكان جلوسه.
8- في أفعال القاضي وصفاته.
9- في رزقه ومدته ودعوته.
10- في بيان ما يكون حكمًا، وما لا يكون حكمًا، وما يبطل به الحاكم بعد وقوعه صحيحًا وما لا يبطل.
11- في العدو.
12- فيما يقضي القاضي بعلمه، وفي القضاء بشهادة من أقل من اثنين.
13- في القاضي يجد في ديوانه شيئًا لا يحفظه وفي نسيانه قضاءه وفي الشاهد يرى شهادته ولا يحفظ.
14- في القاضي يقضي بقضيته ثم بدا له أن يرجع عنه وفي وقوع القضاء بغير حق.
15- فيما إذا وقع القضاء بشهادة الزور، ولم يعلم القاضي.
16- في القضاء بخلاف ما يعتقده المحكوم له أو المحكوم عليه وفيه بعض مسائل الفتوى.
17- في أقوال القاضي، وما ينبغي للقاضي أن يقول وما لا ينبغي.
18- في قبض المحاضر من ديوان القاضي المعزول.
19- في القضاء في المجتهدات، 20- فيما يجوز فيه قضاء القاضي وما لا يجوز.
21- في الجرح والتعديل.
22- فيما ينبغي للقاضي أن يضعه على يدي عدل.
23- في الرجلين يحكمان بينهما حكمًا.
24- في كتاب القضاة إلى القضاة.
25- في اليمين.
26- في إثبات الوكالة والوراثة وفي إثبات الدين.
27- وفي الحبس والملازمة.
28- فيما يقضي به القاضي ويرد قضاءه وما لا يرد.
29- في بيان ما يحدث بعد إقامة البينة قبل القضاء.
30- في بيان من يشترط حضرته بسماع الخصومة والبينة وحكم القاضي وما يتصل بذلك.
31- في نصب الوصي والقيم وإثبات الوصاة عند القاضي.
32- في القضاء على الغائب والقضاء الذي يتعدى إلى غير المقضى عليه، وقيام بعض أهل الحق عن البعض في إقامة البينة.
33- في المتفرقات.

.الفصل الأول: في بيان من يجوز له تقليد القضاء منه:

قال الخصاف في (أدب القاضي): إنما يجوز تقليد القضاء لمن كان عالمًا بالكتاب والسنة واجتهاد الرأي؛ لأن القاضي مأمور بالقضاء بحق، قال الله تعالى: {يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق} [ص: 26]، وإنما يمكنه القضاء بالحق، إذا كان عالمًا بالكتاب والسنة واجتهاد الرأي، أما العلم بالكتاب والسنة؛ فلأن الاجتهاد في موضع النص باطل، فكان العمل بالنص في موضع النص متعينًا، وإنما يمكنه العمل بالنص، إذا كان عالمًا به، وأما اجتهاد الرأي فلأن النصوص معدودة، والحوادث مهدودة، والإنسان لا يحد في كل حادثة تفصل به تلك الحادثة، فيحتاج إلى استنباط المعنى من المنصوص عليه، وإنما يمكنه ذلك، إذا كان عالمًا باجتهاد الرأي، وعندنا العلم بالأدلة شرط الأولوية، وليس شرط جواز تقليد القضاء، حتى لو قلد جاهل وقضى هذا الجاهل بفتوى غيره، يجوز والصحيح مذهبنا؛ لأن المأمور في حق القاضي القضاء بالحق، والقضاء بما أنزل الله، والقضاء بفتوى الغير قضاء بالحق وبما أنزل الله تعالى.
والخصاف لم يشترط العدالة، وصاحب كتاب (الأقضية) أبو جعفر، شرط العدالة، وكذلك الخصاف شرط العدالة وهي شرط لازم عند الشافعي، وهكذا روي عن أصحابنا في غير رواية الأصول، وبه أخذ بعض مشايخنا، حتى إن قلد القضاء وهو غير عدل، لا يصير قاضيًا.
وعلى ظاهر رواية أصحابنا العدالة شرط الأولوية، وهو اختيار عامة مشايخنا رحمهم الله، حتى أن الأولى أن لا يقلد الفاسق، ومع هذا لو قلد يصر قاضيًا، اعتبارًا للقضاء بالشهادة، فإن الأولى أن لا تقبل شهادة الفاسق، ومع هذا لو قبلت وقضى بها نفذ القضاء.
ولو قلد القضاء وهو عدل ثم فسق، فعلى قول الشافعي رحمه الله ينعزل، وإشارات محمد رحمه الله في الكتب متعارضة في بعضها يشير إلى أنه ينعزل، وبه أخذ بعض مشايخنا، وفي بعضها يشير إلى أنه لا ينعزل، ولكن به يستحق العزل، وبه أخذ عامة المشايخ، إلا إذا شرط في التقليد أنه متى خان ينعزل، فحينئذ ينعزل لأنها غايته لا بالجور وبعض مشايخنا قالوا: إن كان عدلًا حين قلده السلطان ثم فسق ينعزل، وإن كان فاسقًا حين قلده يصير قاضيًا، وهذا لأنه إذا كان عدلًا يوم قلده فإنما، قلده اعتمادًا منه على عدالته، تنفيذ التقليد بحال عدالته، ولا يبقى التقليد بعد ارتفاع العدالة، وإذا قلده فيما هو عدل، فلم يعقد على عدالته، فصح التقليد.
ثم من شرط العدالة في القضاء، يحتاج إلى الفرق بين القضاء والإمارة، فإن الإمام يصير إمامًا، وإن كان فاسقًا، وإذا كان عدلًا، ثم فسق لا يخرج عن الإمارة والإمامة، والفرق أن مبنى الإمارة على السلطنة والغلبة، ألا ترى أن من الأمراء من قد غلب، وجاز أحكامه، وصلى خلفه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومبنى القضاء على الأمانة والعدالة، فإذا بطلت العدالة بطل القضاء ضرورة، هذا بيان من يجوز له تقلد القضاء.
جئنا إلى بيان من يجوز تقلد القضاء منه، فنقول: يجوز تقلد القضاء من السلطان العادل والجائر، أما من السلطان العادل فظاهر، وأما من السلطان الجائر، فلأن الصحابة تقلدوا الأعمال من معاوية بعد ما أظهر الخلاف مع علي رضي الله عنه، والحق مع علي رضي الله عنه في قومته، وتقلدوا من يزيد مع جوره وفسقه، والتابعين تقلدوا من حجاج بعد ما تبين منه اللجاج، ومع أنه كان أفسق أهل زمانه، حتى قال الحسن البصري: لو كان كلامه بحيث أنها وصية بأبي محمد قبلناه، ولكن أن يجوز تقلد القضاء من السلطان الجائر، إذا كان يمكنه من القضاء بحق، ولا يخوض في قضاياه بشر، ولا ينهاه عن تنفيذ بعض الأحكام كما ينبغي، أما إذا كان لا يمكنه من القضاء بحق ويخوض في قضاياه بشر، ولا يمكنه من تنفيذ بعض الأحكام كما ينبغي، لا يتقلد منه.
قال القاضي الإمام أبو جعفر رحمه الله وهو صاحب كتاب (الأقضية) بعد ما تبين أهل القضاء: ولا ينبغي لأحد أن يفتى للناس إلا من كان هكذا، يريد به أن المفتي ينبغي أن يكون عدلًا، عالمًا بالكتاب والسنة واجتهاد الرأي، أما اشتراط العلم بهذه الأشياء؛ فلأن المفتي بفتواه يبين أحكام الشرع، وإنما يمكنه بيان أحكام الشرع إذا علم بالأدلة الشرعية، وأما اشتراط العدالة فمؤتمن عليه، قال: إلا أن يفتي بشيء قد سمعه فإنه يجوز، وإن لم يكن عالمًا بما ذكرنا من الأدلة، لأنه حاك ما سمع من غيره، فهو بمنزلة الراوي في باب الأحاديث، فشرط فيه ما يشترط في الراوي، من العقل والضبط والعدالة والقهر على ما عرف في موضعه.

.الفصل الثاني: في الدخول في القضاء:

أورد الخصاف في (أدب القاضي) أحاديثًا في كراهة الدخول في القضاء، وفي الرخصة فيه، قال: وقد دخل فيه قوم صالحون، وامتنع عنه قوم صالحون، وترك الدخول أمثل وأسلم وأصلح في الدين، وهذا فصل اختلف فيه المشايخ أن بعد استجماع شرائط القضاء في شخص هل يجوز له تقلد القضاء؟ قال بعضهم: يكره له التقليد، ألا ترى كيف امتنع عنه أبو حنيفة رحمه الله حتى ضرب ثلاث مرات في كل مرة ثلاثين سوطًا، وألا ترى أن محمدًا رحمه الله كيف أباه حتى قيد نيفًا وخمسين يومًا، وفي رواية نيفًا وأربعين يومًا، وقال بعضهم: له أن يقلد إذا كان يمكنه القيام بحقه، ألا ترى أن الأنبياء عليهم السلام اشتغلوا به حتى نبينا عليه السلام والصحابة رضي الله عنهم اشتغلوا به، ولأن في القضاء إظهار سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإحياء شريعته، ولهذا يطلق على القاضي اسم خليفة رسول الله بلا خلاف، وإن اختلفوا أنه هل يطلق عليه اسم خليفة الله، وفيه إيصال الحق إلى مستحقيه، وفيه نصرة المظلومين، وكل ذلك حسن عقلًا وشرعًا، وقال بعضهم: من قلد بغير مسألة فلا بأس بالقبول، ومن سأل يكره له ذلك، وهذا لأن من سأل فقد اعتمد على نفسه، ووكل إليه، ومن أجبر عليه فقد اعتمد على الله، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، والذي عليه عامة المشايخ أن الدخول في القضاء رخصة، والامتناع عنه عزيمة، أما الدخول فيه رخصة لما ذكرنا أن فيه إيصال الحق إلى المستحق، وفيه نصرة المظلومين، وأما الامتناع عنه عزيمة، لوجهين أحدهما أن القاضي مأمور بالقضاء بحق وعسى يظن في الابتداء أنه يقضي بحق، ثم لا يقضى في الانتهاء بحق، والثاني أنه عسى لا يمكنه القضاء إلا بإعانة غيره، وذلك الغير عسى لا يعينه على القضاء، ولكن هذا إذا كان في البلد قوم صالحون للقضاء، أما إذا لم يكن في البلد قوم يصلحون للقضاء سواه، يدخل في القضاء لا محالة؛ لأنه لو لم يدخل ربما تقلد الجاهل فيضيع أحكام الله تعالى، وعلى هذا حكم الإثم، إذا كان في البلد قوم يصلحون للقضاء، وامتنع واحد منهم لا يأثم، وإذا لم يكن في البلد من يصلح للقضاء إلا واحد وامتنع هو يأثم، وإذا كان في البلد قوم يصلحون للقضاء فامتنعوا جملة عن القضاء، فإن كان الوالي بحيث يفصل الخصومات بنفسه، كما ينبغي، فإنهم لا يأثمون، وإن كان الوالي بحيث لا يفصل الخصومات بنفسه كما ينبغي، فإنهم يأثمون، لأنهم ضيعوا حقوق الله تعالى وحقوق العباد، فإنهم يشتركون في الإثم.

.الفصل الثالث: في ترتيب الدلائل للعمل بها:

قال: ينبغي للقاضي أن يقضي بما في كتاب الله تعالى، وينبغي أن يعرف ما في كتاب الله تعالى من الناسخ والمنسوخ، لأنه إنما يجب العمل بالناسخ دون المنسوخ وينبغي أن يعرف من الناسخ ما هو محكم، وما هو متشابه، وفي تأويله اختلاف، كالأقراء فإن الله تعالى نص على الأقراء في مضي العدة، وقد اختلف العلماء في تأويلها، فمنهم من جعلها عبارة عن الأطهار، فينبغي أن يعرف المتشابه، وما فيه اختلاف العلماء؛ ليترجح قول البعض على البعض باجتهاده، فإن لم يجد في كتاب الله تعالى، يقضي بما جاء عن رسول الله عليه والسلام، قال الله تعالى: {ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] وينبغي أن يعرف الناسخ والمنسوخ من الأخبار، لما ذكرنا أنه يجب العمل بالناسخ دون المنسوخ، فإن اختلفت الأخبار يأخذ بما هو الأشبه، ويحيل اجتهاده إليه، ويجب أن يعلم المتواتر والمشهور، وما كان من خبر الآحاد؛ لأن المتواتر واجب العمل به قطعًا، يكفر جاحده، ولكن يخشى عليه المأثم، وما كان من خبر الآحاد يخطّأ جاحده.
ويجب أن يعلم مراتب الرواة، فإن منهم من عرف بالفقه والعدالة كالخلفاء الراشدين، والعبادلة وغيرهم، ومنهم من عرف بطول الصحبة وحسن الضبط، والأخذ براوية من عرف بالفقه أولى من الأخذ برواية من لم يعرف بالفقه، وكذلك الأخذ برواية من عرف بطول الصحبة، أولى من الأخذ برواية من لم يعرف بطول الصحبة، وإن كان حادثة لم يرد فيها سنة رسول الله، يقضي فيها بما اجتمع عليه الصحابة رضي الله عنهم؛ لأن العمل بإجماع الصحابة واجب، فإن كان الصحابة فيها مختلفين، يجتهد في ذلك، ويرجح قول بعضهم على البعض باجتهاده، إذا كان من أهل الاجتهاد، وليس له أن يخالفهم جميعًا باختراع قول ثالث؛ لأنهم مع اختلافهم اتفقوا على أن ما عدا القولين باطل، وكأن الخصاف رحمه الله يقول له ذلك، لأن اختلافهم اتفقوا على أن ما عدا القولين باطل، وكان الجصاص رحمه الله يقول: ذلك لأن اختلافهم يدل على أن للاجتهاد فيه مجالًا، والصحيح ما ذكرنا، ولا يفضل قول الجماعة على قول الواحد، قال الفقيه أبو جعفر رحمه الله: وهذا على أصل أبي حنيفة رحمه الله، أما على أصل محمد: يفضل قول الجماعة على قول الواحد، وقد ذكر محمد رحمه الله في (السير الكبير) في مسألة: قال أهل العراق وأهل الحجاز كذا، وقال أهل الشام: كذا، فأخذنا بقول أهل العراق والحجاز لكثرتهم ولانتفاء التهمة عن قولهم.
ثم الإجماع ينعقد بطريقين:
أحدهما: اتفاق كل الصحابة على حكم بأقوالهم، وهذا متفق عليه.
والثاني: تنصيص البعض، وسكوت الباقين، بأن اشتهر قول البعض وبلغ الباقون ذلك، فسكتوا ولم ينكروا ذلك، وهذا مذهبنا، وإنما كان كذلك لأنه لو كان عند الباقين خلاف ذلك، لما حل لهم السكوت فيحمل سكوتهم على الموافقة حملًا لأمرهم على ما يحل لهم شرعًا، ولكن هذا الإجماع في المرتبة دون الأول، لأن الأول مجمع عليه، والثاني مختلف فيه، فإن وجد من كل الصحابة اتفاق إلا واحد، فإنه خالفهم فعلى قول الكرخي لا يثبت حكم الإجماع، وهو قول الشافعي، والصحيح عندنا أنهم إن سوّغوا له الاجتهاد، ولا ينعقد الإجماع مع مخالفته، نحو خلاف ابن عباس رضي الله عنهما في زوج وأبوين، قال: للأم ثلث جميع المال، وإن لم يسوغوا له الاجتهاد، بل أنكروا عليه ذلك، يثبت حكم الإجماع بدون قوله حتى لو قضى قاض بجواز بيع الدرهم بالدرهمين، لا ينعقد قضاؤه.
وحكي عن القاضي أبي حازم رحمه الله: أن الخلفاء الراشدين إذا اتفقوا على شيء لا يلتفت إلى خلاف من خالفهم، حتى لم يعتبر خلاف زيد في توريث ذوي الأرحام، وأمر المعتصم برد الأموال التي اجتمعت من تركات ذوي الأرحام، فقال له أبو سعيد البردعي: هذا شيء يفتى فيه على قول زيد، فقال أبو حازم: لا يعتبر خلاف زيد في مقابلة الخلفاء الراشدين. ولكن الصحيح ما ذكرنا، فإن جاء حديث من واحد من الصحابة ولم ينقل عن غيره خلاف ذلك، فعن أبي حنيفة رحمه الله ثلاث روايات:
في رواية قال: أقلد منهم من كان من القضاة المفتيين لقوله عليه السلام: «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما»، وقد اجتمع في حقهما القضاء والفتوى، فمن كان منهما كعثمان وعليّ والعبادلة الثلاثة وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، ومن كان بمثابتهم أقلدهم، ولا أستجر خلافهم.
وفي رواية قال: أقلد جميع الصحابة إلا ثلاثة منهم أنس بن مالك، وأبو هريرة، وسمرة بن جندب رضى الله عنهم. أما أنس فقد بلغني أنه اختلط عقله في آخر عمره، وكان يستفتي من علقمة، وإنما لا أقلد علقمة فكيف أقلد من يستفتي علقمة، وأما أبو هريرة فإنه لم يكن من أئمة الفتوى، بل كان من الرواة فيما كان يروى لا يتأمل في المعنى، وكان لا يعرف الناسخ والمنسوخ، ولأجل ذلك حجر عليه عمر رضي الله عنه، عن الفتوى في آخر عمره، وأما سمرة بن جندب فقد بلغني عنه أمر يتأبى، والذي بلغ عنه، إنه كان يتوسع في الأشربة المسكرة سوى الخمر، وكان يتدلك في الحمام بالخمر، فلم نقلدهم في فتواهم لهذا، أما فيما روي عن النبي عليه السلام أنه كان يأخذ بروايتهم، لأن كل واحد موثوق به فيما يروي.
وفي رواية قال: أقلد جميع الصحابيين ولا أستجر خلافهم، وهو الظاهر من المذهب، فقد قال في كتاب الحيض: أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام، بلغنا ذلك عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وقال في كتاب الأيمان: إذا نذر بذبح ولده يصح نذره عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، بلغنا نحو ذلك، عن ابن عباس رضى الله عنهما، وقال: في شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن، أنه لا يجوز، بلغنا ذلك عن عائشة رضى الله عنها، ونظائره في الكتب كثيرة، وهذا لأنهم ما كانوا يفتون جزافًا، وإنما كانوا يفتون سماعًا أو اجتهادًا، فإن كان سماعًا يلزمنا اتباعهم، وهذا ظاهر، وإن كان اجتهادًا فكذلك، لأنهم صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاينوا وشهدوا التنزيل، وشهد لهم رسول الله عليه السلام بالخيرية، بقوله: «خير القرون قرني الذي أنا فيهم». فيوفقون في الصواب بسبب صحبة رسول الله عليه السلام ولكونهم خير القرون مالا يوفق غيرهم، ولأنهم عرفوا طريق رسول الله في بيان الأحكام، وشاهدوا الأحوال التي نزلت فيها النصوص، والمحال التي تعتبر باعتبارها الأحكام، فيكون رأيهم أقوى، واجتهادهم أصوب.
وإن اجتمعت الصحابة على حكم، وخالفهم واحد من التابعين، إن كان المخالف ممن لم يدرك عهد الصحابة، لا يفيد خلافه، حتى لو قضى القاضي بقوله، بخلاف إجماع الصحابة كان باطلًا، وإن كان ممن أدرك عهد الصحابة، وزاحمهم في الفتوى، وسوغوا له الاجتهاد، كشريح والنخعي والشعبي رضي الله عنهم، لا ينعقد الإجماع مع مخالفته.
ولهذا قال أبو حنيفة رحمه الله: لا يثبت إجماع الصحابة في الأسعار؛ لأن إبراهيم النخعي كان يكرهه وهو ممن أدرك عهد الصحابة، فلا يثبت الإجماع بدون قوله، وهذا لأنه لما أدرك عهد الصحابة وسوغوا له الاجتهاد، حتى زاحمهم في الفتوى، فقد جعلوه كواحد منهم فصار خلافه كخلاف واحد منهم.
فإن كانت حادثة ليس فيها إجماع الصحابة، ولا قول واحد من الصحابة، ولكن فيه إجماع التابعين، فإنه يقضى بإجماعهم؛ لأن إجماع التابعين حجة قال الله تعالي: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى} [النساء: 15] الآية، وخلاف إجماعهم اتباع غير سبيل المؤمنين، إلا أن إجماع التابعين في كونه حجة دون إجماع الصحابة، لأن بعض الناس قالوا: إجماعهم ليس بحجة، إنما ذلك للصحابة، وكذلك إجماع كل فريق بعد ذلك حجة، ولكنه دون الأول في كونه حجة.
وإن كانت حادثة فيها اختلاف التابعين، يجتهد القاضي في ذلك، إذا كان من أهل الاجتهاد، ويقضي بما هو أقرب للصواب، وأشبه بالحق، وليس له أن يخالفهم باختراع قول ثالث عندنا، على نحو ما ذكرنا في الصحابة، وإن جاء عن بعض التابعين ولم ينقل عن غيرهم فيه شيء، فعن أبي حنيفة رحمه الله فيه روايتان: في رواية قال: لا أقلدهم، رجال اجتهدوا، ونحن رجال نجتهد، وهو ظاهر المذهب، وفي رواية (النوادر) قال: من كان منهم أفتى في زمن الصحابة، وسوغوا له الاجتهاد، مثل شريح، ومسروق بن الأجدع، والحسن، فأنا أقلدهم، وهذا لأن من أفتى في زمن الصحابة وسوغوا له الاجتهاد، فقد جعلوه كواحد منهم، فإن لم يجد عنهم بإجماع، يعمل بإجماع من بعدهم، إن كان في الزمان الذي هو فيه، وهذا لأن إجماع كل عصر حجة بالنص الذي تلونا وبقوله عليه السلام: «لا تجتمع أمتي على الضلالة».
فإن لم يجد في ذلك إجماعًا، وكان فيه اتفاق بين أصحابنا أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله، يأخذ بقولهم ولا يسعه أن يخالفهم برأيه؛ لأن الحق لا يعدوهم.
فإن أبا يوسف رحمه الله كان صاحب حديث، حتى روي عنه أنه قال: أحفظ عشرين ألف حديث من المنسوخ، وإذا كان هذا يحفظ هذا من المنسوخ، فما ظنك من الناسخ، وكان صاحب فقه ومعنى أيضًا.
ومحمد رحمه الله كان صاحب فقه ومعنى، وكان صاحب قريحة أيضًا، ولهذا قال في (المسائل) رجوعه وأبا حنيفة رحمه الله كان مقدمًا في هذا كله إلا أنه قلّت روايته لمذهب يقول به، في باب الحديث: إنما يحل رواية الحديث لمن يحفظ من حين يسمع إلى أن يروي.
وإن اختلفوا فيما بينهم، قال عبد الله بن مبارك: يأخذ بقول أبي حنيفة لا محالة لأنه كان في زمن التابعين وزاحمهم في الفتوى، وقد شهد رسول الله عليه السلام بالخيرية فالظاهر أن يوفق للصواب، ما لا يوفق غيره، والمتأخرون من مشايخنا رحمهم الله اختلفوا وقالوا: إذا اجتمع اثنان منهم على شيء وفيهما أبو حنيفة رحمه الله، أنه يأخذ بقول أبي حنيفة رحمه الله، وإن كان أبو حنيفة من جانب وأبو يوسف ومحمد رحمها الله من جانب، فإن كان القاضي من أهل الاجتهاد يجتهد، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد يستفتي غيره، ويأخذ بقول المفتي بمنزلة العامي، وإن كان أبو حنيفة رحمه الله أعلى رتبة؛ لأنه قد يرزق الرجل الصواب، وإن كان غيره أعلى رتبة، فإن أدراك الصواب فضيلة يرزقه الله تعالى من عباده من يشاء وإن لم يكن من أهل الاجتهاد يأخذ بقول أبي حنيفة، ولا يترك مذهبه؛ لأنه أفقه عنده من غيره، فلا يترك متابعته.
وإن اختلف المتقدمون على قولين، ثم أجمع من بعدهم على أحد هذين القولين فهذا الإجماع، هل يرفع الخلاف المتقدم؟ فقد قيل على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، لا يرفع، وعلى قول محمد رحمه الله: أنه يرفع، وذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي رحمه الله أنه يرفع الخلاف المتقدم بلا خلاف بين أصحابنا رحمهم الله، وإنما يخالف في ذلك بعض العلماء، على ما يأتي بيانه بعد هذا، إن شاء الله.
وإن اتفق أهل عصر على قول،.....، فخرج هذا القاضي عن قولهم، وقضى بخلاف قولهم لما رأى الصواب بخلافه، فإن كان قد سبق هذا الاتفاق، اختلاف العلماء، فقد اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: لا يسعه الخلاف. وبعضهم قالوا: يسعه. فإن لم يسبق هذا الاتفاق اختلاف لا يسعه الخلاف بالاتفاق، بقي الكلام بعد هذا في تفسير الاجتهاد، وفي أهلية الاجتهاد.
أما تفسيره فالاجتهاد بذل المجهود لطلب المقصود، وأما أهله: فأهل الاجتهاد من يكون عالمًا بالكتاب، والسنة، والآثار، ووجوه الفقه، ويشترط مع ذلك، أن يكون صاحب قريحة يعرف عرف الناس، وعاداتهم، ومعاملاتهم، فالعرف قد يغلب على الناس، كما في الاستصناع، والحكم قد يتغير بتغير العصر والزمان، ويشترط مع ذلك أن يكون عالمًا بلغة العرب؛ لأن القرآن والأخبار جاءت بلغتهم.
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: إذا كان يحفظ المنسوخ من أقوال المتقدمين له أن يجتهد.
قال: وإذا كان في البلد قوم من أهل الفقه شاورهم في ذلك؛ لأن القاضي لا يكون أفطن في نفسه من رسول الله عليه السلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالمشاورة، قال الله تعالى: {وشاورهم} [آل عمران: 159] وقال عليه السلام: «من العزم أن تستشير ذا رأي ثم تطيعه»، وقال عليه السلام: «المستشير يصيب» أو قال: «كاد أن يصيب». وشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر، وعمر رضى الله عنهما في شيء، فسكتا مهابة منه فقال عليه السلام: «قولا فإني فيما لم يوح إلي مثلكما». ولأن بالمشاورة تجتمع الآراء، وظهور الحق عند اجتماع الآراء أَبْيَنُ، ولهذا قيل: في المشاورة تلقيح العقول، فإذا شاورهم، واتفق رأيه ورأيهم على شيء، حكم به؛ لأنه لما اتفق رأيه ورأيهم صار ذلك كالإجماع، والإجماع من جملة الحجج، وإن وقع الاختلاف بين هؤلاء الذين شاورهم، نظر إلى أقرب الأقاويل عنده من الحق، وأمضى على ذلك باجتهاده، إذا كان من أهل الاجتهاد، ولا يعتبر في ذلك كبر السن، ألا ترى أن عمر رضي الله عنه كان شاور ابن عباس رضي الله عنهما، وكان يقول له: «غص يا غّواص»، وكان يأخذ بقوله وعمر كان أكبر سنًا منه، وكذلك لا يعتبر كثرة العدد، فالواحد قد يوفق للصواب ما لا يوفق الجماعة، ولأجل ذلك قبلنا شهادة الواحد على رؤية الهلال، إذا كانت السماء متغيمة، وينبغي أن يكون هاهنا قول أبي حنيفة رحمه الله، أما على قول محمد رحمه الله يعتبر كثرة العدد على ما مر قبل هذا، وإن لم يقع اجتهاده على شيء، وبقيت الحادثة مختلفة ومشكلة عليه، كتب إلى فقهاء غير المصر الذي هو فيه، فالمشاورة بالكتاب سنة قديمة في الحوادث الشرعية.
وروي عن ابن مسعود وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما أنهما كانا يكتبان إلى عمر رضي الله عنه يستشيرانه، وعمر كان يكتب إلى ابن مسعود رضي الله عنه يستشيره، وكان ابن سماعة يكتب إلى محمد رحمه الله، وهذا لأن المشورة من الغائب بالكتاب بمنزلة المشورة من الحاضر بالخطاب، فإن اتفق الذين كتب إليهم القاضي على شيء ورأي القاضي يوافق رأيهم، وهو من أهل الرأي والاجتهاد، مضى ذلك برأيه، وإن اختلفوا أيضًا فيما بينهم نظر إلي أقرب الأقوال عنده من الحق، إذا كان من أهل الاجتهاد، وإن لم يكن القاضي من أهل الاجتهاد في هذه الصورة، وقد وقع الاختلاف بين أهل الفقه، أخذ بقول من هو أفقه وأورع عنده كذا هنا، لأنه بمنزلة العامي والعامي إذا استفتى في حادثة، وقد وقع الاختلاف فيما بين الفقهاء، أخذ بقول من هو أفقه عنده، كذا هنا، وإن كان القاضي شاور قومًا من أهل الفقه، فاتفقوا على شيء، ورأي القاضي بخلاف رأيهم، لا ينبغي للقاضي أن يترك رأي نفسه، ويقضي برأيهم، لأن عنده أن هؤلاء على الخطأ، ولا متابعة في الخطأ، فإن قيل: إذا كان لا يأخذ برأيهم فأي فائدة في المشورة.
قلنا: احتمال انضمام رأي غيره إلى رأيه فيقوى بذلك رأيه إلى هذا أشار عبيدة السلماني حين قال علي: اتفق رأي ورأي عمر في أمهات الأولاد، أن لا يبعن، ثم رأيت بعد ذلك أن يبعن فقال عمر رضي الله عنه: رأيك مع رأي عمر خير من رأيك وحده. أشار إلى أن عند اجتماع الرأيين يحدث زيادة قوة، وإن شاور القاضي رجلًا واحدًا كفى، ولكن مشاورة الفقهاء أحوط، فإن شاور ذلك الرجل إلى شيء، ورأي القاضي بخلاف رأيه، فالقاضي لا يترك رأي نفسه، لما قلنا، فإن اتهم القاضي رأيه لما إن ذلك الرجل أفضل وافقه عنده، لم يذكر هذه المسألة هاهنا.
وذكر في كتاب (الحدود) وقال: لو قضى برأي ذلك الرجل أرجو أن يكون في سعة من ذلك وإن لم يتهم القاضي رأيه، لا ينبغي له أن يترك رأي نفسه، وقضى برأي غيره لما قلنا، ولو ترك رأي نفسه وقضى برأي غيره، هل ينفذ قضاؤه؟ سيأتي الكلام فيه بعد هذا إن شاء الله تعالى.

.الفصل الرابع: في اختلاف العلماء في اجتهاد الصحابة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلّم:

يجب أن يعلم بأن العلماء اختلفوا في هذا الفصل على ثلاثة أقوال، منهم من قال: ما كان له أن يجتهد لأنه كان يمكنه أن يرجع إلى رسول الله عليه السلام، فيسأله فكان الاجتهاد في ذلك الزمان اجتهادًا في موضع النص وإنه باطل، ومنهم من قال: من كان بعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له الاجتهاد، ومنهم من قال: كان له الاجتهاد مطلقًا ويستدل هذا القائل بما روي عن رسول الله عليه السلام أنه قال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: «قولا فإني فيما لم يوح إلي مثلكما»؛ وقال عليه السلام لعمرو بن العاص: «اقض بين هذين»، فقال علي: ماذا؟ فقال عليه السلام: «على أنك إن أصبت فلك أجران، وإن أخطأت فلك أجر واحد».
واختلفوا أيضًا أن رسول الله عليه السلام هل كان يجتهد فيما لم يوح إليه، ويوصل الحكم باجتهاده، بعضهم قالوا: ما كان يجتهد بل كان ينتظر الوحي، ومنهم من قال: كان يرجع فيه إلى شريعة من قبله؛ لأن شريعة من قبلنا شريعة لنا ما لم يعرف نسخه، ومنهم من قال: كان لا يعمل بالاجتهاد إلى أن ينقطع طمعه عن الوحي، فإذا انقطع كان يجتهد، فإذا اجتهد صار ذلك شريعة له، فإذا أنزل الوحي بخلافه يصير ناسخًا له، ونسخ السنة بالكتاب جائز عندنا، وكان لا ينقض ما أمضى بالاجتهاد، وكان يستأنف القضاء في المستقبل.

.الفصل الخامس: في التقليد والعزل:

ذكر الخصاف رحمه الله في (أدب القاضي) في باب القاضي يقضي بعلمه، إذا قلّد السلطان رجلًا قضاء بلدة كذا، لا يصير قاضيًا في سواد تلك البلدة ما لم يقلده قضاء البلدة ونواحيها، ويكتب في رسمه ومنشوره أنا قلدناه قضاء بلدة كذا ونواحيها. وهذا الجواب إنما يستقيم على رواية (النوادر)، لأن على رواية (النوادر) المصر ليس بشرط النفاذ القضاء فأما على ظاهر الرواية المصر شرط نفاد القضاء فلا يصر مقلدًا على القرى، وإن كتب في منشوره ذلك.
وإذا علق السلطان القضاء والإمارة بالشرط وأضافهما إلى وقت في المستقبل، بأن قال للرجل إذا قدمت بلدة كذا فأنت قاضيها إذا أتيت مكة فأنت أمير الموسم، أو قال جعلناك قاضيًا رأس الشهر أو قال جعلتك أمير رأس الشهر فذلك جائز والأصل فيه ما روي أن رسول الله عليه السلام بعث جيشًا وأمر عليه زيد بن حارثة وقال: «إن قتل زيد فجعفر أميركم وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة أميركم».
وأما تعليق الحكومة بين اثنين وإضافتها إلى وقت في المستقبل، ففيه خلاف بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، وسيأتي بيانه في باب التحكيم إن شاء الله تعالى، ويجوز تعليق عزل القاضي بالشرط، إليه أشار في (أدب القاضي) للخصاف في باب ثبوت الخليفة، والمذكور ثمة إذا كتب الخليفة إلى القاضي: إذا وصل كتابي إليك فأنت معزول، فوصل إليه الكتاب انعزل؛ لأن هذا عزل معلق بالشرط، وقد وجد الشرط.
وإذا قلد السلطان رجلًا قضاء يوم يجوز وتأقت في هذا وإذا قيده بالمكان يجوز ويتقيد بذلك المكان أيضًا.
ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في (شرح كتاب الصلح) في باب الحكمين وإنه معقول؛ لأنه أنابه فثبت بقدر ما أنابه وللمقلد في هذا التقليد فائدة؛ لأنه عسى يجوز النائب في موضع آخر، ولا يمكنه الخيانة في ذلك الموضع، وربما يكون أقدر على إحضار الخصوم، وتتقيد الأحكام في ذلك الموضع، فعلى هذا لو قلد القاضي أنابه نائبه بمسجد معين لا يكون للنائب أن يقضي في مسجد آخر، وإذا استقضى الصبي، ثم أدرك ليس له أن يقضي بذلك الأمر. في باب الجمعة من صلاة (المنتقى)، رواه إبراهيم عن محمد رحمه الله. والعبد إذا استقضى ثم أعتق كان له أن يقضي بذلك الأمر.
والفرق أن العبد أهل حقيقة فيصح تقليده إلا أنه لم يجز حكمه لقيام الرق، فإذا زال الرق بالعتق فقد زال المانع من نفاذ حكمه، فنفذ حكمه من غير تقليد جديد ولا كذلك الصبي، وسيأتي فصل العبد بخلاف هذا في فصل التحكيم إن شاء الله تعالى وفي (فتاوى المنتقى): سئل عن سلطان مات، واتفقت الرعية على ابن صغير له جعلوه سلطانًا ما حال القضاء والخطباء وتقليده أيامهم، مع عدم ولايته قال ينبغي أن يكون الاتفاق على والي عظيم فيصير سلطانًا لهم، ويكون السلطان في الحقيقة هو الوالي.
وفي (نوادر هشام): عن محمد رحمه الله في قاضٍ أو والٍ ارتد عن الإسلام والعياذ بالله، أو عمي، أو فسق، ثم مات أو أبصر أو أسلم، فهو على عمله، وهكذا روى داوود بن رشيد عن محمد رحمه الله، وفي رواية هشام زيادة وهي وإن كان قضى بقضاء في حال فسقه، ثم صلح أبطلته، قال هشام: قلت لمحمد: والي من ولاة المسلمين ولى قاضيًا مشركًا يقضي بين المسلمين ثم أسلم، قال: هو قاض على حاله ولا يحتاج إلي توليه ثانية.
وروى هشام عن محمد رحمه الله: النصراني إذا استقضي ثم أسلم لم يجز حكمه.
في (كتاب الأقضية) في باب الحكمين: القاضي إذا ارتد عن الإسلام خرج عن الحكومة، وعن الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمه الله: لا ينبغي أن يستقضي فاسق ولا مرتشٍ، ولا آكل ربا ولا ينبغي أن يستقضى شارب خمر معاود للشرب ولا صاحب مغنيات، ولا يستقضى ذمي من أهل الذمة، ولا تستقضى المرأة على حال فإن كان ما ذكر في حق المرأة جواب الحكم لا جواب الأولوية، فهذه الرواية مخالفة لظاهر الرواية، وستأتي مسألة المرأة بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وإذا أقر السلطان غلامًا من غلمانه على بلده، وأمره نصب القاضي جاز له نصب القاضي بطريق النيابة من السلطان، ويصير نصب الغلام بأمر السلطان كنصب السلطان بنفسه، وإذا قال الخليفة لوالي بلدة (مذكرًا في ما بدت قضاء تقليدكن وعن مئة قلد من شئت صح، ولو قال كسرى قضاء تقليدكن وعرهية قلد أحدًا لا يصح).
وهو نظير الموكل إذا قال للوكيل وكل من شئت صح، ولو قال: وكل أحدًا لا يصح وإذا قال السلطان لأمير من أمرائه فلان ولاية بنود آدم أو قال تراد آدم لا يملك تقلد القضاء لأنه لا يراد بمثل هذا الكلام في المتعارف تفويض الأمور الشرعية، وإنما يراد به تفويض الأمور الحسية وتخليص أموال تلك البلدة من الجنايات وغير ذلك، وإن جعله أميرًا على بلدة وجعل خراجها له فأطلق له التصرف في الشرعية على العموم كما تقتضيه الإمارة، فله أن يقلده وأن يعزل لأنه لما فوض إليه أمور هذه البلدة مطلقًا، أو على الأمور فقد قام مقام السلطان فكان له أن يقلد، وأن يعزل كالسلطان وهاهنا دقيقة مروية عن أبي يوسف رحمه الله تأتي في الفصل الذي يلي هذا الفصل.
وإذا قال السلطان لرجل: جعلتك قاضيًا ولم يعين بلدة وللسلطان بلاد كثيرة لا شك أنه لا يصير قاضيًا على البلاد كلها وهل يصير قاضيًا على البلدة التي هو فيها؟ فقد قيل لا يصير وقيل يصير وهو الأظهر والأشبه.
وإذا اجتمع أهل بلدة على رجل وجعلوه قاضيًا يقضي فيما بينهم لا يصير قاضيًا، ولو اجتمعوا على رجل وعقدوا معه عقد السلطنة أو عقد الخلافة يصر خليفة وسلطانًا.
وإذا قلد السلطان رجلًا قضاء بلدة واستثنى من ذلك خصومة رجل بعينه لو استثنى نوعًا من أنواع الخصوم صح التقليد والاستثناء ولا يصير قاضيًا في المستثنى وهذا لأن التقليد إنابة فإنما يثبت بقدر ما أناب، وعلى هذا إذا قال السلطان للقاضي لا تسمع خصومة فلان حتى أرجع من سفري، لا يجوز للقاضي أن يسمع خصومته قبل رجوع السلطان عن السفر ولو سمع وقضى لا ينفذ قضاؤه، لأنه أخرج خصومة فلان عن ولايته في الانتهاء فيعتبر بما لو أخرجها في الابتداء بالاستثناء، وذلك صحيح فهاهنا كذلك.
السلطان إذا قال لرجل جعلتك قاضيًا فليس له أن يستخلف إلا إذا أذن له بذلك صريحًا، ولو قال له جعلتك قاضي القضاة فله أن يستخلف، وإن لم يأذن له بذلك صريحًا لأن قاضي القضاة هو الذي يتصرف في القضاء عزلًا وتقليدًا.
وكان القاضي الإمام شمس الإسلام الأوزجندي يقول إذا كتب السجل من الحاكم ينبغي أن يكتب فيه خليفة الحاكم، من قبل فلان وفلان مأذون بالاستخلاف بحكم المثال الصحيح من جهة فلان.
إذا قال السلطان لرجل جعلتك نائبي في القضاء بشرط أن لا ترتشي ولا تشرب الخمر ولا تميل أمر أحد على خلاف الشرع فالتقليد صحيح والشرط صحيح، وإذا فعل شيئًا من ذلك لا يبقى قاضيًا لأن تقدير هذا الكلام أنت نائبي ما دمت لا تشرب ولا ترتشي ولا تميل أمر أحد على مخالفة الشرع، فهذا تقليد مؤقت معنى، ومثل هذا التقليد صحيح، فإذا وجد الوقت ينتهي التقليد.
السلطان إذا قال: قلدت قضاء بلدة كذا زيدًا، أو عمروًا لا يصح؛ لأن هذا تقليد للمجهول المرأة فيما تصلح شاهدة تصلح قاضية، لأن القضاء من باب الولاء كالشهادة ذكره الخصاف في (أدب القاضي) في باب القاضي يستخلف رجلًا وما يجوز له من ذلك.
إذا وقع القضاء، في حادثة بحق، فأمر السلطان القاضي أن يسمع تلك الحادثة ثانيًا بحضرة فلان لا يفترض على القاضي ذلك، لأنه لا فائدة فيه.
أهل البغي إذا غلبوا على بلاد أهل العدل، فالقضاة قضاة على حالهم ما لم يعزلهم الباغي، فإذا عزلوهم خرجوا عن القضاء حتى لو انهزم البغاة بعد ذلك، لا ينفذ قضاؤهم ما لم يقلدهم سلطان أهل العدل ثانيًا، لأن الباغي صار سلطانًا بحكم القهر ألا ترى أن تقلد القضاء منه يجوز، فيصح العزل منه.
السلطان إذا قلد رجلًا قضاء بلدة لها قاض، ولم يعزل الأول صريحًا، إن قيل ينعزل الأول فله وجه؛ لأن تقليد قاضيين في مصر واحد غير معتاد، فيضمن تقليد الثاني عزل الأول، فإن قيل لا ينعزل الأول، فله وجه وهو الأظهر والأشبه؛ لأنه لا تنافي بينهما.
ألا ترى أن السلطان من الابتداء لو قلد رجلين قضاء بلدة يجوز وللسلطان أن يعزل القاضي، ويستبدل مكانه آخر لرتبة، ولغير رتبة؛ لأن للسلطان ولاية عامة، فيملك التقليد والصرف في أي زمان أراد، وقد صح عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: لا يترك القاضي على القضاء أكثر من سنة؛ لأنه لا يتفرغ للتعليم والتعلم حال اشتغاله بالقضاء، فنسى العلم.
السلطان إذا عزل قاضيًا لا ينعزل ما لم يصل إليه الخبر حتى لو قضى بقضايا بعد العزل قبل وصول الخبر إليه، جازت قضاياه، وهو نظير الوكيل إذا عزل لا ينعزل قبل وصول الخبر إليه.
وعن أبي يوسف رحمه الله، أنه لا ينعزل، وإن لم يعزله حتى يقلد غيره مكانه، ويقدم صبيانه لحق العباد، واعتبره بإمام الجمعة إذا عزل، وهذا إذا حصل العزل مطلقًا، فأما إذا حصل العزل مطلقًا بشرط وصول الكتاب إليه لا ينعزل ما لم يصل إليه الكتاب، علم بالعزل قبل وصول الكتاب إليه، أو لم يعلم، ورواية أبي يوسف ستأتي ها هنا، وإذا مات الخليفة وله قضاة وأمراء وولاة، فهم على حالهم قضاة وأمراء وولاة، رواه هشام وداود بن رشيد عن محمد، وليس هذا كالوكالة.
إذا عزل السلطان القاضي انعزل نائبه بخلاف ما إذا مات القاضي حيث لا ينعزل صاحبه، هكذا قيل، وينبغي أن لا ينعزل النائب بعزل القاضي؛ لأنه نائب السلطان، أو نائب العامة، ألا ترى أنه لا ينعزل بموت الخليفة، وعليه كثير من المشايخ، وإذا عزل السلطان نائب القاضي لا يعزل القاضي.

.الفصل السادس: فيه بعض التقليد وما يقع لمقاضي نفسه وحكم الأمراء:

قال أبو حنيفة رحمه الله إذا غلب الخوارج على بلدة، واستقضوا عليها قاضيًا من أهل البلدة ليس من الخوارج، ثم غلب عليهم أهل العدل يمضي قاضي أهل العدل من قضاياه، كل ما تخالف فيه الفقهاء، قال محمد رحمه الله: ولا يجوز قضاء أهل الخوارج، وشهادتهم علل وقال لأنهم إذا اخرجوا فقد استحلوا دماءنا وأموالنا.
وفي (أدب القاضي) للخصاف: إذا كان القاضي من أهل البغي لا تنفذ قضاياه، وأشار في كتاب الأقضية إلى أنه تنفذ قضاياه، فإنه قال: هو بمنزلة فساق أهل العدل، وقد ذكرنا أن الفاسق يصلح قاضيًا على أصح الأقاويل، وفي (واقعات الناطفي) الإمام إذا لم يكن عادلًا فأحكامه جائزة، فإن كثيرًا من العلماء تقلدوا الأعمال والقضاء من معاوية مع أنه كان جائرًا وكان في الصحابة من هو أفضل منه.
وفي (فتاوى أهل سمرقند)،: إذا كان الأمير الذي يولى القضاء جائرًا لم يجز حكمه ويجوز حكم قضاته وسيأتي عن أبي يوسف رحمه الله ما يؤكد هذا القول، والصواب ما ذكر في (واقعات الناطقي) أن حكم الإمام جائز، وإن كان جائرًا السلطان إذا قضى بين اثنين.
ذكر في (شهادات فتاوى أبي الليث) رحمه الله: قول بعض المشايخ: أنه لا يجوز، وذكر الخصاف في (أدب القاضي) أنه يجوز، ومسألة الواقعات التي مرت تشهد لقول الخصاف، والصحيح ما ذكر الخصاف، لأن القاضي استفاد الولاية من جهة السلطان وتقلد القضاء منه، فمن المحال أن ينفذ من القاضي ولا ينفذ من السلطان.
وفي (المنتقى) عن أبي يوسف: الأمير إذا كان يولى القضاء من قبله، فيقضي ذلك الأمير، أو كتب إلى القاضي فهو جائز إذا كان عدلًا، وإذا كان جائرًا فلا، فهذه الرواية عن أبي يوسف رحمه الله تؤكد ما ذكر الخصاف من نفاذ قضاء الأمير، ويؤكد ما ذكر في (فتاوى أهل سمرقند) من عدم جواز حكم الأمير إذا كان جائرًا، وإذا كان القاضي من قبل الخليفة لا من قبل الأمير، فليس للأمير أن يقضي، ولو قضى لا ينفذ قضاؤه.
قال هشام رحمه الله سمعت أبا يوسف رحمه الله يقول: إذا كان القاضي من الأصل يعني من الخليفة ثم مات، فليس للأمير أن يولي قاضيًا، وإن كان أمير عشرها وخراجها؛ لأنه قد عزل عنه الحكم، حيث كان القاضي من الأصل، وإن حكم هذا الأمير لم يجز حكمه وكذلك إن ولي هذا الأمير قاضيًا من قبله لم يجز حكمه، وإن جاء هذا القاضي الذي ولاه هذا الأمير كتاب الخليفة إليه من الأصل لا يكون ذلك إمضاء للقضاء، وإذا كان للقاضي خصومة على إنسان، أو كان لغيره عليه خصومة، فترافعا إلى خليفة هذا القاضي، فقضى للقاضي أو عليه، اختلف المشايخ فيه.
قال بعضهم: لا يجوز، وقال بعضهم: يجوز، وجه هذا القول أن خليفة القاضي ليس بنائب عن القاضي، ليصير حكم الخليفة كحكم القاضي بل هو نائب عن الله، أو عن جماعة المسلمين، ألا ترى أنه لا ينعزل بموت القاضي؟ فيجوز حكمه له وعليه.
وقد صح أن عليًا رضى الله عنه قلد شريحًا رضى الله عنه، وخاصم عنده في حادثة، وذكر الخصاف في (أدب القاضي) لو أن قاضيًا قضى للإمام الذي ولاه بقضية، أو قضى عليه جائز ذلك، وكذلك لو قضى لولد الإمام أو والده أو زوجته، وكذلك قاضي القضاء لو خوصم إلى قاضي ولاه، فقضى له أو عليه جاز، وكذلك لو أن الإمام ولى قاضيًا على مثل خراسان والمروان، فولى قضاة على الكور، ففعل ثم خاصم القاضي إلى بعض من ولاه فقضاؤه جائز له وعليه، وسيأتي في الفصل الذي يلي هذا الفصل ما يؤكد هذا القول.
والذي يشهد للقول الأول ما ذكر هشام في (نوادره) قال سألت محمدًا رحمه الله عن قاض وجب له الشفعة قبل رجل فلم يعطها إياه، وجحد، والوالي الذي في بلاده ليس بمن يولي القضاء، كيف يصنع؟ قال: ينبغي للوالي أن يقول لهما: اختارا رجلًا يحكم بينكما، قلت: فإن أبى الرجل ذلك أجبره عليه قال: نعم، فقد أشار محمد رحمه الله إلى التحكيم في هذه الصورة، ولو صار حكم الخليفة للقاضي لا حاجة إلى التحكيم.
قال هشام: سألته عن قاضي البلدة إذا مات وواليها ممن لا يولى القضاء أيجبر الخصوم على رجل يحكم بينهم؟ قال: أما كل شيء يحتاج فيه إلى أن يرجع المقضي عليه إلى آخر فلا يجوز، ولا يجبر عليه، وأما ما كان من قرض، أو غصب يجبر عليه.
وفي (المنتقى): إذا خاصم ابن القاضي غيره إليه، أو خاصم غيره ابنه إليه ينظر فيه، فإن توجه القضاء على ابنه يقضي على ابنه، وإن توجه لابنه تركهما، ويقول لهما: اختصما إلى غيري.

.الفصل السابع: في جلوس القاضي ومكان جلوسه:

قال الخصاف رحمه الله في (أدب القاضي) قال أبو حنيفة: وينبغي للقاضي أن يجلس للحكم في المسجد الجامع وبين المعنى، فقال: لأنه أشهر المجالس، ومعناه أنه في المصر الغرباء وأهل البلدة، فينبغي أن يختار للجلوس موضعًا هو أشهر المواضع، حتى لا يخفى على أحد مجلسه، والمسجد الجامع في كل موضع أشهر المواضع، قال الشيخ الإمام فخر الإسلام علي البزدوي رحمه الله: هذا إذا كان المسجد الجامع في وسط البلدة؛ كيلا يلحق بعض الخصوم زيادة مشقة بالذهاب إلى طرف البلدة، وإن جلس في مسجد حيه فلا بأس به، هكذا روي عن بعض السلف أنهم يجلسون في مسجد حيهم.
وكذلك إن جلس في بيته لا بأس به، قال فخر الإسلام: هذا إذا كان مسجد حيه أو بيته في وسط البلدة، ويختار مسجد السوق؛ لأنه أشهر، قال الخصاف في (أدب القاضي): أيضًا وإذا دخل المسجد لا بأس بأن يسلم على الخصوم فقد صح أن شريحًا رضي الله عنه كان يسلم على الخصوم وهذا، لأن السلام سنة متبعة، والقاضي بسبب قضائه لا يمتنع عن سائر السنن كصلاة الجنازة، وعيادة المريض، فكذا عن هذه السنة، والمراد من السلام المذكور التسليم العام، ولا ينبغي له أن يسلم على أحد الخصمين؛ لأن الذي سلم عليه القاضي قد يجترئ على صاحبه فيطمع الجور في القاضي.
واختلف المشايخ في التسليم العام، ذكر الخصاف رحمه الله أنه لا بأس به وبعض مشايخنا قالوا عليه أن يسلم؛ لأن السلام سنة متبعة، ولا يجوز ترك السنة لأجل العلم، وهذا القائل يقول: إن الأمير والوالي إذا دخل المسجد، فالأولى أن لا يسلم لما قلنا، وإذا دخل المسجد، وجلس ناحية منه لفصل الخصومة، لا ينبغي له أن يسلم على الخصوم، ولا ينبغي للخصوم أن يسلم عليه أما لا ينبغي له أن يسلم، لأنه إنما جلس لفصل الخصومة فينبغي أن يشتغل بما جلس له لا بغيره، ولأن القاضي جالس، والسنة في السلام أن يسلم القائم على الجالس، والماشي على القائم، والراكب على الماشي، وأما لا ينبغي للقوم أن يسلموا عليه لأن السلام تحية الزائرين، والخصوم ما تقدموا إليه لأجل الزيارة، إنما تقدموا إليه لأجل الخصومة، هكذا ذكر الخصاف في (أدب القاضي).
وبعض مشايخنا يقيسون الأمراء والولاة على القضاة، فقالوا: هم لا يسلمون على الرعية، والرعية لا يسلمون عليهم، قال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي: والصحيح هو الفرق بين القضاة والأمراء والولاة، والرعية يسلمون على الأمراء والولاة، والخصوم لا يسلمون على القضاة، والفرق وهو أن القاضي ما جلس للزيارة، والخصوم ما تقدموا إليه لأجل الزيارة والسلام تحية الزائرين فلا يسلمون عليه لهذا، وأما الأمراء والولاة يجلسون للزيارة لا لفصل الخصومات، والناس يدخلون عليهم لأجل الزيارة، فيسلمون عليهم لما ذكرنا أن السلام تحية الزائرين، فعلى قول هذا لو جلس الأمير لفصل الخصومة لا يسلمون عليه، ولو جلس القاضي لزيارة الناس يسلمون عليه، ولو سلم الخصوم على القاضي بعد ما جلس ناحية من المسجد لفصل الخصومات، فلا بأس بأن يرد عليهم السلام، هكذا ذكر الخصاف، وهذا إشارة إلى أنه لا يجب عليه رد السلام، وهذا لأن الرد جواب السلام، والسلام إنما يستحق الجواب إذا كان في أوانه، أما إذا كان في غير أوانه فلا.
ألا ترى أن من سلم على المصلي لا يستحق الجواب، وإنما لا يستحق لما قلنا حكي عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد الفضل البخاري رحمه الله أنه كان يقول: من جلس لنفع تلامذته فدخل عليه داخل وسلم، وسعه أن لا يرد، لأنه إنما جلس للتعليم لا لرد السلام فلا يكون السلام في أوانه، وإذا جلس القاضي لفصل الخصومات ينبغي أن يقيم بين يديه رجلًا يمنع الناس عن التقدم بين يديه في غير وقتها، ويمنعهم عن إساءة الأدب، ويقال له صاحب المجلس، وله أسامي الشرطي، والعريف، والحلوان.
وينبغي أن يكون معه سوط؛ لأنه يحتاج إلى تأديب السفهاء، والتأديب عادة يكون بالسوط، وقد كان لرسول الله عليه السلام قضيب يأخذ بيده، وكان ذلك القضيب معه إلى أن توفي عليه السلام، ثم صار القضيب في يد أبي بكر رضي الله عنه، ثم صار في زمن عمر رضي الله عنه الدرة، ثم صار بعده السياط.
وينبغي أن يكون أمينًا لأن مجلس القاضي بحضرة النسوان، فيؤدي إلى الفتنة لو لم يكن أمينًا، وينبغي أن لا يكون طماعًا حتى لا يرتشي، فلا يميل إلى بعض الخصوم، ولا يترك إذا أساء الأدب.
وإذا جلس الخصمان بين يدي القاضي، ورأى القاضي أن يأمر صاحب المجلس ليقوم معدتيه حتى لا يعرف ما يدور بين الخصمين وبين القاضي، ولا يعلم به أحد الخصمين ولا يلق شيئًا فعل ذلك، وإن كان ثقة مأمونًا، فتركه بقرب منه، فلا بأس والقاضي أن القاضي يعمل ما فيه النظر والاحتياط في أمور الناس، ولا ينبغي لهذا الرجل أن يسار لأحد الخصمين، لأنه ربما يتهم الخصم الآخر أنه واضعه على شيء، فيجر بذلك تهمة إلى القاضي، وينبغي للقاضي إذا تقدم إليه الخصمان أن يسوي بينهما في النظر، والمجلس فيجلسهما بين يديه، لأن القاضي مأمور بالعدل والإنصاف بين الخصوم وعين العدل التسوية بينهما في المجلس إذا أجلسهما بين يديه، لأنه إذا لم يجلسهما بين يديه أما إن أجلسهما من جانب واحد وفيه تفويت التسوية، لأن أحدهما يكون أقرب إلى القاضي، وأما إن أجلس أحدهما من جانب، والآخر من جانب وفيه تفويت التسوية أيضًا؛ لأن لليمين فضلًا على الشمال.
وفي (النوازل): رجل خاصم السلطان إلى القاضي، فجلس السلطان مع القاضي في مجلسه، والخصم على الأرض ينبغي للقاضي أن يقوم من مكانه، ويجلس خصم السلطان فيه، ويقعد على الأرض، ثم يقضي بينهما حتى لا يكون مفضلًا أحد الخصمين على الآخر، وهذه المسألة دليل على أن القاضي إذا وقع له خصومة، أو عليه لا بأس أن يحكم فيه خليفته، وقد صح أن يهوديًا ادعى على الرشيد دعوى في زمن أبي يوسف بين يدي أبي يوسف، وقد سمع أبو يوسف رحمه الله خصومتهما، وقضى على الرشيد، وإنه دليل على دليل القول أيضًا.
وحكي عن الشيخ الإمام ظهير الدين المرغيناني رحمه الله أنه كان يقول: إذا وقع الدعوى بين الرجل وابنه ينبغي أن يسوي بينهما في المجلس، لأن الدليل الموجب للتسوية لا يوجب الفضل بين خصم وخصم، وينبغي للخصمين أن يجثوا بين يدي القاضي، أو صاحب مجلسه تعظيمًا للحكم، كما يجلس المتعلم بين يدي المعلم تعظيمًا للمعلم.
وينبغي للقاضي أن يسوي بينهما في النظر، ولا ينظر إلى أحدهما دون الآخر؛ لأن نظره إلى أحدهما إن كان نظر شفقة ورأفة، فقد مر تهمة الميل إلى نفسه، وإن كان نظر هيبة ينكر، قلت: المنظر فعسى يذهب ويترك حقه، فيكون القاضي هو المضيع لحقه، وكذلك لا ينبغي له أن يرفع صوته على أحدهما؛ لأنه ينكسر قلب الذي رفع صوته عليه، لأنه يجر به تهمة الميل إلى خصم الآخر، وكذلك لا ينبغي له أن يطلق بوجهه إلى أحدهما في شيء من المنطق ما لا يفعل ما لآخر مثله لما ذكرنا.
وكذلك لا ينبغي له أن يسأل على أحدهما، ويلقنه حجته، لأنه مكسرة لقلب الخصم الآخر، وسببًا لتهمة الميل.
والحاصل: أن القاضي مأمور بالتسوية فيما يقدر على التسوية وفيما في وسعه، وكل شيء يقدر على التسوية بينهما فيه لا يعذر تركها فيه، وما لا يقدر على التسوية فيه لا يؤاخذ بترك التسوية فيه، وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسوي في القسم بين نسائه وكان يقول: «هذه قسمتي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك» يعني: بميل القلب إلى عائشة رضى الله عنها.
قال صاحب (الأقضية): وينبغي أن يكون جلوسهما بين يدي القاضي على قدر ذراعين، أو نحو ذلك بحيث يسمع كلامهما من غير أن يرفع أصواتهما، وهذا لأن القاضي لا يمكن من القضاء بحق على الوجه الذي أمر إلا بعد سماع كلامهما، والخصوم نهوا عن رفع الصوت بين يدي القاضي لما فيه من إسقاط حشمته، فقدرنا موضع جلوسهما بما قدرنا ليتمكن القاضي من القضاء على الوجه الذي أمر من غير أن يكون إسقاط حشمته وهيبته.
وينبغي للقاضي إذا جلس في المسجد أن يسند ظهره إلى المحراب، وكان الرسم في زمن الخصاف وغيره أن يجلس مستقبلًا القبلة بوجهه، ورسم زماننا أحسن؛ لأن القاضي إذا جلس مستقبل القبلة كان القوم والخصوم بين يده مستدبرة في القبلة، وإذا أسند القاضي ظهره إلى المحراب كان الخصوم والقوم بين يديه مستقبل القبلة، ويقف أعوان للقاضي بين يدي القاضي ليكون أهيب في أعين الناس، ويجب أن يكون قيامهم بعيد من القاضي حتى لا يسمعوا ما يدور بين القاضي وبين من تقدم إليه من الخصوم، ولا يعرفون رأي القاضي في بعض ما يقع لهم من المسائل، ولا يحتالون لإبطاله ويجلس كاتبه ناحية منه بحيث يراه حتى إذا احتاج إليه كان قادرًا عليه ولأنه إذا كان يراه لا يخشى منه الزيادة والنقصان في الكتابة.
قال الخصاف في (أدب القاضي): وإذا جلس القاضي للقضاء فلا بأس بأن يجلس مع نفسه من يثق بدينه، وأمانته وفقهه في مجلس الحكم قريبًا منه، بحيث يسمعون كلامه وكلام من يحضره من الخصوم.
قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني: ينبغي للقاضي أن ينظر لنفسه وإن كان رأى رجلًا حييًا، ورأى جلوسه بانفراده أحسن لنفسه لا يجلس مع غيره؛ لأن الرجل إذا كان حييًّا ربما يحتشم ممن معه فينقطع، ويعجز عن أدراك الصواب، ولا يتبين له الحق لحيائه وحشمته ممن معه، وإذا كان معه يكون مجتمع الرأي يدرك الصواب، ولا يغيب عنه الصواب فإذا كان هكذا فالأصل أن لا يجلس معه غيره، وإن كان جريء القلب غريم الصواب والنصرة، فلا بأس بأن يجلس معه قومًا من أهل العلم والرأي والتدبير لمنافع.
أحدها: أن يكون أعظم لأمر القضاء وأهيب في أعين الناظرين.
والثاني: أنه إذا اشتبه إليه شيء يشاورهم وإذا أشكل عليه شيء سألهم.
والثالث: أنه إذا ضل يرشدونه وإذا زل ينبهونه، وقد جاء على هذا أثار من الصحابة والتابعين، ثم شرط الخصاف في الذي جلس مع القاضي الأمانة والديانة والفقه، أما اشتراط الأمانة، والديانة؛ فلأن مجلس القضاء يحضره الشبان من النسوان فلو لم يكن أمينًا متدينًا ربما يمكن فيه فساد، وأما الفقه فلأن المقصود من إجلاس غيره معه المشورة وإصابة الحق واستخراج الحكم، وإنما يحصل من الفقيه لا من غيره.
قال الخصاف: ولا ينبغي للقاضي أن يشاورهم بمحضر من الخصوم، حتى لا يقع في قلب من كان جاهلًا أن القاضي لا يدري ويسأل عن غيره فيذهب حرمته وماء وجهه، ثم إذا تقدم إليه الخصمان سأل المدعي دعواه هكذا ذكر الخصاف وصاحب كتاب (الأقضية) أبو جعفر رحمه الله.
وهذا فصل اختلف فيه المشايخ بعضهم قالوا: ليس للقاضي أن يسأل المدعي عن دعواه، لأن فيه تهيج الخصومة، والقاضي نصب لقطع الخصومة لا لتهييجها، ولكن يسكت ويستمع ما ادعاه المدعي، وبعضهم قالوا يسأل وبه أخذ الخصاف، وصاحب كتاب (الأقضية)، وهذا لأن مجلس القضاء مجلس هيبة وحشمة، فمن لم ير مثل هذا المجلس يتحير وعسى يعجز عن بيان دعواه، فينبغي للقاضي أن يسأل ولو نسبه لكلامه حتى يقدر على بيان دعواه، وهكذا ذكر في (محاضر ابن سماعة) وهكذا ذكر في (المنتقى).
وروي عن محمد رحمه الله: إن القاضي بالخيار إن شاء سأل وإن شاء سكت، وذكر الشيخ الإمام فخر الإسلام علي البزدوي رحمه الله أن على قول أبي يوسف رحمه الله القاضي يسأل، وعلى قول محمد رحمه الله لا يسأل بل يسكت، ثم إذا سأله أو لم يسأله ولكن ادعى بنفسه سأل القاضي المدعى عليه عن دعوى المدعي في صحيفة وينظر فيه، أصحيح هو أو فاسد؟ فإن كان فاسدًا لا تقبل على المدعى عليه؛ لأن الدعوى إذا لم تكن صحيحة لا يتوجه الجواب على المدعى عليه، ولكن يقول للمدعي قم فصحح دعواك هكذا ذكر الخصاف في موضع من (أدب القاضي).
وذكر في موضع آخر أن القاضي لا يقول له ذلك، وبه أخذ بعض مشايخنا رحمهم الله، لأن هذا من القاضي تلقين، ولكن يقول له: دعواك هذه فاسدة، فلا يلزمني سماعها وهذا ليس تلقين بل هو فتوى بالفساد، وإنما يقول له: إن دعواك فاسدة؛ لأنه لو لم يقل له ذلك ربما يتهمه المدعي بالميل إلى خصمه حيث لم يقبل عليه، ولم يسأل الجواب فيبين ذلك، ليعلم المدعي أنه إنما لم يسأله؛ لأن السؤال لم يكن مستحقًا عليه، وإن كانت دعواه صحيحة فالقاضي يسأل المدعي عليه ويقول له: إن خصمك ادعى عليك كذا أو كذا فماذا تقول هكذا ذكر الخصاف، وصاحب كتاب (الأقضية).
وفيه اختلاف المشايخ على نحو ما ذكرنا في جانب المدعي فإن عند بعض المشايخ لا يسأله القاضي الجواب، حتى لا يكون تلقينا، ولكن ينظر إليه ليأتي بالجواب ثم إذا سمع جواب المدعى عليه كتب جوابه في قرطاس، أو أمر الكاتب أن يكتب ذلك بين يديه: بسم الله الرحمن الرحيم حضر القاضي فلان بن فلان يوم كذا بكذا ليلة خلت من شهر كذا من سنة كذا فأما الكتابة ليقع الأمن عن الزيادة والنقصان في جواب المدعى عليه، فيمكن الرجوع إليه عند مساس الحاجة، ولأجل ذلك قال: يكتب الكاتب بين يدي القاضي حتى يقع الأمن عن الزيادة والنقصان من الكاتب وأما كتابة التاريخ فلأن المدعي عليه، ربما يأتي بالدفع والحكم فيه يختلف، بينما قبل الدعوى، وبينما بعد الدعوى.
ثم إن كان القاضي يعرف المدعى عليه والمدعي أثبتهما في رقعه معروفة، وكتب حضر فلان وأحضر معه فلانًا وإن لم يعرفهما أرسل الكتابة إرسالًا وكتب حضر رجل ذكر أنه فلان بن فلان، ينسبه إلى أبيه وجده أو إلى مواليه فكتب ذكر أنه مولى فلان بن فلان فإن كان له تجارة أو صناعة يعرف بها ينسبه إليها زيادة في التعريف، وكذلك بحملة زيادة في التعريف ولكن يحليه بما يره لا بما يشبه، وأحضر رجلًا ذكر أنه فلان على نحو ما بينا في جانب المدعي ثم يكتب فادعى فلان بن فلان يعني المدعي، ثم يكتب فادعى فلان بن فلان يعني المدعي الذي حضر على فلان بن فلان يعني المدعى عليه، الذي أحضره معه كذا وكذا يكتب دعواه من غير زيادة ونقصان، ثم يكتب، فسأل القاضي المدعي عليه فلان بن فلان عما ادعي عليه فلان بن فلان من الدعوى الموصوفة في هذا الكتاب، فإن كان قد أقر به كتب إقراره، وإن كان قد جحد يكتب جحوده، ليعلم بعد ذلك أنه هل ينبغي له أن يسمع البينة عليه أم لا، وينبغي أن يكتب الجحود بلفظه، ولا يحوله إلى لسان العربية إلا إذا أمكنه أن يحوله من غير زيادة ونقصان، ومن غير أن يدخل فيه كلمة مبهمة مشتركة، فإن الجحود يختلف حكمه باختلاف أنواعه.
فإن في الوديعة لو جحد الإيداع أصلًا ثم ادعى الرد أو الهلاك لا تسمع دعواه، ولو قال: ليس علي تسليم ما ادعيت ولا قيمتها ثم ادعى الرد أو الهلاك لا تسمع دعواه، فكتب عبارته بلسانه من غير زيادة ونقصان حتى يبني عليه حكمه، وهذا الذي ذكرنا رسم قضاة ديار الخصاف، وصاحب كتاب (الأقضية)، وعرف زماهما والقضاة في زماننا على رسم أحسن من هذا، فإن المدعي في زماننا ما في كاتب باب القاضي حتى يكتب دعواه في بياض، وكتب حضر القاضي يكتب اسم القاضي الذي ترفع إليه الحادثة، ويترك موضع التاريخ، ثم يكتب اسم المدعي، ونسبه ويكتب اسم المدعى عليه ونسبه ويكتب دعواه بشرائطه، ثم يترك موضع الجواب، فإذا جلس المدعي ووكيله للخصومة يدعى وكيله من ذلك الكتاب، ويسأل القاضي المدعى عليه الجواب عن دعواه، فإذا أجابه بالإقرار أو بالإنكار دفع البياض إلى القاضي حتى يكتب التاريخ في أوله والجواب في آخره، بعبارة المدعى عليه، ثم إن كان الجواب بالإقرار أمره القاضي بالخروج عن عهده بالقرينة، وإن كان بالجحود فالقاضي يقول للمدعي: إن خصمك قد جحد دعواك فماذا تريد؟.
هكذا ذكر الخصاف، وصاحب كتاب (الأقضية)، وهو اختيار بعض المشايخ وإنه على الاختلاف، فإن قال المدعي: حَلِّفه فالقاضي يقول للمدعي: ألك بينة على ما هو رأي الخصاف وصاحب كتاب الأقضية، وهو قول بعض المشايخ فإن قال: لا حلف القاضي المدعي عليه، وإن قال نعم لي بينة فالقاضي يأمر بإحضارها، ويكتب أسماء الشهود وأنسابهم وحلاهم ومحالهم، أو يأمر الكاتب حتى يكتب ذلك فإذا أحضر المدعي شهوده يكتب الكاتب لفظ شهادتهم من غير زيادة ونقصان، فإذا جلس الشهود بين يدي القاضي، وجاء أوان الشهادة أخذ للقاضي البياض، وسألهم عن شهادتهم، وإن كتب القاضي لفظ شهادتهم بنفسه فهو أوثق وأحوط، ثم يقلد القاضي لفظ شهادتهم بالدعوى فإن كانت موافقة للدعوى، وعرف القاضي الشهود بالعدالة يقول للمدعي عليه هل لك دفع؟ فإن قال نعم ولكن أمهلني حتى آتي به أمهله.
وإن قال: لا وجه عليه القضاء، وإن لم يعرف القاضي إياهم بالعدالة يتوقف وإن قال المدعي لي بينه حاضرة إلا أني أطلب يمين المدعى عليه، إن قال حاضر في المجلس فالقاضي لا يجيبه ولا يحلف المدعى عليه بالإجماع كذا ذكره القدوري رحمه الله في (شرحه)، وإن قال حاضره في بلدته، فالقاضي لا يجيبه ولا يحلف المدعى عليه، في قول أبي حنيفة رحمه الله، وقال أبو يوسف رحمه الله: يجيبه وقول محمد مضطرب ذكره القدوري رحمه الله مع قول أبي حنيفة رحمه الله، وذكره الخصاف مع قول أبي يوسف، وذكر الشيخ الإمام فخر الإسلام علي البزدوي رحمه الله أن القاضي يحلفه في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف ومحمد لا يحلفه.
وجه من قال يجيبه، أن المدعي عسى يقدر عليه الوصول إلى حقه بالبينة بأن لا يعدل شهوده، فيجيبه إلى طلب التحليف حتى لا يصير معرضًا لحقه على الهوى والتلف.
وجه قول من قال: لا يجيبه أن القياس يأبى استحقاق اليمين على المدعى عليه، لأنها تستحق بمجرد الدعوى، ومجرد الدعوى لا يصلح سببًا للاستحقاق لكن عرفنا الاستحقاق قريبًا على البينة في قصة الخضري والكندي فيبقى الاستحقاق لا بهذه الصفة، على أصل القياس وإذا كانت المسألة مختلفة، فإن كان القاضي لا يرى استحلافه لا يحلفه، وإن كان يرى استحلافه يحلفه وإذا حلفه، وحلف وطلب من القاضي أن يعطيه رقعة أن فلانًا ادعى على فلان كذا وحلفه وحلف حتى لا يقدمه إلى هذا القاضي ثانيًا، أو إلى قاض آخر، فيحلفه مرة أخرى، أعطاه نظرًا له والقاضي بالخيار إن شاء كتب ذلك في رقعة على حدة وإن شاء كتب ذلك في البياض الذي كتب فيه الدعوى والإنكار، وكتب فيه التاريخ وأعطاه.
ثم الدعوى لا تخلو أما أن تقع في العين، أو في الدين فإن وقع الدين والمدعى مكيل، فإنما يصح الدعوى إذا ذكر المدعي جنسه أي أنه حنطة أو شعير، ويذكر نوعه أنه صيفي أو بري، أو خريفي أو ربيعي، وصفته أنه وسط أو جيد أو رديء، ويذكر الحمراء أو البيضاء في الحنطة، ويذكر قدره فيقول: كذا قفيزًا؛ لأن الحنطة تكال بالقفيز ويذكر بقفيز، كذا لأن القفيزات تتفاوت في ذاتها، ويذكر سبب الوجوب لأن أحكام الديون تختلف باختلاف أسبابها، فإنه إذا كان بسبب السلم لا يجوز الاستبدال به، ويحتاج إلى بيان مكان الإيفاء فيه، ليقع التحرر عن موضع الخلاف.
وإن كان من ثمن بيع جاز الاستبدال به، وبيان مكان الإيفاء فيه، ليس بشرط، وإن كان من قرض لا يجوز التأجيل فيه بمعنى أنه لا يلزم، ويذكر في السلم شرائط صحته من أعلام جنس رأس المال ووزنه، إن كان وزنيًا وإيفائه في المجلس حتى يصح عند أبي حنيفة رحمه الله وتأجيل المسلم فيه شهرًا، أو أكثر حتى يخرج عن حد الاختلاف، وكذا ما سوى ذلك من شرائط السلم، على ما عرف في البيوع.
ويذكر في القرض القبض وصرف المستقرض إلى حاجته، لأن عند أبي حنيفة رحمه الله لا يصير دينًا عليه إلا بالاستهلاك، وينبغي أن يذكر في دعوى القرض أيضًا أنه أقرضه كذا من مال نفسه، لجواز أن يكون وكيلًا في الإقراض، والوكيل في الإقراض سفير ومعبّر، ولا يكون له حق الأخذ، ولا حق المطالبة بالأداء، وكذلك في كل سبب من الأسباب يذكر شرائط أيضًا لأن كل أحد لا يهتدي إلى العقد شرائط.
العقد فينبغي أن يبين ذلك للقاضي حتى يتأمل فيه القاضي إن وجده صحيحًا عمل به وإلا رده، وإن كان المدعي به وزنيًا يذكر جنسه، فإن كان ذهبًا وكان مضروبًا، ويذكر كذا دينارًا، ويذكر نوعه أنه نيسابوري الضرب أو بخاري الضرب، أو ما أشبه ذلك، ولم يذكر صفته أنه جيد أوردئ أو وسط، وإذا ذكر البخاري والنيسابوري لا يحتاج إلى ذكر الأحمر، لأن البخاري أو النيسابوري لا يكون إلا حمراء، ولابد من ذكر الجيد، عليه عامة المشايخ.
وفي (فتاوي النسفي): إذا ذكر أحمر خالص كفى ولا يحتاج إلى ذكر الجيد، ولابد أنه يبين أن من ضرب أي والي عند بعض المشايخ؛ لأن في مضروب الولاة تفاوتًا، وبعضهم لم يشترطوا ذلك، وأنه أوسع، ويذكر المثقال مع ذلك، فإن الدنانير توزن بالمثقال، ويذكر نوع المثقال؛ لأن مثاقيل البلدان مختلفة، وإن لم يذكر مضروبًا لا يذكر كذا دينارًا بل يذكر مثقالًا، فإن كان خالصًا من الغش تذكر كذلك، وإن كان فيه غش ذكر ذلك أيضًا نحو والده نوصي أوده متى والده شتى، أو ما أشبه ذلك.
فإن كان المدعي به نقرة، وكان مضروبًا ذكر نوعها وهو ما يضاف إليه، وصفتها أنها جيد أو وسط أو رديئة، وكذا ذكر قدرها كذا درهمًا وزن سبعة؛ لأن وزن الدراهم مختلف باختلاف البلدان، والذي في ديارنا وزن سبعة، وهو الذي كل عشرة منها يزن سبعة مثاقيل، وإن كانت فضة غير مضروبة ذكر فضة خالصة من الغش، إن كانت خالية من الغش، ويذكر نوعها نقرة كليخة أو نقرة طمغاجي، ويذكر صفتها أنها جيدة أو وسط أورديء، ويذكر قدرها كذا كذا درهمًا، وقيل: إذا ذكر كذا كذا طمغاجي كفى، ولا يحتاج إلى ذكر الجيد، وإن كان المدعي به دراهم مضروبة والغش فيها غالب فإن كان يعامل بها وزنًا يذكر نوعها وصفتها ومقدار وزنها، وإن كان يعامل بها عددًا، ومنها أشياء أخر تأتي في كتاب (الدعوى) إن شاء الله.
وإن كان الدعوى في العين، فإن كان المدعى به منقولًا وهو هالك، ففي الحقيقة الدعوى في الدين وهو القيمة فيشترط بيان القدر والصفة والنوع والجنس على ما بينا.
وإن كان قائمًا فإن كان بحال يمكن إحضار مجلس الحكم، فلابد من الإحضار مجلس الحكم، ولابد من الإشارة إليه في الدعوى والشهادة، وستأتي المسألة مع فروعها في كتاب الدعوى إن شاء الله.
وإن وقع الدعوى في عين غائب لا يعرف مكانه بأن ادعى رجل على رجل أنه غصب منه ثوبًا، أو صار به لا يدري أنه قائم أو هالك، فإن بين الجنس والصفة والقيمة، فدعواه مسموعة وبينته مقبولة، وإن لم يبين القيمة بأن لم يعلم قيمته أشار في عامة الكتب إلى أنها مسموعة.
فإنه ذكر في كتاب الرهن: إذا ادعى على رجل آخر أنه رهن عنده ثوبًا، وهو ينكر قال تسمع دعواه، وقال في كتاب الغصب: رجل ادعى على غيره أنه غصب منه جارية، وأقام بينة على ما ادعى تسمع دعواه، وتسمع بينته، بعض مشايخنا قالوا: إنما تسمع دعواه إذا ذكر القيمة، وهذا القائل يقول ما ذكر في الكتاب هذا.
وكان الفقيه أبو بكر الأعمش رحمه الله يقول: تأويل المسألة أن الشهود على إقرار المدعى عليه بالغصب، فثبت غصب الجارية بإقراره في حق الحبس والقضاء جميعًا، وعامة المشايخ على أن هذه الدعوى صحيحة والبينة مقبولة، ولكن في حق الحبس، وإطلاق محمد رحمه الله في (الكتاب) يدل عليه.
قال فخر الإسلام علي رحمه الله، إذا كان المسألة مختلفة ينبغي للقاضي أن يكلف المدعي بيان القيمة، فإذا كلفه ولم يبين يسمع دعواه، وهذا لأن الإنسان قد لا يعرف قيمة ما له، فلو كلفه بيان القيمة فقد أضر به، أو تعذر عليه الوصول إلى حقه، وإذا سقط بيان القيمة من المدعي سقط من الشهود من الطريق الأولى وتمام المسألة مرت في كتاب الغصب.
وإن وقع الدعوى في العقار، فلابد من ذكر البلدة التي فيها الدار المدعى به، ثم من ذكر المحلة، ثم من ذكر السكة بدأ بالأعم وهو البلد ثم بالأخص، وهذا فصل اختلف فيه أهل الشروط، قال بعضهم: يبدأ بالأعم، وقال بعضهم: يبدأ بالأخص وعند أهل العلم له الخيار إن شاء بدأ بالأعم، وإن شاء بدأ بالأخص؛ لأن المقصود هو التعريف، والتعريف حاصل بالكل، فلابد من ذكر حدود الدار بعد هذا.
قال جماعة من أهل الشروط: ينبغي أن يذكر في الحد يدخل في المحدود، وعندنا كلا اللفظتين على السواء أيهما ذكر فهو حسن؛ لأن المقصود تعريف للدار المدعى به باتصالها بدار فلان، وإنه حاصل باللفظين جميعًا وما يقول بأن الحد يدخل في المحدود ليس كذلك لأن الحد غاية والغاية لا تدخل تحت المضروب له غاية، فإن ذكر الحدين لا يكفي في ظاهر رواية أصحابنا رحمهم الله، وإن ذكر ثلاثة حدود كفاه وكذلك في الشهادة إذا ذكر الشهود ثلاثة حدود قبلت شهادتهم، وكيف يحكم بالحد الرابع في هذه الصورة إذا قبلت شهادة الشهود، قال الخصاف في (وقفه): أجعل الحد الرابع بإزاء الحد الثالث، حتى ينتهي إلى مبتدأ الجزء الأول أي بإزاء الحد، الأول وإن ذكر المدعى الحدود الأربعة وأخطأ في واحد منهما لا تقبل شهادتهم عندنا، خلافًا لزفر رحمهم الله وزفر رحمه الله قاس ترك ذكر أحد الحدود بوقوع الغلط، ونحن فرقنا بينهما، والفرق أن بالغلط يختلف المدعى به، وبالترك لا تختلف دعواه والله أعلم.

.الفصل الثامن: في أفعال القاضي وصفاته:

قال صاحب (الأقضية): وأكره للقاضي أن يفتي في القضاء للخصوم، وهذا فصل اختلف فيه العلماء، قال بعضهم: لا يفتي في مجلس القضاء أصلًا كيلا يشغله ذلك عن سماع الخصومات، وقال بعضهم يفتي في العبادات، ولا يفتي في المعاملات، مجلس القضاء وغيره في ذلك على السواء، وهذا لأنه لو أفتى في المعاملات، فالناس يقفون على رأيه في المعاملات، فيشغلون بالتلبيس فيما يقع بينهم من المعاملات والخصومات، فيصير القاضي كالملقن والمعلم لهم، وهذا المعنى لا يتأتى في العبادات، وبعضهم قالوا: يفتي في المعاملات، والعبادات جميعًا في مجلس القضاء وغيره، فقد كان رسول الله عليه السلام يفتي، وكذلك الخلفاء بعده.
واتفقوا على أنه لا يفتى للخصوم حتى لا يفتون على رأيه فيشغلون بالتلبيس.
وفي (المنتقى): الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله لا ينبغي للقاضي أن يفتي في شيء من أمر الخصومات، ولا يفتي أحدًا يرى أنه من قبل خصم يخاصم إليه، وإن كان رجل يثق به، وهو لا يخاصم، ولا يتهم أنه يستفتى لخصم يخاصم إليه، فلا بأس بأن يفتيه.
وروى ابن سماعة عن أبي يوسف في رجلين تقدما إلى القاضي في أمر، فظن القاضي أنهما إنما تقدما إليه ليعلما ما يقضي به في ذلك، أقامهما من عند نفسه، لأنه نصب لفصل الخصومات لا لتلقين الخصوم وتعليم المخارج.
قال محمد رحمه الله في (الأصل): ولا ينبغي له أن يبيع ويشتري ليتيم أو ميت مديون؛ لأن ذلك من عمل القضاء، ومباشرته في باب القضاء أنفى للتهمة، وإنما لم يكن له أن يبيع ويشتري في مجلس القضاء لنفسه، لأن البيع والشراء يجري فيهما المماكسة عادة فتذهب حشمة المجلس، ولو باع واشترى لنفسه في غير مجلس القضاء جاز عندنا، فقد باشر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وكذلك الخلفاء بعده، والمعنى فيه أن حاجته إلى البيع والشراء بعد تقلد القضاء، كحاجته إليه قبل تقلد القضاء وقبل القضاء ملك البيع والشراء لحاجته فبعد القضاء يملك، ولحاجته أيضًا، ومن المشايخ من قال: إن كان يكفى المؤنة من جهة بيت المال، أو يبيع ويشتري ممن يعلم أنه يحابيه لحشمة القضاء، يكره له أن يبيع ويشتري بنفسه، وإن لم يكن يكفى المؤنة من جهة بيت المال ويبيع ويشتري ممن يعلم أنه لا يحابه لحشمة القضاء، فلا يكره له ذلك.
وأطلق المسألة في (المنتقى) فقال: ولا ينبغي له أن يشتري ويبيع ما دام قاضيًا، وينبغي ذلك غيره ممن يثق به، ولا ينبغي له أن يستقرض إلا من صديق له أو خليط له، كان قبل أن يستقرض، ولا يخاصم إليه ولا يتهم أنه تعين خصمًا، وكذلك الاستعارة، وتشييع الجنازة ويعود المريض؛ لأن هذه الأشياء من حقوق المسلم على المسلم، قال عليه السلام: «ست من حقوق المسلم على المسلم»، وذكر من جملتها «أن يشيع جنازته، وأن يعوده مريضًا» وما كان على الإنسان من حق لا يسقط بتقليده القضاء، ولكن لا يطيل مكثه في ذلك المجلس، لأن الذين حضروا مجلسه ينتظرونه، ولا يمكن أحدًا من الخصوم يتكلم معه في ذلك المجلس بشيء من الخصومات لأن الخصم الآخر يتهمه.
ولا يقضي وهو غضبان. قال عليه السلام: «لا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان»، واختلف عبارة المشايخ في تخريج المسألة بعضهم قالوا: لأنه ينتقم من أحد الخصمين إذا تقدما إليه هكذا، هو العادة أن الإنسان إذا غضب ينتقم ممن يتقدم إليه فيكون ذلك ظلمًا منه، وهذا القائل لا يفصل فيما إذا كان وجه القضاء بينًا، وبينما إذا لم يكن بينًا، وإطلاق الحديث يشهد لهذا القائل.
وبعضهم قالوا: بسبب الغضب يتفرق رأيه، فتشتبه عليه جهة الصواب، وهذا القائل يفصل بينما إذا كان وجه القضاء بينًا، وبينما إذا لم يكن وجه القضاء بينًا، لأن وجه القضاء إذا لم يكن بينًا يحتاج فيه إلى التأمل، والاجتهاد فيه مرة يفرق الرأي، بخلاف ما إذا كان بينًا، لأنه لا يحتاج فيه إلى التأمل والاجتهاد وهذا القائل يقول: بأن الحديث محمول على ما إذا لم يكن وجه القضاء بينًا.
وكذلك لا يقضي إذا دخله نعاس؛ لأن الذي دخله نعاس لا يفهم ما يذكر عنده، فلا يدري بأيّ شيء يقضي.
ولا يقضي وهو جائع أو عطشان، لأن الجوع يقطع الرأي، والعطش كذلك فيشتبه عليه جهة الصواب، قالوا: وهذا إذا لم يكن وجه القضاء بينًا فأما إذا كان وجه القضاء بينًا فلا بأس بأن يقضي.
وعن هذا قال مشايخنا: لا ينبغي له أن يتطوع في اليوم الذي يريد المجلس للقضاء، لأنه ربما يلحقه جوع مفرط فيضعف رأيه، ويعجز عن إدراك الصواب، وكذلك لا يقضي، وهو كضبط الطعام لأنه إذا كان هكذا يمل القوم ويحب النوم، ولكن ينبغي أن يكون على اعتدال الأحوال لا يكون كضبط الطعام، ولا يكون به جوع مفرط، أو عطش مفرط، وكذلك لا يقضي وهو يدافع أحد الأخبثين، لأنه يتفرق برأيه قالوا إذا كان وجه القضاء بينًا لا بأس بأن يقضي.
قال مشايخنا: وينبغي للقاضي إذا كان شابًا أن يقضي شهوته في أهله قبل أن يجلس للقضاء، حتى إذا حضرته الشبان من النساء لا يشغل قلبه بهن، فيقدر على إدراك الصواب، ولا ينبغي له أن يتعب نفسه في طول المجلس، ولكن يجلس في طرفي النهار أو ما أطاق. وكذلك الفقيه والمفتي.
ولا يمازح الخصوم ولا أحدهما، لأن المزاح يذهب مهابة المجلس، ولا يضحك في وجه أحدهما لأنه بسببه يجترئ على خصمه، وكذلك لا يومئ إلى أحدهما إنما لهذا المعني، ولا يعبس وجهه عليهما، ولا على أحدهما ولا يعجل للخصوم الإتيان بحججهم، لأن ذلك يضر بهم.
وفي (الأصل): ولا يخوف الخصم، ومعناه أن يتكلف لتخويف الخصوم، لأن ذلك يمنعهم عن إظهار الحق بالحجة، ولا يقضي وهو يمشي أو يسير على الدابة، لأنه قل ما يمكنه تأمله الحجج في هذه الحالة، وكذلك قال مشايخنا في المفتي: لا ينبغي أن يفتي وهو يمشي، ولكن يجلس في موضع، فإذا استقر فيه أفتى، ومنهم من قال: لا بأس بأن يفتي في الطريق إذا كانت المسألة واضحة، قال في (الأصل): ويقدم على منازلهم في المجيء إليه الأول فالأول، ولا يبتدئ بأحد جاء قبله غيره يعني في سماع الخصومة، فقد اعتبر محمد رحمه الله السبق، والمتقدمون من المشايخ قبل الخصاف كانوا يعتبرون السبق أيضًا.
والخصاف اعتمد على الرقاع، وصورة الرقاع: أن يأمر القاضي كل مدعى، حتى يكتب اسمه واسم خصمه، ثم يرفعه ثم يقرع بينهم، فمن خرجت قرعته أولًا يسمع خصومته. وصورة القرعة: أن يكتب القاضي الرقاع في جراب أو في كمه، ثم يدخل يده، ويخرج رقعة منها فمن خرجت قرعته أولًا يسمع خصومته، ثم يدخل يده ويخرج رقعة أخرى ويفصل تلك الخصومة، هكذا يفعل حتى يأتي على الكل، وهذا إذا كان الخصوم عددًا يعرف القاضي من طريق الحزر، والظن أنه يقدر على فصل خصومتهم في هذا اليوم، فأما إذا أكثروا وعلم القاضي (أنه) لا يقدر على فصل الكل في هذا اليوم يأخذ القاضي أو كاتبه الرقاع ويجعل كل عشرين أو نحو ذلك- قدر طاقة القاضي الجلوس لهم، والصبر عليهم- اختيارة ويكتب لكل اختياره منها رقعة فيها اسم أشهرهم، ثم يجعل كل رقعة منها في جراب ونحو ما بينا، ويقرع بين الكل جملة، فكل رقعة اختار خرجت بعد ذلك، فلهم يوم الأخذ إلى آخره، ويعلم الخصوم التي في كل اختياره أن أسماءهم في اختيار كذا التي نوبتها يوم كذا حتى لا يكثر ترددهم على باب القاضي، ويحتاج في هذا إلى الإقراع مرتين مرة بين الاختيارات، ومرة بين الخصوم التي في كل اختياره، فيكون أحدهما على طريق الجمل، والأخرى على طريق الإفراد.
وله أصل في الشرع، فإن الإمام في باب الغنيمة، يعزل أنصباء الغرماء، فيقرع بينهم ثم يقسم فيما بين الرايات، ويقرع فيما بينهم مرة أخرى، ويكون أحدهما على طريق الجمل والأخرى على طريق الإفراد، كذا هاهنا.
قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة السرخسي رحمه الله ما قاله الخصاف حسن، لأن القاضي متى اعتمد على القرعة، وأعلم الخصوم نوبتهم يوم كذا عسى لا يمكنه فصل تلك الخصومات في ذلك اليوم لمعنى من المعاني، فيصير القاضي مخلفًا في وعده، والخلف في الوعد مذموم، والتحرز عنه واجب فيجب الاعتماد على السبق وبه يفتى، وإن اشتبه على القاضي من سبقه أقرع بينهم.
قال الخصاف في (أدب القاضي): وإن اجتمع على باب القاضي أرباب الشهود والأيمان والغرباء، ورأى القاضي أن يقدم أرباب الشهود على الكل فله ذلك، لأنه لو طال مكثهم ربما يملون ويذهبون قبل أداء الشهادة، فيضيع حق المدعي، وإن رأى أن يقدم أرباب الأيمان على أرباب الشهود فله ذلك أيضًا، لأن فصل الخصومة بالأيمان أسهل، وإن رأى أن يقدم الغرباء على الكل فله ذلك، لأن قلب الغريب يكون مع أهله وولده، فمن كثر مكثه وتردده يمل فيترك حقه ويذهب، فيكون القاضي هو المضيع لحقه ولكن هذا إذا لم يكن بالغرباء كثرة، فالقاضي لا يقدمهم لأجل الغربة، ولكن يعتمد السبق على نحو ما بينا لأن تقدمهم في هذه الصورة يؤدي إلى الإضرار بالمقيمين، وإنه لا يجوز.
وهذا التفصيل منقول عن محمد رحمه الله فقد ذكر هشام في (نوادره): سألت ابتداء الحكم بالغرباء، قال: نعم ما لم يضر بالمقيمين وقال: الذي يرجع من ليله إلى أهله بمنزلة المقيم، والذي يبيت عن أهله بمنزلة الغريب إلا أن الغريب يعني المسافر أشد حالًا.
فإن قال واحد من الخصوم للقاضي: أنا غريب عازم على الرجوع إلى وطني، فقدمني على سائر الخصوم لأجل الغربة، فالقاضي لا يقبل قوله بدون البينة، لأنه ادعى لنفسه حق التقدم، فيعتبر بما لو ادعى لنفسه حقًا آخر، وهناك لا يقبل قوله بدون البينة، فكذا هنا. ولا يشترط العدالة في هذه البينة حتى لو أقام شاهدين مستورين قبل القاضي ذلك منه، إذ ليس في هذا كبير التزام، وللقاضي ولاية تقدمه في الجملة بدون البينة، ومن أصحابنا من قال: يسأله مع من يريد السفر فإن أخبر بذلك سأل الرفقة متى يخرجون، وأن فلانًا هل يخرج معكم وهل استعد لسفره، لأن الاستعداد للسفر يصلح علامة على السفر قال الله تعالى: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة} [التوبة: 46].
فإن قالوا: نعم يثبت ما ادعاه فيقدمه القاضي، وعلى هذا أمر المستأجر إذا زعم المستأجر أنه يريد السفر، وأراد نقض الإجارة بعذر السفر، فالقاضي لا يقبل قوله بدون البينة، ولكن يسأله مع من يريد السفر والخروج؟ وإذا أخبر بذلك سأل رفقته متى يخرجون، وأن فلانًا هل يخرج معكم، وهل استعد للخروج: فإن قالوا: نعم تحقق العقد، ويجب الفسخ، وإن رأى القاضي تقديم النسوان يعمل ذلك، لأن مبنى حالهن على الستر، وتأخيرهن يؤدي إلى التشهير، لأنه يجتمع على باب القاضي أناس مختلفون والتشهير ينافي الستر، وإن رأى القاضي أن يجعل لهن نوبة على حدة في يوم واحد من أيام الجمعة فعمل ذلك، لأن في اختلاطهن بالرجال فتنة، فيجعل لهن نوبة على حدة نفيًا للفتنة، وهذا إذا كانت الخصومات بين النسوان، فأما إذا كانت بين النسوان والرجال يعتمد في ذلك على الإقراع والسبق على نحو ما بينا والله أعلم.
وهذا التفصيل منقول عن محمد رحمه الله فقد ذكر هشام في (نوادره): سألت ابتداء الحكم بالغرباء، قال: نعم ما لم يضر بالمقيمين وقال: الذي يرجع من ليله إلى أهله بمنزلة المقيم، والذي يبيت عن أهله بمنزلة الغريب إلا أن الغريب يعني المسافر أشد حالًا.
فإن قال واحد من الخصوم للقاضي: أنا غريب عازم على الرجوع إلى وطني، فقدمني على سائر الخصوم لأجل الغربة، فالقاضي لا يقبل قوله بدون البينة، لأنه ادعى لنفسه حق التقدم، فيعتبر بما لو ادعى لنفسه حقًا آخر، وهناك لا يقبل قوله بدون البينة، فكذا هنا. ولا يشترط العدالة في هذه البينة حتى لو أقام شاهدين مستورين قبل القاضي ذلك منه، إذ ليس في هذا كبير التزام، وللقاضي ولاية تقدمه في الجملة بدون البينة، ومن أصحابنا من قال: يسأله مع من يريد السفر فإن أخبر بذلك سأل الرفقة متى يخرجون، وأن فلانًا هل يخرج معكم وهل استعد لسفره، لأن الاستعداد للسفر يصلح علامة على السفر قال الله تعالى: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة} [التوبة: 46].
فإن قالوا: نعم يثبت ما ادعاه فيقدمه القاضي، وعلى هذا أمر المستأجر إذا زعم المستأجر أنه يريد السفر، وأراد نقض الإجارة بعذر السفر، فالقاضي لا يقبل قوله بدون البينة، ولكن يسأله مع من يريد السفر والخروج؟ وإذا أخبر بذلك سأل رفقته متى يخرجون، وأن فلانًا هل يخرج معكم، وهل استعد للخروج: فإن قالوا: نعم تحقق العقد، ويجب الفسخ، وإن رأى القاضي تقديم النسوان يعمل ذلك، لأن مبنى حالهن على الستر، وتأخيرهن يؤدي إلى التشهير، لأنه يجتمع على باب القاضي أناس مختلفون والتشهير ينافي الستر، وإن رأى القاضي أن يجعل لهن نوبة على حدة في يوم واحد من أيام الجمعة فعمل ذلك، لأن في اختلاطهن بالرجال فتنة، فيجعل لهن نوبة على حدة نفيًا للفتنة، وهذا إذا كانت الخصومات بين النسوان، فأما إذا كانت بين النسوان والرجال يعتمد في ذلك على الإقراع والسبق على نحو ما بينا والله أعلم.

