فصل: نوع آخر من هذا الفصل:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحيط البرهاني في الفقه النعماني



.كتاب الشهادات:

هذا الكتاب يشتمل على أربعة وعشرين فصلًا:
1- في تحمل الشهادة وحل أدائها والامتناع عن ذلك.
2- في أقسام الشهادة وفي شهادة النساء.
3- في بيان من تقبل شهادته، ومن لا تقبل.
4- في الاستماع إلى الشهود وصفة أداء الشهادة.
5- في شهادة الرجل على فعل من أفعاله أو صفة من صفاته.
6- في شهادة الرجل على فعل من أفعال ابنه وشهادته لأبيه أو لأمه.
7- فيما يجوز من الشهادات، وما لا يجوز.
8- في الشهادات في المواريث.
9- في الشهادة على الشهادة.
10- في شهادة الشهود بعضهم لبعض.
11- في شهادة أهل الكفر والشهادة عليهم.
12- في المسائل التي تتعلق بحدود المدعي والمشهود به.
13- في شهادة الوارث على الوصية والرجوع عنها.
14- في الشك في الشهادة والزيادة فيها والنقصان عنها، ووجود الشاهد بعد القضاء بشهادته بصفة لا تجوز شهادته، وشهادة الشهود بعد قضاء القاضي بخلاف ما قضى.
15- في الشهادة على الوكالة والوصاية.
16- في شهادة ولد الملاعنة.
17- في التهاتر بين الشهادات.
18- في ترجيح أحد البينتين على الأخرى والعمل بالشيئين المتضادين.
19- في شاهدي الزور.
20- في الدعوى إذا خالف الشهادة.
21- في الاختلاف الواقع بين الشاهدين.
22- في التناقض في الدعوى والشهادة.
23- في الشهادة على النسب.
24- في المتفرقات.

.الفصل الأول: في بيان تحمل الشهادة وحل أدائها والامتناع عن ذلك:

في (فتاوى أهل سمرقند) ذكر أن الإشهاد على المداينة والبيع فرض على العباد؛ لأن بدونه يخاف تلف المال وفي تلف الأموال تلف الأبدان، وحرام على الآدمي إتلاف البدن، فيفرض عليه الإشهاد الذي هو طريق الصيانة، إلا إذا كان شيئًا حقيرًا لا يخاف عليه التلف، وبعض المشايخ على أن الإشهاد مندوب، وليس بفرض، وهذا القائل يحمل الأمر المذكور في كتاب الله تعالى نحو قوله: {استشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] ونحو قوله: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] على الندب.
واختلف المشايخ في أنه هل يصح تحمل الشهادة على المرأة إذا كانت منتقبة؟ بعض مشايخنا وسعوا وقالوا: يصح عند التعريف، وقالوا: تعريف الواحد كاف، كما في المزكي والمترجم، والاثنان أحوط، وإلى هذا القول مال الشيخ الإمام خواهرزاده رحمه الله، وبعضهم قالوا لا يصح التحمل عليها بدون رؤية وجهها، وبه كان يفتي القاضي الإمام شمس الإسلام الأوزجندي والشيخ الإمام ظهير الدين المرغيناني.
ووجه ذلك: أن العلم شرط جواز الشهادة، قال الله تعالى: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} [الزخرف: 86] وقال عليه السلام: «إذا علمت مثل الشمس فاشهد» العلم لا يحصل إلا بالدليل القطعي، غير أن في كل موضع تعذر الوصول إلى الدليل القطعي يكتفى بالدليل الظاهر، وهاهنا الوصول إلى العلم وإلى معرفة وجهها ممكن بكشف وجهها، فلا ضرورة إلى إقامة التعريف من الواحد أو المثنى مقامه.
والدليل عليه: أنا أجمعنا على أنه يجوز النظر إلى وجهها للتحمل، والنظر إلى الأجنبية مع ما فيه من خوف الفتنة لا يجوز إلا لضرورة، لو صح تحمل الشهادة عليها بدون رؤية وجهها لتحمل الشهادة، فأما معرفة الاسم والنسب للشهادة حالة الغيبة والعلم بذلك لا يحصل بالمعاينة، فتجوز الشهادة على النسب والاسم بإخبار الغير، ثم على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: إذا أخبره عدلان أنها فلانة فذلك يكفي، ألا ترى أنهما لو شهدا عند القاضي كان للقاضي أن يقضي بشهادتهما، والقضاء فوق الشهادة، فلأن يجوز الشهادة بإخبارهما أولى، وعلى قول أبي حنيفة: لا يحل له الشهادة على الاسم ما لم يسمع من جماعة لا يتصور تواطئهم على الكذب؛ لأنا قد ذكرنا أن الشهادة بناء على العلم، ولا يقع العلم إلا بالخبر المتواتر، فأما خبر المثنى ففيه احتمال، والفقيه أبو بكر الإسكاف رحمه الله كان يفتى بقولهما في هذه المسألة، وهو اختيار نجم الدين النسفي رحمه الله، وعليه الفتوى.
فإن عرفها باسمها ونسبها عدلان فينبغي للعدلين أن يشهدا على شهادتهما، وهؤلاء الشهود كما هو طريق الإشهاد على الشهادة حتى شهدوا عند القاضي على شهادتهما بالاسم والنسب، وشهدوا بأصل الحق بطريق الأصالة، فيجوز ذلك بلا خلاف.
وفي (الجامع الأصغر) قال أبو بكر الإسكاف رحمه الله: المرأة إذا ضرب وجهها، وقالت: أنا فلانة بنت فلان وقد وهبت زوجي مهري فإن الشهود لا يحتاجون إلى شهادة عدلين أنها فلانة بنت فلان ما دامت حية؛ لأنه يمكن للشاهدين أن يسرا لها، فإن ماتت حينئذٍ يحتاج الشهود إلى شهادة شاهدين أنها كانت فلانة بنت فلان.
قال نجم الدين النسفي: ويصلح تعريف من لا يصلح شاهدًا لها كان الإشهاد لها أو عليها؛ لأن هذا خبر وليس بشهادة، ولهذا لم يشترط لفظة الشهادة، وفي الخبر الحاجة إلى موثق يوثق به، ومن المشايخ من قال: إذا كان الإشهاد لها لا يصلح تعريف من لا يصلح شاهدًا لهما.
وعن محمد بن مقاتل رحمه الله: إذا سمع الرجل صوت امرأة من وراء الحجاب، وشهد عنده اثنان أنه فلانة بنت فلان لا يجوز أن يشهد عليها أطلق الجواب إطلاقًا وكان الفقيه أبو الليث رحمه الله يقول: إذا أقرت المرأة من وراء حجاب وشهد عنده اثنان أنها فلانة لا يجوز لمن سمع إقرارها أن يشهد على إقرارها، إلا إذا رأى شخصها يعني حال ما أقرت فحينئذٍ يجوز له أن يشهد على إقرارها بشرط رؤية شخصها لا رؤية وجهها.
وذكر الخصاف في (أدب القاضي) إذا أراد الرجل أن يعرف المرأة التي تريد أن يشهد لها بوكالة أو بأمر من الأمور ينبغي أن يدخل عليها وعندها جماعة من النساء ممن يوثق بهن ذلك الرجل، فيسألهن: أهذه فلانة بنت فلان؟ فإن قلن نعم يتركها أيامًا، ثم نظر إليها بحضرة نسوة أخرى، فيصنع بها مثل ذلك، وكذلك يتردد إليها مرارًا شهرين أو ثلاثة، فإذا وقع معرفتها في قلبه بقول نساء ورجال ومن أمكنه شهد عليها بذلك.
وفي (فتاوى النسفي): إذا شهدا على امرأة سمياها ونسبا وكانت حاضرة وقال القاضي للمشهود: هل تعرفون المدعى عليها؟ فقالوا: لا فالقاضي لا يقبل شهادتهم، ولو قالا: تحملنا الشهادة على امرأة اسمها ونسبها كذا، ولكن لا ندري أن هذه المرأة هل هي تلك المرأة بعينها أم لا؟ صحت شهادتهما على المسماة، فكان على المدعي إقامة البينة أن هذه هي التي سموها ونسبوها بخلاف الأول؛ لأن في الأول أقروا بالجهالة، فبطلت شهادتهم، ولا كذلك هذا الوجه.
وفي (فتاوى أبي الليث): سئل نصير رحمهما الله عن الشاهد إذا دعي إلى شهادة وهو في الرستاق، إن كان بحال لو حضر مجلس الحكم وشهد يمكنه الرجوع إلى أهله في يومه يجب عليه الحضور؛ لأنه لا ضرر عليه في الحضور، وإن كان لا يمكنه الرجوع إلى أهله في يومه لا يجب عليه الحضور، وإن كان الشاهد شيخًا كبيرًا لا يقدر على المشي بالأقدام، وليس عنده ما يركب فكلف المشهود له بدابة يركب ويحضر فلا بأس به، وهذا من إكرام الشهود.
وعن أبي سليمان الجوزجاني: رجل أخرج شهودًا إلى ضيعة قد اشتراها، فاستأجر دوابًا لهم، فركبوا وذهبوا لم تقبل شهادتهم، ولو أكلوا طعامهم قبلت شهادتهم، وهو قول أبي يوسف رحمه الله، وقال محمد رحمه الله: لا تقبل شهادتهم فيهما جميعًا.
وقال الفقيه أبو الليث رحمه الله: أما في الركوب إذا كان للشهود قوة المشي أو قال: يستكرون به الدواب لا تقبل شهادتهم كما قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله.
وأما في الطعام، فإن اتخذها الطعام لأجلهم، فأكلوا تقبل شهادتهم، فإن كان الطعام مهيأ عنده، فقدم إليهم فأكلوا تقبل شهادتهم وفيه نظر، فالكبار من الأئمة يباشرون عقود النكاح في ديارنا، ويحضرون الناس للشهادة ويقدمون لهم ماء السكر، وجرت العادة في بعض البلدان أنهم يعطون الشهود السكر واللوز وغير ذلك، ويرون ذلك حسنًا. وقال عليه السلام: «ما رآه المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسن» وكذلك جرت العادة أن من أخرج الشاهد إلى الرستاق يعطيه دابته، خصوصًا إذا لم يكن للشاهد دابة، وإذا ذهب به لا يمكنه من الرجوع قبل أن يطعمه ورأوا ذلك فيما بينهم حسنًا أيضًا.
سئل خلق عمن له شهادة وقعت الخصومة عند قاض وهو غير عدل، هل يسعه أن يكتم الشهادة حتى يشهد عند قاض عدل، قال: له ذلك، وسئل أبو بكر الإسكاف عمن له شهادة عند عدل، وهو مماطل في أدائها قال: إن كان يحفظ الشهادة على وجهها ولا يضطرب قلبه على شيء من أمر شهادته لا يسعه ذلك، وإن فعل فهو سيئ، وسئل الفقيه أبو بكر أيضًا: عمن امتنع عن ذلك لأن القاضي لا يعرفه، قال: إن علم أن القاضي لا يقبل شهادته أرجو أن يسعه أن لا يشهد.
في كراهية (العيون): إذا امتنع الشاهد عن الشهادة، فإن كان في الصك جماعة ممن تقبل شهادتهم سواه وأجابوه يسعه أن يمتنع عن الشهادة، وإن لم يكن في الصك جماعة سواه أو كانوا لكن ممن لا يظهر الحق بشهادتهم عند القاضي، أو كان يظهر لكن شهادة هذا الشاهد أسرع قبولًا لم يسعه الامتناع؛ لأنه عسى يضيع حق المشهود له لو امتنع عن الشهادة.
وفي شرح سرقة شيخ الإسلام رحمه الله: أن في حقوق العباد إذا طلب المدعي الشاهد، فشهد له فاجر من غير عذر ظاهر، ثم أدى لا تقبل شهادته، وأشار إلى المعنى، فقال: لما ترك الأداء مع إمكان الأداء فقد احتمل أنه ترك الأداء بعذر بأن نسي أو كان به شغل مانع، واحتمل أنه ترك الأداء؛ لأنه أراد على الأداء أجرًا، ولم يسلم له الأجر، فإذا أخذ الأجر بعد ذلك أدى، فتمكن في شهادته نوع تهمة، والتهمة مانعة قبول الشهادة.
وفي أول الوصايا من (أدب القاضي): لا بأس للإنسان أن يحترز عن قبول الشهادة ويحملها.
وفي العين من كراهة (الواقعات): رجل طلب منه أن يكتب شهادة أو يشهد على عقد، فأبى ذلك، فإن كان الطالب يجد غيره، فللشاهد أن يمتنع، وإلا فلا يسعه الامتناع عنه، وعلى هذا أمر التعديل إذا سئل عن إنسان فإن كان هناك سواه من يعدله يسعه أن لا يجيب، وإلا لم يسعه أن لا يقول فيه الحق، حتى لا يكون مبطلًا للحق عسى.
وفي وصايا (الفتاوى): كتب صك وصيته وقال للشهود: اشهدوا بما فيه، ولم يقرأ عليهم قال الفقيه أبو جعفر رحمه الله: لا يجوز لهم أن يشهدوا حتى يعلموا ما فيه في قول علمائنا المتقدمين، وفي قول نصير رحمه الله: يجوز، وبه كان يأخذ علي بن أحمد رحمه الله.
وفي (أدب القاضي) للخصاف: رجل أشهد على صك أو كتاب وصية، ولم يقرأ عليه، فإن ذلك لا يجوز وفرق على قول أبي يوسف بين هذا وبين كتاب القاضي، فإن على قوله علم الشهود بما في الكتاب والختم، لا على ما فيه، وقد وجد الإشهاد على الكتاب والختم، أما في الصك والوصية الإشهاد يقع على البيع، أو على الحق الذي في الصك.
والإشهاد على ما في الصك بأحد أمور ثلاثة: بأن يقرأ الكتاب على الشهود حتى يكون ذلك إقرارًا منه، أو بأن يقرأان الكتاب بين يدي الكاتب، وهو يقول: اشهدوا علي بما فيه، أو بأن يكتب بين يدي الشاهد، والشاهد يعلم ما كتب فيه.
وفي شهادات (المنتقى): ابن سماعة عن أبي يوسف: إذا كتب الرجل على نفسه لحق، وقال لقوم: اشهدوا عليّ بما في هذا الصك جاز لهم أن يشهدوا عليه، وإن كتب غيره وقال هو اشهدوا علي بما فيه، لم يجز حتى يقرأه عليهم، ثم يشهدهم.
وفي (الأقضية) عن أبي يوسف: إذا كتب الصك والوصية قدام الشاهد ودفعه إليه، وأثبت الشاهد شهادته فيه وبقي الصك في يد الشاهد إلى وقت الشهادة حل له أن يشهد على ذلك؛ لأن الصك إذا كان في يد الشاهد يؤمن على التغيير فيه، بخلاف ما إذا كان في يد غير الشاهد.
وفي (المنتقى): رجل كتب كتاب رسالة إلى رجل، فكتب من فلان بن فلان إلى فلان بن فلان سلام عليكم، أما بعد: فإنك قد كتبت إليّ تتقاضى بالألف التي كانت لك علي، وقد كنت قضيت منها خمسمائة وبقي لك علي خمسمائة، جاز لمن علمه أن يشهد عليه بذلك، وإن لم يشهده على نفسه بذلك، وهذا بخلاف ما لو أراه كتب على نفسه ذكر حقًا لرجل، ولم يشهده على نفسه لم يكن له أن يشهد عليه؛ لأن الرجل قد يكتب على نفسه كتابًا لحق قبل أن يلزمه المال، ولا يكتب الرسالة بذلك إلا بعد ما لزم المال.
وإذا رأى الرجل خطه على الصك، ولم يتذكر الحادثة ذكر الخصاف في (أدب القاضي) في باب الرجل يرى اسمه وخطه: أنه لا يجوز له أن يشهد في قول أصحابنا، وذكر هناك أيضًا لو تذكر مجلس الكتابة، وأنه كتب وختم عليه ولم يتذكر أنه شهد على المال لا يشهد أيضًا، وذكر الفقيه أبو الليث والقاضي المنتسب إلى إسبيجاب، والشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني أن على قول أبي حنيفة رحمه الله: لا يحل له أن يشهد ما لم يتذكر الحادثة، وعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: يحل، وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله قول أبي يوسف مع أبي حنيفة، وهكذا ذكر في (المنتقى): والمذكور في (المنتقى) بشر عن أبي يوسف: لا ينبغي للشاهد أن يشهد وإن رأى في الصك خطه واسمه إذا لم يذكر الشهادة قال: وكذلك قال أبو حنيفة.
وإذا سمع الرجل إقرار رجل بحق، وطلب صاحب الحق منه أن يشهد له بالحق، جاز له أن يشهد بالحق، وإن لم يعاين سبب الحق، ويكفيه الإقرار، وكذا إذا سمع إقرار إنسان بحق حل له أن يشهد وإن لم يشهد عليه.
وسئل ابن مقاتل عن اثنين يحاسبا بين يدي جماعة، وقالا لهم: لا تشهدوا علينا بما تسمعون بيننا، ثم أقر أحدهما للآخر، قال: ينبغي للشاهد أن يشهد بما سمع من إقراره، وهو قول ابن سيرين قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: وهكذا روي عن أبي حنيفة رحمه الله، وبه نأخذ.
وإذا دخل في البيت وعلم أنه ليس فيه غير الواحد، ثم خرج وقعد على الباب، وعلم أنه ليس للبيت مسلك آخر، فأقر من في البيت حل له أن يشهد على إقراره.
وفي (واقعات الناطفي): إذا أشهدت المرأة شهودًا على نفسها لأبيها أو لأختها بمال تريد بذلك إضرار الزوج، أو أشهد الرجل شهودًا على نفسه لبعض الأولاد، ويريد به إضرار باقي الأولاد، والشهود يعلمون ذلك وسعهم أن يقبلوا الشهادة، ويشهدوا بذلك وفيه نظر، فقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل هذا قال: «هذا جور فإنا لا نشهد على الجور» فالصحيح أنه لا ينبغي للمرء أن يتحمل هذه الشهادة، ولكن إذا تحمل، فله أن يؤدي.
وفي (فتاوى أبي الليث): رحمه الله سئل أبو الهيثم الصفار رحمه الله عن رجل أجر سوق النحاسين مقاطعة من السلطان، وكتب بذلك كتابًا، وأشهد شهودًا، هل يحل للشهود أن يشهدوا بذلك؟ فقال: لو شهدوا حل بهم اللعن؛ لأنهم شهدوا بباطل، ولو شهدوا على إقراره ولكنهم عرفوا السبب، فهم ملعونون أيضًا، ويجب أن يتحروا تحمل هذه الشهادة، وكذا في كل إقرار هو بناء على الحرام، وهذا يؤيد ما ذكرنا في المسألة المتقدمة.
جاء رجل إلى رجلين مع أعوان السلطان، وأقر عندهما أن لفلان علي دين كذا، وفلان من أناس السلطان، ثم طلب منهما الشهادة على إقرار هذا المقر، والمقر يزعم أنه أقر خوفًا من المقر له، فإن على الشاهدين أن يشهدا عن هذا الأمر، وإن وقفا على أمر فيه خوف أو إكراه امتنعا عن الشهادة لأن قوله تأيد بمؤيد وإن لم يع على ذلك يشهدان على إقراره ويخبران القاضي أنه أقر، ومعه عوان السلطان حتى يتأمل القاضي فيه.
رجل أقر بين يدي قوم إقرارًا صحيحًا أن لفلان عليه كذا وكذا درهمًا، فمضت على ذلك مدة ثم جاء عدلان أو ثلاثة إلى هؤلاء الشهود، وقال: شهدوا لفلان على فلان بالدين، فإنه قضاه كله، فالشهود بالخيار إن شاؤوا امتنعوا عن الشهادة، وإن شاؤوا شهدوا بذلك وأخبروا الحاكم بالقصة ثم لا يقضي القاضي بالمال حتى يتفحص، كذا ذكره في (فتاوى أبي الليث) عن الفقيه أبي جعفر وأبي نصر ابن سلام.
وفي (العيون) عن محمد: إذا شهد عدلان عند شاهد الدين أن صاحبه قد استوفاه، لا يسعه أن لا يشهد بالدين إذا طلب منه صاحبه، ولكن يشهد أيضًا بما أشهده بالشاهدين على شهادتهما بالاستيفاء، أراد به أنه يخبر القاضي بذلك، أما لا يشهد على شهادتهما لأنهما ما أشهداه على شهادتهما.
وفي (الواقعات) عن محمد أنهما يشهدان أنه كان عليه ذلك ولا يشهدان أن له عليه. وفي (نوادر هشام) عن محمد رحمه الله أنهما بالخيار إن شاءا شهدا، وإن شاءا لم يشهدا.
وفي (نوادر بشر): عن أبي يوسف رحمه الله: إذا شهد الرجل على حق لرجل ثم أخبره رجلان يثق بهما أنه قد قبض حقه، فليس له أن يمتنع عن أداء الشهادة إذا سأله الطالب أن يشهد بحقه؛ لأنه ليس إليه إن سمع من الشهود أن يحكم به، قال أبو يوسف رحمه الله: وكذلك في النكاح إذا أشهد الرجل على نكاح امرأة ثم أخبره رجلان يثق بهما أنه طلقها والمرأة تجحد النكاح، فسأله الرجل أن يشهد له بالنكاح لم يكن له أن يمتنع عن الشهادة ولو كان الطالب أخبره بالطلاق أو القبض ثم دعاه إلى تلك الشهادة لم يشهد بها.
وفي (المنتقى) قال محمد رحمه الله: إذا شهدت أقبل البيع أو النكاح أو قبل العمد أو الإقرار بشيء من ذلك، ثم شهد عندك عدلان على الزوج أنه طلقها ثلاثًا بحضرتنا، أو أن امرأة واحدة أرضعتهما وهما صغيران في الحول، أو أن المشتري أعتق الجارية أو أن البائع أعتقها قبل أن يبيعها من هذا المشتري، أو أن الميت قد عفى بنفسه قبل أن يموت، وقد أنكرت المرأة أن تكون امرأته وأنكرت الجارية أن تكون أمة المشتري لم يسعك أن تشهد على أصل القود وأشباه ذلك، ألا ترى أنهما لو شهدا عند الزوجة بالطلاق، أو شهدا عند الأمة بالعتق لم يسعهما أن يدعاهما بجامعاهما، فكذا لا يسع للشاهد أن يشهد وإن كان ذلك بحق قبله. وإن كان الشاهد بذلك واحدًا عدلًا لم يسع للشاهدين أن يمتنعا عن أداء الشهادة الأولى، ولم يسع الزوجة والأمة منع الزوج والمولى الجماع.
قال: وما أقر به الرجل من مال أو ما أشير به بين يدي رجل لرجل آخر ثم أنكر وطلب المقر له شهادة، وأخبر الشاهد عدلان بأن ذلك الذي أقر به المقر قد صار له ببيع أو هبة، قال: يشهد الشاهد بما كان يعلم من ذلك، ولا يلتفت إلى قول العدلين، وقيل: لو وقع في قلبه أن المخبرين صادقان لا يسعه أن يشهد بما كان يعلم من ذلك.
وفي (فتاوى الفضلي): إذا شهد عند شاهد الدين عدلان أن الطالب أبرأ المطلوب لا يسعهما أن يمسكا عن الشهادة، إلا أن يكونا سمعا إقرار الطالب بالإبراء والاستيفاء.
وفي (الواقعات): إذا علم الشاهدان أن الدار للمدعي، فشهد عندهما شاهدان عدلان أن المدعي باع الدار من الذي في يديه، قال محمد رحمه الله يشهدان بما علما، ولا يلتفتان إلى شاهدي البيع ولو شهد عند شاهدي النكاح أو شاهدي شراء العبد عدلان أنه طلقها ثلاثًا، أو بالعتق على البائع لا يشهدان في هاتين الخصلتين، وبعض مشايخ زماننا اختاروا في هذه المسائل كلها أنه إن شهد عند الشاهد بذلك عدلان ووقع في قلبه أنهما صادقان ليس له أن يشهد بما علم من أصل الحق، فإن شهد عنده شاهد واحد أو شاهدان إلا أنه لم يقع في قلبه صدقهما، فله أن يشهد بما علم من أصل الحق.
وإذا تزوج الرجل امرأة بشهادة شاهدين على مهر مسمى، ومضى على ذلك سنون، وولدت الأولاد أو مضى سنون ثم مات الزوج، ثم إنها استشهدت الشهود أن يشهدوا على ذلك المسمى وهم يتذكرون استحسن مشايخنا أنه لا يسعهم أن يشهدوا بعد اعتراض هذه العوارض، من ولادة الأولاد ومضيّ الزمان؛ لاحتمال سقوط كله أو بعضه، وبه كان يفتي الصدر الكبير برهان الأئمة رحمه الله، ثم أفتى كما هو جواب الكتاب أنه يسعهم أن يشهدوا، وعليه الفتوى.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد رحمه الله: في رجل باع واشترى وهو على حال فساد يستحق أن يحجر عليه، لم ينبغ للرجل إذا دعي للشهادة على مثل هذا أن يشهد؛ لأن من رأي الحاكم أن لا يجر ذلك، قال: قلت: فإن كان الذي يريد أن يشهدني على دفع المال إلى الوارث وهو على حال فساد، يجب أن يحكم الحاكم عليه، قال: وسعك أن تشهد عليه وسعك أن لا تجيب إلى الشهادة على ذلك، فكأنه خيره بين أن يجيب وبين أن لا يجيب.
وفي (المنتقى): رجل في يديه عبد لا يقر عن نفسه، قال الذي في يديه هو عبدي وسمع ذلك منه رجل، ثم تكلم الغلام، وقال: أنا حر وسع لذلك الرجل أن يشهد أنه عبده وإن لم يكن سمع منه ذلك لم يسعه أن يشهد أنه عبده.
وفيه أيضًا عن محمد: رجل عنده شهادة لرجل، وهو محدود في قذف أو عبد وسعه أن يشهد ويكتم أنه عبد أو محدود في قذف حتى يقضي للشهود له بالألف الذي يدعيه.
إذا أشهد الرجل على ملك دار بعينها إلا أنه لا يعرف الحدود، يجوز أن يسأل الثقات عن حدودها للشهادة، لكن يشهد بالدار على إقراره، ولا يشهد بالحدود على إقراره حتى لا يكون كذبًا، بل يفسر الحدود من ذات نفسه. ونحو ذلك: قال محمد رحمه الله في (الجامع الصغير):
رجل في يديه شيء سوى العبد والأمة وسعك أن تشهد أنه له، قد ذكرنا قبل هذا إن علم الشاهد بالمشهود به شرط جواز أداء الشهادة، وأقوى الأدلة التي يحصل بها العلم المعاينة فيجب اعتبارها الأداء إذا تعذر فحينئذٍ يعدل عنها، ويعدل إلى دليل آخر دونها والملك في الأشياء المعينة لأشخاص معنيين لا يعرف من طريق الإحاطة، وإنما يعرف بطريق الظاهر بدليله، واليد بلا منازعة دليل الملك بل لا دليل لمعرفة الملك في حق الشاهد سوى اليد؛ لأن أكثر ما في الباب أن يعاين أسباب الملك من الشراء والهبة أو ما أشبه ذلك، إلا أن الشراء والهبة ما يصل الملك إذا كان البائع أو الواهب مالكًا، وإنما يعرف كون الواهب مالكًا بيده بلا منازعة، وإذا كان اليد بلا منازعة دليلًا على الملك، كان للشاهد أن يعتمد عليه، ويشهد بالملك لصاحب اليد اعتبارًا للظاهر عند تعذر الوقوف على الحقيقة، ثم إن محمدًا رحمه الله على رواية (الجامع) جعل اليد فيما سوى العبد والأمة دليل الملك، ولم يجعله في العبد والأمة دليل الملك، ولم يفصل بين الصغير والكبير، وروى ابن سماعة عنه: أنه فرق بينما إذا كان العبد صغيرًا لا يعبر عنه نفسه، وبينما إذا كان كبيرًا أو صغيرًا يعبر عن نفسه، فجعل اليد على الصغير الذي لا يعبر عن نفسه دليل الملك، ولم يجعل اليد على الكبير وعلى الصغير الذي يعبر عن نفسه دليل الملك.
وجه ما ذكر في (الجامع الصغير): أن العبد في يد نفسه حتى إذا ادعى أنه حر الأصل قبل قوله فلا يثبت لغيره عليه يدعى الحقيقة، حتى يعتبر لإطلاق الشهادة والاستخدام لا يصلح دليلًا على الملك أيضًا لأن الحر قد يستخدم الحر، وقد يخدمه طوعًا، إلا إذا كان العبد بحال لا يعبر عن نفسه، كما هو رواية ابن سماعة فحينئذٍ يجوز له أن يشهد بالملك؛ لأنه لا يد له على نفسه، فثبت يد المولى عليه حقيقة، وصار كالثياب والبهائم.
وعن أبي يوسف رحمه الله أنه سوى بين العبد والإماء، وبين سائر الأشياء، وجعل اليد في الكل كيد الملك، وهكذا روي عن محمد، وهكذا روى أبو يوسف في (الأمالي) عن أبي حنيفة رحمه الله.
وذكر بعض المشايخ في (شرح الجامع الصغير): فصل العبد والأمة، وقال: إن كان الرائي يعرف أنه رقيق يسع له أن يشهد لذي اليد بالملك؛ لأن الرقيق لا يكون في يد نفسه، بل يكون في يد من هو مستولي عليه من حيث الظاهر، أما إذا لم يعرف أنه رقيق لا يسعه أن يشهد لذي اليد بالملك مجرد اليد؛ لأن الحر قد يخدم الحر طوعًا كأنه عبده، فلا يصح الاستدلال به على الملك.
ثم إن محمدًا رحمه الله شرط في بعض الروايات مع اليد شيئًا آخر، وهو أن يقع في قلب الرائي أن العين لصاحب اليد، فقال: إذا رأيت في يدي رجل ثوبًا أو متاعًا، فوقع في قلبك أنه له، ثم رأيته بعد ذلك في يدي غيره وسعك أن تشهد أنه للأول، فإن لم يقع في قلبك أنه له برؤيتك إياه في يده، لم يسعك أن تشهد أنه له، وهكذا روي عن أبي يوسف، وهذا لأن الأصل اعتبار علم اليقين لجواز الشهادة، فلأن بقدر اعتبار علم اليقين أمكن اعتبار علم الفتوى.
وعن هذا قلنا: إذا رأى درة في يد كناس أو حجام، أو رأى كتابًا في يدي جاهل ليس في آبائه من هو أهل لذلك، لا يحل له أن يشهد بالملك له؛ لأن الذي يشير إلى قلب كل أحد أنه كاذب في دعواه، وأبو حنيفة لم يشترط ذلك في رواية، فإنه روي عنه أنه قال: إذا كانت الدار أو العبد أو الثوب في يدي رجل وسعك أن تشهد أن ذلك له ولم يقل: ووقع في قلبه أنه له، وذكر الصدر الشهيد حسام الدين في (شرح الجامع) في آخره: أنه لا يحل له الشهادة بمجرد اليد، وإنما يحل له إذا رآه في يده يتصرف فيه، وكان الفقيه أبو القاسم الصفار يقول: إن كان الكوز في يده على ممر الزمان، وكانت الشبهة عنها مرتفعة، ولم يكن رأى هناك خصمًا يخاصم فيها، فالشهادة جائزة.
وذكر القدوري في (شرحه) عن أبي حنيفة وأبي يوسف: إذا رأى الرجل في يدي رجل وعلم أنه له يعرفه بالقلب، ويكتب ذلك عنده زمانًا، فليشهد له بالملك، قال القدوري رحمه الله: وإنما اعتبر أن يبقى في يده زمانًا، فيحصل تصرفه تصرف المالكين، فيغلب على الظن أنه له، وشرط الخصاف شرائط آخر لم يشترط أحد تلك الشرائط، فقال: إنما يشهد على الملك إذا رآه في الدار يرمها ويبني فيها ويسكنها ويؤاجرها ويحدث فيها أشياء لا يضرب أحد على يده في ذلك، ويقال فيما بين الناس: إن هذا ملكه.
وبعض مشايخنا شرطوا شرطًا آخر، وهو أن يدعي ذو اليد الملك لنفسه بأن يقول حال ما رآه في يده: هذا ملكي، فأما إذا لم يعلم منه دعوى الملك حال ما رآه في يده، فإنه لا يشهد له بالملك وإن رآه يتصرف فيه.
وفي (المنتقى): لم يشترط هذا الشرط في بعض هذه المسائل، وقال في مسألة منها ولم يقل هو لي، وصورة ذلك: إذا رأى ثوبًا في يدي رجل، ولم يقل: هو ثوبي، ثم ادعاه رجل وسعه أن يشهد أنه ثوبه، وكان القاضي الإمام أبو علي النسفي يقول: لابد لحل الشهادة من أن يقع في قلب الرائي أنه ملكه، وكان يقول وإن رآه يتصرف فيه والناس يقولون أنه ملكه، إلا أنه وقع في قلب الرائي أنه ملك غيره لا ملكه، وأنه يتصرف بأمر ذلك الغير لا يحل له أن يشهد بالملك وعليه فتوى كثير من مشايخنا.
ثم هذه المسالة على أربعة أوجه.
أحدها: أن يعاين الشاهد المالك والملك، بأن عرف المالك بوجهه واسمه ونسبه، وعرف الملك بحدوده وحقوقه، ورآه في يده يتصرف تصرف الملاك ويقع في قلبه أن له، حل له أن يشهد له بالملك؛ لأن هذه شهادة عن علم وبصيرة، وإن لم يعاين الملك ولا المالك، ولكن سمع من الناس قالوا: لفلان بن فلان في قرية كذا ضيعة، حدها كذا وكذا، لا يحل له أن يشهد له بالملك؛ لأنه مجازف في هذه الشهادة فإن عاين المالك وعرفه معرفة تامة ولكن لم يعاين الملك، بأن سمع من الناس أن لهذا في قرية كذا ضيعة حدودها كذا، وهو لم يعرف تلك الضيعة، ولم يعاين يده عليها، لا يحل له أن يشهد له بالملك، وإن عاين الملك دون المالك بأن عاين ملكًا محدودًا وينسب هذا الملك إلى فلان بن فلان الفلاني وهو لم يعاين فلانًا بوجهه ولا يعرفه بنسبه، فالقياس: أن لا تحل له الشهادة، وفي الاستحسان تحل لأن الملك معلوم والنسبة تثبت بالشهرة والتسامع، فكانت هذه شهادة بمعلوم.
توضيحه: أن صاحب الملك ربما يكون امرأة لا تبرز ولا تخرج، فلو اعتبرنا تصرفها بنفسها لجواز الشهادة بالملك يبطل حقها فاكتفى فيه بالتسامع، فإذا سمع أن هذه الضيعة لفلانة وفي يدها، ووقع في قلبه أن الأمر كما سمع، حل له أن يشهد بالملك لها، هكذا ذكره الخصاف في (أدب القاضي).
وفي (المنتقى): إذا رأيت رجلًا على حمار يومًا لم أشهد أنه له، ولو رأيته على حمار خمسين يومًا أو أكثر، ووقع في قلبي أنه له شهدت أنه له، ولو وقع في قلبي أنه عارية لم أشهد له قال محمد رحمه الله في (المنتقى): إذا رأيت ثوبًا أو متاعًا في يدي رجل، ووقع في قلبك أنه له.
ثم رأيته بعد ذلك في يد غيره فشهد عندك شاهد عدل أنه للذي في يديه اليوم، كأن أودعه الأول بمحضر منها لم يسعك أن تشهد أنه للأول، قال: لأن هذا ينبغي أن يقع في قلبك إذا شهد العدلان بما وصفت لك أنه ليس للأول، فلا يسعك أن تشهد أنه للأول، وإن شهد بذلك عندك واحد وسعك أن تشهد أنه للأول ما لم يقع في قلبك أنه صادق، وإذا وقع في قلبك إنه صادق فلا تشهد به للأول؛ لأن الذي وسعك أن تشهد به للأول لكأنه قد زال عن قلبك بهذه الشهادة، فكأنه لم يقع في قلبك قط أنه للأول.
وفي (شرح شهادات الجامع): أن من عاين دابة تتبع دابة، وترضع منها حل له أن يشهد بالدابة المرتضعة لصاحب الدابة الأخرى وبالنتاج، وهكذا ذكر شمس الأئمة السرخسي في (شرح دعوى الأصل).

.نوع آخر من هذا الفصل:

قال محمد رحمه الله: ولا تجوز الشهادة على الأملاك وعلى أسبابها، نحو: البيع والهبة والصدقة بالشهرة والتسامع.
وتجوز الشهادة بالشهرة والتسامع في أربعة أشياء: النسب والنكاح والقضاء والموت، والقياس في هذه الأشياء أيضًا أن لا تحل الشهادة بالتسامع؛ لأن شرط جواز الشهادة علم معاينة، قال عليه السلام: «إذا علمت مثل الشمس فاشهدوا وإلا فدع»، فقد شرط لحل الشهادة علم معاينة، ولم توجد، إلا أنا استحسنا وجوزنا الشهادة بالشهرة والتسامع في هذه الأشياء الأربعة للتوارث والتعامل بين الناس، ولأنه يتعذر الوقوف على حقيقتها فاكتفى فيها بالدليل الظاهر، فهو الشهرة والتسامع فإنه اقترن بهذه الأشياء ما يوجب الشهرة والشهرة أقيمت مقام العيان في بعض الصور، كما في باب الأخبار، فإن الأخبار إذا اشتهرت من رسول الله عليه السلام كانت بمنزلة المسموع من النبي عليه السلام، حتى جاز التخصيص والنسخ بها.
ثم الشهرة التي تقوم مقام المعاينة الشهرة في الطرفين، فإن الأصل في هذا الباب أخبار رسول الله عليه السلام وإنما يثبت حد الشهرة بأخبار النبي عليه السلام، بوجود التواتر في الطرفين، أما في الطرف الأول والأوسط أو في طرف الأوسط والآخر، أو في الطرف الأول والآخر وفي هذه الأشياء وجد الاشتهار في طرفين أيضًا، في طرف الوقوع وفي طرف البقاء فتقام الشهرة مقام المعاينة.
جئنا إلى بيان صور هذه المسائل.
فأما النسب فصورته: إذا سمع الرجل من الناس أن فلان بن فلان الفلاني، وسعه أن يشهد بذلك وإن لم يعاين الولادة على فراشه للتوارث والتعامل، فإنا نشهد أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ابن قحافة، وعمر رضى الله عنه ابن الخطاب، وعثمان رضي الله عنه ابن عفان، وعلي رضي الله عنه ابن أبي طالب، ونحن ما رأينا أبا قحافة ولا الخطاب ولا أبا طالب، وما أدركناهم، وكذلك الغلام منا إذا أدرك فسمع الناس يقولون: فلان بن فلان ولم يدرك هذا الغلام أباه، فإنه يشهد أنه فلان بن فلان ولأن سبب النسب العلوق منه، وإنه لا يمكن الوقوف عليه حقيقة؛ لأنه أمر باطن لا يعلمه إلا الله تعالى، وسبب العلوق وهو الوطء يكون سرًا من الناس لا يعرفه إلا الواطئان، والولادة لا يعرفها غير القابلة، فتعذر الوقوف على حقيقته، فلم يكلف الشهود معرفته حقيقة، واكتفى فيه بالدليل الظاهر، وهو الشهرة وقوعًا وبقاء، فالنسب مشتهر وقوعًا وبقاء، وقوعًا بأن الولادة تكون بين جماعة من النسوان غالبًا، ثم يهيأ بعد ذلك لأجلها ويتخذ لذلك وليمة، وهو العقيقة.
وأما بقاء: فلأن بمضي الزمان يشتهر نسبه فيما بين الناس، فيقولون هذا ابن فلان، فيقوم مقام المعاينة.
وأما النكاح فصورته: إذا رأى رجلًا يدخل على امرأة وسمع من الناس أن فلانة زوجة فلان يسعه أن يشهد أنها زوجته وإن لم يعاين عقد النكاح للتوارث، وإنا نشهد أن عائشة رضي الله عنها كانت زوجة النبي عليه السلام، وفاطمة رضي الله عنها كانت زوجة علي رضي الله عنه، ولم نعاين نكاحهما ولأنه تعذر الوقوف على حقيقته؛ لأن جواز النكاح يبنى على المسألة بدليل أن نكاح المرتد لا يجوز، وإنه لأمر في باطنه؛ لأن اعتقاده لا يقف على حقيقته غير الله تعالى، فاعتبر الظاهر عند تعذر الوقوف على الحقيقة والنفساء بالشهرة والتسامع فيه فالنكاح يشتهر وقوعًا وبقاء، أما وقوعًا: فلأنه يكون بمحضر من الشهود ويتخذ لذلك وليمة، وأما بقاء: فلأن الناس يرونه يدخل عليها كما يفعل الأزواج، ويقولون فيما بينهم: هذا زوج هذه.
وأما القضاء فصورته: إذا رأى رجلًا قضى لرجل بحق من الحقوق، ويسمع من الناس أنه قاضي هذه البلدة وسعه أن يشهد أن قاضي بلدة كذا قضى لفلان، وإن لم يعاين تقليد الإمام إياه قضاء هذه البلدة للتوارث، فإنا نشهد أن شريحًا كان قاضيًا، وعليًا رضى الله عنه كان قاضيًا، ولم ندركهما، ولم نعاين تقليدهما، ولأنه تعذر الوقوف على حقيقته؛ لأن صورته قاضيًا ينبني على المسألة، فإنه إذا كان مسلمًا صلح قاضيًا ونفذ قضاؤه بين المسلمين، وإلا فلا في اعتقاده لا يطلع عليه إلا الله تعالى، فاعتبر الظاهر وهو الشهرة وقوعًا وبقاء، فالقضاء يشتهر وقوعًا وبقاء، أما وقوعًا: فلأن التقليد غالبًا يكون بين يدي جماعة، وبعد ذلك يكتب له منشور، ويقرأ على رؤوس الخلائق ويجتمع الناس إليه كل يوم لفصل الخصومات بينهم، وذلك يفيد من العلم مثل ما يفيد العيان، فجازت الشهادة عليه بالشهرة.
أما الموت فصورته: إذا سمع الناس يقولون: إن فلانًا مات، أو رآهم صنعوا به ما يصنع بالموتى، يسعه أن يشهد على موته وإن لم يعاين ذلك للتوارث، فإنا نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وتوفي الصحابة ولم ندرك زمانهم ولم نعاين ذلك، ولأنه تعذر الوقوف على حقيقته؛ لأنك ترى إنسانًا عليه زي الموتى وسيماهم وهو حي حقيقة، كالذي أخذته السكينة ونحوه، ونرى آخر في صورة الأحياء وهو ميت حقيقة، كما كان سليمان عليه السلام، مات ومضى عليه زمان طويل، ولا يعلم به أحد من أصحابه، فإذا تعذر الوقوف على حقيقته اكتفينا بالظاهر، وهو الشهرة وقوعًا وبقاء، فالموت يكون بمحضر جماعة من الناس، وبعد ذلك يجتمع الناس للصلاة عليه، ولدفنه وتعزيته، فيكتفى بها لجواز الشهادة عليها بالتسامع، ولأن لهذه الأشياء أحكامًا تبقى بعد القضاء قرونًا، فلو لم تجز الشهادة بالتسامع لتغلظت تلك الأحكام.
قال ابن سماعة عن محمد رحمه الله في الموت: إذا أخبرك واحد عدل بالموت وسعك أن تشهد به، وأما في النسب فلا يسعك أن تشهد به حتى يشهد عندك عدلان، وهو قول أبي يوسف ومحمد، وعلى قول أبي حنيفة رحمهم الله هذا على ما يقع في القلب، وهكذا روى بشر ابن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه لا يحل له أن يشهد بالنسب حتى يسمع ذلك من العامة، والجواب في النكاح والقضاء نظير الجواب في النسب، وقد فرقوا جميعًا بين الموت وبين الأشياء الثلاثة، فاكتفوا بخبر الواحد في الموت دون الأشياء الثلاثة.
ووجه الفرق: أن الموت قد يتفق في موضع لا يكون ثمة إلا واحد، فلو قلنا إنه لا يسمع الشهادة على الموت بإخباره ضاعت الحقوق المتعلقة بالموت وبطلت بخلاف هذه الأشياء الثلاثة؛ لأن الغالب فيها أن تكون بين الجماعة، أما النكاح فلأنه لا ينعقد إلا بشهادة الاثنين، وتقليد الإمام القضاء يكون بين الجماعة في الغالب، وكذلك الولادة، فاشتراط العدد فيها لا يؤدي إلى تضييع الحقوق.
وكان الفقيه أبو جعفر البلخي رحمه الله: يفرق بين الموت والنسب من حيث أن الموت مما يعاين، فقد أخبر عن عيان، فكان فيه زيادة قوة، فلا يشترط العدد، فأما النسب فلا يتصور فيه المعاينة، فيمكن في خبره نوع شبهة، فلا يكتفي فيه بقول الواحد ومن المشايخ من قال: لا فرق بين الموت والنسب والقضاء والنكاح، وإنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع.
موضوع مسألة الموت أنه أخبره واحد عدل موثوق به، ولم يذكر العدل والموثوق به في الأشياء الثلاثة، ولو كان الواحد المخبر في الأشياء الثلاثة عدلًا موثوقًا به حل له أن يشهد، ومنهم من قال بالفرق والفرق ما ذكرنا.
ثم عند أبي يوسف ومحمد يجوز الشهادة بخبر المثنى في النسب والقضاء والنكاح، وعلى قول أبي حنيفة رحمه الله: لا تجوز الشهادة ما لم يسمع ذلك من العامة بحيث يقع في قلبه صدق الخبر.
وجه قولهما: أن خبر الاثنين للعدل حجة مطلقة لو شهدا به عند القاضي قضى بشهادتهما، فإذا شهدا عنده حل له أداء الشهادة أيضًا؛ لأن جواز الشهادة يبنى على العلم، كما أن جواز القضاء يبنى على العلم، فإذا جاز القضاء بهذا العلم لأن تجوز الشهادة به والقضاء أقوى؛ لأن فيه إلزامًا أول، وأبو حنيفة رحمه الله يقول: بأن جواز الشهادة يبنى على العلم، وبخبر المثنى لا يحصل العلم لبقاء شبهة الكذب في خبرهما وإن كانا عدلين، وأما بخبر الجماعة التي لا يتصور تواطؤهم على الكذب يحصل العلم، بحيث لا يشك السامع في وجود المخبر به، فإذا أخبره جماعة يحصل له العلم بخبرهم ويقع في قلبه صدقهم، حل له أداء الشهادة وإلا فلا يحل له، ثم في الأشياء الثلاثة إذا ثبت والشهرة والاستفاضة عندهما بخبر عدلين، بشرط أن يكون الإخبار بلفظة الشهادة، كذا ذكره الخصاف وشيخ الإسلام رحمهما الله، وبه أخذ الصدر الشهيد برهان الدين جدي رحمه الله لأنه إخبار بالشهادة يوجب زيادة علم شرعًا لا توجبه لفظة الخبر، ألا ترى أن القاضي لا يقضي ما لم يأت الشاهد بلفظة الشهادة، وفي فصل.
الموت لما ثبتت الشهرة بخبر الواحد بالإجماع لا يشترط فيه لفظية الشهادة، بل يكتفى فيه بمجرد الإخبار، إما لأن لفظ الشهادة من الواحد لا توجب زيادة العلم حتى لا يقضي القاضي بها، أو لأنه لما سقط اعتبار العدد وتأثير العدد في إفادة زيادة العلم أكثر من تأثير لفظة الشهادة، لأن يسقط اعتبار لفظة الشهادة أولى.
وأما الشهادة على الدخول بالشهرة والتسامع ذكر الخصاف في (أدب القاضي): أنه يجوز؛ لأن هذا أمر يشتهر، ويتعلق به أحكام مشهورة من النسب والمهر والعدة وثبوت الإحصان، بخلاف الزنا، حيث لا تجوز الشهادة فيها بالتسامع، لأن الزنا فاحشة، والشهادة بالتسامع إنما جازت احتيالًا لإحياء حقوق الناس؛ لأن الذين عاينوا لو ماتوا ومضى عليه قرن بعد قرن لو لم تجز الشهادة بالتسامع أدى إلى إبطال حقوق الناس، والفاحشة لا يحتال لإثباتها.
وأما الشهادة على المهر بالشهرة والتسامع فقد ذكر في نكاح (المنتقى) أنه يجوز، وهكذا ذكر في شهادات (المنتقى) وصورة ما ذكر في الشهادات: قال هشام: سمعت محمدًا رحمه الله يقول في قوم خرجوا من ملاك رجل وفي الخارج قوم يشهدوا الملاك، فأخبروهم أنها زوجت على كذا من المهر وسع الخارجين أن يشهدوا بالمهر، ويثبتون الشهادة أن المهر كذا، وكذا ولو قالوا: سمعنا الذين شهدوا الملاك يقولون: المهر كذا وكذا تقبل شهادتهم.
وفي (الإملاء) عن محمد رحمه الله: أن الشهادة على المهر بالشهرة لا تجوز، وأما الشهادة في الأملاك لا تحل بالشهرة والتسامع في قول علمائنا، إلا في فصل واحد ذكره الخصاف في (أدب القاضي)، وقال الشافعي رحمه الله: يحل.
وأجمعوا على أن الشهادة بالشهرة والتسامع في أسباب ملك اليمين لا تحل، كالبيع والهبة والصدقة، وذهب في ذلك أن الشهرة والاستفاضة تتحقق في الأملاك كما تتحقق في الأشياء الأربعة، وإنا قول: غصبًا كانت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا دار أبي نعمان ود السامانية، كما في النسب نقول عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، والشهرة والاستفاضة أقيم مقام العيان، كما في الأشياء الأربعة، بخلاف الأسباب من البيع وغيره، لأنها لا تبقى في نفسها لتشتهر، لأنها كلام قد انقضى ومضى، ووقوعًا قد يشتهر وقد لا يشتهر، فإنه قد يقع بين جماعة وقد لا يقع، فلا تثبت الشهرة والاستفاضة في حق الأسباب، فأما الملك مما يبقى وما بقي اشتهر واستفاض.
وعلماؤنا ذهبوا في ذلك إلى أن الشهرة أقيم مقام العيان فيما يشتهر وقوعًا وبقاء، والاشتهار في الأملاك إن كان يوجد بقاء لا يوجد وقوعًا في الغالب قد يشتهر وقوعًا وبقاء في الغالب، فيثبت حد الشهرة في الأشياء الأربعة، والشهرة أقيمت مقام العيان كما في الأخبار.
وإذا شهد شاهدان أن فلانًا مات، وترك هذه الدار ميراثًا لابنه، وهذا لا يعلم له وارثًا آخر، إلا أنهما لم يدركا فلانًا الميت لا تقبل شهادتهما، لأنهما يشهدان بالملك للميت بالشهرة والتسامع.
بيانه: أن الوراثة خلافة، فما لم يثبت الملك للميت لا يتصور فيه الخلافة للوارث، والشهود إذا لم يدركوا الميت لم يعاينوا سبب الملك في حقه، ولا اليد المتصرفة، فتعين أن تكون الشهادة بالشهرة والتسامع، والشهادة على الملك بالشهرة والتسامع لا تجوز.
وأما الشهادة في الوقف هل تحل بالشهرة والتسامع؟ فلا رواية لهذا، وقد اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: تحل بالشهرة والتسامع لأنه مما يشتهر وقوعًا في الغالب، وبقاء لا محالة، فصار كالأشياء الأربعة، وبعضهم قالوا: لا تحل، لأنه إن كان يشتهر بقاء لأن ما بقي اشتهر لا يشتهر وقوعًا لا محالة قد يشتهر وقد لا يشتهر، لأن الوقف قربة يتقرب بها إلى الله تعالى والإخفاء بالقرب أكثر من الإعلان بها، فيصير بمنزلة الأملاك من هذا الوجه، ومن المشايخ من قال: تجوز الشهادة على أصل الوقف بالتسامع، أما على شرائط الوقف لا، وإليه مال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله، وهو الأصح، لأن أصله يشتهر، أما شرائطه لا تشتهر، وأما الشهادة بالعتق بالشهرة والتسامع لا تحل عندنا، وعند الشافعي: تحل، لأنه مما يشتهر بقاء عنده يكفي لحل الشهادة، وعندنا لا يكفي، بل نشترط الشهرة بقاء ووقوعًا، والعتق إن كان يشتهر بقاء لا يشتهر وقوعًا لا محالة، لأن العتق قربة، وقد ذكرنا أن الإخفاء بالقرب أكثر من الإعلان بها.
فأما الشهادة بالولاء بالشهرة والتسامع لا تحل عند أبي حنيفة رحمه الله ما لم يعاين عتق المولى، وهو قول أبي يوسف الأول، وعلى قوله الآخر: تحل، وقول محمد مضطرب في بعض الروايات مع أبي حنيفة، وفي بعضها مع أبي يوسف، فأبو يوسف ذهب في ذلك إلى أن الولاء بمنزلة النسب، على ما قال عليه السلام: «الولاء لحمة كلحمة النسب».
والشهادة في الأنساب تحل بالشهرة والتسامع، وكذا فيما له حكم النسب، ألا ترى أنا نقول: نافع مولى ابن عمر، وعكرمة مولى عبد الله بن عباس، كما نقول: عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأبو حنيفة رحمه الله قال: إنما تحل الشهادة بالشهرة والتسامع في النسب، لأنه يشتهر وقوعًا وبقاء في الغالب على ما بيّنا، فأما الولاء، فإن كان يشتهر بقاء، لأن ما بقي يشتهر لا محالة، لا يشتهر وقوعًا لا محالة في الغالب، لأن الولاء يثبت بالعتق، والعتق قد يوقع على سبيل الشهرة، وقد يقع على سبيل الخفية، لأنهما قربة، والإخفاء في القرب التي يتطوع بها أصل، وإذا كان يشتهر بقاء لا وقوعًا كان الولاء بمنزلة الأملاك من هذا الوجه.
وذكر شمس الأئمة الحلواني في (شرح أدب القاضي) للخصاف: أن الشهادة على العتق مختلف فيه بين أصحابنا رحمهم الله، كالشهادة على الولاء، قال في كتاب (الأقضية): وأما الولاء، فلا أشهد به، وإن كان مشهورًا إذا كان بعض الورثة الذين أضافوا إليه الولاء يزعمون أنه رقيق لهم عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وإن لم يدّعوا رقه شهدت به، لأنهم إذا ادعوا رقه وهو يدعي الولاء، فقد أقر بملك أبيهم، حيث ادعى الولاء بسبب إعتاقه، فيثبت الملك عليه بإقراره، ولم يثبت الإعتاق مع إنكار الورثة، فحاجته بعد ذلك إلى زوال الملك الثابت لهم، ولا تحل الشهادة على ذلك إلا لمعاينة فأما إذا لم يدعوا رقه لم يثبت لهم عليه ملك، ولا حق ملك، فبعد ذلك هو يدعي عليهم الانتساب إلى أبيهم بسبب الولاء وهم ينكرون، فتقبل الشهادة عليهم بالشهرة، كما في النسب.
وإذا شهد شاهدان على موت رجل، فهذا على وجهين: أما إن أطلقا الشهادة إطلاقًا ولم يثبتا شيئًا، أو قالا: لم نعاين موته، وإنما سمعنا من الناس، ففي الوجه الأول: تقبل شهادتهما، ويحمل على سبب يطلق لهما أداء الشهادة، وهو الشهرة أو المعاينة، وفي الوجه الثاني: إن لم يكن موت فلان مشهورًا لا تقبل الشهادة بلا خلاف؛ لأن المطلق الشهرة ولم توجد المعاينة، والشهرة لم تثبت بقولهما: سمعنا من الناس؛ لأن السماع قد يكون على وجه يثبت به الشهرة بأن سمعا من جماعة لا يتصور تواطؤهم على الكذب أو سمعا من واحد عدل أو جماعة ليسوا بعدول، فلهذا لا تقبل الشهادة.
وإن كان موت فلان مشهورًا ذكر في (الأصل) وفي كتاب (الأقضية): أنه لا تقبل الشهادة، وهكذا ذكر الخصاف في (أدب القاضي)، وقد قال بعض مشايخنا: لا تقبل شهادته، وبه أخذ الصدر الشهيد حسام الدين رحمه الله، فإن قالا: نشهد أن فلانًا مات، أخبرنا بذلك من شهد موته ممن يوثق به جازت شهادتهما، هكذا ذكر في كتاب (الأقضية)؛ لأنهما بينا أنهما شهدا عند وجود ما يطلق لهما أداء الشهادة، فلا يكون قد جاؤوا طمعًا في شهادتهما، وهذا فصل اختلف فيه المشايخ، بعضهم قالوا: لا تجوز هذه الشهادة؛ لأنهما ما أسندا هذه الشهادة إلى دليل يوجب العلم قطعًا، والعلم قطعًا شرط لجواز الشهادة لما تلونا من نص الكتاب، فإن اكتفى بهذا الدليل مع هذه الشبهة لإطلاق أداء الشهادة لا يدل على أنه إذا بين القاضي أن القاضي يكتفي فيه؛ لأن الضرورة تمكنت في حق الشاهد، لا في حق القاضي.
ونظيره: أن من رأى عينًا في يد إنسان يتصرف تصرف الملاك، حل له أن يشهد بالملك لذي اليد، ولو شهد عند القاضي، وقال: إن هذا العين ملكه، لأني رأيته في يده يتصرف فيه تصرف الملاك لا تقبل شهادته لما ذكرنا، كذا هنا.
وقد عثرنا على الرواية أنه تجوز الشهادة، وهي رواية كتاب (الأقضية) وكذلك إذا قالا: دفناه أو شهدنا جنازته، لأنه لا يدفن إلا الميت ولا يوضع على الجنازة إلا الميت، فكانت شهادة بالموت، فتقبل هذه الشهادة، ولا يقال عليه بأن هذه شهادة على فعل نفسه، فلا تقبل لأنا نقول: المشهود به في الحقيقة الموت، وأنه ليس من فعلهما، فلا يمنع قبول شهادتهما، وهاهنا مسألة عجيبة لا رواية لها: أنه إذا لم يعاين. الموت إلا واحد، ولو شهد عند القاضي لا يقضي بشهادته وحده، ماذا يصنع؟ قالوا: يخبر بذلك عدلًا مثله، فإذا سمع منه حل له أن يشهد على موته، فيشهد هو مع ذلك الشاهد، حتى يقضي القاضي بشهادتهما.
وإذا جاء موت الرجل من أرض أخرى، وصنع أهله ما يصنعون على الميت لم يسع أحدًا أن يشهد على موته إلا من شهد موته أو سمع ذلك ممن شهد موته؛ لأن مثل هذا الخبر قد يكون كذبًا، وعند بعد المسافة يغلب مثل هذا، فلا يعتمد عليه حتى يخبره من يثق به عن معاينته فحينئذٍ يسعه أن يشهد.
وإذا رأى رجلًا وامرأة سكنا في بيت واحد (وينقط) كل واحد منهما على صاحبه، كما يكون من الأزواج وسعه أن يشهد لهما بالنكاح؛ لأن هذا القدر يكفي لتحمل الشهادَةِ بملك اليمين، فإنه إذا رأى شيئًا في يدي أحد يتصرف فيه تصرف الملاك وسعه أن يشهد بملك ذلك الشيء له، فهذا أولى، ألا ترى لو أن رجلًا يسكن مع امرأة في دار، وحدث بينهما أولاد، وخاصمته في النفقة أو طلقها وراجعها، وقضى القاضي بذلك، أو ظاهر منها وكفّر، ثم مات وجحد أولياؤه ميراثها وأنكروا النكاح لم يسع للجيران ومن معهم في الدار أن يشهدوا أنها امرأته وهذا؛ لأن بعد هذا النوع من الاشتهار الذي يسبق إلى قلب كل أحد قيام النكاح بينهما، لو لم تجز الشهادة على النكاح تعطلت الحقوق، وبطل ميراثها، وإنه أمر قبيح.
وإذا قدم عليه رجل من بلد آخر وانتسب إليه، وأقام معه دهرًا لم يسعه أن يشهد على نسبه حتى يشهد له رجلان من أهل بلده عدلان أو يكون النسب مشهورًا، وذكر الخصاف هذه المسألة، وشرط لجواز الشهادة شرطين: أحدهما: أن يشتهر الخبر ويعم، الثاني: أن يمكث فيهم سنة، فإنه قال: لا يسعهم أن يشهدوا على نسبه حتى تقع معرفة ذلك في قلوبهم، وذلك بأن يقيم معهم سنة؛ لأن السنة مدة (معتبرة شرعًا)، ألا ترى أنه قُدِّرَ به أجل العنّين وكثير من الأحكام، فالظاهر أنه لو كان الأمر على خلافه يظهر في هذه المدة، وإن وقع في قلبه معرفة ذلك قبل مضي السنة، لا يجوز له أن يشهد، وروي عن أبي يوسف رحمه الله أنه قدر ذلك بستة أشهر.
والصحيح: أنه إذا سمع من أهل بلده من رجلين عدلين حل له أداء الشهادة وإلا فلا، فإذا سمع ذلك ممن سمع من المدعي لا يحل له أن يشهد وإن اشتهر ذلك بين الناس؛ لأنه لما لم يحل له الشهادة بالسماع منه، فكيف يجوز بإخبار من سمع منه، لكن إنه شهد عنده جماعة حتى تقع الشهرة حقيقة وعرفًا، ووقع عنده أنه ثابت النسب من فلان، أو شهد عنده عدلان حتى يثبت الاشتهار شرعًا حتى له أن يشهد.

.الفصل الثاني: في أقسَام الشهادة وفي شهادة النسَاء:

أقل ما يجوز في حقوق الناس فيما بينهم من الطلاق والعتاق والنكاح، وكفالة النفس وكفالة الأموال والإبراء، وقضاء القاضي وكتاب القاضي إلى القاضي، والوكالات والرهون والوصايا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، والقياس في ذلك كله: أن يكتفى بشهادة الواحد إذا كان عدلًا لظهور الصدق في شهادته لعدالته، والصدق واجب القبول، وبانضمام شاهد آخر لا يزداد دليل الصدق في خبر الأول، لكن عرفنا اشتراط العدد بالنصوص، منها قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] وقوله: {فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} [النساء: 15] وقوله: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 20] وقوله عليه السلام: «ليس لك إلا شاهداك أو يمينه» وتقدير الشرع إما يكون لمنع الزيادة، كأكثر مدة الحيض، أو لمنع النقصان. كأقل مدة الحيض والسفر، وهذا التقدير ليس لمنع الزيادة، فيكون لمنع النقصان، ولأن طمأنينة القلب إلى قول العدد أبلغ منه إلى قول الواحد، فشرط العدد صيانة للحقوق المعصومة، لكثرة ما يكون في الخصومات من التلبيس والتزوير.
وإذا ثبت أن العدد شرط فنقول: الحوادث أقسام ثلاثة، في قسم منها يشترط الأربعة، وهو: الزنا الموجب للحد، عرف ذلك بقوله تعالى: {فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} [النساء: 15] ولا يشترط ذلك في غيره، وفي قسم منها يشترط رجلين، وهو العقوبات التي تقدر بالشبهات، نحو: القصاص وسائر الحدود ما خلا حد الزنا، حتى لا تثبت هذه الأشياء بشهادة رجل وامرأتين، بدليل ما روي عن الزهري رحمه الله أنه قال: مضت السنّة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفة من بعده أن لا شهادة للنساء في الحدود.
وفي قسم منها يكتفى بشهادة رجل وامرأتين، وهو المال وما كان من توابع المال؛ لأن الله تعالى قال في آية المداينة {واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} [البقرة: 282] وإذا ثبت هذا الحكم في المال ثبت فيما هو تبع المال ضرورة، والحقوق المجردة كالنكاح والطلاق والعتاق والرجعة من هذا القسم، حتى يكتفى فيه بشهادة رجل وامرأتين، بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أجاز شهادة النساء في النكاح»، وعن عمر وعلي رضي الله عنهما مثل ذلك، وكذلك ما يتوقف عليه كمال العقوبة، وهو الإحصان من هذا القسم، حتى يثبت الإحصان بشهادة رجل وامرأتين عندنا؛ لأن الإحصان عبارة عن خصال حميدة، بعضها مأمور به وبعضها مندوب إليه، فيثبت بشهادة النساء مع الرجال كسائر الحقوق، ولا تقبل شهادة النساء بانفرادهن فيما يطلع عليه الرجال بالإجماع، وفيما لا يطلع عليه الرجال: تقبل شهادتهن بانفرادهن بالإجماع.
والوجه في ذلك: أن القياس يأبى كون شهادة النساء حجة؛ لأنه تمكن في شهادتهن زيادة تهمة بسبب الغفلة أو النسيان يمكن الاحتراز عنها بالرجال، لكن جعلناها حجة فيما يطلع عليه الرجال إذا قامت مع الرجال بالنَصّ، والنص الوارد يجعل شهادتِهنّ حجة مع الرجال، وقد تمكنت زيادة تهمة في شرط الشهادة لا يكون واردًا بجعلها حجة بانفرادهن، وقد تمكنت التهمة في كل الشهادة، وفيما لا يطلع عليه الرجال جعلنا شهادتهن حجة على الانفراد بالنص، وقد روى مجاهد، وسعيد بن المسّيب، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح رضي الله عنهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم «أجاز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال النظر إليه»، أي: فيما لا يحل للرجال النظر إليه، والمعنى فيه: أنه لو لم تجز شهادة النساء بانفرادهن فيما لا يطلع عليه الرجال أدى إلى إبطال حقوق تعلقت بهذه الأسباب، والعدد ليس بشرط عندنا في هذا الباب، حتى يثبت ذلك بشهادة امرأة واحدة، وإن كانت امرأتان أو ثلاث فذلك أحب.
وهل يشترط لفظة الشهادة؟ قال مشايخ بلخ، ومشايخ بخارى: يشترط، وقال مشايخ عراق: لا يشترط، وأجمعوا على أنه يشترط الحرية والبلوغ عن عقل والإسلام إن قامت على مسلم، وكذلك يشترط العدالة، ذكره شمس الأئمة السرخسي رحمه الله، وإنما لم يشترط العدد عندنا لما روينا من حديث مجاهد وسعيد بن المسيب.
ووجه الاستدلال به: أن النساء اسم جنس واسم الجنس يتناول الأدنى مع احتمال الكل، فصار تقدير أن النبي صلى الله عليه وسلم «أجاز شهادة الواحد من النساء فيما لا يطلع عليه الرجال»، وفي حديث حذيفة رضي الله عنه: أن النبي عليه السلام «أجاز شهادة القابلة على الولادة».
والمعنى في ذلك: أنه إنما سقط اعتبار الذكورة في هذا الباب مع أن نظر الرجال إلى هذا الموضع غير متعذر ولا ممتنع؛ لأن نظر الجنس أخف، فإذا أمكن تحصيل المقصود بالأخف وهو شهادة النساء سقط اعتبار الأغلظ، وهو الذكورة، ولهذا لا يسقط اعتبار الحرية والعدالة؛ لأن نظر المملوك وغير العدل ليس أخف من نظر الحر والعدل، وهذا المعنى يقتضي سقوط اعتبار العدد؛ لأن نظر الفرد أخف من نظر العدد، وكذا لم يسقط اعتبار الإسلام؛ لأن نظر الكافر ليس أخف من نظر المسلم.
جئنا إلى اشتراط لفظة الشهادة، وفيه اختلاف المشايخ على ما ذكرنا، وجه قول من قال: إن لفظة الشهادة ليست بشرط: أن هذا خبر وليس بشهادة، ألا ترى أنه لم يشترط فيه العدد، فلم تشترط لفظة الشهادة أيضًا، وجه قول من قال: إن لفظة الشهادة شرط: أن هذه شهادة على الحقيقة، وليست بخبر، ألا ترى أنه تقع ملزمة على الغير كان القياس فيه أن يشترط العدد، كما في سائر الشهادات، لكن تركنا القياس في اشتراط العدد، لحديث مجاهد وسعيد بن المسيب على نحو ما بينا، وأنه يقتضي إسقاط اعتبار العدد، أما لا يقتضي إسقاط اعتبار لفظة الشهادة، بل يقتضي اعتبارها؛ لأن تقدير الحديث شهادة الواحدة من النساء فيما لا يحل للرجال النظر حجة، ولو نص على هذا لسقط اعتبار العدد، ولا يسقط اعتبار لفظة الشهادة، لأن النبي عليه السلام سماها شهادة، لما فيها من لفظة الشهادة، وعبارة بعض المشايخ في هذا: إن هذا أخذ شبهًا من أصلين من الشهادات لمعنى الإلزام ومن الإخبارات، حتى لم يشترط فيه صفة الذكورة، فلشبهها بالشهادات شرطنا لفظة الشهادة والحرية والبلوغ عن عقل، ولشبهها بالإخبارات لم يشترط فيه العدد عملًا بالشبهين بقدر الإمكان.
وإن كان مكان المرأة رجلًا واحدًا والحادثة مما يطلع عليها الرجال، لم يذكر هذا الفصل في (الكتاب)، وقد اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: تقبل لأن شهادة الرجل أقوى من شهادة المرأة، فإذا قبلت شهادة المرأة الواحدة في هذا الباب، فشهادة الرجل الواحد أولى، وبعضهم قالوا: لا تقبل؛ لأن القياس أن لا تكون شهادة المرأة الواحدة حجة فيما لا يطلع عليه الرجال كما في سائر الشهادات، وإنما جعلناها حجة بالنص الذي روينا، والنص الوارد بجعل شهادة المرأة الواحدة حجة فيما لا يطلع عليه الرجال لا يكون واردًا بجعل شهادة الرجل الواحد حجة؛ لأن في حق الرجل نصّ بخلافه، وهو قوله تعالى {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتين} [البقرة: 282] ثم متى تجعل شهادة الرجل الواحد حجة في هذا الباب؟ من المشايخ اختلفوا فيما بينهم قال بعضهم: إنما تقبل شهادته إذا قال: فاجأتها واتفق نظري إليها، أما إذا قال: تعمدت النظر إليها لا تقبل شهادته؛ لأنه يصير فاسقًا بالنظر إليها متعمدًا، وقال بعضهم: وإن تعمد النظر إليها تقبل شهادته كما في الزنا، وأما شهادة النساء بانفرادهن على استهلال الصبي، وهو: صياح الولد بعد الانفصال عن الأمّ، أو على تحرك عضو من أعضائه بعد الانفصال عن الأم مقبولة في حق الصلاة عليه بالإجماع؛ لأنه أمر من أمور الدين.
وأما في حق الميراث فقد اختلفوا فيه، قال أبو حنيفة رحمه الله: لا تقبل، ويشترط شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، وقال أبو يوسف ومحمد: تقبل شهادة امرأة واحدة إذا كانت عدلة، فهما يقولان: استهلال الصبي صياحه عند الولادة، وتلك حالة لا يحضرها الرجال، وفيما لا يطلع عليه الرجال شهادة المرأة الواحدة حجة، ألا ترى أنه تقبل شهادتها في حق الصلاة عليه، وأبو حنيفة رحمه الله يقول: الاستهلال صوت مسموع، وفي السماع الرجال يشاركون النساء بانفرادهن ليست بحجة.
وإن وقع ذلك في حالة لا يحضرها الرجال كشهادة النساء على الجراحات في حمامات النساء، وأما شهادتهن على تحرك الولد قبل الانفصال عنها، وشهادة رجل وامرأتين أو رجلين على تحرك الولد قبل الانفصال أو على تحركه حالة الانفصال عند الكل لا تقبل؛ لأن تحرك الولد قبل الانفصال قد يكون بحياة نفسه وقد يكون بحياة الأم، إلا أنه ينفصل ميتًا، وكذلك حالة الانفصال قد يكون تحركه بحياة نفسه، وقد يكون بانتقاله من موضع إلى موضع، فلا يدل ذلك على حياته، أما بعد الانفصال فتحركه لا يكون إلا بحياة نفسه.