.الفصل التاسع: في رزق القاضي وهديته ودعوته وما يتصل به:

ولا بأس أن يأخذ القاضي رزقًا من مال بيت المال، هكذا ذكر الخصاف في (أدب القاضي)، وعلل فقال: لأنه عامل من عمال المسلمين، وقاسه على عماله عامل الصدقات.
قال: وقد ذكر هشام عن محمد أنه كان لا يرى بأسًا بأن يأخذ القاضي رزقًا من مال بيت المال، ويروي تعليل محمد رحمه الله أن القضاة من السلف قل أن يرزقوا من بيت المال، فلا بأس بأن يرزق القاضي في زماننا، وأن يتعفف ويتنزه ولم يرتزق فذاك أفضل، لأن القضاة من السلف منهم من لم يرتزق كمسروق وقاسم.
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: حاصل الجواب في هذه المسألة أن القاضي إذا كان ذا ثروة ويسار، فالأولى أن لا يرزق، كما فعل عثمان رضي الله عنه، وإن كان صاحب حاجة، فالأولى أن يرزق كما فعل أبو بكر وعمر وعليّ رضي الله عنهم، وهذا لأنه فرّغ نفسه لعمل المسلمين، وعجز عن الكسب، فمتى لم يأخذ كفايته من مال بيت مال المسلمين إما أن يقصر في عمل المسلمين، أو يطمع في مال المسلمين، وفساد ذلك مما لا يخفى.
وكان الشيخ الإمام الزاهد فخر الإسلام علي البزدوي رحمه الله قال: إن القاضي إن كان فقيرًا لا يترك حتى لا يرتزق وإن كان غنيًا، فبعض مشايخنا على أن الأولى أن يرتزق حتى لا يصير ذلك سنة، لمن يكون بعده، وقد يكون من بعده فقير فيضيق عليهم الأمر، وكما يجعل كفاية القاضي في مال بيت المال يجعل كفاية عياله ومن يمونه من أهله وأعوانه في مال بيت المال، لأن المعنى لا يوجب الفصل.
ولم ينقل عن محمد رحمه الله أن القاضي هل يأخذ الرزق في يوم البطالة؟ وقد اختلف المتأخرون فيه، والصحيح أنه يأخذ. فأما أجر كاتب القاضي وأجر قسامه، فإن رأى القاضي أن يجعل ذلك على العموم فله ذلك، وإن رأى أن يجعل ذلك في مال بيت المال، وفيه سعة فلا بأس به، وعلى هذا الصحيفة التي يكتب فيها الدعوى الذي يدعي المدعى وشهادتهم إن رأى القاضي أن يطلب ذلك من المدعي فله ذلك، لأن منفعة ذلك تعود إليه، وإن كان في بيت المال سعة ورأى أن يجعل ذلك في بيت المال فلا بأس به.
وقال أبو يوسف رحمه الله في قاض أجري له ثلاثون درهمًا لثمن القرطاس والمصحف: أكره له أن يصرف شيئًا من ذلك إلى غير ما جعل إليه.
وأما الكلام في هديته، فنقول: هدايا القاضي أنواع: هدية ممن له خصومة، وليس له أن يقبلها سواء كان بينهما قرابة أو لم يكن؛ لأنها شبه الرشوة، والأكل بسبب القضاء. وهدية ممن لا خصومة له، وإنها على نوعين: إما أن يكون بينهما مهاداة قبل القضاء بسبب القرابة أو الصداقة أو لم يكن، فإن لم يكن لا ينبغي له أن يقبلها، لأنه إنما أهداه لأجل القضاء، فيشبه الرشوة والأكل بسبب القضاء، وإن كان بينهما مهاداة قبل القضاء، فإن أهداه بعد القضاء بمثل ما كان يهديه قبل القضاء فلا بأس بأن يقبلها، ويحمل ذلك على المباسطة السابقة حملًا لأمر المسلمين على الصلاح والسداد فيقبلها، وإن كان أهداه بالزيادة على ما يهديه قبل القضاء فإنه لا يأخذه، لأن الزيادة كانت لقضائه.
قال الشيخ الإمام الزاهد فخر الإسلام علي البزوديّ رحمه الله: إلا أن يكون مال المهدي قد ازداد، فبقدر ما ازداد ماله إذا ازداد في الهدية فلا بأس بقبولها. وإن لم يكن بينهما مهاداة، وكان بينهما قرابة، فللقاضي أن يقبل هديته، هكذا ذكر القدوري رحمه الله، لأن في قبول هديته صلة الرحم، وإنها فرض.
ثم إذا أخذ الهدية فلم يكن له أخذها أو أخذ الزيادة، فلم يكن له أخذها، ماذا يصنع بها؟ اختلف المشايخ فيه بعضهم قالوا: وضعها في بيت المال، وبعضهم قالوا: يردها على أربابها إن عرفهم، وإليه أشار في (السير الكبير). وإن لم يعرف مهديها أو عرفه إلا أنه كان بعيدًا حتى تعذر عليه الرد يضعها في بيت المال، ويكون حكمها حكم اللقطة، وإنما وضعها في بيت المال، لأنه إنما أهدي إليه لعمله وحشمته، وهو في هذا العمل نائب عن المسلمين وحشمته بالمسلمين، فكانت الهدايا من حيث المعنى للمسلمين، فيوضع في بيت مال المسلمين، وهذا بخلاف هدايا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له خاصة، لأن منعته وحشمته كانت لنفسه، على ما قال الله تعالى: {والله يعصمك من الناس} [المائدة: 97] فكانت الهدية لمنعة له بخلاف هدايا القضاء.
وهو نظير ما ذكر محمد رحمه الله في (السير الكبير): أمير أهل الحرب إذا أهدى إلى أمير أهل الجيش هدية، فأمير الجيش لا يختص بها بل تكون بينه وبين الجيش، وإذا أهدي إلى واحد من المبارزين شيئًا يختص بها ذلك المبارز، لأنه إنما يهدى إلى أمير الجيش لقوته ومنعته بالجيش، فكانت الهدية للجيش معنى، فأما قوة المبارز ومنعته بذاته فكانت الهدية له خاصة فيختص به، وعلى هذا لو أهدى الرجل إلى مفتى أو واعظ شيئًا كان له أن يقبل ويختص به، لأنه إنما يهدي إليه لعلمه بخلاف هدية القضاء.
فأما الكلام في دعوة القاضي. قال محمد رحمه الله في (الأصل): ولا بأس للقاضي أن يجيب الدعوة العامة، ولا يجيب الدعوة الخاصة، لأنه بمعنى الرشوة، قال: ظاهر أن الناس يميلون إلى القاضي باتخاذ الدعوة له على الخصوص طمعًا في ميل القاضي إليهم، وتكلموا في الحد الفاصل بين الدعوة الخاصة والعامة، بعضهم قالوا: إن كان خمسة نفر أو ستة نفر إلى العشرة فهذه دعوة خاصة، وإن جاوز العشرة فهذه دعوة عامة، وحكي عن القاضي الإمام أبي علي النسفي رحمه الله أنه قال: الدعوة العامة دعوة عرس أو ختان وما سوى ذلك دعوى خاصة.
وهكذا ذكر القدوري في (شرحه)، وحكي عن الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: أن صاحب الدعوة إن كان بحال لو علم أن القاضي لا يحضر لا يتخذ الدعوة، فهذه دعوة خاصة لا يجيبها، وإن كان الداعي بحال لو علم أن القاضي لا يحضر يتخذ الدعوة، فهذه دعوة عامة فيجيبها، ولم يفصل بين الدعوة الخاصة بين القريب وبين الأجنبي، وكذا لم يفصل بينما إذا كان بين القاضي وبين صاحب الدعوة مباسطة قبل القضاء وكان يتخذ الدعوة لأجله أو لم يكن، وذكر القدوري أن القاضي يجيب الدعوة الخاصة في المحرم. وهكذا ذكر شمس الأئمة الحلواني رحمه الله في (شرح أدب القاضي).
وذكر الطحاوي في (مختصره)، أن على قول أبي حنيفة وأبي يوسف لا يجيب الدعوة الخاصة من القريب، وعلى قول محمد رحمه الله يجيب، وذكر شيخ الأئمة السرخسي، وشيخ الإسلام رحمهما الله أن صاحب الدعوة إن كان ممن لا يتخذ الدعوة للقاضي قبل تقلده القضاء لا يجيب دعوته، القريب والأجنبي فيه سواء، لأن الظاهر أنما فعل ذلك لأجل القضاء خاصة، وإن كان ممن يتخذ الدعوى للقاضي قبل تقلده القضاء، فالقاضي يجيب دعوته، القريب والأجنبي في ذلك على السواء، لأنه لا يكون ذلك بسبب القضاء ظاهرًا.
وقيل: صاحب الدعوة إذا كان يتخذ الدعوة قبل القضاء في شهر مرة، وبعد القضاء في كل أسبوع مرة، فالقاضي لا يجيب دعوته إلا في كل شهر مرة، وكذا إذا كان صاحب الدعوة زاد في المباحات بعد القضاء على ما قبل القضاء، فالقاضي يجيب الدعوة له، إلا أن يكون مال صاحب الدعوة قد ازداد فبقدر ما زاد من ماله ازداد في المباحات، فالقاضي يجيبه.
وهذا كله إذا لم يكن لصاحب الدعوة خصومة، فأما إذا كان لصاحب الدعوة خصومة لا يجيب دعوته، وإن كان بينهما قرابة أو مباسطة قبل القضاء، لأنه يصير آكلًا لقضائه معنى.
ومما يتصل بهذا الفصل:

.فصل الرشوة:

واعلم بأن الرشوة أنواع نوع منها أن يهدي الرجل إلى الرجل مالًا لإبقاء التودد والتحبّب، وهذا النوع حلال من جانب المهدي والمهدى إليه، قال عليه السلام: «تهادوا تحابوا».
ونوع منها: أن يهدي الرجل إلى رجل مالًا، لأن ذلك الرجل قد خوفه فيهدي إليه مالًا ليدفع الخوف من نفسه، أو يهدي إلى السلطان مالًا ليدفع ظلمه عن نفسه أو ماله، وهذا نوع لا يحل للآخذ الأخذ، وإذا أخذ يدخل تحت الوعيد المذكور في هذا الباب، لأنه يأخذ المال للكف عن التخويف والظلم، والكف عن التخويف والظلم واجب بحكم الإسلام، ولا يحل أخذ المال بمقابلة الواجب.
وهل يحل للمعطي الإعطاء؟ عامة المشايخ على أنه يحلّ، لأنه يجعل ماله وقاية لنفسه، أو يجعل بعض ماله وقاية للباقي، وكل ذلك جائز وموافق للشرع، وقد صح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه رشى دينارين بالحبشة، ونجى نفسه، وعن جابر رضي الله عنه أنه قال: لم نجد في زمن بني أمية أنفع لنا من الرشا.
قال القاضي الإمام أبو علي النسفي رحمه الله: فعلى هذا إذا كان الرجل في قرية فيها ظالم، وكان الرجل يهدي إلى الظالم شيئًا من الفواكه، أو من المطعومات ليدفع ظلمه عن نفسه لا بأس به، والخصاف علق حل الإعطاء بالرجاء، فقال: رجونا أن لا يكون إثمًا، ووجه ذلك أن القبض حرام، والإعطاء تمكين من القبض، والتمكين من الحرام حرام، إلا أن قصد المعطي في هذا دفع الظلم عن نفسه لا التمكين من الحرام، فمن هذا الوجه لا يكون حرامًا، ومن ذلك الوجه يكون حرامًا، فعلقه بالرجاء لهذا.
ونوع منها: أن يهدي الرجل إلى رجل مالًا ليسوي أمره فيما بينه وبين السلطان، ويعفه في حاجته، وإنه على وجهين:
الأول: أن تكون حاجته حرامًا، وفي هذا الوجه لا يحل للمعطي الإهداء، ولا للمهدى إليه الأخذ، لأن المهدي يعطي ليتوصّل به إلى الحرام، والمهدى إليه يأخذ ليعينه على الحرام.
الثاني: أن تكون حاجته مباحًا، وإنه على وجهين أيضًا:
الأول: أن يشترط أنه إنما يهدي إليه ليعينه عند السلطان، وفي هذا الوجه لا يحل للآخذ الأخذ، لأن القيام بمعونة المسلمين واجب بدون المال، فهذا مما أخذ لإقامة ما هو واجب عليه، فلا يحل.
وهل يحلّ للمعطي الإعطاء؟ تكلموا فيه، منهم من قال: لا يحل؛ لأن هذا تمكين من القبض الذي هو حرام، ومنهم من قال: يحل؛ لأن غرضه دفع الظلم عن نفسه، وعلى قياس قول الخصاف يجب أن يكون حل الإعطاء معلقًا بالرجاء، على ما بيّنا والحيلة في حل الأخذ، وفي حل الإعطاء عند الكل أن يستأجره صاحب الحادثة يومًا، إلى الليل ليقوم بعمله بالمال الذي يريد الدفع إليه فتصح الإجارة ويستحق الأجير الأجر، ثم المستأجر بالخيار إن شاء استعمله في هذا العمل، وإن شاء استعمله في عمل آخر، قالوا: وهذه الحيلة إنما يصلح إذا كان العمل الذي أستأجره عليه عملًا يصلح الاستئجار عليه.
الوجه الثاني: إذا لم يشترط ذلك صريحًا، ولم يعلم أنه إنما يهدي إليه ليعينه عند السلطان، وفي هذا الوجه اختلف المشايخ عامتهم على أنه لا يكره على قياس مسألة المؤذن والإمام على ما يأتي بيانهما بعد هذا إن شاء الله تعالى، وبعضهم قالوا: يكره، وهذا نقل عن ابن مسعود رضي الله عنه.
ونوع آخر: أن يهدي الرجل إلى رجل مالًا، لأنه سوى أمره عند ذي سلطان، فأعانه في حاجته، ولا يصرح عند الإهداء أنه إنما أهدى إليه، لأنه سوى أمره عند السلطان وهذا نوع يحل للمعطي الإعطاء؛ لأنه أنعم عليه بالنجاة من الظلم، وقد قال عليه السلام: «من أزلت عليه نعمة فليشكرها».
هل يحل للآخذ الأخذ؟ تكلموا فيه منهم من قال: لا يحل، لأنه أقام الواجب ولا يجوز أخذ المال على إقامة الواجب.
وقد جاء عن عبد الله جعفر أنه أعان مظلومًا، وخلصه من الظلم وأهدى إليه هدية تبلغ أربعين ألف درهم، فقال عبد الله: إنما لا يأكل منه دانقًا، ومنهم من قال: يحل؛ لأن هذا برّ وصلة، وقاسوه بما ذكر محمد رحمه الله في كتاب الصّلاة أن الإمام أو المؤذن إذا جمع لهم القوم شيئًا وأعطوه من غير أن يشترط عليهم، فما أحسن هذا، فقد سمى ذلك حسنًا، وإن كان يعلم أنهم إنما أعطوه بسبب الإمامة والأذان مع ذلك سماه حسنًا، وجعل بمنزلة البر والصّلة لما كان الإعطاء بغير شرط كذا هاهنا.
وكان الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمه الله يحكي عن أستاذه القاضي الإمام أبو علي النسفي رحمه الله: أنه ينظر في هذا إلى العمل الذي أقامه، فإن كان شيئًا لو أستأجره على ذلك يستحق الأجر بأن بعثه رسولًا إلى ظالم، فلما بلغه الرسالة أعطاه المرسل يحل له الأخذ، وما لا فلا هذا إذا لم يكن بينهما تهاد قبل ذلك بسبب من الأسباب، فأما إذا كان بينهما تهادي قبل ذلك بسبب صداقة أو قرابة، فأهدى إليه كما كان يهدي قبل ذلك، ثم إن المهدى إليه قام لإصلاح أمره، فهذا أمر حسن؛ لأنه مجازاة الإحسان بالإحسان، ومقابلة الكرم بالكرم.
ونوع من ذلك: أن يهدي الرجل إلى سلطان ليقلد القضاء له أو عملًا آخر، وهذا نوع لا يحل للآخذ الأخذ، ولا للمعطي الإعطاء، لأن المعطي إنما يعطي ليأخذ أموال الناس، ويظلم عليهم، والآخذ إنما يأخذ ليسلطه على الظلم، ومن أخذ القضاء بالرشوة، هل يصير قاضيًا؟ فالصحيح أنه لا يصير قاضيًا، ولو قضى لا ينفد قضاؤه.
ونوع من ذلك: أن يهدي الرجل إلى قاض ليقضى له، وهذا نوع لا يحل للآخذ الأخذ ولا للمهدي الإعطاء، أما لا يحل للآخذ الأخذ، لأن القضاء إن كان بالجور، فالقضاء بالجور حرام، فإنما أخذ المال لمباشرة الحرام، وإن كان القضاء بحق، فلأن القضاء بالحق عبادة، وأخذ المال على العبادات لا يجوز، وأما لا يجوز الإعطاء؛ لأنه إن كان القضاء له بالجور، فإنما يعطى المال لأجل الحرام، وإن كان القضاء بالحق؛ فلأن إعطاء المال لمقصود المحصول له، فيكون سفهًا والسفه حرام.
بيان هذا: أن المقصود من هذا الإعطاء أن يقضي له، فيصير المدعى به حقًا وملكًا له، وإنما يصير المدعى به حقًا وملكًا على تقدير نفاذ القضاء، وقضاء القاضي فيما ارتشى باطل لما نبين بعد هذا إن شاء الله تعالى.
قال الخصاف رحمه الله في (أدب القاضي): فإذا قبل القاضي الرشوة، وقضى للراشي، فقضاؤه فيما ارتشى باطل، وقضاياه فيما لم يرتش نافذة، وبه أخذ شمس الأئمة السرخسيّ رحمه الله، وذكر الشيخ الإمام فخر الإسلام علي البزوديّ رحمه الله أن قضاياه باطلة فيما ارتشى وفيما لم يرتش.
واعلم بأن القاضي بأكل الرشوة يصير فاسقًا؛ لأنه آكل السحت، وإنه يوجب الفسق، والقاضي بالفسق ينعزل عند بعض مشايخ العراق، وعند بعض مشايخ العراق وعامة مشايخنا أنه لا ينعزل ولكن يستحق العزل، وقد ذكرنا هذا في صدر الكتاب.
ثم على قول بعض مشايخنا إذا انعزل لا شك أنه لا تنفذ قضاياه أصلًا لا فيما ارتشى ولا فيما لا يرتشي، وعند مشايخنا، وبعض مشايخ العراق: إذا لم ينعزل تنفذ قضاياه فيما لم يرتش بلا خلاف، وفيما ارتشى اختلفوا على نحو ما بينا، فوجه قول من قال: إنه ينفذ؛ لأنه على قضائه بعد، وجه قول من قال: لا ينفذ أنه قضى بخلاف أمر الشرع؛ لأن الشرع أمره بقضاء لا يعتاض عنه، فقضاء يعتاض عنه يكون بخلاف أمر الشرع فيكون باطلًا، حتى قالوا: لو رد الرشوة، ثم حكم ينفذ حكمه، لأنه ما اعتاض عن قضائه، وإن ارتشى ولد القاضي أو كاتبه أو من أشبههما، فإن كان ذلك بأمر القاضي ورضاه، فهذا وما لو ارتشى القاضي بنفسه سواء، وإن كان بغير أمر القاضي ورضاه نفد قضاياه، لأنه ما أعتاض عن قضائه، فلم يكن قضاؤه بخلاف أمر الشرع والله أعلم.

.الفصل العاشر: في بيان ما يكون حكمًا وما لا يكون حكمًا وما يبطل به الحكم بعد وقوعه صحيحًا وما لا يبطل:

قال مشايخنا: ينبغي للقاضي إذا أراد الحكم أن يقول للخصمين أحكم بينكما، وهذا على وجه الاحتياط، حتى إذا كان في التقليد خللًا يصير حكمًا بتحكيمهما، وإذا قال القاضي: ثبت عندي أن لهذا على هذا كذا هل يكون هذا حكمًا من القاضي؟ كان القاضي الإمام أبو عاصم العامري رحمه الله يفتي بأنه حكم، وهو اختيار شمس الأئمة الحلواني، واختيار الصدر الشهيد رحمهما الله، وكان القاضي الإمام شمس الإسلام محمود الأوزجندي رحمه الله يقول: لابد وأن يقول القاضي: قضيت، أو يقول: حكمت، أو يقول: أنفذت عليك القضاء، وهكذا ذكر الناطفي في (واقعاته)، والمذكور به: إذا ادعى رجل دارًا في يدي رجل، فقال القاضي للمدعى عليه: لا أرى لك حقًا في هذه الدار، فهذا لا يكون حكمًا، وهكذا كان يفتي الشيخ الإمام ظهير الدين المرغيناني رحمه الله، وكان يقول: إذا ظهرت عدالة الشهود في دعوى عين، وطلب المدعي الحكم من القاضي، فقال القاضي للمدعى عليه: أين محدود ودباين مدعى ده، فهذا لا يكون حكمًا، وينبغي أن يقول: حكم كردم مرأين محدود مرأين مدعى راوا.
والصحيح أن قوله: حكمت وقضيت ليس بشرط، وأن قوله ثبت عندي يكفي، وكذلك إذا قال: ظهر عندي، أو قال: صح عندي، أو قال: علمت، فهذا كله حكم.
وإذا قال القاضي بعدما قضى في حادثة: رجعت عن قضائي، أو قال: بدا لي غير ذلك، أو قال: وقفت على تلبيس من الشهود، وأراد أن يبطل حكمه لا يعتبر هذا الكلام منه، والقضاء ماض على حاله، إذا كان بعد دعوى صحيحة، وشهادة مستقيمة، وعدالة الشهود ظاهرة.
في (فتاوى النسفي) رحمه الله: ادعى حرية نفسه، وقضى القاضي بها ببينة أقامها العبد، ثم قال العبد: كذبت أنا عبد، هل يبطل القضاء بالحرية؟ فلا رواية لهذه المسألة في شيء من الكتب، قالوا: وينبغي أن لا يبطل القضاء.
وهذا بخلاف ما لو ادعى رجل على رجل مالًا، وقضى القاضي بالمال للمدعي ببينة، ثم قال المدعي: كنت كاذبًا فيما ادعيت، حيث يبطل القضاء.
والفرق: أن في الحرية حق الله تعالى والعبد لا يقدر على إبطال حق الله تعالى، ولا كذلك المال، لأن المال من العبد، والعبد يقدر على إبطال حقه، وإذا قال المدعي بعد القضاء: المقضي به ليس بملكي لا يملك القضاء بخلاف ما إذا قال: لم يكن بملكي، وهذا لأن قوله: ليس ملكي يتناول الحال، وليس من ضرورة نفي الملك للحال إنتفاؤه من الأصل، بخلاف قوله: لم يكن ملكي.
المقضي له إذا قال: ما قضي به فهو حرام لي، وأمر إنسانًا أن يشتري ذلك له من المقضي عليه، فهذا يبطل الحكم؛ لأن الأمر بالشراء دليل على أن لا حق له في المشترى والإنسان لا يشتري ملك نفسه ولا يأمر غيره بذلك.
تكذيب المشهود له الشهود وتفسيقه إياهم قبل القضاء يمنع القضاء، وتكذيبه وتفسيقه إياهم بعد القضاء يبطل القضاء على ما عليه (إشارات الأصل) في (الجامع)، وكان. القاضي الإمام أبو علي النسفي رحمه الله يقول: لا يبطل القضاء وعلل فقال: لأن الفاسق ربما يكون صادقًا، ولهذا يصلح شاهدًا عندنا، فعلى اعتبار أنه كان صادقًا لا يجوز إبطال القضاء، وعلى اعتبار أنه كان كاذبًا يجوز إبطال القضاء، ولا يجوز إبطال القضاء بالشك كما لا يجوز القضاء بالشك، فظن بعض مشايخنا أن ما قاله القاضي الإمام مخالف لإشارات (الجامع) وليس كذلك؛ لأن المراد مما ذكر في (الجامع) تفسيق ينشأ عن تكذيب المشهود له، وإنه يوجب بطلان القضاء كما يمنع جواز القضاء، والمراد مما قاله القاضي الإمام بفسق التفسيق بأن قال: هم زناة، هم شاربوا خمر، لا بفسق ينشأ عن التكذيب، ونفس التفسيق يمنع القضاء.

.ما لا يبطل القضاء:

قال محمد رحمه الله في (الجامع): وإذا قضى القاضي بالدار للمدعي ببينة أقامها، فأقر المقضي له بالدار أن الدار دار فلان لا حق له فيها، وصدقه فلان في ذلك فقال المقضي عليه للمقضي له: قد أكذبت شاهديك، حين أقررت أنها لفلان لا حق لك فيها، وأقررت بخطأ القاضي في قضائه، فرد الدار عليّ أو قيمتها فالقضاء ماض، ولا سبيل للمقضي عليه لا على الدار، ولا على المقضي له، لأن القضاء نفذ من حيث الظاهر وقع الشك في نقضه، لأن قول المقضي له: هي لفلان محتمل يحتمل أن يكون نفيًا لحقه عنها بسبب سابق على القضاء، ويحتمل أن يكون نفيًا لحقه عنها بسبب حادث بعد القضاء أوجب نقله إلى فلان، وقع الشك في نقض القضاء، فلا ينقض بالشك.
فإن قيل: هذا الاحتمال إن كان يتأتى فيما إذا أقرّ به بعدما غابا عن مجلس القضاء، لا يتأتى قبل الغيبة والجواب فيهما واحد.
قلنا: لا بل يتأتى قبل الغيبة أيضًا بأن يقول المدعي: الدار كانت لي من الأصل، وقد كنت بعتها قبل القضاء من المقر له على أني بالخيار ثلاثة أيام حتى بقيت الدار على ملكي في مدة الخيار، ثم إن المقضي عليه استولى على الدار وغصبها، ثم لما قضى القاضي بالدار لي انقضت مدة الخيار عقيبه بلا فصل، فأمكن الجمع بين هذا الإقرار وبين الدعوة الأولى والشهادة على هذا الوجه، وإذا كان محتملًا لا يجوز نقض القضاء بالشك، ولو لم يقل على هذا الوجه، ولكن قال بعد القضاء له: هذا الإقرار لفلان ولم يكن لي قط بدأ بالإقرار لفلان، ثم بالنفي عن نفسه أو بدأ بالنفي عن نفسه، ثم بالإقرار لفلان، بأن قال: هذه الدار لم تكن لي قط وإنما هي لفلان، فإن صدقه المقر له في جميع ذلك يرد الدار على المقضي عليه في الوجهين جميعًا، لأنه أكذب شهوده وأقر ببطلان القضاء إذا لم يمكن الجمع بين هذا الإقرار وبين الدعوى الأولى والشهادة، ولا بقي على المقر للمقر له، لأنه أدعى ما يبطل إقراره؛ لأنه أدعى أنه لم يكن له قط، وعلى هذا الاعتبار لا يصح إقراره بالملك لغيره، وقد صدقه المقر له في ذلك فبطل إقراره.
وأما إذا صدقه المقر له في الإقرار، وكذبه في النفي بأن قال المقر له الدار كانت للمقر وهبها لي بعد القضاء وقبضتها منه، ذكر في (الكتاب) أن الدار تدفع إلى المقر له، وهذا الجواب ظاهر فيما إذا بدأ بالإقرار، ثم بالنفي؛ لأنه يدعي بطلان الإقرار بعد صحته ظاهرًا، والمقر له كذبه في بطلان إقراره، فلم يبطل إقراره، ويضمن قيمة الدار في هذا الوجه للمقضي عليه؛ لأن في زعمه أنه صاحب الدار، وقد عجز عن تسليمها بسبب إقراره الأول، فيضمن قيمتها كما لو انهدمت الدار. يشكل فيما إذا بدأ بالنفي، وفي هذا الوجه ينبغي أن لا يصح إقراره، لأنه لما بدأ بالنفي، فقد أكذب شهوده فيما شهدوا به؛ لأنهم شهدوا أن الدار من الأصل له، وقد أقر أنها ليست له من الأصل، وأقر ببطلان القضاء، وأن الدار ملك للمقضي عليه، فإذا قال بعد ذلك: ولكنها لفلان حصل مقرًا بملك الغير، فينبغي أن لا يصح إقراره والجواب: أن تصحيح إقراره واجب ما أمكن، وأمكن تصحيح إقراره بتقديم إقراره على النفي، والتقديم والتأخير شائع في الكلام، فقدمنا إقراره تصحيحًا، ولكن يجب أن يكون قوله: ولكنها لفلان موصولًا بالنفي؛ لأنه إنما يقدم الإقرار ويؤخره تصحيحًا إذا كان الكلام بعضه موصولًا بالبعض.
قالوا: ما ذكر محمد رحمه الله في (الكتاب) أن المقر له إذا قال: وهبها لي بعد القضاء، وقبضتها منه فهي لي بالهبة، إنما يصح هذا إذا غابا عن مجلس القضاء حتى أمكن للقاضي تصديق المقر له فيما ادعى من الهبة، فأما إذا قال هذا في مجلس القضاء، فقد علم القاضي كذبه؛ لأنه علم أنه لم يجر بينهما هبة، وما يكون كذبًا كان وجوده والعدم بمنزلة، فينبغي أن لا يصح إقرار المقر في هذا الوجه.
قالوا أيضًا: قول محمد في (الكتاب) أن القاضي يقضي بقيمة الدار للمقضي عليه على المقضي له قول محمد، وهو قول أبي يوسف الأول؛ لأن العقار إنما يضمن بالغصب عند محمد وأبي يوسف الأول رحمهما الله.
ومنهم من قال: هذا قول الكل؛ لأن العقار عند أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر يضمن بإتلاف الملك إن كان لا يضمن بالغصب، ألا ترى أنه يضمن بالشهادة بالملك عند الرجوع؟ وإنما يضمن لإتلاف الملك، والمقضي له أتلف الملك على المقضي عليه هاهنا.
ولو قال المقضي له: هذه الدار ليست لي إنما هي لفلان، فهذا وما لو قال: هذه الدار لفلان لا حق لي فيها سواء، حتى لا يبطل قضاء القاضي بالدار للمقضي له، لأن قوله: ليست لي نفي للملك للحال، فيحمل أنه إنما نفاه للحال؛ لأنه ملكه من المقر له بعد القضاء، ويحتمل أنه نفاه للحال؛ لأنه لم يكن له من الأصل، ولا ينقض القضاء بالشك.
وفي (الجامع) أيضًا: رجل في يديه دار جاء رجل وادعى أنها كانت لأبيه، مات وتركها ميراثًا له، وأقام على ذلك بينة، وقضى القاضي له بالدار، ثم جاء رجل آخر وادعى أنها داره اشتراها من أب المقضي له، في حال حياته وصدقه المقضي له بذلك، فإن الدار ترد على المقضي عليه ويبطل القضاء، لأن المقضي له أكذب شهوده على وجه لا يمكن التوفيق؛ لأن وراثه من أبيه دارًا باعها الأب في حال حياة لا تصور فيبطل القضاء، وإذا بطل القضاء وجب رد الدار على المقضي عليه، ويقال لمدعي الشراء: أقم البينة على المقضي عليه أنها كانت لأب المقضي له، وأنك اشتريتها منه، فإن أقام البينة على هذا الوجه قضى بالدار له، وما لا فلا، والله أعلم.

.الفصل الحادي عشر: في العدوى وتسمير الباب والهجوم على الخصم وما يتصل بذلك:

وإذا تقدم رجل إلى القاضي وادعى على رجل حقًا، والقاضي لا يعرف أنه محق أو مبطل وأراد الاعداء على خصمه، يريد به أنه طلب من القاضي أن يحضر خصمه، فهذا على وجهين:
الأول: أن يكون المدعى عليه في المصر، وإنه على وجهين أيضًا:
الأول: أن يكون المدعى عليه رجلًا صحيحًا، أو امرأة برزة تخالط الرجال، وفي هذا الوجه: القياس أن لا يعديه؛ لأنه يتضرر به المدعى عليه؛ لأنه ينقطع عن أشغاله، ومجرد الدعوى لا تصلح سببًا للاستحقاق، خصوصًا إذا كان فيه إضرارًا بالغير، وفي الاستحسان يعديه بالآثار المشهورة في هذا الباب من جملة ذلك:
ما روي: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدا أبا جهل» وعن عثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أنهم عدوا، وجرى التوارث بهذا إلى يومنا من غير نكير منكر، ولأن القاضي مأمور في فصل الخصومة، وفصل الخصومة إما بالبينة، والبينة لا تسمع إلا على الخصم الحاضر، وإما بالإقرار واليمين، وذلك لا يتحقق بدون حضرة المدعى عليه، والمدعى عليه لا يحضر بنفسه، والمدعي لا يتمكن من إحضاره؛ لأنه يقابله، فيقبض القاضي لإحضاره.
ثم الإعداء، على نوعين:
أحدهما: أن يذهب القاضي بنفسه، والثاني: أن يبعث من يحضره، ورسول الله عليه السلام فعل كلا النوعين، إلا أن في زماننا القاضي لا يذهب بنفسه، إما لأن الخصومات تكثر على باب القاضي، فلو ذهب في كل خصومة بنفسه لا يتفرغ لفصل الخصومات، أو لأن حشمة القاضي بأعوانه، فلو ذهب مع كل الأعوان كان حرجًا، ولو ذهب بنفسه يستخف به، فلا يحصل المقصود بالذهاب بنفسه، وأما حشمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوته كانت بنفسه، فكان يحصل المقصود بذهابه بنفسه.
الوجه الثاني: من هذا الوجه، وهو ما إذا كان المدعى عليه في المصر، ويكون مريضًا، أو امرأة مخدرة، وهي التي لم تعتد لها الخروج، فالقاضي لا يعديهما، أما المريض فلأنه معذور، قال الله تعالى: {ولا على المريض حرج} [النور: 61] وأما المرأة المخدرة، فلأنه لا فائدة في إحضارها؛ لأن الحياء يمنعها عن التكلم، وعن جواب الخصم، وربما يصير ذلك سببًا لفوات حقها، بخلاف ما إذا كانت برزة تخالط الرجال، لأنها تتمكن من الجواب، ومن إقامة الحجة، فكان في إحضارها فائدة.
وتكلم المشايخ في مقدار المرض الذي لا يعيد به القاضي، قال بعضهم: أن يكون بحال لا يمكنه من الحضور بنفسه والمشي على قدميه، ولو حمل أو ركب على أيدي الناس يزداد مرضه، وقال بعضهم: أن يكون بحال لا يمكنه الحضور بنفسه، وإن كان يمكنه الحضور بالركوب وحمل الناس من غير أن يزداد مرضه، لأن بهذا القدر حل التخلف عن الجماعة، فكذا من الحضور مجلس الحكم، وهذا القول أوضح وأوفق، ثم إذا لم يحضرهما يعني المريض والمخدرة ما يصنع القاضي؟ فالمسألة على وجهين:
إن كان القاضي مأذونًا بالاستخلاف، يبعث خليفته إليهما ليقضي بينهما وبين خصومهما، لأن مجلس الخليفة مجلس القاضي لكون الخليفة قائم بمقام القاضي، وإن لم يكن القاضي مأذونًا بالاستخلاف يبعث القاضي إليه أمينًا من أمنائه فقيهًا، ويبعث معه شاهدين عدلين حتى يخبرا القاضي بما يجري، لأنه لا يثبت بقول الأمين ذلك؛ لأنه شهد على فعل نفسه، ولأنه واحد، وإنما يبعث معه شاهدين عدلين ممن يعرفان المرأة وَالمريض، لأن المقصود من بعث الشاهدين أن يخبرا القاضي بما جرى بين المريض والمرأة، والمدعى عليهما، وهذا المقصود إنما يحصل إذا كانا يعرفانهما. وينبغي للقاضي إذا بعث الأمين أن يبين له صورة الاستحلاف وكيفيته، حتى إذا أنكر المدعى عليه حلفه على ما هو رأي القاضي، فالناس يختلفون في كيفية الاستحلاف، فلهذا قال: يبين له ذلك.
ثم إذا ذهبوا إلى المدعى عليه، فالأمين يخبره بما ادعى عليه، فإن أقر بذلك أشهد عليه الشاهدين بما أقر به بحضرة وكيله، فيقضي القاضي بحضرة وكيله، وإن أنكر فالأمين يقول للمدعي: ألك بينة؟ فإن قال: نعم، يأمر المدعى عليه أن يوكل وكيلًا ليحضر مع خصمه في مجلس القضاء، فتقام عليه البينة بحضرة وكيله، وإن قال: ليس لي بينة، فالأمين يحلف المدعى عليه، وإن حلف أخبر الشاهدان القاضي بذلك حتى يمنع المدعي من الدعوى إلى أن يجد بينة، وإن نكل عن اليمين ثلاث مرات أمره الأمين أن يوكل وكيلًا يحضر مع خصمه مجلس الحكم ويشهد عليه الشاهدين بنكوله، ويقضي القاضي عليه بالنكول.
هكذا ذكر الخصاف رحمه الله في (أدب القاضي)، وهذا إشارة إلى أنه لا يشترط للقضاء بالنكول أن يكون على فور النكول، وهو مذهب الخصاف، كما لا يشترط للقضاء بالبينة والإقرار أن يكون على فورهما، ولا يمكن للقاضي أن يقضي بنكول كان عند الأمين، وهذا لأن النكول قد يكون تورعًا عن اليمين الكاذبة، وعلى هذا التقدير القاضي يقضي، وقد يكون ترفعًا عن اليمين الصادقة.
قالوا: وعلى هذا التقدير القاضي لا يقضي وإنما يعين التورع عن اليمين الكاذبة بقضاء القاضي، فيجب أن يكون القضاء على فوره حتى يعين التورع عن اليمين الكاذبة، فعلى قول هذا القائل: الأمين يقضي عليه بنكوله، ثم ينقل الشاهدان قضاء الأمين إلى مجلس القاضي، فيمضي القاضي قضاء الأمين بمحضر من وكيله، وبعض مشايخنا، قالوا: إذا لم يكن القاضي مأذونًا بالاستخلاف ينبغي أن يقول للمدعي أتريد هذا حكمًا يحكم بينكما.
فإن قال: نعم يبعثه إلى المدعى عليه، فإن رضي بحكومته، فحكم بينهما جاز، والتحكيم جائز وحكم الحاكم نافذ، وسيأتي بيانه بعد إن يشاء الله تعالى هذا إذا كان المدعي عليه خارج المصر وهو الوجه الثاني من هذا الفصل.
وإنه على وجهين أيضًا: الأول: أن يكون قريبًا من المصر، والجواب فيه كالجواب فيما إذا كان في المصر، فيعديه بمجرد الدعوى استحسانًا لما مر، (الثاني) وإن كان بعيدًا من المصر لا يعديه بمجرد الدعوى، والفاصلة بين القريب والبعيد إنه إذا كان بحيث لو ابتكر من أهله أمكنه أن يحضر مجلس الحكم، وبحيث يبيت في منزله، فهذا قريب، وإن كان يحتاج إلى أن يبيت في الطريق، فهذا بعيد وإنما لا يعديه إذا كان بعيدًا على هذا التفسير، لأن في الإعداء إضرارًا به، فإنه يتضرر بالبيتوتة في غير أهله.
ونظير هذا ما قال أصحابنا رحمهم الله: في الفرقة، إذا وقعت الفرقة بين الزوجين وبينهما ولد، فأرادت أن تنقل ولدها إلى قريتها، إن كان بحيث يمكن للزوج أن يزور ولده وينظر في أمره، ويبيت في أهله، فلها أن تنقل وإلا فلا.
وكذلك المضارب ينفق من مال نفسه في المصر لا من مال المضاربة، وإذا سافر ينفق من مال المضاربة، وإن خرج إلى قرية فإن كان بحيث يمكنه أن يعود إلى أهله في يومه ويتعيش عندهم، فإن نفقته لا تكون في مال المضاربة، وهو والمسافر سواء، ولهذا قال أصحابنا رحمهم الله: إنه ينبغي للقاضي أن ينصب قاضيًا على مسيرة يومين من المصر، لأنه إذا كان بين المصر والقرية مسيرة يومين يحتاج إلى إحضار الخصم بالدعوى وفيه ضرر؛ لأنه يحتاج إلى أن يبيت في الطريق، وينقطع عن أشغاله.
ثم على قول من أخذ بالقياس في هذه الفصول إذا لم يعده بمجرد الدعوى، إذا كان بعيدًا من المصر ماذا يصنع؟ ذكر الخصاف في (أدب القاضي): أن القاضي يأمر المدعي بإقامة البينة على ما ادعاه، ولا تكون هذه البينة لأجل القضاء، وإنما تكون الأصل الإحضار، وقد يكون البينة لا لأجل القضاء كما في كتاب القاضي، فإن هناك المدعي يقيم البينة ليكتب له، لا ليقضي له، فإذا أقام بينة على ما ادعى أمر بإحضاره، والمستور في هذا يكفي، فإذا حضر أمر المدعي بإعادة البينة ليقضي بها.
وبعض مشايخنا قالوا: القاضي يحلف المدعي على ما أدعى، فإن حلف أحضره، وإن أرسل القاضي إلى المدعى عليه من يحضره، فلم يجده، فقال المدعي للقاضي: إنه توارى عني، وطلب التسمير والختم يعني على باب داره فالقاضي يكلفه إقامة البينة، على أنه في منزله؛ لأن القاضي بالتسمير يجعل الدار سجنًا عليه، إن كان هو في الدار، وإن لم يكن في الدار يمنع الدار عنه، وكل ذلك عقوبة فلابد من الجناية، وإنما تتحقق الجناية إذا كان في الدار، وأبى الحضور، فإن جاء شاهدان يشهدان أنه في منزله، فالقاضي يسألهما: من أين علمتما؟ لما ذكرنا أن التسمير عقوبة، والاحتياط في العقوبات واجب، فإن قالا: رأيناه فيه اليوم أو أمس أو منذ ثلاثة أيام قبل القاضي ذلك، وأمر بالختم؛ لأن الظاهر أنه حاضر، فتتحقق الجناية لكنه أخفى نفسه كما قال المدعي، وإن كانت الرؤية قد تقادمت لا يقبل ذلك منهما؛ لأن الرؤية إذا تقادمت يحتمل أنه سافر بعد الرؤية، قبل الدعوى، فلم تتحقق الجناية، ثم جعل ما زاد على ثلاثة أيام متقادمًا، قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: الصحيح أن ذلك مفوض إلى رأي القاضي.
وإن تقادمت رؤية الشاهدين، إلا أنه كان لا يمكن للمدعي الدعوى لتأخر خروج قرعته، بأن كان القاضي أقرع بين الخصوم ليعلم كل أحد نوبة دعواه فقبل ذلك منه، لأنه عذر.
ثم إذا أراد القاضي التسمير، فكما إذا سمر الباب من جانب السكة سمر الباب الذي هو من جانب السّطح؛ لأن المقصود جعل الدار سجنًا عليه؛ لأنه لو ظفر به حبسه في السجن، فإذا لم يظفر به جعل الدار سجنًا عليه، وإنما يصير البيت سجنًا عليه بتسمير كلا البابين.
فإن قال الخصم للقاضي بعد ما ختم الباب ومضى أيام: قد حبس في الدار ولا يحضر فانصب لي عنه وكيلًا، أقيم عليه البينة، فإن أبا يوسف رحمه الله كان يقول القاضي يبعث رسولًا، ومعه شاهدان؛ لأن قوله غير مقبول على فعل نفسه، فيحتاج إلى شاهدين ليشهدا له بما يجري عند القاضي، فينادي الرسول على باب الخصم ثلاثة أيام كل يوم ثلاث مرات: يا فلان بن فلان القاضي يقول: احضر مع خصمك فلان بن فلان مجلس الحكم، وإلا نصبت عنك وكيلًا، وقبلت البينة عليك بحضرة وكيلك، فإذا فعل ذلك ولم يحضر نصب القاضي عنه وكيلًا، وسمع البينة عليه، وأمضى الحكم عليه بحضرة وكيله.
قال الخصاف رحمه الله في (أدب القاضي): وقال غير أبي يوسف رحمه الله: لا أرى أن أنصب عنه وكيلًا، فقد بين أن هاهنا مخالف لأبي يوسف، ولم يذكر المخالف، فقيل: المخالف أبو حنيفة لا محمد رحمهما الله، فقد روى ابن سماعة عن محمد رحمه الله مثل قول أبي يوسف، وكان القاضي الإمام أبو علي النسفي رحمه الله يقول: رأيت في بعض روايات (النوادر) عن أبي حنيفة رحمه الله مثل قول أبي يوسف. ونصّ في (المنتقى) عن أبي حنيفة رحمه الله، أن القاضي لا يقضي عليه حتى يحضر.
وفي (نوادر هشام): سألت محمدًا رحمه الله ما تقول في سلطان لإنسان قبله حق، فلا يجيب إلى القاضي، فأخبرني أن أبا يوسف رحمه الله كان يعمل بالأعذار، وهو قول أهل البصرة، قال:
وصورة ذلك: أن يبعث القاضي رسولًا إليه من قبله ينادي على بابه، أن القاضي يقول: أجب ينادي بذلك أيامًا، فإن أجاب، وإلا جعل القاضي لذلك السلطان الذي أبى أن يجيب وكيلًا، فيخاصم هذا المدعي فقلت له: فهل أنت تجعل له وكيلًا؟ فقال: نعم، فقلت: فلا تكون قضيت على الغائب، فقال: لا، قال: وكان أبو حنيفة لا يعمل بالأعذار.
وأما الهجوم على الخصم، وصورته:
أن يكون لرجل على رجل دين، فيتوارى المديون في منزله، ويبين ذلك للقاضي فيبعث أمينين من رفاقه، ومعهما جماعة من أعوان القاضي ومن النساء إلى منزله بعثه حتى يهجموا إلى منزله، ويقف الأعوان بالباب، وحول المنزل وعلى السطح حتى لا يمكنه الهرب، ثم تدخل النساء المنزل من غير استئذان وحشمه فيأمرن حرم المطلوب حتى يدخلن في زاوية، ثم يدخل أعوان القاضي، ويفتشون الدار غرفها وما تحت السرر حتى إذا وجدوه أخرجوه، وإذا لم يجدوه يأمرون النساء حتى يفتشن النساء فربما تزيّا بزي النساء، فهذا هو صورة الهجوم فإذا طلب المدعي ذلك من القاضي، هل يفعل القاضي؟
قال صاحب (الأقضية): وسع فيه بعض أصحابنا قالوا: أراد به أبا يوسف رحمه الله، فقد روى عنه أنه كان يفعل ذلك في زمن قضائه، وقد روي عن هشام عن محمد رحمه الله مثل هذا أيضًا، وأصل ذلك ما روي عن عمر رضي الله عنه: أنه هجم على بيت رجلين أحدهما قرشي، والآخر ثقفي بلغه أن في بيتهما شراب، فوجد في بيت أحدهما دون الآخر، وكذلك هجم على بيت ناصبة بالمدينة، وأخرجها وعلاها بالدرة حتى سقط الخمار عن رأسها، وعن هذا قال أصحابنا رحمهم الله: لا بأس بالهجوم على بيت المفسدين، والدخول فيه من غير استئذان، إذا سمع منه صوت فساد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: ظاهر المذهب عندنا أنه لا يجوز الهجوم للقاضي؛ لأن فيه هتك ستر المسلم، وهتك حرمة محارم المسلم، وذلك لا يجوز.
وإن رأى القاضي أن يعطي المدعي طينة أو خاتمًا لإحضار الخصم جاز؛ لأن المقصود إحضار الخصم، وكما يحصل هذا المقصود بالراحل يحصل بالعلامة، وفي العلامة لا يحتاج المدعي إلى أن يحمل مؤنة الراحل، فكما جاز بعث الراحل فكذا يجوز بعث العلامة من طريق الأولى، والقضاة في هذا مختلفون، بعضهم اختاروا دفع طينة، وبعضهم اختاروا قطع قرطاس، وبعضهم اختاروا دفع الخاتم، والخصاف اختار بذل العلامة في المصر، والأشخاص خارج المصر؛ لأن في المصر نقل مؤنة الراحل، فاختاروا بذل العلامة خارج المصر لهذا.
ولو أعطاه القاضي طينة أو خاتمًا وذهب به إلى الخصم ينبغي له أن يقول للخصم: هذا خاتم القاضي فلان يدعوك أتعرفه، فإن قال نعم أعرفه، ولكن لا أحضر، أشهد المدعي على ذلك شاهدين حتى يشهدان عند القاضي بتمرده، فإذا شهدا بذلك بعث القاضي من يحضره، أو يستعين على ذلك بالوالي، لأن الوالي نصب لإحياء حقوق الناس.
واختلف العلماء في أجرة الشخص، بعضهم قالوا: هي في بيت المال، وبعضهم قالوا: على المتمرد؛ لأنه صار جانيًا بالتمرد، ولأجل ذلك احتيج إلى الشخص، فسبب وجوب هذه الأجرة كان منه، فيكون في ماله، وهو نظير ما قلنا في السارق: إذا قطعت يده فأجرة الحداد، وثمن الدهن الذي يحسم به عروقه على السارق، لأنه تقدم منه سبب وجوبها وهو السرقة كذا هاهنا.
ثم إذا حضر المدعى عليه مجلس القاضي، فالقاضي يأمر المدعي بإعادة البينة على تمرده، لأنه يريد معاقبته، فلابد من إثبات الجناية عليه، وتلك البينة قامت على الغائب، فلا يكتفي بها لعقوبته، فإذا أعاد البينة عاقبه على ما صنع من التمرد وإساءة الأدب، وكذلك لو كان المدعى عليه في الابتداء قال: أحضر، ثم لم يحضر، لأنه ظهر تمرده بفعله، إلا أنه يعاقبه في هذه الصورة دون ما يعاقبه في الصورة الأولى؛ لأن هذا انقاد قولًا لا فعلًا، والأول ما انقاد قولًا، ولا فعلًا.
ثم قال: ولا يشترط التعديل في هذه الشهادة يعني في الشهادة على التمرد، والمستور يكفي، وهذا قول الخصاف رحمه الله، وهكذا نقل عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة رحمهم الله.
وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه يشترط التعديل، وهكذا روي عن محمد رحمه الله، ووجهه أن في هذه الشهادة إلزام العقوبة على المدعى عليه، فيشترط التعديل في الشهادة على سائر العقوبات.
ولو كان القاضي من الابتداء أمر المدعي أن يأخذ طينة الأمير لإحضار المدعي، فذلك جائز؛ لأن المقصود ربما لا يحصل بطينة القاضي، ويحصل بطينة الأمير؛ لأن للأمير من الحشمة ما ليس للقاضي، فكانت طينة الأمير أقرب إلى حصول المقصود.
وفي (الفتاوى): أن من أراد أن يستوفي حقه من باب السلطان، ولا يذهب (إلى) باب القاضي فهو مطلق فيه شرعًا، ولكن لا يفتى به، وبعض مشايخ زماننا على أنه إنما يطلق له في ذلك إذا ذهب إلى القاضي أولًا، وعجز عن الاستيفاء من جهته، أما لو أراد الذهاب إلى باب السلطان أولًا لا يطلق له في ذلك، وبه يفتى، وإذا ذهب إلى باب السلطان، والتمس حوب داره لإحضار خصمه، وأخذ حوب دار من خصمه زيادة على الرسم، هل للخصم أن يرجع بالزيادة على المدعي؟ ينظر إن ذهب المدعي إلى القاضي أولًا، وعجز عن استيفاء حقه من جهة القاضي، لا يرجع الخصم بالزيادة على المدعي، وإن لم يذهب إلى القاضي أولًا يرجع.
وإذا كان المديون يسكن في دار بأجر، وطالبه الغريم بالخروج إلى باب الحاكم، فامتنع، فالقاضي هل يسمر الباب عليه؟ اختلف المشايخ فيه، والصحيح أنه يسمر.
في (فتاوى أبي الليث) في كتاب الشهادات، وفي (مجموع النوازل) إذا كان المديون يسكن في دار زوجته. وأبى الخروج إلى الحاكم، فالقاضي يسمر الباب عليه؛ لأن في هذا الباب العبرة للمساكنة، حتى لو ثبت عند القاضي أنه نقل الأمتعة عنها، ولم يبق ساكنًا فيه لا يسمر الباب، والله أعلم.

.الفصل الثاني عشر: فيما يقضي القاضي بعلمه، وفي القضاء بأقل من شهادة الاثنين:

القاضي إذا علم بحادثة في البلدة التي هو فيها قاض في حال قضائه، ثم رفعت إليه تلك الحادثة في البلدة، وهو في قضائه بعد، يقضي بعمله في حقوق العباد قياسًا واستحسانًا، في الأموال وغيرها، كالنكاح والطلاق وغير ذلك فيه على السواء، لأن العلم الحاصل له بمعاينة السبب فوق العلم الحاصل بالشهادة؛ لأن في الشهادة احتمال الكذب، ولا احتمال في المعاينة، ثم القاضي يقضي بالشهادة في هذه الحقوق، فبمعاينة السبب أولى.
ثم إن صاحب (الأقضية) ذكر في هذه المسألة إذا علم بحادثة في حال قضائه، وفي مجلس قضائه.
وذكر الخصاف في هذه المسألة إذا علم في البلدة التي هو فيها قاضي في حال قضائه في مجلس قضائه، أو في غير مجلس قضائه.
وفي (المنتقى) عمرو بن أبي عمرو عن محمد رحمه الله في (الإملاء): قال أبو حنيفة رحمه الله: ما أقرّ به رجل بين يدي القاضي أخذه به إلا الحدود الخالصة للهِ تعالى نحو الزنا وشرب الخمر والسرقة، قال: هذا إذا أقرّ به عند القاضي في مجلس القضاء، أما إذا أقرّ به في غير مجلس القضاء لم يأخذه بشيء من ذلك، وهذا قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله هذا الذي ذكرنا في حقوق العباد، أما في الحدود الخالصة لله تعالى يقضي بعلمه قياسًا، ولا يقضي بعلمه استحسانًا؛ لأن الحدود الخالصة لله تعالى، يستوفيها الإمام من غير أن يكون هناك خصم مطالب، فلو قضى بعلم نفسه يتهمه بعض الناس بالحدود، وبالإقامة بغير حق، وعليه أن يصون نفسه عنه، بخلاف القصاص وحد القذف؛ لأن هناك خصم مطالب، إلا أنه إذا أتى بالسكران، فالقاضي يعزره لأجل التهمة، لما به من أمارات السكر، ولا يكون ذلك حدًا.
وأما إذا علم بحادثة قبل أن يستقضى، ثم استقضي، ورفعت إليه تلك الحادثة، وهو قاض فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله لا يقضي بذلك العلم، وعلى قول أبي يوسف: ما ذكرنا أن العلم الحاصل بالمعاينة فوق العلم الحاصل بالشهادة، ومذهب أبي حنيفة رحمه الله مذهب شريح والشعبي.
والمعنى فيه أن العلم الحاصل قبل القضاء علم شهادة، وأنه دون علم القضاء؛ لأن علم القضاء علم بما هو ملزم، فإن القضاء ملزم وعلم الشهادة ليس بملزم؛ لأن الشهادة لا تصير ملزمة إلا بقضاء القاضي، فلو جاز القضاء إما أن يجوز بذلك القدر، ولا وجه إليه، وإما أن يقال يزداد علمه ولا وجه إليه؛ لأن الموجود ليس إلا تقلد القضاء، وإنه لا يوجب زيادة العلم.
وأبو يوسف رحمه الله احتج على أبي حنيفة رحمه الله، فقال: ألا ترى أن رجلًا لو سمع رجلًا طلق امرأته أو أعتق أمته، وهو يقدر على أن يحول بين المرأة والأمة، وبين الزوج والمولى، يجب عليه أن يحول بينهما فإذا استقضي لا يحول، قال: وألا ترى أن رجلًا لو رأى رجلًا يغصب ثوبًا من غيره، وهو يقدر على نزع الثوب من الغاصب ورده إلى المالك يلزم النزع والرد عليه، فإذا استقضي لا يلزمه ذلك.
وأبو حنيفة رحمه الله، يقول في المسألة الأولى: إذا استقضي يحول بين الزوج والمولى، وبين المرأة والعبد، ولكن لا يقضي بالطلاق والعتاق كما كان يفعل قبل الاستقضاء، وفي المسألة الثانية يقول: إن رده لا على وجه الحكم فله ذلك، وهو فيما صنع مأجور، وإن رده على وجه الحكم فليس له ذلك، وهو فيما صنع مخطئ كما قبل القضاء.
فالحاصل: أن على قول أبي حنيفة ما كان له قبل القضاء وهو الحيلولة ورد الثوب لا على وجه الحكم، فهو باق بعد القضاء، وما لم يكن له قبل القضاء ليس له ذلك بعد القضاء، والحكم بذلك العلم لم يكن له قبل القضاء؛ فلا يجوز أن يستفيده، بتقلد القضاء.
ولو علم بحادثة وهو قاض، ولكن في مصر هو ليس بقاض فيه، ثم حضر مصره الذي هو قاض فيه، ثم رفعت إليه تلك الحادثة، وأراد أن يقضي بهذا العلم، فهو على الخلاف الذي مرّ، وهذا لأنه في المصر الذي ليس بقاض فيه بمنزلة واحد من الرعايا، فلا يكون علمه في ذلك المصر علم قضاء، فلا يصير علم قضاء بدخوله في المصر الذي هو فيه قاض.
ولو علم بحادثة وهو قاض، ولكن في رساتيق المصر الذي هو قاض (فيه)، ثم دخل المصر، ورفعت إليه تلك الحادثة لا شك على قولهما أنه يقضي بذلك العلم.
فأما على قول أبي حنيفة رحمه الله اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: إذا لم يكن مقلدًا على القرى حتى كان له أن يقضي في المصر، وليس له أن يقضي في القرى لا يقضي، بمنزلة ما لو علم بحادثة في مصر، هو ليس بقاض فيه، ثم رجع إلى مصره الذي هو فيه قاض، فأما إذا كان مقلدًا على القرى، بأن كان في منشوره تقليد البلدة ونواحيها كان له أن يقضي؛ لأنه إذا كان مقلدًا على القرى كما هو مقلد على النواحي، كان له أن يقضي في القرى كما له أن يقضي في البلدة، فإنما استفاد العلم في حال قضائه، فيقضي به، وهذا القول يرجع إلى أن المصر ليس بشرط لنفاذ القضاء، وهو رواية عن أبي يوسف رحمه الله.
وقال بعض مشايخنا: وإن كان مقلدًا على القرى ليس له أن يقضي بذلك العلم على قول أبي حنيفة رحمه الله؛ لأنه وإن كان مقلدًا على القرى ليس له أن يقضي في القرى فما استفاد العلم في مكان قضائه، فكان علم شهادة لا علم قضاء، فلا يكون له أن يقضي بذلك العلم، وهذا القول يرجع إلى أن المصر شرط لنفاذ القضاء، وهو ظاهر رواية أصحابنا رحمهم الله، وهذا لأن القضاء من معالم الدين مختص بالأمصار كالجمعة والعيدين.
وفي (المنتقى) وما سمع خارجًا من المصر في أي وجه خرج لم يحكم به إلا أن يكون خرج للعيدين، فكأنه سمع في مجلس قضائه وهذا على قياس قول أبي حنيفة وزفر رحمهما الله.
وأما إذا علم وهو قاض في مصره، ثم عزل عن القضاء، ثم أعيد عليه بعد ذلك هل يقضي بذلك العلم؟ لا شك أن على قولهما يقضي، فأما على قول أبي حنيفة رحمه الله لا يقضي، لأن بالعزل صار ذلك العلم علم شهادة، ولم يبق علم قضاء، فلا ينقلب علم قضاء بعد ذلك بالتقليد، وصار كما لو شهد الشهود عند القاضي في حادثة وهو قاض، ثم عزل عن القضاء، ثم أعيد عليه، فإنه لا يقضي بتلك الشهادة كذا هاهنا.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد رحمه الله في حاكم أخبر بإعتاق رجل عبده، أو بطلاق رجل امرأته ثلاثًا، قال: إن أخبره بذلك عدلان، فينبغي أن يجتهد في طلب ذلك أشد الطلب حتى يظفر به، وينظر في أمره، يريد بهذا إذا أخبر أن فلانًا أعتق عبده ثم استرقه، أو طلق امرأته ثلاثًا ولا يعزل عنها، وإنما كان الجواب كذلك؛ لأن خبر العدلين حجة مطلقة يقطع الأحكام بها ويلزم القضاء بها، فيثبت المخبر به في حق القاضي؛ فلهذا كان عليه الطلب، وإن كان المخبر واحدًا عدلًا وكان أكثر رأيه أنه صادق، فالأفضل في ذلك طلبه، وإن لم يفعل رجوت أن يكون في سعة منه، وهذا لأن خبر الواحد العدل حجة في الديانات حتى عمل به في طهارة الماء ونجاسته، إلا أنه ليس بحجة مطلقة، فمن حيث إنه حجة وكان أكثر رأيه أنه صدق فالأفضل هو الطلب، ومن حيث إنه ليس بحجة مطلقة، قلنا: إن لم يطلب كان في سعة.
ونظير هذا رجل أخبره رجلان عدلان أنه مع امرأته ارتضعا من امرأة واحدة، لزمه الاجتناب عنها، ولو أخبره بذلك رجل واحد، فالأفضل أن يجتنب عنها، وإن أقام عليها فهو في سعة منها، والمعنى ما ذكرنا، ولو كان المخبر للحاكم رجل واحد لا يدري صدقه من كذبه، يعني لا يدري عدالته، فليس عليه الطلب أصلًا؛ لأن الخبر إنما يصير حجة بوصف الصدق، وإنما يثبت هذا الوصف للخبر بالعدالة، فإذا لم توجد العدالة لا يثبت هذا الوصف للخبر في حق الحكم، فلا يلزم الطلب أصلًا والله أعلم.

.الفصل الثالث عشر: في القاضي يجد في ديوانه شيئًا لا يحفظوفي نسيانه قضاءه، وفي الشاهد يرى شهادته ولا يحفظ:

إذا قضى القاضي بقضيته، وأتى على ذلك زمان، ثم احتاج المقضي له إلى تلك القضية، فشهد شاهدان عند ذلك القاضي أنك قد قضيت لهذا على هذا بكذا، ولا يتذكر القاضي ذلك، قال أبو حنيفة رحمه الله: لا تقبل هذه الشهادة، ولا يقضي إلا بما يحفظه، وكان أبو يوسف رحمه الله أولًا يقول: القاضي يقبل هذه الشهادة، ثم رجع فقال: لا يقبل، روى رجوعه بشر في (نوادره)، ومحمد رحمه الله يقول: القاضي يقبل شهادتهما، ويلزم المشهود عليه ذلك، وهو قول حسن بن زياد، وإسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة.
واجمعوا على أنه إذا لم يبينا المقضي عليه بأن شهدا عند القاضي أنك قضيت لهذا بكذا، ولم يقولا على من قضيت، أن القاضي لا يقبل شهادتها.
حجة محمد رحمه الله: أن الأقضية تكثر، ولكثرتها لا يمكن للقاضي حفظها، فلو لم يمكن إثباتها بالبينة لتعطلت الحقوق، ألا ترى أنه يمكن إثباتها بالبينة عند قاض آخر، وإنما أمكن إثباتها لما قلنا، وهذا الطريق موجود في هذا القاضي.
ولأبي حنيفة رحمه الله أنه لو قبلت هذه البينة صار القاضي خصمًا؛ لأنه بهذه البينة يثبت عليه فعله، والقاضي لا يصلح خصمًا، ألا ترى أن رجلًا لو أقام عليه بينة، أنك غصبت مني كذا، أو استقرضت مني كذا لا يقبل هذه الشهادة، وطريقه ما قلنا؛ ولأن القضاء أعلى مرتبة من الشهادة.
ولو شهد شاهدان عند رجل أنك تحملت شهادة كذا وهو لا يتذكر، لا يسعه أن يشهد بقولهما، فأولى أن لا يقضي القاضي بشهادتها.
وإذا وجد القاضي شهادة شهود في ديوانه، أي في خريطته، والخريطة مختومة بختم القاضي، والشهادة مكتوبة بخطه أو بخط نائبه، إلا أنه لا يتذكر تلك الشهادة فعلى قول أبي حنيفة: لا يقضي بتلك الشهادة، وعلى قولهما يقضي.
وكذلك إذا وجد سجلًا في خريطته، والخريطة مختومة بختمه والسجل مكتوب بخطه، أو بخط نائبه، فالقاضي لا يمضي ذلك السجل عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندها يمضي.
وإذا وجد الشاهد شهادته مكتوبة بخطه، وهو لا يتذكر الحادثة، فعامة المشايخ على أن هذا الفصل على الخلاف الذي مرّ ذكرهُ، وهو الظاهر، وذكر شمس الأئمة السرخسي أن على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لا يسعه أن يشهد، وعلى قول محمد يسعه.
وفي (نوادر بشر) عن أبي يوسف، كما ذكره شمس الأئمة، ومن هذا الجنس رواية الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا وجد الرجل سماعه مكتوبًا في موضع لكن لا يتذكر ذلك لا يحل له أن يروي عند أبي حنيفة، وعندهما له أن يروي، فشرط الرواية عند أبي حنيفة أن يحفظ الحديث من حين سمع إلى أن يروي، وعندهما الحفظ ليس بشرط.
فمحمد رحمه الله وسع في هذه الفصول كلها، وجوز للقاضي قبول الشهادة على قضائه، وجوز الاعتماد على المكتوب، وقال: النسيان مركب في الآدمي، فلو لم يجز الاعتماد على هذه الأشياء، عند النسيان لتعطلت الحقوق، وأبو حنيفة شدد في الكل، فلم يجوِّز للقاضي قبول الشهادة على قضائه، ولم يجوز الاعتماد على المكتوب في الفصول الثلاث، والوجه في ذلك: أن الشهادة والقضاء يثبتان على العلم، وكذلك رواية الأخبار؛ لأنها شهادة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا علم بدون التذكر، والكتاب لأجل التذكر لا لأجل الاعتماد عليه؛ لأنه لا يؤمن فيه الزيادة والنقصان، فبدون التذكر وجوده والعدم بمنزلة.
وأبو يوسف رحمه الله وسع فيما يجد القاضي في ديوانه مختومًا بخاتمه، وفي رواية الأخبار، وضيق في قبول القاضي الشهادة على قضائه، وفي الشاهد يجد شهادته مكتوبة بخطه على ما ذكره شمس الأئمة السرخسي، قال: الأخذ بالعزيمة فيما قاله أبو حنيفة رحمه الله إلا أن رواية الأحاديث ضرورة، لأن الإنسان سمع مثلًا عشرين ألف حديث، ولا يمكنه حفظ الكل، فلو لم يكن له أن يعتمد على خط سماعه لتعطل ذكر الحديث، وما يتوهم من التزويد في كتابة السماع نادر غاية الندرة، إذ لا يقع فيه ولا ضرر لأحد، وكذلك فيما يجده القاضي في ديوانه مختومًا، بختمه ضرورة؛ لأن القضاء يكثر ولا يحفظ الكل، فيقع الحاجة إلى الاعتماد على الخط، واحتمال الترديد منتف ظاهرًا؛ لأنه في يده مختوم بخاتمه، فالظاهر أنه لم يغير شيئًا منه، بخلاف الصك على ما ذكره شمس الأئمة السرخسي رحمه الله؛ لأن الصك لا يكون في يد الشاهد، فلا يأمن فيه الزيادة والنقصان حتى روي عنه أنه قال: لو كان الصك في يد الشاهد جاز له، أن يشهد وإن لم يتذكر.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد قال: سألت محمدًا رحمه الله، عن قاض يخرج من البلدة التي هو قاض فيها، ولم يخلف عيالًا هل له أن يضع قماطره عند من يثق به، من أهل البلدة وإذا رجع عمل بما فيه إذ القماطر بخاتمه والكتب الذي في جوف القماطر مختمة أو غير مختمة، والقاضي يذكر قضاياه أو لا؟ قال: لا بأس بهذا، وهذا أمر لا بأس به، ولا يمنع منه، ولو لم يجز ذلك لم يجز أن يحكم بما في بيته، لأنه لا يؤمن أن يغير شيئًا من ذلك بعض أهله.
قال في (كتاب الأقضية): ولو أن قاضيًا عزل عن القضاء ثم رد عليه، فإنه لا يعمل بشيء مما كان في ديوانه الأول إلا شيئًا يتذكره، اعلم بأن هذه المسألة على وجهين:
الأول: أن يتذكر ذلك، وفي هذا الوجه لا يقضي للخلاف، أما على قول أبي حنيفة رحمه الله؛ فلأن على قوله لا يقضي بما يجد في ديوانه الحالي، إذا كان لا يتذكر ذلك، فأولى أن لا يقضي بما يجد في ديوانه الأول، والفرق لهما: أن قضية القياس أن لا يقضي بما يجد في ديوانه الحالي إذا كان لا يحفظ ذلك كما قال أبو حنيفة رحمه الله؛ لأن القضاء بغير علم لا يجوز، لكن تركنا القياس في ديوانه الحالي ضرورة؛ لأن القاضي لكثرة اشتغاله لا يمكنه حفظ جميع الأشياء، فلو لم يجز العمل بما في الديوان عند النسيان ضاق الأمر على الناس مثل هذه الصورة، لا يتأتى في ديوانه الأول؛ لأن بالعزل يبطل حكم ذلك الديوان؛ لأنه لا يمكن العمل به، والباطل لا يعود، خصوصًا إذا كان ثبوته مع المنافي، فعمل بالقياس فيما يجد في ديوانه الأول كما عمل أبو حنيفة رحمه الله.

.الفصل الرابع عشر: في القاضي يقضي بقضية ثم بدا لهأن يرجع عنه، وفي وقوع القضاء بغير حق:

وإذا قضى القاضي بقضية، ثم بدا له أن يرجع عنها، فإن كان الذي قضى به خطأ لا يختلف فيه ردّه لا محالة؛ لأنه باطل، وإن كان ذلك مما يختلف فيه الفقهاء أمضاه لا محالة، وقضى في المستقبل بما يرى أنه أفضل.
واعلم بأن التحول من رأي إلى رأي في المجتهدات جائز؛ لأن المجتهد فيما اجتهد لا يكون مصيبًا الحق لا محالة، لأنه لا يعمل فيه بدليل قطعي، وإنما يعمل فيه بغالب الظن، فالدليل الموجب للعلم بالرأي الأول: غلبة الظن أنه هو الصواب، فإذا غلب على ظنه أن الصواب هو الثاني دون الأول، فقد وجد الدليل الموجب للعمل بالرأي الثاني فيعمل به، إلا أنه يعمل بالرأي الثاني في المستقبل دون الماضي؛ لأن الرأي الثاني حدث الآن، ولم يكن موجودًا في الماضي، فلا يجب العمل به حال عدمه يوضحه: أن الرأي الثاني ناسخ للأول، وإنما يعمل بالناسخ في المستقبل دون الماضي، وإليه أشار عمر رضي الله عنه حين قضى في حادثة بقضية، وقضى بعد ذلك في مثلها بخلافه، فقيل له في ذلك فقال تلك كما قضينا وهذه كما نقضي.
ثم قضاء القاضي إذا وقع بخلاف الحق لا يخلو عن وجهين: إما أن أخطأ فيما قضى أو يعتمد الجور فيما قضى وأقر بذلك، أو أخطأ وكل ذلك على وجهين: إما أن يكون ذلك في حقوق الله تعالى، أو في حقوق العباد.
فإن أخطأ وكان ذلك في حقوق إن أمكن التدارك والرد، بأن قضى بمال أو صدقة أو بطلاق أو عتاق، ثم ظهر أن الشهود عبيد أو كفار أو محدودون في القذف، فإنه يبطل ذلك القضاء، ويرد العبد رقيقًا ويرد المرأة إلى زوجها، ويرد المال إلى من أخذ منه؛ لأنه لما بطل القضاء عاد الأمر إلى ما كان قبله، وإن كان خطأ لا يمكن رده بأن كان قضى بالقصاص واستوفى، لا يقتل المقضي له بالقصاص، وإن تبين أنه قتل بغير حق ويصير صُورة القضاء شبهة مانعة وجوب القصاص، ولكن تجب الدية في مال المقضي له؛ لأن القتل الحرام في دار الإسلام لا يخلو عن عقوبة أو غرامة، وتعذر إيجاب العقوبة فتجب الغرامة، ويكون في مال المقضي له؛ لأنه تعذر الإيجاب على القاضي لأن خطأه موضوع عنه، إما لأنه مأمور بإتباع الظاهر، وقد اتبع الظاهر فقد أتى بالمأمور والإتيان بالمأمور به ينافي وجوب الضمان على المأمور، وإما لأنه يتقاعد عن أمر القضاء حتى لا يلزمه الضمان عند ظهور الخطأ الذي ليس في وسعه الاحتراز عنه، فيؤدي إلى تعطيل الأحكام؛ وإنه لا يجوز، وإذا تعذر إيجاب الغرامة على القاضي أوجبناها على المقضي له، لأن القاضي عامل له فكان عمل القضاء له فيكون الغرم عليه، ليكون الغرم بمقابلة الغنم، وهذا كله إذا ظهر خطأ القاضي بالبينة أو بإقرار من المقضي له.
فأما إذا ظهر ذلك بإقرار القاضي لا يظهر ذلك في حق المقضي له، حتى لا يبطل قضاؤه في حق المقضي له، لأن حق المقضي له قد تعلق بذلك، والقاضي بما قال يريد إبطاله.
وهو نظير الشاهد إذا رجع عن شهادته لا يعمل رجوعه في حق المقضي له، لا ينقضي القضاء، ولكن الشاهد يضمن كذا هنا.
وإن أخطأ وكان ذلك في حقوق الله تعالى، بأن قضى بحد الزنا أو بحد السرقة أو بحد شرب الخمر، واستوفى القطع والرجم والحد، ثم ظهر أن الشهود عبيد أو كفار أو محدودون في القذف، فضمان ذلك في بيت المال؛ لأنه تعذر إيجاب الضمان على القاضي لما مر، وهذا القضاء كان لجماعة من المسلمين، فيكون الغرم في مالهم، وإن كان القاضي تعمد الجور فيما قضى وأقر به فالضمان في ماله في هذه الوجوه كلها، بالجناية والإتلاف على المقضي عليه، فجناية القاضي وإتلافه على الغير سبب لوجوب الضمان، ويعزر القاضي على ذلك لإرتكابه الجريمة العظيمة، قال: ويعزل عن القضاء ولم يقل وينعزل عن القضاء، فهذا إشارة إلى أن القاضي بمجرد الفسق لا ينعزل، ولكن يستحق العزل، وقد مرّ هذا في صدر الكتاب والله أعلم.

.الفصل الخامس عشر: فيما إذا وقع القضاء بشهادة الزور، ولم يعلم القاضي به:

الكلام في هذا الفصل في مواضع:
أحدها في العقود والفسوخ، وفيها اختلاف على قول أبي حنيفة وأبي يوسف الأول، قضاء القاضي في العقود والفسوخ بشهادة الزور ينفذ ظاهرًا وباطنًا، وعلى قول محمد وأبي يوسف الآخر ينفذ ظاهرًا لا باطنًا صورة المسألة، في العقود كثيرة من جملتها:
رجل ادعى على امرأة النكاح وهي تجحد، وأقام عليها شاهدي الزور، وقضى القاضي بالنكاح بينهما، حل للرجل وطؤها وللمرأة التمكين منه عند أبي حنيفة وأبي يوسف الأول، وعندهما لا يحل لهما ذلك، والوجه لأبي حنيفة أن القاضي قضى بأمر الشرع، فيجب تنفيذه ظاهرًا وباطنًا ما أمكن، بيان الوصف: أن دليل الأمر بالقضاء شهادة شهودهم صدقة ظاهرًا كان الصدق حقيقة، فيما لا يوقف عليه، والشهود هاهنا صدقة ظاهرًا بيان التأثير أن القضاء وقع بأمر الشرع علم أنه وقع بحق، لأن الأمر بالباطل لا يكون، وإنما يكون هذا القضاء بحق إذا نفذ ظاهرًا وباطنًا وأمكن القول بنفاذه باطنًا، بإنشائه النكاح مقتضى القضاء سابقًا عليه، وللقاضي ولاية إنشاء النكاح في الجملة، وقد مست الحاجة هاهنا إلى الإنشاء حتى لا يقع قضاؤه تمكينًا من الحد له، فيثبت الإنشاء سابقًا على القضاء، وإذا ثبت الإنشاء كان الرجل واطئًا لامرأته، وكانت المرأة ممكنة من زوجها، وكل ذلك جائز وصورة المسألة في الفسخ كثيرة من جملتها:
امرأة ادعت على زوجها أنه طلقها ثلاثًا، وأقامت على ذلك شهود زور، وقضى القاضي بالتفرقة بينهما، وتزوجت بزوج آخر بعد انقضاء العدة، فعلى قول أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف الأول: لا يحل للزوج الأول وطؤها ظاهرًا وباطنًا، ويحل للزوج الثاني وطؤها ظاهرًا وباطنًا، علم بحقيقة الحال أن الزوج الأول لم يطلقها بأن كان الزوج الثاني أحد الشاهدين، أو لم يعلم بحقيقة الحال، بأن كان الزوج الثاني أجنبيًا وأما على قول أبي يوسف الآخر، وهو قول محمد رحمه الله: لا يحل للثاني وطؤها إذا كان عالمًا بحقيقة الحال لأن الفرقة عندهما لم تقع باطنًا، وإن لم يعلم بحقيقة الحال يحل له وطؤها، هكذا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في كتاب الرجوع، وهل يحل للأول وطؤها؟ على قول أبي يوسف الآخر: لا يحل مع أنه لم تقع الفرقة عنده باطنًا، لأنه لو فعل ذلك كان زانيًا عند الناس فيحدونه، هكذا ذكر في بعض المواضع.
وذكر شيخ الإسلام في كتاب الرجوع عن الشهادات: أن على قول أبي يوسف الآخر يحل للأول وطؤها سرًا، وعلى قول محمد: يحل للأول وطؤها ما لم يدخل بها الثاني، الآن يحل للأول وطؤها سواء كان الثاني يعلم بحقيقة الحال أو لم يعلم، وهذا الجواب على قول محمد رحمه الله ظاهر فيما إذا لم يعلم الثاني بحقيقة الحال؛ لأن الثاني تزوجها وهي في الباطن منكوحة الأول عند محمد إلا أن الثاني لم يعلم به، فكان النكاح الثاني فاسدًا عنده، فإذا دخل بها الثاني وجب عليها العدة من الثاني، فلا يحل للأول وطؤها وإن كانت امرأة الأول حتى تنقضي عدتها من الثاني، يشكل فيما إذا كان الثاني عالمًا بحقيقة الحال، لأنه إذا كان عالمًا بحقيقة الحال لا تجب العدة من الثاني بهذا الدخول؛ لأنه تزوجها وهو يعلم أنها منكوحة الأول فوقع نكاحه باطلًا، وكان هذا الوطء زنًا، ومنكوحة الإنسان إذا زنت لا يجب عليها العدة، ولا يحرم على الزوج وطؤها، والوجه في ذلك: أن هذا النكاح اختلف العلماء في جوازه، وكل نكاح هذا حاله، فالمدخول منه يوجب العدة، لأن أحدًا لم يقل بجواز ذلك النكاح، فلم ينعقد أصلًا، أما هاهنا بخلافه، ومن جملة صور الفسخ:
صبّي وصبيّة سبيا وهما صغيران فكبرا وأعتقا، ثم تزوج أحدهما الآخر، ثم جاء حربيّ مسلمًا وأقام بيّنة أنهما ولداه، فالقاضي يقضي بنسبهما ويفرق بينهما، فإن رجع الشاهدان عن شهادتهما حتى تبين أنهما شهدا بزور لا يسع الزوج وطؤها عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأنه يقضي عليه بالحرمة، وقد نفذ القضاء ظاهرًا وباطنًا، وكذلك على قول محمد لا يسع للزوج وطؤها؛ لأنه لا يعلم بحقيقة كذب الشهود، فإن كان تزوجها أحد الشاهدين يجب أن تكون المسألة على الخلاف، ومن جملة صور العقد: إذا قضى القاضي بالبيع بشهادة الزور وإنه على وجهين:
أحدهما: أن تكون الدعوى من جانب المشتري بأن ادعى رجل على غيره، أنك بعت مني هذه الجارية بكذا، وأقام على ذلك شهود زور، قضى القاضي بالجارية للمشتري نفد قضاؤه باطنًا عند أبي حنيفة حتى يحل للمشتري وطؤها، خلافًا لمحمد رحمه الله. بعض مشايخنا قالوا: يجب أن تكون مسألة البيع على التفصيل عند أبي حنيفة رحمه الله إن كان الثمن المذكور مثل قيمة الجارية أو أقل مقدار ما يتغابن الناس فيه، ينفذ قضاؤه باطنًا، وهكذا ذكر في (المنتقى) نصًا عن أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن طريق تصحيح القضاء عند أبي حنيفة رحمه الله في العقود والفسوخ، أن القاضي بقضائه يصير منشئًا لذلك التصرف، وإنما يصير القاضي منشئًا فيما له ولاية الإنشاء للبيع وله ولاية الإنشاء بمثل القيمة أو أقل مقدار ما يتغابن الناس فيه، وأما ليس له ولاية إنشاء البيع بأقل من القيمة قدر ما لا يتغابن الناس فيه؛ لأنه تبرع بمقدار العين فليس للقاضي ولاية إنشاء التبرع وبعضهم قالوا: لا بل ينفذ القضاء على كل حال؛ لأن البيع وإن كان تعين فهو مبادلة، ألا ترى أنه يملكه المكاتب والعبد المأذون، وإن كانا لا يملكان التبرع، فينفذ قضاؤه باطنًا عنده، كما في سائر المبادلات.
الوجه الثاني: أن تكون الدعوى من جانب البائع: وصورته: رجل ادعى على آخر أنك اشتريت مني هذه الجارية، وأقام على ذلك شهود زور، وقضى القاضي بذلك، حل للمشتري وطء الجارية، عند أبي حنيفة رحمه الله إن عزم المشتري على ترك الخصومة حل له وطؤها، لأن بدعوى البائع وجد أحد شطري العقد والقاضي بقضائه تولى الشطر الآخر من جهة المشتري بغير رضاه، فتوقف على اختياره، فإذا عزم على ترك الخصومة فقد اختاره، فينفذ في حقه، هذا إذا أقام المدّعي شهود زور، ولو لم يقم المدعي شهودًا وحلف المشتري ورد الجارية على البائع، إن عزم البائع على ترك الخصومة حل له وطؤها، لأن بجحود المشتري انفسخ الشراء في حقه، لأن جحوده ما عدا النكاح فسخ له، وتوقف الفسخ في حق البائع، على اجتهاده، فإذا عزم على ترك الخصومة فقد اختاره فتم الفسخ بينهما، فيحل للبائع وطؤها.
ثم اختلف المشايخ في تفسير العزم على ترك الخصومة قال بعضهم: تفسيره العزم بالقلب، فقد أثبت الفسخ من جهة البائع بمجرد العزم على الفسخ وإنه مشكل؛ لأن فسخ شيء من العقود لا يثبت بمجرد النية، ألا ترى أنه لو كان في البيع خيار شرط أو خيار رؤية ونوى بقلبه الفسخ لا ينفسخ بمجرد النية إلا أن يكون معنى المسألة: عزم على ترك الخصومة بالوطء، فيكون الفسخ بفعل اقترنت به النية لا بمجرد النية.
ومن جملة صور العقد: رجل ادعي على رجل هبة مقبوضة، وأقام على ذلك شهود زور، وقضى القاضي للمدعي، فعلى قول محمد رحمه الله ينفد القضاء ظاهرًا لا باطنًا حتى لا يحل للمقضي له الانتفاع به، وعن أبي حنيفة رحمه الله فيه روايتان بناء على أن قضاء القاضي بالتبرعات بشهادة الزور هل تنفذ باطنًا، فعن أبي حنيفة فيه روايتان.
في رواية لا ينفذ إذ ليس للقاضي ولاية إنشاء التبرع في الجملة، وأما الأملاك المرسلة، فالقضاء فيها بشهادة الزور لا ينفد باطنًا بالإجماع؛ لأن هناك لا يمكن تصحيح القضاء باطنًا، لأنه لا يمكن إنشاء الملك سابقًا؛ لأن إنشاء الملك مطلقًا بلا سبب ليس في وسع العباد، وتعذر إنشاء السبب لأن في أسباب الملك كثرة، وليس البعض أولى من البعض، وأما قضاء القاضي بالنسب بشهادة الزور فقد قيل إنه على الخلاف وقيل: إنه لا ينفد باطنًا بلا خلاف.
صورة المسألة: أمة ادعت على مولاها أنها ابنته وأنه أقر بذلك وأقام على ذلك شهود زور وقضى القاضي بذلك، حرم على المولى وطؤها عند أبي حنيفة خلافًا لمحمد رحمهما الله فإن مات الأب وترك ميراثًا هل يحل لها أكله؟ ذكر في كتاب الرجوع أنه يحل لها أكله من غير ذكر خلاف، واختلف المشايخ فيه.
بعضهم قالوا هو على الخلاف.
وبعضهم قالوا: لا يحل لها أكله بلا خلاف، فعلى قول هذا القائل يحتاج أبو حنيفة رحمه الله إلى الفرق بين النسب والنكاح، والفرق أنه في قضاء النكاح أمكن تصحيح قضائه باطنًا بإنشاء السبب، لأنه ادعى السبب، ففعله كذلك تصحيحًا لقضائه بقدر الممكن، أما هاهنا ما ادعى السبب؛ لأنه ادعى الملك بالإرث، والثابت للوارث.
عين ما كان ثابتًا للمورث على ما عرف، والثابت للمورث ملك مطلق، فكذا الثابت للوارث فعلم أن هذا دعوى ملك مطلق وقضاء القاضي في الأملاك المرسلة، لا ينفذ باطنًا.
وبعضهم قالوا: يحل لها أكل ميراثه بلا خلاف، فعلى قول هذا القائل يحتاج محمد رحمه الله إلى الفرق بين النسب وما تقدم، والفرق أن المرأة لا تعرف ثبات النسب وعلوقها حقيقة؛ لأن العلوق غيب عنها، وإنما يعرف بشهادة الشهود، فصار حالها كحال القاضي، من حيث أن كل واحد منهما يعتمد شهادة الشهود، فيحل لها أن تأكل ميراثه، أما في ما تقدم المدعي يعرف حقيقة الحال، ويعرف بطلانه في الدعوى وخطأ القاضي في قضائه، فلا يثبت القضاء في حقها ما لم يكن ثابتًا من قبل، وإن ماتت ذكر محمد هذه المسألة في كتاب الرجوع، وذكر أنه يحل له أكل ميراثها.
قال شيخ الإسلام رحمه الله وهذا الجواب على قول الكل؛ لأن الحال لا يخلو إما لو كانت أمته أو ابنته فإن كانت أمته، فهذا إرث أمته، فيحل له بالإجماع، وإن كانت ابنته كان ميراثًا حلالًا لها بالإجماع، وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله أن هذا الجواب مشكل عند الكل لو كان المذكور قول الكل، أما عند محمد فظاهر، وأما عند أبي حنيفة رحمه الله؛ فلأن طريق تصحيح قضاء القاضي عنده باطنًا إنشاء السبب، وليس للقاضي ولاية الإنشاء في الميراث والنسب قال محمد رحمه الله حتى قال بعض مشايخنا رحمهم الله: ما ذكر في (الكتاب) قول أبي حنيفة وتأويله أنه يأكل ميراثها بسبب الولاء، لأن القاضي قضى بالحرية، وله فيه ولاية الإنشاء، فيثبت الولاء له بقضاء القاضي هذه فيأكل ميراثها بسبب القرابة.
قال محمد رحمه الله: والأصح عندي أنه يأكل ميراثها عند أبي حنيفة رحمه الله بسبب القرابة، لأنه لما كان للقاضي ولاية الإنشاء في قطع النسب باللعان، كان له ولاية الإنشاء في القضاء بالنسب إذا صادف محله، وقد صادف محله هاهنا لأن ليس لها نسب معروف، فلهذا قال: يأكل ميراثها، وذكر شيخ الإسلام رحمه الله في كتاب الرجوع في موضع آخر أن النسب يثبت بقضاء القاضي باطنًا بشهادة الزور عند أبي حنيفة رحمه الله، وذكر وجه ذلك فقال: إن كان القاضي لا يملك إنشاء النسب لولاية القضاء من غير بينة يملك الإنشاء بشهادَةِ الزور، فيما يملك الخصمان إنشاءه على إحدى الروايتين عن أبي حنيفة رحمه الله، فإنه يقول على إحدى الروايتين: القاضي يملك إنشاء الهبة بشهادة الزور. حتى قال: بأن قضاء القاضي بشهادة الزور ينفذ باطنًا على هذه الرواية، والقاضي لا يملك إنشاء الهبة بولاية القضاء من غير بينة، ولكن طريقه أن الخصمان يملكان إنشاءها فيملك القاضي إنشاءها بشهادة الزور.

.الفصل السّادس عشر: في القضاء بخلاف ما يعتقده المحكوم أو المحكوم عليه:

وفيهِ بعض مسائل الفتوى:
رجل فقيه قال لامرأته: أنت طالق البتة، وهو نواها واحدة رجعية فراجعها ورافعته إلى قاضي، يراها ثلاثًا فجعلها ثلاثًا، وفرق بينهما، أو كان الزوج نواها واحدة بائنة فتزوجها، ورفعته إلى القاضي يراها ثلاثًا، وفرق بينهما نفد هذا القضاء ظاهرًا وباطنًا، حتى لا يحل له المقام معها، ولا يسعها أن تمكنه من نفسها، فإن كان الزوج نواها ثلاثًا، فرافعته إلى القاضي الذي يراها واحدة بائنة أو واحدة رجعية، فجعلها واحدة بائنة أو واحدة رجعية نفد هذا القضاء باطنًا، عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله حتى يسعه أن يراجعها أو يتزوجها، وعلى قول أبي يوسف رحمه الله لا ينفذ هذا القضاء باطنًا فالحاصل أن المبتلى بالحادثة إن كان عاميًا لا رأي له، فعليه أن يتبع حكم القاضي فيما يقضي في تلك الحادثة سواء حصل الحكم له بأن. حصل الحكم بالحل، أو حصل الحكم عليه بأن حصل الحكم بالحرمة، وإن كان المبتلى بالحادثة فقيهًا له رأي، وحكم القاضي بخلاف رأيه إن حصل الحكم عليه بأن كان هو يعتقد الحل، وقضى القاضي بالحرمة فعليه أن يتبع حكم القاضي، ويترك رأي نفسه بلا خلاف، وإن حصل الحكم له بأن كان هو يعتقد الحرمة وقضى القاضي بالحل، ذكر في بعض المواضع أنه يتبع حكم القاضي، ويترك رأي نفسه من غير ذكر خلاف، وذكر في بعض المواضع أن على قول أبي يوسف لا يترك رأي نفسه، ولا يلتفت إلى إباحة القاضي فيما يعتقد حرامًا.
فوجه قولهما: أنا أجمعنا على أن المبتلى بالحادثة، إذا كان عاميًا وقضى القاضي له ينفذ قضاؤه، فكذا إذا كان عالمًا، لأن قضاء القاضي يلزم في حق الناس كافة يوضحه أن القاضي يقضي بأمر الشرع، وما يصير مضافًا إلى الشرع، فهو بمنزلة النصّ، فلا يترك ذلك بالرأي، كما لا يترك النصّ بالاجتهاد، وأبو يوسف يقول: الإلزام في جانب المقضي عليه فأما في حق المقضي له فلا إلزام، ولهذا لا يقضي القاضي بدون طلبه وفي زعمه أن القاضي مخطئ في هذا القضاء فلا يتبعه في ذلك.
وفي (نوادر هشام) عن محمد رجل تزوج امرأة، ثم جن جنونًا مطبقًا وله والد فادعت المرأة أنه كان حلف قبل أن يتزوج بطلاق كل امرأة يتزوجها ثلاثًا، قال: نصب القاضي والده خصمًا، فإن نصبه ورأى أن هذا القول ليس بشيء فأبطله وأمضى النكاح ثم برئ الزوج، وهو يرى وقوع الطلاق بهذا القول، هل يسعه المقام معها؟ قال: نعم، ولكن على قياس قول أبي يوسف لا يسعه المقام معها، لأن الحكم وقع له.
ولو أن فقيهًا قال لامرأته: أنت طالق البتة، وهو يراها ثلاثًا فأمضى رأيه فيما بينه وبينها وعزم على أنها حرمت عليه، ثم رأى بعد ذلك أنها تطليقة رجعية أمضى رأيه، الذي كان عزم عليه ولا يردها لأنه لما أمضى رأيه في ذلك صار بمنزلة انضمام الحكم إليه، فلا ينقضه بما حدث، بخلاف ما إذا قضى القاضي بخلاف رأيه الذي عزم عليه؛ لأن قضاء القاضي أقوى من رأيه وإمضائه، فجاز النقض به، وكذلك لو كان في الابتداء يرى أنها تطليقه رجعّية فعزم على أنها امرأته، ثم رأى بعد ذلك أنها ثلاث تطليقات لم يحرم عليه لما ذكرنا أن الرأي إذا اتصل به الإمضاء لم ينفسخ باجتهاد آخر، ولو كان في الابتداء لم يعزم على ذلك لم يمض رأيه حتى رآها ثلاثًا لم يسعه المقام معها، لأن مجرد الاجتهاد يجوز أن ينقض باجتهاد مثله، ويصير كالفاسخ له في حق وجوب العمل، إلا إذا كان الإمضاء متصلًا بالأول، وإذا المبتلى بالحادثة فقيه له رأي، فاستفتى فقيهًا آخر، فأفتى له بخلاف رأيه يعمل بعلم نفسه، وإن كان المبتلى جاهلًا يأخذ بفتوى أفضل الرجال عند العامة فقهًا، ويكون ذلك بمنزلة الاجتهاد له، فإن أفتاه مضى في تلك الحادثة، وقضى القاضي في تلك الحادثة بخلاف الفتوى، إن كان القضاء عليه يتبع رأي القاضي، ولا يلتفت إلى فتوى المفتي، وإن كان المفتي أعلم من القاضي في تلك الحادثة عند العامة، وإن كان القضاء له، فهو على الاختلاف الذي مرّ ذكره، لأن قول المفتي في حق الجاهل بمنزلة رأيه واجتهاده فصارت هذه المسألة عين تلك المسألة.
وفي (القدوري) إذا لم يكن الرجل المبتلى بالحادثة فقيهًا، واستفتى إنسانًا فأفتاه بحلال أو حرام، فإن لم يعزم على ذلك حتى أفتاه غيره بخلافه فأخذ بقول الثاني، وأمضاه في منكوحته لم يجز له أن يترك ما أمضاه فيه، ويرجع إلى ما أفتى به الأول، لأنه متعبد بالتقليد كما يتعبد المجتهد بالاجتهاد، فلا يجب على المجتهد أن يعمل بما أمضاه، ولم يجز نقض ذلك ببدل الرأي، فكذا المقلد إذا عزم على العمل بفتوى واحد من المفتين لم يسعه أن ينقض ذلك بفتوى آخر.
وفي (النوادر) إذا حلف الرجل بطلاق كل امرأة يتزوجها، فتزوج امرأة فاستفتى فقيهًا عدلًا، من أهل الفتوى، فأفتاه ببطلان اليمين وسعه اتباع فتواه وإمساك المرأة.
وفيه أيضًا: إذا استفتى فقيهًا، فأفتاه ببطلان اليمين فتزوج امرأة أخرى، ثم استفتى فقيهًا آخر، فأفتاه بصحة اليمين يفارق الأخرى، ويمسك الأولى عملًا بفتواهما، والله أعلم.

.الفصل السابع عشر: في أقوال القاضي وما ينبغي للقاضي أن يقول وما لا ينبغي:

ذكر ابن سماعة عن محمد رحمه الله أنه قال: لا يجوز للقاضي أن يقول أقر فلان عندي بكذا الشيء يقضى به عليه من قتل، أو مال أو طلاق حتى يشهد معه على ذلك رجل عدل ليس لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: أقر بقتل أقر بسرقة فتقطع، لو أجزت هذا لزعمت أن طاعته مفترضة بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس هذا لأحد لا قاض ولا غيره.
قال: ولا أقيم حدًا على أحد بقول قاض: أقر عندي بكذا حتى يقول معه ذلك الرجل العدل، فإن كان القاضي عندي عدلًا، والشاهد معه على ذلك عدلًا، وسعني أن أقيم عليه، وإلا لم يصدق قولهما، ولو كان هذا الحاكم هو الذي ولي قطع يد هذا بإقرار زعم منه عنده كان في القياس أن أقطع يده بيده، لكني أدرأ عنه القصاص لاختلاف الفقهاء في أن قول القاضي أقر عندي بكذا نافذ عليه، قال: واجعل الدية في ماله عليه هذا جملة ما ذكره ابن سماعة عن محمد رحمه الله.
واعلم بأن بإخبار القاضي عن إقرار رجل بشيء لا يخلو، إما أن يكون الإخبار عن إقراره بشيء يصح رجوعه عنه كالحد في باب الزنا والسرقة وشرب الخمر، في هذا الوجه لا يقبل قول القاضي بالإجماع، لأنه إنما يحتاج في الرجوع إلى قول القاضي عند جحود الخصم، وإذا جحد الخصم، فقد رجع عن الإقرار، وإمّا أن يكون الإخبار عن إقراره بشيء لا يصح عنه الرجوع كالقصاص وحد القذف، وسائر الحقوق التي هي للعباد، وفي هذا الوجه قبل قوله في الروايات الظاهرة عن أصحابنا رحمهم الله.
وروى ابن سماعة عن محمد رحمه الله أنه قال: لا يقبل قوله، قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: ما ذكر في ظاهر الروايات قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد أولًا، وما روى ابن سماعة فهو قوله آخرًا، ثم في بعض النسخ وقع رواية ابن سماعة مطلقة، وفي بعضها مقيدة لا يقبل قوله، وفي بعضها لا يقبل قوله ما لم يضم إليه عدل آخر وهو الصحيح، وجه هذه الرواية أن القاضي ليس بمعصوم عن الكذب، فإخباره بانفراده لا يكون حجة، وكثير من مشايخنا أخذوا بهذه الرواية في زماننا لما رأوا من فساد القضاة، وذكر بعض مشايخنا رجوعه عن هذه الرواية برواية هشام.
وجه الروايات الظاهرة أن القاضي أمين ألا ترى أنه تنفذ قضاياه، ولو كان متهمًا لما نفد قضاؤه، لأن كونه متهمًا ينافي كونه قاضيًا، وألا ترى أنه ينافي كونه شاهدًا، وألا ترى أنه لا تنفذ قضاياه في حق الوالدين والمولودين، وإنما لا ينفذ لمكان التهمة وهاهنا لما نفذ قضاياه علمنا أنه ليس بمتهم، وقول الأمين مقبول كالوكيل والمودَع.
وكان الشيخ الإمام الزاهد إمام الهدى أبو منصور الماتريدي رحمه الله يجعل هذه المسألة على وجوه: إن كان القاضي عالمًا عدلًا نقبل قوله؛ لأن علمه يؤمنه عن الغلط، وعدالته تؤمنه عن الجور، وإن كان عدلًا غير عالم لم يستفسر إن أحسن ذلك قبل قوله، وإن كان جاهلًا فاسقًا أو فاسقًا غير جاهل لا يقبل قوله إلا أن يعاين السبب.
وأنكر بعض مشايخنا ذلك، وقال: مع جهله أو فسقه لا يقبل قوله أصلًا؛ لأنه يخاف عليه إما الغلط أو الجور، وهذا إذا أخبر القاضي عن ثبوت الحق بالإقرار، فأما إذا أخبر عن ثبوت الحق بالبينة بأن قال: قامت بذلك بينة عندي وعدلوا وقبلت شهادتهم على ذلك، قبل قوله وله أن يحكم بها بخلاف الإقرار لأن رجوع الخصم ثمة يعمل، وهاهنا رجوع الخصم لا يعمل هذا الذي ذكرنا إذا أخبر القاضي عن شيء وهو قاض.
فأما إذا أخبر عن شيء بعد العزل وصورته، إذا عزل القاضي فجاء رجل وخاصمه إلى القاضي المقلد، وقال: إنه وقع مالي، وذلك كذا وكذا إلى هذا بغير حق أو قال: إنه قتل ولي فلانًا، وهو قاض بغير حق وقال القاضي المعزول فعلت ما فعلت بقضاء قضيته عليه بإقراره، أو ببينته فعلى رواية ابن سماعة لا يقبل قوله: لأنه على روايته لا يقبل قوله، وهو قاض فأولى أن لا يقبل قوله بعد العزل.
فأما على الرواياتِ الظاهرة المسألة على وجهين: إما أن كان العين الذي وقع فيه الخصومة قائمًا أو كان هالكًا، وفي الوجهين جميعًا، لا ضمان على القاضي، وكذلك إذا قال القاضي المعزول لرجل: قضيت عليك لفلان بألف وأخذتها منك ودفعتها إليه حين ما كنت قاضيًا، وقال الرجل: لا بل أخذتها مني بعد العزل ظلمًا، فالقول قول القاضي على الروايات الظاهرة؛ لأن القاضي أضاف إقراره إلى حالة معهودة له ينافي في تلك الحالة وجوب الضمان عليه، فإن فعل القاضي على وجه القضاء لا يوجب الضمان بحال من الأحوال، فيكون بالإضافة إلى تلك الحالة منكرًا للضمان، والقول للمنكر في الشرع وصار كالوكيل بالبيع إذا قال بعد العزل: قد كنت بعت وقبضت الثمن وهلك الثمن في يدي وكان ذلك قبل العزل، وقال الموكل: استهلكت ببيعه لا يوجب الضمان على الوكيل، وإنما لا يضمن؛ لأن فعل الوكيل على وجه الموافقة لا يوجب الضمان بحال فيكون بالإضافة إلى تلك الحالة منكرًا للضمان، وكذلك إذا قال الوصي للصبي بعد البلوغ: أنفقت عليك من مالك كذا وكذا وذلك نفقة مثله، وقال الصبي: لا بل استهلكت مالي، فالقول قول الوصي؛ لأن فعل الوصي بالمعروف لا يوجب الضمان بحال فيكون بالإضافة إلى تلك الحالة منكرًا للضمان وهل ينزع ذلك الشيء من يد المقضي له إن كان قائمًا؟ فهو على وجهين.
إن كان صاحب اليد يقول هذا العين ملكي من الأصل لم آخذه من هذا، ولم يقض القاضي المعزول لي به لا ينزع من يده؛ لأن المال في يده، واليد دليل الملك، فيحال الملك عليه إلا إذا وجد دليلًا آخر بخلافه.
وإن كان صاحب اليد يقول: هذا العين ملكي؛ لأن القاضي المعزول قضى لي به على هذا الرّجل كونه قاضيًا ينزع من يده، ويسلم إلى المقضي عليه لأنهم تصادقوا على وصول هذا العين إلى المقضي له من جهة المقضي عليه بفعل ذلك القاضي والمقضي له بالإضافة إلى القضاء في تلك الحالة يدعيان التملك عليه وهو منكر، فالقول قول المنكر، أما إذا كان العين مستهلكًا، فالدعوى في الحاصل في الضمان، والقاضي بالإضافة إلى تلك الحالة منكر للضمان، والقول قول المنكر في الشرع، ولهذه المسألة أجناس كثيرة موضعها (إقرار الأصل) و(الزيادات).
قال في (أدب القاضي): وللقاضي أن يقرض أموال اليتامى، وهذا مذهبنا خلافًا للشافعي، وهذا لأن القاضي يحتاج إلى حفظ أموال اليتيم، وقل ما يمكنه الحفظ بنفسه فيحتاج إلى الدفع إلى غيره، والدفع بطريق الإقراض أنفع لليتيم من الدفع بطريق الإيداع، لأن الوديعة إذا هلكت في يد المودع هلكت من مال اليتيم، والقرض إذا هلك في يد المستقرض يهلك من مال المستقرض، فهو معنى قولنا: إن الإقراض أنفع لليتيم، فإذا ملك القاضي الإيداع أولى أن يملك الإقراض.
قال في (الأقضية): وإنما يملك القاضي الإقراض إذا لم يجد ما يشتري به لليتيم ويكون لليتيم منه غلة، فأما إذا وجد لا يملك الإقراض بل يتعين عليه الشراء، قال هكذا روي عن محمد رحمه الله، وكذلك إذا وجد من يدفع إليه ماله مضاربة يدفع ماله مضاربة، ولا يقرض؛ لأنها أنفع في حق الصغير؛ لأنه يجعل به الربح للصغير وبالقرض لا يحصل، وإذا أقرض ينبغي أن يقرض من المليء لا من المفلس؛ لأن المال في ذمة المفلس يأوي، وينبغي أن يكتب من أقرضه صكًا خوفًا عن النسيان كيلا يفوت حق الصبيان، وينبغي أن يتفقد عن أحوالهم في كل وقت حتى إذا أفلس واحد منهم يسترد منه المال، إذ كما لا يجوز أن يقرض المفلس لا يجوز أن يترك المال على المفلس.
قال هشام: يذكرنا عن محمد رحمه الله في الأموال التي تجمع عند القاضي لأيتام أي ذلك أفضل للقاضي دفعها بوديعة أو بضمان؟ فأخبرنا أن أبا حنيفة وابن أبي ليلى وأبا يوسف رحمهم الله، كانوا يرون أن يدفعها بضمان، قال: وكذلك قول محمد رحمه الله إذا كان الذي يضمن يوفي المحيا والممات، قال: وليس للقاضي أن يستقرض لنفسه ذلك.
في (المنتقى) لو أن قاضيًا باع مال يتيم بنفسه، أو أودع مال يتيم أو باع أمينه بأمره، وهو يعلم بذلك من رجل، ثم مات هذا القاضي واستقضي غيره، فشهد قوم أنهم سمعوا القاضي الأول يقول: استودعت فلانًا مال اليتيم، أو يقول: بعت فلانًا مال فلان اليتيم بكذا وكذا فجحد فلان، قال: يقبل القاضي الثاني هذه الشهادة، ويأخذ المستودع والمشتري بالمال وإن لم يكن الأول أشهدهم أنه قضى بذلك، قضاؤه وقوله عليه سواء، وإذا قبض القاضي مال يتيم أو غائب ووضعه في بيته، ولا يعلم أين هو؟ فهو ضامن، وإن علم أنه دفعه إلى قوم ولا يدري إلى من دفعه؟ فلا ضمان عليه، وكذلك إذا قال القاضي: دفعت إلى ولي من أولياء الأيتام، ولا أدري إلى من دفعته فلا ضمان عليه.
في (المنتقى) أيضًا ذكر في (الأصل) وسبيل القاضي أن يرد الخصوم إلى إذا لم يستبين له فصل القضاء وإذا استبان له فصل القضاء، ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: أنه إذا طمع في الصلح حال استبيانه القضاء ردهم إلى الصلح ولا يقضى ما لم ييأس عن الصلح.
وذكر في (أدب القاضي) وإذا طمع القاضِي في اصطلاح الخصمين، فلا بأس بأن يردهم، ولا ينفذ الحكم عليهم، ولا ينبغي أن يردهم بأكثر من مرتين، فإن لم يطمع في الصلح أنفذ القضاء بينهم، وإن أنفذ القضاء بينهم من غير أن يردهم، فهو في سعة منهم، يريد به، وإن طمع في الصلح، وإذا أراد القاضي كتابة السجلات والمحاضر بنفسه، وأراد أن يأخذ على ذلك أجرًا فله ذلك، لأن هذا ليس من عمل القضاء فإن تمام القضاء بالحكم، وكتابة السجل أمر زايد عليه، ولكن إنما يأخذ بقدر ما يجوز أخذه لغيره، والتقدير فيما يجوز أخذه لغيره.
يحكى عن السيد الإمام الأجل أبي شجاع رحمه الله عن أبي حنيفة رحمه الله، وعن بعض المتقدمين: في كل ألف درهم خمسة دراهم، وفيما دون الألف إذا كان مشقة كتابته مثل مشقة كتابة الألف خمسة أيضًا، وإن كان على النصف من ذلك، ففيه درهمان ونصف وإن كان ضعف ذلك عشرة دراهم.
وفي (فتاوى النسفي) وإذا كان القاضي يتولى القسمة بنفسه حل له أخذ الأجر وكل نكاح باشره القاضي وقد وجب مباشرته عليه كنكاح الصغار والصغائر، فلا يحل له أخذ الأجرة عليه، وما لم يجب مباشرته عليه حل له أخذ الأجرة عليه، وأراد أن يبيع مال اليتيم لمصلحة اليتيم لا ينبغي له أن يأخذ الأجر من مال اليتيم لأجل هذا الأذن، ولو أخذ وأذن بالبيع لا ينفذ بيعه، وإذا غاب الرجل عن امرأته، وتزوجت بزوج آخر، ثم حضر الزوج الأول وأقام البينة على النكاح، والمرأة تدعي الطلاق فالقاضي لا يعزرها، هكذا حكى فتوى شمس الإسلام الأوزجندي رحمه الله؛ لأنه يمكنها أن تقول: طلقني إلا أني ما وجدت البينة على الطلاق.
غريب مات في بلدة وترك أموالًا، فقاضي البلدة يتربص مدة يقع في قلبه أنه لو كان له وارث يحضر في هذه المدة، فإذا تربص هذه المدة، ولم يحضر له وارث يضعها في بيت المال ويصرفها إلى القناطر، ونفقة الأيتام وأشباه ذلك، وإذا حضر الوارث بعدما صرفها إلى المصارف يقضي حقه من مال بيت المال قال في (الأصل).
قال أبو حنيفة رحمه الله: ويكره للقاضي تلقين الشهود بأن يقول له اشهد بكذا، وقال أبو يوسف رحمه الله: لا بأس به.
وقال في (المنتقى): قال أبو يوسف رحمه الله: لا بأس بتلقين الشاهد إذا كان عدلًا، وإنما قال أبو يوسف ذلك حين ابتلي بالقضاء، ورأى بعض الشهود عجزًا عن أداء الشهادة، وهذا لأن بمجلس القضاء هيبة، وللقاضي حشمة، ومن لم يتعود التكلم في هذا المجلس يتعذر عليه البيان إذا لم يسعه على البيان القاضي.
قال في (الأصل): وإذا ارتاب القاضي في أمر الشهود فرق بينهم لا يسعه غير ذلك، ويسألهم أيضًا أين كان هذا؟ ومتى كان هذا؟ ويكون هذا السؤال بطريق الاحتياط، وإن كان لا يجب هذا على الشهود في الأصل، فإذا فرقهم، فإن اختلفوا في ذلك اختلافًا يفسد الشهادة ردها، وإن كان لا يفسدها لا يردها، وإن كان يتهمهم، فالشهادة لا ترد بمجرد التهمة.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن أبي يوسف قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا اتهم الشهود فرق بينهم، ولا يلتفت إلى اختلافهم في لبس الثياب، وعدد من كان معهم من الرجال والنساء، ولا إلى اختلاف المواضع بعد أن يكُون الشهادة على الأقوال، وإن كانت الشهادة على الأفعال، فالاختلاف في المواضع اختلاف في الشهادة.
وقال أبو يوسف رحمه الله: إذا اتهمتهم ورأيت الريبة، وظننت أنهم شهود الزور أفرق، وأسألهم عن المواضع والثياب ومن كان معهم، فإذا اختلفوا في ذلك، فهذا عندي أبطل به الشهادة.
وعن إبراهيم عن محمد رحمه الله في شاهدين شهدا لرجل بدار، فالقاضي يسألهما كيف هي العلة لا يقطع بشهادتهما شيئًا، فإن قال الشاهد: لا أخبرك، ولا أزيد على هذا هي له، أمضيت الشهادة.
وعن أبي يوسف: رجل ادعى عبدًا في يد إنسان فالقاضي لا يسأل صاحب اليد من أين هذا لك؟ وقال أبو حنيفة رحمه الله: ليس للقاضي أن يقول للشهود بشيء لرجل لا يعلمونه باع أو وهب، وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد رحمهما الله إذا شهد عند القاضي شاهدان بدار لرجل فله أن يسألهما عن البناء، والله أعلم.

.الفصل الثامن عشر: في قبضِ المحاضِر من ديوان القاضي المعزول:

إذا عزل القاضي وقلد غيره ينبغي للقاضي المقلد أن يبعث أمينين من أمنائه ليقبضا من القاضي المعزول ديوانه، وديوان القاضي خريطته التي فيها الصكوك والمحاضر، ونصب الأوصياء والقُوام في الأوقاف، وتقدير النفقات وما يشاكله؛ لأن القاضي يكتب لهذه الأشياء نسختين يضع إحداهما في يد الخصم والقيم، والأخرى يجلدها في ديوانه، حتى إذا احتاج إلى الرجوع إليها أمكنه العمل بها عن إيقان، فما في يد الخصم لا يؤمن عليه التغير والتبديل، والقاضي المقلد يحتاج إلى قبض ذلك؛ لأنه يحتاج إلى الرجوع إلى ذلك في الحوادث التي ترفع إليه، فيبعث أمينين من أمنائه ليقبضا ذلك، وإن أبى القاضِي المعزول الدفع، فإن كان البياض الذي كتب عليه نسخة هذه الأشياء من بيت المال يجبر على الدفع، لأنه إنما اتخذ ذلك للعمل به، وقد صار العمل لغيره، فلا يترك في يده، وإن كان ذلك من مال القاضي أو من مال الخصوم فقد اختلف المشايخ فيه.
والأصح أنه يجبر على الدفع؛ لأنه ما اتخذه للتمويل بل للعمل به إحياء لحق المسّلمين، وقد صار العمل إلى غيره، وإذا قبضا ديوانه يقبضان الودائع وأموال اليتامى أيضًا ويكون عند المقلد، ويأخذان أسماءَ المحبوسين أيضًا، فالقاضي إذا حبس رجلًا بحق ينبغي أن يكتب اسمه واسم أبيه وجده، والسبب الذي لأجله حبسه، وتاريخ الحبس، لأنه يحتاج إليه لسماع البينة على الإفلاس، فيأخذان ذلك أيضًا، ويجعل القاضي المقلد ذلك في ديوانه، وينبغي أن يذكر في تذكرته تاريخ الحبس من الوقت الذي أثبته المعزول لا من وقت عمله، لأنه بناء على ذلك الحبس، ويسألان القاضي المعزول عن المحبوسين، وأسباب الحبس لا، لأن قول القاضي المعزول حجة، وكيف يكون حجة وإنه بالعزل التحق بواحد من الرعايا؟ ولكن ليكشف ويسأل المحبوسين عن أسباب الحبس، ويجمع بينهم وبين خصومهم، وإن كان في المحبوسين جماعة لم يحضر لهم خصمًا، وقالوا: حبسنا بغير حق، فالقاضي المقلد لا يطلقهم تحسينًا للظن بالقاضي المعزول فيما باشر من حبسهم، ويأمر مناديًا بالنداء أنا وجدنا فلانًا وفلانًا محبوسين، فمن كان له عليهم حق فليأتنا، فإن حضر رجل فصل الخصومة بينهما على وجهه، وإلا أطلقهم بكفيل.
وتقدير مدة النداء والمدة التي يسع فيها الإطلاق موكول إلى رأي القاضي قبل ما ذكر هاهنا من أخذ الكفيل قولهما، أما على قول أبي حنيفة رحمه الله لا يأخذ بناءً على مسألتين:
إحداهما: إذا قسم القاضي التركة بين الورثة لا يحتاط بأخذ الكفيل عند أبي حنيفة، خلافًا لهما.
الثانية: إذا قضى القاضي دين الغرماء من التركة لا يحتاط بأخذ الكفيل عند أبي حنيفة خلافًا لهما.
قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: يأخذ الكفيل هاهنا على قول الكل، والفرق لأبي حنيفة رحمه الله أن في مسألة القسمة، وقضاء الدين حق هذا الذي حضر ظاهر، وحق الآخر موهوم، ولا يجوز تأخير هذا الحق الظاهر، إلى وقت أخذ الكفيل لحق موهوم، أما في هذه المسألة الحق ظاهر؛ لأنَا نحمل فعل القاضي المعزول على السّداد، فلا يكون في أخذ الكفيل تأخير حق ظاهر لحق موهوم.
ثم اعلم بأن الحبس أنواع أحدها: الحبس بالدين وإنه يشتمل على فصول.
الأول: إذا قال المحبوس: حبست بدين فلان أقررت به عند القاضي المعزول، فالقاضي المقلد يجمع بين المحبوس وبين خصمه، فإن صدقه خصمه في ذلك أعاده إلى الحبس إذا طلب خصمه ذلك، وأما إذا أنكر المحبوس بالدين، وقال: إن هذا يدعي علي شيئًا بغير حق وقد حبسني ظلمًا وخصمه يقول: لي عليه كذا، وقد حبسته بحق، فالقاضي يأمر خصمه بإقامة البينة على ما ادعى، فإذا أقام وعرفهم القاضي بالعدالة أدام حبسه، وإن لم يعرفهم بالعدالة واحتاج إلى السؤال أخذ كفيلًا بنفسه، ويطلقه ولا يحبسه، أما لا يحبسه لأنه لم يظهر سبب حبسه، وأما لا يطلق بدون الكفيل نظرًا للمدعي، لأنه لو حضر البينة لم يجد المدعى عليه.
وإن قال بعض المحبوسين: أنا محبوس بدين فلان، فمره يأخذ مني كفيلًا ويطلقني، فالقاضي يأمر بإحضار خصمه، فإذا حضر وصدق المحبوس في إقراره، والقاضي يعرف المقر له باسمه ونسبه أو لم يعرفه، ولكن شهد الشهود بذلك، أو لم يشهد الشهود بذلك، وفي الوجوه كلها القاضي يأمر المحبوس بأداء المال إليه؛ لأن إقراره حجة عليه، ولا يطلق لتهمة المواضعة، ويأمر مناديًا بالنداء على ما بينا، فإن لم يحضره خصم آخر أطلقه في الوجوه كلها، ولم يذكر الخصاف أخذ الكفيل في الوجه الأول والثاني، وذكر في الوجه الثالث، وبعض مشايخنا ذكروا أخذ الكفيل في الوجوه كلها؛ لأن أخذ الكفيل للتوثق، وفي هذا المعنى الوجوه الثلاثة سواء، وكذلك إذا لم يجيء المحبوس بالمال، ولكن قال المقر له: أنا أختار الرفق، وأمهله مدة كذا، وأطلقه، فالقاضي لا يطلقه، ويحتاطه بالطريق الذي قلنا، ثم يطلق بكفيل، وإن قال المحبوس: لا كفيل لي، أو قال: لا يجب علي إعطاء الكفيل إذ ليس لي خصم يطلب مني الكفيل، فالقاضي يتأنى في ذلك، ولم يعجل بإطلاقه حتى ينادي، فإن لم يحضر له خصم بعد ذلك أطلقه.
الوجه الثاني: الحبس بسبب العقوبات الخالصة حقًا للعبد، كالقصاص، فإذا قال بعض المحبوسين: إنما حبست لأني أقررت بالقصاص لفلان، وجمع القاضي بينه وبين خصمه، وصدقه خصمه فيما أقر، ولا يخلو ذلك من أحد وجهين: إما أن يكونَ القصاص في النفس أو في الطرف، فإن كان في النفس يخرجه القاضي من السّجن، ويمكن خصمه من الاستيفاء، ولا يتأنى بخلاف ما لو أقر بمال؛ لأن هناك يتأتى تهمة المواضعة بأن تواضعا حتى يقر لهذا الرجل بالمال، ويدفع إليه المال، حتى يتخلف عن السجن، ثم إذا خرج من السجن أخذ ما دفع، ويكون الخصم غيره، أما هاهنا لا يتأتى تهمة المواضعة؛ لأن الإنسان لا يجود بنفسه ليتخلص عن السجن، فلهذا افترقا، وإن كان القصاص في الطرف يخرجه القاضِي من السّجن أيضًا، ويمكن خصمه من الاستيفاء، ولكن لا يعجل في إطلاقه لجواز أن يكون لرجل آخر عليه حق في نفسه، فتواضع مع هذا الرجل ليغر له بطرفه ليتخلص عن السجن، فيبطل حق الآخر في النفس.
الثالث: الحبس بسبب العقوبات الخالصة حقًا لِلّهِ تعالى نحو الزنا، وشرب الخمر والسرقة، إذا قال بعض المحبوسين: إنما حبست، لأني أقررت بالزنا عند القاضي المعزول أربع مرات في أربع مجالس، فحبسني ليقيم عليّ الحدّ، فالقاضي المقلد لا يقيم عليه الحدّ بتلك الأقارير؛ لأن تلك الأقارير لا تكون حجة في حق القاضي المولى، فيستأنف الأمر، فإن أقر عنده أربع مرات في أربع مجالس، أقام عليه الحد، تقادم العهد أو لم يتقادم؛ لأن تقادم العهد يمنع صحة الشهادة، أما لا يمنع صحة الإقرار فيرجمه إن كان محصنًا، ويجلده إن كان غير محصن، ولكن لا يعجل في إطلاقه لجواز أنه يجيء خصم في نفسه، وإن رجع عن الإقرار صح رجوعه، كما لو رجع عند القاضي الأول، ولكن لا يعجل القاضي في إطلاقه لتوهم الحيلة.
وإن قال: إنما حبست لأنه قامت البينة علي بالزنا، فحبسني القاضي المعزول ليقيم علي الحد، فيقول: البينة القائمة عند القاضي المعزول غير معتبرة في حق هذا القاضي، فلا يقيم عليه الحد بتلك البينة، ولو شهد الشهود عند هذا القاضي بزناه لا يقيم عليه الحد أيضًا، إذا كان العهد قد تقادم؛ لأن تقادم العهد يمنع صحة الشهادة، ولا يعجل في إطلاقه لتوهم الحيلة بل يتأنى، ويطلقه بعد ذلك بكفيل لما ذكرنا.
فإن قال بعض المحبوسين: إنما حبست لأني أقررت بشرب الخمر عنده، أو لأنه قامت البينة عليّ بشرب الخمر فحبسني ليقيم عليّ الحدّ، فهذا القاضي لا يقيم عليه الحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن حد الشرب إنما يقام على الشارب إذا كان الخمر في بطنه، والرائحة توجد منه عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله البينة والإقرار في ذلك على السواء، والمسألة معروفة في الحدود.
وإن قال: إنما حبست لأني أقررت بالسرقة من فلان، أو لأنه قامت البينة عليّ بالسرقة من فلان، فإن هذا القاضي يجمع بينه وبين خصمه؛ لأن الدعوى في السرقة شرط كما في باب المال، ولا يقضى عليه بالقطع تقادم العهد أو لم يتقادم، ولا يعجل في إطلاقه، ولو قامت البينة ثانيًا لا يقضي عليه بالقطع إذا تقادم العهد فحد السرقة وحد الزنا في حق هذا الحكم على السواء.
الرابع: الحبس بسبب عقوبة هي بين حق الله تعالى وبين حق العبد، وهو حد القذف، إذا قال بعض المحبوسين: إنما حبست لأني قذفت هذا الرجل بالزنا، وصدقه ذلك الرجل في إقراره استوفى منه حد القذف، ولا يعجل القاضي في إطلاقه، ولو رجع عما أقر لا يصح رجوعه بخلاف الرجوع عن الحدود الخالصة لله تعالى.
جئنا إلى حكم الودائع والأموال.
إذا قال القاضي المعزول: على يدي فلان كذا وكذا دفعته من المال إليه، وهو لفلان بن فلان، فإن صدقه الذي في يديه المال في جميع ذلك أمر بالتسليم إلى المقر له، وهذا ظاهر، وإن قال: دفع إلي فلان القاضي المعزول هذا القدر من المال لكن لا أدري أنه لمن، وفي هذا الوجه أمر بالتسليم إلى المقر له أيضًا، لأنه أقر أن المال وصل إليه من جهة القاضي المعزول، فكان يده يد القاضي المعزول معنىً، وقد أقر القاضي المعزول أنه لفلان، وصاحب اليد إذا أقر بما في يده لغيره أمر بالتسليم إليه، وإن كان صاحب اليد كذب القاضي المعزول في جميع ما قال، فالقول قوله، وهذا ظاهر أيضًا، وإن كان صاحب اليد قال: دفع إلي القاضي المعزول هذا القدر من المال، وهو لفلان آخر غير الذي أقر له القاضي، فهذا على وجهين:
أحدهما: هذا، وفي هذا الوجه يؤمر بالتسليم إلى الذي أقر له القاضي؛ لأنه لما أقر بالوصول إليه من جهة القاضي، فقد أقر باليد للقاضي من حيث المعنى، فلو كان في يد القاضِي حقيقة وهو يقول: إنه لفلان يؤمر بالتسليم كذا هاهنا.
الوجه الثاني: إذا بدأ بالإقرار بالملك بأن قال: المال الذي في يدي لفلان غير الذي أقر له القاضي المعزول دفعه إلى القاضي المعزول أمر بالتسليم إلى الذي أقر له صاحب اليد؛ لأن إقراره بالملك الأول قد صح لأنه أقر بما في يده، وتعلق به حق المقر له، فإذا قال بعد ذلك: دفع إلى القاضِي المعزول، فقد أقر باليد للقاضي المعزول، والقاضي المعزول يقر أنه لفلان، فقد أقر لمن أقر له القاضي به بعد ما أقر به الأول، فلا يصح إقراره للثاني في حق الأول، فإن دفع إلى الأول بغير قضاء ضمن للثاني، وإن دفع بقضاء، فكذلك عند محمد، وعند أبي يوسف لا يضمن.
أصل المسألة: إذا أقر الرجل أن هذا المال الذي في يدي لفلان دفعه إلى فلان آخر، وقال الدافع: هو ملكي، فإن هناك يؤمر المقر بالتسليم إلى المقر له الأول، وهل يضمن للثاني؟ فهو على التفصيل والاختلاف الذي ذكرنا، والمسألة معروفة في كتاب الإقرار.
وإن قال القاضي المعزول: في يدي ألف درهم أصابه فلان اليتيم من تركة أبيه، وصدقه ذو اليد في ذلك، فإن لم يدع أحد من باقي الورثة ذلك المال فهو لليتيم؛ لأن صاحب اليد أقر للقاضي المعزول، والقاضي المعزول يقر به لليتيم، ولم ينازعه في ذلك أحد، فيكون ذلك لليتيم، وإن قال باقي الورثة: لم يستوف منا أحد حقه من تركة الميت كان ذلك المال مشتركًا بين جميع الورثة، واليتيم من جملتهم؛ لأن اليد للقاضي المعزول معنى، وهو قد أقر أن المال كان لوالد اليتيم، وما كان للإنسان يصير ميراثًا لجميع ورثته، ولا يختص به البعض إلا إذا ثبت استيفاء الباقين حقوقهم، ولم يثبت ذلك بقول القاضي المعزول لما أنكروا الاستيفاء؛ لأن القاضي المعزول بالعزل التحق بواحد من الرعايا، فقد صح إقرار القاضي المعزول أن هذا ملك والدهم باعتبار اليد المقر به، ولم يصح إقراره على سائر الورثة بالاستيفاء باعتباره يده المعنوية، وإذا لم يثبت هذا الاستيفاء، فإن هذا المال تركة الميت، فيقسم بين سائر الورثة، واليتيم من جملتهم، إلا أنه ينبغي للقاضي المقلد أن ينظر لليتيم ويحلف باقي الورثة بالله: ما استوفيتم حقوقكم من تركة والدكم فلان؛ لأنه عاجز عن النظر بنفسه فينظر له القاضي المقلد.
وإن قال القاضي المعزول: هذا المال لفلان اليتيم، ولم يقل: أصابه من تركة والده، وادعى باقي الورثة أنه من تركة والدهم فالمال لليتيم؛ لأن القاضي المعزول هاهنا ما أقر بالملك لوالد اليتيم ليصير مقرًا بكونه ميراثًا لورثته، بل أقر لليتيم بالملك مطلقًا، وليس من ضرورة كونه مملوكًا لليتيم أن يكون من تركة والده، فيعمل ذلك باقي الورثة يدعون لنفسهم حقًا في هذا المال، فلا يصدقون إلا بحجة.
وإن كان مالًا بصك على رجل قد كان القاضي بين في الصك بينة، وأشهد في الصك أنه لفلان اليتيم أصابه من تركة والده فلان، وأن سائر الورثة استوفوا حقوقهم، فنقول: مجرد الصك ليس بحجة، وكذلك قول القاضي المعزول على استيفاء باقي الورثة حقوقهم ليس بحجة، وإنما الحجة شهادة شهود يشهدون على إشهاد القاضي عليهم بالاستيفاء، أو على إقرارهم بالاستيفاء، فإن شهد الشهود بذلك كان هذا المال لليتيم وإلا فهو لسائر الورثة.
وإذا قال القاضي المعزول: ثبت عندي بشهادة الشهود، أن فلانًا وقف ضيعة كذا على كذا، وحكمت بذلك، ووضعتها على يدي فلان، وأمرته بصرف غلاتها إلى السبيل المشروط في الوقف، وصدقه بذلك صاحب اليد، فإن أقر ورثة الواقف بذلك أنفذ القاضي المقلد هذا الوقف؛ لأن اليد على الضياع للقاضي المعزول، وهو قد أقر بوقفيته من جهة من زعمه مالكًا، وصدقه خلفاؤه في ذلك، فيعتبر تصديقهم بتصديق الميت لو كان حيًا، وإن كان الورثة قد جحدوا ذلك، ولم يقم عليهم بينة كان ميراثًا بينهم؛ لأن بإقرار القاضي يثبت كون الضيعة ملكًا للميت، ولم تثبت الوقفية، فيبقى على ملكه ميراثًا بين ورثته، ولكن يستحلف الورثة على علمهم، فإن حلفوا فالأمر ماض، وإن نكلوا قضي عليهم بالوقفية بإقرارهم، وإن قامت البينة عليهم بذلك قضى القاضي عليهم بالوقفية، كما لو قامت البينة على الواقف حال حياته.
وإن قال القاضي المعزول: إنه وقف على أرباب، أو قال: على المسجد، وبين وجهًا آخر من وجوه البر، ولم يقل: وقفها فلان، فالقاضي المقلد ينفذه، ولا يسأل عن التفسير؛ لأن التفسير يضر بالوقف، عسى فإنه ربما ينكر ورثة الواقف الوقف، ولا يوجد على ذلك بينه فيردونه ميراثًا، وهذا هو السبيل في كل موضع يقع الاستفسار ضارًا، فالقاضي المقلد يتركه ويكتفي بالإجمال، وينبغي للقاضي أن يحاسب الأمناء ما جرى على أيديهم، من أموال اليتامى وغلاتهم كل ستة أشهر، وكل سنة على حسب ما يرى حتى ينظر هل أدى الأمانة فيما فوض إليه أو خان؟ فإن أدى الأمانة قرره عليه، وإن خان استبدل غيره.
بلغنا أن عمر رضي الله عنه كان يحاسب الأمناء كل سنة، وكذلك يحاسب القوام على الأوقاف، لما ذكرنا، ويقبل قولهم في مقدار ما حصل في أيديهم من الغلات والأموال، الوصي والقيم في ذلك على السواء، فإن الأصل في الشرع أن القول قول القاضي في مقدار المقبوض، وفيما يخبر من الأوقاف على اليتيم، أو على الضيعة، وما صرف منها في مؤنات الأراضي، إن كان وصيًا يقبل قوله في المحتمل، وإن كان فيما لا يحتمل لا يقبل قوله، هكذا ذكر الخصاف في (أدب القاضي)، وفرق بين الوصي وبين القيم.
فالوصي: من فوض إليه الحفظ والتصرف.
والقيم: من فوض إليه الحفظ دون التصرف.
وإذا عرفت الفرق بين الوصي وبين القيم، فإذا ادعى الوصي الإنفاق، فقد ادعى ما دخل تحت ولايته، فيقبل قوله، وكثير من مشايخنا سووا بين الوصي وبين القيم فيما لم يكن للضيعة منه بد، وقالوا: يقبل قول القيم في ذلك كما يقبل قول الوصي، وقاسوا على قيم المسجد، أو واحد من أهل المسجد إذا اشترى للمسجد ما لابد منه نحو الحصير والحشيش والدهن، أو صرف شيئًا من غلات المسجد إلى أجر الخادم، لا يضمن لكونه مأذونًا فيه دلالة، فإنه لو لم يفعل ذلك يتعطل المسجد كذا هاهنا، ومشايخ زماننا قالوا: لا فرق بين الوصي والقيم في زماننا، فالقيم في زماننا من فوض إليه التصرف والحفظ جميعًا كالوصي.
قال: وإن اتهم القاضي واحدًا منهم، يريد به واحدًا من الأوصياء فيما ادعى من الإنفاق على اليتيم، أو على الوقف، حلفه القاضي على ذلك، وإن كان أمينًا كالمودع إذا ادعى هلاك الوديعة، أو ردها، قال بعض مشايخنا: إنما يستحلف إذا ادعى عليه شيئًا معلومًا؛ لأن الاستحلاف يصح على دعوى صحيحة ودعوى المجهول لا يصح.
وقال بعضهم: يحلف على كل حال؛ لأنه إنما يحلف نظرًا لليتيم واحتياطًا له، وفي مثله يستحلف على كل حال، وإن أخبروا أنهم أنفقوا على الضيعة واليتيم من أموال الأراضي والغلات كذا وبقي في أيدينا كذا هذا القدر إن كان منهم معروفًا بالأمانة، فالقاضي يقبل منه الإجمال، ولا يجبره على التفسير؛ لأنه لو أجبره على التفسير ربما لا يمكنه الخروج عن العهدة مع صدقه في الإخبار، والإنسان قد يعجز عن حفظ حسابه وعن الخروج منها فيتضرر، وليس للقاضي ولاية الإضرار بالغير، ومن كان منهم متهمًا، فالقاضي يجبرهم على التفسير شيئًا فشيئًا، ولا يقبل منه الإجمال، وليس تفسير الجبر هاهنا الجبر وإنما تفسيره أن يحضره القاضي يومين أو ثلاثة ويخوفه، ويهدده إن لم يفسر احتياطًا في حق اليتيم، فإن فعل ذلك، ومع هذا لم يفسر، فالقاضي يكتفي منه باليمين ويتركه.
قال: وإن قال الوصي للقاضي المقلد إن القاضي المعزول حاسبه، فالقاضي المقلد: لا يكف عنه إلا بالبينة؛ لأنه يدعي بطلان حق المحاسبة على القاضي، فلا يصدق عليه إلا بحجة، وإن قال الوصي أو القيم: أنفقت على اليتيم، أو قال: على الوقف كذا من مالي وأراد أن يرجع بذلك في مال اليتيم، والوقف، لا يقبل قوله بخلاف ما ادعى الإنفاق من مال اليتيم أو من مال الوقف، حيث يقبل قوله في المحتمل؛ لأنه أمين فيما في يديه من مال اليتيم والوقف، ويدعي الخروج عن عهدة الأمانة بدعوى الإنفاق، من غير أن يثبت لنفسه استحقاق شيء، وقول الأمين في مثل هذا مقبول، فأما إذا ادعى الإنفاق من مال نفسه، فما ادعى الخروج عن عهدة الأمانة، بل ادعى الاستحقاق لنفسه على الصغير والوقف، ودعوى الاستحقاق لا يقبل من غير حجة.
قال: وإن ادعى القيم أو الوصي أن القاضي المعزول أجرى له مشاهرة في كل شهر كذا وكذا، في كل سنة كذا وكذا، وصدقه القاضي المعزول في ذلك، أو لم يصدقه، فالقاضي لا ينفذ ذلك؛ لأن مجرد الدعوى ليس بحجة، وكذلك قول القاضي المعزول في الحال ليس بحجة، فإن قامت له بينة على فعل القاضي في حال قضائه قبلت، وأنفذ القاضي المقلد ذلك، لأن للقاضي ولاية تقدير كفايته، وأجراها له في مال اليتيم والوقف، فهذه البينة قامت على إثبات فعل القاضي المعزول في حال قضائه، وفيما هو داخل تحت ولايته، وقوله في حال قضائه فيما هو داخل تحت ولايته مقبول، فهذه البينة قامت على ما هو حجة، فقبلت.
بعد هذا القاضي المقلد ينظر في ذلك إن كان ذلك مقدار أجر عمله أو دونه أنفذ ذلك كله، وإن كان أكثر أنفذ مقدار أجر مثل عمله، وأبطل الزيادة؛ لأنه لم يكن للقاضي المعزول أن يزيد على أجر مثل عمله، فلا يكون للمقلد تنفيذ الزيادة.
وإن كان القيم قد استوفى الزيادة، أمره القاضي بالرد علي اليتيم؛ لأنه استوفى ما ليس له ذلك، قال في (الأصل): وما وجد في ديوان القاضي المعزول من شهادة، أو قضاء أو إقرار، فهو باطل لا يعمل به القاضي المقلد، إلا أن يقوم بينة أنه قضى به وأنفذه، وهو قاض يومئذ؛ لأن القاضي الثاني لا يعلم حقيقة شيء من ذلك، فلابد من طريق يقع العلم له بحقيقة تلك البينة، ويشرط أن يشهدوا أنه قضى به، وهو يومئذ قاض لجواز أنه قضى به بعد العزل، وقضاؤه بعد العزل باطل.

.الفصل التاسع عشر: في القضاء في المجتهدات:

قال في (أدب القاضي): وما اختلف فيه القضاة، وقضى فيه قاض بقضية ثم رجع إلى قاض آخر، يرى خلاف ذلك أمضى قضاء الأول ولا ينقضه، ولو نقضه كان باطلًا، والأصل فيه: ما روي أنه لما انتهت الخلافة إلي علي رضي الله عنه رفع إليه قضايا عمر وقضايا عثمان رضى الله عنهما، وطلب منه نقضها، لما أن رأي علي رضى الله عنه في تلك القضايا كان بخلاف ذلك، فلم ينقض علي رضى الله عنه شيئًا من ذلك، وحين قدم الكوفة قام خطيبًا وقال: إني لم أقدم عليكم لأحل عقدة عقدها عمر، أو لأعقد عقدة حلها عمر رضي الله عنه، والمعنى في ذلك أن قضاء القاضي في موضع الاجتهاد نافد بالإجماع، فكان القضاء الثاني ينقض الأول مخالفًا للإجماع، ومخالفة الإجماع ضلال وباطل؛ ولأن القضاء إذا جعل في محل الاجتهاد، فقد يرجح الجانب الذي اتصل به القضاء بالقضاء، فلا يعارض من الجانب الآخر؛ ولأنه لو جاز للثاني نقض الأول يجوز للثالث نقض الثاني إذا كان رأيه بخلافه، وكذا للرابع والخامس إلى ما لا يتناهى وليس في أحكام الله تعالى ما لا يتناهى.
واعلم بأن قضاء القضاة التي يرفع إلى قاض آخر لا يخلو، إما أن يكون جورًا بخلاف الكتاب والسنة والإجماع، أو يكون في محل الاجتهاد، واجتهد فيه الفقهاء، واختلف فيه العلماء أو يكون بقول مهجور، فإن كان في محل الاجتهاد وحكمه ما ذكرنا، وإن كان جورًا فالقاضي الذي رفع إليه لا ينفذه وينقضه، ولو نفذه كان لقاضي آخر أن يبطله، لأن ما يخالف الكتاب والسنة والإجماع باطل، ولا يجوز تقرير الباطل والضلال، وإن كان بقول مهجور، فالقاضي الذي يرفع إليه ينقضه، ولا ينفذه، ولو نفذه كان لقاض آخر بعد ذلك أن يبطله، وسيأتي بعد هذا بيانه إن شاء الله تعالى.
وبعد هذا يحتاج إلى بيان محل الاجتهاد، قال ابن سماعة عن محمد رحمهما الله: كل أمر جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله، وجاء عنه غير ذلك الفعل، أو جاء عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء عن ذلك الرجل، أو غيره من الصحابة بخلافه وعمل في الناس بأحد الأمرين دون الآخر، أو عمل بأحد القولين، ولم يعمل بالأخر، ولم يحكم به أحد، فهو متروك منسوخ، فإن حكم به حاكم من أهل زماننا لم يجز، أشار إلى أنه وإن قضى بالنص لكن ثبت بإجماع الأمة انتساخه، حيث لم يعمل به أحد من الأمة، والعمل بالمنسوخ باطل غير جائز.
قال: وإنما يجز من ذلك ما اختلف فيه الناس، وحكم به حاكم من حكام أهل الأمصار، فأخذ بعضهم بقوله، وأخذ بعضهم بقول الآخر، يعني بعض الحكام أشار إلى أن بمجرد خلاف بعض العلماء لا يصير المحل محل الاجتهاد ما لم يعتبر العلماء، وسوغوا له الاجتهاد فيه.
ألا ترى أن عبد الله ابن عباس كان من الفقهاء، ثم لما لم يسوغوا الاجتهاد له في ربا النقد، حتى أنكر عليه أبو سعيد الخدري رضى الله عنه لم يعتبر خلافه على ما بينا قبل هذا، ثم قوله: وإنما يجز من ذلك ما اختلف فيه الناس، يشير إلى أن العبرة بحقيقة الاختلاف في صيرورة المحل مجتهدًا فيه، وفي بعض المواضع يشير إلى أن العبرة لإنشاء الدليل، وهكذا ذكر محمد رحمه الله في (السير الكبير) في أبواب الأنفال، وسيأتي بيان ذلك بعد هذا إن شاء الله تعالى.
ثم إن الخصاف لم يعتبر الخلاف بيننا وبين الشافعي رحمه الله، وإنما اعتبر الخلاف بين المتقدمين، والمراد من المتقدمين الصحابة ومن معهم، ومن بعدهم من السلف.
قال صاحب (الأقضية): فإذا زنى رجل بأم امرأته، ولم يدخل بها، فجلده القاضي، ورأى أن لا يحرمها عليه فأقرها معه، وقضى بذلك نفذ قضاؤه؛ لأنه قضى في فصل مجتهد فيه، فإن بين الصحابة اختلافًا في هذه الصورة، فعلي وابن مسعود وعمران بن الحصين وأبي بن كعب رضي الله عنهم قالوا بالحرمة، وابن عباس كان لا يقول بالحرمة، وكان يقول: الحرام لا يحرم الحلال، وربما كان برواية مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نفا، وهذا القضاء في حق هذا المقضي عليه متفق عليه، وفي حق المقضي له إن كان جاهلًا فكذلك، وإن كان عالمًا فعلى الخلاف لما مر.
وحكى القدوري في (شرحه)، فيمن تزوج امرأة زنى بها أبوه أو ابنه، وقضى القاضي بنفاذ هذا النكاح، وفي نفاذ هذا خلاف بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، فعلى قول أبي يوسف لا ينفذ قضاؤه، لأن الحادثة منصوص عليها في (الكتاب)، فإن النكاح في اللغة الوطء، ولا ينفذ حكم الحاكم على خلاف النص، وعلى قول محمد رحمه الله ينفذ؛ لأن هذا النص ظاهر وللتأويل فيه مشاع، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما على ما روينا يؤيده فكان محل الاجتهاد، فينفذ قضاؤه فيه.
وإذا خير الرجل امرأته فاختارت زوجها، أو اختارت نفسها فهذه المسألة مختلفة في الصدر الأول، فعلى قول عمر وابن مسعود رضى الله عنهما إن اختارت زوجها فهي امرأته، وإن اختارت نفسها فهي تطليقة بائنة، وعلى قول أهل المدينة إن اختارت زوجها فقد بانت منه، وإذا كانت المسألة مختلفة في الصدر الأول من هذا الوجه، فبأي قول من هذه الأقوال قضى كان قضاؤه في فصل مجتهد فيه فينفذ، وإذا قضى القاضي بجواز بيع أمهات الأولاد لا ينفذ قضاؤه.
واعلم بأن جواز بيع أمهات الأولاد مختلف في الصدر الأول، فعمر وعلي رضى الله عنهما أولًا كانا لا يجوزان بيعها، وهكذا روي عن عائشة رضى الله عنها، وقال علي رضى الله عنه آخرًا: يجوز بيعها. ثم أجمع المتأخرون على أنه لا يجوز بيعها، وتركوا قول علي آخرًا بعد هذا.
قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: ما ذكر في (الكتاب) أنه لا ينفذ قضاؤه قول محمد رحمه الله، أما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف ينبغي أن ينفذ، فكأنه مال إلى قول من قال: إن المتقدمين إذا اختلفوا في شيء على قولين، ثم أجمع من بعدهم على أحد القولين، فهذا الإجماع رفع الخلاف المتقدم عند محمد رحمه الله خلافًا لأبي حنيفة وأبي يوسف، وإذا ارتفع الخلاف المتقدم على قول محمد لم يكن قضاء هذا القاضي في فصل مجتهد فيه، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف إذا لم يرتفع الخلاف المتقدم كان هذا قضاء في فصل مجتهد فيه فنفذ.
هما يقولان: لو ثبت الإجماع باتفاق من بعدهم لابد من تعليل؛ لأن مخالفة الإجماع ضلال، وتضليل بعض الصحابة أو بعض السلف محال، يوضحه أن المخالف لو كان حيًا لا ينعقد الإجماع مع مخالفته، فكذا إذا مات؛ لأن بالموت فات المستدل لا الدليل، والمانع الدليل دون المستدل والدليل قائم، فيمنع انعقاد الإجماع حجة لا يوجب الفصل بينما إذا سبقه مخالف، وبين ما إذا لم يسبقه مخالف، ألا ترى أنه لو اجتمع علماء عصر على حكم واحد، وانعقد إجماعهم على ذلك، ثم اجتمع أهل عصر بعدهم على خلاف ذلك يصح؟ وانتسخ الأول بالثاني كأنه ورد آية مضادة لحكم آية قبلها.
ثم قول الكل لم يصلح مانعًا انعقاد الإجماع والإجماع، فقول الواحد أولى وقولهما: بأنه يودي إلى تضليل بعض السلف، فليس كذلك؛ لأن الإجماع إنما انعقد الآن والتضليل في مخالفة الإجماع، فإذا انعقد الإجماع لا تتحقق المخالفة، فلا يؤدي إلى الإضلال، كان الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة السرخسي رحمه الله يقول: لا خلاف بين أصحابنا رحمهم الله، أن إجماع المتأخرين يرفع الخلاف المتقدم؛ لأن حد الإجماع قد وجد والدليل الموجب لكون الإجماع حجة لا يوجب الفصل، فكان هذا القضاء في غير محل الاجتهاد، فلا ينفذ عند الكل، فكان ما ذكر في (الكتاب) أنه لا ينفذ قضاؤه قول الكل، وما يقول بأنه يؤدي إلى تضليل بعض السلف.
قلنا: لا يؤدي لأنا نجعل هذا الإجماع بمنزلة البيان، أن ما أدى إليه اجتهاد المخالف في الصدر الأول يبدل الآن، وصار بمنزلة ما لو كان حيًا، وتحول رأيه إلى خلاف ذلك، وإنما حملنا على هذا حملًا لأمر المسلمين على إجماعهم على ما يحل لهم على تعين الحق والصواب في قولهم، وصيانة لهم عن تضليل من كان قبلهم، قال القاضي الإمام الكبير أبو زيد رحمه الله في (تقويمه) في آخر فصول الإجماع: إن محمدًا رحمه الله روى عنهم أنه لا ينفذ القضاء أنه لا ينفذ من غير ذكر خلاف.
وفي الباب الأول من أقضية (الجامع الكبير) أن قضاء القاضي بجواز بيع أم الولد يتوقف على إمضاء قاض آخر، وهو الأصح، والوجه في ذلك: أن العلماء اختلفوا على أن بيع أم الولد هل بقي مختلفًا فيه؟ قال أصحابنا: لم يبق مختلفًا فيه كما ذكره شمس الأئمة السرخسي رحمه الله أن الإجماع المتأخر يرفع الخلاف المتقدم.
ومن العلماء من قال: لا يرفع، فبقي مختلفًا، فكان في كونه مختلفًا فيه اختلاف، فيتوقف على قضاء قاض آخر، فإن أمضاه قاض آخر بعده لا يكون لأحد بعد ذلك إبطاله، وإن أبطل قاض آخر بطل، لا يكون لأحد بعد ذلك أمضاؤه، وهو كذلك هذا الحكم في كل حادثة اختلف الناس فيها أنها مختلفة، أو ليست بمختلفة أن قضاء القاضي فيها يتوقف على إمضاء قاض آخر، إن إمضاه قاض آخر ينفذ، وليس لأحد بعد ذلك إبطاله، وإن أبطل قاض آخر بطل، وليس لأحد بعد ذلك إمضاؤه.
وفي (الزيادات): لو أن المسلمين أسروا أسارى من أهل الحرب، وأحرزوهم بدار الإسلام، ثم يظهر عليهم المشركون، ولم يحرزوهم بدار الحرب حتى ظهر عليهم قوم آخرون من المسلمين، وأخذوهم من أيديهم في دار الإسلام، فإنهم يردون على الطريق الأول اقتسم الفريق الثاني، أو لم يقتسموا؛ لأنه لم يثبت للكفار فيهم ملك ولاحق ما داموا في دار الإسلام، لبقائهم في أيدي الفريق الأول من حيث الحكم والاعتبار، فصار أخذ الفريق الثاني من الكفار في دار الإسلام كأخذهم من الفريق الأول على الفريق الأول.
قال: في (الكتاب): إلا أن يكون الذي قسم بين الفريق الثاني يرى ما صنع المشركون ملكًا وإحرازًا فحينئذ كان الفريق الثاني أولى بملك فقال: لأن هذا مما يختلف فيه الفقهاء.
ومعناه أن العلماء اختلفوا في أن مجرد الاستيلاء من الكفار ملكًا، وقسم بين الفريق الثاني بناء على ذلك حصل قسمة في محل مجتهد فيه، فينفذ كقسمة الغنائم في دار الحرب.
وذكر في (السير الكبير) إذا استولى المشركون على مال المسلمين وأحرزوه بعسكرهم في دار الإسلام، ثم استنقذه منهم جيش من المسلمين قبل الإحراز بدار الحرب، فذلك مردود على صاحبه، وكذلك لو لم يقل الإمام بذلك حتى قسم المال بين من أصابه فالقسمة باطلة والمال، وهو المتاع مردود عل صاحبه.
وإن علم الإمام للحال ورأى إحرازهم بالعسكر إحرازًا يأمر فخمسه وقسمه مع غنائم المشركين بين من أصابه من المسلمين، ثم رفع إلى قاض يرى ذلك غير إحراز جاز ما صنع الأول، ولم يبطل، لأن هذا مما يختلف فيه الفقهاء ومعناه ما ذكرنا.
فإن قيل كيف يستقيم هذا ومن قال بأن نفس الاستيلاء سبب الملك، ومن قال بأن مال المسلمين محل لتملك الكفار بالاستيلاء، وهو أصحابنا ما جعلوا مجرد الاستيلاء سببًا؟ قلنا: كون مال المسلمين محلًا بالاستيلاء مختلف فيه، وكون مجرد الاستيلاء سببًا مختلف فيه أيضًا، والإمام في هذه المسألة أخذ بقول من قال بأن مال المسلمين محل لتملك الكفار بالاستيلاء، وبقول من قال: بأن مجرد الاستيلاء سبب، فكان اجتهاده من الطرفين مصادفًا محلا مجتهدًا فيه.
ونظير هذا ما قلنا فيمن قضى بشهادة الفاسق على الغائب، أو شهادة رجل وامرأتين بالنكاح على الغائب ينفذ قضاؤه، وإن كان من يجوز القضاء على الغائب يقول: ليس للنسوان شهادة في باب النكاح، وليس للفساق شهادة أصلًا، ولكن قيل كل واحد من الفصلين مجتهد فيه، فينفذ القضاء من القاضي باجتهاده فيهما، فكذا في مسألتنا والمعنى فيه أن المجتهد يتبع الدليل القائل به ما ذكر، ثم في (الزيادات) وفي (السير الكبير) نص على أن قضاء القاضي بالملك للكافر بمجرد الاستيلاء، وقبل الإحراز بدار الحرب نافذ، قيل: وقد ذكر في (سير الجامع الكبير): أنه لا ينفذ، لأنه لم يثبت فيه اختلاف المتقدمين، قال: ولو قضى قاض بشاهد ويمين لا ينفذ قضاؤه، قال: لأنه خلاف التنزيل؛ لأن ظاهر قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] يقتضي أن يكون حجة الاستحقاق من جانب المدعي بشهادة رجلين، أو شهادة رجل وامرأتين، ومن جعل الحجة شهادة شاهد واحد ويمين المدعي، فقد خالف النص.
وإنما قال الزهري: إنه بدعة؛ لأنه لم يعمل به أحد من الصحابة، وإنما أحدثه معاوية، فكان بدعة منه، وذكر في كتاب الاستحلاف أن على قول أبي حنيفة، وسفيان الثوري رحمهما الله ينفذ قضاؤه لما روي عن رسول الله عليه السلام، «أنه قضى بشاهد ويمين الطالب»، وقد أخذ به بعض العلماء، فكان قضاء في فصل مجتهد فيه فينفذ، وعلى قول أبي يوسف لا ينفذ؛ لأنه خلاف التنزيل.
وفي (أقضية الجامع) من تعليقي أن القضاء بشاهد ويمين يتوقف على إمضاء قاض آخر، ولو قضى كل متروك التسمية عمدًا ذكر في (النوادر) أن على قول أبي حنيفة ومحمد ينفذ قضاؤه، وعلى قول أبي يوسف لا ينفذ؛ لأنه خلاف التنزيل، ولو قضى في حد أو قصاص بشهادة رجل وامرأتين، ثم رفع إلى قاض آخر يرى خلاف رأيه، فإنه ينفذ قضاؤه، ولا يبطله، وليس طريق نفاذ القضاء الأول في هذه الصورة حصول في محل مجتهد فيه؛ لأنه لم يبلغنا الاختلاف فيه إلا ما روي شاذًا عن شريح رضي الله عنه، وإنما طريقه أن القضاء الأول حصل في موضع اشتباه الدليل.
بيانه أن المرأة من أهل الشهادة شهادة مطلقة، لأن الأهلية بمعان قائمة بها وتلك المعاني لا تختلف وظاهر قوله تعالى: {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} [البقرة: 282] يدل على قبول شهادة النساء مع الرجال مطلقًا، نظرًا إلى اللفظ وأنه وإن ورد في باب المداينة، إلا أن العبرة عندنا لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، ولو لم يرد نص قاطع في إبطال شهادة النساء مع الرجال في هذه الصورة، وما روي عن الزهري، وهو قوله: مضت السنة الحديث ليس بدليل قطعي، فكان موضع الاجتهاد، فكان قضاؤه في فصل مجتهد فيه.
وفي (السير الكبير) اشترى الرجل دابة وغزا عليها، فوجد بها في دار الحرب عيبًا، فإن كان البائع معه في العسكر خاصمه، وإن لم يكن ينبغي له أن لا يركبها، ولكن يسوقها معه حتى يخرجها إلى دار الإسلام، ولو ركبها لحاجة نفسه، أو حمل أمتعة عليها سقط حقه في الرد وجد دابة أخرى أو لم يجد، فإن أتى الإمام وأخبره فأمره بالركوب فركب سقط حقه في الرد، ولو أكرهه على الركوب لما أنه كان يخاف الهلاك، فركب ولم ينقصها ركوبه فله الرد؛ لأن عند الإكراه ينعدم الفصل من المكره، وينعدم الرضا به، وإن لم يكرهه الإمام على الركوب ولكن قال: اركبها وأنت على ردك فركبها سقط حقه في الرد، فإن ارتفعا إلى القاضي بعد ذلك، فردها بالعيب على طريق الاجتهاد، لما قال له الأمير من ذلك، ثم رفعت إلى قاض آخر يري ما صنع الأول خطأ، فإنه يمضي قضاء الأول لأن قضاء الأول حصل في موضع الإجتهاد؛ لأن ظاهر النصوص الموجبة لطاعة الأمير يخرج ركوبه من أن يكون رضًا بالعيب، وكذلك التنصيص من الأمير، بقوله وأنت على ردك يسقط اعتبار دليل الرضا منه بالعيب ولو قضى بإبطال طلاق المكره، نفذ قضاؤه؛ لأن قضاءه في فصل مجتهد، لأنه موضع اشتباه الدليل، لأن اعتبار الطلاق بسائر التصرفات يبقى حكمه.
وإذا قضى قاض بأمر مختلف فيه، ثم رفع إلي قاض آخر فأبطله، ثم رفع إلى قاض ثالث، فهذا القاضي يمضي القضاء الأول إلا الترك ويرد الثاني؛ لأن الأول نفذ بالإجماع لحصوله في فصل مجتهد فيه، فكان قضاء الثاني بالرد في غير محل لاجتهاد فلا ينفذ، ولو كان نفس القضاء الأول مجتهدا فيه بعض المشايخ قالوا هو مختلف فيه، وبعضهم قالوا: لا اختلاف فيه فرده القاضي الثاني، فإن القاضي الثالث يمضي الرد، لأن القضاء بإبطاله حصل في فصل مجتهد فيه، وهو لا يعلم بذلك اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: ينفذ قضاؤه وإليه أشار محمد في كتاب الإكراه.
وهكذا روى الحسن عن أبي حنيفة، وعامتهم على أنه لا يجوز وإليه أشار في (السير الكبير)، فقد ذكر في (السير الكبير) في أبواب الفداء إذا مات الرجل وترك رقيقًا، وعليه الديون فباع القاضي رقيقه، وقضى ديونه ثم قامت البينة لبعضهم أن مولاه كان دبره كان بيع القاضي فيه كان باطلًا، ولو كان القاضي عالمًا بتدبيره، فاجتهد وأبطل تدبيره؛ لأنه وصية وباعه في الدين، ثم ولي قاض آخر، يرى ذلك خطأ ينفذ قضاء الأول، وقد حصل قضاؤه بالبيع في فصل مجتهد فيه في الفصلين، مع هذا ينفذ قضاؤه في الفصل الأول لما لم يعلم، ونفذ في الفصل الثاني لما علم.
وهكذا ذكر في كتاب الرجوع عن الشهادات، والمذكور ثمة وإذا شهد محدودان في قذف ولم يعلم القاضي بذلك، حتى قضى بشهادتهما ثم علم فإن كان من رأيه أن شهادة المحدود في القذف بعد التوبة حجة أمضي قضاؤه، وإن لم يكن من رأيه ذلك نقض قضاؤه، وهذا لأن القضاء بشهادة المحدود في القذف ينفذ ظاهرًا لا باطنًا على ما عرف في موضعه، فكانت هذه الحالة بمنزلة ابتداء الشهادة، ولو علم القاضي بكون الشاهد محدودًا في القذف في حال ابتداء الشهادة، إن كان من رأيه أنه حجة يقضى بها، ومالا فلا على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى، فهذا تنصيص على أن قضاء القاضي في المجتهد أن ينفذ إذا علم بكونه مجتهدًا فيه فيما عدا الترك، أشار في (الجامع) أيضًا، وهكذا ذكر الخصاف في كتابه، قال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في شرح (كتاب الرجوع): هذا هو ظاهر المذهب، وها هنا شرط آخر لنفاذ القضاء في المجتهد أن يصير الحكم حادثة، فيجري خصومة صحيحة بين يدي القاضي على خصمه، ثم إذا قضى القاضي بشهادة المحدود في القذف بعد التوبة، وهو يرى أن شهادته حجة إنما ينفذ قضاؤه؛ لأن هذا فصل مجتهد فيه، إما لأن فيه اختلافًا في الصدر الأول، فعمر رضى الله عنه كان يراها حجة، وإما لأن الموضع موضع اشتباه الدليل؛ لأن الآية مؤولة والخلاف بين العلماء في حرف الاستثناء إلى أو إلى رد الشهادة ظاهر.
وعن أبي يوسف رحمه الله أنه قال: لا ينفذ هذا القضاء، فإذا رفع إلى قاض آخر يبطله، فكأنه رأى قضاء الأول مخالفًا لظاهر الآية، فلهذا قال: أبطله الثاني.
وفي (أقضية الجامع) من تعليقي عن الشيخ الإمام الزاهد عبد الله الحدادي رحمه الله: إذا قضى القاضي بشهادة المحدود في القذف بعد التوبة، ورفع قضاؤه إلى قاض آخر، إنما لا يبطل الثاني قضاء الأول إذا كان الأول يراه حقًا، وعلم الثاني أن الأول رآه حقًا، بأن أظهر الأول ذلك للثاني، أو لم يعرف الثاني أن الأول رآه حقًا، أم لا؛ لأن الظاهر إنما يقضي بشيء إذا رأى ذلك حقًا، أما إذا علم الثاني أن الأول لم يرد ذلك حقًا بأن قال الأول: الصحيح قول ابن عباس أن شهادته لا تقبل، وإن مات كان للثاني أن يبطله؛ لأنه بين أن الأول ما كان قضى حيث قضى بخلاف رأيه، وسيأتي الكلام بعد هذا في القاضي يقضي بخلاف رأيه.
ولو كان القاضي هو المحدود في القذف، فقضى لرجل بقضية، ثم رفع قضاؤه إلى قاض آخر، يري ذلك باطلًا يرد قضاؤه:
يجب أن يعلم بأن المحدود في القذف لا يصلح قاضيًا قبل التوبة، ولا تنفذ قضاياه بالإجماع، وإذا رفع قضاياه إلى قاض آخر أبطله القاضي الثاني لا محالة، فلو نفذه القاضي الثاني، فالقاضي الثالث يبطله؛ لأن تنفيذ القاضي الثاني حصل بخلاف الإجماع فكان باطلًا، فكان للثاني أن يبطله، وبعد التوبة لا يصلح قاضيًا عندنا، خلافًا للشافعي فإذا رفع قضاؤه إلى قاض آخر يرى بطلانه أبطله، فقد فرق بين قضاء المحدود في القذف، وبين القضاء بشهادة المحدود في القذف.
فقال: القاضي إذا كان محدودًا في القذف، ورفع قضاياه إلى قاض آخر يرى بطلانه أبطله، والفرق أن قضاء المحدود في القذف نفسه مختلف فيه عندنا لا يصلح قاضيًا، وعند من خالفنا يصلح قاضيًا، ونفس القضاء إذا كان مختلفًا يتوقف على إمضاء قاض آخر، فأما القضاء بشهادة المحدود في القذف نفسه ليس بمختلف، بل المختلف شهادة المحدود في القذف، أنها هل تصلح حجة؟ فالقضاء بشهادة المحدود في القذف يكون حاصلًا في المختلف فيه فينفذ.
توضيح ما قلنا، أن قضاء المحدود في القذف إذا كان نفسه مختلفًا فيه لو نفذ كان القاضي ملزمًا قول نفسه، فيكون عاملًا لنفسه، والإنسان فيما يعمل لنفسه لا يصلح قاضيًا، فعلى قول من لا يرى ذلك قضاء تنعدم صورة القضاء، ونفاذ القضاء من غير وجود صورته لا يكون، فأما القضاء بشهادة المحدود في القذف لو نفذ كان القاضي ملزمًا قول الشاهد، فيكون عاملًا لغيره لا لنفسه، فيوجد صورة القضاء، فيمكن تنفيذه، ولو رفع قضاء القاضي المحدود في القذف إلى قاض يرى جوازه فأمضاه، ثم رفع إلى قاض آخر يرى بطلانه، فالقاضي الثالث يمضي إمضاء القاضي الثاني، ولا يبطل قضاء الأول؛ لأن إمضاء الثاني حصل في محل مجتهد فيه، فنفذ فلا يكون لأحد إبطاله.
قال في (المنتقى): وإذا كان القاضي محدودًا في القذف لا يسعه أن يقضي على وجه الحكم، ولكن يبين المغصوب من يد الغاصب ويرفعه إلى الطالب بمنزلة من ليس بقاض، فيكون معينًا للطالب، واستشهد صاحب (الأقضية) لإيضاح الفرق بين قضاء القاضي المحدود في القذف، وبين القضاء المحدود بشهادة المحدود في القذف، فقال ألا ترى أن القاضي لو قضى للزوج بشهادة زوجته ينفذ قضاؤه لوجود صورة القضاء مصادفته محلا مجتهدًا فيه، لأن هذا مجتهد فيه، أن الزوج هل يصلح شاهدًا لزوجته؟ وعلي رضى الله عنه كان يرى ذلك، ولو قضى لامرأة نفسه بشهادة شهود لا يجوز لانعدام صورة القضاء لكونه عاملًا لنفسه، بل يتوقف على إمضاء قاض آخر، كذا هاهنا.
ولو أن قاضيًا قضى بشهادة شاهدين ثم علم أنهما كافران، رد قضاؤه أو ظهر أن قضاءه وقع بخلاف الإجماع، وإن علم أنهما عبدان، فكذلك الجواب وإنه مشكل؛ لأن شريحًا رضى الله عنه كان يجيز شهادة العبد وكذلك مالك وداود بن علي، والجواب أن الصحابة أجمعوا على عدم قبول شهادة العبد، فإن عليًا وزيد بن ثابت رضي الله عنهما لما اختلفا في المكاتب إذا أدى بعض بدل الكتابة هل يعتق بقدره؟ قال علي رضي الله عنه: يعتق فاحتج عليه زيد بفصل الشهادة، فقال أرأيت لو شهد أتجوز شهادته في البعض دون البعض؟ فلولا أنهم كانوا متفقين على عدم قبول شهادة العبيد، وإلا لما احتج زيد بفصل الشهادة، وقول بعض المتأخرين بخلاف إجماع الصحابة لا يعتبر، ولا تصير الحادثة به مجتهدًا فيه بخلاف شهادة المحدود في القذف، لأنه كان مختلفًا بين السلف.
ولو علم أنهما أعميان فقد ذكر شمس الأئمة السرخسي في شرح كتاب الرجوع أن الجواب فيهما كالجواب في العبدين وظاهر ما ذكر في (المختصر) يدل عليه.
عبد أو صبي أو نصراني استقضى وقضى نفسه، ثم رفع قضاؤه إلى قاض آخر فأمضاه، فإنه لا يجوز إمضاؤه، وهذا الجواب ظاهر في حق الصبي والنصراني مشكل في حق العبد، بناءً على ما ذكرنا أن القضاء معتبر بالشهادة، والصبي لا يصلح شاهدًا أصلًا، والنصراني لا يصلح شاهدًا في حق المسلمين فلا يصلح قاضيًا، فأما العبد يصلح شاهدًا عند مالك وشريح فيصلح قاضيًا، فإذا اتصل به أمضاه قاض آخر ينبغي أن ينفذ كما في المحدود في القذف، والجواب ما ذكرنا، ولو أن أعمى قضى بقضية، ورفع إلى قاض آخر فأمضى ينفذ قضاؤه؛ لأن في أهلية شهادته خلاف ظاهر، إن كان بصيرًا وقت التحمل، فالخلاف بين أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وبين أبي يوسف رحمه الله وإن كان أعمى وقت التحمل فالخلاف بينهما وبين مالك وقد اعتبر خلافه؛ لأن الموضع موضع اشتباه الدليل؛ لأن التمييز شرط في الشهادة، فمالك اعتبر أصل التمييز وقد وجد، ونحن اعتبرنا كمال التمييز، ولم يوجد.
وهذا مما يشتبه وللاجتهاد فيه مجال، وليس فيه إجماع السلف بخلافه، بخلاف فصل العبد على ما مر، ولو رفع قضاؤه إلى قاض لا يرى جواز قضائه أبطله؛ لأن نفس القضاء مجتهد فيه، لأن الخلاف في أهلية شهادته خلاف في أهلية قضائه، ثم قال: ولو رفع قضاؤه إلى قاض يرى شهادته وقضاءه جائزًا، أو لا يدري أنه هل يرى ذلك، فانفذ حكمه ثم رجع إلى قاض يرى ذلك باطلًا، فليس له أن يبطله؛ لأن إمضاءه حصل في محل مجتهد فيه، ثم سوى بينما إذا كان شهادته ترى جائزة، وبينما إذا كان لا يدري؛ لأنه إذا كان لا يدري يحمل على أنه يرى جوازه، لأن الظاهر أن القاضي لا يقضي بخلاف ما يعتقده.
ولو أن امرأة استقضت جاز قضاؤها في كل شيء، إلا الحدود والقصاص؛ لأنها تصلح شاهدة فيما عدا الحدود والقصاص، فتصلح قاضية فيها، ولا تصلح شاهدة في الحدود والقصاص، فلا تصلح قاضية فيها، فإن قضت في الحدود والقصاص، ثم رفع قضاؤها إلى قاض آخر، فأمضاه نفذ قضاؤها؛ لأن في أهليتها للشهادة اشتباه الدليل، فكان مجتهدًا فيه، وإذا قضى القاضي في المجتهد فيه بخلاف رأيه ذكر الشيخ الإمام الزاهد فخر الإسلام علي البزدوي رحمه الله في (مقدمة قضاء الجامع)، أنه لا ينفذ، وهكذا ذكر في وقف (فتاوى الفضلي)، وإليه أشار محمد رحمه الله في قضاء (الجامع)، فإنه قال: إذا شهد محدودان في قذف بعدما تابا عند قاض، فرأى القاضي أن يجيز شهادتهما، وقضى بذلك نفذ قضاؤه بشرط رؤية القاضي جواز شهادتهما لنفاذ قضائه بشهادتهما.
وذكر الخصاف في (أدب القاضي): أن القاضي إذا قضى بخلاف رأيه ينفذ عند أبي حنيفة رحمه الله خلافًا لهما، وكان الفقيه أبو عبد الله الجرجاني رحمه الله يقول لا يجوز عند أبي حنيفة رحمه الله، وعند محمد رحمه الله يجوز وفي (شرح الجامع) لأبي بكر الرازي رحمه الله أن القاضي إذا قضى بخلاف مذهبه مع العلم لا يجوز في قولهم وذكر الشيخ الإمام ظهير الدين المرغيناني رحمه الله في شرح كتاب (الأقضية) أن على قول أبي حنيفة ينفذ قضاؤه، وعلى قول أبي يوسف لا ينفذ، ولا رواية في هذا عن محمد رحمه الله، قال: هكذا ذكر في بعض المواضع، وذكر في بعض المواضع أن على قول أبي حنيفة رحمه الله يجوز، وعلى قول أبي يوسف لا يجوز.
وذكر القاضي الإمام أبو علي النسفي رحمه الله أن على قول أبي يوسف وأبي حنيفة لا يجوز، وعلى قول محمد يجوز، قال رحمه الله ذكر الخلاف في بعض المواضع في نفاذ القضاء، وفي بعض المواضع ذكر الخلاف في حل الأقدام على القضاء، وذكر في كتاب القسمة في الوصايا التي ازدادت على الثلث عند أبي حنيفة بطريق المنازعة، وعندهما بطريق العول والمضاربة، ثم قال: وبأي ذلك أحدث فهو حسن، فإن كان الخلاف في جواز الأخذ برأي الغير، فوجه قول من قال بالجواز أن القاضي أمر بالمشاورة، فلو لم يجز له الأخذ برأي غيره إذا كان مخالفًا لرأيه لم يكن للأمر بالمشاورة فائدة، وجه قول من قال بعدم الجواز قوله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} [المائدة: 49] الله تعالى نهى القاضي عن اتباع هوى الغير، وإن كان الخلاف في نفاد القضاء، فوجه قول من قال بعدم النفاذ، أنه زعم فساد قضائه فيعامل في حقه بزعمه، وجه من قال بالنفاذ أنه قضى في محل الاجتهاد فينفذ قضاؤه، كما لو قضى برأي نفسه، وهذا لأن القضاء إنما يرد لمكان الخطأ، ولا يتيقن بالخطأ في موضع الاجتهاد؛ لأن كل مجتهد لا يقطع القول بأن الصواب ما أدى إليه اجتهاده، ولا ما أدى إليه اجتهاد خصمه، بل الأمر محتمل عنده، فإذا كان الأمر محتملًا عنده يتعين الصواب في الجانب الذي يتصل به القضاء حملًا لأمره على الصلاح فينفذ.
وفي (رجوع الجامع) إذا قضى على الغائب، وهو لا يرى ذلك لا ينفذ عند محمد رحمه الله، وذكر في هذه المسألة في (فتاوى الفضلي) وذكر أنه ينفذ في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وكان القاضي الإمام شمس الإسلام محمود الأوزجندي رحمه الله يفتي بعدم نفاذ القضاء في هذه الصورة، وكان الصدر الشهيد رحمه الله يفتي بنفاذ القضاء، وكان الشيخ الإمام ظهير الدين المرغيناني يفتي بالنفاذ أيضًا، وما يفعله قضاة زماننا مع تقليدهم شفعوي المذهب في اليمين المضاف، وبيع المدبّر وأشباه ذلك، إن كان التقليد للحكم ببطلان اليمين وبجواز بيع المدبر كانت المسألة على الاختلاف، وكان جواز حكم الشفعوي على الخلاف، كما لو فعل المقلد بنفسه ذلك، وإن كان التقليد للحكم بما يرى كان جواز الحكم من الشفعوي بالاتفاق، ألا ترى أن السلف كانوا يقلدون الأعمال والقضاء من الخلفاء العباسية، ويرون ما يحكمون به على آرائهم نافذًا وإن كان ذلك مخالفًا لرأي الخلفاء لاتباعهم في المسائل جدهم ابن عباس.
وإذا قضى القاضي بقتل في قسامة لا ينفذ قضاؤه، وصورته: قتيل وجد في محلة، وادعى أولياء القتيل على رجل أنك قتلته، قال بعض العلماء وهو مالك والشافعي رحمهما الله في القديم: إذا كان بين المدعى عليه، وبين القتيل عداوة ظاهرة، ولا يعرف له عداوة على غير المدعى عليه، وبين دخوله في المحلة ووجوده قتيلًا مدة قريبة، فالقاضي يحلف ولي القتيل على دعواه، فإذا حلف قضى بالقصاص، وعندنا فيه الدية والقسامة، فهذا هو صورة هذه المسألة، وإنما لم ينفذ القضاء؛ لأنه خلاف السنة وخلاف إجماع الصحابة، وعن أبي يوسف رحمه الله أنه ينفذ القضاء، ولكن إذا رفع إلى قاض آخر أبطله إذا لم يستوف القود لماذ ذكرنا أنه خلاف السنة وخلاف إجماع الصحابة وأول من قضى به معاوية، وقد ردوا عليه فلهذا كان للثاني أن يبطله، ولو قضى قاض بجواز بيع الدرهم بالدرهمين لا يجوز وقد مر هذا.
وكذلك لو قضى قاض بجواز متعة النساء لا يجوز وصورته: إذا قال الرجل لامرأة: أتمتع بك إلى كذا، وقال: شهرًا أو ما أشبه ذلك، وإنما قال: لا يجوز القضاء بجوازها؛ لأنها منسوخة، قالت عائشة رضي الله عنها: نسختها آية الطلاق، وقيل: نسختها السنة، وقيل: إجماع الصحابة، وابن عباس رضي الله عنهما وإن قال بجوازها إلا أن قوله بخلاف الكتاب والسنة لا يعتبر، كيف وقد صح رجوعه عنها؟ وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يجوز قضاؤه، وهكذا روى خالد عن محمد عن أبي حنيفة رحمه الله، ولو كان مكان لفظة الخلع لفظة التزويج، بأن قال الرجل لامرأة: تزوجتك إلى كذا، فقضى قاض بجواز هذا النكاح، وأبطل الأجل جاز قضاؤه؛ لأنه محل الاجتهاد، فإن عند زفر هذا النكاح صحيح، واشتراط الأجل باطل، وهذا لأن اشتراط الأجل شرط فاسد، والنكاح مما لا يبطل بالشروط الفاسدة.
وعن أبي يوسف رحمه الله برواية بشر أنه لا يجوز قضاؤه في هذه الصورة أيضًا.
وإذا نسي القاضي مذهبه قضى بمذهب غيره، قال أبو حنيفة رحمه الله: ينفذ القضاء، وقال أبو يوسف رحمه الله: لا ينفذ، هكذا روى الخصاف في (أدب القاضي)، وهكذا ذكر في (العيون) في آخر (أدب القاضي)، وهكذا ذكر القاضي أبو علي النسفي رحمه الله، وصورة ما ذكره القاضي أبو علي رحمه الله: إذا نسي القاضي رأيه، وقضى برأي غيره، لم يذكر رأيه قال أبو حنيفة: يأخذ برأيه في المستقبل، ولا يبطل ذلك القضاء، وقال أبو يوسف: يبطله، وذكر القاضي الإمام ركن الإسلام علي السعدي، والشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي قول محمد مع أبي يوسف رحمهما الله.
وجعل القاضي الإمام ركن الإسلام هذا هذه المسألة فرعًا لمسألة تقدم ذكرها، وهو ما إذا قضى القاضي بمذهب غيره، وهو عالم بمذهب نفسه، وذكر أن تلك المسألة على الخلاف بين أبي حنيفة وبين صاحبيه كذا هذه، ولو أن قاضيًا قضى بخلاف في دار استحقت من يد المشتري، وأخذ الضامن بدار مثلها، ثم رفع إلى قاض آخر أبطله، وصورة المسألة رجل باع دارًا له، وضمن البائع للمشتري الخلاص، أو ضمن أجنبي له الخلاص، وتفسيره: أن يقول الضامن للمشتري: إن استحقت الدار المشتراة من يدك فأنا ضامن لك استخلاص الدار، أحتال حتى استخلص ذلك الدار بالبيع أو بالهبة، وأسلمها إليك، فهذا الضمان باطل عندنا؛ لأنه ضمن ما يعجز عن الوفاء به، وعند بعض الناس يصح هذا الضمان، وهذا القول لا يستند إلى قياس صحيح، وقد استنكره المتقدمون، فقد قال شريح: من شرط الخلاص، فهو أحمق سلم ما بعت وخذ ما اشتريت، ولا خلاص، وإذا قضى قاض بجواز هذا الضمان، فقد قضى بما هو باطل.
ثم ما ذكرنا من تفسير ضمان الخلاص قول أبي حنيفة، وهو اختيار صاحب كتاب (الأقضية)، فأما على قول أبي يوسف ومحمد تفسير ضمان الخلاص والعهدة والدرك واحد، وهو الرجوع بالثمن عند الاستحقاق، وعند أبي حنيفة تفسير ضمان الخلاص ما ذكرنا، وتفسير ضمان الدرك ما قالا، وتفسير ضمان العهدة ضمان الصك القديم الذي عند البائع، ثم عندهما تفسير هذه الأشياء إذا كان واحدًا وهو الرجوع بالثمن عند الاستحقاق كان هذا الضمان صحيحًا، وإذا استحق المبيع من يد المشتري يرجع بالثمن على الضمان، فمتى قضى قاض بصحة هذا الضمان، وأثبت للمشتري حق الخصومة مع الكفيل ينفذ هذا القضاء، فإذا رفع إلى قاض آخر لا يبطله، فأما إذا ضمن تسليم الدار إلى المشتري لا يصح ضمانه، فلا يصح القضاء به، لما ذكرنا.
ولو أن امرأة رجل أو نفسه عفت عن دم العمد، وأبطل ذلك قاض لما أن من رأيه أنه لا عفو للنساء؛ لأنه لاحق لهن في القصاص، كما هو مذهب بعض العلماء، وقضى بالقود للرجال، فقبل أن يقاد الرجل رفع إلى قاض يرى عفو النساء صحيحًا، فالقاضي ينفذ ذلك العفو، ويبطل القضاء بالقود، لأن القضاء الأول باطل؛ لأنه بخلاف الكتاب، وهو قوله تعالى: {ولهن الربع مما تركتم} [النساء: 12] وبخلاف قول الجمهور، وإن كان هذا الرجل قد قتل بعمده، فالقاضي الثاني لا يتعرض لشيء هكذا ذكر الخصاف، وصاحب كتاب (الأقضية).
قالوا: وينبغي أن يقال: إن كان المقضي له بالقصاص عالمًا يقتص منه؛ لأنه قتل شخصًا محقون الدم، وإن كان جاهلًا يقضي عليه بالدية، أصل المسألة ما ذكر في (الأصل) إن الدم إذا كان بين اثنين، فعفى أحدهما، ثم قتل الآخر، إن كان القاتل جاهلًا تجب الدية، وإن كان عالمًا يجب القصاص.
ولو أن امرأة طلقها زوجها قبل الدخول بها، وقد كانت قبضت المهر وتجهزت بذلك، فقضى القاضي للزوج بنصف الجهاز؛ لأنه كان يرى ذلك كما قال بعض الناس، بناء على أن الزوج لما دفع الصداق إليها، فقد رضي بتصرفها برضا الزوج كتصرف الزوج بنفسه، ولو أن الزوج اشترى ذلك بنفسه، وساق إليها، ثم طلقها قبل الدخول بها كان لها نصف الجهاز، فكذا هاهنا، فإذا قضى قاض لا ينفذ قضاؤه؛ لأنه بخلاف قول الجمهور، وبخلاف كتاب الله تعالى، فإن الله تعالى جعل للزوج الطلاق قبل الدخول نصف المفروض، والمفروض هو المسمى في العقد، والجهاز لم يكن مسمى في العقد فلا ينصف، فكان هذا قضاء بخلاف النص فكان باطلًا.
ولو قضى قاض بإبطال المهر من غير بينة ولا إقرار أخذ بقول بعض الناس، إن قدم النكاح يوجب سقوط المهر إما بإيفاء من الزوج، أو بإبراء من المرأة، وترك المرأة الطلب في هذه المدة دليل عليه، فهذا القضاء باطل؛ لأنه مخالف لإجماع السلف.
ولو طلق امرأته في حال الحيض، أو في طهر جامعها فيه أو طلقها بكلمة واحدة، وقضى قاض بإبطال كله، فهو باطل؛ لأنه يخالف السنة والإجماع فكان باطلًا.
ولو أن رجلًا قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، فتزوجها ورفع الأمر إلى قاض يرى بطلان ذلك القضاء فأبطله، نفذ قضاؤه؛ لأنه فصل مجتهد فيه في الصدر الأول، وإذا قضى القاضي في الخلع أنه فسخ أو طلاق نفذ قضاؤه؛ لأن المسألة مختلفة في الصدر الأول. هكذا ذكره شيخ الإسلام.
ولو قضى قاض بالقرعة في رقيق أعتق الميت واحدًا منهم لم ينقض قضاؤه، لأنه مجتهد فيه، فمالك والشافعي يقولان بالقرعة، واعتمدا حديث الحسن البصري «أن رجلًا أعتق ستة أعبد له في مرضه، ولا مال له غيرهم، فأقرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، وأعتق اثنين منهم»، وعن أبي يوسف رحمه الله أنه لا ينفذ قضاؤه؛ لأن استعمال القرعة نوع قمار وإنه حرام، وأنه كان ثم انتسخ، والعمل بالمنسوخ باطل، ولو قضى برد نكاح امرأة بعيب غم أو جنون أو نحو ذلك لم ينقض قضاؤه؛ لأنه مجتهد فيه في الصدر الأول كان عمر رضي الله عنه يقول برد المرأة بالعيوب الخمسة، وكان علي وابن مسعود رضى الله عنهما يقولان: لا ترد، ولو ردت المرأة الزوج بواحد من هذه العيوب، وقضى قاض بجوازه نفذ قضاؤه؛ لأن هذا فصل مختلف فيه بين أصحابنا رحمهم الله، فمحمد رحمه الله يقول بالرد، فالقضاء صادف محلًا مجتهدًا فيه، ولو قضى بجواز نكاح بغير الشهود نفذ قضاؤه؛ لأن المسألة مختلفة، فمالك وعثمان البتي كانا يشرطان الإعلان حتى لو حصل الإعلان بحضور الصبيان والمجانين يصح النكاح عندهما، وقد اعتبر خلافهما؛ لأن الموضع موضع اشتباه الدليل لأن اعتبار النكاح بسائر تصرفاته، أو بفسخه يقتضي أن لا يشترط الشهادة ولأن الشهادة بعض الدلائل المقتضية لجواز النكاح مطلقة عن اشتراط الشهادة، ولو قضى بجواز بيع المدبر نفذ قضاؤه؛ لأن المسألة مختلفة، الموضع موضع الاشتباه؛ لأن التدبير إن اعتبر سببًا للحرية للحال كانت الحرية ثابتة من وجهة، فيمنع جواز البيع، وإن اعتبر فرصة أو تعليقًا للحرية لا يمنع جواز البيع، فكان الموضع موضع الاشتباه من هذا الوجه، ولو قضى بشهادة الابن لأبيه، أو قضى بشهادة الأب لابنه نفذ قضاؤه عند أبي يوسف خلافًا لمحمد، هكذا ذكر في (الأقضية).
واعلم بأن هذه المسألة كانت مختلفة بين الصحابة رضي الله عنهم، فعلي رضي الله عنه كان يرى جوازها، ثم أجمع المتأخرون على بطلانه، ورفع الخلاف عند محمد رحمه الله، فلم يكن قضاؤه في فصل مجتهد فيه، ولم يرفع الخلاف المتقدم عند أبي يوسف، فكان قضاؤه في فصل مجتهد فيه، وهذا تنصيص أن الخلاف بين أصحابنا في إيقاع الخلاف المتقدم بالإجماع المتأخر على نحو ما ذكره شمس الأئمة على ما بينا.
وإذا قضى بالشهادة على الشهادة فيما دون مسيرة سفر نفذ قضاؤه؛ لأنه مجتهد فيه، فأبو يوسف رحمه الله لا يشترط مسيرة السفر، وإذا قضى بشهادة شاهد شهد على خط أبيه، نفذ قضاؤه، وإذا قضى بأن العين لا يؤجل أبطل قضاؤه، وإذا قضى بشهادة شهود على وصية مختومة من غير أن تقرأ عليهم أمضاه الآخر، وكذلك إذا قضى بما في ديوانه وقد نسي، أو قضى بشهادة شهود على صك لا يذكرون ما فيه، إلا أنهم يعرفون خطوطهم وخاتمهم أمضاه الآخر، ولم يكن ينبغي للأول أن يفعل ذلك، وهذا كله قياس قول أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف.
وإذا قال الغريم للطالب: إن لم أفصل مالك اليوم فامرأته طالق، فعيب وخشي الغريم أن لا يظهر اليوم، فيجب في عينه، فأتى القاضي وأخبره فنصب القاضي عن الغائب وكيلًا، وأمر الوكيل بقبض المال من المطلوب حتى يبرء، فقبض المال وحكم بحاكم آخر فإن أبا يوسف رحمه الله قال: لا يجوز هذا، هكذا ذكر في (الأقضية) وهذا قولهم، وإن خص قول أبي يوسف بالذكر، وذكر الناطفي في (الواقعات) ذكر في كتاب الحسن بن زياد، أن القاضي ينصب وكيلًا عن الغائب، ويقبض ما عليه ولا يجب، قال الناطفي: وعليه الفتوي وجه ما ذكر، في (الأقضية): أنه لو جاز هذا إنما يجوز من حيث إن نصب الوكيل عن الغائب مختلف فيه، إلا أن الخلاف فيما إذا ادعى رجل عن الغائب حقًا، وقامت البينة عليه، فعندنا القاضي لا ينصب عنه وكيلًا، وعند بعض العلماء ينصب عنه وكيلًا، ولم يوجد ذلك ها هنا، فلا يكون هذا قضاء على الغائب، لكن هذا تكلف تحرزًا عن الحنث، وكذلك لو قدم رجل رجلًا إلى القاضي، وقال: لأبي على هذا ألف درهم، وأبي غائب.
وأخاف أن يتوارى هذا، ورأى القاضي أن يجعل الابن وكيلًا له، فجعله وكيلًا قبل البينة عليه على المال، وحكم بالمال، ثم رفع إلى قاض آخر، فإنه لا يجيزه، قال: وإنما أستحسن في المفقود خاصة أن أجعل ابنه وكيلًا في طلب حقوقه، وإنما لم يجز القضاء لما ذكرنا أن هذا ليس بقضاء على الغائب، إنما هذا الذي أتى القاضي أخبر أن للغائب على هذا كذا، وإنه ليس بخصمه عن الغائب، بل هو فضولي، فلا ينفذ قضاؤه له؛ لأنه خارج عن أقوال الأئمة وأما المفقود، فهو كالميت في حق بعض الأحكام، وللقاضي ولاية نصب القيم في مسألة أما هنا بخلافه.
وروي عن محمد رحمه الله أنه قال: يجوز قضاؤه لاشتباه الدليل، فإن للقاضي ولاية نصب الوكيل عن الغائب في الجملة، ونظير هذا لو جاء رجل إلى القاضي، وقال: كان لفلان علي كذا من المال، وقد أوفيته، وإنه في بلد كذا، وإني أريد أن أقدم تلك البلدة، وأخاف أن يجحد ويأخذني بذلك، فإن القاضي يجعل عن الغائب خصمًا، ويسمع عليه البينة، كذا لو جاءت امرأة إلى القاضي، وقالت: إن زوجي طلقني ثلاثًا، وإنه في بلد كذا، وإني أريد أن أقدم تلك البلدة، وأخاف أن يجحد الطلاق، فاسمع من شهودي، واكتب لي حجة، فإن القاضي يجعل عن الغائب خصمًا، ويسمع عليه البينة لما مر.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد رحمه الله في قاض حجر على مستحق الحجر للفساد، فرفع ذلك إلى قاض آخر فأبطل الحجر، وأجاز البيع جاز قضاؤه، وبطل الحجر؛ لأن نفس القضاء بالحجر مختلف فيه، فلم ينفذ من الأول، وكان للثاني أن يبطله، وسيأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى بخلافه، ولو رفع إلى قاض يرى جواز الحجر، فأجاز القضاء الأول بالحجر، وأبطل تصرفات المحجور، ثم رفع إلى غيره من القضاء، فليس له أن يبطل ذلك القضاء، ويجيز تصرفات المحجور؛ لأن ذلك القضاء صادف محلًا للاجتهاد، وهو نفاذ القضاء الأول، فينفذ ظاهرًا وباطنًا، فليس لأحد بعد ذلك أن يبطله.
وإذا قضى القاضي في المأذون في نوع أنه مأذون في نوع واحد، كما هو مذهب الشافعي عند شرائط القضاء من الخصومة والدعوى يصير مستفتًا عليه حتى لو رفع إلى قاض آخر يرى خلافه لا يبطله، ذكره محمد رحمه الله في أول (المأذون الكبير)؛ لأن هذا الفصل مختلف بين السلف، قال شريح رضي الله عنه: لا يعتبر مأذونًا في الأنواع كلها، وبهذه المسألة تبين أن المختلف بين السلف كالمختلف بين الصحابة.
وفي (إقرار الأصل) إذا حجر القاضي على رجل حر، ثم أقر المحجور عليه بدين، فعلى قول أبي حنيفة إقراره صحيح؛ لأن على قول الحجر لم يصح، فصار الحال بعد الحجر كالحال قبله، وعلى قولهما لا يصح إقراره؛ لأن على قولهما: الحجر صحيح في التصرفات التي يبطله الهزل والكره، فالتحق بالصبي.
فإن قيل: ينبغي أن لا يصح الإقرار عندهم جميعًا؛ لأن القاضي بالقضاء بالحجر، فإذا قضى القاضي بالحجر فقد جعله موجبًا، وهذا إشارة إلى أن يقضي القضاء بالحجر، ليس بمختلف فيه.
قلنا: هذا ليس بقضاء على الحقيقة؛ لأن القضاء لابد له من مقضي عليه ومن مقضي له ومن مقضي به، وها هنا إن وجد المقضي عليه، وهو السفيه، والمقضي به وهو السفه لم يوجد المقضي له؛ لأن الولي الذي رفع الأمر إلى القاضي لا يصلح مقضيًا له؛ لأن القاضي بهذا الحجر لا يقضى له على المحجور بشيء حتى لو وجد القضاء بأن وجد المقضي له أيضًا، بأن يصرف المحجور بعد الحجر تصرفًا، ورفع إلى هذا القاضي، أو إلى قاض آخر، وصححه، أو أبطله بعد ذلك عند الكل حتى لم يكن لقاض آخر بعد ذلك أن يبطله.
فإن قيل: إذا لم يكن هذا قضاء على الحقيقة كان بمنزلة الفتوى، فينبغي أن لا يتحجر عندها كما لو أفتى به مفت آخر.
قلنا: الحجر يثبت من غير قضاء، إذا كان للحاجر ولاية الحجر، وإن لم يكن الحجر نصًا كالحجر من المولى على عبده، وكالحجر من الولي على الصبي عن التجارة، فإن ذلك صحيح، وإن لم يكن قضاء على الحقيقة؛ لأن له ولاية الحجر كذا ها هنا للقاضي ولاية الحجر على السفيه بحكم القضاء، فيصح حجره، وإن لم يكن حجره قضاء على الحقيقة.

.الفصل العشرون: فيما يجوز فيه قضاء القاضي وما لا يجوز:

يجوز بأن يعلم بأن الإنسان لا يصلح قاضيًا في حق نفسه.
إما لأنه لا يصلح شاهدًا لنفسه، ومن لا يصلح شاهدًا في شيء لا يصلح قاضيًا فيه؛ لأن كل واحد منهما من باب الولاية؛ لأن فيه تنفيذ القول على الغير، إلا أن ولاية القضاء أقوى، وتنفيذ القول فيه أبلغ، فمن لا يصلح لأولى الولايتين كيف يصلح لأعلاهما؟
وإما لأن القضاء لابد له من مقضي له ومن مقضي عليه، فإذا قضى القاضي لنفسه من كل وجه، أو من وجه لا ينفذ قضاؤه غير أنه إذا قضى لنفسه من كل وجه لا ينفذ بإمضاء قاض آخر، وإذا قضى لغيره من كل وجه، فإن لم يصلح قاضيًا بيقين لا ينفذ قضاؤه، وإن أمضاه قاض آخر، وإن كان في صلاحه اختلاف، فإذا أمضاه قاض نفذ قضاؤه بالإجماع.
وإن وقع الخلاف في قضاء القاضي أنه قضى لغيره من كل وجه، أو قضى لغيره من وجه لنفسه، يتوقف على إمضاء قاض آخر، وسيأتي بيانه في خلال المسائل إن شاء الله تعالى.
قال في كتاب الوكالة: وإذا وكل القاضي رجلًا ببيع دار أو بإجارتها، وبالخصومة له في كل حق يطلبه قبل رجل، أو بطلب حق قبله رجل، فهو جائز وهذا ظاهر، ولا يجوز للقاضي أن يقضي لوكيله، أما إذا كان وكيلًا بالخصومة؛ لأن الوكيل في الخصومة سفير ومعبر، فيكون القضاء للموكل، والقضاء لنفسه باطل لما ذكر، ولمعنى الآخر وهو التهمة، وأما إذا كان وكيلًا بالبيع والإجارة فكان حكم العقد وما هو المقصود منه يقع للموكل، فكان القضاء واقعًا للموكل، وكذلك لا يقضي لوكيل أبيه وإن علا، ولا لوكيل ابنه وإن سفل؛ لأنه قضاء لنفسه من وجه؛ لأن بينهما شبه بعضية، ولأجلها لم تقبل شهادته لهؤلاء، ولا يجوز قضاؤه لهم من الطريق الأول، ثم فرق بين القاضي نفسه وبين من لا يقبل شهادته له في حق القضا،ء والشهادة، فقال: قضاء الإنسان وشهادته لنفسه وعلى نفسه لا يجوز، وقضاء الإنسان لمن لا تقبل شهادته له لا يجوز، وعليه يجوز.
والفرق أن شهادة الإنسان لنفسه، وقضاءه لنفسه إنما لا يجوز؛ لأن القضاء لابد له من مقضي له، ومن مقضي عليه، والشهادة لابد لها من مشهود له، ومن مشهود عليه، وفي حق هذا المعنى الوجهان على السواء، فأما قضاء القاضي لمن لا تقبل شهادته له، إنما لا يجوز لمكان التهمة، ولا تهمة إذا كان القضاء عليه، فلهذا افترقا، ولا يجوز للقاضي أن يقضي لعبده ولا لمكاتبه، ولا لعبد من لا تقبل شهادته لهم ولا لمكاتبهم؛ لأن القضاء يقع للموكل، وكذلك لا يجوز له أن يقضي لشريكه شركة عنان، أو مفاوضة إذا كانت الخصومة في مال هذه الشركة؛ لأن القضاء يقع للقاضي من وجه.
ولو مات رجل وأوصى للقاضي بثلث ماله، وأوصى إلى رجل آخر لم يجز قضاؤه للميت بشيء من الأشياء؛ لأن بقدر الثلث يقع القضاء للقاضي، وكذلك إذا كان القاضي أحد الورثة لا يقضي، للميت بشيء، لا يكون قضاء لنفسه من وجه، وكذلك لو كان الموصى له ابن القاضي أو امرأته أو غيرهما من لا تقبل شهادته لهما، وكان عبيد هؤلاء؛ لأن القضاء لهؤلاء لا يجوز وكذلك لو كان القاضي وكيل الوصي في ميراث الميت؛ لأن القضاء يقع له من حيث الظاهر، وكذلك لو كان للقاضي على الميت دين لا يجوز قضاؤه للميت بشيء، وفرق بين قضاء القاضي لغريمه بعد موت الغريم، وبين قضائه له في حال حياته.
والفرق أن الدين لا يتعلق بمال الصحيح، فبقي ماله بعد لحوق الدين خالص ملكه، فكان القضاء واقعًا للغريم من كل وجه، فأما بعد الموت، فالدين يتعلق بماله، فكان المال المقضي به حقًا لرب الدين من ذلك الوجه، وإذا وكل أحد الخصمين عند القاضي، أو مكاتبه، أو بعض من لا تقبل شهادته له لا يجوز له أن يقضي للوكيل على خصمه؛ لأن القضاء يقع للوكيل من حيث الظاهر، وإنه لا يصلح قاضيًا في حق هؤلاء والله أعلم.
وإذا وكل رجل رجلًا بالخصومة، فاستقضى الوكيل، فليس له أن يقضي في ذلك؛ لأن القضاء يقع للوكيل من حيث الظاهر، وليس له أن يقيم وكيلًا عن موكله؛ لأنه إن أقام بحكم القضاء كان هذا قضاء للغائب، وإن أقام بحكم الوكالة، فهذا وكيل لم يقل له الموكل: ما صنعت من شيء فهو جائز، فوكل رجلًا بالخصومة جاز، وليس له أن يقضي لهذا الوكيل، وإن صار الوكيل الثاني مع الوكيل الأول وكيلين للموكل الأول، ولهذا ملك عزلهما وينعزلان بموته، ولكن من حيث إن الوكالة الثانية مستفادة من جهة الأول؛ وإنه يملك عزله كان وكيل الأول، فيكون هذا من القاضي قضاء لوكيل نفسه من وجه، وإنه لا يجوز.
فرق بين هذا، وبينما إذا أمر القاضي رجلًا أن يبيع مال اليتيم، فخاصم الوكيل في شيء من حقوق ذلك العقد إلى هذا القاضي، فإنه يجوز له أن يقضي لهذا الوكيل، والفرق أن القاضي في تصرف مال اليتيم ليس بخصم، وكذا نائبه، ولهذا لا يلحق العهدة، فانتقل العقد إلى اليتيم من كل وجه، فصار قضاء لليتيم من كل وجه لا لوكيل القاضي، أما هاهنا بخلافه.
وإذا وكَّل رجل القاضي، ثم عزل عن القضاء، أو كانت الوكالة قبل القضاء، ثم استقضي وعزل، فهو وكيل على حاله، حتى كان له أن يخاصم عند قاض آخر.
قال: في (الجامع الكبير): وإذا مات الرجل، وله ديون على الناس بعضها على القاضي، وبعضها على من لا يقبل شهادته له بحق امرأته أو ابنه، فادعى رجل عند هذا القاضي أن الميت أوصى إليه، فاعلم بأن ها هنا ثلاث مسائل: إحداها: هذه، والحكم فيها أن القاضي إذا قضى بوصايته صح قضاؤه استحسانًا حتى لو قضى بعض من سمينا الدين إلى هذا الوصي يبرأ، ولو رفع قضاؤه إلى قاض آخر، فإن القاضي الآخر يمضيه ولا ينقضه، وبمثله لو أن القاضي لم يقض له بالوصاية لا يصح قضاؤه حتى كان للورثة ولاية مطالبته بالدين.
والفرق أن القاضي بالقضاء في الفصل الثاني يعمل لنفسه؛ لأنه يثبت براءة نفسه ويصحح دفعه إليه، والقضاء لنفسه باطل، ولا كذلك في الفصل الأول.
يوضحه أن القضاء معتبر بالشهادة، والغريم لو شهد بالوصاية لهذا الرجل بعد ما أدى الدين إليه لا تقبل شهادته لمكان التهمة، فكذا لا يصح قضاؤه، وقيل: قضاء الدين لو شهد الغريم بالوصاية لهذا الرجل تقبل شهادته إذا كان الموت ظاهرًا استحسانًا؛ لأنه لا تهمة في هذه الشهادة؛ لأن للقاضي ولاية نصب الوصي إذا كان الموت ظاهرًا بدون الشهادة، فكذا يصح قضاؤه أيضًا.
ثم إن محمدًا رحمه الله سوى في الفصل الثاني بين القاضي وبين امرأته وأبيه، وقال: إذا رفع قضاؤه إلى قاض آخر أبطله، ولو أمضاه كان باطلًا، بعض مشايخنا قالوا: ينبغي أن يكون الجواب في امرأته وأبيه بخلاف الجواب في حق نفسه؛ لأن قضاء القاضي لنفسه باطل بالإجماع، فلا يجوز لأحد أن يمضيه، أما قضاؤه لامرأته وابنه مختلف فيه؛ لأن شهادته له لا يختلف فيه، فكذا قضاؤه، فالقضاء بالإمضاء مصادف محلًا مجتهدًا فيه، فكان لغيره أن يمضيه إذا كان من رأيه ذلك، ولو لم يبلغ أحد الأوصياء، حتى جعل له القاضي وصيًا، ثم إن القاضي، أو بعض من سميناه رفع الدين إليه يجوز الأنصباء، والنصيب، ويجوز الرفع إليه، وبمثله لو قضى الدين إليه أولًا، ثم نصب وصيًا عن الميت لا يصح النصب، والوجه في ذلك أن للقاضي ولاية نصب الوصي عن الميت برأيه، ويكون هذا النصب قضاء؛ لأن القاضي في هذا النصب عامل لنفسه، ولا كذلك النصب قبل قضاء الدين.
المسألة الثانية: مسألة دعوى الميت إذا كان مكان دعوى الوصاية دعوى النسب في هذه المسألة، بأن جاء رجل، وادعى أنه ابن الميت ووارثه، وأقام على ذلك بينة، وقضى القاضي بالنسب منه، إن كان القضاء بنسبه بعد قضاء الدين إليه لا ينفذ قضاؤه، وإن كان قبل قضاء الدين إليه، نفذ قضاؤه.
والفرق بينما قبل القضاء، وبينما بعد القضاء ما ذكرنا من الوجهين، وفي هذه المسألة على الفرق الثاني نوع إشكال؛ لأن انتفاء التهمة في شهادة الغريم بالإيصاء وقضائه، إنما كان؛ لأن للقاضي ولاية نصب الوصي بدون الشهادة، فلم يكن هذا النصب مضافًا إلى الشهادة، فأما ليس للقاضي ولاية إثبات النسب من غير شهادة، فكان ثبوت النسب مضافًا إلى الشهادة إلى ولاية القضاء، فكان قاضيًا وشاهدًا لنفسه من وجه.
قلنا: لا بل التهمة منتفية هنا أيضًا؛ لأنه لم يكن للقاضي ولاية إثبات النسب ابتداء، وله ولاية إثبات ولاية الاستيفاء للغير، وفي إثبات النسب إثبات ولاية الاستيفاء، وله ذلك، إن لم يكن له ولاية إثبات النسب، فيصلح قاضيًا وشاهدًا في القضاء بالنسب من حيث إن فيه إثبات ولاية الاستيفاء للغير، واثبات النسب أمر زائد على هذه الولاية، فتنفى التهمة من هذا الوجه.
المسألة الثالثة: إذا كان مكان دعوى الوصاية والنسب دعوى الوكالة، بأن غاب رب الدين، وجاء رجل، وأقام بينة أن رب الدين وكله بقبض الدين الذي له على القاضي، أو على من سميناه من قرابته، فقضى القاضي بوكالته لا يجوز سواء كان القضاء قبل دفع الدين إليه.
فرق بين الوصاية والوكالة قبل دفع الدين.
والفرق أن للقاضي ولاية نصب الوصي، وإن لم يكن على الميت دين، فلا يكون في هذا النصب عاملًا لنفسه أصلًا، فلا يكون قضاؤه لنفسه أصلًا، فأما ليس للقاضي ولاية نصب الوكيل عن الغائب، فهو بهذا القضاء يعمل لنفسه من حيث إنه يثبت من يقتضي منه فيبرأ بدفعه إليه، فيكون قاضيًا لنفسه، فلهذا لا يصح، فإن رفع قضاه بالوكالة إلى قاض آخر، فإن كان القضاء بالوكالة بعد قضاء الدين رده لا محالة، ولو أمضاه لا يجوز إمضاؤه؛ لأنه وقع باطلًا، لأنه قضى لنفسه من كل وجه، وإن كان القضاء بالوكالة من الأول قبل قضاء الدين إليه، فأمضاه الثاني جاز إمضاؤه.
علل محمد رحمه الله في (الكتاب) فقال: لأن إمضاء الثاني جعل في فصل مجتهد فيه. واختلف عبارة المشايخ فيه، بعضهم قالوا: أراد به حقيقة الاختلاف، فمن المشايخ من يجيز القضاء بالوصاية، وبعضهم قالوا: أراد به اشتباه الدليل.
ووجه ذلك أن الوكالة أمانة في حال الحياة، والوصاية أمانة بعد الموت، فالقياس الظاهر يوجب التسوية، فينبغي أن يملك القاضي نصب الوكيل كما يملك نصب الوصي، وينبغي أن يملك القضاء بالوكالة، قبل قضاء الدين كما يملك القضاء بالوصاية، فإذا أخذ بالقياس الظاهر، وقضى بالوكالة قبل قضاء الدين، جعل قضاؤه في محل مجتهد فيه. أو نقول: هذا قضاء على الغائب مجتهد فيه، فإن قيل: هذا القضاء إذا كان مجتهدًا فيه ينبغي أن لا يتوقف على إمضاء قاض آخر، على ما مر.
قلنا: هذا هكذا إذا كان قضاء للغير من كل وجه، أما إذا كان قضاء لنفسه من وجه لا ينفذ بل يتوقف على إمضاء قاض آخر؛ لأن القضاء لنفسه باطل بلا خلاف، وهذا قضاء لنفسه من وجه من حيث إن به يحصل النفع لنفسه من حيث أن يقضيه الدين فيبرأ، وقضاء للغير من وجه من حيث إنه مما لا يقضيه الدين، وينتظر حضور الموكل، فيتوقف على إمضاء قاض آخر، فإن أدى اجتهاده إلى أنه قضاء للغير، وأمضاه نفذ؛ لأنه صادف محلًا مجتهدًا فيه، فلا ينبغي لما يحصل له من النفع غيره.
ونظير هذا إذا قضى لامرأته يتوقف على إمضاء قاض آخر، وإن كان هذا القضاء مجتهدًا فيه لهذا إن القضاء لنفسه باطل بلا خلاف، والخلاف في أن قضاء الرجل لامرأته، هل هو قضاء لنفسه من وجه؟ فإذا أمضاه قاض آخر يترجح جانب كونه قضاء للغير على كونه قضاء لنفسه، فينفذ ما صادفه محلًا مجتهدًا فيه.
وقيل: ذلك لا ينفذ كذا هنا على أن في نفاذ القضاء على الغائب روايتان، فعلى إحدى الروايتين لا ينفذ؛ لأن نفس القضاء مختلف فيه، فيتوقف على هذه الرواية على إمضاء قاض آخر، وعلى إحدى الروايتين ينفذ ولا يتوقف؛ لأن على إحدى الروايتين لا خلاف في نفس القضاء، وإنما الخلاف في أن الإنكار على سبيل اليقين، هل هو شرط؟ فعلى قياس هذه الرواية ينبغي أن لا يتوقف القضاء بالوكالة هنا على إمضاء قاض آخر، والله أعلم.
إذا نصب القاضي مسخرًا على الغائب لا يجوز، ولو حكم عليه لا يجوز، وتفسير المسخر أن ينصب القاضي وكيلًا عن الغائب ليسمع الخصومة عليه، والقاضي يعلم أن المحضر ليس بخصم، فالقاضي لا يسمع الخصومة عليه، وإنما يجوز نصب الوكيل عن خصم اختفى في بيته ولا يحضر مجلس الحكم، فالقاضي ينصب عنه وكيلًا، ولكن بعد ما بعث أمناءه إلى داره، ونودي على باب داره على ما ذكرنا، قبل ذلك، أما في ذلك الموضع فلا.
والدليل على أن نصب المسخر لا يجوز ما ذكر الخصاف في (أدب القاضي): رجل ادعى عقارًا في يدي رجل، وأقام البينة على الملك، فالقاضي لا يسمع بينته، ولا يقضي له بالملك ما لم يعلم أن العقار المدعى به في يد المدعى عليه، أو يشهد الشهود بذلك لجواز أن المدعي واضع رجلًا حتى يقر بأن العقار المدعى به في يده، فيقضي القاضي بذلك عليه، ويكون بذلك استحقاقًا عليه، وعلى غيره، والعقار في الحقيقة في يد غيره.
وذكر محمد رحمه الله في (شهادات الجامع): رجل غاب، فجاء رجل وادعى على رجل ذكر أنه غريم الغائب، وأن الغائب وكله بطلب كل حق له على غرمائه بالكوفة والخصومة فيه، والمدعى عليه ينكر وكالته، فأقام المدعي بينته على وكالته، قضى القاضي عليه بالوكالة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله هذه المسألة دليل على جواز الحكم على المسخر فإنه قال: ادعى على رجل ذكر أنه غريم الغائب، ولم يقل: ادعى على رجل هو غريم الغائب، قال الصدر الشهيد رحمه الله: ولكن هذا عندنا محمول على ما إذا لم يعلم القاضي بكونه مسخرًا قبل، وينبغي أن تكون هذه المسألة على روايتين؛ لأن هذا في الحاصل قضاء على الغائب، وفي القضاء على الغائب روايتان، في إحدى الروايتين لا ينفذ؛ لأن نفس القضاء مختلف فيه، وفي الرواية الأخرى ينفذ؛ لأن نقض القضاء ليس بمختلف فيه، وإلى هذا مال شيخ الإسلام رحمه الله، والمسألة في شرح كتاب المفقود.
وكان الشيخ الإمام ظهير الدين رحمه الله يقول في القضاء على الغائب: يفتى بعدم الجواز والنفاذ كيلا يتطرقوا إلى هدم مذهب أصحابنا رحمهم الله، فلو أن القاضي حكم على المسخر، وأمضى قاض آخر صح الإمضاء، ولا يكون لأحد بعد ذلك إبطاله.
إذا قضى القاضي بعين في يدي رجل، والمقضي به ليس في ولايته صح القضاء، ولكن لا يصح التسليم.
صورة المسألة: بخاريّ ادعى دارًا على سمرقندي عند قاض بخاري، أن الدار الذي في يديه بسمرقند في محلة كذا إلى أخره ملكي وحقي، وفي يديه بغير حق، وأقام بينة على دعواه، فالقاضي يقضي بالدار للمدعي، ويصح قضاؤه؛ لأن المقضي له والمقضي عليه حاضر إلا أن التسليم لا يصح؛ لأن الدار ليست في ولايته، فكتب إلى قاضي سمرقند لأجل التسليم.
وإذا أمر القاضي إنسانًا أن يقضي بين اثنين لم يجز قضاؤه، إلا أن يكون الخليفة أذن للقاضي بذلك؛ لأن القضاء أمر يحتاج فيه إلى العلم والأمانة والرأي، والخليفة بالتفويض إلى هذا القاضي من غير إذن بالاستخلاف رضي بعلمه وأمانته ورأيه، أما ما رضى بغيره، فرق بين القاضي وبين إمام الجمعة، فإن الخليفة إذا فوض إلى إنسان إقامة الجمعة مطلقًا، فاستخلف غيره جاز.
والفرق أن هناك الإذن بالاستخلاف إن لم يوجد نصًا وجد دلالة؛ لأن الخليفة إنما فوض إلىه إقامة الجمعة مطلقًا مع علمه أن العوارض المانعة من إقامة الجمعة نحو المرض، والحدث في الجمعة، وغير ذلك يتوهم مقصور وعلى تقدير التحقق، لا يمكن انتظار إذن الإمام لضيق الوقت، فقد أذن له بالاستخلاف دلالة، أما ها هنا لما لم يوجد الإذن صريحًا لم يوجد دلالة؛ لأن أكبر ما فيه أن العوارض المانعة من القضاء موهوم مقصور في حق هذا القاضي، ولكن انتظار إذن الإمام هنا ممكن؛ لأن تأخير سماع الخصومات ممكن؛ لأنه غير مقدر بوقت، فلهذا افترقا.
وفرق بين القاضي وبين الوصي أيضًا، فإن الوصي يملك التفويض إلى غيره، وإن لم يأذن له الوصي، والفرق أن في حق الوصي الإذن بالتفويض ثابت دلالة أيضًا؛ لأن الوصي إنما يعمل بعد موت الوصي، فإذا أوصي إليه مع علمه أنه قد يعجز على التصرف بنفسه، وعلى تقدير العجز لا يمكنه استطلاع رأيه في التفويض إلى غيره، فقد أذن له بالتفويض إلى غيره، دلالة أما هنا استطلاع رأي الخليفة، والاستخلاف ممكن للقاضي إن عجز عن القضاء، فلا حاجة إلى إثبات الإذن دلالة بالتفويض إلى غيره فإن كان الخليفة أذن للقاضي في الاستخلاف إما نصًا أو دلالة بأن قال له: ما صنعت من شيء فهو جائز، ملك الاستخلاف؛ لأنه صار راضيًا بغيره.
وهو نظير الوكيل بالبيع لا يملك أن يوكل غيره، وإذا أذن الموكل في التوكيل إما نصًا أو دلالة بأن قال له: ما صنعت من شيء، فهو جائز يملك توكيل غيره، إلا أن بين مسألة التوكيل، وبين مسألة القاضي فرق من وجه، فإن الموكل إذا أذن للوكيل أن يوكل فوكل، وقال الوكيل الأول للوكيل الثاني: ما صنعت من شيء فهو جائز، لا يكون للوكيل الثاني أن يوكل غيره.
والخليفة إذا أذن للقاضي في الاستخلاف فاستخلف، وقال الخليفة: ما صنعت من شيء فهو جائز، كان له أن يستخلف غيره، فلو أن الخليفة لم يأذن له بالاستخلاف، فأمر رجلًا فحكم بين اثنين حتى لم يجز حكمه، ثم إن القاضي أجاز ذلك الحكم ننظر إن كان بحال يجوز حكمه لو كان قاضيًا جاز إمضاء القاضي حكمه، وإن كان بحال لا يجوز حكمه لو كان قاضيًا ينظر إن كان ممن يختلف فيه الفقهاء، كالمحدود في القذف جاز إمضاؤه ذلك، وإن كان عبدًا أو صبيًا لم يجز؛ لأن القاضي إذا لم يؤذن في الاستخلاف صار الحال في حقه بعد الاستخلاف كالحال قبل الاستخلاف، وقبل الاستخلاف لو قضى وهو من أهل القضاء توقف نفاذه على إجازة قاض آخر، وإن لم يكن من أهل القضاء لا يتوقف، كذا ها هنا.
ولو أن الخليفة أذن للقاضي في الاستخلاف فاستخلف رجلًا، ثم أراد أن يعزله، لم يكن له ذلك إلا إذا كان الخليفة أذن له بالعزل أيضًا، بأن قال: له ولِّ من شئت، واستبدل من شئت.
ولو أذن له في الاستخلاف فاستخلف رجلًا، فهذا القاضي الثاني يصير قاضيًا من جهة الخليفة لا من جهة القاضي الأول، حتى لو أراد القاضي الأول أن يعزل الثاني لم يكن له ذلك، إلا إذا قال الخليفة للقاضي الأول: استبدل من شئت.
ولو أن الخليفة أمر القاضي أن يستخلف رجلًا يسمع من الخصوم ويسمع من الشهود، ويكتب الإقرار، ولا يقطع الحكم، وأمر القاضي رجلًا يقوم بذلك لا يجاوز ذلك، فإن لهذا الرجل أن يسمع من الشهود، ويكتب إقرار من أقر عنده، ويسأل عن الشهود، ثم ينهي ذلك للقاضي، فيكون القاضي هو الذي يحكم بعد أن يعرف صحة ذلك؛ لأن الخليفة لو أمر القاضي أن يسمع من الشهود، ويكتب الإقرار، ولا يقطع الحكم، بل يرفع الأمر إلى الخليفة حتى يحكم الخليفة بنفسه، كان صحيحًا، فكذلك إذا أمره بالاستخلاف على هذا الوجه.
ثم الخليفة إذا رفع الأمر إلى القاضي، فالقاضي لا يقضي بتلك البينة بل يأمر بإحضار المدعي، والمدعى عليه بإحضار الشهود، ويأمر الشهود أن يشهدوا ثانيًا عنده بحضرة المدعي والمدعى عليه، فإذا صحت الشهادة عنده قضى بتلك الشهادة، وهذا فصلٌ الناس عنه غافلون، فإن نائب القاضي يسمع البينة، ويكتب الإقرار، ويبعث إلى القاضي والقاضي يقضي بذلك، ولا ينبغي له أن يقضي بذلك، وإنما عليه أن يأمر بإعادة البينة، وأن يحضر المقر حتى يقر عنده، ثم يحكم بما يصح عنده، وإن كان الشهود شهدوا عند الخليفة بالحق، ثم غابوا فأعلم الخليفة القاضي بما شهدوا عنده، لهذا على هذا، فالقاضي لا يقبل، ولا يحكم حتى يعيدوا الشهادة عنده.
وكذلك إذا كان المدعى عليه أقر عند الخليفة، ثم جحد بعد ذلك فأخبر الخليفة القاضي بإقراره عنده، فالقاضي لا يقبل ذلك على طريق الشهادة؛ لأنه لو شهد على إقراره غير خليفته مع رجل آخر يقبل ذلك، فخليفته أولى.
وسئل القاضي الإمام شمس الأئمة الأوزجندي رحمه الله عن القاضي إذا سمع الدعوى، ويسمع النائب الشهادة هل يقضي النائب بالشهادة بدون إعادة الدعوى؟
قال: لا إلا أن يأمر القاضي بالحكم بتلك البينة، وسئل أيضًا عن القاضي إذا سمع الدعوى والشهادة ولم يحكم، وأمر نائبه بالحكم، وهو مأذون بالاستخلاف بحكم المثال الصحيح هل يصح هذا الأمر؟ وإذا حكم النائب هل يصح حكمه؟ قال: نعم.
وفي (الفتاوى) عن الفقيه أبي القاسم: أن القضاة على قسمين: قاض قلده قاض ولي بسبب من دفع الرشوة أو الشفعاء، فالأول إذا قضى، ثم رفع بقضيته إلى قاض يرى خلافه، فإنه لا يبطل قضاؤه، وإذا حصل في محل الاجتهاد، والثاني إذا قضى، ثم رفع قضاؤه إلى قاض يرى خلافه له أن ينقضه.
بعض مشايخ زماننا قالوا: إن من تقلد القضاء بالرشوة لا يصير قاضيًا، وإذا قضى لا ينفذ حكمه، ولا يحتاج فيه إلى النقض، وأما الذي طلب القضاء بالشفعاء، فهو والذي قلد سواء في حق نفاذ قضائه في المجتهدات.
وإذا كان القاضي مأذونًا بالاستخلاف فحكم خليفته في حادثة، ووقعت الحاجة إلى إثبات حكمه عند القاضي الأصل، ينبغي أن يثبتوا ذلك بشرائط من نفذ، ثم دعوى صحيحة على خصم كما لو ثبتوا قضاء قاض آخر.
ومما يتصل بهذا الفصل:
ما ذكر شمس الأئمة السرخسي في (شرحه): أن في ظاهر الرواية المصر شرط نفاذ القضاء، وفي (النوادر) ليس بشرط وذكر الخصاف في (أدب القاضي) في باب القاضي يقضي بعلمه: إن المصر شرط نفاذ القضاء وإليه أشار محمد في (الأصل).
وفي (المنتقى) إشارة عن أبي يوسف إلى أن المصر شرط نفاذ القضاء، فإنه قال: قضاة أمير المؤمنين إذا خرج أمير المؤمنين، فخرجوا معه، فلهم أن يقضوا؛ لأن هؤلاء ليسوا بقضاة أرض إنما هم قضاة الخليفة، فأينما خرج الخليفة فلقضاته أن يقضوا، وإن خرج القاضي وحده، فليس له أن يقضي، وعن أبي يوسف في (الإملاء) أن المصر ليس بشرط، قال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: وكثير من مشايخنا أخذوا برواية (النوادر) أن المصر ليس بشرط باعتبار الحاجة، فإنه عسى تقع الحاجة إلى أن يخرج القاضي إلى محدود، ويسمع الدعوى ثمة، ويقضي هناك، وإذا أمر القاضي إنسانًا بالقسمة في الرستاق، فقسم صحت قسمته باختلاف الروايات؛ لأن القسمة ليست من أعمال القضاء حتى يشترط لصحتها المصر في ظاهر الرواية، والله أعلم.