.الفصل الثالث: في بيان من تقبل شهادته ومن لا تقبل:

يجب أن يعلم أن العدالة شرط لتصير الشهادة واجبة القبول؛ لأنه ما لم يظهر الحق عند القاضي للمدعي لا يجوز له القضاء به، فضلًا عن الوجوب، وظهور الحق بالشهادة باعتبار صدق الشهود، ودليل صدق الشهود العدالة.
وتكلم العلماء في تفسير العدل، منهم من ضيّق فيه غاية التضييق، فشرط انزجار الشاهد عن جميع المحظورات، حتى قال: من سمع الأذان وانتظر الإقامة سقطت عدالته؛ لأنه مشترك بينه وبين غيره، فلا يجوز له أن يمشي عليه من غير رضى ذلك الغير، وعن عبد الله بن المبارك أنه قال: (من زادت) حسناته على سيئاته قبلت شهادته، وقال إبراهيم النخعي: العدل من المسلمين من لم يطعن عليه في بطن أو فرج، وأراد بعدم الطعن في البطن أن لا يقال: إنه أكل مال الربا أوأكل مال المغصوب، وما أشبهه، وأراد بعدم الطعن في الفرج أن لا يقال: أنه زانٍ، وما أشبه ذلك، فموضع الطعن فيهما ولهما توابع، فإذا سلم عنهما وعن توابعهما كان عدلًا مقبول الشهادة.
وقال الشعبي رحمه الله: العدل من لم يعلم منه خير في دينه أو فساد في دينه، وقال الفقيه أبو جعفر الهندواني رحمه الله: العدل من كان منزهًا عن الكبائر، منزهًا عن الفواحش، متيقظًا، فغلب حسناته على سيئاته.
وحكي أن عبد الله (بن) سليمان وزير المعتضد بالله سأل القاضي أبا حازم عن العدل في الشهادة، فقال: أحسن ما قيل في هذا الباب ما نقل عن أبي يوسف فإن العدل في الشهادة أن يكون مجتنبًا عن الكبائر، ولا يكون مصرًّا على الصغائر، ويكون صلاحه أكثر من فساده، وصوابه أكثر من خطئه، وأن يستعمل الصدق ديانة ومروءة، ويجتنب عن الكذب ديانة ومروءة.
والحاصل: أن ارتكاب الكبيرة يوجب زوال العدالة، وارتكاب الصغيرة لا يوجب زوال العدالة؛ لأن ارتكاب الكبيرة يدل على شهادة الزور؛ لأن حرمة ما ارتكب من الكبيرة كحرمة شهادة الزور أيضًا، قياسًا واستدلالًا بها، فأما ارتكاب الصغيرة لا يدل على شهادة الزور، لأن شهادة الزور كبيرة، والإنسان قد يجتنب عن الصغائر، فارتكاب الصغائر لا يدل على شهادة الزور، فلا يوجب زوال العدالة، ولا يكون جرحًا إلا أن يصرَّ على ذلك؛ لأن الصغيرة تصير كبيرة بالإصرار، على ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: «لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار» وحكي عن الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة السرخسي رحمه الله أنه قال: الناس لا تخلو عن ارتكاب الصغائر، ولا تخلو عن إتيان ما هو مأذون به في الشرع، فيعتبر في ذلك الغالب يريد به في حق الصغائر، فإن كان غالب حاله أن يأتي بما هو مأذون به في الشرع، ويحترز عما لا يحل به في الشرع من الصغائر، كان جائز الشهادة بعد أن يحترز عن كل الكبائر، وإن كان غالب حاله لا يحترز عن الصغائر لا يكون جائز الشهادة، وإن كان يأتي بالمأذون به شرعًا.
ثم اختلفوا في تفسير الكبائر، قال بعضهم: هي السبع التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المعروف، وهو الإشراك بالله تعالى، والفرار من الزحف، وعقوق الوالدين، وقتل النفس بغير حق، ونهب المؤمن، والزنا، وشرب الخمر، وهو قول أهل الحجاز وأهل الحديث، وزاد بعضهم على السبع التي ذكرها: أكل الربا، وأكل مال اليتيم بغير حق، وقال بعضهم: ما فيه حد أو قتل فهو كبيرة، وقال بعضهم: ما كان حرامًا لعينه فهو كبيرة، وما كان حرامًا لغيره فهو صغيرة.
وأصح ما قيل في هذا الباب: ما نقل عن الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمه الله أنه قال: ما كان شنيعًا بين المسلمين وفيه هتك حرمة الله تعالى والدين، فهو من جملة الكبائر، وكذلك الإعانة على المعاصي والفجور والحث عليها من جملة الكبائر يوجب سقوط العدالة، وإذا كان حدّ الكبائر هذه الأشياء كان ما عداها من جملة الصغائر.
قال الخصاف في (أدب القاضي): إذا تَرك الرجل الصلاة بالجماعة استخفافًا بذلك أو مجانة أو فسقًا لا تجوز شهادته، لم يرد بهذا الاستخفاف بالدين؛ لأن المستخف بالدين كافر، بل أراد به أن لا يستعظم تفويت الجماعة كما يفعله العوام، وإنما تسقط به العدالة؛ لأن الصلاة بالجماعة ألحقت بالفرائض، ولهذا لو ترك أهل بلدة الصلاة بجماعة قوتلوا عليهم بالسلاح، كما لو تركوا فرضًا من الفرائض، وقد صح أن رجلًا سأل ابن عباس عن رجل يصوم النهار ويقوم بالليل ولا يحضر الجماعات، فقال ابن عباس: هو في النار، فاختلف إليه ذلك الرجل شهرًا، وكان سأله، فكان يقول: هو في النار.
وقال مكحول رحمه الله: السنة سنتان: سنة أخذها هدي وتركها لا بأس به، وسنة أخذها هدي وتركها ضلالة، وذكر من جملتها الصلاة بجماعة، فثبت أنها ملحقة بالفرائض، وتارك الفرض فاسق، فكذا هذا، هذا إذا تركها استخفافًا أو مجانة أو فسقًا، وإن تركها متأوّلًا بأن كان الإمام فاسقًا، فكره الاقتداء به، ولا يمكنه أن يصرفه، فصلى في بيته وحده، أو كان ممن يضلل الإمام، ولا يرى الاقتداء به جائزًا، فهذا مما لا يسقط العدالة، أما الأول: فلا شك، وأما الثاني: فلأنه صاحب هوى، وشهادة أهل الأهواء مقبولة على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وكذلك شهادة تارك الصلوات في أوقاتها لا تقبل؛ لأن أداء الصّلاة في الوقت أداء الأمانة في وقتها؛ لأن الصلاة أمانة وأداء الأمانة في وقتها لازم، ولأن أداء الصّلاة في الوقت عهد له عِندَ اللهِ تعالى، قال صَلى الله عليه وسلم «من حافظ الصلوات الخمس في مواقيتها كان له عند الله تعالى عهدًا يؤديه إليه يوم القيامة وتلا قوله تعالى {إلا من اتخذ عند الرحمن عهدًا} [مريم: 87]» فإذا ظهرت منه الخيانة في هذه الأمانة بتفويتها عن الوقت، لا يؤمن به الخيانة في أمانة الشهادة.
وكذلك من ترك الجمعة لا تقبل شهادته لما روى قتادة عن عبد الملك بن يعلى أنه قال: لا أجيز شهادة من تقوم البينة عليه أنه ترك الجمعة ثلاث مرات، وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: «من ترك الجمعة ثلاث مرات طبع الله تعالى على قلبه»، ولأن شهود الجمعة فرض لقوله تعالى {فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} [الجمعة: 9] فكان تاركًا الفرض، فصار مرتكبًا الكبيرة، فلا تقبل شهادته، فهذا إذا تركها رغبة عنها، أما إذا تركها بعذر كالمرض أو بعده من المصر، أو بتأويل بأن كان يفسق الإمام أو ما أشبهه، لا ترد شهادته على ما ذكرنا في تارك الجماعة.
ثم إن الخصاف وضع المسألة في ترك الجمعة ثلاث مرات، قال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: التقدير بالثلاث شرط كما ذكر الخصاف، وقال شمس الأئمة الحلواني: هذا ليس بشرط لازم، بل إذا ترك مرة كفى لرد الشهادة، وإليه أشار الخصاف رحمه الله في بعض المواضع.
ولا تقبل شهادة آكل الربا المشهور بذلك المقيم عليه؛ لأن أكل الربا كبيرة، وإنه حرام بنص الكتاب، وورد النص بالوعيد فيه بنار جهنم، قال الله تعالى {يا أيها الذين أمنوا لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة} إلى قوله {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} [آل عمران: 130- 131] وقال عليه السلام: «لعن الله آكل الربا وموكله» وارتكاب الكبيرة توجب سقوط العدالة، ثم شرط لرد الشهادة أن يكون مقيمًا عليه مشهورًا بذلك، وكان ينبغي أن تزول العدالة بالأكل مرة، كأكل مال اليتيم؛ لأن كل واحد من هذه الأشياء كبيرة، مع هذا شرط الإدمان.
واختلف المشايخ رحمهم الله في علته:
قال بعضهم: إنما شرط ذلك؛ لأن الإنسان عسى يبتلى بذلك؛ لأن البياعات الفاسدة كلها ربا، ولا يمكنه التحرز عن جميع الأسباب المفسدة للعقد، فقد لا يهتدي إلى ذلك، فلو ردت شهادته إذا ابتلي به مرّة لا يبقى في الدنيا مقبولة الشهادة، فلهذا شرط أن يكون مشهورًا بذلك مقيمًا عليه.
وقال بعضهم: بأن الربا ليس بحرام محض؛ لأن الربا يفيد الملك عندنا بعد اتصال القبض، والملك مبيح للأكل في غير الخمر إن كانت حرمة السبب بمنع الأكل، فلم يكن حرامًا محضًا، فكان ناقضًا في كونها كبيرة، فصارت كالملحقة بالصغيرة من هذا الوجه، وهذا لأن حرمة ما ارتكب الشاهد في دينه من التعاطي يجب أن يكون مثل حرمة شهادة الزور حتى يستدل به على شهادة الزور، وشهادة الزور حرام محض؛ لأنه كذب والكذب حرام محض، فارتكاب ما لا يكون حرامًا محضًا لا يدل عليه، قال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: آكل الربا إنما يسقط العدالة إذا أكله مع علمه بكونه ربا.
ولا تجوز شهادة مدمن الخمر، فحرمة الخمر ثابتة بالنص، وشرع عليه عقوبة في الدنيا، وهو الحد، فكان من جملة الكبائر، فتسقط العدالة، ثم شرط الإدمان ولم يرد به الإدمان في الشرب؛ لأنه لا يطيق، وإنما أراد به الإدمان في النية، يعني: يشرب ومن نيته أن يشرب بعد ذلك إذا وجده، قال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: ويشترط مع الإدمان أن يظهر ذلك للناس أو يخرج سكرانًا، فيسخر منه الصبيان، حتى إن شرب الخمر في السر لا يسقط العدالة، قال في (الأصل): ولا تجوز شهادة مدمن السكر، وأراد به في سائر الأشربة السكر، فشرط الإدمان على السكر، والمحرم في الخمر نفس الشرب، فشرط الإدمان على الشرب.
وكذلك من يجلس مجالس الفجور والمجانة والشرب، لا تقبل شهادته، وإن لم يشرب؛ لأنه تشبه بهم، وقد قال عليه السلام: «من تشبه بقوم فهو منهم»، ولأنه رضي بصنيعهم ولم يحترز أن يظهر عليه ما يظهر عليهم، فلا يحترز عن شهادة الزور.
ولا تقبل شهادة المخنث؛ لأن التخنث معصية، قال عليه السلام: «لعن الله المؤنثين من الرجال، والمذكرات من النساء» قال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: وهذا إذا كان تخنثه باختياره، أو كان يأتي بالأفعال الرديئة، فأما إذا كان في كلامه تكسر، وفي أعضائه لين بأصل الخلقة، ولا يأتي بشيء من الأفعال الرديئة فهو عدل مقبول الشهادة.
ولا تقبل شهادة من يلعب بالحمام ويطيرهن؛ لأنه يرتكب ما هو حرام؛ لأن اللعب حرام، قال عليه السلام: «ما أنا من ددٍ ولا الدد منّي» ولأنه يصعد العوالي من السطوح، فيطلع على العورات، وذلك منه فسق، ولأن قلبه مع ذلك في عامة أحواله ففسد به عقله، وذكر شيخ الإسلام في (شرح كتاب الكفالة): في باب الشهادة في الدين: إن كان لا يطيرهن، ولكن يخليهن حتى يخرجن من بيته لا تقبل شهادته، وعلل فقال: لأنه يأتي بيت حمامته حمامات غيره، فيفرخ فيه ثم هو يبيع ذلك ويأكل، ولا يعرف حمامته من حمامة غيره، فيصير حرامًا ومرتكبًا ما لا يحل، قال ثمة: وهذا كما قال مشايخنا رحمهم الله: إن شهادة صاحب الحمام لا تقبل؛ لأنه ينظر إلى عورات الناس، ويجمع قماسات الأعمار للآثار ولا يبالي بذلك، ومن المشايخ من قال: لا تسقط عدالته في هذه الصورة، ويستدل باتخاذ الناس بروج الحمامات من غير نكير منكر، وإن كان يمسكهن في بيته ولا يطيرهن ولا يخليهن لا تسقط عدالته بلا خلاف.
ولا تقبل شهادة المغنيِّ والمغنيّة إذا كان يجمع الناس ويؤنسهم، هكذا ذكر الخصاف في (أدب القاضي)؛ لأنه ملعون على لسان صاحب الشرع، قال عليه السلام: «لعن المغنيات» ومن يكون ملعونًا على لسان صاحب الشرع يكون ساقط شهادة لا محالة، قال: فأما إذا كان لا يسمع غيره ولكن يسمع نفسه لإزالة الوحشة قبلت شهادته، يجب أن يعلم بأن المغني لإجماع الغير وإيناسه مكروه عند عامة المشايخ، ومن الناس من جوز ذلك في العرس والوليمة، ألا ترى أنّه لا بأس بضرب الدف في العرس والوليمة وإن كان فيه نوع لهو، وإنما لم يكن به بأس؛ لأن فيه إظهار النكاح وإعلانه، وبه أمرنا صاحب الشرع، قال عليه السلام: «أعلنوا النكاح ولو بالدف» فكذا التغني، ومنهم من قال: إذا كان يتغنى ليستفيد به نظم القوافي، ويصير فصيح اللسان لا بأس به.
وأما التغني لإسماع نفسه ودفع الوحشة عن نفسه، هل هو مكروه؟ فقد اختلف المشايخ، منهم من قال: لا يكره، وبه أخذ شمس الأئمة السرخسي رحمه الله، وإنما المكروه على قول هذا القائل ما يكون على سبيل اللهو، وهذا القائل يحتج بما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنه دخل على أخيه البراء بن مالك وهو كان يتغنى، والبراء من زهاد الصحابة، ومن المشايخ من قال: جميع ذلك مكروه، وبه أخذ شيخ الإسلام خواهر زاده، وهذا القائل يحمل حديث البراء على أنه كان ينشد الأشعار المباحة التي فيها ذكر الوعظ والحكمة، وهذا لأن اسم الغناء كما ينطلق على الغناء المعروف ينطلق على غيره، قال عليه السلام: «من لم يتغنّ بالقرآن فليس منا» قلنا: وإنشادنا هو مباح من الأشعار لا بأس به، وإذا كان في الشعر صفة المرأة إن كانت امرأة بعينها وكانت حية يكره، وإن كانت ميتة أو كانت امرأة مرسلة لا يكره.
وكذلك لا تقبل شهادة النائحات، ولم يرد به التي تنوح في مصيبتها، وإنما أراد التي تنوح في مصيبة غيرها، اتخذت ذلك مكسبة، وهذا لقوله عليه السلام: «لعن الله النائحات» ولأنها لما ارتكبت ما لا يحل في الشرع، وهو الغناء والنوح لطمعها في المال، لا تؤمن من أن ترتكب شهادة الزور لأجل المال، فذلك أيسر عليها من الغناء والنوح في مدة طويلة.
وكذلك لا تقبل شهادة من يلعب بالشطرنج لكن شرط: بانضمام إحدى معاني ثلاثة: إذا قامر عليه، أو شغله عن الصلوات، أو أكثر الحلف عليها بالكذب والباطل؛ لأن القمار حرام وتفويت الصلاة من أعظم الكبائر، واليمين الكاذبة من جملة الكبائر، فأما بدون انضمام إحدى معاني ثلاثة إليه لا تسقط العدالة؛ لأن العلماء اختلفوا في حرمة اللعب بالشطرنج وإباحته عند انعدام هذه المعاني، قال مالك والشافعي: يحل وأبو زيد الحكيم كان يختار قولهما ذكره شمس الأئمة السرخسي رحمه الله فخف حكمه، فمباشرته على الانفراد لا يصلح لسقوط العدالة.
ومن يلعب بالنرد فهو مردود الشهادة على كل حال، قال عليه السلام: «الملعون من لعب بالنرد» ومن كان ملعونًا كيف يكون عدلًا؟ وإذا كان الرجل يلعب بشيء من الملاهي وذلك لا يشغله عن الصّلاة، ولا عمّا يلزمه من الفرائض، ينظر: إن كانت يستشقيه بين الناس، كالمزامير والطنابير لم تجز شهادته؛ لأن أصحاب هذه الملاهي أهل فسق فيما بين الناس، وإن لم يكن يستشقيه نحو الحد أو ضرب القضيب جازت شهادتهم، والأصل ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في سفر والحادي يحدو بين يديه، فلم ينهه عن ذلك، فلما طلع الفجر قال عليه السلام: «أمسك، فإن هذه ساعة ذكر» وكذلك القضيب، فإن صوته مباح عند البعض، فلا يوجب سقوط العدالة، قال: إلا إن تفاحش بأن يرقصون به فيدخل في حد المعاصي والكبائر فحينئذٍ تسقط به العدالة.
وإذا كان الرجل معروفًا بالكذب الفاحش لم تقبل شهادته، يريد به إذا اعتاد الكذب؛ لأنه إذا اعتاد ذلك لا يصبر عنه فلا يؤمن من أن يكذب في هذه الشهادة، فأما إذا كان يقع فيه أحيانًا قبلت شهادته؛ لأنه لا يسلم أحد من ذلك، وفي (الأقضية): والذي اعتاد الكذب إذا تاب لا تقبل شهادته؛ لأن من اعتاد الكذب قلّ ما يصبر.
وكذلك لا تقبل شهادة الداعر، وهو الفاسق المتهتك الذي لا يبالي ما يصنع؛ لأنه لا يؤمن عليه أن لا يبالي من شهادة الزور، قال محمد رحمه اللهُ في (الأصل): وقال أبو حنيفة وابن أبي ليلى: شهادة أهل الهوى جائزة، قال: هو قول أصحابنا أجمعين.
قال شمس الأئمة السرخسي: ومنهم من يفصل بين من يكفر في هواه، وبين من لا يكفر، فكأنه أراد أبا يوسف، فقد روي عنه أنه قال: من كفر به لم أقبل شهادته، ومن أضللته قبلت شهادته، وذكر شيخ الإسلام في (شرحه): وشهادة أهل الهوى مقبولة عندنا إذا كان هوى لا يكفر به صاحبه، ولا يكون ماجنًا وَيكون عدلًا في تعاطيه، وهو الصحيح، وما ذكر في (الأصل)؛ فهو محمول على هذا إلا الخطابية.
واستدل محمد رحمه الله في (الكتاب) لبيان ذلك فقال: أرأيت أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين ساعدوا معاوية مع مخالفة علي رضي الله عنه، ثم شدوا بين يدي علي رضي الله عنه، أكان يرد شهادتهم؟ ولا شك أن مخالفة عليّ رضي الله عنه بعد عثمان رضي الله عنه بدعة وهوى، فكيف الخروج عليه بالمسايفة لكن لما كان عن تأويل وتدين، لم يمنع قبول الشهادة، فكذا هذا؛ ولأنه مسلم عدل في تعاطيه شهد لغيره من كل وجه، وهو من أهل الشهادة، فتقبل شهادته قياسًا على غير صاحب الهوى، وإنما قلنا: مسلم؛ لأن الكلام في هوى لا يكفر به صاحبه، وإنما قلنا: عدل في تعاطيه؛ لأنه لم يرتكب ما هو محرم في دينه واعتقاده حرمته مثل حرمة شهادة الزور، حتى يستدل به ما في شهادة الزور ما وجد من فسق الاعتقاد لا يدل على شهادة الزور، لأنه اعتقده مباحًا، فلا يدل على شهادة الزور الذي يعتقده حرامًا، وكان كشهادة الكافر مقبولة على كافر مثله إذا كان عدلًا في تعاطيه، وإن كان فاسقًا من حيث الاعتقاد وهو الكفر؛ لأن اعتقاد الكفر وهو يعتقده مباحًا، وإن كان رأس الفسوق لا يدل على شهادة الزور، وهو يعتقده حرامًا في دينه، وكذلك هذا، وليس كالخطابية لأن الخطابية قوم من الروافضة يستجيزون أداء الشهادة بالحلف، ولو تحقق هذا من المسلم لا تقبل شهادته لكونه ماجنًا.
وإن لم يكن صاحب هوى، فمن هو صاحب الهوى أولى، وليس كما لو كان ماجنًا في هوى، فإنه لا تقبل شهادته لكونه ماجنًا لا لهواه، فإن غير صاحب الهوى من المسلمين إذا كان ماجنًا لا تقبل شهادته؛ لأن الماجن بين العاقل والمجنون، فإن الماجن من شابه بعض أقواله وأفعاله أقوال العقلاء وأفعالهم.
ولا تجوز شهادة الرجل على الرجل إذا كان بينهما عداوة؛ لأن طبع كل واحد داع إلى الانتقام من عدوه، فعسى يريد بهذه الشهادة الانتقام منه، فتمكنت الشبهة في هذه الشهادة، فلم تقبل. قالوا: هذا إذا كانت العداوة بينهما بسبب شيء من أمر الدنيا، فأما إذا كانت العداوة بسبب شيء من أمر الدين، فإنه تقبل شهادته عليه لانتفاء تهمة الكذب؛ لأن من تحتمله قوة دينه على أن يعادي غيره بمجاوزة حدّ الدين، لا يقدم على شهادة الزور مع ما علم من الوعيد لشاهد الزور.
وفي كتاب (الأقضية): إذا أسلم الرجل وهو لا يقرأ القرآن، فشهادته جائزة، يريد بقوله: لا يقرأ القرآن لا يتعلم القرآن للحال، فإنما جازت شهادته، لأنه عدل مسلم، فإن لم يتعلّم القرآن للحال لا يصير فاسقًا.
وأمّا شهادة عمال السلطان، فهي مسألة (الجامع الصغير)، وقد ذكر أنها جائزة، من العلماء من قال: أراد به الأُجراء؛ لأنه لا يختار للإمارة إلا عدل، وشهادة العدل مقبولة، ولأن نفس العمل ليس بجرح، إنما الجرح هو الظلم، فإن العامل إذا كان عدلًا يستحق به ثوابًا عظيمًا، على ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سبعة يظلهم الله تعالى يوم لا ظل إلا ظله»، وذكر فيه إمامًا مقسطًا، وألا ترى أن الكبراء من الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم كانوا عمالًا، ولو كان نفس العمل جرحًا لتنزهوا عن ذلك.
ومنهم من قال: أراد به أعمال الصدقة، وتقبل شهادته إذا كان عدلًا لما بينا أن العمل ليس بجرح، الجرح هو الظلم أو الجور، وروي عن الحسن البصريّ أنه قال: لا تجوز شهادة العاشر؛ لأنه هو الذي يأخذ بغير حق، وزيادة على قدر الحق.
والحاصل: أن العمال إذا كانوا عدولًا ولا يأخذون من الناس بغير حق تقبل شهادتهم، وإن أخذوا بغير حق من الناس، ولم يكونوا عدولًا، فالصحيح من الجواب أنه لا تقبل شهادتهم، وإن كان قد قال بعض المشايخ بقبولها، وجه الصحيح من الجواب: ظاهر وجه من قبلها أن الفسق لا يمنع قبول الشهادة لعينه، بل لمكان تهمة الكذب، فالغالب منهم الترفع عن الكذب.
وذكر الصدر الشهيد حسام الدين في (واقعاته): أن شهادة الرئيس والجاني في السكة أو في البلدة الذي يأخذ الدراهم في الجنايات، والصراف الذين يجمعون الدراهم إليه، ويأخذ طوعًا لا تقبل.
وتجوز شهادة شريك المفاوض لشريكه إذا لم يكن المشهود مشتركًا بينهما، كالحدود والقصاص والنكاح والوصية؛ لأنها شهادة عدل لغيره من كل وجه، وإن كان المشهود به مشتركًا بينهما لم تقبل؛ لأنه يصير شاهدًا لنفسه في البعض، وشهادة الإنسان لنفسه لا تقبل، وإذا لم تقبل شهادته لنفسه في نصيبه لا تقبل لشريكه أيضًا في نصيب شريكه؛ لأن هذه شهادة واحدة، فإذا بطل بعضها بطل كلها.
وشهادة أحد شريكي العنان لشريكه تقبل فيما ليس من شركتهما، وفيما كان من شركتهما لا تقبل، ذكر المسألة على هذا الوجه في كتاب (الأقضية)، وفي (الأصل) يقول: شهادة أحد المتفاوضين لصاحبه لا تقبل إلا في الحدود والقصاص والنكاح؛ لأن ما عدا الحدود والقصاص مشتركة بينهما، فكان شاهدًا لنفسه من وجه، وشهادة الإنسان لنفسه لا تفيد، وشهادة أحد شريكي العنان لصاحبه فيما كان من تجارتهما لا تقبل، وفيما لم يكن من تجارتهما مقبولة، ولم يذكر مثل هذا التفصيل في المفاوضة؛ لأن العنان قد يكون خاصًا وقد يكون عامًا، فأما المفاوضة لا تكون إلا في جميع الأموال، وقد عرف ذلك في كتاب الشركة.
وعلى قياس ما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في كتاب الشركة أن المفاوضة تجوز خاصة يجب أن يكون الجواب في المفاوضة على التفصيل الذي ذكرنا في العنان، وشهادة الأجير المشترك لأستاذه مقبولة، وشهادة أجير الوحد لأستاذه لا تقبل استحسانًا، سواء كان أجير مناوبة أو مشاهرة أو مشابهة، وفي كفالة الأصل: لا يجوز شهادة الأجير لأستاذه، وفي كتاب الديات: تجوز شهادة الأجير لأستاذه، والمراد من المذكور في الديات الأجير المشترك.
والقياس: أن تقبل شهادة أجير الوحد أيضًا؛ لأنه عدل شهد لغيره من كل وجه، فتقبل قياسًا على الأجير المشترك، وقياسًا على شهادة الأستاذ لأجيره، فإنها تقبل، وإن كان أجيرًا خاصًا له، ولا شك أنه شهد لغيره من كل وجه؛ لأنه ليس له فيما شهد لا ملك ولا حق ولا شبهة ملك، ولا شبهة اشتباه بسبب اتصال المنافع، ولهذا جاز للأستاذ وضع الزكاة فيه.
وجه الاستحسان: ما أشار إليه محمد رحمه الله فقال: لما بلغنا في ذلك عن شريح، وبحال الناس التي هم عليها اليوم، أشار إلى أنه إنما ترك القياس لقول شريح، والإجماع المنعقد من أهل زمانه على قول شريح، والإجماع المنعقد على قول واحد من السلف حجة، يترك (بها) القياس ويخص بها الأثر، فإنما ترك القياس في الأجير الوحد لهذا، وبنوع من المعنى: أن الأجير الوحد مملوك للأستاذ من وجه، أعني به منفعة، ألا ترى أنه لا يملك أن يؤاجر نفسه من غيره في مدة الإجارة، فهذا مملوك من وجه شهد لمالكه فلا تقبل، ألا ترى أن شهادة المرأة لزوجها لا تقبل، لأنها مملوكة لزوجها من وجه ملك النكاح، بخلاف الأجير المشترك؛ لأنه غير مملوك للأستاذ منفعة، ألا ترى أن له أن يؤاجر نفسه من غيره في مدة الإجارة، وبخلاف الأستاذ إذا شهد لأجيره؛ لأنه ليس بمملوك لأجيره أصلًا؛ فهذا هو الحرف المعتمد في المسألة.
ومن مشايخنا من يقول: الأجير الوحد يستحق الأجر بتسليم النفس في المدة لا بحقيقة العمل، وحال ما يشهد سلم نفسه إلى المستأجر، فيكون مستحقًا بعض الأجر بإزاء ذلك، فيصير شاهدًا بأجر، فلا تقبل شهادته، بخلاف الأجير المشترك، إلا أن هذا الوجه لا يكاد يصح؛ لأن الأجير الوحد إنما يستحق الأجر بتسليم نفسه إلى المستأجر في مدة الإجارة إذا سلم نفسه للعمل الذي شرط عليه في العقد، أما إذا سلم نفسه في مدة الإجارة لعمل آخر لا يستحق الأجر، ألا ترى أنه إذا أستأجر إنسانًا شهرًا ليرعى غنمًا له، ثم استخدم في الشهر لا يستحق الأجر، وإنما لا يستحق لما قلنا، كذا هاهنا.
وذكر الخصاف في (أدب القاضي) إذا شهد أجير القاتل على المولى أنه عناد عن الدم، ذكر في (المجرد) عن أبي حنيفة رحمه الله: أنه لا يجوز، وفي ديات (الأصل): أنه يجوز، فيجوز أن يكون المراد من المذكور في (المجرد) الأجير الخاص، ومن المذكور في (الديات): الأجير المشترك أن لو كان أجيرًا خاصًا مشاهرة، فلم يرد القاضي شهادته، ولم تظهر عدالته حتى مضى الشهر، ثم عدّل قال: أبطل شهادته كمن شهد لامرأته ثم طلقها قبل أن تعدل، ولو شهد ولم يكن أجيرًا ثم صار أجيرًا قبل أن أقضي أبطل شهادته، فإن لم أبطلها حتى بطلت الإجارة، ثم أعادها جاز، هكذا ذكر في (العيون).
وشهادة أهل الصناعات جائزة إذا كانوا عدولالًا قال بعض العلماء: لا تجوز لكثرة خلافهم وكثرة ما يجري من الأيمان الفاجرة بينهم، وعامة العلماء يقولون: المجوز العدالة وقد وجدت.
قال الخصاف رحمه الله في (أدب القاضي): شهادة بائع الأكفان لا تقبل، قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: عندنا إنما لا تقبل شهادته إذا ابتكر لذلك وترصد لذلك العزل؛ لأنه حينئذٍ يتمنى الموت والطاعون، وأما إذا كان يبيع الثياب هكذا، ويشترى منه الأكفان تجوز شهادتهم، وذكر القاضي الإمام أبو زيد رحمه الله في شرح كتاب الشفعة في أوله: وقد قال بعض مشايخنا: إن شهادة الصكاكين لا تقبل؛ لأنهم يكتبون: هذا ما اشترى فلان من فلان، وقبض المشتري ما اشترى وسلم البائع ما باع، وضمن الدرك، وكذا يكتبون مثل هذه الألفاظ في الإجارة، وإن لم يكن شيء من ذلك منهما، فيكون هذا منهم كذبًا محضًا، ولا فرق بين الكذب بالقول وبين الكذب بالكتابة، فيكونون فسقة، فلا تقبل شهادتهم، والصحيح أنه تقبل شهادتهم إذا كان غالب حالهم الصلاح.
وإذا كان الرجل يبيع الثياب المصورة، أو ينسج الثياب المصورة لا تقبل شهادته، هكذا ذكر في (الأقضية).
وفيه أيضًا: ومن كثر لغوه لا تقبل شهادته: قال عليه السلام: «من كثر كلامه كثر سقطه» فكيف إذا كثر لغوه، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: لا تجوز شهادة أصحاب الحمير، وأراد به النخاسون، وإنما قال ذلك لكثرة ما يكذبون ولأيمانهم الفاجرة، وإن علم من واحد منهم أنه لا يجري منه الكذب واليمين الفاجرة وكان عدلًا قبلت شهادتهم.
وفي مناقب أبي حنيفة رحمه الله أن شهادة البخيل لا تقبل؛ لأنه لبخله يستقضي فيما يقتص من الناس، فيأخذ زيادة على حقه، فلا يكون عدلًا.
قال أبو يوسف رحمه الله: وتجوز شهادة الأقلف إذا كان عدلًا، وهكذا روى الحسن البصري رحمه الله، وهذا لأن قبول الشهادة يعتمد العدالة، والعدالة لا تنعدم بترك الختان إذا كان ترك الختان بعذر، وهذا لأن الختان وإن كان سنة عندنا إلا أن ترك السنة إنما توجب الفسق إذا كان الترك على وجه الإعراض عن السنة، وعندنا: لو ترك الختان على وجه الإعراض عن السنة لا تقبل شهادته، وإنما تقبل شهادته إذا تركه بعذر، قيل: العذر في ذلك الكبر وخوف الهلاك.
ثم لابد من معرفة صفة الختان ووقته، فأما صفته: فقد اختلف العلماء فيه، بعضهم قالوا: إنه فريضة، وقال علماؤنا رحمهم الله: إنه سنة. قال عليه السلام: «الختان للرجال سنة وللنساء مكرمة»، وأراد به سنة إبراهيم عليه السلام، لأنه أول من ختن واختتن.
وأما وقته: فلم يقدر فيه أبو حنيفة رحمه الله في ذلك تقديرًا، لأنه لم ينزل فيه قرآن ولم يدر فيه سنة، ولم ينقل فيه إجماع الصحابة، وطريق معرفة المقادير السماع، فلهذا لم يقدر فيه تقديرًا، والمتأخرون من مشايخنا اختلفوا فيه، بعضهم قالوا: من سبع سنين إلى عشر سنين، وبعضهم قالوا: اليوم السابع من ولادته أو بعد السابع، بعد أن يحتمل الصبي ولا يهلك، لما روي أن الحسن والحسين رضي الله عنهما ختنا يوم السابع أو بعد السابع ولكنه شاذ.
وشهادة الخصي مقبولة، فقد صح أن عمر رضي الله عنه قبل شهادة علقمة الخصي على قدامة بن مظعون؛ ولأن الذي فات عضو من أعضائه، فصار كما لو فات يده أو عينه، وذلك لا يمنع قبول الشهادة، كذا هاهنا.
قال أبو يوسف رحمه الله: وظاهر شهادة من يشتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تقبل) لأنه لو شتم واحدًا من الناس لا تجوز شهادته فهاهنا أولى، وكذلك لا تقبل شهادة قاذف المحصنات؛ لأنه محكوم عليه بالكذب، قال الله تعالى {فإذ لم يأتوا بالشهادة فأولئك عند الله هم الكاذبون} [النور: 13] ثم المتهم بالكذب لا تقبل شهادته، فالمحكوم عليه بالكذب أولى أن لا تقبل، وحكي عن نصر بن يحيى أنه سئل عمن يشتم أهله ومماليكه وأولاده لا تقبل شهادته، قال: إذا كان في كل يوم وكل ساعة، وإن كان أحيانًا تقبل إن شاء الله، قال الفقيه أبو الليث: هذا في شتم دون القذف، فأما القذف فكبيرة فتسقط به العدالة.
وإن كان يتبرأ عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا هوى، وقد بينا حكم شهادة أهل الأهواء، وكان رجل يشتم الناس ويشتمونه، فهذا ماجن ولا شهادة لماجن، ومن سألت عنه، فقالوا: يشتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم أقبل ذلك وأجيز شهادته، ولو قالوا: يتهمه بالفسق والفجور، ويظن ذلك به، ولم يره، قبلت ذلك، ولم أجز شهادته؛ لأنهم إذا اتهموا بالفسق مطلقًا فقد بينوا أنه عندهم غير عدل بوجه، فلم تظهر عدالته بوجهه من الوجوه، بخلاف ما إذا قالوا: يتهمه بشتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن هناك عدلوه فيما سواه، ولم يثبت هذا الجرح بمجرد التهمة، فبقي اعتبار العدالة، ذكر المسألة على هذا الوجه في (الأقضية).
وتجوز شهادة المحدود في الزنا والسرقة وشرب الخمر إذا تابوا، بخلاف المحدود في القذف، فإنه لا تقبل شهادته وإن تاب، والفرق: أن رد شهادة المحدود في القذف من تمام الحد، عرف ذلك بالنص، وأصل الحد لا يرتفع بالتوبة، فكذا ما كان من تمام الحد، وأما رد شهادة هؤلاء ليس من تمام الحد؛ لأن النص لم يرد به، ولا يدخل القياس في الحدود، وإنما رد شهادة هؤلاء لفسقهم وقد زال الفسق بالتوبة.
ولا تجوز شهادة المتهم به ورد الأثر عن رسول الله عليه السلام، ولا تجوز شهادة الفاسق عندنا، وعن أبي يوسف رحمه الله أن الفاسق إن كان ذا مروءة وكان وجيهًا تقبل شهادته؛ لأنه لو جاء بيته لا يتجاسر أحد على استئجاره، ولمروءته لا يرتكب الكذب من غير منفعة له، إلا أن في ظاهر الرواية لم يفصل، بل أطلق الجواب إطلاقًا وهو الأصح؛ لأن في قبول الشهادة والعمل بها إكرام الشهود، والفاسق يستحق الإهانة، ولو قضى قاض بشهادة الفاسق نفذ قضاؤه عندنا، والمسألة مرت في كتاب (أدب القاضي).
ولا تقبل شهادة الأخرس عند علمائنا رحمهم الله، ولا تقبل شهادة الأعمى في شيء من الحقوق في المسموعات والمنقولات عند علمائنا رحمهم الله، وقد صح عن عليّ رضي الله عنه أنه رد شهادة الأعمى، فهذا قد روي عن علي رضي الله عنه، ولم يرو عن أقرانه خلافًا يحل محل الإجماع، ولأنه تحمل الشهادة من وراء الحجاب وأداها من وراء الحجاب، فلا تقبل شهادته قياسًا على البصير إذا تحمل الشهادة وأداها من وراء الحجاب، وإنما لا تقبل ثمة؛ لأنه تتمكن فيها زيادة تهمة لا تتمكن متى عاين المشهود له وعليه؛ لأنه متى لم يعاين إنما يشير إلى المشهود له والمشهود عليه بالسماع والاسم والنسب، وإنه مما لا يقطع الشركة، ومتى عاين حالة التحمل وأشار حالة الأداء ينقطع الشركة، أو لما تمكن زيادة تهمة بالحجاب، وأمكن الاحتراز عنه بأن يتحمل ويؤدي من غير حجاب منع قبول الشهادة، فكذا مما تمكنت زيادة تهمة في شهادة الأعمى يمكن الاحتراز عنها بحبس الشهود وهم البصراء، فإن إشهاد البصراء على الحوادث ممكن من غير حرج.
هذا إذا تحمل الشهادة وهو أعمى وشهد وهو أعمى، فأما إذا تحمل الشهادة وهو بصير، ثم أدى وهو أعمى، هل تقبل شهادته عند علمائنا رحمهم الله؟ أجمعوا على أنه في المنقول لا تقبل؛ لأن الإشارة إلى المنقول شرط لصحة الشهادة، ولا يقوم الوصف مقام الإشارة في المنقول عندهم جميعًا، ولا عبرة لإشارة الأعمى؛ لأنه لا يعاين المشهود به، فصار وجود الإشارة منه والعدم بمنزلة وبدون الإشارة لا تقبل الشهادة في المنقول.
أما إذا كان المشهود به دينًا أو عقارًا اختلفوا فيه، قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: لا تقبل هذه الشهادة، وقال أبو يوسف رحمه الله: تقبل، فأبو يوسف جعل العمى مانعًا صحة التحمل، ولم يجعله مانعًا صحة الأداء، وإنما فعل كذلك؛ لأن الاحتراز عن عمى الشاهد ممكن لصاحب الحق حالة التحمل من غير حرج بإشهاد البصراء، فيكون العمى مانعًا صحة التحمل، وإنه حاجز بين المشهود له وبين المشهود عليه، فأما إذا صح التحمل من البصير، فالاحتراز عن العمى غير ممكن لصاحب الحق، فقام الاسم والنسبة حالة الأداء مقام الإشارة كما في الميت والغائب، وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله احتجا بما روينا من حديث علي رضي الله عنه أنه رد شهادة الأعمى، ولم يفصل ولم يستفسر أنه تحمل وهو بصير أو عمي، فدل أن الحكم لا يختلف.
والمعنى في ذلك أن التحرز عن العمى حالة الأداء ممكن لصاحب الحق من غير حرج، بأن يشهد على حقه جماعة كثيرة من البصراء، حتى إذا عمي البعض يمكنه إثبات الحق بالبعض، ولما أمكنه الاحتراز عنه من غير حرج لم يسقط اعتبار الإشارة إلى المشهود والمشهود عليه، ولم يكتف بالاسم والنسب، كالبصير إذا شهد من وراء الحجاب بالاسم والنسب والإشارة إلى نائب من عليه الحق مقام الإشارة إلى من عليه الحق.
ولو كان بصيرًا وقت التحمل والأداء إلا أنه إذا عمي قبل القضاء، فكذلك الجواب على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: القاضي لا يقضي بشهادته، وعلى قول أبي يوسف: يقضي.
وأجمعوا على أن الشاهد إذا خرس أو ذهب عقله أو ارتد بعد الشهادة قبل القضاء أن القاضي لا يقضي بشهادته، والوجه في ذلك: أن المقصود من الشهادة القضاء بما يمنع الأداء يمنع القضاء، والخرس والردة وذهاب العقل يمنع الأداء بالإجماع، فيمنع القضاء، والعمى بعد التحمل يمنع الأداء عندهما، فيمنع القضاء أيضًا، وعند أبي يوسف رحمه الله: لا يمنع الأداء، فلا يمنع القضاء.
قال مشايخنا: وهذا كله فيما لا يجوز الشهادة عليه بالشهرة والتسامع، أما فيما يجوز الشهادة عليها بالشهرة والتسامع فشهادة الأعمى مقبولة بلا خلاف، واستشهد في كتاب (الأقضية) حجة لأبي حنيفة ومحمد على أبي يوسف بمسألة، فقال: ألا ترى أن الشاهدين لو قالا نشهد أن فلانًا أشهدنا أنه جعل لابنه فلان هذا العبد وهذه الدار، وقد عرفناه يومئذ بوجهه واسمه ونسبه، إلا أنا لا نعرفه الساعة؛ لأنه شيخ أو لأنه قد نبتت لحيته، لم يجز القضاء بشهادتهما، ووجه الاحتجاج: أن في تلك المسألة لم يكتف بالمعرفة وقت التحمل، بل شرط المعرفة وقت الأداء، فكذا هاهنا لا يكتفي بآلة التمييز وقت التحمل، ويشترط وجودها وقت الأداء.
ثم فرق بين شهادة الأعمى وبين شهادة الشهود على غائب لأجل كتاب القاضي، والفرق: أن ثمة الشهود يعرفون المدعى عليه، ويقولون: لو رأيناه عرفناه، ولا يكون ذلك شهادة على من لا يعلمون بوجوب الحق عليه، حتى لو قالوا: لا نعرفه اليوم لا تقبل شهادتهم، فأما الأعمى لا يشهد على من علم بوجوب الحق على الحقيقة، فلا يصح منه أداء الشهادة. وعن أبي حنيفة رحمه الله في رواية: أن المدعي والمدعى عليه إذا كانا معروفين ليس على اسمهما ونسبهما غيرهما تقبل شهادة الأعمى عند بيان الاسم والنسب.
وإذا كان الرجل يجن ساعة ويفيق ساعة، فشهد في حال إفاقته تقبل شهادته، وقدّر شمس الأئمة الحلواني رحمه الله بيومين، وقال: إذا كان جنونه يومين أو أقل من ذلك ثم يفيق هكذا، فشهد في حال إفاقته تقبل شهادته، ذكر في (شرح أدب القاضي) في باب شهادة الأعمى.

.نوع آخَرَ مِن هذا الفصْل:

وتجوز شهادة الرجل لمن أرضعته امرأته؛ لأن الرضاع تأثيره في الحرمة خاصة دون ما سواه من الأحكام، ألا ترى أنه لا يستحق بها النفقة والإرث، وكذلك حكم الشهادة، وحقيقة النفقة في ذلك أنه ليس لأحدهما تأويل ملك، ولا بسوطة يد في مال صاحبه، فلم تكن التهمة في هذه الشهادة فقبلت، كما في شهادة الأجانب.
وكذلك تقبل شهادته لأخيه وأخته، وعمه وعمته، وخاله وخالته من الرضاع والنسب، أما من الرضاع: لأنه لما قبلت شهادته لهؤلاء من الرضاع أولى، وأما من النسب: فلما نبين بعد هذا إن شاء الله تعالى.
ولا تجوز شهادة الوالد لولده، ولا شهادة الولد لوالده، ولا شهادة الزوج لزوجته، ولا شهادة المرأة لزوجها، به ورد الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى: تمكنت التهمة في هذه الشهادات.
بيان تمكن التهمة في شهادة الوالد لولده. إن كان المشهود به مالًا، فلوجهين: أحدهما أن للأب شبهة الملك في مال الولد قال عليه السلام: «أنت ومالك لأبيك» فصار الأب كالشاهد لنفسه، والإنسان متهم فيما شهد لنفسه، وهذه تهمة يمكن الاحتراز عنها بحبس الشهود، بأن يشهد له غير الوالد. والثاني: أن الأب وافر الشفقة على ولده، فيتهم بالميل إليه. وإن كان المشهود به نكاحًا أو قصاصًا فالتهمة من وجه واحد، وهو الوجه الثاني.
بيان تمكن التهمة في شهادة الولد لوالده: إن كان المشهود به مالًا من وجهين: أحدهما: أن منافع الأملاك متصلة بينهما عرفًا وعادة، فصار الشاهد شاهدًا لنفسه من وجه، والثاني: أن الولد وافر الشفقة على والديه، فيتهم بالميل إليه، فإن (كان) المشهود به نكاحًا أو قصاصًا، فالتهمة من وجه واحد، وهو الوجه الثاني.
بيان تمكن التهمة في شهادة الزوج لامرأته، وشهادة المرأة لزوجها من وجهين: أحدهما: أن كل واحد من الزوجين شديد الشفقة على صاحبه، وإليه أشار عز وجل، فقال {وجعل بينكم مودة ورحمة} [الروم: 21] فيتهم كل واحد منهما بالميل إلى صاحبه، كما في الوالدين والمولودين، وهذه تهمة يمكن الاحتراز عنها بحبس الشهود بأن يشهد لكل واحد منهما الأجنبي. والثاني: أن الأملاك بينهما متصلة عرفًا وشرعًا في حق المنافع بسبب الزوجية أيضًا؛ لأنه يمنع وضع كل واحد منهما زكاة ماله عند صاحبه عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد: يمنع الزوج صرف زكاته إلى امرأته إن كان لا يمنع صرف زكاتها إلى الزوج، ويثبت بسبب هذا الاتصال للزوج شبهة الاشتباه في مال امرأته حتى لو وطئ جارية امرأته وقال: ظننت بأنها تحل لي، فإنه لا يحد، كالابن إذا وطئ جارية أبيه، ثبت أن الأملاك بينهما متصلة في حق المنافع نظير الاتصال فيما بين الوالدين والمولودين، لا نظير الاتصال فيما بين الأخوة والأخوات، فمتى قبلنا شهادة كل واحد منهما لصاحبه حصل لكل واحد منهما نوع منفعة في المشهود به مضافًا إلى الشهادة، وهذا يمنع قبول الشهادة.
والدليل عليه: أن يد كل واحد منهما ثابتة في مال صاحبه، فيصير كل واحد منهما شاهدًا لنفسه باليد، ولا يلزم صاحب الدين إذا شهد لغريمه بحبس حقه تقبل شهادته، وإن كان يثبت لنفسه منفعة، فإنه يأخذ المشهود به فيصير ملكًا له؛ لأنا نقول: حصول المنفعة للشاهد فيما شهد به إنما يمنع قبول الشهادة إذا كان حصول المنفعة مضافًا إلى الشهادة، وإذا لم يكن مضافًا إلى الشهادةِ، بل كان مضافًا إلى سبب آخر يحدثه الشاهد بعد الشهادة باختياره، فإنه لا يمنع قبول الشهادة، وفي مسألة الغريم: لا يملك شيئًا من المشهود به بنفس الشهادة، وإنما يملكه أخذ يحدثه بعد الشهادة باختياره، فإن الأخذ في حبس حقه سبب ملك، كقبول الهبة والبيع، وفي مسألتنا: ما يحصل من المنفعة لأحد الزوجين يحصل بنفس الشهادة؛ لأنه يحصل بالزوجيّة والملك، والملك آخرهما وجودًا، فيكون مضافًا إلى الملك الثابت، كما في الوالدين والمولودين ما يحصل من المنفعة يحصل بالولاد والملك، إلا أن الملك آخرهما وجودًا، فكان حصول المنفعة إلى الملك الثابت بالشهادة.
وشهادة الأخ لأخيه مقبولة، والأصل قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] من غير فصل بين القريب والأجنبي، فهو على الكل إلا ما صار مخصوصًا عنه، ولما خص عنه شهادة الوالد والمولودين بالإجماع، وتخصيص الوالدين والمولودين لا يوجب تخصيص الأخ والأخت؛ لأن الظاهر فيما بين الأخوة والأخوات العداوة، دليله: قصة يوسف عليه السلام، وهذا الجواب لا يشكل فيما إذا شهد لأخيه والأب مّيت، إنما يشكل فيما إذا شهد لأخيه والأب حيّ، وينبغي أن لا تقبل شهادته، لأن منافع الأملاك بين أبيه وأخيه متصلة، وإذا شهد لأخيه فكأنه شهد لأبيه، والجواب: شهادة الإنسان لأبيه إنما لا تقبل؛ لأن منافع الأملاك بين الأب وبين الابن متصلة، فكانت الشهادة للأب شهادة لنفسه من وجه، وشهادة الإنسان لنفسه لا تقبل، وأما شهادته لأخيه ليست بشهادة لنفسه أصلًا؛ لأن منافع الأملاك بين الأخوين متباينة لا ينتفع الأخ بمال أخيه لا ابتداءً ولا بواسطة الأب، فلم تكن هذه شهادة لنفسه بوجه ما فقبلت.
وإذا ثبت الكلام في الكلام في الأخ ثبت في الأخت؛ لأنهما سيان في القرابة، وثبت الكلام في سائر القرابات، نحو العمّ والخال والعمة والخالة؛ لأن الأخ أقرب من هؤلاء، فإذا قبلت شهادته للأخ، فلهؤلاء أولى.
ولا تجوز شهادة الرجل لولد ولده وإن سفل، ولا لجده وإن علا، وتجوز شهادته لأم امرأته وابنتها، ولزوج ابنته وامرأة أبيه وأخت امرأته؛ لأن الثابت بينه وبين هؤلاء حرمة المناكحة لا غير، وإنها لا تمنع قبول الشهادة كما في الرضاع، ومن لا تجوز شهادته له لا تجوز شهادته لعبده، ولا لمكاتبه ولا أم ولده ولا المدبّر، ولا تجوز شهادة العبد والمكاتب والمدبر وأم الولد في حقوق العباد عندنا، وكذلك شهادة معتق البعض عند أبي حنيفة؛ لأنه بمنزلة المكاتب ما دام يسعى.

.نوع آخَر من هذا الفصل:

العبد إذا شهد في حادثة، ورد القاضي شهادته، ثم أعتق وأعاد تلك الشهادة قبلت شهادته، وكذلك الصبي والكافر إذا شهدا على مسلم، فرد القاضي شهادتهما، ثم أسلم الكافر وبلغ الصبي، ثم أعاد تلك الشهادة، فإنه تقبل شهادتهما.
فرق بين هذا وبين الفاسق إذا شهد في حادثة ورد القاضي شهادته، ثم زال الفسق بالتوبة، فأعاد تلك الشهادة، فإنه لا تقبل شهادته.
وكذلك الزوج إذا شهد لزوجته وهو حر، والزوجة لزوجها وهي حرة، فرد القاضي شهادتهما، ثم ارتفعت الزوجية فأعاد تلكَ الشهادة لا تقبل شهادته.
ووجه الفرق بينهما: أن رد الشهادة في الفاسق والزوج والزوجة إذا كانا حرين محال على تهمة الكذب، غير محال على كونه غير أهل الشهادة؛ لأن الفاسق أهل للشهادة، والزوج والزوجة كذلك؛ لقيام ولاية كل واحد منهم على نفسه على الكمال، إلا أنه تمكنت في شهادتهم زيادة تهمة بسبب الفسق، أو بسبب وصلة الزوجية، فكان الرد محالًا على تهمة الكذب، وإذا كان الرد محالًا إلى تهمة الكذب صار الشاهد بِرَدِّ القاضي شهادته بتهمة الكذب مكذّبًا من جهة الشرع فيما شهد به، وتكذيب الشرع ينزل منزلة التكذيب من حيث العيان، ولو ثبت الكذب من حيث العيان لا يكون لشهادته عبرة بعد ذلك، فكذلك هذا.
فأما في العبد إن كان عدلًا، فرد الشهادة غير محال له على تهمة الكذب؛ لأنه عدل فيكون محالًا على كونه غير أهل، فلم يصر مكذبًا فيما أخبر من جهة الشرع، وقيل خبره إذا صار من أهل الشهادة بالعتق كما قبل الشهادة، وإن كان العبد فاسقًا فقد تمكن في شهادته عدم الأهلية وتهمة الكذب، فكان الرد محالًا على عدم الأهلية، لا على تهمة الكذب، حتى يتوقف الرد ولا يتأبد، فيكون تقليلًا للرد بقدر الإمكان.
وفي الصبي عدم الأهلية وتمكن تهمة الكذب أيضًا؛ لأنه لا يبالي من الكذب من حيث إنه لا يحرم عليه.
وفي الكافر تمكن تهمة الكذب؛ لأن عداوته مع المسلم أمر ظاهر وتمكن عدم الأهلية؛ لأنه لا ولاية له على المسلم، فأحيل بالرد على عدم الأهلية لا على تهمة الكذب، فلم يصر مكذبًا فيما أخبر من جهة الشرع، فقبل خبرُه إذا صار أهلًا.
النصراني إذا حُدَّ حَد القذف ثم أسلم، فإن شهادته جائزة، والعبد إذا حُدَّ حَد القذف ثم عتق، فإن شهادته جائزة، والفرق: أن رد الشهادة موجب القذف، وإنه من تمام الحد، والنصراني حال ما قذف كانت له شهادة أخرى لم تكن، وأما العبد حال ما قذف لم تكن له شهادة، فتوقف كون القذف هو موجبًا رد الشهادة على حدوث الشهادة.
وإذا تحمل العبد شهادة لمولاه، فلم يؤدها حتى عتق، ثم شهد بها جازت؛ لأن التحمل منه قد صح؛ لأن التحمل بالمعاينة والسماع والرق لا ينافي ذلك، وعند الأداء هو من أهل الشهادة، ولا تهمة في شهادته، فقلنا بقولها وكذلك إذا تحمل أحد الزوجين شهادة لصاحبه، ثم وقعت الفرقة بينهما، وأدى تلك الشهادة جاز لما قلنا.
ولو شهد لصاحبه حال قيام النكاح، فلم يقبل القاضي شهادته ولم يردها حتى وقعت الفرقة بينهما، لم يذكر محمد رحمه الله هذا الفصل في (الأصل)، وعن أبي يوسف أن القاضي لا يقضي بتلك الشهادة إلا أن يعيدها.
وإذا شهد المولى لعبده بشيء أو شهد لمكاتبه، فرد القاضي شهادته ثم أعتقا وأعاد المولى تلك الشهادة لا تقبل شهادته؛ لأن رد الشهادة في هذه الصورة محال على تهمة الكذب، لا على عدم الأهلية، فالمولى أهل للشهادة، والتقريب ما ذكرنا. ولو شهد العبد أو المكاتب لمولاه، ورد القاضي شهادته، ثم عتقا، وأعاد تلك الشهادة تقبل شهادتهما، والمعنى ما ذكرنا.
وفي (المنتقى): إذا أشهد الأعمى على شيء، فشهد به عند القاضي، ورد القاضي شهادته، ثم ذهب العمى، فأشهد المشهود عليه ثانيًا، فشهد بها عند القاضي جاز؛ لأنه إنما رد الأولى؛ لأنه لم تكن شهادة. وإن أشهد على شهادة وهو بصير، فشهد عليها عند القاضي في حالة العمى، فردها القاضي ثم ذهب العمى، فشهد بها ثانية، فعلى قول أبي يوسف: لا تقبل؛ لأنها كانت شهادة قاطعة فردت.
وإذا شهد حران مسلمان بالغان في حق من الحقوق، وكانا يوم أشهدا صغيرين أو كافرين أو عبدين قبلت شهادتهما؛ لأن هؤلاء من أهل التحمل للشهادة؛ لأن مبناها وقت السماع والمعاينة، وهؤلاء من أهله لكنهم ليسوا من أهل الأداء بسبب الرق والكفر والصبا، فإذا زال الرق والكفر والصبا صاروا من أهل الأداء، فتحققت الشهادة عن تحمل صحيح ممن هو من أهل الأداء فقبلت الشهادة، والله أعلم.

.الفصل الرابِع: في الاستماع إلىَ الشُهُود وَصِفَةِ أداء الشَّهَادَة:

ابن سماعة عن أبي يوسف رحمه الله: شاهدان شهدا على رجل بمال، فقبل أن يقضي القاضي بشهادتهما شهد عليهما رجلان أنهما رجعا عن شهادتهما، فإن كان الذي أخبر عن رجوعهما ممن يعرفه القاضي ويعدله وقف في أمرهما، ولم ينفذ شهادتهما، وإذا شهد شاهد على الحق مفسرًا، وشهد الآخر على شهادته لا تقبل، وكذلك إذا شهد الآخر على مثل شهادته؛ لأن مثلها قد يكون صلة، فصَار هذا وما لو قال: أشهد على شهادته سواء، أما إذا قال الآخر: أشهد بمثل ما شهد به الأول، فعند الخصاف لا تقبل شهادة الشهادة؛ لأن قوله أشهد بمثل ما شهد به الأول محتمل: يحتمل أشهد بمثل ما شهد الأول كملًا، ويحتمل بمثل ما شهد به الأول نقصًا، وعند عامة المشايخ: تقبل هذه الشهادة، وكان الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمه الله يقول: إن كان الشاهد الأخير فصيحًا يمكنه أداء الشهادة على وجهها إلا أنه دخله حصر بسبب هيبة مجلس القضاء، أو كان عجميًا غير فصيح، إلا أنه يمكنه بيان الشهادة بلسانه على وجهها لولا حشمة مجلس القضاء، لا يكلف تفسير الشهادة، وإذا شهد بمثل ما شهد به الأول يقبل.
وإن كان الشاهد عجميًا لا يمكنه بيان الشهادة بلسانه أصلًا لا يقبل منه الإجمال، وكان الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي يقول: إن أحس القاضي بخيانة من الشهود لابد وأن يفسر الثاني الشهادة على الوجه الذي شهد به الأول، وإن لم يحس بخيانة لا يكلفه تفسير الشهادة، وإذا شهد بمثل ما شهد به الأول تقبل، قال الصدر الشهيد رحمه الله في (شرح أدب القاضي): وعليه الفتوى، وكان شمس الإسلام الأوزجندي رحمه الله يقول: إنما يقبل الإجمال من الشاهد الآخر إذا قال في شهادته: لهذا المدعي على هذا المدعى عليه، هذه الجملة في (شرح أدب القاضي) للخصاف، في باب القاضي يقضي في المسجد.
وفي هذا الباب أيضًا: إذا كتب شهادة الشاهدين في بياض وقُرِئ عليه ذلك، فقال: أشهد أن لهذا المدعي جميع ما سمى ووصف في هذا الكتاب على هذا المدعى عليه الذي قرئ ووصف في هذا الكتاب في يد هذا المدعى عليه بغير حق وواجب عليه تسليمه إلى هذا المدعي، فهذه شهادة صحيحة، وهذا لأن الشهادة قد تكون طويلة على وجه لا يمكن للشاهد ضبطها وأداؤها على ظهر القلب، لو لم يجز أداؤها عن نسخة أو صك لتعطلت الحقوق، وحكى فتوى شيخ الإسلام شمس الأئمة السرخسي في رجل ادعى دارًا من نسخة أو صك قرأها، فقال الشهود وهم آمنون ما هم جنين كواهي سيد هيم لهذا المدعي على هذا المدعى عليه: إن شهادتهم صحيحة، وسئل شمس الإسلام الأوزجندي عن الشهود إذا قالوا بالفارسية: ما كواهي وهيم كه أين عين مدعي به ملك أين مدعي است، هل تقبل شهادتهم؟ قال: نعم. وقيل: ينبغي أن لا تقبل؛ لأن قوله: ما كواهي دهيم في العرف للاستقبال، وللحال ما كواهي سيد هيم.
وفي (فتاوى المنتقى): سئل عن شهود كان في لفظ شهادة كل واحد منهم: ما كواهي سيد هيم كه فلان جبرآن فلانست، هل يكون هذا بمنزلة قوله: ملك فلا ينست، قال: نعم؛ لأن الناس اعتادوا استعمال كلا اللفظين استعمالًا واحدًا، وكان الإمام ظهير الدين المرغيناني رحمه الله يقول: ينبغي للقاضي أن يستفسرهم أنهم أرادوا به الملك أو غيره، فإن فسروا أخذ بتفسيرهم، وإن لم يفسروا وغابوا أو ماتوا، فالقاضي يقضي بشهادتهم بالملك، وسيأتي بعد هذا من هذا الجنس إن شاء الله تعالى.
وفي (فتاوى أبي الليث) رحمه الله: وإذا وقع البيع بين رجلين بالتعاطي، ووقعت الحاجة إلى الشهادة، فالشهود كيف يشهدون قيل: يشهدون على الأخذ والإعطاء ولا يشهدون على البيع؛ لأنّ التعاطي بيع حكمي، وليس ببيع حقيقي، وقيل: لو شهدوا على البيع يجوز.
شهد الشهود بعين في يد رجل أنه ملك هذا المدعي، ولم يشهدوا أنه في يد المدعى عليه بغير حق، حكي عن الشيخ شمس الأئمة الحلواني أنه قال: لا تقبل هذه الشهادة، وكان الصدر الشهيد رحمه الله يفتي بقبول هذه الشهادة، وهكذا حكى فتوى جماعة من المشايخ، وبعض مشايخنا قالوا: تقبل هذه الشهادة في حق القضايا بالملك، ولا تقبل في حق إيجاب التسليم إلى المدعي، وهو الأشبه والأقرب إلى الصواب؛ لأن وجوب التسليم ينفك عن الملك في الجملة، وهذا القائل يقول: لو سأل القاضي الشاهد، أهو في يد هذا المدعى عليه بغير حق، فقال الشاهد: لا أدري، أنه تقبل الشهادة على الملك؛ لأن القضاء بالملك لا يستدعي كون المدعى عليه مبطلًا في يده لا محالة؛ لجواز أن تكون العين ملكًا لإنسان، وتكون في يد غيره بحق، بأن كان رهنًا أو مستأجرًا أو ما أشبه، وسَيَأتي بعد هذا من هذا الجنس إن شاء الله تعالى.
في (فتاوى النسفي): أدعى على آخر عشرة دراهم، وشهد الشهود أن لهذا المدعي على هذا المدعى عليه مبلغ عشرة دراهم أو بمبلغ عشرة دراهم، لا تقبل الشهادة؛ لأن الشهود شهدوا بخلاف ما ادعاه المدعي؛ لأن المدعي أدعى عشرة دراهم، والشهود شهدوا بمبلغ عشرة دراهم، ومبلغ عشرة دراهم مال سوى الدراهم، يبلغ قيمته دراهم، وقيل: يقبل، وهو الأصح؛ لأن المبلغ عبارة عما ينتهي إليه العدد المذكور.
ولو ادعى بالفارسّية: ده درهم، وشهد الشهود بهذه العبارة أن لهذا المدعي على هذا المدعى عليه: ده دوازده درهم، لا تقبل لمكان الجهالة، وكذلك: إذا ذكر الشهود التاريخ في شهادتهم على هذا الوجه لا تقبل شهادتهم.
وفي فتاوى شمس الإسلام الأوزجندي: إذا شهد الشهود أن هذا العين حق هذا المدعي، ولم يقولوا ملكه قبلت الشهادة؛ لأن الحق مع الملك يستعملان استعمالًا واحدًا، وقيل: لا تقبل، وقيل: ينبغي للقاضي أن يستفسرهم عن الحق أرادوا به الملك أو ما هو حقيقة الحق، ويبنى الأمر على ما فسروا.
وعلى هذا الاختلاف دعوى الحق إذا ادعى أن هذه الدار حقي، ولم يقل: ملكي، هل تصح منه هذه الدعوى؟
وفي (الفتاوى): سئل شداد عن ثلاثة نفر شهدوا في حادثة، ثم قال أحدهم قبل القضاء: أستغفر الله قد كذبت في شهادتي، فسمع القاضي ذلك ولم يعلم أيّهم قال ذلك، فسألهم القاضي بعد ذلك، فقالوا: كلنا على شهادتنا، فالقاضي لا يقضي بشهادتهم، ويقيمهم من عنده حتى ينظر في ذلك، فإن جاء المدعي باثنين في اليوم الثاني يشهدان له بذلك قبلت شهادتهما.
إذا شهد في حادثة قبل الدعوى، ثم أعادها بعد الدعوى قبلت شهادته وإذا شهد الشهود على إقرار رجل بشراء محدود أو ما أشبه ذلك، لابد وأن يذكروا في الشهادة أنه أقر على نفسه، أو يقولوا: أقر بشرائه لنفسه، أو ببيعه بنفسه؛ لأن إقراره كما يكون على نفسه يكون على غيره، وما على غيره لا يكون حجة، فلابد من ذكره.
وإذا شهد الشهود أن هذا العين ملك هذا المدعي، وفي يد هذا المدعى عليه بغير حق، ولم يقولوا: فواجب عليه قصر يده عنه، وتسليمه إلى هذا المدعي. حكي عن شيخ الإسلام أبي الحسن السغديّ أن فيه اختلاف المشايخ، منهم من قال: لابد وأن يقولوا ذلك، يعنى للقضاء بالتسليم؛ لأنه لا يجوز أن يكون الشيء ملك إنسان، ولا يجب على صاحب اليد تسليمه إليه، ويكون معنى قوله: وفي يده بغير حقٍ حقُ الملك، ومنهم من قال: لا حاجة إلى ذكره، وتكون الشهادة مقبولة، ويجبر المدعى عليه على التسليم إذا طلب المدعي ذلك؛ لأن كون العين مملوكة لإنسان تقتضي وجوب التسليم إليه يقتضيه الأصل، إلا لعارض، ولم يثبت العارض كما قالوا، وفي يد هذا المدعى عليه بغير حق، وإن كان التسليم واجبًا يقضيه الملك، كان قولهم: فواجب عليه تسليمه إلى هذا المدعي بيان هذا الحكم، فلا حاجة إلى ذكره، وعليه أدركنا كثيرًا من مشايخ زماننا، قال شيخ الإسلام: هذا، وأنا أفتي أن في تلك الشهادة قصورًا.
ادعى على آخر عشرة أقفزة حنطة دينًا، وذكر جميع شرائطه، وجاء بشهود شهدوا على إقرار المدعى عليه أن هذا المدعي أرسل إليه عشرة أقفزة حنطة لا تقبل هذه الشهادة؛ لأنه بمجرد الإرسال لا يثبت وصول العين إلى المدعي، ألا ترى أنه في العرف والعادة يقال: فلان أرسل إلي كذا، ولكن لم يصل إلي، وبعد أن يثبت الوصول إليه لا تثبت جهة الدينية.
وإذا قال المدعي للقاضي: لا بينة لي، وحلَّف القاضي المدعى عليه بطلب المدعي، ثم جاء المدعي ببينة، روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه يقبل بينته، وعن محمد رحمه الله: لا يقبل بينته لمكان التناقض، وأبو حنيفة رحمه الله يقول: الجمع بين الكلامين ممكن؛ لجواز أنه لم تكن بينة له حال ما قال: لا بينة لي، ثم حدث له بعد ذلك بأن أقر المدعى عليه بعد ذلك بين يدي الشهود بما ادعاه المدعي، فلا يثبت التناقض.
ذكر الخصّاف هذه المسألة على هذا الوجه في (أدب القاضي)، وذكر الطحاوي رحمه الله في (مختصره) أن المدعي إذا قال لا بينة لي، أو قال الشهود: ما لنا شهادة، ثم جاء المدعي بشهود، أو شهد الذين قالوا: لا شهادة لنا، أي: على أصحابنا فيه روايتان، في رواية: لا تقبل لمكان التناقض، وفي رواية: تقبل.
وعلى هذا إذا قال المدعي: كل بينة آتي بها فهم شهود زور، ثم أتى ببينة.
وعلى هذا إذا قال: ليس لي عند فلان شهادة فيما ادعى على هذا، فلما حلفه القاضي جاء بفلان شهد.
وعلى هذا الخلاف إذا قال: ما لي عند فلان وفلان شهادة على هذا ثم ادعى بعد ذلك شهادتهما.
رجل له دعوى في عبد في يدي رجل، وله على ذلك شهود، فقال واحد من الشهود عند القاضي لعبد من عبيد المدعى عليه: هذا العبد ليس هو العبد الذي لفلان فيه الدعوى، ثم المدعي ادعى ذلك العبد بعينه لنفسه، وشهد له ذلك الذي قال تلك المقالة بين يدي القاضي، فقد قيل: يجب أن لا تقبل شهادته لمكان التناقض، وقيل: يجب أن تقبل في إحدى الروايتين على ما ذكره الطحاوي؛ لأنه ليس في كلام الشاهد أكثر من أنه لا شهادة لي في هذا العبد، ومن قال: لا شهادة له في هذه الحادثة، ثم شهد بعد ذلك، ففي قبولها روايتان على ما ذكره الطحاوي، وعلى ما ذكره الخصاف تقبل على قول أبي حنيفة رحمه الله، فهاهنا كذلك.
وفي (فتاوى النسفي) وينبغي للشاهد أن يقول في شهادته: أين عين تلك أين يدعي است وحق ويست، حتى لا يمكن أن يلحق به، وحق وي ني، وكان الشيخ الإمام فخر الإسلام علي البزدوي يقول: إذا قال المدعي فلان جيبر ملك ينست، وحق من، لا يكتفى به، وينبغي أن يقول: وحق ينست، ويقول في قوله: وبدست فلان بنا حق است، وكذلك في نظائره، حتى لا يلتحق به كلمة النفي، قال: الاحتياط في هذا، ولكن هذا الاحتياط في موضع يطالب بالتسليم، وقد ذكرنا جنس هذا قبل هذا.
وفي (فتاوى الفقيه أبي الليث) رحمه الله: إذا ادعى على آخر أنه استهلك دوابًا له عددًا معلومًا، وأقام البينة على ذلك ينبغي أن يبين الشهود الذكر والأنثى وإن لم يثبتوا ذلك، قال الفقيه أبو بكر: أخاف أن يبطل الشهادة، ولا يقضي للمدعي بشيء من دعواه، وإن بينوا الذكور والإناث جازت شهادتهم.
ولا يحتاج إلى ذكر اللون؛ لأنَّ باختلاف اللون لا تختلف المنافع، فلا يصير المشهود به مجهولًا، ولا كذلك الذكورة والأنوثة، قيل اشتراط ذكر الذكورة والأنوثة في هذه الصورة مستقيم، خصوصًا على أصل أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن القضاء بالقيمة عنده بناءٌ على القضاء بملك المستهلك، لما عرف أن حق المالك باق في العين بعد الاستهلاك على أصله، وإنما ينتقل الحق إلى القيمة بقبض القيمة أو بقضاء القاضي، وهذا القائل يقول: مع ذكر الأنوثة والذكورة لابد من ذكر النوع بأن يقولوا فرس أو حمار ونحوه، ولا يكتفى بذكر اسم الدابة؛ لأنها مجهول النوع، ولا يحتاج إلى ذكر اللّون كما في الوكالة، ومن المشايخ من أبى ذكر الذكورة والأنوثة، وقال: المقصود من دعوى الدابة المستهلكة القيمة والمدعي والشهود لا يستغنون عن بيان القيمة، والشهادة على القيمة مقبولة، فلا يشترط بيان الذكورة والأنوثة كما في اللون، ألا ترى أن من أدعى على رجل مالًا مقدرًا، وشهد الشهود له بذلك، فسألهم القاضِي عن السبب، فقالوا: استهلك عليه دابة، فالقاضي يقبل ذلك منهم، وطريقه ما قلنا.
وكذلك الرجلان إذا ادعيا نكاح امرأة معينة وأقاما البيّنة، فالقاضي يقضي لهما بالميراث والقضاء بالنكاح لرجلين على امرأة واحدة متعذر، ولكن طريق القبول أن المقصود من دعوى النكاح بعد الموت دعوى الميراث، ولا تنافي في الميراث، فقضى بالميراث لهما لهذا، والأول أصح.
ووجه الفرق بين هذه المسألة وبين مسألة النكاح: أن دعوى النكاح من كل واحد من المدعيين صحيح، والشهادة من كل فريق صحيحة، إلا أن في حالة الحياة لا يقضي بالنكاح؛ لأن المقصود من النكاح حالة الحياة الحل، وإنه لا يقبل الشركة، فلم يقض بالنكاح حالة الحياة لهذا المعنى، لا لخلل في الدعوى أو الشهادة، أما بعد الموت: المقصود هو الميراث، والقضاء لهما بالميراث ممكن فقضينا، أما في مسألتنا الدعوى لم تصح، وكذلك الشهادة، لأنهم شهدوا بملك المتلف، والمدعي ادعى ملك المتلف، والقاضي يقضي بذلك، ثم القضاء بالقيمة بناء على القضاء بملك المتلف، والقضاء بالمجهول لا يصح، فلا يقضي، وفيما ادعي مقدرًا وشهد الشهود بمال مقدر، وأثبتوا السبب استهلاك الدابة نقول: بأن القاضي لا يقضي بشهادتهم، إنما يقضي إذا أثبتوا صفة الذكورة والأنوثة، وأثبتوا مع ذلك نوع الدابة.
رجل ادعى على غيره أنك أبرأتني عن جميع الدعاوى والخصومات، والمدعى عليه لم يخاصمه بعد، ولم يدع عليه شيئًا، وجاء المدعي بشاهدين شهدا على ما ادعاه، فقد قيل: لا تقبل هذه الشهادة وقد قيل: تقبل، وعلى قياس مسألة ذكرناها في (أدب القاضي) أن المطلوب إذا ادعى عند القاضي: أن الطالب أبرأني عن كل قليل وكثير، وهو اليوم في بلد كذا، وشهودي هاهنا حضور، فاسمع من شهودي واكتب لي إلى قاضي تلك البلدة أن على قول أبي يوسف القاضي لا يسمع من شهوده، ولا يكتب له على ذلك، وعلى قول محمد يسمع ويكتب، يجب أن تكون هذه المسألة على ذلك الخلاف.
ولو قال المدعي في هذه المسألة: خاصمني وجحد الابراء مرة يجب أن تقبل شهادة شهوده بلا خلاف، كما في تلك المسألة.
رجل ادعى عبدًا في يدي رجل أنك بعتني هذا العبد، ونقدتك الثمن، وهو ألف درهم، فجحد البائع البيع وقبض الثمن، فشهد له شاهدان على إقراره بالبيع، وقبض الثمن، وقالا: لا نعرف العبد، ولكنه قال لنا: عبدي زيد، وشهد آخران (أن) هذا العبد اسمه زيد أو شهدا على إقرار البائع أن هذا العبد اسمه زيد، فالبيع لا يتم بهذه الشهادة ويحلف البائع، فإن حلف رد الثمن، وإن نكل لزمه البيع بنكوله، هكذا قال أبو يوسف رحمه الله، فإن شهد شاهدا البيع أنه أقر أنه باعه عبده زيدًا المولود، نسبوه إلى شيء يعرف، من عمل أو صناعة أو حلية، فوافق ذلك هذا العبد، فهذا والأول سواء في القياس، لكني أستحسن إذا نسبوه إلى أمر معروف أن أجيزه، وكذلك الأمة.
وفي (المنتقى): شهد شاهدان أن لهذا في هذه الدار ألف ذراع، فإذا الدار خمسمائة ذراع أو شهدا أن له في هذا القراح عشرة أجربة، فإذا القراح خمسمائة أجربة، فالشهادة باطلة، ولو كان أقر بذلك أخذ المقر له كلها.
وفيه أيضًا: شاهدان شهدا أن شاة هذا دخل غنم هذا، ولم يعرف الشاة لا تقبل شهادتهما، ولو شهدا أنه غصب شاة وأدخلها في غنمه قضيت عليه بالقيمة، ولو شهدا أن داره في دار هذا، ولم يجدوا من أي موضع هي، فالشهادة باطلة. ولو شهدوا أنه غصب داره، وأدخلها في داره قضيت عليه بالقيمة.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن أبي يوسف رحمه الله في ثلاث نفر، لهم على رجل دين بألف درهم، فشهد اثنان منهم على الثالث أنه قد أبرأه من حصته لا يجوز؛ لأنهما يدفعان عن أنفسهما شركته إذا قبضا حصتهما، وهو بمنزلة ما لو قبضا نصيبهما، ثم شهدا أنه قد أبرأه عن نصيبه، وقال محمد رحمه الله: إن كانا قد قبضا نصيبهما، فشهادتهما باطلة، وإن كانا لم يقبضا، فشهادتهما جائزة.
إذا شهدا على رجل أنه أقر أن اسمه عارية في هذا الدين، وهو لفلان، وفلان يدعيه فهو جائز.

.نوع آخر منه:

قال محمد رحمه الله في (الأصل): إذا شهد رجلان أن لهما ولفلان على هذا الرجل ألف درهم، فهذا على وجوه:
الأول: أن ينصا على الشركة، بأن شهدا أن لفلان ولهما على هذا الرجل ألف درهم مشترك بينهم، وفي هذا الوجه لا تقبل شهادتهما أصلًا؛ لأن المشهود به مشترك بينهم، بحيث لا يمكن تمييز نصيب فلان عن نصيبهما، وقد تعذر قبول شهادتهما في نصيبهما، فيمنع قبولهما في نصيب فلان ضرورة.
الثاني: إذا نصا على قطع الشركة، بأن قالا: نشهد أن لفلان على هذا خمسمائة، وجبت بسبب على حدة، ولنا عليه خمسمائة وجبت بسبب على حدة، وفي هذا الوجه تقبل شهادتهما في حق فلان، فهذا ظاهر.
الثالث: إذا أطلقا الشهادة إطلاقًا، وفي هذا الوجه لا تقبل الشهادة أصلًا؛ لأنه يحتمل أن المشهود مشترك بينهم، وعلى هذا التقدير لا تقبل شهادتهما، فلا تقبل بالشك.
وإذا كان لرجل ألف درهم على ثلاثة نفر شهد اثنان منهم أن صاحب الدين أبرأهما وفلانًا عن الألف التي كانت له عليه وعليهما، فإن كان البعض كفلًا عن البعض لا تقبل شهادتهما أصلًا؛ لأنهما يدفعان بهذه الشهادة عن أنفسهما مغرمًا؛ لأن براءة فلان عما عليه، وهو أصل في حقهما يوجب براءتهما، وإن لم يكن البعض كفلًا عن البعض، فإن شهدا أنه أبرأهما وفلانًا بكلمة واحدة لا تقبل شهادتهما أصلًا؛ لأن الشهادة حصلت بكلمة واحدة، وقد بطلت في البعض فيبطل في الباقي ضرورة.
وإن شهدا أنه أبرأهما على حدة، وفلانًا على حدة تقبل شهادتهما في حق فلان، ونظير هذا ما ذكر في كتاب الحدود إذا شهد رجلان أن فلانًا قذف....، وهذه بكلمة واحدة لا تقبل شهادتهما ولو شهدا أنه قذف.... على حدة، وهذا على حدة قبلت شهادتهما في حق هذه، وطريقه ما قلنا.
وفي (المنتقى): إذا شهد رجل وامرأتان أن زوج المرأتين قال لنسائه: أنتن طوالق لم تجز الشهادة على طلاقهما وعلى طلاق غيرهما.
ولو شهد شاهدان أنه أوصى بثلث ماله لفقراء بني تميم، وهما من بني تميم، وهما فقيران جازت الشهادة، ولا يعطيان شيئًا، لأنه لو قسم في بعضهم جاز.
ولو شهدا أنه أوصى بثلث ماله لفقراء أهل بيته وهما فقيران من أهل بيته، أو ولد لهما فقير من أهل بيته لم تجز الشهادة لهما ولا لغيرهما، وإن كانا غنيين ولا ولد لهما فقير جازت الشهادة.
وفي الوصايا لو أوصى بثلث ماله لفقراء جيرانه، فشهد على ذلك رجلان لهما أولاد يحتاجون في جوار الموصي، قال محمد: لا تقبل هذهِ الشهادة أصلالًا أما في حق أولاد الشهود فظاهر، وأما في حق الباقين فلأن الشهادة واحدة.
وفي (وقف هلال): لو وقف على فقراء جيرانه، فشهد على ذلك شاهدان من فقراء جيرانه قبلت شهادتهما، وإذا شهد أهل مسجد على وقفية كراسة على مسجدهم أو على أهل مسجدهم وهم يحصون، حتى يجوز الوقف، هل تقبل شهادتهم؟ ينظر إن كان الشاهد ممن يقرأ أو له ولد يقرأ لا تقبل شهادته، وإن كان ممن لا يقرأ، وليس له ولد يقرأ تقبل شهادته، وهو نظير أهل مدرسة شهدوا على وقف تلك المدرسة، أو أهل محلة شهدوا على وقف تلك المحلة.
وهناك بعض المشايخ فصلوا الجواب تفصيلًا، فقالوا في شهادة أهل المدرسة إن كانوا يأخذون الوظيفة من ذلك الوقف لا تقبل شهادتهم، وإن كانوا لا يأخذون تقبل، وكذلك في أهل المحلة من شهد وهو ممن يأخذ شيئًا من ذلك لا تقبل شهادته؛ لأنه حينئذٍ يكون هذا شهادة جار المغنم، وعلى هذا الشهادة على وقف المكتب وللشاهد صبي في المكتب، أو ليس له صبي في المكتب. وبعض مشايخنا قالوا: يجب أن تقبل الشهادة في هذه المسائل كيف ما كان، لأن كون الفقيه في المدرسة أو كون الداخل في المحلة أو كون الصبيّ في المكتب ليس بأمر لازم، بل ينتقل الفقيه من مدرسة إلى مدرسة، ومن محلة إلى محلة، وينتقل الصبي من مكتب إلى مكتب، ومثل هذا لا يمنع قبول الشهادة، بخلاف ما إذا كان أمرًا لازمًا، وهذا القائل يقول: ولأجل هذا المعنى وقع الفرق بينما إذا شهدا أنه أوصى لفقراء جيرانه على ما ذكره هلال، وفيما إذا شهدا أنه أوصى لفقراء قرابته؛ لأن الجوار ليس بلازم، والقرابة لازمة، ولكن هذا الفرق لا يشكل بما إذا شهدا أنه أوصى لفقراء بني تميم، وهم من فقراء بني تميم، حيث تقبل شهادتهما، وكونهما من بني تميم أمر لازم.
إذا شهدوا أن جميع ما في قرية فلان من الدور والأراضي وغيرهما، التي هي معروفة لفلان ميراث من جهته لفلان ابنه، هذا المدعي لا وارث له غيره، ذكر الصدر الشهيد في (فتاوى الصغرى) أن الشهود إن كانوا يعرفون حدود ذلك جاز، وإن كانوا لا يعرفون لا يجوز؛ لأنهم شهدوا بالمجهول، وقيل: إذا كان الشهود لا يعرفون حدود ذلك لا يحل لهم أداء الشهادة، وإن عرفوا إلا أنهم لم يشهدوا بها، فالقاضي لا يقبل شهادتهم، وهو الأصوب.
إذا ادعى على رجل نقرة جيدة موروثة بوزن معلوم، وشهد الشهود بالنقرة بذلك الوزن، ولم يذكروا صفة الجودة في شهادتهم، ولا صفة الرداءة، فالقاضي يقبل شهادتهم، ويقضي بالنقرة الرديئة بذلك الوزن، هكذا كان يفتي بعض مشايخنا؛ لأنهم شهدوا بأقل مما ادعاه المدعي، وعلى هذا القياس إذا ادعى مقدارًا معلومًا من دقيق غير منخول، وشهد الشهود بالدقيق مطلقًا، وقيل: لا بل بينهما فرق؛ لأن الدقيق مع النخالة متفاوت، بخلاف النقرة الرديئة، ولو أدعى دقيقًا مع النخالة وشهد الشهود بدقيق منخول لا تقبل.

.الفصل الخامس: في شهادة الرجل على فعل من أفعاله أو صفة من صفاته:

يجب أن يعلم بأن شهادة الإنسان على فعل من أفعاله أو صفة من صفاته أو نفي ذلك لا تقبل؛ لأنه شهادة لنفسه، والشهادة لنفسه دعوى، وبالدعوى لا يقطع الحكم، قال ابن سماعة عن محمد: كان أبو حنيفة رحمه الله يجيز شهادة القاسمين على قسمتهما، وكان أبو يوسف رحمه الله لا يجيز ذلك، ثم رجع إلى قول أبي حنيفة رحمه الله، وقال محمد رحمه الله: لا تجوز شهادتهما، وذكر الخصاف قول محمد مع قول أبي حنيفة رحمهما اللهُ، ولم يذكر فيه الاختلاف، قالوا: إن ما ذكره الخصاف آخر قول محمد، فقد رجع إلى قول أبي حنيفة، فأما في ظاهر الرواية، فقول محمد يخالف قولهما في هذه المسألة.
ووجه قول محمد أنهما شهدا على فعل أنفسهما، فلا تقبل شهادتهما، سواء كان فيه منفعة لهما أو لم تكن، كالوكيل بالنكاح إذا شهد بعقده، وكما إذا قال لرجلين: إن كلمهما عبدي فهو حر، فشهدا أنهما كلماه لا تقبل شهادتهما، وإن لم يكن فيه جر منفعة إليهما؛ لأن ما أتيا به دعوى لا شهادة على ما ذكرنا، كذا هذا. كيف وإن هاهنا فيه جر منفعة إليهما؛ لأنه إذا ثبتت قسمتهما يستحقان أجر القاسمين، ولا تقبل شهادة من يجرّ إلى نفسه مغنمًا.
وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله قالا: إن هذه الشهادة قامت لإثبات الملك للغير؛ لأنه لا حق له في المقسوم ولا ملك، وقد خلت عن التهمة لانتفاء سبب التهمة من السبب أو اتصال الملكين، فوجب أن تقبل هذه الشهادة، ولأن الحاجة ماسة إلى قبول شهادتهما، لأنه لا يمكن للقاضي أن يبعث معهما شاهدين عدلين يشهدان على فعلهما، ولو فعل يلحق المؤنة على أصحاب القسمة، فلو لم تقبل شهادتهما لضاق الأمر على الناس، ولأن قاسم القاضي أمين القاضي ونائبه في القسمة، فكان فعله كفعل القاضي، والدليل على أن فعله كفعل القاضي أن القاضي وإن لم يكن مأذونًا في الاستخلاف يملك أن يفوض القسمة إلى غيره، فلولا أن فعله كفعل القاضي، وإلا لما ملك التفويض؛ لأنه ليس للقاضي أن يولي غيره الحكم بدون إذن الإمام، فثبت أن فعله منقول إليه حكمًا، والدليل عليه أنه لا تلحقه العهدة، ولولا أن فعله منقول إلى القاضي حتى كان من القضاء وإلا للحقه العهدة والدليل على أنه من القضاء أن للقاسم أن يجبر الممتنع من القسمة، ولو لم يكن من القضاء لما كان له ولاية الجبر فإنه ليس لغير القاضي ولاية الجبر.
إذا ثبت هذا فنقول: تقريره من وجهين:
أحدهما: أنه لما كان فعله منقولًا إلى القاضي يعتبر فعله بفعل القاضي بنفسه، ثم القاضي إذا تذكر القضاء لرجل، والمقضي عليه ينكر، كان له أن يلزمه القضاء بقوله، فكذلك القاسم يملك أن يثبته بشهادته.
والثاني: أن فعله لما كان منقولًا إلى القاضي لم تكن هذه شهادة على نفسه من حيث التقدير، بل كان على فعل القاضي حكمًا، وشهادتهما على فعل القاضي مسموعة، على أن هذه الشهادة في الحقيقة ما قامت على فعلهما، فإن فعلهما تعيين الأنصباء، فأما ثبوت الملك لكل واحد منهما في نصيبه لقبوله وقبض نصيبه، وذلك فعل أصحاب الأملاك، وشهادة الإنسان على فعل غيره مقبولة.
وقوله إنهما يجران إلى أنفسهما مغنمًا؛ لأنهما يستحقان الأجر بالقسمة، قلنا: إنما تقبل شهادتهما عند أبي حنيفة وأبي يوسف إذا كانا لا يطلبان الأجر، وأما إذا طلبا الأجر لا تقبل شهادتهما، هذا كما قلنا في شهادة الشفيعين على بيع الدار: إنهما إن طلبا الشفعة لا تقبل شهادتهما، وإن كانا لا يطلبان الشفعة تقبل شهادتهما إذا شهدا على القسمة لا غير، ثم قالا بعد ذلك: نحن قسمنا واشتغلا بالتفصيل، فأما إذا شهدا على أنفسهما من الابتداء لا تقبل شهادتهما، ولكن إطلاق ما ذكر في (الكتاب) يدل على أنه تقبل شهادتهما في الأحوال كلها، وأن الصحيح ما ذكر من جواز شهادتهما على الإطلاق على قسمة أنفسهما لما ذكرنا من المعاني.
قال: فإن فرزا الأرض وقوماها ثم عرضا ذلك على القاضي، ثم حضرت الورثة وأقروا بالتحديد والقيمة، فأقرع القاضي بينهم، ثم أجبر عن قسمته فذلك جائز؛ لأن هذه قسمة من القاضي، وإنه بمنزلة القضاء منه، والقاضي إذا قال: قضيت على فلان بكذا قبل قوله بالاتفاق كذا هذا، بخلاف شهادة قاسمي القاضي على قول محمد؛ لأنه ليس بقضاء من القاضي، بل هي شهادة على فعلهما.
وذكر ابن سماعة في (نوادره) عن أبي يوسف: إذا شهد شاهدان أن فلانًا أمرنا أن نبلغ فلانًا أنه قد وكله ببيع عبده وقد أعلمناه، أو أمرنا أن نبلغ امرأته أنه جعل أمرهَا في يدها وبمعناها، وقد طلقت نفسها جازت شهادتهما؛ لأنهما شهدا على فعل المرسل، فالرسول ينقل كلام المرسل فقد شهدا على فعل غيرهما، وقوله: فيقبل شهادتهما، وبمثله لو قالا: نشهد أنه قال لنا خيّرا امرأتي فخيرناها فاختارت نفسها، لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما شهدا على فعل أنفسهما، وهو التخيير، فلا تقبل منهما، لأنه دعوى لا شهادة، بخلاف الأول، فإنهما شهدا على فعل المرسل على ما ذكرنا. وفيه أيضًا: إذا شهدا على فعل المرسل على ما ذكرنا.
وفيه أيضًا: إذا شهدا على رجل بمال أنه قبضه من آخر وهو ينكر، فشهدا على قبضه، وقالا: نحن وزناها عليه، قال إن كانا زعما أن ربّ المال كان حاضرًا جازت شهادتهما، وإن لم يكن حاضرًا عند الوزن لم تقبل شهادتهما، لأنه إذا كان حاضرًا ينقل فعل الوزن إليه، فكان شاهدًا على فعل غيره، فأما إذا كان غائبًا تعذر إضافته إليه، فبقي الفعل مقصورًا عليه، فكان شاهدًا على فعل نفسه، فلا تقبل شهادتهما، فالحاصل أن شهادة الإنسان على فعل نفسه لا تقبل إذا لم يكن ذلك الفعل منتقلًا إلى غيره سواء كان له منفعة في المشهود به أو لم يكن، فإذا كان فعله منقولًا إلى غيره تقبل شهادته عليه.
قال في (المنتقى) على طريق الاستشهاد: ألا ترى أنه لو وزن له الغريم ألف درهم ووضعها، وقال: خذها لك قد وفيتك، فقال المقضي له لرجل: ناولني هذه الدراهم فناوله، ثم شهدا على المقضي له أنه هو الذي دفع الدراهم إليه إن شهادته جائزة، وذكر هلال البصري في (الشروط) أنه لا تقبل شهادة الذي كال في المكيل، وتقبل شهادة الذي ذرع في المذروع.
ووجهه: أن الكيل من القبض؛ لأن للكيل أثرًا في التعيين؛ لأن قدر المبيع إنما يعرف بالكيل، حتى لا يجوز البيع فيما سواه، ألا ترى أنه إذا اشترى صبرة حنطة على أنها كرّ، فوجدها كرين إن الزيادة لا تكون له بل تكون للبائع، والقبض لا يصح ولا يتم بدون التعيين والتقدير، فكان الكيل من جملة القبض، فكانت الشهادة على التعيين شهادة على فعل نفسه، وهو الكيل فلا تقبل، وأما الذرع لا يفيد التعيين والتقدير، ألا ترى أنه إذا اشترى أرضًا على أنها مائة ذراع، فوجدها مائتي ذراع إن الزيادة للمشتري أيضًا، فلم يكن الذرع من القبض في شيء، فكانت هذه شهادة على فعل غيرهما فقبلت.
وفي (المنتقى) رواية بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أن شهادة الكيالين باطلة.
ادعى على آخر أنه أقرضه كر حنطة، وشهد شاهدان بهذا اللفظ: أين كندم بخران ما آورد وماكد أكس بودنم، فقيل: لا تقبل هذه الشهادة؛ لأنهما يشهدان على فعل أنفسهما، وقيل: تقبل؛ لأنهما أضافا الفعل إلى المدعى عليه، حيث قالا: بخران ما آورد حتى لو قالا: ما آورديم بترديك دي بي دستوري دي، لا تقبل هذه الشهادة على قياس مسألة الكيال، وقيل: ينبغي أن يقال: إن قالا: مدعى عليه باما بود تقبل شهادتهما، وإن قالا: بأماني بود لا تقبل على قياس مسألة الوزان.
قال ابن سماعة عن محمد في رجل اشترى من رجل عبدين شراءً صحيحًا أو فاسدًا، فقبضهما المشتري وأعتقهما، ثم اختلف والمشتري في ثمن العبدين في البيع الصحيح، وفي قيمتهما في البيع الفاسد يوم قبضهما، فشهد هذان العبدان على ثمنهما أو على قيمتهما يوم قبضهما المشتري، فإنه لا تقبل شهادتهما.
أما إذا شهدا على قيمتهما، فلأن هذه شهادة على صفتهما؛ لأن القيمة تزداد بزيادة وصف مرغوب وتنقص بنقصانه، فكانت الشهادة على زيادة القيمة شهادة على زيادة وصف مرغوب، وعلى نقصان القيمة شهادة بنقصان الوصف، فكانت هذه الشهادة قائمة لإثبات وصف فيهما، فكانت الشهادة لأنفسهما من حيث الحقيقة، فلا تقبل.
وأما إذا شهدا على ثمنهما، فلأن الثمن تقدير لقيمة المبيع والمماثلة في ثمنه في جميع البياعات لتحقق المعادلة، وذلك بأن لا يزول ملكه عن المبيع إلا ببدل يَعْدِله، وهو قدر قيمته، فالمتعاقدان إذا قدرا شيئًا من الأثمان صار ذلك بمنزلة تسمية القيمة التي هي للعين، وقد ذكرنا أن شهادتهما على قيمتهما غير مقبولة.
وروي عن أبي يوسف أنه يقبل شهادتهما على زيادة الثمن أو نقصانه، ووجهه: أن الشهادة على الثمن شهادة على عقد جرى بين البائع والمشتري أوجب ذلك الثمن على المشتري، وذلك العقد وحكمه ليس بواقع للعبد، لتكون شهادته عليه شهادة على فعله، أو وصفه حتى يصير شاهدًا لنفسه، يوضحه أن وجوبه وصحته يعتمد صحة القسمة في العقد، لا زيادة وصف ولا نقصانه، وقيام العقد بالعاقدين، فكانت شهادة على فعل غيرهما فتقبل.
قال: ولو شهد العبدان بعد العتق أن المشتري وفّى البائع الثمن وهو يجحد ذلك، قبلت شهادتهما لأن هذه الشهادة لغيرهما، وهو المشتري ببراءته عن الثمن بسبب الإيفاء، وليس بينهما ما يمنع قبول الشهادة، فقبلت شهادتهما، قال: أرأيت لو شهدا أن البائع أبرأه عن الثمن ألم يكن جائزًا؟ وهذا إشارة إلى ما قلنا: إن المشهود به برأه المشتري من حيث الحقيقة، والبراءة عسى تكون بالاستيفاء، وعسى تكون بالإبراء، وكيف ما كان فهذه شهادة لغيرهما، وقد استجمع شرائط الجواز، فقبلت.
قال: ولو أن رجلين شهدا أن فلانًا أمرهما أن يزوجا فلانة منه فزوجاها، أو شهدا أنه أمرهما أن يخلعا منه فلانة فخلعا، أو أمرهما أن يشتريا له عبدًا فاشتريا فكل مسألة من هذه المسائل على ثلاثة أوجه: أن يجحد الموكل الأمر والعقد جميعًا، أو يقر بالأمر ويجحد العقد، أو يقر بهما، وكل وجه على وجهين: إما أن يكون الخصم يدعي العقد مع الوكيل في الفصول كلها أو يجحد.
فإن كان الموكل جحد الأمر والعقد جميعًا لا تقبل هذه الشهادة في الفصول كلها؛ لأنها إن كانت شهادة صورة، فهي دعوى معنى؛ لأن الشاهد من يثبت الحق لغيره وهاهنا هما يثبتان الوكالة لأنفسهما، فكانا مدعيين لا شاهدين، فلا تقبل شهادتهما.
فإن كان الآمر يقر بهما، فإن كان الخصم مقرًا بالعقد، فالقاضي يقضي بذلك لا بشهادتهما، بل بتصادقهم، البيع والنكاح والخلع في ذلك على السواء. وإن كان الخصم يجحد العقد، فالقاضي لا يقضي بالبيع والنكاح، ويقضي في الخلع بالطلاق بغير مال لا بشهادتهما، ولكن بإقرار الزوج، وإنما لا يقضي بسائر العقود بشهادتهما؛ لأنهما يثبتان فعل أنفسهما، فكانا شاهدين لأنفسهما.
وإن كان الآمر يقر بالأمر ولكن يجحد العقد، فإن (كان) الخصم مقرًا، فإنه يقضي لأنفسهما في العقود كلها، إلا في النكاح عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن التوكيل ثبت بتصادقهما، والوكيل في هذه العقود إذا قال: فعلت وساعده الخصم، فإنه يثبت العقد وإن جحد الموكل إلا في النكاح، فإنه لا ينفذ إقرار الوكيل على الموكل بالنكاح عند أبي حنيفة رحمه الله من غير تصديق الموكل، ويحتاج فيه إلى إثباته بالبينة، وإذا احتيج إلى البينة لا تقبل شهادة الوكيلين؛ لأنه يثبت فعل نفسه، فكان شاهدًا لنفسه، وعندهما ينفذ إقرار الوكيل على الموكل، وإن كان الخصم جاحدًا لا يقضى بشيء من العقد؛ لأنه إذا كان جاحدًا يحتاج لإثباتهما إلى البينة، وشهادة الوكيلين لا تقبل؛ لأنهما يثبتان فعل أنفسهما.
وإذا شهد رجلان بالمهر لأختهما بسبب تزويجهما وقالا: نشهد أنا زوجنا هذا أختنا بألف درهم، والزوج يجحد النكاح، أو قال كان المهر خمسمائة، لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما شهدا بالمهر لأختهما بسبب تزويجها، فكان السبب مشهودًا به كالمهر، والشهادة على السبب شهادة على فعل نفسه، فلا تقبل. ولو أقر الزوج بالمهر والنكاح وادعى البراءة أو الأداء، فشهدا بذلك للزوج قبلت شهادتهما، لأنه لا تعلق لهذه الأشياء بفعلهما.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن أبي يوسف رحمهما الله: إذا اشترى الرجل عبدين وقبضهما وأعتقهما، وأراد أن يرجع بنقصان عيب قد أنكره البائع، فشهد العبدان أن هذا العيب كان بهما لا تقبل شهادتهما؛ لأن هذه شهادة بإثبات وصف فيهما وهو العيب، أو زوال صفة السلامة، وكيف ما كان لا يثبت بهذه الشهادة؛ لأنهما يشهدان لأنفسهما.
وكذلك لو شهدا لرجل على المشتري أنه كان له نصفهما، فشهادتهما باطلة لوجهين: أحدهما: أنهما يشهدان لأنفسهما، فإنهما يثبتان انتقاض البيع في نصفهما لمكان الاستحقاق، والثاني: أن في قبول شهادتهما ابتداء إبطالها انتهاء؛ لأنا إذا قلنا: شهادتهما أبطلتا الإعتاق عن أنصافهما، فكانا معتقي البعض، ومعتق البعض بمنزلة المكاتب، ولا شهادة للمكاتب. وهذا على قول أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن عنده الإعتاق متجزئ.
وكذلك لو شهدا أن المشتري قد كان وهب نصف كل واحد منهما لرجل قبل أن يعتقهما لم أقبل شهادتهما، لأنا لو قبلنا شهادتهما بطل العتق عن أنصافهما، فكان بمنزلة المكاتب ولا شهادة للمكاتب، فكان في تصحيحها في الابتداء إبطالها في الانتهاء، ولأنهما يريدان إبطال العتق عن بعضه بعد ما كان ثابتًا من طريق الحكم، وقد ذكرنا أن شهادة الإنسان على إثبات صفة لنفسه، أو على نفي صفة عن نفسه لا تقبل.
وكذلك أم ولد الرجل مات عنها أو أعتقها، فشهدت هي وامرأة ورجل أنها كانت بين الميت ورجل آخر لا أقبل شهادتها، ولا أقضي على المستولد بنصف قيمتها ونصف عقرها وهذه المسألة لا تخرّج على الطريقة الأولى في المسألة المتقدمة؛ لأنه ليس في تصحيح هذه الشهادة ابتداء إبطالها انتهاء، فإن أحد الشريكين إذا استولد الجارية المشتركة بينهما ملك نصيب صاحبه بالضمان، فنفذ الاستيلاد عليه حتى تعتق بموته، فلا يكون في قبولها ابتداء إبطالها انتهاء، وإنما تخرج على الطريقة الثانية؛ لأنهما بهذه الشهادة ينفيان ملك المستولد عن نصفهما، والملك صفة، وقد ذكرنا أن شهادة الإنسان على نفي صفة عن نفسه لا تقبل.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن أبي يوسف: قال أبو حنيفة رحمه الله: رجل قال لعبده إن دخلت دار هذين الرجلين أو قال: إن مسست ثوبهما فأنت حر، ففعل العبد ذلك، فجاء الرجلان يشهدان على ذلك، فشهادتهما جائزة، لكن هذه الشهادة قامت على فعل العبد، وهو الدخول والمس، ولا تهمة في شهادتهما للعبد فقبلت، بخلاف ما إذا قال: إن كلمتما عبدي أو مسستما ثوبه فهو حر، فشهدا أنهما فعلا ذلك لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما يشهدان على فعل أنفسهما.
ولو قال لعبده: إن كلمت فلانًا وفلانًا فأنت حر، فشهدا أنه كلمهما لا تقبل شهادتهما، بخلاف ما لو قال له: إن دخلت دارهما، فشهدا على الدخول، حيث تقبل شهادتهما، والفرق: أن شهادتهما بكلامهما شهود بحضورهما؛ لأنه لا يتصور الكلام معهما إلا بحضورهما، ألا ترى أن من حلف لا يكلم فلانًا فكلمه وهو غائب لا يحنث في يمينه، وحضورهما فعلهما، فكانا شاهدين بفعل أنفسهما، فأما شهادتهما بدخوله الدار شهادة بفعل غيرهما؛ لأنه لا تعلق لدخوله الدار بهما، فكانا شاهدين بفعل غيرهما من كل وجه.
وفي شهادات (المنتقى) عن أبي يوسف رحمه الله: رجل قال: إن دخل داري هذه أحد، (فامرأتي طالق)، فشهد ثلاثة نفر أو أربعة نفر أنهم دخلوا، فهذا على وجهين: إن قالوا دخلنا لا يقبل قولهم، ولا يحكم بحرية العبد؛ لأنهم شهدوا على فعل أنفسهم. وإن قال اثنان منهم: دخلنا ودخل هذا الثالث والرابع معنا قبل قولهم، وحكم بحرية العبد؛ لأن قول كل واحد منهم إخبار وشهادة، فيقبل قول كل واحد منهم في حق القضاء بالحرية من حيث إنه شهادة لا من حيث إنه خبر.
وروى الحسن بن زياد فيمن حلف بعتق مماليكه أن لا يستقرض أبدًا شيئًا، فشهد رجلان أنهما أقرضاه لا تقبل شهادتهما، لأنهما يشهدان على فعل أنفسهما، ولهما في هذه الشهادة منفعة، وكل ذلك مانع قبول الشهادة. ولو شهدا أنه طلب ذلك منهما، ولم يقرضاه قبلت شهادتهما؛ لأنهما يشهدان على فعل غيرهما؛ لأن الاستقراض طلب القرض، وإنه فعل المستقرض، ولا منفعة لهما في هذه الشهادة؛ لأنهما قالا: ما أقرضناه.
ولو كان حلف لا يقرض فلانًا وفلانًا شيئًا، فشهدا أنه أقرضهما حنث في يمينه؛ لأنهما يشهدان على فعل غيرهما وهو الإقراض ولا تهمة فيها، فقبلت.
وعن أبي يوسف رحمه الله في رجل ادعى دارًا في يدي رجل وشهد له شاهدان بها، وأنه كان أستأجرهما على بنائه وغير ذلك قبلت شهادتهما. ولو قالا: استأجرنا على هدمها، فهدمناها لم تقبل شهادتهما، وضمن المدعى عليه قيمة البناء؛ لأن في الفصل الثاني يدفعان عن أنفسهما مغرمًا بشهادتهما؛ لأنهما يريدان بذلك إسقاط ضمان لزمهما بالهدم؛ لأن البناء للمدعى عليه، فظاهر اليد وهدم بناء الغير سبب للضمان، وشهادة دافع المغرم لا تقبل، فأما في الفصل الأول لا يدفعان عن أنفسهما مغرمًا، ولا يجران إلى أنفسهما مغنمًا، فقبلت شهادتهما، وعلى هذا يقاس نظائره.