.الفصل الحادي والعشرون: في الجرح والتعديل:

ولا يسأل القاضي عن الشهود عند أبي حنيفة إلا أن يطعن الخصم فيهم، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يسأل عنهم من غير أن يطعن الخصم فيهم، وهذا في غير الحدود والقصاص، أما في الحدود والقصاص يسأل عنهم وإن لم يطعن الخصم فيهم، قيل: هذا اختلاف عصر وزمان، فأبو حنيفة رحمه الله كان في القرن الثالث الذي شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيرية، فكان الغالب فيهم العدالة، فبقي الحكم على الغالب، وهما كانا في القرن الرابع الذي شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم بالكذب، فكان الغالب فيهم الكذب، فأمر بالسؤال لهذا.
وكان القاضي الإمام أبو علي النسفي رحمه الله يقول: ينبغي للقاضي أن يحكم زي الشهود وسيماهم، إن كان عليهم زي الصالحين عمل فيهم بقول أبي حنيفة، وإن كان عليهم زي الفسقة عمل فيهم بقولهما، وقيل لا بل هذا اختلاف على الحقيقة، حجتهما أن التعديل حق القاضي؛ لأن القاضي منهي عن القضاء بشهادة الفاسق، مأمور بالتثبت فيه، فلا يتوقف استيفاؤه على طلب الخصم قياسًا على سائر الحقوق، ولأبي حنيفة رحمه الله الحديث المعروف وهو قوله عليه السلام: «المسلمون عدول بعضهم على بعض» ولأن الظاهر من حال المسلمين العدالة، والبناء على الظاهر واجب ما لم يعارضه ظاهر آخر، ففيما إذا طعن الخصم فيهم ظاهر آخر، فوجب السؤال بخلاف ما قبل الطعن، كان قضيته ما قلنا: أن الإنسان في الحدود وفي القصاص أيضًا إلا أنا إذا تركنا القياس، ثمة؛ لأن الظاهر لا يخلو عن نوع احتمال وشبهه، والحدود تدرأ بالشبهات، فشرطنا السؤال ثمة احتيالًا لدرئها قبل السؤال، فأما المال يثبت مع الشبهات؛ ولأن في الحدود لو وقع الخطأ لا يمكن التدارك بخلاف المال.
فلو أن الخصم عدل الشهود، فهذا على وجهين: أما إن عدلهم قبل أن يشهدوا عليه، فقال: هم شهود عدول، فلما شهدوا عليه أنكرهما، أو عدلهم بعدما شهدوا عليه، فإن عدلهم بما شهدوا عليه، فهو على وجوه:
إن قال: صدقوا فيما شهدوا به علي، أو قال: شهدوا علي بالحق، أو قال: الذي شهدوا به في هذه الشهادة حق، وفي هذه الوجوه الأربعة القاضي يقضي عليه بما شهدوا لأن بهذه الألفاظ إقرار منه بالمال، ويكون القضاء بالإقرار لا بالشهادة، وإن قال: هم عدول إلا أنهم أخطؤوا، أو قال: هم عدول، ولم يزد على هذا، فإن كان المشهود عليه عدلًا من أهل التعديل، فالقاضي يقضي بشهادتهما، عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله من غير أن يسأل من المزكي بناء على أن العدد في المزكي عندهما ليس بشرط، وعند محمد ما لم يسأل القاضي عن المزكي لا يقضي بشهادتهما.
بيانه أن العدد في المزكي شرط عنده، هكذا ذكر في (كتاب التزكية) وفي كتاب (الأقضية) في أوله وفي (أدب القاضي) للخصاف، في آخر باب المدعى عليه يعدل الشهود وفي (الرقيات)، فعلى هذه الروايات اعتبر تعديل الشهود عليه تعديلًا، وذكر في (الجامع الصغير) وفي كتاب (الأقضية) قريبًا من الثلث الأول، وفي (أدب القاضي) للخصاف في أول باب المدعى عليه يعدل الشهود: أن القاضي لا يقضى بشهادتهما حتى يسأل عنهما وهكذا روي عن أبي يوسف في (الأمالي)، وهكذا روى هشام عن محمد، فعلى هذه الروايات لم يعتبر تعديل المشهود عليه تعديلًا.
ووجه هذه الروايات أن المدعى عليه إن عدلهما بقوله: هم عدول، فقد جرحهما بإنكاره ما شهدا به بنسبته إياهما إلى الكذب؛ ولأن تعديل الشهود حق المدعي، وفي زعم المدعي أن هذا التعديل لم يصح؛ لأن المدعى عليه ظالم ليس من أهل التعديل، والمنقول عن محمد رحمه الله في هذا أن المدعى عليه حين قال: أولهما لم يزكهما.
قال الصدر الشهيد رحمه الله: فإما أن يقال: في المسألة روايتان، أو يحمل ما ذكر في بعض الروايات أن القاضي لا يقضي بشهادتهما حتى يسأل أنه قول محمد خاصة، لا لأن تعديله ليس بتعديل، ولكن لأن العدد في المزكي عنده شرط على ما يأتي بيانه بعد هذا، أو يقال: ما ذكر في بعض الروايات أن تعديل المشهود عليه ليس بتعديل محمول على ما إذا كان جاحدًا، أما إذا كان ساكتًا، وهو من أهل التعديل يصح تعديله، هكذا أول رحمه الله في (شرح الجامع الصغير) وإن لم يكن المدعى عليه من أهل التزكية والتعديل بأن كان فاسقًا أو مستور الحال، لا يصح تعديله، ولا يقضي القاضي بشهادتهما.
فإن قيل: يجب أن يصح تعديل المشهود عليه، وإن كان فاسقًا، أو مستور الحال؛ لأنه إقرار على نفسه، وإقرار الفاسق أو مستور الحال على نفسه صحيح.
قلنا: كما أن هذا إقرار على نفسه، فهذا إقرار بوجوب القضاء على القاضي لا يصح، ثم إذا لم يثبت التعديل بقول الفاسق ومستور الحال، فالقاضي يسأل المشهود عليه: أصدقوا أم لا؟ إن قال: صدقوا، فقد أقر على نفسه، فيقضي عليه بإقراره، وإن قال: أوهموا أو أخطأوا، فالقاضي لا يقضي عليه.
وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله ينبغي للقاضي إذا أقام المدعي البينة أن يسأل عن الشهود، فإن عدلهم المشهود عليه بعدما شهدوا عليه قضى عليه، ولم يلتفت إلى طعنه بعد ذلك، هذا إذا عدلهما المشهود عليه بعد الشهادة، فأما إذا عدلهما قبل أن يشهدوا عليه، ثم شهدا عليه، فأنكر المشهود عليه ما شهدا به، فالقاضي لا ينفذ ذلك عليه، ولا يكتفي بذلك التعديل.
أما على الرواية التي لا تعتبر تعديل المشهود عليه بعد الشهادة فظاهر، وأما على الرواية الأخرى؛ لأنه يمكنه أن يقول: كنت ظننت أنهما عدلان، وأنهما لا يشهدان على زور غير أنهما تغيرًا أو فسقا، هكذا ذكر المسألة في (كتاب الأقضية)، وروى الحسن عن أبي حنيفة ما يدل على أن تعديله قبل الشهادة معتبر، فإنه روى أن المشهود عليه إذا عدل الشهود بعدما شهدوا عليه، ثم طعن فيهم، قال: لا يقبل طعنه، وقضى عليه بشهادتهم، وإن كان قد عدلهم قبل أن يشهدوا عليه، فلما شهدوا عليه طعن فيهم، قال: لم يقض عليه بتعديله إياهم قبل أن يشهدوا قبل الجواب بالطعن، فهذا يبين لك أن بدون الطعن يقضي عليه بذلك التعديل السابق.
ثم التزكية نوعان: تزكية السر، وتزكية العلانية.
فتزكية العلانية: أن يحضر العدل مجلس الحكم ويسأله القاضي عن الشهود بحضرتهم فيزكيهم، ويقول بحضرتهم: هؤلاء عدول.
والتزكية في السر أن يسأل القاضي المعدل عن الشاهد في السر، فيعدله ويجرحه وقد كانت التزكية في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضى الله عنهم أن القوم كانوا صلحاء، وكان المعدل لا يخاف من المدعي والشهود؛ لأنهم كانوا منقادين للحق، وبعد ذلك فسد أحوال الناس، وآل الأمر إلى أن المزكي لو جرح الشهود بحضرتهم قاتلوه بالأذى، وظهر عجز المعدل عن تزكية العلانية، فأحدثوا تزكية السر، وهو معنى ما نقل عن محمد رحمه الله في (النوادر): تزكية السر عناء وبلاء، وقيل: أول من أحدث تزكية السر شريح، وحين أحدثها قيل له: أحدثت ما لم يكن، فقال: أحدثتم فأحدثنا، يعني: أظهرتم إحداث العداوة والخصومة مع المعدل، فأحدثنا تزكية السر.
قال في (أدب القاضي): لو جمع القاضي بين تزكية السر وبين تزكية العلانية، فذلك أحسن، وتفسير الجمع أن المزكي عدل الشهود في السر، فالقاضي يجمع بين الشهود وبين المزكي في مجلسه، ويقول للمزكي: أهؤلاء الذين زكيتهم؟.
قال في كتاب (الأقضية) وينبغي أن يكون المعدل في العلانية هو المعدل في السر، وإنما كان هذا حسن حتى لا يتسمى الرجل باسم غيره، إذ لا يتفق اثنان على اسم واحد.
قال في (أدب القاضي): وينبغي للقاضي أن يختار للمساءلة عن الشهود من كان عدلًا؛ لأنه يعدل غيره فلابد من أن يكون عدلًا في نفسه، وينبغي أن يكون صاحب خبرة بالناس؛ لأنه إذا لم يكن بهذه الصفة لا يعرف العدل من غير العدل، وينبغي أن لا يكون طماعًا حتى لا يخدع بالمال، وينبغي أن يكون فقيهًا يعرف أسباب الجرح وأسباب التعديل؛ لأنه اختلف أقاويل أهل العلم في أسباب التعديل والجرح، فمنهم من ضيق كل التضييق حتى قال: من سمع الأذان وانتظر الإقامة سقطت عدالته، ومنهم من وسع كل التوسيع، ولا يضيق كل التضييق ولا يعدل مردود الشهادة من غير علم، ولا يجرح عدلًا من غير علم.
وينبغي أن يكون غنيًا حتى لا يخدع بالمال، وإن وجد عالمًا فقيرًا، وغنيًا غير عالم اختار العالم، وإن وجد عالمًا ثقة لا يخالط الناس، ووجد ثقة غير عالم يخالط الناس يختار العالم؛ لأن العالم لا يقدم في شيء حتى يصح ذلك عنده، فهو بعلمه يقدر على الجرح والتعديل، وغير العالم لا يعرف العدل من غير العدل، فكان العالم أولى من هذا الوجه.
الأولى أن لا يكون المزكي مغفلًا، ولا يكون منزويًا لا يخالط الناس؛ لأنه إذا كان مغفلًا، أولا يخالط الناس لا يعرف معاملاتهم، ولا ينكشف له حالهم، ولا يمكنه تمييز العدل.
والعدد في المزكي ورسول القاضي إلى المزكي، وفي المترجم عن الأعجمي، وعن الشاهد أو الخصم الأعجمي ليس بشرط عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، والواحد يكفي، وعند محمد رحمه الله العدد شرط، والواحد لا يكفي، ويكفيه الاثنان إن كان المشهود به حقًا يثبت بشهادة رجلين عدلين، وإن كان حقًا لا يثبت إلا بشهادة الأربع، وأجمعوا على أن ما سوى العدد من سائر شرائط الشهادة سوى التلفظ بلفظة الشهادة من العدالة والبلوغ والبصر، وأن لا يكون محدودًا في القذف شرطه، والحرية شرط بالإجماع في ظاهر الرواية، والإسلام شرط بالإجماع، إذا كان المشهود عليه مسلمًا.
وأجمعوا على أن التلفظ بلفظة الشهادة ليس بشرط، فوجه قول محمد رحمه الله: أن التزكية والترجمة شهادة معنى؛ لأن القضاء لا يجب إلا بهما كما لا يجب إلا بالشهادة؛ لأن العلم للقاضي لا يثبت إلا بهما، فكانت شهادة معنى، فيعتبر بالشهادة حقيقة، والواحد لا يكفي في الشهادة حقيقة، فكذا في التزكية والترجمة، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمها الله أنهما قالا: إن التزكية والترجمة شهادة معنى كما قاله محمد رحمه الله إلا أنه خبر حقيقة، ولهذا لا يشترط فيهما لفظة الشهادة، وهو قوله: أشهد.
فمن حيث إنه خبر لم يشترط فيها العدد، ومن حيث الشهادة شرطنا فيها سائر شرائط الشهادة، ولحقيقة أن اشتراط سائر الشرائط ما سوى العدد في الشهادة على موافقة القياس، أما العدالة فلأن بها يترجح الصدق، ولهذا شرطت العدالة في سائر الإجارات، وأما البلوغ عن عقل والحرية؛ فلأن الشهادة ولاية على الغير، وإنها متفرع عن الولاية عن نفسه، والولاية على نفسه لا تثبت إلا بالبلوغ عن عقل والحرية.
وأما البصر؛ فلأن القدرة على التمييز إنما يثبت به، وأما الإسلام إنما شرط إذا كان المشهود عليه مسلمًا؛ لأنه لا ولاية للكافر على المسلم، أو لأن الكافر متهم بالخيانة في حق المسلمين، دل أن اشتراط هذه الشرائط في الشهادة على موافقة القياس، فيمكن اشتراطها فيما هو في معناها قياسًا عليها.
وأما اشتراط العدد في الشهادة كان على مخالفة القياس، ولهذا لا يشترط في سائر الإخبارات، فيقتصر عليها، ثم هذا الاختلاف في تزكية السر، فأما في تزكية العلانية فالعدد شرط بالإجماع؛ لأن معنى الشهادة فيها أبين وأظهر ألا ترى أنه يختص بمجلس القضاء، بخلاف تزكية السر عندهما.
وذكر أبو علي النسفي رحمه الله في (كتابه) عن محمد رحمه الله ما يدل على أن العدد في تزكية السر عنده ليس بشرط، والذي ذكر فيما إذا عرف المزكي الشهود بالعدالة، أو لم يعرفهم بها، لكن سأل ممن عرفهم وأخبره بعدالتهم ينبغي للمزكي أن يعدلهم قطعًا، فيقول: هم عدول، ولا يقول: هم عدول؛ لأن الثقاة أخبروا بعدالتهم؛ لأن هذا ليس بتعديل بل هذا إخبار عن تعديل الغير، وهذا الإخبار لم يثبت عند القاضي لكون المخبر واحد رواه عن محمد رحمه الله.
وروى عنه رواية أخرى: أن القاضي يقبل ذلك منه؛ لأنه أحال بالتعديل على حجته، وهذه الرواية دليل على أن العدد في المزكي عند محمد رحمه الله ليس بشرط، أما الترجمان، إذا كان أعمى ذكر في غير رواية (الأصول) عن أبي حنيفة: أنه لا تجوز ترجمته؛ لأن العمى جرح، وعن أبي يوسف رحمه الله أنه تجوز ترجمته، والمرأة الواحدة إذا كانت ثقة حرة جازت ترجمتها عندهما لرجل، وهذا في الأموال وما يجوز شهادتها فيه أما فيما لا تجوز شهادتها فيه لا تجوز ترجمتها.
قال في كتاب (الأقضية): إذا أراد المزكي أن يعدل الشهود ينبغي أن يقول إنهم عدول ثقات جائزوا الشهادة، قال: هذا هو أبلغ الألفاظ في التعديل.
وقال ابن سلمة: المزكي يقول في التزكية: هو عندي عدل مرضي جائز الشهادة، وفي (العيون) ذكر لفظ: عندي أيضًا، وبعض المشايخ قالوا: إذا قال: عندي لا يكون هذا تعديلًا بقوله: عندي وقع الشك، والفقيه أبو الليث رحمه الله زين هذا القول، وقال: هذا عندي ليس شيء؛ لأن العالم بالحقائق هو الله تعالى، وإنما يخبر المكلف عما عنده ووقع اجتهاده، وقال أبو يوسف رحمه الله: يقول المزكي: ما أعلم منه إلا خيرًا كما ذكر عمر رضي الله عنه، ولو قال: لا بأس به فقد عدله.
وفي القاضي إذا قال المزكي: هم عدول، فهذا ليس بتعديل؛ لأن المحدود في القذف بعد التوبة عدل ولا تقبل شهادته، وما وراه أبو علي النسفي عن محمد رحمه الله دليل على أنه تعديل، وكذلك إذا قال: هم ثقات، فالقاضي لا يكتفي به فقد يطلق هذا اللفظ على المستور، وبعض مشايخنا قالوا: إنه تعديل، ولو قال: إنه مزكى يكتفي به؛ لأنه طلب منه التزكية، وقد أتى بلفظ التزكية، وصار كالشاهد بعد الاستشهاد يأتي بلفظة الشهادة، ولو قال: لا أعلم منه إلا خيرًا فقد ذكر في (أدب القاضي) أنه تعديل، وإنه موافق لما روينا عن أبي يوسف ومن المشايخ من قال: إنه ليس بتعديل، والأصح أنه تعديل؛ لأنه نفى ما سوى الخير عنه، فكان مثبتًا صفة الخيرية له، إلا أنه يثبت بقدر ما علم من حيث الظاهر، وهو المأخوذ به في حق العباد، أما العلم بالحقائق لله تعالى.
وعن محمد أن المزكي إذا كان عالمًا بصيرًا يكتفي به منه، وإذا كان غير عالم لا يكتفي به منه؛ لأن غير العالم ربما لا يعرف هذا تعديل، وإن قال: لا أعلم منه إلا خصلة من أنواع الخير، لا يكون هذا تعديلًا؛ لأنه لم يثبت له إلا خصلة من أنواع الخير، وبهذا القدر لا تثبت العدالة.
وإن قال: هو عدل فيما علمنا، فقد قال بعض العلماء: إنه تعديل، وهكذا روي عن شريح، والأصح أنه ليس بتعديل؛ لأن قول الإنسان: فيما أعلم إذا اقترن بالإخبار بخرجه من أن يكون إثباتًا، ألا ترى أن الشاهد إذا شهد أن لفلان على فلان كذا فيما أعلم، لا تقبل شهادته؛ لأنه لا يكون إثباتًا وكذلك قال أبو حنيفة ومحمد: إذا قال: لفلان علي ألف درهم فيما أعلم لا يكون إقرارًا، تأويل حديث شريح أنه كان لا يقبل شهادة المستور كما هو قول أبي حنيفة.
وإن قال: هو عدل إن لم يكن شرب الخمر، فهذا ليس بتعديل؛ لأن فيما ذكر تعريض لوصفه بذلك النوع من الفسق، وإن قال: الله أعلم لا يكون تعديلًا بل يكون جرحًا؛ لأنه نفى علم نفسه حيث أحال بالعلم على الله تعالى.
قال ابن سماعة في (نوادره) عن أبي يوسف قال: أجيز في تزكية السر تزكية العبد والمرأة والمحدود في القذف والأعمى، إذا كانوا عدولًا، ولا أقبل في تزكية العلانية إلا من كنت أقبل شهادته؛ لأن تزكية السر من باب الإخبار، ألا ترى أنه لا يشترط فيه العدد عندهما، والمخبر به أمر ديني، وقول المرأة والعبد والمحدود في القذف في الأمور الدينية مقبول، إذا كانوا عدولًا، ألا ترى أنه تقبل روايتهم في الإخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجب الصوم بقولهم، فأما تزكية العلانية نظير الشهادة حيث شرط فيها العدد، وهؤلاء لا يصلحون للشهادة.
قال: وأقبل فيها رجل وامرأتان يعني في تزكية العلانية؛ لأن شهادة رجل وامرأتين في الأموال مقبولة، فكذلك التزكية، وعلى هذا تزكية الوالد لولده في السر جائزة، لأنها من باب الإخبار، أقصى ما فيه أنه تزكية لنفسه من حيث المعنى، ولكن يجوز للإنسان أن يزكي نفسه إذا احتاج إليه، ألا ترى أنه كيف زكى يوسف صلوات الله عليه في قوله تعالى: {اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} [يوسف: 55] وأما في العلانية فلا تجوز إلا تزكية من تقبل شهادته له، وكذلك على هذا تزكية العبد مولاه في السر جائزة وروى محمد عن أبي حنيفة أن يجوز تعديل العبد والمرأة والأعمى، وعن محمد: لا يجوز تعديل هؤلاء.
قال: وينبغي للمعدل أن يختار السؤال ممن اتصف بالأوصاف التي شرطناها في المزكي، وإنما يسأل جيرانه وأهل سوقه؛ لأنهم أعرف بحاله، هكذا ذكر في (أدب القاضي).
قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني: إنه يسأل عن جيرانه، إذا لم يكن بينه وبينهم عداوة ظاهرة، ولا يتحامل هو عليهم، يعني: لا يكون يده فوق أيديهم بنحو أن لا يعطى الجباية وما أشبهه، وهو اختيار أبي علي النسفي، ورواه عن محمد، وذكر من جملة من يسأل عنه رفيق الشاهد وقريبه، فقد صح عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إذا كان في المرء ثلاث خصال فلا تشكوا في صلاحه إذا حمده ذوو قرابته، وجاره، ورفيقه.
وإن لم يجد في جيرانه، وأهل سوقه من يصلح للتعديل، يسأل أهل محلته، وإن وجد كلهم غير ثقات يعتمد في ذلك تواتر الأخبار، وكذلك إذا سأل جيرانه، أو أهل محلته، وهم غير ثقات، فاتفقوا على تعديله أو جرحه، ووقع في قلبه صدقه كان ذلك بمنزلة تواتر الأخبار، وإن أخبر بعضهم بعدالته وبعضهم بجرحه، فالحكم فيه كالحكم في اختلاف المزكي في التعديل والجرح، وسيأتي بيان ذلك بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وإن كان الشاهد غريبًا لا يعرف إذا سأل عنه في السر، فالقاضي يسأل الشاهد عن معارفه، فإذا سماهم سأل عن معارفه في السر حتى يظهر عنده أنهم هل يصلحون للتعريف، فإن عدلوا سأل عنهم عن الشاهد، واعتمد على خبرهم في الجرح والتعديل، ولا يوقف فيه، وسأل عن العدل الذي في بلدته، إن كان في ولاية هذا القاضي وإن لم يكن كتب إلى قاضي ولايته تعرف عن حاله.
قال هشام: سألت محمدًا عن رجل شهد عند القاضي، وهو على رأس خمسين فرسخًا، فبعث القاضي أمينًا على جعل يسأل المعدل عن الشاهد، فالجعل على من؟ قال: على المدعي، وهذا ظاهر؛ لأن منفعة عمل الأمين راجعة إلى المدعي.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد رحمه الله: لا ينبغي للقاضي أن يسأل عن الشاهد رجلًا له على المشهود له مال، إذا كان المشهود له مفلسًا فلسه القاضي، أو ميتًا أقام وصية على غيره بينة؛ لأنه متهم في هذا التعديل بيانه: إذا أظهر عدالة الشهود لزم القاضي القضاء بشهادتهم، وعند ذلك يزول الإفلاس، وزوال الإفلاس يقع في حقه؛ لأن ماله في ذمته بمنزلة النادي زيول ذلك النوي بزوال الإفلاس، ثبت أن في التعديل نفعًا له فكان متهمًا فيه.
ونظير هذه رواية في الشاهد، إذا كان له على المشهود له مال، وأنه مفلس أنه لا تقبل شهادته له، لهذه التهمة، وإن لم يكن مفلسًا تقبل شهادته له، ويصح تعديله لشهوده؛ لعدم هذه التهمة، إذ لا يثبت بهذه الشهادة أمر لم يكن ثابتًا؛ لأنه كان متمكنًا من استيفاء حقه قبل الشهادة وقبل التعديل، حسب تمكنه منه بعد ذلك.
قال: ولو أن غريبًا نزل بين ظهراني قوم، وشهد هذا الغريب عند القاضي في حادثة، فسألهم القاضي، أو العدول عن حاله، وقد عرفوه بالصلاح، ولم يظهر منه ما يسقط عدالته هل يسعهم أن يعدلوه؟ كان أبو يوسف رحمه الله أولًا يقول: إن مكث بينهم ستة أشهر، ولم يعرفوا منه إلا الصلاح، يسعهم أن يعدلوه، وإن كان ذلك فليس لهم أن يعدلوه، ثم رجع وقال: إذا مكث بينهم سنة، ولم يعرفوا منه إلا الصلاح جاز لهم أن يعدلوه، ومالا فلا؛ لأن الحاجة إلى معرفة حاله بالتجربة، وقد ورد الشرع بتقدير مدة التجربة بالسنة، كما في العين.
يوضحه: أن من الفرائض ما لا يجب إلا بعد كمال الحول، كالزكاة وصوم رمضان، فما لم يحل عليه الحول لا يقفون عليه أنه متهتك أو ممن يراعي حق الله تعالى، في الزكاة والصوم، وروى هشام عن محمد رحمه الله أنه على قدر ما يقع في القلب صلاحه.
ورورى إبراهيم عن محمد أنه قال: من وقت في التزكية فهو مخطئ، وهذا على ما يقع في القلب، ربما يعرف الرجل في شهرين، والآخر لا يعرف في سنة، لأنه يرائي ويتصنع، وهذا القول أشبه بالفقه، وينبغي أن يكون على قياس أبي حنيفة كذلك؛ لأنه يفوض إلى رأي المجتهد في مثله، ولا يقدر فيه بشيء كما في الكثير الفاحش، وفي المدة التي يصير الكلب معلمًا فيه.
ولو أن صبيًا بلغ، وشهد شهادة، فحكمه حكم هذا الغريب الذي نزل من ظهراني القوم لا يعدلوه حتى يظهر فيها عندهم صلاحه وعدالته، والمدة التي يظهر فيها حاله عندهم، مقدرة على قول أبي يوسف كما بينا، ولا تقدر عند محمد بل هي على ما يقع في القلب؛ لأن العدالة مبناها على توجه الخطاب، حتى يعرف ازدجاره عن محظورات دينه وائتماره بالأوامر، والخطاب إنما توجه عليه الآن.
ولو أن نصرانيًا أسلم ثم شهد، فإن كان القاضي عرفه عدلًا في النصرانية يقبل شهادته ولا يبالي، وإن لم يعرفه بالعدالة يسأل فيمن عرفه بالعدالة في النصرانية، ويسعه أن يعدله من غير تأني، وإنما وقع الفرق بين الصبي والبالغ، لما ذكرنا أن العدالة والفسق إنما يعرف بتوجه الخطاب، والخطاب متوجه على النصراني، وإذا رأيناه مزدجرًا عما اعتقده محظور دينه، يستدل به على عدالته، فلا يتغير ذلك بالإسلام، فأما الصبي فإنما يتوجه عليه الخطاب بعد البلوغ، ولا يعرف انزجاره عن محظورات دينه قبل ذلك ليستدل به على عدالته، فلابد من مدة بعد البلوغ ليعرف انزجاره عن محظورات دينه.
وقال بعض مشايخنا: الصبي إذا رهق الحلم، ولم يزل رشيدًا حتى بلغ أن شهادته مقبولة، ويسع للمعدل أن يعدله، وإن لم يعرف سنه رشدًا إلى أن بلغ، فإنه يتأنى فيه، ويتربص مدة يظهر صلاحه، ويقع في القلب أنه عدل لما ذكر في الغريب، وهذا القائل سوى بين الصبي وبين النصراني في اعتبار العدالة السابقة، وهو اختيار أبي علي النسفي رحمه الله، وجه التسوية: أن النصراني لا شهادة له على المسلم كالصبي، وإنما حدث لهما أهلية الشهادة على المسلمين بالبلوغ والإسلام، ثم لما اعتبر بالعدالة التي قبل الإسلام فلأن يعتبر العدالة التي قبل البلوغ في حق المراهق أولى، وهذا لأن المراهق مأمور بالصلاة، ويؤدب على تركها، ويؤمر بالقضاء إذا أفسدها، وكذلك الصوم وغيرهما من الأحكام المختصة بأهلية الشرائع، ما لم يكن النصراني، ثم لما بنى الحكم على العدالة قبل الإسلام، فلأن يبني على العدالة التي للصبي قبل البلوغ أولى، ولكن المشهور ما ذكرنا.
في كتاب (الأقضية) عن محمد رحمه الله في نصرانيين شهدا على نصراني وعدلا في النصرانية، ثم أسلم المشهود عليه، ثم أسلم الشاهدان، فالقاضي لا يقضي بتلك الشهادة؛ لأنهما كافران وقت الأداء، فإن شهدا بذلك بعد الإسلام يعني أعادا شهادتهما بعد الإسلام، فالقاضي يسأل المعدل المسلم عن حالهما؛ لأن ذلك التعديل لم يعتبر حجة على المشهود عليه بعد الإسلام، لكونه تعديل الكافر حتى لو كان ذلك التعديل السابق من المسلمين قضى القاضي بشهادتهما؛ لأن ذلك التعديل وقع معتبرًا.
وفي (نوادر هشام) عن محمد رحمه الله، قال: سألت محمدًا عن شاهدين مشركين شهدا على مشرك بشهادة، فعدلا فلم يقض القاضي بشهادتهما حتى أسلم المشهود عليه، ثم أسلم الشاهدان، قال: أسأل الشاهدين أن يعيدا الشهادة، قلت: أتسأل عن تعديلهما قال: لا لأنهما عدلا في الشرك، قلت: فمسألة الشاهدين المشركين من المسلمين أو من المشركين، قال: من المسلمين قلت: فإن لم يعرفهما قال: يسأل المسلمون عن العدول من أهل الشرك، ثم يسأل أولئك المشركون عن الشهود.
قال محمد رحمه الله: في رجل ارتكب ما يصير به ساقط الشهادة من الكبائر، ثم تاب، وشهد عند القاضي قبل أن يأتي عليه زمان، لا ينبغي للمعدل أن يعدله، حتى يأتي عليه زمان، وهو على توبته يقع في القلب أنه صحت توبته، وهذا لأن التوبة أمر باطن لا تعرف إلا بدليلها، والامتناع عن ارتكاب الجناية محتمل بين أن يكون على وجه التوبة (وبه) يصير عدلًا، وبين أن يكون لا على وجه التوبة؛ لأن الفاسق لا يداوم على معصية، على سبيل الموالاة، وبه لا يصير عدلًا، فلابد من انضمام شيء آخر يدل على أن الامتناع على سبيل التوبة، فضممنا مضي مدة، وهو على توبته فيها يقع في قلب المجتهد أنه صح التوبة، وعلى قياس ما روي عن أبي يوسف فيما تقدم ينبغي أن تقدر تلك المدة لسنة أو لستة أشهر.
وإن كان هذا الفاسق شهد وهو فاسق ثم تاب، ومضى عليه زمان، وهو على توبته على نحو ما ذكرنا، فالقاضي لا يقضي بتلك الشهادة بل يأمر بإعادتها، فإن أعادها وعدله المعدل، فالقاضي يقبل شهادته إن كان لم يرد شهادته التي شهدها في حال فسقه، أما قبل الرد إنما يقبل شهادته؛ لأنه طهر شهادته بإخبار المعدل، وأما بعد الرد إنما لا يقبل شهادته؛ لأن بعد رده الشهادة هو متهم في التوبة، لجواز أنه قصد بها تنفيذ شهادته، ورفع ضرر عاد رد الشهادة عن نفسه، وهو في الباطن بخلافه.
ولو أن فاسقًا معروفًا غاب غيبة منقطعة سنة أو سنتين، ثم قدم، ولا يرى منه إلا الصلاح، فشهد عند القاضي، وسأل القاضي العدل عنه، فلا ينبغي للعدل أن يجرحه لما كان رأى فيه من قبل، ولا ينبغي له أن يعدله أيضًا حتى يتبين عدالته، وهو بمنزلة الغريب نزل بين ظهراني قوم.
وكذلك الذمي إذا أسلم، وقد عرف منه ما هو جرح قبل الإسلام لا ينبغي للمعدل أن يجرحه لما رأى فيه من قبل، ولا يعدله أيضًا حتى يظهر عدالته لما مرّ.
قال: ولو أن رجلًا عدلًا مشهورًا بالرضا غاب، ثم حضر وشهد، وسئل المعدل عنه، فإن كانت الغيبة قريبة كان للمعدل أن يعدله؛ لأنه ظهر عدالته، ولم يظهر بخلافه إذ لو كان منه شيء بخلافه لوصل الخبر؛ لأن المدة قريبة، وإن كانت الغيبة منقطعة مسيرة ستة أشهر أو نحوه، فإن كان الرجل مشهورًا بالرضا والعدالة كشهرة أبي حنيفة وابن أبي ليلى، فله أن يعدله، لأنه لم يظهر بخلاف ما عرف منه إذ لو كان منه شيء بخلاف ذلك لتحدث الناس به؛ ولو تحدثوا به لوصل الخبر ألا ترى أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يغيبون، وكانوا لا يبطل حكم عدالتهم وطريقه ما قلنا.
وإن لم يكن الرجل مشهورًا، فالمعدل لا يعدله؛ لأن هذه مدة يجوز أن يتغير المرء بها، وإذا لم يكن مشهورًا فالناس لا يتحدثون بأفعاله وأحواله ليستدل بعدم وصول الخبر على عدم التغيير، وذلك ما إذا كان الرجل معروفًا مشهورًا.
وإذا عدل الشهود عند القاضي، وعرفهم القاضي بالعدالة، فشهدوا مرة أخرى، فإن كان بين التعديل وبين الشهادة الثانية مدة قريبة قضى القاضي بشهادتهم من غير سؤال، وإن طال الزمان، وقادم العهد سأل القاضي عنهم، يريد به على قول من يرى السؤال عن الشهود؛ وهذا لأن الإنسان لا يبقى على صفة واحدة في جميع الأزمان، بل يتغير على ما عليه الغالب، ولا يكون التغيير في زمان قريب وإنما يكون في زمان طويل.
فبعد ذلك اختلف المشايخ فيما بينهم، منهم من قدر الطويل بسنة، وهو قول أبي يوسف آخرًا وهو اختيار أبي علي النسفي رحمه الله، ومنهم من قدر الطويل بستة أشهر، وهو قول أبي يوسف أولًا، واختيار الخصاف رحمه الله، ومنهم من قدره بأربعة أشهر، ومنهم من قدره بشهر، ومنهم من كره التقدير، وفوضه إلى رأي القاضي، إن وقع في رأيه بعد الاجتهاد والتأمل أنه تغير في هذه المدة، ورأى هذه المدة طويلة يسأل عنه، وإن وقع في رأيه أن لم يتغير في هذه المدة، ورأى هذه المدة قريبة لا يسأل عنه، وهذا القول أشبه بأصول أصحابنا رحمهم الله، وهو مروي عن محمد رحمه الله.
وإن عرف المزكي الشهود بالعدالة، غير أنه علم أن دعوى المدعي كان باطلًا، وأن الشهود أوهموا في بعض الشهادة، فينبغي أن يبين للقاضي بما صح عنده من عدالة الشهود، وإيهامهم في الشهادة أو بطلان دعوى المدعي، فالعدل قد ينسى، وقد يغلط، والمزكي قد يقف على بطلان دعوى المدعي بما يعترض على أصل سبب الاستحقاق من الإبراء أو الإيفاء في الديون، أو تلقي صاحب اليد الملك من المدعي أو ما أشبه ذلك، والشاهد لا يعرف ذلك، ويشهد بناء على ما عاين من سبب الاستحقاق، وبهذا لا تسقط عدالته فلهذا قال: يذكر عدالة الشهود وبطلان دعوى المدعي.
ثم القاضي يتفحص عما أخبره المزكي غاية التفحص، فإن تبين له حقيقة ما أخبره المزكي رد شهادة الشهود، وإن تبين له حقيقة ما أخبره المزكي قبل شهادة الشهود؛ ولأنه قد تثبت صحة دعوى المدعي بشهادة شهود عدول ولم يثبت بهذا الخبر بطلان دعواه؛ لأنه لا يصلح تعارضًا لشهادتهم، فلهذا قبل القاضي بشهادتهم.
فإن عرف المعدل من الشهود ما هو جرح، فلا ينبغي أن يذكر جرحه صريحًا، بل يذكره بالتعريض أو الكتابة بأن يقول الله أعلم أو ما أشبهه، تحرزًا عن هتك الستر على المسلم بقدر الممكن، وبعض مشايخنا قالوا: لابد أن يذكر الجرح ويذكر سببه؛ لأن أسباب الجرح كثيرة فلعل أن المعدل ظن شيئًا سبب جرح ولا يكون سبب جرح، فلابد من البيان لينظر القاضي فيه فإن رآه جرحًا رد شهادته وما لا فلا.
قال: وينبغي للقاضي إذا جرح الشهود أن يكتم الجرح ويقول للمدعي: زد في شهودك احترازًا عن هتك الستر قال بعض مشايخنا على قياس ما ذكر هاهنا: إذا عدل بعض الشهود وجرح البعض ينبغي للقاضي أن يكتب أسماء الذين عدلوا، ويترك أسماء المجروحين في السجل والمحضر؛ لأنه حينئذ يظهر المجروح لا محالة فيهتك ستره، ولكن هذا ليس بصواب؛ لأن الخصم ربما يطعن وعند ذلك يحتاج القاضي إلى معرفة الشهود، فإذا لم تكن أساميهم مذكورة في السجل ولا في الديوان لا تجدهم حتى تتعرف عن حالهم ثانيًا، فالصواب كتابة أساميهم، ولكن يكتب أسماء المعدلين لا غير تحرزًا عن هتك الستر بقدر الممكن، وإن كان المعدل لا يعرف الشهود بالعدالة فأخبره رجلان عدلان وسعه أن يعدلهما، هكذا ذكر في كتاب (الأقضية)؛ لأن خبر العدلين حجة مطلقة يجوز للقاضي أن يقطع الحكم به، فيجوز للمعدل التعديل به.
ألا ترى أنه إذا شهد عند رجل عدلان على النسب وسعه أن يشهد على النسب، فكذا هاهنا قالوا: هذا الاستشهاد مستقيم على ما ذكر محمد رحمه الله في مسألة النسب في الكتب الظاهرة، أما على ما ذكر بشر بن الوليد أن على قول أبي يوسف تجوز الشهادة على النسب بشهادة الرجلين العدلين، ولا تجوز عند أبي حنيفة رحمه الله حتى يسمع من العامة، فهاهنا يجب أن يكون الجواب على الخلاف أيضًا، على قول أبي حنيفة لا يسعه التعديل بإخبار العدلين حتى يسمع ذلك من العامة.
وروى هشام عن محمد رحمه الله مسألة التعديل بإخبار العدلين، وذكر فيها زيادة، فقال: إذا كان اللذان عدلاه يعرفان التعديل وسعه أن يعدله.
وروى إبراهيم عن محمد رجل عدل عند القاضي وأنا لا أعرفه إلا أنه وصف هل يسعني أن أزكيه وقد عرفت أن القاضي زكاه، قال: لا يسعك إلا أن تعرفه.
وإذا شهد شاهدان لرجل على رجل بحق وعدلهما المعدل بعد موتهما فالقاضي يقضي بشهادتهما، وكذلك لو عدلهما بعدما غابا. ولو عدلهما بعدما خرسا أو عييا فالقاضي لا يقضي بشهادتهما، والفرق أن الموت ليس بجرح في الشاهد ألا ترى أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موتهم على العدالة، وكذلك من بعدهم وكذلك الغيبة ليست بجرح في الشهادة، فأما الخرس والعمى في معنى الجرح في الشاهد لو اقترن بالأداء يمنع الأداء، فيمنع القضاء أيضًا.
وفي (فتاوى أبي الليث) رحمه الله: شاهدان شهدا عند القاضي والحاكم يعرف أحدهما بالعدالة ولا يعرف الآخر فزكاه المعروف بالعدالة، قال بصير: لا يقبل تعديله وعن ابن سلمة روايتان. وعن الفقيه أبي بكر البلخي رحمه الله في ثلاثة شهدوا عند الحاكم وهو يعرف اثنين ولم يعرف الثالث، فعدله الإثنان، قال: يجوز تعديلهما إياه في شهادة أخرى ولا يجوز في هذه الشهادة بأنه موافق لقول بصير وبه يفتى.
وفي (النوازل): إذا سأل المعدل عن الشاهد، فسكت فهو جرح وهذا ظاهر؛ لأن الإنسان لا يمتنع لإظهار ما هو حسن، وإنما يمتنع عن إظهار ما هو قبيح وهذا هو الظاهر من حال المسلم.
وفيه أيضًا: الشاهد إذا كان في السر فاسقًا وفي الظاهر عدلًا، فأراد القاضي أن يقضي، فأخبر عن نفسه أنه ليس بعدل صح إقراره على نفسه، ولكن لا يسعه ذلك الكلام في ذلك الوقت؛ لأنه يتضمن إبطال حق المدعي وهتك ستر نفسه، وإذا سأل القاضي المعدل عن حال الشهود، فأخبره بما علم من حالهم، ثم أراد أن يسأل عن غيره، فلا ينبغي له أن يعلم أنه سأل غيره عن حالهم؛ لأنه متى أعلم بذلك ربما يعتمد الثاني على قول الأول فيتهاون بالسؤال، ولا يبالغ في التفحص.
وإذا اختلف أصحاب المسائل في الجرح والتزكية، فحاصل الجواب في هذا الفصل أن المخبر بأحد الأمرين إذا كان المثنى والمخبر بالأمر الآخر الواحد، فالقاضي يأخذ بقول المثنى تزكية كان أو جرحًا؛ لأن قول المثنى حجة مطلقة، يعني به في جميع الأحوال، وقول الواحد ليس بحجة مطلقًا فلا يعارض قول المثنى، وإن كان من كل واحد من الجانبين ما هو حجة مطلقة بأن كان من كل واحد (من) الجانبين مثنى فالترجيح للجارح، لأن الجارح مثبت والمعدل ناف فإنه يقول لا أعلم فيه إلا خيرًا؛ ولأن المعدل اعتمد ظاهر الحال، فإن ظاهر حال المسلم العدالة، والجارح وقف على أمر بخلاف الظاهر خفي عن المعدل، والقاضي إنما يسأل ليقف على خلاف الظاهر وذلك في خبر الجارح، وكذلك إذا كان من أحد الجانبين مثنى ومن الجانب الآخر عشرة رهط، أو فوقها أو دونها لكنها فوق المثنى كان الترجيح للجارح؛ لأن المثنى حجة متكاملة والزيادة عليها فضل، ألا ترى أن في باب المال جعلنا الزيادة على المثنى فضلًا، كذا هاهنا، وإذا كانت الزيادة على المثنى فضلًا صار كأن من كل جانب مثنى، وإن كان من كل جانب رجل واحد أعاد المسألة من غيرهما هكذا اذكر المسألة في الأصل.
وفي (الأقضية): إذ ليس من كل جانب حجة وتعذر على القاضي الحكم، فيسأل عن غيرهما رجلان ينضم إلى المخبر من أحد الجانبين ما يتم به الحجة، فيترجح الجارح وإن استكشف القاضي منهما يعني من المعدل ومن الجارح الأول، فيقول للمعدل بأي سبب عدلته ويقول للجارح: بأي سبب جرحته، فهو حسن؛ لأن أسباب الجرح مما يختلف فيه فلعل هذا الجارح اعتمد سببًا لا يكون الجرح عند القاضي والمعدل اعتمد سببًا لا يكون سبب تعديل عند القاضي، فيسأل القاضي حتى يعمل فيه برأيه.
ثم ما ذكر من الجواب فيما إذا كان من كل جانب واحد أن القاضي أعاد المسألة عليها ظاهر على قول محمد رحمه الله، لأن العدد في المزكي شرط عنده، فإذا كان من كل جانب واحد لم يثبت واحد منهما لا العدالة ولا الجرح فيتوقف القاضي كشاهد واحد شهد عند القاضي فإن القاضي يتوقف إلى أن يشهد شاهد آخر كذا هاهنا، وأما على أصل أبي حنيفة وأبي يوسف مشكل؛ لأن عندهما العدد في المزكي ليس بشرط، فتتم الحجة من الجانبين، فينبغي أن يكون الجرح أولى، كما لو كان من كل جانب مثنى، عامة المشايخ على أن المذكور في الأصل والأقضية قول محمد رحمه الله، فأما على قولهما فالجرح أولى هكذا ذكر في (المنتقى).
وصورة ما ذكر في (المنتقى) إذا زكى الشهود واحد وجرحه واحد، قال أبو حنيفة وأبو يوسف الجرح أولى، وقال محمد: الشهادة موقوفة على حالها حتى يجرح آخر أو يعدل آخر، ومن المشايخ من قال: ما ذكر في (الأصل) و(الأقضية) قول الكل وهذا القائل يقول: في المسألة روايتان عنهما، ويفرق هذا القائل على قولهما بينما إذا كان من كل جانب واحد، وبينما إذا كان من كل جانب اثنان على رواية (الأصل).
ووجه الفرق: أن الاثنين مما تتم بهما الشهادة، فإذا كان من كل جانب اثنين فقد بلغ كل فريق حد الشهادة وفي الجرح معنى الإثبات، وفي التعديل معنى النفي، والشهادة شرعت للإثبات لا للنفي، فرجحنا الجرح للتعديل لهذا، أما الواحد مما لا تتم به الشهادة بل كلامه خبر، والنفي والإثبات يستويان في الخبر، فلا يمكن ترجيح الجرح فيستقبل القاضي السؤال استقبالًا، فإذا سأل القاضي عن الشهود وطعن فيهم لا ينبغي للقاضي أن يصرح للمدعي بأن شهودك جرحوا، بل يقول له: زد في شهودك أو يقول له لم يجد شهودك ليكون ذلك أقرب إلى السنن، فإن قال المدعي أنا آتي بمن يعدلهم ويسمي قومًا يصلحون للمسألة، فإن القاضي يسمع ذلك منه ويسألهم. ذكر المسألة في (العيون) وفي (أدب القاضي)، فإن عدلهم ذلك القوم سأل القاضي الطاعنين بما طعنوا فيهم؛ لأنه يجوز أنهم طعنوا بما لا يصلح وجه الطعن عند القاضي والمدعي، فإن بينوا ما هو جرح عند الكل كان الجرح أولى، وإن بينوا سببًا لا يصلح للطعن عند القاضي لا يلتفت إليهم ويقبل شهادة الشهود وكذلك لو عدلهم المزكي فطعن الشهود عليه، وقال القاضي: اسأل فلانًا وفلانًا سمى قومًا صالحين للمسألة يسأل عنهم، فإن جرحوا وبينوا سببًا صالحًا، فالجرح أولى هكذا ذكر في (العيون) وفي (أدب القاضي) أيضًا.
وفي (نوادر ابن سماعة): قلت لمحمد رحمه الله إذا سأل القاضي في السر عن الشهود فلم يعدلوا ثم أتاه المشهود له بالمعدلين في العلانية، قال لا يقبل ذلك منه، وهذه الرواية تخالف رواية (العيون) وبه يفتى؛ لأن العبرة لتزكية السر ويتمكن تهمة المواضعة بينهم؛ ولأن في التفحص عن ذلك إشاعة الفاحشة وتهييج العداوة بينهم....
وفي (المنتقى) عن أبي يوسف رحمه الله إذا عدل الشاهد في السر فقال المشهود عليه أنا أجيء بالبينة في العلانية أنه صاحب كذا وكذا...، إذا كان كذلك لا تقبل شهادته، فإنى لا أقبل ذلك من المدعي، إذا عدل الشاهد في السر أشار إلى أن العبرة لتزكية السر وإنه يخالف رواية (العيون) أيضًا.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد أيضًا قلت: لمحمد رحمه الله أما من القاضي المشهود له أن تأتيه من يعدل شهوده، قالا: لأن العبرة لتزكية السر ولتمكن التهمة في حق من يعدل الشاهد بأمر المشهود عليه، فلعله واضعه على ذلك ولا تهمة في حق مزكي القاضي.
وإذا شهد شاهدان على رجل بمال فقال المشهود عليه: هما عبدان، وقال الشاهدان: نحن أحرار الأصل لم نملك قط، فالقاضي لا يقبل شهادتهما حتى يعلم أنهما حران.
روى ابن سماعة عن أبي حنيفة رحمهم الله أنه قال: الناس أحرار إلا في أربع مواضع: الشهادة والحدود والقصاص والعقل، ونحوه ورد عن عمر رضي الله عنه.
صورته في الشهادة ما ذكرنا.
صورته في الحد: رجل قذف إنسانًا وزعم القاذف أن المقذوف عبد، فالقاضي لا يحد القاذف حتى يعلم حرية المقذوف.
صورته في القصاص: رجل قطع يد إنسان وزعم القاطع أن المقطوعة يده عبد، فالقاضي لا يقطع يد القاطع حتى يعلم حرية المقطوعة يده.
صورته في العقل: رجل قتل رجلًا خطأً، وزعم العاقلة أن المقتول عبد، فالقاضي لا يقضي على العاقلة بالدية حتى يعلم حرية المقتول، وهذا كله إذا لم تكن حرية الشاهدين وحرية المقذوف وحرية المقطوع والمقتول معلومة للقاضي بيقين بأن كانوا مجهولين في النسب، ولم يعاين القاضي إعتاقهم من جهة أحد، فأما إذا كانت معلومة للقاضي يتعين بأن عرف حرية أبويهم من الأصل أو عرف حريتهم بالإعتاق، فالقاضي لا يلتفت إلى طعنهم؛ لأنه عرف كذبهم في طعنهم بيقين، فإن سأل القاضي عن الشهود وأخبر المزكون أنهم أحرار الأصل أجزت شهادتهم، ولم أكلفهم البينة، أشار إلى أن الإخبار عن حرية الشهود يكفي للعمل بالشهادة، هكذا ذكر في (كتاب الأقضية)، وهذا لأن القاضي لا يحتاج إلى القضاء بالحرية؛ لأن ذلك إنما يكون بعد ثبوت الرق، والرق غير ثابت وإنما يحتاج إلى ما يعرف به أن شهادتهم حجة، فصارت الحرية كالعدالة ثم العدالة تثبت، بالإخبار فكذا الحرية.
وذكر في شهادات (الأصل): أن القاضي إذا اكتفى بالإخبار فحسن وإن طلب على ذلك بينة فهو أحب وأحسن؛ لأن الحاجة إلى معرفة الحرية فوق الحاجة إلى معرفة العدالة؛ لأن أهلية الشهادة لا تثبت بدون الحرية وتثبت بدون العدالة؛ ولأن الحرية أخذت سببها من أصلين مختلفين من العدالة، باعتباراتها من أسباب قبول الشهادة ومن الملك باعتبار أنه تجري فيها الخصومة وفيها حق العباد، فلشبهها بالعدالة قلنا بأنها تثبت بمجرد الإخبار ولشبهها بالملك، قلنا بأن الإثبات بالبينة أولى؛ لأن الحرية تصير مقضيًا بها.
ولو جاء إنسان وادعى رقبة هذا الشاهد بعد ذلك لا ذكر لهذه المسألة في الكتب، قال فخر الإسلام علي البزدوي رحمه الله وفيه شبهه يجب أن لا يسمع إذا قام البينة على حرية ويسمع إذا لم يقم.
ثم إن أصحابنا رحمهم الله فرقوا بين فصل الشهادة وبينما عداها من الفصول وهو فصل الحد والقصاص والقتل. فقال: في فصل الشهادة: إذا أخبر المزكون بحرية الشهود فالقاضي يجيز شهادتهم ولم يشترط إقامة البينة، وقال في الفصول الثلاث القاضي لا يقضي بالحد والقصاص والعقد ما لم يقم البينة على الحرية.
والفرق أن الحرية من أسباب قبول الشهادة وليست من حقوق العباد التي تدخل تحت القضاء، فكانت كالعدالة ثم العدالة تثبت بالسؤال فكذا الحرية، فأما الحد والقصاص والعقل من الحقوق التي تدخل تحت القضاء، فلما لا يمكن إثباتها إلا بالبينة فكذا في الحرية التي لا يجب حد القذف ولا يجب العقل والقصاص؛ لأنها لا يمكن إثباتها إلا بالبينة، هذا إذا قال الشهود: نحن أحرار، فأما إذا قالوا: كنا عبيد فلان أعتقنا قاض لا يقضي بشهادتهم حق تقوم البينة على العتق، بخلاف الفصل الأول.
والفرق أنهم إذا قالوا: كنا عبيد فلان فقد أقروا على أنفسهم بالرق، وإقرارهم حجة عليهم، فيثبت الرق عليهم بإقرارهم فيحتاج القاضي بعد هذا إلى القضاء بالعتق، والقضاء بالعتق لا يكون إلا بالبينة فأما في الفصل الأول، فالرق لم يثبت، فلا حاجة إلى القضاء بالعتق، وإنما الحاجة إلى ما يعرف به أن شهادتهم هل صارت حجة؟ والتقريب ما ذكرنا، وكذلك إذا قال الشهود: نحن أحرار الأصل، وقال المزكون: كانوا عبيدًا لفلان أعتقهم، فالقاضي لا يقضي بشهادتهم حتى تقوم البينة على العتق؛ لأن الرق قد ثبت عليهم بإخبار المزكين، فيحتاج القاضي إلى القضاء بالعتق والتقريب ما ذكرنا.
وإن أقام المشهود له بينة على المشهود عليه أن فلانًا أعتقهم وهو يملكهم، وقضى القاضي بعتقهم كان ذلك قضاء على العتق، حتى لو حضر وأنكر الإعتاق لا يحتاج إلى إقامة البينة عليه؛ لأن المشهود عليه انتصب خصمًا عن المولى؛ لأن المشهود له ادعى حرية الشاهد على المشهود عليه، وقد صح منه هذا الدعوى؛ لأنه لا يتمكن من إثبات حقه على المشهود عليه إلا بها والمشهود عليه أنكر ذلك وصح منه الإنكار؛ لأنه لا يتمكن من دفع الشهود عن نفسه إلا بإنكار الحرية.
والأصل أن من ادعى حقًا على الحاضر لا يتوصل إلى إثباته إلا بإثبات سببه على الغائب، ينتصب خصمًا عن الغائب فصار إقامة البينة على المشهود عليه كإقامتها على المولى الغائب.
وإذا شهد الشهود على رجل بمال أو دم فطعن فيهم المدعى عليه، فالقاضي لا يقضي بشهادتهم حتى يسأل عنهم، فإن سأل عنهم وزكوا في السر والعلانية، فأراد القاضي أن يقضي بشهادتهم، فقال المشهود عليه أنا أجرحهم وأقيم البينة على ذلك، فهذه المسألة على وجهين:
الأول أن يقيم البينة على جرح مفرد لا يدخل تحت حكم الحاكم، وهو أن يقيم البينة على أنهم فسقة أو رماة، وعلى إقرارهم أن المدعي استأجرهم على هذه الشهادة أو على إقرارهم، أنهم قالوا: لا شهادة للمدعي على المدعى عليه قلنا في هذه الحادثة أو على إقرارهم أنهم قالوا: شهدنا بالزور أو على إقرارهم أنهم لم يحضروا المجلس الذي كان فيه هذا الأمر، وفي هذا الوجه القاضي لا يقبل هذه الشهادة عندنا خلافًا لابن أبي ليلى والشافعي رحمهما الله.
الوجه الثاني: أن يقيم البينة أن الشهود زنوا ووصفوا أو يقيم بينة أنهم سرقوا مني كذا، أو شربوا الخمر، أو أنهم شركاء في المشهود به، أو أنهم صالحوني على كذا درهمًا حتى لا يشهدوا علي ودفعت ذلك إليهم، أو أنهم عبيد أو محدودون في القذف، أو على أن المدعي أقر أن الشهود شهدوا بزور، أو على أن المدعي أقر أنه استأجرهم على هذه الشهادة أو على إقراره أنهم لم يحضروا المجلس الذي كان فيه هذا الأمر، وفي هذا الوجه القاضي يقبل هذه الشهادة بالاتفاق.
وجه قول ابن أبي ليلى: أن هذه شهادة قامت على الجرح، والمدعي قد يحتاج إلى إثباته بالبينة ليدفع خصومة المدعي عن نفسه، وجب أن يقبل قياسًا على وجه الثاني.
ولعلمائنا رحمهم الله في المسألة طرق وأصحها وأوضحها ما اختاره القاضي الإمام صاعد النيسابوري، والشيخ الإمام شيخ الإسلام خواهر زاده، والصدر الشهيد رحمهم الله، وإليه أشار محمد رحمه الله في كتاب التزكية أن الشاهد بالشهادة على الجرح المفرد صار فاسقًا؛ لأنه ارتكب كبيرة ألحق بفاعلها الوعيد في الدنيا والآخرة بنص القرآن؛ لأنه أظهر. قال الله تعالى: {إن الذي يحبون أن تشيع الفاحشة} [النور: 19]، علم أن الشاهد صار فاسقًا والمشهود به لا يثبت بشهادة الفاسق، فإن قيل: في إثبات إظهار الفاحشة ضرورة، وهي دفع الخصومة عن المدعي، وصار كالوجه الثاني.
قلنا: لا ضرورة، لأنها تندفع بقولهم سرًا للقاضي أو للمدعي من غير أن يظهر ذلك في مجلس الحكم. وهذا بخلاف ما لو شهدوا أنهم.... وصفوا الزنا؛ لأن في إظهار الفاحشة هناك ضرورة وهو إقامة الحد واسترداد المسروق، بخلاف ما إذا شهدوا أنهم شركاء في المشهود به؛ لأنه ليس في ذلك إظهار الفاحشة من جانب الشهود، وإنما فيه حكاية ظهور الفاحشة من غيرهم وهم شهود القذف أو القاضي والحاكي لإظهار الفاحشة، لا يكون يظهر الفاحشة فلم يصيروا فسقة وبخلاف ما إذا شهدوا على إقرار المدعي أنهم فسقة، وما شاكله؛ لأنهم بشهادتهم ما أظهروا الفاحشة إنما حكوا إظهار الفاحشة من غيره وهو المدعي، فلم يصيروا فسقة، بخلاف ما إذا أقام البينة أنهم صالحهم على كذا، حتى لا يشهدوا عليه ودفع ذلك إليهم؛ لأنهم وإن أظهروا الفاحشة وكان فيه ضرورة ليصل إلى المال حتى لو قال: لم أعطهم لم يقبل؛ لأن فيه إظهار الفاحشة من غير ضرورة.
ثم المدعى عليه إذا أقام البينة أن شاهد المدعي محدود في القذف فالقاضي يسأل الشهود من حده هكذا ذكر في حدود (الأصل)؛ لأن إقامة حد القذف إن حصل من السلطان أو من نائبه تبطل شهادته، وإن حصل من واحد من الرعايا بغير إذن السلطان لا تبطل شهادته، فلابد من السؤال عن ذلك.
وإن قالوا حده قاضي كوة كذا، فالقاضي هل يسأله في أي وقت حده؟ لم يذكر محمد رحمه الله هذا الفصل في (الأصل).
في (كتاب الأقضية): أن القاضي يسأل ليعلم أنه هل كان قاضيًا في ذلك الوقت، فإن قال المشهود عليه بحد القذف: أنا أقيم البينة على إقرار ذلك القاضي أنه ما حدني ولم يؤقت واحدة من البينتين وقتًا، فإن القاضي يقضي بكونه محدودًا في القذف. ولا يمتنع القاضي من القضاء بكونه محدودًا في القذف، بسبب بينة الإقرار لوجهين: أحدهما أن العمل بالبينتين ممكن إذا لم يوقت واحدة من البينتين، وما يحمل بينة الإقرار، على ما قبل إقامة الحد وبينة إقامة الحد تحمل على ما بعد الإقرار، كان القاضي أقر قبل إقامة الحد أنه لم يحده حد القذف، ثم أقام عليه الحد بعد ذلك ومهما أمكن العمل بالبينتين لا يعطل واحدة منهما.
والثاني: أن البينة على الإقرار قامت على النفي من حيث المقصود؛ لأن المقصود من إثبات هذا الإقرار على القاضي نفي شهادة اللذين شهدا عليه لا بموت حكم آخر، فكانت هذه البينة باعتبار المقصود قائم على النفي، والبينة على النفي لا تقبل، فصار وجوده وعدمه بمنزلة، فإن كان شهود القذف قد وقتوا وقتًا بأن شهدوا أن قاضي بلد كذا حده حد القذف سنة سبع وخمسين وأربعمائة، فأقام المشهود عليه البينة أن ذلك القاضي مات سنة خمسة وخمسين وأربعمائة، وأقام البينة أنه كان غائبًا في أرض كذا سنة سبع وخمسين، فإن القاضي يقضي بكونه محدودًا في القذف، ولا يلتفت إلى بينته ولا تجيء في هذه المسألة الطريقة الأولى الذي ذكرناها في المسألة الأولى، من إمكان العمل بالبينتين؛ لأن العمل بالبينتين غير ممكن وإنما تجيء الطريقة الأخرى، وهو أن بينة المشهود عليه من حيث المعنى قائمة على النفي؛ لأن المقصود من إثبات موت القاضي قبل ذلك، ومن إثبات الغيبة نفي شهادة الشهود الذين شهدوا عليه لا حكم آخر يثبت بالغيبة، فكانت بينة المشهود عليه باعتبار المقصود قائمة على النفي، والبينة على النفي غير مقبولة، فصار وجود هذه البينة وعدمه بمنزلة، إلا أن يكون أمرًا مشهورًا في ذلك فحينئذ لا يقضي بكونه محدودًا في قذف، بأن كان موت القاضي قبل الوقت الذي شهد الشهود بإقامة الحد فيه مستفيضًا ظاهرًا فيما بين الناس علمه كل صغير وكبير، وكل جاهل وعالم وكان كون القاضي في أرض كذا في الوقت الذي شهد الشهود بإقامة الحد فيه ظاهر مستفيض عرفه كل صغير وكبير وعالم وجاهل فح لا يقضي بكون الشاهد محدودًا في قذف، ويقضي على المشهود عليه بالمال، وذلك لأن بينة... المشهود عليه بالحد على ما أقامها قائمة على النفي فصار وجودها وعدمها بمنزلة، فبقي بينة المشهود له بالمال على كونه محدودًا في قذف، وإنها قائمة على الإثبات إلا أن البينة وإن قامت على الإثبات فإنه يثبت كذب الشاهد فيما شهد به بيقين.
كرجل ادعى عبدًا في يد إنسان ادعى أنه ملكه منذ عشر سنين وشهد الشهود بذلك، والعبد طفل رضيع، فإن الشهادة لا تقبل وإن قامت على الإثبات؛ لأنها كاذبة، بيقين فكذا هنا عرف القاضي كذب هذه الشهادة بيقين لما ثبت عنده موت هذا القاضي قبل الوقت الذي شهدوا بإقامة الحد فيه بيقين، وثبت كونه في أرض كذا في الوقت الذي شهدوا بإقامة الحد فيه.
فرق بين هذا وبينما إذا شهد شاهدان أن فلانًا طلق امرأته يوم النحر بمكة، وشهد آخران أنه أعتق عبده في ذلك اليوم بعينه بالكوفة، فإن القاضي لا يقضي بواحدة من البينتين، وها هنا لو شهد شاهدان على الشاهد أن قاضي الكوفة حده يوم النحر من سنة كذا بالكوفة، وأقام المشهود عليه بينة أنه يوم النحر من سنة كذا تلك السنة كان بمكة، فإن القاضي يقضي ببينة الحد ولا يلتفت إلى البينة الأخرى.
والفرق بينهما أن كلتا البينتين في مسألة الطلاق والعتاق قامت في محلها، فإن كل واحدة منهما قامت على الإثبات، فكانت كل واحدة من البينتين معارضة للأخرى وإحداهما كاذبة وليست إحداهما بأن تجعل صادقة والأخرى كاذبة، بأولى من الأخرى، فتهاترتا فأما هاهنا بينة المشهود عليه على الموت والبينة قامت على النفي باعتبار المقصود، وإنها على النفي ليست بحجة، فصار وجودها وعدمها بمنزلة ولو عدم وجب القضاء بالأولى؛ لأنه لا معارض لها، فكذا هاهنا.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد رحمه الله: رجل ادعى دارًا في يدي رجل وأقام على ذلك شهودًا، وأقام المشهود عليه شهودًا أن هذا الشاهد كان مدعيًا ويزعم أنها له، فهذا جرح إن عدلت بينته بذلك، وكذلك لو أقام بينة أن الشاهد كان يدعي الشركة فيها.

.الفصل الثاني والعشرون: فيما ينبغي للقاضي أن يضعه على يدي عدل وما لا يضعه:

وإذا ادعت المرأة الطلاق على الزوج وجاءت بشاهد واحد، وطلبت من القاضي أن يضعها على يدي عدل حتى تأتي بالشاهد الآخر ينظر إن كان الطلاق رجعيًا لا يحول بينها وبين الزوج؛ لأن الطلاق رجعي لا يزيل النكاح، ألا ترى أنه لو أقامت شاهدين على الطلاق الرجعي، فالقاضي لا يحول بينها وبين الزوج، فهاهنا أولى.
وإن كان الطلاق بائنًا إن قالت المرأة: شاهدي الآخر غائب وليس في المصر، فكذلك الجواب لا يحول بينها وبين الزوج؛ لأن في الحيلولة بينها وبين الزوج إزالة يد الزوج واليد مقصود كالملك، فكما لا يزال بشهادة الواحد ملك الإنسان، فكذا لا تزال يده بشهادة الواحد.
وإن قالت: شاهدي الآخر في المصر إن كان الشاهد الحاضر فاسقًا، فكذلك الجواب لا يحال بينها وبين زوجها؛ لأن شهادة الفاسق ليست بحجة أصلًا، لا في حقوق الله تعالى ولا في حقوق العباد، فصار وجودها والمعدوم بمنزلة.
فأما إذا كان عدلًا قال في (الأصل): يؤجلها ثلاثة أيام وإن حال بينها وبين زوجها فحسن، هكذا ذكر في (الأصل). وذكر في (الجامع) بخلافه، وسيأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
أما يؤجله ثلاثة أيام؛ لأنه لا يمكن لكل مدع إحضار شهوده جمله في أول المجلس، ولا بعد يوم ولا بعد يومين ويمكنه الإحضار بعد أيام، فقدرنا بالثلاثة على ما عرف، وأما الحيلولة بطريق الاستحباب؛ لأن إيقاع الطلاق البائن يوجب تحريم الفرج وإزالة ملك الزوج، وشهادة الواحد إذا كان عدلًا حجة في حقوق الله تعالى وليست بحجة في حقوق العباد، فاعتبار حق الله تعالى يوجب الحيلولة واعتبار حق الزوج لا يوجب، فاستحب الحيلولة.
ولم يوجب إذا كان الشاهد الآخر في المصر؛ لأنه متى كان في المصر لا تطول هذه الحيلولة، ولا يتضرر الزوج بها كثير ضرر، فأما إذا كان غائبًا فمدة الحيلولة تطول ويكثر الضرر على الزوج، فاعتبر حق الزوج في هذه الحالة ولم يعتبر حق الله تعالى، وإذا كان مدة الحيلولة لا تطول راعى الجهتين بقدر الممكن، فقال: إن حال كان حسنًا.
فأما إذا أقامت شاهدين على الطلاق البائن أو على الطلقات الثلاث لم يذكر هذا الفصل في (الأصل). وذكر في (الجامع) أن القاضي يمنع الزوج عن الدخول عليها والخلوة معها ما دام مشغولًا بتزكية الشهود، وهذا استحسان والقياس أن لا يحول بينهما؛ لأنها امرأته بعد.
وجه الاستحسان: أن الشهود يحتمل أن يكونوا صدقة وعلى هذا التقدير يجب المنع، فوجب المنع احتياطًا لأمر الفرج ولا يخرجها القاضي من منزل زوجها؛ لأن تيقنًا إخراجها؛ لأنها منكوحة أو معتدة، وأيًا ما كانت يحرم إخراجها، ولكن يجعل القاضي معها امرأة أمينة تمنع الزوج من الدخول عليها، وإن كان الزوج عدلًا.
فرق بين هذا وبينما إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا ومنزله ضيق، فجعل بينهما سترة أو حائلًا يكتفى به، ولا يحتاج إلى امرأة أمينة إذا كان الزوج عدلًا، والفرق بينهما أن الزوج في مسألتنا ينكر الحرمة ويستحلها، والعدل لا يمتنع عما يستحله بدينه، أما في تلك المسألة الزوج يعتقد الحرمة فلا يخاف عليها إذا كان عدلًا ونفقة الأمينة في بيت المال؛ لأنها مشغولة بمنع الزوج عن الدخول عليها حقًا لله تعالى، فتكون نفقتها في مال الله تعالى؛ لأنها عاملة لله تعالى احتياطًا لأمر الله تعالى، ومال الله تعالى مال بيت المال.
قال في (الجامع): وكذلك إذا شهد شاهد واحد عدل، فالقاضي يمنع الزوج عن الدخول عليها استحسانًا، وإنه يخالف ما ذكر في (الأصل)، فقد ذكر في (الأصل) في هذه الصورة أن القاضي إن حال بينهما فهو حسن، ثم قال فإن زكيت الشهود فرق بينهما وإلا ردت المرأة على الزوج، فإن طالت المدة وطلبت من القاضي أن يفرض لها النفقة أو كان لها نفقة مفروضة لكل شهر، فالقاضي يفرض لها النفقة ويأمر الزوج بإعطاء المفروض.
ولكن إنما يفرض لها نفقة مدة العدة لا غير؛ لأنها إن كانت مطلقة فهي معتدة ولها نفقة العدة، وإن لم تكن مطلقة فهي منكوحة ممنوعة من الزوج لا لمعنى من جهة الزوج، هذا يوجب سقوط النفقة، ولكن النفقة كانت واجبة وقع الشك في سقوطها، فلا تسقط بالشك إلا أن هذا الشك في مقدار نفقة العدة، فأما الزيادة على نفقة العدة فقد تيقنا بسقوطها.
فإذا أخذت قدر نفقة العدة إن عدلت الشهود سلم لها ما أخذت؛ لأنه تبين أنها استوفت العدة وهي حقها، وإن ردت الشهادة وردت المرأة على زوجها رجع الزوج عليها بما أخذت؛ لأنه تبين أنها كانت منكوحة ممنوعة عن الزوج لا لمعنى من جهة الزوج تبين أنها ما كانت مستحقة للنفقة، وأن القاضي أخطأ في قضائه وأنها أخذت ما أخذت بغير حق.
قال محمد رحمه الله في عتاق (الأصل): إذا ادعى العبد أو الأمة العتق على مولاه وليس لهما بينة حاضرة، فإنه لا يحال بينهما وبين المولى، لما ذكرنا أن في الحيلولة إزالة اليد واليد حق مقصود كالملك، فكما لا يجوز إزالة ملك الإنسان بمجرد الدعوى، فكذا لا يجوز إزالة يده بمجرد الدعوى.
وإن أقاما شاهدًا واحدًا، فإن قالا: الشاهد الآخر غائب عن المصر، فكذلك الجواب لما قلنا في الطلاق، وإن كان (حاضرًا في المصر) ذكر أنه لا يحال بينهما أيضًا، وهذا الذي ذكره صحيح في حق العبد، أما في الأمة ينبغي أن يقال: إن حال بينهما فحسن على رواية (الأصل)، وعلى رواية (الجامع) يحال بينهما على نحو ما ذكرنا في الطلاق، وهذا لأن عتق الأمة يتضمن حرمة الفرج كالطلاق، فكان الجواب في عتق الأمة نظير الجواب في طلاق المرأة.
وأما إذا أقاما شاهدين مستورين يحال بينهما جميعًا، إلى أن تظهر عدالة الشهود؛ لأن شهادة المستورين حجة في حق الله تعالى والعباد.
ألا ترى أن القاضي لو قضى بشهادتهما، بظاهر العدالة ينفذ قضاؤه بالإجماع، فيجوز إزالة يد المولى بشهادتهما، وهذا الجواب في الأمة يجري على إطلاقه؛ لأن في الأمة يحال بشهادة الواحد إذا لم يكن الشاهد فاسقًا، فشهادة المستورين أولى، وفي العبد محمول على ما إذا كان المولى مخوفًا عليه، يخاف منه الاستهلاك وتعيب العبد وكان معروفًا بذلك، فأما إذا لم يكن بهذه الصفة لا يحال بينه وبين العبد، وإنما يؤخذ منه كفيل بنفسه وبنفس العبد.
ثم طريق الحيلولة في الأمة الوضع على يدي امرأة ثقة، والأمة تخالف المرأة الحرة، فإن هناك طريق الحيلولة أن يجعل معها امرأة ثقة ولا تخرجها من بيت الزوج والفرق أن وضع الحرة على يدي العدل أمر مفيد؛ لأنه لا يثبت للحر يد على الحرة إلا بالنكاح، ولا نكاح، فإذا لم يفد لم يوضع، أما هاهنا إن كانت البينة كاذبة كانت هي أمة ووضع الأمة على يد الحر مفيد لا يثبت للحر يد على الأمة بدون النكاح، فلهذا وضعنا.
ثم في فصل الأمة وفي فصل الطلاق قال بالحيلولة وإن كان الزوج والمولى عدلًا، هكذا ذكر في (الأصل) و(الجامع). وفي (المنتقى) قال: إنما توضع الجارية على يدي العدل إذا لم يكن المدعى عليه مأمونًا يخاف على الجارية أن يجامعها، فأما إذا كان مأمونًا ثقة والقاضي يعرفه بذلك لا يعزلها. ثم قال: وكذلك إذا أقامت المرأة بينة على طلاقها.
فإن وضعت الجارية على يدي العدل وطلبت من القاضي النفقة، فالقاضي يأمر المولى بالإنفاق عليها؛ لأن نفقتها كانت واجبة على المولى وقع الشك في سقوطها إن كانت البينة صدقت تسقط نفقتها، وإن كانت كذبت لا تسقط نفقتها وإن صارت ممنوعة عن المولى؛ لأن نفقة المملوك لا تسقط عن المولى، وإن كانت ممنوعة عنه فلا تسقط نفقتها بالشك.
وإن أخذت نفقتها شهرًا ثم لم تزك الشهود وردت الأمة على مولاها لا يرجع المولى عليها بما أنفق بخلاف المسألة التي تقدم ذكرها، فإن هناك إذا لم تزك الشهود وردت المرأة على الزوج، فإنه يرجع عليها بما أنفق والفرق أن نفقة الملك إنما تجب باعتبار الملك نفسه وملك المولى باق في هذه الحالة، وأما نفقة المرأة إنما تجب إذا لم تصر ممنوعة عن الزوج لا لمعنى من جهة الزوج، وقد بين أنها صارت ممنوعة عن الزوج لا لمعنى من جهة الزوج.
وإن زكت البينة فإن أنفق المولى عليها على وجه التبرع، أو أكلت في بيت المولى فلا رجوع له عليها كما في سائر التبرعات وإن أجبر القاضي المولى على ذلك يرجع عليها بخلاف الطلاق.
والفرق أنا بنينا الاستحقاق بحكم الملك، وتبين أنه لا ملك وثمة الاستحقاق بالاحتباس حق الزوج، وتبين أنها محبوسة لحق الزوج في العدة.
وفي (المنتقى)، يقول فيما إذا زكت البينة وأعتقهما القاضي، فإن قال المدعى عليه: قد كنت أنفق عليها كما أنفق على عبيدي فهو متطوع، وإن قال: دفعت ذلك إليهما قرضًا لهما على أنهما حران رجع عليهما بالكسوة والدراهم ولا يرجع عليهما بالطعام، لا استحسن أن يرجع بالطعام.
وإن كان الشاهدان على عتق العبد والأمة فاسقين، فلا شك أن في الأمة يحال بينها وبين المولى؛ لأن في الأمة يحال بشهادة الشاهد الواحد إذا كان عدلًا مع أنها ليست بحجة في حقوق العباد، فلأن يحال بشهادة الفاسقين وشهادتهما حجة في حقوق العباد، حتى لو قضى القاضي بشهادة الفاسق على تحر أنه صادق ينفذ قضاؤه أولى.
وأما في العبد ففيه اختلاف الروايات. ذكر في بعض الروايات أنه يحال؛ لأنها حجة القضاء في الجملة، فكان بمنزلة المستورين، وفي المستورين يحال في العبد إذا كان المدعى عليه ممن يخاف على العبد، وإن كان ممن لا يخاف عليه يكتفى بأخذ الكفيل على ما بينا، فكذا شهادة الفاسقين وفي رواية لا يحال؛ لأن زيادة العدد تقام مقام العدالة فيصير الفاسقان بسبب زيادة العدد كشاهد واحد عدل، وبشهادة واحد عدل لا تجب الحيلولة في العبد.
أمة في يدي رجل ادعاها رجل أنها له، وأقام على ذلك شاهدين لا يعرفهما القاضي، فالقاضي يخرجها عن يده ويضعها على يدي عدل لما مر. ولو طلب النفقة وأمر القاضي المشهود عليه بالإنفاق، ثم لم يزك الشهود وردت الجارية على المولى فالمولى لا يرجع بما أنفق على أحد، وإن زكت الشهود، وقضى القاضي بالجارية للمدعي لم يكن للمشهود عليه أن يرجع على المدعي؛ لأنه أنفق على جاريته بغير إذنه.
وهل يرجع بذلك؟ على قول أبي حنيفة رحمه الله لا يرجع، وعلى قول أبي يوسف ومحمد يرجع ويكون ذلك دينًا على ذمة الجارية تباع فيه الجارية إلا أن يعدلهما المقضي له؛ لأنه لما قضى بها للمدعي ظهر أن المدعى عليه كان غاصبًا في حال ما أنفق عليها؛ لأنها في يد العدل ويد العدل يد المدعى عليه ولهذا لو هلكت في يد العدل ضمن المدعى عليه قيمتها، فتبين أنها استهلكت شيئًا من مال الغاصب، ومن أصل أبي حنيفة أن جناية المغصوب على مال الغاصب هدر كجناية المملوك على مالكه، وعندهما معتبرة كالجناية على الأجنبي وهي من مسائل الديات.
عبد في يدي رجل ادعاه رجل أنه عبده، وأقام على ذلك شاهدين لا يعرفهما القاضي لم يؤخذ من يد المدعى عليه؛ لأن الأخذ من يده والوضع على يدي عدل في فصل الأمة، إنما كان صيانة للفرج وإنه معدوم هاهنا، ولكن يأخذ القاضي كفيلًا من المدعى عليه بنفسه وكيلًا بنفس العبد.
أما أخذ الكفيل بنفس العبد؛ لأن المدعي استحق القضاء بالعبد عند تزكية الشهود والإشارة إلى العبد أمر لابد منها لصحة القضاء، فلو لم يأخذ كفيلًا بالعبد ربما يغيب العبد، فيعجز القاضي عن القضاء بالعبد، وأما أخذ الكفيل بنفس المدعى عليه كيلا يغيب، فإن القضاء لا يجوز على الغائب، ثم يأمر القاضي المدعى عليه أن يجعل الكفيل بنفسه وكيلًا بالخصومة حتى إنه إذا غاب ولم يقدر الكفيل على إحضاره فالمدعي يخاصم الكفيل ويقضي القاضي عليه ولكن إن أبى المدعى عليه أن يجعله وكيلًا فالقاضي لا يجبره بخلاف ما إذا أبى إعطاء الكفيل حيث يجبر عليه وإن لم يجد المدعى عليه كفيلًا، فالقاضي يقول للمدعي: الزم المدعى عليه والعبد.
ولو كان المدعي لا يقدر على ذلك وكان المدعى عليه مخوفًا على ما في يده بالإتلاف، فرأى القاضي أن يضع العبد على يدي عدل يضعه صيانة لحق المدعي، وكذلك إذا كان المدعى عليه فاسقًا معروفًا بالفجور مع الغلمان يخرجه القاضي عن يده ويضعه على يدي عدل بطريق الأمر بالمعروف، ولكن هذا لا يختص بالدعوى والبينة بل في كل موضع كان صاحب الغلام معروفًا بالفجور مع الغلمان يخرجه القاضي عن يده ويضعه على يدي عدل بطريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثم إذا وضعه على يدي عدل أمره أن يكتسب وينفق على نفسه إذا كان قادرًا على الكسب، ولم يذكر مثل هذا في الأمة؛ لأنها عاجزة عن الكسب عادة حتى لو كانت الأمة قادرة على الكسب بأن كانت غسالة معروفة بذلك، أو خبازة توصى بالكسب أيضًا، ولو كان العبد عاجزًا عن الكسب لزمنه أو صغره يؤمر المدعى عليه بالنفقة، فإذًا لا فرق بين الأمة وبين العبد، هكذا حكي عن الفقيه أبي بكر البلخي وأبي اسحق الحافظ.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن أبي يوسف: رجل ادعى جارية في يدي رجل أنها له، وأقام على دعواه بينة وزكت بينته، وقد كان القاضي وضعها في يدي عدل وهرب المدعى عليه، قال: أمر الذي بقي على يديه يعني العدل أن يؤاجرها وينفق عليها من أجرها، فإن كان لا يؤاجر مثلها آمر به أن يستدين بالنفقة عليها، فإذا حصل اليأس الناس من صاحبها أمرت ببيعها، فبدأت من الثمن بالدين فأديته ووقفت الباقي من الثمن، فإذا جاء الذي كانت في يديه قضيت عليه بقيمة الجارية لأني بعتها على الذي كانت في يده، فإن كان على المقضي عليه دين فمستحق الجارية أحق بهذا الثمن من الغرماء لأنها بمنزلة الرهين حين وضعها القاضي على يدي عدل.
دابة أو ثوب في يدي رجل ادعاها آخر، وأقام بينة وطلب المدعي من القاضي أن يضعه على يدي عدل لم يجبه القاضي إلى ذلك؛ لأن فيه قصر يد المدعى عليه من غير حجة، فلا يشتغل القاضي به إلا لضرورة، ولا ضرورة في هذه الأشياء على ما مر في العبد، ولكن القاضي يأخذ من العدل عليه كفيلًا بنفسه وبما وقع فيه الدعوى، ويجعل الكفيل بالنفس وكيلًا بالخصومة إذا طابت نفس المدعى عليه وقد مر هذا، ولا يجبر ذو اليد على نفقته عندنا بخلاف الرقيق والخلاف في موضعه قد عرف.
وإن قال المدعى عليه: لا كفيل لي قيل للمدعي: الزم المدعى عليه والمدعى به آناء الليل والنهار لتصون به حقك، فإن كان الذي في يده فاسقًا مخوفًا على ما في يده وأبى أن يعطيه كفيلًا وكان المدعي لا يطيقه في الملازمة، فالقاضي يقول للمدعي: أنا لا أجبر المدعى عليه على أن ينفقه لكن إن شئت أن أضعه على يدي عدل فأنفق عليه، وإلا لا أضعه، لأن المقصود من الوضع على يد العدل صيانة لحق المدعي وهو القضاء له بالعبد متى زكت شهوده، وهذا المقصود يفوت متى أبى المدعي الإنفاق؛ لأن المدعى عليه لا يجبر على إنفاقه، وإن كان هو المالك في الظاهر فلو لم ينفق المدعي على الدابة تتلف الدابة فلا يحصل مقصود المدعي من الوضع على يدي العدل.
وفي (المنتقى): رجل ادعى لؤلؤة في يدي رجل وأقام شاهدين وسأل وضع اللؤلؤة على يدي العدل، فإن لم يعدل شاهديه، أقام شاهدين آخرين؛ لأنه كان يتخوف أن يعينها ولا يشهد شهوده إلا بالمعاينة، فإني أستحسن أن أضعها على يدي عدل، وكذلك كل شيء يحول من مكانه والخوف عليه أن يعينه، فإن كانت جارية أو دابة فنفقتها عليه، وإن كان مثلها تؤاجر أجرتها، أو أمرت العدل أن يؤاجرها.
قال هشام: سألت محمدًا رحمه الله عن رجل في يده رطب أو سمك طري أو ما أشبه ذلك، فادعاه إنسان أنه له وقدمه إلى القاضي، وهو مما يفسد إن تركه، وقال المدعي بينتي في المصر أحضرهم، قال: لا أقف إلى ذلك ولكن أقول له يعني للمدعي: إن شئت أحلفه على دعواك، فإن حلف لم تكن لك، وإن قال: أنا أحضر البينة يعني اليوم، فإني أؤجل إلى قيام القاضي، وأقول للمدعى عليه لا تبرح إلى قيامه فإن فسد الشيء في ذلك الوقت لا يضمنه المدعي لحبسه عليه.
عمرو بن أبي عمرو، عن محمد رحمه الله: رجل اشترى من آخر سمكًا أو لحمًا طريًا أو فاكهة ونحو ما يتسارع إليه الفساد ثم جحده أحدهما وادعاه الآخر وأقام على ذلك بينة واحتاج القاضي إلى أن يسأل عن الشهود فقال الجاحد: هذا يفسد إن ترك حتى يسأل عن الشهود، قال: إن كان شهد للمدعي شاهد واحد، وقال: الشاهد الآخر (حاضر)، أجّل في شهادة الآخر، ما لم يخف الفساد فإن أحضر شاهده الآخر وإلا خلي بينة وبين البائع، ونهى المشتري أن يتعرض له.
ولو كان أقام شاهدين أمر البائع بدفعه إلى المشتري إذا خيف عليه الفساد، فإذا قبضه المشتري أخذه القاضي وأمر أمينًا ببيعه وقبض ثمنه ووضع الثمن على يدي عدل، فإن زكت البينة قضى للمشتري بالثمن وأمر العدل بدفع الثمن إلى الذي شهدت له الشهود، وإن لم تزك البينة سلم القاضي ذلك الثمن الذي على يدي العدل إلى البائع.
ذكر شيخ الإسلام خواهر زاده إذا كان المدعى به منقولًا، وطلب المدعي من القاضى أن يضعه على يدي عدل ولم يكتف بإعطاء المدعى عليه كفيلًا بنفسه وبنفس المدعى به، فإن كان عدلًا، فالقاضي لا يجيبه وإن كان فاسقًا أجابه، وفي العقار لا يجيبه إلا في الشجر الذي عليه ثمر؛ لأنه تفلي.
وفي (أدب القاضي) للخصاف في باب ما لا يضعه القاضي على يدي عدل إذا قالت المرأة للقاضي: لست آمن على نفسي من زوجي أن يقربني في حالة الحيض، فضعني على يدي عدل، فالقاضي لا يلتفت إلى ذلك، وإذا ادعى على امرأة كبيرة نكاحًا وهي تجحد فأقام بينة عليها وسأل من القاضي أن يضعها على يدي عدل حتى يسأل عن شهوده، فالقاضي لا يفعل ذلك في هذا الباب أيضًا، وكذا الجارية البكر إذا كانت في منزل أبيها جاء رجل وادعى نكاحها، فالقاضي لا يضعها على يدي (عدل) لأنه لا تهمة هنا في هذا الباب أيضًا.
وفي باب المهاياة في كتاب الصلح: أمة بين رجلين خاف كل واحد منهما صاحبه عليها، وقال أحدهما: تكون عندك يومًا وعندي يومًا، وقال الآخر: لا بل نضعها على يدي عدل، فإني أجعلها عند كل واحد منهما يومًا ولا أضعها على يد عدل، قال مشايخنا: ويحتاط في باب الفروج في جميع المواضع نحو العتق في الجواري، والطلاق في النساء في الشهادة وغير ذلك إلا في هذا الموضع، فإنه لا يحتاط لحشمة ملكه وهو نظير ما لو أخبر القاضي أن فلانًا يأتي جواريه في غير المأتى، ويستعملن في البغاء ويطأ زوجته حالة الحيض وأمته من غير استبراء لا يكون للقاضي عليه سبيل لحشمة ملكه ها هنا.

.الفصل الثالث والعشرون: في الرجلين يحكمان بينهما حكما:

يجب أن يعلم بأن التحكيم جائز ثبت جوازه بقوله تعالى: {فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها} [النساء: 35]، وبما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنه أنزل بني قريظة على حكم سعد بن معاذ» وبأثر عمر وعلي رضى الله عنهما؛ وشرط جوازه أن يكون الحكم من أهل الشهادة، لأن الحكم فيما بين المحكمين بمنزلة القاضي المولى في حق الكل، وإنما يصح تقليد القضاء لمن صلح شاهدًا، فكذا هاهنا ويشترط أن يكون أهلًا للشهادة وقت التحكيم، ووقت الحكم جميعًا حتى أنه إذا لم يكن أهلًا للشهادة وقت التحكيم فصار أهلًا للشهادة وقت الحكم، بأن كان الحكم عبدًا فأعتق وحكم لا ينفذ حكمه، هكذا ذكر صاحب الأقضية في الأقضية، والشيخ الإمام شيخ الإسلام في شرح كتاب الصلح.
وهذا لما ذكرنا أن الحكم فيما بين المحكمين بمنزلة القاضي الموَلَّى في حق الكل، ثم أهلية الشهادة وقت التقليد فكذا هاهنا، وقد ذكرنا مسألة العبد في فصل التقليد والعزل بخلاف هذا وشرط آخر، أن يكون التحكيم فيما يملك المحكم إقامته بنفسه؛ لأن ولاية الحكم بحكم التحكيم فيقتصر على ما يملك الحكم فيه إقامته بنفسه، وحكم هذا الحكم يفارق حكم القاضي المولَّى من حيث إن حكم هذا الحكم إنما ينفذ في حق الخصمين، ومن رضي بحكمه ولا يتعدى إلى من لم يحكم، وجعل في حق من لم يرض بحكمه كأنه حكم واحد من الرعايا بخلاف القاضي المولى.
ذكر ابن سماعة في (نوادره) عن محمد رحمه الله في رجلين حكّما بينهما حكمًا في خصومة، قال: لا يجوز حكم من لا تجوز شهادته له لا عبد ولا صبي ولا محدود في قذف ولا ذمي، فقد ذكرنا أن من شرط جواز التحكيم أن يكون الحكم من أهل الشهادة، وهؤلاء لا يصلحون شهودًا، فلا يصلحون حكمًا وكما لا يصح التحكيم للحال لا يصح مضافًا أيضًا حتى لو عتق العبد أو بلغ الصبي أو أسلم الذمي، وحكم لا ينفذ حكمه.
فرق بين هذا وبينما إذا وكل العبدَ رجل بالشراء حيث تصح الوكالة مضافًا إلى ما بعد العتق، وإن كان لا يصح للحال، والفرق أما عند أبي يوسف رحمه الله فلأن عنده إضافة التحكيم إلى وقت في المستقبل لا يصح فلا يمكن تصحيحها مضافًا عند تعذر تصحيحها للحال، وأما على قول محمد رحمه الله فلأن عنده إضافة التحكيم إلى وقت في المستقبل وإن كانت صحيحة إلا أن التحكيم هاهنا حصل مرسلًا، والمرسل لا يصير مضافًا أصلًا.
ألا ترى أنه لو قال لها أنت طالق ونوى الإضافة إلى العبد لا يصح، ولا يقول إن الوكالة تصح باعتبار الإضافة بل تصح باعتبار الحال؛ لأن العبد من أهل الشراء ولهذا لو اشترى يجوز شراؤه إلا أن الشراء يتوقف على إجازة المولى والمأمور من أهل الشراء أيضًا فصح الأمر من العبد بالشراء للحال، إلا أنه توقف نفاذه إلى ما بعد العتق لمانع، وهو أن العبد ليس من أهل أن يلزمه حكم الشراء، فأما تحكيم العبد في الحال لم يصح؛ لأن العبد ليس من أهل الحكم.
فرق في العبد بين هذه الصورة وبينما إذا تحمل الشهادة وهو عبد ثم عتق يجوز له أن يشهد، وإن حصل التحمل حال عدم الأهلية، والفرق أن التحمل لحصول العلم، والعبد في حق حصول العلم له بالسماع أو بالمعاينة والحر سواء فصح التحمل وإذا صح التحمل أمكنه الأداء عند صيرورته أهلًا للأداء بالحرية، فأما التحكيم أمر بالقضاء والأمر لطلب المأمور به، وإنما يصح طلب الشيء ممن يتصور منه ذلك الشيء للحال والقضاء من العبد لا يتصور له في الحال؛ لأنه ليس من أهل القضاء للحال، وإذا لم يصح الأمر صار وجوده والعدم بمنزلة.
قياس مسألة التحميل من مسألتنا: أن لو وقع الخلل في التحمل حتى لم يقع للعبد العلم بسبب التحمل وهناك لو أراد أداء الشهادة بذلك التحمل بعد العتق لم يقدر عليه.
ولو حكما أعمى أو فاسقًا. ذكر في الأقضية أنه لا يجوز، وهذا الجواب في حق الفاسق مستقيم على الرواية التي قال: إن الفاسق لا يصلح قاضيًا، أما على الرواية التي قال يصلح قاضيًا لكن غيره أولى يصلح حكمًا من الطريق الأولى.
قال في الأقضية: ويجوز أن يجعلا بينهما امرأة يعني يجوز إذا حكما بينهما امرأة وأراد به فيما سوى الحدود والقصاص، لما ذكرنا أن التحكيم ينبني على الشهادة والمرأة تصلح شاهدة فيما سوى الحدود والقصاص فتصلح حكمًا. وقال أبو يوسف رحمه الله: لا يجوز التحكيم معلقًا بالأخطار ولا مضافًا إلى وقت في المستقبل.
وقال محمد رحمه الله: يصح صورة التعليق إذا قالا لعبد: إذا أعتقت فاحكم بيننا أو قالا لرجل: إذا أهل الهلال فاحكم بيننا، صورة الإضافة إذا قال الرجل: جعلناك حكمًا غدًا، أو قالا: رأس الشهر فوجه قول محمد رحمه الله أن التحكيم تولية وتفويض؛ لأن كل واحد من الخصمين بالتحكيم مُعرض إلى الحكم ما كان يملك فعل ذلك بنفسه، فأشبه القضاء وتقليد القضاء يجوز مضافًا ومعلقًا، فكذا الخصومة.
وجه قول أبي يوسف رحمه الله أن التحكيم صح معنى؛ لأنه لا يثبت إلا بتراضي الخصمين والمقصود منه قطع منازعة تحققت بينهما هاهنا، وهذا هو معنى الصلح فلا يصح معلقًا ومضافًا قياسًا على سائر المصالحات بخلاف القضاء والإمارة؛ لأنه تفويض وتزكية حقيقة ومعنى ليس فيهما معنى الصلح؛ لأن الصلح لا يثبت إلا بالتراضي، ولا يصلح إليه إلا بقطع منازعة تحققت وهذا الحد لا يوجد في القضاء والإمارة، فأما التحكيم إن كان تفويضًا من الوجه الذي قلتم، ففيه معنى الصلح من الوجه الذي قلنا، فلئن كان يصح تعليقه وإضافته من الوجه الذي قلتم لا يصح من الوجه الذي قلنا فلا يصح بالشك.
وإذا اصطلحا على حكم يحكم بينهما على أن يسأل فلانًا الفقيه ثم يحكم بينهما بقوله جاز. وكذلك إذا اصطلحا على حكم بينهما على أن يسأل الفقهاء ثم يحكم بينهما بما أحصوا عليه جاز، لما ذكرنا أن الحاكم المحكم فيما بين المتخاصمين بمنزلة القاضي المولَّى، ولو شرط هذا الشرط في تقليد القضاء يجوز، فكذا إذا شرط في التحكيم، فإن سأل ذلك الفقيه في الفصل الأول وحكم بينهما بقوله جاز وهذا ظاهر، وإذا سأل فقيهًا واحدًا في الفصل الثاني وحكم بقوله جاز أيضًا، لأن اللام إذا لم تكن لتعريف المعهود تكون لاستغراق الجنس والحكم المعلق في الجنس يتعلق بأدنى ما يطلق عليه اسم الجنس، عرف ذلك في موضعه.
وإذا اصطلحا على حكم يحكم بينهما في يومه هذا أو في مجلسه هذا فهو جائز. ألا ترى أنه جاز تقليد القضاء مؤقتًا فكذا التحكيم، فإن مضى ذلك اليوم أو قام عن مجلس ذلك، لا يبقى حكمًا.
فرق بين المحكوم وبين الوكالة على إحدى الروايتين، فإن الوكالة لا تتوقت على إحدى الروايتين، حتى إن من قال لغيره بع عبدي اليوم، فباعه غدًا جاز استحسانًا على إحدى الروايتين، والفرق أن اليوم في الوكالة تذكر للتعجيل عرفًا وعادة، فكأنه قال للوكيل: بع عبدي هذا ولو قال هكذا ولم يعجل لا يبقى وكيلًا كذا هنا.
أما ذكر اليوم في باب الحكومة إن كان يراد به التعجيل في جانب من يتوجه الحكم له لا يراد به التعجيل في جانب من يتوجه عليه الحكم؛ لأنه لا يريد التعجيل إنما يريد التأقيت، فبعد مضي الوقت إن كان بقي حكمًا في حق من يتوجه له القضاء لا يبقى حكمًا في حق من يتوجه عليه القضاء، فلا يبقى حكمًا بالشك وإذا رفع حكم الحاكم إلى القاضي المولى، فالقاضي المولى ينظر في حكمه، فإن كان موافقًا لرأيه نفذه، وإن كان مخالفًا لرأيه أبطله وإن كانت مما يختلف فيه الفقهاء.
فرق بين هذا وبين القاضي المولى إذا قضى في حادثة اختلف فيه الفقهاء ورفع ذلك إلى قاض آخر، يرى خلافه ليس له أن يبطله.
والفرق أن كون الأول قاضيًا ظهر في حق الناس كافة لما أن الأول استفاد الولاية ممن له ولاية على الناس كافة، فكما ينفذ قضاء الأول في حق المخاصمين نفذ في حق سائر المسلمين وقضائهم، فلو جاز لقاض آخر نقضه إذا كان مخالفًا لرأيه أدى إلى نقض ما أدي بالاجتهاد، باجتهاد مثله وإنه لا يجوز أما كون الحكم حكمًا لم يظهر في حق غير المتخاصمين؛ لأنه استفاد الولاية من جهة المتخاصمين، وولاؤهما مقصورة عليهما، وقد كان للقاضي المولى قبل هذا الحكم رأيًا في هذه الحادثة كان يحكم به فلو لم يجز نقض هذا الحكم، إذا كان مخالفًا لرأيه لظهر نفاذ حكم الحاكم في حقه وأظهر كونه حكمًا في حقه، وإنه لا يجوز.
وإذا اصطلح الرجلان على حكم يحكم بينهما ولم يعلماه ولكنهما قد اختصما إليه وحكم بينهما جاز؛ لأنهما لما توجها إليه للخصومة فقد أعلماه فصار حكمًا بينهما فيجوز الصلح. وإذا اصطلحا على غائب يحكم بينهما فقدم وحكم بينهما جاز وإذا اصطلحا على أن يحكم بينهما فلان أو فلان فأيهما حكم بينهما جاز، لأن التحكيم صلح أو تفويض وأيًا ما كان يجوز مع هذا النوع من الجهالة، أما الصلح فلأنه لو صالح على عبدين على أن المدعي بالخيار يأخذ أيهما شاء ويترك الآخر جاز.
وأما الوكالة فإنه لو قال رجل: وكلت هذا أو هذا ببيع عبدي هذا يجوز، وإذا تقدما إلى أحدهما عيناه للخصومة، فلا يبقى الآخر حكمًا كما في مسألة الوكالة. إذا باع أحدهما العبد الذي وكل ببيعه، فإنه يخرج الآخر عن الوكالة، وإذا اصطلحا على أن يحكم بينهما أول من يدخل المسجد فذلك باطل؛ لأن الجهالة هاهنا أبين وأظهر.
ألا ترى أنه لو قال أول من يدخل المسجد هذا فقد وكلته ببيع هذا العبد لا يجوز، وهو نظير ما لو قال إذا جاءت بضاعتي فقد وكلت رجلًا من عرض الناس ببيعها، وذلك لا يجوز كذا هاهنا.
ولو سافر الحكم أو مرض فأعمي ثم قدم من سفره أو برئ ثم حكم جاز، والأصل في هذا أن الحكومة متى صحت لا يخرج الحكم عن الحكومة إلا بانتهاء الحكومة بأن كانت مؤقتة أو تفصل الخصومة أو يخرج الحكم من أن يكون أهلًا للحكومة باعتراض الردة أو ما أشبه ذلك أو بالعزل؛ لأن الحكم فيما بين المتخاصمين بمنزلة القاضي المولى لا يخرج عن القضاء إلا بأحد ما ذكرنا من الأسباب كذا هاهنا إذا ثبت هذا فنقول بالسفر والمرض لا يخرج من أن يكون أهلًا للحكومة، فبقي على حكومته.
ولو عمي الحكم ثم ذهب العمى وحكم لم يجز؛ لأن بالعمى خرج من أن يكون أهلًا للحكومة. ألا ترى أن القاضي المولى يخرج عن القضاء بالعمى فكذا الحكم.
ثم فرق بين الحكم والقاضي وبين الشاهد إذا عمي بعد تحمل الشهادة، ثم زال العمى وشهد جاز، والفرق أن كونه غير شاهد لا يمنع ابتداء التحمل، ألا ترى أنه لو تحمل وهو صبي أو عبد ثم بلغ الصبي أو أعتق العبد وأدّى جاز فلأن لا يمنع بقاء التحمل أولى، أما كونه غير شاهد يمنع ابتداء القضاء والتحكيم فيمنع البقاء، لأن ما ليس بلازم فلبقائه حكم الإنشاء، ولو ارتد عن الإسلام ثم أسلم وحكم لا يجوز حكمه؛ لأن بالارتداء يخرج من أن يكون أهلًا للقضاء بالارتداد، فكذا الحكم وقد ذكرنا فصل العمى والارتداد في فصل التقليد والعزل بخلاف ما ذكر هاهنا.
ولو وجه الحكم الفصل على أحدهما يريد به أن الحكم قال لأحد الخصمين: قامت عندي الحجة بما ادعي عليك من الحق، ثم إن الذي توجه عليه الحكم عزله ثم حكم بعد ذلك عليه لم ينفذ حكمه عليه، فقد صحح العزل من أحدهما وإنه مشكل؛ لأنه صارحكمًا بإتفاقهما، فينبغي أن لا يخرج من الحكومة إلا باتفاقهما، والوجه في ذلك اتفاقهما إنما شرط لصيرورته حكمًا، لأن في التحكيم إثبات الولاية عليهما فلابد من اتفاقهما إذ ليس لأحدهما ولاية على صاحبه، أما ليس في العزل إثبات الولاية على الغير بل فيه إبطال ما ثبت للحكم عليه من الولاية بتحكيمه، وإبطال ما ثبت له من الولاية بتحكيمه قبل تنفيذ القضاء جائز، وكان بمنزلة الشركات لا تثبت إلا بتراضيهما لما فيه من إثبات الولاية على الغير، ثم ينتقض بنقض أحدهما إذ ليس في النقض إثبات الولاية على الغير كذا هنا.
وإذا وكل أحد الخصمين الحكم بالخصومة وقبل الحكم الوكالة خرج عن الحكومة، لأنه بقبول الوكالة خرج من أن يكون شاهدًا لصيرورته خصمًا، والخصم لا يصلح شاهدًا، فيخرج من أن يكون حكمًا أيضًا، هكذا ذكر في الأقضية.
بعض مشايخنا قالوا: هذا الجواب إنما يستقيم على قول أبي يوسف رحمه الله؛ لأن على قوله الوكيل بمجرد قبول الوكالة يصير خصمًا، حتى لو عزل قبل الخصومة، فشهد لموكله لا تقبل الشهادة.
أما لا يستقيم على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله؛ لأن على قولهما الوكيل بمجرد قبول الوكالة لا يصير خصمًا حتى لو عزل قبل الخصومة، ثم شهد لموكله قبلت شهادته وإذا لم يصر خصمًا بمجرد قبول الوكالة لا يخرج من الحكومة بمجرد قبول الوكالة له، حتى لو عزل في الحال وحكم ينفذ حكمه.
ومنهم من قال لا بل ما ذكر هاهنا قول الكل، وجه ذلك أن التوكيل بالخصومة توكيل بالخصومة في مجلس القاضي؛ لأن مجلس الخصومة مجلس القاضي، فيصير وكيلًا بالخصومة، إذا حضر مجلس القاضي للخصومة، فصار التوكيل كالمضاف إلى حضوره، فإذا عزل قبل حضوره مجلس القاضي، فقد عزل قبل صيرورته وكيلًا وقبل صيرورته خصمًا، فأما الحاكم المحكم يصير خصمًا بمجرد قبول الوكالة؛ لأنه فيما بينهما بمنزلة القاضي المولى، فمجلسه كمجلس القاضي، وإنه لا يكون غائبًا عن مجلسه فكما قبل الوكالة يصير خصمًا، فيخرج عن الحكومة.
وإذا اشترى الحكم العبد الذي اختصما إليه فيه أو اشتراه ابنه أو أحد ممن لا تجوز شهادته له فقد خرج من الحكومة، أما إذا اشترى العبد هو، فلأنه صار خصمًا عن أحد الخصمين، فإن بعد ما اشتراه الحكم يحتاج إلى إثبات الملك لبائعه ليمكنه الإثبات لنفسه بالتلقي منه، وأما إذا اشتراه أحد ممن لا تجوز شهادته له، فلأنه يصير حاكمًا له، وهو لا يصلح حاكمًا؛ لأنه لا يصلح شاهدًا له.
وإذا قال الحكم: قامت لفلان بينه عندي على فلان بكذا وكذا قضيت له به على فلان، فأنكر فلان البينة والقضاء، فإن قضاءه ماض عليه. وكذلك إذا قال الحكم: أقر فلان عندي لفلان بكذا وقضيت بها عليه، فإن قضاءه ماض عليه لأن الحكم فيما بين المتخاصمين بمنزلة القاضي المولى، لو قال على نحو ما قاله الحكم، كان قوله حجة فكذا قول الحكم.
فإن قيل: أليس أن الحكم قد خرج عن الحكومة بالحكم فحين أخبر أنه قضى عليه بإقراره من ليس يحكم، فينبغي أن لا يصدق في ذلك كالقاضي بعد العزل، إذا قال قضيت لهذا على هذا بكذا، قلنا: الحكم إنما يخرج عن الحكومة إذا حكم فيما بين المتخاصمين، وفي زعم المدعى عليه أنه لم يقض بعد لأنه أنكر القضاء، وإنه على حكومته ففي زعم المدعى عليه أنه يجبر على الحكم وهو حكم فيعامل معه بزعمه، وصار كالوكيل بالبيع إذا قال كنت بعت أمس فكذبه الموكل، فإنه يصدق الوكيل وإن كانت الوكالة تنتهي بالبيع؛ لأن في زعم الموكل أنه لم يبع وأن وكالته لم تنته، فإنه خبر عن البيع حال قيام الوكالة، فعومل معه بزعمه كذا ها هنا، وإذا شهد شاهدان أن هذا الحكم قضى ليلًا على هذا بألف درهم وشهد آخران أن هذا الحكم أبرأ هذا عن الألف التي ادعاها هذا والحاكم ميت أو غائب أو حاضر، إلا أنه يجحد البعض ويقر بالبعض فإني أقضي بالبراءة؛ لأن المدعى عليه لما ادعى البراءة فقد أقر بالدين فوقع الاستغناء عن قبول بينة الطالب لإقرار المدعى عليه، والمدعى عليه بعد ذلك أثبت البراءة بالبينة من غير معارضة فتقبل بينته، ألا ترى أنه لو كان الحكم قاض مولى كان الحكم ما ذكرنا للمعنى الذي أشرنا إليه كذا هنا.
ولو كانت الخصومة في دار وشهد شاهدان آخران للخصم الآخر أن الحكم قضى بها لهذا تهاترت البينتان وتترك الدار في يد من كانت قبل هذا قضاء ترك؛ لأنه تعذر العمل بالبينتين؛ لأن إحداهما كاذبة بيقين وتعذر العمل بإحداهما إذ ليست إحداهما للعمل بها أولى من الأخرى.
ولو كانت الخصومة بينهما في ألف درهم وأقام المدعي بينة أن الحكم قضى له على المدعى عليه بالألف التي ادعاها يوم السبت، وأقام المدعى عليه بينة أن المدعى عليه أخرجه عن الحكومة قبل ذلك فحكمه باطل؛ لأن الثابت بالبينة العادلة كالثابت عيانًا ولو عاينا أن المدعى عليه أخرج الحكم عن الحكومة قبل يوم السبت، ثم إن الحكم حكم عليه بعد ذلك يوم السبت كان حكمه باطلًا كذا هنا.
قال: ولو كان المدعي أقام البينة أن الحكم قضى له بالمال يوم الجمعة، وأقام المدع (عليه) البينة أن الحكم قضى له بالمال يوم السبت، فإن القضاء الأول نافذ والقضاء الثاني باطل وهذا لأن الثابت بالبينة العادلة كالثابت عيانًا ولو عاينا القضاءين على الترتيب الذي ادعيا كان الأول نافذًا والثاني باطلًا، لأن الحكومة قد انتهت بالقضاء الأول بحصول المقصود وهو فعل الخصومة، والحكم الثاني يكون بعد خروجه عن الحكومة فيقع باطلًا.
وحكم الحكم بالطلاق والنكاح والعتاق والكتابة والكفالة بالنفس والكفالة بالمال والشفعة والنفقة والديون والقروض والتبرع والقصاص وأرش الجراحات وقطع يد عمد وسائر حقوق العباد بينهم، فهو جائز إذا وافق رأي القاضي، أما الطلاق والعتاق وسائر الحقوق المالية فلا شك في جواز التحكيم فيها؛ لأن حكم الحكم صلح من وجه وتفويض من وجه، وأيًا ما كان فهو جائز. وأما القصاص فقد نص على جواز التحكيم فيها هاهنا وفي صلح (الأصل): وعن أبي حنيفة رحمه الله، أنه لا يجوز، وهكذا ذكره الخصاف في (أدب القاضي)، ووجه ذلك: أنه صلح من وجه ولا يجوز استيفاء القصاص بالصلح؛ ولأنه ليس بحجة في حق غير الحكمين فكان فيه شبهة، والقصاص لا يستوفى مع الشبهات.
وجه ما ذكر هنا: وفي (الأصل) أن القصاص من حقوق العباد وهما يملكان الاستيفاء بأنفسهما، فيملكان التفويض إلى غيرهما قياسًا على سائر حقوق العباد. وأما أروش الجراحات، فإن كانت بحيث لا يتحملهما العاقلة وتجب في مال الجاني بأن كانت دون أرش الموضحة وهو خمسمائة درهم أو ثبت ذلك بالإقرار أو النكول أو كان عبدًا وقضى على الجاني جاز؛ لأنه لا يخالف حكم الشرع وقد رضي الجاني بحكمه عليه فيجوز، وإن كانت بحيث يتحملها العاقلة بأن كان خمسمائة فصاعدًا، وقد ثبت بالبينة وكان خطأ لا يجوز قضاؤه أصلًا؛ لأنه إن قضى بها على الجاني فقد قضى بخلاف حكم الشرع، وإن قضى بها على العاقلة فالعاقلة ما رضوا به.
وفي (أدب القاضي) للحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمه الله: الحكم في قتل الخطأ، إن قضى بالدية على العاقلة لم يجز، وإن قضى بها على القاتل جاز وأما قطع اليد عبدًا إن قطع يد الحر فحكمه وجوب القصاص، وقد بينا الكلام في جواز التحكيم، وإن قطع يد عبد فحكمه وجوب نصف القيمة في مال القاطع فجاز قضاؤه عليه بالمال؛ لأنه رضي بحكومته وحكم الحاكم جائز في الأموال باتفاق الروايات.
وقوله في (الكتاب) فهو جائز، إذا وافق رأي القاضي، معناه: أن للقاضي المولى أن يبطل حكم الحاكم إذا خالف رأيه.
قال: ولا يجوز التحكيم في شيء من الحدود لا زنا ولا شرب خمر ولا سرقة ولا لعان ولا قذف، وإن فعل ذلك فهو باطل؛ لأنهما لا يملكان إقامة ذلك بأنفسهما، فلا يملكان التفويض إلى الغير ويجوز التحكيم في تضمين السرقة؛ لأنه خالص حق المسروق منه، وله ولاية الاستيفاء ويجوز تحكيم المكاتب والعبد المأذون صحيح وإن اعتبرناه بالتفويض فهما في تفويض ما يملكان بأنفسهما إلى غيرهما بمنزلة الحر.
ولا يجوز كتاب الحكم بحكم إلى القاضي؛ لأنه في حقه بمنزلة واحد من الرعايا والقاضي لا يقضي بكتاب واحد من الرعايا وكذلك لا يجوز كتاب القاضي إلى حكم حكمه رجلان بشهادة شهود شهدوا عنده؛ لأنه في حقه بمنزلة واحد من الرعايا، وكذلك لا ينبغي للحكم أن يقضي بكتاب كتبه قاض إلى قاض آخر.
وإذا حكما رجلًا فجعل الحكم الحكم إلى غيره لم يجز إلا برضا الخصمين؛ لأنهما إنما رضيا بحكمه، أمّا ما رضيا بحكم غيره، فلو أن الثاني حكم بينهما بغير رضاهما وأجاز الأول حكمه ذكر في (الكتاب) أنه باطل.
بعض مشايخنا قالوا: ما ذكر من الجواب لا يكاد يصح على قول علمائنا؛ لأن الحكم إما أن يعتبر بالوكيل الذي لم يؤذن له بالتوكيل، أو بالقاضي الذي لم يؤذن له بالاستخلاف وأي الأمرين اعتبرنا يجب أن يكون إجازة الأول حكم الثاني صحيح، فإن القاضي الذي لم يؤذن بالاستخلاف إذا أجاز حكم خليفته جاز، والوكيل الذي لم يؤذن له في التوكيل، إذا أجاز تصرف وكيله يجوز.
والذي يؤيد هذا القول مسألة ذكرها محمد رحمه الله في (السير الكبير) وصورتها: إذا نزل قوم من أهل الحرب على حكم رجل من المسلمين، فحكم فيهم غيره بغير رضاهم لا يجوز، وإن أجاز ذلك الحكم يجوز. ومنهم من قال: هذا الجواب صحيح على قياس ما ذكر في بعض روايات كتاب الوكالة، أن الوكيل الذي لم يؤذن له في التوكيل إذا أجاز تصرف وكيله لا يجوز، وعلى قياس هذه الرواية لو أجاز القاضي الذي لم يؤذن له في الاستخلاف حكم خليفته لا يجوز أيضًا، وعلى قياس الرواية الأخرى، أن الوكيل لو أجاز تصرف وكيله يجوز لو أجاز القاضي حكم خليفته أو أجاز الحكم حكم حاكمه يجوز أيضًا، فإذًا في الحاصل في المسائل كلها روايتان، وسيأتي وجه الروايتين في وكالة (الأصل)، فإن الوكيل بالخصومة لا يملك التحكيم لأن التحكيم صلح معنى والوكيل بالخصومة لا يملك الصلح، وإن وكله بالخصومة والصلح جميعًا أو وكله بالخصومة وأجاز منعه جاز التحكيم وهذا ظاهر.
ولو حكم رجلان رجلًا بينهما وحكم لأحدهما ثم اصطلحا على حَكَم آخر، فالثاني ينظر في حكم الأول إن كان عدلًا أمضاه وإن كان جورًا أبطله؛ لأن الحكم فيما بين المتخاصمين بمنزلة القاضي المولى، والقاضي المولى إذا قضى بين اثنين ثم رفع قضاؤه إلى قاض آخر نظر القاضي الثاني في قضائه على نحو ما بينا، وإذا رد شهادة شهود شهدوا عنده بتهمة ثم شهد أولئك الشهود عند قاض آخر، أو عند حاكم آخر، فإنه يسأل عنهم فإن عدلوا أجازهم، وإن جرحوا ردهم؛ لأن الحكم في حق غير المتخاصمين بمنزلة واحد من الرعايا فلا يعمل رده في حق القاضي، ولا في حق حاكم آخر بخلاف ما إذا رد القاضي المولى شهادتهم؛ لأن رده يظهر في حق الناس كافة فلا يكون لأحد أن يعمل بتلك الشهادة بعد ذلك.
وإذا أبى الخصمان حكم الحكم، وقالا: لم يحكم بيننا وقال الحاكم: لا، بل قد حكمت بينهما، فإنه يصدق الحكم ما دام في مجلس الحكومة، وبعدما قام عن مجلس الحكومة لا يصدق؛ لأنه حكى ما لم يملك استئنافه.
وإذا اصطلحا على حكم حكم بينهما وأجاز القاضي حكومته قبل أن يحكم بينهما، فهذه الإجازة من القاضي لغو، حتى لو حكم الحاكم بخلاف رأي القاضي فللقاضي أن يبطله؛ لأن هذه الإجازة لو اعتبرت إما أن يعتبر إنفاذ التحكيم ولا وجه إليه؛ لأن التحكيم نفذ بين الخصمين لا يوقف فيها، فلا تعمل الإجازة فيها؛ لأن الإجازة إنما تعمل في الموقوف لا في غير الموقوف، وإما أن يعتبر إنقاذ الحكم ولا وجه إليه أيضًا؛ لأن الحكم لم يوجد وإجازه الشيء قبل وجوده باطلة، فصار وجود هذه الإجازة والعدم بمنزلة.
قال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: وهذا الجواب صحيح فيما إذا لم يكن القاضي مأذونًا في الاستخلاف، فأما إذا كان مأذونًا في الاستخلاف يجب أن تجوز إجازته، ويجعل إجازة القاضي بمنزلة استخلافه إياه في الحكم بينهما فلا يكون له أن يبطل حكمه بعد ذلك.
وإذا حكم رجل بين رجلين ولم يكونا حكماه، فقالا بعد حكمه: رضينا بحكمه وأجزنا عليه، فهو جائز؛ لأن الإجازة في الانتهاء بمنزلة الإذن في الابتداء، ولو أذنا له بالحكم بينهما في الابتداء جاز، فكذا إذا أجازا حكمه في الانتهاء.
وإذا اصطلح رجلان على أن يبعث كل واحد منهما حكمًا من أهله فهو جائز، وإذا قضى أحدهما على أحد الخصمين وقضى الآخر على الخصم الآخر لا يجوز، لما ذكرنا أن الحكم في حق المتخاصمين بمنزلة القاضي المولى، والقاضي المولى إذا كان اثنين لا ينفرد أحدهما بالقضاء؛ لأن القضاء أمر يحتاج فيه إلى الرأي والخليفة رضي برأي المثنى لا برأي الواحد كذا هاهنا الخصمان رضيا برأي المثنى، فلا ينفرد أحدهما بالحكم.
وعن هذا قلنا إذا اصطلح مسلم وذمي على مسلم وذمي يحكمان بينهما وحكما جميعًا للمسلم على الذمي جاز؛ لأنهما يصلحان حكمًا على الذمي، فيصلحا شاهدًا عليه، ولو حكما للذمي على المسلم لا يجوز؛ لأن الذمي لا يصلح حكمًا على المسلم فخرج من البين وتعذر تنفيذ حكم المسلم أيضًا، وإن صلح حكمًا عليه؛ لأنه ما رضى برأيه وحده.
وعلى هذا المسلمان إذا حكما حرًا وعبدًا بينهما فحكم الحر بينهما لم يجز؛ لأن العبد لا يصلح حكمًا، فخرج هو من البين بقي الحر منفردًا وهما ما رضيا برأي المنفرد، وإذا حكم الذميان ذميًا يحكم بينهما، ثم أسلم أحد الخصمين فقد خرج الحكم من الحكومة، هكذا ذكر في (الكتاب)، وأراد بقوله خرج من الحكومة يعني خرج عن الحكومة في حق الحكم على المسلم، أما في حق الحكم على الذمي يبقى حكمًا، وهذا لما عرف أن البقاء معتبر بالابتداء، والذمي يصلح لابتداء التحكيم على الذمي فيصلح لبقائه حكمًا عليه، ولا يصلح لابتداء التحكيم على المسلم فلا يصلح لبقائه حكمًا، ويجوز حكم الحاكم المحكم في الطلاق المضاف إليه أشار في صلح (الأصل) وفي (أدب القاضي) للخصاف، فإنه استثنى من حكمه في صلح (الأصل) الحدود. وفي (أدب القاضي) استثنى الحدود والقصاص، فهذا إشارة إلى أن ما عدا ذلك داخل في حكمه، وهو الصحيح من المذهب، لكن كثير من مشايخنا امتنعوا عن الفتوى في الطلاق المضاف وأمثاله كيلا يتجاسر العوام، فيؤدي إلى التهاون بأحكام الشرع.
وإذا حلف الحكم أحد الخصمين ونكل عن اليمين وقضى عليه، فقال المقضي عليه: لا أجيز حكمه علي وحلفه، فحكمه عليه ماض، ألا ترى أن المقضي عليه بالنكول من جهة القاضي لو أراد أن يرد قضاءه عليه، ليس له ذلك كذا هاهنا لما مر أن الحكم فيما بين المتخاصمين بمنزلة القاضي المولى، ولو كان المدعي من الابتداء أقام البينة على دعواه وعدلوا وحكم الحاكم بها على المدعى عليه جاز كما يجوز من القاضي المولى، فإن أنكر المقضي عليه الحكم أو أنكر التحكيم وادعى المدعي ذلك كان للمدعي أن يحلفه؛ لأنه يدعي عليه معنى لو أقر به يلزمه، فإذا أنكر يستحلف عليه كما في سائر الدعاوي، فإن نكل عن اليمين لزمه دعوى صاحبه، وإن كان المدعي أقام بينة على ما ادعى من التحكيم والحكم ينظر إن كان الشهود الذين شهدوا على التحكيم والحكم (غير) الذين يجري الحكم بشهادتهم، لا تقبل شهادتهم لتمكن التهمة في الفصل الثاني؛ لأنهم يريدون تصحيح شهادتهم الأولى وإلزام حكمهما بواسطة ما قالا، ومثل هذه التهمة منتفية عن شهادتهم في الفصل الأول.
وفي (الزيادات): إذا رفع حكم الحاكم في المجتهدات إلى قاض يرى خلاف ما حكم فنفذه مع ذلك، ثم رفع إلى قاض آخر يرى رد حكم الحكم أيضًا فالقاضي الثاني لا يرده؛ لأن إجازة القاضي حكم الحكم بمنزلة إنشاء القضاء منه، والقاضي إذا قضى في المجتهدات بخلاف رأيه ينفذ قضاؤه، وقد ذكرنا هذا الفصل مع ما فيه من الخلاف فيما تقدم، وإذا لم يكن القاضي مأذونًا في الاستخلاف فأمر رجلًا حتى حكم بين اثنين، وأجاز القاضي حكم ذلك الحكم، قد ذكرنا أنه ينفذ حكمه على إحدى الروايتين ولكن هذا إذا كان الحاكم ممن يصلح قاضيًا، وإن كان لا يصلح قاضيًا كالعبد والصبي وغيرهما لا ينفذ حكمه بإجازته باتفاق الروايات، وإن كان ممن يختلف الفقهاء في صلاحيته للحكومة نفذ حكمه بإجازته؛ لأن إجازة القاضي حكم الحكم قضاء منه بأصالته، وإنه مجتهد فيه وقضاء القاضي في المجتهدات نافذ.
وإذا حكما رجلًا فيما بينهما فقضى لأحدهما على صاحبه باجتهاده، ثم رجع عن قضائه وقضى للآخر، فإن القضاء الأول ماض والقضاء الثاني باطل، لما ذكرنا إن الحكم في حق الخصمين بمنزلة القاضي المولى في حق الناس كافة، والقاضي المولى متى قضى بحادثة باجتهاده ثم أراد أن ينقض ذلك القضاء ويقضي بخلافه في تلك الحادثة ليس له ذلك كذا هنا.
وإذا اصطلح الرجلان على حكم يحكم فيها بينهما، فقضى لأحدهما على صاحبه في بعض الدعاوي الذي حكماه في ذلك، ثم رجع المقضي عليه عن تحكيم هذا الحكم فيما بقى من الدعاوي، فإن قضاء الأول نافذ وما يقضى بعد ذلك لا ينفذ كما ذكرنا إن عزل كل واحد منهما للحكم عامل فيما لم يقض بعد، فأما فيما قضى نفذ ووقع الفراغ عليه، فإنه لا يعمل عزله وكان كالوكيل ببيع عبدين إذا باع أحدهما ثم عزل الموكل عمل عزله فيما لم يبع، ولم يعمل فيما باع وكذلك هاهنا.
قال: وإذا اصطلح الخصمان على حكم بينهما، فأقام المدعي شاهدين عنده، أن له على هذا الرجل وعلى كفيله الغائب فلان ألف درهم فقال المدعى عليه: الشاهدان عبدان فإنه يسمع طعن المشهود عليه؛ لأنه فيما بين المتخاصمين بمنزلة القاضي المولى والقاضي يسمع مثل هذا الطعن، فكذا الحكم. فإن أقام الشاهدان بينة أن مولاهما كان أعتقهما وعدلت بينة العتق، فالحكم يقضي بعتقهما في حق المشهود عليه ويقضي بالمال عليه ولا يقضي به على الكفيل، ولا يثبت العتق في حق المولى بحكم الحكم، وإن كان لو حصل هذا من القاضي المولى يثبت العتق في حق المولى، ويثبت المال على الكفيل لما ذكرنا أن حكم الحكم إنما يظهر في حق من قضى بحكمه، دون من لم يرض بحكمه، والمولى والكفيل ما رضيا بحكمه فلا يظهر حكمه في حقهما، أما المتخاصمان فقد رضيا بحكمه فظهر حكمه في حقهما.
فإن جاء مولى العبدين وأنكر العتق وقدمهما إلى القاضي، فإن شهد هذان الشاهدان على عتقهما أو غيرهما يريد بقوله: هذان الشاهدان اللذان شهدا على عتقهما عند الحكم قضى القاضي به فشهادتهما بالمال جائزة؛ لأنه لم يظهر عنده خطأ حكم الحاكم فيما حكم ولا ينقض حكمه، وإن لم تكن بيتهما بينة على العتق وقضى القاضي برقهما للمولى أبطل حكم الحكم فيما حكم؛ لأنه ظهر عند القاضي أن الحكم حكم بشهادة العبد والحكم بشهادة العبد باطل فكان له أن يبطل.
قال: ولو ادعى رجل قبل رجلين أنهما غصباه ثوبًا أو شيئًا من الكيلي أو الوزني فغاب أحدهما، ورضي الآخر والمدعى عليه بحكم يحكم بينهما، فأقام المدعي بينة على حقه عليهما، فإنه يلزم الحاضر نصف ذلك ولا يلزم الغائب منه شيء؛ لأن الحاضر رضي بحكمه، أما الغائب فلم يرض بحكمه.
وكذلك على هذا إذا ادعى رجل على ميت دينًا وورثته غيب إلا واحد، فاصطلح هذا الوارث الحاضر مع المدعي على حكم يحكم بينهما، وأقام المدعي بينة على الميت بحقه وحكم الحاكم بذلك لا يظهر حكمه في حق الغيب؛ لأنهم ما رضوا بحكمه. غير أن في مسألة الورثة يقضي على الحاضر بجميع الدين ويستوفي ذلك مما في يده وفي مسألة الغصب يقضي على الحاضر بالنصف. والوجه في ذلك: أن الحكم فيما بين المتخاصمين بمنزلة القاضي المولى في حق الناس كافة، ثم القاضي يقضي بجميع الدين على الميت بحضرة أحد الورثة لما عرف أن أحد الورثة ينتصب خصمًا عن الميت في جميع ما يدعى على الميت، وصار من حيث المعنى كأن المورث حي وهو حاضر.
وإذا قضى القاضي بجميع الدين والدين مقدم على الميراث وما في يده من الميراث يؤخذ جميع الدين مما في يده، فإذا عرفت الجواب في حق القاضي المولى، فكذا الجواب في الحكم، أما في الغصب القاضي المولى لا يقضي إلا بنصف القيمة؛ لأن أحدهما ليس بخصم عن الآخر، فإذا عرفت هذا في القاضي المولى، فكذا الجواب في الحكم.
وإذا اشترى من آخر عبدًا وقبضه ونقد الثمن، ثم طعن بعيب، واصطلحا على حكم، فقضى بالرد على البائع فهو جائز؛ لأن التحكيم حصل بما يملك الخصمان فعله بأنفسهما، فيصح كما في سائر الصور، وإذا صح التحكيم صار الحكم فيما بينهما بمنزلة القاضي المولى لو قضى بالرد على البائع يجوز، فكذا ها هنا، فإن أراد البائع أن يخاصم بائعه في ذلك العيب لا يجوز لما ذكرنا أن حكم الحكم في حق غير المتخاصمين بمنزلة صلح باشره، ولو حصل الرد على البائع بطريق الصلح ليس للبائع أن يخاصم بائعه في ذلك العيب، ويجعل هذا الرد بمنزلة بيع جديد في حق البائع الأول فكذا هنا، ولو اصطلحوا جميعًا (على حكم هذا الحكم) المشتري الثاني والمشتري الأول والبائع الأول على حكم هذا الحكم، ورد هو العبد على البائع الثاني، فأراد البائع الثاني أن يرده على البائع الأول، ليس له ذلك قياسًا، وله ذلك استحسانًا.
وجه القياس أن البائع الأول ليس بخصم للحال إذ لا خصومة معه في العيب قبل الرد على البائع الثاني، فلا يصح تحكيمه، فصار وجود هذا التحكيم والعدم بمنزلة.
وجه الاستحسان: أن البائع الأول، إن لم يكن خصمًا في هذا العيب في الحال فهو يعرض أن يصير خصمًا بسبب هذا العيب، فإنه إذا رد العبد على البائع الثاني، كان للبائع الثاني أن يخاصم البائع الأول فيه، فصار الحكم في حقهم بمنزلة القاضي المولى، والقاضي المولى لو رد العبد على البائع الثاني، كان للبائع الثاني أن يرده على البائع الأول، فكذا الحكم. ولو نقض البائع الأول الحكومة بعدما رد العبد على البائع الثاني قبل أن يرده عليه صح النقض؛ لأن هذا نقض قبل الحكم عليه وإنه جائز، وإذا صح العزل لا يملك الحكم رد العبد على البائع الأول بعد ذلك.
وإن خاصم البائع الثاني البائع الأول بعد ذلك بسبب هذا العيب عند قاض من القضاة، فالقياس أن لا يرده القاضي على البائع الأول؛ لأن التحكيم من البائع الأول لم يصح على جواب الاستحسان، فصار وجوده والعدم بمنزلة، وفي الاستحسان يرده؛ لأن الحكم حين رد على البائع الثاني، فهو حكم في حق البائع الأول، فصح حكمه بالرد في حق البائع الأول فلا يبطل هذا الحكم بعزل الحكم، ألا ترى أنه لا يبطل هذا الحق بعزل القاضي المولى، حتى إن القاضي المولى إذا رد العبد على البائع الثاني، ثم عزل هذا القاضي وولي قاض آخر فرفعت إليه هذه الحادثة رد العبد على البائع الأول كذا هنا.
ولو أن رجلًا باع سلعة لرجل بأمره فطعن المشتري بعيب، فحكما بينهما حكمًا برضا الآمر، وردها الحكم على البائع بسبب ذلك العيب بإقرار البائع أو بنكوله أو ببينة قامت، فإن كان الرد بالبينة أو بنكول الوكيل فله أن يرده على الموكل وإن كان الرد بإقراره بالعيب، وذلك عيب لا يحدث مثله رده على الموكل أيضًا، وإن كان يحدث مثله لم يرد على الموكل حتى يقيم البينة أن هذا العيب كان عند الموكل؛ لأنه صار حكمًا في حقهم بتراضيهم، فصار بمنزلة القاضي المولى والحكم فيما إذا كان الرد من القاضي المولى على نحو ما ذكرنا، فكذا إذا كان الرد من الحكم.
ولم يذكر القياس والاستحسان في هذه المسألة، كما في المسألة المتقدمة؛ لأن هناك البائع الأول ليس بخصم في العيب للحال، فلا يصح تحكيمه للحال قياسًا، أما هنا الآمر خصم في الحال؛ لأن الرد على الوكيل رد على الآمر، فصح التحكيم من الآمر في الحال قياسًا واستحسانًا، وإن كانت الحكومة بغير رضا الآمر لا يلزم الآمر من ذلك شيء إلا ببينة أو كان عيبًا لا يحدث مثله وهذا لأن التحكيم في حق الآمر لما لم يصح لعدم رضاه صار بمنزلة ما لو قبل المأمور المبيع بالعيب بغير قضاء، وهناك الجواب على التفصيل إن كان يحدث منه يلزم المأمور دون الآمر، باتفاق الروايات، وإن كان عيبًا لا يحدث مثله، ففيه اختلاف الروايات في بعضها يلزم الأمر، وفي بعضها يلزم المأمور، كذا هنا.
ولو كان هذا الرجل اشترى عبدًا لرجل بأمره وطعن المشتري بعيب به وحكما فيما بينهما رجلًا برضا الآمر ورده ببينة أو بإقرار أو بنكول كان ذلك جائزًا على الآمر وهذا ظاهر، ولو كان التحكيم بغير رضا الآمر ورد ببعض ما ذكرنا، فكذلك الجواب كان الرد جائزًا على الآمر.
فرق بين الوكيل بالشراء وبين الوكيل بالبيع، فإن في الوكيل بالبيع إذا حصل التحكيم بغير رضا الآمر ورد المشتري على الوكيل نفذ الرد على الوكيل دون الموكل، والفرق أن حكم الحكم في حق غير الممكن بمنزلة الصلح الذي باشراه، ولو كان مكان الرد في الوكيل بالبيع صلحًا باشراه بغير قضاء نفذ عليه وعلى الآمر جميعًا لفقه، وهو أن الرد بالعيب بغير قضاء بمنزلة الإقالة في حق الثالث، والآمر ثالثهما، والإقالة في حق الوكيل بالبيع في هذه الحالة لا يصح؛ لأن الوكالة انتهت نهايتها بالبيع والتسليم والتحق الوكيل بالإصابة، فأما الإقالة من الوكيل بالشراء ما دام المشترى في يده صحيحة، لأن الوكالة بالشراء لا تنتهى ما دام المشترى في يد الوكيل بالشراء.

.الفصل الرابع والعشرون: في كتاب القضاة إلى القضاة:

يجب أن يعلم بأن كتاب القاضي إلى القاضي صار حجة شرعًا في المعاملات بخلاف القياس؛ لأن الكتاب قد ينقل ويزور، والخط يشبه الخط والخاتم يشبه الخاتم؛ ولأن القاضي لا ولاية له على الخصم الذي في غير بلده، فكيف يكون كتابه حجة عليه؟ ولأن القاضي الكاتب بكتابه ينقل شهادة الشهود إلى المكتوب إليه والشهود بأنفسهم لو حضروا مجلس القاضي وكتبوا شهادتهم بين يدي القاضي، فالقاضي لا يعمل به، فكيف يعمل بكتاب غيره لكن جعلناه حجة بالإجماع، فقد روي عن علي رضي الله عنه وجماعة من التابعين، منهم عمر بن عبد العزيز والحسن والشعبي وإبراهيم النخعي رضي الله عنهم، أنهم جوزوا ذلك في المعاملات ولم ينقل عن غيرهم بخلافه.
والمعنى في ذلك الحاجة، فإن الإنسان قد يكون غائبًا والشهود حضور ويتعذر عليه الجمع بين الشهود والخصم لما أنه لا يمكنه إحضار الشهود بلد الخصم، ولا يمكنه نقل الشهود إلى الخصم، فلا يمكنه أن يصل إلى حقه بالشهادة على الشهادة؛ لأن قاضي تلك البلدة عسى لا يعرف عدالة الأصول، وعسى لا يجد هناك من يعدل الأصول، وفي تعديل الفروع الأصول كلام على ما يأتي بيانه في موضعه، فلو لم يقبل كتاب القاضي إلى القاضي لنقل الشهادة وإثبات عدالتهم لتعطلت الحقوق وضاعت فقبلناه صيانة للحقوق عن الضياع والبطلان، ولكن إنما يقبله القاضي المكتوب إليه عند وجود الشرائط، ومن جملة الشرائط البينة، حتى إن القاضي المكتوب إليه لا يقبل كتاب القاضي ما لم يثبت عنده بالبينة أنه كتاب القاضي، به ورد الأثر عن علي رضي الله عنه.
والمعنى في ذلك أن كتاب القاضي لا يخلو عن نوع احتمال لما ذكرنا أن الخط يشبه الخط، فلا يجوز العمل به ما لم ينتف هذا الاحتمال وذلك بالبينة، ولأن كتاب القاضي يقع ملزمًا في حق المكتوب (إليه) حتى يلزمه العمل به، وإذا عمل به وقضى على المدعى عليه بما فيه يلزمه ذلك، واللزوم يعتمد الحجة والحجة هي البينة، وبهذا يقع الفرق بين كتاب القاضي وبين كتاب المزكي إلى القاضي، فإن في كتاب المزكي إلى القاضي لا يحتاج إلى البينة، لأنه ليس في كتاب المزكي إلزام، فالقضاء مضاف إلى شهادة الشهود لا إلى التزكية، إنما التزكية لنوع رجحان الصدق، ولهذا لو قضى القاضي بالشهادة بدون التزكية صح قضاؤه، وبه يقع الفرق أيضًا بين كتاب القاضي وبين كتاب ملك أهل الحرب، إذا طلب الأمان فيه فإنه مقبول بغير البينة حتى لو أمنه الإمام صح أمانُه؛ لأن كتاب أهل الحرب ليس بملزم؛ لأن للإمام رأيًا في الأمان وتركه.
ومن جملة ما عمل فيه بالقياس الحدود والقصاص، حتى لم يجوزوا كتاب القاضي إلى القاضي في المعاملات (إلا) بالأثر والإجماع، ولا أثر ولا إجماع في الحدود والقصاص، فبقي على أصل القياس.
ومن جملة ما عمل فيه بالقياس المنقولات نحو العروض والثياب والعبيد والجواري، على قول أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف، وقال: يجوز في العبيد في الإباق، ولا يجوز في غيرهم، وعنه رواية أخرى أنه يجوز في جميع المنقولات، وبه أخذ بعض المتأخرين من مشايخنا. وحكي عن القاضي الإمام المنتسب إلى إسبيجاب أنه كان يفتى به، وأجمعوا على أنه يجوز كتاب القاضي إلى القاضي في العقار والديون.
فوجه قول أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف الأول، وهو الفرق بين الديون وسائر المنقولات: أن في الدين توهُّم الشركة تمكَّن في موضع واحد وهو المقضي عليه؛ لأنه ربما يتفق رجلان بذلك الاسم والنسب، أما لم يتمكن في المقضي به وهو الدين؛ ولا في المقضي له وهو المدعي، فإن كل واحد منهما معلوم، ويمكن الشركة في المقضي عليه حالة العذر إذا كان المقضي له والمقضي به معلومًا لا يمنع القضاء، ألا ترى أن حوالة المقضي عليه لا تمنع القضاء حالة العذر إذا كان المقضى به والمقضى له معلومًا كما لو شهد شاهدان على رجل أنه طلق إحدى امرأتيه قبل الدخول ومات قبل البيان، فإنه يقضي بسقوط نصف المهر مع أن المقضي عليه بسقوط نصف الصداق مجهول أنها زينب أو عمرة لما كان المقضي له معلومًا وهو الزوج والمقضي به معلومًا وهو نصف الصداق.
والمعنى في ذلك كله أن المقضي به والمقضي له إذا كان معلومًا كان الرجحان لجانب العلم والعبرة للراجح في الأحكام، فأما في عين العبد فتوهم الشركة تمكن في موضعين، أحدهما: في المقضي به، وهو العبد، فإنه يتفق اثنان من العلماء في الاسم والنسب والحلية، وفي المقضي عليه، وهو الذي في يديه العبد، فكان الرجحان لجانب الجهل فيمنع القضاء.
ألا ترى أن تمكن الجهالة في موضعين مانع من القضاء، وإن كان الحال حال عذر بأن كان لرجلين عبدان، لكل واحد منهما عبد على حدة قال أحدهما: إن لم يدخل فلان هذه الدار اليوم فعبدي حر وقال الآخر: إن دخل فلان الدار اليوم فعبدي حر، ومضى اليوم ولا يدرى أنه دخل أو لم يدخل وكل واحد ينكر شرط الحنث، فالقاضي لا يقضي بعتقهما ولا بعتق أحدهما؛ لأن المقضي عليه وهو أحد الموليين مجهول والمقضي به وهو أحد العينين كذلك، فيترجح جانب الجهل على جانب العلم فيمنع القضاء، كذا هنا وبل أولى؛ لأن قطع الشركة في المقضي به- وهو العبد- بالإشارة إليه ممكن؛ لأن العبد يمكن إحضاره مجلس الحكم بخلاف العقار حيث يجوز فيه كتاب القاضي، وإن كان يوهم الشركة ثمة في موضعين أيضًا؛ لأنه قد يتفق محدودان بحد واحد، وفي المقضي عليه؛ لأنه قد يتفق رجلان بالاسم والنسب؛ لأن قطع هذه الشبهة بالإحضار غير ممكن؛ لأنه لا يمكن إحضار العقار، فسقط اعتبار الجهالة في المقضي به بالإحضار، فكأن الشركة ما تمكنت إلا في موضع وهو المقضي به، وإنها غير مانعة كما في الدين.
وجه ما روي عن أبي يوسف: أنه يجوز كتاب القاضي في العبيد في الإباق أن القياس أن لا يكتب في العبيد كما في سائر المنقولات، كما قلتم: إن توهم الشركة تمكن في موضعين إلا أنا تركنا القياس في العبيد (في) الإباق للضرورة؛ لأن الإباق مما يكثر من العبيد، وربما لا يكون للمولى شهود في البلدة التي فيها العبد، لو لم يُجز كتاب القاضي تبطل حقوق الناس.
مثل هذه الصورة لا تتحقق في الجواري والدواب، لأن الإباق من الجواري لا يكثر، وكذلك الند من الدواب من بلدة إلى بلدة لا تكثر، فيعمل فيهن بقضية القياس.
وذكر محمد رحمه الله في كتاب الإباق مسألة تدل على أن كتاب القاضي إلى القاضي في النقليات جائز، فإنه ذكر أنه إذا أخذ عبدًا آبقًا أو جاريةً إلى القاضي، وأقام البينة على أنه وجده آبقًا، فأخذه وطلب من القاضي أن يفرض نفقته على مالكه، فإن علم القاضي أن المصلحة في بيع هذا العبد وحفظ ثمنه على مالكه فعل ذلك، فإذا باعه وأمسك ثمنه، فجاء مالكه وأتى بكتاب القاضي ليأخذ الدراهم الثمن كان له ذلك، فقد جوز كتاب القاضي في الدراهم الثمن، وإنه منقول.
وتأويل المسألة أن بيع الآبق من القاضي لما نفذ بولاية شرعية انتقل حق صاحب العبد إلى ثمنه، وإنه دين على المشتري، فهو إنما جاء بكتاب القاضي لإثبات أن ذلك الدين حقه، وكتاب القاضي في الديون جائز، ثم القاضي قبض الدراهم المعين عوضًا عن ذلك، فإذا أثبت بكتاب القاضي أن ذلك الدين له وأراد أخذ الدراهم التي قبضها القاضي، وقد أجاز قبض القاضي تلك الدراهم عوضًا عن الدين الذي هو حقه فلا يظهر بهذا أن هذا الكتاب في العوض.
ويجوز كتاب القاضي في النكاح والطلاق وفي كل حكم يمكن تحقيق شرائط كتاب القاضي فيه من إعلام المشهود به، وغير ذلك على ما يأتي بيانه جائز.
وفي سائر النقليات إنما لم يجز كتاب القاضي عندهما؛ لأن إعلام المشهود به في هذه الأشياء بالإشارة، والإشارة في غير الكتاب، فلا تصح الدعوى والشهادة فلم يجز الكتاب.
ونظير هذه المسألة النسب وصورتها رجل وامرأة ادعيا ابنًا أو ابنة عند قاض من القضاة، وقالا: هو معروف النسب منا وهو اليوم في يد فلان في بلد كذا قد استرقه، وأقاما البينة عند القاضي، فطلبا منه أن يكتب لهما بذلك كتابًا إلى القاضي في ذلك البلد، لا يكتب عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله؛ لأنهما يريدان قطع الملك والرق الثابت لصاحب اليد بالظاهر، وانتزاعه من يد صاحب اليد بدعوى الملك، وثمة الإشارة من المدعي والشهود شرط لسماع الدعوى والشهادة، ولا يتحقق ذلك في الغائب، فلا يكتب عندهما لهذا، فكذا هنا.
وعلى قول أبي يوسف: يكتب، لأن النسب لا يشار إليه وهو المدعي، فكان كدعوى الدين، وثمة يكتب فكذا هذا. وقال أبو يوسف رحمه الله: لا يكتب في النسب إلا في الأبوة والأمومة والبنوة؛ لأن دعوى هذه الأنساب دعوى حق مقصود.
ألا ترى أنه يسمع فيها الدعوى حالة الحياة وإن لم يدع بسببه مالًا أو حقًا، فيمكن إثباتها بالبينة بخلاف الأخوة والعمومة وأشباههما، إذ ليس فيهما حق مقصود، ألا ترى أنه لا تسمع فيهما الدعوى حالة الحياة إلا إذا ادعى بسببها مالًا كالنفقة وأشباهها، فلا يمكن إثباتها بالبينة.
بعد هذا تحتاج إلى بيان شرائط صحة كتاب القاضي إلى القاضي، فنقول: العلوم الخمسة شرط جوازه، وهو أن يكون الكتاب من معلوم يعني القاضي الكاتب إلى معلوم- يعني القاضي المكتوب إليه- في معلوم- يعني المدعى به- لمعلوم- يعني المدعى- على معلوم- يعني المدعى عليه.
أما القاضي الكاتب ينبغي أن يكون معلومًا؛ لأن الحجة كتاب القاضي لابد وأن يعلم المكتوب إليه أنه كتاب القاضي حتى يقبله. وإعلامه إنما يكون بكتابة اسم القاضي واسم أبيه واسم جده أو قبيلته؛ لأن إعلام الإنسان إذا كان غائبًا بهذه الأشياء، وإذا لم يذكر اسم أبيه وجده لا يحصل التعريف بالاتفاق، وإن ذكر اسم أبيه ولم يذكر اسم جده أو قبيلته، فعند أبي حنيفة رحمه الله لا يحصل التعريف، وسيأتي الكلام فيه بعد هذا إن شاء الله تعالى، وإن كان مشهورًا اكتفى بالاسم الذي كان مشهورًا بذلك؛ لأن كتابة ما زاد على ذلك للتعريف، فإذا حصل التعريف بدونه اكتفى بذلك، وكذلك إذا كتب: من أبي فلان إذا كان مشهورًا بذلك الكنية كأبي حنيفة، وكذلك إذا كتب من ابن أبي فلان، وهو مشهور به، كابن أبي ليلى يكتفى به، ولا تقبل شهادة الشهود على اسم القاضي ونسبه ما لم يكن مكتوبًا في الكتاب؛ لأنهم لو شهدوا على ما في الكتاب بدون الكتاب لا يقبل ذلك منهم فكذلك على التعريف.
وكذلك إعلام القاضي المكتوب إليه شرط؛ لأنه ما لم يثبت عنده أنه مكتوب إليه، لا يجب العمل به، بل لا يجوز العمل له به، وإنما يصير معلومًا بما يوجب تعريفه من ذكر الاسم والنسب على ما ذكرنا ولا يكتفي بالشهادة على الاسم والنسب إذا لم يكن مكتوبًا لما ذكرنا.
وكذلك إعلام المدعي والمدعى به والمدعى عليه شرط؛ لأن كتاب القاضي لنقل الشهادة، وهذه العلوم الثلاثة شرط لصحة الشهادة وإعلام المدعي والمدعى عليه بما يوجب تعريفهما من ذكر الاسم والنسب على حسب ما بينا في القاضي.
ثم عند أبي حنيفة رحمه الله لا يحصل التعريف بذكر اسمه واسم أبيه، بل يشترط مع ذلك اسم الجد. وعند أبي يوسف رحمه الله ذكر الجد ليس بشرط، وقول محمد رحمه الله مضطرب: واختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: إنه كقول أبي يوسف، وبعضهم قالوا: إنه كقول أبي حنيفة.
وجه قول أبي يوسف أنا أجمعنا على أنه يحصل التعريف بثلاثة أشياء: بذكر الاسم والنسب إلى الأب والجد، وقد وجد هنا المثنى وهو النسب والاسم، والمثنى أكثر الثلاث وللأكثر حكم الكل في كثير من الأحكام.
ولأبي حنيفة رحمه الله أن المقصود هو الإعلام والتمييز وذلك لا يحصل بمجرد الاسم والنسب إلى الأب، فأما (إلى الجد) قل ما يتفق الرجلان في الاسم والنسب إلى الأب والجد، فيحصل به الإعلام.
وفي شرح كتاب (الأقضية) أن ذكر الجد عند أبي حنيفة- وهو رواية ابن سماعة عن أبي يوسف- شرط، وفي قول محمد رحمه الله- وهو قول أبي يوسف في ظاهر الرواية ليس بشرط. وكان القاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي رحمه الله يقول في الابتداء: لا يشترط ذكر الجد، ثم رجع في آخر عمره، وكان يشترط ذكر الجد وهو الصحيح وعليه الفتوى.
وإن لم يذكر اسم الجد ونسبه إلى القبيلة، فإن كان أدنى القبائل والأفخاذ الذي يعرف به بذلك، فقد كفى بلا خلاف، ويقوم مقام اسم الجد لحصول الإعلام به، فإنه قل ما يتفقان في أدنى الأفخاذ في اسمهما واسم أبيهما، وإن نسبه إلى أعلى الأفخاذ والقبائل بأن قال: تميمي، أو ما أشبهه لا يكتفى به، لأنه لا يقع به التعريف في الغالب، فصار كأنه قال: عربي أو عجمي، وإن نسبه إلى بلده ولم ينسبه إلى جده ولا إلى قبيلته، فقال: كوفي أو مصري، فذاك لا يكفي؛ لأن الاسم يجمع الألوف ولا يحصل به التعريف، وإن نسبه إلى حرفته وصناعته ولم ينسبه إلى قبيلته، والجد لا يكفي عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن الصناعة ليست بشيء لازم، فالإنسان قد يشغل بصناعة في زمان ثم يتحول منها إلى غيرها بعد ذلك، فلا يحصل بها التعريف، وعندهما إذا كانت صناعة يعرف بها لا محالة يكفي. وإن ذكر اسم أبيه ولقبه وإنه يعرف بذلك اللقب لا محالة فإنه يكفي وبدون ذلك لا يكفي؛ لأن اللقب ليس بلازم كالصناعة، وإن ذكر اسمه واسم جده ولم يذكر اسم أبيه لا يكفي؛ لأن الإنسان إنما يتصل إلى الجد بواسطة الأب، فلا يصح النسب إلى الجد بدون النسب إلى الأب، وإن كتب من قاضي بلد كذا فلان بن فلان إلى قاضي بلد كذا فلان بن فلان فذلك يكفي بلا خلاف عند بعض مشايخنا؛ لأن كونه قاضيًا من أسباب التعريف، فيستغنى به عن ذكر الجد.
وعن أبي يوسف رحمه الله آخرًا أنه إذا كتب إلى قاضي بلد كذا، ولم يذكر اسمه ولا اسم أبيه فذلك يكفي؛ لأن القاضي في كل بلدة معروف فيقع الاستغناء عن ذكر الاسم والنسب. وزاد في (المنتقى) في هذه الرواية فقال: إذا كان تاريخ الكتاب نفذه إلى المكتوب إليه.
ولو كتب من فلان بن فلان قاضي بلد كذا إلى كل من يصل إليه كتابي هذا من قضاة المسلمين وحكامهم، فذلك لا يجوز في قول أبي حنيفة رحمه الله، وفي قول أبي يوسف رحمه الله يجوز، والظاهر أن محمدًا رحمه الله مع أبي حنيفة رحمه الله، فأبو يوسف رحمه الله توسع حين ابتلي بالقضاء، ورأى أحوال الناس، واستحسن في كثير من المسائل تسهيلًا للأمر على الناس، من جملتها هذه المسألة، فإن القاضي يحتاج إلى الكتابة إلى الآفاق ولا يمكنه معرفة اسم قاضي الآفاق ونسبه لبعد المسافة، فلو شرطنا ذلك ضاق الأمر على الناس. ألا ترى أنه لو كتب إلى فلان بن فلان وإلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين وحكامهم، فكل من يصل إليه من قضاة المسلمين يعمل به، وإن لم يكتب اسمه ونسبه كذا هنا.
وأبو حنيفة رحمه الله أخذ بالاحتياط، فإن إعلام الكاتب والمكتوب إليه شرط لصحة الكتاب بالاتفاق وتمام الإعلام لا يحصل بهذا القدر، فلا يصح الكتاب، بخلاف ما إذا عين قاضيًا وعرفه، ثم كتب: وإلى كل من يصل إليه كتابي هذا من قضاة المسلمين؛ لأنه لما عرف الأول صحت كتابة القاضي إليه، فيجعل المضموم إليه تبعًا له فيجوز، ويجوز أن يصح الشيء تبعًا وإن كان لا يصح مقصودًا.
وإن كتب أن لفلان على فلان السندي غلام فلان بن فلان الفلاني كذا جاز؛ لأن تعريف المملوك بالنسبة إلى المالك، فإذا نسبه إلى مالك معروف بالشهرة أو ذكر اسم المولى ونسبه إلى أبيه وجده وإلى قبيلته، فقد تم تعريفه بذلك، وإن ذكر اسم العبد واسم المولى، ولم يذكر اسم جد المولى ولا قبيلته. ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله أن ذلك لا يكفي، وذكر شيخ الإسلام أنه يكفي؛ لأن التعريف يحصل بذكر ثلاثة أشياء كما في الحر، وقد وجد ذكر ثلاثة أشياء، وهو اسم العبد واسم المولى واسم أب المولى، وإن ذكر اسم العبد واسم المولى إن لم ينسب المولى إلى قبيلته الخاص لا يكفي، وإن نسبه إلى قبيلته الخاص، فعلى قياس ما ذكره شيخ الإسلام يكفي.
وإن كتب أن لفلان على فلان وهو العبد السندي الحائك الذي في يدي فلان بن فلان أو الساكن في دار فلان بن فلان، فذلك لا يكفي؛ لأن التعريف إنما يقع بالنسبة اللازمة وذلك بالملك دون السندي؛ لأنها عسى أن تكون بغير حق.
قد ذكرنا أن إعلام المدعى عليه في كتاب القاضي شرط، وروي عن محمد في (النوادر) ما يدل على أن إعلام المدعى عليه في الكتاب ليس بشرط، والذي روي عنه: رجل له ضيعة بخراسان وهو بالعراق وشهوده على الضيعة بالعراق، فأقام بينة عند قاضي الكوفة أن ضيعة كذا بمرو بحدودها له، وأن له مانعًا منها لا يعرفه فإنه يكتب قاضي الكوفة إلى قاضي مرو ويكتب فيه، فإذا قدم بالكتاب فكل من منعه من الناس فاقض عليه.
قال مشايخنا: ويجوز أن يكون هذا في العقار خاصة؛ لأنه ربما لا يعلم لبعد المسافة أن العقار في يد من هو، فاستحسن وجوده للحاجة والضرورة، ألا ترى أنه لو شهد شاهدان بملكية العقار لرجل وشهد آخران أنها في يد فلان قضى بها له لما ذكرنا، فأما المدعي به إذا كان دينًا فهو في ذمة المدعى عليه، وإنه عالم بذلك، فلم تمس الحاجة إلى ترك إعلام المدعى عليه، فشرط إعلام المدعى عليه حتى يصير الخصم و(هو) محل وجوب الدين معلومًا.
وذكرنا أيضًا أن إعلام المدعى به شرط، بعد هذا ينظر إن كان المدعي به دينًا، وكان مكيلًا يذكر جنسه أنه حنطة أو شعير، وبعدما ذكر الجنس أنه حنطة يذكر النوع أنها سقية أو برية خريفية أو ربيعية ويذكر الصفة أنها حمراء أو بيضاء جيدة أو رديئة أو وسط ويذكر السبب، وقد مرت هذه الفصول في فصل جلوس القاضي أيضًا.
وإن كانت الدعوى في عقار يذكر موضعها، وحدودها الأربعة، ولو ذكر حدين لا يكفي، وعن أبي يوسف رحمه الله أنه إذا ذكر حدين أحدهما طولًا والآخر عرضًا يجوز؛ لأن به يصير الطول والعرض معلومًا، وإن ذكر حدين متقابلين لا يجوز، وبعض مشايخنا قالوا: إن ذكر حدين متقابلين يجوز، وإن ذكر حدين متلازقين لا يجوز، وإن ذكر الحدود الثلاثة، فذلك يكفي عند علمائنا الثلاثة رحمهم الله، وقد مر هذا أيضًا في فصل جلوس القاضي.
وإن كان العقار معروفًا مشهورًا كدار الوليد بكوفة، وكدار الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل ببخارى لابد لتعريفه من ذكر الحدود عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد ذكر الحدود في هذا ليس بشرط، ويكتفي بذكر اسم الدار، فأبو يوسف ومحمد قاسا شهرة الدار على شهرة الرجل، والرجل إذا كان مشهورًا يقع التعريف بمجرد اسم العقار، وأبو حنيفة رحمه الله يقول بذكر الاسم عند الشهرة في العقار يصير أصل العرصة معلومًا، أما مقدار العرصة لا يصير معلومًا، والدار مما يزاد فيها وينقص عنها، وبه لا يتعين الاسم، وإذا لم يصر المقدار معلومًا تبقى الجهالة فلابد من ذكر الحدود، وأما الآدمي لا يزاد فيه ولا ينقص عنه، فيصير بجملته معلومًا بذكر الاسم، إذا كان مشهورًا بذلك الاسم فلا حاجة إلى اشتراط آخر.
ومن شرائط صحة الكتاب أن يقرأ القاضي الكتاب على الشهود الذين يشهدهم على الكتاب أو يخبرهم بما في الكتاب، وأن يختم الكتاب بحضرتهم وهذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وهذا بناء على أن عندهما يشترط أن يشهد الشهود عند المكتوب إليه بما في الكتاب. وإنما يمكنهم الشهادة بما في الكتاب إذا علموا بما في الكتاب، وذلك إما بقراءة القاضي الكتاب عليهم أو بإخباره إياهم بما في الكتاب، وكذلك يشترط عندهما أن يشهدوا عند المكتوب إليه أن القاضي الكاتب ختم الكتاب بحضرتهم، وإنما يمكنهم الشهادة على ذلك إذا ختم بحضرتهم.
وعند أبي يوسف أخرًا شيء من ذلك ليس بشرط، بل إذا أشهدهم أن هذا كتابه وخاتمه وهم شهدوا عند المكتوب إليه أن هذا كتاب القاضي فلان، وهذا خاتمه كفى، فوجه هذا القول أن المشهود به الكتاب والختم وكل ذلك يصير معلومًا للشاهد، بقول القاضي الكاتب، ويصير معلومًا للمكتوب إليه بإشارة الشاهد إلى الكتاب والختم، فلا حاجة إلى اشتراط شيء آخر.
ولهما أن المقصود من الكتاب أن يقضي المكتوب إليه بما في الكتاب، وإنما يجوز له القضاء بما في الكتاب إذا حصل له العلم بما في الكتاب بشهادة الشهود على ما في الكتاب، أما لا يحصل العلم بمجرد الشهادة على الكتاب والختم؛ لأن الكتاب في يد المدعي لا يؤمن من التغيير والتبديل، والخط يشبه الخط، والختم يشبه الختم، فلا يجوز الاعتماد على مجرد الكتاب بدون الشهادة بما عليه.
وإذا ثبت من مذهب أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله أن شهادة الشهود بما في الكتاب شرط ينبغي للقاضي الكاتب أن يدفع إلى الشهود نسخة ما في الكتاب، ليكون عندهم، فيمكنهم الشهادة على ما في الكتاب قبل فتح الكتاب، فما قاله أبو حنيفة ومحمد احتياط، وما قاله أبو يوسف توسع، وكذلك يشترط عند أبي حنيفة رحمه الله أن يحفظ الشهود شهادتهم بما في الكتاب من وقت التحمل إلى وقت الأداء، ولكن هذا شرط لا يختص بكتاب القاضي، بل في جميع الشهادات يشترط حفظ الشاهد شهادته من وقت التحمل إلى وقت الأداء عند أبي حنيفة رحمه الله.
ومن الشرائط عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: أن يكون الكتاب معنونًا بأن يكتب فيه: هذا كتاب من فلان بن فلان القاضي إلى فلان بن فلان القاضي حتى إنه إذا لم يكتب فيه ذلك، وإنما كتب فيه عافانا الله وإياك، فالقاضي المكتوب إليه لا يقبله.
وعند أبي يوسف رحمه الله: العنوان ليس بشرط، إنما الشرط أن يشهد الشهود أن هذا كتاب القاضي فلان إليك وختمه، فوجب قوله إن شهادة الشهود تثبت كون الكتاب كتاب القاضي، فثبت كون المكتوب فيه مكتوب القاضي، فلا حاجة إلى اشتراط شيء آخر.
ولهما أن الكتاب إذا لم يكن معنونًا فيكون هذا الكتاب مكتوب القاضي إلى هذا القاضي لا يكون مكتوبًا في الكتاب، وما لم يكن مكتوبًا في الكتاب لا يثبت بمجرد الشهادة من الشهود عند هذا القاضي، إذا لم يكن مكتوبًا في الكتاب بأن يشهدوا عند هذا القاضي أن فلانًا وفلانًا شهدا عند قاض (على) فلان بهذا الحق لهذا المدعي، فكذا كون هذا الكتاب من الكاتب إلى المكتوب إليه، لا يثبت بمجرد شهادة الشهود، وإذا لم يثبت ذلك بشهادتهم، فكأنهم لم يشهدوا، وبدون شهادتهم أن هذا كتاب فلان إليك، فالمكتوب إليه لا يقبل الكتاب كذا هنا.
وإذا ثبت أن العنوان شرط عندهما، فنقول: إن كان العنوان في الباطن، وعلى الظاهر، فالقاضي المكتوب إليه يعمل؛ لأنه يعمل به إذا كان العنوان في الباطن لا غير فهاهنا أولى. وإن كان العنوان في الباطن لا غير، فإنه يعمل به؛ لأنه يجب ختمه فيؤمن التبديل والتغيير وثبت كونه كتاب القاضي إليه لكونه مكتوبًا في الكتاب كأصل الحادثة.
وإن كان العنوان على الظاهر لا غير، فالقاضي المكتوب إليه لا يعمل به؛ لأنه لا يؤمن التبديل والتغيير. ألا ترى أن أصل الحادثة إذا لم يكن تحت ختم القاضي بأن لم يكن الكتاب مختومًا، فالقاضي المكتوب إليه لا يعمل به؛ لأنه لا يؤمن التغيير والتبديل، فكذا كونه كتاب القاضي إذا لم يكن تحت خاتمه.
وبعض المتأخرين من مشايخنا اكتفوا بعنوان الظاهر وقالوا: كتابة أصل العنوان إذا لم يشترط عند أبي يوسف؛ فلأن لا يشترط عنوان الباطن ويكتفى بعنوان الظاهر أولى، وأخذوا بقول أبي يوسف رحمه الله في هذا الفصل تسهيلًا.
ثم إذا أراد القاضي الكتاب يكتب في العنوان من الجانب الأيمن من الكتاب إلى القاضي فلان بن فلان بن فلان بن فلان الفلاني قاضي كورة كذا ونواحيها نافذ القضاء والإمضاء بها بين أهلها، ويكتب من الجانب الأيسر من الكتاب من القاضي فلان بن فلان الفلاني قاضي كورة كذا ونواحيها نافذ القضاء والإمضاء بها بين أهلها، وإنما يكتب قاضي كورة كذا وإن كان التعريف حاصلًا بالاسم والنسب؛ لأنه إنما يقبل كتابه إذا كان قاضيًا، فأما إذا لم يكن فلا، ثم يكتب التسمية ثم يكتب بعد التسمية: كتابي أطال الله بقاء فلان القاضي إلى آخره كما هو الرسم في الكتاب.
ثم يكتب أما بعد، وهذه كلمة فصل الخطاب، جاء في تفسير قوله تعالى: {وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب} [ص: 20] أن المراد من فصل الخطاب كلمة: أما بعد، فذكر هذا للفصل بينما تقدم ذكره من الكلام وبينما تأخر من الكلام. ثم يكتب: حضرني في مجلس قضائي بكورة كذا في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا أطال الله بقاء القاضي، وإنما يكتب حضرني؛ لأنه يريد حكاية دعوى المدعي، وينبغي أن تكون الدعوى عند القاضي، وكذا شهادة الشهود حتى يجوز له أن يكتب إلى قاض آخر، ويقول: في مجلس قضائي؛ لأن صحة الدعوى تنفذ بمجلس القضاء هكذا وقع في بعض الكتب.
والصحيح أن قوله في مجلس قضائي ليس بأمر لازم، بل إذا كتب في مجلس الحكم في كورة كذا كفاه، هكذا ذكر صاحب (الأقضية). إلا إذا كان بلدة فيها قاضيان، كل قاض على ناحية على حدة فحينئذ يكتب في مجلس قضائي، حتى لا يظن ظان أن القاضي الكاتب كان في مجلس حكم القاضي الآخر، وهو ليس بقاضي تلك الناحية، ويكتب: في كورة كذا، لما عرف من اختلاف الروايات، أن القضاء هل يتقيد بالمصر، ففي ظاهر الرواية يتقيد حتى لا ينفذ القضاء في الرساتيق.
وروى أصحاب (الأمالي) عن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يتقيد حتى ينفذ القضاء في السواد، وكتاب القاضي إلى القاضي بمنزلة القضاء من وجه فيجب أن يكون في المصر، فيكتب: كورة كذا حتى يزول الوهم، أن القاضي الكاتب ظن أن القضاء في غير المصر جائز، فيكون غير مجلس القضاء فيكتب في مجلس قضائي، فإذا كتب في كورة كذا يزول هذا الوهم.
بعد هذا المسألة على وجهين: إن عرف القاضي المدعي باسمه ونسبه يكتب حضرني فلان ابن فلان الفلاني، يذكر اسمه واسم أبيه واسم جده، ويثبت معرفته في الكتاب، فيكتب: وقد عرفته بوجهه واسمه ونسبه؛ لأن تمام التعريف بهذا؛ لأن بدون معرفة الوجه لا يحصل تمام التعريف، والاسم والنسب أمر لازم للتعريف لمن كان غائبًا، وإنه غائب عن القاضي المكتوب إليه في الحال، وإن لم يعرفه القاضي باسمه ونسبه سأله البينة على اسمه ونسبه حتى لا يتسمى رجل باسم غيره، فيؤخذ بحق صاحب الحق، فإذا قامت البينة عنده بشرائطه كتب: حضرني رجل ذكر أنه فلان بن فلان بن فلان وسألته البينة على الاسم والنسب، فأقام بينة عدولًا وثبت عندي بشهادتهم أنه فلان بن فلان بن فلان.
وإن كان المدعي لا يقدر على إثبات نسبه بالبينة كتب القاضي: حضرني مجلس الحكم رجل ذكر أنه فلان ولم أعرفه ولم يقم بينة عندي على نسبه، فيكتب على هذا الوجه حتى إذا أقر المدعى عليه عند القاضي المكتوب إليه باسمه ونسبه كما ذكرنا وقامت البينة عند المكتوب إليه على اسمه ونسبه أنفذه عليه وما لا فلا، فبعد ذلك إن حكى المدعي في الكتاب كان أولى وأبلغ في الاحتياط، وأوثق في قلب القاضي المكتوب إليه فالتعريف ببيان الوصف والهيئة، والسيمى تفيد زيادة علم، قال الله تعالى: {ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم}، ثم يكتب من غير خصم أحضره معه؛ لأن كتاب القاضي لإثبات الحجة على الغائب لنقل شهادة الشهود، حتى يقضي القاضي المكتوب إليه عليه بحضرته أو بحضرة وكيله، ولا حاجة إلى الكتاب، ثم يكتب: فادعى على رجل ذكر أنه يسمى فلان بن فلان الفلاني، وإن كان رجلًا مشهورًا لا يحتاج إلى هذا بل يكتب فادعى على فلان ولابد وأن يذكر المدعي أنه غائب عن هذه البلدة مسيرة سفر؛ لأن بين العلماء اختلافًا في تقدير المسافة التي يجوز كتاب القاضي فيها ولا رواية لهذه المسألة، في (المبسوط).
والصحيح أن قوله في مجلس قضائي ليس بأمر لازم، بل إذا كتب في مجلس الحكم في كورة كذا كفاه، هكذا ذكر صاحب (الأقضية). إلا إذا كان بلدة فيها قاضيان، كل قاض على ناحية على حدة فحينئذ يكتب في مجلس قضائي، حتى لا يظن ظان أن القاضي الكاتب كان في مجلس حكم القاضي الآخر، وهو ليس بقاضي تلك الناحية، ويكتب: في كورة كذا، لما عرف من اختلاف الروايات، أن القضاء هل يتقيد بالمصر، ففي ظاهر الرواية يتقيد حتى لا ينفذ القضاء في الرساتيق.
وروى أصحاب (الأمالي) عن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يتقيد حتى ينفذ القضاء في السواد، وكتاب القاضي إلى القاضي بمنزلة القضاء من وجه فيجب أن يكون في المصر، فيكتب: كورة كذا حتى يزول الوهم، أن القاضي الكاتب ظن أن القضاء في غير المصر جائز، فيكون غير مجلس القضاء فيكتب في مجلس قضائي، فإذا كتب في كورة كذا يزول هذا الوهم.
بعد هذا المسألة على وجهين: إن عرف القاضي المدعي باسمه ونسبه يكتب حضرني فلان ابن فلان الفلاني، يذكر اسمه واسم أبيه واسم جده، ويثبت معرفته في الكتاب، فيكتب: وقد عرفته بوجهه واسمه ونسبه؛ لأن تمام التعريف بهذا؛ لأن بدون معرفة الوجه لا يحصل تمام التعريف، والاسم والنسب أمر لازم للتعريف لمن كان غائبًا، وإنه غائب عن القاضي المكتوب إليه في الحال، وإن لم يعرفه القاضي باسمه ونسبه سأله البينة على اسمه ونسبه حتى لا يتسمى رجل باسم غيره، فيؤخذ بحق صاحب الحق، فإذا قامت البينة عنده بشرائطه كتب: حضرني رجل ذكر أنه فلان بن فلان بن فلان وسألته البينة على الاسم والنسب، فأقام بينة عدولًا وثبت عندي بشهادتهم أنه فلان بن فلان بن فلان.
وإن كان المدعي لا يقدر على إثبات نسبه بالبينة كتب القاضي: حضرني مجلس الحكم رجل ذكر أنه فلان ولم أعرفه ولم يقم بينة عندي على نسبه، فيكتب على هذا الوجه حتى إذا أقر المدعى عليه عند القاضي المكتوب إليه باسمه ونسبه كما ذكرنا وقامت البينة عند المكتوب إليه على اسمه ونسبه أنفذه عليه وما لا فلا، فبعد ذلك إن حكى المدعي في الكتاب كان أولى وأبلغ في الاحتياط، وأوثق في قلب القاضي المكتوب إليه فالتعريف ببيان الوصف والهيئة، والسيمى تفيد زيادة علم، قال الله تعالى: {ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم}، ثم يكتب من غير خصم أحضره معه؛ لأن كتاب القاضي لإثبات الحجة على الغائب لنقل شهادة الشهود، حتى يقضي القاضي المكتوب إليه عليه بحضرته أو بحضرة وكيله، ولا حاجة إلى الكتاب، ثم يكتب: فادعى على رجل ذكر أنه يسمى فلان بن فلان الفلاني، وإن كان رجلًا مشهورًا لا يحتاج إلى هذا بل يكتب فادعى على فلان ولابد وأن يذكر المدعي أنه غائب عن هذه البلدة مسيرة سفر؛ لأن بين العلماء اختلافًا في تقدير المسافة التي يجوز كتاب القاضي فيها ولا رواية لهذه المسألة، في (المبسوط).
وكثير من مشايخنا قالوا: لا يجوز فيما دون مسيرة السفر كما في الشهادة على الشهادة؛ لأن كتاب القاضي لنقل الشهادة، فكان هو والشهادة على الشهادة سواء، والمعنى فيه أن جواز كتاب القاضي إلى القاضي باعتبار الحاجة، فإنه ربما يتعذر على المدعي الجمع بين خصمه وشهوده لبعد المسافة فيحتاج إلى الكتاب، وهذا المعنى لا يتأتى فيما دون مسيرة السفر، وبعض مشايخنا جوزوا ذلك.
وهكذا ذكر صاحب الأقضية. والذي ذكره صاحب الأقضية إذا كان في مصر واحد قاضيان، كل قاض يقضي على ناحية خاصة دون ناحية صاحبه، حتى صار كل واحد منهما في ذلك بمنزلة قاض في مصر على حدة، فيكتب أحدهما إلى صاحبه في حق لرجل قامت له بينة عليه، قال على قياس قول أبي يوسف: أجزأ المكتوب إليه فيقبل الكتاب إذا شهد عنده شاهدان أنه كتابه وخاتمه، وعلى قياس قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: لا يقبل حتى يشهدا عنده أنه قرأه عليهما، أو أشهدهم على ما فيه وختم بحضرتهما، وهو رواية ابن سماعة عن أبي يوسف ورواية هشام عن محمد، وهكذا ذكر الطحاوي في اختلاف العلماء.
ووجهه: أن نقل القاضي في حكم القضاء، لا في حكم الشهادة، ألا ترى أنه يختص هذا النقل بولاية القضاء، ثم يجوز القضاء من قاضيين في مصر واحد، فكذا هذا.
وإذا كانت مسألة مختلفة لابد من ذكر الغيبة مدة السفر ليخرج عن حد الاختلاف، فإذا ذكر ذلك ولم يعلم القاضي يسأله البينة على ذلك، فإذا أقامها كتب القاضي، وذكر أنه غائب عن هذه البلدة مدة سفر، وكتب: وقد ثبت عندي غيبة مدة السفر بالبينة العادلة ليعلم القاضي الكاتب أن كتابة الكتاب كانت بشرطه.
ثم يكتب المدعى به، ويبالغ في إعلامه على نحو ما بينا، ثم يكتب: وإنه اليوم مقيم بكورة كذا، يريد به كورة القاضي المكتوب إليه؛ لأنه لو لم يكن في كورته لا يفيد كتاب القاضي، ثم يكتب: وإنه جاحد دعواه هذه؛ لأن كتاب القاضي لنقل الشهادة، والشهادة إنما تقبل على الجاحد.
ثم يكتب: ويشهد شهوده على صحة دعواه هاهنا، ويتعذر عليه الجمع بينهم وبين المدعى عليه؛ لأن نقل الشهادة إنما يحتاج إليه حال غيبة الشهود عن المدعى عليه، وتعذر الجمع بين الشهود وبين المدعى عليه؛ حتى لا يصل إلى حقهم بالشهادة، فتمس الحاجة إلى كتاب القاضي لنقل الشهادة.
ثم يكتب: فسألني الاستماع إلى شهادتهم لأكتب بما صح عندي من شهادتهم إلى القاضي فلان، فأجبت إليه، ثم يكتب: فأحضرهم وهم فلان بن فلان، يكتب اسم كل واحد منهم، ونسبه وقبيلته وتجارته إن كان تاجرًا، ومسكنه ومصلاه ومحلته مقام التعريف تذكر هذه الأشياء، ثم يكتب: فشهد كل واحد منهم بعد الدعوى عقيب الاستشهاد بشهادة صحيحة متفقة اللفظ والمعنى.
وإنما يذكر هذه الأشياء؛ لأن الشهادة الصحيحة هي التي يجب العمل بها دون الفاسدة، هكذا روي عن محمد رحمه الله. قالوا: وينبغي أن لا يكتفي بهذا القدر بل يفسر الشهادة ويبينها؛ لأن صحة الشهادة واتفاق المعنى وموافقة الدعوى فيما ادعي لا يثبت بمجرد...؛ لأنه ربما يظنها صحيحة موافقة للدعوى، وتكون فاسدة مخالفة الدعوى، فلابد من البيان ليكون المكتوب إليه على بصيرة، فينظر إليها فإن عرفها صحيحة عمل بها، وإن عرفها فاسدة ردها، فلهذا يبين ويفسر شهادته ويصححها على الوجه الذي ذكرنا في الدعوى، ويتبين الدين ويعلمه على نحو ما بينا، ويذكر في شهادتهم إعلام المدعي والمدعى عليه.
وإعلام الحاضر بالإشارة، وإعلام الغائب بذكر الاسم والنسب والمدعي حاضر، فإعلامه بالإشارة إليه والمدعى عليه غائب، فإعلامه بذكر الاسم والنسب، فيكتب شهدوا أن لفلان المدعي هذا علي فلان بن فلان هذا الذي ذكر اسمه ونسبه في هذا الكتاب في دعوى المدعي هذا كذا وكذا، يذكر جنس الدين ونوعه وصفته وقدره وجميع ما ذكرنا في الدعوى ثم يكتب فواجب على فلان هذا تسليم المال إلى هذا المدعي ليقبضه لنفسه.
وقد اختلف المتأخرون في أنه هل يشترط ذكر هذا؟ والصحيح أنه لا يشترط؛ لأن حاجة القاضي إلى نقل الشهادة وبيان شهادة الشهود لا إلى بيان حكم ما ثبت عنده من جهة الشهود، وهذا ليس من صلب شهادتهم، ولا يشترط ذكره، ويشترط بيان سبب الدين لما ذكرنا في الدعوى، ولتكون الشهادة موافقة للدعوى.
وإن كانت الدعوى في العقار يكتب في شهادتهم العقار، يذكر موضعها وحدودها على نحو ما ذكرنا في الدعوى، ويذكر أنها في يد المدعى عليه هذا بغير حق. ولابد للشهود في العقار أن يشهدوا أنها في يد هذا المدعى عليه بغير حق، لأن المدعى عليه في العقار إنما ينتصب خصمًا باعتبار يده، فما لم تثبت يده على العقار عند القاضي، فالقاضي لا يجعله خصمًا ثم يكتب وشهد كل واحد من الباقين بمثل شهادته هذه، وأشار في جميع مواضع الإشارات ولا يكتب على مثل شهادته؛ لأن كلمة مثل صفة في الكلام قال الله تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]، أي كهو شيء فيصير هذا شهادة على شهادة الأول، وإنه لا يقبل هاهنا، ولكن يكتب بمثل شهادته، كما قلنا لم يكتب: فأتوا بالشهادة على وجهها وساقوها على سببها، فسمعتها وأثبتها في المحضر المخلد ديوان الحكم؛ لأنه ينبغي أن يكون ذكر الدعوى والشهادة مكتوبًا في بياض، ويكون في خريطة القاضي حتى يؤمن عن التغيير والتبديل، فعسى يحتاج إلى الرجوع إليه، حتى يكون عن بصيرة وطمأنينة.
ثم بعد ذلك إن عرف القاضي الشهود أثبت ذلك في الكتاب، فيكتب: وهم معروفون عندي بالعدالة والرضا وقبول القول، فإن لم يعرفهم سأل المزكي عن حالهم الواحد يكفي، والاثنان أحوط وأبعد عن الخلاف، فإن أتوا عليهم بالعدالة يكتب: ورجعت في التعريف عن حالهم إلى من إليه التزكية والتعديل بالناحية، وهم فلان وفلان، فنسباهم إلى العدالة والرضا وقبول الشهادة.
فإن عدل بعضهم وجرح البعض، فإنه يكتب اسم من عدلاه؛ لأن القاضي المكتوب إليه إنما يقضي بشهادة العدلين، وكذلك يذكر اسم المزكين؛ لأن العدالة إنما تثبت بقولهم، فينبغي أن يعرفهم القاضي المكتوب إليه حتى يعلم أنه هل يجوز الاعتماد على قولهم في التزكية؟ وإنما كتب القاضي الكاتب السؤال عن الشهود وتعرف عن حالهم؛ لأنه لو لم يكتب ذلك احتاج القاضي المكتوب إليه إلى السؤال عنهم حتى يمكنه القضاء بشهادتهم، والسؤال عنهم، وعسى لا يمكنه ذلك في مصره، فيكتب القاضي ذلك حتى يعلم القاضي المكتوب إليه أن لا حاجة إلى السؤال عن حالهم.
قال الخصاف رحمه الله في (أدب القاضي): ولو لم يكتب القاضي الكاتب في الكتاب أسماء الشهود الذين شهدوا عنده، وأخفى واكتفى بقوله شهد بذلك عندي شهود عدول كفى.
قال: وهذا لما قلنا في القاضي إذا كتب في السجل إن شاء أظهر فيه أسماء الشهود وأنسابهم وإن شاء أخفى، واكتفى بقوله بعدما ثبت عندي شهادة شهود عدول كذا هاهنا.
ثم القاضي الكاتب بعدما ظهرت عنده عدالة الشهود الذين شهدوا عنده بالحق للمدعي يحلف المدعي، فإن كان المدعى دينًا يستحلفه بالله ما قبضتَ هذا المال منه، ولا تعلم أن رسولًا لك أو وكيلًا لك قبض منه، أما أصل الاستحلاف مع أنه ليس هاهنا أحد يدعيه؛ لأن القاضي ناظر الكل من عجز عن النظر لنفسه بنفسه، والغائب عاجز عن النظر لنفسه بنفسه، فينظر له القاضي باستحلاف خصمه.
هذا كما نقول فيمن ادعى دينًا على ميت وأقام البينة: إن القاضي يحلِّفع بالله بما استوفيت هذا الدين ولا أبرأته منه؛ لأن الميت عاجز عن النظر لنفسه بنفسه، فينظر له القاضي بالاستحلاف، وإذا استحلفه يحلف بالله ما قبضت هذا المال من هذا المدعى عليه، ولا يعلم أن رسولك أو وكيلك قبض هذا المال منه ولا أبرأته ولا أحلته به على أحد ولا اغتصبت مثله من جنسه ولا اغتصبت به؛ لأن الواحد من هذا لا تحصل براءة المدعى عليه، فيحلفه على جميع ذلك على الثبات والأصح ما ذكرنا؛ لأن الحلف على فعل الغير يكون على العلم، وسيأتي بيان ذلك في فصل اليمين إن شاء الله تعالى.
وإذا عرفت حكم الاستحلاف في الدين فكذا في جميع الدعاوي التي يجوز فيها الكتاب؛ لأن الاستحلاف لنظر الغائب وإنه موجود في جميع هذه الفصول، ويحتاط القاضي في كل فصل حتى لا يستحلفه على ما يبطل دعواه، ويذكر في كتابه استحلاف المدعي، وكيفية استحلافه وما كان منه على وجه النظر للغائب ليكون أبلغ في العذر وأقرب إلى تحقيق معنى العدل، وهذا إذا لم يذهب المدعي بالكتاب بنفسه بل نصب وكيلًا.
فأما إذا ذهب بالكتاب بنفسه، فالقاضي الكاتب لا يحتاج إلى هذا الاحتياط وإلى تحليف المدعي، فإنه لو أراد المدعى عليه استحلافه يمكنه عند القاضي ذلك، ثم يكتب فقبلت شهادتهم قبول مثلها، وسألني المدعي هذا مكاتبة في ذلك الإشهاد عليه وعلى مضمونه وعلى ختمه فأجبته إليه، لإيجاب العلم للإجابة إليه، فأجزت كتابي هذا مسهلًا إليه ما جرى من عندي، ذلك على ما طويت كتابي هذا، وحكيت فيه معلمًا بذلك إباءه حتى إذا وصل كتابي هذا إليه صحيح الختم وثبت عنده من الوجه الذي يوجب العلم قبوله قبله وقدم في باب مورده بالحق لله تعالى عليه تقديمه فيه معانًا بالتوفيق، وإنما يكتب سؤال المدعي؛ لأن القاضي نصب لفصل الخصومات لا لإحيائها، فتبين أن كتابة هذا الكتاب كان لسؤال المدعي ليكون معذورًا، ولأن كتاب القاضي حق المدعي، وحق الإنسان إنما يوفى بعد طلبه.
وروي عن محمد رحمه الله أن القاضي الكاتب يذكر في الكتاب أسماء الشهود الذين أشهدهم على الكتاب، فيكتب: وأشهدت فلانًا وفلانًا وفلانًا على كتابي ومضمونه، وسأختم على كتابي بحضرتهم والإشهاد على مضمون الكتاب أمر لازم، لما ذكرنا أن على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله القاضي المكتوب إليه لا يقبل الكتاب حتى يشهد الشهود على مضمون الكتاب، وكذلك الختم بحضرتهم شرط لازم حتى يمكنهم الشهادة على الختم شرط عندهما، واختار بعض المتأخرين كتابة علامته على أوصال قطاع الكتاب وإنه زيادة لا بأس بها، ولا يحتاج إليها؛ لأن بالختم على الكتاب ينتفي احتمال إدخال قطعة فيها وإخراج قطعة عنها، كما ينتفي احتمال التغيير والتبديل.
ولو وقع القاضي على صدر الكتاب وآخره كما في السجلات وغيره، ويكتب في آخره هذا الكتاب كتب عني بأمري بما جرى فيه مني وعندي، وإنه يشتمل على كذا وكذا قطعة وعلى الأوصال على ظاهره مكتوب كذا، وعلى الباطن مكتوب كذا، وسأختمه بخاتمي ونقش خاتمي كذا بذكر هذه الأشياء مبالغة في التوثيق، ولو لم يتوثق به لا بأس به؛ لأنه وقع الأمن بسبب الختم عن الاحتمال.
ثم إذا انتهى الكتاب إلى المكتوب إليه ينبغي للمكتوب إليه أن يجمع بين الذي خاصمه بالكتاب وبين خصمه، يطلبه ولا ينبغي له أن يقبل البينة على أنه كتابة القاضي إلا ومعه خصمه، وإنما يجمع للمكتوب إليه بين المدعي وبين خصمه؛ لأنه يحتاج إلى فصل الخصومة بينهما، وإنما يمكنه ذلك عند حضورهما.
ثم إذا جمع بينهما والمدعي يدعي حقه عليه، ويسأل القاضي المدعى عليه في دعواه، فإن أقر به ألزمه القاضي ذلك بإقراره، ووقع الاستغناء عن الكتاب، وإن جحد دعواه حتى إذا احتاج المدعي إلى إقامة الحجة يعرض الكتاب على القاضي، فإذا عرض، فالقاضي يقول له: ما هذا؟ فيقول كتاب القاضي فلان، فيقول له القاضي: هات البينة على أن هذا كتاب ذلك القاضي لأيعرف حقيقة الحال، فيسأله الحجة على ذلك، والحجة الشهادة.
ولو قبل الكتاب من غير حضرة خصمه جاز، ولو سمع البينة على أن هذا كتاب القاضي من غير حضرة خصمه لا يجوز فحضرة الخصم شرط قبول البينة على الكتاب لا شرط قبول الكتاب، وإنما كان حضرة الخصم شرط قبول البينة على الكتاب؛ لأن القضاء مضاف إلى هذه الشهادة، فلابد لقبولها من حضرة (الخصم) كما لابد للقضاء من حضرة الخصم؛ ولأن هذه شهادة في حقوق العباد ولا تقبل الشهادة في حقوق العباد إلا بحضرة الخصم.
وقول محمد رحمه الله في الشروط: وإن قبل ذلك وليس معه خصم حاضر أراد به قبول الكتاب، لا قبول البينة على الكتاب. ثم إذا اشهد الشهود أن هذا كتاب القاضي فلان، مختوم بخاتمه ختمه بحضرتنا، وقرأه علينا وفسروا ما في الكتاب على وجهه وشهدوا به، فالقاضي يقبله.
وفي (نوادر ابن رستم) أنه إذا وصل كتاب إلى القاضي ينبغي للمكتوب إليه أن يسأل الشهود عن القاضي الكاتب أهو عدل؟ فإن عدلوه عمل به وقبله وإن لم يعدلوه لا يقبله ولا يعمل به، وهذا السؤال لازم على الرواية التي تشترط العدالة لصيرورته قاضيًا، وعليه الفتوى هذا السؤال بطريق الاحتياط ليكون أبعد عن الخلاف، قال ابن رستم: قلت لمحمد رحمه الله: إن قالوا: هو جاحد، قال: أنظر فيما قضى به، فإن كان موافقًا للحق أمضيته.
ثم القاضي إذا قبل الكتاب ماذا يصنع؟ على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله يفتحه، والأولى أن يكون الفتح بحضرة الخصم؛ لأن الفتح لإمكان القضاء مكان القضاء، وإن فتح بغير محضر منه جاز؛ لأن الفتح ليس بقضاء حقيقة.
ثم إذا فتحه نظر فيه إن كان ما فيه موافقًا لما شهد به الشهود، ختم الكتاب بخاتمه ووضعه عنده كما يفعل بالسجلات والمحاضر، وإن كان مخالفًا وهذه الشهادة، فإن كان موافقًا سأل عن الشهود اسم عدل إن كان القاضي لا يعرفهم بالعدالة.
وذكر الخصاف في (أدب القاضي) لا يفتح الكتاب قبل حضور عدالة الشهود؛ لأن الفتح للقضاء وقبل ظهور عدالة الشهود لا يجوز القضاء؛ ولأن الشهود ربما لا يعدلون فيحتاج إلى شهود آخرين ولا يمكنهم أداء الشهادة بعد فتح الكتاب؛ لأنه ليس عليه خاتمه، فيؤدي إلى تضييع الحقوق وما قاله محمد رحمه الله أصح؛ لأن عندهما الشهادة على ما في الكتاب شرط، فلو لم يصح الكتاب حتى يشهدوا بما فيه، فإن ماتوا قبل ظهور عدالتهم أمكن للقاضي القضاء بها؛ لأن الموت بعد تمام الأداء لا يمنع القضاء، وعلى قول أبي يوسف لما لم يشترط شهادتهم على ما في الكتاب واكتفى بشهادتهم على الكتاب والختم لا يحتاج إلى فتح الكتاب قبل ظهور عدالتهم.
وذكر ابن سماعة عن محمد رحمه الله أن في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله إذا جاء الرجل بكتاب في حق ينبغي للقاضي أن يحضر المدعى عليه، فإذا أحضره سأل الذي جاء بالكتاب أهو هذا الذي يدعى عليه؟ فإن قال: نعم سأله بعد ذلك أوَكيل أنت في الكتاب أو صاحب الكتاب؟ فإن قال: أنا صاحب الكتاب سأله البينة على أنه كتاب القاضي، وإن قال: أنا وكيل الطالب وأنا فلان بن فلان، فإنه يسأل البينة أنه فلان بن فلان وأن فلانًا وكله.
فرق بين هذا وبينما إذا قال: أنا صاحب الحق حيث لا يسأله القاضي البينة أنه فلان بن فلان؛ لأن شهود الكتاب يشهدون أن القاضي الكاتب كتب هذا الكتاب لأجله، وإذا أشاروا إليه وقع الاستغناء عن الاسم والنسب، فأما إذا قال: أنا وكيل فلان فشهود الكتاب لا يشيرون إليه في شهادتهم بل يشهدون أن القاضي الكاتب كتب الكتاب لأجل فلان الغائب، وأن الغائب وكل المسمى بالاسم والنسب، فلابد من إثبات اسمه، فلعله وجد الكتاب مطروحًا فأخذه وأراد أن يأخذ بحق غيره، فلابد من إثبات اسمه ونسبه ومن إثبات الوكالة حتى يصير خصمًا يسمع منه دعوى الكتاب، فإن أقام بينة على الكتاب قبل أن يقضى ببينة وكالته القياس أن لا يقبله، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، وفي الاستحسان: يقبل، وهو قول محمد، وعن أبي يوسف روايتان، وسيأتي الكلام بعد هذا إن شاء الله تعالى.
قال ابن سماعة عن محمد رحمه الله: إذا سمع القاضي البينة على الوكالة والكتاب، فقبل أن تظهر عدالة الشهود عزل القاضي الكاتب، ثم ظهر عدالتهم، قضى القاضي بالأمرين جميعًا، أما بالوكالة فظاهر، وأما بالكتاب: فلأن كتاب القاضي لنقل الشهادة، فحيث شهدوا بالكتاب وأتوا بجميع الشرائط فقد تم النقل فلا يمنع القضاء بعد ذلك لمكان العزل؛ لأن ذلك لا يخل بالنقل الذي تم به.
وإن عدلت بينة الوكالة ولم تعدل بينة الكتاب حتى عزل القاضي الكاتب، فأراد الوكيل أن يقيم بينة أخرى على الكتاب والختم، لا يقبل ذلك منه؛ لأن العزل وجد قبل تمام النقل، فصار كالعزل قبل الكتاب، وذلك يضيع الكتاب، فهذا يمتنع القضاء به.
وإن عدلت بينة الكتاب ولم تعدل بينة الوكالة حتى عزل الكاتب، فأراد الوكيل أن يقيم البينة على أن فلانًا قد كان وكله يومئذ، وعدلت الشهود، قبلت البينة، وقضى بالوكالة؛ لأنه يقضي بالوكالة في زمان متقدم، وظهر أن بينة الكتاب والختم قامت من الخصم. وهذا التفريع إنما يتأتى على قول محمد رحمه الله، لا على قول أبي حنيفة؛ لأن على قوله البينة على الكتاب قبل القضاء بالوكالة غير مقبولة.
ثم إذا قبل القاضي الكتاب وفتحه وأتى بجميع الشرائط على نحو ما بينا. هل يقضي بما في الكتاب؟ إن علم القاضي أن الذي جاء بالكتاب فلان بن فلان الفلاني، أو أقربه الخصم، أو شهد الشهود أنه صاحب الكتاب يقضي، وإن لم يكن شيء من هذا سأله البينة أنه فلان بن فلان؛ لأن الكتاب ينطق بالحق لفلان بن فلان، فلابد من أن يعلم المكتوب إليه أنه فلان بن فلان، فلعل الذي جاء بالكتاب غير صاحب الحق تسمى باسم صاحب الحق ليأخذ حقه، وإن سأل البينة قبل ذلك فهو أحسن قصرًا للمسافة.
وإن كان المدعي يدعي دارًا بالإرث فالقاضي الكاتب كتب في كتابه، وذكر أن فلان بن فلان بن فلان مات، فقد ذكر في تعريف من يتلقى الملك منه بالإرث؛ لأن القضاء بالملك للوارث يحتمه الإرث إنما يكون بواسطة ثبوتها للمورث، فلابد من معرفته ليمكنه القضاء له ثم ينتقل منه إلى الوارث، وتعريفه بذكر اسمه ونسبه، ثم يكتب: وترك دارًا بالكوفة في بني فلان إلى آخر ما ذكرنا، ثم يكتب: وكانت هذه الدار ملكًا وحقًا لفلان بن فلان بن فلان وفي يده وتحت تصرفه إلى أن توفي وخلف فلانًا لا وارث له غيره، وترك هذه الدار المحدودة ميراثًا له، ولا ينبغي أن يكتفي بذكر المدعي لا أعلم له وارثًا غيري؛ لأنه إذا قال: لا أعلم له وارثًا، فما ادعى استحقاق جميع الدار لنفسه بل أظهر الشك في ذلك بالإضافة إلى علمه، فكيف يقضي له بملكية جميع الدار ثم يذكر، وأتاني فلان المدعي بفلان وفلان فشهدوا أن فلان بن فلان توفي إلى آخر ما ذكرنا.
وإذا وقع الدعوى في العقار وطلب المدعي من القاضي أن يكتب له (في) ذلك كتابًا، فهذا على وجهين: إما أن يكون العقار في بلد المدعي ويكون المدعى عليه في بلد آخر، وإما أن يكون العقار في بلد آخر غير البلد الذي فيه المدعي، وإنه على وجهين: إما أن يكون في البلد الذي فيه المدعى عليه أو يكون في بلد آخر غير البلد الذي فيه المدعى عليه، وفي الوجوه كلها القاضي يكتب له بذلك كتابًا؛ لأن العبرة في هذه الغيبة للمدعى عليه.
فبعد ذلك إن كان العقار في البلد الذي فيه المدعى عليه ووصل الكتاب إلى المكتوب إليه يعمل به بشرائطه على ما بينا، ويحكم به للمدعي، وأمر المحكوم إليه بتسليمه إلى المدعي، وإن امتنع المدعى عليه عن التسليم فالقاضي يسلم بنفسه؛ لأن العقار في ولايته فيقدر على تسليمه.
وإن كان العقار في البلد الذي فيه المدعي، فالقاضي المكتوب إليه بالخيار، إن شاء يبعث المدعى عليه، أو وكيله مع المدعي إلى القاضي الكاتب حتى يقضي له عليه، ويسلم العقار إليه، وإن شاء حكم به لوجود الحجة وسجل له وكتب له قضية العقار، ليكون في يده وأشهد على ذلك ولكن لا يسلم العقار إليه؛ لأن العقار ليس في ولايته فلا يقدر على التسليم إلا أن العجز يمنع التسليم، أما لا يمنع الحكم بالملك، فلهذا قال: يحكم بالعقار للمدعي ولكن لا يسلم إليه.
ثم إذا أورد المدعي قضية القاضي المكتوب إليه إلى القاضي الكاتب وأقام بينة على قضائه، فالقاضي الكاتب لا يقبل هذه البينة؛ لأنه يحتاج إلى تنفيذ ذلك القضاء، وتنفيذ القضاء بمنزلة القضاء، فلا يجوز على الغائب ولكن ينبغي للقاضي المكتوب إليه، أنه إذا قضى للمدعي وسجل له بأمر المدعي المدعى عليه أن يبعث مع المدعي أمينًا لتسليم الدار إلى المدعي، فإن أبى ذلك كتب المكتوب إليه إلى الكاتب كتابًا، ويحكي كيفية كتابه الذي وصل إليه ويخبره بجميع ما جرى بين المدعي وبين المدعى عليه بحضور المدعي وبحكمه عليه بالعقار وأمره إياه، أن يبعث معه أحدًا ليسلم العقار إليه، وامتناعه عن ذلك ثم يكتب، وذلك قبلك وسألني المدعي الكتاب إليك وإعلامك بحكمي له على فلان بذلك ليسلم إليه هذا العقار، فاعمل في ذلك يرحمك الله وإيانا بما يحق لله عليك ويسلم العقار المحدود في الكتاب إلى المدعي فلان بن فلان موصل كتابي هذا إليك، فإذا وصل هذا الكتاب إلى القاضي الكاتب سلم العقار إلى المدعي وأخرجه من يد المدعى عليه.
وإن كان العقار في بلد آخر غير البلد الذي فيه المدعى عليه، فالقاضي المكتوب إليه بالخيار إن شاء بعث المدعى عليه، أو وكيله مع المدعي إلى قاضب البلد الذي فيه العقار، ويكتب إليه كتابًا حتى يقضي للمدعي بالعقار بحضرة المدعى عليه، وإن شاء حكم به للمدعي وسجل له، ولكن لا يسلم العقار إليه على نحو ما بينا فيما إذا كان العقار في البلد الذي فيه المدعي.
فإذا أراد القاضي أن يكتب في العبد الآبق عند أبي يوسف رحمه الله كيف يكتب؟ صورته:
إذا كان لرجل بخاري عبد أبق إلى سمرقند فأخذه رجل سمرقنديٌ فأخبر به المولى، وليس للمولى شهود بسمرقند إنما شهوده ببخارى، فطلب المولى من قاض ببخارى أن يكتب بما شهد الشهود عنده، فالقاضي يجيبه إلى ذلك ويكتب له كتابًا إلى قاضي سمرقند على نحو ما بينا في الديون غير أنه يكتب: شهد عندي فلان وفلان وفلان، أن العبد السندي الذي يقال له فلان حليته كذا وقامته كذا ملك فلان المدعي هذا، وقد أبق إلى سمرقند واليوم في يد فلان بسمرقند بغير حق وشهد على كتابه شاهدان إلى (.
...) إلى سمرقند، ويعلمهما ما في الكتاب حتى يشهدا عند قاضي سمرقند بالكتاب، وبما فيه فإذا انتهى هذا الكتاب إلى قاضي سمرقند يحضر العبد مع الذي في يديه حتى يشهدا عند قاضي سمرقند بالكتاب وبما فيه حتى تقبل شهادتهما بالإجماع.
فإذا قبل القاضي شهادتهما، وثبتت عدالتهما عنده فتح الكتاب، فإن وجد حلية العبد المذكور فيه مخالفًا لما شهد به الشهود عند القاضي الكاتب رد هذا الكتاب إذ ظهر أن هذا العبد غير المشهود به في الكتاب، وإن كان موافقًا قُبِل الكتاب ودفع العبد إلى المدعي من غير أن يقضي له بالعبد، لأن الشهود لم يشهدوا بحضرة العبد ويأخذ كفيلًا من المدعي بنفس العبد، ويجعل في عنق العبد خاتمًا من رصاص حتى لا يتعرض له أحد في الطريق، أنه سرق ويكتب كتابًا إلى قاضي بخارى بذلك ويشهد شاهدين على كتابه وختمه وعلى ما في الكتاب، فإذا وصل الكتاب إلى قاضي بخارى، وشهد الشهود أن هذا الكتاب كتاب قاضي سمرقند وخاتمه، أمر المدعي أن يحضر شهوده الذين شهدوا عنده أول مرة فيشهدون بحضرة العبد أنه ملك هذا المدعي.
فإذا شهدوا بذلك ماذا يصنع قاضي بخارى؟، اختلفت الروايات عن أبي يوسف ذكر في بعض الروايات أن قاضي بخارى لا يقضي للمدعي بالعبد؛ لأن الخصم غائب ولكن يكتب كتابًا آخر إلى قاضي سمرقند، ويكتب فيه ما جرى عنده، ويشهد شاهدين على كتابه وختمه وما فيه ويبعث بالعبد معه إلى سمرقند حتى يقضي له قاضي سمرقند، وشهد الشاهدان عنده بالكتاب والختم وبما في الكتاب وظهرت عدالة الشاهدين، قضى للمدعي بالعبد بحضرة المدعى عليه وأبرأ كفيل المدعي.
وقال في رواية أخرى: إن قاضي بخارى يقضي بالعبد للمدعي ويكتب إلى قاضي سمرقند حتى يبرئ كفيل المدعي، وعلى الرواية التي جوّز أبو يوسف كتاب القاضي في (الأمالي) وصورته ما ذكرنا في العبد غير أن المدعي إذا لم يكن ثقة مأمونًا، فالقاضي المكتوب إليه لا يدفعها إليه ولكن يأمر المدعي حتى يجيء برجل ثقة مأمون، فالقاضي المكتوب إليه بدينه وعقله يبعث بها معه؛ لأن الاحتياط في باب الجرح واجب، وإذا مات القاضي الكاتب قبل أن يصل الكتاب إلى المكتوب إليه، فالمكتوب إليه لا يعمل بهذا الكتاب عندنا.
وقال أبو يوسف في (الأمالي): يعمل وهو قول الشافعي، ووجهه: أن كتاب القاضي إلى القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة، لأنه بكتابه ينقل شهادة الشاهدين الذين شهدوا عنده بالحق إلى القاضي المكتوب إليه، والنقل قد تم بالكتابة فكان بمنزلة شهود الفرع إذا ماتوا بعد أداء الشهادة قبل القضاء، وإنه لا يمنع القضاء.
ولنا: أن القاضي الكاتب وإن كان نقل أداء شهادة الذين شهدوا عنده إلا أن لهذا النقل حكم القضاء، ألا ترى أنه لا يصح هذا النقل إلا من القاضي، ولم يشترط فيه العدد ولفظه: الشهادة، ووجب على القاضي الكاتب هذا النقل بسماع البينة، وما يجب على القاضي بسماع البينة قضاء، فدل أن لهذا النقل حكم القضاء ولم يتم بعد؛ لأن تمامه بوجوب القضاء على المكتوب إليه، ولا يجب القضاء على المكتوب إليه قبل وصول الكتاب إليه وقبل قراءته فلم يكن النقل تامًا، فيبطل بموت القاضي كما في سائر الأقضية إذا مات القاضي قبل إتمامها بخلاف شهود الفرع، إذا ماتوا بعد الشهادة قبل القضاء؛ لأن ما يتوقع من جهتهما أداء موجب للقضاء وقد تم، أما المتوقع من جهة القاضي الكاتب نقل موجب القضاء ولم يتم بعد، ولأن مسألة الكتاب من مسألة الشهادة، إذا قال الشاهد: أشهد ومات قبل تمام الأداء وهناك تبطل الشهادة أيضًا، ولو قبل مع هذا وقضي به ثم رفع إلى قاض آخر أمضاه؛ لأن قضاءه صادف محل الاجتهاد.
وكذلك الجواب فيما إذا مات بعد وصول الكتاب إليه قبل القراءة، لأن وجوب القضاء على المكتوب إليه إنما يكون عند القراءة فقبل القراءة لم يكن النقل تامًا، فيبطل بالموت.
وأما إذا مات بعد وصول الكتاب والقراءة، فإن المكتوب إليه يعمل به هكذا ذكر في (ظاهر الرواية)، وذكر في اختلاف زفر ويعقوب عن أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يقضي، والصحيح ما ذكر في (ظاهر الرواية)؛ لأن المتوقع من قبل القاضي الكاتب نقل الشهادة، وقد تم النقل منه فموته بعد ذلك لا يضر، والمتوقع من قبل المكتوب إليه القضاء وإنه حي، فأمكن القول بوجوب القضاء عليه إذا مات القاضي الكاتب. فإن عزل الكاتب فالجواب فيه كالجواب فيما إذا مات إذ المعنى لا يوجب الفصل.
وأما إذا مات المكتوب إليه أو عزل واستعمل مكانه قاضٍ آخر، فوصل الكتاب إلى الذي استعمل، هل يعمل به؟ ينظر إن كان في الكتاب وإلى كل من يصل إليه، من قضاة المسلمين يعمل به، وإن كان بخلافه لا يعمل به عندنا خلافًا للشافعي رحمه الله، والصحيح قولنا؛ لأن القاضي الكاتب اعتمد على علم الأول وأمانته، والقضاة يتفاوتون في أداء الأمانات؛ لأنهم غير معصومين عن الخيانة، فصاروا كالأمناء في الأموال، وثمة التعيين صحيح، فكذا هاهنا. وإذا صح التعيين ظهر أن الثاني غير المكتوب إليه وغير المكتوب إليه، لا يملك القضاء بالكتاب، بخلاف ما إذا كان في الكتاب، وإلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين؛ لأن هناك اعتمد على علم الكل وأمانتهم فكان الكل مكتوبًا إليهم، أما هاهنا بخلافه.
وقال في كتاب الحوالة: وإذا جاء الرجل بكتاب القاضي إلى قاضٍ آخر، فلم يجد خصمه ثمة، فسأل الطالب القاضي المكتوب إليه أن يكتب له إلى قاض آخر بما أتاه من القاضي الأول فعل إذا ثبت عنده ذلك، وشرط الثبوت ما ذكرنا؛ وهذا لأن شهادة الشهود الذين شهدوا عند القاضي الكاتب صار منقولًا إلى المكتوب إليه حكمًا، فيعتبر بما لو شهدوا عنده حقيقة ولو شهدوا عنده حقيقة وطلب المدعي من القاضي أن يكتب له كتابًا إلى قاضي البلد الذي خصمه هناك، أليس أنه يكتب له كتابًا؟ كذا هنا، إلا أن القاضي المكتوب إليه إنما يكتب بقدر ما ثبت عنده، والثابت عنده كتاب القاضي الأول بالحق على الغائب لا نفس الحق، فيكتب ويفسخ كتاب القاضي الأول؛ لأنه هو أصل الحجة وإن شاء حكاه ذلك في كتابه، وكذلك إن كان المدعي، قال للقاضي الأول: إني لا آخذ من الشهود من يصحبني إلى بلد الخصم فاكتب إلى قاضي بلد كذا، فكتب ذلك القاضي إلى قاضي بلد الخصم، أجابه القاضي إلى ذلك، فإن الإنسان عسى يصير مبتلى بهذه فربما لا يجد من بلد الكاتب، فلعله يذهب إلى بلد الخصم، ويجد قافلة من بلدة أخرى يذهب إلى بلد الخصم، ومن هذه البلدة إلى تلك البلدة، وكذلك على هذا لو عرض الشهود الذين على الكتاب فأشهدوا على شهادتهم جاز ذلك.
وإذا شهد الفروع على شهادة الأصول على الكتاب بما ذكرنا من الشرائط عند المكتوب إليه فإنه يقبله؛ لأن الشهادة على الشهادة حجة في إثبات الحقوق التي تثبت مع الشبهات، فجاز أن يثبت بالشهادة على الشهادة، فيثبت بشهادة الفروع شهادة الأصول، ويثبت بشهادة الأصول كتاب القاضي إليه، فلو كان المدعي قال للقاضي الأول: اكتب لي إلى قاضي مرو أو إلى قاضي نيسابور حتى أذهب إلى مرو، فإن وجدت خصمي ثمة وإلا ذهبت إلى قاضي نيسابور، فعلى قول أبي يوسف رحمه الله: القاضي يجيبه (إلى) ذلك؛ لأنه توسع في هذا الباب حتى جوّز الكتاب إلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين للحاجة، والجهالة فيه أعظم، فإن كان يجوز ثمة فهاهنا أولى، وعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لا يكتب على هذا الوجه؛ لأن جهالة المكتوب إليه عندهما مانعة صحة الكتاب.
ولو كان كتب إلى قاضي مرو فوجد الطالب خصمه هناك وأقام البينة على الكتاب بشرائطه عند قاضي مرو بحضرة المطلوب ثم هرب المطلوب قبل أن تظهر عدالة الشهود، وذهب إلى سرخس، ثم ظهرت عدالة الشهود، قال أبو يوسف رحمه الله: ليس للقاضي المكتوب إليه أن يكتب إلى قاضي سرخس.
وقال محمد رحمه الله: له ذلك، وهذه المسألة فرع مسألة ذكرها محمد رحمه الله في (الزيادات)، وهو أن الرجل إذا ادعى على آخر مالًا، وأقام البينة بمحضر من المطلوب وجحوده، ثم هرب المطلوب ليس للقاضي أن يقضي بتلك البينة عند محمد رحمه الله؛ لأن القضاء لإلزام الحق، وليس للقاضي ولاية على الغائب فلا يصح الإلزام عليه بالقضاء؛ ولأنه لم يظهر عجزه عن الطعن بسبب الغيبة، فلعله ذهب ليأتي بالدفع فلا يجوز القضاء.
وقال أبو يوسف رحمه الله: له أن يقضي عليه بتلك البينة؛ لأن حضرة الخصم لأجل سماع البينة عليه، إنما شرطت للجحود الذي هو شرط سماع البينة وليصير الحال معلومًا للمدعى عليه، حتى لو كان له دفع يأتي به وقد جحد ولم يأت يدفع حتى هرب، فدل على عجزه عن الدفع، فكان للقاضي أن يقضي عليه وقياسه على ما لو أقر المدعى عليه ثم غاب، وهناك القاضي يقضي عليه بإقراره كذا هنا.
ومحمد رحمه الله فرق بين الإقرار وبين البينة، والفرق أن الإقرار يوجب الحق بنفسه من غير اتصال القضاء به، فلم يكن في القضاء حال غيية الخصم إلزام الحكم على الغائب، فأما الشهادة لا توجب الحق بنفسها قبل اتصال القضاء بها، فلو قضى بها حال غيبة الخصم كان فيه إلزام الحكم على الغائب، وإنه لا يجوز ولاية لو جاز القضاء بالبينة مع غيبة الخصم يفسد عليه الطعن مع البينة، فلا يقضى حتى لا يفوت حقه في الدفع والطعن بخلاف الإقرار، فإنه لاحق له في الطعن، فلهذا اختار، والظاهر من قول أبي حنيفة أنه مع محمد رحمهما الله، وإذا كان له أن يقضي مع غيبة المطلوب عند أبي يوسف رحمه الله لا حاجة إلى الكتاب فلا يكتب.
وعند محمد رحمه الله لما لم يكن له أن يقضي، وقد ظهر عنده وثبت كتاب القاضي وما فيه كان له أن يكتب إلى غيره إحياء لحق المدعي، فإن رجع الطالب إلى القاضي الكاتب الأول وقال: اكتب لي إلى قاضي بلدة أخرى؛ لأني لم أجد خصمي في تلك البلدة، فإنه لا يكتب له في ذلك حتى يرد عليه ذلك الكتاب؛ لأنه مبهم فيما يقول إذ يجوز أنه وجد خصمه واستوفى حقه، فلما ارتحل خصمه إلى بلدة أخرى أراد أن يحتال بهذه الحيلة ليأخذ منه ثانيًا، فيحتاط القاضي ولا يكتب حتى يرد عليه ذلك الكتاب، فإذا رد الآن يكتب، فالإنسان قد يصير مبتلى بهذا بأن يرتحل خصمه من بلدة المكتوب إليه إلى بلدة أخرى، وما ذكرنا من الاحتمال قد زال برد الكتاب؛ لأن القاضي المكتوب إليه لو أخذ المدعى عليه بحق المدعي لا يترك المدعي حتى يذهب بالكتاب، فيكتب ثانيًا إحياء لحق المدعي.
ولو أن القاضي الكاتب أراد أن يكتب له ثانيًا قبل رد ذلك الكتاب عليه مع أنه ليس (ينبغي) ذلك ينبغي أن يبين في الكتاب، أنه قد كتب له مرة إلى قاضي بلدة كذا بهذه النسخة ليزول به الالتباس، وكذلك لو أن الطالب قال: قد ضاع مني الكتاب وطلب من القاضي أن يكتب له ثانيًا، يكتب لما قلنا وبين في الكتاب أنه قد كتب له بهذه النسخة مرة وإنه زعم أنه ضاع حتى يزول به الالتباس.
قال في (أدب القاضي): وإذا كتب كتابًا بحق لرجل، فلم يخرج الكتاب من يده حتى حضر الخصم الذي أخذ الكتاب عليه، فقدمه إليه فإنه لا ينبغي للقاضي أن يقضي عليه بذلك حتى يعيد المدعي البينة على ذلك بحضرته؛ لأنه إنما سمع تلك البينة للنقل لا للقضاء، فصار بمنزلة شاهد الفرع إذا تحمل الشهادة عن الأصل ثم استقضى لم يكن له أن يقضي بشهادة الأصل حتى يشهدوا عنده ثانيًا على الحق؛ لأنه إنما سمع منهم تلك الشهادة ليتحمل شهادته عليها لا ليقضي بها، فلم يجز له أن يقضي بها، وهذا لأن البينة للقضاء شرط صحتها حضرة الخصم وتقدير جحوده ولم يوجد فلا يجوز القضاء بها.
وإن كتب القاضي إلى الأمير الذي استعمله أي قلده، وهو معه في المصر: أصلح الله الأمير وقص القصة والشهادة وبعث بالكتاب معه ثقة يعرفه الأمير، فإن أمضاه الأمير فهو جائز، وإن لم يكن معنونًا ولا مختومًا، ولا شهد عليه الشهود أنه كتاب القاضي وختمه وهذا استحسان.
والقياس أن لا يجوز إذا لم يكن عليه عنوان باسم القاضي، واسم الأمير واسم آبائهما وأجدادهما، ولا يكون مختومًا ولا شهد عليه شاهدان؛ لأن الكتاب إذا لم يكن مختومًا لا يؤمن فيه الزيادة والنقصان والتغيير والتبديل؛ ولأنه بدون الشهادة والعنوان لا يثبت أنه كتاب القاضي إليه فوجب أن لا يقبل كما إذا كان الأمير في مصر آخر وكما في كتاب القاضي إلى القاضي.
وجه الاستحسان: أن كتاب القاضي إلى الأمير في المصر ينكر؛ لأنه يستعين به في كل ما يعجز بنفسه، فلو شرطنا هذه الشرائط أدى (إلى) حرج بخلاف ما إذا كانا في مصرين؛ ولأنه قل ما يتجاسر أحد على التغيير في الكتاب إلى الأمير إذا كانا في مصر واحد؛ لأنهما يلتقيان عن قريب، فيتذاكران ما نقل أحدهما إلى الآخر فيقفان على التغيير لو حصل فلا يتجاسر أحد على ذلك، بخلاف ما إذا كان في مصر آخر؛ لأنه لا يقف على التغيير فيبالغ في الاحتياط.
قال في (الأصل): ولا يُقبل كتاب برستاق أو قرية ولا كتاب عاملها، وإنما يقبل كتاب قاضي مدينة فيها منبر وجماعة. وهذا على (ظاهر الرواية)؛ لأن على (ظاهر الرواية): المصر شرط لنفاذ القضاء، ولكتاب القاضي حكم القضاء، أما على الرواية التي لم يشترط المصر فيها لنفاذ القضاء يقبل كتاب الرستاق وقاضي القرية.
ولو أن رجلًا في يديه أمة أقام الآخر البينة أنها له، وقضى القاضي له فقال الذي في يديه: إني اشتريتها من فلان وهو في بلد كذا وقد دفعت الثمن إليه فاسمع شهودي واكتب لي، فإنه يكتب له في ذلك بما يصح عنده، لأنه يريد الرجوع بالثمن وإنه دين، فصار بمنزلة سائر الديون، فيكتب فيه القاضي كما في سائر الديون.
ولو أن جارية في يدي رجل ادعت أنها حرة الأصل بعد ما أقرت بالرق وأقامت البينة قضى القاضي بحريتها؛ إما لأن التناقض لا يمنع صحة الدعوى في الحرية؛ لأنها لا تحتمل الفسخ؛ أو لأن دعوى الأمة ليست بشرط لسماع البينة على حريتها. فإن أقام الذي في يديه البينة على أنه اشتراها من فلان الغائب بكذا ونقده الثمن، وطلب من القاضي الكتاب يجيبه إلى ذلك؛ لأنه يريد الرجوع بالثمن وإنه دين. ولو أنها لم تقم البينة على حريتها ولكن ادعت الحرية وأنكرت إقرارها بالرق، ولم يكن لذي اليد بينة على إقرارها بالرق جعلها القاضي حرة؛ لأنها في يد نفسها، والقول قولها بغير يمين عند أبي حنيفة خلافًا لهما، فإنهما يجعلان عليها اليمين.
فإن قال ذو اليد: إني اشتريتها من فلان ونقدته الثمن فاسمع من شهودي لأرجع عليه بالثمن لا يجيبه إلى ذلك بخلاف المسألة الأولى. والفرق أن في هذه المسألة القاضي ما قضى بحريتها بل تركها على ما كانت، وقد كانت على الحرية بحكم ظاهر الدار؛ لأن الدار دار الإسلام، ومن كانت في دار الإسلام فالظاهر أنها حرة، لكن لم يكن يحكم بحريتها قبل دعواها؛ لأن سكوتها مخالف لذلك الظاهر، فإذا ادعت الحرية فقد تقرر حكم ذلك الظاهر فتركها القاضي على ما أوجبه الظاهر، لا أن الحرية وجبت بقضائه، وإذا لم يكن هذا قضاء بالحرية لم تظهر الحرية في حق البائع، فلا يكون للمشتري حق الرجوع على البائع أما في المسألة الأولى القاضي قضى بالحرية وأوجبها بالبينة، وإنه قضاء على الناس كافة، فتظهر الحرية في حق البائع فيستحق لهما الرجوع على البائع.
وكذلك إذا ادعت حرية الأصل بعدما أقرت بالرق وصدقها صاحب اليد لا يرجع المشتري بالثمن على البائع؛ لأن الحرية إنما ظهرت بإقرار صاحب اليد، وإقراره لا يكون حجة على البائع، وكذلك إذا أنكرت الرق ابتداء، وادعت حرية الأصل حتى كان القول قولها لا يكون للمشتري أن يرجع بالثمن على البائع، فإن أراد المشتري أن يحلف البائع في هذين الفصلين ما يعلم أنها حرة الأصل يريد به الرجوع بالثمن على البائع فله ذلك؛ لأنه يدعي عليه معنى لو أقر به يلزمه، فإذا أنكر يستحلف فإن حلف لا شيء عليه، وإن نكل فقد أقر بما ادعاه المشتري فيلزمه رد جميع الثمن.
فإن قيل: كيف يحلف البائع هاهنا، وإن التحليف يترتب على دعوى صحيحة ودعوى الحرية من المشتري لم تصح لمكان التناقض، فإن الإقدام على الشراء إقرار بالرق عليها قلنا: لا بل دعوى الحرية من المشتري صحيحة مع تناقضها لما عرف أن التناقض لا تمنع صحة دعوى الحرية، فلو أن المشتري في هذين الفصلين لم يطلب تحليف البائع ولكنه أراد أن يقيم البينة على حريتها يريد به الرجوع بالثمن على البائع، سمعت بينته.
فرق بين هذا وبينما إذا ادعى رجل عينًا في يدي رجل وأقر صاحب اليد بالعين له لا يكون لصاحب اليد أن يرجع على بائعه بالثمن، فلو قال صاحب اليد: أنا أقيم البينة على أنه ملك المدعي يريد به الرجوع على البائع لا تسمع بينته، والفرق من وجهين:
أحدهما: أن في فصل الاستحقاق بينة المشتري قامت على إثبات ما هو ثابت؛ لأنها قامت على إثبات الملك للمستحق والملك للمستحق ثابت بإقرار المشتري، أما في فصل الحرية بينة المشتري قامت على إثبات ما ليس بثابت؛ لأن المشتري بينته تثبت أن البائع غاصب للثمن، لأن الحرة لا تدخل تحت العقد أصلًا وبدلها لا يصير ملكًا للبائع، فهو بهذه البينة يثبت أن البائع قبض مال المشتري بغير حق، وهذا هو تفسير الغصب والغصب لم يكن ثابتًا. أما المشتري في فصل الاستحقاق لا يثبت غصب البائع الثمن؛ لأنه لا يثبت أن ما أخذه البائع أخذه بغير حق؛ لأن بدل المستحق مملوك ولكن يثبت الملك للمستحق في المحل ليثبت لنفسه حق فسخ العقد، وفيما يرجع إلى الملك البينة قامت على إثبات ما هو ثابت.
الفرق الثاني: أن في الفصلين جميعًا المشتري متناقض إلا أن التناقض لا يمنع دعوى الحرية ويمنع دعوى الملك.
ولو أن رجلًا أورد على قاض كتابًا من قاض على رجل بحق فوافى البلد وقد مات المطلوب، فأحضر الطالب ورثة المطلوب أو وصيه وجاء بالكتاب إلى القاضي وأحضر شهوده على الكتاب بمحضر من الوارث أو القاضي، فالقاضي يقبل الكتاب ويسمع من شهوده على الكتاب بمحضر من الوارث أو الوصي وينفذ ذلك، سواء كان تاريخ الكتاب بعد موت المطلوب أو قبله؛ لأن الوارث خليفة المورث والوصي نائب عن الميت، فيكون قائمًا مقام الميت. ألا ترى أن الطالب لو أقام بينة بالحق على الميت كان الوارث والوصي هو الخصم كذا هنا.
وإذا ورد على قاض كتاب قاض آخر بشيء لا يراه هذا القاضي وهو مما اختلف فيه الفقهاء، فإنه لا ينفذه؛ لأن كتاب القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة، ثم شهود الفرع إذا شهدوا بحق عند القاضي وهو لا يرى ثبوت ذلك الحق وهو مما اختلف فيه العلماء فإنه ينفذه ويمضيه. والفرق وهو أن السجل لا يكون إلا بعد القضاء، والقضاء صادف محلًا مجتهدًا فيه، فينفذ فلا يكون لأحد بعد ذلك إبطاله، فأما الكتاب يكون قبل القضاء، فكان للقاضي الذي ورد عليه الكتاب أن يتبع رأي نفسه.
وإلى هذا الفرق أشار الخصاف رحمه الله في (أدب القاضي)، فقال: لأن كتاب القاضي ليس بقضية، إنما هو بمنزلة الشهادة ولئن سلمنا أن كتاب القاضي قضاء إلا أنه ليس بقضاء من كل وجه بل هو قضاء من وجه دون وجه، فمن حيث إنه قضاء إن كان يجب على الثاني العمل به، فمن حيث إنه ليس بقضاء لا يجب فلا يجب العمل به على الثاني بالشك.
ولو أن رجلًا أورد على قاضٍ كتابًا من قاض بحق على رجل، وكان في الكتاب اسم المدعى عليه ونسبه وصناعته وفخذه، وفي تلك الصناعة أو في تلك الفخذ اثنان على ذلك الاسم والنسب لم يقبل القاضي الكتاب حتى يقيم البينة على المطلوب أنه هو الذي كتب فيه الكتاب؛ لأن التعريف لا يقع بهذا إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر، وإن لم يكن في تلك القبيلة أو الصناعة اثنان على ذلك الاسم أنفذ القاضي الحكم عليه؛ لأنه وقع التعريف بهذا.
فإن قال: المطلوب في هذا الفخذ، أو في هذه التجارة رجل على هذا الاسم والنسب، فهذا على وجهين:
إن قال: أنا أقيم البينة أن في هذا الفخذ أو في هذه التجارة رجل على هذا الاسم والنسب تقبل هذه الشهادة وتندفع الخصومة؛ لأنه إذا كان فيه رجل آخر بهذا الاسم في الحال لا يتعين هو المطلوب.
وإن قال أنا أقيم البينة أنه كان في هذا الفخذ أو في هذه التجارة رجل على هذا الاسم والنسب وأنه مات لم أقبل ذلك منه إلا أن يكون موت فلان بعد تاريخ الكتاب وشهادة الشهود بالحق في كتاب القاضي الآن، وتندفع الخصومة؛ لأنه إذا كان فلان مات قبل تاريخ الكتاب تعين الباقي مطلوبًا، وإذا مات فلان بعد تاريخ الكتاب لم يتعين فيبقى الاشتباه.
وإن قال الخصم: أنا فلان بن فلان الفلاني وليس لهذا علي شيء لم أقبل ذلك منه ولم يكن في هذا حجة له؛ لأنه أقر أن المكتوب في الكتاب هو، فلا يكون جحوده الحق حجة له.
ولو قال: لي حجة، أني دفعت المال إليه أو أبرأني، وإني مخرج قبل القاضي منه، لأنه يدعي المخرج منه وإسقاط الحق فتقبل حجته على ذلك.
وإن قال الخصم لست بفلان بن فلان الفلاني والقاضي المكتوب إليه لا يعرفه، فعلى الرجل الذي يأتي بالكتاب أن يقيم البينة أنه فلان بن فلان بعينه؛ لأن القاضي لم يعرف المطلوب، فيحتاج المدعي إلى إقامة البينة على أنه بعينه حتى يتمكن القاضي من القضاء عليه، وإن كان الكتاب على ميت أحضر القاضي بعض ورثته وسمع من الشهود وقبل الكتاب؛ لأن بعض الورثة ينتصب خصمًا فيما يدعى على الميت.
ولو أن هذا القاضي لم يأته بالكتاب من القاضي لكنه أتاه برسالة من القاضي مع رجل بمثل ما يكون في الكتاب، وأشهد على ذلك، لم يقبل القاضي هذه الرسالة. وفرق بين الرسالة والكتاب، والفرق من وجهين.
أحدهما: أن القياس يأبى الرسالة كما يأبى الكتاب لبعض ما ذكرنا من المعاني في الكتاب، لكن عرفنا جواز الكتاب بالأثر وبإجماع التابعين ولا أثر ولا إجماع في الرسالة فيعمل فيها بالقياس.
الفرق الثاني: أن الكتاب من القاضي الكاتب جعل كالخطاب بنفسه للقاضي المكتوب إليه، والكتاب وجد من موضع القضاء، فكان الخطاب موجودًا من موضع القضاء فيكون حجة، أما في الرسالة، الرسول ينقل خطاب المرسل في هذا الموضع، والمرسل في هذا الموضع ليس بقاض، وقول القاضي في غير موضع قضائه كقول واحد من الرعايا.
ونظير هذا ما روي عن محمد في مصر فيه قاضيان في كل جانب منه قاض على حدة، فيكتب أحدهما إلى الآخر كتابًا قبل المكتوب إليه. ولو أتى أحدهما إلى صاحبه وأخبره بالحادثة بنفسه لم يقبل قوله؛ لأن في الوجه الأول الكاتب خاطبه من موضع القضاء وفي هذا الوجه الأول خاطبه من غير موضع القضاء.
وكذلك لو أن قاضيين التقيا في عمل أحدهما أو في مصر ليس من عملهما، فقال أحدهما للآخر: قد ثبت عندي لفلان بن فلان بن فلان الفلاني كذا كذا، فاعمل بذلك بما يحق لله تعالى عليك، لم يقبل ذلك منه ولم ينفذه؛ لأن في الوجه الأول: الخطاب أو السماع وجد في موضع لا ينفذ قضاؤه فيه، فصار كخطاب غير القاضي أو كسماعه وهو غير قاض، فلا يجوز أن يعتمد في القضاء به. وفي الوجه الثاني: الخطاب والسماع وجدا في موضع لا ينفذ قضاؤه فيه، فكان كخطاب غير القاضي لغير القاضي بخلاف كتاب القاضي إلى القاضي؛ لأن خطاب الكاتب وجد في موضع ينفذ قضاؤه فيه، وسماع المكتوب إليه وجد أيضًا في موضع ينفذ قضاؤه فيه.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد رحمه الله: رجل له على رجل غائب مال مؤجل، سأل من القاضي أن يكتب له بذلك كتابًا، فإنه يجيبه إلى ذلك ويكتب له، ويذكر فيه الأجل على ما شهد به الشهود؛ وهذا لأن الطالب يحتاج إلى إثبات المال المؤجل كما يحتاج إلى إثبات المال الحال؛ لأن الدين كما يكون حالًا يكون مؤجلًا، ولو انتظر محل الأجل عسى يغيب شهوده فيتعذر إليه الوصول إلى حقه، فقلنا بأنه يكتب إحياء لحقه، ولكن ينبغي أن يذكر الأجل في الكتاب كما شهد به الشهود حتى لا يطالبه قبل محل الأجل، فمطلق الدين يتصرف إلى الحال التي يثبت فيه التأجيل.
قال: وإذا ادعى المطلوب أن الطالب قد أبرأني عن كل قليل وكثير، وقال: قضيت الدين الذي له علي وأقام على ذلك بينة، وقال للقاضي: إني أريد أن أقدم البلدة التي فيها الطالب وأخاف أن يأخذني بالمال ويجحد الإبراء والاستيفاء وشهودي هاهنا فاسمع من شهودي واكتب لي إلى ذلك القاضي، فإنه لا يسمع من شهوده ولا يكتب له في ذلك على قول أبي يوسف، وقال محمد رحمه الله: يكتب، وأجمعوا على أنه لو قال: جحدني الاستيفاء مرة وخاصمني مرة، فأنا أخاف أن يخاصمني مرة أخرى، فاسمع من شهودي واكتب لي إلى قاضي ذلك البلد إنه يكتب، فوجه قول محمد: أن جواز كتاب القاضي إلى القاضي باعتبار الحاجة، والحاجة هنا ثابتة، فإنه لو حضر تلك البلدة ربما يأخذه الطالب بالمال، وليس له ثمة شهود على الإبراء، فيحتاج إلى العود إلى بلد الشهود وإقامة الشهود عند القاضي، وأخذ الكتاب منه وفيه من الحرج ما لا يخفى على أحد.
وأبو يوسف رحمه الله يقول: قبول البينة يعتمد جحودًا حقيقة أو جحودًا مخبرًا به ولم يوجد كلاهما بخلاف ما إذا قال: جحدني الاستيفاء مرة أخرى؛ لأن الجحود صار مخبرًا به إن لم يوجد حقيقة.
فالحاصل: أن حقيقة الجحود من الحاضر يشترط لسماع البينة عليه ليقضي عليه، ومن الغائب يشترط خبر الجحود ليسمع البينة عليه ويكتب؛ ولأن القاضي نصب لفصل الخصومات لا لتهييجها، وفي هذا تهييج الخصومة؛ لأن الخصومة ما توجهت بعد، فلهذا لا يجيبه إليه، ألا ترى أن الطالب لو كان حاضرًا وقدمه المطلوب إلى القاضي وادعى عليه الإبراء أو الاستيفاء وطلب من القاضي أن يسأله عن ذلك حتى لو أنكر أقام عليه البينة، فإنه لا يجيبه إلى ذلك، فلما لم يسمع منه ذلك حال حضرته، فحال غيبته أولى.
بخلاف ما لو قال: خاصمني مرة؛ لأن هناك الخصومة قد هاجت، فكانت الكتابة لفصلها وقوانين مسألة الاستشهاد، وبينما إذا أحضرت المرأة زوجها إلى القاضي، وقالت: إنه طلقني ثلاثًا وانقضت عدتي وتزوجت بزوج وإني أخاف أن ينكر الطلاق بعد ذلك، فاسأله حتى إذا أنكر أقمت عليه البينة فإن القاضي يسأله، والفرق ظاهر وهو أن القياس فيهما واحد وهو ما ذكرنا، إلا أنا تركناه ثمة احتياطًا؛ لأن الباب باب الفرج، والاحتياط في باب الفرج واجب.
ومن جنس مسألة دعوى الإبراء على الغائب مسألتان أخراوان:
إحداهما: مسألة الشفعة. وصورتها: رجل قال للقاضي: إني اشتريت دارًا وفلان الغائب شفيعها وقد سلم الشفعة، وأجازني إذا ذهبت ثم يأخذني بالشفعة وينكر التسليم ويطلب منه أن يسمع البينة على التسليم ويكتب بذلك فهو على الخلاف الذي قلنا.
الثانية: مسألة الطلاق. وصورتها: امرأة قالت للقاضي: طلقني زوجي ثلاثًا وهو في بلد كذا اليوم، وأنا أريد أن أذهب إلى تلك البلدة وأخاف أن زوجي ينكر طلاقي فاسمع من شهودي، واكتب إلى قاضي تلك البلدة، فالقاضي هل يجيبها؟ فهو على الخلاف الذي ذكرنا.
فإن كان هذا الذي حضر القاضي أخبره عن الجحود والخصومة مرة سمع بينته وكتب له بذلك بلا خلاف. ولو كان الطالب أبرأ المطلوب عند القاضي أو كان الشفيع سلم الشفعة عند القاضي أو كان الزوج طلق المرأة عند القاضي، فالقاضي يكتب ما سمع منهم وهذا على أصل محمد رحمه الله ظاهر؛ لأن العلم الحاصل بالمعاينة فوق العلم الحاصل بالبينة، فلما كان القاضي يكتب ثمة فهاهنا أولى. قالوا: وعلى قياس قول أبي يوسف رحمه الله ينبغي أن لا يكتب لما مر.
وإذا أراد القاضي أن يكتب بعلمه فاعلم بأن كتاب القاضي بعلمه بمنزلة قضائه بعلمه؛ لأن كتاب القاضي له حكم القضاء من وجه، ففي كل موضع جاز له أن يقضي بعلمه جاز له أن يكتب بعلمه، وقد ذكرنا فصل القضاء بالعلم قبل هذا ما فيه اتفاق وما فيه خلاف، فهذا بناء على ذلك.
إلا أن في فصل الكتابة اختلف المشايخ على قول أبي حنيفة في صورة، وهو ما إذا علم بالحادثة قبل أن يستقضي ثم استقضى بعضهم، قالوا: لا يكتب بذلك العلم، كما لا يقضي بذلك العلم، وبعضهم قالوا: يكتب. وفرق هذا القائل على قول أبي حنيفة بين الكتابة والقضاء، والفرق أن جواز القضاء ينبني على علم القضاء، والعلم الحاصل قبل الاستقضاء علم شهادة لا علم قضاء، أما جواز كتاب القاضي لا ينبني على علم القضاء بل يكتفى به بعلم الشهادة، ألا ترى أنه لو شهد عند القاضي شاهدان وكتب ثم حضر المكتوب عليه ليس له أن يقضي بذلك العلم، وقد جاز له الكتابة به، علم أن جواز الكتابة لا ينبني على علم القضاء.
قال محمد رحمه الله في كتاب الوكالة: رجل وكل رجلًا بالخصومة في دار في غير مصره بقبضها أو بإجارتها، وأراد كتاب القاضي فالقاضي يكتب له في ذلك؛ لأن الوكالة تثبت مع الشبهات فتثبت بكتاب القاضي إلى القاضي، فبعد ذلك إن كان القاضي عرف الموكل أثبت معرفته، وإن لم يعرف يكتب وقد سألته البينة على أنه فلان بن فلان على نحو ما بينا ثم يكتب وقد وكل فلان بن فلان يذكر اسم الوكيل ونسبه على ما قد بينا من رسم الكتابة، فإن كان وكله بقبض الدار يكتب وكله بقبض داره التي بالكوفة في بني فلان، وإذا كان وكله بالخصومة فيها يكتب وكله بالخصومة في داره التي بالكوفة، فالحاصل أنه ينبغي للقاضي أن يذكر في الكتاب ما يوكله به؛ لأنه هو المقصود، ثم إن كان الوكيل حاضرًا أجاز زيادة في التعريف، وإن ترك لم يضره، وإن كان غائبًا بالكوفة يكتب وكل رجلًا، ذكر أنه فلان بن فلان بن فلان الفلاني، فهذا إشارة إلى أن توكيل الغائب صحيح، وهو المذهب لعلمائنا إلا أنه لا يلزم الوكيل قبل قبوله دفعًا للضرر عنه، كما في توكيل الخاص.
ثم إذا وصل الكتاب إلى المكتوب إليه، فالقاضي يحضر الذي في يديه الدار ويسأل البينة على الكتاب والحاكم بحضرته ويفتح الكتاب بعدما قامت البينة عليه ويقرؤه على الشهود حتى يشهدوا على ما فيه، وبعدما زكوا سأل الوكيل البينة أنه فلان بن فلان، فإن أقامها سأل الذي في يديه الدار عن الدار فإن أقربها للموكل أمر بدفعها إليه، وإن سأل الوكيل البينة أنه فلان بن فلان بن فلان قبل أن يسأل البينة على الكتاب فحسن وهذا على قول محمد رحمه الله.
أما على قول أبي حنيفة رحمه الله: ينبغي أن يسأل الوكيل أنه فلان بن فلان بن فلان الفلاني، ثم يسأل البينة على الكتاب، وقد ذكرنا جنس المسألة فيما تقدم، وكذلك الجواب في الوكالة في الدواب والرقيق والعروض والوديعة والدين، لأن الوكالة جائزة في جميع هذه الأشياء فيقبل فيها كتاب القاضي إلى القاضي.
قال: وللوكيل بالخصومة في الدار أن يخاصم من نازعه عملًا بإطلاق التوكيل، ولو كان الموكل سمى رجلًا بعينه فليس له أن يخاصم غيره، لأن التعيين في الخصومة مفيد فلعل الموكل عرف أن الوكيل يقدر على الخصومة مع هذا الرجل ولا يقدر عليها مع رجل آخر، وليس للوكيل بالإجارة إلا أن يؤاجر الدار ويكون خصمًا لمن أجرها منه؛ لأن حقوق العقد ترجع إلى العاقد وهو العاقد، ولا يكون له أن يخاصم مع غيره؛ لأنه لم يوكله بالخصومة مع غيره.
قال: وإذا وكلت المرأة بمهرها ونفقتها وكيلًا وطلب من القاضي كتابًا في ذلك ينبغي للقاضي أن يذكر في كتابه: وذكرت أن لها على زوجها فلان بن فلان من المهر كذا وقد وكلت فلان بن فلان بقبض ذلك من زوجها، وبالخصومة فيه إن أنكر، وإنما كتب: وبالخصومة فيه تحرزًا عن قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله؛ لأن عندهما الوكيل بقبض الدين لا يملك الخصومة، ويكتب أيضًا: يطلب نفقتها من زوجها وبالخصومة فيها، فإذا وصل الكتاب إلى القاضي بحضرة الزوج وسأله عن المهر، فإن أقربه أمر بدفعه إلى الوكيل.
ولو كانت وكلته بمهرها وبالخصومة في نفقتها، حتى يفرض لها كل شهر نفقة مسماة، فإذا وصل الكتاب إلى المكتوب إليه لا تقبل البينة إلا بحضرة الزوج؛ لأنه هو الخصم، فإذا ثبت ذلك عنده سأله عن المهر، فإن أقر به أخذ منه ويفرض من النفقة والكسوة ما يصلحها؛ لأن الموكلة لو حضرت وطالبته بذلك، ويثبت النكاح بالمهر عند القاضي أمره بأداء المهر وفرض عليه نفقتها، وكذلك يفعل ذلك بخصومته عنها بوكالتها.
قال في كتاب (الأقضية): وإذا وكل الرجل رجلًا بالخصومة في عيب خادم (استرده) وأخذ بذلك كتاب القاضي لم يجز؛ لأن الخادم لا يرد حتى يحضر الموكل وهو المشتري فيحلف بالله ما رضي بالعيب؛ وذلك لأنه لو لم ينتظر يمين الموكل ورد بالعيب يلحق البائع ضرر ولا يمكن تداركه؛ لأن الفسخ ينفذ ظاهرًا وباطنًا فلا يقع التدارك بالنكوك بخلاف فصل الدين، وقد ذكرنا ذلك في موضع فلهذا لا يرد، وإذا لم يكن للوكيل ولاية الرد إلى أن يحضر الموكل وهو المشتري ويحلف لم يكن في كتاب القاضي فائدة، فلهذا لم يجز. ثم ذكر هاهنا أن الوكيل لا يملك الرد بالعيب إلى أن يحضر المشتري ويحلف بالله ما رضي بالعيب، وإن لم يدع البائع رضا المشتري، هكذا ذكر الخصاف والجصاص وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمهم الله.
وذكر محمد رحمه الله في (المبسوط) أن الوكيل يملك الرد بالعيب إلا إذا ادعى البائع رضا المشتري وحد ما ذكر هنا أن على القاضي صيانة قضائه عن النقص وجميع أنواع البينة وصيانة حق العباد، وذلك بانتظاره المشتري واعتبر بما إذا أراد المشتري الرد بالعيب بعد موت البائع، فإن القاضي يستحلف المشتري بالله ما رضي بالعيب وإن لم يدع الوارث ذلك.
وجه ما ذكر في (المبسوط): أن القاضي نصب لفصل الخصومات، لا لإنشائها، وفي الاستحلاف بدون طلب المدعي إنشاء الخصومة، وهذا لا يجوز، ألا ترى أنه لا يستحلف الولي في باب القصاص بالله ما عفى بدون طلب القاتل، والقصاص مما يدرئ بالشبهات، فلأن لا يستحلف هاهنا أولى؛ ولأن الاستحلاف لنظر البائع، والبائع قادر على النظر لنفسه، بأن يدعي الرضا على البائع، فإذا ترك الدعوى لم ينظر لنفسه والقاضي نصب ناظرًا لكل من عجز عن النظر بنفسه، فلهذا يستحلف له الولي على بلدة من بلاد المسلمين إذا أراد أن يكتب الكتاب الحكمية، فإن كان الخليفة قد ولاه القضاء جاز وإن لم يوله لم يجز، وهذا لأن الولاية تقبل التخصيص والتعميم فينظر إلى سببها وهو التقليد، فإن كان التقليد خاصًا تتخصص ولايته، وإن كان عامًا تتعمم ولايته، وإن لم يكن فيه ما يدل على التعميم لا تتعمم ولايته؛ لأنه عديم الولاية في الأصل، فإنما يثبت له بقدر ما أثبت له، وإذا لم يدخل القضاء في ولايته لا يصح فيه الكتاب الحكمي، إنما يصح ممن يصح منه القضاء؛ لأن له حكم القضاء.
ولو كان هذا الوالي قلد إنسانًا وأجاز له أن يقضي هل يقبل كتاب هذا القاضي؟ ينظر إن كان الخليفة أذن لهذا الوالي بالتقليد قبل كتابه وما لا فلا؛ لأنه إذا لم يؤذن بالتقليد لم يصح منه التقليد ولم يصر المقلد قاضيًا وكتاب غير القاضي لا يقبل، فأما إذا فوض إليه التقليد صح منه التقليد، وصار المقلد قاضيًا فيقبل كتابه.
ذكر في كتاب (الأقضية): إن كتب الخليفة إلى قضاته إذا كان الكتاب في الحكم بشهادة شاهدين شهدا عنده بمنزلة كتاب القاضي إلى القاضي لا يقبل إلا بالشرائط التي ذكرناها، وأما كتابه أنه ولى فلانًا أو عزل فلانًا يقبل عنه بدون تلك الشرائط ويعمل به المكتوب إليه إذا وقع في قلبه أنه حق ويمضي عليه، وهو نظير كتاب سائر الرعايا بشيء من المعاملات؛ فإنه يقبل بدون تلك الشرائط ويعمل به المكتوب إليه إذا وقع في قلبه أنه حق كذا هنا في الكتاب.
ولا تقبل شهادة أهل الذمة على كتاب قاضي المسلمين لذمي على ذمي؛ لأن لكتاب القاضي إلى القاضي حكم القضاء، ثم سائر الأقضية لذمي على ذمي لا تثبت بشهادة أهل الذمة، فكذا كتاب القاضي. والمعنى في ذلك أنهم يشهدون على فعل المسلم وهو القاضي، وشهادة أهل الذمة لا تكون حجة في إثبات فعل المسلمين.
وفي (نوادر ابن سماعة): عن أبي يوسف رحمه الله: رجل جاء بكتاب قاض إلى قاض وقبل المكتوب إليه الكتاب، وشهد الشهود على الكتاب، ثم قَدِمت بينة صاحب الحق على أصل الحق ينتظر المكتوب إليه، فإن المكتوب إليه لا يعمل بالكتاب ويأمر الطالب أن يحضر البينة على أصل الحق من قبل أن كتاب القاضي إلى القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة، وشهود الأصل إذا حضروا بأنفسهم لم تقبل شهادة الفروع على شهادتهم كذا هنا. في (المنتقى): ويكتب القاضي في كتابه الشهادة على الشهادة كما يكتب.
ذكر الخصاف رحمه الله في (أدب القاضي): وإذا تكسر خاتم القاضي الذي على الكتاب أو كان الكتاب مقشورًا وفي أسفله خاتم القاضي، فإن القاضي المكتوب إليه يقبل الكتاب إذا شهد الشهود أن هذا كتاب قاضي فلان، وأنه قرأه عليهم، فإن الخصاف رحمه الله عقيب هاتين المسألتين (قال:) وهذا قول أبي يوسف رحمه الله، فأما على قول أبي حنيفة ومحمد القاضي المكتوب إليه لا يقبل الكتاب إذا لم يكن مختومًا، غير أن أبا يوسف يقول: إذا كان الكتاب غير مختوم لا تصح الشهادة على الكتاب ما لم يشهد الشهود بما في الكتاب؛ لأنه إذا كان غير مختوم فهو بمنزلة الصك، وعلم الشهود بما في الصك شرط صحة الشهادة عنده، وإذا كان الكتاب مختومًا فعلم الشهود بما في الكتاب ليس بشرط.
ذكر الفقيه الإمام أبو بكر الرازي والشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني أن قبول الكتاب مع كسر الخاتم قولهم جميعًا؛ لأن هذا مما يبتلى به الناس قالا رحمهما الله: والإضافة إلى أبي يوسف من الخصاف يحتمل أن يكون منصرفًا إلى المسألة الثانية، وهو ما إذا كان الخاتم في أسفل الكتاب ولكن هذا ليس بصواب، فقد ذكر الحسن بن زياد في كتاب الاختلاف إذا انكسر خاتم القاضي الذي على الكتاب، فالقاضي المكتوب إليه لا ينفذه عند أبي حنيفة وزفر رحمهما الله كما إذا لم يكن مختومًا في الأصل، وعن أبي يوسف رحمه الله أنه ينفذه إذا قامت عليه البينة كما لو لم يكن مختومًا في الأصل.
وكان القاضي الإمام أبو علي النسفي رحمه الله، كان نقول: إن كتاب القاضي إذا لم يكن مختومًا لا يقبل عند أبي يوسف رحمه الله حتى وقفنا على رواية الخصاف أنه يقبل، والرواية هذه؛ لأنه إذا انكسر خاتم القاضي أو كان الخاتم في أسفل الكتاب كان كأنه لم يختم ومع هذا جاز قبوله، وقد ذكرنا رواية الحسن عن أبي يوسف في هذا نصًا، قال أبو يوسف رحمه الله: ويكتب القاضي بشاهد واحد إلى قاض آخر، يريد به أن يجوز نقل شهادة شاهد واحد بالكتاب؛ وهذا لأن كتاب القاضي إنما جوز باعتبار الحاجة وقد تمس الحاجة إلى هذا بأن يكون إحدى شاهدي المدعي هاهنا، والشاهد الآخر في بلد المطلوب، فيحتاج إلى نقل شهادة هذا الشاهد حتى تنضم معه شهادة ذلك الشاهد الذي في بلد المطلوب.
إبراهيم عن محمد رحمه الله: إذا غلب الخوارج على بلدة واستقضوا عليها قاضيًا من أهل البلدة، فكتب هذا القاضي كتابًا إلى قاضي أهل العدل، فإن المكتوب إليه يعلم أن الشهود الذين شهدوا عند الكاتب من أهل البغي لا يقبل الكتاب؛ لأن الكتاب لنقل الشهود وأولئك الشهود لو حضروا عند هذا القاضي وشهدوا لا تقبل شهادتهم لفقه، وهو أن الخوارج يستحلون دمائنا وأموالنا فلو قبلنا شهادتهم علينا ذهبوا بدمائنا وأموالنا، وإذا لم يقبل شهادتهم لو حضروا فكذا لا يعمل بشهادتهم إذا صارت منقولة إليه وإن كان يعلم أن الشهود من أهل العدل قبل الكتاب، فإن لم يعلم أن الشهود من أهل العدل أو من أهل الخوارج لا يقبل الكتاب؛ لأن على أحد الاعتبارين لا يقبل فلا يقبل بالشك أو يقول من كان في منعة الخوارج، فالظاهر أنه منهم.

.الفصل الخامس والعشرون: في اليمين:

يجب أن يعلم بأن الاستحلاف في الدعاوي مشروعة، ثبت شروعه بالسنة وهو قوله عليه السلام: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» وقوله عليه السلام في قصة الحضرمي والكندي للمدعي منهما «ألك بينة» فقال: لا، فقال: «لك يمينه» والمعنى فيه: أن المدعى عليه أنوى حقه بإنكاره فالشرع شرع اليمين في جائز المدعى عليه حتى أن الأمر إن كان كما زعم المدعي كان هذا إتواء للمدعى عليه، لأن اليمين الكاذبة مهلكة للنفس والمال جميعًا فيكون إتواءان، وإن كان الأمر كما زعم المدعى عليه فالمدعى عليه بيمينه يدفع خصومة المدعي عن نفسه من غير ضرر يلحقه فيتحقق العدل والإنصاف، بعد هذا يحتاج إلى بيان موضع شرعيته وصفته وكيفيته.
أما بيان موضع شرعيته فنقول: الدعاوى نوعان: صحيحة وفاسدة، فالاستحلاف إنما يجري في الصحيحة منهما لا في الفاسدة، وإذا ادعى المدعي عند القاضي دعوى فعلى القاضي أن ينظر فيه، فإن كان فاسدًا لا يلتفت إليه، وأمر المدعي بالكف عنه، وإن كان صحيحًا سمعه وأقبل على المدعى عليه، فإن أقر بما ادعاه المدعي ألزمه ما أقربه وإن أنكر أقبل على المدعي وقال له: إلك بينة؟، فإن قال: لا أو قال: شهودي غيّب أو مرضى حلّف المدعى عليه.
هكذا ذكر الخصاف رحمه الله في (أدب القاضي): قيل هذا السؤال إنما يستقيم على قول أبي حنيفة رحمه الله (لا يستقيم) على قولهما؛ لأن على قولهما القاضي يستحلف المدعى عليه بطلب المدعي وإن قال لي بينة حاضرة في المصر فلا فائدة لهذا السؤال على قولهما، وقال مشايخنا إذا قال المدعي: شهودي غيب أو مرضى إنما يحلف المدعى عليه إذا بعث القاضي أمينًا من أمنائه إلى محلة الشهود الذين سماهم المدعي حتى يسأل عن الشهود، قال: وأخبر أنهم غيب أو مرضى أما بدون ذلك لا يحلفه على قول من لا يرى الاستحلاف إذا كان له بينة حاضرة في المصر؛ لأنه وقع الشك في الاستحلاف على قوله ثم بعد صحة الدعوى إنما يستحلف فيما سوى القصاص في النفس في موضع جاز القضاء بالنكول فيه، وفي كل موضع لا يجوز القضاء فيه، وبالنكوك لا يستخلف فيه وفي القصاص بالنفس يستحلف ولا يقضى فيه بالنكول تعظيمًا لأمر الدم.
وأما بيان صفته فيقول: إن اكتفى بذكر اسم الله تعالى وحده بأن قال: بالله والله جاز؛ لأنه هو الأصل في اليمين وبه ورد الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} [الأنعام: 109]، وأما السنة فما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم «حلف ابن ركانة حين طلق امرأته بلفظ ألبتة بالله ما أردت به ثلاثًا وحلف يهود خيبر بالله ما قتلتموه ولا علمتم له قاتلًا». وإن غلظ في اليمين جاز، والتغليظ في اليمين عرف بالكتاب والسنة.
أما الكتاب: فإن الله شرع اللعان، وأما السنة: فما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «حلف بن يهوديًا بالله الذي أنزل التوراة على موسى، كيف تجدون حد الزنا في كتابكم» والمعنى في ذلك أن التغليظ في اليمين في معنى الزجر عن اليمين الكاذبة، فالإنسان قد يمتنع عن اليمين الكاذبة عند التغليظ ولا يمتنع عنها بدون التغليظ. ثم اختلف المشايخ فيه بعد ذلك، بعضهم قالوا: القاضي بالخيار في كل مدعى به وعلى كل مدعى عليه إن شاء غلظ وإن شاء لم يغلظ، وبعضهم قالوا: القاضي ينظر إلى المدعى عليه إن عرفه بالخير والصلاح أو رأى عليه سيما الخير ولم يتهمه اكتفى بذكر اسم الله وحده، وإن كان على خلاف ذلك غلظ، وبعضهم قالوا: نظر إلى المدعى به إن كان مالًا عظيمًا غلظ عليه، وإن كان حقيرًا اكتفى بذكر اسم الله وحده، وإن كان على خلاف ذلك غلظ، وبعضهم قالوا: نظر إلى المدعى به إن كان مالًا، ثم بعضهم قدروا العظيم بنصاب الزكاة، وبعضهم قدروا بنصاب السرقة.
وإذا غلظ بصفات الله وأسمائه ينبغي أن يتأمل حتى لا يكرر عليه اليمين بتكرار حرف القسم، فإن تكرر حرف القسم يتكرر اليمين، فإنه لو حلف بالله الرحمن الرحيم كان يمينًا واحدًا، وإذا حلف والله والرحمن والرحيم كانت ثلاثة أيمان ولا يجوز الاستحلاف في الدعوى الواحدة إلا بيمين واحدة.
ثم القضاة مختلفون في كيفية التغليظ وصفته واختار كل واحد لنفسه شيئًا ومختار الخصاف رحمه الله أن يقول له: قل والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الطالب الغالب المدرك الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، فهذا هو مختار الخصاف، فإن شاء القاضي اختار هذا وإن شاء زاد عليه وإن شاء نقص عنه، ولا يغلظ بالمكان عند علمائنا رحمهم الله.
وقال الشافعي رحمه الله: إن كان المدعى به دم عمد أو مالًا عظيمًا يبلغ عشرين مثقالًا من الذهب يغلظ بالمكان، فيحلف بأشرف الأماكن، فإن كان بمكة يحلف بين المقام والبيت، وإن كان بالمدينة يحلف بين الروضة والمنبر، وفي سائر الأمصار يحلف في المسجد الجامع عند المنبر، وإن كان في موضع ليس فيه مسجد جامع يحلف في مسجد من المساجد، وهو قول أهل المدينة وأهل مكة، وهكذا روي عن أبي يوسف إلا أنه زاد فقال: يوضع المصحف في حجره ويقرأ عليه {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا} [آل عمران: 77] الآية، حجتهم في ذلك أن التغليظ بذكر صفات الله تعالى، إنما يشرع للمبالغة في الزجر عن اليمين الكاذبة، وهذا المعنى يقتضي شرع التغليظ بالتحليف في أشرف الأماكن من غير نكير منكر؛ ولأن النصوص المقتضية للاستحلاف مطلقة عن المكان، فالتقييد بالمكان يكون زيادة على النص والزيادة بمعنى الفسخ.
وإن أراد التغليظ على اليهود يحلفه بالله الذي أنزل التوراة على موسى؛ لأنه يعتقد حرمة التوراة ونبوة موسى عليه السلام.
وإن أراد التغليظ على النصراني يحلفه بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى؛ لأنه يعتقد حرمة الإنجيل ونبوة عيسى عليه السلام.
وإن أراد أن يغلظ على المجوسي يحلفه بالله الذي خلق النار؛ لأنهم يعظمون النار، هكذا ذكر محمد رحمه الله في (الأصل)، ولم ينقل عن أبي حنيفة رحمه الله فيه شيء في ظاهر الرواية. وروي في (النوادر) عنه أنه لا ينبغي أن يستحلف أحدًا إلا بالله.
وذكر الخصاف أن غير اليهودي والنصراني يستحلف بالله، فهذا إشارة إلى أنه لا يذكر النار في استحلاف المجوسي، وعليه بعض المتأخرين من مشايخنا؛ لأن ذكره يشير إلى تعظيمه، وإنه لا يجوز. ألا ترى أن المسلم لا يستحلف بالله الذي خلق الشمس بخلاف اليهودي والنصراني حيث يذكر في استحلافهم التوراة والإنجيل؛ لأن التوراة والإنجيل كلام الله تعالى فلا يكون فيه تعظيم غير الله تعالى بخلاف النار، أما سائر المشركين يستحلفون بالله لأنهم يقرون بالله تعالى، قال الله تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} [الزخرف: 87].
وأما بيان كيفيته فنقول: إن وقع الدعوى على فعل المدعى عليه من كل وجه بأن ادعى عليه أنك سرقت هذا العين مني، غصبت هذا العين مني يستحلف على الثبات، وإن وقع الدعوى على فعل الغير من كل وجه حلف على العلم، حتى لو ادعى المدعي دينًا على ميت بحضرة وارثه بسبب الاستهلاك، أو ادعى أن أباك سرق هذا العين مني غصبه مني، حلف على العلم، وهذا مذهبنا والأصل فيه: حديث القسامة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف اليهود على فعل أنفسهم على الثبات وعلى فعل غيرهم على العلم.
قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني: هذا الأصل مستقيم في المسائل كلها أن التحليف على فعل الغير يكون على العلم إلا في الرد بالعيب، يريد به: أن المشتري إذا ادعى أن العبد سارق أو آبق وأثبت إباقه أو سرقته في يد نفسه وادعى أنه أبق أو سرق في يد البائع وأراد تحليف البائع يحلف البائع على الثبات بالله ما سرق في يدك على ما عرف، وهذا تحليف على فعل الغير، قال الله تعالى إنما كان كذلك؛ لأن البائع التزم تسليم المعقود عليه سليمًا عن العيوب، فالاستحلاف يرجع إلى ما ضمن بنفسه، فلذلك كان على الثبات.
وحكي عن الشيخ الإمام فخر الإسلام رحمه الله أنه كان يريد في هذا الأصل حرفًا كان يقول: التحليف على فعل نفسه على الثبات، والتحليف على فعل الغير يكون على العلم إلا إذا كان شيئًا يتصل يحلف على الثبات، خرج على هذا فصل الرد بالعيب؛ لأن ذلك مما يتصل به؛ لأن تسليم العبد سليمًا واجب على البائع، وقد قيل بأن التحليف على فعل الغير إنما يكون على العلم إذا قال الذي استحلف: لا علم لي بذلك، فأما إذا قال: لي علم بذلك يحلف على الثبات.
ألا ترى أن المودع إذا قال: قبض صاحب الوديعة مني الوديعة، فإنه يحلف المودع على الثبات وألا ترى أن ما ذكر محمد رحمه الله في (الجامع): إذا وكل الرجل رجلًا ببيع عبده بألف درهم فباعه وسلمه إلى المشتري ثم أقر البائع الوكيل أن الآمر قبض الثمن، وجحد الآمر فالقول قول الوكيل في ذلك: أن الآمر قد قبض مع يمينه، فإذا حلف برئ المشتري عن الثمن ويحلف الوكيل على الثبات بالله لقد قبض الآمر وهذا تحليف على فعل الغير، ولكن الوكيل يدعي أن له علمًا بذلك، فإنه قال: قبض الموكل الثمن وما كان له علم بذلك فيحلف على الثبات لهذا.
وإن وقع الدعوى على فعل المدعى عليه من وجه وعلى فعل غيره من وجه بأن قال: اشتريت مني استأجرت مني استقرضت مني، فإن هذه الأفعال فعله وفعل غيره، فإنها تقوم باثنين يحلف على الثبات، وهذا مشكل؛ لأن اعتبار فعل الغير يوجب التحليف على العلم، إن كان اعتبار فعله يوجب التحليف على الثبات، إلا أنه يرجح جانب الثبات؛ لأنه يوجب زيادة زجر، لأنه متى حلف على الثبات وقد اشترى حنث في يمينه علم بالشراء أو لم يعلم، ومتى حلف على العلم وقد اشترى إن كان عالمًا بالشراء حنث في يمينه، وإن لم يكن عالمًا به لا يحنث فكان في هذا زيادة زجر، فكان الترجيح لجانب الثبات بعد هذه المسألة على وجوه:
أما إن ادعى المدعي دينًا أو ملكًا في عين أو حقًا وكل ذلك على وجهين: إما أن يدعيه مطلقًا ولم يذكر له سببًا أو ادعاه بناء على السبب، فإن ادعى دينًا ولم يذكر له سببًا يحلف على الحاصل فيحلف بالله ما لهذا عليك ولا قبلك هذا المال الذي ادعاه وهو كذا وكذا ولا شيء منه فقد جمع بين قوله: عليك وقبلك وإليه أشار محمد رحمه الله، وهكذا ذكر الخصاف رحمه الله في كتاب الصلح وإنما جمع بينهما؛ لأنه لو اقتصر على قوله: عليك إنما يتأول أنه ليس على رأسه أو عاتقه شيء، ولو اقتصر على قوله: قبلك عسى يتأول الأمانة؛ لأن قوله قبلك يستعمل في الأمانات كما يستعمل في الديون فيجمع بينهما احتياطًا، وجمع أيضًا بين كل المدعى به وبين بعضه؛ لأنه ربما أداه بعض هذا المال وأبرأه عن بعض المال، فلو حلفناه على الكل يحلف، ويكون صادقًا في الحلف ولا يلزم الحنث، فيجمع بين الكل وبين البعض احتياطًا.
قال أبو عمرو الطبري: لا ينبغي للحاكم أن يقول في الاستحلاف: ولا شيء منه؛ لأن التحليف بناء على الدعوى، فلا يزاد على مقدار الدعوى.
وكذلك إذا ادعى ملكًا في عين حاضر أو حقًا في عين حاضر ادعاه مطلقًا، ولم يذكر له سببًا يحلف على الحاصل، فيحلف بالله ما هذا العين لفلان بن فلان، ولا شيء منه يجمع بين الكل وبين البعض احتياطًا، وإن ادعاه بناء على السبب بأن ادعى عليه دينًا بسبب القرض أو بسبب الشراء، أو ادعى ملكًا بسبب البيع أو الهبة، أو ادعى غصبًا أو وديعة أو عارية يستحلف على حاصل الدعوى في ظاهر رواية أصحابنا رحمهم الله، ولا يستحلف على السبب قضى عليه في كتاب الحوالة والكفالة حتى لا يستحلف: ما استقرضت منه هذا المال، ما غصبته، ما أودعته، ما اشتريت منه هذا العين بكذا، ما بعت منه هذا العين.
ووجه ذلك: أن في الاستحلاف على السبب ضررًا بالمدعى عليه، فالسبب قد يوجد ويثبت حكمه ثم ينفسخ السبب ويبطل حكمه، أو يبطل الدين بالإبراء والإيفاء، ويعود الملك إليه في العين بالهبة أو البيع ويبطل حكم الغصب والوديعة والعارية بالرد، فلو حلف على السبب لا يمكنه أن يحلف على انتفاء السبب لوجوده، ولو أقر بالسبب وادعى الناقض والمبطل لكانت الحجة عليه، وربما لا يمكنه إقامة الحجة وفيه من الضرر ما لا يخفى، وليس في الاستحلاف على الحاصل ضرر بالمدعي، فيحلف على الحاصل لهذا حتى لو كان في الاستحلاف على الحاصل ضرر بالمدعي بأن كان بين العلماء اختلاف أن ما يدعيه هل هو سبب لذلك الحكم؟ يحلف على السبب؛ لأنه لو حلف على الحاصل يحلف ويتأول قول من يقول بأنه ليس بسبب، وإن الحكم ليس ثابت فيحلف على السبب دفعًا للضرر عن المدعي، وكذلك إذا لم يكن في التحليف على السبب ضرر بالمدعى عليه بأن كان ما يدعيه شيئًا لا يحتمل الانفساخ وحكمه لا يحتمل البطلان كإعتاق العبد المسلم يحلف على السبب ليكون التحليف موافقًا للدعوى والإنكار.
وروي عن أبي يوسف أنه يستحلف على السبب في هذه الصورة؛ لأن الاستحلاف يترتب على الدعوى، فيكون على وفق الدعوى والإنكار. وما ذكر من وهم الضرر يندفع بالتعريض بأن يقول المدعى عليه للقاضي: الإنسان قد يلزمه المال بسبب ثم يبطل المال عنه، إما بانفساخ السبب أو بالإيفاء أو بالإبراء، ولو أقر بالسبب عسى لا يمكنه إثبات ذلك الفسخ، أو الإبراء فيلزمه المال فإذا عرض على هذا الوجه، فالقاضي لا يحلفه على السبب، بل يحلفه على الحاصل.
وذكر الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني رحمه الله في شرح هذا الكتاب رواية أخرى عن أبي يوسف رحمه الله: أنه إذا أنكر المدعى عليه السبب بأن أنكر الاستقراض، وقال: ما استقرضت يحلف على السبب بالله ما استقرضت، وإن قال: ليس له علي ما يدعي، يحلف على الحاصل بالله ليس له عليك ولا قبلك هذا المال الذي يدعي ولا شيء منه، قال رحمه الله: هذا أحسن الأقاويل عندي وعليه أكثر القضاة.
وقال الشيخ الإمام الزاهد فخر الإسلام على البزدوي رحمه الله: ينبغي أن يفوض الأمر إلى رأي القاضي في هذا إن رأى المصلحة في التحليف على السبب حلف على السبب، وإن رأى المصلحة في التحليف على الحاصل حلف على الحاصل، قال: لأن من الناس من يكون تحليفه على السبب أولىو منهم من يكون تحليفه على الحاصل أولى، فيفوض إلى رأي القاضي.
لهذا قال الخصاف في (أدب القاضي) وفي الوديعة: إذا حلف الوديعة (ليست في يديك) ولا شيء منه ولا له قبلك حق منه؛ لأنه متى استهلكها أو دل إنسانًا عليها، فلا تكون في يديه ولكن ضمان القيمة في ذمته، فلا يكتفى بقوله: في يديك بل يضم إليه ولا له قبلك حق منه احتياطًا، وهذا الجواب إنما يستقيم على ظاهر الرواية؛ لأن على ظاهر الرواية؛ التحليف على الحاصل، أما على (ما) روي عن أبي يوسف رحمه الله يستحلف بالله ما أودعك هذا كذا وكذا.
وإن ادعى قبله ضيعة أو عقارًا وحدده وسمى موضعه وبلده على نحو ما بينا يحلفه بالله ما هذه الضيعة ولا هذه الدار التي حدد وسمى لفلان بن فلان هذا في يديك ولا شيء منها ولا له قبلك منها حق ولا بسببها، جمع بين هذا؛ لأنه أحوط.
وإن ادعى جارية أو غلامًا أو عرضًا من العروض مما ينقل ويحول، فإن كان حاضرًا في مجلس القاضي، فالقاضي يحلفه بالله ما هذا العبد ملك هذا المدعي من الوجه الذي ادعاه ولا شيء منه لجواز أن يكون بعضه ملك المدعي، فلو لم يقل ولا شيء منه يتأول ذلك، فيكون صادقًا في يمينه ولا يلزمه الحنث.
وذكر في كتاب الاستحلاف: أنه يحلف المدعى عليه بالله ما لهذا المدعي في هذا العبد حق، والصحيح ما ذكرنا؛ لأن لفظة الحق تنطلق على غير الملك من حق الإجارة والرهن، والمدعي ادعى الملك فيه دون الحق، وإنما يجب الاستحلاف على ما ادعاه المدعي، ولكن إن زاد في آخر اليمين ولا له فيها حق، كان مستقيمًا، فإنه يكون تأكيدًا للأول، وإن كان غائبًا عن مجلس القاضي بأن كان المدعى عليه مقرًا أنه في يده، إلا أنه ينكر كونه ملك المدعي كلفه القاضي الإحضار حتى يمكنه الإشارة إليه في الدعوى؛ وهذا لأن الدعوى إنما تسمع في المعلوم، فيشترط إعلام المدعي به بأبلغ وجوه الإعلام ما أمكن، والإشارة أبلغ في وجوه الإعلام، وإنما تكون الإشارة بعد الإحضار.
وإن أنكر المدعى عليه أن يكون ذلك في يديه. ذكر الخصاف رحمه الله: أن القاضي يقول للمدعي: سمه وانسبه إلى جنسه، وسم قيمته، شرط بيان القيمة لسماع الدعوى، وقد ذكرنا هذا الفصل وما فيه من الاختلاف قبل هذا ثم إذا سمى جميع ذلك حتى صح دعواه بلا خلاف، وأراد استحلاف المدعى عليه استحلفه القاضي بالله ما لهذا لديك هذه الجارية التي ذكرها ولا شيئًا منها ولا بقي له عليك ولا قبلك ولا قيمتها التي سمى وهي كذا وكذا، بذكر شيء منه لجواز أن في يديه بعض الجارية فيتأول، وإنما يذكر القيمة لجواز أنها مستهلكة، فلا تكون في يديه ولكن يجب عليه القيمة، وإنما يذكر شيئًا من القيمة لجواز أنه سقط بعض القيمة عنه فيتأول، وإنما يذكر ولا شيء له عليك ولا قبلك؛ لأن من مذهب بعض العلماء أن الحيوان يكون مغصوبًا بالمثل فربما يتأول ذلك القول.
وإن ادعى شراء ضيعة وبين حدودها وموضعها وبين الثمن، وأنكر المدعى عليه أنه باعه ذلك، وأراد القاضي أن يحلفه على الحاصل كما هو جواب ظاهر الرواية كيف يحلفه؟ قال: يحلفه بالله ما بينك وبين هذا البيع قائم الساعة فيما ادعاه، أو يحلفه بالله ما هذه الضيعة شراء لهذا الساعة بما ادعاه من الثمن أو يحلفه باللّه ما عليك تسليم هذه الضيعة إلى هذا بهذا البيع الذي ادعاه وهاهنا أشياء أخر تأتي بعد هذا.
وإن ادعت امرأة على زوجها أنه طلقها فهو على وجوه:
الأول: تدعي الطلاق الثلاث، وفي هذا الوجه إذ أراد القاضي أن يحلفه حلّفه بالله ما هذه المرأة بائن منك بثلاث تطليقات كما ادعت، وهذا تحليف على الحاصل، وإنه جواب ظاهر الراوية. قالوا: وإن شاء القاضي حلفه على السبب بالله ما طلقتها ثلاثًا في هذا النكاح الذي تدعي أنك مقيم عليها فيه؛ لأن هذا سبب لا يحتمل الانتقاض إلا أنه لا يستحلف بالله ما طلقتها ثلاثًا ثم عادت إليه بنكاح مستقبل بعدما تزوجت بزوج آخر، فلو حلفناه كذلك لتضرر وكذلك إذا لم تدع المرأة ذلك ولكن شهد عند القاضي شاهد واحد عدل أو جماعة من الفساق بذلك؛ لأن حرمة الفرج حق الشرع، فكان على القاضي الاحتياط في مثله بالاستحلاف.
الوجه الثاني: أن تدعي تطليقة، كما ادعت أنما هي محرمة عليك بتطليقة كما ادعت؛ يستحلف على حاصل الدعوى في ظاهر الرواية، قال مشايخنا: وفي هذا الجواب نوع نظر؛ لأن عند الشافعي الكنايات رواجع فلو حلفناه على الحاصل ربما يتأول قول الشافعي رحمه الله، فيحلف على السبب بالله ما طلقتها بلفظ كذا، كما ادعت في هذا النكاح الذي تدعي أنك مقيم عليها فيه حتى لا يمكنه التأويل إلا إذا ادعت الخلع أو ادعت تطليقة بائنة قبل الدخول، فإن هناك تثبت البينونة بلا خلاف، فلا يمكنه التأويل فيحلف على الحاصل.
الوجه الثالث: أن تدعي تطليقة رجعية، وفي هذا الوجه يحلف على الحاصل في ظاهر الرواية، فيحلف ما هي طالق منك الساعة، وهذا لأن الطلاق الرجعي يزيل النكاح بعد انقضاء العدة، إن كان لا يزيل النكاح في الحال ويؤثر في إزالة حل المحلية عند انضمام تطليقتين إليه، فيفيد الاستحلاف.
وإن ادعت أمة على مولاها أنه اعتقها، ففي ظاهر الرواية يستحلف على الحاصل بالله ما هي حرة الساعة بما ادعت من العتق؛ لأنه يتصور زوال الحرية عنها بعد ثبوتها بالإعتاق بالارتداد والالتحاق بدار الحرب والسبي بعد ذلك، فلو حلفناه على السبب بالله ما أعتقها لتضرر به المدعى عليه، فيحلف على الحاصل. وعلى رواية أبي يوسف: يحلف على السبب بالله ما أعتقتها إلا إذا عرض المدعى عليه ونقول: الرجل قد يعتق أمته ثم ترتد وتلتحق بدار الحرب وتسبى وتعود إلى ملكه ثانيًا فلا يمكنه أن يحلف ما أعتقتها، فإذا عرض على هذا الوجه يحلف على الحاصل وإن كان المدعي للعتق عبدًا، فإن كان العبد ذميًا فكذلك الجواب يحلف على الحاصل في (ظاهر الرواية): لأن حرمته تحتمل الانتقاض بعد الثبوت بالإعتاق بأن تنقض العهد ويلتحق بدار الحرب ثم يسبى ويسترق، وإن كان العبد مسلمًا فالقاضي بالخيار إن شاء حلفه على الحاصل بالله ما هو حر الساعة كما هو جواب (ظاهر الرواية) وإن شاء حلفه على السبب كما هو قول أبي يوسف رحمه الله؛ لأن حريته لا تحتمل الانتقاض بعد ثبوتها؛ لأن أكثر ما فيه أنه يرتد إلا أن المرتد لا يسترق.
وإن ادعت امرأة على رجل نكاحًا أو ادعى رجل على امرأة نكاحًا، فاعلم بأن الاستحلاف لا يجري في الأشياء السبعة عند أبي حنيفة رحمه الله خلافًا لهما، والأشياء السبعة النكاح والرجعة والفيء في الإيلاء والرق والولاء والنسب وأمية الولد.
وصورة أمومية الولد: إذا ادعت جارية على مولاها أنها أسقطت منه سقطًا مستبين الخلق والمولى ينكر فأرادت أن تستحلف المولى على دعواها؛ وهذا لأن الاستحلاف لرجاء النكول فإنما يجري الاستحلاف فيما يقضى فيه بالنكول، ولا يقضى بالنكول في هذه الأشياء عند أبي حنيفة رحمه الله: وعندهما يقضى وهذا بناء على أصل معروف أن النكول عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله بمنزلة الإقرار، فكل ما يجوز فيه الإقرار يجوز فيه القضاء بالنكول، والإقرار بالنكاح والرجعة والفيء في الإيلاء والولاء وأمومية الولد صحيح، فكان النكول فيها حجة فيجري فيها الاستحلاف.
ومن هذا قلنا: أن من ادعى على ولي صغيرة أنه زوجها منه وأنكر الولي ذلك استحلفه القاضي عندهما؛ لأن النكول عندهما إقرار وإقرار الولي على وليته الصغيرة بالنكاح صحيح عندهما، وكذلك لو كان الدعوى بالرضا بالنكاح أو في الأمر بالنكاح يستحلف عندهما، وأما على قول أبي حنيفة رحمه الله: فالنكول بدل وكل ما يجري فيه البدل كان النكول فيه حجة فلا يجري فيها الاستحلاف، وعن هذا قال أبو حنيفة رحمه الله: إن من ادعى على ولي صغيرة أنه زوجها منه وأنكر الولي ذلك فالقاضي لا يستحلفه؛ لأن النكول عنده بدل، والبدل لا يجري من الولي في النكاح فلا يجري فيه الاستحلاف، ثم على قول أبي حنيفة إذا كان الاستحلاف لا يجري في النكاح لو كان دعوى النكاح من المرأة، وقالت المرأة للقاضي: لا يمكنني أن أتزوج؛ لأن هذا زوجي وقد أنكر النكاح فمره ليطلقني لأتزوج، والزوج لا يمكنه أن يطلقها؛ لأن بالطلاق يصير مقرًا بالنكاح، ماذا يصنع القاضي؟
ذكر فخر الإسلام علي رحمه الله يقول للزوج قل لها إن كنت امرأتي فأنت طالق، فإنّ على هذا التقدير لا يصير الزوج مقرًا بالنكاح ولا يلزمه شيء، ولو كانت له امرأة تتخلص عن خيالته ويمكنها التزوج بغيره، وهذا كله إذا لم يدع المدعي بدعوى هذه الأشياء مالًا، فأما إذا ادعي مالًا بدعوى هذه الأشياء كالمرأة تدعي على رجل أنه تزوجها على كذا وطلقها قبل الدخول بها وادعت نصف المهر، أو لم تدع الطلاق وادعت النفقة حلفه القاضي بلا خلاف؛ لأن المقصود دعوى المال والاستحلاف يجري في دعوى المال بلا خلاف، ثم عندهما إذا كان يستحلف بدون دعوى المال وكيف الاستحلاف في هذه الأشياء مع دعوى المال؟
ذكر الخصاف في (أدب القاضي): الاستحلاف على الحاصل: تحلف المرأة بالله ما هذا زوجك كما ادعى ويحلف الزوج بالله ما هذه امرأتك كما ادعت، ولم يذكر أن هذا جواب (ظاهر الرواية) فيحتمل أن يكون جواب (ظاهر الرواية): أما على قياس ما يروى عن أبي يوسف يحلف على السبب تحلف المرأة بالله ما زوجت نفسها منه بكذا، ويحلف الزوج بالله ما تزوجتها على كذا إلا إذا عرض المدعى عليه ويحتمل أن يكون، ذكر الخصاف رحمه الله قول الكل احتياطًا لأمر الفرج.
وفي كتاب الأقضية أن على (ظاهر الرواية) يحلف على الحاصل وعن أبي يوسف أنه يحلف الزوج بالله ما هذه امرأتك، وإن كانت امرأتك فهي طالق ثلاثًا، وهذا حسن؛ لأن بيمينه لا يقع الفرق بينهما وبين الله تعالى ولا يسعها أن تتزوج فتبقى معلقة فتطلق منه، فكان النظر في الاستحلاف على هذا الوجه.
ولو ادعى على رجل أنه زوج ابنته الكبيرة منه وأنكر الأب ذلك لا يستحلف الأب عندهما بخلاف ما إذا كانت الابنة صغيرة؛ لأن الاستحلاف للنكول عندهما، وإقرار الولي على وليته البالغة بالنكاح عندهما لا يصح وعلى وليته الصغيرة صحيحة، ولكن تستحلف الابنة إذا كانت كبيرة وتستحلف على العلم؛ لأنها تستحلف على فعل الغير.
ولو ادعي على رجل أنه زوج أمته منه يستحلف المولى عندهما، وإن كانت كبيرة؛ لأن إقرار المولى على أمته بالنكاح صحيح عندهما وإن كانت الأمة كبيرة، عرف ذلك في كتاب النكاح.
جئنا إلى النسب فنقول: إقرار الرجل يصح بأربعة: بالأب والابن والزوجة والمولى، وإقرار المرأة يصح بثلاثة: بالأب والزوج والمولى، ولا يصح إقرارهما بغير هؤلاء وأراد بهذه الصحة الصحة مطلقًا فيما يلزم المقر والمقر له من الأحكام، وفيما يلزم غيرهما، وأراد بعدم الصحة عدم الصحة فيما يلزم غيرهما من الأحكام، أما فيما يلزمهما من الأحكام فالإقرار صحيح، إذا وجد التصديق من المقر له وهو من أهل التصديق في جميع الصور، حتى إن من أقر بأخ وله أخ معروف وصدقه المقر له في إقراره وكذبه الأخ المعروف، صح إقراره في حق نفسه، حتى لا يشارك المقر له الأخ المعروف في نصيبه.
فقد فرق بين الرجل وبين المرأة في الإقرار بالابن، فصححه من الرجل ولم يصححه من المرأة، وكان ينبغي أن لا يفرق بينهما؛ لأن علة انتساب الولد بانخلاق الماء، وهما في ذلك على السواء، والجواب: أن هذا من حيث الحقيقة هكذا، أما من حيث الحكم فالنسبة إلى الآباء، قال الله: {ادعوهم لآبائهم} [الأحزاب: 5] وقال الله تعالى: {وعلى المولود له} [البقرة: 233] فالأب في هذا الباب أصل والأم تابع، فإذا أقر الرجل بالابن فقد أقر على نفسه، وإذا أقرت المرأة بذلك فقد أقرت على الغير فلا يصح.
وفرق في حق الرجل بين الإقرار بالابن وبين الإقرار بالأخ والعم وما أشبههما، والفرق أن الإقرار بالبنوة إقرار على نفسه وإقرار الإنسان على نفسه صحيح، فأما الإقرار بالأخ والعم إقرار على الغير ابتداء وهو الأب أو الجد فإنما يصير أخًا له بواسطة ثبوت البنوة من الأب بإقراره، فكيف يثبت بواسطة الأخوة وكذا الإقرار بابن الابن غير صحيح؛ لأنه لابد له من ثبوت البنوة من أبيه، ولا يجوز أن يثبت البنوة من أبيه بإقراره، وإنما صح الإقرار بالأب والزوجة والزوج والمولى؛ لأنه ليس بإقرار على الغير وهذا كله إذا لم يدع مالًا بدعوى النسب، فأما إذا ادعى مالًا بدعوى النسب، بأن ادعى رجل وامرأة على رجل أنه أخوه لأبيه أو أخته لأبيه وقد مات الأب وترك أموالًا كثيرة في يد هذا وطلب الميراث وادعى رجل وهو زمن على رجل أنه أخوه لأبيه وطلب من القاضي أن يفرض النفقة عليه، وأنكر المدعى عليه ذلك، فالقاضي يحلفه، لأن المقصود دعوى المال وفي دعوى المال يستحلف بلا خلاف.
وكذلك إذا لم يدع مالًا بدعوى النسب ولكن ادعى حقًا في ضمن دعوى النسب لا يثبت له ذلك الحق إلا بثبوت ذلك النسب فستحلف على دعوى النسب فقد ذكر الخصاف في (أدب القاضي): إذا ادعى الرجل حجرًا على رجل بأن التقط رجل لقيطًا فجاء رجل وقال للملتقط: هذا الصغير الذي التقطته أخي وأنا أحق به، وأنكر ذو اليد أنه أخوه، حلف ذو اليد على ذلك.
وكذلك إذا وهب رجل لرجل شيئًا، وأراد الواهب الرجوع في الهبة فقال الموهوب له: أنا أخوك ولا حق لك في الرجوع، وأنكر الواهب أخوته كان للموهوب له أن يحلفه؛ لأن المقصود إثبات ذلك الحق ثم في دعوى النسب مع المال في موضع لا يصح الإقرار بالنسب إذا جرى الاستحلاف، يستحلف على النسب أو على المال، ذكر في الأقضية أنه يستحلف على المال، وذكر الخصاف أنه يستحلف على النسب فإذا نكل يقضى بالمال ولا يقضى بالنسب.
وإن ادعى رجل على رجل إجارة ضيعة أو دار أو حانوت أو إجارة عبد أو دابة أو نحو ذلك مما يؤاجر، أو ادعى مزارعة أرض أو معاملة في النخل والشجر، أو ادعى عارية في عين أو وديعة وأنكر المدعى عليه ذلك حلفه القاضي على الحاصل، أما الوديعة والعارية فقد مر الكلام فيهما، وإنما ذكرناهما ثانيًا لزيادة فوائد، ثم إن كان العين حاضرًا يستحلف بالله ما هذا العين ملك هذا المدعي، ولا شيء منه.
وكان الإمام الحاكم أبو محمد رحمه الله يقول: الأحوط أن يحلف بالله ما هذا الثوب لهذا ولا عليك تسليمه ولا تسليم شيء منه إلى هذا المدعي من الوجه الذي يدعيه المدعي، وإن كان غائبًا أو كان مستهلكًا يستحلف بالله ما عليك تسليم هذا العين ولا تسليم قيمته ولا جزء منه ولا تسليم مثله إلى هذا المدعي، وهذا الجواب جواب ظاهر الرواية لما ذكرنا، وإن كان العين مستهلكًا وأقر المدعي بالهلاك يستحلف المدعى عليه على القيمة عند بعض المشايخ، وقال بعضهم: يستحلف على العين والقيمة عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما على القيمة وأما الإجارة فيستحلف بالله ما بينك وبين هذا المدعي إجارة قائمة بأمته لازمة اليوم، في هذا العين المدعى ولا له قبلك فيها حق بالإجارة التي وصف، قيل هذا الجواب على ظاهر الرواية، أما على قياس رواية أبي يوسف رحمه الله: ينبغي أن يستحلف على السبب وهو الإجارة وإليه مال فخر الإسلام علي البزدوي وقيل: لا بل في الإجارة يستحلف على الحاصل على قول الكل فرق هذا القائل لأبي يوسف رحمه الله على الرواية التي قيل، يستحلف على السبب في جنس هذه المسائل بين الإجارة وبينما تقدم.
والفرق: أن في التحليف على السبب هاهنا ضررًا للمدعي؛ لأن المنافع لا تتقوم بنفسها، وإنما تتقوم بالعقد فإذا حلفناه على السبب وحلف ينتفي العقد ولم يثبت تقوم المنافع فلا يثبت للمدعي حق الرجوع بشيء فلا يكون الاستحلاف على النسب مفيدًا بخلاف ما تقدم؛ لأن العين متقوم في نفسه، فإذا حلفناه على السبب وحلف وانتفى العقد يبقى العقد مضمونًا بنفسه، فيمكن الرجوع بضمان العين، فكان التحليف على السبب مفيدًا والأول أصح، وكذلك الجواب في المزارعة والمعاملة؛ لأنها إجارة إلا أن الأجرة فيهما جزء من الخارج.
وإن ادعى المدعي أجرة الدار وجحد المدعى عليه يستحلفه القاضي بالله ماله قبلك هذا الأجر الذي يدعيه؛ لأن الدعوى وقع فيه، إلا أنه إنما استحلفه على الأجر والدار والوقف الذي ادعى كيلا يتأول الحالف متى حلف على الأجر غير أنه لا أجر عليه بسبب شيء آخر سوى الدار، أو يتأول أنه لا أجر عليه بسبب وقف آخر غير الوقف الذي ادعاه المدعي، قالوا: وإن شاء القاضي حلفه بالله ما له قبلك هذا الأجر الذي سمى بهذا السبب الذي ادعى أو من هذا الوجه الذي ادعى.
قال: ولو ادعت امرأة على زوجها، أنها سألته أن يطلقها فقال لها: أمرك بيدك، وإنها اختارت نفسها وأنكر الزوج ذلك، فهذه المسألة على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول أن ينكر الزوج الأمر والاختيار جميعًا، وفي هذا الوجه القاضي لا يحلف الزوج على الحاصل بلا خلاف لا يحلفه بالله، ما هي بائن منك الساعة من الوجه الذي ادعت، لأن عند بعض العلماء الواقع بلفظ الأمر باليد رجعي، فلو حلفناه ما هي بائن منك ربما يتأول قول هذا القائل فيحلف على السبب ولكن يحتاط فيه للزوج فيحلف بالله ما قلت لها منذ أن تزوجها أمرك بيدك بعد مسألتها الطلاق وما يعلم أنها اختارت نفسها بعد ذلك في مجلس الأمر بجواز أنه تزوجها بعد ما اختارت نفسها بحكم ذلك الأمر، فلا يمكنه الحلف على ذلك الأمر، ولو أقر بذلك ثم ادعى النكاح بعده لم يصدق ويلزمه الطلاق فيحلفه على الوجه الذي ذكرنا احتياطًا.
وإن أقر بالأمر وأنكر اختيارها نفسها بخلاف الزوج أيضًا؛ لأنه لا يقبل قولها أنها اختارت نفسها لأنها اخبرت عما لا تملك الإنشاء؛ لأنها لا تملك اختيارها نفسها، بعدما قامت عن المجلس فلا يقبل قولها ولكن يحلف الزوج بالله ما يعلم أنها اختارت نفسها في مجلس الأمر الذي ادعت.
وإن أقر بالاختيار وأنكر الأمر يحلف الزوج بالله ما جعلت أمر امرأتك هذه بيدها قبل أن تختار نفسها في مجلس الأمر يقع الطلاق، فالمرأة تدعي عليه معنى لازمًا فيحلف على الوجه الذي قلنا، ذلك إذا ادعت أن الزوج حلف بطلاقها أن لا يفعل كذا وقد فعل، وهو على التفصيل الذي قلنا إن أنكر الزوج الأمرين يستحلف؛ لأن المرأة ادعت البينونة بسبب التعليق ووجود الشرط والزوج ينكر فيعتبر بما لو ادعت البينونة بسبب المتجر، وهناك يستحلف الزوج بلا خلاف والاستحلاف يجري في الفرقة والطلاق بلا خلاف ثم في ظاهر الرواية يحلف على الحاصل بالله ما هي بائنة بثلاثة تطليقات من الوجه الذي ادعت، وعلى قياس رواية أبي يوسف يحلف على السبب بالله ما حلفت بطلاقها، أن لا تفعل كذا ثم فعلت وإن أقر باليمين وأنكر الفعل كذا، هكذا ذكر الخصاف رحمه الله في (أدب القاضي).
بعض مشايخنا قالوا: هذا على رواية أبي يوسف رحمه الله، أما على ظاهر الرواية يحلف على الحاصل: بالله ما هذه المرأة بائنة منك بثلاث تطليقات، وإن أنكر اليمين وأقر بالفعل يحلف بالله ما حلفت بطلاق امرأتك هذه ثلاثًا أن لا تفعل كذا قبل أن تفعله، بعض مشايخنا قالوا: هذا رواية أبي يوسف، أما على ظاهر الرواية: يحلف على الحاصل على نحو ما بينا؛ وهذا لأنه من الجائز أنه حلف ولكن أبانها بواحدة ثم فعل ذلك الفعل ثم تزوجها.
وعلى هذا إذا ادعى العبد والأمة على المولى أنه حلف أن لا يفعل كذا وقد فعل.
ذكر في كتاب الأقضية: ولو ادعى رجل على رجل أني اشتريت منك أمتك هذه بعبدي هذا، وأنكر المدعى عليه فالقاضي يحلف المدعى عليه بالله ما هذه الأمة له شراء بهذا العبد ولا يحلف ما بعت، وهذا على ظاهر الرواية على ما ذكرنا.
ذكر بعد هذه المسألة دعوى الشراء من المشتري، وذكر فيها تفصيلًا، فقال: إن ذكر المشتري نقد الثمن يحلف المدعى عليه بالله ما هذا العبد ملك هذا المدعي ولا شيء منه بالسبب الذي ادعى، ولا يحلف ما بعت، وإن لم يذكر المشتري نقد الثمن يقال له: أحضر الثمن، فإذا أحضره يستحلفه القاضي بالله ما عليك قبض هذا الثمن وتسليم هذا العبد من الوجه الذي ادعى، وإن شاء حلفه بالله ما بينك وبين هذا شراء قائم الساعة.
والحاصل: أن دعوى الشراء مع نقد الثمن دعوى المبيع ملكًا مطلقًا معي، وليس بدعوى العقد ولهذا يصح مع جهالة الثمن، فيحلف على ملك المبيع ودعوى البيع مع تسليم المبيع دون الثمن.
قال في كتاب الاستحلاف: ولو أن رجلًا ادعى أنه اشترى من رجل دارًا بألف درهم أو عبدًا أو ثوبًا وقدمه إلى القاضي فادعى ذلك كله وجحد المدعى قبله ذلك، وقال: ما بعت منك شيئًا قط وطلب المدعي يمين المدعى قبله، فالقاضي يحلفه بالله ما هذه الدار للمدعي بهذا الشراء الذي ادعى أنه اشتراها بهذا الثمن الذي سمى، يستحلف على الحاصل، ولا يستحلف على الفعل بالله ما بعت منه وهذا جواب ظاهر الرواية، ثم ذكر أنه يستحلف على العين والثمن جميعًا، وكان يجب أن يستحلف على العين لا على الثمن لأنه إنما يستحلف على ما وقع فيه الدعوى، والدعوى وقعت في العين لا في الثمن إلا أنه استحلفه على الثمن والعين والبيع جميعًا، وذلك لأنه من الجائز أن يقر الجاحد بالبيع بعدما حلف فيصح إقراره، إلا أنه يدعي أن ثمنه كان ألفي درهم والمشتري يقول كان الثمن ألف درهم، فيجب التحالف؛ لأنهما اختلفا في مقدار الثمن والمعقود عليه قائم، والاختلاف في الثمن متى وقع على هذا الوجه، فإنه يجب التحالف، ومتى كان حلف الجاحد على البيع والثمن الذي ادعاه المشتري لا يحتاج القاضي إلى أن يحلف البائع ثانيًا، وإنما يحتاج إلى أن يحلف المشتري بالله ما اشتريت بألفي درهم لا غير ففي الاستحلاف على العين لا غير تكرير اليمين، وفي الاستحلاف على العين والثمن تقليل اليمين، فكان هذا أولى، فلهذا استحلف البائع على البيع والثمن جميعًا.
هذا الذي ذكرنا إذا ادعى المدعي أنه اشترى وأنكر البائع، فأما إذا ادعى أنه باع من المدعى قبله ذلك بألف درهم وجحد المدعى قبله ذلك، وقال: ما اشتريت منه شيئًا قط، وسأل المدعي من القاضي أن يحلف المدعى قبله على ذلك كيف يحلفه؟ فهذا لا يصح من وجهين: أما إن ادعى المدعى أنه سلم ما باع منه إلى المدعي قبله ولم يقبض منه الثمن، أو ادعي أنه لم يسلم ما باع منه، ولا قبض منه ثمنه، فإن ادعى أنه باع وسلم ولم يقبض منه الثمن ذكر أنه يحلف بالله ما له قبلك هذا الثوب ولا ثمنه أو هذه الدار التي يدعيها ولا ثمنها، فيستحلفه على الحاصل ولا يستحلفه بالله ما اشتريت بالثمن الذي ادعاه وهذا جواب ظاهر الرواية، فيستحلف على العين والثمن جميعًا، وكان يجب أن يستحلف على الثمن؛ لأن الدعوى وقع في الثمن إذا كان المبيع مسلمًا في العين، لكن إنما استحلفه على العين والثمن والبيع وذلك لأنه يجوز أن يقر المدعى عليه بعدما حلف بالشراء، ويصح إقراره ثم يختلفان في المعقود عليه، فيقول المدعى قبله: اشتريت منك ثوبًا أو دارًا آخر، فيجب التحالف؛ لأنهما اختلفا في المعقود عليه والمعقود عليه قائم، والاختلاف في المعقود عليه حال قيامه يوجب التحالف، فمتى حلف على الثمن لا غير متى احتيج إلى التحالف يحتاج البائع إلى أن يحلف المدعى عليه ثانيًا بالله ما اشتريت الدار التي يدعيه المدعى بالثمن الذي سماه.
وإذا حلفناه على البيع والعين والثمن الذي سماه فمتى وجب التحالف يحتاج أن يحلف البائع بالله ما بعت من هذا المشتري ما يدعيه البائع، فيكون في الاستحلاف على العين والثمن تقليل اليمين، وفي الاستحلاف على الثمن تكرير اليمين، فكان الاستحلاف على وجه فيه تقليل اليمين أولى، ثم قال في (الكتاب): وإن حلفه بالله ماله منها قليل ولا كثير جاز، والأولى أجود أما يجوز؛ لأن قوله بالله ماله منها قليل ولا كثير بما يتناول العين والثمن جميعًا؛ لأن قوله منها كناية عن العين والثمن إلا أن الأول أجود؛ لأن العين والثمن صارا مذكورين على سبيل الاقتصار، فكان ذكرهما على سبيل التصريح أجود، هذا إذا ادعى أنه كان باع وسلم ولم يقبض منه الثمن، وإن ادعى أنه باع ولم يسلم ولم يقبض منه الثمن قال: يحلفه القاضي بالله ما هذه الدار لك بهذا البيع الذي يدعي بهذا الثمن الذي سمى، فقد استحلفه على الحاصل وهذا جواب ظاهر الرواية، وإذا وجب الاستحلاف على الحاصل في ظاهر الرواية استحلفه على العين والثمن جميعًا، لما ذكرنا أنه يجوز أن يقر المدعى قبله بالشراء بعد ما حلف، فيصح إقراره إلا أنه يقول: ما اشتريت منك هذه الدار الأخرى، فيقع بينهما اختلاف المعقود عليه، فيجب التحالف فمتى لم يحلف المدعى قبله بالله ما هذه الدار لك بهذا البيع الذي يدعي بهذا الثمن الذي سمى يحتاج القاضي إلى أن يحلف المدعى قبله ثانيًا، فيتكرر اليمين عليه، ومتى حلفناه على ذلك يحتاج إلى أن يحلف البائع لا غير، فكان تحليفه على البيع والعين وفيه تقليل اليمين أولى.
وإذا استصنع الرجل عند رجل قلنسوة أو خفًا، وجاء به العامل مفروغًا عنه، فقال الآمر: ليس هذا على المقدار الذي أمرتك به. وقال الصانع: هو كما أمرتني به، ذكر في كتاب الاستحلاف أنه لا يستحلف الصانع وهذا الجواب لا يشكل على قول من يقول بأن الاستصناع مواعدة وليست بمعاقدة وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن الاستحلاف لا يجري في المواعيد، وأما على قول من يقول باب الاستصناع معاقدة فقد اختلفت عبارة المشايخ فيه، وأصح ما قيل: أن الاستصناع ينعقد إجارة ابتداء وبيعًا انتهاء متى سلم، ولكن قيل: التسليم فحال ما جاء الصانع به في المستصنع، واختلفا قبل التسليم إلى الآمر فهذا آجر ومستأجر اختلفا بعد انقضاء مدة الإجارة، وفي مسألة لا يجري (فيها) الاستحلاف على ما عرف.
وإذا قال لغيره: أخذك غلامي حتى كتبت لي بفلان حلف على حاصل الدعوى، ولكن إنما يحلف إذا ادعى كفالة صحيحة منجزة أو معلقة بشرط متعارف، وذكر أن الكفالة له كانت بإذنه، أو ذكر إجازته لتلك الكفالة في مجلس الكفالة أما بدون ذلك لا يكون مدعيًا كفالة صحيحة، فلا يترتب عليه التحليف ثم كيفية التحليف على الحاصل في هذا: أن الكفالة إن كانت بالمال، حلفه بالله ماله قبلك هذه الألف درهم بسبب هذه الكفالة التي يدعيها يذكر بسبب هذه الكفالة التي يدعيها حتى لا تتناول كفالة أخرى غير ما وقع فيه الدعوى وإن كانت كفالة بعرض يحلفه بالله ماله قبلك تسليم نفس فلان بسبب هذه الكفالة التي يدعيها.
رجل في يديه سلعة لا يعلم لأحد فيها حقًا، جاء رجل وادعى فيها دعوى وسع الذي في يديه أن يحلفه البتة بالله ماله فيها حق، لأنه وجد سبب الملك في حقه وهو الاستيلاء، وإنه يقضي انتفاء حق الغير، فكان له أن يعتمد على هذا السبب ويحلف.
ألا ترى أنه لو كان مكان ذلك في يديه جارية كان له أن يعتمد على هذا السبب ويطأها، فكذا يجوز الاعتماد عليه في حق الحلف ولو كان المدعي مع المدعى عليه تصالحًا من دعوى المدعي على دارهم، ثم إن المدعى عليه جحد حق المدعي فيه لا يسعه أن يحلف ما له قبله حق، فعلم أنه لا حق له في ذلك الشيء.
وإذا أحال الرجل غريمًا من غرمائه على رجل بألف درهم، ثم إن المحتال له قدم المحيل إلى القاضي وهو لا يرى الحوالة توجب براءة الأصل وذلك قبل أن يجحد المحتال له، وقبل أن يفلس، حل للمحيل أن يحلف ما له عليه حق، إذا كان من رأي المحيل أن الحوالة توجب براءة الأصيل؛ لأن لكل أحد أن يتبع رأي نفسه في المجتهدات ما لم يصر مقضيًا عليه، وإن قضى للمحتال له بمطالبة المحيل وجعل الحوالة بمنزلة الكفالة به أراد المحيل أن يحلف على براءة نفسه، لا يسعه ذلك؛ لأن قضاء القاضي حصل في محل مجتهد فيه؛ لأن من مذهب زفر والقاسم بن معن، أن الحوالة لا توجب براءة الأصيل فصار المحيل مقضيًا عليه فلا يتبع رأي نفسه بعد ذلك، ولا يحلف على براءة نفسه.
رجل في يديه دار يزعم أن طائفة منها له يعلم مقدارها أو لا يعلم، فادعى رجل لنفسه فيها حقًا معلومًا بأن قال أدعي الثلث والربع، فقال المدعى عليه للقاضي: إنا نعلم للمدعي فيها حقًا ولكن لا أدري مقدار حقه فادع إليه ما أحسنت لا ينبغي للقاضي أن يتعرض لذلك بشيء، ولكن يحلف المدعى عليه على ما ادعى المدعي، فإن نكل فقد صار مقرًا بذلك القدر أو صار باذلًا لذلك القدر، وأيًا ما كان فهو حجة، وإن حلف على ذلك المقدار المعين، فالقاضي يسكن المدعي مع المدعى عليه في الدار بإقراره، أن له فيها حقًا؛ لأنه قد أقر للمدعي بالشركة فيها ولكن أنكر قدر ما ادعاه المدعي، ولم يثبت القدر كما حلف عليه بقي أصل الشركة، وفي حكم الشركة في الدار بين اثنين أو بين جماعة أن يسكنوا فيها، حتى ينتفع كل واحد بنصيبه بقدر الممكن.
قال في كتاب الصلح: رجل ادعى على رجل دينًا أو عينًا والمدعى عليه ينكر ذلك، فاصطلحا على أن يحلف المدعى عليه وهو بريء من المال فحلف المدعى عليه فالصلح باطل والمدعي على دعواه إن أقام بينة أخذه بها؛ وهذا لأن المدعى عليه لو استفاد البراءة إما أن يستفيد بهذا الصلح ولا وجه إليه لأن هذا صلح مخالف قضية الشرع، لأن قضية الشرع أن يمين المدعى عليه لا يمنع المدعي من إقامة البينة، وإما أن يستفيد البراءة بطريق إسقاط الحق ولا وجه إليه أيضًا؛ لأن حق المدعي في إثبات ما ادعاه بالبينة ثابت شرعًا على وجه لا يتمكن من إسقاطه مع بقاء أصل حقه، وإنه لم يسقط أصل حقه حين طلب يمين المدعى عليه لا يمنع المدعي من إقامة (البينة)، وإما أن يستفيد البراءة بالتنصيص على البراءة عند الحلف ولا وجه إليه؛ لأن البراءة معلوم بالشرط وتعليق البراءات بالشرط باطل، فإن لم يجد البينة وأراد أن يستحلف المدعى عليه عند القاضي بعد ذلك ينظر إن لم يكن الاستحلاف الأول بين يدي القاضي، فالقاضي يستحلفه ثانيًا؛ لأن اليمين عند غير القاضي غير معتبرة؛ لأن المعتبر يمين قاطعة للخصومة، وإن كان الاستحلاف الأول من القاضي لا يحلفه ثانيًا؛ لأن اليمين الأولى وقعت معتبرة؛ لأنها وقعت قاطعة للخصومة.
وكذلك لو اصطلحا على أن المدعي لو حلف فالمدعى عليه ضامن للمال، وحلف فالصلح باطل ولا شيء على المدعى عليه لأنه صلح على مخالفة الشرع لأنهما بهذا الصلح جعلا اليمين حجة للمدعي واليمين في الشرع لم تجعل حجة للمدعي.
قال هشام: سألت محمدًا رحمه الله عن رجل له على رجل مال مؤجل فقدمه إلى القاضي قبل أن يحل المال الذي يدعيه قبله، فحلف الرجل بالله ما له اليوم عليه شيء، وجهل القاضي وقبل ذلك منه هل يسع الحالف ذلك؟ قال: إن كان لا يرى أن يذهب بحقه فأرجو أن لا يكون بأس فقلت: فهل ينبغي للقاضي أن يقبل ذلك منه؟ قال: لا ولكنه يحلفه بالله ما له قبله شيء.
وذكر في (المنتقى) في باب الاستحلاف: رجل له على رجل ألف درهم نسيئةً، فأراد أن يحلفه بها عند القاضي ينبغي للمدعى عليه أن يقول للقاضي: سله أيدعي حالًا أو نسيئةً، فإذا قال: حالًا يحلف بالله ماله عليّ هذه الألف التي يدعيها ويسعه.
وإذا ادعى رجل على رجل دعوى وجحده المدعى عليه واستحلفه القاضي على ذلك فأبى أن يحلف، فإنه ينبغي للقاضي أن يقول له: إنك نكلت عن اليمين، ومن رأي القاضي بالنكول فأعرض عليك اليمين ثلاث مرات، فإن حلفت وإلا قضيت عليك بالمال، فلو عرض عليه اليمين بعد ذلك ثلاث مرات وأبى أن يحلف قضى عليه بالمال هكذا ذكر الخصاف في كتابه، وهو مروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله، ذكر روايتهم في كتاب الاستحلاف، وشرط الخصاف رحمه الله أن يقول له القاضي في كل مرة: احلف وإلا قضيت عليك.
واختلف المشايخ أن التقدير بالثلاث في عرض اليمين هل هو أمر لازم؟وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا قضى القاضي عليه بالنكول في المرة الأولى، هل ينفذ قضاؤه؟
كان الحاكم الإمام أبو محمد الكوفي رحمه الله يقول: العرض ثلاث مرات أمر لازم، قيل: وهكذا روي عن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، وبعض مشايخنا قالوا: إنه ليس بلازم.
وذكر شيخ الإسلام في شرح (السير الكبير): أن القاضي إذا عرض اليمين على المدعى عليه ولم يحلف، إن صرح بأنه لا يحلف، فالقاضي لا يعرض عليه اليمين مرة أخرى، بل يقضي عليه، وإن سكت فالقاضي يعرض عليه اليمين ثلاث مرات ويقول في كل مرة: إن حلفت وإلا قضيت عليك بالمال.
وذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمه الله في شرح كتاب الدعوى أن القاضي لو قضى في المرة الأولى، عامة المشايخ على أنه ينفذ قضاؤه، وبعضهم قالوا: لا ينفذ قضاؤه. قال محمد رحمه الله: والصحيح ما عليه عامة المشايخ.
وجه قول من قال: بأن التقدير بالثلاث ليس بأمر لازم: أن يكون له متسع للتورع عن اليمين الكاذبة إلا أنه يستحب العرض ثلاث مرات حتى يتأمل هل عليه شيء أم لا؛ أو لأنه يحتمل أنه لم يفهم كلام القاضي فالقاضي يبلي عذره فيه، والثلاث حسن لإبلاء العذر. ألا ترى أن المرتد يمهل ثلاثة أيام ولو لم يمهل وقتل في اليوم الأول جاز كذا ها هنا.
وجه القول الآخر: أن النكول حجة محتملة؛ لأنه يحتمل أنه نكل تورعًا عن اليمين الكاذبة، ويحتمل أنه نكل لاشتباه الحال، فما لم يتأيد بمؤيد لا يعمل به فإذا نكل ثلاث مرات فقد وجد المؤيد وقبل ذلك لم يوجد المؤيد فلو أن القاضي عرض عليه اليمين ثلاث مرات وأبى أن يحلف فقضى عليه بالنكول ثم قال أنا أحلف لا يلتفت إليه؛ لأن قضاء القاضي قد نفذ وأفاد حكمه، فلا يمكن نقضه بعد ذلك من غير حجة وهو معنى قول شريح رضي الله عنه في مثل هذه الصورة: قد مضى قضاء لي. ولو قال: أنا أحلف قبل أن يقضي عليه قبل ذلك منه؛ وهذا لأن النكول لا يكون حجة قبل إيصال القضاء به، فلم يلزمه بسببه شيء فكان له أن يحلف بخلاف الإقرار، ويقبل ذلك؛ لأنه عسى كان النكول، ليتأمل هل الأمر كما يزعم المدعي وإنه صادق في الإنكار حلف، فلهذا يقبل ذلك منه.
قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: وهو نظير ما قلنا في أحد الزوجين إذا أسلم أنه يعرض الإسلام على الآخر ثلاث مرات، ويقول له القاضي: إن امتنعت عن الإسلام أفرق بينك وبين صاحبك فإن امتنع في المرة الثالثة، فالقاضي يفرق بينهما، فإن قال: بعد ذلك أنا أسلم لا ينفعه إسلامه في هذا النكاح، وإن قال: أنا أسلم قبل قضاء القاضي بالفرقة، فالقاضي لا يفرق بينهما.
ثم النكول الذي يترتب عليه القضاء عندنا مختص بمجلس القضاء؛ لأن النكول الذي يترتب عليه القضاء النكول عن اليمين القاطعة للخصومة، واليمين القاطعة للخصومة مختص بمجلس القضاء ويشترط أن يكون القضاء على فور النكول عند بعض المشايخ، وعلى قول الخصاف لا يشترط وقد مر هذا من قبل.
قال الخصاف رحمه الله: وإن استمهل المدعى عليه من القاضي يومين أو ثلاثة بعدما عرض عليه القاضي اليمين ثلاث مرات ونكل عن اليمين في كل مرة فلا بأس بأن يمهله القاضي؛ لأنه طلب من القاضي أن ينظر له بالتأخير حتى ينظر فيه، ويتأمل فيزول الاشتباه عنه والقاضي نصب ناظرًا، فلهذا قال: لا بأس بأن يمهله القاضي، وإن لم يمهله وأمضى الحكم جاز؛ لأن دليل القضاء قد وجد وعسى يكون مراده من الإمهال تضييع حقه بالتأخير وهو نظير أمر المرتد (إذا) استمهل يمهل له ثلاثة أيام، وإن لم يمهل له وقتل جاز كذا ها هنا، فلو أن القاضي عرض عليه اليمين في المرة الأولى فقال: لا أحلف، فلما عرض عليه اليمين في المرة الثانية قال: أحلف ثم لم يحلف، فالقاضي يحتسب بما سبق حتى يعرض عليه اليمين مرة واحدة بعد ذلك، وإذا نكل قضى عليه، ولو أن القاضي (عرض) عليه اليمين في المرة الأولى فقال: لا أحلف ثم استمهل ثلاثة أيام فأمهله القاضي، فلما مضت الأيام الثلاثة، فالقاضي يستقبل العرض عليه ثلاث مرات ولا يحتسب بما سبق.
والفرق: أن في المسألة الأولى لو لم يحتسب بما سبق لا يمكن القاضي من القضاء بالنكول أصلًا؛ لأنه كلما أراد أن يقضي عليه بالنكول يقول: أنا أحلف، فيحتاج إلى استقبال عرض اليمين ثلاث مرات فيتعذر عليه القضاء، أما في مسألة الاستمهال لو لم يحتسب بما سبق لا يتعذر عليه القضاء بالنكول؛ لأنه لو استمهل مرة أخرى فالقاضي لا يمهله، ولأن عرض اليمين إنما يبقى معتبرًا إذا بقي للاستحلاف حقًا مستحقًا للمدعي فبقي العرض معتبرًا.
قال: ولو أن المدعى عليه حين أنكر دعوى المدعي، وعرض عليه القاضي اليمين لم يقل: لا أحلف ولكنه سكت، فالقاضي يقول: إني أعرض عليك اليمين ثلاثًا، فإن لم تحلف قضيت عليك بما ادعى ثم يعرض عليه اليمين ثلاثًا، فإن حلف وإلا ألزمه ذلك، فقد جعل الساكت ناكلًا وإنما جعل كذلك؛ لأنه بالسكوت امتنع عن اليمين المستحقة فصار به ظالمًا فيجعله القاضي ناكلًا ليقضي عليه هل يظلمه؟ ألا ترى أنه لو امتنع عن جواب المدعى عليه بالسكوت، فالقاضي يجعله ناكلًا فكذا هاهنا.
وبهذا يتبين أن النكول نوعان: حقيقي وحكمي، فالحقيقي: أن يقول لا أحلف والحكمي: أن يمتنع عن اليمين، ولكن إنما يجعل الإباء عن اليمين نكولًا إذا عرف أنه ليس في لسانه آفة تمنعه عن اليمين، وإذا عرف أنه ليس في أذنه آفة تمنعه عن سماع كلام القاضي، وهذا لأن الإنسان قد يسمع كلام القاضي، ولكن لا يمكنه أن يجيب؛ لأن في لسانه آفة وقد يمكنه أن يجيب إلا أنه لا يمكنه أن يسمع لآفة في سمعه وما لم يسمع ولم يقدر على الجواب لا يصير ظالمًا بالإباء عن اليمين، فلا يجعل امتناعه عن اليمين نكولًا حكمًا، وفي مسألتنا هذه عرف أنه لا آفة في لسانه ولا في سمعه؛ لأنه سمع كلام الخصم وأجابه في مجلس القاضي بالإنكار، فلهذا جعله ناكلًا حكمًا.
ولو أن المدعي حين قدم المدعى عليه مجلس القاضي وادعى عليه الحلف الذي زعم أنه قبله فسأله القاضي عن دعواه فسكت ولم يجب القاضي لا بقليل ولا بكثير، وكلما كلمه القاضي بشيء لم يرد عليه الجواب، فإن القاضي لا يجعله ناكلًا لجواز أنه كان بسمعه آفة فلم يسمع كلام القاضي أو لم يكن بسمعه آفة إلا أنه كان بلسانه آفة فسمع كلام القاضي، إلا أنه لم يقدر على الجواب فلا يظهر ظلمه فلا يجعله القاضي ناكلًا، ولكن إذا كان في مجلس القاضي من يعرفه، فالقاضي يسألهم عنه، فإن شهدوا أنه عاقل ناطق سميع غير أبكم ولا أصم، فالقاضي يجعله ناكلًا ويقضي عليه، لأنه ظهر في الامتناع عن اليمين، وأما إذا لم يكن في مجلس القاضي من يعرفه فإن القاضي يقيمه عن مجلسه ويأخذ منه كفيلًا حتى يسأل عن معارفه وجيرانه، فإن سأل وأخبروا أنه لا آفة به أعاده إلي مجلسه، فإذا أعاده إلى مجلسه وهو ساكت بعد لا يتكلم:
أجمعوا على أن القاضي ينزله منكرًا في حق سماع البينة عليه حتى لو أقام المدعى عليه بينة قبلت بينته وقضى عليه بالمال المدعى به، وأما في حق عرض اليمين عليه ثلاث مرات والقضاء عليه بالنكول هل ينزله منكرًا؟ بعض مشايخنا قالوا: هذا على قولهم فأما على قول أبي حنيفة رحمه الله فالقاضي يحبسه ولا يقضي عليه بالنكول.
وذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: أن ما ذكر في (الكتاب) قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله أما على قول أبي يوسف: فالقاضي لا يقضي عليه بل يحبسه حتى يجيب أو يحلف، وجه قول من قال: يستحلف ويقضي عليه: أنه جعل منكر في حق سماع البينة عليه فكذا في حق عرض (اليمين)؛ لأن المعنى لا يختلف، وجه قول من قال لا يعرض عليه اليمين: أن الإنكار لم يوجد حقيقة، والشرع إنما شرع عرض اليمين والقضاء بعد ذلك بناء على الإنكار الحقيقي ولم يوجد.
وإن علم القاضي أن بلسانه آفة بأن علم أنه أخرس أمره أن يجيب بالإشارة ويعمل بإشارته، لأن الإشارة من الأخرس قائمة مقام الكلام من الناطق، ألا ترى أنه يعمل بإشارته في حق النكاح والطلاق، فإن أشار بالإقرار تم الإقرار وإن أشار بالإنكار عرض عليه اليمين، فإن أشار بالإجابة كان يمينًا، وإن أشار بالإباء يكون نكولًا، فيقضي عليه بالنكول.
حكي عن موسى بن سليمان قال: سمعت محمد بن الحسن رحمه الله (يقول) إذا أراد القاضي أن يستحلف الأخرس يقول له: عليك عهد الله إن كان لهذا عليك هذا الحق ويشير الأخرس برأسه أي نعم ولا يستحلفه بالله ما لهذا عليك هذا الحق فيشير برأسه أي نعم؛ وهذا لأن قوله بالله ما لهذا عليك هذا الحق، لابد وأن يقول القاضي: قل بالله ليعرف الأخرس أنه يطلب منه اليمين؛ لأن قوله بالله ليس يخاطب الأخرس ولا يعني إلزام الأخرس، فلابد من خطابه بقوله قل ليعرف أنه طلب منه اليمين.
بخلاف قوله: عليك عهد الله، فإن هناك لا يحتاج إلى أن يقول له القاضي قل علي عهد الله؛ لأن قوله عليك خطاب الأخرس وفيه ما يفتي عن إلزامه عليه فيعرف الأخرس أن القاضي يطلب منه، فلا حاجة إلى الخطاب بكلمة قل ثم إنما الفرق جاء بين الصورتين باعتبار أن الإشارة من الأخرس صحت إذا كانت معروفة كالكلام من الناطق.
ولو قال للناطق: عليك عهد الله إن كان لهذا عليك كذا، فقال نعم (انعقدت) يمينًا؛ لأن نعم تتضمن إعادة ما في السؤال في غير الأول في الإيجابات، وقوله: عليك عهد الله ليس بإيجاب فيصير معادًا قوله عليه إن كان، وكأنه قال: علي عهد الله إن كان لهذا علي كذا ولو كان هكذا كان يمينًا.
وإذا عرفت هذا في الناطق فكذا في الأخرس وإشارتهم عندهم نعم، ولو كان قال للناطق: قل بالله هذا أمر، وقوله نعم في جواب الأمر لا يجعل جوابًا ولا يتضمن إعادة ما في الأمر. ألا ترى أنه إذا قيل في العرف: لرجل أدخل هذه الدار، فقال: نعم لا يجعل جوابًا وإذا لم يتضمن إعادة ما في الأمر لا تصير إشارة الأخرس جوابًا متضمنًا إعادة ما في الأمر فلا يصير الأخرس حالفًا.
وعن بعض المتأخرين من مشايخنا أن من ادعى عينًا في يدي أخرس، فالأخرس يحلف على الإثبات بالله كه أين عين ملك تواست، ولا يحلف على النفي بالله كه أين عين ملك اين مدعى بنست؛ لأنه لو حلف على النفي فهو مشير بالنفي بالله كه أين عين ملك ابن مدعي بنست، وفيه احتمال يحتمل أن يكون نفيًا لليمين يعني سموكند نمى خورم، فيحلف على الإثبات تحرزًا عن هذا الاحتمال، وإن كان المدعي أخرس وله إشارات معروفة وخصمه صحيح يحلفه بطلب الأخرس ويحلفه بالله الذي لا إله إلا هو كما إذا كانا صحيحين.
وإن كان المدعى عليه أصم مع كونه أخرس والقاضي يعرفه أنه أصم، فإن القاضي يكتب له ويأمره أن يجيب بالكتابة، وإن كان لا يعرف الكتابة وله إشارة معروفة يؤمر بالإشارة ليجيب وتعامل معه كما تعامل مع الأخرس، وإن كان المدعى عليه مع كونه أخرس وأصم وأعمى، فالقاضي ينصب عنه وصيًا ويأمر المدعي بالخصومة معه إذا كان له أب أو جد أو وصيهما، وإن عرف القاضي خللًا في عقله أو عرفه عديم العقل، فإن كان له أب أو جد أو وصي أب أو وصي جد يحضره مجلس الحكم حتى يدعي عليه، وإن لم يكن له واحد من هؤلاء نصب عنه خصمًا ثم يسمع الخصومة عليه، نظرًا للمدعي بقدر الممكن.
ولو ادعى رجل على رجل مالًا بحكم الشركة وجحد المدعى عليه ذلك، ثم إن المدعى عليه قال: كان في يدي من مالك كذا وكذا بحكم الشركة ولكن قد دفعته إليك وأنكر المدعي الدفع والقبض هل يحلف المدعي على الدفع والقبض؟ ينظر إن كان المدعى عليه أنكر الشركة وكون مال الشركة في يده أصلًا بأن قال: لم يكن بيني وبينك شركة قط وما قبضت منك شيئًا بحكم الشركة لا يحلف المدعي على القبض، وإن كان المدعى عليه قال وقت الإنكار: ليس في يدي من مال الشركة شيء يحلف المدعي؛ وهذا لأن التحليف يترتب على دعوى صحيحة وفي الوجه الأول الدعوى لم تصح لمكان التناقض؛ لأن الجمع بين إنكار الشركة أصلًا وبين دعوى رد مال الشركة غير ممكن، أما في الوجه الثاني الدعوى قد صح لانعدام التناقض؛ لأنه يمكنه أن يقول ليس في يدي من مال شركتك لا أني قد دفعت إليك مال الشرك قبل هذا.
ولو ادعى عبدًا في يد غيره، فقال صاحب اليد: إنه لفلان الغائب أودعنيه لا تندفع الخصومة عنه ما لم يقم البينة على ما ادعى عندنا وهي المسألة المخمسة، وإذا لم يقم بينه على ما ادعى حتى اختصما كان للمدعي أن يستحلفه على دعواه، فإن حلف برأ عن الخصومة وإن نكل قضى عليه بما ادعاه المدعي، فإن جاء المقر له الأول كان له أن يأخذ العبد من المدعي؛ لأن إقرار صاحب اليد الأول كان سابقًا على إقراره للمدعي فيثبت حق الأول في زمان لا مزاحم للمدعي فيه، ثم يقال للمدعي: أنت على خصومتك مع الأول، فإن أقام بينة على أنه له أخذه منه وإن لم يكن له بينة على ذلك استحلف الأول، فإن حلف برأ عن خصومة المدعي، وإن نكل قضى عليه بالعبد للمدعي؛ لأنه صار هو الخصم وترتيب الحجج بين الخصوم ما ذكرنا هذا أقر به الأول ونكل المدعي بعد ذلك، ولو لم يقل شيئًا حتى استحلفه المدعي ونكل وقضى به للمدعي ثم أقر به للغير، لا يصح إقراره ولا يضمن لذلك الغير شيئًا.
ولو أن رجلًا في يديه أمة أو عبد أو عرض من العروض، جاء رجلان وادعى كل واحد منهما أنه له وقدماه إلى القاضي، فسأله القاضي دعواهما فإن أقر به لأحدهما وجحد الآخر يؤمر بالتسليم إلى المقر له؛ لأن بدعواهما لا يبطل ملكه ويده فإقراره يكون إقرارًا على نفسه، فيصح ويؤمر بالتسليم إليه، فإن أراد الآخر استحلافه فلا سبيل له عليه وتكون خصومة الآخر مع المقر له؛ لأن فائدة الاستحلاف النكول الذي هو إقرار وبدل وبعد ما خرج عن ملكه لا يصح منه البدل ولا الإقرار، فإن قال الآخر للقاضي: إنما أقر به له ليدفع اليمين عن نفسه فحلفه لي، فالقاضي يحلفه على ذلك، هكذا ذكر الخصاف رحمه الله في (أدب القاضي): وإنه ليس بصواب، والصواب أنه لا يحلفه لما ذكرنا أن فائدة الاستحلاف النكول الذي هو بدل أو إقرار.
ولو كان مكان دعوى الملك المطلق دعوى الغصب بأن ادعى رجلان عينًا في يدي ثالث ادعى كل واحد العين له غصبه صاحب اليد منه وقدماه إلى القاضي فأقر بالغصب من أحدهما، وأمر بالتسليم إليه، فأراد الآخر أن يستحلفه كان له ذلك؛ لأنه لو أقر للثاني يصح إقراره؛ لأنه يعيد الضمان عليه إن كان لا يفيد استحقاق العين؛ لأنه يقر للثاني بالغصب حسب إقراره الأول وقد عجز عن رده إلى الثاني والعجز عن رد المغصوب يوجب الضمان على الغاصب، حصل العجز من جهة الغاصب أو جهة القاضي بخلاف مسألة دعوى الملك المطلق فإن هناك لو أقر للثاني بعدما أقر للأول ودفع إلى الأول بقضاء لا يضمن للثاني شيئًا؛ لأنه ما أقر للثاني بلا ضمان؛ لأن مجرد الإقرار لا يصلح سببًا للضمان في حق الثاني، لأنه لا يزيل ملكه، ألا ترى أن الثاني لو أقام بينة أنه ملكه أخذه من الأول، وإذا خرج من الإقرار من البين بقي التسليم وأنه حصل بقضاء وأنه لا يصلح سبب ضمان، وإذا كان لا يضمن للثاني لو أقر بالعين له لم يكن الاستحلاف مفيدًا لاستحقاق العين واستحقاق القيمة، فلا يستحلف.
ولو كان مكان دعوى الغصب دعوى الإيداع بأن ادعى كل واحد الوديعة في العين، فقال كل واحد: هذا العين لي أودعته من هذا فأقر به لأحدهما وأمره القاضي بالدفع إليه، فأراد الآخر أن يستحلفه لا يكون له ذلك؛ لأنه لو أقر للآخر بالعين بعد ذلك لا يضمن له، وإن صار العين تالفًا على الآخر؛ لأنه ما صار تالفًا بمجرد إقراره إنما صار تالفًا بالدفع إلى الأول والدفع إلى الأول حصل بقضاء قاض، وإذا كان لا يلزمه الضمان لو أقر به للثاني لم يكن الاستحلاف مفيدًا.
وعلى قول محمد رحمه الله كان له أن يستحلفه؛ لأنه لو أقر للثاني يلزمه الضمان بترك الحفظ، فإذا أقر به للأول فقد سلطه على الآخر فصار تاركًا الحفظ في حق الثاني، فيلزمه الضمان كما لو دل سارقًا على سرقة الوديعة، وإذا كان يلزمه الضمان لو أقر للثاني كان الاستحلاف مفيدًا فيستحلفه هذا إذا أقر به لأحدهما، فأما إذا أقر لهما أمر بالتسليم إليهما ولا يضمن لواحد منهما شيئًا، أما في دعوى الملك المطلق فظاهر، وأما في دعوى الوديعة، أما على قول أبي يوسف فظاهر أيضًا، وأما على قول محمد رحمه الله: فلأنه إنما يصير مقرًا لكل واحد منهما بالنصف، وقد سلم إلى كل واحد منهما ما أقر به فلم يصر تاركًا الحفظ الملتزم في حق كل واحد منهما بخلاف ما إذا أقر لأحدهما أولًا، ثم أقر به للآخر؛ لأن هناك لم يسلم إلى الثاني ما أقر له، فصار تاركًا للحفظ الملتزم في حق الثاني فضمن له عند محمد رحمه الله وأما في دعوى الغصب فلأنه صار مقرًا لكل واحد منهما بالنصف، وقد سلم إلى كل واحد منهما ما أقر له بخلاف ما إذا أقر به لأحدهما ثم أقر به للثاني، فإن أراد أحدهما أن يحلفه على النصف الآخر لنفسه، ففي دعوى الملك المطلق لا يحلف، وفي دعوى الغصب يحلف، وفي دعوى الوديعة على قول أبي يوسف لا يحلف، وعلى قول محمد يحلف، وأما إذا جحد لهما وطلب كل واحد منهما من القاضي أن يحلفه له، فالقاضي لا يحلفه بالله ما هذا العبد لهما؛ لأن كل واحد منهما يدعى جميع العبد فكيف يستحلف له في نصفه، وهذا تحليف لكل واحد منهما في النصف ولكن يستحلف لكل واحد منهما بعد هذا اختلف المشايخ:
بعضهم قالوا: يحلف لهما يمينًا واحدة بالله ما هذا العبد لهما لا لهذا ولا يحلف لكل واحد منهما يمينًا على حدة؛ لأن عهد ذلك يحتاج إلى البداية بأحدهما وفيه تفويت التسوية، وبعضهم قالوا: يحلف لكل واحد منهما يمينًا على حدة والرأي في ذلك للقاضي إن شاء بدأ بأحدهما من غير إقراع، وإن شاء أقرع بينهما تطييبًا لقلوبهما ونفيًا للتهمة عن القاضي، ثم إذا حلف لكل واحد منهما يمينًا على حدة فالمسألة على ثلاثة أوجه:
الأول: إذا حلف لكل واحد منهما يمينًا على حدة وفي هذا الوجه برأ عن دعواهما وهذا ظاهر.
الثاني: إذا حلف لأحدهما ونكل عن الآخر وإنه على وجهين: إن حلف للأول برأ عن دعواه، وإذا نكل للآخر قضى للآخر بكل العين كما إذا ادعاه وهو وحده فحلف ونكل، وإن نكل للأول فالقاضي لا يقضي بنكوله للأول بل يحلف للآخر وينتظر حاله مع الآخر بخلاف ما لو أقر به لأحدهما، فإن هناك القاضي يقضي بالعين للمقر له، وفي النكول قال: لا يقضي للذي نكل له، والفرق: أن الإقرار حجة موجبة الحق بنفسه لا تتوقف على قضاء القاضي، فحين أقر به للأول فقد ثبت الحق للأول فيؤمر بالتسليم إليه، فأما النكول لا يوجب الحق بنفسه بل يتوقف على قضاء القاضي، فإن القاضي بالقضاء به له مقرًا أو ناكلًا على حسب ما اختلفوا فيه، فحين نكل للأول لم يثبت الحق بنكوله بل يتوقف على القضاء ولا يمكن للقاضي القضاء للأول ما لم يستحلفه للثاني.
فلو أنه قضى للذي نكل له أولًا مع أنه لا ينبغي له أن يفعل ذلك نفذ قضاؤه؛ لأنه حصل في محل مجتهد فيه، فإن الموضع موضع اشتباه الدليل؛ لأن النكول إقرار؛ ولأنه من العلماء من قال يجوز للقاضي، نكل أو لا، وهو مروي عن أبي يوسف رحمه الله.
ولو نكل لهما فهو على وجهين إما إن نكل لهما جملة بأن حلفه القاضي لهما يمينًا واحدة كما هو قول بعض المشايخ، أو نكل لهما على التعاقب، فإن حلف القاضي لكل واحد منهما يمينًا على حدة، كما هو قول المشايخ والحكم في الوجهين واحد، وإنما كان الحكم في الوجهين واحد؛ لأن النكول ليس بحجة في نفسه، وإنما يصير حجة بقضاء القاضي وحال ما يقضي القاضي فقد اجتمع النكولان، فكأنه نكل لهما جملة.
جئنا إلى بيان الحكم فنقول:
في دعوى الملك المطلق، القاضي يقضي بالعين بينهما.
وفي دعوى الغصب القاضي يقضي بالعين بينهما وبقيمة العين بينهما، ولا يضمن شيئًا من قيمة العبد لا لهما ولا لأحدهما، والفرق: وهو أن الإقرار حجة في نفسه لا يبنى على الدعوى ولهذا يصح قبل الدعوى، فإذا أقر بغصب العبد منهما فقد أقر بغصب النصف من كل واحد منهما، فإذا دفع العبد إليهما فقد وصل إلى كل واحد منهما نصف العبد فلا يلزمه شيء آخر، فأما النكول يبنى على الدعوى فكل واحد من المدعيين ادعى لنفسه جميع العبد فيكون نكوله لكل واحد منهما في جميع العبد فاستحق كل واحد منهما عليه جميع العبد ولم يصل إلى كل واحد منهما نصف العبد معنى.
وفي دعوى الوديعة القاضي يقضي بالعبد لهما ولا يقضي بشيء من قيمة العبد عند أبي يوسف، وعند محمد رحمه الله: يقضي بقيمة العبد بينهما كما في دعوى الغصب.
ولو أن رجلًا في يديه عبد ورثه من أبيه جاء رجل وادعى أن هذا العبد عبده أودعه أباه الميت وأنكر صاحب اليد، فإنه يستحلف صاحب اليد على دعواه ولكن يستحلف على العلم وهذا ظاهر، فإن حلف برأ وإن نكل قضى به عليه، ثم إذا قضى به عليه وأمر بالتسليم إلى المدعي وسلم جاء رجل وادعى بمثل ما ادعاه الأول، وأراد أن يستحلف المدعى عليه ليس له ذلك.
فرق محمد رحمه الله بين هذه المسألة وبينما إذا ادعى كل واحد من المدعيين أنه أودعه من صاحب اليد، واستحلف الأول فنكل له فإنه يستحلف للثاني عند محمد رحمه الله؛ لأن الاستحلاف مفيد؛ لأنه لو أقر للثاني يضمن للثاني لتركه الحفظ الملتزم بعقد الوديعة في حق الثاني؛ لأن الابن ليس بمودع بل حصل المال أمانة في يده، وفي مثله لا يجب الضمان بترك الحفظ فلم يكن في الاستحلاف فائدة ها هنا، فلا يستحلف.
قالوا: وهذا إذا لم يكن في يدي الابن شيء من تركة الأب سوى هذا العبد يستحلف للثاني عند محمد رحمه الله؛ لأنه يصح إقراره للثاني فيستحلف له أيضًا وهذا؛ لأن المدعي يدعي على الميت تجهيل الوديعة وتجهيل الوديعة سبب وجوب الضمان، فكان هذا الدعوى الدين على الميت وإقرار الوارث بالدين على الميت إذا كان في يده شيء من التركة صحيح، فيستحلف وإذا نكل يقضى عليه بنكوله ويؤخذ ذلك مما في يده ولو كان دعوى هذا العبد؛ لأنه لو أقر للثاني في هذه الصورة لا يصح إقراره ولا يضمن له شيئًا؛ لأنه ليس بغاصب حتى يضمن للثاني بالأخذ السابق والتسليم ما كان عن اختيار، فلهذا لا يضمن للثاني، وإذا لم يكن عليه ضمان للثاني لم يكن استحلافه للثاني مفيدًا فلا يستحلف له، وإذا ادعى على عبد محجور عليه مالًا أو حقًا من الحقوق فالخصم في ذلك العبد حتى كان للمدعي حق إحضاره، فإذا أحضر وأنكر دعواه فله أن يستحلفه أما إذا كان المدعى به مالًا يؤاخذ العبد به في الحال كدين الاستهلاك وما أشبهه، فظاهر؛ لأن دين الاستهلاك ظاهر في حق المولى حتى يباع العبد فيه فصار كدين التجارة في حق المأذون وأما إذا كان مالًا يؤاخذ به العبد للحال وإنما يؤاخذ به بعد العتق كدين الكفالة وكمهر امرأة تزوجها بغير إذن المولى، ودخل بها فلأنه يدعي عليه معنى لو أقر به يلزمه وأنه يؤاخذ به بعد العتق، فإذا أنكر يستحلف رجاء النكول، فإن حلف برأ عن الدعوى، وإن نكل ثبت الحق ويصبر المدعي إلى أن يعتق، هكذا ذكر الخصاف في (أدب القاضي).
قال الصدر الشهيد رحمه الله: وتصير مسألة العبد المحجور رواية في الدين المؤجل إذا ادعاه صاحب الدين وأنكره المديون، فأراد صاحب الدين أن يحلفه هل له ذلك؟ فقد اختلف المشايخ فيه:
بعضهم قالوا: يحلف استدلالًا بمسألة العبد المحجور، فإنه في الموضعين جميعًا المال واجب في الحال وإنما ما جرت المطالبة وهكذا روي عن أبي يوسف ومحمد وقد ذكرنا روايتهما في صدر هذا الفصل.
وبعضهم قالوا: لا يحلف وهذا القائل يفرق بين المسألتين والفرق أن التأخر في الدين المؤجل بدليل موجب له، وهو التأجيل فأوجب التأخر مطلقًا، فلم يبق واجب الأداء في الحال فلم تصح مطالبة المدعي إياه في الحال، فلم يتوجه اليمين، أما في العبد لا تأجيل في الدين فكان واجب الأداء للحال، ولهذا لو جاء إنسان وكفل به صح ويطالب الكفيل به للحال لكن تأخر المطالبة ضرورة العسرة، فلا يظهر التأخر في حق توجه اليمين عليه كما لو ادعى على المعسر الحر وجحده، فإنه يتوجه عليه اليمين، وإن كان لا يطالب به للحال، ومن العلماء من قال إذا كان المدعى به مالًا لا يؤاخذ به العبد المحجور عليه في الحال، وأراد المدعي أن يحضر العبد مجلس الحكم فللمولى أن يمنعه من ذلك ويقول له: لي حق استخدامه، فإذا أحضر به باب القاضي عجزت عن استخدامه والاستخدام مستحق لي فليس لك إبطاله، هذا كما قلنا في الرجل زوج أمته من إنسان كان له أن يمنعها من الزوج وإن كان للزوج حق الاستمتاع بها بحق النكاح كيلا يفوت حق الاستخدام على المولى كذا ها هنا، وإلى هذا القول مال الشيخ الإمام فخر الإسلام علي رحمه الله.
وإن وقع الدعوى على عبد مأذون له في التجارة فالجواب فيه كالجواب في العبد المحجور يحلف العبد سواء كان المدعى به مالًا يؤاخذ به المأذون في الحال أو يؤاخذ به بعد العتق، هكذا ذكر الخصاف رحمه الله.
ومن قال في العبد المحجور إذا كان المدعى به مالًا لا يؤاخذ به العبد للحال إذا أراد أن يحضر العبد مجلس الحكم فللمولى أن يمنعه، يقول في المأذون كذلك؛ لأن المدعي لا ينتفع بحلفه للحال وللمولى فيه ضرر، فإن الخصومة مع العبد وجره إلى باب القاضي شغله عن خدمة المولى وخدمة المولى حقه، فكان للمولى أن يمنع المدعي من ذلك.
وإن وقع الدعوى على صبي محجور عليه، فإن لم يكن للمدعي بينة لا يكون له حق إحضاره؛ لأنه لا فائدة في إحضاره؛ لأنه لو أقر لا يصح إقراره ولا يتوجه عليه اليمين؛ لأن اليمين للنكول ونكوله ليس بحجة؛ لأنه لا يرتقي درجته على صريح الإقرار منه، وصريح الإقرار منه ليس بحجة فكذلك النكول، وإن كان للمدعي بينة وكان يدعي عليه بسبب الاستهلاك هل يشترط إحضاره؟ فالكلام فيه يأتي بعد هذا في فصل آخر إن شاء الله تعالى.
وإن وقع الدعوى على صبي مأذون فقد ذكر في (الفتاوى): صبي مأذون باع شيئًا ووجد المشتري به عيبًا وأراد رده على الصبي لكون هذا العيب في يده وأراد المشتري أن يحلفه قال: لا يمين عليه حتى يدرك، وعن محمد رحمه الله: لو حلف وهو صبي ثم أدرك لا يحلف، فهذا دليل أن يمينه معتبرة.
وفي (النوادر): يحلف الصبي المأذون ويقضى عليه بنكوله بمنزلة البائع، وفي إقرار (الأصل) في باب الإقرار بترك اليمين: الصبي التاجر يستحلف، وكذا العبد التاجر، وفي كتاب (الأقضية): الصبي المأذون إذا أقر بدين التجارة يصح إقراره، وإذا ادعي ذلك عليه وأنكر يستحلف، وإذا أقر بدين ليس هو دين التجارة لا يصح إقراره، وإذا ادعى ذلك عليه وأنكر لا يستحلف.
وفيه أيضًا: إذا وقع الدعوى على الصبي التاجر فيما ورثه عن أبيه يستحلف في ظاهر الرواية، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يستحلف.
وفي (الفتاوى): دار في يد صبي يدعي رجل أن أباه غصبها منه لا يحلف الصبي عليه؛ لأنه لا فائدة فيه ولا ينزع الدار من يده؛ لأنه مالكها ظاهرًا.
وذكر أبو الحسن بن عمار الطبري في كتابه: إذا كان صبي مأذون ادعى عليه رجل لا يمين عليه، ولو أقر به جاز.
وإذا ادعى مسلم على ذمي خمرًا بعينه يصح، وإذا أنكر يستحلف؛ لأنه لو أقر به يصح فكان الاستحلاف مفيدًا، وإذا ادعى عليه استهلاك خمر لا يحلف؛ لأنه لو أقر به لا يلزمه شيء فلا يفيد الاستحلاف.
قال: ويجوز الافتداء عن اليمين بالدراهم، وكذا يجوز الصلح عن اليمين على دراهم حتى لا يكون للمدعي أن يحلف المدعى عليه بعد ذلك، لأن الافتداء عن اليمين والصلح عن اليمين صلح عن إنكار وبعد الصلح على الإنكار لا يسمع دعوى المدعي فيما وقع الصلح عنه.
قال: رجل ادعى عينًا في يدي رجل وأراد استحلاف المدعى عليه، فإن قال المدعى عليه: العين في يدي بميراث وعلم القاضي ذلك، أو لم يعلم ولكن أقر بذلك أو لم يقر المدعي بذلك، ولكن أقام المدعى عليه بينة على ذلك، ففي هذه الوجوه كلها التحليف على العلم يحلف المدعى عليه بالله ما لم يعلم أن عليك تسليم هذا العبد إلى هذا المدعي؛ لأنه في الحاصل تحليف على فعل الغير؛ لأن الوارث يملك الموروث بفعل غيره وهو موت المورث لا بفعله ولهذا ملكه قبل أو لم يقبل، وإن لم يعلم القاضي حقيقة الحال ولا أقر المدعي بذلك ولا أقام المدعى عليه بينة على ذلك، فالقاضي يحلفه البتة، لأن سبب استحقاق اليمين الثبات قد تقرر وهو كون العبد في يده فهو بقوله: وصل إلي بالميراث يريد إسقاط يمين الثبات عن نفسه الميراث فلا يصدق عليه إلا بحجة فإن طلب المدعى عليه من القاضي أن يحلف المدعي ما وصل إليه من جهة فالقاضي يحلفه؛ لأنه يدعي سقوط يمين الثبات عن نفسه، والمدعي لو أقر بذلك يلزمه، فإذا أنكر يستحلف، ولكن يحلف على العلم بالله ما يعلم أنه وصل إليه بالميراث؛ لأنه تحليف على فعل الغير، فإن حلف المدعي على ذلك انتفى الوصول إلى المدعى عليه بجهة الميراث، فيحلف المدعى عليه على العلم، وإن قال المدعى عليه: وصل العين إلى يدي بالشراء أو بالهبة أو بالصدقة من جهة فلان يحلف على الثبات بالله ما عليك تسليم هذا العين إلى هذا المدعي وهذا مذهبنا، والمسألة قد مرت في صدر هذا الفصل.
وإن كان المدعى عليه يدعي لنفسه ملكًا مطلقًا يحلف على الثبات أيضًا، وإن احتمل دعوى الملك المطلق دعوى التمليك بفعل غيره من كل وجه وهو الميراث ودعوى التملك بفعل نفسه من كل وجه بالاصطياد والإحتشاش؛ لأن فيه زيادة زجر وقد مر نظير هذا في صدر هذا الفصل.
قال الخصاف رحمه الله في (أدب القاضي): العبد المأذون له في التجارة، إذا اشترى جارية ووطئها ثم استحقت من يده وهي ثيّب أن إقرار العبد بذلك الساعة لا يلزمه شيء، وإن أنكر وأراد استحلافه على علمه أحلفه بالله، فإن نكل جعلته عليه إذا عتق.
معنى قوله: أن إقرار العبد بذلك الساعة لا يلزمه شيء، أنه لو أقر بالوطء بعدما استحقت لا يلزمه العقد في الحال، وإنما يلزم بعد العتق.
ومعنى قوله: إن أنكر وأراد استحلافه أن العبد لو أنكر الوطئ بعدما استحقت الجارية، وأراد المستحق استحلاف العبد على الوطء بعد استحقاقها حلف بالله.
يجب أن يعلم بأن المأذون بمنزلة الحر في حق بعض الأحكام، وبمنزلة المحجور في حق البعض، ألا ترى أنه لو أقر بثمن جارية اشتراها يؤاخذ به للحال كالحر، ولو أقر بمهر امرأة أو أقر بالجناية لا يؤاخذ به في الحال، وإنما يؤاخذ بعد العتق، ولكن إذا جحد المأذون ما يلزمه في الحال وما يؤاخذ بعد العتق، وأراد المدعي استحلافه يحلف كما في المحجور عليه على ما ذكرنا قبل هذا وهو اختيار الخصاف رحمه الله.
ثم إن الخصاف لم يصحح إقرار المأذون بوطء الثيب بعدما ورد عليها الاستحقاق في حق لزوم العقد للحال وجعله في هذا كالمحجور، ومن المتأخرين من صحح ما ذكره الخصاف رحمه الله، وفرق بين الثيب وبين البكر، فإن الجارية المشتراة إذا كانت بكرًا واستحقت من يد المأذون وأقر بوطئها بعد الاستحقاق، يلزمه العقر في الحال، والفرق: أن المستوفى بوطء البكر صفة البكارة، وصفة البكارة مال ولهذا تزداد مالية الجارية، باعتبار هذه الصفة وتنقص بفواتها، وتصير هذه الصفة مستحقة بالشرط كما في باب البيع فثبت أنها مال، فقد أقر العبد بوجوب المال بدلًا عما هو مال، فيؤاخذ به في الحال، كما لو أقر بثمن جارية اشتراها، أما المستوفى بوطئ الثيب ليس بمال، فإنما أقر بوجوب المال بدلًا عما ليس بمال فلا يؤاخذ به في الحال كما لو أقر بجناية أو بمهر امرأة تزوجها، فالمأذون في فصل البكر كالحر، وفي فصل الثيب كالمحجور.
قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: ما ذكره الخصاف أن إقرار المأذون بوطئ الثيب غير صحيح في حق لزوم العقد للحال خلاف ما نص عليه محمد رحمه الله في المأذون، والصحيح ما ذكره محمد رحمه الله في المأذون أن إقراره بوطء الثيب صحيح يؤاخذ بالعقد في الحال؛ وهذا لأن العقد إنما يلزم بسبب مقدمة الشراء فكان من توابع الشراء والشراء تجارة، فكان هذا من توابع التجارة، وما كان من توابع التجارة فإقرار المأذون به صحيح ويؤاخذ به في الحال بخلاف ما إذا أقر بمهر امرأة تزوجها عليه لأن ذلك ليس بتجارة، ولا هو من توابع التجارة فلا يؤاخذ به للحال.
الدليل على صحة ما قلنا: أن أحد المتفاوضين إذا اشترى جارية واستحقت من يده، فأقر المشتري أنه كان وطئها وهي ثيب يلزمه العقر ويؤاخذ به صاحبه، وإنما يؤاخذ صاحبه بالمهر.
وفي (الجامع الصغير): المكاتب إذا وطئ أمة على وجه الملك بغير إذن المولى ثم استحقها رجل فعليه العقر، ويؤاخذ به للحال فقد جعله من توابع التجارة.
ولو أن رجلًا قدم رجلًا إلى القاضي، وادعى عليه ألف درهم، وأنكر المدعى عليه ذلك فأراد المدعي استحلافه فقال المدعى عليه للقاضي: إن المدعي حلفني على هذه الدعوى عند قاضي بلد كذا، وأنكر المدعي ذلك، فأقام المدعى عليه بينة على ما ادعى، قبل القاضي بينته؛ لأنه بهذه البينة يثبت إيفاء حق المدعي في اليمين، ولو أثبت إيفاء حقه في المال بالبينة أليس أنه يقبل ذلك منه، كذلك ها هنا، وإن لم يكن للمدعى عليه بينة على ذلك وأراد أن يحلف المدعي فله ذلك، هكذا ذكر الخصاف في (أدب القاضي)؛ لأن المدعى عليه يدعي أيضًا حق المدعي في اليمين، ولو ادعى أيضًا حقه في المال وأنكر المدعي ذلك أليس أنه يحلف كذا هنا.
وإذا حلفنا المدعي إن نكل صار مقرًا أنه حلف المدعى عليه مرة فلا يحلفه ثانيًا، وإن حلف ثبت أنه لم يحلفه مرة، فكان له أن يحلفه ثانيًا.
حكى القاضي أبو الهيثم عن القاضي أبي حازم: أنه لا ينبغي للقاضي أن يحلف المدعي على ما ادعاه المدعى عليه في هذه الصورة، ولكن ينبغي للقاضي أن يحلف المدعى عليه في الابتداء بالله ما لهذا المدعي عليك مال لا يحلفك عليه، قالوا: وما قاله أبو حازم أحسن مما قاله الخصاف؛ لأنا لو حلفنا المدعي بالله ما حلفت هذا المدعى عليه على دعواك هذا قبل قاضي بلد كذا، كان للمدعى عليه أن يقول: إنه حلفني على هذا مرة أخرى عند قاضي بلد كذا، ويطلب يمين المدعى عليه على ذلك ثم وثم إلى ما لا يتناهى، فكان ما قاله أبو حازم أحسن من هذا الوجه.
قال: ولو كان المدعي حين ادعى عليه ألف درهم قال المدعى عليه للقاضي: إن هذا المدعي قد كان ادعى علي بهذه الدعوى عند قاضي بلد كذا وكذا ثم خرج عن دعواه إذا برأ منها فحلفه أنه لم يبرأ عن هذا، لا ينبغي للقاضي أن يحلف المدعى عليه بالله ما أبرأت هذا المدعى عليه عن هذه الألف ولا عن شيء منها، وهكذا ذكر الخصاف رحمه الله في (أدب القاضي) وأشار إلى الفرق بين دعوى المدعى عليه أن المدعي قد أبرأه وبين دعواه أن المدعي قد حلفه مرة.
واختلف المشايخ فيه منهم من قال: لا فرق بينهما من حيث المعنى وإنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع.
موضوع هذه المسألة: أن المدعى عليه ادعى البراءة عن الدعوى لا عن الألف، وذكر في الجواب: أن المدعي لا يحلف بالله ما أبرأته عن هذه الألف ولا عن شيء منها وهذا مستقيم؛ لأن الاستحلاف يكون على وفاق الدعوى لا على خلافه، والمدعى عليه ادعي الإبراء عن الدعوى لا عن المال، فلو حلفناه على الإبراء عن المال لا يكون التحليف على موافقة الدعوى.
وموضوع تلك المسألة: أن المدعى عليه ادعى على المدعي أنه حلفه مرة وذكر في الجواب أنه يحلف المدعي بالله ما حلفه، فكان هذا استحلافًا على وفق الدعوى فيحلف.
وزان مسألتنا من تلك المسألة أنه لو أراد القاضي أن يحلفه على الإبراء عن الدعوى كان له ذلك؛ لأنه على موافقة الدعوى، ومنهم من قال: لا يحلف المدعي على البراءة أيضًا، قال فخر الإسلام رحمه الله: وهكذا ذكر محمد رحمه الله في كتاب الكفالة وبين وجه ذلك أن قول المدعى عليه: المدعي أبرَأَني عن هذه الدعوى محتمل، فإنه يذكر ويراد به الإبراء عن العين المدعى به، وإنه لا يصح؛ لأن الإبراء عن الأعيان باطل، ويذكر ويراد به الإبراء عن نفس الدعوى وإنه صحيح، فدعوى حينئذ من جهة المدعي لا يجوز إبطاله بالشك.
قالوا: وهذا لا يقوى؛ لأنه وضع المسألة في دعوى الدين، والإبراء عن المدعى به إذا كان دينًا صحيح، ولو كان وضع المسألة في دعوى العين فالإبراء عن الأعيان لا يصح، بمعنى: أن لا تصير العين ملكًا للمدعى عليه، أما لا تصح دعوى المدعي ذلك العين بعد ذلك، ولكن الوجه الصحيح لبيان أنه لا يحلف المدعى عليه دعوى الإبراء عن دعوى المال: أن المدعي بالدعوى استحق الجواب على المدعى عليه، والجواب إما الإقرار أو الإنكار وقوله: أبرَأَني عن الدعوى ليس بإقرار ولا إنكار، فلا يكون مسموعًا بل يقال: أجب خصمك ثم ادع عليه ما شئت إن كان لك عليه دعوى، وإذا لم يكن دعوى الإبراء مسموعًا من المدعى عليه لا يترتب عليه التحليف وهذا بخلاف ما إذا قال المدعى عليه في هذه الصورة: أبرأني عن هذه الألف، فإنه يحلف المدعي؛ لأن دعوى البراءة عن المال إقرار بوجوب المال، والإقرار جواب ثم دعوى المسقط وهو الإبراء يصح بعد الدعوى من المدعى عليه فيترتب عليها الاستحلاف، ومن المشايخ من قال: الصحيح أنه يحلف المدعي على دعوى البراءة، كما يحلف على دعوى التحليف وإليه مال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله. قال رحمه الله: وعليه أكثر قضاة زماننا، لكون هذا استحلاف على وفاق الدعوى، وإنما كان له الاستحلاف على ذلك، لأن المدعى البراءة عن الدعوى، والبراءة عن الدعوى صحيحة، فتسقط به الخصومة، ألا ترى أنه لو أقر بذلك يلزمه وتسقط به خصومته، وألا ترى أنه لو أبرأه عن الدعوى بين يدي القاضي، لا يسمع القاضي خصومته بعد ذلك، فجاز أن يحلف عليه.
وإذا ادعى رجل على رجل أنه قتل ابنًا له عمدًا أو عبدًا له عمدًا أو ما أشبهه وأراد استحلافه على ذلك، ذكر في (أدب القاضي) للخصاف: أنه يحلف على الحاصل ولم يزد على هذا.
يجب أن يعلم بأن دعوى الجناية على النفس أو فيما دون النفس، وإما أن تكون دعوى الجناية عمدًا أو خطأ، فإن كانت دعوى الجناية على العبد: فإن كانت الجناية في النفس إذا كانت عمدًا القصاص، والقصاص يلاقي العبد من حيث أنه مال، والعبد من حيث إنه آدمي حق نفسه لاحق المولى، ولهذا لو أقر العبد على نفسه بالقصاص صح إقراره، ولو أقر المولى عليه بالقصاص لا يصح إقراره، فكان الخصم في ذلك العبد، فيستحلف العبد، فإن كانت الجناية في النفس وكانت خطأ فالخصم هو المولى؛ لأن موجب هذه الجناية الدفع أو الفداء، وكلاهما يختص بالمولى لا تعلق للعبد به، فكان الخصم فيه المولى، فكان اليمين عليه ولكن يحلف على العلم؛ لأنه تحليف على فعل الغير، وإن كانت الجناية فيما دون النفس، فالخصم في ذلك المولى عمدًا كانت أو خطأ وهو الخطاب بالدفع أو الفداء، وكل ذلك يختص بالمولى لا تعلق للعبد به فكان الخصم فيه المولى، فيحلف المولى ولكن يحلف على العلم لما ذكرنا، وأما إذا كان دعوى الجناية على الحر، فإن كانت الجناية على النفس وهي عمد. بأن ادعى رجل على رجل أنه قتل ابنه عمدًا فالخصم هو المدعى عليه، ويحلف المدعى عليه على الحاصل هكذا ذكر الخصاف ولم يزد على هذا، وذكر في كتاب الاستحلاف أنه يستحلف على السبب، بعض مشايخنا قالوا: ما ذكر الخصاف جواب لظاهر الرواية، وما ذكر في كتاب الاستحلاف رواية أبي يوسف ولكن هذا ليس بصواب، فالمذكور في كتاب الاستحلاف:
وقال أصحابنا: اليمين في القصاص بالنفس بالله ما قتلت إباه الذي يدعى أنك قتلته، وبعض مشايخنا قالوا: ما ذكر الخصاف قول الكل، وما ذكر في الاستحلاف قول الكل أيضًا، فصار في القتل روايتان، فعلى ما ذكره الخصاف لا يحتاج إلى الفرق.
والفرق: أن قضيته الدليل أن يكون التحليف على الحاصل في القتل أيضًا؛ لأن في التحليف على السبب ضرر فالإنسان قد يقتل ولي غيره عمدًا ولا يجب عليه القصاص بأن قتله لردته أو لدفع قصده قتله، أو ما أشبهه فلو حلف على السبب يمكنه الحلف على انتفاء السبب مع وجوده، ولا يمكنه أن يقر به فيدعي المانع من القصاص؛ لأنه عسى لا يمكنه إثبات ذلك كما فيما تقدم، ولكن تركنا الدليل في باب القتل بالنص، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم «حلف اليهود على القتل بالله ما قتلتموه ولا علمتم له قاتلًا» ولا نص فيما تقدم فيعمل فيها بقضية الدليل.
وعلى قياس ما روي عن أبي يوسف فيما تقدم: أن التحليف على السبب لا يحتاج أبو يوسف إلى الفرق بين القتل وفيما تقدم في كتاب الاستحلاف وعلى رواية (أدب القاضي): يحتاج إلى الفرق، له: أن قضية القياس أن يكون التحليف على السبب في الفصول ليكون التحليف على موافقة الدعوى وما ذكروا من احتمال الضرر يمكن دفعه بالتعريض فأسقطنا اعتبار الاحتمال عمدًا مكان الدفع، ليكون التحليف على موافقة الدعوى لكن أسقطنا اعتبار الاحتمال في باب النفس تعظيمًا لأمر النفس؛ لأن الإنسان قد يفعل عن التعريض، وإذا فاتت النفس لا يخلفه شيء آخر ولا كذلك المال وفي كتاب (الأقضية) على قول أبي يوسف يحلف على السبب، وعن محمد روايتان.
وكان الحاكم الإمام أبو محمد الكوفي رحمه الله يقول: الصحيح أن يقال بأن على قول أبي حنيفة رحمه الله يحلف على السبب؛ لأنه لا ضرر على المدعى عليه في ذلك؛ لأنه وإن قتله وسقط القصاص ولم يجب بسبب من الأسباب، وامتنع عن الحلف على نفس الفعل لا يقضي عليه بشيء لا بالقصاص ولا بالدية، وعن محمد: يستحلف على الحاصل؛ لأن في التحليف على السبب ضرر بالمدعى عليه، فإنه متى امتنع عن الحلف يقضي عليه بنكوله عند محمد رحمه الله، ولكن بالدية ولكن هذا ليس بصحيح فإنه عند أبي حنيفة رحمه الله إن كان لا يقضى عليه بنكوله لا بالقصاص ولا بالدية ولكن يحبس حتى يحلف أو يقر وفيه ضرر.
ثم إذا حلف على الحاصل يحلف بالله ما لهذا عليك دم وليه ولا له قبلك حق بسبب هذا الدم لجواز أنه عفى عنه على مال، أو كان الدم بين وليين عفى الآخر وانقلب الدم مالًا، فلو لم يذكر ولا له قبلك حق بسبب هذا الدم، يحلف ولا يحنث؛ لأنه لم يبق له عليه الدم، ثم إذا حلف على هذا الوجه، إن حلف برأ عن الخصومة، وإن نكل فعند أبي حنيفة رحمه الله يحبس حتى يقر أو يحلف وعندهما يقضي عليه بنكوله ولكن بالدية.
وإن كانت الجناية فيما دون النفس وكانت عمدًا توجب القصاص، فعلى رواية (أدب القاضي) يحلف على الحاصل، وعلى رواية كتاب الاستحلاف يحلف على السبب، واختلف المشايخ فيه على نحو ما ذكرنا في النفس: قال الحاكم الإمام أبو محمد الكوفي رحمه الله: والصحيح أنه يستحلف في هذه الصورة على الحاصل عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأنه متى استحلف على السبب ونكل يقضى عليه بالقصاص عند أبي حنيفة رحمه الله وبالدية عند محمد.
وإن كان دعوى الجناية على النفس وهي خطأ أو على الطرف وهي خطأ نحو قطع اليد والموضحة وما أشبه ذلك مما تتحمله العاقلة. ذكر في (أدب القاضي) للخصاف وفي كتاب (الأقضية): أنه يستحلف على السبب عند أبي يوسف ومحمد في كتاب الاستحلاف أنه يستحلف على السبب عند أصحابنا رحمهم الله؛ وهذا لأن في التحليف على الحاصل ضررًا للمدعي؛ لأن بين العلماء اختلافًا أن الدية تجب على القاتل ابتداء والعاقلة يتحملون عنه، أو تجب على العاقلة ابتداء والعاقلة يتحملون عنه، أو تجب على العاقلة ابتداء فمتى حلفناه على الحاصل بالله ما لهذا عليك هذا الحق الذي يدعي عليك من الوجه الذي يدعي يحلف، ويتأول قول من يقول: بأن الدية تجب على العاقلة ابتداء، فلا يحنث في يمينه فلا يفيد الاستحلاف، حتى قلنا: إذا كان موجب الجناية شيئًا لا تتحملها العاقلة بأن كان دون أرش الموضحة يحلف على الحاصل؛ لأنه لا يمكنه التأويل ها هنا، فإن قيل: يمكن التأويل على الحاصل على وجه لا يتضرر به المدعي بأن يحلف بالله ما لهذا عليك هذا الحق الذي يدعي ولا شيء منه، وعلى هذا الوجه لا يمكنه التأويل؛ لأن من يقول بوجوب الدية على العاقلة يقول بأن القاتل من جملة العاقلة، فيتأول قول هذا القائل، ومن العلماء من قال: يمكن دفع التأويل مع التحليف على الحاصل بأن يزاد في التحليف زيادة شيء آخر، فيحلف بالله ما لهذا عليك هذا الحق الذي يدعي من الوجه الذي يدعي، ولا شيء منه، ويسمى الأرش والدية ولا قبل عاقلته ولا شيء منه وهذا حسن وبه يندفع التأويل.
وكان الحاكم الإمام أبو محمد الكوفي رحمه الله يقول: الصحيح أنه يحلفه على الحاصل بالله ما لهذا قبلك مال بالسبب الذي يدعي، وكان راعى جانب المدعى عليه، والصحيح ما قلنا؛ لأن في كل نوع ضرر لأحد الجانبين فلابد من رعاية أحد الجانبين، فنقول رعاية جانب المدعى عليه أولى؛ لأنه ليس بجان.
ولو أن رجلًا ادعى على رجل أنه اشترى دارًا بجنب داري وأني شفيعها بداري، وأراد استحلافه، فالقاضي يحلفه على السبب بالله ما اشتريت هذه الدار التي سماها وحدودها كذا وكذا ولا شيء منها، وإنما حلفناه على السبب نظرًا للمدعي؛ لأن بين العلماء اختلافًا ظاهرًا أن الشفعة هل تستحق بالجوار، فإن حلف على الحاصل ربما يتأول قول من لا يرى الشفعة بالجوار، فلا يلزمه الجنب فيبطل حق المدعي أكثر ما في الباب: أن في التحليف على السبب ضررًا بالمدعى عليه، لجواز أن المدعي لم يطلب الشفعة أو طلبها ثم سلمها ويطلب شفعته، فلو حلف على السبب لا يمكنه أن يحلف المشتري ولو أقر بالشراء وادعى بطلان حقه بعد ذلك عسى لا يمكنه الإثبات بالبينة، فيتضرر به المدعى عليه إلا أن الترجيح لجانب المدعي؛ لأن الشراء سبب استحقاق الشفعة وسقوط الحق بعد وجود السبب إنما يكون لعارض المسقط، فيجب التمسك بالأصل حتى يقوم الدليل على خلافه.
وإن أقر المدعى عليه بالشراء والجوار، إلا أنه يقول: الشفيع لم يطلب الشفعة حين علم بالشراء وقال الشفيع: لا بل طلبت، فالقول قول الشفيع مع اليمين؛ وهذا لأن الشفيع إن كان مدعيًا صورة؛ لأنه يدعي الطلب، والطلب عارض إلا أنه منكر معنى، فإن المشتري يدعي على الشفيع إبطال حقه في الشفعة بعد ما أقر له بثبوت حقه والشفيع منكر إذا كان القول قول الشفيع مع اليمين إذا طلب المشتري من القاضي يمين الشفيع، قال: القاضي يحلفه بالله، لقد طلبت شفعة هذه الدار حين بلغك شراؤها، وأشهدت على ذلك بحضرة أحد المتبايعين أو الدار، هكذا ذكر في كتاب الاستحلاف، ولكن هذا إنما يستقيم إذا ادعى المشتري أنه بلغه الشرى وهو بين ملأ من الناس، أما إذا لم يكن عنده من أشهده لم تبطل شفعته بترك الإشهاد للحال، فإذا أقر بذلك حلفه بالله لقد طلبت الشفعة حين علمت بالشراء، وخرجت إلى الشهود حين قدرت وطلبتها بحضرة أحد المتعاقدين أو الدار وأشهدت على ذلك.
وإذا ادعى الشفيع أنه بلغه الخبر ليلًا وأنه طلب الشفعة وأشهد عليها حين أصبح، حلفه القاضي بالله ما بلغك الخبر إلا في الوقت الذي تدعي، وقد طلبت الشفعة وأشهدت على ذلك حين أصبحت؛ لأن الإشهاد إنما يشترط على حسب الإمكان ولا يمكنه أن يطوف على الأبواب ليلًا للإشهاد والطلب، فكان الإمكان إذا أصبح.
وفي كتاب الاستحلاف قال محمد رحمه الله: إذا كان لرجل دار إلى جنب دار رجل فيصدق أحدهما على رجل بالحائط الذي يلي حائط جاره، وقبضه المتصدق عليه ثم اشترى المتصدق عليه ما بقي من الدار من المتصدق فليس للجار فيها شفعة؛ لأن صاحب الحائط أقرب جوارًا من الجار الذي وراء الحائط، فإن طلب الجار الذي وراء الحائط يمين البائع والمشتري حلفه بالله ما باع الحائط ضرارًا ولا فرارًا من الشفعة على وجه التلجئة، وإبطال الشفعة حلفه القاضي على ذلك، يريد بهذا والله أعلم أن الجار الذي وراء الحائط ادعى، وقال: إن صدقة الحائط كانت تلجئة وقد بعت الكل وخاصم المشتري سواء كانت الدار في يده أو لم تكن؛ لأنه يدعي عليه معنى لو أقربه يلزمه، فإذا أنكر يستحلف عليه، فإن حلف لم يثبت تلجئة الحائط وانقطع خصومة الجار عن المتصدق عليه والمشتري، وإن نكل ثبت تلجئة الصدقة في الحائط فكان للجار الشفعة.
قال في كتاب الاستحلاف أيضًا: إذا وكل الرجل رجلًا بطلب شفعته فادعى المشتري على الوكيل أن موكله قد سلم الشفعة وطلب من القاضي أن يحلف الوكيل، فالقاضي لا يحلفه؛ لأن الوكيل لو حلف حلف بطريق النيابة عن الموكل؛ لأن الشفيع لا يدعي التسليم على الوكيل، إنما يدعيه على الموكل، والاستحلاف لا يجري فيه النيابة؛ وهذا لأن اليمين شرعت بدل حق المدعي بالنص بخلاف القياس؛ لأنه لا مماثلة بين أصل حقه وبين اليمين وما عرف شرعًا بخلاف القياس يراعى لصحة جميع ما ورد به الشرع، والشرع جعلها بدل حقه إذا كان المدعى قبله أصلًا في الحلف، فبينما إذا كان المدعي قبله ثانيًا يبقى على حاصل القياس.
ونظير هذه المسألة: ما قالوا في الوكيل بقبض الدين إذا أراد أن يقبض الدين من الغريم أن موكله أبرأني عن هذا الدين أو أدى دينه إليه، وأنكر الوكيل ذلك فطلب الغريم من القاضي أن يحلف الوكيل بالله ما يعلم ذلك من موكلك، فإنه لا يمين على الوكيل ويقول القاضي للغريم: أد الدين إلى الوكيل وأنت على خصومتك مع الموكل، والمعنى ما ذكرنا، هذا إذا ادعى المشتري تسليم الموكل، وإن ادعى تسليم الوكيل، إن ادعي تسليمه في غير مجلس الحكم: لا يحلف الوكيل، وإن كان لو استحلف استحلف بطريق الأصالة؛ لأن المشتري ادعى تسليم الوكيل إلا أنه ادعى عليه معنى لو أقر به لا يلزمه؛ لأن تسليم الوكيل الشفعة في غير مجلس الحكم لا يصح بالإجماع وإذا أقر فإنما أقر بما ليس بصحيح شرعًا فلا يلزمه، وكل من ادعى على آخر معنى لو أقر به لا يلزمه، فإذا أنكر لا يستحلف عليه، وإن ادعى تسليمه في مجلس الحكم، وأنكر الوكيل، فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: يستحلف؛ لأن تسليمه في مجلس الحكم صحيح عندهما، فإنما ادعى عليه معنى لو أقر به يلزمه فيستحلف عند الإنكار وعند محمد: لا يستحلف، لأن تسليمه في مجلس الحكم غير صحيح أيضًا عند محمد رحمه اللّه فإنما المدعى عليه معنى لو أقر به لا يلزمه فلا يستحلف عند الإنكار.
والمجبرة تختار البلوغ في حق اختيارها نفسها بمنزلة الشفيع في طلب الشفعة، فإنها كما بلغت بالحيض أو بالسن، ينبغي لها أن تختار نفسها كما أن الشفيع إذا بلغه الخبر ينبغي أن يطلب الشفعة، وأشهدت على اختيارها نفسها إن كان عندها من يمكن إشهاده وتقبل شهادته، وإن لم يكن عندها من يمكن إشهاده تخرج إلى الناس واختارت نائبًا وأشهدت، وإن الجر في بيتها حتى خرجت إلى الناس بطل اختيارها، والإشهاد ليس بشرط لاختيارها نفسها، لكن شرط الإشهاد حتى يثبت اختيارها نفسها نظير استحلاف الشفيع على طلب الشفعة، فإن قالت للقاضي: قد اخترت نفسي حين بلغت، أو قالت حين بلغت طلبت القرفة قبل قولها مع اليمين، وإذا قالت: بلغت أمس وطلبت الفرقة، لا يقبل قولها وتحتاج إلى إقامة البينة، والجواب في الشفعة هكذا.
إذا قال الشفيع: طلبت حين علمت فالقول قوله ولو قال: علمت أمس وطلبت، كلف إقامة البينة ولا يقبل قوله ذكر المسألتين على هذا الوجه في كتاب الاستحلاف قيل أنهما من خصائص كتاب الاستحلاف، وإنما جاء الفرق باعتبار أنهما إذا أضافا الطلب والاختيار إلى وقت ماض، فقد حكما ما لا يملكان استئنافه للحال، ومن حكى ما لا يملك استئنافه لا يصدق فيما حكى من غير بينة، وإذا لم يضيفا الاختيار والطلب إلى وقت ماض، بل أطلقا الكلام إطلاقًا فقد حكيا ما يملكان استئنافه للحال، لأنما يجعل في الجارية كأنها بلغت الآن واختارت نفسها الآن والشفيع علم بالشراء الآن وطلب الشفعة الآن، فلهذا جعل القول قولهما إذا أطلقا.
وإذا ادعت المرأة على زوجها أنه آلى منها ومضت أربعة أشهر ولم يفئ إليها، وإنها بانت منه وأنكر الزوج الإيلاء، فالقاضي لا يحلف الزوج علي الحاصل بالله ما هي بائنة منك اليوم، وهذا لأن بين العلماء اختلافًا ظاهرًا أن تمضي مدة الإيلاء هل تقع الفرقة؟ بعضهم قالوا: لا تقع ويقال للزوج إما أن تفيء إليها أو يفرق القاضي بينكما، فلو حلفناه على الحاصل يؤول قول هذا القائل، ويكون صادقًا في يمينه فلا يلزمه حكم الحنث، وتتضرر به المرأة فيحلف على السبب: بالله ما قلت لها: والله لا أقربك أربعة أشهر على ما ادعت دفعًا للضرر عن المرأة، أكثر ما في الباب، أن في التحليف على السبب ضررًا للزوج فإنه قد يفيء إليها ولا تقع الفرقة بمضي المدة بأن يفيء إليها في المدة، إلا أن الترجيح لجانب المرأة، لأن الإيلاء إذا وجد تصير الفرقة مستحقة نظرًا إلى السبب وهو الإيلاء، فامتناع الفرقة بعد ذلك يكون بعارض أمر ولا يعتبر بالعوارض، فإن أقر الزوج بالإيلاء وادعى أنه فاء إليها في المدة، وأنكرت هي الفيء في المدة فالقول قولها مع اليمين؛ لأنها تنكر ثبوت ملك الزوج عليها بعد وجود سبب البينونة، وتحلف على الحاصل عند محمد رحمه الله، فتحلف بالله لست بامرأة له اليوم بالسبب الذي يدعي ولا تحلف بالله لم يفئ إليك قبل مضي الأربعة الأشهر؛ وهذا لأنه يجوز أنه آلى منها ولم يفئ إليها حتى مضت أربعة أشهر وبانت منه ثم تزوجها ثم آلى منها وفاء إليها في المدة، فمتى استحلف بالله لم يفئ إليك قبل مضي الأربعة الأشهر يحلف ويتأول عدم الفيء في النكاح الأول، فيبطل حق الزوج فيستحلف على الحاصل لهذا.
وفي كتاب الاستحلاف قال بشر: سمعت أبا يوسف قال: يستحلف بالله أنه لم يفئ إليك قبل مضي الأربعة الأشهر، قال بشر: والأحوط على قوله: أن يزاد في اليمين فيحلف بالله لم يفئ إليك في الأربعة الأشهر في النكاح الذي يدعيه الزوج حتى لا يتأتى المعنى الذي قلنا لمحمد رحمه الله.
ولو أن امرأة ادعت على زوجها نفقة العدة وأنكر الزوج فالقاضي لا يحلف الزوج بالله ما عليك تسليم النفقة إليها من الوجه الذي يدعي؛ لأن الشافعي رحمه الله: لا يرى النفقة للبينونة، فلو حلفناه على الحاصل يتأول قول الشافعي رحمه الله، فيحلف على السبب بالله ما هي معتدة عنك من الوجه الذي تدعي.
وحكي عن القاضي الإمام أبي علي النسفي رحمه الله أنه قال: خرجت حاجًّا فدخلت على القاضي الإمام أبي عاصم العامري رحمه الله وهو يدرس، والخليفة يحكم، فادعت امرأة على زوجها نفقة العدة وأنكر الزوج، فحلّف الخليفة الرجل بالله ما عليك تسليم النفقة من الوجه الذي يدعي فيها الرجل ليحلف، فنظرت إلى القاضي، فعلم القاضي أني لماذا أنظر فنادى الخليفة إن يسأل الرجل من أي المحلة هو حتى إنه إن كان من أصحاب الحديث حلفه بالله ما هي معتدة منك.
وفي كتاب الاستحلاف: امرأة اختلعت من زوجها بمهرها، وجحد الزوج ذلك فالقول قول الزوج ثم كيف يحلف الزوج؟ فعلى ما روي عن أبي يوسف يستحلف على السبب بالله، ما خلعتها منذ ملكتها، وعلى ظاهر الرواية يستحلف على الحاصل.
ولو أن رجلًا ادعى على رجل أنه خرق ثوبًا له، فإن كان الثوب حاضرًا ينظر إلى الخرق، فإن كان يسيرًا فموجبه النقصان بلا خلاف يقوم الثوب صحيحًا، ويقوم منخرقًا، فتفاوت ما بينهما موجبه بلا خلاف فيحلف المدعى عليه بالله ما له عليك هذا القدر من المال الذي ادعى، ولا يحلف على السبب، نظرًا للمدعى عليه، لجواز أن المدعى عليه خرقه إلا أنه لا شيء عليه؛ لأن صاحب الثوب أبرأه عنه أو صالحه على شيء أو أعطاه النقصان، وليس في التحليف على الحاصل ضرر للمدعي؛ لأن موجب هذا الخرق النقصان فلا يمكنه التأويل، هكذا ذكر الخصاف وصاحب (الأقضية) رحمهما الله، وذكر هذه المسألة في كتاب الاستحلاف وقال: يحلف على السبب؛ لأن انفساخ السبب هنا لا يتصور، والصحيح ما ذكر الخصاف وصاحب (الأقضية)؛ لأن انفساخ السبب إن كان لا يتصور فبطلان الحكم بالإبراء وما أشبهه يتصور، وإذا كان الخرق فاحشًا، فالقاضي يحلفه على السبب؛ لأن عندنا مثل هذا الخرق يوجب الخيار للمالك إن شاء ترك الثوب على الجاني وضمنه جميع القيمة، وإن شاء أخذ الثوب وضمنه النقصان، وعند الشافعي رحمه الله يوجب النقصان لا محالة، فمتى حلفنا على الحاصل يتأول قول الشافعي رحمه الله، عسى يتضرر المدعي فيحلف على الحاصل نظرًا للمدعي، وإن كان الثوب غائبًا فالقاضي لا يسمع دعوى المدعي إلا بعد بيان قدر النقصان حتى يصير المدعى معلومًا؛ لأن الدعوى لا تصح إذا لم يكن المدعى معلومًا.
ولو أن رجلًا ادعى على رجل أنه وضع على حائط له خشبًا، أو نصب على سطحه ميزابًا في داره، أو بنى على حائط له بناء، أو أخرج من داره ترابًا ورمى به في أرضه، أو ألقى في أرضه دابة ميتة، أو ما أشبه ذلك مما يكون فسادًا في أرضه، ويجب على صاحب الأرض نقله، وأراد أن يحلفه حلفه (على) السبب، إذ ليس في التحليف على السبب ضرر للمدعى عليه وفيه موافقة دعوى المدعى عليه.
بيانه: أن بعدما ثبت للمدعي حق مطالبة المدعى عليه برفع هذه الأشياء لا يتصور سقوطه بسبب من الأسباب، فإنه لو أذن له في الابتداء بذلك كان ذلك منه إعارة للحائط والأرض، فمتى بدا له كان له أن يطالبه بالرفع؛ لأن الإعارة ليست بلازمه وإن باع منه ذلك لا يجوز؛ لأن هذا بيع الحق وبيع الحق لا يجوز، وكذلك لو أجر لا يجوز؛ لأن إجارة رأس الحائط لوضع الخشبة عليه، وإجارة الأرض لإلقاء الميتة أو التراب فيها لا يجوز عرف ذلك في كتاب الإجارات، وكذلك لو صالح عليه لا يجوز؛ لأن الصلح على مال ليضع الخشبة على رأس الحائط وما أشبه ذلك بمنزلة الإجارة والإجارة لا تجوز، فكذا الصلح دل أنه ليس في التحليف على السبب ضرر للمدعى عليه، فيحلف على السبب جريًا على موجب الدعوى.
ولو كان صاحب الخشبة هو المدعي وقدم صاحب الحائط إلى القاضي، وقال: كان لي على هذا الحائط خشبة فوقع أو قال قلعتها لأعمل غيرها، وقد منعني صاحب الحائط وهو حق لي في هذا الحائط، وأنكر صاحب الحائط دعواه، فطلب صاحب الخشبة من القاضي أن يحلف المدعى عليه ولا يقول: بأن القاضي يأمر المدعي بتصحيح دعواه، وذلك أن يبين أن له حق وضع خشبة أو خشبتين أو ما أشبه ذلك، ويبين موضع الخشبة ويبين غلظ الخشبة؛ لأن الدعوى لا تصح إلا بعد بيان المدعى به، وبيانه في هذه الصورة ببيان ما ذكرنا، ثم إذا بين هذه الأشياء حتى صح دعواه وطلب من القاضي أن يحلفه، فالقاضي يحلفه؛ لأن هذا حق لازم قد يكون الحائط مملوك الإنسان ولغيره حق وضع الخشب عليه، ثم يحلف بالله ما لهذا المدعي في هذا الحائط حق وضع خشبة كذا وكذا ولا يحلفه بالله ما كان له عليه خشبة، أو بالله ما طرحت الخشبة لجواز أنه كان، إلا أنه لم يكن بحق وجواز أنه طرح الخشبة ولم يكن له حق وضع الخشبة فلا يمكنه أن يحلف على ذلك، ولكن يحلف على نحو ما بينا، فإن حلف انقطعت الخصومة، وإن نكل صار مقرًا بما ادعى فيلزمه دعواه.
قال: ولو ادعى مسيل ماء في أرض رجل، فالقاضي يأمره أن يصحح دعواه وتصحيح الدعوى في أن يبين أن له مسيل ماء المطر أو ماء الوضوء، فإن هذا مما يتفاوت، فإن المطر لا يكون أدوم ويكون أكثر، وماء الوضوء والغسالات يكون أدوم، ويكون أقل وينبغي أن يبين موضع مسيل الماء في مقدم البيت أو في مؤخره.
وكذلك إذا ادعى طريقًا في دار رجل فالقاضي يأمره أن يصحح دعواه، وتصحيح الدعوى أن يبين مقدار عرضه وطوله، يبين موضعه من الدار، فإذا بين ذلك وصحح دعواه حلفه على الحاصل بالله: ما لهذا هذا الحق الذي ادعاه في هذه الأرض الذي في يديك أو في هذه الدار التي في يدك.
وذكر في كتاب الدعوى: إذا ادعى مسيل ماء في دار رجل، أو ادعى طريقًا في دار رجل وشهد الشهود أن له مسيل ماء في هذه الدار أو طريقًا في هذه الدار وقع في بعض النسخ أنه يقبل البينة، وإن لم يبينوا ووقع في بعض النسخ أنه لا يقبل البينة ما لم يبينوا. قال شمس الأئمة الحلواني: تأويل ما وقع في بعض النسخ أنه يقبل البينة إذا شهدوا على إقرار صاحب الدار؛ لأن جهالة المقر به لا يمنع صحة الإقرار، وتأويل ما وقع في بعض النسخ أنه لا يقبل البينة إذا شهدوا على نفس الطريق وعلى نفس المسيل لا على إقرار المدعى عليه.
قال: ولو ادعى على رجل أنه شق في أرضه نهرًا وساق الماء فيه إلى أرضه أمره أن يصحح دعواه وذلك بأن يبين الأرض الذي شق فيها النهر، ويبين قدر طول النهر وعرضه، فإذا بين ذلك وصحح دعواه وجحد المدعى عليه دعواه حلفه القاضي على السبب بالله ما أخذ من أرض هذا الرجل هذا النهر الذي وصف ولا يحلف على الحاصل؛ لأنه ليس في التحليف على السبب ضرر للمدعى عليه؛ لأنه إذا ثبت لا يسقط حق صاحب الأرض في مطالبة حافر النهر بسبب من الأسباب من الإذن في الابتداء والبيع والإجارة وغير ذلك، فإنه لو أذن له في الابتداء كان إعارة، فكان له أن يطالبه بذلك متى بدا له ذلك، ولا يجوز بيع ذلك؛ لأنه بيع الحق وبيع الحق لا يجوز، ولا تجوز الإجارة، ولا ضرر للمدعى عليه في التحليف على السبب ليكون التحليف على وفق الدعوى.
ولو ادعى رجل على رجل أنه حفر حفيرة في أرض له أضر ذلك بأرضه وأراد استحلافه على ذلك، فيقول: لابد من معرفة حكم هذه المسألة أولًا، فعند علمائنا رحمهم الله: يلزم الحافر النقصان، فيحلفه على الحاصل بالله ماله عليك هذا الحق الذي يدعي من الوجه الذي يدعي، لا يحلفه على السبب بالله ما فعلت كذا؛ لأن في التحليف على السبب ضرر للمدعى عليه لجواز أنه فعل ذلك، إلا أن صاحب الأرض أبرأه عن النقصان أو الفاعل أَوْفاه ضمان النقصان مرة، ولا ضرر للمدعي في التحليف على الحاصل فيحلف على الحاصل.
قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: من العلماء من قال من حفر حفرة في أرض غيره لا يضمن النقصان ولكن يؤمر بكبس الحفيرة، فلو حلفناه على الحاصل، ربما يؤول قول هذا القائل، ثم قوله في الكتاب: أضر ذلك بأرضه، إشارة إلى أنه لو لم يضر ذلك بأرضه أنه لا شيء عليه، فاعلم بأن من رفع التراب من أرض إنسان وكان ذلك في موضع للتراب قيمة فيه، ضمن فيه التراب، سواء تمكن النقصان في الأرض أو لم يتمكن؛ لأن الأرض بجميع أجزائها مملوكة، ومن أخذ ملك غيره يضمن قيمته.
وقد روي عن محمد رحمه الله: أنه إذا أدخل الماء في أرض رجل واجتمع الطين في أرضه بذلك لا يكون لأحد أن يأخذ ذلك الطين ويرفعه عن أرضه، لأنه صار مملوكه تبعًا لأرضه فهذا كذلك على أن الأرض مملوكة بجميع أجزائها وهذا بخلاف ما لو دخل صيد في ملكه كان لكل أحد أن يأخذه؛ لأنه لم يصر مملوكًا لصاحب الأرض تبعًا لأرضه، وكذلك إذا دخل في أرض لرجل ودخل معه السمك كان لكل أحد أن يأخذ السمك؛ لأنه لم يصر ملكًا له تبعًا لأرضه بخلاف الطين على ما بينا، هذا إذا أخذ التراب من أرض الغير وله قيمة في ذلك الموضع، فأما إذا لم يكن قيمة له في ذلك الموضع ينظر إن تمكن النقصان في الأرض بذلك الصنع، ضمن النقصان وما لا فلا، إذا عرفت حكم المسألة فنقول: إذا كان للتراب قيمة في ذلك الموضع يحلف المدعى عليه وما لا فلا.
ومن هذا الجنس: إذا ادعى رجل على رجل أنه نقض حائطًا له، وأراد استحلافه فنقول: من هدم جدار غيره لا يجبر على بنيانه؛ لأن الجدار ليس من ذوات الأمثال ويكون لصاحب الحائط الخيار، إن شاء ضمنه قيمة الحائط والنقص للضامن، وإن شاء أخذ النقص وضمنه النقصان، لأن الحائط قائم من وجه هالك من وجه فيميل إلى أي الوجهين شاء فإن أراد تحليفه حلفه على الحاصل، هكذا ذكر الخصاف رحمه الله.
قال شمس الأئمة الحلواني: ينبغي للقاضي أن يحلفه على السبب ولا يحلفه على الحاصل هو الصحيح؛ لأن مذهب بعض العلماء أن الحائط إذا كان جديدًا يجب عليه الإعادة، وإذا كان خلقًا عتيقًا لا يجب عليه الإعادة؛ لأنه لو أعاده كان أفضل من الأول وضمان العدوان مقيد بالمثل. فلو حلفناه على الحاصل ربما يؤول قول هذا القائل فيحلف ويكون صادقًا في حلفه، فيتضرر المدعي، فيحلف على السبب كيلا يتأول قول هذا القائل.
قال: ولو ادعى رجل على رجل ألف درهم، وللمدعى عليه عند المدعي رهن بالمال، فخاف المدعى عليه أنه إن أقر بالمال جحد المدعي الرهن، ينبغي للمدعى عليه أن يطلب من القاضي حتى يسأل المدعي: هل عنده بهذا المال الذي يدعيه رهن، فإن قال: نعم فقد حصل مقصود المدعى عليه وإن قال: لا رهن له، وأراد استحلاف المدعى عليه، فالقاضي لا يحلفه بالله ماله عليك هذا المال الذي يدعي؛ لأنه لا يمكنه أن يحلف على هذا الوجه؛ لأن المال واجب عليه فلو حلف يكون كاذبًا، ولو أقر بالمال وادعى الرهن ربما لا يمكنه إثبات الرهن فيتضرر به، ولكن يحلفه بالله ما لفلان عليك ألف درهم لا رهن بها، هكذا ذكر الخصاف في (أدب القاضي)؛ وهذا لأن المال الذي ليس له رهن ليس عليه، فإذا حلف على هذا الوجه لهذا.
وكان الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني رحمه الله يقول: يحلفه بالله ليس عليك أداء هذا المال وتسليمه إلى المدعي هذا، ولا ضرر للمدعي في ذلك؛ لأنه يمكنه أن يحلف كذلك؛ لأنه إنما يجب على الراهن أداء الدين إذا أحضر المرتهن الرهن، فأما قبل إحضاره فلا يجب عليه تسليم الدين، فإذا لم يكن الرهن حاضرًا يمكن للمدعى عليه أن يحلف بالله ليس عليه أداء هذا المال، وتسليمه إلى هذا المدعي، فيحلف على هذا الوجه ولا حاجة إلى ما وراءه. وبعض مشايخنا قالوا: لا حاجة إلى هذه التكلفات؛ لأن جحود الرهن إهلاك الرهن وهلاك الرهن يصير المرتهن مستوفيًا دينه، وبعد الاستيفاء لا يبقى له عليه شيء فيمكنه أن يحلف ولا شيء لهذا المدعى عليه، فيحلفه القاضي بالله ماله عليك هذا المال الذي يدعي.
قال في كتاب الاستحلاف: رجل وهب ثوبًا له من رجل أو عبد وأقر أن الموهوب له قبضه في المجلس أو بعده بأمره ثم قال الواهب بعد ذلك: إن الموهوب له ما قبضه، وكتب أقررت بقبضه كاذبًا، وسأل القاضي أن يحلف الموهوب له بالله لقد قبضته عن هذه الهبة التي يدعي، فعلى قول أبي حنيفة ومحمد القاضي لا يحلفه؛ لأن التحليف يترتب على دعوى صحيحة، والدعوى لم تصح هنا لمكان التناقض، وعلى قول أبي يوسف رحمه الله يحلفه بالله لقد قبضته بحكم الهبة التي يدعى.
وعلى هذا الخلاف إذا اشترى شيئًا وأقر المشتري بقبض المشترى، ثم ادعى أنه لم يقبضه وطلب من القاضي أن يحلف البائع بالله لقد سلمته إلى المشتري بحكم هذا الشراء الذي يدعيه. وعلى هذا الخلاف إذا أقر البائع بالبيع ثم أنكر البيع وقال: أقررت بالبيع كاذبًا، وأراد تحليف المشتري. وعلى هذا الخلاف رب الدين إذا أقر بقبض الدين من المديون وأشهد عليه ثم أنكر القبض، فأراد تحليف المديون. وعلى هذا الخلاف إذا أقر رجل على نفسه بالدين لرجل ثم أنكر الدين وقال: لا شيء له علي، وإنما أقررت بذلك كاذبًا وطلبت يمين المقر.
أبو يوسف رحمه الله يقول: المعروف المعتاد فيما بين الناس أن البائع يقر بقبض الثمن والمشتري بقبض المشترى للإشهاد، وإن لم يكن قبض حقيقة، وكذلك المعتاد فيما بين الناس أن من استقرض من غيره شيئًا، فالمقروض أولًا يأمره بكتابة الصك والإشهاد عليه قبل دفع المال، فلو اعتبرنا التناقض في هذه الصورة مانعًا صحة الدعوى والاستحلاف لبطلت حقوق الناس، وإن أشهد البائع على البيع وقبض الثمن ثم ادعى أن البيع كان تلجئة وطلب تحليف المشتري، ذكر في كتاب الاستحلاف: أنه يحلف عندهم جميعًا؛ لأن البائع لم يصر متناقضًا في الدعوى؛ لأنه لم يوجد منه إلا الإقرار بالبيع مطلقًا والبيع قد يكون تلجئة وقد يكون جدًا، وإذا لم يصر متناقضًا صحت الدعوى منه فيترتب عليه التحليف.
ثم كيفية التحليف بالله ما شرطت أن يكون هذا البيع الذي تلجية.
وفي كتاب الأقضية أن في هذه المسألة روايتين عن أبي حنيفة رحمه الله في رواية قال: إذا تواضعا في السر أن يظهر البيع تلجئة ثم تعاقدا في العلانية مطلقًا، ولم يذكرا شيئًا وقت العقد، فهذا البيع تلجئة ثم تعاقدا في العلانية مطلقًا، ولم يذكرا شيئًا وقت العقد، فهذا البيع تلجئة وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، فعلى هذا يستحلف المشتري؛ لأن البائع يدعي ما يوجب حق الفسخ والمشتري ينكر، وفي رواية أخرى قال: إذا تواضعا في السر أن يظهر البيع تلجئة ثم تعاقدا في العلانية، ولم يذكرا شيئًا وقت العقد، فالعقد صحيح، فعلى هذا لا يستحلف المشتري؛ لأن أكثر ما فيه أنه نكل فيصير مقرًا بما ادعاه البائع إلا أنه لو كان الأمر كما ادعاه البائع، فالعقد صحيح فلا معنى للاستحلاف.
قال أبو يوسف في كتاب الاستحلاف: أربعة أشياء يستحلف القاضي الخصم فيها قبل أن يسأل المدعي ذلك:
أحدها: الشفعة، فإن الشفيع إذا طلب من القاضي أن يقضي بالشفعة، فالقاضي يحلفه بالله: لقد طلبت الشفعة حين علمت بالشراء، وإن لم يكن يطلب الشراء وهذا قول ابن أبي ليلى، وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: لا يستحلفه القاضي ما لم يدع المشتري ذلك.
الثاني: البكر إذا بلغت، فاختارت الفرقة وطلبت من القاضي أن يفرق بينهما، يستحلفها القاضي بالله لقد اخترت الفرقة حين بلغت وإن لم يدع الزوج ذلك.
الثالث: إذا أراد المشتري أن يرد المشترى بالعيب، فالقاضي يحلفه بالله لم يرض بهذا ولا عرضه على البيع منذ رأيته.
والرابع: المرأة إذا سألت من القاضي أن يفرض لها النفقة في مال الزوج، والزوج غائب يستحلف بالله ما أعطاك نفقتك حين خرج، ويجب أن تكون مسألة النفقة على قولهم جميعًا؛ لأن الزوج عاجز عن طلب اليمين بنفسه، إذا كان غائبًا.
رجل ادعى على رجل ألف درهم وإقرار هذه الألف بيني وبين فلان، فقال المقر له بعد ذلك: إن المدعي وهو المقر قد قبض الألف المشترك بيني وبينه وطالبه بالخمسمائة، التي قبضته، وقال المقر: ما قبضت، فالقول قول المقر مع يمينه، فيستحلف بالله ما قبضت الألف التي لكما على فلان لا قليل ولا كثير منها، ويستحلف بالله ماله قبلك ما يدعي ولا شيء منها يستحلف على الحاصل لجواز أنه قبض ثم يملك من جهته بسبب من الأسباب.
وإذا ادعى على ميت مالًا وله ورثة فله أن يحلف الورثة كلهم على علمهم ولا يكتفي بيمين واحد منهم.
ولو ادعى الورثة مالًا للميت على رجل وحلف أحدهم المدعى عليه عند القاضي اكتفى به حتى لم يكن لبقية الورثة أن يحلفوه، والفرق أن الدعوى إذا وقعت على الميت لو اكتفى بيمين أحد الورثة إنما يكتفي إذا صار هو نائبًا عن بقية الورثة في الحلف إلا أن النيابة لا تجري في الحلف وإذا وقعت الدعوى للميت لو اكتفى باستحلاف أحد الورثة إنما يكتفي من حيث إنه صار نائبًا عن بقية الورثة في الاستحلاف، والنيابة تجري في استحلاف أحد الورثة. وهو نظير ما لو ادعى أحد شريكي العنان أو أحد شريكي المفاوضة حقًا على رجل للشركة، وحلف المدعى عليه لا يكون للشريك الآخر أن يحلفه وبمثله لو ادعى رجل حقًا من شركتهما حتى يوجه اليمين عليهما وحلف أحدهما كان له أن يحلف الآخر، والطريق ما قلنا وفرق بين الورثة إذا ادعوا على رجل حقًا بحكم الميراث وبين جماعة ادعوا على رجل حقًا بحكم بالشراء، فإن أحد الورثة إذا حلف المدعى عليه لم يكن لبقية الورثة أن يحلفوه وأحد المشتريين إذا حلف المدعى عليه كان لبقية المشتريين أن يحلفوه، والفرق: أن أحد الورثة ينصب خصمًا عن بقية الورثة فيما يدعي للميت، فصار استحلاف أحدهم كاستحلاف الباقين، فإنما أحد المشتريين لا ينتصب خصمًا عن الباقين فلا يكون استحلاف أحدهم كاستحلاف الباقين.
وإذا ادعى الرق مطلقًا ففي قول من يرى الاستحلاف في الرق: يحلف المدعى عليه مطلقًا بالله ماله في رقبتك رق، أو يحلفه بالله ما أنت برقيق له وإن ادعى الرق بسبب بأن قال: ولدت من أمتي أو قال كنت حربيًا فاسترققتك، يذكر السبب في الحلف، فيستحلف بالله ماله في رقبتك رق بهذا السبب الذي يدعي.
قال محمد رحمه الله: لا يمين في حد إلا أن السارق يستحلف لأخذ المال، فإن نكل ضمن ولم يقطع.
يجب أن يعلم بأن الحدود أنواع:
نوع هو خالص حق الله تعالى نحو حد الزنا وحد السرقة وحد شرب الخمر، وفي هذا النوع لا يجري الاستحلاف؛ لأن اليمين فيما سوى القصاص في النفس ما شرعت نفسها بل القضاء بالنكول؛ لأن اليمين شرعت حقًا للمدعي، واليمين حق المدعي من حيث أن المدعى عليه ينكل فيقضى عليه بالنكول فيحيى حقه لا من حيث أن يحلف فلا يقضى عليه، فعلمنا أن اليمين شرع للقضاء بالنكول والقضاء بالنكول في الحدود الخالصة لله تعالى متعذر؛ لأن النكول عند أبي حنيفة رحمه الله بدل، وعندهما بدل عن الإقرار فالقضاء بالحدود الخالصة لله تعالى بكلا الأمرين متعذر، وأما في السرقة يستحلف السارق لأجل المال يريد به إذا أراد المسروق منه أخذ المال دون القطع؛ لأن المال حق العبد، والاستحلاف يجري في حقوق العباد.
وعن محمد رحمه الله في (النوادر): أن القاضي يقول للمدعي: ماذا تريد فإن قال أريد القطع يقول له القاضي: إن في الحدود لا يستحلف فليس لك عليه يمين، فإن قال: أنا أريد المال، فالقاضي يقول له: دع ذكر السرقة وادع تناول ما لك فيكون عليه يمين.
وفي كتاب الاستحلاف يقول: إذا طلب المسروق منه ضمان السرقة لا القطع يستحلف بالله ما عليك تسليم هذا المال الذي يدعي ولا قيمته، بالسبب الذي يدعي، فإن حلف برئ وإن نكل ضمنه السرقة.
ونوع آخر: هو خالص حق العبد نحو القصاص في النفس والطرف وقد مر الكلام فيه قبل هذا.
ونوع آخر: هو حق الله تعالى وحق العبد وهو حد القذف، وفي هذا النوع لا يجري الاستحلاف عندنا حتى إن من ادعى على آخر أنه قذفه وأنكر المدعى عليه ذلك لا يستحلف عندنا؛ لأن المغلب في حد القذف عندنا حق الله تعالى فالتحق بالحدود الخالصة حقًا لله تعالى.
ولو أن رجلًا ادعى على رجل أنه قال له: يا منافق يا زنديق يا كافر، أو ادعى أنه ضربه أو لطمه أو ما أشبه ذلك من الأمور التي توجب التعزير وأراد تحليفه، فالقاضي يحلفه؛ لأن التعزير محض حق العبد، ولهذا ملك العبد إسقاطه بالعفو، والصغر لا يمنع وجوبه عليه إن أمكن صاحب الحق منه أقامه، ولو كان حق الله سبحانه وتعالى لكانت هذه الأحكام على عكس هذا، والاستحلاف يجري في حقوق العباد سواء كان عقوبة أو مالًا، فإن حلف لا شيء عليه وإن نكل يقضى عليه بالتعزير؛ لأن التعزير يثبت مع الشبهات، فجاز أن يقضى عليه بالنكول، ويكون التحليف فيه على الحاصل؛ لأن في التحليف على السبب ضررًا للمدعى عليه لجواز أن المدعى عليه فعل ذلك الفعل إلا أن المدعي أبرأه وعفى عنه، وهذا مما يسقط بالعفو فلو حلف على السبب يتضرر المدعى عليه، فيحلف على الحاصل لهذا وأدنى التعزير مفوض إلى رأي القاضي يقيمه بقدر ما يرى حصول الانزجار به.
وفي (السير الكبير): إذا أمر الأمير أهل العسكر بشيء، فعصاه في ذلك واحد من أهل العسكر، فالأمير لا يؤدبه في أول الوهلة ولكن ينصحه حتى لا يعود إلى مثل ذلك، وإن عصاه بعد ذلك أدبه لأنه ارتكب مالا يحل شرعًا، ومن ارتكب ما لا يحل شرعًا يؤدب عليه زجرًا له، فإن بين في ذلك عذرًا فالإمام يخلي سبيله، لأن ارتكاب مالا يحل شرعًا إذا كان بعذر لا يوجب التعزير ولكن يحلفه بالله، لقد فعلت هذا بعذر؛ لأنه يدعي ما يمنع وجوب التعزير عليه ولا يعرف ذلك إلا بقوله، والتعزير يدخل في القضاء فلا يصدق من غير يمين.
وإذا ادعى رجل على رجل أنه غصب منه ثوبًا، وأقر الغاصب بذلك، ثم اختلفا في قيمته ولكن علم أن قيمته لم تكن مائة فالقول قول الغاصب مع يمينه، ويؤمر بالبيان؛ لأنه أقرّ بقيمة مجهول، وإن لم يبين يحلف الغاصب على ما ادعاه المغصوب منه، من الزيادة فإن حلف ولم يثبت ما ادعاه المغصوب منه: ذكر في كتاب الاستحلاف أن المغصوب منه يحلف أن قيمة الثوب مائة، ويأخذ من الغاصب مائة.
وكان الحاكم الإمام أبو محمد الكوفي رحمه الله يقول ما ذكر من تحليف المغصوب منه وأخذ المائة من الغاصب بيمينه لا يكاد يصح؛ لأن المغصوب منه يدعي، واليمين عندنا لم يشرع حجة للمدعي، وكان يقول الصحيح من الجواب أن يقال: القاضي يوقف الغاصب ويذكر له كل ما يصلح قيمة الثوب، فيقول أولًا: أكانت قيمته مائة فإن قال: لا، يقول: أكان خمسون، فإن قال: لا، يقول: أكانت خمسة وعشرون، هكذا إلى أن ينتهي إلى أقل مالا يجوز أن ينقص قيمة الثوب منه في العرف والعادة، فإذا انتهى إلى ذلك ألزمه ذلك وجعل القول قوله في الزيادة مع يمينه، وجعل الجواب فيه كالجواب فيمن أقر بحق مجهول في عين في يديه لغيرٍ، فالقاضي يأمره ببيان مقداره وإذا لم يبين فالقاضي يسمي السهام إلى أن ينتهي إلى أقصى السهام الذي لا يقصد دونه بالتملك في العرف والعادة فيلزمه ذلك ويجعل القول في الزيادة قوله مع يمينه.
ومن المشايخ من اشتغل بتصحيح ما ذكر في الكتاب وقال: الإقرار من الغاصب بقيمة مجهولة قد صح ووجب على القاضي إيصال المقر له إلى حقه، وقد عجز القاضي عن إيصال المائة إليه كما يدعيه المغصوب منه؛ لأن الغاصب قد حلف على ذلك ولا وجه إلى أن يوقفه وسمى له قيمة كل ما يصلح أن يكون قيمة الثوب؛ لأن الغاصب في إقراره ذكر الثوب مطلقًا ولم يبين الجنس ولا النوع، والثياب أجناس مختلفة فلا يدري القاضي أقل ما تكون قيمة الثوب؛ لأنه لا يدري أن الثوب المقر به من أي نوع بخلاف ما لو أقر بحق مجهول في عين في يده؛ لأن أقل المقدار الذي يقصد بالتملك عرفًا وعادة، يكون معلومًا فأمكن إلزام ذلك على المقر له أما هنا بخلافه، فلم يبق للقاضي طريق يوصل المقر له وهو المغصوب منه إلى حقه سوى يمينه، حتى لو كان النوع سمي في الإقرار.
وفي الدعوى يقول بأن القاضي يوقعه ويسمي له كل ما يصلح قيمة الثوب، كما قال الحاكم الإمام رحمه الله، وما يقول بأن يمين المغصوب منه يمين المدعي، ويمين المدعي لم تشرع حجة، قلنا: يمين المغصوب منه يمين المدعي من وجه من حيث أنه يدعي أن قيمة الثوب مائة، ولم يثبت ذلك لما أنكره الغاصب ويمين المدعى عليه من وجه من حيث أن الاستحقاق ثابت بإقرار الغاصب، فإن الإقرار بقيمته مجهولة صحيحة والحاجة إلى فصل الخصومة لا غير، واليمين شرع في الأصل لفصل الخصومات، فمن هذا الوجه يكون بمنزلة يمين المدعى عليه ويمين المدعى عليه من كل وجه مما يجوز أن يفصل بها الخصومة فكذا يمين المدعى عليه من وجه، قالوا: يجب أن تحفظ هذه المسألة فإنها من الغرائب.
وإذا اشترك الرجلان على أن ما اشتريا اليوم أو هذا الشهر أو هذه السنة ومضا صفًا من التجارة ووقتا أو لم يوقتا فهذه الشركة جائزة على ما عرف في موضعه، فإن قال أحدهما: اشتريت متاعًا فهلك، وأراد أن يبيع شريكه بنصف الثمن وأنكر الشريك الشراء، فالقول قول الشريك مع يمينه؛ لأن هذا وكيل من جهة صاحبه في نصف ما اشترى والوكيل بالشراء إذا قال: اشتريت وهلك عندي، ولم يكن الثمن مفقودًا، أو أراد أن يرجع بالثمن على الموكل وأنكر الموكل الشراء كان القول قول الموكل مع يمينه كذا ها هنا، فيحلف المنكر الشراء بالله ما لم يعلم أنه اشترى ذلك المتاع، يحلفه على العلم؛ لأنه يحلفه على فعل الغير.
وكان الحاكم أبو محمد رحمه الله يقول: يجب أن يزاد على هذا فيحلف بالله ما يعلم أنه اشترى ذلك المتاع على شركتكما؛ لأن بدون هذه الزيادة يتضرر منكر الشراء لجواز أنه كان اشترى ذلك المتاع قبل شركتهما، وعلم بذلك منكر الشراء فمتى حلفناه على مطلق الشراء لا يمكنه أن يحلف، فيمتنع عن اليمين، فيقضي عليه بنكول ويرجع بالثمن عليه فيتضرر منكر الشراء فيزاد ما قلنا دفعًا للضرر عنه.
ولو أن رجلًا اشترى من آخر جارية بألف درهم وتقابضا ثم طعن المشتري بشجة في رأسها، فاستحلف القاضي البائع على ذلك بالجارية، وقال: هذه الجارية حبلى وهذا الحبل حدث عند المشتري، فالقاضي يسأل المشتري عن ذلك أنها حبلى وهذا الحبل حدث عند المشتري، فإن أقر به قيل للبائع: أنت بالخيار إن شئت حبستها ولا شيء لك وإن شئت رددتها على المشتري ورددت عليه نقصان الشجة؛ وهذا لأن من شرط الرد على البائع الرد على الوجه الذي خرج عن ملكه، وقد خرج عن ملكه معيبًا بعيب واحد ورد عليه معيبًا بعيبين، فإن شاء البائع رضي بالعيب الزائد وحبس الجارية، وإن شاء ردها على المشتري ورد معها نقصان الشجة التي كانت عنده، وإن قال المشتري: مالي بهذا علم، فالقاضي يريها النساء، فإن قلن: هي حبلى فالقاضي يحلف المشتري بالله ما حدث هذا الحبل عندك، فإن حلف لا شيء عليه والرد ماض؛ لأنه تبين أن المشتري ردها على الوجه الذي خرج من ملك البائع، وإن نكل صار مقرًا أن الحبل كان عنده، وقد ذكرنا الكلام في فصل الإقرار، وإن قال المشتري للقاضي: قد كان هذا الحبل عند البائع، فإقراره عند البائع إقرار منه أنه عنده، فيثبت الحبل عند المشتري ولا يثبت عند البائع؛ لأن إقراره حجة على نفسه غير حجة على البائع، فيستحلف البائع بالله لقد بعتها من هذا المشتري وسلمتها إليه وما بها هذا الحبل، فإن حلف ردها على المشتري ورد عليه نقصان الشجة، وإن نكل لزمته الجارية؛ لأنه تبين أن كلا العيبين كانا في يد البائع هكذا قال الخصاف رحمه الله.
وطعنوا على الخصاف وقالوا: ينبغي أن لا يحلف بالله لقد بعتها من هذا المشتري وسلمتها إليه وما بها هذا الحبل؛ لأن شرط الحنث في هذا اليمين وجود الحبل عند الأمرين عند البيع وعند التسليم، ويجوز أن يكون الحبل حادثًا بعد البيع قبل التسليم، وذلك يثبت حق الرد فلو حلفناه على هذا الوجه، فعلى تقدير أن يكون الحبل حادثًا بعد البيع قبل التسليم يحلف، ولا يحنث في يمينه، فيتضرر به المشتري فلا يحلف على هذا الوجه، ولكن يحلف بالله لقد سلمتها بحكم هذا البيع وما بها هذا العيب.
قالوا: ولو كانت الجارية في يد المشتري فخاصم البائع في الشجة التي بها فلما حكم الحاكم على البائع بردها عليه بالشجة قال البائع: إنها حبلى فهذا الحبل حادث عند المشتري وقال المشتري: لا بل كان عندك، فإن القاضي يحلف البائع على ذلك ولا يحلف المشتري بخلاف المسألة الأولى، والفرق من وجهين:
أحدهما: أشار إليه صاحب (الكتاب) أن القاضي في المسألة الأولى قضى برد الجارية على البائع بعيب الشجة، فصارت الجارية في يد البائع، فالبائع بعد ذلك يريد أن يرد ما صارت في يده على المشتري بحبل ظهر عند المشتري، فلا يمكنه الرد بيمين نفسه، بل كان اليمين على المشتري بالله ما حدث هذا الحبل عندك، أما ها هنا المشتري هو الذي لم يرد على البائع؛ لأن الجارية في يد المشتري والبائع ينكر أن يكون له حق الرد بهذا السبب فيكون اليمين على البائع ولكن هذا الفرق ليس بسديد، فإن في الوجه الثاني قضى القاضي بالرد على البائع وصارت الجارية في يد البائع مع هذا يحلف البائع، وإنما الفرق السديد أن في المسألة الأولى المشتري ينكر كون الحبل عنده، فيحلف على ذلك وفي هذه المسألة المشتري مقر بكون الحبل عنده؛ لأنه ادعى كونه عند البائع فيكون مقرًا بكونه عنده، فلا يحلف على ذلك لكن ادعى حدوث هذا القائم عنده عند البائع، والبائع ينكر فيحلف على ذلك كما في الوجه الثاني.
قال: ولو أن رجلًا في يده غلام أو جارية أو عرض من العروض، فقدمه رجلان إلى القاضي، وادعى كل واحد منهما أنه اشتراه من الذي هو في يده، فسأله القاضي عن دعواهما فهذه المسألة على وجهين: إما إن أقر أنه باع ذلك من أحدهما بعينه وهو هذا، أو جحد لهما، فإن أقر أنه باع من أحدهما بعينه، فالقاضي يأمره بالتسليم إليه فإن قال الآخر للقاضي: حلفه أنه لم يبعه مني، فلا يمين عليه في ذلك؛ لأن بعد ما أقر بالبيع من هذا لو أقر به الآخر أو نكل لا يملك فلا يفيد الاستحلاف، وكذلك لو جحد لهما جميعًا فحلفه القاضي لأحدهما ونكل عن اليمين وجعله القاضي له، فقال الآخر: حلفه لي فإنه لا يمين له عليه في ذلك؛ لأن القاضي مع أنه لا ينبغي له أن يقضي للأول حتى يحلف للثاني لما جعل للأول، فالقضاء صادف محلًا مجتهدًا فيه على ما مر فنفذ قضاؤه، فصار المدعى عليه خارجًا فلا يملك الإقرار والبدل ولا يتوجه عليه اليمين.
قال: ولو ادعى رجلان على امرأة نكاحًا وقدماها إلى الحاكم، فأقرت بالنكاح لأحدهما لا يستحلف الآخر، أما على قول أبي حنيفة رحمه الله فلأن الاستحلاف لا يجري في النكاح عنده أصلًا، وأما على قولهما، فلأنها لو أقرت للثاني بالنكاح بعدما أقرت للأول لا يصح إقرارها، فلا يفيد الاستحلاف.
وهل يستحلف الزوج المقر له ذكر؟ فخر الإسلام علي رحمه الله في (شرحه) أن فيه اختلاف المشايخ، بعضهم قالوا: لا يستحلف؛ لأنه لو أقرت بالنكاح للثاني لا يصح، فلا يفيد استحلافه، وبعضهم قالوا: يستحلف لرجاء النكول الذي هو إقرار معنى، لأنه لو أقر به يلزمه ويأمره القاضي أن يخلي عنها، فإن حلف لا تستحلف المرأة بعد ذلك، وإن نكل تستحلف المرأة؛ لأنها لو أقرت بالنكاح للآخر في هذه الحالة يلزمها حكم إقرارها، فإن نكلت قضي بالنكاح للثاني، وبطل نكاح الأول؛ لأنه ثبت بنكولها تقدم نكاح الثاني فكان نكاح المقر له أولًا باطلًا، وإن نكلت لأحدهما وحلفت (للآخر) يقضى بالنكاح للذي نكلت له وإن نكلت لهما لا يقضى بنكاح أحدهما؛ لأنه يصير كأنها أقرت بنكاحهما جميعًا، فلا يثبت نكاحها ولا نكاح أحدهما بل يتوقف إلى إقامة البينة.
قال: وإذا ادعى كل واحد منهما هبة العبد والأمة من الذي في يده وأنه قد قبضه منه، أو ادعى كل واحد منهما الصدقة مع القبض، فهو مثل الشراء في حق الحكم الذي ذكرنا أنه إذا ثبت الملك لأحدهما بإقرار أو نكول فلا يمين للآخر عليه.
ولو ادعى أحدهما أنه اشتراه من صاحب اليد بألف، وادعى الآخر أنه ارتهنه منه بألف أو استأجره منه بألف، فسأله القاضي فأقربه للمرتهن أو للمستأجر أولًا يحلف لمدعي الشراء إذا طلب ذلك؛ لأن بعد ما أقر بالرهن والإجارة لو أقر بالبيع يصح إقراره؛ لأن بيع المرهون والمستأجر ينعقد صحيحًا لازمًا في حق البائع، وإذا كان بيعه ينعقد صحيحًا لازمًا في حقه يملك البائع الإقرار به فيفيد استحلافه، ثم إذا حلف إن حلف انتهى الكلام وإن نكل يثبت البيع، وكان للمشتري الخيار إن شاء صبر إلى وقت النكال في الرهن، وفي الإجارة إلى مضي وقت الإجارة، وإن شاء فسخ؛ لأنه لم يرض بتأخير حقه هذا الذي ذكرنا إذا أقر للمرتهن أو للمستأجر أولًا، وإن أقر لمدعي الشراء أولًا، لا يحلف لمدعي الإجارة والرهن بعد ذلك؛ لأنه بعد ذلك أقر بالبيع لو أقر بالإجارة أو بالرهن لا يصح؛ لأن بعد البيع لا يملك الإجارة والرهن فلا يفيد استحلافه.
ولو ادعى كل واحد منهما الإجارة وأقر به لأحدهما لا يحلف للآخر؛ لأنه بعد ما أقر بالإجارة لأحدهما لو أقر بها للآخر لا يصح؛ لأن إجارة المستأجر غير صحيح فلا يفيد الاستحلاف، فلا يحلف.
ولو أن رجلًا قدم رجلًا إلى القاضي، وقال: هذا اشترى الدار التي في موضع كذا حدها الأول والثاني والثالث والرابع كذا بألف درهم، وأنا شفيعها بدار لي تلاصقها، فقال القاضي للمدعى عليه: ما تقول فيما ادعى، فقال المدعى عليه: هذه الدار في يدي لابني هذا الطفل صح إقراره لابنه؛ لأن الدار في يده واليد دليل الملك، فكانت الدار مملوكة له فكان هذا إقرارًا على نفسه، فيصح، فإن قال الشفيع للقاضي: حلفه بالله ما أنا شفيعها، فالقاضي لا يحلفه؛ لأن إقرار الأب بالشفعة على ابنه الصغير لا يصح فلا يفيد الاستحلاف، وهذا من جملة الحيل والمخارج في دفع الخصومة وسيأتي من جنس هذا إن شاء الله تعالى.
وإن أراد الشفيع أن يقيم على الأب البينة على الشركاء كان الأب خصمًا وسمع البينة عليه؛ لأن الأب قائم مقام الابن شرعًا، ولو كان الابن كبيرًا كان خصمًا للمدعي حتى يسمع بينته عليه ويقضى للشفيع بالشفعة، هكذا إذا كان الأب قائمًا مقامه شرعًا.
ولو كان رجل ادعى على رجل أن فلانًا مات وأوصى إلى هذا الرجل وقال المدعى عليه: لم يوص إلي فإنه لا يستحلف، وكذلك لو ادعى رجل على غيره أن فلانًا وكل هذا وقال المدعى عليه: لم يوكلني لا يستحلف المدعى عليه، لأنه لو أقر به لا يصح؛ لأنه إقرار على الغير فلا يفيد الاستحلاف، وإن أقام المدعي بينة على أنه وصيّ فلان أو على أنه وكيل فلان قبلت بينته فقد جعله خصمًا في حق سماع البينة، ولم يجعله خصمًا في حق الاستحلاف.
وكذلك لو أن وصي الميت قدم رجلًا إلى القاضي وقال: إن فلانًا الميت أوصى إليّ وإلى هذا الرجل أو قدم رجلًا إلى القاضي، وقال: إن فلانًا وكلني وهذا الرجل بقبض ديونه، وأنكر ذلك الرجل فالقاضي لا يحلفه، وإن كان المدعي للوصاية أقام بينة أن فلانًا أوصى إليّ وإلى هذا الرجل فالقاضي يقبل بينته، فقد جعله خصمًا في حق سماع البينة، ولم يجعله خصمًا في الاستحلاف ومثل هذا جائز. ألا ترى أن الأب فيما يدعي على ابنه الصغير خصم في حق سماع البينة حتى يسمع البينة عليه، ولا يكون خصمًا في حق اليمين كذلك ها هنا.
ولو أن رجلًا حلف بعتق عبده أن لا يزني أبدًا فقدمه العبد إلى القاضي، وقال: إن هذا حلف بعتقي أن لا يزني، وقد أتى بالذي حلف عليه وحنث وعتقت، فالقاضي يحلف المولى بالله ما زنيت بعدما حلفت بعتق عبدك أن لا تزني أبدًا، هكذا ذكر الخصاف في (أدب القاضي) وذكر الخصاف في شرح هذا الكتاب أن المولى لا يستحلف باللّه ما زنيت على ما يدعيه العبد.
قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: الرواية محفوظة في الكتب أن القاذف إذا ادعى على المقذوف أنه صدقه أنه قد زنى، وأقام البينة على ذلك تقبل بينته، وإن لم يكن له بينة وأراد استحلاف المقذوف بالله ما صدقه في ذلك القذف يسقط الحد عن نفسه، فإنه لا يستحلف المقذوف على ذلك، ولا فرق بين المسألتين فإن مقصود القاذف من هذه الدعوى إسقاط الحد عن نفسه لا إيجاب الحد على المقذوف، كما أن مقصود العبد هاهنا إثبات الحرية لنفسه لا إيجاب الحد عليه فلا فرق بينهما.
فتصير الرواية في القذف أن المقذوف لا يستحلف. رواية في مسألة العبد، أن المولى يستحلف رواية في مسألة المقذوف أنه يستحلف فيصير في كل مسألة روايتان.
وجه الرواية التي قال يستحلف: إن مقصود العبد إثبات الحرية لنفسه لإيجاب الحد على المولى، ومقصود القاذف إسقاط الحد عن نفسه لا إيجاب الحد على المقذوف وإثبات الحرية وإسقاط الحد ممكن مع الشبهة، ألا ترى أن القاذف إذا أقام رجلًا وامرأتين على تصديق المقذوف، أو العبد إذا أقام رجلًا وامرأتين على العتق، يقبل وكل حكم يثبت مع الشبهات يجري فيه الاستحلاف.
وجه الرواية التي قال لا يستحلف: إنه لا عبرة لمقصود العبد والقاذف وإنما العبرة لأصل ما يتعلق به من الحكم وأصل ما تعلق بالزنا من الحكم الحد، وإنه مما لا يجري فيه الاستحلاف ثم لم يذكر في (الكتاب) نصًا أن العبد هل يصير قاذفًا للمولى بما ذكر ولكن أشار إلى أنه لا يصير قاذفًا؛ لأنه قال: وقد أتى بالذي حلف عليه ولم يقل وقد زنى ولو صار قاذفًا بهذا القول لما ترك قوله: وقد زنى، ولما تحول إلى قوله وقد أتى بالذي حلف عليه وقد نص في كتاب الحدود: أن من قذف غيره بالزنا وقال آخر: هو كما قلت يصير قاذفًا؛ لأنه تقدم ذكر الزنا فيصرف قوله: هو كما قلت إلى الزنا، وصار كأنه قذفه صريحًا بالزنا، فقياس هذه المسألة على تلك المسألة أن يصير قاذفًا؛ لأنه تقدم ذكر الزنا فإن موضوع المسألة أن العبد قال في دعواه: إن هذا حلف بعتقي أن لا يزني وقد أتى بالذي حلف أي الزنا وصار كأنه قال: وقد زنى، فينبغي أن يصير قاذفًا.
ثم ذكر كيفية التحليف على المولى، فقال: يحلف بالله ما زنيت بعدما حلفت بعتق عبدك أن لا تزني أبدًا، فقد حلفه على السبب، أما على ما روي عن أبي يوسف رحمه الله فظاهر، وأما على ظاهر الرواية فلأن العتق في العبد المسلم لا يحتمل النقض بعد ثبوته، فلا يكون في التحليف على السبب ضرر المدعى عليه وهو المولى.
وقد ذكرنا أن في مثل هذا، التحليف على الحاصل، ثم إذا حلف المولى، إن حلف لا شيء عليه، وإن نكل لزمه العتق ولا يلزمه الحد، وإن أقر بالزنا؛ لأنه إنما أقر به مرة.
قال: ولو أن رجلًا اشترى من رجل جراب هروي بمائة درهم فقبضه المشتري فوجد فيه أحد عشر ثوبًا، فقال البائع: بعت منك هذا الجراب على أن فيه عشرة أثواب بمئة درهم، وقال المشتري: لا بل اشتريته على أن فيه أحد عشر ثوبًا بمائة درهم، وأراد كل واحد منهما تحليف صاحبه، فالقاضي يحلف البائع بالله ما بعته هذا الجراب على أن فيه أحد عشر ثوبًا لأن المشتري يدعي العقد في الثوب الحادي عشر والبائع ينكر، ولو أنكر العقد في جميع الأثواب كان القول قوله مع اليمين، فكذا إذا أنكر العقد في الثوب الحادي عشر، فإذا حلف إن نكل لزمه، وإن حلف رد المشتري الجراب على البائع؛ لأنه لما حلف فسد البيع في الجراب؛ لأنه انتفى البيع عن الثوب الحادي عشر بحلفه ومبين أنه باع عشرة أثواب من أحد عشر من الجراب، وإنها مجهولة وجهالة المبيع يوجب فساد العقد وفي هذه المسألة إشكال من وجهين:
أحدهما: أنه قال: يحلف البائع، ولم يقل يتحالفان وكان ينبغي أن يتحالفا لأنهما اختلفا في مقدار المعقود عليه، والاختلاف في مقدار المعقود عليه بمنزلة الاختلاف في مقدار الثمن، ولو اختلفا في مقدار الثمن يتحالفان، فكذا إذا اختلفا في مقدار المعقود عليه.
والثاني: أنه جعل القول قول البائع مع اليمين فكان ينبغي أن يقول: القول قول المشتري، لأن المشتري يزعم جواز العقد والبائع يزعم فساده، والمتبايعان إذا اختلفا في جواز العقد وفساده كان القول قول من يدعي الصحة.
والجواب: أما الإشكال الأول قلنا: إنما لم يقل يتحالفان؛ لأن بحلف البائع يفسد العقد وبعدما فسد العقد لا يفيد تحليف المشتري، لأن التحليف لرجاء النكول الذي هو إقرار، ولو أقر بما ادعاه البائع صريحًا كان العقد فاسدًا، لأن فيه ثوبًا أبدًا لم يدخل تحت العقد فلم يكن في تحليفه فائدة، فلهذا لا يحلف المشتري وأما الإشكال الثاني، قلنا: الاختلاف هاهنا ما وقع في فساد العقد وجوازه، وإنما وقع في وجود العقد وعدمه في الثوب الحادي عشر، فهو المقصود من هذه الخصومة.
والاختلاف إذا وقع في وجود العقد وعدمه، كان القول قول من ينكر الوجود، والمنكر لوجود العقد في الثوب الحادي عشر هو البائع، فيجعل القول قوله، وإذا جعل القول قول البائع ينتفي البيع عن الثوب الحادي عشر، ومن ضرورته فساد العقد في الباقي، ففساد العقد في الباقي من نتائج اختلافهما في وجود العقد وعدمه في الثوب الحادي عشر، لا أن يكون الاختلاف في صحة العقد وفساده.
وفي كتاب (الأقضية): سئل أبو سليمان عن رجل قال: اشهدوا أن امرأتي فلانة بنت فلان طالق، فجاءت امرأة وخاصمته في المهر والنفقة، فقال الزوج: هذه ليست هي التي كانت امرأتي، ولا هي فلانة بنت فلان، فإن كانت لها بينة على ذلك أخذ بينتها وإن لم يكن لها بينة وأرادت استحلافه لا يحلف على أنها ليست فلانة بنت فلان وإنما يحلف على حاصل الدعوى فيحلف بالله مالها قبلك حق في المهر والنفقة التي تدعي.
وهذا لأن الاستحلاف إنما يكون على أصل الحق وعلى سبب الحق والسبب ليس بحقها، وليس بسبب لاستحقاق المهر والنفقة، فلا يستحلف عليه، ولكن يستحلف على الحاصل وبه يقع الاستغناء عما سواه، ويحصل النظر من الجانبين.
وكذلك إذا أقر رجل عند القاضي أن لفلان بن فلان علي ألف درهم، فجاء رجل وقال: أنا فلان بن فلان، وقال المقر: هذا ليس بفلان بن فلان، والمال ليس له فالقاضي لا يحلف المقر على السبب وإنما يحلفه على أصل الحق، والمعنى ما ذكرنا.
وقال ابن سماعة: في رجل أقر أن فلان بن فلان أودعني ألفًا ثم جاء رجل وادعى أنه فلان بن فلان، وأن الوديعة له، وأنكر المقر أنه فلان وأن الوديعة له، فالقاضي يحلف المقر بالله ما لهذا قبلك حق من الوجه الذي يدعيه في هذه الوديعة، ولا يحلفه على السبب لما ذكرنا، وإذا طلب المدعى عليه من القاضي أن يحلف المدعي بالله أن ما يأخذ، يأخذ بحق فالقاضي لا يجيبه إليه، لأنه لو أجابه إليه وحلفه كان له أن يطلب من القاضي أن يحلفه بالله أنك حلفت صادقًا، ثم وثم إلى ما لا يتناهى.
وإذا وقعت الدعوى في دار، واحتيج إلى تحليف المدعى عليه يحلف بالله ما هذه الدار ولا بعضها ملك هذا المدعي، ولا يحلف بالله ما لهذا المدعي في هذه الدار حق، ولو حلف على هذا الوجه، ونكل وقضى القاضي بالدار للمدعي لا ينفذ قضاؤه، هكذا حكى فتوى شمس الإسلام الأوزجندي رحمه الله، إذ يجوز أن لا تكون الدار ملكًا للمدعي ويكون له فيها حقًا من حيث التطرق أو ما أشبهه، فبنكوله لا يصير مقرًا بالدار للمدعي لا محالة، فلا يجوز القضاء بملكية الدار للمدعي.
وإذا ادعى الرجل عينًا في يدي رجل وأراد استحلافه، فقال صاحب اليد: هذا العين لفلان الغائب لا تندفع عنه اليمين ما لم يقم البينة على ذلك، بخلاف ما إذا قال: هذا لابني الصغير.
والفرق: أن إقراره للغاصب يوقف عمله على تصديق الغائب، فلا تصير العين مملوكًا للغائب بمجرد إقرار صاحب اليد فلا يندفع عنه اليمين فأما إقراره للصبي لا يتوقف على تصديق الصبي، فتصير العين ملكًا للصبي بمجرد إقراره، فلا يصح إقراره بعد ذلك لغيره فلا يفيد التحليف؛ لأن فائدة التحليف النكول الذي هو إقرار.
وذكر في موضع آخر إذا قال صاحب اليد: هذا العين لابني الصغير أو قال لفلان الغائب يحلف بالاتفاق، فإن نكل يقضى له به ثم ينتظر بلوغ الصبي في مسألة الصبي، فإن صدق المدعي في دعواه فالأمر ماض، وإن كذبه تؤخذ العين من يد المدعي وتدفع إلى الصبي ويضمن للمدعي قيمة العين.
بعض مشايخ زماننا فرقوا بين الإقرار للصبي، وبين الإقرار للغائب، كما ذكر في بعض المواضع، وبعضهم سووا بينهما وقالوا: يحلف في الفصلين جميعًا كما ذكر في بعض المواضع دفعًا للحيلة، وهذا القائل يستدل بمسألة الوقف.
وصورة مسألة الوقف: دار في يدي رجل ادعاها رجل أنها ملكه، فقال صاحب اليد: إنه وقف على كذا، فإقراره بالوقف جائز، ويصير المنزل وقفًا لكن لا يندفع اليمين عن صاحب اليد، فيحلف للمدعي، فإن حلف برئ عن دعواه، وإن نكل ضمن قيمة المنزل للمدعي، ولو جاء صاحب اليد ببينة شهدوا على وقفيته لا تندفع اليمين بهذا عن المدعي ولا تندفع خصومة المدعي، لأنه صار وقفًا قبل إقامة البينة بإقراره فصار وجود هذه البينة وعدمه بمنزلة، وإذا ادعى على تركة ميت دينًا وقدم الوصي إلى القاضي ولا بينة له فإن كان الوصي وارثًا يحلف؛ لأن إقراره في نصيبه جائز، وإن لم يكن وارثًا لا يحلف؛ لأن إقراره في هذه الصورة لا يصح أصلًا؛ لأنه إقرار على الغير من كل وجه، وإذا أنكر الشاهد الشهادة فالقاضي لا يحلفه؛ لأنه لا فائدة في تحليفه.
في (فتاوى أبي الليث) رحمه الله: إذا قال المدعى عليه: إن الشاهد كاذب، وأراد تحليف المدعي بالله ما يعلم أنه كاذب، فالقاضي لا يحلفه إذا طعن المدعى عليه في الشاهد وقال: أين كواه بس إز كواهر بقوا هذه أست له أين محدود ملك منست وأراد تحليف الشاهد والمدعي على ذلك لا يحلف.
وكذلك إذا قال المدعى عليه: ابن شاهد ابن محدود يدعي به راد دعوى كريه أست برين بيس لزاين كواهي، وأراد أن يحلف الشاهد أو المدعي على ذلك لا يحلف.
قال أبو يوسف رحمه الله في رجل جاء بعبد آبق فأخذه السلطان فسجنه، فجاء رجل وأقام البينة أنه عبده فإن القاضي ينتصب خصمًا له، ثم القاضي لا يقضي للمدعي ما لم يستحلفه بالله ما بعته ولا وهبته، ولا أذنت في بيعه وهبته وهذا عندهم جميعًا لأن الخصم عاجز عن طلب اليمين من المدعي على هذا الوجه بنفسه، وكان للقاضي أن يطلب ذلك من المدعي نظرًا للغائب؛ لأن القاضي نصب ناظرًا لمن عجز عن النظر لنفسه بنفسه، وقد نص على هذا في كتاب جعل الآبق.
قال مشايخنا رحمهم الله: والاحتياط أن يزاد على هذا حرف بالله ما بعته ولا وهبته ولا أذنت بهما، ولا هو خارج من ملكي للحال بجواز أن يكون باع ثم تملك وأذن ثم نهى، فمتى حلف على ذلك يمتنع عن اليمين، لأنه يحنث في يمينه فيقضى عليه فيتضرر به، والاحتياط أن يزاد في هذا ولا هو خارج عن ملكه للحال حتى إذا كان باع ثم تملك أو أذن ثم نهى لا يحنث إذا حلف؛ لأن شرط حنثه شيئان البيع والخروج عن ملكه للحال، ووجد أحدهما ولم يوجد الآخر وبأحد شطري الحنث، لا يثبت الحنث ثم ذكر في كتاب الاستحلاف أن المدعي إذا حلف فإن القاضي يدفع إليه، ولم يقل يأخذ منه كفيلًا أصلًا.
وذكر في كتاب جعل الآبق في رواية أبي سليمان وقال: ما أحب أن يأخذ منه كفيلًا، وقد ذكرنا هذا في كتاب جعل الآبق.
قال ولو أن رجلًا: أعار من رجل دابة أو أودعها إياه أو آجرها منه فهلكت في يده فجاء مدع وأقام البينة أنها كانت له، قال أبو يوسف رحمه الله لا يقضي له بشيء حتى يحلف بالله ما بعت ولا وهبت ولا أذنت فيها، ولا هي خارج عن ملكك للحال، قالوا وهذا يجب أن يكون على قول أبي يوسف خاصة، فأما على قول أبي حنيفة ومحمد فإنه لا يستحلف المدعي بالله ما بعت حتى يطلب صاحب الدابة يمينه، وذلك لأن موضوع المسألة أن صاحب العبد حاضر بدليل أنه سمع خصومة المدعي، ولو كان غائبًا لا يسمع خصومته؛ لأن اليمين لا ينتصب خصمًا للمدعي إذا كان من يجعل بالخصومة عليه معلومًا، فحين سمع خصومة المدعي علمنا أنه إنما سمع لأن صاحب المال وهو المعير والمؤاجر حاضر، وإذا كان صاحب المال حاضرًا أمكن لصاحب المال طلب اليمين من المدعي، ومهما أمكن للذي المال في يده طلب اليمين من المدعي، فإن القاضي لا يستحلف المدعي بالله ما بعت ولا أذنت في بيعه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وإنما يستحلف على قول أبي يوسف وابن أبي ليلى رحمهما الله.
بخلاف مسألة أول الفصل؛ لأن صاحب العبد هناك غائب عاجز عن طلب اليمين بنفسه، فكان للقاضي أن يطلب اليمين من المدعي نظرًا له، ولكن الصحيح أن ما ذكر قول الكل وما قالوا: بأن موضوع المسألة أن صاحب المال حاضر هذا ممنوع مطلقًا، وعلى قولهما عند طلب المدعي على ما قالوا، وقولهم: بأن القاضي سمع خصومة المدعي، والأمين لا ينتصب خصمًا للمدعي حال غيبة المالك قلنا: الأمين، إنما لا ينتصب (خصمًا) للمدعي إذا ثبت كونه مودعًا أو مستعيرًا إذ لو أقام صاحب اليد البينة على ذلك لا يدفع خصومته المدعي.
ولما احتيج إلى تحليف المدعي بالله ما بعت وما وهبت، فإن حلف على قول أبي يوسف رحمه الله، وقضى بالمال للمدعي، فقبل أن يقبضه المدعي هلك، فالمدعي بالخيار إن شاء ضمن الدافع وإن شاء ضمن القابض؛ لأن كل واحد منهما جانٍ متعد في حقه، فكان له أن يضمن أيهما شاء كما في الغاصب وغاصب الغاصب، فإن ضمن الدافع، فالدافع لا يرجع على أحد لأنه ملك المضمون بالضمان، فصار معيرًا ومؤاجرًا ومودعًا ملك نفسه، وإن ضمن القابض إن كان القابض مودعًا أو مستأجرًا، فإنه يرجع بما ضمن على الدافع؛ لأنه كان عاملًا للدافع، وقد لحقه في ذلك ضمان فيكون قرار ذلك على المعمول له وإن كان مستعيرًا، فإنه لا يرجع بما ضمن على أحد؛ لأنه كان عاملًا لنفسه، ومن عمل لنفسه عملًا ولحقه بسبب ذلك ضمان لا يرجع بما ضمن على أحد.
رجل في يديه عبد جاء رجل وادعاه وأقام البينة أنه عبده، والذي في يديه العبد يدعي أنه اشتراه من فلان، يعني رجلًا آخر وسلم لي والمدعى به المبيع، فالمدعي يستحلف على دعواه؛ لأنه ادعى عليه معنى لو أقر به يلزمه فإذا أنكر يستحلف.
ثم على قياس ما روي عن أبي يوسف: يستحلف بالله ما أذنت له في بيع دارك هذه أو في بيع غلامك هذا، وعلى ظاهر الرواية: يحلف على الحاصل بالله ما هذا العين لذي اليد وإنما يحلف على الحاصل نظرًا للمدعي، إذ يجوز أن يكون المدعي أذن في البيع ثم تملك بعد ذلك بوجه من الوجوه، فمتى حلف بالله ما أذنت يحنث في يمينه، فيمتنع عن اليمين فيقضى عليه بالعين والعين له فيتضرر.
وإذا أخذ رجل من رجل مالًا وقال: كان لي عنده فإنما أخذت مالي، وقال المأخوذ منه: المال مالي، ولم يكن للآخذ بينة فإنه يرد المال على المأخوذ منه؛ لأن أخذ المال من يدي الغير يوجب الرد على المأخوذ منه، فالآخذ بقوله: المأخوذ مالي، يريد إسقاط ما يوجب عليه من الرد فلا يصدق إلا بحجة، ثم إذا رد المال على المأخوذ منه طلب الآخذ من القاضي أن يحلف المردود عليه على دعواه، أجابه القاضي إليه، ويحلف بالله ما كان لفلان عليك أو عندك شيء قالوا: والأحوط أن يستحلف بالله ما هذا المال ماله من الوجه الذي ادعاه.
وإذا أدان رجل ما أعيره رجلًا وادعى المدين أن رب المال أذن له في الإدانة وطلب يمينه، يحلف بالله ما أذنت له بالإدانة وأنه ملكك للحال، بجواز أن يكون أذن بالإدانة ثم نهى عنها، فمتى حلف على الإذن لا يمكنه أن يحلف فيقضي عليه فيتضرر به.
وإن ادعى غريم الميت إيفاء الدين إلى الميت يحلف الورثة بالله ما يعلم أن أباهم قبض هذا المال ولا شيئًا منه، ولا برئ إليه منه.
القاضي إذا حلف المدعى عليه بالطلاق فنكل لا يقضي عليه بنكوله؛ لأن طريق القضاء بالنكول أن المدعى عليه بالنكول منع بدل حقه، فيعاد إلى أصل حقه، واليمين بالطلاق ليس بدل حقه، بل هو منهي عنه شرعًا.
وعن هذا قلنا: إن القاضي إذا حلف المدعى عليه وحلف ثم حلفه بالله: له أين سوكندرا ست خوردي فنكل عن هذه اليمين لا يقضي عليه، لأن طريق القضاء بالنكول أن المدعى عليه بالنكول منع بدل حقه.
وبالنكول في اليمين الثانية ما منع بدل حقه لأن حقه في اليمين مرة وقد حلفه مرة.
رجل ادعى على آخر أنك بعت مني الدار التي كانت لك وبين حدود الدار بكذا، وقد سلمت الثمن إليك، وطلب من القاضي أن يأمره بتسليم الدار إليه فأنكر المدعى عليه البيع، فحلفهُ القاضي فنكل عن اليمين وقضى القاضي عليه بنكوله ثم إنه قال بعد ذلك: ما قبضت الثمن، هل يسمع قوله؟ فالمسألة على وجهين:
إن حلفه القاضي على نفس البيع ولم يتعرض اليمين بأن حلفه بالله ما بعت هذه الدار التي ادعاها هذا المدعي يسمع قوله؛ لأنه منكر بقبض الثمن حقيقة وجعله مقرًا بالبيع وبالنكول عن البيع لا يوجب جعله مقرًا لقبض الثمن، وإن كان القاضي يعرض الثمن في التحليف فإن حلفه بالله ما بعتها من هذا المدعي وما قبضت ثمنها منه، لا يسمع قوله؛ لأنه كما نكل عن البيع ينكل عن الثمن فكما صار مقرًا بالبيع يصير مقرًا بقبض الثمن فلا يسمع قوله بعد ذلك أنه لم يقبض الثمن في كتاب الاستحلاف.
رجل أوصى إلى رجل، وله مائة دينار فدفعها إليه وأوصاه أن يتصدق عنه بعشرين منها ففعل، ثم إن الورثة خاصموا الوصي عند القاضي وادعوا أن المتروك من الميت كان مئة، وأنكر الوصي ذلك فأرادوا تحليفه فالقاضي يحلفه بالله ما لهم قبلك من تركة أبيهم إلا ثمانين دينار، ولا يستحلفه بالله ما ترك أبوهم إلا ثمانين؛ لأنه ترك أكثر من ثمانين ولكن يستحلفهم على نحو ما بينا، ثم ذكر بالله ما لهم قبلك لأن كلمة عند تستعمل في الأمانات وكلمة على تستعمل في الديون وكلمة قبل تعم الأمرين، فيكون تفسير ما لهم قبلك ما لهم في يدك أو في ذمتك من تركة أبيهم إلا ثمانين دينارًا.
رجل ادعى على آخر شيء من العروض والدراهم والدنانير والضياع وأنكر المدعى عليه ذلك كله فالقاضي يجمع الكل ويحلفه يمينًا واحدة ذكره في (الفتاوى) وستأتي بعض مسائل اليمين في فصل المتفرقات.
قال في (أدب القاضي): ولو أن رجلًا اشترى من آخر جارية، ثم إن رجلًا آخر ادعى أنه اشترى ذلك من البائع قبل أن يشتريه هذا منه، وقدم هذا المشتري للقاضي وأراد تحليفه فالقاضي يحلفه على العلم بالله ما يعلم أن هذا اشترى من هذا البائع قبل شرائك إياها منه، لأنه يدعي عليه سبق تاريخ شرائه وهو لو أقر بذلك يلزمه فإذا أنكر يستحلف رجاء النكول، ولكن يحلف على العلم لأن هذا تحليف على فعل الغير، فإن عرض المدعى عليه للقاضي وقال: إن الرجل قد يشتري شيئًا ثم ينتقض البيع بينهما بإقالة أو غيره، ولا يمكنه أن يقر مخافة أن يلزمه شيء، فالقاضي يحلف المدعى عليه بالله ما يعلم أن بينهما شراء قائم في الساعة في هذه الجارية، وهذا لأن المدعى عليه لما عرض للقاضي فقد طلب من القاضي أن ينظر له فينظر له.
حكي عن القاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي رحمه الله أنه قال: تمام النظر في أن يحلفه بالله ما هذا الشيء لهذا المدعي من الوجه الذي يدعي، ثم ما ذكر في (أدب القاضي) إنما يتأتى هذا على قول أبي يوسف رحمه الله، فأما على ظاهر الرواية فالتحليف على الحاصل على كل حال على ما مر والله أعلم.