.الفصل السادس: في شهادة الرجل على فعل من أفعال ابنه، وشهادته لأبيه وأمّه:

وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد: إذا شهد ابنا القاضي على كتابه إلى قاض آخر من القضاة، أو على قضائه أو على شهادته وهو مدع أو ميت جاز ذلك.
وفي (المنتقى) رواية إبراهيم عن محمد أنه لا يجوز شهادة الابن على قضاء أبيه وعلى كتابه، كما لا يجوز شهادة الابن على شهادة أبيه. وفي (المنتقى) في باب من لا تجوز شهادته له: رواية الحسن بن مالك عن أبي حنيفة أنه قال: لا تجوز شهادة الولد على قضاء أبيه بأن شهدا أن أباه قضى لفلان بكذا، وتجوز شهادته على شهادة أبيه، قال: وهو قول أبي يوسف رحمه الله: وذكر بعد هذا في هذا الباب أيضًا: لو كان قاضيًا يوم ما شهد الابن على قضائه أنه تجوز شهادته. وفي آخر هذا الباب عن أبي حنيفة أنه لا تجوز شهادة الابن على قضاء أبيه وإن كان الأب قاضيًا يوم الشهادة.
والحاصل: أن شهادتهما على فعل أبيهما فعلًا ملزمًا لا يقبل إذا كان للأب فيها منفعة بالاتفاق، يعني بها المنفعة المطلوبة من الشهادة، وإن لم يكن للأب فيه منفعة، فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لا تقبل شهادتهما، وعن محمد روايتان.
وجه رواية القبول عنه أن شهادة الابن لأبيه إنما تقبل لمكان تهمة الميل، وذلك إنما تحقق فيما للأب فيه منفعة، والمنفعة المطلوبة من الشهادة في هذه الصورة إنما تحصل للمدعي لا للأب، ومنفعة نفاذ القول على الغير وظهور صدقه عند الناس غير معتبرة في إفادة التهمة المانعة من قبول الشهادة، ألا ترى أن الأب إذا شهد مع ابنه في حادثة قبلت شهادتهما، ولولا شهادة الابن لكان لا تقبل شهادة الأب، فالابن بهذه الشهادة يسعى إلى إظهار صدقة، وتنفيذ قوله على الخصم، ولم يمنع ذلك قبول شهادته كذا هاهنا.
وجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف قوله عليه السلام: «لا تقبل شهادة الولد لوالده»، وإذا شهد على فعل والده فقد شهد له بإثبات فعله، ولأنه متهم في هذه الشهادة، لأن للأب فيه منفعة، وهو نفاذ قضائه وظهور صدقه إذا كان يدعى، ومنفعة ظهور الصدق فوق سائر المنافع، وأقوى في إيراث الشبهة وإيقاع التهمة.
ثم إن أبا حنيفة وأبا يوسف فرقا بين شهادتهما على شهادة أبيهما وبين شهادتهما على قضاء أبيهما، والفرق أن الشهادة ليست بملزمة والقضاء ملزم، وقد احتج أبو يوسف على محمد فقال: الابن جزء الأب، فشهادته على فعل أبيه كشهادة الأب على نفسه من حيث الحكم والاعتبار، وشهادة الأب على فعل نفسه لا تقبل، فكذا شهادة الابن على فعله.
ولو قال لعبده إن كلمك فلان فأنت حر، فادعى فلان أنه كلمه العبد، وشهد ابناه بذلك لا تقبل الشهادة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وفي إحدى الروايتين عن محمد تقبل.
وإذا قال لرجلين: إذا دخلتما هذه الدار فعبدي حر فماتا، فشهد ابناهما أن أبويهما قد دخلا الدار فهو على الخلاف الذي ذكرنا، قال: ولو أنكر الأبوان وهما حيان جازت شهادة الابنين على دخولهما بلا خلاف؛ لأنهما صارا مشهودًا عليهما بالدخول عند الجحود، وتلك المنفعة التي صورناها عند دعواهما، وهو ظهور صدقهما، وتنفيذ قولهما لا تتحقق هاهنا، فكانت شهادة على الأب فقبلت، وهذا هو الحكم في كل شيء شهد الابن به يثبت بشهادته فعلًا من أبيه: من نكاح أو طلاق أو بيع أو غير ذلك إنه لا تجوز شهادته إذا كان الأب حيًا يدعي أو ميتًا كان عندهما، وإن كان حيًا وهو ينكر تقبل شهادتهما بلا خلاف؛ لأن مع جحوده لا يمكن أن يجعل هذا شهادة للأب، بل يكون شهادة على الأب.
وإذا شهد ابنا الوكيل على عقد الوكيل، فهو على ثلاثة أوجه، الأول: أن يقر الموكل والوكيل بالأمر والعقد جميعًا، وإنه على وجهين: إن كان الخصم يدعي ذلك كله، فالقاضي يقضي بالعقود كلها، ولكن بتصادقهم لا بالشهادة، وإن كان الخصم ينكر ذلك، فإن على قول أبي حنيفة وأبي يوسف لا تقبل شهادتهما، ولا يقضي بشيء من هذه العقود إلا في الخلع، فإن هناك يقضى بالطلاق بغير مال لإقرار الزوج وهو الموكل.
وعلى قول محمد رحمه الله في إحدى الروايتين: يقضى بالعقود كلها إلا بعقد ترجع الحقوق فيه إلى العاقد، كالبيع وما أشبهه؛ لأن الحقوق إذا كانت ترجع إلى الأب كان للأب فيه منفعة، وكان الشهادة واقعة للأب، فأما كل عقد لا ترجع حقوقه إلى العاقد لا يكون للأب فيه منفعة سوى تنفيذ القول، وهذه المنفعة عند محمد رحمه الله لا تصلح مانعة قبول الشهادة في إحدى الروايتين.
وإن كان الوكيل والموكل يجحدان ذلك كله، فإن كان الخصم يجحد أيضًا لا يلتفت إلى هذه الشهادة، لأنها خلت عن الدعوى. وإن كان الخصم يدعي تقبل شهادتهما عندهم جميعًا، لأنه لا منفعة للأب في هذه الشهادة، بل له فيه ضرر؛ لأنه ثبت كذبه، فكانت شهادة على الأب، والشهادة على الأب مقبولة.
وإن كان الوكيل يقر بكلا الأمرين والموكل يدعي الأمر ويجحد العقد، فإن كان الخصم يدعي ذلك، فإنه يقضي بالعقود كلها إلا في النكاح على قول أبي حنيفة؛ لأن عنده إقرار الوكيل على موكله بالعقود كلها صحيح إلا بالنكاح، فتقع الحاجة إلى إثباته بالبينة، وشهادة ابن الوكيل على ذلك لا تقبل. وعندهما القاضي يقضي بالعقود كلها؛ لأن إقرار الوكيل على الموكل بالعقود كلها صحيح، ولا يحتاج فيه إلى البينة.
وإذا جعل الرجل أمر امرأته بيد أبيها و(..........) أنه طلقها والآمر حي يدعي ذلك، أو ميت لا تقبل شهادتهما عند أبي حنيفة (وأبي) يوسف رحمهما الله، يقول جعل أمر امرأته بيد أجنبي توكيل له بالطلاق، وقد بينا هذه المسألة، ثم جعل موت الموكل بمنزلة ادعائه حال حياته، وعن أبي يوسف أن غيبته بمنزلة موته، ووجه ذلك: أن المانع من القبول وقوع الشهادة للأب، فإذا كان الأب حيًا يدعي، فالشهادة واقعة بإثبات فعله، وإذا كان حيًا وهو يجحد، فالشهادة واقعة عليه. وإذا لم يعرف جحوده بأن مات أو غاب كانت الشهادة واقعة للأب باعتبار الأصل حيث إن فيها إثبات فعله فلا تقبل.
قال محمد رحمه الله في (الجامع): رجلان شهدا أن أباهما طلق أمهما، فإن كان الأب يدعي، فلا حاجة إلى الشهادة؛ لأنه أقر على نفسه بالطلاق، وإن كان الأب يجحد تقبل شهادتهما، لأن الطلاق في حق الأم دائر بين الضرر والنفع، من حيث إن به يحصل لها الخلاص عن حبالة الزوج، ويرتفع عنها قيد النكاح نفع، من حيث إن ثمرات النكاح ومقاصده وحقوقه مشتركة بين الزوجين، والطلاق يبطل ذلك عليها ضرر، وكل منفعة يشوبها ضرر تترجح المنفعة بالدعوى والضرر بالجحود؛ لأن أحدًا لا يجحد ما ينفعه ولا يدعي ما يضره، فإن ادعت الأم الطلاق يرجح النفع فيها على الضرر، فكانت الشهادة واقعة للأم، وإن جحدت ذلك يرجح الضرر على النفع، فكانت الشهادة واقعة على الأم فقبلت.
وفي (فتاوى شمس الإسلام الأوزجندي) رحمه الله أن الأم إذا ادعت الطلاق تقبل شهادتهما، قال: وهو الأصح؛ لأن دعواها لغو، فإن الشهادة على الطلاق تقبل حسبة من غير دعواها، فصار دعواها لغوًا، فجعل وجودها وعدمها بمنزلة، ولو عدم دعواها تقبل شهادتهما فهاهنا كذلك. قال مولانا تغمده الله بالرحمة: وعندي أن ما ذكرنا في (الجامع) أصح.
ولو أن رجلين شهدا أن امرأة أبيهما ارتدت عن الإسلام، والمرأة تنكر ذلك، فإن كانت أمّهما حية وهي في نكاح أبيهما لا تقبل الشهادة ادعى الأب ذلك أو جحد، أما إذا ادعى فلأن هذه الشهادة وقعت للأب، بيانه: أن الأب لما ادعى الردّة عليها، فقد ادعى سقوط جميع الصداق إن لم يكن مدخولًا بها، وسقوط نفقة العدة إن كانت مدخولًا بها، إلا أنه لا يصدق على ذلك إذا لم تصدقه المرأة فهما بهذه الشهادة يثبتان ذلك. وأما إذا كان الأب يجحد، فلأن هذه الشهادة وقعت للأم لخلوص الفراش لها، وهذه منفعة لا يشوبها ضرر فمنعت قبول الشهادة ادعت الأم ذلك أو جحدت.
وإن كانت أمهما ميتة، فإن ادعى الأب ذلك لا تقبل شهادتهما، وإن جحد تقبل؛ لأنه لا منفعة للأمّ في هذه الشهادة، فتعين جانب الأب، وفي جانب الأب يترجح النفع بالدعوى والضرر بالجحود.
وإن شهدا أن أباهما خالع أمهما على صداقها، فإِن ادعى الأب ذلك لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما يشهدان لأبيهما، لأن الطلاق قد وقع بإقرار الأب، بقيت هذه الشهادة لبراءة الأب عن الصداق كلًا أو بعضًا، فلا تقبل. وإن جحد الأب ذلك، فإِن كانت الأم تدعي ذلك لا تقبل شهادتهما، وإِن كانت تجحد تقبل شهادتهما لما ذكرنا.
وإن شهدا أن أباهما خالع امرأته وأنها ميتة، فإن كان الأب يدعي لا تقبل شهادتهما، وإن كان يجحد تقبل شهادتهما.
ولو أن رجلًا تزوج امرأة وطلقها قبل الدخول بها، ثم تزوجها مرة أخرى، فشهد ابناه أنه كان طلقها ثلاثًا في النكاح الأول، وتزوجت ثانيًا قبل أن تتزوج بزوج آخر، فهذه المسألة أيضًا لا تخلو من الوجوه التي ذكرناها من دعوى الأب أو إنكاره، ومن دعوى المرأة أو إنكارها، فإن صدقته المرأة ثبتت الفرقة وسقط جميع المهر بتصادقهما، فوقع الاستغناء عن الشهادة، وإن أنكرت المرأة لا تقبل شهادتهما؛ لأن هذه الشهادة واقعة للأب.
بيانه: أن الحرمة وإِن ثبتت بإقرار الزوج إلا أنه لزمه نصف المهر؛ لأن النكاح صحيح بظاهر الحال، فالفرقة فيه بالطلاق قبل الدخول توجب نصف المهر، فلو قبلنا شهادتهما سقط المهر كله؛ لأن النكاح في المطلقة ثلاثًا لا يوجب المهر، إلا إذا اتصل به الدخول، ولم يوجد الدخول، فكانت هذه شهادة للأب من هذا الوجه، فلم يقبل. وإن أنكر الأب تقبل شهادتهما ادعت المرأة بذلك أو أنكرت؛ لأنه إن كان في هذه الشهادة منفعة الأب لسقوط جميع الصداق، ففيه ضرر له أيضًا بزوال ملك النكاح، وقد بينا أن فيما يدور بين النفع والضرر تعتبر الدعوى والإنكار، وعند الإنكار يترجح جانب الضرر، فكانت شهادة على الأب، وسقط جميع الصداق عنه ضرورة قبول الشهادة على الطلاقات.
ثم في هذه المسائل إنما قلنا: (تقبل) شهادتهما وإن لم يسبق دعوى أحد ما شهدا به؛ لأنه شهادة على تحريم الفرج، وإنه حق الله تعالى، والشهادة في حقوق الله تعالى تقبل حسبة من غير دعوى.
ولو أن أمة لرجل شهد ابناها وهما حران مسلمان أن مولاها أعتقها على ألف درهم، فإن ادعى المولى ذلك، فالعتق واقع بإقراره، فتمحض هذا شهادة على أمهما بالمال فقبلت، وإن أنكر المولى، فإِن ادعت لا تقبل شهادتهما وإِن أنكرت تقبل شهادتهما؛ لأن العتق على مال دار بين الضرر والنفع في زوال الملك والرق عنها والضرر في لزوم المال عليها، فيعتبر جانب النفع عند الدعوى، فتكون الشهادة لها، ويعتبر جانب الضرر عند الإنكار، فتكون شهادة عليها فتقبل، أكثر ما فيه أن هذه الشهادة خلت عن الدعوى، إلا أن الشهادة على عتق الأمة تقبل من غير الدعوى، ومتى ثبت العتق وجب المال؛ لأنه بيع المعتق.
وإِن شهد ابنا المولى بذلك، فإن ادعى المولى لا تقبل؛ لأن العتق يقع بإقراره والشهادة بالمال شهادة لأبيهما، وإن أنكر المولى قبلت شهادتهما؛ لأن العتق دائر بين الضرر والنفع في حق المولى، فيترجح جانب الضرر بالإنكار في حقه، فكان شهادة على الأب.
ولو كان مكان الجارية غلامًا، وقد شهد ابنا المولى بذلك، وأنكر المولى والغلام ذلك لا تقبل شهادتهما عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن هذه شهادة على عتق، وعنده الدعوى من العبد على شرط قبول الشهادة، وعندهما تقبل الشهادة؛ لأن دعوى العبد عندهما ليس بشرط.
ولو شهد رجلان أن أباهما باع هذه الجارية من هذا الرجل، أو قال هذا العبد، فأعتقه المشتري هذا، فإن ادعى الأب ذلك لا تقبل شهادتهما؛ لأن البيع دائر بين الضرر والنفع في حق المولى، لما فيه من زوال ملكه إلى خلف، فيعتبر النفع عند الدعوى، فكانت هذه شهادة لأبيهما، ولكن يعتق العبد؛ لأن البائع مالكه ظاهرًا وقد أضاف المعتق بإقراره إلى من زعمه مالكًا، فنفذ إقراره عليه، والولاء موقوف؛ لأنه تعذر إثباته من جهة المشتري لإنكاره ومن البائع؛ لأنه أقر بالعتق على غيره، ويعتبر قبول الشهادة على الولاء على المشتري؛ لأنه لابد لذلك من إثبات الشراء منه، وفي ذلك نفع للبائع، فلا تقبل شهادة ابنيه في ذلك.
وإِن أنكر الأب وادعت الجارية وأنكر المشتري أيضًا أو هو غائب، فشهادتهما جائزة؛ لأن عند الإنكار يترجح جانب الضرر، فكانت شهادة على أبيهما فقبلت، ولا يقال بأنه قضاء على الغائب بالشراء أو للغائب، أو قضاء بالشراء عند حضرة المشتري من غير دعوى، والبينة في الشراء لا تقبل من غير دعوى الخصم؛ لأنه من حقوق العباد؛ لأنا نقول هذه البينة قامت بعد دعوى صحيحة من خصم، وهي الجارية؛ لأنها ادعت العين من جهة المشتري، ولا يتوصل إلى إثبات العتق لنفسه، فكأن هذه البينة قائمة من خصم على خصم فقبلت وقضي بالشراء؛ لأنه يثبت بيعًا للعتق، ووجب للبائع الثمن على المشتري ضرورة إثبات الشراء.
وفي كتاب (الأقضية): ذكر ابن سماعة عن محمد رحمه الله في رجل ضمن لرجل ما باع فلانًا من شيء، فقال الطالب: قد بايعت فلانًا بيعًا بألف درهم، فجحد الضامن ذلك، فشهد عليه ابناه أنه قد بايعه بيعًا بألف درهم، فإن شهادتهما جائزة؛ لأن هذه شهادة على أبيهما فقبلت، وكذلك إذا جحد الضامن، فشهد ابناه أن فلانًا أمرك أن تضمن عنه وأنك ضمنت عنه لفلان ما باعه من شيء، وقد باعه بيعًا بألف درهم، قال: شهادتهما جائزة، ويؤخذ بالألف ويرجع بها على الذي أمره أن يضمن عليه، فقد جوزت شهادتهما على الضمان وعلى الأمر، حتى قال: يؤخذ بالألف ويرجع بها على الذي أمره أن يضمن عنه.
أما قبول الشهادة على الضمان فظاهر، وأما قبول الشهادة على الأمر ورجوع الأب على الأمر بالضمان مشكل، أما الشهادة على الأمر فوجهين: أحدهما: أن الشهادة في حقوق العبد لا تقبل إلا بعد سابقة الدعوى ولم يوجد؛ لأن الضامن يجحد الأمر والضمان جميعًا، ولا حق للطالب في الأمر ليدعيه، فكيف تقبل هذه الشهادة. والثاني: أن الشهادة على الأمر شهادة لأبيهما؛ لأن فيه منفعة خالصة من غير شوب مضرة، فإنه يرجع بما يؤدي على الأمر والشهادة لأبيهما لا يجوز أن تقبل.
وأما رجوع الأب على الذي عليه الأصل مشكل؛ لأن في زعمه أنه لا رجوع له على الذي عليه الأصل الجواب عنه: أما الأول فنقول هذه شهادة بعدَ دعوى صحيحة من الطالب، فإنه يدعي الضمان بأمر، وهو أحد نوعي الضمان، وقد أثبت ذلك بهذه البينة.
قوله: لا حق للطالب في الأمر، فكيف يعتبر دعواه، قلنا: ليس كذلك، بل للطالب فيه حق، فإنه لو ثبت الأمر بتساهل الكفيل في الأداء لأنه إنما يؤدي بعوض، وإذا لم يثبت الأمر يؤدي بغير عوض، فيتعاسر في المدا فثبت أن له حقًا في الكفالة والأمر جميعًا، فصحت دعواه وقبلت هذه البينة لما قلنا إنهما شهادة على أبيهما.
قوله: بأن الشهادة بالأمر شهادة لأبيهما، فإنه يرجع بما يؤدي على الأمر، قلنا: فيه روايتان، في رواية: لا يرجع به عند الأداء، ووجهه ما ذكرنا في الإشكال، وعلى هذه الرواية يرجع به، ووجه قبول هذه الشهادة أن هذه شهادة على الأب؛ لأن الكفالة بأمر دائر بين الضرر والنفع من حيث إنه يجب عليه الأداء من ماله فيه ضرر، ومن حيث إنه يستوجب الرجوع به على الأصيل فيه نفع، ولكن قد ذكرنا أن المنفعة المجحودة لا عبرة لها، وهي مجحودة هاهنا، فلهذا اعتبرناها شهادة على أبيهما. وقوله: بأن من زعمه أنه ليس له حق الرجوع على الأصيل، فكيف يرجع إليه، قلنا: صار مكذبًا في زعمه، حيث قضى القاضي بخلافه عليه، فلا يعتبر زعمه أصلًا.
قال في كتاب (الحوالة): رجل كفل عن رجل بمال بأمره، فشهد على ذلك ابنا المطلوب الذي عليه الأصل، فهو جائز ويؤاخذ الكفيل بالمال، وإذا أدى يرجع على الذي عليه الأصل، أما جواز شهادتهما في حق الكفيل، فلأنهما أجنبيان عنه غير متهمين في حقه، فقبلت شهادتهما، وأما في حق الأصيل بالرجوع عليه؛ لأنها شهادة على أبيهما، فقبلت.
ولو كان الشهود أبناء الكفيل، فإِن ادعى الكفيل ذلك فقد ثبتت الكفالة بإقراره، فوقع الاستغناء عن الشهادة، وإنما يحتاج إلى الشهادة لإثبات الأمر، وإنه شهادة لأبيهما من حيث إنه يثبت له حق الرجوع على الذي عليه الأصل، فلم تقبل. وإن جحد الكفالة قبلت شهادتهما، لأنها شهادة على أبيهما، فإِن أدى رجع على الأصيل؛ لأن الثابت بشهادتهما أحد نوعي الكفالة، وهو الكفالة بأمر، وقد ثبتت شهادتهما؛ لأنها عليه؛ لأن هذه الكفالة وإن ترددت بين الضرر والنفع في حقه باعتبار حق الرجوع عند الأداء، ولكنها لما كانت مجحودة لم يعتبر النفع، فبقي شهادة على أبيهما فقبلت لهذا. وإذا ثبتت الكفالة والأمر استحق الرجوع لما ذكرنا من الأمثلة.
قال ابن سماعة عن محمد رحمه الله في رجل ادعى أن له على رجل ألف درهم، وضمنها عنه ثلاثة نفر، قال ابن سماعة: وكل واحد منهم كفيل ضامن عن صاحبه بأمره، فأخذ الطالب أحد الضمناء الثلاثة، فشهد عليه ابنا الضامنين الأخيرين أن لهذا الطالب على فلان ألف درهم، وأن أبوينا وهذا ضمنوا عنه لهذا بأمره، وكل واحد منهم ضامن عن صاحبه بأمره، وأبواهما غائبين، فإني أقضي الساعة على هذا الضامن الحاضر بألف درهم، وإذا أدى رجع بها على الذي عليه الأصل؛ لأنه لا تهمة في شهادتهما لا على الحاضر ولا على الأصيل؛ لأنهما أجنبيان عنه لا ينتفعان بشهادتهما بوجه ما، فلا يكونان متهمين فيها، فقبلت شهادتهما ثبت المشهود به، والمشهود به الكفالة بأمره، وإنه يقتضي الرجوع عند الأداء، فإذا أدى رجع بها على الأصيل، وأما شهادتهما على أبويهما بالضمان، فحكمها موقوف؛ لأن الكفالة بأمرهِ مترددة بين النفع والضرر، وإنما يترجح أحدهما على الآخر بالدعوى أو الإنكار، فيوقف إلى حضورهما حتى يُنظر أيقران بذلك أم ينكران؟ فإذا حضرا فإن جحدا ذلك قبلت شهادتهما؛ لأنه يرجح جانب الضرر، فكانت شهادة عليهما وإن ادعيا لم تقبل؛ لأنه ترجح جانب النفع في شهادتهما، فكانت شهادة لأبيهما فلا تقبل، ولكن بقيت الشهادة على الضامن الثالث مقبولة لخلوها عن التهمة، فإن أداها الثالث وأراد أن يرجع على أبوي الشاهدين بحصتهما كان له ذلك؛ لأنهما قد أقرا بالضمان والأمر، وإقرارهما حجة عليهما، فإن رجع عليهما لم يرجعا على الأصيل بشيء إذا جحد الأصيل أن يكونا ضمنا عنه بأمره؛ لأن إقرارهما بالضمان صح؛ لأنه إقرار على أنفسهما، فأما بالأمر فلأنه إقرار على الأصيل، ولا يجوز أن يكون الإقرار حجة على غير المقر، وكذلك إذا ضمنهما الطالب لم يرجعا على الأصيل، ولا على الضامن الثالث إذا جحد الأمر؛ لأن ضمانهما إنما ثبت بالإقرار، وإنه حجة قاصرة، فلا يعدوهما، فلا يثبت الأمر به، والرجوع من حكم الأمر بالضمان.
قال ابن سماعة عن محمد رحمهما الله في رجل اشترى من رجل عبدًا فأعتقه، فاشترى ذلك العبد عبدًا فأعتقه، فاشترى ذلك العبد عبدًا فأعتقه فمات المولى الأسفل، والأوسط والأعلى حيان، فأقام رجل البينة أن الميت عبده، وأراد أخذ تركته، فشهد ابنا المولى الأعلى أن الأوسط اشتراه من فلان وهو يملكه، فأعتقه جازت شهادتهما؛ لأن هذه الشهادة إنما قامت من حيث الحقيقة لإثبات الولاء لمولى أبيهما دون أبيهما فقبلت، أقصى ما في الباب أنه يثبت نسبة الولاء إلى أبيهما إذا ثبت الولاء لمولى أبيهما، ولكن المعتبر في رد الشهادة وقبولها النظر إلى ما وقعت عليه الشهادة دون غيرهما، وباعتباره ما قامت هذه الشهادة لأبيهما فقبلت.
ألا ترى أنه إذا شهدا لأخيه بمال تقبل شهادته، والمشهود به إذا ثبت للأخ ثبت للأب فيه حق بملك، وشهادته لأبيه غير مقبولة، لكن لما كان نفس المشهود به حق الأخ دون الأب تقبل شهادته، وإن كان يفضي إلى إثبات الحق للأب، كذا هذا.
وإن كان المولى الأوسط مات أيضًا ولم يترك وارثًا إلا المولى الأعلى؛ لأن بموت الأوسط أنجز الولاء إلى الأعلى فقد شهدا لأبيهما بالميراث فلا تقبل، ولا تعتبر الدعوى والإنكار من المولى الأعلى؛ لأن هذه شهادة بما ينفعه من كل وجه، وإنما يعتبر الإنكار والدعوى فيما يدور بين الضرر والنفع.
ولو مات المولى الأوسط ثم مات المولى الأسفل، ولم يترك وارثًا إلا ابنتًا له والمولى الأعلى، فادعى رجل أن المولى الأسفل كان عبدًا له، وأقام البينة وادعت الابنة أنه كان حرًا، وأن المولى الأوسط اعتقه وهو يملكه، والمولى الأعلى ينكر ذلك، فشهد ابنا المولى الأعلى أن الأوسط اشتراه من فلان وهو يملكه ثم أعتقه، فإني أجيز شهادتهما وأجعله حرًا من المولى الأوسط، ويكون الميراث بين ابنته والمولى الأعلى نصفان، وإنما شرط إنكار الأب لجواز شهادتهما؛ لأن عند إنكاره تمحض هذه الشهادة للأبنة فوجب قبولها. وإذا قضى بها ثبت الولاء للمولى الأعلى بواسطة الأوسط، فكان الميراث للابنة ونصفه للمولى الأعلى بالعصوبة من جهة الولاء.
واستشهد لهذا برجل شهد عليه ابناه أن هذا ابنه وهو ينكر ذلك، إني أجيز شهادتهما لأن شهادتهما؛ قامت على الأب، وإذا جازت شهادتهما ثبت نسبه منه، فإن مات هذا الابن ورثه منه وإن أنكر ثبوته؛ لأنه صار مكذبًا بقضاء القاضي، فلا يبقى لزعمه عبرة.
وإذا اشترى الرجل عبدًا وقبضه ودفع الثمن، فادعى العبد أن البائع كان اعتقه قبل أن يبيعه منه، وشهد له بذلك ابنا البائع، فإني لا أعجل بعتق العبد حتى يقدم البائع وأسأله؛ لأن فيه منفعة للبائع، من حيث ثبوت الولاء له، ومضرة له، فإنه يسترد الثمن من يده لبطلان البيع، وقد ذكرنا أن شهادة الابن فيما يتردد بين الضرر والنفع يتوقف على إنكار الأب. وإِذا حضر وأنكر العتق قبلت شهادتهما وبطل البيع؛ لأنه ظهر أنه باع الحر، ووجب على البائع رد الثمن؛ لأنه قبضه على جهة الوجوب بحكم البيع، وقد ظهر أنه لم يكن فيرده عليه، وليس لأحد أن يقول: ينبغي أن يقضي القاضي بعتق العبد للحال؛ لأن الحال لا يخلو إما أن يكون البائع مقرًا بالعتق أو كان جاحدًا له، إن كان جاحدًا له كانت البينة مقبولة عليه، فيقضي القاضي عليه بالعتق بالبينة، وإن كان مقرًا فالقاضي يقضي عليه بإقراره، فجواز القضاء بالعتق عليه متيقن؛ لأنا نقول: حكم الإقرار يخالف حكم البينة، فيتوقف القاضي في القضاء بالعتق إلى حضرة البائع ليعلم أنه يقضي بالإقرار أو بالبينة.
قال في كتاب (الأقضية) رجل عليه مال لرجل شهد ابنا المطلوب أن الطالب أبرأ أبانا عنه، أو احتال به على فلان والطالب منكر، فنقول: لا شك أن شهادتهما بالإبراء لا تقبل؛ لأنهما يشهدان للأب، وأما الشهادة بالحوالة، فإن كانت الحوالة بغير أمر لا تقبل؛ لأنهما شهدا بإبراء الأب بغير عوض؛ لأن الحوالة إذا كانت بغير أمر حتى أدى المحتال عليه المال لا يرجع على الأصيل بشيء، وإن كانت الحوالة بأمر، فقد تردد بين أن تكون شهادة لأبيهما وبين (حيث) أن يرجع المحتال عليه عند الأداء إن لم يكن له على المحتال عليه دين، ويسقط دينه عن المحتال عليه إن كان له دين عليه كانت شهادة على أبيهما، فيعتبر فيه الدعوى والإنكار للرد والقبول، هكذا ذكر في كتاب (الأقضية): وعندي أن الشهادة لا تقبل في هذه الصورة ادعى الأب أو جحد، إن ادعى فلأن هذه شهادة للأب، وإن جحد فلأن هذه شهادة خلت عن الدعوى.
ولو كان المال على غير أبيهما، فشهدا أن الطالب احتال به على أبيهما والطالب ينكر، والمطلوب يدعي، إن كانت الحوالة بغير أمر تقبل شهادتهما؛ لأن هذه شهادة على أبيهما، فإنه لا رجوع له عند الأداء، وإن كانت الحوالة بأمر فقد تردد بين أن تكون شهادة لأبيهما أو على أبيهما،فإن ادعى لا تقبل شهادتهما، وإِن أنكر تقبل.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد: رجل باع دارًا ولم يقبضها المشتري حتى جاء شفيع الدار وخاصم فيها، فشهد ابنا البائع أن المشتري قد سلم الدار للشفيع بشفعته، ثم اشتراه منه بالثمن لا تقبل شهادتهما، أما على قول من لا يرى بيع العقار قبل القبض، فلأنهما بهذه الشهادة يدفعان خصومة الشفيع عن أبيهما؛ لأن الخصم في الشفعة قبل قبض البائع، ولهذا كانت العهدة عليه. وكذلك لو شهدا أن الشفيع سلم الشفعة في الدار لا تقبل شهادتهما لما ذكرنا، وهذا إذا دعي الأب ما شهدا به، فأما إذا جحد ما شهدا به تقبل شهادتهما، لأنهما يشهدان على الأب بوجوب تسليم الدار إلى المشتري، فكانت شهادة على أبيهما من هذا الوجه، ولو كان المشتري قبض الدار من البائع، ثم شهد ابنا البائع على تسليم المشتري الدار إلى الشفيع بشفعة لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما بهذه الشهادة يريدان تنفيذ العهدة عن أبيهما، فكانا شاهدين لأبيهما، وسواء ادعى البائع ما شهدا به أو جحد ذلك، لأن تسليم المشتري للدار إلى الشفيع محض منفعة في حق البائع، لا يشوبه ضرر.
وإِن شهدا أن الشفيع سلم الشفعة في الدار للمشتري تقبل الشهادة؛ لأن هذه الشهادة على الأب بتقريب العهدة إليه.
قال في كتاب (الحوالة): رجلان عليهما مال لرجل أحالا به على غريم لهما، وجحد الطالب الحوالة، فشهد على الطالب ابناه أو أبواه أو أمه أو امرأته قبلت شهادتهم؛ لأن هذه شهادة على الطالب بسقوط مطالبته عن الأولين، فلم تتمكن التهمة في شهادتهم فقبلت.
ولو شهد ابنا المطلوبين الأولين، فإن ادعى أبوهما ذلك لا تقبل شهادتهما، وإن جحدا ذلك تقبل شهادتهما؛ لأنها دائرة في حق أبيهما بين النفع، وهو براءتهما وبين الضرر وهو ثقل الدين لو كان لهما على المحتال عليه دين وثبوت حق الرجوع عليهما، ولو لم يكن لهما عليه دين، فتعتبر فيه الدعوى والإنكار. وأما شهادة ابني المحتال عليه إن ادعى ذلك أبوهما لا تقبل شهادتهما؛ لأنه يدور بين النفع في حق أبيّهما وهو سقوط مطالبة المحتالين عنه، والضرر، فهو يوجه مطالبة المحتال له نحوه، فيعتبر فيه الدعوى والإنكار.
وقال محمد رحمه الله في (الجامع): جارية في يدي رجل ادعى رجل أنه اشترى هذه الجارية من فلان بمائة دينار، وأن فلانًا ذلك اشتراها منك بألف درهم، وقبضها قبل أن تبيعها مني، وأنكر الذي في يده الجارية، والمشتري الأول فشهد ابنا الذي في يديه الجارية بذلك قبلت شهادتهما؛ لأنهما شهدا بمعنى اشتمل على النفع والضرر والمنفعة مجحودة فقبلت.
شهادتهما على أبيهما وعلى المشتري الأول بالبيع، وإذا قبلت قضي لصاحب اليد على المشتري الأول بألف درهم، وقضى للمشتري الأول على المشتري الثاني بمائة دينار، وإن كان المولى والمشتري الأول ينكران ذلك بصيرورتهما مكذبين في إنكارهما بالبينة العادلة، وإن كان الذي في يديه الجارية مالك الجارية ظاهرًا وقد أقر بكونها مملوكة للمشتري الأخير، فصح إقراره بذلك ولا يقضي للذي في يديه على المشتري الأول بشيء، لأن الشهادة إن لم تقبل خرجت من البين، بقي إقرار الذي في يديه، وإقرار الإنسان حجة عليه، وليس بحجة على غيره ولا يكون لذي اليد أن يحبس الجارية من المشتري الآخر حتى يستوفي الثمن منه سواء ادعى المشتري الآخر أنه قبض الجارية من المشتري الأول وصدقه صاحب اليد في ذلك، أو لم يدع ذلك؛ لأن حق حبس المبيع من حقوق العقد، فإنما يثبت للبائع، أو لمن قام مقام البائع، وذو اليد لم يبع الجارية من المشتري الآخر، وليس هو قائم مقام البائع فيه، فلهذا لا يكون له ذلك، ولا يكون لذي اليد أن يقبض المائة دينار من المشتري الآخر قضاء بدينه الذي وجب له على المشتري الأول في زعم المشتري الآخر ألف درهم، والواجب للمشتري الأول على المشتري الآخر في زعمه مائة دينار، وعند اختلاف الجنس لو وجد عينها عند من عليه الدين أو عند غيره لا يكون له حق الأخذ، فإذا وجد دينًا عند غيره أولى أن لا يكون له حق الأخذ، ولو كان المشتري الآخر ادعى أنه اشتراها بألف وخمسمائة حتى كان الثمنان من جنس واحد والمشتري الأول يجحد ذلك فالذي في يديه الجارية صدق المشتري الآخر فيما قال، فإن ادعى المشتري الآخر أنه قبض الجارية من المشتري الأول بإذنه وصدقه ذو اليد في ذلك، لا يكون لذي اليد أن يحبس الجارية من المشتري الآخر؛ لما قلنا، ولا يعطيه المشتري الآخر من الثمن شيئًا لما ذكرنا أن ذا اليد لم يبعها منه، ولكنَّ المشتري الآخر إن خلى بين المشتري الأول وبين الثمن حتى صار الثمن ملكًا للمشتري الأول بتصادق ذي اليد والمشتري الآخر، كان لذي اليد أن يأخذه، لأنه ظفر بحبس حقه من مال المشتري الأول، وإن لم يكن خلى لا يؤمر المشتري الآخر بالتخلية؛ لأن الحق في ذلك للمشتري الأول وهو ينكر.
ولو أن المشتري الآخر أقر أنه لم يقبض الجارية من المشتري الأول، ففي القياس الجواب كذلك لا يكون لذي اليد أن يحبس الجارية من المشتري الآخر، وفي الاستحسان: يكون له حق حبس الجارية من المشتري الآخر حتى يستوفي منه ألفًا إن كان المشتري الآخر اشتراها بألف أو بألف وخمسمائة.وجه القياس ما مرّ أن الحبس بالثمن من حقوق العقد، فلا يثبت إلا للعاقد، أو لمن قام مقام العاقد ولم يوجد شيء من ذلك في حق ذي اليد، فلا يكون له حق الحبس كما في المسألة المتقدمة.
وجه الاستحسان: أن صاحب اليد بائع للجارية من المشتري الآخر من وجه، من حيث إن البيع من المشتري الآخر إنما ظهر بتصديق ذي اليد إياه، فيما إذا ادعياه ليس ببائع لها من وجه حيث إنه لم يجر بينهما بيع حقيقة، ولو كان بائعًا لها من كل وجه، ولم يكن المشتري الآخر قبضها منه كان له حبسها من المشتري الآخر حتى يستوفي الثمن منه سواء باعها بدراهم أو بدنانير، ولو لم يكن بائعًا لها منه من كل وجه لم يكن له حق الحبس من المشتري الآخر، سواء باعها بدراهم أو بدنانير، فإذا كان بائعًا لها من وجه دون وجه عملنا بهما، فمن حيث إنه ليس ببائع لها منه من وجه لا يثبت له حق الحبس إذا كان الثمنان من جنسين مختلفين ومن حيث إنه بائع لها من وجه كان له حق الحبس عند اتحاذ جنس الثمنين عملًا بالدليلين بقدر الإمكان، ولو تصادق ذو اليد والمشتري الأول على شراء المشتري الأول وتسليم الجارية إليه إلا أنهما جحدا شراء المشتري الآخر، فأقام المشتري الآخر أننى ذي اليد، فشهدا له قبلت شهادتهما وثبت البيع الثاني، ثم ينظر: إن كان المشتري الآخر ادعى القبض يأخذ العبد، ولا يكون لذي اليد حق الحبس، وإن لم يدع القبض فإن كان الثمنان من جنسين مختلفين فكذلك الجواب وإن كانا من جنس واحد، ففي القياس الجواب كذلك، وفي الاستحسان: له حق الحبس.
وأصل هذه الجملة ما قال محمد رحمه الله في رجل اشترى جارية وقبضها ونقد الثمن، ثم جاء رجل وادعى على المشتري الأول أنه كان اشتراها بكذا قبل شرائه ولم يقبضها ولم ينقد ثمنها وكذبه البائع وصدقه المشتري المعروف: قضى القاضي بالجارية للذي ادعى الشراء أولًا، ثم إن كان الثمن من جنسين مختلفين لم يملك المشتري المعروف حبسها بالثمن، سواء ادعى المجهول أنه قبضها من البائع بإذنه إلا أنه لم ينقد الثمن فكذلك، وإن ادعى أنه لم يكن قبضها ففي القياس: ليس له حق الحبس، وفي الاستحسان: له ذلك والمعنى: ما مر كذا هاهنا.
قال: وإذا شهدا أنه أباهما وكَّل هذا الرجل بقبض ديونه بالكوفة، لا يقبل شهادتهما؛ لأنهما بشهادتهما ينصبان من يقوم بحقوق الأب واستيفائه، فكانا شاهدين لأبيهما فلا تقبل شهادتهما، ولكنَّ هذا إذا كان المطلوب يجحد الوكالة، فأما إذا أقر المطلوب بها جازت الشهادة.
فرق بين هذه المسألة وبين مسألة ذكرها في كتاب الوكالة: أن من وَكَّل رجلًا بالخصومة في دار بعينها وقبضها وغاب، فشهد ابنا الوكيل أن أباهما وَكَّل هذا الرجل بالخصومة في هذه الدار وقبضها: لا يقبل شهادتهما، سواء جحد المطلوب الوكالة أو أقر بها.
ووجه الفرق أن في مسألة الدين المطلوب إذا كان مقرًا بوكالته يجبر على دفع المال بإقراره بدون الشهادة، فإنما قامت الشهادة لإبراء المطلوب عند الدفع إلى الوكيل إذا حضر الطالب وأنكر الوكالة، فكانت هذه شهادة على أبيهما، وشهادة الانسان على أبيه مقبولة، أما في مسألة كتاب الوكالة: المطلوب وإن كان مقرًا لا يجبر على دفع الدار إلى الوكيل بحكم إقراره، وإنما يجبر عليه بالشهادة، فكانت هذه الشهادة واقعة لأبيهما فلا يقبل.
أصل هذه المسألة: أن من جاء إلى مديون رجل وقال: أنا وكيل فلان بقبض الدين منك وصدقه المديون بذلك يؤمر بتسليم الدين إليه، وإن قال لآخر: أنا وكيلُ فلان بقبض الوديعة منك لا يجبر على الدفع إليه وإن صدقه في ذلك لأن المديون مقر على نفسه، لأنه مقرٌ بحق القبض له في ملكه، فكان إقرارًا على نفسه فصح، وفي الوديعة إنما يقر بحق قبض ملك الغير وإقراره على غيره لا يصح.
وروي عن أبي يوسف رحمه الله: أن في الوديعة أيضا يجبر المودع على الدفع إلى الوكيل؛ لأنه يقر على نفسه بأن الوكيل أولى منه بقبض العين، وأنه ضامن لهذا العين إذا منعه عن الوكيل، فكان مقرًا على نفسه فيصح إقراره عليه، فعلى قياس هذه الرواية: يجب أن يكون الجواب في الوكالة بالخصومة في الدار وفي الدين سواء، هذا إذا كان الموكل هو الطالب، فإن كان الموكل هو المطلوب وقد ادعى الطالب في داره دعوى فشهد ابنا المطلوب أن أباهما وكل هذا الرجل بخصومة، فإن كان الوكيل يجحد الوكالة لا تقبل هذه الشهادة، لأن هذه شهادة خلت عن الدعوى، وبدون الدعوى لا تقبل الشهادة في حقوق العباد، وإن كان الوكيل يدعي الوكالة لا تقبل شهادتهما أيضا، أقر الطالب بالوكالة أو جحدها؛ لأن هذه بينة قامت على غير الخصم، لأن الطالب لا يكون مجبرًا على الدعوى، وإن كان هو وكيلًا عن المطلوب كما لا يجبر عند حضرة المطلوب، فلم يكن خصمًا في حق إثبات الوكالة، والبينة لا تقبلُ إلا على خصم، ولأنهما بهذه الشهادة ينصبان نائبًا عن أبيهما، لأن بإقرار الطالب لا تثبت وكالة الوكيل، وإنما تثبت بالشهادة، فهما ينصبان بشهادتهما نائبًا عن أبيهما ليخاصم عنه ويقيم حجة الدفع حتى يستقر ملك ابيهما فيما وقعت فيه الخصومة، فكانا شاهدين لأبيهما، فلا تقبل شهادتهما.
وإن شهد ابنا المطلوب على أن فلانا وكّل هذا الرجل بالخصومة مع أبيهما في هذه الدار والطالب غائب، فإن جحد الأب الوكالة قبلت هذه الشهادة، لأنه شهادة على أبيهما، لأنه يستحق الجواب عن الخصومة عليه بدعواه، والشهادة على أبيهما مقبولة. وإن أقر الأب بالوكالة لا تقبل شهادتهما، لأن هذه شهادة خلت عن الدعوى، فإن الوكيل لا يجبر على الدعوى كالموكل، فلا يدعي المطلوب بهذه الوكالة شيئا يلزم الوكيل فلم يصح الدعوى.
وذكر ابن سماعه في (نوادره) عن أبي يوسف رحمه الله: لو أن رجلًا ادعى على غائب دعوى زعم أن هذا الرجل وكيله في الخصومة، فشهد ابنا الغائب أن أباهما وكل هذا الرجل بالخصومة مع المدعي إن كان الوكيل منكرًا للوكالة فشهادتهما جائزة، لأن هذه شهادة على أبيهما، لأن الدعوى وقعت على الأب.
بيانه: أن المدعي بإثبات وكالة الحاضر يريد إلزام الحق على الغائب؛ لأنه يتضرر به من حيث يلزمه الحق عند إقامة البينة على الوكيل في غير حضرته، والشهادة على أبيهما مقبولة، فهو معنى قولنا: إن الدعوى وقعت على الأب، فكانت الشهادة واقعة على الأب، وإن كان الوكيل يدعي الوكالة والطالب يجحد لا تقبل شهادتهما، لأن هذه شهادةٌ قامت لأبيهما بإثبات من يخاصم عنه ويدفع عنه ويقيم حجة الدفع فلا تقبل.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: إذا شهد شاهدان أن فلانًا وكّل أباهما ببيع هذا العبد، فباعه من رجل والمشتري يجحد والأب يدعي لم أقبل شهادتهما، وإن جحد الأب البيع وادعاه المشتري قبلت شهادتهما، لأن البيع دائر بين الضرر والنفع، لأنه يثبت حقوقًا له وحقوقًا عليه، فيعتبر فيه الدعوى والإنكار.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد رحمه الله في رجلين شهدا أن الميت أوصى إلى أبينا وورثة الميت يقرون بذلك أو ينكرون، فإن كان أبوهما يدعي الوصاية لا تقبل شهادتهما، وإن جحد الوصاية قبلت شهادتهما؛ لأن الوصاية تتضمن أحكامًا على الوصي والموصى، لأنها تفيد ولاية التصرف في مال الميت وإنها للوصي وتفيد رجوع العهدة إليه ولزوم أمر المدعى عليه من يتعمد وصاياه وقضاء ديونه، ويوجه المطالبة بتلك الحقوق عليه ومن هذا الوجه عليه، فيعتبر قيمة الدعوى والإنكار.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد رحمه الله قال: وقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا شهد ابنا الميت أو رجلان أوصى لهما الميت بوصية أو رجلان للميت عليهما دين أو رجلان لهما على الميت دين أن الميت أوصى إلى هذا الرجل، والموصى إليه يدعي الوصية، فالشهادة جائزة.
يجب أن تعلم جنس هذه المسائل خمسة أقسام: الغريمان اللذان للميت عليهما دين إذا شهدا بالوصاية أو الوصية أو الوارث إن كان الخصم جاحدًا لا تقبل شهادتهما، إما لأن هذه الشهادة خلت عن الدعوى في حقوق العباد، وإما لأنهما يثبتان لأنفسهما من يحصل لهما البراءة لأداء الدين إليه، فكانا متهمين في هذه الشهادة، فلا تقبل شهادتهما، وإن كان الخصم يدعي ذلك قبلت شهادتهما سواء كان الموت ظاهرًا أو لم يكن، أما إذا كان الموت ظاهرًا فلأنه زال ملك الموت بالموت وانتقل إلى الوارث، فقد أقر بهذه الشهادة أن حق القبض لهذا المدعي بحكم الوصاية أو الوراثة، فصح إقراره على نفسه، وأما إذا كان الموت غير ظاهر، فلأنهما يقولان: إن رب الدين قد مات، فإن الدين الذي علينا حقك وإن ولاية الاستيفاء لك، وهذا إقرار منهما على أنفسهما لأن الدين إنما يقضى من مال المديون، فصح إقراره بما عليه، فإذا استوفى منهما، فإن ظهر أنه ميت فقد تم الاستيفاء، وإن ظهر أنه حي استرد ما دفع إليه.
وأما الغريمان اللذان لهما على الميت دين إذا شهدا بالوراثة والوصاية أو الوصية، فان كان الموت غير ظاهر لا تقبل شهادتهما لأنهما يريدان إثبات الموت ليحل الدين في التركة، وفي ذلك نفع لهما فلا تقبل شهادتهما، فإن كان الموت ظاهرًا فإن كان المشهود له لا يدعي، فكذلك لا تقبل شهادتهما؛ لأن الشهادة في حقوق العباد بدون سابقة الدعوى، ولأنهما يثبتان خليفة للميت يمكنهما مطالبته بإيفاء الدين، ولهما فيه منفعة ظاهرة، ولا تقبل شهادتهما لما ذكرنا من تمكن التهمة في شهادتهما؛ لأنهما ينصبان لأنفسهما بهذه الشهادة خصمًا يطالبانه بإيفاء الدين.
وفي الاستحسان: تقبل شهادتهما؛ لأن الموت إذا كان ظاهرًا كان للقاضي ولاية نصب الوصي ليقوم بما هو من حقوق الميت نحو قضاء الديون وتنفيذ الوصايا وما أشبه ذلك، إلا أن القاضي يحتاج إلى التعيين، فمتى شهدا بوصايته فقد كفياه مؤنة التعيين، فتقبل شهادتهما، وبه ظهر انتفاء التهمة عن شهادتهما من هذا الوجه، بخلاف ما إذا كان الموصى لا يدعي ذلك؛ لأنه ليس للقاضي ولاية نصب الإنسان وصيًا على كره منه؛ فإذا كان لا يدعي الإيصاء لو قضى القاضي عليه إنما يقضي بشهادتهما، فيحصل المنفعة للشاهدين بشهادتهما على ما مر، وأما الوارثان إذا شهد للموصى إليه وكان الموت غير ظاهر لا يقبل شهادتهما سواء كان المشهود له طالبًا بذلك أو كان جاحدًا؛ لأنهما يثبتان لأنفسهما وجوب الميراث بالموت وينصبان لأنفسهما من يقوم بحقوقهما، وعلى التصرف لهما فقد جرّا إلى أنفسهما مغنمًا فلا تقبل شهادتهما، وإن كان الموت ظاهرًا وكان المشهود له مخالفًا لذلك يقبل ذلك استحسانًا لما مر: أن للقاضي ولاية نصب الوصي، لكنه يحتاج إلى التعيين فقد تحملا عنه مؤنة التعيين فيقبل شهادتهما، بخلاف ما إذا شهدا بالوكالة حالة حياة الأب، إذ ليس للقاضي أن ينصب عنه وكيلًا في حياته، فلو نصبه نصبه بشهادتهما وهما يشهدان لأبيهما، وبخلاف ما إذا لم يكن ظاهرًا، فليس للقاضي أن ينصب عنه وصيًا، فلو نصبه، نصبه بشهادتهما، وهما يشهدان لأبيهما فلا تقبل شهادتهما، وأما الموصى إليهما إذا شهدا لوصي آخر معهما، فإن كان الموت غير ظاهر لا تقبل الشهادة؛ لأنهما يثبتان حلول الوصاية بالموت ويثبتان عونًا معهما فلا تقبل شهادتهما، وإن كان الموت ظاهرًا وكان المشهود له طالبًا لذلك تقبل شهادتهما استحسانًا، لأنهما يثبتان بشهادتهما، إلا ما كان للقاضي أن يفعله بدون شهادتهما، وهو نصب الوصي إذا أحس بخلل، وإذا ذكروا وصاية آخر فقد نسبوا أنفسهم إلى العجز، حيث لم يكتف الميت بهما وصيًا، فيقبل شهادتهما.
وأما الموصى لهما إذا شهدا بالموصى إليه، فهو على الأقسام التي ذكرناها، فإن كان الموت ظاهرًا، والمشهود له يطلب ذلك قبلت بشهادتهما، وإن كان الموت غير ظاهر لا تقبل شهادتهما، لأنهما شهدا بحلول حقهما بالموت وأثبتا للميت ما يمكنهما من مطالبته بالوصية، فكانا متهمين فيه فلا يقبل. وإن كان المشهود له طالبًا لذلك لا تقبل شهادتهما في الفصول كلها، لانعدام الشهادة فيما هو حقوق العباد.

.الفصل السابع: فيما يجوز من الشهادات وما لا يجوز:

قال محمد رحمه الله: رجلان في أيديهما مال وديعة لرجل، فادعاه رجل فشهد المودعان بذلك جازت شهادتهما. وروي عن أبي يوسف رحمه الله أنه لا تجوز شهادتهما؛ لأن بقبول الوديعة صارا مقرَّين بالملك للمودع، فكانا متناقضين في أن هذا العين ملك المدعي، فيطلب شهادتهما لمكان التناقض. وجه ظاهر الرواية أن هذه شهادة خلت عن التهمة؛ لأنها شهادة للغير من كل وجه، وليس فيهما جرُّ منفعة إلى الشاهد، ولا دفع مغرم عنه، وشهادة العدل إذا خلت عن التهمة، فالأصل فيها القبول، وما يقول بأن بقبول الوديعة صار مقرًا بالملك للمودع هذا ممنوع؛ فإن الإيداع كما يكون من المالك يكون من نائب المالك، فلم تنتف جهة النيابة هاهنا إذ لم يمكن للمودعين أن يقولا: قبلنا الوديعة من فلان، إلا أنه كان نائبا عن هذا المدعي في الإيداع، ومهما أمكن التوفيق لا يحمل على وجه التناقض، ولئن سلمنا أن قبول الوديعة إقرارٌ بالملك للمودع لكن هذا ليس بإقرار مفصح به، بل هو إقرار في ضمن الوديعة، وقد يطلب الوديعة بهذه الشهادة، فيبطل ما ثبت في ضمنه، ولو أن المدعي أقام شاهدين سوى هذين المودعين، ثم شهد المودعان على إقرار المدعي أن هذا العين للمودع لا تقبل شهادتهما، سواء كانت الوديعة قائمة أو مستهلكة إن كانت قائمة؛ لأنهما بهذه الشهادة يجران إلى أنفسهما مغنمًا وهو.... يدهما على هذا المال وإن كانت مستهلكة لأنهما يدفعان بهذه الشهادة عن أنفسهما مغرمًا، لأنه ظهر أنهما كانا مودعا الغاصب والمودع الغاصب ضامن، فهما بهذه الشهادة يبرآن أنفسهما عن الضمان بخلاف المسألة الأولى، لأن هناك المودعان بشهادتهما يبطلان يد أنفسهما إن كانت الوديعة قائمة، ويوجبان الضمان على أنفسهما إن كانت الوديعة مستهلكةً، ولو أنهما كانا ردا الوديعة على المودع ثم شهدا على إقرار المودع أن الوديعة خرجت عن أيديهما بالرد ولا يبرآن ذمتهما عن الضمان لبراءتها عن الضمان بالرد، لأن مودع الغاصب يبرأ بالرد على الغاصب.
وفي (المنتقى) وإذا شهد المودع أن الذي أودعه أقر أنه عبد جازت شهادته، وكذلك الجارية؛ لأنه لم يشهد على الوديعة والعارية بعينها، ولو شهدا أن الذي استودعها أو أعارها باعها من هذا المدعي لم تجز شهادتهما، لأنه يبطل سبيل رب الوديعة عليه، حتى لا يجوز دفعها إليه، وفيما إذا شهدا على إقرار المودع أنه عبد ما أبطلا سبيله: لأن العبد يأخذها ويبرأ بالدفع إليه، وإذا كان العبد وديعة في يدي الرجلين شهدا أن المولى كاتبه أو دبّره أو أعتقه والعبد يدعي ذلك جاز، ولا يشبه هذا البيع؛ لأن العتق خروج عن ملك إلى غير ملك.
قال في (الجامع): رجلان ارتهنا من رجل غلامًا بألف درهم لهما عليهما، ثم ادعى رجل أن الرهن له، وشهد له المرتهنان بذلك جازت شهادتهما؛ لأنهما لم يشهدا لأنفسهما، بل شهدا على أنفسهما بإبطال اليد والحبس، ولم يصيرا متناقضين أيضًا؛ لأن قبول الرهن لا يكون إقرارًا بالملك للأمن، لأن الرهن كما يكون من المالك يكون من غير المالك، بأن يستعير رجل من آخر عينًا ليرهن بالدين.
ولو شهد المرتهنان على إقرار المدعي أن العبد للراهنين والعبد قائم في يده أو هلك، لا يقبل شهادتهما؛ لأنهما يدفعان عن أنفسهما مغرمًا، وهو: الضمان إن كان قد هلك، ويجران إلى أنفسهما مغنمًا وهو تقرير اليد التي هي حقهما، وإن كانا قد ردا الرهن إلى الراهن تقبل شهادتهما، ولو أنكر المرتهنان ما ادعاه المدعي وشهد به الراهنان لا تقبل شهادتهما على المرتهنين، لأنهما بعقد الرهن أوجبا حقًا للمرتهنين في المرهون، وإذا شهدا أنه ملك المدعي فقد سعيا في نقض ما تم بهما، فلا تقبل شهادتهما، بخلاف المرتهنين حيث تقبل شهادتهما وإن صارا ساعيين في نقض ما تم بالإنسان، إنما يمنع قبول الشهادة إذا كان لا يملك البعض إلا بالشهادة، والمرتهن يملك النقض من غير رضا الراهن بالرد، إذ الرهن من جانب المرتهن غير لازم فلا يمنع قبول الشهادة، بخلاف جانب الراهن، وإذا لم تقبل شهادة الراهنين على المرتهن ضمن الراهنان قيمة العبد للمرعي؛ لأنهما لما شهدا للمدعي فقد صارا مقرين أنهما كانا غاصبين لهذا العبد وقد عجزا عن رده إلى المدعي لحق المرتهنين فيضمنان القيمة.
ولو ارتهن رجلان من رجل جارية قيمتها ألف درهم بألف درهم وقبضاها، فماتت في أيديهما ثم ادعاها رجل، فشهد المرتهنان أنها كانت لهذا المدعي لا تقبل شهادتهما، لأنهما بشهادتهما يجران إلى أنفسهما مغنمًا، فإنهما صارا مستوفين دينهما بالهلاك، وبهذه الشهادة يعيدان الدين على الراهن بعدما سقط من حيث الظاهر، إلا أنهما يضمنان قيمتها للمدعي؛ لأنهما أقرا أنهما كانا غاصبين للجارية وقد عجزا عن رد الجارية، فكان عليهما قيمة الجارية، بخلاف ما لو شهد المرتهنان بذلك حال قيام الرهن، حيث تقبل شهادتهما؛ لأنهما بشهادتهما لا يعيدان دينًا على الراهن بعد السقوط؛ لأن الدين في ذمة الراهن قبل هلاك الرهن وإنما يسقط بالهلاك، ولا يحولان ضمانًا وجب عليهما للراهن إلى المدعي، لأن الرهن مضمون عليهما بالدين لا بالقيمة، وبشهادتهما لا يتحول ضمان الدين إلى المدعي بل تجب عليهما القيمة للمدعي على اعتبار الهلاك، ويسقط ملك اليد الثابت لهما، فكانا جارَّين إلى أنفسهما مغرمًا لا مغنمًا.
رجلان غصبا من رجل عبدًا وثبت ذلك عند القاضي بإقرارهما أو ببينة قامت عليهما، ثم ادعى رجل آخر العبد المغصوب، وشهد له الغاصبان بذلك، فإن شهدا بعدما رد المغصوب قبلت شهادتهما لخلو شهادتهما عن المناقضة والتهمة، أما المناقضة مظاهر، وأما التهمة: فلأنه ليس فيها جر مغنم، ولا دفع مغرم لبراءة الشاهدين عن الضمان بالرد عن المغصوب منه.
ولو شهدا والعبد في أيديهما لا تقبل هذه الشهادة، لتمكن التهمة في هذه الشهادة؛ لما فيها من تحويل ضمان الرد إلى غير المغصوب منه، وللشاهدين في ذلك فائدة للتفاوت بين الناس في المطالبة والخصومة.
وكذلك لو شهدا بعد هلاك المغصوب في أيديهما لا تقبل شهادتهما، سواء قضى القاضي بالقيمة أو لم يقض، وسواء دفعا القيمة إلى المغصوب منه أو لم يدفعا، أما قبل القضاء فلتحويلهما ما وجب عليهما من الضمان للمغصوب منه إلى المدعي، ولهما فيه فائدة على ما مر، فكانت في هذه الشهادة نوع تهمة، وأما بعد القضاء قبل دفع القيمة، فلهذه العلة ولعلة أخرى: وهي أن الشاهدين عند قضاء القاضي ملكا العبد بمقابلة الضمان، فصار من حيث الحكم كأنهما اشتريا العبد، ولو صارا مشتريين للعبد حقيقة ثم شهدا بالعبد للمدعي لا تقبل شهادتهما، فكذا إذا ثبت بينهما بيع حكمي، وأما بعد دفع القيمة فللعلة الثانية.
ثم قال: وكذلك العرض وكل دين فشهادتهما في ذلك باطلة قضياه أو لم يقضيا، وصورته: إذا شهد المستقرضان أن ما أقرضهما المقرض كان للمدعي لا تقبل شهادتهما، أما قبل قضاء الدين فلوجهين، أحدهما: أنهما يحولان ما وجب عليهما من الضمان للمقرض إلى المدعي، والثاني: أن الاستقراض بدأ حقيقة إن كان استعاره حكمًا، فكان المستقرض بمعنى المشتري، والمشتري إذا شهد بالمشترى لغيره لا تقبل شهادته لما قلنا، كذا هاهنا، وأما بعد القضاء فللعلة الثانية.
رجلان اشتريا من رجل جارية شراء فاسدًا بألف، وقبضاها ثم ادعاها الآخر، فشهد المشتريان أنها للمدعي، فهو على التفاصيل التي قلنا في الغصب، لأن المشترى شراء فاسدًا مضمون على المشتري بنفسه لا بغيره فكان كالغاصب، إلا أن بين هذه المسألة وبين مسألة الغصب فرق من وجه أن في مسألة الشراء، المدعي يأخذ الجارية من المشتريين قبل نقض البيع، وفي الغصب لا يأخذ، لأن في الغاصب إنما أقر بالجارية للمدعي، وهي ملك غيره ظاهرًا، فلم يصح إقراره، والمشترى شراء فاسدًا أقر بالجارية للمدعي وهي ملكه في الظاهر فيؤمران بردها إلى المدعي، ثم يضمن المشتريان قيمة الجارية للبائع لعجزهما عن رد عين الجارية إليه.
قال محمد في (الأصل): ولو كان المشتريان مع بائعهما نقضا البيع أو نقض القاضي البيع فلم يقبض البائع الجارية حتى شهدا للمدعي بالجارية يعني المشتريان، لم يلزمهما تسليم الجارية، لإقرارهما بالجارية للمدعي وهي ملك غيرهما.
رجل اشترى من رجل جارية شراء صحيحًا، وتقابضا وتقالا البيع أوردَّها المشتري بالعيب بغير قضاء وقبلها البائع، ثم جاء رجل وادعى أن الجارية له، فشهد المشتري ورجل آخر أن الجارية للمدعي، فشهادتهما باطلة، سواء كانت هي محبوسة بالثمن عند المشتري أو دفعا إلى البائع، لأن الرد بالعيب بعد القبض بتراضيهما، والإقالة بمنزلة بيع جديد في حق غيرهما والمدعي غيرهما، فصار في حق المدعي كأن المشتري باعها من البائع ثانيًا، ثم شهد بها بعد ذلك للمدعي، وعلى هذا الاعتبار كان في زعم المدعي أن شهادته باطلة، لكونها متضمنة السعي إلى نقض ما تم به، والمدعي متى زعم بطلان الشهادة القائمة له لا تقبل الشهادة.
ولو كان الرد بالعيب بعد القبض بقضاء أو قبل القبض بغير قضاء أو كان الرد بخيار رؤية أو بخيار شرط ثم شهد بها للمدعي مع غيره جازت شهادتهما؛ لأن الرد بهذه الأسباب فسخ من كل وجه، ولهذا لا يتجدد للبيع حق الشفعة، فإذا انفسخ البيع من كل وجه صار كأن لم يكن، فلم يكن مبطلًا بشهادته ما أوجب قبل ذلك ولا محولًا ضمانه إلى المدعي، لأنه إذا ردها إلى البائع لم يبق مضمونًا عليه وإذا حبسها بالثمن، فكذلك الجواب.
وإن كانت مضمونة عليه إلا أنها مضمونة عليه بغيرها وهو الثمن لا بنفسها، فكانت بمنزلة الرهن وشهادة المرتهن للمدعي بالجارية حال قيام الرهن يقبل كذا هاهنا، فلو حبسها بالثمن فماتت الجارية في يدي المشتري ثم شهدا بالجارية للمدعي بطلت شهادتهما؛ لأنها لما(ما) تت في يدي المشتري بطل الفسخ، وعاد حكم البيع، فصار هذا الشاهد شاهدًا بما اشتراه لغيره، فلا يصح لما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
رجل اشترى من آخر جارية بعبد وتقابضا، فوجد مشتري الجارية بها عيبًا فردها بالعيب، إلا أنه حبسها بالعبد، ثم جاء رجل وادعاها، فشهد المشتري بالجارية مع رجل آخر للمدعي لا تقبل شهادتهما، ولو شهدا بعدما دفعها إلى البائع تقبل؛ لأن الجارية مضمونة عليه بنفسها، حتى لو هلكت في يد المشتري ضمن المشتري قيمتها لبائع الجارية، فيأخذ العبد ولا تنتقض الإقالة، فكانت شبيهة المغصوب وشهادة المغصوب، وشهادة الغاصب بالمغصوب للمدعي قبل الرد لا تقبل، وبعد الرد تقبل كذا هاهنا، بخلاف ما إذا كانت الجارية مشتراة بالدراهم والجارية محبوسة بالثمن، حيث تقبل شهادة المشتري، لأنها مضمونة عليه بالثمن لا بنفسها، فكانت شبيهة المرهون على ما مر.
فإن مات العبد في يد مشتريه قبل رد الجارية، ثم رد الجارية بالعيب بقضاء قاض صح الرد؛ لأن الرد لا يمتنع بهلاك أحد العوضين، عرف هذا في كتاب البيوع فإذا حبسها المشتري حتى يأخذ قيمة العبد ثم شهد بها مع غيره للمدعي صحت شهادتهما؛ لأنها مضمونة عليه بغيرها وهو قيمة العبد، ولهذا لو هلكت الجارية لا تضمن لبائعها قيمتها بل سقط عن بائعها قيمة العبد، فكانت شبيهة المرهون.
وفي (المنتقى): رجلان استأجرا من رجل دارًا شهرًا بأجر معلوم وسكنا فيها الشهر كله، ثم جاء مدع يدعي الدار فشهد له المستأجران جازت شهادتهما، فإن قضى القاضي بالدار للمدعي ثم إن المدعي ادعى أنه كان أمر الذي أجر بإجارتها، وأراد أخذ الغلة، فإنه ينبغي للقاضي أن يبطل قضاءه بالدار للمدعي ويردها إلى الذي كانت الدار في يديه، وينبغي للقاضي أن يسأل المدعي في أول الأمر عن الإجارة: أكانت بأمرك أو بغير أمرك؟ فإن قال: كانت بأمري لا تقبل شهادة المستأجر، وإن قال: كانت بغير أمري تقبل شهادة المستأجر، ولو لم يسكن المستأجر الشهر كله حتى ادعى المدعي الدار، فشهد به المستأجر ولم يدع المدعي أن الإجارة كانت بأمره لم تجز شهادة المستأجر.
وفيه أيضًا: رجل له دار وفيه سكان بغير أجر، فشهد السكان في الدار شهادة يثبتون الدار له، أو شهدوا بالدار عليه الأجر، فشهادتهم جائزة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وإن كان هؤلاء السكان بأجر معلوم لشهور معلومة بأجر رخيص، أو بأجر عال، فشهدوا للذي أجر لتحقيق الإجارة أو شهدوا لإنسان عليه ليفسخوا الإجارة، فإن أبا حنيفة رحمه الله قال: جازت شهادتهما في الموضعين جميعًا، وشهادتهم في هذا كإقرار رب الدار أنها لفلان، وقال أبو يوسف رحمه الله: لا تقبل شهادتهم لا فيما يثبتونها ولا فيما ينقضونها.
رجل اشترى من آخر جارية، ثم جاء رجل وادعى أنه اشترى هذه الجارية من هذا المشتري، والمشتري يجحد ذلك، فشهد البائع ورجل آخر للمشتري بالشراء من المشتري لا تقبل شهادته، وكذلك لو ادعى المشتري أنه باعه من فلان وفلان يجحد، فشهد له البائع لم تقبل.
ولو أن رجلًا اشترى من آخر عبدًا وبرء البائع عن عيوبه، فباعه المشتري من رجل آخر، ودلس العيب الذي به، فخاصم المشتري الآخر المشتري الأول فيه، فشهد البائع الأول ورجل آخر أن هذا العيب كان به عند البائع، قال: أقبل شهادة البائع الأول في رده على البائع الثاني ولا أقبل في تبرئته منه.
رجل له على رجل ألف درهم، فشهد الذي عليه المال ورجل آخر أن الطالب أقر أن هذا الألف لهذا الرجل والرجل يدعي ذلك لا تقبل شهادة الذي عليه المال، ذكره في (المنتقى) في موضع، وذكر في موضع آخر منه أنه لا تقبل شهادته إذا كان لم يؤده، فإن كان أداه تقبل.
ولو مات رجل وترك مالًا على رجلين وترك أخًا، فشهد الرجلان لغلام يدعي أنه ابن الميت أنه ابنه لا يعلم له وارثًا آخر غيره، أجزت شهادتهما، ولا يشبه هذا الدّين في المسألة الأولى من قبل أن الدين لم يثبت عليهما للأخ، ولم يجعله القاضي وارث الميت.
ولو أن رجلين اشتريا ثوبًا من رجل ونقدا الثمن أو لم ينقدا، فجاء رجل وادعى أن الثوب له فشهد المشتريان له بالثوب، أو شهدا على إقرار البائع أن الثوب له لم تجز شهادتهما.
أما قبل نقد الثمن: أما إذا أجاز البيع، فلأنهما يريدان تحويل ما وجب عليهما للبائع من حيث الظاهر إلى غيره، ولهما فيه منفعة؛ لأن الناس يتفاوتون في المطالبة، وأما إذا لم يجز البيع، فلأنهما سعيا في نقض ما تم بهما.
وأما بعد نقد الثمن: أما إذا لم يجز البيع فلما قلنا، وأما إذا أجاز وقال: باع بأمري، فلأن الثمن الذي نقداه صار ملكًا للبائع بتمليكهما، فهما بهذه الشهادة يريدان نقض ذلك التمليك.
وذكر في كتاب (الأقضية) لو أن رجلًا مات، وله على رجلين ألف درهم أو كان له في أيديهما عبد غصب أو وديعة، جاء رجل وادعى أنه أخوه لأبيه وأمه ووارثه لا وارث له غيره، وقضى القاضي بذلك بشهادة شهود شهدوا عليه، وجعله وارثًا له وقضى له بالمال العين والدين، فقضى الغريمان دينهما للأخ بقضاء قاض أو بغير قضاء قاض، أو لم يكونا قضياه لو كانا صارفاه على دنانير أو كان الأخ وهب لهما المال على عوض، أو كانا اشتريا من الأخ جارية من تركة الميت أو تصدق عليهما بصدقة على عوض، ثم جاء رجل آخر وادعى أنه ابن الميت ووارثه، ولا وارث له غيره، وشهد الغريمان له بذلك فشهادتهما باطلة، أما قبل قضاء الدين فلأنهما يريدان تحويل المال الذي وجب عليهما للأخ إلى الابن، وقد ذكرنا أن الشهادة تبطل به، وأما بعد القضاء فلأنهما يريدان أن ينقضا أمرًا تم بهما؛ لأن القضاء قد تم.
ولو ظهر أن الأخ ليس بوارث وأن الوارث هو الابن كان للغريم أن يسترد ما كان دفعه إلى الأخ، لأنه ظهر أنه قبض ما ليس له، ومن سعى في نقض ما تم به لم يقبل سعيه، وكذلك المصارفة لأن هذا العقد قد تم به، فلا يقبل منه نقضه، وكذلك أخذ العوض عنه لما قلنا. هذا هو الكلام في الدين.
جئنا إلى العين فنقول في الغصب: إذا شهد الغاصبان بالابن، وكان العبد قائمًا بعينه في أيديهما لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما يحولان الضمان من الابن إلى الأخ، وإن كانا دفعا العبد إلى الأخ ثم شهدا بذلك فإنه لا يخلو، إما إن دفعا بقضاء أو بغير قضاء، فإن كان بقضاء فشهادتهما جائزة، وإن كان بغير قضاء لا تقبل شهادتهما.
فرق بين هذا وبينما إذا دفعا المغصوب إلى المغصوب منه، ثم شهدا بالملك لغيره تقبل سواء كان الدفع والرد بقضاء أو بغير قضاء، وهاهنا فرق بين القضاء وغير القضاء. ووجه الفرق: أن في تلك المسألة الضمان إنما وجب باعتبار تفويت يد المغصوب منه، فإذا أعاده إلى يده انفسخ حكم فعله وانعدمت الجناية فارتفع الضمان، فلم يحولا بهذه الشهادة ضمانًا وجب للمغصوب منه إلى المدعي.
وفي مسألتنا: الضمان وجب باعتبار تفويت يد الميت ولم توجد الإعادة إلى يد الميت حقيقة، وإنما ظاهر وكذا حكمًا، لأنه إنما يتحقق الرد إليه حكمًا بالرد إلى خليفته ونائبه، وليس من ضرورة القضاء بنسب الأخ ثبوت نيابته وخلافته عن الميت في الرد عليه لجواز أن يكون هناك من يحجب عن الميراث، أو يكون في التركة دين مستغرق، فاحتمل أن يكون خليفة عن الميت في الحكم واحتمل أن لا يكون، فلا يبطل الضمان الواجب عليه بالاحتمال، وإذا لم يبطل الضمان عنهما كانا بهذه الشهادة محولين ذلك إلى الابن.
فأما إذا كان الرد بقضاء القاضي وبأمره فقد تحقق الرد إلى الميت حكمًا، لأن للقاضي ولاية في مال الميت بالحفظ وأن يضعه حيث أحب، فإذا أمره بالرد إليه صارا تعيينًا من جهة القاضي، فخرج عن جهة الضمان بالرد إليه، فلم يحولا بهذه الشهادة الضمان من الأخ إلى الابن، وإن كان الغصب وديعة قبلت شهادتهما، سواء كان الدفع بأمر القاضي أو بغير أمره؛ لأن الضمان لم يكن واجبًا وقع الشك في وجوب الضمان لاحتمال أنه خليفة الميت ووارثه، فلا يجب الضمان عليه بالاحتمال.
ولو أن رجلين شهدا أن فلانًا توفي وترك هذا الرجل أخاه لأبيه وأمه ووارثه، فقضى القاضي بشهادتهما، ثم شهد هذان الرجلان لآخر أنه ابنه ووارثه، لم تجز شهادتهما للابن؛ لأنهما شهدا أول مرة بأن الأخ وارثه، ثم شهدا بوراثة الابن، وبين كون الأخ وارثًا وكون الابن وارثًا تناف إن لم يكن بين كون الأول أخًا والثاني ابنًا تناف، وقد اتصل القضاء بالشهادة الأول فتأيدت بها، فلا يمكن إبطالها بالثانية.
ونظير هذه: مسألة الملكية والكوفية أن القضاء لو اتصل بالأولى صحت الأولى وبطلت الثانية لما قلنا، وإن لم يتصل القضاء بالأولى بطلتا جميعًا فكذلك هاهنا، ولكنهما يضمنان الابن ما قبض الأخ من الميراث؛ لأنهما زعما أن الميراث للابن دون الأخ، وأنهما أتلفا على الابن ذلك بشهادتهما، فقد أقرا بسبب الضمان على أنفسهما فيضمنان، فصار هذا كما لو رجعا عن شهادتهما، واعتبر في (الكتاب) الشهادة الثانية رجوعًا عن الأولى؛ لأن بينهما تناف، فكانت الثانية رجوعًا عن الأولى ضرورة ولو شهد بالابن غير الأولين وقد استهلك الأخ، فالابن بالخيار إن شاء ضمن الشاهدين الأولين ورجعا بذلك على الأخ، وإن شاء ضمن الأخ ولم يرجع على أحد، إما يقبل شهادتهم لأنه ليس بينهما مناقضة، فكل فريق اعتمد دليلًا مطلقًا لأداء الشهادة، فالشهادة على النسب: جواز أدائها بناء على الشهرة والتسامع، فقد علم الأولان بنسب الأخ بالشهرة، ولم يشتهر عندهما، ولم يبلغهما نسب الابن، فشهدا بوراثة الأخ، ثم الفريق الثاني علموا من طريق الشهرة نسب الابن، ولم يسبق منهم ما يناقض شهادتهم فقبلت شهادتهم، وقضي بنسب الابن، لأنه ليس بين الأخ والابن منافاة، وإذا ثبت نسب الابن كان أولى بالميراث من الأخ، فإن كان المال قائمًا في يد الأخ يسترده منه، وإن كان قد استهلكه، فالابن بالخيار إن شاء ضمن الأخ، لأنه قبض ماله بغير حق، وإن شاء ضمن الشهود، لأنهم بشهادتهم أتلفوا ماله وظهر بطلان شهادتهم بشهادة الآخرين، فصار كما لو ظهرت ذلك برجوعهم، وصار هذا كما لو شهدوا بالقتل واقتصَّ منه بقضاء القاضي ثم جاء المشهود بقتله حيًا إنهم يضمنون كما لو رجعوا بذلك على الأخ؛ لأنهم ملكوا المضمون بأداء الضمان، فصار الأخ غاصبًا مالهم، فكان لهم حق تضمينه.
ولو كان الأولان أو غيرهما شهدا أن الثاني أخو الميت لأبيه وأمه ووارثه مع الأول قبلت شهادتهما سواء كان قبل القضاء الأول أو بعد القضاء، لأنه لا تناف بين الشهادتين لجواز أن يكون له أخوان، وكل واحد منهما يرث مع الآخر، ولا يضمنان لأنه لم يظهر كذبهما، لعدم التنافي بينهما، ولكن لو كان الأول قبض المال دفعا نصفه إلى الثاني: لأنه ظهر أن المستحق لهذا النصف هو الثاني، وقبلت شهادتهما؛ لعدم التنافي.
فإن قيل: إذا كان الشاهدان بالثاني هما اللذان شهدا بالأول ينبغي أن لا تقبل شهادتهما بالثاني، لأنهما شهدا للأول أنه وارثه لا وارث له غيره، وكما شهد بالوراثة للثاني كانا متناقضين، قلنا: قوله: لا وارث له غيره، ليس من صلب الشهادة؛ لأنه نفي والشهادة على النفي لا تقبل، ألا ترى أنهما لو لم يذكرا ذلك في الشهادة قبل القاضي شهادتهما أيضًا، إنما هذا لإسقاط التلوم عن القاضي، فلا يوجب مناقضته بين الشهادة الأولى والثانية، فقلنا جميعًا ولا يضمنان لأحد لما ذكرنا.
إذا شهد الكفيلان بنفس المدعى عليه على المدعي أن المدعى عليه أوفاه الدين، فقد قيل: تقبل شهادتهما، وقد قيل: لا تقبل لأنهما يريدان إخراج أنفسهما عن عهدة الكفالة بالنفس بهذه الشهادة، والصحيح من الجواب: أنها إن شهدا بإيفاء الدين الذي حصلت الكفالة بالنفس لأجله لا تقبل، وإن شهدا بإيفاء دين آخر لم تحصل الكفالة بالنفس لأجله تقبل.
الوكيل شراء شيء بغير عينه إذا اشترى وقال: اشتريت لنفسي، وقال الموكل: لا بل اشتراه لي، فأقام الموكل البينة على إقرار الوكيل أنه اشتراه للموكل وأحد الشهود البائع، فالقاضي لا يقبل هذه الشهادة من البائع لأنه متهم فيها، لأنه يبعد العهدة عن نفسه، فإن الوكيل بالشراء إذا سلم المشترى إلى الموكل لا ينفرد بالرد بالعيب، بل يشترط رضا الموكل الشاهد إذا كتب شهادته على صك البيع أو على صك الشراء ثم إن رجلًا آخر ادعى العين المشترى لنفسه، وشهد له الذي كتب شهادته على الصك، فإن كتب الشهادة على وجه يمنع الكاتب عن دعوى الملك لنفسه في ذلك العين لا تقبل شهادته للمدعي، وإن كتب الشهادة على وجه لا يمنع الكاتب عن دعوى الملك لنفسه في ذلك العين تقبل شهادته للمدعي، ومسألة دعوى الشاهد على الصك تأتي في كتاب الدعوى إن شاء الله تعالى.
عشرة وكَّلوا رجلا بشراء محدود معين، فذهب الوكيل واشترى فأنكر واحد من العشرة كونه وكيلًا من جهته، فشهد التسعة على العاشر أنك وكلته معنا بالشراء تقبل هذه الشهادة، ولو كان هذا وكيلًا بالبيع وباقي المسألة بحالها لا تقبل شهادة التسع؛ لأنهم يشهدون لأنفسهم لأنهم يريدون إثبات لزوم البيع في نصيبهم، وأما في الفصل الأول لا يشهدون لأنفسهم، وفي (فتاوى النسفي) سئل عن وكيل مجلس القضاء إذا ادعى بحضرة المدعي الذي وكله على آخر أن لهذا المدعي علي مثلًا كذا، فأجاب المدعى عليه: إنه قد قضاه ذلك، فأنكر المدعي، فشهد هذا الوكيل مع رجل آخر على القضاء لا تقبل شهادة هذا الوكيل؛ لأنه هو الذي ادعى عليه هذا المال في الحال، وذلك يمنعه عن الشهادة بالقضاء، فقيل له: أليس ثبت عن أصحابنا رحمهم الله أن من ادعى على آخر مالًا فقد أقرضه فشهد له شاهدان أنه أقرضه، وشهد آخر أنه أقرضه ثم قضاه ثبت القرض ولم يثبت القضاء ولم تصر شهادته بالقضاء مبطلة شهادته بالإقراض، قال: هناك شهد بالإقراض وشهد مرتبًا عليه والقضاء مرتبًا على الإقراض يقرر الإقراض ولا ينافيه، أما هذا شهد بقيام الدين عليه للحال وقيام الدين عليه ينافي القضاء قبله، فصار دعوى قيام الدين عليه للحال من هذا الوجه مبطلًا شهادته بالقضاء قبل هذا.
رجلان باعا عبدًا من رجل ثم إن البائعين شهدا أن المشتري أعتق هذا العبد لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما بهذه الشهادة يخرجان عن العهدة، فإن المشتري إذا أعتق العبد المشترى ثم اطّلع على عيب به قد كان عند البائع لا يمكنه الرد على البائع.
شهادة أهل القرية بعضهم على بعضهم بزيادة الخراج على ضيعة المشهود عليه لا تقبل؛ لأن الشاهد بهذه الشهادة يريد إثبات نقصان خراجه حتى لو شهد من لا خراج عليه تقبل شهادته، وكذلك إذا كان لكل ضيعة خراج على حدة فشهد بعضهم على البعض بزيادة الخراج تقبل شهادتهم؛ لأن الشاهد بهذه الشهادة لا يثبت نقصان خراجه.
ولو أن أهل قرية شهدوا على بعض ضياع بجوار قريتهم أنه من ضياع قريتهم لا يجوز؛ لأنهم يريدون إثبات نقصان خراج ضيعتهم، ويجب أن يكون في هذا الفصل على التفصيل الذي ذكرنا في الفصل الأول.
وإذا شهد أهل السكة بشيء من مصالح السكة إن كانت السكة غير نافذة لا تقبل شهادتهم، وإن كانت نافذة تقبل شهادتهم؛ لأن السكة إذا كانت غير نافذة فهي كالمملوكة لأهل السكة، فهذه الشهادة راجعة الى مصلحة أملاكهم، وإذا كانت نافذة فهي حق العامة والشهادة على حق العامة مقبولة.
وإذا شهدا أن فلانًا غصب من أب هذا المدعي هذه القرية وهذه القرية في يد غير الغاصب، والغاصب غائب أو ميت، فهذه الشهادة ليست بشيء حتى شهدا أنها وصلت إلى هذا المدعى عليه من قبل الغاصب أو يشهد بذلك غيرهما.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد رحمه الله: رجل شهد عليه شاهدان أنه باع هذه الدار من هذا الرجل بألف درهم على أنهما ضمنا للمشتري الدرك يعني الشاهدين، قال: إن كان الضمان في أصل البيع لا تقبل شهادتهما؛ لأن البيع لا يتم إلا بضمانهما، فكأنهما شهدا على فعلهما، وإن لم يكن الضمان في أصل البيع جازت شهادتهما؛ لأن البيع هاهنا تام بدون ضمانهما.
وفي (المنتقى): ادعى رجل دارًا في يدي رجل أنها له اشتراها من فلان، وقبضها فشهد له شاهدان بذلك إلا أنهما لم يسميا ثمنًا، فإني أسألهما قبضها بأمره أو بغير أمره؟ فإن قالا: لا نزيد على هذا، لا تقبل شهادتهما، وإنما وجب السؤال عن الشهود أنه قبضها بأمره أو بغير أمره؛ لأنه تعذر القضاء بالشراء بثمن معلوم؛ لأن الشهود لم يشهدوا بذلك، فلابد أن يقضي بالشراء بغير ثمن والشراء بغير ثمن شراء فاسدٌ والشراء الفاسد لا يفيد الملك بدون القبض، والقبض بغير إذن البائع في البيع الفاسد ليس بصحيح، فلهذا وجب السؤال عن الشهود، وأنه قبضها بأمره أو بغير أمره، وإذا قالا: لا نزيد على هذا إنما لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما لم يشهدا بما هو سبب الملك لما لم يشهدا بإذن البائع بالقبض، وإن ماتا قبل أن يسألهما، فهذا عندنا على أنه قبضها بإذن البائع وأمره؛ لأن الظاهر أنه إنما تمكن من قبضها بتسليم البائع، لولا ذلك لتعذر عليه القبض؛ لأن البائع يمنعه عن ذلك، وليس له ولاية القبض شرعًا حتى يقدر على قبضها بقوة القاضي والناس و...؟ على الظاهر واجب حتى يقوم الدليل على خلافه.
قال: ولا العرض له في الثمن يعني لا أقف التسليم على قبض الثمن؛ لأن القبض حصل بأمر البائع، والقبض متى كان بأمر البائع لا يتمكن من استرداد لأجل الثمن، فلا يتوقف القبض هاهنا على أخذ الثمن، وكذلك لو أن الشاهدين قالا من الابتداء: إنه قبضها بأمر البائع؛ لأن هذا الشراء فاسد لما لم يشهدا بالثمن والشراء الفاسد يفيد الملك عند القبض فإن لم يسم الشاهدان الثمن ولا قبض المدعي الدار فالقاضي لا يقضي للمدعي؛ لأنه تعذر القضاء بالعقد لأنه فاسد، ولا يجوز القضاء بالعقد الفاسد وتعذر القضاء بالملك؛ لأن البيع الفاسد لا يفيد الملك بدون القبض.
وفي (الأقضية) قال محمد رحمه الله: ولو أن رجلًا ادعى دارًا في يدي رجل أنها داره اشتراها من فلان وهو يملكها بألف درهم، فشهد الشهود له بذلك إلا أنهم لم يقولوا: إنه قبضها بأمره، قال: فإني لا آخذ الدار من صاحب اليد ولا أدفعها إليه حتى يدفع إلى صاحب اليد، ثم أدفع الدار إليه، وقد روي عنه رجوعه عن هذا القول، وقال: تؤخذ الدار من يده ولا تدفع إلى المدعي حتى يؤخذ الثمن من يده، فقد أشار إلى سماع دعوى المدعي في هذه المسألة، وذكر في (المنتقى) أنه لا تصح هذه الدعوى منه أصلًا حتى ينقد الثمن عند القاضي.
ووجه ذلك: أن صحة الدعوى في هذه الصورة تعتمد نقد الثمن، وهذا لأن المرافعة إلى القاضي غير محتاج إليها لإثبات الملك في العين؛ لأن الملك لا يثبت بقضاء القاضي وإنما ثبت بسببه، فإذا وجد سبب الملك ثبت الملك وجد القضاء أو لم يوجد وإنما يحتاج إلى المرافعة ليقصر القاضي يد المدعى عليه بولاية القضاء فإنما تصح الدعوى إذا كان له ولاية مطالبة القاضي بقصر يد المدعى عليه، وقبل نقد الثمن ليس للمشتري ولاية قبض المبيع فلا يكون له ولاية دعوى الملك.
ووجه ما ذكر في (الأقضية): أن المدعي ادعى على ذي اليد حقًا لنفسه لا يمكنه إثبات ذلك الحق إلا بإثبات أمر على الغائب وهو الشراء منه؛ لأنه ادعى الملك بسبب الشراء منه، فانتصب ذو اليد خصمًا عن الغائب، فكأنه حضر وأنكر الشراء، ولو كان كذلك تسمع دعوى المدعي كذا هاهنا.
وإذا سمع دعواه وقبلت بينته لا تدفع الدار إليه حتى ينقد الثمن، كما لو كان حاضرًا وقضي عليه بالشراء لا يدفع الدار إلى المدعي قبل نقد الثمن كذا هاهنا، إلا أن على القول المرجوع إليه يقول: لمّا صح القضاء عليه بالملك ظهر أنه مبطل في إمساك المدعي له ظالم في منعه، فيخرجه القاضي عن يده إزالة لظلمه ثم إذا أخرجه من يده لا يدفعه إلى المدعي قبل نقد الثمن، إذ ليس للمشتري ولاية أخذ المبيع قبل نقد الثمن، وإن حضر الذي ادعى المدعي الشراء منه، وأنكر أن يكون باعه إياه أخذ القاضي الدار من المدعي، وسلمها إلى الذي حضر؛ لأن الذي حضر لم يصر مقضيًا عليه بالشراء؛ لأن صاحب اليد لم ينتصب خصمًا عنه في إثبات الشراء عليه؛ وهذا لأن القضاء لابد له من الدعوى والإنكار، وذو اليد لا يمكن أن يجعل منكرًا بطريق الأصالة؛ لأن الأصل في الإنكار أن لا يتعدى ضرر إنكاره إلى غيره، وضرر إنكار صاحب اليد هاهنا يتعدى إلى الغائب بإثبات البيع عليه، ولا يمكن أن يجعل ذو اليد نائبًا عن الغائب في الإنكار؛ لأن الحاضر إنما يجعل خصمًا عن غيره في الإنكار إذا جرى بينهما سبب له اتصال بما وقع فيه الدعوى، ولم يجر بين الغائب وذو اليد هاهنا سبب حتى يقام إنكار ذي اليد مقام إنكار الغائب، فظهر أن البينة على البيع قامت على غير خصم.
فرق بين هذا وبينما إذا شهد شاهدان على رجل بمال فطعن المشهود عليه أنهما عبدان لفلان، وادعى الشاهدان أن فلانًا أعتقهما وأقاما البينة قبلت بينتهما وقضي بعتقهما على الغائب، ولم يجر بين المشهود عليه وبين الغائب سبب حتى يقام إنكاره مقام إنكار الغائب، ومع هذا قضى بعتقهما وظهر ذلك في حق الغائب، حتى لو حضر لا يحتاج إلى إعادة البينة.
والفرق: أن في مسألة العتق المشهود عليه أصل في إنكار العتق، وليس بنائب عن المولى؛ لأن دعوى العتق على المولى دعوى على كافة الناس، ألا ترى أن كل واحد من آحاد الناس يصير مقضيًا عليه بالعتق، بالقضاء على واحد من الناس فكان دعوى العتق على المولى ودعوى العتق على المشهود عليه من حيث الاعتبار على السواء، وأما دعوى الملك على ذي اليد فدعوى عليه خاصة، ألا ترى أن غير ذي اليد لا يصير مقضيًا عليه بالقضاء على ذي اليد في الملك المطلق، وإنما يتعدى القضاء من ذي اليد إلى الغائب، إذا كان ذو اليد نائبًا عن الغائب، وإنما ثبتت النيابة إذا جرى بينهما سبب، ولم يجر بينهما سبب هاهنا، فلم يصر الغائب مقضيًا عليه، فكان للذي حضر أن يأخذها من يد المدعي لإقرار له بذلك.
وقد ذكر في (الجامع) وفي (الأصل) ما يدعي على أن الغائب يصير مقضيًا عليه في مسألتنا حتى لا يكون له أن يأخذ الدار من يد المدعي، فقد ذكر في (الجامع):
رجل في يديه دار ادعاها رجل أنها له اشتراها من عبد الله بألف درهم ونقده الثمن، وقال ذو اليد: أودعنيها عبد الله، فإنه تندفع عنه الخصومة، ولكن للمدعي أن يحلفه بالله لقد أودعك عبد الله، فإن قال حين حلفه: ما أودعنيها عبد الله ولكن غصبتها منه وحلف على ذلك، فإن القاضي لا يلتفت إلى مقالته للتناقض بين كلاميه، ويجعله خصمًا ويقضي بالدار للمدعي على ذي اليد، فإن قضى بذلك ثم قدم عبد الله وادعى أن الدار داره أودعها من ذي اليد، وأراد أن يأخذها من المدعي حتى يعيد المدعي البينة عليه ليس له ذلك؛ لأن القاضي لما جعل ذا اليد خصمًا، وأنزله منكرًا حكمًا وقضى بالشراء عليه انتصب خصمًا عن الغائب، فصار كما لو أقام البينة عليه حقيقة فنفذ القضاء عليه، فكذا هاهنا ذو اليد خصم له حتى سمعت البينة عليه، وقضى بالملك والبيع عليهما، فانتصب خصمًا عن الغائب ضرورة، فصار كما لو أقيم البينة عليه حقيقة.
وهكذا ذكر في دعوة (الأصل) إلا أن ثمة وضع المسألة فيما إذا شهدوا بقبض الثمن وذلك يصير رواية فيما إذا لم يشهدوا بقبض الثمن، إذ المعنى يجمعهما، فإن كان في المسألة اختلاف الروايتين ووجهه ما ذكرنا، وإن كان اختلاف الجواب لاختلاف الموضوع فإن موضوع مسألة (الجامع) و(الأصل): أن الشهود شهدوا بقبض الثمن، وموضوع مسألة الأقضية أن الشهود لم يشهدوا بقبض الثمن.
فوجه الفرق أن البيع قبل قبض المبيع وتسليم الثمن قائم حكمًا لبقاء أحكامه، فلابد من القضاء به، وذو اليد لا يصلح خصمًا في العقد عن الغائب لما قلنا، فيتعذر القضاء بالبيع فلا يقضى به، فأما بعد قبض الثمن وتسليم المبيع البيع قد انتهى نهايته، فكان هذا دعوى الملك فحسب، وذو اليد خصم فيه، فصلح القضاء عليه بالملك من كل وجه، ومن ضرورته صيرورة الغائب مقضيًا عليه؛ لأن المدعي يدعي الملك من جهته.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد: رجل تزوج امرأة على مهر مسمى ثم إن هذا الرجل شهد مع رجل آخر أنها أمة هذا الرجل والرجل يدعيها، فهذه المسألة على وجهين:
إما أن يقول المدعي أمرتها بالتزوج أو يقول: ما أمرتها بالتزوج، فإن قال: لم آمرها بالتزوج فالقاضي لا يقبل، أما إذا لم يكن دخل بها؛ فلأنه يشهد ببطلان نكاحها، وأن لا مهر لها عليه إن لم يدفع لها المهر، وبثبوت الرجوع لنفسه عليها إن دفع إليها المهر، أما إذا دخل بها؛ فلأنه يريد تحويل ما وجب عليه لها بحكم الدخول إلى غيرها، وهو المولى إن لم يكن دفع إليها ذلك، وإن كان دفع إليها ذلك فلأنه يثبت لنفسه حق الرجوع عليها بعد العتق بما قبضت، وإن قال: أمرتها بالتزوج لا أقبل شهادة الزوج أيضًا لما قلنا، وإن كان الرجل المشهود له قال: قد كنت أمرتها بالتزوج وأذنت لها في قبض المهر فإن كان الزوج لم يدفع إليها المهر لا تقبل شهادته، وإن كان الزوج قد دفع إليها المهر قبلت شهادتهما؛ لأنه إذا ثبت الإذن لها بقبض المهر فقد برء الزوج عن المهر بالدفع إليها ولم يبق لها عليه شيء حتى يحوله إلى غيرها، ولا يثبت لنفسه حق الرجوع عليها أيضًا؛ لأنه استفاد البراءة فالمولى لا يرجع عليه حتى يرجع هو عليها بما دفع إليها.
قالوا: وهذا إذا كان تزوجها على مهر مثلها أو أكثر، فإن خطب عن مهر مثلها بما يتغابن الناس فيه كانت مخالفة لأمره ولا يصلح النكاح، فينبغي أن لا تقبل الشهادة؛ لأنه بهذه الشهادة يريد إبطال عقد باشره وإسقاط المهر عن نفسه إن لم يدخل بها وتحويل ما وجب عليه بحكم الدخول بها إلى غيرها إن لم يكن دفع المهر إليها أو إثبات حق الرجوع لنفسه دفع إليها إن كان دفع المهر إليها، ثم هذا الذي ذكرنا يحتمل أنه قول أبي يوسف ومحمد لا قول أبي حنيفة بناء على مسألة الوكيل بالنكاح، فإن الوكيل بالنكاح عند أبي حنيفة رحمه الله يملك النكاح بأي مهر شاء، وعندهما تنفيذ التوكيل بمهر المثل.
وإن كان هذا قول الكل يحتاج أبو حنيفة رحمه الله إلى الفرق بين أمر المولى عبده أو أمته بالتزوج وبين أمره أجنبيًا.
والفرق: أن عند أبي حنيفة رحمه الله تصرف المأمور بغبن فاحش إنما ينفذ على الأمر إذا انتفت التهمة، أما إذا لم تنتفِ فلا، ألا ترى أن الوكيل بالشراء لا يتحمل منه الغبن الفاحش لما كان متهمًا.
إذا ثبت هذا فقبول التهمة في حق الوكيل بالنكاح منتفية؛ لأنه لا يرجع إليه بشيء من منافع العقد ليتحمل العين لتحصيل منفعة تعود إليه، أما العبد والأمة فهما متهمان في حق أنفسهما؛ لأن منافع النكاح تعود إليهما، فلعل أنهما تحملا العين لتحصيل نفع يعود إليهما، فلا يصح نكاح كل واحد منهما على هذا الوجه.
وفي (المنتقى): رجل شهد مع آخر على امرأته أنها أقرت أنها آمة هذا المدعي وهي مجهولة النسب، والزوج يصدقها في إقرارها أو يكذبها وقد دخل بها أو لم يدخل بها، والمدعي يجز النكاح أو يقول لا آمره، فإن الشهادة في جميع ذلك جائزة كان الزوج نقد المهر أو لم ينقد، وليس للمولى أن يفرق بينهما إلا إذا صدق الزوج المرأة في الإقرار، وله أن ينقض النكاح في هذا الوجه، وله في هذا الوجه أن يضمن الزوج إن كان قد دخل بها، ولا يرجع على المرأة بما أعطاها.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد: في عبد مأذون له في التجارة، عليه دين شهد رجلان من غرماء العبد أن مولاه أعتقه والمولى ينكر، فالمسألة على وجهين: إما أن يختار الشاهدان اتباع المولى بتضمينهما القيمة إياها، أو يختاران استسعاء العبد، وهذا لأن قبل الإعتاق للغرماء حق بيع العبد في ديونهم أو حق استسعاء العبد، والمولى بالإعتاق أبطل محلية أحد الحقين، وهو البيع دون الاستسعاء فإن شاءا ضمنا المولى لإتلافه محلية وهو أخذ حقهم، وإن شاءا استسعى العبد لبقاء محلية الاستسعاء، فإن اختار التضمين فلا تقبل شهادتهما؛ لأنهما شاهدان لأنفسهما بإثبات حق التضمين، فلا تقبل شهادتهما، وإن أبرأاه عن القيمة واختارا إتباع العبد المعتق بدينهما قبلت شهادتهما؛ لأن التهمة منتفية، فإنهما لا يستفيدان بهذه الشهادة ما لم يكن لهما قبل ذلك، فإن حق لاستسعاء قبل ذلك ثابت لهما كما هو ثابت بعد الإعتاق، فقبلت شهادتهما.
قال: ولو شهد رجلان أن هذا أعتق عبده فجنى العبد على أحدهما ففقأ عينه والمولى ينكر العتق، فلا شيء للمجني عليه فلا تقبل شهادتهما، أما لا تقبل هذه الشهادة؛ لأن المجني عليه يريد إلزام القصص عليه بهذه الشهادة؛ لأن قبل العتق كان لا يجري القصاص؛ لأن القصاص لا يجري في أطراف العبد؛ لأنه يسلك بها مسلك الأموال، والقصاص لا يجري في المال، فكان شاهدًا لنفسه من حيث إثبات القصاص لنفسه، فلا تقبل شهادته ولا يثبت العتق ولا شيء للمجني عليه، وإن كانت جناية العبد فيما دون النفس موجبًا للمال على مولاه حتى خوطب بالدفع أو الفداء أو قد أقر المولى بلزوم هذا الحق على نفسه، ولكن لم يثبت حكم إقراره لتكذيب المجني عليه إياه؛ لأنه زعم أن الجاني جنى، وأن عليه القصاص ولا شيء على المولى بسبب هذه الجناية، والمقر له إذا أكذب المقر لا يبقى لإقراره غيره، فما ادعاه لم يثبت لعدم الحجة، وما أقر به المولى لم يثبت؛ لتكذيب المجني عليه، فلهذا لا شيء عليه.
وفي (نوادر ابن سماعة) قال: قلت لمحمد رحمه الله: أرأيت شركاء في أرض اقتسموها فصار في يد كل واحد منهم حق معلوم، وادعى رجل من غير أهل هذه الأرض قطعة منها وقعت في نصيب واحد منهم، فشهد أهل المقاسمة أن الذي وقعت تلك الأرض في يده أقر بهذه الأرض للمدعي، قال: الشهادة باطلة؛ لأنه يجد بها إلى نفسه مغنمًا أو يدفع عن نفسه مغرمًا؛ لأنه يريد بهذه الشهادة سد طريق الرد عليه بأسباب الرد والفسخ كالعيب ونحوه، وصار هذا كرجل باع من آخر جارية بثمن معلوم وتقابضا، فادعى الجارية رجل فشهد البائع مع آخر أن المشتري أقر أن هذه الجارية لفلان المدعي هذا لا تقبل شهادة البائع؛ لأنه متهم في هذه الشهادة، لأنه يريد بشهادته أن يسد طريق الرد عليه حتى لا يملك ردها وإن وجد عينًا بهذا كذا هاهنا.
وإنما قلنا: إنه يسد عليه طريق الرد؛ لأن الإقرار حجة على المقر خاصة دون من سواه، ففي حق البائع في المسألة الثانية وشركائه في المقاسمة في المسألة الأولى، كأنه ملكها من المدعي بسبب مبتدأ، ولو كان كذلك كان لا يقدر على الرد بالعيب، ولا الرجوع بنقصان العيب؛ لأن ذلك الملك الذي استفاده بالبيع قد زال فيثبت أنه يجر بشهادته مغنمًا أو يدفع عن نفسه مغرمًا فلا تقبل شهادته.
قال ابن سماعة: قلت لمحمد رحمه الله: إن ادعى جار لهم حقًا في يد الأقضى، فشهد شركاء المدعي أن هذا حدهم الذين اقتسموا عليه، وأن ما وراءه للمدعي والمدعي يدعيه، أو قالوا: نشهد أن هذه الأرض للمدعي والمدعي يدعيه، والمدعى عليه ينكر ذلك ويقول: إنما شهدوا به لينقصوا من حقي، فإن الشهادة جائزة؛ لأنه لا تهمة فيها، إذ ليس فيه جر منفعة ولا دفع مضرة بوجه ما، وكذلك ليس فيها سعي إلى نقص ما تم بهم؛ لأنهم يقولون: إن المشهود به مما لم يدخل تحت القسمة، وإن ما قاسموه عليه وراء ذلك، فهم عدول شهدوا لغيرهم، ولا تهمة في شهادتهم فقبلت شهادتهم.
قال ابن سماعة: سمعت أبا يوسف رحمه الله قال في خمسة نفر بينهم دار وطعام، فشهد أربعة منهم على الخامس أن فلانًا غصب حصته من الدار والطعام وذلك غير مقسوم، فالشهادة باطلة، لأنهم يجرون إلى أنفسهم بذلك منفعة، لأنهم يريدون قطع ولاية طلب شريكهم القسمة فيه، وفي ذلك منفعة لهم.
بيانه: أنه إلى الآن كان للمشهود عليه أن يأخذهم بالمقاسمة، ولو ثبت غصب الغاصب تعذرت القسمة معه حتى يستخلصه من الغاصب؛ لأن القسمة نوع بيع، وإنه لا يجوز في المغصوب، ولأنه يريد أن يشاركهم فيما في أيديهم من غير أن يكون لهم مما في يده شيء، وإنه خلاف طريق المعادلة فلا يجوز. وهذه المسألة دليل على أن غصب المشاع متصور، بخلاف ما يقول بعض المشايخ.
قال ابن سماعة: سمعت محمدًا قال في قوم لهم أرضون على نهر بينهم، فباع رجل أرضه في أسفل الشرب بحقوقها وشربها، فشهد هذا البائع لبعض أهل النهر بزيادة في شرب بينهم وبين أهل أسفل الشرب. إنه لا يجوز شهادته؛ لأنه لما ذكر الشرب في البيع صار مبيعًا حتى قابله الثمن، نص عليه في كتاب الشرب، فإنه ذكر فيه:
إذا شهد شاهدان على أنه باع منه هذه الأرض بألف درهم، وذكر أحدهما شربها ولم يذكر الآخر لا تجوز هذه الشهادة، لأنهما اختلفا في الثمن من حيث الحقيقة، لأن من شهد أنه باعه بشربها، فقد شهد أن بعض الألف بمقابلة الشرب، والباقي بالأرض، والآخر يشهد أن جميع الألف بمقابلة الأرض، والاختلاف بين الشاهدين في الثمن يمنع قبول شهادتهما على البيع، فثبت أن الشرب مبيع، فإذا شهد بزيادة شرب لهم فقد شهد لنفسه بشيء من ذلك أولًا ثم بمشربه بحكم الشراء منه، فلا تقبل شهادته.
ولا تقبل شهادة الصبيان على الجراحات وتمزيق الثياب بينهم في الملاعب، وكذلك شهادة النساء على الجراحات في الحمامات لا تقبل.
رجل في يديه شاة مر به رجل فقال الذي في يديه الشاة للمار: اذبح هذه الشاة فذبحها، فجاءه رجل وادعى أنها شاته اغتصبها منه الذي كانت في يديه، وأقام على ذلك شاهدين، أحدهما الذابح لم تجز شهادة الذابح، علل فقال: لأنه دفع عن نفسه مغرمًا، طعن عيسى في هذا فقال: يجب أن تقبل شهادته؛ لأنه جر إلى نفسه مغرمًا؛ لأنه لما استحقها المدعي ظهر أن الآمر كان غاصبًا، وأن الذابح ذبح شاة الغير بغير إذن ذلك الغير، وذبح شاة الغير بغير إذنه سبب الضمان، فعلم أنه جار إلى نفسه بهذه الشهادة مغرمًا.
والجواب: لا بل هو دافع مغرمًا عن نفسه بهذه الشهادة؛ لأنا لو لم نقبل شهادته يجب الضمان عليه خاصة؛ لأنه يجب بحكم إقراره أن الملك للمدعي، وأن الآمر كان غاصبًا وإقراره حجة في حقه، وليس بحجة في حق غيره، وإذا قبلنا الشهادة يظهر ملك المدعي، وكون الآمر غاصبًا في حق الكل، ويتخير المدعي بين تضمين الآمر وبين تضمين الذابح، وإذا ضمن الذابح كان له الرجوع على الآمر، فكان دافع مغرم من هذا الوجه، فلهذا لا تقبل شهادته.
وإذا شهد الوصي بالدين، إن شهد بالدين للميت على غيره لا يقبل؛ لأنه يثبت لنفسه حق القبض والاستيفاء فيصير شاهدًا لنفسه، وإن شهد على الميت بالدين تقبل لأنه يطالب به، فيصير شاهدًا على نفسه لا لنفسه فيقبل، قال: إلا أن يكون قضى الدين أولًا من التركة ثم شهد بعد ذلك فحينئذ تقبل شهادته، لأنه يقصد به إسقاط الضمان عن نفسه، فيكون شاهدًا لنفسه، وإن شهد لبعض ورثة الميت على الميت أو على أجنبي أو على بعض الورثة بدين، فإن كان المشهود له صغيرًا لا تقبل، لأنه يثبت حق القبض والاستيفاء لنفسه، فيصير شاهدًا لنفسه، وإن كان المشهود له كبيرًا، ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله أن الشهادة مقبولة ولم يذكر فيه خلافًا، وذكر شيخ الاسلام رحمه الله أن على قول أبي حنيفة رحمه الله لا تقبل، وعلى قولهما: تقبل، وأحال المسألة إلى كتاب الوصايا.

.الفصل الثامن: في الشهادات في المواريث:

قال محمد رحمه الله في (الزيادات): وإذا شهد شاهدان عند القاضي أن هذا الرجل وارث هذا الميت لا وارث له غيره ولم يخبرا بسبب الميراث، ثم إنهما ماتا أو غابا قبل أن يسألهما القاضي عن السبب، فالقاضي لا يقضي بشهادتهما؛ لأنهما شهدا بالمجهول؛ لأن الوارث مجهول غاية الجهالة؛ لأن أسباب الإرث كثيرة؛ أحكامها مختلفة، فكانت الجهالة ساحة لا يمكن تداركها، فيعجز القاضي عن القضاء؛ لأنه لا يدري بأي سبب يقضي، ألا ترى أنه لو جاء آخر وادعى أنه ابن الميت أو أبوه، فالقاضي لا يدري أنه يشاركه في الميراث أو لا يشاركه، فكيف يشاركه، وهذا بخلاف ما لو شهدا بالدين أو بملك الغير، فإنه تقبل شهادتهما، وإن لم يبينا سبب ذلك؛ لأن الدين لا يختلف باختلاف سببه، وكذلك ملك الغير لا يختلف باختلاف سببه، فلا يكون المشهود به مجهولًا بخلاف الإرث؛ لأنه يختلف باختلاف أسبابه، فلابد من بيان السبب، فإن قالا: هو ابنه ووارثه لا يعلم له وارثًا آخر صار المشهود به معلومًا للقاضي فيقضي بشهادتهما، فقد شرط مع بيان السبب أن يقول هو وارثه لا نعلم له وارثًا سواه، ولا شك أن قولهما: ووارثه شرط فيمن يحتمل الحجب والسقوط بحال، فأما من لا يحتمل الحجب والسقوط بحال نحو الأب والأم والابن والبنت هل هو شرط؟ فقد اختلف المشايخ فيه.
وإشارات محمد رحمه الله في (الكتاب): متعارضة، فوجه قول من قال: إنه شرط هؤلاء قد لا يرثون بعارض القتل والكفر والرق؛ ولأنهم قد يكونون بجهة الرضاع، فيشرط ذكره ليزول الاحتمال، وجه قول من قال بأنه ليس بشرط وهو الصحيح: أن هذه العوارض ليست بظاهرة، فلا يلتفت إليها، والنسبة المطلقة بهذه الأشياء هي بجهة الرضاع غير ثابتة عادة فلا تورث شبهة، وقول الشاهدين: لا نعلم وارثًا آخر ليس من صلب الشهادة، وإنما هو لإسقاط مؤنة التلوم عن القاضي، فإنه يدونه القاضي يتلوم زمانًا، ولو شهدوا أنه عم الميت لابد وأن ينسبا الميت والوارث حتى يلتقيا إلى أب واحد؛ ليعلم أنه عمه، ويتسامع ذلك أنه عمه لأبيه وأمه، أو لأبيه أو لأمه، حتى إذا جاء آخر وادعى ميراث الميت يعلم أن الأول حاجب للعالي أو ليس بحاجب له، وبعد أن لا يكون حاجبًا له في أي قدر يشاركه الثاني، وينبغي أن يتسامع ذلك أنه وارثه لا يعلم له وارثًا غيره؛ لأن العمل يحتمل الحجب والسقوط بغيره، والذي ذكرنا من الجواب فيما إذا شهدوا أنه عم الميت وكذلك إذا شهد أنه أخ الميت، لابد وأن يبينا أنه أخوه لأبيه وأمه أو لأبيه أو لأمه لأن الأخّوة في نفسها مختلفة، وقد يتعلق بها العصوبة، وهو ما إذا كان لأب وأم أو لأب، وقد تتعلق بها الفرضية، وهو ما إذا كانت لأم وأحكامها مختلفة، فلابد من بيان ذلك ليصير المشهود به معلومًا للقاضي، ويشترط مع ذلك أن يقولا ووارثه: لا نعلم له وارثًا غيره، لما قلنا في العم، ولو شهدوا أنه مولاه ووارثه لا يقبل القاضي هذه الشهادة حتى يشهد أنه مولاه أعتقه؛ لأن المولى اسم مشترك يتناول الأعلى وهو المعِتق، ويتناول الأسفل وهو المعَتق، ومن الناس من يورث الأسفل.
وعندنا: لا ميراث للأسفل ولعل الشاهدين أرادا الأسفل، فلو قضى القاضي بهذه الشهادة قبل البيان يقع القضاء لغير الوارث وإنه لا يجوز، ولو شهدا أن هذا ابن ابن الميت أو هذه بنت ابن الميت لابد أن يقولا: وهو وارثه، لأنهما يسقطان بحال، فلابد منه لينقطع الاحتمال، ولو شهدا أنه جد الميت لابد وأن يبينا أنه جده من قبل الأب أو من قبل الأم؛ لأن كل واحد منهما جد على الحقيقة وأحدهما صحيح، والآخر فاسد ويتسامع ذلك أيضًا أنه وارثه؛ لأنه يحتمل السقوط والحجب لغيره، وكذلك إذا شهدوا أن هذه جدته لابد وأن يبينا أنها أم أم الميت أو أم أبيه؛ لأن الجدة قد تكون صحيحة وقد تكون فاسدة، ويبينا مع ذلك أنها وارثته لما قلنا في الجد.
ولو شهدا أنه جده أب أبيه ووارثه لا نعلم له وارثًا سواه، وقضى القاضي بذلك ثم جاء رجل وادعى أنه أب الميت، وأقام على ذلك بينة قضى القاضي به؛ لأنه لا تنافي بين كون الأول جد الميت، وبين كون الثاني أبًا له، ويجعل الميراث للأب وينقض القضاء بالمال للجد؛ لوقوعه خطأً أو الجد محجوب بالأب، ويجعل الجد أبًا لهذا الذي ادعى الأبوة، فإن قال الأب للقاضي: إن هذا الذي أقام البينة أنه جد الميت ليس بأب لي فمره بإعادة البينة، فالقاضي لا يكلفه ذلك؛ لأن نسب الجد ثابت بقضاء القاضي بالبينة القائمة على النسب، عند وجود شرطها، وهو دعوى الميراث ولم يوجد ما يوجب النقض في حق النسب فبقي نسبه كما كان.
فإن قيل: القضاء بالنسب ثبت في ضمن القضاء بالوراثة، وقد تبين بطلان القضاء بالوراثة فتبين بطلان القضاء بالنسب أيضًا.
قلنا: القضاء بالوراثة، لم يبطل إنما بطل القضاء بدفع المال إليه، وهذا لأن الجد وارث مع الأب لوجود سبب الوراثة في حقه إلا أن الأب أقرب، والميراث يدفع إلى أقرب الوارثين مع كون الأبعد وارثًا، فإنما يبطل القضاء بدفع المال، أما لا يبطل القضاء بالوراثة، وإذا لم يبطل القضاء بالوراثة كيف يبطل ما ثبت في ضمنه من القضاء بالنسب، نظيره الجار مع الشريك، فإن الشريك مقدم على الجار، وإن اجتمعا عند القاضي فالقاضي يقضي بالشفعة للشريك مع كون الجار شفيعًا في نفسه حتى لو سلم الجار الشفعة يصح تسليمه كذا هاهنا.
واستشهد في (الكتاب) لإيضاح ما قلنا بمثله فقال: ألا ترى أن الأول لو أقام بينة أنه أخو الميت لأب وأم، وقضى القاضي بذلك وجعل الميراث له، ثم جاء آخر وأقام البينة أنه ابن الميت، جعل القاضي الميراث للابن، ويجعل الأول عمًا لهذا الابن فإن قال الابن: إنه ليس بعمي، فمره بإعادة البينة، لا يكلفه القاضي ذلك.
والمعنى ما ذكرنا، وكتاب القاضي إلى القاضي في نقل الشهادة في هذا الباب مقبول؛ لأنه ثبت مع الشبهات، فيقبل فيه كتاب القاضي كما في سائر الحقوق التي تثبت مع الشبهات.
وإذا مات الرجل فأقام رجل البينة أنه فلان ابن فلان الفلاني، وأن الميت فلان بن فلان الفلاني حتى التقيا إلى أب واحد من قبيلة واحدة، وهو عصبة الميت ووارثه، لا نعلم له وارثًا غيره قضى له بالميراث؛ لأنه أثبت بالبينة أنه ابن عم الميت لأبيه وأمه، أو لأبيه؛ لأنهما التقيا إلى أب واحد وإنما يلتقيان إلى أب واحد إذا كان المدعي ابن عم الميت من جهة الأب والأم أو من جهة الأب، فأما إذا كان ابن عمه لأم لا يلتقيان إلى أب واحد، وهو معنى قولنا: إنه أثبت بالبينة أنه ابن عم الميت لأبيه وأمه أو لأبيه وقد شهدوا أنه وارثه لا نعلم له وارثًا غيره له فوجب القضاء له بالميراث، فإن جاء آخر بعد ذلك وأقام بينة أنه عصبة الميت، فإن أثبت الثاني مثل ما أثبته الأول بأن أثبت أنه فلان بن فلان الفلاني، والميت فلان بن فلان الفلاني حتى التقيا إلى أب واحد قبلت بينة الثاني، إذا التقيا إلى أب واحد من قبيلة واحدة وإن كانا من قبيلتين بأن ادعى الأول أنه من العرب، وادعى الثاني أنه من العجم لا تقبل بينة الثاني؛ لأن العمل بالبينة متعذر، إذ يستحيل أن يكون للرجل ابنا عم من قبيلتين، فترجحت البينة الأولى بالقضاء، وإن أثبت الثاني نسبًا أبعد عن الأول بأن أثبت الثاني أنه ابن ابن عمه، فالقاضي لا يلتفت إلى بينته التقيا إلى أب واحد من قبيلة واحدة، أو من قبيلتين؛ لأنه لا يستحق شيئًا من الميراث مع الأقرب.
وإن أثبت الثاني نسبًا فوق الأول، بأن ادعى الثاني أن الميت ابنه ولد على فراشه، وأنه أبوه لا وارث له غيره.
فهذا على وجهين: إن ادعى الأب نسبه من القبيلة التي ادعاها ابن العم تقبل بينة الأب، وينقض القضاء الأول في حق الميراث دون النسب حتى لا يبقى الأول ابن عم له حتى لو مات هذا الأب يرث الأول منه إذا لم يكن له وارث أقرب منه؛ لأن العمل بالبينتين في حق ثبات النسب ممكن، إذ يجوز أن يكون للإنسان أب وابن عم من قبيلة واحدة، وإذا أمكن العمل في حق ثبات النسب لم ينقض القضاء الأول في حق النسب، وينقضه في حق الميراث؛ لأن ابن العم لا يرث مع الأب.
وإن ادعى الأب نسبه من قبيلة أخرى قبلت بينة الأب وينقض القضاء الأول في حق الميراث والنسب جميعًا؛ لأن العمل بالبينتين في حق النسب متعذر هاهنا، لأن.... دعواهما أن للميت أبوان، هذا المدعي وأخ أب ابن العم، ولا يتصور من حيث الحقيقة أن يكون للشخص الواحد أبوان، وإذا تعذر العمل بهما في حق النسب وجب العمل ببينة الأب، لأن في بينة الأب زيادة إثبات؛ لأن الأب أقرب.
فإن قيل: لا بل العمل بالبينتين في حق النسب ممكن بأن كان بين رجلين جارية جاءت بولد فادعياه، فينبغي أن لا ينقض القضاء الأول في حق النسب، فلا يجوز أن يكون للولد الواحد أبوان من حيث الحكم كما قلتم، إلا أن من شرط ثبوت أبوتهما للواحد أن يدعيا معًا، أما إذا سبق أحدهم الآخر في الدعوة لا يصح دعوة الثاني، وهاهنا مدعي الأبوة صار سابقًا معنى وإن كان ابن العم سابقًا في الدعوة صورة؛ لأن الأب ادعى لنفسه زيادة قرب لم يدعيه ابن العم، فصار الأب منفردًا بهذه الزيادة ولم يزاحمه ابن العم في ذلك، فصار سابقًا معنى، فيعتبر بما لو كان سابقًا حقيقة لا تصح دعوى ابن العم في ذلك كذا هاهنا، فإن قيل: إذا تعذر العمل بها من حيث الحقيقة والحكم كان يجب أن تترجح البينة التي اتصل بها القضاء كما ادعى الثاني أنه ابن عمه من قبيلة أخرى.
قلنا: إنما تترجح البينة التي اتصل بها القضاء حالة التنافي إذا لم يكن في البينة الثانية زيادة إثبات كما في ابني العم، فعند الاستواء في الإثبات تترجح الأولى بحكم اتصال القضاء بها، وهاهنا في البينة الثانية زيادة إثبات، وفي مثل هذا، الترجيح بزيادة الإثبات لا باتصال القضاء؛ لأن الترجيح من حيث زيادة الإثبات ترجيح في نفس الشهادة، والترجيح من حيث القضاء ترجيح من حيث الحكم.
وخرج على المعنى الذي قلنا الولد إذا تنازع فيه رجلان، فأقام أحدهما البينة وقضى القاضي بالولد، ثم أقام الآخر بينة بعد ذلك لم تقبل بينته، وترجح الأول بالقضاء؛ لأنه ليس في البينة الثانية زيادة إثبات، والجمع بينهما غير ممكن، فرجحنا الأول باتصال القضاء بها.
وإذا شهد شاهدان أن فلانًا أعتق هذا الميت وأن الرجل عصبة الذي أعتق، وأنه عصبة المعتق لذلك لا تقبل شهادتهما ما لم يبينا سبب العصوبة (من) أنه ابن الذي أعتق أو أبوه أو أخوه أو ما أشبه ذلك، وهذا لأن أسباب العصوبة كثيرة، ومن العصبات من لا يصير محجوبًا بغيره، ومنهم من يصير محجوبا بغيره، فلابد من أن يعلم القاضي سبب عصوبته حتى إذا جاء آخر فادعى عصوبته، فالقاضي يعلم أن الثاني محجوب بالأول وهو حاجب له، وصارت الشهادة على الميراث، ودعوى الميراث دعوى تلقي الملك من جهة الميت، نظير الشهادة على دعوى تلقي الملك من جهة حالة الحياة.
ومن ادعى تلقي الملك من جهة الحيوة وشهد الشهود بذلك ولم يبينوا سببه، فالقاضي لا يقضي بشهادتهم؛ لأن في أسباب الملك كثيرة وأحكامها مختلفة، فالبيع لا يوجب ملكًا لأنه جاء بعوض، والهبة توجب ملكًا غير لازم بغير عوض، فكذا في دعوى الميراث.
وإذا شهد الشهود بوراثة رجل وبينوا سببه ولم يزيدوا عليه، فاعلم بأن هاهنا فصول:
أحدها: هذا، والحكم فيه أن الشهادة مقبولة إلا أن القاضي لا يدفع المال إلى المشهود له للحال بل يتلوم زمانًا لجواز أن يظهر وارث آخر للميت هو مزاحم للمشهود له، أو هو مقدم عليه.
الثاني: إذا شهدوا بوراثته وبينوا سببه وقالوا: لا نعلم له وارثًا آخر، وهذه الشهادة مقبولة، ويدفع القاضي المال إليه للحال من غير تلوم، وقوله: لا نعلم له وارثًا سوى هذا ليس من صلب الشهادة، بل هو لإسقاط مؤنة التلوم عن القاضي؛ لأن بدون ذكر هذه الزيادة القاضي يتلوم، وبعد ذكر هذه الزيادة لا يتلوم.
الثالث: إذا شهد أنه وارثه لا وارث له غيره، وهذه الشهادة مردودة قياسًا مقبولة استحسانًا، وجه القياس: أن هذه شهادة بما يعلم القاضي أنه لا علم للشاهد به لا من حيث الحقيقة، ولا من حيث الحكم بمعاينة الحكم، أما من حيث الحقيقة فظاهر، وأما من حيث الحكم بمعاينة السبب؛ لأنه لا يوجد في النفي سبب موضوع يوجب النفي بخلاف الشهادة على الإثبات؛ لأن من الإثبات ما يعلم حقيقة، كالأفعال نحو الغصب والقتل، ومنها ما يعلم من حيث الظاهر بمعاينة الأسباب كالأملاك، فلم تكن الشهادة على الإثبات شهادة بما يعلم القاضي أنه لا علم للشاهد به وبخلاف قوله: لا نعلم له وارثًا غيره لأن قوله لا نعلم له وارثًا غيره إخبار عن عدم علمه بوارث آخر، وهو يعلم عدم علمه بوارث آخر، فلم تكن هذه شهادة بعلم القاضي أنه لا علم للشاهد به، وأما قوله: لا وارث له غيره إخبار عن نفي وارث آخر في نفسه، ولا علم له بذلك لا من حيث الحقيقة ولا من حيث الظاهر بمعاينة السبب على ما ذكرنا.
وجه الاستحسان: أن العمل بحقيقة هذه الشهادة إن تعذر من الوجه الذي قلتم أمكن العمل بمجازها بأن يجعل قولهما: لا وارث له غيره، كناية عن قولهما: لا نعلم وارثًا غيره، لأن عدم وارث آخر غير هذا المدعي متى ثبت على الحقيقة ثبت عدم العلم بوارث آخر غيره، فيمكن أن يجعل نفسه على الحقيقة كناية عن نفي علم.
الرابع: إذا قالا: لا نعلم له وارثًا آخر بأرض كذا غير فلان، قال أبو حنيفة رحمه الله: هذه الشهادة جائزة ويقضي له بالميراث، وقالا: لا تجوز هذه الشهادة ولا يقضى له بالميراث، وجه قولهما، أن وجود وارث في مكان آخر إن لم يثبت بشهادتهما نصًا فقد ثبت مقتضى تخصيصهما هذا المكان بنفي وارث آخر فيه، لأنه لو لم يكن له وارث آخر في مكان آخر لم يكن لتخصيص هذا المكان بالنفي فائدة والثابت اقتضاءً والثابت نصًا سواء، ولو ثبت وجود وارث آخر في مكان آخر نصًا بأن قالا: لا نعلم له وارثًا آخر في مكان كذا وله وارث آخر في مكان كذا، أليس إن القاضي لا يدفع المال إليه؟ كذا هاهنا، ألا ترى أنهما لو قالا: لا نعلم له وارثًا آخر في هذا المجلس لا يقضى بالميراث له وطريقه ما قلنا، ولأبي حنيفة رحمه الله أن وجود آخر في مكان آخر لم يثبت بشهادتهما لا نصًا، ولا يقتضي تخصيصهما هذا المكان بالنفي فيه؛ لأن بهذا التخصيص فائدة أخرى.
ووجه ذلك: أنما لما لم يكن له وارث آخر في هذا المكان مع أنه مسقط رأسه، أولى أن لا يكون له وارث آخر في مكان آخر، ثم يقول: إن في هذا الكلام تقديم وتأخير يمكن تصحيح الشهادة لو حمل عليه، فيحمل عليه إذ يحتال بتصحيح الشهادة بقدر الممكن، ووجه التقديم والتأخير أنا لا نعلم له وارثًا آخر غير فلان بأرض كذا، فيكون ذكر الأرض لكون فلان فيها، ونفي غيره على العموم، أما أن يكون ذكر الأرض لتخصيصه بالنفي فيه فلا، ثم الشهود إذا شهدوا على وراثة شخص وبينوا سببها، وهذا الشخص ممن يستحق جميع المال، ولا يصير محجوبًا بغيره، كالابن والبنت والأب إن قالوا: لا نعلم له وارثًا آخر غيره، فالقاضي يدفع جميع المال إليه من غير تلوم؛ لأن الثابت بالبينة العادلة كالثابت بعلم القاضي، ولو علم القاضي بذلك كان يدفع المال إليه كذا هاهنا.
فإن قيل: نفي وارث آخر ثابت بعضه بالأصل، فإن الأصل هو العدم، فلماذا يشترط نفيه بالشهادة؟.
قلنا: نعم الأصل هو العدم، إلا أن العدم ثابت باستصحاب الحال لا بدليله، والثابت باستصحاب الحال يصلح للدفع لا للاستحقاق، فلهذا شرطنا ثبوت النفي بدليله حتى يصلح لاثبات استحقاق ما لم يكن ثابتًا، فأما إذا شهدوا أنه ابنه ولم يزيدوا على هذا، فالقاضي لا يدفع جميع المال إليه بل يتلوم زمانًا يقع في غالب رأي القاضي أنه لو كان معه وارث آخر لظهر في هذه المدة، ولم يقدر محمد رحمه الله في (الأصل) لذلك مقدارًا، ولكن فوض ذلك إلى رأي القاضي، وهكذا ذكر في (الجامع) فالمذكور في (الجامع الكبير): أن القاضي يتأنى ويتلوم في ذلك زمانًا قدر ما يقع في غالب رأيه أنه لو كان له وارث آخر لظهر في مثل هذه المدة، وذكر الطحاوي رحمه الله في مختصره وقدر لذلك حولًا؛ لأن الغيبة قد تمتد إلى حول، قالوا: ما ذكر الطحاوي قولهما؛ لأنهما يثبتان المقدار فيما لا نص فيه ولا إجماع بالاجتهاد، وما ذكر في (الأصل) وفي (الجامع) قول أبي حنيفة؛ لأنه لا يثبت المقدار فيما لا نص فيه ولا إجماع بالاجتهاد، بل يفوضه إلى رأي من ابتلي به، فإنه إذا تلوم حولًا أو مقدارًا وقع في قلبه أنه لو كان له وارث آخر لظهر دفع المال إليه؛ لأن نفي وارث آخر ثبت بنوع دليل وهو التلوم، فصار كما لو ثبت بالشهادة، فأما قبل التلوم لا يدفع المال إليه؛ لأن نفي وارث آخر قبل التلوم ثابت باستصحاب الحال وإنه لا يصح لإثبات استحقاق ما لم يكن ثابتا فرق بين هذا وبينما إذا شهدوا أنه جد الميت أب أبيه أو أخوه لأبيه وأمه ولم يزيدوا على هذا فإن القاضي لا يدفع المال إليه بالتلوم ما لم يشهد الشهود بالنفي، وفي الابن قال: يدفع المال اليه بالتلوم والفرق أن في مسألة الابن وقع الشك في دفع بعض المال لا في دفع الكل لأنه مستحق للبعض على كل حال، وفي مسألة الجد والأخ الشك وقع في الكل لأنهما يحجبان بوارث آخر ولا شك أن الشك للتمكن في دفع الكل فوق الشك المتمكن في دفع البعض، والنفي الثابت بالتلوم دون النفي الثابت بالشهادة من حيث الحقيقة؛ فاكتفى بالتلوم للنفي متى وقع الشك في دفع البعض، ولم يكتف متى وقع الشك في دفع الكل ليظهر نقصان ريبة التلوم عن ريبة الشهادة وصار وزان مسألة الجد والأخ مسألة الابن: أن لو شهد أنه جده أب أبيه ووارثه، أو شهدا أنه أخوه لأبيه وأمه ووارثه حتى ثبت له استحقاق البعض ووقع الشك في الباقي، ولو كان كذلك كان يدفع المال إليه بالتلوم، وإذا عرفت الجواب في الابن فهو الجواب في الابنة والأبوين؛ لأن الشك في حقهم يمكن في البعض؛ لأنهم لا يحجبون بحال، والجواب في ابن الابن وفي ابن الأخ والعم وابن العم، كالجواب في الجد والأخ؛ لأن في حق هؤلاء وقع الشك في دفع الكل؛ لأنهم يحجبون بغيرهم هذا الذي ذكرنا إذا كان المدعي استحق جميع المال، وهو ممن لا يحجب بغيره كالابن والابنة أو ممن يحجب بغيره كالأخ والعم وابن الأب وأشباههم، وأما إذا كان المدعي وارثًا لا يستحق جميع المال ولكن لا يصير محجوبًا بغيره.
كالزوج والزوجة إن شهدا أنه زوجها أو أنها زوجته لا يعلم له وارثًا غيره دفع إلى الزوج النصف وإلى المرأة الربع، لأن نفي وارث آخر ثبت بالشهادة فصار كالثابت بعلم القاضي، وأما إذا شهدوا أنه زوجها أو شهدوا أنها زوجته ولم يزيدوا على هذا؛ أجمعوا على أن قبل التلوم لا يدفع إليه أكثر النصيبين؛ لأن استحقاق أكثر النصيبين معلق بعدم الولد وأنه لم يثبت بدليله، والعدم الثابت باستصحاب الحال لا يكفي، وأما إذا تلوم زمانًا ولم يظهر وارث آخر.
قال محمد رحمه الله في دعوى (الأصل): إن القاضي يدفع إليه أكثر النصيبين، إن كان زوجًا يدفع إليه النصف، وإن كان زوجة يدفع إليها الربع، وقال أبو يوسف رحمه الله: يدفع إليه أقل النصيبين؛ إن كان زوجًا الربع وإن كان زوجة الثمن، ولم يذكر قول أبي حنيفة مع أبي يوسف في (المبسوط) و(الطحاوي): في مختصره ذكر قول أبي حنيفة مع أبي يوسف والخصاف ذكر قوله مع قول محمد.
وإذا ادعى دارًا في يدي إنسان أنها له ورثها عن أبيه وجاء شهود وشهدوا أنها كانت لأبيه إلى أن مات وتركها ميراثًا له لا يعلم له وارثًا غيره، فالقاضي يقبل هذه الشهادة ويقضي بالدار للمدعي وهذا ظاهر، وكذلك إذا شهدوا أنها كانت لأبيه يوم الموت، فالقاضي يقبل هذه الشهادة ويقضي بالدار للمدعي، وإن لم يشهدوا أنه تركها ميراثًا له؛ لأنهم إن لم يشهدوا بذلك صريحًا فقد شهدوا بذلك دلالة، لأن ما كان للإنسان يوم الموت يصير ميراثا لورثته لا محالة، وكذلك إذا شهدوا أنها كانت في يد أبيه إلى أن مات، أو شهدوا أنها كانت في يد أبيه يوم الموت فالقاضي يقبل هذه الشهادة ويقضي بالدار للمدعي؛ لأن الشهادة باليد يوم الموت شهادة بالملك له يوم الموت، لأن اليد المجهولة تنقلب يد ملك عند الموت؛ لأن الظاهر من حال من حضره الموت أن يسوي أسبابه، ويبين ما كان عنده من الودائع أو الغصوب، فإذا لم يبين فالظاهر أن ما في يده ملكه فجعلنا اليد عند الموت ملك من هذا الوجه، وروى الحسن بن زياد وعلي بن يزيد الطبري صاحب محمد بن الحسن رحمهم الله، أنه لا تقبل الشهادة في هذه الصورة؛ لأنهم شهدوا بيد عَرَف القاضي زوالها، ولم يشهدوا بالملك للمورث، ولكن ما ذكر في ظاهر الرواية أصح لما ذكرنا أن الأيدي المجهولة تنقلب عند الموت يد ملك، فكانت هذه شهادة بالملك من حيث المعنى، ولو شهدوا أنها كانت لأبيه ولم يجروا الميراث الى المدعي، فالقاضي لا يقبل هذه الشهادة في قول أبي حنيفة رحمه الله، وهو قول أبي يوسف رحمه الله أولًا، رجع أبو يوسف عن هذا القول وقال: تقبل هذه الشهادة ويقضي بالدار للمدعي.
وجه قول أبي يوسف آخر: أن كون هذه الدار ملكًا للميت يوم الموت إن لم يثبت بنص الشهادة ثبت بمقتضى الشهادة أنها كانت لأبيه؛ لأن ما كان للانسان يبقى له إلى أن يوجد ما يزيله فيبقى إلى يوم الموت، فصار هذا وما لو شهد بكونه له يوم الموت سواء، والدليل عليه أن الأب لو كان حيًا وادعى الدار لنفسه، وجاء المدعي بشهود وشهدوا أنها كانت للمدعي، فالقاضي يقبل هذه الشهادة؛ لأن الشهادة بأنها كانت للمدعي شهادة بأنها للمدعي في الحال.
والدليل عليه ما لو شهدوا على إقرار ذي اليد أنها كانت للميت فإنه تقبل هذه الشهادة، وجعل هذا بمنزلة إقراره أنها كانت للميت يوم الموت بالطريق الذي قلنا.
والدليل عليه: من ادعى عينًا في يد إنسان أنه له اشتراه من فلان الغائب وجاء بشهود ولابد للشهود أن يذكروا في شهادتهم ملك البائع، فلو شهد شهوده أنه كان للبائع فإنه يقضي للمشتري وإن لم يشهدوا بكونه ملكًا للبائع يوم البيع ما كان الطريق إلا ما قلنا.
وجه قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: أن كون هذه الدار ملكًا للميت يوم الموت باستصحاب الحال لا بالبينة، فإنهم لم يشهدوا أنها كانت لأبيه يوم الموت، وإنما شهدوا أنها كانت لأبيه لا غير، إلا أن ما ثبت للأب فإنه يبقى إلى يوم الموت ما لم يوجد دليل الزوال باستصحاب الحال لا بدليل يوجب قيام.
قلنا: والثابت باستصحاب الحال يصلح لإبقاء ما هو ثابت ولا يصلح لإثبات ما هو غير ثابت على ما عرف، فاعتبرنا كون الثابت يوم الموت باستصحاب الحال لا بالبينة لإبقاء ما كان ثابتًا وهو الملك للميت، فإنه لا يثبت الوارث بالموت ملك جديد بل يبقي عين ما كان للميت حتى يرد بالعيب، ويرد عليه ولم يصر في حق مالكية الوارث؛ لأن اعتباره في حق مالكية الوارث لم يكن ثابتًا، وإنما ثبت للحال فيأخذ الاعتبارين إن وجب القضاء بهذه البينة، فباعتبار الآخر لا يجب فلا يجب بالشك والاحتمال، وليس كما شهدوا أنها كانت لأبيه يوم الموت للميت ثابت بالبينة يصلح لإثبات ما لم يكن ثابتًا، أما في مسألتنا هذه فتكون هذه الدار للميت يوم الموت غير ثابت بالبينة والتقريب ما مر، وبخلاف ما إذا شهدوا أنه كان في يده يوم الموت، لأن الشهادة باليد للميت يوم الموت شهادة بالملك له على ما بينا.
وإذا كانت شهادة بالملك له فيكون هذا الشيء ملكًا للميت يوم الموت ثبت بنص البينة، وليس كما لو ادعى الملك لنفسه، وشهدوا أنها كانت للمدعي، فإنه يقضي بها للمدعي، وإن ثبت كونها ملكًا للمدعي للحال باستصحاب الحال لا بالبينة، لأن هناك لا يعتبر الكون الثابت للحال باستصحاب الحال لإثبات ما لم يكن ثابتًا، بل يعيده لإبقاء ما كان ثابتا له من الملك والمالكية جميعًا، بخلاف ما نحن فيه.
وليس كمسألة الشراء لأن ملك المشتري مضاف الى الشراء الثابت بالبينة لا إلى بقاء ملك البائع في البيع الثابت له وقت الشراء باستصحاب الحال، وإن كان لابد لإثبات ملك المشتري من بقاء ملك البائع إلى يوم الشراء أحدهما: وجود، أو أنه لا يوجد حكمًا لبقاء ملك البائع يوم الشراء، وإنما يوجد بالمباشرة عن اختيار، وإنه للملك فإنه موضوع كذلك، ألا ترى أنه لا يتحقق من غير إيجاب الملك فيكون الملك الثابت للمشتري مضافا إلى الشراء الذي ثبت بالبينة، لا إلى بقاء ملك البائع الثابت باستصحاب الحال، وما ثبت بالبينة يصلح لإثبات ما لم يكن ثابتًا.
وأما معنى ثبوت الملك للوارث مضاف إلى كون المال ملكًا للميت وقت الموت، لا إلى الموت الثابت معاينة، لأن الموت ليس بسبب للملك، فإنه موضوع لإبطال الحياة لا لإيجاب الملك حتى يتحقق من غير إيجاب ملك لأحد، وبقاء ملك الميت إلى يوم الموت فيما نحن فيه ثابت باستصحاب الحال لأن الشهود لم يشهدوا بذلك والثابت باستصحاب الحال لا يصلح لإثبات ما لم يكن ثابتًا إن صلح، لإبقاء ما كان ثابتًا.
وأما مسألة الإقرار قلنا: الملك الثابت للوارث هناك مضاف إلى إقرار ذي اليد الثابت بالبينة لا إلى بقاء ملك أبيه يوم الموت الثابت باستصحاب الحال، وإن كان لابد للميراث من الأمرين جميعًا كما في الشراء إلا أن الإقرار أحدهما: وجود أو أنه يصلح سبب ملك من وجه لأنه تمليك من جهة المقر إن كان إخبارًا من وجه، ولهذا لا يصلح إذا لم يعد للمقر له ملكًا والإقرار ثابت بالبينة والثابت بالبينة يصلح لإثبات ما لم يكن تامًا، فأما ما ملك الوارث مضاف إلى كون هذه الدار ملكًا للأب يوم الموت لا إلى الموت الثابت معاينة، وكون هذا المال لأبيه يوم الموت ثابت باستصحاب الحال، وأنه لا يصلح لإثبات ما لم يكن ثابتًا فهذا هو الفرق بين هذا وبين الإقرار.
فإذا شهد أنها لأبيه لا تقبل هذه الشهادة، ذكر محمد رحمه الله المسألة في كتاب (الدعوى) من غير ذكر خلاف، وقد اختلف المشايخ فيه، من قال: المسألة على الخلاف على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: تقبل لأنهم شهدوا بالملك للميت والثابت للوارث عين ما كان ثابتًا للمورث.
والحاصل: أن أبا يوسف اعتبر جانب الملك ولا استحالة في جانب الملك، وهما اعتبرا جانب المالكية فقالا: أثبتنا المالكية للميت في الحال ولا مالكية للميت في الحال فكانت هذه شهادة بالمستحيل، ومنهم من قال: لا تقبل هذه الشهادة بلا خلاف وإليه ذهب الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل رحمه الله فكان يقول بأن محمدًا رحمه الله ذكر كلا الفصلين في (الكتاب) ثم خص رجوع أبي يوسف في مسألة الكون للميت، ولو كان الخلاف فيهما واحدًا لذكر رجوعه فيهما، فعلى هذا: أبو يوسف يحتاج إلى الفرق بين هذه المسألة وبين تلك المسألة، ووجه الفرق له أن يقال: بأن الاستحالة في هذه المسألة إن لم تتحقق في جانب الملك؛ لأن الملك لم يتجدد للوارث بل قام مقام الميت كأنه وكيله فتحقق الاستحالة في إثبات المالكية للميت للحال يمنع قبول الشهادة واعتبار إثبات الملك للورثة للحال، وأنه غير مستحيل للحال يوجب قبوله، فلا يجب القبول بالشك، بخلاف ما لو شهدا أنه كان لأبيه لأنها غير مستحيلة باعتبار الملك والمالكية جميعًا؛ لأنهم أثبتوا كلا الأمرين في حالة الحياة فوجب القبول، فإذا وجب القبول نفى الملك إلى يوم الميت باستصحاب الحال، ثم ثبت مالكية الوارث حكمًا ثم هذا الاختلاف فيما إذا لم يجروا الميراث، فأما إذا جروا وقالوا: هذا لأبيه مات وتركها ميراثًا له، تقبل هذه الشهادة بلا خلاف، وذكر محمد رحمه الله مثل هذا في مسألة الحد في (الأصل) على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وفي (فتاوى النسفي) رحمه الله: إذا شهد الشهود بالوراثة وقالوا: أين محدود ملك فلان يود وحق وي وريدست وي تا أول ترك بمرد وميراث ما ندخر وندان بشر رأ فلان وفلان رأى أنه ليس بتام ولابد من أن يقول: ميراث ما نداين محدود رأى ويقول: ميراث ما ندش حتى يتم حكم الميراث في المحدود المدعى.
قال الشيخ الإمام نجم الدين عمر النسفي رحمه الله: وكتبت الفتوى في حد الميراث وبالغت في شرائط الحد غير أني تركت الهاء عند قوله: وتركه ميراثًا، وكتبت: وترك ميراثًا فقال لي السيد الإمام: ألحق بالهاء واجعل وتركه ميراثًا حتى أفتي بالصحة.
وينبغي أن يقال إذا شهدوا: أنه ملكه يوم موته أو شهدوا أنه كان في يده يوم مات أن لا يحتاج فيه إلى؟ الميراث، وإنما يحتاج إليه إذا شهدوا أنه كان ملكه ولم يتعرضوا ليوم الموت، بدليل المسائل التي تقدم ذكرها.
قال: وإذا شهد شاهدان أن فلانًا (مات) وترك هذه الدار ميراثًا لفلان ابنه هذا، لا يعلمون له وارثًا غيره، ولم يدركا فلانًا الميت لا تقبل شهادتهما لا تحلل في جر الميراث؛ لأنهم جروا الميراث إليه على وجهه، حيث قالوا: وتركها ميراثًا له، ولا يحلل في الشهادة بالنسب والموت من حيث أنهم شهدوا بالشهرة والتسامع؛ لأن الشهادة بالنسب والموت بالشهرة جائزة، ولكن إنما لم تقبل شهادتهما لخلل في شهادتهما بالملك؛ لأنهم شهدوا بالملك للميت بالشهرة والتسامع فإن ما لا يكون مملوكًا للميت لا يصير ميراثًا لورثته، وإذا لم يدركوا الميت، لم يعاينوا سبب الملك منه في الدار، ولا كون الدار في يده يتصرف فيه تصرف الملاك، فعلم أن شهادتهما بالملك للميت بحكم الشهرة والتسامع لا تجوز هذا إذا كان نسب المدعي معروفًا من الميت، وإن لم يكن نسبه معروفًا من الميت فشهدا أنه فلان بن فلان الميت، وأن فلان الميت ترك هذه الدار ميراثًا له ولم يدركا الميت لم يذكر هذا الفصل هاهنا، وذكر في (المنتقى) أجرى شهادتهما في النسب، وأبطلها في الميراث.
ولو شهدوا على دار في يدي رجل أنها لفلان جد هذا الرجل المدعي وخطيه وقد أدركوا الجد، والمدعي يدعي أنها كانت لأمه فاعلم بأن هاهنا فصلان:
أحدهما: إذا شهدوا أنها كانت لجد المدعي، وأنه على وجهين، الأول: إذا جروا الميراث بأن شهدوا أنها كانت لجد هذا المدعي فلان، مات الجد وتركها ميراثًا لهذا المدعي، وفي هذا الوجه تقبل الشهادة، ويقضي بالدار للمدعي.
الوجه الثاني: إذا لم يجروا الميراث بأن شهدوا أنها كانت لجد المدعي ولم يزيدوا على هذا، وفي هذا الوجه إن لم يعلم تقدم موت الجد على موت الأب لا يقضى بالدار للمدعي بالإجماع، وإن علم فكذلك الجواب عند أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف رحمهم الله أولًا، ثم رجع أبو يوسف وقال: يقضى بالدار للمدعي.
والاختلاف في هذا نظير الاختلاف فيما إذا شهدوا أنها كانت لأبيه، ولو شهدوا على إقرار ذي اليد أن هذه الدار كانت لجد المدعي ولم يجروا الميراث، فإن القاضي يقضي بالدار للمدعي إذا لم يكن له وارث آخر، كما لو شهدوا على إقرار ذي اليد أنها كانت لأبيه وبعض مشايخنا قالوا في مسألة الجد: لا تقبل الشهادة بلا خلاف.
الفصل الثاني: إذا شهدوا أن هذه الدار لجد هذا المدعي ولم يقولوا كانت لجده، فإن جروا الميراث تقبل الشهادة ويقضى بالدار للمدعي؛ لأن تفسير الجر أن يقولوا: هذه الدار لجده، مات الجد وتركها ميراثًا لأبيه، ثم مات أبوه وتركها ميراثًا لهذا المدعي، ومتى قالوا: مات الجد وتركها ميراثًا لأبيه فقد شهدوا بالملك لأبيه حال حياته، وصار من حيث المعنى كأنه قال: كانت لأبيه وجروا الميراث، فأما إذا لم يجروا الميراث فعلى قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: لا تقبل الشهادة عند أبي حنيفة ومحمد فهاهنا أولى، وأما على قول أبي يوسف الآخر رحمه الله: فقد اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: تقبل هذه الشهادة؛ لأن معنى قول الشاهد: إنها لجده عرفًا وعادة أنها كانت لجده، ولو شهدوا أنها كانت لجده أليس أنه يقضى بها للمدعي عنده كذا هاهنا، ومنهم من قال: لا تقبل الشهادة ولا يقضى بالدار للمدعي عنده أيضا.
والفرق: لأبي يوسف: بينما إذا شهدا أنها كانت لجد المدعي وبينما إذا شهدا أنها لجد المدعي، والفرق: أنهم إذا شهدوا أنها كانت لجد المدعي فقد أثبتوا الملك لجده حال حياته وهو من أهل الملك في حياته، فيثبت الملك للجد في حياته بهذه الشهادة، وما ثبت للجد ينتقل إلى المدعي ما لم يثبت الزوال من الجد قبل موته إلى غيره، وأما في هذه المسألة أثبتوا الملك للجد بعد الموت لأن قولهم: له عبارة عن الحال، وهو ميت في الحال، والميت ليس من أهل الملك فلم يثبت الملك للجد، فكيف ينتقل إلى المدعي؟.
وإن شهدوا أن الدار كانت لجد هذا المدعي مات الجد، وقد ترك أب هذا المدعي وارثًا لا وارث له غيره، ولم يزيدوا على هذا يعني: لم يشهدوا أن أب هذا المدعي مات وتركها ميراثًا له، فالمسألة على الخلاف الذي ذكرنا؛ لأنهم شهدوا بملك الجد والانتقال إلى ابنه فكأنهم شهدوا أنها كانت لأبيه، كلفتهم البينة على عدد الورثة، ثم نفذت القضاء لأنهم ما لم يشهدوا على عدد الورثة لا يصير نصيب المدعي معلومًا والقضاء بالمجهول لا يجوز؛ وكذلك إذا شهدوا أنها كانت لجد المدعي، كلفتهم البينة على عدد الورثة ثم نفذت القضية بحصة هذا المدعي، وهذا لأن الشهادة على أنها كانت لأبيه أو على أنها كانت لجده شهادة معتبرة عند أبي يوسف رحمه الله، وبها يثبت كون الدار مملوكًا للأب أو للجد عند الموت، وما كان للمورث عند الموت يصير ميراثًا لورثته، إلا أنا نعلم كم نصيب هذا المدعي من الميراث، فشرط بيان عدد الورثة ليعلم مقدار نصيب المدعي.
قال في كتاب (الأقضية): دار في يدي رجل، أقام أحد البينة أن أبي اشتراها منه بألف درهم، وقد مات أبي والبائع يجحد ذلك، فإني لا أكلفه البينة أن أباه مات وتركها ميراثًا له ولكن أسأله البينة أنهم لا يعلمون له وارثًا غيره، فإن أقامها أمرته بدفع الدار إليه.
وإنما لم يكلفه إقامة البينة أن أباه مات وتركها ميراثًا له لأنه لما أقام البينة على الشراء منه، ومعلوم أن كل مانع مقر بالملك لمورثه وقد ذكرنا أن صاحب الدين إذا أقام البينة على إقرار ذي اليد بالملك لمورثه، كفى ذلك حجة للقضاء ولا يحتاج إلى جر الميراث كذا هاهنا، وإنما سأله البينة على أنهم لا يعلمون له وارثًا غيره لدفع شبهة التلوم عن نفسه، وإلا هذا القدر كاف لتوجه القضاء به.
وإن كانت الدار في يد غير البائع سألته البينة أن أباه مات وترك هذه الدار ميراثًا له، لأن المدعي على ذي اليد هاهنا نفس الملك للمورث والانتقال إلى نفسه بسبب الإرث، لا إقرار ذي اليد بالملك للمورث وهذا لأن دعوى القرار على ذي اليد في المسألة الأولى في ضمن دعوى البيع عليه، والمدعي هاهنا لا يدعي البيع على ذي اليد فكان هذا في حق ذي اليد دعوى نفس الملك للمورث فلابد من جر الميراث. وفي (الكتاب) يقول على وجه التعليل للمسألة الأولى: أن البائع بمنزلة المرتهن، ولو أقام البينة أن أباه رهن العبد عنده وجاء بالمال لينقده ويقبض الرهن، كلف إقامة البينة على عدد الورثة ولا يكلف جر الميراث كذا هاهنا، فقد أشار إلى أن البيع في يد البائع محبوس لينقد الثمن، كالرهن محبوس في يد المرتهن لينقد الدين، وحكم الرهن ما ذكرنا. وحقيقة المعنى: أن المرتهن مقر بالملك للراهن أيضًا، لأنه مقر بصحة الرهن وذلك ملك الراهن فيعتبر بما لو أقر به صريحًا، ولو ادعى إقراره صريحًا قبلت البينة من غير جر الميراث كذا هاهنا. فكذا في مسألة البيع: البائع مقر بصحة البيع، فيكون مقرًا بملك المشتري ضرورة.
قال في (الأصل): دار في يدي رجل جاء ابن أخ صاحب اليد وأقام بينة أن هذه الدار كانت لجده، مات وتركها ميراثًا بين أبيه وبين عمه هذا الذي الدار في يده نصفان، ثم مات أبوه وترك نصيبه ميراثًا له، فالقاضي يقبل هذه البينة ويقضي بالدار بين المدعي وبين عمه نصفان.
وإن لم يقض القاضي ببينة ابن الأخ، حتى أقام العم بينة أن أخاه وهو أب هذا المدعي مات قبل موت الجد وورث الجد منه السدس، ثم مات الجد وصار جميع الدار ميراثًا لي فهذه المسألة على وجهين:
الأول: أن لا يكون في يد ابن الأخ شيء من تركة أبيه، وفي هذا الوجه بينة ابن الأخ أولى، لأن العمل بالبينتين جميعًا متعذر، لأن ابن الأخ ببينته يثبت موت الجد لاحتماله، فلا يتصور أن يكون موت الجد سابقًا على أب المدعي ولاحتماله، فلابد من العمل بالراجح منها فنقول: بينة ابن الأخ راجح لوجهين أحدهما: ما أشار إليه في (الكتاب) فقال: لأن ابن الأخ هو المدعي، ومعنى هذا الكلام أن ابن الأخ يثبت الملك لنفسه في نصف الدار ببينة ابن العم والعم لا يثبت لنفسه شيئًا على ابن الأخ ببينته، وإنما بقي بينة ما أثبت هو لنفسه من نصف الدار، والبينات شرعت للإثبات لا للنفي. الثاني: إن كانت بينة العم مثبتة أيضًا، إلا أن بينة ابن الأخ أكثر إثباتًا لأنها تثبت الملك لأبيه في نصف الدار أولًا، ثم يثبت الملك له في نصف الدار من جهة الإرث، وبينة العم تثبت الملك للعم أما لا تثبت الملك لأبيه والجد لأن الملك ثابت للجد باتفاقهما، والبينات شُرعت للإثبات فما كانت أكثر إثباتًا، كان أولى بالقبول فإن قيل: إن كانت لبينة ابن الأخ رجحانًا من هذا الوجه فلبينة العم رجحانًا من وجه آخر، فإن للعم مع البينة اليد واليد مما يقع بها الترجيح إذا كان الدعوى في تلقي الملك من جهة الثالث.
كما في دعوى الشراء من ثالث، فإن الرجلين إذا ادعيا شراء عين من ثالث، وأقاما البينة والعين في يد أحدهما فإنه يقضي بالعين لصاحب اليد. والجواب عن هذا أن يقال: بأن الملك فوق اليد، ألا ترى أن الشهود إذا شهدوا أن هذه الدار كانت لهذا المدعي، تقبل الشهادة ويقضي بالدار للمدعي، ولو شهدوا أن هذه الدار كانت في يد المدعي كانت المسألة على الاختلاف، وإذا كان الملك فوق اليد كان الترجيح بالملك أولى من الترجيح باليد.
بخلاف ما إذا ادعيا الشراء من ثالث لأن هناك استوى المدعيان في إثبات الملك ولأحدهما يد فكان هو أولى، كما في دعوى الأخ أما هاهنا بخلافه.
الوجه الثاني: إذا كان في يد ابن الأخ بشيء من ميراث أبيه، وباقي المسألة بحالها وفي هذا الوجه ميراث الجد كلها للعم وميراث الأخ كلها لابن الأخ، ويجعل كأنهما ماتا معًا، وهذا لأن البينتين استويا في الإثبات من كل وجه؛ لأن بينة ابن الأخ أثبتت موت الجد سابقًا على موت أبيه وأثبت لأبيه ميراثًا من الجد وهو: نصف الدار التي في يد العم وأثبت ذلك لنفسه من جهة أبيه، وبينة العم تثبت بموت الأخ سابقًا على موت الجد وأثبت الجد ميراثًا من أخيه وهو سدس ما في يد ابن الأخ، ثم أثبت ذلك لنفسه من الجد. وهو معنى قولنا: البينتان استويا في الإثبات من كل وجه، والمدعيان استويا في اليد أيضًا فلا ترجيح لأحد البينتين على الأخرى، ولا لأحد المدعيين على صاحبه، فلا يعمل بينة كل واحد منهما فخرجت البينتان من البين، وموت كل واحد منهما قد ظهر والتاريخ بينهما ليس بمعلوم، فيجعل كأنهما ماتا معًا في الغرقى والحرقى، ولو ماتا معًا لا يرث أحدهما من صاحبه، ويجعل مال كل واحد منهما لورثته كذا هاهنا، بخلاف ما إذا لم يكن في يد ابن الأخ شيء من تركة أبيه، لأن هناك ترجحت بينة ابن الأخ بكثرة الإثبات أما هاهنا بخلافه.
قال في (الأصل) أيضًا: لو أقام رجل البينة على ميراث رجل أنه مات سنة خمسين وأنه ابنه ووارثه لا وارث له غيره وقضى القاضي بذلك، ثم أقامت امرأة البينة أنه زوجها سنة إحدى وخمسين، ومات بعد ذلك ذكر أنه تقبل بينة المرأة وتشارك الابن في الميراث ويقضي لها بالمهر هكذا ذكر، ويجب أن لا تقبل بينة المرأة؛ لأن العمل بالبينتين جميعًا متعذر لأن الابن أثبت موت أبيه سنة خمسين وقضى القاضي بذلك، وإذا صار موته مقضيًا به في سنة خمسين، لا يتصور أن يكون مقضيًا به في سنة إحدى وخمسين، لأن الموت مما لا يتكرر، وكل واحدة منهما في الإثبات مثل صاحبتها؛ لأن كل واحد من البينتين أثبت موت مورثه وسبب وراثته من الميت، وهو النسب والنكاح فكان يجب أن تترجح الأولى بإيصال القضاء بها، لما تعذر العمل بها قياسًا على ما إذا أقامت امرأة بينة أنه تزوجها يوم النحر بمكة وقضى القاضي بذلك، ثم أقامت امرأة أخرى بينة أنه تزوجها يوم النحر بخراسان، قال: لا تقبل البينة الثانية وتترجح الأولى باتصال القضاء بها؛ لأن كل واحدة منهما في الإثبات مثل صاحبتها والعمل بها متعذر لأن الشخص الواحد في يوم واحد لا يكون بمكة وخراسان، فترجحت الأولى باتصال القضاء بها فكذا هذا.
والدليل عليه: ما لو كان مكان الموت قتلًا لو أقام الابن البينة أن فلانًا قتل أباه سنة خمسين وأنه ابنه ووارثه وقضى القاضي بذلك، ثم جاءت امرأة وأقامت البينة أنه تزوجها سنة إحدى وخمسين ثم قتله فلان بعد ذلك؛ فإنه لا تقبل بينة المرأة وتترجح الأولى باتصال القضاء بها لأن كل واحدة منهما في الإثبات مثل الأخرى والعمل بهما متعذر، فترجحت الأولى باتصال القضاء بها.
إلا أن الجواب عنه، وهو الفرق بين مسألة الموت والقتل، وبين مسألة مكة وخراسان، أن يقال: بأن البينة الأولى إنما ترجحت بالقضاء في مسألة القتل؛ لأن القتل صار مقضي به بالبينة الأولى لأن القاضي قضى بالضمان على القاتل فلابد للقضاء بضمان القتل من القضاء بالقتل لأنه سببه، كما لابد للقضاء بالملك بالشراء من القضاء بالشراء؛ لأن الشراء مسببه.
وإذا صار القتل مقضيًا به ضرورة القضاء بضمان القتل صار التاريخ معه مقضيًا به لأن القتل لابد وأن يكون في الزمان كما في الشراء، وإذا صار القتل مقضيًا به في سنة خمسين لم يتصور ثانيًا في سنة إحدى وخمسين؛ لأنه لا يتكرر فترجحت الأولى بالقضاء لهذا، وكذلك كون المتزوج بمكة في مسألة مكة وخراسان صار مقضيًا به مع النكاح وإن لم يكن كونه بمكة سببًا للاستحقاق، بل سبب الاستحقاق هو النكاح لأنه لا يمكن القضاء بالنكاح بدون المكان، فإنه لابد للنكاح من كون الناكح في مكان، وإذا لم يكن للنكاح بد من المكان صار المكان الذي ذكره الشهود أولى بالقضاء من غيرها من الأمكنة، وإذا صار كونه بمكة مقضيًا به يوم النحر، لم يتصور أن يصير كونه بخراسان مقضيًا به في ذلك اليوم مرة أخرى فترجحت الأولى بالقضاء. وأما في مسألة الموت: فالموت لم يصر مقضيا به لضرورة القضاء بالنسب فإنه يتصور القضاء بالنسب من غير موت أصلًا، كما لو أقام البينة أنه ابنه في حال حياة أبيه، وأما ضرورة القضاء بالميراث لأن استحقاق الميراث مضافًا إلى النسب خاصة، لا إلى الموت والنسب؛ لأن النسب يكفي لإضافة استحقاق الميراث إليه فإن النسب إذا تأخر عن الموت بأن كان الموت ظاهرًا والنسب غير ظاهر.
فإذا ثبت النسب بشهادة الشهود بعد الموت، كان الاستحقاق مضافًا إلى النسب حتى لو رجع الشهود ضمنوا، وإذا كان النسب كافيًا لاستحقاق الميراث لم يصر الموت مقضيًا به ضرورة القضاء بالنسب لم يصر التاريخ مقضيًا به بالبينة أيضًا، لأن التاريخ صفته، وإذا لم يصر التاريخ مقضيا به بالبينة الأولى صار وجود التاريخ وعدمه بمنزلة، فكأن الابن أقام البينة على الموت والنسب من غير تاريخ، وقضى القاضي له بذلك ثم أقامت المرأة البينة على النكاح والموت، ولو كان كذلك قضى بالأمرين جميعًا لأنه لا تنافي بينهما وكذلك هذا.
فإن قيل: كما يضاف استحقاق الميراث إلى النسب وحده إذا تأخر فكذا يضاف إلى الميت إذا تأخر، فإن النسب إذا كان ثابتًا ثم ثبت الموت بالبينة بعد ذلك فإن الاستحقاق يضاف إلى الموت، حتى لو رجع الشهود ضمنوا فإذا كان كل واحد منهما مما يضاف الاستحقاق إليه إذا انفرد فحالة الاجتماع يكون الاستحقاق مضافًا إليهما لا إلى النسب خاصة، وإذا أضيف إليهما صار الموت مقضيًا به مع التاريخ فوجب أن لا تقبل بينة المرأة بعد ذلك.
والجواب عنه أن يقال: بل الموت يصلح لإضافة استحقاق الميراث إليه إذا تأخر عن النسب إلا أن عند اجتماع النسب أولى بإضافة الاستحقاق إليه من الموت؛ لأن النسب في الأصل مشروع للاستحقاق، استحقاق ضره ونفعه وكثير من الأمور لا يخلو إثبات النسب عن استحقاق شيء من الحقوق التي ذكرنا، فأما الموت غير مشروع للاستحقاق لا محالة، بل مشروع لإبطال الحياة حتى يتحقق من غير إيجاب حق أصلًا لأحد، فيكون الإضافة إلى النسب أولى إذا ثبتا معًا، وقد يجوز أن يضاف الحكم إلى الشيء حالة الانفراد، ثم مع غيره لا يضاف إليه بل يضاف إلى ذلك الغير، كالخر يصلح سببًا لإضافة التلف إليه فكذلك مسألتنا: إذا اجتمع الموت والنسب، يضاف الاستحقاق إلى النسب وإن كان يضاف إلى الموت إذا انفرد وتأخر عن النسب.
وإذا أضيف استحقاق الميراث ولا في حق إمكان القضاء بالنسب لأن الإمكان يثبت بدون الموت أصلًا، وإليه أشار محمد رحمه الله في (الكتاب) فإنه قال في مسألة الموت: لأني لم أوجب بموته يعني لم أقض به. قالوا: وقال في مسألة مكة وخراسان: لأني جعلته في ذلك اليوم بمكة أي نصبت بكونه بمكة ضرورة إمكان القضاء بالنكاح، بهذا فرق محمد رحمه الله. وكذلك لو أقامت امرأة أخرى البينة بعدما قضيت بموته في توريث امرأته وأنه تزوجها بعد ذلك الوقت، فإنه تقبل بينتها لما ذكرنا أن الموت لم يصر مقضيًا به لا في حق إضافة الاستحقاق ولا في حق إمكان القضاء بالنكاح؛ لأن القضاء بالنكاح ممكن بدون الموت وإذا لم يصر الموت مقضيًا به لم يصر التاريخ مقضيًا به فكأن الأول أثبت العقد والموت والثانية كذلك، ولم يؤرخا ولو كان كذلك قضى بالأمرين لأنه لا تنافي بينهما، فكذلك هذا. ولهذه المسألة بطل ما يقول بعض مشايخنا في الفرق بين مسألة الموت ومكة وخراسان: أن بنية المرأة إنما قبلت لأن فيها زيادة إثبات، وهو إيجاب المهر ليس ذلك في بينة الابن، والأولى إنما يترجح بالقضاء حال تعذر العمل بهما إذا لم يكن في الثانية زيادة إثبات بخلاف مسألة مكة وخراسان؛ لأنهما استويا في الإثبات وبين الأمرين تنافي، فترجحت الأولى بالقضاء لأن هذا يشكل ما لو أقامت المرأة الأخرى بينة أنه تزوجها بعد الوقت ثم مات، فإنه لم يقبل بينة المرأة الثانية، والمرأتان قد استويا في الإثبات.
ويشكل بمسألة القتل فإنه لم يقبل بينة المرأة وإن كانت في بينتها زيادة إثبات ولأن الثانية متى ترجحت بسبب الزيادة تبطل الأولى وإن اتصل بها القضاء متى كان بين الأمرين منافاة كما في مسألة العم والأب من قبيلين مختلفين، وهاهنا القضاء للابن لا يبطل علمنا أن الصحيح من الطريقة ما أشار إليها محمد رحمه الله، وفي (المنتقى): إذا شهد الشهود على رجل أنه قتل أب هذا عمدًا ولا وارث له غيره، وأن القتل كان في شهر ربيع الأول سنة خمس وثمانين ومائة، وأقام المدعى عليه بينة أن أباه كان حيًا وأنه أقرضه في محرم سنة ست وثمانين ومئة، مئة درهم وأنها دين عليه، فالبينة بينة الابن؛ لأنهما أمران لا يستقيم أن يكونا فيؤخذ بالوقت الأول إلا أن أبا حنيفة رحمه الله استحسن في هذا الباب شيئًا واحدًا فقال: إذا أقام الابن البينة أن هذا قتل أباه عمدًا بالسيف منذ عشر سنين، وأنه لا وارث له غيره.
وجاءت امرأة وأقامت البينة أنه تزوجها منذ خمس عشر، وأن هذا ولده منها وأن هذا وارثه مع أبيه هذا قال أبو حنيفة رحمه الله: أستحسن في هذا أن أجر بينة المرأة وأبطل بينة الابن على القتل، ولو أقامت المرأة البينة على النكاح ولم تأت بولد فالبينة بينة الابن والميراث للابن دون المرأة ويقتل القاتل إنما استحسن في النسب خاصة وهو قول أبي يوسف ومحمد، ولو شهدوا أن أباه مات في هذه الدار لا تقبل الشهادة.
والأصل في حبس هذه المسائل أن الشهود شهدوا على فعل من المورث في العين عند موته فهذا على وجهين: إما إن شهدوا بفعل هو دليل اليد أو بفعل ليس هو دليل اليد فعل يوجد من المالك في الغالب كالسكنى في الدور، فهذا النوع من الفعل إذا قامت البينة على وجوده من المورث في العين عند موته يقضي بالمدعي للمدعى؛ لأن هذه الأفعال لما كانت دليل اليد صارت الشهادة عليها عند الموت، والشهادة على اليد سواء والدين ليس بدليل اليد في التقلبات فعل يتأتى بدون الفعل، ولا يحصل في الغالب للنقل كالجلوس على البساط وفي جر التقلبات الذي ليس بدليل اليد، فعل يوجد من غير الملاك في الغالب كالجلوس والنوم في الدار فهذا النوع من الفعل إذا قامت الشهادة على وجوده من المورث في العين عند موته، لا يقضي بالعين للمدعي، لعدم دليل الملك، وعدم دليل اليد التي هي دلالة الملك إذا ثبت هذا.
جئنا إلى المسائل فنقول: إذا شهد الشهود أن أباه مات، وهو لابس هذا القميص أو لابس هذا الخاتم، تقبل الشهادة لأنهما فعلان لا يتهيأ ثبوتها إلا بالنقل وهو دليل اليد، وكذلك لو شهدوا أنه مات وهو حامل لهذا الثوب، تقبل الشهادة لأن الحمل لا يتهيأ بدون النقل.
أطلق محمد رحمه الله الجواب في الخاتم، وحكى عن القاضي أبي الهيثم عن القضاة الثلاثة رحمهم الله أنهم كانوا يفصلون الجواب في ذلك ويقولون: إن شهدوا أن الخاتم كان في خنصره أو بنصره يوم الموت، تقبل الشهادة وإن شهدوا أنه كان في السبابة أو في الوسطى أو في الإبهام لا تقبل الشهادة، ولكن الصحيح أن يجري في إطلاقه كما ذكره محمد رحمه الله؛ لأن الفعل الذي لا يتهيأ إلا بالنقل والتحويل في النقليات أقيم مقام اليد على ما قر، ولبس الخاتم في أي موضع كان لا يتهيأ إلا بالنقل والتحويل، ولو شهدوا أن أباه مات وهو راكب على هذه الدابة قضي بالدابة للوارث، وإن كان الركوب يتحقق بدون النقل إلا أنه لا يحصل في الغالب إلا بالنقل، ولو شهدوا أن أباه مات وهو ساكن في هذه الدار تقبل الشهادة لأن السكنى إنما تكون من المالك غالبًا لأن الساكن في الدار من إليه إسكان غيره وإزعاجه، وفتح الباب وإغلاقه، وهذا عادة لا يكون إلا من الملك، وعن أبي يوسف برواية (المعلى) رحمه الله: إذا شهد شاهدان أن فلانًا مات وهو ساكن في هذه الدار، لا يقضي بالدار لورثته، ولو شهدوا أن أباه مات في هذه الدار، لا تقبل الشهادة لأنه ليس بفعل يفعله الملاك غالبًا؛ لأن الدار قد يموت فيها الملاك، وقد يموت فيها الضيفان فلا يكون دليلًا على اليد، بخلاف السكنى على ما هو.
ولو شهدوا أن أباه مات وهو قاعد على هذا الفرس أو على هذا البساط أو نائم عليه، لا تقبل هذه الشهادة لأن هذه الأفعال تتصور بدون النقل فلا يكون دليلًا على اليد.
ولو شهدوا أن أباه مات وهذا الثوب موضوع على رأسه، ولم يشهدوا أنه كان حاملًا له، لا تقبل هذه الشهادة ولا يقضى للوارث، لأن الوضع قد يكون منه فثبت منه النقل والتحويل فيكون ذلك دليل يده، وقد يكون من غيره فلا يثبت منه النقل والتحويل فيكون ذلك دليل يده، فقد وقع الشك في يده فلا تثبت يده بالشك حتى لو قالوا: لو شهدوا أنه كان هو الواضع على رأسه تقبل شهادتهم؛ لأن الوضع من فعل لا يتأتى إلا بالنقل فكان دليلًا على اليد. هكذا حكي عن القاضي أبي الهيثم.
ثم قال محمد رحمه الله عقيب هذه المسائل: أرأيت لو أن رجلًا في يديه دار قال لآخر: كنت أمس ساكن هذه الدار فقال الآخر: صدقت وهي لي، فقال المقر: ليست لك، كان للمقر له بالسكنى أن يأخذها أشار ما قلنا: أن السكنى دليل الملك، فكان الإقرار بالسكنى إقرار له بالملك.
قال في دعوى الأصل: إذا كانت الدار في يدي رجل وابن أخيه، فادعى العم أن أباه مات وتركها ميراثًا له، لا وارث له غيره، وادعى ابن الأخ أن أباه مات وتركها لا وارث له غيره قضي بالدار بينهما نصفان؛ لأن كل واحد منهما أثبت الملك لأبيه في الدار، ثم أثبت الانتقال إلى نفسه فكأن الأبوين حيان حضرا وادعى كل واحد الدار لنفسه والدار في أيديهما، وهناك يقضي لكل واحد منهما بنصف الدار بالقضاء لأب كل واحد منهما تصير ميراثًا لولده، فإن قال العم: هذه الدار كانت بين أبي وبين أخي نصفان، وصدقه ابن الأخ في ذلك إلا أن العم قال لابن الأخ: مات أخي قبل موت الجد، وصار النصف الذي كان لأخي ميراثًا بين الجد وبينك أسداسًا، ثم مات الجد فورثت ذلك السدس منه، وقال ابن الأخ: مات الجد أولًا وصار النصف الذي للجد ميراثًا بينك وبين أبي نصفان، ثم مات أبي فورثت ذلك منه.
فنقول: حاصل المسألة: أن العم يدعي لنفسه سدس ما في يد ابن الأخ، وابن الأخ يدعي لنفسه نصف ما في يد العم، فحصل كل واحد منهما مدعيًا ومدعى عليه، فإن لم تقم لهما بينة ولا لأحدهما، حلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه فإن حلفا برئا، وصار الحال بعد الحلف كالحال قبل الحلف، وقبل الحلف كانت الدار بينهما نصفان لكونها في أيديهما، فكذا هاهنا فإن حلف أحدهما ونكل الآخر يقضي للحالف بما نكل له صاحبه، وإن أقام أحدهما بينة قضى بما شهد له ببينته، وإن أقاما جميعا البينة قضي بالدار بينهما نصفان؛ لأنه قد ظهر الموتان ولم يعرف سبق أحدهما، فيجعل كأنهما وقعا معًا فلا يرث ميت من ميت، وإنما يرث من كل ميت ورثته الأحياء، ووارث الجد العم فنصيبه من الدار يصير له، وذلك النصف يصير له أيضًا.
قال: وإذا كانت الدار في يدي رجل، جاء رجل وادعى أن أباه مات، وترك هذه الدار ميراثًا له ولأخوته فلان وفلان وفلان، لا يعلمون له وارثًا غيرهم وإخوته كلهم غيب، أجمعوا على أن هذه البينة في حق استحقاق جميع الدار للميت مقبولة، لأن آخذ الورثة ينتصب خصمًا عن الميت فيما يستحق أو عليه، ألا ترى أنه لو ادعى على ميت دينًا بحضرة أحدهم وأقيم عليه البينة ثبت الدين في حق الكل، وكذلك لو ادعى أحد الورثة دينًا على إنسان للميت وأقام على ذلك بينة، ثبت الدين في حق الكل، وأجمعوا على أنه يدفع إلى الحاضر نصيب الحاضر، وأجمعوا على أنه لا يدفع إلى الحاضر نصيب الغائب.
بعد هذا قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يؤخذ نصيب الغائب ويوضع على يدي عدل، وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يؤخذ. وأجمعوا على أن صاحب اليد لو كان مقرًا لا يؤخذ نصيب الغائب من يده هذا هو الكلام في العقار. وأما المنقول: فلا شك أن على قولهما يؤخذ نصيب الحاضر من يده، وأما على قول أبي حنيفة: اختلف المشايخ فيه، وإنما اختلفوا لاختلافهم في علة أبي حنيفة في فصل العقار، فمن قال: بأن طريق أبي حنيفة في فصل العقار أن هذا مال غائب، لا يخشى عليه التلف بإنكار ذي اليد، فلا يأخذه القاضي من يد صاحب اليد لأن الأخذ لا يؤرخ، وبهذا الطريق لا يؤخذ إذا كان صاحب اليد مقرًا بيان أنه لا يخشى عليه التلف بإنكار ذي اليد، لأن الدعوى بعد قضاء القاضي بإنكار ذي اليد إنما يكون بموت القاضي، أو بموت الشهود الذين عاينوا القضاء، أو بنسيان القاضي القضاء.
وضياع الكتاب وكل ذلك نادر ولا عبرة للنادر في الشرع، فهذا القائل يقول: لا ينزع المنقول من يد صاحب اليد عنده، لأنه لا يخشى عليه التلف بإنكار ذي اليد، من قال بأن طريق أبي حنيفة في العقار: أن القاضي لا يملك حفظ هذا المال على الغائب بالبيع، فلا يملك حفظه بالنقل من يد إلى يد يقول: بأن المنقول ينزع من يد صاحب اليد، لأن القاضي يملك حفظ المنقول على الغايب بالبيع، فيملك الحفظ بالنقل من يد إلى يد.
ثم في فصل العقار إذا حضر الغائب هل يحتاج إلى إعادة البينة؟ قال بعض مشايخنا: يحتاج، والأصح لا يحتاج لما ذكرنا أن أحد الورثة ينتصب خصمًا عن الميت، والحاضر أثبت كل الدار للميت بما أقام من البينة، فلا يحتاج الغائب إلى إعادة البينة.
قال محمد رحمه الله في (الجامع): رجلان أقام كل واحد منهما بينة على دار في يدي رجل أنها كانت لأبيه، مات وتركها ميراثًا له لا يعلمون له وارثًا غيره، وأحد هذين الرجلين ابن أخ ذي اليد ووارثه لا وارث له غيره، فلم يترك البينتان حتى مات المدعى عليه، فصار الدار في يد ابن أخيه، ولم يوص إلى أحد ثم إن البينتين جميعًا زكيتا، فالقاضي يقضي بالدار بين الأخ وبين الرجل الأجنبي نصفين، وإن صار ابن الأخ ذو اليد والآخر خارج، لأن ابن الأخ ملك الدار بحكم الإرث مع هذا قال: يقضى بالدار بينهما لوجهين:
أحدهما: أنه لما زكيت البينتان، ظهر أن الأجنبي أقام البينة العادلة، وهي سبب للاستحقاق فثبت له بإقامة البينة العادلة حق الملك، وكون التركة مشغولة بحق الأجنبي يمنع الإرث فلم تصر الدار ميراثًا لابن الأخ، فيثبت الدار على حكم ملك الميت، وجعل يد ابن الأخ كيد الميت، فصار ابن الأخ في حق نفسه خارجًا.
والثاني: إن ثبت الملك لابن الأخ في الدار بالإرث إلا أن هذا الملك غير الملك الذي يدعيه وله في الملك الذي يدعي فائدة، وهو أن يتعلق بالدار دين عمه ولا وصية، فاعتبر خارجًا إذ الخارج من يحتاج إلى إثبات ما يدعي بالبينة، وذو اليد من يحتاج إلى إثبات ذلك بالبينة، لقيام ظاهر يده على ما يدعي، فإذا اعتبر ابن الأخ خارجًا قضي بالدار بينهما نصفان لو أقام الأجنبي البينة على ابن الأخ أن الدار داره ورثها من أبيه، لم تسمع بينته لأن القاضي لما قضى بالدار نصفان صار كل واحد منهما مقضيًا عليه في النصف من جهة صاحبه لأن كل واحد منهما أقام البينة على كل الدار، ولولا بينة صاحبه لما حرم من النصف فثبت أن كل واحد منهم صار مقضيا عليه في النصف من جهة صاحبه، وقد عرف أن من صار مقضيًا عليه في شيء لا يسمع دعواه في عين ذلك الشيء، إلا أن يدعي تلقي الملك من جهة المقضي له ولم يوجد.
ولو أن القاضي زكى شهود الأجنبي بعد موت العم ولم يزك شهود ابن الأخ فقضى بالدار كلها للأجنبي، ثم زكيت بينة ابن الأخ لم يقض له بشيء وقد بطلت بينته؛ لأنه لما قضى بالدار كلها للأجنبي ولا يجوز القضاء بالدار كلها للأجنبي مع قيام ما يوجب القضاء بالنصف لابن الأخ فضمن القضاء بكل الدار للأجنبي إبطال شهود ابن الأخ، وللقاضي ولاية إبطال الشهادة إذا وجد دليل الإبطال، والقاضي متى رد شهادة إنسان في حادثة فإنه يتأيد الرد في تلك الحادثة فإن أعاد ابن الأخ شهوده على الأجنبي، فشهدوا أن الدار داره بسبب الإرث على ما ادعى، قضى بجميع الدار لابن الأخ لأنه لم يصر مقضيًا عليه ببينه الأجنبي لأن تلك البينة قامت على العم دون ابن الأخ، وهذا لا يشكل فيما إذا أقام ابن العم شهودًا آخرين، إنما يشكل فيما إذا أعاد تلك الشهود وإنما كان هكذا، وذلك لأن القاضي ما رد شهادتهم لتهمة الكذب، بل لضرورة القضاء للأجنبي، وما ثبت بطريق الضرورة لا يعمل وموضع الضرورة، فلم يصر محكومه يكذبها، ولأن المشهود عليه في المرة الثانية غير المشهود عليه في المرة الأولى في هذا لا يتأيد الرد، كفاسقين إذا شهدا وردت شهادتهم ثم تابا، وشهدا للمشهود له الأول في حادثة أخرى قبلت شهادتهما كذا هاهنا، وإن أقام الأجنبي بعد هذا بينة أن الدار داره لم تقبل؛ لأنه صار مقضيًا عليه ببينة الأخ فلا يقضى له فيما قضي به عليه، ولو زكى شهود ابن الأخ ولم يزك شهود الأجنبي فقضى بالدار لابن الأخ ثم زكى شهود الأجنبي بعد ذلك لم يلتفت إلى ذلك لما مر، ولو أعاد الأجنبي شهوده على ابن الأخ قضى بجميع الدار لما مر، فإن قال ابن الأخ: أنا أعيد شهودي، لم يلتفت إلى ذلك لأنه صار مقضيًا عليه لما مر، ولو كان الأجنبي أقام البينة في حياة العم ولم يقم ابن الأخ حتى مات العم قبل تزكيته شهود الأجنبي، ثم أقام ابن الأخ البينة أنها دار ورثها من أبيه وزكيت البينتان جميعًا قضى بالدار بينهما نصفان لما مر من الوجهين، ولو أن ابن الأخ لم يقم البينة على شيء حتى قضى بالدار للأجنبي، ثم ابن الأخ أقام على الأجنبي بينة أنها داره ورثها من أبيه قضى بالدار لابن الأخ؛ لأن ابن الأخ لم يصر مقضيًا ببينة الأجنبي؛ لأن تلك البينة قامت على العم لا على ابن الأخ، ولو كان ابن الأخ هو الذي أقام البينة في حياة العم، ومات العم ثم أقام الأجنبي البينة فزكيت البينتان يقضى بالدار للأجنبي، فرق بين هذا وبينما إذا أقام الأجنبي البينة في حياة العم وأقام ابن الأخ البينة بعد موت العم حيث يقضى بالدار بينهما نصفان.
والفرق بينهما: إما على المعنى الأول فلأن إقامة الأجنبي البينة العادلة أو حيث شغل الدار بحق الأجنبي، وهذا يمنع جريان الإرث، فبقي ابن الأخ خارجًا كالأجنبي فقضى بالدار بينهما وإقامة ابن الأخ البينة وإن أوجبت شغلًا في الدار بحق ابن الأخ، ولكن حقه لا يمنع ثبوت حقه بالإرث فصار ابن الأخ ذا يد والأجنبي خارج فيقضى بها للخارج، وإما على المعنى الثاني: فلأن الإرث وإن جرى إلا أن ابن الأخ إنما اعتبر خارجًا تحقيقًا لعرضه بشرط قيام المنازع، وعند إقامة الأجنبي البينة وجد له المنازع فاعتبر ابن الأخ خارجًا، فأما عند عدم إقامة الأجنبي البينة لم يوجد المنازع إذ الأجنبي لا يعتبر منازعًا لعدم ثبوت الخصوصية له من بين سائر الناس بمجرد الدعوى، فاعتبر ابن الأخ ذا يد فقضي بالدار للأجنبي لهذا، ولو أقام كل واحد منهما شاهدًا واحدًا على العم، فمات العم فورثه ابن الأخ ثم أحضر كل واحد منهما شاهدًا آخر فزكيت البينتان يقضى بالدار بينهما نصفان، وهذا لا يشكل على الوجه الثاني؛ لأن ابن الأخ اعتبر خارجًا على الوجه الثاني، وإن ملك الدار بالإرث على ما مر، إنما يشكل على الوجه الأول لأن إقامة الأجنبي شاهدًا واحدًا لا يوجب شغلا في الدار لحق الأجنبي فيملك ابن الأخ الدار بالإرث فيصير هو ذا اليد، والوجه في هذا أن يقال: بأن إقامة الأجنبي شاهدًا واحدًا وإن لم تصر الدار مشغولًا لحق الأجنبي مع هذا ابن الأخ لا يرث الدار من عمه؛ لأنه لو ورثها أدى إلى أمر محال.
بيانه: أن شهادة الشاهد الواحد انعقدت معتبرة في الجملة فلو ورث ابن الأخ الدار وصار ذا اليد لابد وأن يجعل القول قوله في أنه ورثها عن أبيه لأن قول الإنسان فيما في يده مقبول ومتى جعلنا القول قوله في أنه ورثها من أبيه وإبطال الشهادة المنعقدة بقول يحتمل الصدق والكذب محال فإن قال أحدهما: بعد ما قضى بالدار بينهما نصفان: أنا أقيم البينة على صاحبي لا يلتفت إلى ذلك؛ لأن كل واحد منهما صار مقضيًا عليه فيما قضي به لصاحبه على ما مر، ولو كان كل واحد منهما أقام شاهدًا واحدًا على العم فلما مات العم أقام الأجنبي شاهدًا آخر، فزكيت شاهده وقضى له بشهادتهما ثم جاء الابن بشاهد آخر لا يلتفت إلى ذلك؛ لأنه لو أقام شاهدين على العم بطلب القضاء للأجنبي فإذا أقام شاهدًا واحدًا أولى، فإن أعاد ابن الأخ شاهدين على الأجنبي قضي بها لابن الأخ؛ لأنه لم يصر مقضيًا عليه ببينة الأجنبي؛ لأنها قامت على العم لا عليه.
وفي (المنتقى): رجل توفي فادعى رجلان ميراثه، يدعي كل واحد منهما أن الميت مولاه أعتقه ولا وارث له غيره وأقام اليينة على ما ادعى ولم يؤقتوا للعتق وقتًا فالميراث بينهما، ولو وقتوا للعتق وقتًا فصاحب الوقت الأول أولى.
وفي (نوادر بشر): عن أبي يوسف رحمه الله رجلان أخوان لأب وأم في أيديهما دار، أقام أحدهما بينة أن هذه الدار كانت لأمي مات وتركتها ميراثًا بيني وبين أبي أرباعًا ثم مات الأب وترك ذلك الربع بيني وبينك، وأقام الآخر بينة أن هذه الدار كانت لأبي وتركها ميراثًا بين وبينك قال: آخذ ببينته الذي ادعى ثلاثة أرباع الدار له، ولا أقبل بينة الآخر؛ لأن الآخر يدعي النصف لنفسه وهي في يده ولا يدعي شيئًا مما في يد مدعي ثلاثة الأرباع فلا يسمع بينته، ومدعي ثلاثة الأرباع مدعي لنفسه بعض ما في يد الآخر فتقبل بينته فيكون له ثلاثة أرباع الدار من قبل أمه ونصف الربع الآخر له من قبل أبيه ونصف الربع الآخر للآخر؛ لأنه مدعي ذلك لنفسه ولا يتنازع له فيه.
المعلى عن أبي يوسف رحمه الله رجل أقام بينة على ميت أنه أخوه لأبيه وأمه، لا يعلمون له وارثًا غيره وأقامت امرأة البينة أنها ابنة الميت جعلت الميراث بينهما نصفان، ولا أسألهما بينة أنهم لا يعلمون له وارثًا غيرهما، فكل أحد أقام بينة على نسبه أشركته في الميراث، ولا أسأله بينة على عدد جميع الورثة.
قال: وإذا ادعى رجل دارًا ميراثًا من أبيه أو أمه ولم يذكر اسم المورث ونسبه، حكي عن شيخ الاسلام الأوزجندي: أنه لا يسمع دعواه.
في (فتاوى أبي الليث): رجل زوج ابنة امرأة وسمى لها منزلًا وباعه منها بيعًا صحيحًا، ثم إن هذا الرجل مات وادعى ورثته أن أباهم باع هذا المنزل من فلان قبل أن يسميه لها، يعني قبل أن يبيعها من امرأة الابن فإنهم لا يصدقون على ذلك والمنزل لها، وعلى فلان أن يقيم البينة على شرائه قبل تاريخ شراء المرأة ولا تقبل شهادة الثانية في ذلك؛ لأنهم يريدون بشهادتهم إبراء أنفسهم عن عهدة شراء المرأة، فإن المرأة لو وجدت بالمنزل عيبًا ردته عليهم وحاصصتهم.
قال: رجل ادعى دارًا في يدي إنسان وقال في دعواه: هذه الدار كانت لأبي فلان مات وتركها ميراثًا لي ولأختي فلانة لا وارث له غيرنا ترك ثيابًا ودوابًا فقسمنا الميراث، ووقعت هذه الدار في نصيبي بالقسمة واليوم جميع هذه الدار ملكي، بهذا السبب وفي يد هذا بغير حق فدعواه صحيحة؛ لأنه ادعى جميع الدار لنفسه ثلثاها بسبب الإرث وثلثها بسبب القسمة، ولكن لابد وأن يقول: وأخذت أختي نصيبها من تلك الأموال حتى يصح منه مطالبة المدعي بتسليم كل الدار إليه، ولو كان قال في دعواه: مات أبي وتركها ميراثًا لي ولأختي، ثم إن أختي أقرت بجميعه لي وصدقتها في إقرارها، حكي عن شيخ الإسلام الأول الأوزجندي رحمه الله أنه قال: دعواه صحيحة، والصحيح أن لا يصح دعواه في الثلث؛ لأن هذا دعوى الملك في الثلث بسبب الإقرار ودعوى الملك بسبب القرار غير صحيح، عليه عامة المشايخ، والمسألة في (الأقضية): سئل شمس الإسلام الأوزجندي رحمه الله عمن ادعى عينًا في يده وقال: هذا كان ملك أبي وتركه ميراثًا لي ولفلان وفلان سمى الورثة ولم يبين حصة نفسه صح منه هذه الدعوى، وإذا أقام البينة على هذا الوجه قبلت بينته، ولكن إذا آل الأمر إلى المطالبة بالتسليم لابد وأن يبين حصته، ولكن لم يبين عدد الورثة بأن قال: مات أبي وترك هذا العين ميراثًا لي ولجماعة سواي، وحصتي منه كذا وطالبه بتسليم ذلك لا يصح منه الدعوى ولابد من بيان عدد الورثة لجواز أنه لو بين كان نصيبه أنقص مما سمى، وإذا شهد الرجل بوراثة رجل فقال: لا وارث لهذا الميت غيره لا يعلم له وارثًا غيره ثم شهد بعد ذلك بوراثة رجل آخر عن هذا الميت قبلت هذه الشهادة؛ لأن قوله لا وارث له غيره ليس من صلب الشهادة بل هو أمر زائد؛ لأن الشهادة مقبولة بدونه على ما مر، فصار ذكره ولا ذكر سواء؛ ولأن التوفيق ممكن فإنه يمكنه أن يقول: ما علمت له وارثًا آخر حال ما شهدت، ثم علمت بعد ذلك.
ذكر في (دعوى المنتقى): دار في يدي رجل ادعى رجل أنها بينه وبين الذي في يديه نصفان ميراثًا عن أبيه وجحد ذلك الذي هو في يده وادعى أن كلها له فجاء المدعي بشهود شهدوا أن هذه الدار كانت لأب المدعي فلان، مات وتركها ميراثًا له خاصة لا وارث له غيره قال: إن لم يدع المدعي أن النصف خرج إلى الذي الدار في يده بسبب من قبله فشهادة شهوده باطلة، وإن قال: كنت بعت نصيبها بألف درهم لم يصدقه القاضي على البيع ولم يجعله مكذبًا لشهوده وقضى له بنصف الدار ميراثًا عن أبيه وإن أحضر بينة على أنه باع النصف من المدعى عليه بألف درهم، أو أنه صالحه من الدار على أن يسلم له النصف منها قبلت بينته على ذلك، وقضى بالدار كلها ميراثًا للمدعي من الوالد وقضى بنصف الدار بيعًا من المدعى عليه إن كان ادعى البيع، وكان للمدعي على المدعى الثمن، وإن كان أقام البينة على الصلح أبطلت الصلح أو ردت الدار كلها إلى المدعي، لأنه لم يأخذ للنصف عوضًا والله أعلم.

.الفصل التاسع: في الشهادة على الشهادة:

الأصل إن كل ما يثبت بشهادة النساء مع الرجال يثبت بالشهادة على الشهادة؛ لأن الشهادة على الشهادة نظير شهادة النساء مع الرجال؛ لأن المتمكن في الشهادة على الشهادة تهمتان تهمة الكذب في الأصول وتهمة الكذب في الفروع، والمتمكن في شهادة النساء مع الرجال تهمتان أيضًا، تهمة الكذب بسبب عدم الصحة وتهمة الضلال والنسيان، فكانا نظيرين إلا أن الشهادة على الشهادة إنما تقبل حالة العجز عن شهادة الأصول وشهادة النساء مع الرجال تقبل مع القدرة على شهادة الرجال؛ لأن شهادة الفروع بدل من كل وجه لأن الفرع لا يعاين سبب الحق إنما عاينه الأصل، وأما شهادة النساء نظير شهادة الرجال من حيث معاينة سبب الحق وإنما البدلية من حيث الصورة فلهذا افترقا.
وإنما يقع العجز عن شهادة الأصول بأحد أسباب ثلاث: أما بمرض الأصول مرضًا لا تستطيع الحضور معه مجلس الحكم، أو بغيبة الأصول غيبة سفر هكذا، قال صاحب (الأقضية) والشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني، والشيخ القاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي، والشيخ الإمام شيخ الإسلام خواهر زاده رحمهم الله.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أن الأصل إذا كان في موضع لو حضر مجلس الحكم وشهد لا يمكنه البيتوتة في أهله أجازت الشهادة على شهادته، وإن أمكنه البيتونة في منزله لا يجوز الشهادة على شهادته؛ لأن الشاهد في هذه الصورة لايكلف بالحضور مجلس الحكم لأداء الشهادة؛ لأنه يخرج بالبيتوتة في غير أهله والشاهد محتسب في أداء الشهادة، والمحتسب لا يكلف بما فيه حرج، لو لم يجز الشهادة على شهادته في هذه الصورة لتعطلت الحقوق وكثير من المشايخ أخذوا بهذه الرواية. وروي عن محمد رحمه الله: أن الشهادة على الشهادة يجوز كيف ما كان حتى روي عنه: إذا كان الأصل في زاوية المسجد فشهد الفرع على شهادته في زاوية أخرى من ذلك المجلس المسجد تقبل شهادتهم.
وذكر القاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي، والشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي رحمهما الله في شرح (أدب القاضي) للخصاف: إذا شهد الفرع على شهادة الأصول والأصول في المصر يجب أن تجوز على قولهما، وعلى قول أبي حنيفة رحمه الله: لا تجوز بناء على أن التوكيل بغير رضى الخصم عند أبي حنيفة رضي الله عنه لا يجوز وعندهما يجوز، ووجه البناء على تلك المسألة أن الجواب في تلك المسألة مستحق على المدعى عليه بلسانه فاستحق عليه الحضور مجلس الحكم للجواب، كما أن في هذه المسألة استحق على الشاهد أداء الشهادة، فاستحق عليه الحضور مجلس الحكم لأداء الشهادة، ثم إن عند أبي حنيفة رحمه الله: لما لم يملك المدعى عليه أنابه غيره مناب نفسه في الجواب إلا بعذر، فكذا لا يملك الأصل إنابة غيره مناب نفسه في الشهادة إلا بعذر وعندهما لما ملك المدعى عليه أنابه غيره مناب نفسه، وفي الجواب من غير عذر فكذا يملك الأصل إقامة الفرع مقام نفسه في أداء الشهادة من غير عذر.
وفي (نوادر هشام) قال: سألت محمدًا رحمه الله عن رجل خرج وتبعه قوم وهو يريد مكة أو سفرًا آخر سماه، ثم ودعه القوم وانصرفوا ثم شهد قوم آخر على شهادته، وادعى المشهود عليه أنه حاضر وقد شهدت البينة على ما سمينا، ولم يزيدوا على ذلك هل تقبل الشهادة على شهادته في قول من لا يقبل الشهادة على حاضر؟ قال: بلى؛ لأن الغيبة تكون هكذا، فإن كان ودعهم وهو في منزله لم يرده حين خرج لا أقبل شهادتهم؛ لأنه كان في منزل، هذا هو الكلام في طرف الأداء.
جئنا إلى طرف الإشهاد فنقول الإشهاد على الشهادة صحيح، وإن كان الأصل في المصر بلا خلاف حتى إذا غاب الأصل بعد ذلك أو مات فالفرع يشهد على شهادته وتقبل شهادته؛ لأن العبرة لحالة الأداء لأن الحكم يقطع عند الأداء فيشترط غيبة الأصل حالة الأداء، وإن كان الأصل محبوسًا في المصر فأشهد على شهادته هل يجوز للفرع أن يشهد على شهادته؟ وإذا شهد عند القاضي فالقاضي هل يعمل بشهادته؟ لا، ذكر لهذه المسألة في شيء من الكتب، فقد اختلف مشايخ زماننا بعضهم قالوا: إن كان محبوسًا في سجن هذا القاضي لا يجوز؛ لأن القاضي يخرجه من سجنه حتى يشهد ثم يعيد إلى السجن، وإن كان محبوسًا في سجن الوالي ولا يمكنه من الإخراج من الحبس للخصومة يجوز، لأن عجزه بسبب الحبس أبلغ من عجزه بسبب المرض وإذا جازت الشهادة على الشهادة بعذر المرض، فكذلك بعذر الحبس ويستدل هذا القائل بمسألة التوكيل بغير رضى الخصم على مذهبه لا يجوز إلا بعذره، وجعل الحبس في السجن الوالي عذرًا كالمرض حتى قال بجواز التوكيل من غير رضى الخصم إذا كان المطلوب محبوسًا في سجن الوالي كما قال بجوازه إذا كان المطلوب مريضًا، وقيل: ينبغي أن لا يجوز ويستدل هذا القائل بما ذكر محمد رحمه الله في كفالة (الأصل): إذا كان المكفول بالنفس محبوسًا بالدين في سجن هذا القاضي الذي تخاصما إليه، لا يؤاخذ الكفيل به، وإن كان محبوسًا في سجن قاض آخر في المصر الذي وقعت فيه الكفالة أو كان محبوسًا في سجن والي هذا المصر، فالقياس أن يؤاخذ الكفيل بتسليم النفس؛ لأن المكفول بالنفس ليس في يد هذا القاضي لا حقيقة، وهذا ظاهر ولا حكمًا لأن سجن الوالي وسجن قاض آخر ليس في يد هذا القاضي حتى يجعل من في السجن كأنه في يده، فيطالب الكفيل بالتسليم إذا كان قادرًا عليه وهو قادر على تسليمه بأن يؤدي ما عليه.
وفي الاستحسان لا يطلب الكفيل بتسليمه، لأن سجن أمير البلد وسجن قاضي آخر في هذا المنزل بمنزلة سجنه؛ لأن له ولاية على أهل المصر كلهم، إلا أنه نصب قاض آخر من جانب آخر إذا كانت البلدة عظيمة؛ لأنه ربما لا يمكنه القيام بأمور جميع أهل البلدة أو يتعذر على الناس الذهاب من جانب إلى جانب لبعد المسافة لا لقصور ولاية هذا القاضي عن بعض أهل المصر، وإذا كان كذلك صار سجن القاضي الآخر في هذا المصر وسجن الوالي بمنزلة سجن هذا القاضي أفلا ترى أن سجن الوالي جعل كسجن هذا القاضي في أن لا نطالب الكفيل بتسليم المكفول له، فكذا في حق الشهادة على الشهادة يجعل سجن الوالي كسجن هذا القاضي، ولو كان الأصل في سجن هذا القاضي، لم يجز الشهادة على الشهادة، فكذا إذا كان في سجن هذا الوالي، ثم جواز الشهادة على الشهادة استحسانًا أخذ به علماؤنا رحمهم الله، والقياس يأبى جوازها؛ لأنه لا يمكن تجويزها بطريق نيابة الفروع عن الأصول؛ لأن الشهادة فرض يتأدى بالبدن وفي مثله لا تجري النيابة كما في الصوم والصلاة ولا يمكن تجويزها باعتبار أنه يقع العلم للفروع بشهادة الأصول، لأن شهادة الأصول وجدت في غير مجلس القضاء والشهادة في غير مجلس القضاء لا يفيد علمًا يوجب العمل ولا يمكن تجويزها من حيث أن الفروع بشهادتهم يثبتون شهادة الأصول؛ لأن الشهادة ليست من قبيل الحقوق التي يمكن إثباتها بالشهادة عند القاضي، ألا ترى أن الشاهد إذا أنكر أن يكون له شهادة لفلان فأراد المشهود له أن يثبت ذلك بالبينة لا يقدر عليه؟ إلا أنا استحسنا وقلنا بجوازها لتعامل الناس، والناس إنما تعاملوا ذلك لإحياء الحقوق؛ لأن الأصل قد نجز عن أداء الشهادة إما بموت أو سفر، فلو لم تجز الشهادة على الشهادة لتعطلت الحقوق، وطريق الجواز أن ينقل الفرع بشهادته شهادة الأصول عند القاضي ويقطع القاضي بشهادة الأصول القائمة في مجلس القاضي بنقل الفروع إياها في مجلس القاضي، ومن جملة ما عملوا فيها بالقياس القصاص والحدود حتى قلنا: لا تجوز الشهادة على الشهادة في القصاص والحدود، قال محمد: رحمه الله والمعني فيه أن في الشهادة على الشهادة زيادة شبهة، إما لأن الخبر إذا تداولته الألسنة تمكن فيها زيادة أو نقصان، أو لأنه تمكن في الشهادة على الشهادة تهمة الكذب في موضعين، والحدود والقصاص لا تجب مع الشبهات، وفي (شهادات الأصل): لو شهد شاهدان على شهادة شاهدين أن قاضي كذا ضرب فلانًا حدًا في قذف فهو جائز، وذكر في (زيادات الأصل): أنه لا يجوز وجه ما ذكر في الشهادات أن الشهادة على الشهادة قامت على استيفاء الحد لا على إيجابه، واستيفاء الحد يثبت بالشهادة على الشهادة إنما لا يثبت الإيجاب وإنما قلنا: أنها قامت على استيفاء الحد لأنهم شهدوا أنه حده حد القذف، وحد القذف يثبت بالجلد ورد الشهادة والجلد قد استوفي، ورد الشهادة استوفي فيما مضى إذا لم يستوف في المستقبل، فكان المستوفي أكثر، وعلى رواية الديات اعتبر ما يستقبل من المدة وفيما يستقبل من المدة رد الشهادة لم يستوف بعد فتكون شهادة على إيجاب الحد بهذا القدر، والشهادة على الشهادة لا تقبل في إيجاب الحد قل أو كثر ولا تثبت شهادة الأصلين عند القاضي ما لم يشهد على شهادة كل واحد منهما اثنان من الفروع.
وقال مالك: إذا شهد على شهادة كل أصل فرع واحد كفاه، والكلام بيننا وبينه في هذه المسألة فرع لمسألة أخرى بيننا وبينه: أن الفرعين إذا سمعا شهادة الأصلين بحق من الحقوق وهما عدلان هل لكلا الفرعين أن يشهدا بأصل الحق فيقولان: نشهد أن لفلان على فلان كذا ولا ينقلان شهادة الأصل وعلى قول علمائنا رحمهم الله: لا يحل لهما ذلك بل ينقلان شهادة الأصلين وعلى قول مالك يحل لهما أن يشهدا بأصل الحق ويقضي القاضي بشهادتهما، فإذا كان على قوله يقضي بشهادة الفرعين بأصل المال، فلأن يقضي بشهادتهما وقد شهد كل واحد بشهادة الأصل أولى.
وعندنا الفرع لا يشهد على أصل الحق ولكن ينقل شهادة الأصل إلى مجلس القاضي، ونقل الشهادة إلى مجلس القاضي لا يثبت إلا بشهادة المثنى كنقل الإقرار، وكنقل البيع وسائر التصرفات، وجه قوله في تلك المسألة: أن شهادة العدلين في إفادة العلم بمنزلة معاينة سبب أصل الحق أو الإقرار به ألا ترى إلى ما ذكر في كتاب الاستحسان: إذا شهد عند المرأة عدلان أن زوجها طلقها ثلاثًا فإنه لا يحل لها أن تمكن نفسها من زوجها، كما لو سمعت الطلاق من زوجها أو أقر الزوج أنه طلقها ثلاثًا، ولو عاين الفرعان سبب الحق أو إقرار من عليه حل لهما الشهادة بأصل الحق فكذا هذا، وعلماؤنا احتجوا في هذه المسألة بما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: «لا تجوز على شهادة رجل إلا شهادة رجلين» ولم ينقل عن غيره خلافه، واحتجوا في تلك وقالوا: القياس أن لا تكون الشهادة حجة وإنما جعلت حجة شرعًا إذا اتصل بها قضاء القاضي، فبدون اتصال القضاء لا تكون حجة فلا تفيد العلم بأصل الحق، فلا يحل له الشهادة بأصل الحق وليس كمسألة الطلاق؛ لأن في الطلاق حق لله تعالى لما فيه من تحريم الفرج، ولهذا قبلت الشهادة عليه من غير دعوى، وحق الله تعالى يثبت بقول الشاهد الواحد إذا كان عدلًا بلفظ الخبر من غير قضاء قاض، كما في حرمة الأكل، فإنها تثبت بقول الواحد العدل حتى إن عدلًا لو أخبر: أن هذا اللحم متروك التسمية، أو ذبيحة مجوسي يحرم تناوله؛ لأن حرمة الأكل من حق الله تعالى، إلا أن في الطلاق حق العبد أيضًا وهو إزالة ملك النكاح، فأثبتنا ما هو حق الله تعالى وهو الحرمة بنفس الشهادة قبل القضاء، ولم نثبت ما هو حق العبد ما لم يتصل القضاء بالشهادة.
ولو شهد فرعان على شهادة أصلين جاز؛ لأن شهادة كل أصل تثبت شهادة المثنى، ولو شهد رجل بأصل الحق، ثم شهد هو مع فرع آخر بشهادة أصل آخر فالقياس أن يقضي بهذه الشهادة لأن شهادة الأصل الغائب قد ثبت بشهادة الفرعين فكان الأصل الغائب حضر بنفسه وشهدا مع هذا الأصل الآخر، وفي الاستحسان لا يقضي بهذه الشهادة؛ لأن شهادة الأصل الغائب لم يثبت عند القاضي، فكأنه شهد عنده أصل واحد ولو كان كذلك لا يقضي بالمال فكذلك هذا، وإنما قلنا ذلك لأن شهادة الأصل الحاضر على شهادة الأصل الغائب غير مقبولة؛ لأنه لو قبل أدى إلى أن يثبت بشهادته ثلاثة أرباع الحق، نصف الحق بشهادته، وربع الحق بشهادته مع آخر على شهادة الغائب، ولا يجوز أن يثبت بشهادة الواحد ثلاثة أرباع الحق، كما لا يجوز أن يثبت به أصل الحق، وإذا لم تقبل شهادته على شهادة الأصل الغائب بقي على شهادة الأصل الغائب شاهد واحد وبالشاهد الواحد لا تثبت شهادة الأصل.
قال محمد رحمه الله في (الجامع الكبير): لو أن رجلين سمعا من رجلين يقولان: نشهد أن لفلان على فلان كذا، لم يسعهما أن يشهدا على شهادة الرجلين حتى يقول لهما الرجلان: اشهدا على شهادتنا، ولو سمعا قاضيا يقول لرجل: قضيت عليك لهذا الرجل بكذا، وسعهما أن يشهدا على قضائه وإن لم يقل لهما القاضي: اشهدا على قضائي بذلك، فقد شرط لصحة تحمل الشهادة على الشهادة الأمر بالشهادة، ولم يشترط لصحة تحمل الشهادة على القضاء الأمر بالشهادة.
واختلفت عبارة المشايخ في الفرق بعضهم قالوا: قضاء القاضي وقوله حجة تلزمه المال على المدعي بمنزلة الإقرار وسائر الأفاعيل والأقاويل الملزمة، وقد عاين ذلك بيقين ومن عاين حجة أو سمعها وسعه أن يشهد ذلك بيقين عليها بدون إشهاده وأما الشهادة غير حجة إلا في مجلس القاضي فلا يحصل العلم للفرع بقيام الحق بمجرد شهادة الأصل في غير مجلس القاضي حتى يشهد الفرع على أصل الحق فتعذر كونه شهادة الفرع على أصل الحق فتتعين جهة نقل شهادة الأصل إلى مجلس القاضي لجواز الشهادة على الشهادة، فصار شاهد الفرع بمنزلة الوكيل عن الأصل والوكالة لابد لها من التوكيل وزان مسئلتنا من مسألة القضاء ما إذا عاين قضاء القاضي في غير المصر الذي هو قاض (فيه) وهناك لا يجوز له أن يشهد على قضائه كذا هاهنا، وبعضهم قالوا: الأصل له منفعة في نقل الفرع شهادته من وجه ومضرة من وجه منفعة؛ لأن الشهادة حق على الأصل يلزمه الأداء متى وجد الطلب من صاحب الحق، كما لو كان عليه دين، فمن هذا الوجه يكون قاضيًا ما عليه فيكون الأصل منفعة، كما لو قضى عليه دينًا وجب عليه لغيره، فبهذا الاعتبار لا يحتاج إلى الأمر، ولكن له مضرة من حيث زوال ولائه في تنفيذ قوله على المشهود عليه؛ لأنه لما عاين سبب وجوب الحق فقد ثبت له ولاية على المشهود عليه، فإذا نقله الفرع من غير أمره، لو صح النقل زال ما ثبت له من الولاية على المشهود عليه، وإزالة الولاية الثانية للغير ضرر عليه، فبهذا الاعتبار لا يصح إلا بالأمر.
كما قالوا في الأجنبي: إذا زوج وليه إنسان بغير أمره؛ فإنه لا يجوز وإن قضى حقًا عليه وله في ذلك منفعة؛ لأنه مضرة من وجه فإنه أزال ولايته عن وليته نفذ عقده، وفي هذا ضرر عليه؛ لأنه إبطال حق عليه فاحتيج إلى الأمر من جهته فكذا هذا احتيج إلى الأمر من جهته ليصح التحمل هذا المعنى لا يتأتى في فصل القضاء، فلا يحتاج فيه إلى الأمر.
ولو قال رجلان لرجلين: نشهد أن لفلان على فلان ألف درهم فاشهدا على شهادتنا ذلك، فسمع هذه المقالة رجلان آخران لم يسعهما أن يشهدا على شهادتهما، لما ذكرنا أن الفرع بمنزلة الوكيل، ولا وكالة له بدون التوكيل، ولا توكيل في حق الآخرين.
قد ذكرنا أن من سمع قاضيًا يقول لرجل: قضيت عليك لهذا الرجل ألف درهم وسعه أن يشهد على قضائه وإن لم يشهده على قضائه ولو بينا للقاضي فقالا: سمعنا قاضي كذا قال: قضيت على هذا الرجل لهذا الرجل بكذا، ولكن لم يشهدنا على قضائه لا يوجب ذلك خللًا في شهادتهما، فرق بين هذا وبينما إذا رأى عينًا في يد إنسان يتصرف فيه تصرف الملاك حل له أن يشهد بالملك له بظاهر يده، فلو بينا ذلك للقاضي أنهما شهدا بالملك له لأنهما رأياه في يده لا تقبل شهادتهما.
والفرق: أن قضاء القاضي حجة بيقين وقد أخبر عن معاينته فقد أخبر عن معاينة ما هو حجة، فلا يوجب خللًا في الشهادة، كما أخبر عن معاينة الإقرار أو البيع، وأما اليد فليس بدليل على الملك يقينًا، إنما كان دليلًا بنوع ظاهر مع الاحتمال، ولكن مع هذا كان للشاهد أن يعتمد على ذلك الظاهر للشهادة عند عدم المنازع ضرورة أنه لا دليل للشهادة سوى ذلك، ولا ضرورة في حق القاضي أن يعتمد على هذا الظاهر؛ لأن في حقه دليل آخر أقوى، وهو الشهادة بالملك مطلقًا كيف وإن القاضي لو اعتمد على هذا الظاهر فإنما اعتمد عليه عند وجود المنازع؟ لأن الشهادة إنما يحتاج إليها عند وجود المنازع، واليد ليس بحجة عند وجود المنازع، فلا يقضي بشهادتهما لهذا، وإن بينا أنهما سمعا منه في غير البلد الذي هو فيه قاض، لا تقبل شهادتهما ولا ينبغي لهما أن يشهدا؛ لأنه في غير بلده بمنزلة سائر الرعايا فلم يقبل منه إقراره بالقضاء؛ لأن كلامه ليس بحجة وقوله ليس بقضاء، ثم إن كثيرًا من مشايخنا كالخصاف وغيره طولوا لفظ الشهادة على الشهادة ولفظ أداء الشهادة وبالغوا فيه قالوا في الإشهاد: يقول شاهد الأصل بين يدي شاهد الفرع: اشهد أن لفلان على فلان كذا، وأنا أشهدك على شهادتي أنت على شهادتي بذلك فيحتاج إلى خمس شينات.
وقالوا في أداء الشهادة على الشهادة: أن الفرع يقول بين يدي القاضي: أشهد أن فلانًا عندي شهد أن لفلان على فلان كذا من المال، وأشهدني على شهادته وأمرني أن أشهد على شهادته، وأنا أشهد على شهادته بذلك الآن فيحتاج إلى ثماني شينات.
قال الخصاف وجماعة من المحققين من مشايخنا كالفقيه أبي جعفر الهندواني وغيرهم: تكلف وما دونه يكفي وهو أن يقول الأصل في الإشهاد: اشهد أن لفلان على فلان كذا، فاشهد أنت على شهادتي بذلك فيكون ثلاث شينات، وفي الأداء يقول شاهد الفرع بين يدي القاضي: اشهد أن فلانًا شهد عندي أن لفلان على فلان كذا، وأشهدني على شهادته بذلك فيكفيه ست شينات.
واختار الشيخ الإمام الأجَلّ شمس الأئمة الحلواني رحمه الله على لفظ آخر، وهو أن يقول في الأداء: أشهد على شهادة فلان أن لفلان على فلان كذا، أشهدنا على شهادته وأمرنا أن نشهد بها، فيكفيه ذكر خمس شينات، أو يقول: أشهد أن فلانًا شهد عندي أن لفلان على فلان كذا فأشهدني على شهادته بذلك وأنا أشهد بذلك كله.
وفي (الفتاوى): للفقيه أبي الليث عن الفقيه أبي جعفر إذا قال الفرع: أشهد على شهادة فلان بكذا جاز، ولا يحتاج إلى زيادة شيء، وهكذا حكى فتوى شمس الأئمة السرخسي فلو اعتمدا أحد على هذا كان في سعة من ذلك وهو أسهل وأيسر، وعن أبي القاسم الصفار أنه قال: لابد للفرع أنه يقول: أمرني فلان أن أشهد على شهادته، وإذا قال رجلان: نشهد أنا سمعنا فلانًا يقر لفلان بألف درهم فاشهدا بذلك كان باطلًا؛ لأنه إما أن يجعل المشهود به المال وقوله: ذلك إشارة إلى المال وإنه باطل؛ لأنه قبل نقل الشهادة إلى مجلس القضاء لم يكن شهادة الأصول وقوله: ذلك إشارة إلى شهادة الأصول وأنه باطل أيضًا؛ لأن شهادة الأصول لا تصلح مشهودًا بها لما مر، فتعين جهة البطلان فيه، وكذلك إذا قال: فاشهدا علينا بذلك؛ لأنه تنصيص على أن الأصل مشهود عليه وقوله بذلك إن كان إشارة إلى المال فيكون هذا أمرًا بالشهادة بالمال على الأصل وأنه لا يجوز، وإن كان إشارة إلى شهادة الأصل، فهي لا تصلح مشهودًا بها فكان باطلًا، وكذلك إذا قالا: فاشهدا علينا أنا نشهد بذلك لفلان على فلان؛ لأنهما جعلا أنفسهما مشهودًا عليه بشهادة الفرع، وأنه باطل؛ لأنه يخالف اللفظ المنصوص، وهذا لما ذكرنا أن القياس إلى جواز الشهادة على الشهادة، لكن تركنا القياس بالأثر وتعامل الناس، فيراعى فيه اللفظ الذي ورد به الأثر وجرى به التعامل وهو لفظ الشهادة على الشهادة وكذلك إذا قالا: فاشهدا بما شهدنا به؛ لأنه إن جعل المشهود به المال فهو باطل لما قلنا، وكذلك إن جعل المشهود به الشهادة؛ لأنها لا تصلح مشهودًا بها، وكذلك إذا قالا: فاشهدا علينا بما شهدنا به أو بما أشهدناكما به؛ لأنه تنصيص على أن الأصل مشهود عليه وقوله: بذلك إن كان إشارة إلى المال يكون هذا أمرًا بالشهادة بالمال على الأصل وأنه لا يجوز، وإن كان إشارة إلى شهادة الأصل عليه وأنه باطل وكذلك إذا قالا: فاشهدا أن شهادتنا عليه بذلك لأنه غير تام فيحتمل أن يكون تأويله شهادتنا عليه بذلك الحق، ويحتمل باطل وعلى كلا الوجهين لا يجوز؛ لأنه لم يوجد إشهادهما وتحميلهما شهادة بالمال، وكذلك إذا قال الأصلان: نشهد أن لفلان على فلان كذا، فاشهدا أنا نشهد بذلك، أو قالا: فاشهدا علينا أنا نشهد بذلك لفلان على فلان كذا فاشهدا أنا نشهد بذلك، أو قالا: فاشهدا علينا أنا نشهد بذلك لفلان على فلان، كان ذلك باطلًا؛ لأن قول الأصلين: فاشهدا أنا نشهد بذلك عليه، يحتمل الاستقبال يعني اشهدا أنا نشهد في الزمان الثاني بذلك، فيكون هذا أمرًا بالشهادة أنه وعد أن يشهد، لا أن يكون هذا إشهادًا على الشهادة.
وقال أبو يوسف رحمه الله في (الأملاك): أقبل ذلك.
ووجهه: أن المقصود من هذه الشهادة على الشهادة فلو اعتبرنا المقصود يصح تصرفهما، ولو اعتبرنا الحقيقة يبطل تصرفهما وكلام العاقل محمول على الصحة ما أمكن وإن قال الأصلان للفرعين: نشهد أن فلانًا أشهدنا أن لفلان عليه ألف فاشهدا على شهادتنا بذلك، فشهد الفرعان بما وصفت لك، وقد غاب الأصلان فشهادة الفرعين جائزة؛ لأنه موافق للفظ المنصوص الوارد في باب الشهادة على الشهادة، لأن قوله على شهادتنا لبناء الشهادة عليه، كما تقول شهد على إقراره وما أشبه ذلك، وصورة الشهادة على الشهادة وتفسيرها ليس إلا هذا.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد: إذا قال الفرع: أشهد أن فلانًا أشهدني أنه يشهد بكذا، أو قال: أشهدني فلان أنه يشهد بكذا، فهو باطل لانعدام اللفظ المنصوص الوارد في باب الشهادة على الشهادة.
قال الخصاف رحمه الله في (أدب القاضي): وإذا شهد الرجلان عند القاضي على شهادة رجل وصححا الشهادة، فينبغي للقاضي أن يسألهما عن عدالة الذي شهدا على شهادته، ولم يشترط محمد رحمه الله في (المبسوط) هذا، فهو أن يسألهما القاضي عن عدالة الأصول، وإنما عرف هذا من جهة الخصاف، وهذا لأن القاضي إنما يقضي بشهادة الفروع إذا كان الأصل عدلا، أما إذا لم يكن فلا ينبغي للقاضي أن يسأل عن ذلك حتى يعرف أيجوز له القضاء بشهادة الفروع فيلتفت إليها أو لا يجوز، فلا يلتفت إليها؟ فإن قالا: هم عدول، أثبت ذلك في موضع شهادتهما في المحضر، فإن كان القاضي لا يعرفهما بالعدالة يعني الفرعين سأل عنهما فإن عدلا تثبت عدالة الأصل أيضًا، هكذا ذكر في ظاهر الرواية.
وروي عن محمد: أن تعديلهما الأصل لا يكون صحيحًا، وهكذا روي عن أبي يوسف لأن الفرع نائب عن الأصل فتعديله الأصل يكون بمنزلة تعديل الأصل نفسه، والأصل لو عدل نفسه لا يكون هذا التعديل صحيحًا، فكذلك الفرع إذا عدله لا يعتبر، وجه ظاهر الرواية وذلك لأن الفرع نائب عن الأصل في نقل عبارته إلى مجلس القاضي فكما نقل عبارته إلى مجلس القاضي فقد انتهى حكم الأمانة، وصار هو بمنزلة سائر الأجانب، فكما أن التعديل من سائر الأجانب يكون صحيحًا، فكذلك التعديل من الفروع ينبغي أن يكون معتبرًا، وهذا لأن الشهادة على الشهادة إنما تعرف بقول الفروع، فأما القاضي لا يعرف الأصول وربما لا يظفر بمن يعرف الأصول لأن الشهادة على الشهادة غالبًا إنما تكون من بلدة إلى بلدة فلو لم يعتبر تعديل الفروع يؤدي إلى تعطيل الحقوق، وإنما جعل الشهادة على الشهادة حجة صيانة لحقوق الناس عن التعطيل وهذا المعنى يقتضي اعتبار تعديل الفروع فإن قالوا: هم ليسوا بعدول، فالقاضي لا يقضي بشهادتهما، وإن قالا: لا نعرفه، ذكر الخصاف: أن القاضي لا يقضي بشهادتهما، وكذلك إذا قالا: لا نخبرك، لأنهما حملا شهادتهما ولم يعدّلا الأصول، فكأنهما لم يصدقاهم فيما شهدوا به؛ لأن دليل الصدق العدالة فصار كأنهما قالا: إنا نتهمها في الشهادة، ولو قالا هكذا فالقاضي لا يقبل شهادتهم فكذلك هذا.
وذكر الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني: أن القاضي يقبل شهادتهما ويسأل الأصل، وهكذا روي عن أبي يوسف رحمه الله، وهو الصحيح لأن الأصل بقي مستورًا وينبغي أن يذكر الفرع اسم الشاهد الأصل واسم أبيه وجده، ذكر القاضي أبو علي النسفي رحمه الله في (شرحه): وإذا قضى القاضي بشهادة الفروع يجب أن يكتب في السجل أسماء الأصول ذكره الخصاف في (أدب القاضي)، وفي (الأصل).
وتجوز الشهادة على الشهادة في كتب القضاء وصورتها: أن يكتب القاضي كتابًا إلى قاض آخر لحقٍ من الحقوق، وأشهد على كتابه شاهدين ثم بدا للشاهدين عذر، فأشهدا على شهادتهما شاهدين.
وإذا أراد الرجل أن يشهد غيره على شهادته ينبغي أن يحضر الطالب والمطلوب ويشير إليهما، وإن أراد أن يشهد عند غيبتهما ينبغي أن يذكر اسمهما ونسبهما؛ وهذا لأن الشهادة عند الشاهد ليتحمل الشهادة بمنزلة أداء الشهادة عند القاضي ليقضي به، وكما أن في الشهادة عند القاضي يعتبر الإعلام بأقصى ما يمكن، فكذلك يشترط هذا المعنى عند الشاهد ليتحمل عنه الشهادة إلا أنه إذا كان المشهود عليه غائبًا فذكر الاسم والنسب يجوز الإشهاد ولا يكفي هذا القدر للقضاء؛ لأن القضاء للإلزام والإلزام على الغائب لا يتحقق، فلابد من الخصم للإلزام عليه بالبينة، والقضاء بخلاف الإشهاد على الشهادة؛ لأن الشهادة ليست بموجبة شيئًا ما لم يتصل بها قضاء القاضي فلا يتحقق فيه معنى الإلزام على الغائب.
فقلنا: بأنه إذا نفي الاسم والنسب فإنه يجوز، وفي (المنتقى): إذا قال الشاهد لغيره: اشهد ولم يقل على شهادتي لم يجز، وقال أبو يوسف رحمه الله: يجوز؛ لأن معناه اشهد على شهادتي، وكذلك لو قال: فاشهد بذلك، ومعنى المسألة أن يحكي الرجل لغيره شهادة نفسه في حادثة لرجل على رجل فقال له: اشهد أو قال: فاشهد بذلك.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن أبي يوسف: إذا شهد شاهدان على شهادة شاهدين فقالا: نشهد أن فلانًا أشهدنا أنه يشهد أن لفلان على فلان كذا، ولم يقولا: أشهدنا على شهادته، وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا أقبل ذلك حتى يقولا: أشهدنا على شهادته، وقال أبو يوسف: أنا أقبل ذلك. قال في كتاب (الأقضية): وإذا أشهد الرجل رجلًا على شهادته ثم صار بحال لا تجوز شهادته يعني الأصل، ثم صار بحال تجوز شهادته بأن فسق ثم تاب، ثم إن الفرع شهد على شهادة الأصل جازت شهادته، لأنا إن نظرنا إلى حالة التحمل فالأصل أهل للشهادة والإشهاد، فصح منه التحمل وإن نظرنا إلى حالة الأداء فالأصل أهل للشهادة فتقبل شهادته، وكذلك إن أشهد على شهادته رجلًا بعد ما تاب جازت لصحة الإشهاد باعتبار أهلية الأداء للأصل حالة الإشهاد، وإن أشهد رجلان على شهادتهما وهما عدلان- يعني الفرعان- ثم صارا عدلين، فشهدا أو أشهدا على شهادتهما فهو جائز؛ لأن تأثير الفسق في رد الشهادة مع صحتها لا في بطلان الشهادة، وإن شهد الفرعان عند القاضي شهادتهما لتهمة في الأولين لا نقبلهما بعد ذلك، لا من الأولين ولا ممن يشهد على شهادتهما؛ لأن الفرعين ينقلان شهادة الأصلين فصار كما لو حضرا وشهدا، ورد القاضي شهادتهما لتهمة الفسق، وهناك لا تقبل منهما تلك الشهادة بعد ذلك وإن تابا كذا هاهنا، وإن كان رد شهادة الآخرين لتهمة فيهما فشهادة الأولين جائزة إذا كانا عدلين، وكذلك إن أشهدا رجلين عدلين آخرين بخلاف المسألة الأولى.
والفرق: أن في هذه المسألة القاضي أبطل نقل الفرعين لأجل فسقهما، أما ما أبطل شهادة الأصلين؛ لأن شهادة الأصلين لم تصر منقولة إلى مجلسه بنقل الفاسقين، فجازت شهادة الأصل بنفسه، وكذلك جاز له أن يشهد غيره على شهادة نفسه، أما في المسألة الأولى: النقل ثبت بشهادة الفرعين؛ لأنهما عدلان من أجل الشهادة، وقد أبطل القاضي المنقول لفسق الأصلين، فلا يقبلهما بعد ذلك أصلًا.
قال في كتاب الوكالة: إذا أشهد الفاسقان على شهادتهما لم يجز؛ لأن أداء الشهادة عند الفرعين كأدائهما عند القاضي، ثم فسق الشاهد يمنع القاضي عن العمل بشهادته، فكذا فسق الأصلين يمنع الفرعين عن نقل شهادتهما، وإن تابا وأصلحا وشهدا بأنفسهما جاز، وكذلك لو أشهدا على شهادتهما ذلك الشاهدين أو غيرهما جاز.
ولو أن شاهدي الأصل ارتدا ثم أسلما لم تجز شهادة الفرعين على شهادتهما، ولو شهد الأصلان بأنفسهما بعدما أسلما تقبل شهادتهما.
والفرق: أن بالردة لا تبطل أصل شهادة الأصلين؛ لأن سببها المعاينة، وذلك لا ينعدم بالردة، ألا ترى أن اقتران الردة بالتحمل لا يمنع صحة التحمل فلا يمنع البقاء من الطريق الأولى، ولكن بالردة يبطل الأداء، ألا ترى أن اقتران الردة بالأداء يمنع صحة الأداء، فاعتراضها على الأداء قبل حصول المقصود يبطل الأداء أيضًا، وبالإسلام يحدث له أهلية الأداء فيجوز له الأداء، فأما الفرع مأمور من جهة الأصل بنقل شهادته، ولهذا يشترط لصحة الإشهاد الأمر بالنقل من الأصل، قلنا: ولبقاء الأمر حكم الإبتداء إذا كان غير لازم وهذا الأمر غير لازم؛ لأن نهي الأصل عامل، وإذا كان لبقاء هذا الأمر حكم الإبتداء صار كأنه وجد الأمر بالنقل في حالة الإرتداد، والأمر بالنقل بعد الإرتداد لا يصح، وإذا لم يصح صار وجوده والعدم بمنزلة.
وبدون الأمر بالنقل من الأصل لا تصح شهادة الفرع، وهذا الفرق مشكل عندي ثم في هذا الفرق يشير إلى أن نهي الأصل الفرع يعمل.
وهذا فصل اختلف فيه المشايخ بعضهم قالوا: لا يعمل وإليه مال الشيخ شمس الأئمة السرخسي رحمه الله ذكر في (شرح الجامع) الذي علقه على القاضي الإمام أبي عاصم العامري رحمه الله: وإذا شهد شاهدان على شهادة عبدين أو مكاتبين أو كافرين على مسلم فردها القاضي بذلك ثم عتق العبدان والمكاتبان وأسلم الكافران وشهدا بذلك أو أشهداهما أو غيرهما على شهادتهما جاز؛ لأن المنقول شهادة الفرعين شهادة الأصلين، ولا شهادة للعبدين ولا للمكاتبين ولا للكافرين على المسلم فلا يكون المردود شهادة، وقد حدث لهما بالإسلام والعتق أهلية أداء الشهادة، فجاز لهما الأداء والإشهاد على شهادتهما.
قال في (الجامع): إذا شهد شاهدان على شهادة شاهدين على القتل خطأ، وقضى القاضي بالدية على العاقلة ثم جاء المشهود بقتله حيًا فلا ضمان على الفروع؛ لأنه لم يثبت كذبهما إذ ليس من ضرورة حياته عدم إشهاد الأصول الفروع على شهادتهم، ولكن يرد الوالي الدية على العاقلة؛ لأنه ظهر أنه أخذها منهم بغير حق، ولو جاء الشاهدان الأصلان وأنكرا الشهادة لم يصح إقرارهما في حق الفرعين، حتى لا يجب عليهما الضمان، ولا ضمان على الأصلين أيضًا، وهذا لا يشكل على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله؛ لأن الأصلين لو رجعا عن شهادتهما بأن أقرا أنهما أشهداهما بباطل لا ضمان عليهما عندهما فهاهنا أحق، وإنما يشكل على قول محمد رحمه الله؛ لأن عنده لو رجع الأصلان عن شهادتهما ضمنا عنده؛ لأن شهادة الأصلين صارت منقولة إلى مجلس القضاء بشهادة الفرعين، فكأنهما شهدا بأنفسهما ثم رجعا حتى ظن بعض مشايخنا أن قول محمد رحمه الله محمول على ما إذا أنكر الأصلان الشهادة، ولم يظهر المشهود بقتله حيًا، وبعضهم قالوا: لا بل قول محمد في الكل واحد، والعذر لمحمد أن شهادة الأصلين إنما تصير منقولة إلى مجلس القضاء حكمًا لا حقيقة لأنها موجودة في غير مجلس القضاء حقيقة، والشهادة في غير مجلس القضاء لا يكون سببًا للضمان وأن ظهر كذب الشهود في الشهادة فاعتبر الحكم حال رجوع الأصلين فاعتبرنا الحقيقة متى أنكر الأصلان الشهادة ولم يرجعا عن شهادتهما عملًا بالدليلين بقدر الإمكان، وإن قال: الأصول قد أشهدناهما بباطل ونحن نعلم يومئذ أنا كاذبين، لم يضمنا شيئًا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد العاقلة بالخيار إن شاؤوا ضمنوا الأصول، وإن شاؤوا ضمنوا الولي فإن ضمنوا الأصلين رجعا على الولي، وإن ضمنوا الولي لم يرجع على الأصلين، وجه قول محمد رحمه الله: أن شهادة الأصلين منقولة إلى مجلس القضاء حكمًا لا حقيقة فعملنا بالحقيقة والحكم على الوجه الذي مر وأبو حنيفة وأبو يوسف قالا: القياس يأبى قبول الشهادة على الشهادة؛ لأن المنقول إلى مجلس القضاء شهادة الأصلين في غير مجلس القضاء والشهادة في غير مجلس القضاء ليست بحجة، والقضاء بما ليس بحجة لا يجوز، لكن تركنا قصة هذا القياس وجوزنا القضاء بها وجعلنا شهادة الأصلين كالموجود في مجلس القضاء، وفي حق إيجاب الضمان بعد الرجوع يبقى على أصل القياس.
في (المنتقى): إذا قال الفروع: لا نعرف المشهود عليه بالحق، قبلت شهادتهم نريد به إذا قال الفروع: أشهدنا الأصول على شهادتهم لفلان بن فلان على فلان بن فلان بكذا، إلا أنا لا نعرف فلان بن فلان المشهود عليه بكذا وكذا، فالقاضي يقبل الشهادة ويأمر المدعي أن يقيم بينة أن الذي أحضره فلان بن فلان هذا هو الكلام في الشهادة على الشهادة وأما الشهادة على الشهادة، فقد ذكر محمد رحمه الله في (الجامع) مسألة تدل على أنها مقبولة.
وصورة تلك المسألة: رجل ادعى على رجل ألف درهم وجاء بشهود ثلاثة شهد واحد منهم على شهادة شاهدين، على شهادة ثلاثة نفر أنهم شهدوا على إقرار المدعى عليه بألف درهم وشهد من الثلاثة على شهادة أحد الشاهدين بعينه على شهادة الثلاثة الذين هم شهدوا على إقرار المدعى عليه بالألف وشهدوا وشهد واحد آخر من الثلاثة الذين هم أصول بعينه، فالقاضي يقطع بهذه الشهادة حقًا، واعلم بأن هذه المسألة من المسائل التي ظهرت الرواية فيها ظهرت الثلاثة، وإنما تظهر الرواية فيها لو سمينا الأصول الثلاثة على أصل الحق وسمينا الفرعين الذي يشهدان على شهادة الأصول الثلاثة على أصل الحق، فنقول أسماء الأصول الثلاثة: عبد الله ومحمد وصالح، واسم الفرعين اللذين يشهدان على شهادة الأصول الثلاثة زيد وعمرو، وحضر مجلس الحكم ثلاثة، شهد واحد من الذين حضروا مجلس الحكم على شهادة زيد بعينه على شهادة محمد وعبد الله وصالح، فثبت بشهادتهما شهادة زيد، فكأن زيدًا وهو أحد الفرعين حضر نفسه وشهد على شهادة محمد وعبد الله وصالح، فإذا شهد واحد من الثلاثة الذين حضروا مجلس الحكم على شهادة واحد من الأصول بعينه وهو صالح مثلًا، فقد ثبت شهادة صالح؛ لأنه شهد على شهادته اثنان زيد والذي يشهد على شهادته من الذين حضروا مجلس الحكم أما لم يثبت شهادة محمد وعبد الله؛ لأنه لم يشهد على شهادتهما شاهد واحد وهو أحد الفرعين زيد، فلم يثبت بهذه الشهادة من شهادة الأصول إلا شهادة واحد وهو صالح، وبشهادة الواحد لا يقطع الحكم، فلا يقضي القاضي للمدعي بشيء ما لم يحضر محمد وعبد الله مجلس الحكم، وشهد بنفسه أو شهد شاهد آخر على شهادة عمرو وهو أحد الفرعين على شهادة الأصول الثلاثة لتثبت شهادة عمرو بشهادة شاهدين ويصير كأن عمرًا بنفسه حضر مجلس الحكم وشهد على شهادة محمد وعبد الله وصالح، فتثبت شهادة محمد وعبد الله وصالح بشهادة شاهدين وهما زيد وعمرو، فهذه الثلاثة تدل على أن الشهادة على الشهادة مقبولة والله أعلم.

.الفصل العاشر: في شهادة الشهود بعضهم لبعض:

وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد رحمه الله: في رجل مات ولا يعرف له، فجاء أربعة نفر فشهد كل اثنين منهم للآخرين أن الميت أوصى لهما بثلث ماله، أو شهد كل اثنين منهم للآخرين أنهما ابنا الميت والمشهود لهما يصدقهما في الوصية وفي أنهما ابنا الميت، أو يكذبهما لا تقبل شهادتهما، أما شهادة كل فريق للفريق الآخر بالوصية بالثلث فلأنهما يثبتان الشركة؛ لأن الوصية محل التركة حتى أن الوارث لو أراد أن يعطي الوصية من غير التركة ويستخلص التركة لنفسه لا يملك، وإذا كان من حكم الوصيتين اشتراكهما كانت شهادة كل فريق شهادة لنفسه من وجه، وأما شهادة كل فريق للفريق الآخر بالوراثة يشتركون في التركة، فكانت هذه شهادة لنفسه أيضًا.
وفيه أيضًا: عن محمد رحمه الله في شاهدين شهدا على رجل لرجلين بألف درهم وشهد المشهود لهما للشاهدين على هذا الرجل بدين ألف درهم والمشهود عليه حي فشهادتهما جائزة، لأن الدين يجب في ذمة الحي غير متعلق بماله، فلم تتحقق الشركة بينهما، ولهذا لا يشارك بعضهم بعضًا فيما قبض، فانعدم معنى التهمة فقبلت شهادتهما، ولو كان المشهود عليه ميتًا لا تقبل هذه الشهادة، وقال محمد رحمه الله: هي عندي جائزة، هكذا ذكر ابن سماعة فقد ذكر محمد أولًا أن شهادة الفريقين على الميت غير مقبولة، وقال بعد ذلك: وهي عندي جائزة، أشار إلى أن ما ذكرنا أولًا قول غيره، ولم يذكر أنه قول من، وقد ذكر الخصاص: أن على قول أبي حنيفة رحمه الله لا تقبل هذه الشهادة، وهكذا ذكر في (الأمالي) وذكر في (الجامع الصغير) أن على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تقبل هذه الشهادة وهكذا ذكر في وصايا (المبسوط).
وجه الرواية التي قال: إن الشهادة باطلة ما ذكرنا أن الدين بعد الموت على التركة، وتصير التركة مشتركة بين الغرماء معنى، ألا ترى أن الدين إذا كان مستغرقًا إذا قبض أحد الغرماء شيئًا كان للباقين حق المشاركة، فقد شهدا بما لهما فيه شركة.
وجه رواية الجواز: أن الدين حالة الحياة يجب في الذمة، وبعد الموت يتحول إلى التركة يعني أن التركة تصير مستحقة به، ألا ترى أن الوارث لو أراد أن يقضي الدين من ماله ويستخلص التركة لنفسه كان له ذلك فكانت هذه شهادة بما لا شركة لهما فيه فتقبل.
وروى الخصاف عن الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمهما الله: أنهم إذا جاءوا معًا لا تقبل شهادتهم وإن جاءوا متفرقين تقبل؛ لأنهم إذا جاءوا مجتمعين فقد تمكنت تهمة المواضعة، يصير كأن كل فريق يقول للفريق الآخر: اشهدوا لنا على أن نشهد لكم، فتتفاحش التهمة فيمنع قبول الشهادة، فأما إذا جاءوا متفرقين تقل التهمة ولا تتفاحش، فلا يمنع قبول الشهادة ولو لم يكن الأمر على هذا الوجه.
ولكن ادعى رجلان دارًا أو عبدًا أو عرضًا من العروض في يدي ورثة الميت أن الميت غصبه ذلك، وشهد لهما شاهدان بذلك، ثم شهد المشهود لهما للشاهدين على الميت بدين ألف درهم فإن الشهادة كلها جائزة، كذا ذكره الخصاف رحمه الله، وهذا يجب أن يكون على الروايات كلها؛ لأن تهمة الشركة لا تتأتى هاهنا، وكذلك لو لم يدعيا الغصب ولكن ادعيا الشراء من الميت ونقد الثمن، كان الجواب كما قلنا في دعوى الغصب؛ لأن ما باعه الميت في حياته لا يكون تركة له، فلا يتعلق حق الغرماء بذلك العين فلا تتأتى تهمة الشركة، وهذا يجب أن يكون على الروايات كلها، وكذلك إذا ادعى أحد الفريقين عينًا وادعى الفريق الآخر عينًا آخر تقبل شهادتهم، وهذا أيضًا يجب أن يكون على الروايات كلها، وكذلك إذا ادعى أحد الفريقين الوصية بعد تعيينه، وادعى الفريق الآخر الوصية بعين آخر قبلت شهادتهم بالاتفاق، ولو ادعى أحدهما الوصية بالثلث وادعى الآخر الوصية بعد بعينه أو بعين آخر لا تقبل شهادة الفريقين؛ لأن صاحب الثلث يشارك الآخر في العبد فيتمكن تهمة الشركة وفي المسألة إشكال، وكذلك لو ادعى أحدهما الوصية بالثلث وادعى الآخر الوصية بالسدس لا تقبل شهادة الفريقين؛ لان تهمة الشركة تتأتى هاهنا، وفي كل موضع لا تقبل شهادة الفريقين لا تقبل شهادة ابنيهما وأبويهما ونسوتهما مع رجل آخر، وفي كل موضع تقبل شهادتهما تقبل شهادة ابنيهما وأبويهما وامرأتيهما مع رجل، وعن أبي يوسف رحمه الله أنه إذا وقعت الشركة في المشهود به لا تقبل شهادتهما، وإذا لم يقع في المشهود به شركة، فإن كان القاضي يعرفهما بالعدالة قبلت شهادتهما.
وإن لم يعرفهما بالعدالة أو شك في أمرهما، لا تقبل شهادتهما، لأن كل فريق يجر النفع إلى الآخر فيتمكن تهمة المواضعة، فيتفحص القاضي من حالهما ولا تقبل شهادتهما حتى يظهر عنده عدالتهما، وهو نظير ما روي عن أبي يوسف رحمه الله فيمن ادعى عينًا في يدي إنسان فقال ذو اليد: إنه لفلان أودعنيه، وأقام البينة على ذلك لا تندفع عنه الخصومة إن كان معروفًا بالحيل والأباطيل، وإن كان معروفًا، بالعدالة والأمانة، تندفع عنه الخصومة، فما روي عنه هاهنا مستقيم على أصله، ولو شهد أحد الفريقين لصاحبه بالدراهم، وشهد الآخر بالدنانير، تقبل شهادة الفريقين، ذكره في (البقالي).
وفي (المنتقى) رجل في يديه دار مات فجاء أربعة رجال وادعى رجلان منهم نصف الدار شائعًا أنهما اشترياه من الميت، وشهد لهما الآخران بذلك ثم ادعى الآخران أنهما اشتريا النصف الباقي من الميت، وشهد لهما المدعيان الأوليان، فإن شهادتهم باطلة؛ لأنهم يصيرون شريك في الدار، وكذلك إذا كان القاضي قد قضى للأولين ثم ادعى الآخران وشهد لهما الأولان، فإني أبطل القضاء كله، وإن كانت الشهادة على نصف دار مقسومة لهذين، وعلى نصف دار مقسومة لهذين فإن كان لكل نصف باب على حده وطريق على حده فالشهادتان جائزتان، وإن كان بابهم واحدًا وطريقهم واحدًا أبطلت شهادتهم، وإن أشهدا أبناء الميت أو غيرهما لرجلين على الميت بدين، ثم شهد هذان المشهود لهما لرجلين آخرين على الميت بدين جازت شهادتهم، لأنه لا تهمة في هذه الشهادة؛ لأنه عسى يلحقهما ضرر بنقصان حقهما إذا لم تف التركة بحقهما ولا تعلق لدين الغير بدينهما فقبلت شهادتهما لهذا.
وذكر الخصاف في (أدب القاضي) إذا شهد رجلان لرجلين أنهما ابنا الميت، ثم شهد المشهود لهما للشاهدين على الميت بدين، لا تقبل شهادتهما؛ لأن حق الغريم يثبت في التركة كما أن حق الوارث يثبت في التركة، فيتمكن تهمة الشركة في هذه الشهادة.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد رحمهما الله: في رجل له على ميت دين فقضى القاضي له بدينه، وقد ترك الميت وفاء مما عليه من الدين، ثم إن المقضي له شهد لورثة الميت بحق للميت لا تجوز شهادته؛ لأن ذمة الميت إذا حرمت بالموت يتعلق الدين بتركته، فإذا شهد الغريم بحق للميت فقد شهد بما هو متعلق حقه، فكانت هذه شهادة لنفسه فتقبل.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد رحمه الله: في رجلين لهما على رجل ألف درهم بينهما نصفان، فشهد أحدهما على صاحبه ورجل آخر أنه أقر أن اسمه في الصك عارية وأن حصته من ذلك المال لفلان، قال: شهادة الشريك جائزة؛ لأن هذه شهادة استجمعت شرائطها ولا تهمة فيها، لأن الشريك بهذه الشهادة لا يجّر إلى نفسه مغنمًا، ولا يدفع عن نفسه مغرمًا، أقصى ما في الباب أنه يتوهم له نوع منفعة هاهنا بإبطال حق الرجوع على المشهود عليه في الثاني إذا قبض الشاهد نصيبه من الألف، إلا أن هذا وهم عسى أن لا يكون بأن يقبضا جميعًا أو يبرئا الأجراء فهو عن نصيبه، ولا يجوز رد شهادة استجمعت شرائطها بالوهم ولو كان قبض من المال نصفه أو شيئًا منه ثم شهدا لهذا لم أقبل شهادتهما، لأنه ثبت لشريكه حق مشاركته فيما قبض، فهو بهذه الشهادة يريد إبطال ذلك الحق.
قال: وإنما هذا بمنزلة ثلاثة نفر لهم على رجل ألف درهم، فشهد اثنان منهم على الثالث أنه أبرأ الغريم عن حصته، إن شهدا قبل أن يقبضا شيئًا من المال، قبلت شهادتهما وإن شهدا بعدما قبضا شيئًا من المال، لا تقبل شهادتهما؛ لأن بعد القبض بشهادتهما يريدان إبطال حق المشاركة على الشريك فيما قبضا، ولا كذلك قبل القبض فكذا هاهنا.