.الفصل السادس والعشرون: في إثبات الوكالة والوراثة وفي إثبات الدين:

ذكر الخصاف في (أدب القاضي): لو أن رجلًا قدم رجلًا إلى القاضي وادعى أن عليه ألف درهم باسم فلان بن فلان الفلاني وأن هذا المال لي، فإن فلانًا الذي باسمه المال أقر أن هذا المال لي، وأن اسمه عارية في ذلك وإنه قد وكلني بقبض ذلك منه بالخصومة فيه فالقاضي يسأل المدعى عليه عن هذه الدعوى، فإن أقر بجميع ذلك أمره القاضي بدفع المال إلى المدعي وهذا لما عرف أن الديون تقضى من مال المديون، فإقراره بذلك تصرف منه على نفسه وفي ماله فينفذ، فقد شرط الخصاف أن يدعي أن فلانًا الذي باسمه المال وكله بقبض المال وهذا جواب ظاهر الرواية.
وروي عن أبي يوسف أن ذلك ليس بشرط بل إذا أقر أن المال الذي عليه باسم فلان ملك هذا المدعي أمره بالدفع إليه.
وذكر هذه المسألة في كتاب الأقضية وذكر جوابها على نحو ما ذكر الخصاف عن أبي يوسف إلا أن في الأقضية لم ينسب هذا الجواب إلى أحد.
ووجه ذلك: أن الدين في الذمة مال مملوك كالعين، ثم لو ثبت كون العين مملوكًا للمدعي بأن ادعى عينًا في يدي رجل أنه ملكه وأقر المدعى عليه بذلك أمر بالدفع إليه، وإن لم يثبت كون المدعي وكيلًا بالقبض من جهة أحد، فكذا إذا ثبت كون الدين مملوكًا للمدعي في الذمة يجب أن يؤمر بالدفع إليه، وإن لم يثبت كون المدعي وكيلًا بالقبض من جهة أحد.
يوضحه: أن المقر أقر له بالدين مطلقًا، والمطلق ينصرف إلى الكامل وهو الثلث من كل وجه، وإنما يكون الدين مملوكًا للمقر له من كل وجه إذا كان مملوكًا له رقبة وتصرفًا في كل شيء.
وجه ظاهر الرواية: أن أصل الدين قد يكون مملوكًا لإنسان ولا يكون له حق القبض حتى لو امتنع المشتري عن تسليم الثمن إلى الموكل كان له ذلك إذا ثبت هذا فنقول: إن ثبت كون المال مملوكًا للمدعي بإقرار المدعى عليه ما ثبت له حق القبض لا محالة، فيحتاج إلى دعوى الوكالة بالقبض، وإذا أقر المدعى عليه بذلك أيضًا فله حق القبض كما يثبت له الملك، ثم إذا أقر المدعى عليه بجميع ذلك، وأمره القاضي بدفع المال إلى المدعي، لا يكون هذا قضاء على الغائب حتى لو جاء الغائب، وأنكر التوكيل كان له أن يأخذ ماله من المدعى عليه وهذا لأن إقرار الإنسان حجة عليه وليس بحجة على غيره، فثبت التوكيل بإقرار المدعى عليه في حقه فأمرناه بالتسليم إلى المدعي؛ لأن ذلك أمر عليه ولم يتعد ذلك إلى الغائب لأنه أمر على غيره، وإن جحد المدعى عليه الدعوى كلها فقال المدعي للقاضي: حلفه لي فالقاضي يقول للمدعي: ألك بينة على ما ادعيت من إقرار الرجل بالمال، ومن توكيله بقبض ذلك المال لأنه يدعي لنفسه حق الخصومة وحق القبض، والمدعى عليه ينكر ذلك كله، فيحتاج المدعي إلى إقامة البينة عليه.
ثم شرط في الكتاب أن يقيم المدعي بينة على إقرار ذلك الرجل بالمال، وعلى توكيله إياه بالقبض، وإقامة البينة على المال ليس بشرط لثبوت حق الخصومة وإنما الشرط إقامة البينة على الوكالة، فيطلب للقاضي منه البينة على الوكالة بعد هذا المسألة على وجهين:
إن أقام بينة على الوكالة ثبت كونه خصمًا فيطلب القاضي منه البينة على المال على نحو ما ادعى، فإن أقام أحد المال منه وتعدى هذه القضاء إلى الغائب حتى لو جاء الغائب وأنكر التوكيل لا يكون له أن يأخذ المال من المدعى عليه لأن التوكيل ثبت بالبينة والبينة حجة في حق الناس كافة، والمدعى عليه انتصب خصمًا عن الغائب في إثبات هذه الوكالة لأن المدعي على الغائب سبب للمدعي على الحاضر، وفي مثل هذا ينتصب الحاضر خصمًا عن الغائب، فكما ثبتت الوكالة في حق المدعى عليه تثبت الوكالة في حق الغائب أيضًا.
وإن لم يكن للمدعي بينة على المال وأراد استحلاف المدعى عليه حلفه القاضي بالله ما لفلان بن فلان الفلاني ولا باسمه عليك هذا المال الذي سماه فلان بن فلان ولا شيء منه، وهذا لأن المدعي لما أثبت وكالته بالبينة، صار خصمًا للمدعى عليه في دعوى المال، فهذا خصم ادعى مالًا على من هو خصم له فكان له أن يحلفه.
هذا إذا أقام المدعي البينة على الوكالة وإن لم يكن للمدعي بينة على الوكالة، فقال للقاضي: إن هذا المدعى عليه يعلم أن فلانًا الذي باسمه المال قد وكلني بقبض هذا المال فاستحلفه لي على ذلك، فالقاضي يستحلفه بالله على ذلك ما يعلم أن فلان بن فلان الفلاني وكل هذا بقبض المال على ما ادعى.
هكذا ذكر الخصاف في (أدب القاضي) وأضاف هذا الجواب إلى أبي يوسف ومحمد.
واختلف المشايخ فيه بعضهم قالوا: هذا الجواب على قول الكل إلا أن الخصاف رحمه الله خص أبا يوسف ومحمدًا بالذكر لأنه لم يحفظ قول أبي حنيفة رحمه الله، لا لأن قوله بخلاف قولهما وإلى هذا مال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني رحمه الله.
ومنهم من قال: ما ذكر في (الكتاب) قولهما أما أبي حنيفة ينبغي أن لا يحلف المدعى عليه بناء على مسألة ذكرها في (الجامع الكبير) أن من اشترى عبدًا وطعن المشتري فيه بعيب الإباق أو غيره، وجحد البائع أن يكون به هذا العيب فالقاضي يأمر المدعي إقامة البينة على وجود هذا العيب به في الحال، فإن أقام بينة على ذلك ثبت العيب للحال وصار البائع خصمًا له وإن لم يكن له بينة فأراد استحلاف البائع بالله ما لم يعلم وجود هذا العيب به للحال، فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله لا يستحلف وعلى قولهما يستحلف ولا فرق بين المسألتين، فإن وجود العيب بالمشترى للحال شرط سماع الخصومة كما أن الوكالة بالقبض ها هنا شرط سماع الخصومة، وإلى هذا مال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله.
ثم إذا حلف إما على اتفاق أو على اختلاف إن حلف انتهى الأمر، وإن نكل صار مقرًا بالوكالة فيقضي القاضي بالوكالة بحكم إقراره، ثم سأله القاضي عن المال فإن أقر بالمال على الوجه الذي ادعى أمره بالتسليم، وإن أنكر المال صار خصمًا للمدعي في حق استحلافه على المال وأخذ المال، ولا يصير خصمًا في حق إثبات المال عليه بالبينة حتى لو أراد المدعي أن يقيم عليه البينة بالمال، فالقاضي لا يسمع بينته، وكذلك لو كان المدعى عليه أقر بالوكالة من الابتداء صريحًا إلا أنه أنكر المال صار خصمًا للمدعي في حق الاستحلاف، وأخذ المال لا في حق إثبات المال عليه بالبينة، وإنما كان كذلك لأن المدعى عليه إنما صار خصمًا بالوكالة، والوكالة إنما تثبت بإقرار المدعى عليه، وإقراره حجة على نفسه وليس بحجة على غيره، فثبتت وكالة المدعي في حق استحلافه على المال، إن كان جاحدًا المال وفي حق أخذ المال منه إن كان مقرًا بالمال، لأنه يقتصر عليه ولا يتعدى إلى غيره ولا تثبت وكالته في حق إثبات المال عليه بالبينة، لأنه لو ثبت تعدى قوله إلى الغائب وفي ذلك قضاء على الغائب، وإنه لا يجوز.
ونظير هذا ما قال أصحابنا رحمهم الله: في رجل ادعى أن فلان بن فلان الفلاني وكله بطلب كل حق له قبل هذا وأن له عليه ألف درهم فأقر المدعى عليه بالوكالة، وأنكر المال فقال المدعي: أنا أقيم البينة أن هذا المال عليه، لم يكن خصمًا له في ذلك ولكن يكون خصمًا في حق استحلافه وفي حق أخذ المال منه إن أقر بالمال، والمعنى ما بينا، وإن كان المدعى عليه أقر بالمال وجحد الوكالة فالقاضي يسأل من المدعي بينة على الوكالة فإن أقام تثبت الوكالة بالبينة وصار خصمًا مطلقًا، وإن لم يكن له بينة وأراد استحلاف المدعى عليه على الوكالة حلفه وهو على الاختلاف الذي قلنا، فإن حلف فقد انتهى الأمر وإن نكل ثبتت الوكالة، ولكن في حق أخذ المال عنه لا في حق القضاء على الغائب لما قلنا.
قال: ولو أن رجلًا جاء إلى القاضي فأحضر معه رجلًا آخر وادعى أنه وكيل فلان الغائب وكله بقبض الدين الذي له على هذا، وبقبض العين الذي في يد هذا، والخصومة فيه وديعة وصدقه المدعى عليه في جميع ذلك، فإنه يؤمر بدفع الدين إلى المدعي ولم يؤمر بدفع العين إليه، وقد روي عن أبي يوسف رحمه الله أنه يؤمر بدفع الوديعة أيضًا كما يؤمر بدفع الدين.
وهكذا روي عن محمد، فعلى هذه الرواية لا يحتاج إلى الفرق بين العين والدين، وعلى ظاهر الرواية يحتاج إلى الفرق بينهما.
والفرق: أن الدين إنما يقضى من مال المديون فإقراره بالوكالة في فصل الدين إقرار بثبوت حق القبض للوكيل في مال نفسه، فيكون إقرارًا على نفسه فيصح أما إقراره بالوكالة في فصل العين إقرار بثبوت حق القبض له في ملك الغير، ليكون إقرارًا على الغير فلا يصح فإن كذبه المدعى عليه في جميع ما ادعى أو صدقه في دعوى الوكالة وكذبه في المال أو صدقه في المال، فهو على ما ذكرنا في المسألة المتقدمة، فإن كذبه في جميع ذلك فأقام الوكيل البينة على الوكالة والمال جملة، ذكر الخصاف رحمه الله في (أدب القاضي) أن على قول أبي حنيفة رحمه الله: القاضي لا يقبل الشهادة على المال بل يقبل، وعلى قول أبي يوسف: القاضي يقبل البينة على الوكالة وعلى المال فإذا عدلت البينة يقضي بالوكالة أولًا ثم بالمال، ولم يذكر قول محمد رحمه الله ثمة.
وفي موضع آخر أن على قول محمد: القاضي يقبل البينة على الوكالة والمال جميعًا، وذكر فيه: لأن قول أبي يوسف رحمه الله مضطرب.
وجه من قال بقول البينة على الوكالة والمال: أن البينة لا توجب الحق بنفسها، وإنما توجب بواسطة إيصال القضاء بها فيعتبر هذا الترتيب في القضاء فلا جرم عندي، القاضي يقضي بالوكالة أولًا، ثم بالمال، ولكن يقبل البينة على الأمرين في الابتداء.
وجه قول أبي حنيفة: أن البينة وإن كانت لا توجب الحق بنفسها ولكن إنما يسمع من الخصم، وإنما يصير المدعي خصمًا في دعوى المال إذا كان وكيلًا ولم يثبت ذكر بعد هذا ما إذا وكله بقبض الدين، ولم يتعرض للخصومة فجحد المديون الوكالة والمال، قبلت بينة الوكيل على الوكالة والمال عند أبي حنيفة وعندهما قبل بينته على الوكالة ولا تقبل بينته على المال، بناء على أن الوكيل بقبض الدين هل يملك الخصومة؟ عند أبي حنيفة رحمه الله يملك، وعندهما لا يملك.
قال محمد رحمه الله في (الزيادات): رجل وكل رجلًا بالخصومة في كل حق له على الناس، فأحضر الوكيل رجلًا يدعي قبله حقًا للموكل، وهو جاحد الوكالة مقر بالحق، وأقام عليه البينة بالوكالة، فقبل أن تظهر عدالة الشهود غاب الرجل، ثم عدلت الشهود، فالقاضي لا يقضي بالوكالة ما لم يحضر، لأن القضاء لابد له من خصم حاضر ليقضي عليه، فإن أحضر رجلًا آخر يدعي عليه حقًا للموكل، وهو جاحد الوكالة، فيقضي القاضي عليه بالبينة الأولى، كان المدعى عليه الأول خصمًا عن جميع الناس في حق سماع البينة عليه، لأن مدعي الوكالة يحتاج إلى إثبات الوكالة على الجميع لكون الوكالة واحدة، وانتصب الذي أحضر خصمًا عن الناس كافة، وصار إقامة البينة عليه كإقامة البينة على الكل، ولو أقام على الكل ثم غاب واحد منهم أليس أنه يقضي بها على الحاضر كذا ها هنا.
واعتبره في (الكتاب) بينة فإن قامت على الوكيل، فغاب الوكيل أو قامت على المورث حال حياته، فمات وحضر الوارث أو قامت على وارث فغاب هذا الوارث وحضر وارث آخر، فإن في هذه الفصول يقضي بتلك البينة على الذي حضر ثانيًا، والمعنى ما ذكرنا في (الزيادات) أيضًا.
وإذا أقام بينة على رجل أن فلانًا وكله بالخصومة وطلب ماله من الحق عليه، فلم تظهر عدالة الشهود حتى أقام الوكيل بينة على رجل بحق للموكل. القياس: أن لا يقبل بينته، وفي الاستحسان: يقبل وهكذا القياس والاستحسان إنما يتأتى على قول أبي يوسف رحمه الله إن كان الخلاف فيما إذا أقام البينة على الوكالة والمال جملة، بين أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: أما لا يتأتى على قول أبي حنيفة رحمه الله وقد مر الكلام فيه، فبعد ذلك المسألة على وجوه: إن زكيت البينتان قضى بالأمرين، ولكن على الترتيب الذي شهد به الشهود يقضي بالوكالة أولًا، ثم بالمال، وإن زكيت بينة الوكالة ولم تزك بينة الحق يقضي بالوكالة، ويؤمر إعادة البينة على الحق له، فإن لم تزك بينة الحق صار كأنه لم يقمها، وإن زكيت بينة الحق ولم تزك بينة الوكالة، لم يقض بالحق، لأنه لما لم تزك بينة الوكالة ظهر أن بينة الحق قامت على غير خصم.
ولو أن رجلًا قدم رجلًا إلى القاضي وقال: إن أبي فلان مات ولم يترك وارثًا غيري وله على هذا كذا كذا من المال، فاعلم بأن هذه المسألة على وجهين.
أحدهما: يدعي دينًا على نحو ما بيننا أو يدعي عينًا في يده أنه كان لأبيه عليه هذا من أبيه، أو أودعه إياه أبوه أولًا تعرض لشيء فذكر أنه لأبيه، مات أبوه وترك ميراثًا له لا وارث له غيره، فإن القاضي يسأل المدعى عليه عن ذلك، فإن أقر بجميع ما ادعى المدعي صح إقراره وأمر بتسليم الدين والعين إليه، أما صحة إقراره بالدين، فلما ذكرنا في فصل الوكالة، وأما صحة الإقرار بالعين بخلاف مسألة الوكيل.
والفرق أن العين الذي في يديه صار ملكًا للذي حضر بسبب الوراثة في زعم صاحب اليد، فإنه زعم أنه وارث الميت، وإنما أقر له بحق القبض في ملكه فيؤمر بالتسليم إليه ولا كذلك، فصل الوكيل هذا أقر بذلك، فأما إذا أنكر ذلك كله، فإن أقام المدعي بينة على ما ادعى قبلت بينته، وأمر المدعى عليه بتسليم الدين والعين جميعًا؛ لأنه أثبت بالحجة موت فلان ووراثة نصيبه، وكون المدعي به متروك فلان ومتروك الإنسان يصرف إلى ورثته، وينبغي أن يقيم البينة أولًا على الموت والنسب حتى يعتبر، ثم يقيم البينة على المال، ولو أقام البينة على الموت والنسب والمال فهو على الخلاف على ما ذكرنا في فصل الوكالة.
إذا أقام مدعي الوكالة البينة على الوكالة والمال جملة، وإن لم يكن للمدعي بينة وأراد أن يحلف المدعى عليه على ما ادعى ذكر الخصاف أنه روي عن بعض أصحابنا أنه لا يحلف، قال الخصاف: وفيها قول آخر أنه يحلف ولم يبين القائل.
بعض مشايخنا قالوا: الأول: قول أبي حنيفة، والثاني: قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله بناء على مسألة (الجامع الكبير): على ما مر فإن قيام العيب بالمشترى للحال شرط سماع الخصومة كما أن موت المورث يعد، وإلى هذا مال شمس الأئمة السرخسي، فهو جعل مسألة الوارث نظير مسألة الوكيل على ما مر.
وقال الشيخ الإمام علي الرازي والشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمهما الله: القول الثاني أنه يحلف قول الكل أيضًا قالا: وهو الصحيح، فهما جعلا هذه المسألة نظير مسألة الوكالة أيضًا، وذكر في موضع آخر أن أبا حنيفة رحمه الله كان يقول أولًا لا يستحلف ثم رجع وقال يستحلف، فعلى ما ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله أن مسألة الوكالة على الخلاف يحتاج إلى الفرق لأبي حنيفة بين مسألة الوكالة وبين مسألة الوراثة على قوله الآخر، على ما ذكره في بعض المواضع.
والفرق أن الوارث يدعي العين والدين فينتصب خصمًا في الاستحلاف؛ لأن الاستحلاف في دعوى الإنسان لنفسه حقه، والإنسان ينتصب خصمًا في حقوقه، وأما في مسألة الوكالة فقد أقر بالحق للغائب فلا ينتصب خصمًا إلا بعد إثبات الوكالة والنيابة عنه، ولم يثبت عنه بعد فلا يكون له حق الاستحلاف، ثم إذا استحلف يستحلف على حاصل الدعوى، وإنه جواب ظاهر الرواية على ما ذكرنا.
وإن أقام المدعي بينة على النسب والموت يثبت كون المدعي خصمًا له فيحلف بدعواه كما في سائر الدعاوى، وإن أقام البينة على المال دون الموت والنسب لا تقبل بينته، لأنه إنما ينتصب خصمًا في المال بواسطة النسب دون الموت والمال لا تقبل بينته لما قلنا، ثم إذا أقر بدعوى المدعي كله وأمر بتسليم الدين والعين إلى المدعي لا يكون هذا على الأب حتى لو ظهر الابن حيًا كان له أن يبيع المدعى عليه بحقه، والمدعى عليه يبيع الابن، وإنما كان كذلك؛ لأن بالإرث لا يتجدد الملك بل يتقرر الملك الذي كان للمورث؛ لأن الوارث يخلف المورث في ملاكه، فكان هذا تقرير ملك الموت، ولا يتصور أن يكون قضاء عليه، ولو أقر بالوراثة والموت وأنكر المال يحلف على المال؛ لأنه يثبت كونه خصمًا بإقراره بالموت والوراثة، فالدعوى صدر من الخصم فيحلف كما في سائر الدعاوى.
ولو أقر بالمال وأنكر النسب والموت لا يحلف؛ لأنه إنما ينتصب خصمًا بواسطة ثبوت النسب والموت، ولم يثبت بعد، واليمين لا يتوجه إلا بعد دعوى صحيحة من الخصم، وهذا الجواب قول أبي حنيفة رحمه الله على ما ذكر شمس الأئمة السرخسي أو على قول أبي حنيفة أو على ما ذكر في بعض المواضع.
أما على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله على ما ذكره شمس الأئمة السرخسي رحمه الله. أو قول أبي حنيفة إجراءٌ على ما ذكره في بعض المواضع ينبغي أن يحلف، ولكن يحلف على العلم؛ لأن هذا تحليف لا على فعل نفسه، والتحليف لا، فعلى فعل نفسه يكون على العلم.
قال: لو أن رجلًا قدم رجلًا إلى القاضي، وقال: إن أب هذا قد مات ولي عليه ألف درهم دين، فإنه ينبغي للقاضي أن يسأل المدعى عليه أولًا أنه هل مات أبوه، ولا يأمره بجواب دعوى المدعي أولًا، وهذا لأن الجواب إنما يتوجه على الخصم، وإنما ينتصب الابن خصمًا إذا مات الأب، فبعد ذلك المسألة على وجهين:
أما إن أقر الابن، فقال: نعم مات أبي أو أنكر موت الأب، فإن أقر وقال: نعم مات أبي سأله القاضي عن دعوى الرجل على أبيه؛ لأنه صار خصمًا والجواب يتوجه على الخصم، فإن أقر له بالدين على أبيه استوفى الدين من نصيبه لإقراره على نفسه بذلك.
وإن أنكر فأقام المدعي بينة على ذلك قبلت بينته وقضى بالدين ويستوفي الدين من جميع التركة لا من نصيب هذا الوارث خاصة؛ وهذا لأن أحد الورثة ينتصب خصمًا عن جميع الورثة فيما يدعى على الميت، فصارت البينة القائمة على هذا الوارث بمنزلة البينة على سائر الورثة، وعلى الميت لو كان حيًا، فيثبت الدين بهذه البينة في جميع التركة بخلاف الإقرار.
ثم إنما يقضي القاضي بالدين في تركة الميت بهذه البينة بعد ما يستحلف المدعي على القبض والإبراء، وإن لم يدع الوارث ذلك؛ لأن القاضي نصب ناظرًا لكل من عجز عن النظر بنفسه وهذه الدعوى في الحقيقة على الميت وهو عاجز عن النظر لنفسه، فينظر له القاضي باستحلاف المدعي بخلاف ما إذا وقع الدعوى على الحي؛ لأن الحي قادر على الدعوى فلا يستحلف بدون دعواه، بخلاف الميت. هكذا ذكر الخصاف في (أدب القاضي).
وذكر في (أدب القاضي): من (أجناس الناطفي) في الجنس الرابع أن من ادعى دينًا في تركة الميت، وأقام بينة على ذلك، فالقاضي لا يحلفه على الاستيفاء عند أبي حنيفة ما لم يدع ذلك أحد الورثة وعلى قول أبي يوسف ومحمد يحلف فيما ذكر الخصاف قولهما، وهو اختيار الخصاف، ثم إذا أراد استحلافه يستحلفه بالله ما قبضت ولا شيئًا منه، ولا ارتهنت به منه رهنًا ولا شيء منه، ولا احتلت به على أحد ولا لشيء منه، ولا يعلم رسولًا أو وكيلًا لك قبض هذا المال ولا شيء منه، وإن ذكر مع ذلك ولا وصل إليك بوجه من الوجوه كان أحوط.
وروى الحسن بن زياد رحمه الله أنه قال: يستحلف بالله أنك تأخذه بحق؛ لأن في الأسباب المسقطة للدين كثيرة فلا يمكن حصرها، فيحلف على هذا الوجه، وإن لم يكن للمدعي بينة، وأراد استحلاف هذا الوارث، يستحلف على العلم عند علمائنا رحمهم الله بالله ما يعلم أن لهذا على أبيك هذا المال الذي ادعى وهو ألف درهم ولا شيئًا منه، فإن حلف انتهى الأمر، وإن نكل يستوفي الدين من نصيبه، فإن كان هذا الوارث المدعى عليه أقر بالدين على الأب وأنكر، فلما حلف نكل حتى صار مقرًا بالدين، إلا أنه قال: لم يصل إلي شيء من تركة الأب، فإن صدقه المدعي في ذلك فلا شيء له؛ وهذا لأن الدين كان في ذمة المورث وبالموت يتحول إلى التركة فيوفى من تركته، فإذا لم يصل إلى هذا الابن شيء أو أخذناه ليوفي دين الأب من مال نفسه، وهذا مما لا وجه له ولا سبيل إليه.
وإن كذبه وقال: لا بل وصل إليه ألف درهم أو أكثر وأراد أن يحلفه، يحلفه على الثبات بالله ما وصل إليك من مال أبيك هذا الألف ولا شيء منه، لأنه يحلف على فعل نفسه والتحليف على فعل نفسه يكون على الثبات لما مر.
فإن نكل لزمه القضاء؛ لأنه ثبت وصول التركة إليه، والدين في التركة يقدم على الميراث، وإن حلف لا شيء عليه، هذا إذا حلف المدعي على الدين أولًا ثم حلفه على الوصول، فلو أن المدعي من الابتداء حين أراد أن يحلف هذا الوارث على الدين قال له الوارث: ليس لك علي يمين، فإنه لم يصل إلي من تركة الأب شيء، وكذبه المدعي وقال: لا بل وصل إليك من تركة الأب كذا وكذا أو صدقه في ذلك، إلا أنه مع هذا أراد استحلافه على الدين، فالقاضي لا يلتفت إلى قول الوارث ويحلفه على الدين؛ لأن الحاجة إلى إثبات الدين وفي إثبات الدين لا عبرة لوصول شيء من التركة إلى يده، وإنما العبرة الفائدة وفي إثبات الدين فائدة، فإنه إذا ثبت الدين بأن نكل عن اليمين حتى صار مقرًا به لو ظهر للميت وديعة أو بضاعة عند إنسان يستوفي الدين منها من غير أن يحتاج إلى الإثبات، فكان فيه فائدة، فيحلف لهذه الفائدة وإن كانت منتظرة.
ألا ترى أن هذا العبد المحجور يستحلف وإنما يستحلف لاستيفاء الدين بعد العتق، وإنه فائدة منتظرة كذا هاهنا، وإن أنكر الابن الدين ووصول شيء من التركة إلى يده وكذبه المدعي في ذلك كله، وأراد استحلافه على الدين والوصول جميعًا لم يذكر الخصاف رحمه الله هذا الفصل في (الكتاب).
وقد اختلف المشايخ فيه بعضهم قالوا: يحلف يمينًا واحدة بالله ما وصل إليك ألف درهم ولا شيء منه من تركة أبيك، ولا يعلم أن لهذا الرجل على أبيك دين من الوجه الذي ادعى، فقد جمع بين اليمين على الثبات وبين اليمين على العلم أنه جائز كما في حديث القسامة وعامتهم على أنه يحلف مرتين، لأنه إنما يجوز الجمع بين اليمينين إذا كانا من جنس واحد، وإن كانا من جنسين لكن سببهما واحد، ولا مجانسة بين اليمين على العلم وبين اليمين على الثبات، والسبب مختلف ها هنا أيضًا؛ لأن سبب الوجوب المداينة السابقة وسبب الاستيفاء من الوارث وصول التركة إليه، فلا يجمع بينهما بل يحلف مرتين مرة على الوصول على الثبات ومرة على الدين على العلم، بخلاف القسامة؛ لأن السبب هناك متحد وهو القتل هذا الذي ذكرنا، إذا أقر بموت الأب.
وأما إذا أنكر موت الأب ووصول التركة إليه وأراد الغريم استحلافه وقع هذه المسألة في بعض نسخ هذا الكتاب، وأجاب فيها أنه يحلف على الوصول والموت يمينًا واحدًا، لكن على الموت على العلم وعلى الوصول على الثبات بالله ما تعلم أن أباك مات، ولا وصل إليك شيء من ميراثه، وبه أخذ أولئك المشايخ وعامة المشايخ على أنه يحلف مرتين مرة على الموت على العلم، ومرة على الوصول على الثبات، فإن نكل حتى ثبت الموت وثبت وصول الميراث إليه، يحلف على الدين على علمه لما مر.
فلو أنه أقر بالدين والموت، وإن هذه الألف تركة إلا أنه أحضر جماعة وقال: هؤلاء إخوتي، فهذه المسألة على وجوه: إما إن بدأ وقال: هذه الألف تركة ثم قال: هؤلاء إخوتي، وفي هذا الوجه يؤمر بتسليم الألف إلى رب الدين؛ لأنه بإقراره أولًا صار الألف مستحقًا لرب الدين؛ لأن الدين متعلق بالتركة بعد الموت، فلا يصح إقراره بالإخوة بعد ذلك فيما يرجع إلى إبطال الاستحقاق الثابت له، وإن بدأ بالإقرار بالإخوة ثم بالتركة والدين، فقد أقر لهم بالشركة معه في التركة فصارت التركة مقسومة بينهم بالحصص، فإذا أقر بالدين والتركة بعد ذلك، فإنما يعمل إقراره في حقه فيسبق في الدين من نصيبه خاصة.
قال: ولو أن رجلًا مات فادعى وارثه على رجل أنه كان لأبيه عليه ألف درهم دين وصار ميراثًا له، وأقر المدعى عليه بالموت وأنكر الدين، فأراد الوارث أن يحلفه، حلفه بالله ما كان لأبي عليك ألف درهم ولا شيء منه من الوجه الذي ادعى، وعلى قول شريح رضي الله عنه يحلف الوارث أولًا على الثبات بالله ما قبض الأب منه شيئًا، هو يقول: بأن الدين إنما ينتقل إلى الابن إذا لم يقبضه الأب منه، أما إذا قبض فلا.
وإنا نقول: إذا ثبت الدين للأب على المديون يبقى إلى أن يوجد المسقط والقبض مسقط، وأنه ليس بمعلوم فيبقى الدين يقبضه الأصل، ألا ترى أن في حالة الحياة الأب يحلف المدعى عليه على الدين، ولا يحلف الأب بالله ما قبض المال وطريقه ما قلنا، وكذلك إذا أقام الابن بينة على الدين لا يحلف الابن على قبض الأب عندنا، خلافًا لشريح على ما بينا، وإن أقر المديون بالدين وادعى أن الأب قد قبض منه الدين أو عرض المديون، فقال: قد يكون على الإنسان دين ثم لا يقضي باعتبار أن صاحب الدين يقبض ذلك، وأنا لا أحب أن أقر بشيء مخافة أن يلزمني، وأراد استحلافه فيحلف الابن حينئذ على العلم بالله ما يعلم أن أباه قد قبض هذا المال، أما إذا ادعى المدعى عليه القبض فلأنه انقلب مدعيًا والمدعي انقلب مدعى عليه، وأما إذا عرض المدعى عليه، فلأنه طلب من القاضي أن ينظر له، فينظر له.
قال في (الزيادات): رجل مات، فجاء رجل وادعى أنه وارث الميت، لا وارث له غيره، وإن قاضي بلد كذا قضى بكونه وارث الميت، وجاء شاهدين شهدا أن قاضي بلد كذا أشهدنا على قضائه أن هذا وارث فلان الميت لا وارث له غيره، وقال الشهود: لا ندري بأي سبب قضى، فإن القاضي الثاني يجعله وارثًا؛ وهذا لأنه ثبت بالبينة قضاء القاضي الأول بوراثته، وقضاء القاضي إذا ثبت يحمل على الصحة وعلى موافقة الشرع، وذلك ها هنا في أن يحمل على أنه استقضى في سبب وراثته على الميت، ولم يقدم على القضاء إلا بعدما علم بالحجة سبب وراثته، وينبغي للقاضي الثاني أن يسأل المدعي ما نسبه عن الميت، وهذا السؤال ليس بشرط لتنفيذ القضاء حتى لو لم يبين المدعي شيئًا نفذ القاضي الثاني قضاء الأول حملًا له على الحق، ولكن هذا السؤال من القاضي الثاني على سبيل الاحتياط ليعلم أنه بأي سبب يستحق، حتى لو ظهر وارث آخر يعرف القاضي الثاني أن أيهما أولى بالميراث؛ ولأنه ربما يبين سببًا لا يستحق الميراث بأن جيرانه مولى الميت من أسفل، فيبطل قضاء الأول؛ لأن هذا خطأ عندنا وقد ظهر فيما هو حجة عليه وهو إقراره، فإن أخبر المدعي بسبب يكون وارثًا على وجه من الوجوه أمضى قضاء الأول بالميراث ودفع الميراث إليه، ولكن لا يقضي بالسبب الذي ادعى؛ لأن الموجود في حق السبب ليس إلا مجرد الدعوى إذا لم يعرف قضاء القاضي بهذا السبب.
أما القضاء بأصل الوراثة ثابت بشهادة الشاهدين، فلهذا قضى القاضي الثاني بالميراث دون السبب، فإن جاء رجل بعد ذلك وادعى أنه أب الميت لا وارث له غيره، وأقام على ذلك بينة، ينظر إن كان الأول بين سببًا لا يرث مع الأب بذلك السبب، جعل القاضي الثاني الميراث كله للثاني؛ لأن أبوة الثاني ثبت عند هذا القاضي بالبينة، والأول لما بين سببًا لا يرث مع الأب بذلك السبب صار مقرًا أنه لا حق له في الميراث، وإقرار كل مقر حجة في حقه.
وإن كان الأول بين سببًا يرث مع الأب بذلك، فإن بين أنه ابن الميت جعل القاضي للأب سدس الميراث؛ لأن القاضي الأول قضى للأول بكل الميراث، فإنما ينقض قضاؤه بالقدر المتيقن، والقدر المتيقن ها هنا السدس، فإن احتمال كون الأول ابنًا كما ذكر قائم ومع الاحتمال ابنه تيقن بالخطأ، وإن ذكر الأول أنه أب الميت، وأقام الثاني أنه ابن الميت يعطى الثاني خمسة الأسداس؛ لأنه بين خطأ القاضي الأول بهذا القدر ينتقض قضاؤه، والسدس سالم للأول، وإن ذكر أنه أب الميت، وادعى الثاني أنه أب الميت وأقام على ذلك بينة قضى القاضي بأبوته جعل الميراث له؛ لأن أبوة الثاني ثبت بالقضاء بالبينة وأبوة الأب لم يثبت إلا بإقراره، وما يثبت بالبينة المفردة أقوى، فكيف إذا اتصل بها القضاء، فإن قيل: ينبغي أن يقضي القاضي بالميراث بينهما؛ لأن القاضي الأول قضى بكل الميراث الأول، فلا ينقض قضاؤه إلا بقدر المتيقن، والتيقن في مقدار النصف، فإن احتمال كون الأول أبًا قائم إذ يجوز أن يكون للشخص الواحد أبوان.
ألا ترى أن الجارية المشتركة بين رجلين إذا جاءت بولد فادعياه كان الولد لهما وهما أبوه، قلنا لا يجوز أن يكون للشخص الواحد أبوان؛ لأن الأبوة بسبب الإلحاق من الماء، ولا يتصور إلا بخلاف من ماء الذكرين، ألا ترى أن في مسألة الجارية المشتركة لو مات يرثانه ميراث أب واحد، إلا أن أحكام الأبوة تثبت بينهما عند الدعوى لاستوائهما في الحجة وعدم الأولوية، وفي مسألتنا لا مساواة؛ لأن أبوة الأول تثبت بالدعوى، وأبوة الثاني تثبت بالبينة، ولا مساواة بين الدعوى والبينة حتى لو تحققت المساواة يقضى بالميراث بينهما على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
واستوضح هذا بما لو جاء رجل وأقام بينة أنه أب هذا الميت، وقضى القاضي بأبوته، وجعل الميراث له، ثم جاء آخر وأقام بينة أنه أب الميت، فالقاضي لا يقبل بينته ولا يدخل مع الأول، ولو جاز أن يكون واحد منهما أبًا، لدخل الثاني مع الأول كما في الأبناء مع البنات.
قال في (الكتاب): ولو أن القاضي الثاني حين قضى بالميراث الثاني قال الأول: أنا أقيم بينة عندك أني أب الميت لا يلتفت إليه، لأن تقدم الحكم للثاني بالأبوة يمنع دعوة الأول الأبوة والقضاء له بها، وإن أقام الأول بينة على أن القاضي الأول قضى بأبوته، جعل القاضي الثاني الميراث للأول إذ تبين أنه تقدم الحكم للأول بالأبوة وأنه يمنع الحكم للثاني بالأبوة.
ولو أن القاضي لم يقض بأبوة الثاني حتى أقام الأول بينة على أبوته قضى القاضي بالميراث بينهما لاستوائهما في الدعوى والحجة.
والجواب في ولاء العتق: كالجواب في الأبوة، بأن ادعى الأول أنه متولي الميت أعتقه، وأن القاضي الثاني إنما قضى له بالميراث لذلك، وادعى الثاني أنه متولي الميت أعتقه؛ لأنه لا يتصور أن يكون الشخص معتقًا من الاثنين مَنَّ كل واحد منهما عليه؟ فصار الولاء كالنسب من هذا الوجه، إن سبق الحكم لأحدهما بالميراث بسبب الولاء فهو أولى، وإن اجتمعا قضى بينهما على نحو ما ذكرنا وإن زعم الأول أنه ابن الميت في الميراث وإن سبق الحكم لأحدهما؛ لأن سبق الحكم لأحدهما لا يدفع الثاني، لإمكان الجمع بخلاف فصل الأبوة، لأن هناك الجمع غير ممكن على ما مر.
وإن زعم الأول أنه ابن الميت فأقامت المرأة بينة أنها بنت الميت، فالميراث بينهما أثلاثًا، وإن تقدم الحكم للأول لأن تقدم الحكم للأول؛ لا يدفع الثاني لإمكان الجمع.
ولو ادعى الأول أنه ابن أو أب وأقام الآخر بينة، أنه أخو الميت لا شيء للثاني؛ لأن الإخوة لا يرثون مع الابن والأب، ولو كان المقضي له امرأة زعمت أنها زوجة الميت، ثم جاء رجل وأقام بينة أنه أخ الميت أخذ منها ما زاد على الربع؛ لأنه كان وصار الحاصل أن القاضي الأول إذا قضى بوراثة الأول ولم يبين سبب الوراثة، وأقام الآخر بينة عند القاضي الثاني على نسبه عن الميت، سأل القاضي الثاني الأول عن نسبه، إن ذكر نسبًا لا يرث مع الثاني فالميراث كله للثاني، وإن ذكر نسبًا لا يرث الثاني معه فلا شيء للثاني، وإن ذكر نسبًا يرث مع الثاني يجمع بينهما في الميراث.
قال: فإن كان المقضي له الأول معتوهًا أو صغيرًا لا يعبر عن نفسه، فأقام بعض من ذكرنا بينة على أنه وارثه وبين نسبه عن الميت، فإن كان الثاني ممن يحتمل السقوط بحال نحو الأخ والعم جعله القاضي ساقطًا بالأول، وإن كان الثاني لا يحتمل السقوط، فإن القاضي يجعل للأول أفضل الأشياء ويقضي للثاني بأقل ما يكون.
بيانه: فيما إذا كان الأول ذكرًا يجعل ابن الميت حتى لو كان الثاني إنما يعطى له السدس لكونه أقل، ولو كان الثاني زوجة الميت يعطى لها الثمن لكونه أقل؛ لأن الأول يرجح تقدم الحكم له، وإبطال القضاء لا يجوز إلا في القدر المتيقن، والتيقن في الأقل.
قال: ولو أن امرأة أقامت بينة أن قاضي بلد كذا، قضى بأنها وارث هذا الميت، وجعل كل الميراث لها، نفذ القاضي الثاني ذلك كما ينفذ للرجل؛ لأن المرأة قد تستحق جميع الميراث، ألا ترى أن مولاة المعتق تستحق جميع الإرث لمولى المعتق، وكذلك البنت تستحق جميع الميراث، النصف بالفرض، والنصف بالرد إذا لم يكن ثمة صاحب فرض أو عصبة.
فلعل القاضي الأول إنما قضى لها بجميع الميراث لهذا، وهو الظاهر، فلهذا نفذ القاضي الثاني ذلك، فإن أقام بعد ذلك رجل بينة أنه ابن الميت أو أبوه، أو أقامت امرأة بينة أنها زوجته، سأل القاضي الثاني المرأة الأولى عن سبب القضاء لها، فإن زعمت أنها بنت الميت عامل معها بزعمها، وإن كانت المرأة الأولى صغيرة لا تعبر عن نفسها، أو كانت معتوهة جعل القاضي لها أكثر ما يكون لها، وجعل لهؤلاء أقل ما يكون لهم مع المرأة الأولى حتى لا ينتقض القضاء الأول إلا في القدر المتيقن.
وإذا ادعى رجل على ورثة ميت دينًا على الميت وقال: إن أب هؤلاء قد مات ولي عليه كذا وكذا، وقد أقر بذلك في حياته طائعًا، ومات قبل أن يوفي شيئًا من ذلك، وخلف من التركة في يد هؤلاء ما بقي بالدين المدعى به وزيادة ولم يبين أعيان التركة، فالقاضي هل يسمع منه هذه الدعوى؟ لم يذكر محمد رحمه الله هذا في (الأصل) وفي شيء من الكتب.
وقد اختلف المشايخ فيه، بعضهم شرطوا بيان أعيان التركة شيئًا، فشيء لسماع القاضي دعواه. والحاكم الإمام أحمد السمرقندي ذكر في شروطه في سجل إثبات الدين: أن المدعي إن أجمل التركة كان كافيًا، وإن بين وفسر كان أحوط، والفقيه أبو الليث رحمه الله لم يشترط بيان أعيان التركة واكتفى بذكر الوفاء بالدين.
والخصاف رحمه الله ذكر في (أدب القاضي) في باب اليمين على العلم: مثل ما ذكره الفقيه أبو الليث رحمه الله، والمختار في الفتوى هذا أن لا يشترط بيان أعيان التركة لإثبات الدين والقضاء به، ولكن إنما يأمر القاضي الوارث بقضاء الدين إذا ثبت وصول التركة إليهم، وعند إنكارهم وصول التركة إليهم،لا يمكن للمدعي إثباته إلا بعد بيان أعيان التركة في أيديهم بما يحصل به الإعلام.
وهكذا حكى فتوى شمس الإسلام الأوزجندي رحمه الله: رجل ادعى دارًا في يد رجل وقال في دعواه: هذه الدار كانت لأبي فلان، مات وتركها ميراثًا بيني وبين أختي فلانة لا وارث له غيرنا، وترك مع هذه الدار مالًا ودوابًا فقسمنا الميراث ووقعت هذه الدار في نصيبي بالقسمة، واليوم جميع الدار ملكي بهذا السبب، وفي يد هذا المدعى عليه بغير حق، فدعواه صحيحة؛ لأنه ادعى جميع الدار لنفسه بسبب صحيح ادعى ثلثاها بسبب الميراث وادعى الثلث بسبب القسمة، وكل ذلك سبب صحيح للملك، ولكن لابد وأن يقول أخذت أختي نصيبها من تلك الأموال حتى يصح منه مطالبة المدعى عليه بتسليم كل الدار إليه.
ولو قال في دعواه: مات أبي وتركها ميراثًا لي ولأختي ثم أقرت أختي بجميعها لي وصدقتها في ذلك، حكي عن شمس الإسلام محمود الأوزجندي رحمه الله أن دعواه صحيحة والصحيح من الجواب أن القاضي لا يسمع دعواه في الثلث؛ لأن هذه دعوى الملك في الثلث بسبب الإقرار، ودعوى الملك بسبب الإقرار غير صحيح، عليه فتوى عامة المشايخ، والمسألة في الأقضية: من له الدين المؤجل إذا أراد إثباته فله ذلك، وإن لم يكن له حق المطالبة بالأداء في الحال، إذا أرادت إثبات بقية مهرها على الزوج فلها ذلك، وإن لم يكن لها حق المطالبة به في الحال؛ وهذا لأن إثبات الحق لا يعتمد المطالبة لا محالة، ألا ترى أن إثبات الدين على الميت من وارث لم يصل إليه شيء من التركة، وإن لم يكن لرب الدين حق المطالبة من هذا الوارث إذا لم يصل إليه شيء من تركة الميت وإنما يعتمد الفائدة، وفي إثبات الدين المؤجل في الحال فائدة، وكذلك في إثبات بقية مهرها في الحال فائدة، فإن شهوده عسى يغيبون ولا يقدر على إثباته عند محل الأجل، سأل القاضي الإمام شمس الإسلام الأوزحندي رحمه الله: عمن ادعى على آخر عينًا في يده، وقال: هذا كان ملك أبي مات وتركها ميراثًا لي ولفلان، وسمى عدد الورثة ولم يبين حصة نفسه، قال: صح منه هذه الدعوى، وإذا أقام البينة على دعواه، فالقاضي يسمع بينته، ولكن إذا آل الأمر إلى المطالبة بالتسليم لابد وأن يبين حصته؛ لأنه لا يملك المطالبة بالتسليم إلا بقدر حصته، فيبين حصته عند ذلك، ولو كان بين حصته ولم يبين عدد الورثة، بأن قال: مات أبي وترك هذا العين ميراثًا لي ولجماعة سواي وحصتي منه كذا، وطالبه تسليم ذلك قال: لا تصح منه هذه الدعوى، ولابد من بيان عدد الورثة لجواز أنه لو بين كان نصيبه أنقص.
قال في (الأقضية): وإذا وقع الدعوى في دار في يدي رجل بسبب الميراث عن الأب وللميت ورثة سوى هذا المدعي وطلب من القاضي أن يكتب له يعني محضر الدعوى، فالقاضي يكتب: حضر فلان وأحضر معه فلان يصف المدعي والمدعى عليه، ثم يكتب: وذكر فلان الذي حضر أن أباه فلان، يذكر اسم أبيه وينسبه إلى أبيه وجده؛ لأنه يريد إثبات الملك للأب ليمكنه النقل إلى نفسه بالإرث، فلابد وأن يصير الأب معلومًا ليمكن إثبات الملك له، والنقل منه بالدعوى وأنه غائب والغائب لا يعلم إلا بذكر الاسم والنسب، ثم يكتب: أنه مات وخلف من الورثة ابنًا له وهو هذا الذي حضر، وزوجة له وهي فلانة بنت فلان بن فلان وبنت له وهي فلانة لا وارث له سواه؛ وهذا لأنه يريد إثبات الوراثة لنفسه فلابد من بيان سببها لنفسه، والبنوة سبب، ولابد من بيان عدد الورثة، ليعلم نصيبه فيقع القضاء بما هو معلوم، ثم يكتب وترك من ماله الدار التي في بلدة كذا في محلة كذا في سكة كذا، أحد حدودها كذا والثاني والثالث والرابع كذا، ثم يذكر في الحد لزيق دار فلان، وإن شاء يذكر دار فلان، وقد مر هذا في فصل جلوس القاضي، بعد ذلك ينظر إن كان في ذكر الحد ذكر إلى دار فلان لا يكتب بحدودها؛ لأنه بين من جوز ذكر دار فلان في الحد اختلافًا أنه إذا كتب بحدودها هل تجوز الدعوى؟ وهل يصح المكتوب؟ بعضهم قالوا: لا يصح؛ لأن دار فلان تدخل في الدعوى، وقال علماؤنا: يصح ولا تدخل دار فلان في الدعوى؛ لأن الناس في عرفهم وعاداتهم لا يريدون به أن يكون دار فلان داخلًا في الدعوى، واعتبار العرف واجب وإن كان بين العلماء اختلاف على نحو ما قلنا.
والكتابة للتوثيق يجب أن يكون على أحوط الوجوه ليقع الأمن عن إبطاله، وإن كان في ذكر الحد لزيق دار فلان يكتب بحدودها إن شاء ويجوز بلا خلاف؛ لأنه لا يؤدي إلى أن تدخل دار فلان في الدعوى، ثم إذا كتب في الحد الزيق لا فرق بين أكثر جماعة من أهل الشروط أن يكتب لزيق دار فلان، وبين أن يكتب لزيق دار تنسب إلى فلان، كل ذلك جائز وقال بعضهم: ينبغي أن يكتب لزيق دار تنسب إلى فلان حتى أنها إذا لم تكن مملوكة لفلان لا يكون كاذبًا فيه، وعامة مشايخنا جوزوا ذلك، لأن الإضافة بحكم الظاهر جائزة.
ألا ترى أن في الشهادة جوزنا الإضافة بالظاهر، وأكثر أحكام الشرع مبنية على الظواهر، ثم يكتب بحدودها كلها وحقوقها؛ لأن بدون ذكر الحدود والحقوق لا يدخل المسيل والطريق، فلا يفيده استحقاق الدار؛ لأنها تتعطل عليه، ولا يمكنه الانتفاع بها، ولا ينبغي أن يكتب وطريقها ومسيل مائها؛ لأنه لو كان باب الدار على طريق العامة يصير مدعيًا ملكية ذلك الموضع لنفسه، وأنه لا يجوز، ثم يكتب ومرافقها التي هي لها من حقوقها، لأن الخلاف ظاهر في تفسير المرافق، فعلي قول أبي يوسف المرافق غير الحقوق وإنها عبارة عن منافع الدار، وفي ظاهر الرواية المرافق عبارة عن الحقوق، فكان الأحوط أن يكتب من حقوقها ليكون ذكرًا للحقوق بالاتفاق، ثم يكتب وكل قليل وكثير هو فيها ومنها، هكذا ذكر محمد رحمه الله: في كتاب الشفعة، وذكر في موضع آخر: وكل قليل وكثير هو فيها ومنها، وهكذا ذكر في كتاب الوقف.
قال أبو زيد الشروطي رحمه الله: لا ينبغي أن يكتب أو لها بها للتشكيك، فكان المراد به أحد المذكورين، وباعتباره يصير المدعى به مجهولًا ولكن يقول كلمة أو يراد بها في مثل هذا الموضع الجمع لا التشكيك عرفًا، ومعناه: أن جميع الحقوق داخلة في الدعوى، قلت أو كثر يقال: وهبت لك ما في كيسي درهمًا كان أو دينارًا، ثم يكتب في آخره من حقوقها؛ لأنه لو لم يذكر ذلك، ففي ظاهر الرواية إن كان هذا منصرفًا إلى ما كان من موانع الدار فعند أبي يوسف رحمه الله: يدخل فيه كل ما في الدار، مما يحتمل التملك حتى أن عند أبي يوسف: يدخل فيه جواري المدعى عليه اللاتي في الدار ومتاعه الموضوع فيها من حقوقها لينتفي به ما توهمه أبو يوسف، ثم يكتب: وكل حق لها داخل فيها وخارج منها، هكذا ذكر الطحاوي رحمه الله، وينبغي أن يكتب أرضها وبنائها سفلها وعلوها ولا يكتب سفله وعلوه، ثم العلو والسفل يدخلان في دعوى الدار من غير ذلك، وفي دعوى المنزل لا يدخل العلو إلا بالذكر أو يذكر الحقوق، وفي دعوى البيت لا يدخل بذكر الحقوق، ويشترط ذكره، والكشف الشارع يدخل في دعوى الدار من غير ذلك، والظلة وهي الساباط الذي على الطريق أحد جانبيه على هذه الدار، عند أبي حنيفة: لا يدخل من غير ذكر الحقوق، وعند أبي يوسف ومحمد: يدخل إذا كان مفتحها إلى الدار، والمربط والمطبخ يدخلان في دعوى الدار إذا ذكر الحقوق والمرافق، ثم يكتب ميزابًا عنه لورثته هؤلاء المسمون على فرائض الله تعالى كذا بينهما نصيب المرأة كذا وكذا الابن كذا ونصيب البنت كذا؛ وهذا لأنه يريد إثبات الاستحقاق لنفسه بالإرث ولا يمكنه ذلك إلا من الميراث عند أبي حنيفة ومحمد على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وهو أن يقول تركها ميراثًا لورثته فلهذا يكتب ميراثًا عنه لورثته ثم يسمي الفريضة وأنصباء الورثة من ذلك، ليعلم قدر ما نصيب المدعي من ذلك، فيكون المدعي به معلومًا، ثم بعد ذلك لا يخلو إما أن يدعي لنفسه نصيبه من الدار، أو يدعي جميع الدار بحكم القسمة مع الورثة، فإن ادعى نصيبه من الدار يكفيه هذا المقدار الذي ذكر في الكتاب، وإن ادعى جميع الدار يكتب، وترك أيضًا مع الدار سواها من العقار والعروض والأراضي والنقود، وقد جرت القسمة الصحيحة بين هؤلاء الورثة بالتراضي، فوقعت هذه الدار في نصيب هذا الابن المدعي وأنها اليوم ملك هذا الابن المدعي بهذين السهمين، ويذكر أيضًا: قبض باقي الورثة حصصهم على ما مر قبل هذا، وأنها في يدي فلان بن فلان هذا المدعى عليه الذي أحضره بغير حق وأنه يمنع جميع ذلك منه، إن كان يدعي جميعها وإن كان يدعي نصيبه يذكر: وأنه يمنع نصيبه بغير حق، فواجب عليه قصر يده عما ادعى، وتسليمه إلى هذا المدعي.
وإنما شرطنا أن يقول في الدعوى وأنها في يد هذا المدعى عليه الذي أحضره؛ لأن الذي أحضره إنما يكون خصمًا باعتبار يده، فلابد من أن يثبت يده عليها، حتى ينتصب خصمًا، فسمع القاضي الدعوى عليه، وإن شئت كتبت من وجه آخر.
فكتبت: حضر وأحضر فادعى هذا الذي حضر على هذا الذي أحضره معه: أن جميع الدار التي في محلة كذا في سكة كذا حدودها كذا بحدودها وحقوقها، أرضها، وبنائها، سفلها وعلوها، وكل حق هو لها داخل فيها، وكل حق هو لها خارج منها، كانت ملكًا لفلان ابن فلان والد هذا المدعي وحقه وملكه إلى أن توفي، وخلف من الورثة أبناء له هذا المدعي وورثة أخرى من البنين فلان وفلان ومن البنات: فلانة وفلانة لا وارث له سواهم، وصارت هذه الدار المحدودة الموصوفة فيه ميراثًا عنه لورثته هؤلاء المسمون فيه، على فرائض الله تعالى على كذا سهمًا.
ثم يتم كتاب الدعوى على نحو ما بيننا، ثم إذا صح الدعوى سأل القاضي المدعى عليه عن دعواه، فإن أجابه بالإقرار أثبت إقراره في محضر الدعوى بلفظه، وألزمه الخروج عن دعواه، فإن أجابه بالإنكار لجميع ما ادعى، سأل المدعي البينة، فإن زعم المدعي أن له بينة أمره أن يحضرهم مجلس القاضي، ثم على رسم القضاة اليوم في ديارنا يكتب أسامي الشهود وأنسابهم وحلاهم ومساكنهم وما يعرفون به.
فيكتب: وأحضر من الشهود رجلًا ذكر أنه فلان وبحليته ويستقصي في تعريفه، وهذا إذا كان لا يعرفه القاضي. وإن كان يعرفه يكتب فأحضر من الشهود فلان بن فلان ينسبه إلى أبيه وجده، ويستغني عن التحلية ويجعل بين كل سهم شاهدين، فرجة من البياض يمكنه كتابة لفظة الشهادة التي سمعها منه فيها، ثم إن كان الشهود ممن لا يقدرون على أداء الشهادة عن ظهر القلب يحضرهم، أو لهيبته مجلس القضاء يكتب الكاتب لفظة الشهادة على موافقة الدعوى كما ذكره الشاهد للكاتب في بياض.
وإن كانوا ممن لا يعرفهم حضر ولا يهيبه مجلس القضاء، فالقاضي يتولى كتابة الشهود في تلك الفرصة، ويسأل شهود المدعي واحدًا بعد واحد عن شهادته بحضرة المدعى عليه؛ لأنه يحتاج إلى تصحيح شهادته، والإشارة إلى المدعى عليه فلابد من حضرة المدعي ليمكنه الإشارة إليه، ثم إذا شهد شهود المدعي، فالقاضي يسألهم هل كانوا يعرفون فلانًا والد المدعي؛ لأن المدعي يحتاج إلى إثبات ثلاثة أشياء، موت المورث ووراثته منه، وانتقال الدار إليه منه بالإرث، وإثبات الملك للمورث فيها يوم الموت.
وإنما تصح الشهادة على الموت ممن يعرف الميت، وكذلك الشهادة على وراثة المدعي من الميت بالإرث، إنما تصح ممن يعرف الميت، فأما من لا يعرف كيف يشهد على ذلك كله؟ فيسأله عن والد المدعي لهذا، فإن قالوا نعرفه: سألهم عن الموت، فإن شهدوا بذلك كتب فشهدوا أن فلان بن فلان الفلاني المعروف بكذا من التجارة من الصباغة توفي، وكأنه يعرفونه معرفة قديمة باسمه ونسبه، وإنهم يشهدون عن معرفة قديمة ثم سأل عن وارثه، فإن شهدوا بذلك كتب وترك من البنين فلانًا الذي حضر وهو هذا المدعي وفلان وفلان، ومن البنات فلانة وفلانة، وامرأته فلانة بنت فلان بن فلان بن فلان، وهذا إذا كانوا يعرفون جميع الورثة، فأما إذا كانوا يعرفون بعض الورثة كتب شهادتهم عمن يعرفون من الورثة، ثم يكتب لا يعرفون له وارثًا غير هؤلاء، ويكون وارثه من سوى المدعي الذي أقر له المدعي بالوراثة ثابتًا بإقرار المدعي؛ لأنه صار وارثًا بالبينة، وإقرار الوارث بورثة أخر صحيح في حقه، فإذا شهدوا بذلك سألهم هل تعرفون الدار التي ادعاها أنها كانت لوالده؟ فإن ذكروا معرفتها وشهدوا أنها كانت لوالده إلى أن مات وتركها ميراثًا لورثته هؤلاء، وأتوا بالشهادة على وجهها كتب ذلك على ما شهدوا به وأنها اليوم في يد المدعى عليه، ولابد لتصحيح الشهادة من حر الميراث عند أبي حنيفة ومحمد.
وكذلك لابد لتصحيح الشهادة على ملكية الدار أن يذكر الشهود في شهادتهم أنها في يد المدعى عليه، والإقرار لا يكفي، حجة لإثبات يده، حتى أن المدعي والمدعى عليه إذا تصادقا أن الدار المدعى به في يد المدعى عليه لا تقبل البينة على ملكية الدار إلا بعد شهادة الشهود على يد المدعى عليه، بأن شهدوا أنها في يده اليوم، هكذا ذكر الخصاف بخلاف المنقول.
فإنه إذا أقر المدعى عليه أنه في يده يكفي؛ لأن في المنقول لا يخلو إما أن يكون العين قائمًا أو مستهلكًا في يد المدعى عليه، فإن كان قائمًا فلابد من الإحضار لتصحيح الدعوى والشهادة، وعند الإحضار يعرف القاضي معاينة أنه في يد المدعى عليه، وإن كان مستهلكًا وقال المدعى عليه: استهلكتها، أو قال: هلك عندي، فقد أقر على نفسه بوجوب الضمان، وإقرار الإنسان على نفسه صحيح، فلا حاجة إلى الشهادة على أنه في يده.
فأما في العقار يمكن تهمة المواضعة، ووجه ذلك أن المدعي ربما تواضع رجلًا ويحضره مجلس القضاء، ويدعي عليه العقار، فيقر بأن العقار في يده فيقضي القاضي عليه، والعقار في يد غيره، فيكون قضاء على الغائب؛ لأن العقار لم يكن في يد المدعى عليه حقيقة، فلمكان هذه التهمة لا يكتفي القاضي بمجرد الإقرار حتى يشهد الشهود على ذلك، فتنتفي هذه الرتبة بخلاف المنقول على ما ذكرنا، فإن شهدوا أنها في يد المدعى عليه، هل يسألهم القاضي عن سماع يشهدون أنها في يده أو عن معاينه؟
حكي عن القاضي الإمام الخليل بن أحمد أن القاضي يسألهم وهو الصحيح؛ لأنهم ربما سمعوا إقراره أنها في يده فظنوا أن ذلك يطلق لهم أداء الشهادة على يده عليها وإنه موضع الاشتباه، فقد اشتبه على كثير من الفقهاء اشتراط إقامة البينة لإثبات يده، وما لم يعاينوا يد المدعى عليه لا يحل لهم أداء الشهادة على أنها في يده، فلهذا أوجب السؤال، فإن ذكروا أنهم يشهدون عن معاينة قبلها وإلا لم يقبل.
قال القاضي هذا رحمه الله: وهكذا إذا شهدوا على البيع والتسليم، فالقاضي يسألهم أيشهدون على التسليم بإقرار البائع أو عن معاينة؛ لأن الحكم فيها يختلف فإنهم إذا شهدوا عن معاينة البيع والتسليم كانت شهادته بملك البائع يوم البيع، وإن شهدوا على إقراره لا تكون شهادة على ملك البائع فوجب السؤال إزالة لهذه الشبهة.
ولو أن الشهود لم يشهدوا أن هذه الدار في يد المدعى عليه، وقال المدعي: أنا آتي بشاهدين آخرين يشهدان أنها في يد المدعى عليه، فإن القاضي يقبل منه؛ لأن الحاجة إلى القضاء بالملك للمدعي بسبب الوراثة باليد للمدعى عليه لينتصب لإثبات دعواه، ولا فرق بين أن يثبت كلا الأمرين بشهادة فريق واحد، وبين أن يثبت كل أمر بشهادة فريق واحد، هذا كما ذكروا أن الشهود إذا شهدوا بالملك في المحدود وشهد فريق آخر على الحدود أنه يقبل الشهادتان جميعًا.
وكذلك إذا شهد شاهدان على الاسم والنسب ولم يعرفا الرجل بعينه، وشهد آخران أن هذا الرجل هو المسمى بذلك الاسم والنسب أنه يقبل ذلك، ويجعل كما لو ثبت الإقراران بشهادة فريق واحد كذلك ها هنا، ولو قالت الشهود: نشهد أن الدار التي بالكوفة في بني فلان ويذكر حدودها الأربعة ملك المدعي بهذا السبب ولكنا لا نعرف حدودها ولا نقف عليها. وقال المدعي: أنا آتي بشاهدين آخرين يشهدان أن هذه الدار المدعى بها على هذه الحدود ويعرفون لذلك، هل يقبل القاضي ذلك منه؟ فهذه ثلاث مسائل.
إحداها هذه، وجوابها أنه ذكر في بعض الروايات أنه لا يقبل، وذكر في عامة الروايات أنه يقبل وهو الأصح، وجه ذلك أن تحمل الشهادة على الأملاك غالبًا يكون على هذا الوجه؛ لأن الشاهد إنما يتحمل الشهادة على الملك إذا علم بسبب الملك، والبائع يقر بين يدي الشاهد ببيع الدار التي في محلة كذا في سكة كذا، ويذكر الحدود الأربعة، والشهود في الغائب لا يعرفون جميع ذلك، لو اعتبرنا علمهم بالحدود يحتاجون إلى الذهاب إلى موضع الدار، وعسى لا يذهبون فيؤدي ذلك إلى الجرح، فإذا قالوا للقاضي: تحملنا هذه الشهادة بهذه الحدود ولكنا لا نقف على الحدود وما رأيناها، وقال المدعي: أنا آتي بشاهدين آخرين يشهدان أن هذه الدار المدعى بها بهذه الحدود، فالقاضي يقبل ذلك منه، وإن لم يأت المدعي بشهود آخرين يشهدون أن هذه الدار المدعى به على هذه الحدود، فطلب من القاضي أن يبعث أمينين من أمنائه إلى الدار حتى يتعرفا عن حدودها وأسماء جيرانها، أجابه القاضي إلى ذلك، فإذا أقامهما القاضي وتعرفا عن حدود الدار وأسماء جيرانها، فوافق ذكر الحدود التي ذكرها الشهود، قضى القاضي بالدار للمدعي بشهادتهم، لأنهم شهدوا بملكية دار معلومة؛ لأن العقار إذا كان غائبًا فإعلامه بذكر الحدود وقد وجد، فبعد ذلك الحاجة إلى تعيين الدار المحدودة للتسليم، فإذا علم القاضي بإخبار الأمينين أن هذه الدار المعينة التي في يد المدعى عليه هي ما شهدت به الشهود فقد علم بوجوب تسليمها إلى المدعي، فيقضي بها للمدعي، ويأمر المدعى عليه بتسليمها إلى المدعي.
وإن خالف ذلك الحدود التي ذكرها الشهود وأخبر الأمينان القاضي بذلك لا يقضي بشهادتهم؛ لأنهم شهدوا بما لم يعلموا؛ ولأن الدار التي في يد المدعى عليه إذا لم تكن بتلك الحدود ظهر أن الشهود شهدوا بما ليس في يد المدعى عليه، فكانت هذه شهادة على غير خصم، فلا يقبل.
والمسألة الثانية: لو قال الشهود: نحن نعرف الدار ونقف عليها، ونشير إلى حدودها إذا قمنا ثمة ولكن لا ندري من جيرانها، فالروايات مضطربة في هذه المسألة، ذكر في بعضها يبعث القاضي أمينين من أمنائه مع المدعي والمدعى عليه إلى الدار حتى يشهد الشهود بحضرة الدار، ويشيروا إلى حدودها، ثم يتعرف الأمينان أسماء الجيران ويخبران القاضي، فإن وافق ما قاله المدعي يحكم القاضي بذلك، وذكر في بعضها أنه يبعث الأمينين مع الشهود حتى يسيروا إليهما بالدار وحدودها، فيتعرفان أسماء جيرانها ثم يشهدوا جميعًا عند القاضي، فيقضي بشهادتهم التي كانت عنده، وأظهر الجواب شهادة الشهود بحضرة الأمينين والدار؛ لأن الأمين نائب القاضي فكانت الشهادة عنده كالشهادة عند القاضي، ولو كانوا بحضرة العقار لا يحتاج إلى بيان الحدود؛ لأن الإشارة كافية للتعريف كما في المنقول، إلا أن يتعرف الأمينان لأسماء الجيران لكتابة السجل لا لتنفيذ القضاء، فالقضاء بدونه ماض على المدعى عليه.
المسألة الثالثة: إذا قال الشهود نحن نعرف أن هذه الدار ميراث لهؤلاء الورثة عن هذا المورث، ولكن لا نعلم أسماء الجيران إنما نعرف أن تلك الدار في محلة كذا في سكة كذا بحضرة مسجد كذا يلاصق دار فلان في زيقه كذا، وجاء المدعي بشاهدين يشهدان على الحدود، فإن القاضي لا يقضي بشيء؛ لأن الذين شهدوا بالملك لم يشهدوا إلا بحد واحد، فاللذان شهدوا بالحدود لم يشهدوا بالملك، فلا يمكن القضاء بها أصلًا بخلاف ما تقدم، لأن ثمة إنما شهدوا بملك الدار عند معاينة الدار بالإشارة إليها، فوقع الاستغناء عن ذكر الحدود للقضاء بالملك أما ها هنا بخلافه، ثم إذا شهد شهود المدعي عند القاضي، وكان فيمن شهد رجلان عدلان يعرفهما القاضي بالعدالة والرضى، سأل القاضي المدعى عليه عن حجة يدفع بها ما شهد به الشاهدان ويبين أنه عرفهما بالعدالة، وأنه يريد القضاء عليه، حتى لو كانت له حجة يأتي بها أن القاضي إنما ينبغي له أن يقضي بحجة المدعي إذا لم يأت المدعى عليه بحجة تعارضها، وإن لم يعرفهما القاضي وعدلهما شاهدان في السر والعلانية تبين للخصم أنه سأل عنهما المزكين فنسبوهما إلى العدالة، ثم يسأله الدفع إن كان له، فإن أحضر حجة صلحت دافعة لدعوى المدعي قبلها، ودفع دعوى المدعي به وذلك مثلًا بأن كان المدعي يدعي ملكًا مطلقًا ويقيم عليه البينة، فيدعي المدعى عليه أنه اشتراه منه، ويقيم البينة عليه، وإن ذكر في ذلك كله أن له حجة يحضرها، يمهله بقدر ثلاثة أيام، وما أشبهه مما لا يبطل به حق المدعي أنه إن أتى بدفع في هذه المدة قبل منه، وأبطل دعوى المدعي.
وإن لم يأت بدفع حتى مضت هذه المدة وجه عليه القضاء؛ وهذا لأنه لا يمكنه إقامة الحجة إلا بمدة؛ لأن الشهود ربما كانا غيبًا، فيحتاج إلى مدة ليمكنه إحضارهم، فيمهله ثلاثة أيام أو ما أشبهه، فإن مضى الوقت ولم يأت بحجة أمر المدعي حتى يحضر المدعى عليه؛ لأنه جاء أوان الحكم ولابد لصحة الحكم من حضرتهما، ثم يكتب حضورهما في الكتاب لما ذكرنا أن حضرتهما شرط لصحة القضاء ويكتب، فسأل فلان المدعي هذا المذكور اسمه ونسبه في هذا الكتاب هذا القاضي إنفاذ القضاء بما يثبت عنده على فلان بن فلان؛ لأن القضاء حق المدعي وحق الإنسان لا يوفى إلا بطلبه، ثم يكتب فأنفذ القاضي القضاء بوفاة فلان، وأنه ترك من الورثة فلان وفلان وجعل الدار المحدودة المذكورة في هذا الكتاب ميراثًا منه لورثته فلان بن فلان؛ لأن القضاء بالميراث يقع لهم، فلابد من ذكرهم لبيان المقضي له ثم يكتب، وكان ذلك مني بعدما استحلفت المدعي بالله ما يعلم أن أباك قد باع هذه الدار، ولا وهبها، ولا خرجت عن ملكه، ولا شيء منها بوجه من الوجوه، حتى توفي وفي هذا الاستحلاف إنما يتأتى على قول أبي يوسف.
وإن كان المدعي ادعى دينًا دراهم أو دنانير كتب بعد سؤال المدعي إنفاذ القضاء، فاستحلف القاضي فلان هذا المدعي الذي حضر أنه ما قبض من الألف الدراهم أو الدنانير التي ادعت على فلان بن فلان هذا الذي أحضر معه قليلًا ولا كثيرًا، ولكن هذا التفريع على قول أبي يوسف رحمه الله، فإنه يستحلف المدعي من غير طلب المدعى عليه.
فأما أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله لا يريان ذلك بدون طلب المدعى عليه، وفرقا بين هذا وبينما إذا ادعى رجل على ميت دينًا، فإن القاضي يستحلف المدعى عليه الإبراء والقبض على ما وصفناه، وإن لم يدعيه الوارث؛ لأن الدعوى هناك في الحقيقة على الميت، والميت عاجز عن النظر لنفسه بنفسه، فيمكنه أن يطلب من القاضي أن يحلف المدعى عليه فلا يحلفه القاضي بدون طلبه.
ولو كان إنما ادعى دارًا أو ثوبًا أو غير ذلك من العروض سوى الدور. كتب: فسأل فلان الذي حضر يعني المدعي إنفاذ القضاء بما ثبت له على فلان بن فلان المدعى عليه في الدار المحدودة في هذا الكتاب أو في الثوب، فاستحلف القاضي فلان بن فلان المدعي بالله ما باع هذه الدار ولا وهبها ولا تصدق بها ولا خرجت عن ملكه بوجه من الوجوه ولا شيء منها، وهذا الاستحلاف على قول أبي يوسف أيضًا على ما مر.
وإن كان إنما يدعى ميراثًا إنما كتب: فأنفذ القاضي القضاء بوفاة فلان وأنه ترك من الورثة جماعة وهم فلان المدعي هذا وفلان وفلان حتى يسمع جميع الورثة ما شهد به الشهود، ثم يكتب واستحلف القاضي المدعي بالله ما يعلم أن أباه فلان ما باع هذه الدار ولا وهبها ولا خرجت عن ملكه ولا شيء منها بوجه من الوجوه حتى توفي، وهذا أيضًا على قول أبي يوسف رحمه الله في دعوى الدين إذا كتب تحليف المدعي يكتب بعد ذلك: فأنفذ القاضي القضاء لفلان المدعي هذا على فلان المدعى عليه هذا بألف درهم وزن سبعة وضحا؛ لأنه لابد من إعلام ما صار مقضيًا به لتصحيح القضاء، وذلك بذكر الجنس وهو الدراهم، وبالقدر وهو الألف، وبالنوع وهو وزن سبعة، والصفة وهو قوله وضحا، فالدين يصير معلومًا بهذه الأشياء، ولا يصير معلومًا دونها، أصله: السلم والمراد من الوضح: الجيد الصافي، فهذه إشارة إلى الجودة، والجودة صفة.
وقوله: وزن سبعة اختلفوا في تفسيره، قال بعضهم: ما كل مائة منها سبع مثاقيل، والأصح أن المراد منه ما يزن كل عشرة منها سبع مثاقيل وهو وزن الدراهم في ديارنا.
واختلفوا في وزن الدراهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعضهم: أنها كانت على وزن سبعة، وقال أهل الحديث: أنها كانت على وزن ستة، والأصح أنها كانت على وزن خمسة، وكذلك على عهد أبي بكر الصديق رضى الله عنه، ثم صار وزن سبعة على عهد عمر رضي الله عنه هو المشهور، وكذلك اختلفوا أن الدرهم متى صارت مدورة على عهد عمر رضي الله عنه، وقبل ذلك كانت شبيه النواة.
وإن كانت الدعوى في الميراث كتب وأنفذ القاضي القضاء لفلان بن فلان الميت يعني أب المدعي على فلان بن فلان الذي أحضره يعني المدعى عليه بالدار المحدود في هذا الكتاب؛ لأن المقضي له هو الميت والوارث يحلف الميت في حقوقه، فيكون القضاء للأصل لكن عند دعوى الحلف، ولهذا المعنى يقضي منه ديون الميت وينفذ وصاياه، ثم يكتب: في ذلك على ما شهد به الشهود؛ لأن القضاء بناء على الحجة وهي الشهادة، فينبغي أن يكتب: أن القضاء حصل على موافقة الشهادة ليعلم أنه على نهج الحجة، ثم يكتب: وجعل فلان بن فلان الذي أحضر يعني المدعى عليه على حجته إن كانت له حجة في ذلك، أو مخرج؛ لأن بينة الدفع بعد القضاء مشروعة، فتبين للخصم ذلك حتى أنه إذا كان جاهلًا بذلك يصير معلومًا له تحقيقًا لمعنى العدل، ثم يكتب: وأنفذ ذلك كله وقضى به على ما سمى ووصف في هذا الكتاب بمحضر من فلان وفلان، يعني المدعي والمدعى عليه بالإشارة إليهما ليتحقق إعلامه المقضي والمقضي عليه، وإنما يمكنه الإشارة إذا كانا حاضرين.
وإن كان ميراثًا يكتب بعد قوله: على ما شهد به الشاهدان عنده في ذلك وجعلتها ميراثًا منه لورثته المسلمين في هذا الكتاب، لأنه إنما يقع القضاء بالميراث لهم، فلابد من ذكرهم لبيان المقضي له، ثم يكتب بعد ذلك: وجعل فلانًا المدعى عليه على حجة ودفعه متى أتى به يومًا من الدهر أنفذ القاضي ذلك، وقضى به بمحضر من فلان بن فلان يذكر المدعي والمدعى عليه ثم يذكر وأمره يعني المدعي بقبض الدار؛ لأن تمام القضاء بملك الدار بتسليم إلى المقضي له، فهو المقصود من دعوى الدار؛ وهذا لأن الملك لا يثبت للمدعي بقضاء القاضي؛ لأن الملك ثابت له قبل القضاء فلا حاجة إلى الدعوى والقضاء لأجله، وإنما الحاجة إليه لأجل التسليم؛ لأن يده قاصرة عن ردها فيرفع الأمر إلى القاضي فيثبت حقه إلى الدار ليوصله القاضي إلى الدار، وإن كتب وأمر فلانًا المدعى عليه بتسليم هذه الدار المحدودة في هذا الكتاب إلى فلان المدعي هذا، فسلمها إليه بأمر القاضي كان أبلغ ليعلم تمام القضاء بإيصال الحق إلى المدعي بالتسليم إليه، ثم يكتب في آخره وذلك كله في مجلس القضاء بين الناس في كورة، يكتب الكورة لما ذكرنا أن المصر شرط صحة القضاء في ظاهر الرواية، فكتب الكورة حتى لا يبقى للطاعن مجال الطعن.
ومن جنس هذه المسائل رجل ادعى على رجل أن له على فلان ألف درهم دين، وأنه مات قبل أن يؤديها إليه، وأن في يدك ألف درهم من ماله وطالبه بقضاء الدين من ذلك المال، فالقاضي لا يسمع دعواه؛ لأن الدعوى إنما تسمع على الخصم والمدعى عليه ليس بخصم له في هذه الصورة؛ لأنه لا يدعي عليه شيئًا ولا في يده شيء، وإنما يدعي دينًا على الغير وأنه ليس يحلف عن ذلك الغير ليسمع الدعوى عليه بطريق الخلافة فلا يسمع دعواه، وإذا لم يسمع دعواه لا يحلف المدعى عليه، ولو أقام بينة لا تسمع بينته والله أعلم.

.الفصل السابع والعشرون: في الحبس والملازمة:

يجب أن يعلم بأن الحبس لأجل الدين مشروع ثبت شرعيته بقوله عليه السلام «لصاحب الحق اليد واللسان»، والمراد من اليد الحبس وقال عليه السلام: «مطل الغني ظلم يحل عقوبته»، والحبس نوع عقوبة، والخلفاء الراشدون حبسوا من غير نكير منكر، والمعنى في ذلك أن المديون تعدى على صاحب الحق بمنع ماله عنه، وحال بينه وبين منافع ماله، فيحال بينه وبين منافع نفسه، ليكون حيلولة بإزاء حيلولة قال الله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 149].
وإذا جاء رجل برجل إلى القاضي وأثبت عليه ماله ببية أو أقر الرجل له، فالقاضي لا يحبسه من غير سؤال المدعي هذا هو مذهبنا.
وقال شريح رضي الله عنه: يحبسه من غير سؤال المدعي، وإذا سأل المدعي عن ذلك، ذكر في كتاب (الأقضية) إن القاضي لا يحبسه في أول الوهلة ولكن يقول له قم فارضه، فإن عاد مرة أخرى حبسه، ولم يفصل بين الدين الثابت بالإقرار، وبين الدين الثابت بالبينة وهو اختيار الخصاف رحمه الله؛ لأن الحبس جزاء الظلم بمنع الحق، وذلك لا يظهر في أول الوهلة؛ لأن من حجة المديون أن يقول في فصل الإقرار إنما لم أؤد الدين لظني أنك تمهلني، فإن أثبت أن يمهلني أؤدي في الحال، وفي فصل البينة يقول ما كنت عالمًا بالدين قبل هذا.
والمذهب عندنا أن في فصل البينة يحبس في أول الوهلة، وفي فصل الإقرار لا يحبس في أول الوهلة؛ لأن الحبس جزاء الظلم ولم يظهر الظلم في فصل الإقرار لما مر، وفي فصل البينة ظهر الظلم؛ لأنه ظهر المماطلة، حتى احتيج إلى البينة.
ثم في فصل الإقرار إذا لم يحبسه في أول الوهلة هل يحبسه في المرة الثانية؟ ذكر في بعض الروايات أنه يحبسه، وذكر في بعضها أنه لا يحبسه إنما يحبسه في المرة الثالثة.
وفي (نوادر هشام) قال سألت محمد رحمه الله عن الحاكم إذا تقدم إليه الرجل وعليه دين أقر به، فأخبرني أن أبا حنيفة رضي الله عنه قال: لا أحبسه أول ما قدم به، قال: وهو قول محمد رحمه الله، إلا أن محمدًا رحمه الله قال: أقدم وأقول: إن أعادك إليّ ولم تعطه حبستك، قلت: فإن أعاده إليك من يومه ولم يعطه قال: هذا قريب قلت: قرب وقت ثلاثة أيام فكأنه لم يره إلا أنه قال: هو حسن ثم إذا جاء أوان الحبس، فإن عرف القاضي يساره حبسه، وإن لم يعرف يساره لا يسأله ألك مال هذا هو ظاهر مذهب أصحابنا رحمهم الله.
وقال الخصاف رحمه الله: الصواب عندي أن القاضي يحبسه حتى يسأله ألك مال ويستحلف على ذلك، فإن أقر أن له مالًا حبسه وإن قال: لا مال لي قال للطالب أثبت أن له مالًا حتى أحبسه وهو مذهب بعض القضاة، وهكذا روي في (النوادر): عن أصحابنا رحمهم الله أن القاضي يسأله ألك مال وهل يسأل المدعي أله مال؟ فظاهر مذهب أصحابنا أنه لا يسأل إلا إذا طلب المدعى عليه ذلك، فإن طلب المدعى عليه ذلك، وسأل القاضي المدعي، فإن قال: لا مال له ثبتت عسرته بإقراره، والمعسر ينظر بإنظار الله تعالى.
وإن قال المدعي: إنه موسر وقال المطلوب: لا بل أنا معسر فقد اختلفت الروايات فيه، واختلف فيه المشايخ أيضًا: فاختيار الخصاف وهو رواية عن أصحابنا أن القول قول المديون؛ لأنه متمسك بالأصل؛ لأن الفقر أصل في الآدمي، فإنه يولد ولا مال له وصاحب الدين يدعي أمرًا عارضًا والتمسك بالأصل واجب، حتى يظهر خلافه، وكان القول قول المديون مع اليمين وهو اختيار أبي عبد الله البلخي.
وهكذا روي في بعض الروايات عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمها الله أن كل دين أصله مالًا كثمن البياعات والعروض، فالقول قول المدعي في يساره وعسرته؛ لأنه عرف دخول شيء في ملكه وعرف قدرته على قضاء الدين بما دخل في ملكه وزوال ذلك عن قضاء الدين بما دخل في ملكه، وزوال ذلك عن ملكه محتمل، فكان القول فيه قول المدعي وكل دين لم يكن أصلًا مال كالمهر وبدل الخلع وما أشبه ذلك، فالقول فيه قول المدعى عليه؛ لأنه لما لم يدخل شيء في ملكه لم يعرف قدرته على قضاء الدين، فبقي متمسكًا بالأصل وهو العسار، فيكون القول قوله.
وذكر محمد رحمه الله في النكاح والعتاق ما يدل على هذا، فإنه قال في النكاح: وإذا ادعت المرأة على زوجها أنه موسر، وادعت نفقة الموسرين، وزعم الزوج أنه معسر، فالقول قول الزوج لأنه لم يدخل بسبب وجوب النفقة في ملكه ما يثبت به يساره.
وقال في العتاق في أحد الشريكين إذا أعتق العبد المشترك وزعم أنه معسر فالقول قوله؛ لأنه لم يدخل في ملكه شيء يثبت به قدرته على قضاء الدين بما وجب عليه من الضمان، فكان متمسكًا بأصل العسرة، فيكون القول قوله، وقال بعضهم: ما كان سبيله سبيل البر والصلة، فالقول فيه قوله أنه معسر كما في نفقة المحارم وما أشبه ذلك، وفيما سوى ذلك القول قول المدعي.
وقال بعضهم: كل دين لزم بمعاقدته، فالقول فيه قول المدعي، وإن لزم حكمًا لا لمباشرته العقد، فالقول فيه قول المديون، والفرق أن فيما لزمه بمعاقدته وجد ما يدل على قدرته على قضائه ظاهرًا؛ لأن الظاهر أن الإنسان لا يشرع في أمر لا يقدر على الخروج منه، ولا يلتزم ما لا يمكنه الوفاء به، فإذا ادعى أنه عاجز، فقد ادعى أمر الخلاف الظاهر فلا يقبل ذلك منه، فأما فيما يلزمه حكمًا لا بمباشرته، فلم يوجد ما يدل على قدرته، ومسألة النفقة بالموت وكذلك ضمان العتق صلة على قول أبي حنيفة.
وقال الفقيه أبو جعفر البلخي: يحكم فيه الزّي والهيئة إن كان عليه ثياب رديئة، وأتى الحاكم حافيًا على صفة تشهد أنه فقير كان القول قوله أنه فقير، وإن رآه حسن الثياب مرتفع السلب، فالقول قول المدعي في أنه موسر إلا في أهل العلم والأشراف كالعلوية والعباسية، فإنهم يتكلفون للباسهم مع حاجتهم حتى لا يذهب ماء وجههم فلا يكون الزيّ فيهم دليلًا على اليسار.
وتحكيم الزي ممهد في أصول الشرع حتى حكم الزي في باب الزكاة في جواز الصرف إلى من رأى عليه زي الفقر فكذلك هذا، فإن كان على المطلوب زي الفقر، فادعى الطالب أنه قد كان عليه زي الأغنياء ولكن غير زيه حين حضر مجلس الحكم، فإن القاضي يسأله البينة، فإن أقام البينة سمع منه وكان القول قوله، وإن لم يقم يحكم زيه في الحال ويكون القول قول المديون.
قال محمد رحمه الله في كتاب الحوالة: ويحبس في الديون كلها كائنًا من كان من أم أو عم أو خال أو زوج أو زوجة أو امرأة، أو رجل مسلمًا كان أو ذميًا أو حربيًا مستأمنًا أو صحيحًا أو زمنا أو مقعدًا أو أشل أو أقطع اليدين؛ لأن الدين على هؤلاء، وبهذه العوارض لا تسقط المطالبة، فكان الامتناع منهم مع القدرة على الأداء ظلمًا فاستوجب، قال إلا أن يكون أبًا أو أمًا فإنه لا يحبس واحد من الأبوين بدين الابن، وكذلك لا يحبس الجد والجدة وإن علوا.
عن أبي يوسف رحمه الله أنه يحبس؛ لأن سبب الحبس الظلم لمنع الحق عن المستحق، وقد وجد، وجه ظاهر الرواية أن الحبس هلاك معنى باعتبار انقطاع منافع نفسه عنه. ولا يجوز للابن أن يسعى إلى إهلاك واحد من أبويه وأجداده، قال: إلا أن تجب عليها نفقته فكل من أجبرته على النفقة، وإني حبسته أبًا أو أمًا أو جدًا أو جدة أو زوجًا؛ لأن في ترك الإنفاق عليهم سعي إلى إهلاكهم، ويجوز أن يحبس الوالد لقصد