.الفصل الحادي عشر: في شهادة أهل الكفر والشهادة عليهم:

شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض مقبولة، اتفقت مللهم أو اختلفت وكذلك شهادة أهل الذمة على المستأمنين مقبولة، وشهادة المستأمنين بعضهم على بعض مقبولة، إذا كانوا من أهل دار واحدة، وإن كانوا من أهل دارين مختلفين، كالروم والترك لا تقبل وأما شهادة المرتد والمرتدة فلا ذكر لها في شيء من الكتب، وقد اختلف المشايخ فيه قال بعضهم: تقبل على الكفار، وقال بعضهم: تقبل على مرتد مثله، والأصح أنها لا تقبل على كل حال، وعن أبي يوسف رحمه الله أنه قال: لا أجيز شهادة اليهودي والنصراني وغيرهما من أهل الذمة إذا سكروا؛ لأن السكر حرام في الأديان كلها، فيوجب سقوط العدالة، وإذا شهد شاهدان من أهل الكفر على شهادة شاهدين من أهل الإسلام على كافر لا تقبل شهادتهما؛ لأنها شهادة على كافر قامت على إثبات أمر على المسلم؛ لأنها قامت على إثبات شهادة المسلم، فلا تقبل قياسًا على ما لو شهدا على المسلم بمال، وكذلك إذا شهدا على قضاء قاض من قضاة المسلمين لكافر على كافر، لا تقبل شهادتهما لأنها قامت على إثبات أمر على المسلم، لأنها قامت على القاضي بإثبات قضائه، وهذا بخلاف ما لو شهدا على كافر بمال، فإنه تقبل شهادتهما وإن كان فيه إيجاب القضاء على القاضي المسلم، وذلك لأن إيجاب القضاء على القاضي غير مضاف إلى شهادتهما لا نصًا ولا اقتضاءً.
أما نصًا: فلا شك، وأما اقتضاء: فلأن المقتضي ما يثبت ضرورة المنصوص عليه ولا ضرورة للمنصوص عليه وهو الوجوب على المشهود عليه، إلى وجوب القضاء بذلك على هذا القاضي المعين؛ لأنه مما ينفك عنه في الجملة بأن لا يكون قاضيًا، والمقضي إنما يثبت ضرورة المنصوص عليه إذا كان لا ينفك عنه بحال، فهو معنى قولنا: إن وجوب القضاء على القاضي غير مضاف إلى شهادتهما لا نصًا ولا اقتضاءً فلا يمنع قبول شهادتهما؛ ولا هاهنا شهدا على إثبات أمر على المسلم نصًا ومثل هذه الشهادة لا تقبل، ونظير هذا ما قال محمد رحمه الله في كافر مات وأوصى إلى مسلم، فشهد كافران بدين على الميت، فإن القاضي يقبل شهادتهما وإن كان لو قبل هذه الشهادة يجب قضاء الدين على الوصي وهو مسلم؛ لأن وجوب قضاء الدين على هذا الوصي غير مضاف إلى شهادتهما لا نصًا وهذا ظاهر، ولا يقتضي وجوب الدين على الميت؛ لأنه ليس من ضرورة وجوب الدين على الميت وجوب القضاء على هذا الوصي، فإنه لو لم يكن هو وصيًا لا يجب عليه قضاء الدين، فلم يمتنع قبول شهادتهما كذا هاهنا.
قال: أمة في يدي رجل كافر اشتراها من مسلم، أو وهبها من مسلم، أو تصدق بها عليه مسلم، ثم جاء كافر وادعى لنفسه ملكًا مطلقًا، وأقام على ذلك شاهدين كافرين، فشهدا له بالملك المطلق، قال أبو حنيفة ومحمد، وهو قول أبي يوسف أولًا: لا تقبل هذه الشهادة أصلًا، وقال أبو يوسف آخرًا: تقبل هذه الشهادة ويقضى لها على المشتري خاصة، ولا يقضي بها على غيره حتى لا يكون للمشتري أن يرجع على البائع بالثمن.
وجه قول أبي يوسف آخرًا: أن هذه شهادة كافر قامت على كافر وهو المشتري باستحقاق الملك عليه، وقامت على مسلم وهو البائع بالرجوع عليه بالثمن، وأمكن القضاء بها في حق الكافر فيقضى بها للكافر، قياسًا على ما لو شهد كافران على كافر ومسلم بدين ألف درهم، فإنه تقبل شهادتهما على الكافر، ولا تقبل شهادتهما على المسلم، بيان إمكان القضاء في حق الكافر: أن يقضي بالملك للمدعي بسبب جديد من جهة المدعى عليه، وهذا لأن الشهود وإن شهدوا بالملك المطلق إلا أن الملك المطلق يحتمل الملك الحادث، فيحتمل أن الشهود عاينوا بسبب الملك فيما بينهما، لكن لم يذكر السبب في شهادتهما، فيحمل على هذا الوجه، تصحيحًا للشهادة بقدر الممكن، ولهما أن هذه شهادة كافر قامت على كافر ومسلم، وتعذر القضاء بها في حق الكافر، فلا تقبل أصلًا قياسًا على ما لو شهد كافران لكافر على كافر، أن القاضي قضى لهذا على هذا بكذا، فإنه لا تقبل هذه الشهادة أصلًا، وإنها لا تقبل لما قلنا. وبيان تعذر القضاء بها في حق الكافر: أن الشهود شهدوا بالملك المطلق للمدعي والشهادة بالملك المطلق شهادة بالملك من الأصل؛ ألا ترى أنه يستحق العين بزوائده المتصلة والمنفصلة جميعًا، ولا يمكن القضاء بالملك في حق المشتري من الأصل إلا بالقضاء بالملك من الأصل في حق البائع؛ لأنه ما بقي الملك للبائع لا يكون الملك لهذا المدعي من الأصل فإن قيل الشهادة بالملك المطلق إنما تكون شهادة بالملك من الأصل إذا كانت الشهادة حجة للقضاء بالملك من الأصل، كشهادة المسلمين أما إذا لم يكن حجة للقضاء بالملك من الأصل يجعل شهادة بالملك الحادث بسبب حادث من جهة المدعى عليه، ألا ترى أن الإقرار بالملك المطلق جعل إقرارًا بملك حادث، وإن كان الإقرار إخبارًا في موضوعه حتى صح بالحق.
والجواب: أن الإقرار يخالف الشهادة، لأن الإقرار بالملك المطلق فيما يقبل النقل من ملك إلى ملك جعل إقرارًا بملك جديد من حيث الحكم كأن المقر قال: هذا لفلان؛ لأني ممكنه منه، ولهذا لا يستحق المقر له المقر به بالزوائد المتصلة والمنفصلة، ولا يكون للمقر الرجوع على بائعه، ولو أن المقر نصّ على ملك جديد للمقر له بسبب جديد من جهة يتعذر القضاء بالملك من الأصل من حيث الحكم كأن الشهود قالوا: هذا ملك هذا المدعي من الأصل حتى يستحق العين بالزوائد المتصلة والمنفصلة ويرجع المستحق عليه على بائعه بالثمن، ولو نص الشهود على هذا يتعذر القضاء بالملك الجديد بالسبب الجديد من جهة المستحق عليه، فكذا إذا جعل في الحكم هكذا إذا مات الكافر وترك اثنين وترك ألفي درهم فاقتسماهما بينهما، ثم أسلم أحدهما ثم جاء كافر وادعى لنفسه دينًا على الميت، وأقام على ذلك شاهدين كافرين، قال في (الكتاب): أجزت ذلك في حصة الكافر خاصة؛ لأن شهادة الكافر حجة في حق الكافر دون المسلم، فثبت الدين بهذه الشهادة في حق استحقاق نصيب الكافر وإبطال يده عليه، لا في حق استحقاق نصيب المسلم وإبطال يده عليه، إذا مات الكافر وجاء مسلم وكافر وادعى كل واحد منهما دينًا، وأقام كل واحد منهما بينة من أهل الكفر، قال في (الكتاب) أجزت بينة المسلم وأعطيت حقه فإن بقي شيء كان للكافر، وروى الحسن بن زياد وعن أبي حنيفة أن التركة تقسم بينهما على مقدار دينهما؛ لأن كل واحد منهما يثبت دينه على الميت، وما أقام كل واحد منهما حجة على الميت، وجه ظاهر الرواية: أن دين الكافر ثبت في حق الميت وفي حق الغريم الكافر ودين الكافر ثبت في حق الميت أما لم يثبت في حق الغريم المسلم؛ لأن حجة المسلم حجة على الميت والكافر؛ وحجة الكافر حجة على الميت وليس بحجة على المسلم، أو المزاحمة إنما تثبت عند المساواة وإنما تثبت المساواة إذا ثبت دين كل واحد من الغريمين في حق صاحبه، فهو بمنزلة الدين المقر به في حالة الصحة مع الدين المقر به في حالة المرض.
مسلم له عبد كافر أذن له بالبيع والشراء، فشهد عليه شاهدان كافران بشراء أو بيع جازت شهادتهما عليه؛ لأن هذه شهادة كافر قامت على إثبات أمر على الكافر.
فإن قيل: هذه الشهادة كما قامت على العبد قامت على المولى، فإنه يستحق مالية المولى متى ثبت الدين على العبد المأذون والمولى مسلم.
قلنا: استحقاق مالية العبد غير مضاف إلى الشهادة لا نصًا وهذا الظاهر ولا اقتضاء؛ لأنه ليس من ضرورة وجوب الدين على العبد بسبب البيع والشراء استحقاق مالية المولى، وألا ترى أن العبد لو كان محجورًا، واشترى لا يستحق به مالية المولى مع أن الثمن وجب عليه بالشراء حتى يؤاخذ به بعد العتق، إذا لم يكن استحقاق مالية المولى مضافًا إلى شهادة الكافر لا تمنع بسببه قبول شهادة الكافر، ولو كان الكافر كافرًا والعبد المأذون مسلم لا تقبل شهادة الكافر؛ لأن هذه شهادة كافر قامت على إثبات أمر على المسلم نصًا.
ولو كان كافر وكل مسلمًا بشراء أو بيع لم أجز على الوكيل الشهود إلا مسلمين، ولو أن مسلمًا وكل كافرًا بذلك أجزت على الوكيل الشهود من أهل الكفر، وهو يخرج على ما ذكرنا من المعنى في فصل العبد.
وفي (النوادر): وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: إذا وكل النصراني مسلمًا يبيع له ثوبًا، أو اشترى له ثوبًا، فشهد عليه نصرانيان بالبيع وهو يجحد أن ذلك جائز وكذا الشراء.
قال محمد رحمه الله في (الجامع): نصراني مات وترك مئة درهم لا غير، فأقام مسلم شاهدين نصرانيين عليه بمئة درهم بينهما يقضي للمسلم المتفرد بثلثي المئة، ويقضي بثلث المئة بين الشريكين نصفان؛ لأن النصراني الشريك أقام ما ليس بحجة على المسلم المنفرد؛ لأنه يتضرر به فيطلب بينة النصراني للشريك، فإذا بطلت بينة النصراني للشريك، بقي المسلم الشريك والمسلم المنفرد وكل واحد منهما أقام ما هو حجة على الميت دون صاحبه فاستويا، فنصرت المسلم المنفرد بحقه وذلك مئة، والمسلم الشريك بحقه وذلك خمسون، فقسمت المئة بينهما أثلاثًا، ثم النصراني الشريك يأخذ من شريكه المسلم نصف ما أخذ لتصادقهما أن الدين مشترك بينهما.
فإن قيل: أليس إن كل واحد من المسلمين يتضرر بشهادة شهود صاحبه وهم كفار، فينبغي أن لا تقبل؟.
قلنا: الضرر عليهما في امتناع القبول فوق الضرر عليهما في القبول، فإن عند قبول الشهادتين يصل إلى كل واحد من المسلمين بعض حقه، وعند عدم القبول لا يصل إلى كل واحد من المسلمين شيء، وعند التعارض يتحمل الأدنى لدفع الأعلى، ولو كان مكان المسلم المنفرد نصرانيًا منفردًا وباقي المسألة بحاله فالمئة تقسم بينهم أثلاثًا لكل واحد الثلث، لأن بينة النصراني المنفرد غير مقبولة على المسلم الشريك لما مر، وبينة المسلم الشريك حجة في حق النصراني المنفرد، فيأخذ المسلم الشريك حقه وذلك خمسون، بقي من التركة خمسون وقد تنازع فيهما نصرانيان، وأقام كل واحد ما هو حجة على صاحبه إلا أن حق النصراني المنفرد في المئة، وحق النصراني الشريك في خمسين فيقسم للنصراني الشريك، وذلك ستة عشر وثلثان، ثم ما في يد النصراني الشريك يضم إلى ما في يد شريكه المسلم فيصير ستة وستون وثلثًا، تقسم بينهما نصفين لتصادقهما على التركة فنصيب كل واحد في الحاصل ثلث المئة فلهذا قال: تقسم المئة بينهم أثلاثًا ولو كان شهود الشريكين مسلمين، وشهود النصراني المنفرد نصراني، وباقي المسألة بحاله كان هذا والأول سواء؛ لأن المسلم الشريك أقام ما هو حجة في حق النصراني المنفرد؛ والنصراني المنفرد أقام ما ليس بحجة في حق المسلم الشريك، فيطلب بينة النصراني المنفرد في حق المسلم فيأخذ المسلم حقه وذلك خمسون بقي من التركة خمسون، وقد تنازع فيه نصرانيان وأقام كل واحد ما هو حجة على صاحبه فيقسم بينهما على قدر حقوقهما أثلاثًا، ثم الباقي إلى آخر ما مر قبل هذا، فإن كان شهود النصراني المنفرد مسلمين وشهود الشريكين نصارى، وباقي المسألة بحالها يقضي للنصراني المنفرد بنصف المئة ويقضي بالنصف الآخر للشريكين؛ لأن المنفرد أقام ما هو حجة على الشريكين، وهما أقاما ما هو حجة على المنفرد فلهذا قسمت المئة نصفين.
قال: نصراني مات وترك مئتي درهم وترك ابنين نصرانيين فأسلم أحدهما، ثم جاء رجل وادعى على الميت مئة درهم فأقام شاهدين نصرانيين، فإن القاضي يقضي بذلك في نصيب الكافر؛ لأن ما أقام المدعي حجة على الابن النصراني دون الابن المسلم لما فيها من الضرر للمسلم، فلم تصح على المسلم وصحت على الكافر فيستوفي الدين من نصيب من صحت البينة عليه، كما لو أقر أحد الابنين بذلك ولا يدخل الابن النصراني على أخيه المسلم في نصيبه، قال محمد في الكتاب: ولا يشبه هذا الدين وأراد به المسألة الأولى، فإن هناك المسلم الشريك إذا أخذ شيئًا من المئة يدخل عليه الشريك النصراني، وهاهنا الابن النصراني لا يدخل على أخيه المسلم في نصيبه.
والفرق بينهما: أن النصراني الشريك إنما يزاحم المسلم الشريك بسبب الدين، ودين النصراني ثابت في ذمة الميت، لم يرد عليه الاستحقاق، إنما ورد الاستحقاق على المال الذي نفع به القضاء، فيبقى دينه في ذمة الميت، ويجعل ما أخذه المسلم كالهالك، وإذا بقي دين النصراني الشريك وجبت الشركة في باقي المال، فأما الميراث إنما يجب بعد الدين، فإذا ثبت الدين في حق الابن الكافر بطل به ميراثه والشركة بناء عليه، فإذا بطل الميراث بطلت الشركة، وفي مسألة الدين إذا بقي تثبت الشركة في محل الحق فلهذا افترقا وذكر عين هذه المسألة في (المنتقى).
وذكر عن أبي حنيفة رحمه الله: إني أقضي بنصف الدين في حصة النصراني وأبطل النصف، وذكر عن أبي يوسف رحمه الله أني أقضي بذلك في حصة النصراني، ولا أقضي على المسلم بشيء وتبين بما ذكر في (المنتقى) أن المذكور في قول أبي يوسف ومحمد وستأتي هذه المسألة بعد هذا إن شاء الله تعالى.
قال محمد رحمه الله في (الجامع): مسلم ادعى أن فلانًا النصراني مات، وأوصى إليه وأقام شهودًا من نصارى فإن أحضر غريمًا نصرانيًا قبلت الشهادة عليه قياسًا واستحسانًا، وعدى إلى غيره لما نبين بعد هذا في الوكالة، وأما إذا أحضر غريمًا مسلمًا، القياس: أن لا تقبل شهادتهم عليه، وهو قول محمد رحمه الله أولًا وفي الاستحسان تقبل.
وجه القياس: أن هذه شهادة الكافر على المسلم مقصودًا فلا تقبل، وجه الاستحسان: ما أشار إليه محمد في (الكتاب): أن موت النصارى لا يحضره المسلمون، ومعنى هذا الكلام أن الإيصاء غالبًا إنما يكون حالة الموت في دورهم، والمسلمون لا يحضرون دورهم عند موتهم غالبًا، فلو لم تقبل شهادتهم على المسلم في إثبات الموت والإيصاء أدى إلى ضياع حقوقهم المتعلقة بالموت والإيصاء فتقبل إحياءً لحقوقهم، وإن كان الإحياء قد يحصل بحضرة المسلمين اعتبارًا للغالب، ألا ترى أن شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال صارت حجة للضرورة، وإن كان الحادثة بحال يجوز للرجال حضور تلك الحادثة لتحمل الشهادة اعتبارًا للغالب، كذا هاهنا والذي بينا من الجواب في الوصاية فهو الجواب في النسب، حتى لو أقام نصراني بينة من النصارى، أن فلانًا مات وأنه ابنه ووارثه لا يعلمون وارثًا غيره وأحضر غريمًا للميت كافرًا، تقبل شهادتهم قياسًا واستحسانًا، فإن أحضر غريمًا مسلمًا، القياس: أن لا تقبل لما مر، وفي الاستحسان تقبل؛ لأن النسب إنما يثبت بالفراش والفراش إنما يثبت بالنكاح ونكاح أهل الذمة إنما تكون في دورهم غالبًا ولا يحضره المسلمون في الغالب فلو لم تقبل شهادتهم أدى إلى تضييع حقوقهم المتعلقة بالنسب.
ولو أن مسلمًا أدى وكالة من نصراني بكل حق له بالكوفة وأحضر غريمًا مسلمًا وأقام عليه شهودًا نصرانيًا لا تقبل؛ لأن هذه (شهادة) نصراني قامت على المسلم مقصودًا فلا تقبل، فرق بين الوصاية والوكالة، والفرق ما ذكرنا: أن الإيصاء غالبًا يكون حالة الموت في دورهم والمسلمون لا يحضرون دورهم عند موتهم غالبًا، فقبلنا شهادتهم صيانة لحقهم عن البطلان، أما الوكالة فتقع خارج دورهم غالبًا، والمسلمون يخالطوهم خارج دورهم، فأمكن إشهاد المسلمين عليها، فلا ضرورة إلى قبول شهادة أهل الذمة، فإن أحضر نصرانيًا قبلت شهادتهم لكونها حجة على النصراني، وإذا قبل القاضي هذه الشهادة وقضى له بالوكالة كان ذلك قضاءً على جميع الغرماء من المسلمين وغيرهم، حتى لو أحضر غريمًا مسلمًا بعد ذلك، وهو يجحد وكالته، لم يكلفه القاضي إقامة البينة على الوكالة في حق جميع من كان بالكوفة لما مر قبل هذا، وقد يثبت الشيء ضرورة غيره، وإن كان لا يثبت مقصودًا بينته، كعزل الوكيل لا يثبت حال غيبة الوكيل مقصودًا، ويثبت ضرورة نفاذ بيع ما يوكل ببيعه كذا هاهنا.
قال ابن سماعة عن محمد رحمه الله: في رجل مات وترك ابنين، أحدهما مسلم والآخر نصراني، فقال المسلم منهما: أسلم أبي قبل موته وأنا وارثه، وقال النصراني: إنه لم يسلم وأنا وارثه، فالقول قول النصراني منهما؛ لأنه عرف كونه كافرًا، فالنصراني تمسك بالأصل وهو بقاء الكفر، والمسلم يدعي زواله بالإسلام، فكان القول قول من يدعي البقاء، ولأن اختلاف الدينين مانع من جريان الإرث وقد عرف وجود، فإذا ادعى الابن المسلم الإسلام فقد ادعى زوال المانع، والابن ينكر، والقول قول المنكر ولكنه يصلي على الميت بإخبار الابن المسلم أنه أسلم لأنه أخبر بخبر ديني وهو وجوب الصلاة عليه، وخبر المسلم الواحد في أمور الدين مقبول، فيصلي عليه وليس من ضرورة الصلاة عليه ثبوت استحقاق الميراث للابن المسلم، لأنه ينفصل أمر الصلاة عن الميراث في الجملة فلم يكن من ضرورة استحقاق الميراث للابن المسلم، ولو أقام المسلم نصرانيين أنه مات مسلمًا وأقام النصراني مسلمين أو نصرانيين أنه مات نصرانيًا قضيت بالميراث للمسلم منهما، أما إذا أقام النصراني نصرانيين؛ لأن الابن المسلم أقام ما هو حجة على النصراني، والابن النصراني أقام ما ليس بحجة على الابن المسلم، وأما إذا أقام النصراني مسلمين؛ فلأنه وإن أقام ما هو حجة على المسلم ولكن مع هذا ترجحت بينة المسلم لوجهين.
أحدهما: أن البينات للإثبات وبينة المسلم تثبت أمرًا حادثًا وهو الإسلام ويثبت استحقاق الميراث للابن المسلم وبينة النصراني تنفي ذلك، فلهذا جعلنا القول قول الابن النصراني، لأنه ينفي استحقاق الابن المسلم، فتكون البينة بينة المسلم؛ لأنه يثبت الاستحقاق لنفسه.
الوجه الثاني: أن الإسلام أقوى قال عليه السلام: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه» فكان الترجيح لبينة المسلم من هذه الوجوه، ولهذا قلنا: إن المولود بين مسلم وكافر يكون مسلمًا تبعًا للمسلم بهما لقوة الإسلام، كذا بهذا، وأما حكم الصلاة فإنه يصلى عليه لا بالشهادة فإن الشهود نصارى فلا تقبل شهادتهم في الأمور الدينية، والصلاة أمر ديني، ولكن لإخبار الابن المسلم بإسلامه، وخبره حجة في حق الصلاة عليه كما ذكرنا، فإن كان للميت بنون صغار ورثتهم عن الميت مع ابنه المسلم، وجعلتهم مسلمين؛ لأنه لما قضى بالميراث للابن المسلم بالبينة فقد قضى بإسلام الأب لا محالة ليمكن توريث المسلم منه، فإذا جعلناه مسلمًا لابد من الحكم بإسلام أولاده الصغار تبعًا له؛ لأنهم يتبعون خير الأبوين في الدين، قال في (المنتقى): فلو لم يقم الابن المسلم بينة على إسلام أبيه قبل موته حتى ادعى رجل على الميت دينًا، وأقام بينة من النصارى على إسلام الأب قبل موته قال محمد رحمه الله: إن كان الغريم مسلمًا لم أبطل دينه بشهادة أهل الذمة ولم أرد القضاء، وإن كان ذميًا رددت القضاء وأنفدت للابن المسلم جميع الميراث، أما إذا كان الغريم ذميًا؛ فلأن الابن المسلم أقام ما هو حجة على الابن النصراني وعلى الغريم فثبت وراثته واستحقاقه التركة، ولم يثبت استحقاق الغريم بما أقام من الحجة؛ لأن ما أقام من الحجة، ليست بحجة لا في حق الابن المسلم ولا في حق الميت لأنا حكمنا بإسلامه ضرورة الحكم بميراثه للابن المسلم، وأما إذا كان الغريم مسلما فلأن ما أقام الابن المسلم من الحجة ليست حجة في حق الغريم، فلم تثبت وراثة الابن المسلم في حق الغريم، فلا يحتاج الغريم إلى إقامة البينة على الابن المسلم، وإنما يحتاج إلى إقامتها على الابن النصراني، وما أقام الغريم حجة في حق الابن النصراني.
قال: ولو لم يكن يترك الميت مالًا وأقام الابن المسلم شهادة من النصارى على أنه مات مسلمًا، وأراد أحد أخويه الصغار لم تقبل بينته عل ذلك، بخلاف ما إذا ترك مالًا.
والفرق: أنه إذا ترك مالًا فبينة الابن المسلم من أهل الذمة إنما تقبل على المال وعلى الميراث، ومن ضرورة قبولها على الميراث القضاء بإسلام الميت، فيتعدى ذلك إلى أولاده الصغار، فأما إذا لم يترك مالًا لا يمكن قبول بينة أهل الذمة على المال لانعدامه، ولا يمكن قبولها على إسلام الميت وحده، لأنه أمر ديني، وشهادة أهل الذمة لا تقبل في الأمور الدينية، وهذا الحكم لا يختص بهذا الموضع بل في كل موضع يشهد قوم من أهل الذمة على إسلام ميت، إن كان الميت لم يترك مالًا تقام البينة لأجله لا تقبل شهادتهم ولا يحكم بإسلامه، وروى (المعلى) عن أبي يوسف رحمه الله أنه قال: لا أقبل شهادة أهل الذمة على إسلام الكافر في حالة الحياة وأقبلها بعد الموت، وإن لم يكن له ميراث يجب لأحد بشهادتهم، وروى عمرو عن محمد رحمه الله في (الإملاء) رجل من أهل الذمة مات فشهد مسلم عدل أو مسلمة أنه أسلم قبل موته وأنكر أولياؤه من أهل الذمة ذلك، فميراثه لأوليائه من أهل الذمة بحاله وإنه ظاهر، قال: وينبغي للمسلمين أن يغسلوه ويكفنوه ويصلون عليه، وكذلك إن كان محدودًا في قذف يعني المخبر بعد أن يكون عدلًا، قال: وشهادة الفساق من المسلمين على إسلامه لا تقبل ولا يصلى عليه بشهادتهم، قال: ولو شهد على إسلام النصراني رجل وامرأتان من المسلمين، وهو يجحد أجبر على الإسلام ولا تقبل.
ولو شهد عليه رجلان من أهل دينه وهو يجحد فشهادتهما باطلة، قال: لأن في زعمهم أنه مرتد ولا شهادة لأهل الذمة على المرتد، ولو قال الابن المسلم: لم يزل كان مسلمًا وقال النصراني: لم يزل كان نصرانيًا، فالقول قول المسلم، لأن كل واحد منهما يدعي ما هو أصل من وجه حادث من وجه، أما الابن المسلم فلأنه يدعي الإسلام والإسلام أصل في بني آدم من وجه من حيث إنهم أولاد آدم وحواء وهما كانا مسلمين وحادث من وجه، من حيث إنه علم بالله تعالى ورسله وكتبه والعلم حادث، وأما الابن النصراني فلأنه يدعي الكفر، والكفر أصل من وجه من حيث إنه جهل والجهل أصل في الأدمي حادث من وجه من حيث إن الأصل في الأدمي الإسلام تبعًا لآدم وحواء، فهو معنى قولنا: إن كل واحد منهما يدعي ما هو الأصل من وجه، وما هو حادث من وجه، فاستويا من هذا الوجه وترجح دعوى الابن المسلم لقوة الإسلام وعلوه، فجعلنا القول قول الابن المسلم، وإن أقاما البينة فالبينة بينة الابن المسلم أيضًا، لأنها تثبت أمرا حادثًا وهو العلم.
ولو أن الابن المسلم، أقام بينة على إسلام الأب قبل موته من المسلمين، لم أقبل ذلك حتى يصفوا الإسلام.
وكذلك إذا أشهد شاهدًا ادعى على نصراني حي أنه أسلم لا تقبل شهادتهما حتى يصفوا الإسلام، وهذا لأن الشاهدين عسى لا يعرفان ما يصير الكافر به مسلمًا وما يحتاج إليه لدخوله في الإسلام، فإن لذلك شرائط وبعضها خفية، ويحمل ما عندهما غير ما هو عند القاضي، فلابد من الوصف حتى ينظر القاضي فيه إن كان ذلك يوجب دخوله في الإسلام، يجعله مسلمًا ومالا فلا، ألا ترى أنا شرطنا لقبول الشهادة على الزنا أن يفسر الشهود الزنا، لأنهم عسى يعرفون من أنواع الزنا أنه يوجب الحد، ولا يكون كذلك كذا هاهنا.
وذكر القاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي رحمه الله في آخر (شرح السير) أن الشاهد إذا كان فقيهًا تقبل شهادته من غير أن يصف الإسلام، وإذا كان جاهلًا لا تقبل شهادته ما لم يصف الإسلام.
قال ابن سماعة: قلت لمحمد رحمه الله: فإن كان الشهود غريم المسلم من المسلمين وقضيت بشهادتهم بحضرة الابن النصراني، ثم جاء الابن المسلم ببينة من أهل الذمة أن الأب مات مسلمًا؟ قال محمد رحمه الله: هو الوارث فيما كان للنصراني الميت من المال، ولا يقضي على الغريم بشيء، لأن الابن المسلم أقام ما هو حجة على الابن النصراني دون الغريم المسلم، والقضاء بحسب الحجة، فيقتصر القضاء على الابن النصراني، واستشهد بما إذا كان البنون ثلاثة: أحدهم مسلم والآخران نصرانيان، فاقتسم النصرانيان الميراث نصفين، ثم أسلم أحد الابنين النصرانيين، ثم أقام الابن المسلم بينة من أهل الذمة أن الأب مات مسلمًا، فإني أقضي له على الوارث الذي لم يسلم ولا أقضي له على الذي أسلم، وطريقه ما قلنا.
قال ابن سماعة: قلت لمحمد رحمه الله: فإذا كان الغريم والابن المسلم أقام كل واحد منهما شاهدين ذميين، قال: إذا جاؤوا معًا فالخصم هو المسلم، لأنه يثبت وارثه بما أقام من البينة، وإنما تقبل بينة الغريم على الوارث، فإذا كان الوارث مسلمًا فشهادة أهل الذمة ليست بحجة عليه، فلا يستحق الغريم بها شيئًا.
قال ابن سماعة: سمعت أبا يوسف رحمه الله قال في نصراني مات وترك ألف درهم، فأقام مسلم شهودًا من النصارى على ألف درهم له على الميت، وأقام نصراني شاهدين من النصارى على ألف درهم له على الميت، وأقام نصراني شاهدين من النصارى على ألف درهم على الميت، فإنه يدفع الألف المتروك إلى المسلم، ولا يتحاصان فيها عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف رحمه الله: يتحاصان في الألف، وقول محمد كقول أبي حنيفة، وحاصل الخلاف راجع إلى أن بينة الغريم النصراني هل هي مقبولة في هذه الصورة؟ على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: هي غير مقبولة وعلى قول أبي يوسف هي مقبولة، فأبو يوسف يقول: إن هذه شهادة قامت على الميت؛ لأنهم شهدوا بدين على الميت، والميت ذمي فتقبل شهادة أهل الذمة عليه، اقصى ما في الباب أنه إذا قبلت بينته وثبت دينه على الميت بشهادتهم، تضرر به الغريم المسلم، فإنه بخاصة في الألف المتروكة فينتقص حقه حيث لا يصل إليه تمام الأصل، ولكن لا يجوز أن يمتنع قبول الشهادة لأجلها، لأنه إنما يعتبر من قامت عليه الشهادة لا من يتعدى إليه في الجملة، ألا ترى أن شهادة أهل الذمة على الذمي بإعتاق عبده المسلم جائزة، وإن كان يتوهم تعدي الضرر إلى المسلم؟ فإنه تقبل شهادته بعد ذلك على سائر المسلمين، ولم يعتبر ذلك شهادة على المسلم فكذا هذا، وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله قالا بأن هذه شهادة قامت على الميت من وجه، وعلى الغريم المسلم من وجه، فتقبل في حق الميت الكافر، ولا تقبل في حق المسلم الغريم، وهذا لأن هذه الشهادة من حيث إنما قامت على أصل الدين، فهي شهادة على الميت، ومن حيث إن الدين بعد الموت إنما يتعلق بالتركة، والتركة مشغولة بدين الغريم المسلم، كانت هذه شهادة على المسلم، فهذه الشهادة حجة على الكافر دون المسلم، فقلنا: بأنه تقبل هذه الشهادة على الميت بثبوت الدين، ولم يظهر ذلك في حق المسلم، حتى لا يزاحمه في التركة، فإذا قضي دين الغريم المسلم، فإن فضل شيء كان ذلك لأن دينه ثبت على الميت، وليس في ظهوره في حق التركة بعد فراغها عن دين المسلم إبطال حق المسلم، فقبلت بخلاف ما قبل فراغ التركة عن دين المسلم، لأن هناك في إظهاره في التركة إبطال حق المسلم عن التركة بشهادة الكفار، وإنه لا يجوز، قال ابن سماعة عن أبي يوسف رحمهما الله: في نصراني مات وترك ابنين فأسلم أحدهما بعد موت أبيه، ثم إن رجلًا نصرانيًا أقام بينته من النصارى أنه ابن الميت النصراني، قال: فإني أقبل بينته على النسب، فأجعله شريك النصراني منهما، ولا أجعله شريك المسلم فيما في يديه، لأن هذه الشهادة تضمنت إثبات النسب من الميت، وإنه مختص بالميت الذمي، فتقبل شهادتهم لإثبات هذا الحكم، وتضمنت استحقاق بعض ما في يد الاثنين؛ لأنه ظهر لهما شريك ثالث، فيكون له حق مشاركتهما وإنه حجة في حق الذي لم يسلم، فيثبت له حق مشاركته، وليست بحجة في حق الذي أسلم، فلا يثبت له حق مشاركته أيًّا ولعذر الحجة في حقه.
وكذلك لو ترك ابنا واحدًا نصرانيًا، فأسلم بعد موت أبيه، ثم جاء نصراني وادعى أنه ابن الميت وأقام بينة من النصارى، فإني أقضي بنسبه من الميت، لأن النسب أمر يختص الميت، وهذه الشهادة حجة في حقه ولا أعطيه شيئًا مما في يد الابن المسلم، لأنها ليست بحجة في حقه، فلا يجوز استحقاق شيء مما في يد المسلم بشهادتهم.
استشهد بمسألة الغريمين، أحدهما مسلم والآخر ذمي، وأقاما بينة بدين لهما على ميت ذمي من أهل الذمة، أنه يقبل بينتهما في حق المديون الميت وأما في حق المزاحمة فلا تقبل بينة الذمي على المسلم، لأنها ليست بحجة في حقه، وإن خرج للميت النصراني مال فضل على دين المسلم، كان للغريم الذمي، لأن مزاحمة المسلم انقطعت فبقي هذا المال للذمي وهذه البينة حجة في حقه.
وكذلك أمر الابنين الوارثين أحدهما ذمي والآخر مسلم بعد موت المورث إذا لم تكن بينة الذمي حجة على المسلم، وأنهما حجة في حق الميت الذمي الذي ثبت بسبب الذمي من الميت بهذه البينة؛ لأنها حجة في حقه، ولكن لما لم تكن حجة في حق المسلم لم يكن له حق مشاركته.
وكذلك لو ترك ابنا واحدًا نصرانيًا، فأسلم بعد موت أبيه، ثم جاء نصراني وادعى أنه ابن الميت وأقام بينة من النصارى، فإني أقضي بنسبه من الميت، لأن النسب أمر يختص الميت، وهذه الشهادة حجة في حقه ولا أعطيه شيئًا مما في يد الابن المسلم، لأنها ليست بحجة في حقه، فلا يجوز استحقاق شيء مما في يد المسلم بشهادتهم.
استشهد بمسألة الغريمين، أحدهما مسلم والآخر ذمي، وأقاما بينة بدين لهما على ميت ذمي من أهل الذمة، أنه يقبل بينتهما في حق المديون الميت وأما في حق المزاحمة فلا تقبل بينة الذمي على المسلم، لأنها ليست بحجة في حقه، وإن خرج للميت النصراني مال فضل على دين المسلم، كان للغريم الذمي، لأن مزاحمة المسلم انقطعت فبقي هذا المال للذمي وهذه البينة حجة في حقه.
وكذلك أمر الابنين الوارثين أحدهما ذمي والآخر مسلم بعد موت المورث إذا لم تكن بينة الذمي حجة على المسلم، وأنهما حجة في حق الميت الذمي الذي ثبت بسبب الذمي من الميت بهذه البينة؛ لأنها حجة في حقه، ولكن لما لم تكن حجة في حق المسلم لم يكن له حق مشاركته.

.فرع على ما إذا كان الابن واحدا:

قال: وإن خرج للميت مال كان ذلك كله للمسلم؛ لأن وراثته ثابتة مطلقًا ووراثة الذمي غير ثابتة في حق الابن المسلم، فلا يكون له أن يشاركه فيه، قال: فإن مات المسلم ورث أخاه يريد به أن بعدما مات الابن المسلم فميراث الميت الذمي للابن الذمي؛ لأن نسبه لما ثبت من الميت ثبتت وراثته، إلا أنها لم تظهر في حق المسلم لمزاحمته إياه، فإذا مات انقطعت مزاحمته فورث هذا الابن. قال ابن سماعة: إنما لا يكون للابن الذمي حق المزاحمة مع الابن المسلم في هذه المسألة إذا أسلم قبل أن يثبت نسب الابن الذمي، أما لو ثبت نسبه قبل إسلامه بهذه البينة كان له مزاحمة الابن المسلم؛ لأنه حال ما أقام البينة هو في مثل حال ذمي فيقبل بينة أهل الذمة عليه فكان له أن يشاركه، فأما بعدما أسلم لم يثبت حق المشاركة بهذه البينة؛ لأنها ليست بحجة في حقه.
ولو مات مولى النصراني الميت ولم يمت الابن، فإني أجعل ميراثه من المسلم والنصراني. قال ابن سماعة: يعني إذا كان أسلم بعد موته، قال: لأن هذا مال حدث الساعة وليس بمنزلة مال تركه النصراني ميراثًا، أشار إلى ما ذكرنا أن بينة النصراني مقبولة في حق الميت حتى يثبت نسبه منه، وإنما لم يشاركه الابن المسلم فيما قبض؛ لأن هذه البينة ليست بحجة عليه، فبقي ما أخذه الابن المسلم لا يظهر وراثته في حقه حتى لا يكون قضاء على المسلم بشهادة النصراني، فأما فيما سواه فالتركة مبقاة على حكم ملك الميت قبل القسمة على ما عرف في موضعه، فكانت هذه شهادة على الميت وإنما يستحق بها مال الميت، وشهادة أهل الذمة حجة في حقه، وكذلك إنما يرث من مولى النصراني بحكم الولاد أنه ثابت له بهذه البينة، فهذه الشهادة حجة في حقه؛ لأنه ذمي مثله فصلح أن يكون مستحقًا لميراثه بهذه البينة، وهذا استحقاق عليه لا على الابن المسلم لما قلنا، فلهذا كان ميراثه بينهما، وإنما فسره ابن سماعة بأنه أسلم بعد موته؛ لأنه لو كان أسلم قبل موته لا يرث منه لاختلاف دينهما.
قال في (المنتقى): وإذا شهد رجل على امرأته مع آخر أنها ارتدت والعياذ بالله، وهي تجحد وتقر بالإسلام فرقت بينهما وجعلت عليه نصف المهر إن لم يكن دخل بها، قال: أقبل شهادة الزوج في الردة، ولا أبرئه عن المهر وأجعل جحودها للردة وإقرارها بالإسلام توبة، ولو شهدا عليه أنها أسلمت وهي تجحد، وأصل دينها كان النصرانية قبلت شهادتهما على الإسلام وأجعل جحودها وبيانها على النصرانية ردة ولا يبرأ من نصف المهر.
وفيه أيضًا: مسلم قال: إن دخل عبدي هذه الدار فهو حر، وقال نصراني: إن دخل هذا العبد هذه الدار فامرأته طالق، فشهد نصرانيين أنه دخلها بعد اليمينين، فإن كان العبد مسلمًا لا تقبل هذه الشهادة، لأنهما شهدا على فعل مسلم، وإن كان العبد نصرانيًا قبلت الشهادة على طلاق المرأة، ولا تقبل على عتق العبد، وهذا بناء على ما مر أن شهادة النصراني حجة في حق النصارى، وليست بحجة في حق المسلمين.
قال ابن سماعة عن محمد رحمهما الله في النصرانيين شهدا على مسلم ونصراني أنهما قتلا مسلمًا عمدًا، قال: لا أجوز شهادتهما على المسلم وأدرأ عن النصراني القتل، وأجعل عليه الدية في ماله، أما لا تقبل شهادتهما على المسلم فظاهر، وأما درء القتل عن النصراني؛ لأن القتل واحد ولم يثبت في حق المسلم لقصور الحجة، فتورث الشبهة في حق الكافر والقصاص لا يستوفى مع الشبهات، قال: وأجعل عليه الدية في ماله، لأن الشهادة على قتلهما ليست بشهادة على اشتراكهما في جرح واحد، لكن هذه شهادة على جرح موجود من الكافر، وجرح من المسلم، فإذا شاهدا ظهور الموت عقيب الجرحين كان لهما أن يشهدا عليهما بالقتل، فأقصى ما في الباب: أن الجرح من المسلم لم يثبت لقصور الحجة، ولكنه قد تكاملت الحجة على الكافر، فيثبت جرحه، وظهور الموت عقيبه وتعذر إيجاب القصاص به للشبهة فوجبت الدية، ثم تجب الدية في ماله، لأن المشهود به القتل العمد، والعاقلة لا تعقل العمد.
قال ابن سماعة عن محمد رحمهما الله: في مسلم ادعى على مسلم ونصراني ألف درهم من ثمن متاع باعه منهما، وأن كل واحد منهما كفيل عن صاحبه وأقام شاهدين من النصارى عليهما بذلك، قبلت بينته على النصارى ويأخذ منه جميع الألف، ولا يرجع النصراني بذلك على المسلم، وإنما تقبل بينته على النصراني؛ لأن بينته حجة في حقه، ويأخذ منه جميع الألف، النصف بحكم الأصالة لقيام الحجة عليه، والنصف بحكم الكفالة؛ لأن هذه البينة تقتضي ثبوت الألف كلها عليهما، إلا أنها إن لم تعمل في حق المسلم؛ لأنها ليست بحجة عليه، أما هي حجة على الكفيل، فيعمل في حق الكفيل فيثبت المال عل المسلم فيما يرجع إلى استحقاق المطالبة والأخذ من يد الكفيل، وإن كان لا يثبت فيما يرجع إلى استحقاق مطالبة المسلم الأصيل والأخذ من يده.
واستشهد في (الكتاب) فقال: ألا ترى أن رجلًا لو ضمن مالًا على رجل، والمدعى عليه ينكر المال، ولم تقم عليه بينة أن الضمان جائز؟ لأن شرط صحة الضمان وجوب المضمون على الأصيل في حق الكفيل وقد وجد؛ لأنه أقر بذلك وإقراره حجة عليه، إن لم (يكن) حجة على الأصيل، فكذا في مسألتنا ظهر وجوب الدين على المسلم في حق النصراني، وإن لم يظهر في حق المسلم لقيام ما هو حجة في حق الكفيل إن لم يكن حجة في حق المسلم الأصيل، فجاز أن يؤاخذ الكفيل بذلك، ثم لا يرجع الكفيل على المسلم، لأن الرجوع عليه من حكم ظهور الاستحقاق في حقه ولم يظهر؛ لأن هذه البينة ليست بحجة عليه.
قال ابن سماعة: عن محمد رحمهما الله: في نصراني اشترى من مسلم عبدا وقبضه وباعه من نصراني آخر، ثم إن المشتري الثاني وجد به عيبًا بعدما قبضه، وأقام بينة من النصارى، أن هذا العيب كان به عند المسلم قبل أن يبيعه من النصراني المشترى، كان له أن يرده على بائعه النصراني، وإن كان بائعه لا يقدر على رده على بائعه المسلم بهذه البينة، وبهذه المسألة يحتج أبو يوسف رحمه الله في مسألة الاستحقاق التي مرت في أول هذا الفصل، وقال: الشهادة في هذه المسألة لما تضمنت حكمين: الرد على النصراني، وولاية الرد لذلك النصراني على المسلم، وهذه البينة حجة في حق النصراني ليست بحجة في حق المسلم، ثبت حكمه في حق النصراني لقيام الحجة في حق النصراني، وإن امتنع ثبوت حكمه في حق المسلم فكذلك في المسألة المختلفة، ولكن الجواب عنه وهو الفرق أن في هذه المسألة المشهود به العيب وإذا كان مما يحدث مثله لم تكن البينة عليه مقتضية كون العيب ثابتًا من الأصل، ولكنه يليق بقدر ما يحتاج إليه الرد، فلم تكن هذه البينة مستمعة حكمًا على البائع المسلم ليمتنع قبولها.
يوضحه: أن هذه البينة لا تثبت حق (الرد) إلا للمشتري الآخر؛ لأن المشتري الأول لا يقدر على رده إلا بعد عود قد تم ملكه إليه ولم يعد إليه بعد، وإذا لم تكن هذه البينة مثبتة حق الرد للمشتري الأول للحال، لم تكن هذه البينة قائمة على البائع المسلم بل هي قائمة على هذا البائع النصراني، وإنها حجة في حقه، فسمعت عليه وأما في المسألة المختلفة، فالمشهود به الملك المطلق، وهو الملك من الأصل، فإذا ظهر بالبينة أن الملك من الأصل للمستحق، ظهر بطلان ملك الباعة كلهم، فكانت قائمة على الباعة جميعًا، فيكون القضاء بها قضاء على جميع الباعة، فيكون قضاء على البائع المسلم، ولهذا لا تقبل بينة واحد من الباعة على الملك المطلق لنفسه، لأنه صار مقضيًا عليه، ولهذا كان لكل واحد أن يرجع على بائعه قبل أن يرجع عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافًا لمحمد.
والدليل عليه أنه انفسخ البياعات الواقعة عندهما على ما روى الخصاف رحمه الله، فثبت أنه قضاء على المسلم البائع، ولا يجوز القضاء على المسلم ببينة أهل الكفر.
ثم استشهد لإيضاح الفرق فقال: ألا ترى أن رجلًا اشترى عبدًا فباعه من آخر فاستحقه رجل من يد المشتري، فرجع المشتري بالثمن على بائعه إن لبائعه أن يرجع على بائعه من غير إعادة البينة، وبمثله لو رده المشتري على بائعه بالعيب بالبينة لم يكن لبائعه أن يرده على من اشتراه منه حتى يعيد البينة عليه، وهذا إشارة إلى أن ما ذكرنا من الفرق، أن القضاء بالملك المطلق للمستحق قضاء على جميع الباعة، فاستغنى عن إعادة البينة؛ لأن تلك البينة قائمة عليه لأنها قامت على من انتصب خصمًا منه وهو المشتري بخلاف مسألة العيب، لأن البينة على العيب قائمة على البائع دون بائع البائع؛ لأنه لا يتعدى حكمه إليه للحال كما ذكرنا.
والذي يوضح الفرق أن القضاء بالملك، لما كان قضاء بالملك من الأصل لابد وأن يكون البائع المسلم مقضيًا عليه بشهادة الكفار وإنه لا يجوز، وأما شهادة الشهود على أن هذا العيب كان عند البائع المسلم، شهادة أنه كان في يد البائع الكافر الذي اشتراه من المسلم، لأنهم شهدوا ببقاء ذلك العيب إلى هذا الوقت، فقد شهدوا بقيام العيب عند البائع النصراني وشهادتهم حجة عليه، فقبلت وثبت قيام هذا العيب في يده وشهدوا أيضًا بإسناد عيب إلى زمان سابق، وهو حال ما كان في يد المسلم وشهادتهم ليست بحجة عليه، فيثبت قدر ما أمكن إثباته بشهادتهم، وهو كون العيب موجودًا في يد الكافر دون المسلم، وإنه غير مستحيل، ليكون عملًا بقدر الدليل.
قال ابن سماعة: سمعت محمدًا رحمه الله يقول في المسلم قطع يد النصراني عمدًا، وادعى القاطع أنه يعني القاطع عبد لنصراني، وادعى المقطوعة يده أنه حر، فأقام رجل وامرأتين من المسلمين على أنه أعتقه مولاه منذ سنة، قال: أجعله حرًا وأقتص منه وهذا لأنه ادعى لنفسه حق استيفاء القصاص من القاطع، ولا يمكنه ذلك إلا بإثبات حرية القاطع، فالقصاص في الأطراف لا يجري بين العبيد ولا بين العبد والحر، وإذا كان لا يمكنه إثبات القصاص إلا بإثبات العتق صار خصمًا في حق إثبات العتق، فهذه بينة قامت على خصم فقبلت.
وكذلك العبد لا يمكنه دفع القصاص إلا بإنكار العتق فانتصب خصمًا عن مولاه في إنكار العتق، فقامت هذه البينة على خصم فقبلت هذه البينة.
ثم الثابت بهذه البينة في صورة جريان القصاص فكان كاللإحصان في باب الرجم، وأنه يثبت بشهادة رجل وامرأتين عندنا كذا هذا.
وإن أقام المقطوعة يده شاهدين نصرانيين أن مولاه أعتقه عند شهر وأراد أن يقتص له، فإنه يعتق بهذه الشهادة ولا أقتص من القاطع المسلم بشهادة النصرانيين؛ لأن هذه الشهادة حجة على المولى النصراني، فثبت العتق في حقه بهذه الشهادة، وليست بحجة على القاطع، فلم يظهر العتق في حقه لاستيفاء القصاص منه، وقالوا: ينبغي أن يكون القضاء بالعتق في هذه الصورة قولهما؛ لا قول أبي حنيفة رحمه الله فإن أبا حنيفة رحمه الله، لا يرى قبول الشهادة على عتق العبد بدون دعواه، ولم يوجد هاهنا دعوى العبد فإنه منكر لذلك.
قال: ألا ترى لو أن مسلمًا قال: إن طلق فلان النصراني امرأته فعبدي حر فشهد نصرانيان أن فلانًا طلق امرأته بعد هذا القول أني أطلق امرأة النصراني، ولا أعتق عبد المسلم؟ لأن الشهادة حجة في حق النصارى دون المسلم، والطلاق منفصل عن العتق فأمكن إثبات أحدهما دون الآخر، فيثبت الطلاق دون العتق ويجعل في حق العين كأن الطلاق غير نازل لعدم الحجة على ظهوره في حق المسلم كذا هذا.
قال: ألا ترى أن نصرانيًا لو مات وترك ألفًا لا مال له غيره فأقام كل واحد من مسلم ونصراني بينة من النصارى أن له عليه ألفًا، أنه يقضي بها للمسلم ولا يشاركه النصراني، لأن شهادة النصراني حجة على النصراني دون المسلم، فثبت بقدر الحجة فكذا هاهنا قال: ألا ترى أن نصرانيًا في يده طيلسان أقام كل واحد من مسلم ونصراني نصرانيين أن النصراني أقر بالطيلسان له، أني أقضي به للمسلم؟ لما قلنا كذا هذا.
ألا ترى أن رجلًا لو شهد عليه ابناه أن لفلان عليه ألف درهم، فقال: إن كان لفلان علي ألف درهم فأمهما طالق، فشهد ابناه بالمال، أني أقضي بالمال ولا أطلق الأم إذا ادعت؟، لأن شهادتهما للأم غير مقبولة، وللأجنبي مقبولة، فتقبل شهادتهما للأجنبي بالمال على وجه لا يظهر في حق أمهما كذا هذا.
وما ذكر محمد رحمه الله في ابتداء المسألة أن المقطوعة يده إذا أقام رجلًا وامرأتين من المسلمين على أن المولى أعتقه اقتصصت منه قوله.
وفي (نوادر هشام): قال: سألت أبا يوسف عن رجل قال: إن اشتريت خمرًا فعبدي حر، فشهد رجل وامرأتان أنه قد شرب الخمر، قال: أعتق العبد ولا أحده، ولا فرق بين المسألتين لأن الثابت في المسألتين بهذه البينة في صورة الشرط جريان القصاص، وفي صورة الشرط جريان الحد.
ولو شهد رجل وامرأتان أن لفلان على زوج إحدى المرأتين ألف درهم، وقد كان قال الزوج: إن كان لفلان علي ألف فأنت طالق، فإني أقضي بالمال ولا أطلق المرأة؛ لأنها شهدت لنفسها بوقوع الطلاق، ولأجنبي بالمال فتقبل الشهادة للأجنبي ولم أثبت المال عليه في حق كونه شرطًا لوقوع الطلاق لما ذكرنا من المعنى كذا هذا.
قال في كتاب الرهن: ذمي مات وادعى ذمي بعض متاعه رهنًا وأقام بينة من أهل الذمة، وادعى مسلم عليه دينًا، وأقام بينة من المسلمين، أو من أهل الذمة فإني آخذ بينة المسلم فأبدأ بدينه حتى يستوفي المسلم ماله، فإن بقي شيء كان للذمي، وهذا لأن بينة الذمي قامت بالدين على الميت وعلى الغريم المسلم بالمزاحمة، وإنها حجة تامة في حق الميت لأنه كافر، وليست بحجة في حق المسلم، فلم يظهر الدين بهذه البينة في حق المزاحمة للمسلم، وبينة المسلم حجة على الميت والغريم النصراني فكانت أولى، فلهذا يبدأ بدين الميت، ثم قال: ولا يجوز رهن الذمي حتى يستوفي المسلم دينه؛ لأن الحجة على الرهن بشهادة أهل الذمة، وإنها ليست بحجة على المسلم، فلم يثبت الرهن في حقه فكأن أخص به كما في غيره من التركة، فإن كان شهود الذمي مسلمين وشهود المسلم ذميين أو مسلمين كان الذمي أحق بالرهن حتى يستوفي دينه، لأن كل واحد منهما أقام ما هو حجة على الميت وعلى صاحبه فقبلت بينتهما، وثبت ببينة الذمي اختصاص الذمي بالرهن، ولم يعرف مثل هذا الاختصاص للمسلم به فصار الذمي أولى بالرهن من هذا الوجه.
قال في (المنتقى): عبد باعه نصراني من نصراني، ثم باعه المشتري من نصراني آخر ثم وثم، حتى تداولته عشرة أيد من الباعة كلهم نصارى، ثم أسلم واحد منهم، ثم ادعى العبد أنه حر الأصل وأقام على ذلك شهودًا من النصارى، قال زفر رحمه الله: لا تقبل بينته سواء أسلم أولهم أو آخرهم أو أوسطهم حتى يقيم بينة من المسلمين، وقال أبو يوسف رحمه الله: إن كان المشتري الآخر هو الذي أسلم لم تقبل بينته، وإن كان غيره أسلم قضي بعتقه، ويرادون الثمن فيما بينهم حتى ينتهوا إلى المسلم، فلا يؤمر برد الثمن ولا من قبله من الباعة، فإن كان العبد أقام البينة على الإعتاق فإن أقام بينة أن البائع الأول قد أعتقه وقد أسلم الأول والشهود نصارى لا أقبل بينته، وكذلك إن كان الأوسط هو الذي أسلم لا تقبل بينته على عتق الأوسط وعلى عتق من بعده، وتقبل بينته على عتق من قبله وهذا قول أبي حنيفة وزفر رحمهما الله، وقال أبو يوسف رحمه الله: أي الباعة أقام عليه البينة من النصارى أنه أعتقه، الذي قبل المسلم والذي بعده سواء تقبل شهادته وقضى بعتقه إلا أن تقوم البينة على المسلم فلا تقبل، وإذا أقام على غيره يتراجعون حتى ينتهوا إلى المسلم فلا يرجع عليه ولا على من قبله إلا أن يقر بذلك، ويترادون بالثمن حتى ينتهوا إلى الذي أعتقه.
قال محمد رحمه الله في كتاب الحوالة والكفالة: إذا ادعى مسلم على كافر مالًا، وادعى ضمان مسلم عنه، وأقام بينة من أهل الكفر بأصل المال وبكفالة المسلم عنه، فإن المال ثبت في حق الأصيل، ولا يثبت في حق الكفيل؛ لأن شهادة أهل الذمة حجة في حق الأصيل؛ لأنه ذمي وليس بحجة في حق الكفيل لأنه مسلم، فصار في حق الكفيل كأنه لم يقم البينة أصلًا وإنما وجد في حقه مجرد الدعوى.
ولو أن رجلًا مسلمًا كفل لكافر عن كافر بألف درهم، فقال الكافر الذي عليه الأصل: لم آمره أن يضمن عني، فجاء المسلم بشاهدين من أهل الكفر أنه قد أمر بالضمان، وأقر الطالب أنه قد استوفى منه المال كان (له) أن يرجع عليه؛ لأن شهادة الذمي حجة على الذمي كشهادة المسلم، ولو شهد بذلك الأمر شاهدان مسلمان، وأقر الطالب أنه استوفى رجع الكفيل بذلك على الذي عليه الأصل فكذلك هذا.
قال: وإذا ادعى رجل مسلم على رجل مسلم مالًا وجحده المطلوب، وادعى الطالب كفالة رجل من أهل الذمة بالمال بأمره وجحد الكفيل ذلك، فشهد رجلان من أهل الذمة على ذلك، فإنه لا يجوز على المسلم شيء من ذلك، ويجوز على الذمي حتى يؤخذ الكفيل بالمال، وإذا أدى لا يرجع على الأصيل، هكذا ذكر في عامة روايات هذا الكتاب، وذكر في بعض روايات هذا الكتاب، وقال: لا تقبل الشهادة أصلًا، وجه ما ذكر في بعض روايات هذا الكتاب وهو أن الكفيل يتحمل عن الأصيل ولا يلزم الأصيل شيء بهذه الشهادة فلا يلزم الكفيل، وجه ما ذكر في بعض الروايات: أن شهادة أهل الذمة حجة في حق الذمي الكفيل وليس بحجة في حق الأصيل، فيثبت بهذه الشهادة المال على الأصيل في حق الكفيل، وإن كان لا يثبت في حق الأصيل نفسه، ويجوز أن يعتبر الدين واجبًا في حق الكفيل، ولا يعتبر في حق الأصيل كمن قال: لك على فلان ألف درهم فكفلت لك عنه، وأنكر الأصيل أخذ الكفيل به ولم يؤاخذ به الأصيل فكذلك هذا.
وإذا كان الصك عليهما فكل واحد منهما كفيل ضامن عن صاحبه بجميع المال بشهادة أهل الذمة وهما يجحدان، فإن الذمي يؤخذ بالمال كله ولا يؤخذ المسلم، وإذا أدي لا يرجع على المسلم وقد مرت المسألة من قبل، وإذا كفل مسلم بنفس ذمي أو بمال عليه لمسلم أو لذمي وشهد عليه أهل الذمة فإن جحد المسلم الكفالة لم يجز ذلك عليه؛ لأن شهادة أهل الذمة ليست بحجة على المسلم، وإن أقر بها جاز ذلك عليه لإقراره، فإن أدى المال وشهد شهود من أهل الذمة أنه كفل بأمره، رجع به لأن شهادة أهل الذمة حجة على الذمي، وفي إثبات الأمر قامت على ذمي لمسلم فقبلت.
قال ابن سماعة: عن محمد رحمهما الله في رجل مسلم أذن لعبده النصراني في التجارة فشهد عليه نصرانيان أنه اشترى متاعًا بألف درهم، جاز وقد مرت المسألة من قبل.
ولو شهد نصرانيان عليه أنه قتل هذا الرجل أو فرسه، لا تجوز شهادتهما على قتل الرجل ويجوز على قتل الفرس، لأن ضمان استهلاك الفرس يلزم العبد فكان هو الخصم، والشهادة إنما تقوم حجة عليه وهو كافر، فصح ولزم، وأما حكم القتل وهو وجوب القصاص إن كان عمدًا وإن كان خطأ، فالتخيير بين الدفع والفداء، إنما يلزم المولى باعتبار أنه تلف بمال نفسه في القصاص، ويستحق عليه دفع العبد الذي هو ملكه في الخطأ، وعلى كلا الوجهين، هذه الشهادة قامت على المولى وهو المسلم، فلا تقبل شهادتهما عليه فهذا عندهما، فأما عند أبي يوسف رحمه الله، تقبل البينة عليه في القصاص دون المال في الخطأ.
قال محمد رحمه الله: وأصل ذلك أن كل شيء أجزت إقراره فيه لو أقر به أجري عليه شهادة أهل ذمته إذا أنكره؛ لأن مولاه أذن له في ذلك وإقراره فيه جارٍ، وبيانه: أن إقرار الإنسان إنما يصح على نفسه لا على غيره، وإذا صححنا إقراره علم أن المقر به بحصته، ولا يتعدى بسببه شيء إلى غيره؛ إذ لو كان كذلك لامتنع صحة الإقرار لمكان ذلك الغير، فلما جاز إقراره في ضمان المبايعة وضمان استهلاك الفرس علم أن هذا حكم بحصته، فإذا أنكر وقامت عليه البينة بذلك من أهل الكفر، فهذه شهادة قامت عليه لا على المسلم فقبلت، وما لا يصح إقراره فيه علم أنه حق غيره، فإذا أنكر لا يمكن إثباته إلا على ذلك الخصم.
قال: ألا ترى لو أن رجلًا أمر هذا العبد وهو محجور عليه أن يشتري له عبد فلان بثمن مسمى، فأذن له المولى في ذلك فاشترى منه إنه جائز؟ لأن العبد من أهل الشراء لأنه كلام وهو من أهل الكلام الصحيح وإنما امتنع نفاذ تصرفه لضرر يلحق المولى، فإذا رضي له بعد ذلك، فإن جحد أن يكون اشتراه فشهدت عليه بينة من النصارى أنه اشتراه جازت شهادتهم، لأن هذه شهادة على العبد وهو كافر، والضرر الذي يلحق المولى من جهة العبد قد وصى بذلك حين أذن له.
قال: عبد أو صبي مأذون له في التجارة شهد عليه ذميان بغصب أو وديعة أو بضاعة أو مضاربة استهلكها أو جحدها أو شهدا بإقراره بذلك أو شهدا عليه ببيع أو شراء، أو قرض، أو رهن وهو يجحد فإنه لا يخلو، إما أن كان المشهود عليه مسلمًا والآذن وهو المولى أو الوصي كافرًا، أو كان الآذن مسلمًا أو المشهود عليه كافرًا فان كان المشهود عليه مسلما لا تقبل شهادتهما، لأن هذه شهادة عليه دون الآذن وهو مسلم، ولا شهادة للكافر على المسلم، وإن كان المشهود عليه كافرًا تقبل شهادتهما، لأن هذه شهادة عليه دون الآذن، وإنه كافر فيقبل شهادتهما، ولا يمنع قبول هذه الشهادة لمكان ضرر المولى؛ لأنه قد رضي به حين أذن، ألا ترى أنه جاز إقراره على نفسه بذلك وإن لحق المولى ضرر لما ذكرنا.
ثم إذا قبلت هذه الشهادة فظهر عليه الدين تباع رقبته فيه، لأن الدين إنما يجب في ذمة العبد شاغلًا بالبينة، فإن باع العبد بألف درهم وأوفى الغريم دينه وهو ألف درهم ثم أقام مسلم شاهدين مسلمين أن له على العبد ألف درهم دين قبل أن يباع، فإنه يأخذ الألف من الغريم الذي كان قضاه ويدفعه إلى هذا المسلم، لأن شهادة شهود الغريم المسلم حجة على العبد والغريم الأول وشهادة شهود الغريم الأول ليست بحجة في حق الغريم المسلم لأنهم كفار، فلم يكن له أن يزاحمه فكان المسلم أولى به، ألا ترى أنه لو حضر وأقام شهوده قبل القضاء كان مقدمًا عليه فكذلك بعده فصار هذا كالمقضي عليه بالملك المطلق لو أقام بنية على التاج رد عليه لأنه لو أقامها قبل القضاء قضي له، فكذلك بعده كذا هذا.
ولو كان شهود الغريم الأول مسلمين، والغريم الأول كافر ثم أقام مسلم أو كافر كافرين أنه كان له على العبد ألف درهم اشتركا فيه؛ لأن شهادة كل فريق حجة على الفريق الآخر، فاستويا في الاستحقاق فيشتركان في الألف ويكون بينهما نصفين، ألا ترى أن الغريم الثاني لو أقام شهوده قبل القضاء اشتركا فيه؟ فكذلك بعده.
قال: ألا ترى أن كافرًا لو هلك فأسلم وارثه فأقام كافر مسلمين أن له على الميت ألف درهم فإن القاضي يقضي بالألف له قضاء من دينه، فإن قضى له بذلك، ثم إن مسلمًا أو كافرًا أقام كافرين أن له على الميت ألف درهم إن الغريم الثاني يشارك الغريم الأول على قدر دينهما؛ لأن هذه البينة قامت على الميت وإنه كافر فيقبل شهادة أهل الكفر عليه كما تقبل شهادة المسلمين، والغريمان كافران وشهادة أهل الكفر عليهما حجة كشهادة المسلمين، ولم تعتبر الشهادة الثانية قائمة على الابن إذ لو اعتبرت قائمة على الابن لما قبلت، لأن الابن مسلم إنما لم يفعل كذلك؛ لأن الغريم الأول لما استحق ألف بما هو حجة على الابن المسلم خرجت تلك الألف من أن تكون لذلك الابن فيه حق، فكان هذا استحقاقًا على الغريم لا على الابن، والغريم كافر فتقبل هذه الشهادة عليه.
فإن أذن المسلم لعبده الذمي في التجارة، فادعى عليه مسلمان كل واحد منهما ألفًا وأقام أحدهما مسلمين والآخر ذميين، فإن القاضي يقضي بالدين كله؛ لأن هذا قضاء على العبد وإنه كافر وقد أقام كل واحد منهما ما هو حجة عليه، ولكنه يبدأ فيوفي الذي شهد له المسلمان؛ لأن شهادة شهود المسلمين حجة على العبد وعلى صاحبه، وشهادة شهود صاحبه ليست بحجة عليه، لأنه مسلم وهو كافر، فلم (يجب أداء) دين صاحبه في حق مزاحمته، فإن فضل شيء كان للذي شهد له الكافر لأنه ثبت دينه على العبد فيستوفيه منه، فإن صدق العبد للذي شهد له الكافران اشتركا فيه؛ لأنه سقط حكم شهادة الكافرين؛ لأن شرط قبول الشهادة الإنكار من الخصم وقد انعدم وثبت الدين له على العبد بإقراره، وما يثبت بإقرار العبد في حالة الإذن والصحة مساو للدين الثابت بالبينة فلهذا اشتركا.
وكذلك إن كان الذي شهد له الكافران مسلمًا، والذي شهد له المسلمان كافرًا، لأن كل واحد منهما أقام ما هو حجة على صاحبه، فاستويا فاشتركا.
ولو أقام مسلم مسلمين بألف درهم على العبد، وأقام ذمي مسلمين أيضا بألف درهم، وأقام ذمي ذميين أيضا بألف درهم، فإن القاضي يقضي بدينهم على العبد فيباع العبد وما في يديه، فيعطى المسلم والذمي الذي شهد له المسلمان كل واحد منهما نصف ذلك، وإنما قضى القاضي بدينهم على العبد؛ لأن كل واحد منهما أقام ما هو حجة على العبد، فوجب القضاء بها عليه إذ لا تنافي في الوجوب عليه فلا تقع المزاحمة، وإذا آل الأمر إلى الاستيفاء ووقعت المزاحمة وبيع العبد وما في يده ولم يف ذلك بالديون يقدم دين المسلم والذمي الذي شهد له شاهدان مسلمان، لأن ما أقام الذمي الآخر ليس بحجة في حق المسلم، فلم يظهر دينه في حق المسلم فلا يشاركه، والذمي الذي أقام مسلمين مع المسلم، أقام كل واحد منهما ما هو حجة في حقه، فقسم ثمن العبد وما في يده بينهما، ثم الذي شهد له الكافران يرجع على الذمي الذي شهد له المسلمان، فيأخذ نصف ما في يده، لأن دين المسلم يثبت بما هو حجة في حق هذا الذمي، ودين هذا الذمي ثبت بما ليس بحجة في حق هذا المسلم، فأي شيء يكون من ثمن العبد لا يكون لهذا الذمي حق المشاركة فيه معه، كان ينبغي أن يأخذ جميع ما في يده؛ لأن جميع ما في يده ثمن العبد وحق المسلم في ثمن العبد يقدم على حق الذمي، إلا أنه لا يأخذ جميع ذلك؛ لأنه أخذ كان للذمي الذي شهد له مسلمان أن يأخذ منه نصفه لأنه يساويه في ثمن العبد فلا يفيد أخذ الكل، أما إذا أخذ المسلم نصف ذلك لا يكون للذمي الذي شهد له مسلمان أن يأخذ شيئًا، لأن من حجة المسلم أن يقول: حصتك مما كان في يد هذا الذمي باق في يده ولا سبيل لك عليه.
ولو كان أحد الغرماء كافرًا شهد له مسلمان، والآخران مسلمان شهد لأحد المسلمين مسلمان، وللمسلم الآخر كافران، فإن ثمن العبد يقسم بين المسلم الذي شهد له مسلمان وبين الكافر نصفين لاستوائهما، فإن كل واحد منهما أقام ما هو حجة على صاحبه، ثم يدخل المسلم الذي شهد له الكافران على الكافر، فيأخذ منه نصف ما في يده، لأن حجة كل واحد منهما حجة على صاحبه فيستويان في الاستحقاق.
ولو كان العبد مسلمًا والمولى كافرًا وأحد غريمي العبد مسلم شهد له كافران والغريم الآخر كافر شهد له مسلمان، فإنه يقضي للكافر دون المسلم لأن الكافر أقام ما هو حجة على العبد؛ لأن العبد مسلم وشهود الكافر مسلمون، والمسلم أقام ما ليس بحجة على العبد؛ لأن شهود المسلم كافران وليس للمسلم أن يشارك الكافر ويقول: شهودي حجة عليك كما فيما تقدم من المسائل؛ لأن المشاركة إنما تكون بعد ثبوت أصل الدين، وفي المسألة المتقدمة أصل الدين ثابت على العبد لأنه كافر وشهادة الكفار على الكافر حجة وفي هذه المسألة أصل الدين غير ثابت لأن العبد مسلم وشهادة الكفار على المسلم ليست بحجة.
ولو كان العبد مسلمًا محجورًا عليه والمولى كافرًا كان بمنزلة ما وصفت، يعني لا تقبل شهادة الكافر على العبد فيقضي للكافر الذي شهد له مسلمان ولا يقضي للمسلم الذي شهد له كافران، وهذا يشكل لأن المولى في العبد المحجور عليه هو المقضي عليه والضرر راجع عليه والمولى كافر فيكون شهادة الكفار حجة عليه ولكن الوجه في ذلك أن هذه الشهادة على إثبات فعل المسلم لا تقبل وقد مر هذا.
ولو كان العبد المحجور كافرًا والمولى مسلمًا فأقام مسلم ذميين على العبد بغصب ألف درهم، وأقام ذمي مسلمين عليه بغصب ألف درهم، فإن القاضي يقضي بثمن العبد للذمي؛ لأن الذمي أقام ما هو حجة على العبد وعلى المولى، فأما المسلم أقام ما ليس بحجة على المولى، والمقضي عليه في المحجور هو المولى.
قال: ثم إذا قبض الكافر دينه يشاركه المسلم فيما قبض؛ لأن أصل دينه قد ثبت على العبد، لأن شهوده حجة على العبد وعلى شريكه الذمي، فيثبت له حق المشاركة مع الذمي، لأن أصل دينه لم يثبت، لأن الخصم فيه المولى، وهو مسلم وصار هذا نظير العبد المأذون المسلم إذا شهد عليه كافران لمسلم بدين ألف درهم، وشهد عليه مسلمان لكافر بدين ألف وقضى القاضي بدين الكافر، وإذا قبض الكافر دينه فليس للمسلم أن يشاركه فيما يقبض؛ لأن دين المسلم لم يثبت، لأن العبد مسلم وشهود المسلم كفار.
والجواب عن هذا الطعن وهو الفرق بين المسألتين: أن في تلك المسألة العبد مسلم وشهود المسلم كفار، وشهادة الكافر ليست بحجة على المسلم، فلم يثبت دون المسلم على العبد، ولم يستحق المسلم شيئًا من كسبه، فلا يثبت للمسلم حق المشاركة في الكسب إنما يثبت بعد استحقاق الكسب بناء على ثبوت الدين على العبد، أما هاهنا العبد كافر، فأمكن القول بثبوت الدين على العبد، إلا أنه لا يقضى للمسلم بالمشاركة في الابتداء؛ لأن في الابتداء الاستحقاق على المولى، ودين المسلم لم يثبت على العبد في حق المولى، لأن المولى مسلم وشهود الغريم المسلم كفار، فإذا قضينا بدين الكافر وخلص ثمن العبد للكافر والمشاركة في هذه الحالة تقع استحقاقًا على الكافر.
قال: مسلم أو حربي أو ذمي أذن لعبده الذي ليس بمسلم في التجارة، فشهد عليه مسلمان لمسلم بدين، وذميان لمسلم بدين، وحربيان مستأمنان لمسلم بدين، فإن شهادة الحربيين لا تقبل.
أما إذا كان المولى مسلمًا أو ذميًا، لأن العبد ذمي في هذه الصورة، لأنه بقي في دارنا على التأبيد تبعًا لمولاه، وهذه الشهادة على العبد، وشهادة أهل الحرب على الذمي لا تقبل.
وأما إذا كان المولى حربيًا مستأمنًا، فلأن المسألة متصورة فيما إذا اشترى الحربي عبدًا في دار الإسلام، والحربي المستأمن لا يمكن من إدخال رقيق اشتراهم في دار الإسلام دار الحرب، بل يبقى في دارنا على التأبيد ويصير ذميًا، ولكن يقضى عليه بشهادة المسلمين والذميين، لأن شهادتهم حجة على العبد وعلى الغريم الآخر، وشهادة الغريم الآخر إن كانت حجة على العبد فهي ليست بحجة على الآخر، ثم يبدأ بدين المسلم الذي شهد له مسلمان، لأن شهادة شهوده حجة على العبد وعلى المسلم الآخر، وشهادة شهود المسلم الآخر ليست بحجة على هذا المسلم.
ولو كان العبد ومولاه حربيين قضي بدينهم جملة، يريد به: إذا دخل الحربي دار الإسلام ومعه عبد حربي استأمن على نفسه وعلى العبد، والعبد يكون حربيًا في هذه الصورة مثل المولى، ألا ترى أن المولى عن من إدخاله دار الحرب؟ وشهادة الحربي حجة على الحربي، كما أن شهادة المسلم والذمي حجة عليه، ولكن يبدأ بدين المسلم الذي ثبت بشهادة المسلمين؛ لأن شهادة شهوده حجة على العبد وعلى الغريمين الآخرين، وشهادة شهود الغريمين الآخرين إن كانت حجة على العبد فليست بحجة على هذا المسلم، فلم يثبت دين الغريمين الآخرين في حق هذا المسلم، فلهذا بدأ بدينه.
كافران شهدا على كافر بدين أو وديعة أو طلاق أو إعتاق فأنفذ القضاء ذلك، ثم أسلم المشهود عليه، فإني أجيز ذلك، ولا أرده لأن القضاء قد تم لاستجماع شرائطه، وقيام حجة القضاء، وهي الشهادة، فإن شهادة الكافر حجة القضاء على الكافر، وإنه كان كافرًا وقت القضاء فيلزمه ذلك بشهادتهم، وبإسلامه من بعده يظهر أن تلك الشهادة لم تكن حجة عليه فلا يظهر بطلان القضاء.
قال محمد رحمه الله في (الجامع الصغير): نصراني مات فجاءت امرأته مسلمة، فقالت: أسلمت بعد موته ولي الميراث، وقالت الورثة: لا بل أسلمت قبل موته، فالقول قول الورثة، لأن المرأة ادعت ما هو حادث من كل وجه، لأن الإسلام بعد الكفر حادث من كل وجه، فكانت مدعية فلا يقبل قولها إلا بحجة.
فإن قيل: لماذا لا تترجح دعواها بسبب الإسلام؟ قلنا: الإسلام إنما يعتبر ترجيحًا حالة المساواة في الدعوى ولا مساواة هاهنا.
فإن قيل: إذا كان الإسلام بعد الكفر حادثًا من كل وجه، والأصل في الحوادث أن يحال لحدوثها على أقرب الأوقات وأقرب الأوقات ما بعد موت الزوج يجب أن يجعل القول قولها لتمسكها بما هو الأصل، قلنا: هذا الأصل معارض بأصل آخر، فإن الأصل أن يجعل القول قول من يشهد له الظاهر، والظاهر شاهد للوارث، فإنها مسلمة للحال، والحال حكم في التعرف عما مضى في الدفع دون الإلزام كما في مسألة الطاحونة، فالحال يشهد للورثة وفي اعتبار الحال دفع الميراث لا إبطال شيء أو إلزام شيء على الغير، فوقعت المعارضة بين الأصلين فتساقطا، بقي ما ذكرنا وهو دعواها أمرًا حادثًا من كل وجه خاليًا عن المعارض فلا يقبل قولها إلا بحجة.
ولو مات المسلم وله امرأة نصرانية، فتقول وهي مسلمة وقت الخصومة: أسلمت قبل موته، وقالت الورثة: لا بل أسلمت بعد موته، فالقول قول الورثة أيضًا لما ذكرنا: أنها تدعي أمرًا حادثًا من كل وجه.
فإن قيل: ينبغي أن يجعل الحال حكمًا في معرفة حكم ما مضى كما في المسألة المتقدمة، وهي مسلمة في الحال فيحكم بإسلامها فيما مضى، قلنا: الحال حكم ظاهر في الدلالة على الماضي، وليست بدليل قطعي والظاهر يصلح حجة للدفع، لا لإثبات شيء لم يكن، والورثة هم الدافعون في المسألتين جميعًا أما في المسألة الأولى فظاهر، وأما في المسألة الثانية فلأنهم ينكرون إسلامها فيما مضى لدفع الميراث تحقق أن سبب الحرمان ظهر في الفصلين وهو اختلاف الدين فهي تدعي الوراثة بعد ظهور سبب الحرمان بدعوى أمر حادث من كل وجه، والورثة ينكرون ذلك فكان القول قولهم.
قال في (الأصل): وإذا مات الرجل وترك ابنين مسلمين، فقال أحدهما: مات أبي مسلمًا وقد كنت مسلمًا أسلمت حال حياة الأب، فقال الآخر: صدقت وقد كنت أيضًا مسلمًا أسلمت حال حياة الأب وكذبه الابن المتفق على إسلامه وقال: إنما أسلمت بعد موت الأب، فإن الميراث للابن المتفق على إسلامه؛ لأن وراثة الابن المتفق على إسلامه ثابت باتفاقهما، فإنهما يصدقان على موت الأب مسلمًا وعلى إسلامه قبل موت أبيه.
وعلى الآخر البينة وذلك لأن الآخر ادعى أنه أسلم قبل موت أبيه، والابن المتفق عليه يقول: أسلمت بعد موت الأب، والإسلام أمر حادث من كل وجه، بعدما اتفقا على الكفر، والأصل في الحوادث أنه يحكم بحدوثها لأقرب ما ظهر، والابن المتفق على إسلامه بدعوى حدوث الإسلام لأقرب ما ظهر متمسك بما هو الأصل في الحوادث، فيكون منكرًا والآخر مدعيًا فكان عليه البينة ولا يحكم الحال.
وإن وقع الاختلاف في إسلام الابن المختلف فيه فيما مضى وهو مسلم للحال، فالحال يدل على ما مضى إذا لم يعرف حدوثه للحال، بخلاف مسألة الطاحونة، ووجه الفرق بينهما وهو: أن تحكيم الحال إنما يجوز لإثبات ما مضى إذا كان ما ثبت في الماضي ثابتًا للحال، لأن الحال يدل على الماضي إذا لم يعرف حدوثه للحال فأما إذا لم يكن ثابتًا للحال لا يجعل حكمًا على ما مضى، ألا ترى أن في مسألة الطاحونة لو اتفقا على انقطاع في بعض مدة الإجارة واختلفا في مقداره، فإن قال المستأجر: كان الماء منقطعًا شهرين، وقال صاحب الطاحونة: لا بل انقطع شهرًا، فإنه لا يحكم الحال ولكن القول قول المستأجر مع يمينه، لأنهما اختلفا في مقدار مدة الانقطاع، ومقدار مدة الانقطاع للحال غير ثابت إنما الثابت للحال نفس الانقطاع إن كان الماء للحال منقطعًا لا انقطاع، مقدار شهر أو شهرين، وكذلك إن كان القيام هو الحرمان، وفي مسألتنا حاصل الخلاف وقع في مقدار مدة الإسلام لا في نفس الإسلام إنه كان أو لم يكن، والثابت في الحال نفس الإسلام لا إسلام مقدر بقدر شهر أو شهرين، بخلاف ما لو اختلفا في انقطاع الماء، ادعى المستأجر انقطاعه وأنكر صاحب الطاحونة، وذلك لأن الاختلاف وقع في نفس الانقطاع فيما مضى لا في مقداره، ونفس الانقطاع للحال يدل على ثبوته فيما مضى، إذا لم يحدث للحال معاينة، فوجب تحكيم الحال على ما مضى.
وإذا كانت الدار في يدي ذمي، فادعى رجل مسلم أن أباه مات وتركها ميراثًا له لا يعلمون له وارثًا غيره، وأقام بينة على ذلك من أهل الذمة، وادعى ذمي فيها مثل ذلك، وأقام بينة من أهل الذمة، فإنه يقضي بها للمسلم، وذلك لأن بينة المسلم حجة على ذي اليد وعلى من ينازعه وهو الذمي الخارج، وبينة الذمي إن كانت حجة على ذي اليد؛ لأن ذا اليد ذمي، فليس بحجة على المسلم الخارج، وكما يصير ذو اليد مقضيًا عليه ببينة كل واحد من المدعين، فكل واحد من المدعيين الخارجين يصير مقضيًا عليه في النصف من جهة صاحبه، ولهذا قالوا: لو ادعى أحد المدعيين النصف الذي قضي به لصاحبه، وأراد أن يقيم البينة على ذلك لا يسمع ما لم يدع تلقي الملك من جهة المدعيين، وإذا لم تكن هذه البينة حجة في حق الاستحقاق على المسلم، صار وجود مدة البينة في حق المسلم وعدمه بمنزلة، ولو عدم بينة الذمي أصلًا كان يقضي بجميع الدار للمسلم فكذا هذا، ولو كانت بينة الذمي مسلمين قضيت بالدار بينهما نصفان.
فرق بين هذا وبينما إذا مات الرجل وترك ابنين أحدهما مسلم والآخر ذمي، أقام كل واحد من الابنين بينة أن أباه مات على دينه، كانت بينة المسلم أولى، ولم تترجح بينة المسلم منهما، وذلك لأن في تلك المسألة البينتان إنما قامتا لإثبات إسلام الميت وكفره، وقد استويا في الإثبات من الوجه الذي ذكرنا، ويرجح ما يوجب الإسلام على ما يوجب الكفر على ما مر، فأما هاهنا البينتان قامتا لإثبات الملك لا لإثبات الإسلام والكفر، فإن ذلك ثابت باتفاق الخصمين، إلا أن أحدهما يثبت الملك للمسلم، والآخر للكافر، ولم يوجد ما يوجب ترجيح بينة المسلم في حق إثبات الملك له، فإن الكافر في تملك الأموال والمسلم سواء، ألا ترى أنهما لو أخذا صيدًا أو اشتريا مالًا كان بينهما نصفين؟ فلهذا يقضى بينهما نصفين.
وإذا مات الرجل وترك دارًا فقال ابن الميت وهو مسلم: مات أبي وهو مسلم وترك هذه الدار ميراثًا لي، وجاء أخ الميت وهو ذمي فقال: مات أخي وهو كافر على ديني وابنه هذا مسلم، فالقول قول الابن وله الميراث، وذلك لأن مدعي الكفر لو كان مساويًا للمسلم في الدعوى وسبب الاستحقاق، بأن كان ابنًا كان القول قول المسلم بسبب الإسلام، فإذا كان دونه في سبب الاستحقاق أولى أن يكون القول قول المسلم.
ولو أقاما جميعًا على مقالتهما بينة أخذت بينة المسلم؛ لأن المدعي بكفر الميت لو كان مساويًا لمدعي الإسلام في الاستحقاق، بأن كان ابنًا كانت بينة المسلم أولى، فإذا لم يكن مساويًا له في الاستحقاق أولى أن تكون البينة بينته.
ولو أقام الأخ بينة من أهل الذمة على ما قال ولم يقم الابن البينة لم أجز بينة الأخ ليست بحجة على الابن، لأنه مسلم ولا شهادة للكافر على المسلم، فصار وجودها وعدمها بمنزلة، فأما إذا أقام الأخ مسلمين على ما ادعى من كفر الميت الآن يقضى بالميراث للأخ؛ لأن سبب الحرمان يثبت في حق الابن وهو كفر الميت؛ لأن الأخ أقام البينة على الكفر ولم يقم الابن بينة إنما له مجرد الدعوى ولا عبرة للدعوى بمقابلة البينة، وكان بمنزلة ما لو أقام الأخ البينة أن الابن قتل الأب والابن يقول: لم أقتل كان الميراث للأخ، بخلاف ما لو أقام البينة ولم يقم لهما بينة، لأن هناك الموجود مجرد الدعوى من الجانبين أو الدعوى مع البينة، ولا مساواة بين الدعوتين، وسبب الاستحقاق وحالة المسلم منهما أولى فحال عدم المساواة أولى أن يكون أولى.
وإذا كانت الدار ميراثًا في يدي ورثة فقالت امرأة الميت وهي مسلمة: زوجي كان على ديني في الأصل ومات وهو مسلم، وقال أولاده وهم كفار: بل مات أبونا وهو كافر وللميت أخ مسلم، فإن القول قول المرأة وذلك لأن المرأة ساوت الأولاد في الدعوى وسبب الاستحقاق، وعند الاستواء في الدعوى وسبب الاستحقاق يترجح قول المسلم منهما بسبب الإسلام، كما (لو) كان للميت ابنان وأحدهما مسلم يدعي إسلامه والآخر كافر يدعي كفره وإنما قلنا: استويا في الدعوى، لأن كل واحد منهما تمسك بما هو ثابت في الأصل من وجه وبما هو حادث من وجه، فاستويا في الدعوى والإنكار، وإنما قلنا: استويا في سبب الاستحقاق؛ لأن الزوجية سبب استحقاق الإرث كالولاد، ألا ترى أن المرأة تستحق الميراث على كل حال لا تحجب بوارث آخر كالولد إلا أن الولد يستحق الأكثر والمرأة الأقل؟ إلا أن العبرة لاستوائهما في أصل الاستحقاق لا في مقدار المستحق، ألا ترى أن المدعي لإسلام الميت لو كانت ابنته مسلمة والمدعي للكفر ابنًا كافرًا، كان القول قول الابنة لأنها ساوته في الدعوى والإنكار، وفي أصل الاستحقاق إن لم تساوه في قدر الاستحقاق فكذلك هذا، وإذا جعلنا القول قول المرأة يثبت إسلام الميت بقولها، فكان كالثابت بالبينة ولو ثبت بالبينة كان ما بقي بعد فرض المرأة للأخ لا للولد، فكذلك إذا ثبت بقولها.
ولو لم يكن له امرأة وكان له ابن كافر وأخ مسلم، فقال الأخ المسلم: مات على ديني، وقال الابن: لا بل مات كافرًا، فإن القول قول الابن ولم يترجح قول الأخ بسبب الإسلام، وقد استويا في الدعوى فإن كل واحد منهما ادعى ما هو ثابت في الأصل من وجه وما هو حادث من وجه، وفي مسألة الزوجة مع الولد، وفي مسألة الابنين لما استويا في الدعوى والإنكار يرجح قول المسلم منهما بسبب الإسلام، ووجه الفرق بينهما: أن في مسألة الابنين إنما اعتبرنا الإسلام مرجحًا لأنهما استويا في الدعوى والإنكار وفي سبب الاستحقاق أيضًا، فإن سبب الاستحقاق لكل واحد منهما البنوة، فرجحنا قول أحدهما بسبب الإسلام، والابن والأخ إن استويا في الدعوى والإنكار لم يستويا في سبب الاستحقاق، فإن سبب الاستحقاق للابن البنوة وسبب الاستحقاق للأخ الأخوة ولا مساواة بينهما في الاستحقاق، فإن الابن لا يحجب بأحد والأخ يحجب بالابن، ولما لم يستويا في الدعوى وسبب الاستحقاق لم يمكن أن يعتبر للإسلام ترجيحًا، وكان كالولد الحادث بين أبوين كافرين وله جد مسلم، فإنه لا يحكم بإسلامه تبعًا للجد، لأنه لا مساواة بين الجد والأبوين في سبب التبعية، وهي الولاد؛ لأن الولاد بين الأبوين ثابت بغير واسطة وللجد مع الواسطة، ولما لم يستويا في سبب التبعية لم يعتبر للإسلام ترجيحًا فكذلك هذا.

.الفصل الثاني عشر: في المسائل التي تتعلق بحدود المدعي والمشهود به:

بعض مسائل هذا الفصل ذكرناه في كتاب (أدب القاضي) فنذكر هاهنا ما لم يذكر ثمة، ذكر في (فتاوى النسفي): إذا قال الشاهد بالفارسية: أين تدعي عليه أين محدود باسمه حدها وحقها دعي بفروخت بدين مدعى، ولم يقل: بهمه حدها وحقها فالشهادة صحيحة، قال ثمة: وقد وقعت هذه المسألة مرة بسمرقند، ومشايخنا أجابوا بالصحة، وهذا لأن معنى قوله بحدوده، مع حدوده لأن الحديد يدخل تحت البيع، ولو شهدوا بهمسه حدها دعي أليس أنه تصح الشهادة كذا هنا.
قالوا: فالصحيح من الجواب أن يقال: إن ذكر في الحدود لزيق دار فلان، أو ينتهي إلى دار فلان أو ما أشبهه فالشهادة صحيحة. وإن ذكروا دار فلان أو ذكروا في الحدود الطريق أو المسجد لا تصح الشهادة، وفي كتاب الشروط: إذا كتب أحد حدود هذه الدار دار فلان والثاني والثالث والرابع كذلك لا يكتب اشتريتها بحدودها، لأن الحد يدخل وإذا كتب أحد حدوده ينتهي إلى دار فلان أو ملازق دار فلان كتب اشتريتها بحدودها، وإذا غلظ الشاهد في أحد الحدود لا تقبل شهادته بخلاف ما إذا ترك أحد الحدود وقد ذكرنا هذا في كتاب (أدب القاضي) وإنما يثبت غلط الشاهد في ذلك بإقرار الشاهد: أني قد غلظت في ذلك، أما لو ادعى المدعى عليه أن الشاهد قد غلظ في الحدود أو في بعضها، لا يسمع دعواه، ولو أقام البينة على ذلك لا يسمع بينته، هكذا حكي فتوى شمس الأئمة السرخسي وشمس الإسلام الأوزجندي رحمه الله، وهذا لأن دعوى الغلط من المدعى عليه على الشاهد إنما دعوى المدعي والجواب من المدعى عليه لأن الشهادة لا تكون إلا بعد دعوى المدعي، والجواب من المدعى عليه، والمدعى عليه حين أجاب المدعي عن دعواه فقد صدقه أن المدعي بهذه الحدود، فيصير بدعوى الخطأ بعد ذلك في الحدود كلًا أو بعضًا متناقضًا.
أو يقول: تفسير دعوى الغلط في أحد الحدود، أن يقول المدعى عليه: أحد الحدود ليس ما ذكره الشهود، أو يقول: صاحب أحد الحدود ليس بهذا الاسم الذي ذكره الشهود، وكل ذلك نفي والشهادة على النفي لا تقبل.
وكذلك لو ادعى المدعى عليه إقرار المدعي بغلط الشاهد في الحد لا يسمع دعواه، وحكي عن الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي رحمه الله أنه قال: إذا أخطأ الشاهد في بعض الحد، ثم تدارك وأعاد الشهادة وأصاب ذلك، قبلت شهادته عند إمكان التوفيق، سواء تدارك في ذلك المجلس أو في مجلس آخر وتفسير إمكان التوفيق، أنه قال: كان صاحب الحد فلان إلا أنه باع داره من فلان ونحن ما علمنا به، أو يقول: كان اسم صاحب الحد ما قلنا، إلا أنه سمي بعد ذلك بهذا الاسم ونحن ما علمنا وعلى هذا فافهم، هذا إذا ترك الشاهد أحد الحدود أو غلط، وأما إذا ترك المدعي أحد الحدود أو غلط فيه، فهو على نحو ما ذكرنا في الشاهد.
وإذا ادعى المدعى عليه أن المدعي أخطأ في أحد الحدود وكان ذلك بعدما قضي على المدعى عليه بنكوله أو ببينته لا تصح دعواه لوجهين.
أحدهما: ما ذكرنا في فصل الشاهد: أن المدعى عليه في دعوى الغلط بعدما أجاب المدعي عن دعواه متناقض.
والثاني: أن دعواه الخطأ في الحدود ليس فيه أكثر من إنكاره أن المحدود المدعى في يده، أو أن المحدود الذي يدعي ليس ملك ولا يندفع عنه دعوى المدعي من هذين الوجهين، وإن أقام على ذلك بينة كذا هاهنا.
إذا قال القاضي لمدعي العقار: هل تعرف حدود المدعى؟ قال: لا، ثم أعاد الدعوى وذكر الحدود لا يسمع دعواه، ولو قال: لا أعرف أسماء أصحاب الحدود يعني الجيران، ثم أعاد الدعوى وذكر أسماءهم يسمع دعواهم.
ولو أنه قال: لا أعرف الحدود ثم ذكر الحدود بعد ذلك وقال: عنيت بقولي لا أعرف الحدود، ولا أعرف أصحاب الحدود، قبل ذلك منه وسمع دعواه ثانيًا إذا ذكر في الدعوى أو الشهادة أحد حدود الأرض المدعى لزيق أرض فلان، ولفلان في القرية التي فيها الأرض المدعى أراض كثيرة مختلفة متفرقة، صحت الدعوى وصحت الشهادة، وإن كان فيه نوع جهالة إلا أنها تحملت لضرورة، فإنه عسى لا تكون لأرض فلان علامة لكن يعرفها بتلك العلامة، وهذا هو الغالب من حال الأراضي في القرى، فيتعين للتعريف ذكر اسم صاحبه، ألا ترى أنه إذا ذكر في اسم صاحب الحد بناء محمد بن أحمد بن محمد فذلك يكفي وإن كان فيه نوع جهالة؛ لأن كثيرًا من الناس يكونون بهذا الاسم والنسب، وقد تحمل ذلك لمكان الضرورة؟ فكذا هاهنا.
ولو ذكر في الحدود كنية صاحب الحد أبو فلان أو ذكر ابن فلان، فذلك لا يكفي إلا إذا كان صاحب الحد مشهورًا بذلك، كشهرة أبي حنيفة وابن أبي ليلى رحمهما الله، وقد ذكرنا نظير هذا في كتاب (أدب القاضي).
ولو ذكر في الحدود: لزيق أرض سيان ديهي فذلك لا يكفي؛ لأن سيان ديهي مجهول جهالة متفاحشة، فالأراضي التي غاب أربابها، أو مات أربابها ولا ولد لهم، تسمى: ديهي، وكذلك الأراضي تركت لرعي الدواب، ولم تدخل تحت القسمة تسمى: سيان ديهي، وكذلك إذا ذكر في الحد لزيق أرض وقف، فذلك لا يكفي وينبغي أن يذكر أنها وقف على الفقراء أو على مسجد كذا أو ما أشبهه.
وكذلك إذا ذكر في الحد أرض لزيق أرض ورثة فلان فذلك لا يكفي؛ لأن الورثة مجهولون، فمنهم صاحب فرض ومنهم عصبة ومنهم ذووا الأرحام، فكان مجهولًا جهالة متفاحشة، ألا ترى أن الشهود لو شهدوا أن هذا وارث فلان، فالقاضي لا يقبل شهادتهم؟ وإنما لا تقبل لمكان الجهالة في الوارث.
يوضحه: أن المقصود من ذكر الحدود، وذكر صاحب الحد، التعريف، وربما يكون صاحب الحد من جملة ذوي أرحام فلان، ويكون بعيدًا عنه بحيث لا يعرفه الناس وارثًا لفلان مع كونه وارثًا له حقيقة فلا يحصل به التعريف.
وإذا ادعى أرضًا مثلثة وذكر حدين لا غير والشهود أيضًا ذكروا حدين لا غير تصح الدعوى وتصح الشهادة، وهذا وما لو ذكر الحدود الثلاثة في الأرض المربعة على السواء، وإذا شهدوا بملكية الأرض وبينوا حدودها، وقالوا: هي مقدار خمس مكاييل بذر، والمدعي يدعي ذلك ذكر ذلك في دعواه وأصابوا في بيان الحدود إلا أنهم أخطؤوا في بيان المقدار فهي تسع قدر ثلاث مكاييل بذر، حكي عن شيخ الإسلام أبي الحسن السغدي أنه قال: لا تبطل دعوى المدعي ولا شهادة شهوده، لأن بيان مقدار البذر بعد ذكر الحدود غير محتاج إليه، فصار ذكره ولا ذكره سواء، وأجاب بعض مشايخ زمانه ببطلان الدعوى والشهادة.
وقد يجب أن تكون المسألة على التفصيل إن شهدوا بحضرة الأرض المدعى به وأشاروا إليها تقبل وبلغوا ذكر الوصف، وهو بيان قبول مقدار البذر، وإن شهدوا بغيبة الأرض لا تثبت بهذه الشهادة ملكية أرض تسع فيها خمس مكاييل بذر.
وقيل: لا تقبل البينة على كل حال وهو الأظهر والأشبه بالفقه.
وإذا جعل الحد طريق العامة لا يشترط أن يذكر طريق القرية أو طريق البلد، ويجب أن يعلم أن الطريق يصلح حدًا، ولا حاجة فيه إلى بيان الطول والعرض إلا على قول لشمس الأئمة السرخسي رحمه الله فإنه كان يقول: يبين الطريق بالذراع، والنهر لا يصلح حدًا عند بعض أهل الشروط، وكذلك التنور وهو رواية عن أبي حنيفة، وظاهر المذهب أنه يصلح حدًا وفي اشتراط حدود المستثنيات نحو الطريق والمقبرة والحياض اختلاف المشايخ، فمنهم من شرط ذلك ومنهم من لم يشترط، وكان الشيخ الإمام ظهير الدين رحمه الله يقول: إذا كانت المقبرة تلًا لا يحتاج إلى ذكر حدودها وإذا لم تكن تلًا يحتاج لأنها عسى تزداد.
وإذا ادعى محدودًا في يد رجل وأحد حدوده أو جميع حدوده متصل بملك المدعي هل يحتاج إلى ذكر الفاصل؟ فقيل: لا يحتاج، ولو كان متصلًا بملك المدعى عليه يحتاج إلى ذكر الفاصل؛ لأن في الوجه الأول اختلاف اليد فاصل ولا كذلك في الوجه الثاني، وقيل: إن كان المدعى أرضًا فكذلك الجواب، وإن كان بيتًا أو دارًا أو منزلًا فلا حاجة إلى الفاصل والجدار فاصل، وإذا كان المدعى أرضًا واحتيج إلى ذكر الفاصل، فذكروا الفاصل شجرة، فذلك لا يكفي هكذا حكى فتوى شمس الإسلام الأوزجندي، وهذا لأن الشجرة لا تحيط بجميع المدعى به، والفاصل يجب أن يكون محيطًا بجميع المدعى به حتى يصير المدعى به معلومًا، فإذا ادعى أرضين محدودة معلومة، ثم ترك الدعوى في أحد الأرضين، وأدعى الأرض الأخرى ولم يذكر الحدود فقد قيل: لا تصح الدعوى ولا الشهادة لمكان الجهالة.
وإذا ادعى محدود في موضع كذا وبين الحدود ولم يبين أن المحدود ما هو كرم أو أرض أو دار، هل يوجب هذا جهالة في المدعى به؟ وإذا شهد الشهود على هذا الوجه هل تقبل شهادتهم؟ حكي فتوى شمس الأئمة السرخسي: أنه لا تصح هذه الدعوى، ولا تقبل هذه الشهادة، وحكى فتوى شمس الإسلام الأوجندي: أن المدعي إذا بين المصر والمحلة والموضع والحدود يصح الدعوى، ولا يوجب ترك بيان المحدود جهالة في المدعى به، وكان الشيخ الإمام ظهير الدين المرغيناني يكتب في جواب الفتوى: لو سمع قاضي هذه الدعوى يجوز، وقيل: ذكر القرية والمصر والمحلة والسكة ليس بلازم.
وإذا ادعى ألف درهم ثمن لدار مقبوضة، ولم يذكر حدود الدار والشهود شهدوا كذلك، فالدعوى صحيحة والشهادة مقبولة، لأن الدار إذا كانت مقبوضة فلا حاجة إلى القضاء بها، فترك الحد فيها لا يضره.
وإذا قال الشهود في شهادتهم: أحد حدود هذه الأرض لزيق شط الوادي، ثم أقر المدعي أن بين شط الوادي وبين أرض المدعى طريق عامة بطلت الشهادة؛ لأنه أكذب الشهود في بعض ما شهدوا، وإنه يوجب بطلان الشهادة في الكل، وإن ظهر ذلك عند القاضي بما هو طريق حصول العلم، بطلت الشهادة في مقدار الطريق وتقبل فيما سواه، وقيل: لا تقبل الشهادة لأنه اختلف الحد، وكذلك إذا شهد الشهود أن هذه الأراضي ملك المدعي، ثم ظهر أن في الأراضي طريق العامة، إن ظهر ذلك بإقرار المدعي، لا تقبل شهادة الشهود، وإن ظهر ذلك بإخبار واحد من المسلمين لا يمنع قبول الشهادة، وإن حصل العلم للقاضي بما هو طريق حصول العلم، لا تقبل الشهادة في الطريق، وتقبل فيما سواه، وإذا كانت الدار معروفة لابد من ذكر الحدود عند الدعوى والشهادة عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا: إذا كانت الدار معروفة مثل دار عمرو بن الحارث بالكوفة تقبل الشهادة من غير ذكر الحدود، وتصح الدعوة أيضًا.

.الفصل الثالث عشر: في شهادة الوارث بالوصية والرجوع عنها وفي شهادةالوصي للميت وفي شهادة الوكيل للموكل:

قال محمد رحمه الله في (الزيادات): إذا هلك الرجل، وترك ثلاثة أعبد قيمتهم على السواء لا مال له غيرهم، فشهد شاهدان أن الميت أوصى بهذا العبد لهذا الرجل، وشهد وارثان أن الميت أوصى بهذا العبد الآخر لهذا الرجل الآخر فهذا على وجهين.
الأول: أن تكون هذه الشهادة من الوارثين قبل قضاء القاضي بالوصية الأولى، وفي هذا الوجه القاضي يقبل شهادة الوارثين ذكرا رجوعًا عن الوصية الأولى أو (لم) يذكرا رجوعًا عنها، غير أنهما إن لم يذكرا رجوعًا عن الوصية الأولى، بقيت الوصية الأولى، ووجبت الوصية الثانية، ووجب تنفيذهما من الثلث؛ لأن محل الوصية الثلث، فيأخذ كل واحد منهما نصف العبد الموصى به له.
فإن ذكرا رجوعًا عن الوصية الأولى بطلت الوصية الأولى، ويكون العبد الثاني للموصى له الآخر اعتبارًا للثابت بالبينة بالثابت عيانًا، وإن كان القاضي قضى بالوصية الأولى، ثم شهد الوارثان بما ذكرنا، لا تقبل شهادتهما ذكرا رجوعًا عن الوصية الأولى، أو لم يذكرا رجوعًا، إن ذكرا رجوعًا؛ لأنهما بشهادتهما يبطلان قضاء القاضي عليهما؛ لأن الوارث يصير مقضيًا عليه بطريق الخلافة عن الميت.
ولهذا قلنا: إن الوارث لو ادعاه لنفسه ملكًا مطلقًا لا يصح لصيرورته مقضيًا عليه، ولأنهما بهذه الشهادة يعيدان العبد الأول إلى ملكهما، لأن العبد الأول قد زال عن ملكهما بقضاء القاضي، وكل ذلك مانع قبول الشهادة ولا شيء للثاني بحكم إقرارهما، لأنهما أقرا بحق الثاني من الثلث بطريق الوصية، والقاضي جعل كل الثلث للأول فلم يبقي محل حق الثاني فلهذا لا يسلم له شيء.
وأما إذا لم يذكرا رجوعًا فلأنهما بهذه الشهادة يعيدان نصف العبد الأول إلى ملكهما بنصف العبد الثاني فيكون في معنى البيع، والبيع لا يثبت بشهادتهما بخلاف ما قبل القضاء لأن قبل القضاء العبد الأول لم يزل عن ملكهما فلا يتصور البيع أما هاهنا بخلافه.
وكذلك لو كان مكان الوصية الثانية عتقًا بأن شهد الوارثان أن الميت أعتق هذا العبد الآخر في مرض موته إن كان شهادتهما بعدما قضى القاضي بالوصية الأولى لا تقبل شهادتهما، وإن كان قبل قضاء القاضي تقبل شهادتهما.
لأن بعد القضاء لو قبلت شهادتهما احتجنا إلى نقض قضاء أمضى عليهما وذلك لا يجوز ولا كلذلك قبل القضاء، ولكن مع أنه لا تقبل شهادتهما بحكم بعتق العبد؛ لأنهما مالكان أقرا بعتق مملوك لهما ويسعى العبد في قيمته؛ لأنهما أقرا بعتقه بطريق الوصية من الثلث، والثلث صار مستحقًا للأول بقضاء ألقاضي فيجب رد العتق، وتعذر رده صورة فيجب رده معنى بإيجاب السعاية.
وإن كان الوارثان شهدا بذلك العبد وصية للثاني من جهة الميت إن كان قبل قضاء القاضي بالوصية الأولى قبلت شهادتهما والكلام هاهنا أظهر؛ لأن هاهنا لا يصل إليهما شيء من العبد فبعد ذلك إن ذكرا رجوعًا فالعبد للثاني خاصة، وإن لم يذكرا رجوعًا كان العبد بينهما إذا لا تنافي بين الوصيتين.
وإن شهدا بذلك بعدما قضى القاضي بالوصية الأولى إن لم يذكرا رجوعًا قبلت شهادتهما وقضي بالعبد بينهما؛ لأن هذه الشهادة لم تتضمن نقض القضاء ولا إعادة شيء من العبد إلى ملكهما ليصير في معنى البيع.
أما إعادة شيء من العبد إلى ملكهما فظاهر، وأما نقض القضاء فلأنها لا تبطل شيئًا من حق الأول بل توجب الحق للثاني، فتثبت الوصية الثانية مع بقاء الوصية الأولى بجميع العبد، وهذا لأن الوصية عقد خلافة في المال المسمى في الوصية، وكون الثاني خليفة في المال لا ينافي كون الأول خليفة ولهذا يضرب كل واحد منهما بجميع حقه ولهذا لو رد أحدهما الوصية كان العبد كله للآخر، ولما كان هكذا فقد أثبت حق الثاني مع بقاء حق الأول بينهما وقضي بالعبد بينهما لاستوائهما في سبب الاستحقاق وضيق المحل.
وإن ذكرا رجوعًا عن الوصية الأولى لا تقبل شهادتهما على الرجوع لما فيه من إبطال قضاء أمضى عليهما، وقبلت شهادتهما على الوصية الثانية إذ ليس فيه إبطال قضاء أمضى عليهما، ولو كان القاضي دفع العبد إلى الموصى له الأول بشهادة الفريق الأول، ودفع العبدين إلى الوارثين على وجه القسمة ثم شهد الوارثان أن الميت أوصى بهذا العبد بعينه لهذا الآخر، لا تقبل شهادتهما وإن لم يذكرا رجوعًا عن الوصية الأولى، لأن هذه الشهادة تتضمن نقض تسليم القاضي في بعض العبد، وبعض قسمته لأن القاضي قسم العبد بينهم أثلاثًا، فلو قبلت هذه الشهادة تصير القسمة أسداسًا، وتسليم القاضي وقسمته قضاء منه، وكما لم تقبل شهادتهما إذا تضمنت إبطال القضاء، فكذا إذا تضمنت إبطال التسليم والقسمة.
وكذا لو أن القاضي قضى بالوصية الأولى، ثم شهد الوارثان أن الميت أعتق هذا العبد بعينه في مرضه، لا تقبل شهادتهما؛ لأنها لو قبلت تضمنت بعض القضاء بالوصية الأولى، لأن العتق الموقع أولى بالاعتبار من سائر الوصايا.
ولو أن رجلًا مات وترك ثلاثة أعبد قيمتهم على السواء لا مال له غيرهم، فشهد شاهدان أن الميت أوصى بثلث ماله لهذا الرجل الآخر، إن كانت شهادة الوارثين قبل قضاء القاضي بالوصية الأولى قبلت شهادتهما، لأن هذه الشهادة لا تتضمن نقض القضاء ولا إعادة شيء زال عن ملكهما إليهما، وإن كانت شهادتهما بعد قضاء القاضي بالوصية الأولى، إن لم يذكرا رجوعًا عن الوصية الأولى قبلت شهادتهما، لأن هذه الشهادة لا تتضمن نقض القضاء ولا إعادة شيء زال عن ملكهما إليهما، وإن ذكرا رجوعًا لا تقبل شهادتهما على الوصية الثانية؛ لأنها لا تتضمن إبطال القضاء وتقبل شهادتهما على الوصية الثانية، لأنها لا تتضمن إبطال القضاء، ثم يشتركان في الثلث بحكم المزاحمة وضيق المحل.
ولو أن الوارثين شهدا أن الميت أعتق هذا العبد في مرضه، وكان ذلك بعد قضاء القاضي بالوصية الأولى لا تقبل شهادتهما؛ لأنها لو قبلت بطل قضاء القاضي بالوصية الأولى، لأن العتق الموقع يقدم على سائر الوصايا، ولكن يعتق العبد؛ لأنهما أقرا بعتقه ولهما فيه ملك ويجب على العبد السعاية لما ذكرنا، ويكون ثلثا السعاية للموصي له؛ لأنه استحق الثلث من كل التركة والثلثان للورثة، فإن قال الموصى له بالثلث: قد وجب في ثلث العبد وصية وقد أتلف الوارثان، على حين أقرا بعتقه، فلي أن أضمنهما ليس له ذلك، لأن الوارثين ما أعتقا هذا العبد وما أقرا بعتقه بإعتاق منهما، وإنما حكيا الإعتاق من جهة الميت ولا ضمان في مثل هذا كرجلين اشتريا عبدًا وأقر أحدهما أن البائع كان أعتقه، فإنه لا يضمن لشريكه شيئًا.
كذا هنا ولو أن القاضي قسم العبد بين الورثة وبين الموصى له الأول، فأعطى الموصى له بالثلث والورثة الثلثين، وشهد الوارثان أن الميت أوصى بثلث ماله لهذا الرجل الآخر، لا تقبل شهادتهما، لأن هذه الشهادة تتضمن نقض تسليم القاضي وقسمته.
قال في (الكتاب): ألا ترى أن الوارثين لو أقرا بدين لرجل ومعهما ورثة غيرهما، فلم يقض القاضي بشيء بحكم إقرارهما، حتى شهدا لذلك الرجل على الميت بذلك الدين قبلت شهادتهما عليهما وعلى باقي الورثة، حتى يستوفي جميع الدين من جميع التركة، ولو كان القاضي قضى بالدين عليهما في نصيبهما حين أقرا بالدين، ثم شهدا بعد ذلك لصاحب الدين بالدين على الميت، فالقاضي لا يقبل شهادتهما على باقي الورثة، لأن بقضاء القاضي ثبت الدين على الميت في حقهما، واستحق جميع ذلك في نصيبهما، فهما إلى باقي الورثة، أورد هذه المسألة لبيان أن الشهادة إذا تضمنت نقض القضاء لا تقبل، والفصل الأول يصير حجة للشافعي رحمه الله في مسألة أحد الورثة إذا أقر بدين على الميت وكذبه باقي الورثة، فعندنا يستوفي كل الدين من نصيب الوارث المقر، وعند الشافعي رحمه الله يلزمه بقدر حصته.
ووجه الاحتجاج بها: أنه لو كان يلزم المقر كل الدين في نصيبه كان بالشهادة محولا بعض ما لزمه إلى غيره فينبغي ألا يقبل شهادة الوارثين بالدين لصاحب الدين على الميت قبل قضاء القاضي عليهما بالدين في نصيبهما، وهذا لأن الإقرار يلزم بنفسه فكان الحال فيه قبل القضاء وبعد القضاء سواء، ولا كذلك الشهادة لأن الشهادة لا يكون ملزمه بنفسها، ما لم يتصل بها قضاء القاضي، فجاز أن يفرق الحال فيها قبل القضاء وبعده والجواب لعلمائنا رحمهم الله: أن بمجرد الإقرار لا يلزم كل الدين في نصيب المقر ما لم يتصل به قضاء القاضي.
وبيان ذلك من وجهين، أحدهما: أن هذا الإقرار في معنى الشهادة فإنه إقرار على الغير وهو الميت فكما أن الشهادة التي فيها تنفيذ القول على الغير لا تصير موجبة إلا بقضاء القاضي، فكذا الإقرار الذي هو في معنى الشهادة.
والثاني: أنه يحتمل أن رب الدين يجد بينة على ذلك، أو يصدقه باقي الورثة، فلو ألزمنا المقر جميع الدين في نصيبه للحال فقد ألزمناه مع الاحتمال، وإنه لا يجوز وإنما ينقطع هذا الاحتمال، ويلزمه كل المال في نصيبه بقضاء القاضي، فإذا شهدا قبل القضاء يحولا إلى غيرهما بعض ما لزمهما فتقبل شهادتهما، وإذا شهدا بعد القضاء فقد حولا إلى غيرهما بعض ما لزمهما فلا تقبل شهادتهما.
فإن قيل: إذا كان لا يلزم المقر كل الدين في نصيبه بمجرد إقراره فبأي طريق يقضي القاضي عليه بكل الدين؟ قلنا: طريقه أن الدين يقضى من أيسر المالين قضاء، ألا ترى أنه إذا كان في التركة دين وعين فالدين يقضى من العين دون الدين؟ وكذا إذا كان بعض التركة حاضرًا وبعضها غائبًا فالدين يقضى من الحاضر.
إذا ثبت هذا فنقول: إذا لم يجد رب المال الدين بينة ولم يصدقه باقي الورثة، فقضاء القاضي من نصيب المقر أيسر فقضى عليه، وإن كان الدين متعلقًا بكل التركة، قال في (الكتاب) أيضًا: ألا ترى لو أن رجلا مات، وشهد شاهدان أن الميت أوصى إلى هذا، فقبل أن يقضي القاضي بشهادتهما، شهد الوارثان أنه رجع عنه وأوصى إلى هذا الثاني، قبل القاضي شهادتهما، إذا كان الثاني يدعي ذلك ولو كان القاضي قضى للأول ثم شهد الوارثان بذلك فالقاضي لا يقبل شهادتهما؛ لأنها تضمنت إبطال قضاء القاضي.
أورد هذا الفصل إيضاحًا لما تقدم أيضًا، ثم لم يقل هاهنا: إن شهادة الوارثين تقبل في حق الإيصاء إلى الثاني دون الرجوع عن الإيصاء الأول كما ذكرنا فيما تقدم، قال مشايخنا: وينبغي على قول أبي يوسف: أن تقبل شهادتهما في حق الإيصاء إلى الثاني دون الرجوع عن الأول؛ لأن عنده أحد الوصيين ينفرد بالوصية فلم تكن في قبول شهادتهما في حق الإيصاء إلى الثاني دون الرجوع عن الأول، أما في قبول شهادتهما في حق الرجوع عن الأول نقض القضاء الأول، وأما على قولهما لا تقبل هذه الشهادة أصلًا؛ لأن عندهما أحد الوصيين لا ينفرد بالتصرف إلا في أشياء معهودة استحسنا في ذلك على ما عرف في موضعه فلو قبلت الشهادة في حق الإيصاء إلى الثاني لم يبق الأول منفردًا بالتصرف بعد أن كان منفردًا فكان في قبولها نقض القضاء الأول من حيث إن الأول لا يبقى منفردًا فلا تقبل شهادتهما عندهما أصلًا.
قال: رجل هلك وترك ثلاثة أعبد قيمتهم على السواء لا مال له غيرهم، وترك ابنًا لا وارث له غيره، فأقر الابن أن أباه أوصى بهذا العبد لفلان، فسمع القاضي إقراره ولم يقض عليه شيء حتى شهد هو ورجل آخر أن الميت أوصى بهذا العبد الآخر لهذا الرجل الآخر، قبل القاضي هذه الشهادة؛ لأن الوارث أقر على الميت بالوصية بالعبد الأول، وإقراره على الميت لا يلزمه شيء ما لم يتصل به قضاء القاضي على ما مر قبل هذا.
فلم تكن الشهادة منه بالوصية بالعبد الآخر إعادة إلى نفسه بعض ما صار مستحقًا عليه، فلم يكن بهذه الشهادة دافعًا عن نفسه مغرمًا ولا جارًا إلى نفسه مغنمًا ولا ساعيًا في نقض ما تم قضاء أمضى عليه، فقبلت وإذا قبلت لا شيء للموصى له الأول؛ لأن وصيته تثبت بالإقرار، والإقرار لا يعارض الشهادة؛ لأن الإقرار (حجة) قاصرة والشهادة حجة متعدية، فعند تعذر اعتبارهما كان اعتبار الشهادة أولى، وإذا اعتبرت الشهادة صار كل الثلث مستحقًا للموصى له الثاني، فلا يكون للموصى له الأول شيئًا.
ولو كان القاضي قضى على الوارث بالعبد بإقراره، ثم شهد مع أجنبي آخر على نحو ما بينا لا تقبل هذه الشهادة؛ لأنها لو قبلت بطل قضاء القاضي بالإقرار لكون الشهادة أقوى من الإقرار، واندفع عن الشاهد ما لزمه بإقراره فلهذا لا تقبل هذه الشهادة وإذا لم تقبل هذه الشهادة لا شيء للموصى له الثاني؛ لأن الثلث صار مستحقًا للأول بكماله بتسليم القاضي إليه، ومحل الوصايا الثلث فلم يبق للثاني شيء، وكذلك لو كانت الشهادة الثانية في العبد المقر بعينه.
كان الجواب على التفصيل الذي قلنا: إن كانت الشهادة قبل قضاء القاضي عليه بإقراره قبلت، وإن كانت بعد القضاء لا تقبل، وإذا لم تقبل الشهادة لا يضمن الوارث للمشهود له فيما سلم القاضي إلى المقر له حصلت الشهادة في العبد المقر بعينه، أو في عبد آخر، لأنه لو ضمن إما أن يضمن بالإقرار أو بالتسليم، لا وجه إلى الأول لأن مجرد الإقرار لا يوجب شيئًا منها على ما مر، ولا وجه إلى الثاني؛ لأن التسليم حصل بقضاء القاضي.
ولو كان الوارث حين أقر سلم العبد المقر به إلى المقر له بنفسه من غير قضاء القاضي، ثم شهد الثاني بذلك العبد بعينه أو بعبد آخر لا تقبل هذه الشهادة لأنه سعى في نقض ما تم به وهو التسليم وسعي الإنسان في نقض ما تم به مردود.
وإذا لم تقبل شهادته ضمن للثاني نصف قيمة العبد المقر به إن كان العبد واحدًا، وإن كان عبدين ضمن نصف قيمة العبد المشهود به للثاني، لأنه لما شهد للثاني فقد أقر أنه يسلم إلى الأول ما هو حق الثاني بغير حق فيصير ضامنًا له، ولو كان الوارث أقر بثلث المال وصية لرجل، ثم شهد مع أجنبي بالثلث وصية لرجل آخر، إن كانت الشهادة قبل قضاء القاضي عليه بالإقرار قبلت، وإن كانت بعد القضاء لا تقبل لما قلنا.
ولو شهد الوارثان مع أجنبي بالثلث وصية لرجل، ثم شهدا بالثلث وصية لرجل آخر قبل القاضي شهادتهما سواء شهدا للثاني قبل قضاء القاضي للأول أو بعده، لأن الشهادة الثانية هاهنا لا تتضمن بطلان القضاء لأن الشهادة تعارض الشهادة، ألا ترى أنهما يتحاصان في الثلث؟ بخلاف ما إذا أقر الوارث بالثلث وصية لرجل وقضى به القاضي، ثم شهد هو مع أجنبي وصية بالثلث لرجل آخر، فالقاضي لا يقبل هذه الشهادة؛ لأن هذه الشهادة هنا تتضمن بطلان القضاء الأول؛ لأن الإقرار لا يعارض الشهادة.
قال في (الكتاب): ألا ترى أن الوارث لو شهد مع أجنبي بدين على الميت وقضى به القاضي، ثم شهد ابنن آخر لرجل على الميت، وليس في التركة وفاء بالدينين قبل القاضي شهادتهما، لأن الشهادة الثانية لا تتضمن بطلان القضاء الأول بل يتحاصان إذا ثبت الدينان.
ولو كان الوارث أقر بدين لرجل على الميت وقضى به القاضي، ثم شهد هو مع أجنبي لرجل آخر بدين على الميت، وليس في التركة وفاء بالدينين، فالقاضي لا يقبل الشهادة لأن هذه الشهادة تتضمن بطلان القضاء فكذا فيما تقدم.
ولو كان الوارث أقر بالدين وسلم إلى الغريم بنفسه، ثم شهد مع آخر بالدين لرجل آخر لا تقبل شهادتهما، لما ذكرنا أنه ساع في نقض ما تم به من التسليم ويضمن نصف ما سلم إلى الأول للثاني إن كان الدينان سواء والتركة لا تفي إلا بواحد منهما؛ لأنه أتلف ذلك القدر على الثاني بغير حق، بخلاف ما إذا كان التسليم بقضاء القاضي حيث لا يضمن للثاني شيئًا، والمعنى ما ذكرنا.
قال: رجلان شهدا أن الميت أوصى بثلث ماله لهذا الرجل، ثم شهد وارثان أن الميت رجع عن ذلك الوصية، وأوصى بالثلث لوارثه فلان، وأنهما يعني: الشاهدان وجميع الورثة أجازوا ذلك بعد الموت، فشهادة الوارثين جائزة، والثلث للوارث في قول أبي يوسف الأول لأنه لا تهمة في شهادتهما؛ لأن الثلث بالرجوع ينتقل من الموصى له الأول إلى الوارث الموصى له، ولا حق للشاهدين فيه، فصار النقل إلى الوارث والنقل إلى الأجنبي سواء، وعلى قوله الآخر وهو قول محمد رحمه الله: شهادة الوارثين على الرجوع باطلة، لأنهما بشهادتهما على الرجوع يثبتان لأنفسهما حقًا في الثلث، حتى إنهما إن شاءا أجازا الوصية للوارث، وإن شاءا لم يجيزا فكانا متهمين في هذه الشهادة، بخلاف ما إذا شهدا لأجنبي لان هناك لا يتعلق نفاذ الوصية الثانية بإجازتهما فانتفت تهمة الحق أما هاهنا بخلافه.
قال محمد رحمه الله في (الزيادات): رجل مات وقد كان أوصى إلى رجل، وقبل الوصي الوصاية بعد موته، فلم يخاصم الوصي عند القاضي حتى عزله القاضي عن الوصاية ونصب للميت وصيًا آخر، ثم إن الموصى (له) الأول شهد للميت بمال أو غيره على إنسان فشهادته باطلة؛ لأن الميت بالإيصاء أقامه مقام نفسه بطريق الخلافة وله ولاية الخلافة، فإذا مات وقبل الموصى الوصاية فقد قبل الخلافة فتمت الخلافة ونفدت الإقامة، فصار الوصي قائمًا مقام الموصي كالوارث، ومن ضرورة قيامه مقام الموصي صيرورته خصمًا فيما كان الموصي فيه خصمًا، وإذا صار خصمًا خرج من أن يكون شاهدًا، وبعد ما خرج الإنسان من أن يكون شاهدًا في حادثة لا يعود فيها شاهدًا أبدًا هكذا ذكر المسألة في (الزيادات).
وفي (شرح حيل الخصاف) أن شهادة الوصي بعدما خرج عن الوصاية للميت مقبولة فيصير في المسألة روايتان، هذا إذا قبل الوصي الوصاية بعد موت الموصي، ولو أنه لم يقبل ولم يرد حتى شهد عند القاضي، فالقاضي يقول له أتقبل الوصاية أم تردها؟ فإن قبل بطلت شهادته لصيرورته خصمًا من وقت الموت، وإن رد أمضى شهادته لعدم صيرورته خصمًا، وإن سكت ولم يجز بشيء، توقف القاضي في شهادته، لأن سبب الرد موقوف، لأن سبب الرد صيرورته خصمًا بثبوت الخلافة، والخلافة لا تثبت إلا بالقبول، وإذا كان في سبب الرد توقفًا كان في الشهادة توقفًا وصار كالشفيع إذا شهد بالبيع إن طلب الشفعة بطلت شهادته، وإن سلم قبلت شهادته، وإن سكت ولم يجز بشيء توقف القاضي في شهادته كذا هاهنا.
قال: رجل وكل رجلًا بالخصومة في شيء قبل رجل وقبل الوكيل الوكالة، ثم عزله الموكل فشهد للموكل في ذلك الشيء ينظر: إن كان الوكيل خاصم فيه قبل أن يعزله لم تقبل شهادته، وإن كان لم يخاصم فيه قبلت شهادته عند أبي حنيفة ومحمد، وعلى قول أبي يوسف لا تقبل وهذا بناء على أن عند أبي يوسف بمجرد قبول الوكالة يصير خصمًا خاصم أو لم يخاصم، ولهذا لو أقر على موكله في غير مجلس القضاء نفد إقراره عليه، وهذا لأن الموكل بالتوكيل أقامه مقام نفسه فإذا قبلت الوكالة تمت الإقامة فقام مقامه كما في الوصاية، ألا ترى أن الإيصاء توكيل بعد الموت فكان كالتوكيل في حالة الخصومة، وعندهما بمجرد قبول الوكالة لا يصير خصمًا ولهذا لو أقر على موكله في غير مجلس القضاء لا ينفذ إقراره عليه عندهما، وفرقا بين التوكيل والإيصاء.
والفرق: وهو أن الإيصاء إقامة نفس الوصي مقام نفسه بطريق الخلافة، فلا يتعلق ثبوتها وتمامها للفعل وهو الخصومة قياسًا على الإرث، فإن نفس الوارث لما كان يقوم مقام نفس المورث بطريق الخلافة لا يتوقف تمامه على الخصومة حتى يصير الوارث خصمًا بنفس موت المورث خاصم أولم يخاصم، فكذا الوصي.
فأما التوكيل اعتبر بالفعل وإقامة فعل الوكيل وهو الخصم مقام فعل نفسه لا إقامة نفس الوكيل مقام نفسه ولكن إذا فعل الوكيل وقام فعله مقام فعل الموكل تقوم نفسه مقام نفسه، فقبل الفعل وهو الخصومة لم تقم مقام الموكل أصلًا فلم يصر خصمًا فتقبل شهادته، أما إذا خاصم قامت خصومته مقام خصومة الموكل فصار خصمًا كالموكل وخرج من أن يكون شاهدًا فلا تقبل شهادته بعد ذلك أبدًا فهذا هو الفرق بينهما، ثم الشرط عندهما الخصومة في مجلس القضاء حتى لو خاصم في غير مجلس القضاء وعزله الموكل قبل الخصومة عند القاضي فشهد الموكل تقبل شهادته له عندهما، فصار تقدير المسألة عندهما كأن الموكل قال له: أنت وكيلي بالخصومة في مجلس القاضي، فلا يصير خصمًا قبله.
قال: رجل وكل رجلًا بالخصومة مع فلان في كل حق هو له، قبله بمحضر من القاضي، والقاضي يعرفهم، فقبل الوكيل الوكالة ولم يخاصم فلانًا في شيء من ذلك حتى عزله الموكل عن الوكالة، ثم شهد الوكيل للموكل بشيء من ذلك الذي وكله به، قبلت شهادته عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، لأن المانع من قبول الشهادة صيرورته خصمًا، والوكيل إنما يصير عندهما خصمًا بالخصومة، ولم توجد الخصومة، وإنما شرط علم القاضي بالتوكيل حتى لا يحتاج الوكيل في إثباتها لو أنكر الخصم الوكالة.
وإن كان الوكيل خاصم فلانًا في ألف درهم للموكل وقضى القاضي أو لم يقض حتى عزل ثم شهد للموكل أنه شهد بتلك الألف التي خاصم فيها لا تقبل شهادته إجماعًا، وإن شهد بمال آخر تقبل شهادته عندهما لأنه إنما يصير خصما عندهما بالخصومة، والخصومة خصت بتلك الألف، فصار خصمًا فيها لا في مال آخر ففي مال آخر انعدم المانع من قبول الشهادة فقبلت.
ولو كان التوكيل بغير محضر من القاضي، فخاصم الوكيل فلانًا في ألف قبله للموكل فأنكر وكالته، فأقام الوكيل بينة عليه بالوكالة، وقضى القاضي بالوكالة، وقضى بالألف أولم يقض حتى عزل الموكل الوكيل، ثم شهد الوكيل للموكل على فلان بتلك الألف أو بمال آخر، لا تقبل شهادته، بخلاف الوجه الأول وهو ما إذا كان التوكيل بعلم القاضي.
والفرق: أن القاضي إذا لم يعلم بالوكالة، والوكيل يحتاج إلى إثباتها بالبينة، ومن ضرورة إثباتها في هذا الحق بالبينة ثبوتها في سائر الحقوق؛ لأن التوكيل واحد وقد حصل عامًا بكل حق، فلا يثبت بشيء حتى يثبت جملته، كما أثبته الموكل، والبينة إنما تعمل بعد الدعوى والخصومة، فإذا صار إثبات الوكالة بالبينة في هذا الحق إثباتًا لها في سائر الحقوق وصارت الخصومة في هذا الحق خصومة في سائر الحقوق لإثبات الوكالة فيها فسقطت شهادته في عامة الحقوق بالخصومة فيها، إلا أن يشهد بمال حادث بعد تاريخ الوكالة، لأن التوكيل بالخصومة في كل حق له قبل فلان إنما يتناول الحقوق الموجودة، ولا يتناول الحادث بعد التوكيل، فلا يصير خصمًا في الحادث بعد التوكيل فلا تبطل شهادته، فأما إذا كان التوكيل بعلم القاضي فالوكيل لا يحتاج إلى إثبات الوكالة عند القاضي بعلم القاضي ذلك ليصير إثبات الوكالة في بعض الحقوق إثباتًا في جميع الحقوق، فيصير خصومته في بعض الحقوق خصومة في جميع الحقوق فلهذا افترقا.
واستشهد في (الكتاب) لإيضاح الفرق بين الوجهين فقال: ألا ترى أن القاضي لو قضى بوكالته بالبينة ثم مات أو عزل ورفع حكمه إلى قاض آخر وثبت ذلك عنده أمضى قضاء الأول وجعل لهذا خصمًا في كل حق يدعيه قبل فلان؟ ولو ثبت عند القاضي الثاني علم القاضي الأول بما جرى عنده من الوكالة لم يجعله خصمًا، ولم يمض قضاء الأول؛ لأن علم القاضي حجة في حقه، وليس بحجة في حق غيره، فأما حكمه حجة في حق الكل، فإذا ظهرت التفرقة بين علم القاضي وحكمه في حق قاض آخر جاز أن يظهر التفرقة بينهما في حق مال آخر في حق قبول الشهادة.
قال: ولو أن رجلًا وكل رجلًا بكل حق له قبل فلان وفلان وفلان بغير محضر من القاضي، فأحضر الوكيل واحدًا من هؤلاء، وأقام بينة على أن فلانًا وكله بكل حق له قبل فلان وفلان وفلان، وقضى القاضي بوكالته، ثم عزل الموكل الوكيل، فشهد الوكيل بعد ذلك للموكل على هذا الذي أحضره بحق أو على الآخرين لا تقبل شهادته، وكذلك لو وكله بكل حق له في مصر كذا وبالخصومة فيه، فأحضر الوكيل رجلًا من أهل ذلك المصر، وادعى عليه حقًا للموكل فجحد وكالته، فأقام الوكيل بينة على أن فلانًا وكله بكل حق له في ذلك المصر وبالخصومة فيه، وقضى القاضي بوكالته، ثم عزل الموكل الوكيل، فشهد الوكيل للموكل بعد ذلك بحق أو مال على ذلك الرجل أو على غيره من أهل ذلك المصر، لم تقبل شهادته، لأنه صار خصمًا للغائبين كما صار خصمًا للحاضر، لأن الخصومة مع الحاضر خصومة مع الغائبين لكون الحاضر نائبًا عن الغائبين.
بيانه: أن ما ادعى على الحاضر من الوكالة لا يثبت إلا بإثباتها على الغائبين؛ لأن التوكيل واحد، وقد حصل عامًا فصار المدعي على الغائبين سببًا لثبوت المدعي الحاضر فانتصب الحاضر خصمًا عن الغائبين ألا ترى أن القضاء على الحاضر صار قضاء على الغائبين؟ فكذا الخصومة مع الحاضر يكون خصومة مع الغائبين فبطلت شهادته في حقهم جميعًا.
إلا أن بين المسألتين فرقًا: فإن في مسألة المصر كما لا تقبل شهادة الوكيل للموكل بحق قائم وقت الوكالة لا تقبل شهادته له بحق حدث بعد الوكالة، والقياس في مسألة المصر أن لا تقبل شهادته بحق قائم وقت التوكيل لا بحق يحدث بعد التوكيل، اعتبارًا للتقييد بالمكان بالتقييد بالشخص، إلا أنهم استحسنوا في مسألة المصر لمكان العرف، فإن العرف الظاهر فيما بين الناس أن من أراد سفرًا يقيم غيره مقام نفسه، بطلب كل حق له في مصر ومراده من ذلك أن يقوم مقامه فيما هو واجب له وفيما يحدث، كيلا يضيع شيء من حقوقه، فلمكان العرف صرفنا الوكالة إلى الكل.
وهو نظير من وكل إنسانًا بقبض غلاته، يريد به الواجب وما يحدث كيلا يحتاج إلى تجديد الوكالة في كل زمان فلا يقع في الحرج، وإذا انصرفت الوكالة إلى الكل صار خصمًا في الكل، فلا تقبل شهادته في شيء من ذلك، مثل هذا العرف لا يوجد فيما إذا كانت الوكالة بكل حق له قبل شخص بعينه، أو قبل أشخاص بأعيانهم فيعمل بظاهر اللفظ وظاهر اللفظ يتناول القائم وقت التوكيل، لا ما يحدث بعد ذلك، فلم يصر خصمًا فيما حدث بعد التوكيل، فجاز أن تقبل شهادته فيه.

.فرع:

على مسألة المصر فقال: لو شهد بحق حدث بعد العزل قبلت شهادته، لأنه لم يصر خصمًا فيه بظاهر اللفظ، لأن التوكيل لم ينصرف إليه؛ لأن انصراف التوكيل إلى الحادث بعد التوكيل بحكم العرف، ولا عرف في الحادث بعد العزل، فيعمل فيه بظاهر اللفظ، وظاهر اللفظ لا يتناول الحادث بعد التوكيل ولا الحادث بعد العزل، قال: ولو كان هذا التوكيل بعلم القاضي، لم يبطل القضاء بشهادته بعد العزل إلا فيما كان خاصم فيه بعينه قبل العزل، والفرق ما ذكرنا.
قال: والتوكيل بكل حق له قبل الناس في انصرافه إلى القائم وقت التوكيل، والحادث بعده نظير التوكيل بكل حق له في مصر كذا بل أولى، لأن هذا أعم لأن هذا يتناول جميع الناس في كل مصر.
وإذا ادعى رجل أن فلانًا وكله وفلانًا الغائب في كل حق له قبل الناس، وأحضر رجلًا وادعى عليه حقًا للموكل، وأقام البينة على وكالته على نحو ما ذكرنا، وقضى القاضي بها صار الحاضر مع الغائب وكيلين، حتى إن الغائب إذا حضر وادعى حقًا على أحد لا يكلف إعادة البينة على الوكالة، فإن عزلهما الموكل ثم شهدا بحق قبل هذا الرجل، أو قبل رجل آخر لا يقبل شهادتهما، القائم وقت الوكالة والحادث بعد الوكالة في ذلك على السواء، لأن خصومة أحدهما لما جعل كخصومتهما صار كأنه وجدت الخصومة منهما، ولو وجدت الخصومة منهما في حق من الحقوق كان ذلك بمنزلة الخصومة في سائر الحقوق، القائم وقت الوكالة والحادث بعدها سواء لما مر، فهاهنا كذلك والله أعلم.

.الفصل الرابع عشر: في الشك في الشهادة والزيادة فيها والنقصان عنها ووجود الشاهد بعد القضاء بشهادته بصفة لا تجوز شهادته، وشهادة الشهود بعد قضاء القاضي بخلاف ما قضى:

إبراهيم عن محمد في شاهدين شهدا لرجل أن له على هذا درهمًا أو درهمين، فالشهادة جائزة على درهم، وفي (نوادر بشر) عن أبي يوسف: في رجل في يديه درهمان صغير وكبير وأقر بأحدهما لرجل، ثم جحد فشهد عليه بذلك شاهدان، أجزت الشهادة على الصغير منهما استحسانًا، وسواء أقر بأحدهما بغير عينه أو بعينه ثم نساه، هكذا ذكر، وفصل الإقرار بأحدهما بعينه والنسيان مشكل يعرف بالتأمل، قال: وكذلك الكيل كله، والوزن كله إذا كانا صنفًا واحدًا فإني أقضي بالأوكس، وإذا اختلف النوعان فإني أبطلت الإقرار.
قال: وكل شيء يضمن فيه القيمة وقد صارت دينًا جعلت عليه أوكس القيمتين، نحو أن يشهد أنه غصب منه ثوبًا همرويًا أو مرويًا وأحرقه قالا: أسمي لنا هكذا، أو قال: سمي لنا أحدهما بعينه فنسيناه، قضيت عليه بأوكس القيمتين.
روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمهما الله: في رجلين شهدا لرجل بشهادة، ثم زاد فيها قبل أن يقضي القاضي بها أو بعده وقالا: أوهمنا، وهما غير متهمين قبل ذلك منهما.
وروى بشر في (الإملاء) عن أبي يوسف رحمهما الله: في رجل يشهد عند القاضي بشهادة ثم يجيء بعد ذلك بيوم فيقول: شككت في كذا وكذا مبهمًا، قال: إذا كان القاضي يعرفه بالصلاح قبل شهادته فيما بقي، وإن كان لا يعرفه فهذه تهمة ألغى شهادته، وكذلك لو قال: رجعت عن شهادتي في كذا وكذا من هذا المال غلطت في ذلك أو نسيت، فهو مثل قوله: شككت، وإذا لم يقل الشاهد: قد شككت، ولكن قال: قد تعمدت ولم أغلط ثم بدا لي أن أرجع عن ذلك، لم تقبل شهادته فيما بقي، ولا في غير ذلك حتى يحدث توبة ويعاقبه القاضي، وقال محمد رحمه الله.
فيمن شهد عند القاضي، فلا يبرح مكانه حتى يقول أوهمت بعض شهادتي جاز ذلك وقبل شهادته إذا كان عدلًا، قال: وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، وهكذا ذكر في (الجامع الصغير)، وفي (المنتقى): إذا شهد رجل على دارٍ بحدودها، أو شهد بمال ثم رجع عن بعض تلك الدار أو بعض المال، قال محمد: إن كان عدلًا ورجع في مكانه، وقال أوهمت أستحسن أن أجيز شهادته إذا لم يكن في ذلك إكذاب من الشهود له.
وفي (نوادر هشام): عن محمد رحمه الله: رجل ادعى دارًا في يدي رجل، وأقام شاهدين شهدا أن الدار له، ثم قال الشاهدان بعد ذلك قبل القضاء: إن البناء ليس للمدعي إنما هو للمدعى عليه، قال: إذا قال ذلك قبل أن يتفرقا عن مجلس القضاء، قبلت شهادتهما، وهذا استحسان ما لم يطل ذلك، وإذا قاما أو طال ذلك بطلت شهادتهما.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد رحمهما الله: إذا شهد الشهود بالدار للمدعي، وقضى القاضي بشهادتهم، ثم إن الشهود قالوا: لا ندري لمن البناء، فإني لا أضمنهم قالوا: قد شككنا في شهادتنا، وإن قالوا: ليس البناء للمدعي ضمنوا قيمة البناء، كأنهم قالوا: قد شككنا في شهادتنا، وإن قالوا: ليس البناء للمدعي ضمنوا قيمة البناء للمشهود عليه.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد أيضًا: رجل مات وترك عبدًا لا مال له غيره، وقيمته ألف درهم، ولا يعلم عليه دين، فأعتقه الوارث، ثم شهد العبد بشهادات واستقضى فقضي بقضايا، ثم أقام رجل بينة على الميت بالدين، فإن العبد يرد رقيقًا ويبطل عتقه، وما شهد به من الشهادة فإن أبرأ الغريم العبد من الدين جاز عتقه وحده، ولم يجز شيء من شهادته وقضاياه، وإن كان رجل قتل هذا لعبد غرم قيمته لورثة العبد، ولا يجعلهما لورثة المولى، قال: ألا ترى أنا لا نرده في الرق؟.
وروى إبراهيم عن محمد رحمه الله: في رجل أقام بينته أنه وصي فلان الميت وقضى القاضي بوصايته، وأخذ ما للميت من الديون على الناس، ثم وجد البينة عبيدًا فقد برئ الغرماء، ولو كان مثله في الوكالة لم يبرؤوا.
وفي (نوادر بشر) عن أبي يوسف: رجل شهد عليه شاهدان: أن هذه الدار التي في يديه لفلان، فلم يقض القاضي بها حتى قالا: إنما شهدنا على العرصة، أجزت شهادتهما على ذلك ولم يكن هذا رجوعًا، ولو قضى القاضي بها وبالبناء، وقالا: شهدنا على العرصة ضمنتهما قيمة البناء.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن أبي يوسف رحمهما الله: رجل مات فقاسمت امرأته ولده الميراث، وهم كبار، وأقروا أنها زوجة الميت، ثم وجدوا شهودًا أن زوجها قد كان طلقها ثلاثًا في صحته، فإنهم يرجعون عليها بما أخذت من الميراث.
وكذلك قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله في امرأة اختلعت من زوجها بمال، ثم أقامت البينة أنه كان طلقها ثلاثًا قبل الخلع وكذلك أمة كاتبها مولاها فأدت ثم أقامت البينة على إعتاق كان من المولى قبل الكتابة، وكذلك العبد.
وكذلك الزوج إذا قاسم أخ المرأة ميراثها، وأقر أن هذا ميراث، وأن هذا زوج الميت وهذا أخوها، ثم إن الأخ أقام بينة أن الزوج قد كان طلقها ثلاثًا في حال حياته، فذلك جائز ويرجع الأخ فيما أخذ الزوج من الميراث، وقد تحقق التناقض في هذه المسائل إلا أن هذا تناقض فيما طريقه طريق الخفاء؛ لأن الطلاق مما يستند به الزوج، والعتاق مما يستند به المولى، والتناقض فيما طريقه طريقة الخفاء لا يمنع صحة الدعوى وسماع البينة.

.الفصل الخامس عشر: في الشهادة على الوكالة والوصاية:

رجل أقام بينة عند القاضي أن فلانًا وكله بطلب كل حق له بالكوفة وبالخصومة فيه، جائز ما صنع فيه وليس معه خصم يدعي عليه حقًا، لم يسمع القاضي منه هذه البينة لقيامها على غائب ليس عنه خصم حاضر؛ وإن أحضر رجلًا يدعي الوكيل أن للموكل عليه حقًا وهو ينكر كونه وكيلًا، فأقام الوكيل بينة على وكالته، قضى القاضي عليه، لكونه وكيلًا لقيام البينة على خصم حاضر، وصار الثابت بالبينة كالثابت عيانا، ولو عاين القاضي توكيله قضى بكونه وكيلًا كذا هاهنا، فإن أحضر الوكيل رجلًا آخر من أهل الكوفة يدعي الموكل قبله حقًا، فأنكر الوكالة، لا يحتاج الوكيل إلى إقامة البينة على الوكالة؛ لأن القاضي حين قضى بوكالته ببينة قامت على الأول فإنما قضى بوكالته في حق جميع من بالكوفة؛ لأنه كان لا يتوصل إلى إثبات الوكالة على الأول إلا بإثبات الوكالة على الكل، لكون الوكالة واحدة بلفظ عام، فانتصب الذي حضر مجلس القاضي خصمًا عن جميع من بالكوفة، فصار القضاء عليه بالوكالة قضاءً على الكل.
وهو نظير ما لو مات رجل، فجاء رجل إلى القاضي وأحضر معه رجلًا، وأقام بينة أنه ابن الميت، وأن للميت على هذا الذي أحضر مجلس القاضي دين، وقضى القاضي بنسبه يثبت نسبه عامًا في حق هذا المديون وفي حق مديون آخر لما قلنا من المعنى كذا هنا.
ولو كان الشهود شهدوا أن فلانًا وكله بطلب حقه قبل فلان بن فلان الفلاني، وبالخصومة فيه لم يسمع القاضي شهادتهم ما لم يحضر فلان بن فلان؛ لأن الخصم في هذه الوكالة متعين فلا يصير غيره قائمًا مقامه إلا بإقامته ولم يوجد، ولو أن الموكل حضر عند القاضي فقال: إني وكلت هذا الرجل بطلب كل حق لي بالكوفة وبالخصومة، وليس معهما خصم ثم جاء الوكيل برجل وادعى أن للموكل قبله حقًا، فإن كان القاضي يعلم الموكل باسمه ونسبه يقضي بوكالته، ولا يكلفه إقامة البينة على الوكالة؛ لأن علم القاضي بالمعاينة فوق علمه بالخبر، فإذا كان يقضي بوكالته عند حصول العلم له بالخبر، فهذا أولى ولا يشترط حضرة الخصم عند التوكيل بصحة التوكيل عند القاضي، لأن حضرة الخصم إنما يحتاج إليه للجحود ليمكن إثبات الوكالة بالبينة، فيحصل العلم للقاضي بالبينة بكونه وكيلًا، فإذا كان العلم حاصلًا للقاضي بالمعاينة لا حاجة إلى اعتبار حضرة الخصم، فإن كان القاضي لا يعرف الموكل باسمه ونسبه لا يقضي بالوكالة؛ لأن الموكل غائب وقت القضاء بالوكالة، والغائب إنما يعرف بالاسم والنسب، فإذا لم يعرف القاضي ذلك بقي الموكل مجهولًا، والقضاء للمجهول وعلى المجهول باطل، بخلاف ما لو كان الموكل حاضرًا حيث يقضى القاضي بوكالته، وإن لم يعرف اسمه ونسبه؛ لأنه معلوم لكونه حاضرًا، فإن لم يعرف القاضي الموكل باسمه ونسبه فقال الموكل: أنا أقيم البينة أني فلان بن فلان ليقضي بالوكالة متى جئت، لا يلتفت القاضي إليه؛ لأن شرط سماع البينة على النسب، الخصومة في النسب ولم توجد، فإن غاب الموكل فأحضر الوكيل رجلًا فادعى أن للموكل عنده حقًا وأقام الوكيل البينة عليه أن فلان بن فلان الفلاني وكله بالخصومة في كل حق له عند الناس بالكوفة، وأنكر ذلك الخصم وكالته، قبلت بينته وصار وكيلًا في حق جميع من كان بالكوفة لما قلنا.
وإن أرادوا من القاضي في هذه الوجوه كلها أن يسمع من الشهود بغير محضر من الخصم، ليكتب الكتاب بشهادتهم إلى قاضي آخر أجابهم القاضي إلى ذلك، لأن كتاب القاضي إلى القاضي ليس بقضاء ليحتاج فيه إلى حضرة الخصم، إنما هو من القاضي الكاتب نقل شهادة الشهود إلى مجلس القاضي المكتوب إليه، بمنزلة الشهادة على الشهادة، ثم الإشهاد على الشهادة صحيح من غير حضرة الخصم، فكذا كتاب القاضي إلى القاضي قد يجوز للقاضي المكتوب إليه القضاء بكتاب للقاضي وحده، وإن لم يجز له القضاء بشهادة هذا القاضي الكاتب بانفراده، بأن ذهب بنفسه إلى بلدة القاضي المكتوب إليه، وشهد بين يديه على شهادة هؤلاء، والفرق وهو أن القاضي الكاتب نقل شهادة الشهود إلى القاضي المكتوب إليه بكتابه وهو قاض، وقوله وهو قاض بمنزلة شهادة الشاهدين فكذلك كتابه، أما إذا ذهب بنفسه إلى تلك البلدة وشهد فقد نقل شهادة الشهود بقوله وهو ليس بقاض؛ لأنه بعدما خرج من البلدة التي هو قاض فيها لا يبقى قاضيًا ويلتحق بواحد من الرعايا، فلا يثبت النقل بمجرد قوله، حتى لو كان قاضي تلك البلدة أيضًا بأن كان قاضي القضاة تثبت شهادة الشهود بمجرد قوله في مجلس القاضي الثاني.
ثم ما ذكر من الجواب قول أبي حنيفة وأبي يوسف وهو قول محمد الأول، وأما على قوله الآخر الذي رجع إليه لا تثبت شهادة الأصول عند المكتوب إليه بكتاب القاضي ما لم يشهد معه شاهد آخر والمسألة معروفة، والذي ذكرنا من الجواب في الوكيل، فكذا في الوصي في الفصول كلها؛ لأن الوصي وكيل بعد الوفاة فيعتبر بالوكيل حالة الحياة إلا أنهما يفترقان في فصل وهو: أن الوكيل إن أثبت الوكالة عامًا يثبت عامة وإن اثبت خاصة، يثبت خاصة والوصي إذا أثبت الوصاية تثبت عامة عند أبي حنيفة رحمه الله، سواء أثبتها خاصة أو عامة لأن الوصي في نوع عنده وصي في الأنواع كلها، ولا كذلك الوكيل والله أعلم.

.الفصل السادس عشر: في شهادة ولد الملاعنة:

قال محمد رحمه الله في (الجامع): امرأة جاءت بابنين في بطن واحد فنفاهما الزوج، ولاعن القاضي بينهما وألزم الابنين الأم، ثم كبرا وشهدا للذي نفاهما لم تقبل شهادتهما؛ لأن نسبهما كان ثابتًا من الزوج؛ لأنهما ولدا على فراشه، وقد قال عليه السلام: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» وتعلق به أحكام منها: انتفاع قبول الشهادة وهذا أمر عليه، ومنها حرمة وضع الركن، وحرمة المناكحة والعتق عند التملك، وهذه الأحكام إنما تثبت حقًا للشرع ومنها الإرث، فهو بهذا القذف واللعان يريد إبطال هذه الأحكام فلا يقدر على إبطال ما عليه وعلى إبطال ما هو حق الشرع، ويجعل النسب باقيًا في حق الأحكام الثابتة حقًا للشرع، وفي حق الأحكام التي تثبت عليه، فأما الانتساب يبطل؛ لأنه كما هو حق الولد فهو حق الوالد فيبطل بإبطاله ما هو حقه، ثم يبطل حق الولد ضرورة أن النسب لا يثبت من أحد الجانبين، وإذا بطل الانتساب بطل الإرث؛ لأن الانتساب أمر لابد منه لجريان الميراث.
وكذلك لو مات هذان الولدان ولهما أولاد فشهدوا للملاعن كانت الشهادة باطلة؛ لأن النسب باق في حق آخر عليه.
وكذلك لو تزوج أحد الابنين اللذين تقاسما بنتًا للزوج من امرأة أخرى كان النكاح باطلًا لبقاء النسب في حق الحرمان الثانية حقًا للشرع.
امرأة لم يدخل بها زوجها جاءت بولد، فنفاه فإن القاضي يلاعن بينهما، ويلزم الولد أمه، لأن النكاح في حق من هو من أهل الماء في مدة تتصور الولادة فيها أقيم مقام الإنخلاق من مائه حكمًا، ولو كان الإنخلاق من مائه حقيقة يعمل نفيه ويلاعن بينهما، ويلزم الولد أمه فكذا هنا، وعلى الزوج المهر كاملًا لوجود الدخول من حيث الحكم، لما حكم بثبات نسب الولد منه، فإن قيل إنما يثبت الدخول من طريق الحكم لما حكم بثبات النسب، وقد تبين النسب لم يكن ثابتًا منه فتبين أن الدخول لم يكن ثابتًا، قلنا: النسب إنما ينقطع بعدما ثبت من حيث الظاهر لحدوثه على فراشه، لا أن يظهر أنه لم يكن ثابتًا، ألا ترى أنه نفي بعض أحكام النسب ولو تبين أنه لم (يكن) ثابتًا لكان لا يثبت شيء من الأحكام، وإذا لم يتبين أن النسب لم يكن ثابتًا لا يتبين أن الدخول لم يكن ثابتًا، ولا يتزوج الزوج ولا أحد من ولده الولد الذي ولدته المرأة إن كانت جارية، ولا يعطيه زكاة ماله، ولا يشهد له لما مر أن النسب باق في حق الحرمان الثانية حقًا للشرع، ولا يرث كل واحد منهما من صاحبه لما مر، ولا يستحق كل واحد منهما النفقة على صاحبه، لما قلنا في الإرث.
جارية لرجل جاءت بولد فادعاه المولى حتى يثبت النسب منه، وصارت الجارية أم ولد له، ثم ولدت بعد ذلك ابنين في بطن واحد فنفاهما جاز نفيه؛ لأنه لو نفى نسب الولد المنكوحة جاز نفيه، وإن كان فراشه أقوى فلأن يجوز نفي ولد أم الولد وفراشها أضعف كان أولى، إلا أن بينهما فرقًا وهو أن نسب ولد المنكوحة لا ينتفي بمجرد النفي إنما ينتفي باللعان، وقضاء القاضي بالقطع، ونسب ولد أم الولد ينتفي مجرد النفي وموضع الفرق كتاب الدعوى وإذا انتفى نسبها من المولى بمجرد النفي كانا عبدين له بمنزلة أمهما؛ لأن ولد أم الولد يكون بمثل حالها، وكان النفي عاملًا في إبطال ما ثبت لهما من الحرمة من حيث الظاهر؛ لأن العتق ليس من الأحكام المختصة بالنسب الذي لا ينفك عنه النسب، ألا ترى أن الأب لو كان مكاتبًا أو عبدًا مأذونًا فذلك ولده لا يعتق عليه؟ والنفي عامل فيما ليس من الأحكام المختصة بالنسب، كما في حق الميراث، فإن أعتقهما المولى ثم شهدا للمولى كانت شهادتهما باطلة، وكذا شهادة أولادهما، وكذا لو أعطاهما من زكاة ماله لم يجز، وكذا لا يرثان من الرجل ولا يرث الرجل منهما بحكم القرابة، كما في ولدي المنكوحة ولكن الرجل يرث منهما بحكم الولاء لأنهما معتقاه.
أمة لرجل جاءت بولدين في بطن واحد فباع المولى أحد الولدين فأعتقه المشتري، ثم إن المعتق بعدما كبر شهد مع رجل جازت شهادتهما؛ لأن نسب هذا الولد ما كان ثابتًا من المولى قبل البيع؛ لأنه ولد الأمة ونسب ولد الأمة لا يثبت بدون الدعوة، فلم يثبت امتناع قبول الشهادة، بخلاف ولد أم الولد والمنكوحة على ما مر، وإن قضى القاضي بشهادتهما، ثم إن البائع ادعى الولد الذي عنده جازت الدعوة لاتصال علوقه بملكه، وإذا ثبت نسب هذا الولد ثبت نسب الولد الآخر ضرورة لأنهما توأم، وإذا ثبت نسب الآخر ظهر أنه علق حرًا، وأن المولى باع الحر فانتقض البيع ورجع المشتري بالثمن على بائعه؛ لأنه لم يسلم له المبيع فلا يسلم للمشتري الثمن، وظهر بطلان الشهادة للبائع؛ لأنه ظهر أنه كان شهد لأبيه ويرجع المشهود عليه على البائع بما أخذ منه إن كان قائمًا بعينه، وإن كان استهلكه ضمن له مثله إن كان مثليًا، وقيمته إن لم يكن مثليًا؛ لأنه ظهر أن القاضي أخطأ في قضائه والقاضي متى أخطأ في قضائه كان قرار الضمان على المقضي له، وإن كان المشهود به قطع يد أو رجل غرم البائع للمشهود عليه أرش ذلك في ماله في سنين، وإن كان المشهود به قتل نفس، غرم الدية في ماله في ثلاث سنين، لأن البائع كان مخطئًا في القتل والقطع والعقل، لأنه إنما قطع وقتل على حسبان أن له ذلك، وقد ظهر خلاف ذلك، وموجب جناية الخطأ المال، إلا أنه يكون في ماله لا على العاقلة لأنه وجب بسبب دعوته وهو غير مصدق في ذلك في حق العاقلة، فصار من هذا الوجه كالثابت بإقراره.
فإن قيل: جناية مالية معاينة لا بإقراره إنما الثابت بقوله بسبب الولد إلا أن إيصال العلوق في ملكه بمنزلة البينة العادلة على صدق مقالته، ولو ثبت نسب هذا الولد بالبينة كان موجب هذه الجناية على عاقلته، كذا هاهنا. قلنا: هذا هكذا فيما كان من الأحكام المختصة بالنسب الذي لا ينفك النسب عنه بحال فأما في حق الأحكام التي ينفك النسب عنه فالدعوة بمنزلة الإقرار ألا ترى أن رجلًا لو كان قطع يد هذا الولد خطأً حتى وجب على الجاني نصف القيمة، ثم ادعاه البائع حتى صحت دعوته لا يجب على الجاني نصف الدية؟ وإن اتصل العلوق بملكه وجعل دعوته في حق الجاني بمنزلة الإقرار لا بمنزلة البينة، لهذا إن وجوب الدية ليس من الأحكام المختصة بالنسب الذي لا ينفك النسب عنه فجعل في هذا دعوة البائع بمنزلة الإقرار لا بمنزلة البينة كذا هاهنا، الوجوب على العاقلة ليس من الأحكام المختصة بالنسب الذي لا ينفك عنه فجعل في حق هذا دعوة البائع بمنزلة الإقرار وما يجب بحكم الإقرار لا يجب على العاقلة.
كل بينة لا تكون حجة شرعًا فهي من التهاتر فمن جملة ذلك ما ذكر ابن سماعة عن أبي يوسف: في شاهدين شهدا على رجل بقول، أو بفعل يلزمه بذلك إجازة أو كتابة أو بيع أو قصاص أو مال أو طلاق أو عتاق في موضع وصفاه أو في يوم سمياه، فأقام المشهود عليه بينة أنه لم يكن في ذلك الموضع ولا في ذلك اليوم في الموضع الذي وصفاه، لم يقبل منه البينة على ذلك؛ لأنها بينة في غير موضعها فكانت ساقطة.
بيانه أن الشرع شرع البينات للإثبات لا للنفي؛ لأنه شرعها في جانب المدعي والمدعي يحتاج إلى إثبات الحق فلا يكون حجة في موضع النفي وموضع مسألتنا هذه موضع النفي، فلا تكون البينة حجة فيها فلا يلزم على ما قلنا.
إذا شهدوا أن هذا وارثه لا وارث له غيره حيث تقبل شهادتهم، فهذه شهادة على نفي وارث آخر، لأنا نقول: المقصود من هذا النفي إثبات جميع المال له، فكانت هذه الشهادة على الإثبات باعتبار المقصود، وكذلك كل بينة قامت على أن فلانًا لم يقل لم يفعل لم يقر فهذا كله من التهاتر؛ لأنها قامت على النفي.
رجل أقام على رجل بينة على أنه جرحه يوم النحر بمكة هذا الجرح وقضيت بذلك، ثم أقام المدعى عليه الجراحة على أحد الشاهدين بينة أنه جرحه يوم النحر بكوفة، لم أقبل بينته على ذلك قال: لأني قد قضيت بجراحته يوم النحر بمكة، ولا يكون في يوم واحد بكوفة ومكة، وقد ثبت بالبينة الأولى كونه بمكة يوم النحر وتأيدت تلك البينة بإيصال القضاء بها، فتعين البطلان في البينة الثانية ولو لم يكن قضيت بالأولى حتى اجتمعت البينتان، والدعوتان أبطلهما لأن القاضي تيقن بكذب أحدهما لأن الشخص الواحد في وقت واحد لا يكون بكوفة ومكة.
قال في كتاب الحدود: لو شهد أربعة على رجل أنه زنى بفلانة يوم النحر بمكة، وشهد أربعة أنه قتل فلانًا يوم النحر بكوفة، أو كانت الشهادة الثانية في نكاح أو طلاق أو عتاق أو جراحة، أو قال رجل لعبديه: أيكما أكل هذا الرغيف فهو حر، فشهد شاهدان أن هذا أكله، وشهد الآخران أن هذا الآخر أكله، لم أقبل شهادتهما، لأن القاضي تيقن بكذب أحد الفريقين، وإن شهد أحد الفريقين أولًا وقضى القاضي بشهادتهم، ثم شهد الفريق الآخر بما وصفنا، لا تقبل شهادة الفريق الثاني؛ لأن شهادة الفريق الثاني تعينت للكذب، وإن رد القاضي الشهود جميعًا ثم مات أحد الفريقين، ثم شهد الفريق الثاني بما شهدوا به وأعادوا شهادتهم لا تقبل شهادتهم؛ لأن الشهادة متى صارت مردودة في الحكم لا تقبل بعد ذلك أبدًا، فإن جاء الآخر بشاهدين آخرين قبلت شهادتهما؛ لأنها لم ترد ولم تعارضها البينة الأولى لأنها مردودة في الحكم فوجب القضاء.
وعلى هذا إذا شهد شاهدان على رجل أنه طلق امرأته غدوة يوم النحر بكوفة؛ وشهد آخران أنه طلقها يوم النحر بمكة أو كانوا شهدوا على امرأتين، لم تقبل شهادتهما، ولو شهد أحد الفريقين أولًا، وقضى القاضي بشهادتهم، ثم شهد الفريق الثاني فالقاضي لا يقضي بشهادة الفريق الثاني لما قلنا.
ولو ادعى رجلان ولاء رجل، وأقام كل واحد منهما بينة أنه أعتقه وهو يملكه، ثم مات ولا يعلمون له وارثًا غيره جعلنا الولاء بينهما، وإن ادعى أحدهما أولًا وقضى القاضي بالولاء له، ثم أقام الآخر بعد ذلك بينة على دعواه، فالقاضي لا يقبل بينة الثاني؛ لأن الواحد يستحيل أن يكون مُعتَق اثنين، لكل واحد منهما على الكمال، والبينة الأولى تأكدت باتصال القضاء بها فتعينت الثانية للبطلان، وإذا شهد أربعة أخرى على هؤلاء الشهود أنهم زناة فهذا باطل على قول أبي حنيفة رحمه الله، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يحد الفريق الأول بشهادة الفريق الثاني، وإنما لا يحد المشهود عليه الأول، أما على قولهما؛ فلأن عندهما قبل شهادة الفريق الثاني على الأول، وظهر أنهم زناة فتعطلت شهادتهم لفسقهم، وأما على قول أبي حنيفة رحمه الله للشبهة التي دخلت لمكان شهادة الفريق الثاني، والشبهة كافية لدرء الحدود، فأما حجتهما في إقامة الحد على الفريق الأول بشهادة الفريق الثاني، أن حجة إقامة الحد عليهم قد تمت، فوجب أن يقام الحد عليهم وهذا لأن الحجة شهادة الأربع العدول، وقد وجد عدد الأربع ووجدت العدالة، لأنهم لم يطعن فيهم، وإنما وجد الطعن في الفريق الأول بشهادة الفريق الثاني، أما الفريق الثاني فشهادة الأوليين لا توجب طعنًا، وقد جاء فيهم فقبلت لظهور عدالتهم، ولا يقال: إن هذه شهادة قامت لنفي الحد عن المشهود عليه الأول، والبينات للإثبات لا للنفي لأنا نقول: ظاهر شهادتهم لإثبات الحد على الفريق الأول فإن تضمن نفيًا لا يقدح ذلك في شهادتهم، فما من إثبات إلا وتحته النفي. وأبو حنيفة رحمه الله يقول: إن قصد الفريق الثاني إبطال شهادة الفريق الأول، لا إقامة الحسبة فلا تقبل شهادتهم، كما لو شهدوا بعد تقادم العهد.
بيانه: أنهم لما لم يشهدوا حتى شهد الفريق الأول فأما أن يقال كانوا كاذبين قصدوا إبطال شهادة الفريق الأول وعلى هذا التقدير لا تقبل شهادتهم، أو يقال: كانوا صادقين وكانوا اختاروا الستر، فلما شهد الفريق الأول حملتهم الضغينة على الشهادة عليهم، وعلى هذا التقدير لا تقبل شهادتهم أيضًا؛ لأن شهادة ذي الضعن مردودة ولأنه يؤدي إلى التهاتر، فإنا لو قبلنا شهادتهم كان يشهد فريق ثالث عليهم أنهم زناة ويشهد فريق رابع على الفريق الثالث، إلى ما لا يتناهى فكان من التهاتر وهو التكاثر فلا تقبل شهادتهم.
وإذا قضى القاضي لرجل بحق ببينة أقامها فيقول المقضي عليه: أنا أقيم البينة أنه لي، لم يقبل ذلك منه، أشار في (الأصل) فقال: لو قبلت من هذا لقبلت من الآخر مثلها فيؤدي إلى ما لا يتناهى، أشار إلى أن المدعى عليه لو تمكن من إقامة البينة على ملكه لنقض القضاء الأول، كان للمدعي أن يقيم البينة أنه لي، ثم يقيم المدعى عليه بعد ذلك أنه لي فيؤدي إلى ما لا يتناهي، فكان من التهاتر والتكاثر فلا تقبل، ولكن هذا القدر لا يصلح عليه لرد الشهادة، فإنه تقبل بينة المدعى عليه على التملك من المدعي، وإنه يؤدي إلى ما لا يتناهي، لأنا لو قبلنا منه ربما يقيم المدعي بينة على التملك من المدعى عليه، ثم المدعى عليه يقيم البينة على المدعي إلى ما لا يتناهي، ومع هذا قبلت بينته على تلقي الملك من جهته، ولكن الصحيح أن هذه بينة قامت على نقض القضاء الأول لا للإثبات، فليس في بينة المدعى عليه إثبات، والبينة القائمة على نقض القضاء مطلقًا لا تقبل، كيف وإنه يضمن أمرًا لا يتناهي من الوجه الذي ذكر، فما ذكر في الكتاب لبيان الأولوية لا لرد الشهادة.
قال في كتاب الوصايا: إذا شهد شاهدان أنه دبر فلانًا بعينه إن قتل، وإنه قد قتل وشهد آخران أنه مات موتًا فإنه يقضي بعتق المدبر من الثلث، ولا تجوز شهادة الشهود على الموت، لأن شهود القتل أثبتوا عتق المدبر وشهود الموت نفوا عتقه، وهو المقصود من الشهادة، فأما الموت فإنه غير مقصود، والبينات للإثبات لا للنفي، فلا تقبل شهادة شهود الموت.
وكذلك إن شهدا أنه أعتق عبده فلانًا إن حدث به حادث من مرضه أو سفره وأنه مات في ذلك السفر والمرض، وشهد آخران أنه رجع من سفره ومات في أهله، أو برأ من مرضه ومات من مرض آخر بعد ذلك؛ لأن الوقت في البينة الأولى صار مقضيًا به، فإنه لو مات بعد رجوعه من سفره لا يعتق العبد؛ لأنه علق العتق بموت يوجد في السفر فإذا صار الوقت مقضيًا به في البينة الأولى تعذر القضاء بموته بعد ذلك؛ لأن الموت لا يحتمل التكرار.
وإن شهد شاهدان أنه قال: إن حدث في سفره هذا حدث فأنت حر وأنه مات في سفره ذلك وشهد آخران أنه قال: إن رجعت من سفري هذا فمت في أهلي ففلان حر وأنه رجع من سفره ومات في أهله، وجاء الشهود إلى القاضي فإنه يجيز شهادة الفريق الأول أنه مات في سفره، لأن كليهما شهدا بموته، وذكروا لذلك تاريخًا والموت حادث فأسبق التاريخين أثبت موته في زمان لا يعارضه أحد، فثبت موته في ذلك الزمان فصار الموت مقضيًا به في ذلك الزمان ضرورة القضاء بالعتق المعلق به، فتعذر القضاء بالبينة الأخرى؛ لأن الموت لا يحتمل التكرار.
وأوضح هذا بما إذا ذكروا تاريخًا وأفصحوا بالوقت فقال: لو أن رجلًا قال إن مت في جمادى الأولى ففلان حر، وإن مت في رجب ففلان الآخر حر؛ فشهد شاهدان أنه مات في جمادى الأولى، وشهد آخران أنه مات في رجب، أخذت بقول من شهد على الميت الأول، ولا ألتفت إلى قول الآخرين لما قلنا كذلك هاهنا، فإن شهد شاهدان أنه قال لعبده: إن مت من مرضي فأنت حر، وقالا: لا ندري مات من ذلك المرض أم لا؟ وقال العبد: مات من ذلك المرض، وقالت الورثة: لا بل برئ، فإن القول قول الورثة مع اليمين، لأن المقصود من هذه الدعوى العتق وانتفاؤه لا الموت من المرض أو بعدما برئ منه، والورثة ينكرون العتق لإنكارهم وجود شرط العتق، فكان القول قولهم، وإن قامت لهما بينة أخذت ببينة العبد، لأن البينات للإثبات، وذلك في بينة العبد؛ لأنها تثبت العتق دون بينة المولى فإنها تنفي العتق، وهو المقصود بالدعوى والإنكار.
فإن قال: إن مت من مرضي هذا فلان حر، وإن برئت ففلان الآخر حر، فقال العبد الذي قال له: إن مت من مرضي هذا فأنت حر: مات منه، وقال الورثة: برئ فالقول قول الورثة مع أيمانهم لما قلنا إنهم ينكرون نزول العتق في العبد الذي قال له: إن مت من مرضي هذا فأنت حر، ويعتق العبد الآخر لإقرارهم بوجود شرط عتقه وهو البرء من ذلك المرض، فإن أقام العبد الذي قال له: إن مت من مرضي فأنت حر البينة أنه مات من مرضه ذلك، قبلت بينته ويقضي بعتقه؛ لأنه أثبت ما ادعاه ببينة، وعتق الآخر بإقرار الوارث له فإن قامت البينتان جميعًا أخذت بالبينة التي شهدت على موته من ذلك المرض ولا أقبل بينة الآخر، وهذا بخلاف الوارث يقيم البينة على موته في زمان، ثم تقيم المرأة على النكاح بعد الزمان الأول أنه تقبل بينتها؛ لأن في تلك المسألة لم يتعلق بالموت في ذلك الزمان حكم فلم يصر الموت في ذلك الزمان مقضيًا به فقبلت بينة المرأة، أما هاهنا لابد من القضاء بالموت في ذلك المرض لإثبات العتق في العبد الأول لأنه معلق به، ولابد من القضاء شرط العتق ليمكن القول بنزول العتق، فصار موته من ذلك المرض مقضيًا به، فلم تقبل بينة الآخر؛ لأن بعدما ثبت موته في زمان لا يتصور أن يكون حيًا بعد ذلك.
ذكر في كتاب محمد رحمه الله إعمالًا لرقه.
قال محمد رحمه الله: كل مدع على صاحبه بشيء من الأشياء مما يلزمه فيه حق، وأقام البينة أنه فعل يوم كذا في موضع كذا، وأقام المدعى عليه البينة أنه كان في ذلك اليوم في موضع كذا، المكان لا يستقيم أن يكون فيه وفي الموضع الآخر في يوم واحد وليس ذلك بأمر مكشوف فالبينة بينة المدعي، ولا تقبل من المدعى عليه بينة، والأصل فيه ما ذكرنا غير مرة: أن البينات للإثبات، فمن لا يقصد بإقامة بينته إلا النفي لا تقبل منه البينة؛ لأنه أراد أن يضعها في غير ما وضعت في الشرع فلم يكن له ذلك.
قال: فمن جملة ذلك رجل أقام البينة على آخر أنه قتل أباه عمدًا في ربيع الأول، وأقام المدعى عليه البينة أنهم رأوا أباههم حيًا بعد ذلك الوقت، أو أنه كان حيًا وأقرضه ألف درهم بعد ذلك الوقت وأنها دين عليه، أو أقام رجل على آخر البينة أنه أقرض فلانًا أباه أمس ألف درهم، وأقام الآخر بينة أن أباه مات قبل ذلك، أو أقامت امرأة رجلين أن فلانًا طلق امرأته يوم النحر بالرقة؛ وأقام فلان البينة أنه كان في ذلك اليوم حاجًا بمنى، فالبينة في جميع ذلك بينة المدعي، ولا يلتفت إلى بينة المدعى عليه؛ لأن الإثبات في بينة المدعي، والمدعى عليه لا يريد ببينته إلا نفي القتل والقرض والطلاق، والبينات لا تقبل للنفي، إنما تقبل للإثبات فلم يلتفت إلى بينته إلا أن يأبى العامة وشهد بذلك، ويكون أمرًا مكشوفًا فيؤخذ بشهادتهم، لأن الخبر المتواتر موجب للعلم قطعًا، فإذا شهدوا به على التواتر لم تقبل البينة على خلافه، لأنها محتملة للكذب وقد ظهر كذبهم بخبر العامة، بخلاف ما إذا لم يشهد به العامة ولكن قامت بينة مثله على خلافه لأنها مثل الأولى، وترجحت الأولى عليه بقوة الحكم؛ لأنها مبنية وليس في هذه البينة إثبات، فلم تصلح معارضة لها فبطلت، ولكن إنما بطلت الترجيح من حيث الحكم بعد مساواتهما في شهادتهما وشهادة شاهدين لا تصلح معارضة لخبر العامة في أدائها لما فيها من احتمال الكذب، وانتفاء الاحتمال في خبر العامة فلهذا أخذ بخبرهم.
قال: ألا ترى أن العامة لو شهدت أن المدعى عليه كان معهم في الموسم، وأنه شهد معهم عرفات، لم تقبل بينة المدعية على ما ادعت من الطلاق لما ذكرنا من ظهور الكذب في البينة على ما قلنا، فإن أقامت المرأة البينة أن زوجها طلقها يوم النحر بالرقة، وأقام عبده البينة أنه أعتقه في ذلك اليوم بمنى، وجاءت البينتان جميعًا والرجل يجحد ذلك كله، فالبينتان باطلتان لتيقن القاضي بكذب أحد الفريقين، وجهالته الصادق من الكاذب منهما، وانعدام الترجيح لأحدهما على الأخرى، فإن صدق الرجل إحدى البينتين وجحد الأخرى قضى عليه بالطلاق والعتاق جميعًا أماما أقر به فلإقراره والآخر بالبينة، والبينة الأخرى قد بطلت؛ لأنها إنما تقبل على المنكر فإذا أقر به فقد فات شرط قبولها وهو الإنكار فبطلت، فتقبل البينة الأخرى لاستجماع شرائطها وخلوها عن المعارضة.
وهذه المسألة دليل على أن المدعى عليه بعدما أقام المدعي البينة إذا أقر بما ادعاه المدعي أن القاضي يقضي عليه بالإقرار، وهذا فصل اختلف المشايخ فيه.
ولو شهد اثنان أنه طلق امرأته يوم النحر بمنى وشهد آخران أنه أعتق عبده بعد ذلك اليوم بالرقة، فإن القاضي يقضي بالطلاق بالوقت الأول؛ لأنهما شهدا به بذلك التاريخ ولا تعارضه البينة الأخرى؛ لأنها لا تقبل تاريخًا بعده، فلم تعارضه فقضى بالبينة الأولى، ثم ينظر بعد ذلك إن كان بين الوقتين ما يستقيم أن يكون في المكانين جميعًا بأسرع ما يقدر عليه من السير قضى بشهادتهم جميعًا؛ لأنه لا تنافي بينهما فأمكن العمل بهما فيعمل، وإن كان لا يستقيم بطل الوقت الثاني؛ لأنه لما وجب قبول البينة الأولى لإثباته تاريخًا سابقًا تعين جهة البطلان في الثانية لتعذر الجميع بينهما.
ولا يقال: بأن العمل بالبينتين ممكن، لأنه لا يستحيل كونه في يوم واحد بهذين المكانين وكذلك في هذين الوقتين؛ لأنه يبعد (كونه) من الأولياء وكرامة الأولياء حق، لأنا نقول: إن الولي لا يجحد ما قد فعله حتى تقام عليه البينة، فلا يمكن تصور المسألة فيه، ولأن الأحكام إنما تنبني على ما عليه قدرة الناس باعتبار العادة، فإنما لا يبتني على ما يتصور من إقدار الله تعالى، ألا ترى أن من حلف وقال: والله لأمس السماء، فإنه يحنث في الحال لمكان العجز الثابت للحال باعتبار العادة ولا يعتبر ما يتصور من إقدار الله تعالى إياه فكذا هذا، والاستحالة عادة ثابتة هاهنا، وباعتبارها تعذر القضاء بالبينتين على ما ذكرنا فبطلتا.
ولو شهد شاهدان أنه قال: إن مت من مرضي هذا فأنت حر، وأنه مات من ذلك المرض، وشهد آخران أنه قال: إن برئت من ذلك المرض ففلان آخر حر، فقد ذكرنا هذه المسألة أعادها لزيادة تفريع لم نذكرها ثمة، وهو أن الورثة إذا قالوا: برئ من ذلك المرض عتق العبد المقر له من جميع المال، وعتق العبد المشهود له من ثلث ماله، لأنهم أقروا بعتق ذلك العبد في حالة الصحة من المولى والعتق في صحته ينفذ من جميع ماله، والشهود إنما شهدوا بعتق هذا العبد عند موته وأنه لا ينفذ إلا من في الثلث لأنه عتق بجهة التدبير، فإن لم يكن للميت مال غير العبدين وقيمة العبدين على السواء يسعى المعتق في المرض في ثلث قيمته، لأنه يجعل في حقه كأن المال هذان العبدان، وان ذلك العبد لم يعتق من جهة الميت؛ لأنه لا يعمل إقرار الورثة في حقه، فصار في حقه كأن الورثة أعتقوا ذلك العبد بعد موته، وإذا جعل في حقه كأن مال الميت هذان العبدان، ووجب اعتبار عتقه من الثلث وقيمتهما سواء كان الثلث ماله ثلثا رقبته لا محالة، فيعتق مجانًا ويسعى فيما سواه وهو الثلث.
فإن قالت الورثة: مات من مرضه قبل أن يبرأ، فإنه يعتق هذا العبد المقر له من ثلث مال الميت بعد عتق الآخر؛ وعتق الآخر بشهادة الشهود من جميع المال، لأنه عتق المشهود لعتقه بالبرء من المرض بالبينة لخلوها عن المعارضة، فإن البينة الأخرى لم تقبل لعدم شرط قبولها وهو الإنكار، والعتق في الصحة ينفذ من جميع المال، وإنما عتق الآخر بإقرار الوارث، وقد أقروا بعتقه في المرض، فيكون من ثلث مال الميت، وقد خرج العبد الأول من أن يكون مال الميت حتى قضى بعتقه في الصحة، فيعتبر ثلث ماله فيما سواه لنفاذ العتق فيه، حتى إن العبد المقر له يعتق ثلثه مجانًا ويسعى في ثلثي قيمته.
قال: ولو أقام رجل البينة أن هذا الرجل قتل أباه منذ عشرين سنة، فأقامت امرأة البينة أنه تزوجها منذ خمس عشرة سنة، وأن هؤلاء ولده منها، استحسن أبو حنيفة رحمه الله في هذا أن أجاز بينة المرأة، وأثبت النسب وأبطل بينة الابن على القتل، والقياس: أن يقضي ببينة القتل، وقد مر هذا من قبل.
وجه الاستحسان: أن الحكم بثبوت النسب لا يتصور نقضه، وإنه بعدما حكم به لا يبطل حكمه بالإبراء وغيره، ولا يعمل فيه التكذيب بخلاف القتل، فإن حكمه يبطل بالعفو وما أشبهه، وكذلك بتكذيب الولي ينتقض الحكم.
وإذا ثبت هذا فنقول: النسب قد ثبت بنفس هذه الشهادة؛ لأنه يثبت بالشهرة عند الناس ولا يفتقر ثبوته عند الناس إلى قضاء القاضي، حتى حل لهم الشهادة بنسبه بمجرد السماع، فلو قبلنا بينة القتل لنقضنا النسب بعد ثبوته وإنه لا يجوز فلهذا لم تقبل بينة القتل، بخلاف ما لو لم تقم بينة على الولد، لأن النكاح مما يحتمل القطع بالطلاق وغيره، فإذا أمكن نقضه وقد قامت الحجة على انتقاض النكاح، وهو بينة القتل في وقت قبل وقت النكاح، قضي ببينة القتل وبطلب بينة النكاح لهذا، والله أعلم بالصواب.

.الفصل الثامن عشر: في ترجيح إحدى البينتين على الأخرى والعمل بالبينتين المضادتين:

بشر عن أبي يوسف رحمهما الله: رجلان شهدا على رجل أنه وكل فلانًا ببيع هذا الشيء وشهد آخران على الوكيل ببيعه ووقتوا أو لم يوقتوا، فالبيع باطل إلا أن يوقت بينة البيع وقتًا بعد وقت الوكالة، فلو أن الموكل أخرج الوكيل من الوكالة وهو حاضر بشهادة شهود، فشهد شاهدان عليه بالبيع، وقد وقت بينة العزل وبينة البيع أو لم يوقتوا، فالإخراج عن الوكالة أولى في جميع ذلك، والبيع باطل إلا أن يكون وقت البيع قبل وقت الإخراج من الوكالة وكذلك هذا في التوكيل بالطلاق والعتاق، وهذا كله قياس الشهادة على البراءة والشهادة على الدين، فإن الشهادة على الإبراء أولى ما لم يوقتا للدين وقتًا بعد البراءة.
ولو شهد شاهدان على النكاح وشاهدان على الطلاق فالطلاق لازم للزوج؛ لأنه إقرار من الزوج بالنكاح إلا أن يوقتوا للطلاق وقتًا قبل النكاح، فلا يجوز الطلاق، وكذلك العتاق في هذا مثل الطلاق، ما خلا خصلة واحدة: أن يكون بإقرار من المشتري بعتاق الأصل فهذا يعتق، وإن كان قبل الشراء.
رجل مات فشهد شاهدان أن هذا كان أعتق أعبده، أو شهدا أنه كان طلق امرأته ثلاثًا، لا يدرى أنه كان ذلك في صحة أو مرض وقد وقتوا أو لم يوقتوا فهذا على المرض في جميع ذلك، حتى (ولو) شهدا أنه كان في الصحة.
شهد شاهدان على وكالة في بيع، وشهدا على البيع وأغفل القاضي أن يسألهما بعد الوكالة كان البيع أو قبلها حتى مات الشاهدان، أو شهدا على الوكالة بطلاق أو عتاق فشهدا بالطلاق والعتاق وماتا قبل السؤال، فهذا والباب الأول سواء في القياس، لكن أستحسن في هذا أن أجيز الطلاق والعتاق والبيع، ولو شهدا أنه جعل أمر امرأته بيدها فطلقت نفسها، وأغفل القاضي أن يسألهما في ذلك المجلس أو بعدما قامت من المجلس فإن هذا لا يجوز الطلاق فيه ولا نسبة الوكالة.
ابن سماعة: عن أبي يوسف امرأة ادعت بعد وفاة زوجها مهرًا ألف درهم وذلك مهر مثلها وقالت الورثة: نحن علمنا أن أبانا تزوجها ولا ندري ما فرض لها، وحلفوا بالله ما يعلمون مهرها، فإني أجعل لها الصداق عشرة دراهم، وهذه الرواية تشهد لما قاله بعض مشايخنا من تفسير المستنكر حدًا على قول أبي يوسف رحمه الله: إن المراد منه أن يدعي الزوج أو ورثته أقل من عشرة دراهم.
ابن سماعة عن أبي يوسف رحمهما الله: رجل ادعى على رجل ألف درهم ومئة دينار، فكانت الألف بصك وقد كتب عليه وكتب أنه لا شيء عليه غيرها، وكانت المئة دينار بصك قد كتب عليه وكتب له لا شيء عليه غيرها، والوقت واحد أو لا وقت فيهما فالمال كله لازم، قال: ألا ترى أنه لو قال: لي عليه ألف درهم ولا مال لي عليك غير ذلك، ولي عليه مئة دينار ولا مال لي عليه غير ذلك، وجعل على ذلك بينة إني أقبل البينة وألزمه المال كذا هاهنا.
وذكر عن المعلى قال: سألت محمدًا عن رجل ادعى على رجل ألف درهم في صك، ومئة دينار في صك، وفي كل واحد من الصكين: فهو جميع مالي عليه، وأقام بينة على كل واحد من الصكين، قال: عليه أحد المالين يعطيه أيهما شاء، وروى هشام عنه: أنه لا يلزمه شيء من ذلك والله أعلم.

.الفصل التاسع عشر: في شاهدي الزور:

اتفق العلماء على أن شاهد الزور يعزر، لأنه ارتكب كبيرة، قال عليه السلام «عودلت شهادة الزور بالشرك بالله» ثم قرأ قوله تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور} [الحج: 30] وليس فيها حد مقدر شرعًا وهذا ظاهر فكل من ارتكب كبيرة ليس فيها حد مقدر يعزر، غير أن أصحابنا رحمهم الله اختلفوا في تعزيره.
قال أبو حنيفة رحمه الله في المشهور: يطاف به ويشهر ولا يضرب، فإن كان سوقيًا يبعث به القاضي إلى أهل سوقه وقت الضحوة أجمع ما كانوا، وإن لم يكن سوقيًا يبعث به إلى محلته أجمع ما كانوا، ويقول أمين القاضي: إن القاضي يقرئكم السلام ويقول: إنا وجدنا هذا شاهدًا للزور فاحذروه وحذروه الناس.
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يعزر بالضرب ولا يبلغ به أربعين سوطًا، ثم رجع أبو يوسف وقال: يبلغ خمسة وسبعين، حجتهما في ذلك: أنا أجمعنا على أن التعزير في سائر المعاصي بالضرب فكذلك هذا.
وأبو حنيفة رحمه الله يقول: إنما أقدم على الشهادة ليحصل له ماء الوجه عند الناس، وبالتشهير يذهب ماء وجهه، فكان هذا تعزيرًا لائقًا لجريمته فكان أولى. وروى أبو يوسف ومحمد رحمهما الله عن أبي حنيفة رحمه الله: أنه يضرب ثم يطاف به ويشهر.
وذكر الخصاف في كتابه: أنه يشهر على قولهما بعد الضرب أيضًا والكلام في مقدار الضرب في التعزير عرف في كتاب الحدود، ولا يسخم وجهه أي: لا يسود، يروى هذا اللفظ بالخاء والحاء جميعًا، فالذي روي عن عمر رضي الله عنه في «شاهد الزور يسخم وجهه» فتأويله عند شمس الأئمة السرخسي رحمه الله أنه قال: ذلك بطريق السياسة إذا رأى الإمام المصلحة فيه، وتأويله عند شيخ الإسلام: أنه لم يرد به حقيقة التسويد إنما أراد به التخجيل بالتفضيح والتشهير، فإن الخجل سمي سودًا، قال الله تعالى: {إذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًا} [النحل: 58].
وإنما لم ير أصحابنا رحمهم الله تسخيم وجهه لأن المقصود من تعزيره شيئان: أحدهما: امتناعه عن شهادة الزور في المستقبل، والثاني: أن يعرفه الناس أنه شاهد زور فيحذروه، وإذا سخم وجهه لا يعرف فلا يحذروه فلا يحصل المقصود، قال صاحب (الأقضية): وشاهد الزور عندنا المقر على نفسه بذلك، فيقول: كذبت فيما شهدت متعمدًا، ويشهد بقتل رجل أو بموته، فيجيء المشهود بقتله وموته حيًا، فأما من ردت شهادته لتهمة أو لدفع مضرة عن نفسه أو لجر منفعة إلى نفسه، أو لمخافة وقعت بين الشاهدين فليس شاهد زور.
ثم ذكر في الشاهدين إذا اختلفا في الموطن الذي شهدا بالفعل فيه أو اختلفا في الفعل نفسه أو في الإنسان والإقرار في الفعل، قال أبو حنيفة رحمه الله: لا تعزير عليه ولا ضرب؛ لأنه لا يعرف الصادق من الكاذب، ولا يجوز إيجاب العقوبة مع الاحتمال.
وإذا رجع شاهد الزور عن صنعه فتاب، هل تقبل شهادته بعد ذلك؟ فلا ذكر لهذه المسألة في شيء من الكتب، وحكي عن الفقيه أبي بكر محمد بن أحمد الحجراني رحمه الله أنه قال: إن كان فاسقًا يعلن الفسق لا تقبل شهادته بعد ذلك، وإن لم يكن معلنًا تقبل شهادته. وفي (الحاوي) عن أبي يوسف رحمه الله مثل هذا، والمذكور في (الحاوي) شاهد هو عدل بين الناس ممن تجوز شهادته، فشهد بزور لا تقبل شهادته بعد ذلك؛ لأنه لا يعرف له توبة، وإن لم يكن عدلًا فشهد بزور تقبل شهادته والله أعلم.

.الفصل العشرون: في الدعوى إذا خالف الشهادة:

إذا ادعى على آخر مئة أقفزه حنطة بسبب سلم مستجمعًا شرائطه، وشهد الشهود أن المدعى عليه أقر أن له عليه مئة أقفزة حنطة ولم يزيدوا على هذا، فقد قيل: لا تقبل شهادتهم، لأن الشهود لم يذكروا إقراره بسبب السلم، ودين السلم بخلاف سائر الديون حتى لا يجوز الاستبدال بدين السلم قبل القبض، ويجوز الاستبدال بسائر الديون، وقيل: ينبغي أن تقبل شهادتهم، لأن هذا اختلاف في سبب الدين، إنما لا يمنع قبول الشهادة إذا لم يختلف الدين باختلاف السبب، ودين السلم مع دين آخر يختلفان إن كانت الدعوى بلفظ مرابحة والشهود شهدوا بلفظ التسبب.
حكي عن شيخ الإسلام أبي الحسن السغدي رحمه الله: أن الشهادة لا تقبل لأنهما غيرا فيما شهد به الشهود لم يدخل تحت الدعوى، وقيل: ينبغي أن يقبل في عرفنا وهو الأشبه والأظهر؛ لأن في عرفنا البيت والدار واحد، يقال: خانة فلان كما يقال: سراي فلان.
وإذا ادعى ملكًا بسبب حق الشراء من رجل آخر والإرث عن أبيه أو ما أشبه ذلك، وأقام البينة على الملك المطلق لا تقبل بينته لوجهين:
أحدهما: أن الشهود شهدوا بأكثر مما ادعاه المدعي، لأن المدعي ادعى الملك بسبب حادث يكون حادثًا ضرورة، والشهود شهدوا بملك قديم؛ لأنهم شهدوا بالملك المطلق والملك المطلق قديم، ولهذا قلنا: إن في دعوى الملك يستحق العين بالزوائد المتصلة والمنفصلة جميعًا، ويرجع الباعة بعضهم على البعض، ولا شك أن الملك القديم أكثر من الملك الحادث، والشهود إذا شهدوا بأكثر مما ادعاه المدعي لا تقبل شهادتهم، لأن المدعي يصير مكذبًا شهوده في بعض ما شهدوا به وهو الزيادة على ما ادعى، وتكذيب المدعي شهوده في بعض ما شهدوا به يمنع قبول الشهادة.
الوجه الثاني: ما أشار إليه محمد رحمه الله في (الكتاب) فقال: لما ادعى أنه اشتراها من فلان وهو يملكها فقد أقر بالملك لفلان إما صريحًا أو بمقتضى الإقدام على الشراء، فإن كل مشتر مقر بالملك في المشترى للمشتري وقت البيع، ثم يدعي الانتقال إليه، ولم يثبت الشراء هاهنا؛ لأن الشهود لم يشهدوا به، وهذا إذا ادعى الشراء من رجل معروف.
فأما إذا ادعى الشراء من رجل مجهول ثم أقام البينة على الملك المطلق تقبل شهادتهم؛ لأن أكثر ما فيه أنه صار مقرًا بالملك لبائعه إلا أن هذا الإقرار منه لم يصح، لأنه أقر بالملك للمجهول والإقرار للمجهول باطل، فصار كأنه لم يقر له بالملك ولم يدع الشراء منه أصلًا، وهناك تقبل منه البينة على الكلام المطلق كذا هاهنا، بخلاف ما إذا ادعى الشراء من رجل معروف؛ لأن هناك الإقرار للبائع بالملك صح لكونه إقرارًا للمعلوم، ثم ادعى الانتقال إلى نفسه بالشراء ولم يثبت بالشراء إذ الشهود لم يشهدوا به، فلو كان المدعي ادعى الملك لنفسه مطلقًا، وشهد الشهود له بالسبب فالقاضي يقبل شهادتهم.
أما على المعنى الأول: فلأن الشهود شهدوا بأقل مما ادعاه المدعي؛ لأنهم شهدوا بملك حادث والمدعي ادعى ملكا قديمًا، والشاهد إذا شهد بأقل ما ادعى المدعي تقبل شهادته.
يوضيح الفرق بينهما: أن الملك القديم يجوز أن يصير ملكًا حادثا؛ لأن المملوك أول من أمس يجوز أن يصير مملوكًا أمس ملكًا حادثًا بسبب حادث، بأن يبعيه ثم يشتريه، فالتوفيق بين الدعوى والشهادة ممكن فتقبل الشهادة، أما الملك الحادث فلا يجوز أن يصير ملكًا قديمًا؛ لأن المملوك أمس لا يتصور أن يصير مملوكًا من أمس، فالتوفيق بين الدعوى والشهادة غير ممكن فلا تقبل الشهادة.
وأما المعنى الثاني: فلأنه ما أقر بالملك لغيره، إنما ادعى الملك لنفسه ملكًا مطلقًا، والشهود شهدوا له بالملك إلا أنهم زادوا في الشهادة سبب الملك، وزيادة سبب الملك في الشهادة لا توجب خللًا في الشهادة، لأنا نعلم أنه لابد للملك من سبب فقد بينوا ما هو معلوم من غير شهادتهم، فلا يوجب خللًا في شهادتهم.
ثم إذا ادعى الملك مطلقًا والشهود شهدوا بالملك بسبب، ينبغي للقاضي أن يسأل المدعي: أتدعى الملك بهذا السبب الذي شهد به الشهود أو تدعيه بسبب آخر؟ إن قال: أدعيه بهذا السبب فالقاضي يقبل شهادة شهوده ويقضي له بالملك.
ولو ادعى الشراء مع القبض وشهد له الشهود بالملك المطلق ففيه اختلاف المشايخ: بعضهم قالوا: تقبل الشهادة؛ لأن دعوى الشراء مع القبض ليس دعوى الشراء من حيث المعنى، بل هو دعوى الملك المطلق، ألا ترى أنه لو كان هذه الدعوى من جهة البائع كان دعوى الثمن لا دعوى البيع، حتى لا يشترط لصحة هذه الدعوى إعلام المبيع حتى إن من قال لغيره: بعت منك عبدًا بكذا وسلمته إليك، صح دعواه وإن كان العبد مجهولًا، فكذا من جانب المشتري يكون دعوى الملك المطلق، ولما كان دعوى الشراء مع القبض دعوى الملك المطلق صار كأنه ادعى ملكًا مطلقًا وشهد له الشهود كذلك.
وبعضهم قال: لا تقبل الشهادة؛ لأن دعوى الشراء معتبر في نفسه في هذه الصورة، ولم يصر بمنزلة دعوى الملك المطلق، ألا ترى أنه لا يقضى للمدعي في هذه الصورة بالزوائد.
ولو ادعى الملك بالنتاج وشهد له الشهود بالملك بسبب من جهة صاحب اليد أو من جهة غيره، لا تقبل الشهادة، بخلاف ما إذا ادعى الملك مطلقًا وشهد له الشهود بالسبب، حيث تقبل، والفرق أن دعوى النتاج على دعوى اليد لا يحتمل دعوى ملك حادث من جهته، أو من جهة غيره إذ لا يتصور التملك بالنتاج من جهة غيره، ألا ترى أنه لا يصح أن يقول: هذا ملكي بالنتاج من جهة ذي اليد أو من جهة فلان، ولما كان هكذا، فإذا شهد له الشهود بالملك بسبب من جهة ذي اليد أو من غيره فقد شهدوا بما لم يدخل تحت دعوى المدعي فلا تقبل شهادتهم، فأما دعوى الملك المطلق على ذي اليد فيحتمل دعوى ملك حادث من جهة ذي اليد أو من غيره، ألا ترى أنه لو قال هذا الشيء لي بالشراء من فلان أو من ذي اليد كان صحيحًا، ولهذا ترجح بينة الخارج على بينة ذي اليد، ولما كان هكذا، فإذا شهد له الشهود بالملك بسبب من جهة ذي اليد فقد شهدوا بما صلح داخلًا تحت دعوى الملك، فلا تثبت المخالفة بين الدعوى والشهادة.
وسئل شيخ الإسلام أبو الحسن السغدي رحمه الله: عمن ادعى عينًا في يدي إنسان ملكًا مطلقًا، وشهد له الشهود أنه ملكه بسبب أنه ورثه من أبيه، قال: لا تقبل الشهادة، فقيل له: إن محمدًا رحمه الله ذكر في (الأصل) وفي (الجامع) أن من ادعى ملكًا مطلقًا وشهد الشهود له بالسبب أن الشهادة مقبولة، قال: هذا هكذا في موضع صحت الشهادة على السبب، والشهادة على السبب هاهنا لم تصح، لأنهم شهدوا بالميراث ولم يجروا الميراث، ولكن هذا ليس بصواب، فإن قولهم: ورثه من أبيه، كاف لإثبات الملك بسبب الميراث كقولهم: اشتراه من فلان، وهو معنى جر الميراث، فكانت الشهادة على السبب صحيحة فيجب قبولها.
ولو ادعى دينًا بسبب نحو القرض أو ما أشبهه، وشهد له الشهود بالدين المطلق، كان القاضي الإمام شمس الإسلام محمود الأوزجندي يقول: لا تقبل شهادته، كما في العين إذا ادعى الملك فيه بسبب، وشهد الشهود له بالملك مطلقًا، وفي كتاب (الأقضية) مسألتان تدلان على القبول.
وإذا ادعى على امرأة أنها منكوحة ولم يدع الزوج، فشهد له الشهود على أنه تزوجها، أو ادعى على امرأة أنه تزوجها، وشهد له الشهود أنها منكوحة قبلت الشهادة، لأن النكاح سبب متعين لصيرورة المرأة منكوحة، فكان ذكره وترك ذكره سواء.
وإذا ادعى عينًا في يدي رجل أنه ملكه، وأن صاحب اليد قبضه مني بغير حق منذ شهر، وشهد له الشهود بالقبض مطلقًا لا تقبل الشهادة، واختلفت عبارة المشايخ في ذلك، قال بعضهم: لأن شهادتهم على القبض مطلقًا من غير ذكر تاريخ محمولة على الحال، فالمدعي ادعى الفعل في زمان ماض، والشهود شهدوا على الفعل في الحال، والفعل في الزمان الماضي غير الفعل في الحال، فهو نظير ما لو ادعى على غيره الفعل منذ شهر، وشهد الشهود له بالفعل في الحال، وقال بعضهم: المطلق أكبر وأقوى من المؤرخ، والشهود شهدوا بأكثر مما ادعاه المدعي.
وكذلك إذا ادعى المدعي القبض مطلقًا وشهد له الشهود بالقبض منذ سنة، لأنه ادعى الفعل في الحال والشهود شهدوا له بالفعل في الماضي، فلا تقبل شهادتهم، إلا إذا وفق المدعي وقال: أردت بالمطلق القبض من ذلك الوقت الذي شهد به الشهود فحينئذ تقبل، وقيل: تقبل الشهادة في هذا الوجه من غير توفيق المدعي؛ لأن المطلق أكبر وأقوى من المؤرخ فقد شهد الشهود بأقل مما ادعاه المدعي فيقبل.
وإذا ادعى عينًا في يدي رجل وقال: هي لي منذ سنة، وشهد الشهود أنها له منذ عشر سنين، لا تقبل شهادتهم، ولو قال: هي لي منذ عشر سنين وشهد الشهود أنها له منذ سنة تقبل شهادتهم، لأن في الوجه الأول الشهود شهدوا بأكثر مما ادعاه المدعي، وفي الوجه الثاني شهدوا بأقل مما ادعاه المدعي.
وإذا ادعى الملك بسبب الشراء منذ سنة وشهد الشهود له بالشراء من غير تاريخ، فقد قيل: لا تقبل لأن المطلق أقوى من المؤرخ، وقد قيل: تقبل لأن الشراء حادث فإذا لم يذكر الشهود له تاريخًا يحمل على الشراء للحال، فقد شهد الشهود بأقل مما ادعاه المدعي.
ولو كان المدعي ادعى الملك بسبب الشراء مطلقًا، ولم يذكر التاريخ في الشراء، والشهود شهدوا بتاريخ سنة أو ما أشبه ذل، فقد قيل: لا تقبل؛ لأن دعوى المدعي محمول على الحال إذا لم يذكر للشراء تاريخًا، وإذا حمل على الحال ظهر أن الشهود شهدوا بأكثر مما ادعاه المدعي وقيل: تقبل لأن المطلق أقوى من المؤرخ، فقد شهدوا بأقل مما ادعاه المدعي فتقبل.
وفي (الجامع الكبير) قال محمد رحمه الله: رجل في يديه عبد ذكر أنه عبده ورثه من أبيه، فادعى رجل آخر أنه عبده، وجاء بشاهدين شهدا على إقرار صاحب اليد أنه عبد المدعي، قبلت الشهادة وقضي بالعبد للمدعي، اعتبارًا للإقرار الثابت بالبينة بالثابت عيانًا.
وإذا ادعى على رجل خمسمئة وشهد له الشهود بألف درهم، لا تقبل شهادتهم؛ لأنه صار مكذبًا شهوده فيما زاد على الخمسمئة إلا أن يوفق فقال: كان له عليه ألف درهم كما شهد به الشهود إلا أنه قضى خمسمئة، أو قال: أبرأته عن خمسمئة ولم يعلم الشهود بذلك، فإذا وفق على هذا الوجه تقبل الشهادة ويقضي له بالخمسمئة لزوال التكذيب، ولا يحتاج إلى إقامة البينة على التوفيق؛ لأن التوفيق بدعوى الإبراء أو القضاء وكل ذلك يثبت بإقرار المدعي؛ لأنه إقرار على نفسه، فلا يحتاج إلى إقامة البينة عليه.
وإذا ادعى الغريم على صاحب المال أنه أبرأه أو حلله، وجاء شهود شهدوا على إقرار صاحب المال بالاستيفاء، فإن القاضي يسأل الغريم عن البراءة والتحليل، أكانت بالإسقاط أو بالاستيفاء، فإن قال: كانت بالاستيفاء قبلت الشهادة لوجود الموافقة بين الدعوى والشهادة، وإن قال: كان بالإسقاط لا تقبل لتحقق المخالفة.
وإن سكت ذكر محمد رحمه الله في (الأصل): أنه لا يجبر على البيان؛ لأن الإنسان لا يجبر على تحصيل حق نفسه، ولكن لا تقبل شهادته ما لم يوفق، فقد رجع في هذه المسألة في البيان إلى المدعي وفيما إذا ادعى الغريم الإيفاء وشهد له شاهدان أنه أبرأه أو حلله ذكر أنه تقبل شهادتهما ولم يقل: رجع في البيان الى الشاهدين إن البراءة كانت بالإيفاء أو بالاستيفاء.
والفرق: أن الشهادة إنما شرعت لتحقيق دعوى المدعي، فإذا وقع الدعوى في شيء معين، فشهدت الشهود بشهادة محتملة حملت الشهادة على وجه الموافقة، إذ الظاهر أن الشهود بشهادتهم المحتملة يريدون الجهة التي تكون الشهادة بها مؤكدة للدعوى دون الجهة الأخرى فبقيت جهة الموافقة بدلالة الحال، فلا حاجة إلى الرجوع في البيان إلى الشاهد، فأما الدعوى إذا كانت محتملة، فالشهود لا يقدرون على إزالة ذلك الاحتمال، فيكون البيان إلى المدعي، فإن بيّن قبل قوله وما لا فلا، وهاهنا كلمات تأتي بعد إن شاء الله تعالى.
قال محمد رحمه الله في (الجامع الصغير): شاهدان شهدا على رجل لرجل بقرض ألف درهم، فشهد أحدهما أنه قضاها، وقال المدعي: لم يقضها فالشهادة على القرض جائزة ويقضي القاضي بالقرض على المدعى عليه. وروى الطحاوي عن أصحابنا رحمهم الله: أنه لا يقضي القاضي بالقرض، لأن الذي شهد بالقضاء لم يشهد بمال واجب.
وجه ما ذكر في (الجامع الصغير): أن القضاء لا يتصور إلا بعد سابقة، فهما اتفقا على القرض والوجوب فثبت القرض والوجوب، ثم تفرد أحدهما بالقضاء ولم يثبت.
وفي (الأصل): إذا شهد شاهدان لرجل على رجل بألف درهم، فشهد أحدهما أنه قضى خمسمئة درهم منها وأنكر الطالب القبض، فإن شهادتهما بالألف جائزة، لاتفاقهما على ذلك، وشهادة الواحد بالقبض لا تقبل لتفرده بذلك، فإن قيل: أليس أن المدعي لما أنكر القضاء فقد أكذب أحد الشاهدين فوجب أن لا يقضى له بالألف كما لو شهد له أحد الشاهدين بمئة، والآخر بمئة وخمسين والمدعي يدعي المئة لم يقض له بشيء؛ لأنه كذب أحد شاهديه فكذا هاهنا؟ قلنا: تكذيب المدعي شهوده إنما وجد فيما كان مشهودًا عليه؛ لأنه كذب أحدهما في القبض، وإنه في القبض مشهود عليه، وتكذيب المشهود عليه الشاهد لا يمنع قبول الشهادة، لأنه لو منع ما قبلت شهادة في الدنيا؛ لأن كل مشهود عليه يكذب شهوده، فإن قيل: تكذيب المشهود عليه إنما لا يمنع قبول الشهادة إذا شهد عليه ولم يشهد له، والشاهد يقبض بخمسمئة كما شهد عليه يشهد له، فإذا كذبه وفسقه فيما شهد عليه يجب أن لا تقبل شهادته فيما شهد له؛ لأنه فاسق عنده إلا أن يكذبه ويفسقه فيما شهد عليه لم يعمل فوجب أن يعمل فيما شهد له والجواب: أن التكذيب فيما شهد له لو ثبت إنما يثبت مقتضى التكذيب فيما شهد عليه، وقد كذب شرعًا في حق التكذيب على ما عليه، على معنى أنه لم يعتبر تكذيبه فيما شهد عليه والمتكلم متى كذب في كلامه سقط اعتبار كلامه والتحق كلامه بالعدم، وإذا سقط اعتبار هذا التكذيب في حق ما عليه فكذا فيما له، أو تقول بعبارة أخرى: لم يعتبر تكذيبه فيما شهد عليه شرعًا؛ لأن تكذيب المشهود عليه الشاهد غير معتبر شرعًا، فلا يعتبر تكذيبه فيما ثبت مقتضاه وهو التكذيب فيما شهد له.
ولهذا قلنا: لو شهد شاهدان على رجل لرجل بألف درهم وشهدا للمشهود عليه بمئة دينار قبلت شهادتهما، وإن كذبهما وفسقهما؛ لأنه صار مكذبًا في هذا التكذيب شرعًا لما قضي عليه بالدراهم، كذا هاهنا بخلاف ما أقررتم من المسألة؛ لأن بدعوى المئة صار مكذبًا أحد شاهديه، ولم يكذب في هذا التكذيب شرعًا فلم يسقط اعتبار تكذيبه أما هاهنا فبخلافه.
وفي آخر شهادات (المنتقى): شهدا أن لهذا على هذا ألف درهم وقد أقضى منها مئة والطالب يقول: لم أقبض منها شيئًا، قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: يقضي بالألف ويجعل مقضيًا للمئة.
وفي (العيون): إذا شهدا لرجلان على آخر بألف درهم وشهدا أنه قد قضاه خمسمئة وقال للطالب: لي عليه ألف وما قضاني شيئًا وشهودي صدقوا في الشهادة على الألف، وأوهموا في الشهادة على القضاء تقبل شهادتهما إن عدلًا ولو قال: شهادتهم بالألف حق وبالقضاء باطل وزور لا تقبل شهادتهما؛ لأنه نسبهما إلى الفسق.
ولو شهدا على رجل بألف درهم، والمدعي يدعي ذلك وشهدا أيضًا للمدعى عليه على المدعي بمئة دينار والمدعي ينكر ذلك، قبلت شهادتهما وهي المسألة التي مرت على سبيل الاستشهاد، ثم يكذب المشهود له الشهود وتفسيقه إياهم قبل القضاء يمنع القضاء، وتكذيبه وتفسيقه بعد القضاء يوجب بطلان القضاء على ما عليه إشارات (الأصل) و(الجامع) وحكي عن القاضي أبي علي النسفي رحمه الله أنه لا يوجب بطلان القضاء، قال: لأن الفاسق ربما يكون صادقًا ولهذا يصلح شاهدًا عندنا، فعلى اعتبار أنه كان صادقًا لا يجوز إبطال القضاء على اعتبار أنه كان كاذبًا يجوز، فلا يجوز إبطال القضاء بالشك، فظن بعض مشايخنا أن ما ذكر القاضي الإمام مخالف لإشارات (الجامع) وليس كذلك؛ لأن المراد من إشارات (الجامع) بفسق تبني عن تكذيب المشهود له وإنه يوجب بطلان القضاء، كما يمنع جوازه، وما قاله القاضي الإمام محمول على نفس التفسيق، بأن يقول المشهود له: إنهم أكلوا ربا أو شربوا الخمر، لا تفسيق ينبني عن التكذيب، ونفس التفسيق يمنع القضاء، أما لا يبطل القضاء والله أعلم.

.نوع آخر:

وإذا ادعى رجل جارية في يدي رجل وقال: هذه الجارية كانت لي وشهد الشهود أنها له هل تقبل هذه الشهادة؟ لا ذكر لهذه المسألة في الكتب، وقد اختلف المشايخ فيه بعضهم قالوا: تقبل؛ لأن هذا الاختلاف لو وقع بين المدعي وبين الشاهدين على العكس، بأن ادعى المدعي أنها له وشهد الشهود أنها كانت له تقبل الشهادة فكذا هاهنا، وكذلك لو وقع هذا الاختلاف بين الشاهدين، بأن ادعى أنها له وشهد أحد الشاهدين أنها له، وشهد الآخر أنها كانت له لم يمنع قبول الشهادة، فكذا إذا وقع بين المدعي والشاهدين. ومنهم من قال: لا تقبل وهو الأصح؛ لأن دعوة المدعي إنما كانت له إقرار منه دلالة أنه لا ملك له في الحال إذ لا فائدة للمدعي في الإسناد مع قيام الملك له في الحال سوى نفي الملك في الحال، وهذا لأنه كما لا يعلم ثبوت ملكه يقينًا يعلم بقاء ملكه يقينًا، فيكون دعواه الملك فيما مضى نفيًا للملك في الحال حتى يكون الإسناد مفيدًا، بخلاف الشاهد؛ لأن إسناده لا يدل على النفي للحال، لأن له فائدة سوى النفي في الحال، وهو أن يشهد بما عاين من سبب الملك بيقين، ولا يشهد ببقاء الملك في الحال؛ لأن بقاء الملك في حقه للحال ثابت باستصحاب الحال، والشاهد قد يحترز عن الشهادة بما ثبت عنده من استصحاب الحال، وعلى قياس ما قالوا يجب أن لا تقبل الشهادة، وإن شهدا أنها كانت للمدعي؛ لأن إسناد المدعي دليل على نفي الملك في الحال، فلو نفى المدعي الملك للحال، وشهد شاهدان أنها كانت له لا تقبل الشهادة كذا هاهنا.
وإذا شهد الشهود أن هذا العين كانت ملك المدعي والمدعي يدعي الملك في الحال تقبل شهادتهم؛ لأن شهادتهم تثبت الملك في زمان الماضي، وما عرف ثبوته في زمان يحكم ببقائه ما لم يوجد المزيل، ولا يقال بأن شهادة الشهود بالملك في الماضي دليل على نفي الملك في الحال لأنا نقول: هذا ممنوع.
وبيانه ما ذكرنا: أن للشاهد في الإسناد فائدة أخرى سوى نفي الملك في الحال، ذكر المسألة في (الأقضية).
في (أدب القاضي) للخصاف في باب دعوة الرجلين، وعلى هذا إذا ادعى المدعي عينًا ملكًا مطلقًا فشهد الشهود له بسبب الملك، بأن شهدوا أن المدعي ورثها من أبيه، ولم يتعرضوا للحال بأن لم يقولوا: هو ملكه للحال، تقبل الشهادة ويقضى بالعين للمدعي.
وكذلك إذا ادعى رجل نكاح امرأة بأن قال: هذه امرأتي أو قال: هذه منكوحتي والشهود شهدوا أنه كان زوجها، ولم يتعرضوا للحال بأن لم يقولوا: إنها منكوحته في الحال فالقاضي يقبل الشهادة، ولكن ينبغي للقاضي أن يسأل الشهود في مسألة الإرث، والشراء هل يعلمون أنها أخرجت عن ملكه؟
ومما يتصل بهذا النوع: إذا ادعى رجل دارًا في يد رجل وجاء بشاهدين شهدا أن هذه الدار كانت في يد هذا المدعي لا تقبل هذه الشهادة، ولا يقضى للمدعي بشيء في ظاهر الرواية، وروى أصحاب (الأمالي) عن أبي يوسف رحمه الله: أن الثابت بالبينة العادلة كالثابت معاينة، ولو عاين القاضي هذه الدار في يد المدعي، ثم رآه بعد ذلك في يد المدعى عليه، أو أقر المدعى عليه أن الدار كانت في يد هذا المدعي، أمره القاضي بالتسليم إلى المدعي كذا هنا، ولأن الشهود شهدوا بأخذ المدعي الدار من المدعي؛ لأنهم شهدوا أنها كانت في يد المدعي، وما كان في يد الإنسان لا يصير في يد غيره إلا بالأخذ منه، فصار الأخذ من المدعي مشهودًا به اقتضاءً، فيعتبر بما لو كان الأخذ مشهودًا به نصًا بأن قالوا: هذه الدار كانت في يد المدعي أخذها هذا منه وهناك يقضي بالدار للمدعي كذا هاهنا.
وجه (ظاهر الرواية): أن يد المدعى عليه على العين الذي وقع فيه النزاع ثابتة بيقين ولم تثبت ببينة المدعي ما يوجب نقضها، وهو الأخذ من المدعي لا بنصّ الشهادة وهذا ظاهر؛ لأن الشهود لم يشهدوا أن المدعى عليه أخذها من المدعي، ولم يثبت ذلك أيضًا، مقتضى ما شهدوا به من كونها في يده أمس؛ لأنه لم يثبت كونها في يده أمس بهذه الشهادة؛ لأن المشهود به لا يثبت إلا بقضاء القاضي والقاضي لا يمكنه القضاء بكونها في يد المدعي؛ لأن كونه في يده محتمل أن يكون بحق بأن تكون يد ملك، ويحتمل أن تكون بغير حق بأن كان يد غصب فعلى أحد الاحتمالين يجوز القضاء، وعلى الاحتمال الآخر لا يجوز القضاء، فلا يجوز القضاء بالشك، ولأن قبول الشهادة على أمر في الماضي، باعتبار ما عرف ثبوته في الحال، والحكم ببقائه باعتبار استصحاب الحال، وذلك فيما لم يتيقن بزواله، وقد تيقن القاضي بزوال اليد هاهنا، فإذا لم يقض القاضي بكونها في يده لم يثبت كونها في يده، فلا يثبت الأخذ منه.
وقوله بأن الأخذ مشهود به على حسب ما قرر. قلنا: إنما يكون الأخذ مشهودًا به، إذا ثبتت اليد فيما مضى ولم (تثبت) بهذه الشهادة؛ لأن اليد محتملة، ولا يجوز القضاء بما هو محتمل على ما مر، وإذا لم تثبت اليد للمدعي بهذه الشهادة كيف يثبت الأخذ منه؟ بخلاف ما إذا شهدوا على إقرار المدعى عليه أنها كانت في يد المدعي، لأن الإقرار حجة تلزمه بنفسه لا تتوقف على قضاء القاضي، فتثبت يد المدعي بنفس الإقرار، ويثبت الأخذ من المدعي، أما البينة فلا تصير حجة إلا بالقضاء، والقضاء باليد فيما مضى مع الاحتمال، فلا يثبت الأخذ منه، أو نقول: إقرار ذي اليد صدق في حقه من كل وجه غير محتمل من الصدق والكذب، فوجب القضاء بالإقرار لا محالة، وما ثبت بالإقرار فهو كالثابت معاينة، ولو عاين القاضي إقرار المدعى عليه أنها كانت في يده أمس، يثبت أخذه من المدعي لا محالة، كذا هاهنا.
وبخلاف ما إذا عاين القاضي كونه في يد المدعي أمس هناك ثابت من غير قضاء، ومن ضرورته الأخذ منه، وبخلاف ما إذا شهدوا أنه أخذها من المدعي؛ لأن الأخذ هناك قد ثبت بنص الشهادة. أما هنا بخلافه وبخلاف ما إذا شهدوا أنه أخذها من المدعي؛ لأن الأخذ هناك قد ثبت بنص الشهادة. أما هاهنا بخلافه.
وبخلاف ما إذا تنازع رجلان في دار، كل واحد يدعي أنها له وفي يديه، وأقاما البينة على أنها كانت في أيديهما، فإن القاضي يقضي بكون الدار في أيديهما للحال، مع الاحتمال الذي ذكرنا؛ لأن هناك القاضي لم يتيقن بزوال يدهما، بخلاف ما إذا كانت في يد ثالث.
وحقيقة الفقه في ذلك، وهو أن اليد إذا كانت ثابتة للغير بيقين، لا يجوز نقضها بحجة محتملة، فإذا كانت الدار في يد ثالث فاليد للمدعى عليه ثابتة بيقين، و(لا) حاجة إلى نقضها، ويد المدعي فيما مضى محتملة فلا يجوز نقض يد المدعى عليه الثابت بيد محتملة للمدعي فيما مضى، فأما إذا لم تكن الدار في يد ثالث، فليس في جعلها في أيدي المدعيين إبطال يد ثابتة بيقين، فكان القضاء بكونها في أيديهما، وقد قام لهما نوع دليل أولى من جعلها في يد الغير وليس عليه دليل.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد رحمه الله: في أجمة أو غيضة تنازع فريقان، كل فريق يدعي أنها له وفي يده، فشهد الشهود لأحد الفريقين أنها في يده، أو شهدوا لهما أنها في أيديهما فإن لم يسألهم القاضي عن تفسير ذلك، ولم يزيدوا عليه فهو مستقيم، وإن سألهم عن تفسير ذلك فهو أوثق وأحسن، وهذا لأن اليد على الأجمة إنما تعرف بالدليل، وعسى يرى الشاهد شيئًا يظنه دليلًا على اليد، ولا يكون دليلًا، فإن سأله ليزول الاشتباه فهو أحسن، وإن لم يسأله واكتفى به فله ذلك، لأن السؤال عسى يفضي إلى بطلان الشهادة مع كون الشاهد محقًا، ألا ترى أن الشهود لو شهدوا بالملك المطلق في العين أو الدين، وقضى القاضي بشهادتهم من غير أن يسألهم عن تفسير ذلك جاز، كذا هاهنا.
ثم بيَّن ما تُعرف به اليد على الغيضة والأجمة فقال في الغيضة: إذا كان يقطعون الأشجار ويبيعونها، أو ينتفعون بها منفعة أقرب من هذا أو ما أشبهه، فهذا مما يستدل به على أنها في أيديهم، وقال في الأجمة: إذا كانوا يأخذون القصب ويقطعونها للصرف إلى حوائج أنفسهم أو للبيع أو ما أشبهه، فهذا مما يستدل به على أنها في أيديهم، وهذا لأن اليد في عرف لسان الفقهاء القدرة على التصرف من حيث الآلة واليد التي هي دليل الملك والقدرة على التصرفات التي تختص بالملك، يعني به: الانتفاع المطلوب من العين من غير منازع، فإذا شاهدنا قدرته على الانتفاع بالعين انتفاعًا بطلت من ذلك العين علمنا أن اليد الذي هو دليل الملك ثابت في حقه.
إذا ثبت هذا فنقول: الانتفاع المطلوب من الأجمة والغيضة الحطب والقصب لا الزراعة والسكنى، فإذا شاهدناهم يقطعون الشجر والقصب، ويصرفونه إلى حاجة أو يبيعونه أو ما أشبه ذلك من غير منازع، علمنا أن اليد الذي هو دليل الملك ثابت في حقهم.
قال محمد رحمه الله: وإذا تنازع الرجلان في دار، كل واحد منهما يدعي أنها في يده، فأقام أحدهما بيِّنة أنهم رأوا دابته في هذه الدار، ورأوا غلمانه يدخلونها ويخرجون منها، فالقاضي لا يقضي بيد الذي شهد له الشهود بما وصفنا حتى يقولوا: كانوا سكانًا فيها، وإذا قالوا ذلك قضيت بأنها في يد صاحب الغلمان والدواب، وهذا لما ذكرنا أن العبرة في هذا الباب القدرة على الانتفاع بما هو المطلوب من العين، والدار لا تتخذ لدخول الغلمان وخروجهم منها ولربط الدواب فيها، وإنما تتخذ للسكنى فيها، فما لم يشهدوا بذلك لم يشهدوا باليد عليها والله اعلم.

.الفصل الحادي والعشرون: في الاختلاف الواقع بين الشاهدين:

قال محمد رحمه الله في كتاب الغَصْب: وإذا ادعى رجل جارية في يدي رجل، وجاء بشاهدين شهد أحدهما أنها جاريته غصبها منه هذا، وشهد الآخر أنها جاريته، ولم يقل غصبها منه هذا قبلت شهادتهما لأنهما شهدا جمعًا بمطلق الملك إلا أن أحدهما (شهد) أنها جاريته، وشهد الآخر أنها كانت جاريته تقبل هذه الشهادة أيضًا ويقضى بالجارية للمدعي؛ لأنهما اتفقا على الملك له في الحال، لأن أحدهما شهد أنها له وهذا اللفظ للحال، والآخر شهد أنها كانت له، وما ثبت للمشهود له من الملك يبقى إلى أن يوجد المزيل، فقد اتفقا على الحال من هذا الوجه فتقبل شهادتهما.
وهذا بخلاف ما لو شهد أحدهما أنها كانت في يده، وشهد الآخر أنها في يده، فإنه لا تقبل هذه الشهادة عند أبي حنيفة رحمه الله، وقد شهدا له باليد في الحال.
قال محمد رحمه الله في (الجامع الصغير): في الرجل يشهد له الشاهدان على رجل بمال فشهد أحدهما على ألف وخمسمئة، والمدعي يدعي الألف، فشهادة الذي شهد بالألف والخمسمئة باطلة، يجب أن يعلم بأن موافقة الشاهدين فيما شهدا به شرط جواز القضاء بشهادتهما، لأن القضاء إنما يجوز بالحجة، والحجة شهادة المثنى، فيما لم يتفقا على ما شهدا به لا توجد الحجة وهي شهادة المثنى، وبدون الحجة لا يقطع الحكم، وإذا ثبت أن الموافقة شرط كانت المخالفة مانعة للقبول.
فبعد ذلك نقول: إن كانت المخالفة بينهما في اللفظ دون المعنى تقبل الشهادة، وذلك نحو أن يشهد أحدهما على الهبة والآخر على العطية، وهذا لأن نفس اللفظ ليس بمقصود في الشهادة، بل المقصود ما تضمنه اللفظ، وهو ما صار اللفظ علمًا عليه، فإذا وجدت الموافقة في ذلك لا تصير المخالفة فيما سواها.
جئنا إلى بيان حكم المسألة فنقول: لايخلو، إما أن يدعي المدعي أقل المالين ألف درهم أو يدعي أكثرهما ألفًا وخمسمئة، فإن ادعى أكثر المالين تقبل شهادتهما على الألف؛ لأنهما اتفقا على الألف لفظًا ومعنى، إلا أن أحدهما عطف عليه زيادة، فتقبل شهادتهما على ما اتفقا عليه وهو الألف، وانتفت الزيادة لتفرد أحد الشاهدين بها، وإن ادعى أقل المالين لا يقضى بشهادتهما أصلًا، لأن المدعي صار مكذِّبًا أحد شاهديه، وهو الذي شهد بالأكثر، فلم يبق له إلا شاهد واحد فلا يقضى بهذه الشهادة إلا إذا وافق المدعي، فقال: كان لي على هذا المدعى عليه ألف وخمسمئة كما شهد به هذا الشاهد، إلا أنه قضاني خمسمئة ولم يعلم هذا الشاهد به، فإذا وافق على هذا الوجه يزول التكذيب، ويقضى بشهادتهما.
وفي (نوادر بشر) عن أبي يوسف رحمه الله: رجل ادعى على رجل ألف درهم، فشهد له شاهد بألف درهم، وشهد آخر بألف وخمسمئة فالقاضي يسأل المدعي: أكان لك عليه في الابتداء ألف وخمسمئة واستوفيت خمسمئة، أو أبرأته عن خمسمئة أو لم يكن لك عليه من الابتداء ألف درهم؟ ويبنى الحكم على قوله، وعلى هذا إذا شهد أحدهما بمئة وخمسين، إن كان المدعي يدعي مئة لا تقبل الشهادة أصلًا، وإن كان يدعي مئة وخمسين تقبل الشهادة على مئة، وأما إذا شهد أحدهما بألف والآخر بألفين، أو شهد أحدهما بمئة والآخر بمئتين، والمدعي يدعي أكثر المالين لا تقبل الشهادة عند أبي حنيفة رحمه الله أصلًا، وعندهما تقبل على الأول وهو الألف، وإذا شهد أحدهما بتطليقة والآخر بتطليقتين فهو على هذا الخلاف أيضًا.
فوجه قولهم: أنهما اتفقا على الأقل لأن الذي شهد بالألفين وبالمئتين وبالتطليقتين شاهد بالألف وبالمئة وبالطلقة، لأن في الألفين ألف وفي المئتين مئة وفي الطلقتين طلقة لا محالة، فهو معنى قولنا: اتفقا على الأقل فتقبل الشهادة على الأقل كما في المسائل المتقدمة، وكما في تطليقة ونصف تطليقة، أو تطليقة وتطليقة، ولأبي حنيفة أنهما اختلفا لفظًا ومعنى، أما لفظًا فظاهر؛ لأن لفظ الألفين غير لفظ الألف، فكذا لفظ المئتين غير لفظ المئة، وأما معنى؛ فإن ما يراد بالمثنى غير ما يراد بالواحد، وإذا ثبت الاختلاف لفظًا ومعنى لا يثبت واحد منهما، إذ ليس في كل واحد منهما إلا شاهد واحد، وقوله: بأن الألف في الألفين والمئة في المئتين قلنا: نعم إذا ثبت الألفان والمئتان ولم يثبت هاهنا، لأنه لم يقم عليه إلا شاهد واحد، ولو شهد أحدهما بخمسة وعشرين وشهد الآخر بعشرين، والمدعي يدعي خمسة وعشرين، تقبل الشهادة على عشرين.
فرق أبو حنيفة رحمه الله بين هذا وبينما إذا شهد أحدهما بخمسة عشر والآخر بعشرة والمدعي يدعي خمسة عشر، حيث لا تقبل الشهادة عنده أصلًا، والفرق أن خمسة عشر اسم واحد، وإنه غير العشرة لفظًا ومعنى، فلم يتفقا على أقل المالين لفظًا ومعنى، فأما الخمسة والعشرون فاسمان مختلفان، ألا ترى كيف عطف أحدهما على الآخر، والعطف يقتضي المغايرة، فاتفقا على أقل المالين، فجاز أن يقضي بشهادتهما بالأقل.
وإذا شهد شاهدان لرجل على رجل بألف درهم إلا أن أحدهما قال: إنه سود، وقال الآخر: بيض، وللبيض فضل على السود، فإن كان المدعي يدعي السود لا تقبل شهادتهما أصلًا، لأنه ادعى أقل المالين فصار مكذبًا الشاهد الذي شهد بالبيض، فلا تقبل شهادتهما إلا أن يوفق المدعي فيقول: كان لي عليه بيض كما شهد به هذا الشاهد إلا أني أبرأته عن صفة الجودة، وعلم به ذلك الشاهد ولم يعلم به هذا الشاهد، فإذا وفق على هذا الوجه تقبل شهادتهما على السود لأنه زال التكذيب، وإن كان يدعي البيض تقبل شهادتهما على السود؛ لأنهما اتفقا على الأقل لفظًا ومعنى، ولم يصر المدعي مكذبًا أحدهما، فلابد من قبول شهادتهما على ما اتفقا عليه.
وكذلك هذا الحكم في جميع المواضع في الجنس الواحد إذا اتفقا على قدر أو وصف، واختلفا فيما زاد على ذلك تقبل الشهادة فيما اتفقا عليه إن ادعى المدعي أفضلهما، وإن ادعى أقلهما لا تقبل شهادتهما إذا اختلفا، كيف ما اختلفا، بأن شهد أحدهما مثلًا على كر حنطة والآخر على كر شعير؛ لأن الشعير غير الحنطة، فلم يتفقا على شيء واحد، إنما على الحنطة شاهد واحد وعلى الشعير كذلك، ولا يقضى بشهادة الفرد في موضع ما.
وإذا شهد أحدهما بتطليقة بائنة، وشهد الآخر بثلاث تطليقات، فهي تطليقة واحدة يملك الرجعة عندهما، لأن الشاهدين اتفقا على تطليقة واحدة فيثبت ما اتفقا عليه، ثم اختلفا في صفة هذه التطليقة، شهد شاهد الثلاثة بهذه الطلقة خالية عن صفة البينونة؛ لأن صريح الطلاق لا يفيد البينونة للحال، وإذا أوجد الثلاث فالبينونة مضافة الى الطلقة الأخيرة، ولم يقض بالطلقة الأخيرة بعد، والشاهد الآخر شهد بكونها بائنة، فقد شهدا بأصل هذه الطلقة، وتفرد أحدهما بصفة البينونة فلم تثبت صفة البينونة، وصريح الطلاق العاري عن صفة البينونة يكون رجعيًا.
ولو شهد ثلاثة، شهد أحدهم بتطليقة واحدة، وشهد آخر بتطليقتين، وشهد آخر بثلاث تطليقات، وقد دخل بها فهي طالق ثلاثًا، لأن الشاهد بالثلاث والشاهد بالطلقتين اتفقا على الطلقتين، فيقضى بوقوع ما اتفقا عليه، فيقع تطليقتان بقي الشاهد بالثلاث شاهدًا بتطليقة أخرى، وقد انضم إلى شهادته شهادة الذي شهد أولًا بتطليقة، فتقع هذه الطلقة بشهادتهما أيضًا فتقع ثلاث تطليقات لهذا، وإن كان لم يدخل بها تقع تطليقتان، لأنا لمّا قضينا بوقوع التطليقتين فقد بانت منه، ولا يتصور وقوع تطليقة أخرى بعد ذلك، فلهذا قال: تقع تطليقتان.
قال في كتاب (الأقضية): وإذا شهد شاهدان على إقرار رجل بدين أو قتل أو براءة من مال أو كفالة بمال أو بنفس، أو حوالة أو ما أشبه ذلك واختلفا في الساعات والأيام والشهور والسنين والبلدان، فالشهادة مقبولة فلا يضرهما هذا الاختلاف.
يجب أن يعلم بأن الشاهدين إذا اتفقا على المشهود به، لكنهما اختلفا في الزمان والمكان، فإن كان المشهود به فعلًا لا تقبل شهادتهما؛ لأن الفعل في زمان أو مكان غير الفعل في زمان ومكان آخر، فقد اختلف المشهود به، واختلافهما في المشهود به يمنع القضاء بشهادتهما، وإن كان المشهود به قولًا فإن كان قولًا يستغني صحته عن الفعل نحو الإقرار وما أشبهه فإن كان هذا القول مما كان صيغته الإنشاء والإقرار فيه واحد كالبيع والطلاق، فإنه يقول في الإنشاء: بعت وطلقت وكذلك في الإقرار تقول: طلقت وبعت فإذا اختلفا في الزمان والمكان فيه لا يمنع ذلك قبول شهادتهما؛ لأن الإقرار يعاد ويكرر وكان الثاني عين الأول فلم يختلف المشهود به باختلاف المكان أو الزمان، وكذلك في البيع والطلاق وما أشبهه، لأن الثاني يكون إقرارًا بما سبق منه من الإنشاء والمقرّ به ليس غير الأول فأمكن القضاء به بشهادتهما، فأما إذا كانت صيغة الإنشاء والإقرار به مختلفًا، نحو القذف فإنه يقول في إنشاء القذف: يا زاني، وفي الإقرار يقول: قذفت فلانًا بالزنا، فإذا اختلف الشاهدان في الزمان أو المكان فيه لا تقبل شهادتهما عند أبي يوسف ومحمد لما تبين.
وإن كان المشهود به قولًا كان الفعل شرطًا لصحته كالنكاح، فإنه قول ولكن حضور الشاهدين شرط صحته، وإنه فعل، فإذا اختلف الشاهدان في الأوقات والأماكن فيه، لا يقضي بشهادتهما، لأنه لما لم يتصور وجود النكاح الصحيح إلا بوجود الفعل كان اختلافهما في الزمان والمكان فيه نظير اختلافهما في الزمان والمكان، فيما إذا كان المشهود به فعلًا؛ وقد ذكرنا ثمة أنه لا يجوز القضاء بشهادتهما كذا هاهنا.
وإن كان المشهود به فعلًا واختلفا في آلة ذلك الفعل، بأن شهدا بالقتل، غير أن أحدهما شهد بالقتل بالعصا، وشهد الآخر بالقتل بالسيف لا تقبل شهادتهما، لأن المشهود به مختلف، فالقتل بالعصا غير القتل بالسيف حقيقةً وحكمًا، واختلافهما في المشهود به يمنع القضاء بشهادتهما.
إذا ثبت هذا جئنا إلى تخريج المسألة فنقول: إذا شهد شاهدان على إقرار الرجل بدين أو قتل أو براءة من مال أو كفالة بمال أو بنفس وأمثالها، واختلفا في الساعات والأيام والشهور والسنين والبلدان، تقبل شهادتهما؛ لأن الإقرار مما يعاد ويكرر، ويكون الثاني عين الأول، فلم يختلف المشهود به فتقبل شهادتهما، وكذلك إذا شهدا بالبيع واختلفا في الزمان والمكان، قبلت شهادتهما لما ذكرنا، وكذلك إذا شهد أحدهما بالبيع والآخر على الإقرار بالبيع تقبل؛ لأن لفظ الإقرار والإنشاء في البيع سواء، لأنه يقول في الإنشاء: بعت، وكذلك يقول في الإقرار: بعت فلم يختلف المشهود به، فلا يمنع ذلك صحة الشهادة والقضاء بها.
وفي (المنتقى): إذا شهد شاهدان على الإقرار بالمال، واختلفا في المكان والأيام إنَّ على قول أبي حنيفة رحمه الله الشهادة مقبولة، قال أبو يوسف رحمه الله: (هذا) قياس، لكني أستحسن فأبطل الشهادة بالتهمة ولكثرة الشهادات بالزور، فإن قيل: أليس أن القرض فعل؛ لأنه إنما يتم الإقراض ويجب عليه ضمانه بالقبض، فصار كما لو شهد أحدهما على الفعل والآخر على الإقرار به، وثمة لا تقبل؟ قلنا: ليس كذلك بل القرض قول؛ لأن المستقرض إنما يصير مملوكًا للمستقرض، ويباح له التصرف بالقول وهو قوله: أقرضت، فإن المقرض وإن سلم إليه الدراهم وقبض لا يصير مضمونًا عليه ولا يملك التصرف فيه ما لم يقل أقرضت، فعرفنا أن الإقراض قول، وصيغة الإنشاء والإقرار فيه سواء، لأنه يقول في الإقرار: استقرضت، كما يقول في الإنشاء، فلم يكن المشهود به مختلفًا فلا يمنع قبول الشهادة.
قال محمد رحمه الله في كتاب الرهن: وإذا شهد شاهدان على الرهن ومعاينة القبض، واختلتفا في الزمان أو في المكان، فاعلم بأنه وقع في بعض رهن (الأصل) أن الشهادة مقبولة ولم يذكر فيه خلافًا ووقع في بعضها أن على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تقبل هذه الشهادة، وعلى قول محمد رحمه الله لا تقبل، وذكر في شهادات (الأصل): أن هذه الشهادة لا تقبل عند محمد رحمه الله، وهو القياس وعلى هذا الاختلاف، الهبة والصدقة والقبض في البيع الفاسد.
وإن شهدا على الإقرار بالقبض واختلفا في الزمان والمكان، تقبل الشهادة بلا خلاف، حجة محمد رحمه الله ظاهر أن هذه شهادة قامت على الفعل وهو القبض، فاختلاف الشهود في المكان والزمان يمنع قبولها قياسًا على القتل والغصب، بخلاف ما إذا شهدا على الإقرار بالقبض لأن هناك الشهادة قامت على القول وهو الإقرار ولهما طريقان، أحدهما: يخص مسألة الرهن، والثاني: يعم المسائل.
أما الذي يخص الرهن؛ لأن الشهادة قامت على ما يعاد ويكرر فاختلاف الشهود من حيث الزمان والمكان لا يمنع قبولها قياسًا على ما لو قامت على القول، بيانه: أن القبض في باب الرهن مما يعاد ويكرر في زمن واحد، فإن المرتهن قد يعدّ الرهن من الراهن، أو يغصب منه الراهن، ويبقى الرهن على حاله، فيعيد المرتهن القبض مرة أخرى، ويكون القبض الثاني عين الأول من حيث الحكم؛ لأنه لا يعيد من الحكم، وهو الضمان إلا ما أوجبه القبض الأول حتى إذا كان بقيمة الرهن وفاء بالدين وقت القبض الثاني إذا هلك يهلك بالدين، وكذلك إذا لم يكن بقيمته وفاء وقت القبض الأول وصار بقيمتها وفاء وقت القبض الثاني، إذا هلك يعتبر قيمته يوم القبض الأول، فكان كالقول من هذا الوجه بخلاف القتل، فإنه لا يتكرر في شخص واحد والغصب إن كان يتكرر، إلا أن الثاني غير الأول حقيقة وحكمًا؛ لأنه لا يفيد حكمًا آخر غير الأول، ألا ترى أنه لو ازداد قيمته بعد الغصب الأول فإنه يضمن الزيادة بالغصب الثاني وهاهنا بخلافه، ولكن هذه الطريقة لا تخرج عليها الهبة والصدقة، فإن القبض الأول أفاد الملك، والثاني لا يفيد الملك.
والطريقة الثانية: أن القبض وإن كان فعلًا من حيث الحقيقة فهو قول حكمًا؛ لأن القبض في هذه العقود إنما يفيد حكمه باعتبار العقد المتقدم، فإن العقد المتقدم إذا كان هبة أو صدقة أفاد القبض الملك وإذا كان رهنًا صار مضمونًا بأقل من قيمته ومن الدين، وإنما تثبت هذه الأحكام بالقبض بسبب العقد المتقدم، لولا العقد المتقدم لصار غاصبًا بهذا القبض، فكان الفعل في هذه المسائل تبعًا للعقد؛ لأن ما يبنى على الشيء يكون تبعًا له، وحكم البيع حكم المبيوع فيصير في حكم القول من هذا الوجه، بخلاف القتل والغصب لأن ثبوت حكمهما ما كان باعتبار القول، حتى يجعل في حكم القول تبعًا للقول.
قال في كتاب الطلاق: إذا شهد أحد الشاهدين أنه طلقها يوم الخميس واحدة، وشهد الآخر أنه طلقها يوم الجمعة واحدة، أو شهد أحدهما أنه طلقها واحدة في رمضان، وشهد آخر أنه طلقها في شوال، تقبل هذه الشهادة؛ لأن الطلاق قول، والقول مما يعاد ويكرر، وصيغة الإنشاء والإقرار فيه واحد، فيكون الثاني عين الأول، فلم يوجب اختلافهما في الزمان اختلاف المشهود به، فلا يمنع ذلك قبول شهادتهما.
ولو شهد أحدهما أنه طلق امرأته يوم النحر بمكة، وشهد الآخر أنه طلقها في يوم النحر من ذلك العام بكوفة، لا تقبل شهادتهما لا لاختلاف المكان فقد ذكرنا أنه لا يمنع قبول الشهادة في الطلاق، ولكن لأن القاضي قد تيقن (كذب) أحد الفريقين، فإن الشخص الواحد لا يكون بمكة وكوفة في يوم واحد على مجرى العادة.
ولو شهدا على يومين متفرقين، وبينهما قدر سير الراكب من كوفة إلى مكة قبلت شهادتهما لجواز أن يكون في هذين اليومين في كلا الموضعين، فلم يبق إلا اختلاف الشهود في المكان، وإنه لا يمنع قبول الشهادة في الأقوال كما قررنا، وصار هذا كما إذا قال أحدهما: طلقها في يوم الجمعة في داره، وقال الآخر: طلقها في هذا اليوم في بيته فإنه يقبل هذه الشهادة لما ذكرنا، كذا هذا.
قال في (الأصل): وإذا شهد أحد الشاهدين أنه تزوج فلانة يوم الجمعة، وشهد الآخر أنه تزوجها يوم الخميس لا تقبل هذه الشهادة، وكذلك إذا اختلفا في المكان أو في الإنشاء والإقرار، لأن النكاح وإن كان قولًا إلا أنه يتضمن فعلًا وهو إحضار الشهود، فكان بمنزلة الفعل من حيث إنه لا صحة له بالفعل، واختلاف الشهود في المكان والزمان والإنشاء والإقرار في الأفعال يمنع قبول الشهادة.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن أبي يوسف في شاهدين قال أحدهما: أشهدني هذا منذ عشرين سنة أنه زوجه أمته هذه، وشهد الآخر أنه أشهدني منذ أحد عشر سنة أنه زوجه أمته هذه، فالشهادة باطلة إذا لم يشهد على العقد رجلان.
وإن قال: أشهدني منذ عشرين سنة ومعي غيري، وقال الآخر: أشهدني منذ أحد عشر سنة ومعي غيري فالشهادة جائزة.
وقد ذكر في المسألة المتقدمة وهي مسألة (الأصل): أن الشاهدين إذا اختلفا في النكاح في الأيام لا تقبل شهادتهما، ولم يفصل الجواب فيها على هذا التفصيل وهاهنا فصل، فإن كانت تلك الرواية محمولة على هذا التفصيل، فليس بينهما اختلاف، وإن كانت مطلقة من غير تفصيل كان فيه اختلاف الروايتين.
فوجه هذه الرواية: أنه إذا قال كل واحد منهما: ومعي غيري، فقد شهدا بنكاح صحيح عُلِمَ، إلا اختلافهما في الأزمان، والنكاح قول واختلاف الشهود في الزمان في الأقوال لا يمنع قبول الشهادة، كما إذا شهدا بالبيع واختلفا في الزمان، بخلاف ما إذا لم يقولا: كان معنا غيرنا؛ لأنه لما ثبت حضرة غيرهما فقد شهد كل واحد منهما على نكاح لم يحضره إلا واحد، وإنه فاسد، والقاضي لا يقضي بالنكاح الفاسد فلا يسمع البينة عليه، فلهذا لا تقبل شهادتهما.
وجه رواية (الأصل): أن النكاح إن كان قولًا ولكن شرط صحته بالفعل، وهو حضرة الشهود، فمنع الاختلاف فيه قبول الشهادة، كما لو شهدا بالفعل كالغصب ونحوه، واختلفا في الزمان، وهذا لأن اختلافهما في الزمان في الفعل إنما منع قبول الشهادة؛ لأنه يوجب اختلاف المشهود به؛ لأن الفعل لا يعاد ولا يكرر، فكان الموجود في الزمان الثاني غير الموجود في الزمان الأول، بخلاف القول فإنه يعاد ويكرر، فكان الموجود في الزمان الثاني غير الأول، فلم يختلف المشهود به، فإذا كان قولًا شرط صحته الفعل، ولا وجود له على صفة الصحة بدون ذلك الفعل يصير مختلفًا لاختلاف الفعل ضرورة، فاختلاف الزمان يوجب اختلاف الفعل، فوجب اختلاف هذا القول فاختلف المشهود به، فلا تقبل شهادتهما.
قال في كتاب الحدود: إذا شهد أحد الشاهدين على القذف، والآخر على الإقرار بالقذف لا تقبل الشهادة وهذا بلا خلاف.
ولو اتفقا على القذف واختلفا في الزمان أو المكان، قال أبو حنيفة رحمه الله: تقبل هذه الشهادة ويقضي على القاذف بالحد، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: لا تقبل هذه الشهادة، فوجه قولهما: أن المشهود به إن كان متَّحدًا باعتبار الإعادة والتكرار لأن المشهود به كلام، والكلام مما يعاد ويكرر، ويكون الثاني غير الأول فهو مختلف من حيث الحقيقة، لأن تكلمه بالقذف يوم الجمعة غير تكلمه بالقذف يوم السبت حقيقة، فباعتبار الحقيقة تثبت شبهة البينة في المشهود به، والشبهة في باب الحد كالحقيقة.
والدليل عليه أنه لو شهد أحدهما بالقذف بالعربية، وشهد الآخر بالقذف بالفارسية لا تقبل الشهادة وإن اتحد المشهود به من حيث المعنى باعتبار الإعادة والتكرار في الكلام، لأن الكلام قد يكون بلغتين مختلفتين ويراد بالثاني عين الأول إلا أنهما اختلفا من حيث الحقيقة، فتثبت شبهة البينة باعتبار الحقيقة، والدليل عليه أنه إذا شهد أحدهما بالإقرار والآخر بالإنشاء لا تقبل الشهادة، وإن اتحد المشهود به باعتبار المعنى كذا هاهنا، وأبو حنيفة رحمه الله يقول: بأن في حد القذف حق الله تعالى، وحق العبد، وشبهة البينة لا تمنع القضاء بما هو خالص حق العبد متى يثبت الاتحاد من حيث المعنى، كما في الطلاق والعتاق والبيع ويمنع القضاء بما هو خالص حق الله تعالى من الحدود، فيوفر على الشبهين حظهما، فنقول: متى ثبت الاتحاد في المشهود به من وجهين وثبتت البينة من وجه واحد، فإنه يجب القضاء عملًا بحق العبد، ومتى ثبتت البينة في المشهود به من وجهين، وثبت الاتحاد من وجه واحد، فإنه لا يجب القضاء عملًا بحق الله تعالى، وفيما تنازعنا فيه الاتحاد في المشهود به ثابت، من وجهين من حيث المعنى باعتبار الإعادة والتكرار باعتبار اللفظ والصيغة، وهو كلمة القذف، فانه قال في الوقتين جميعًا: يا زاني وإنها تثبت البينة من وجه واحد من حيث الحقيقة، فإن تكلمه يوم الجمعة بهذه الكلمة غير تكلمه بها يوم السبت، وبثبوت البينة من وجه لا يمنع القضاء لما فيه من حق العبد، فأما في الفارسية غير تكلمه بالعربية، فإنما ثبت الاتحاد من وجه واحد باعتبار الإعادة والتكرار، فيرجح جانب البينة فامتنع القضاء بحق الله تعالى؛ لأن معظم الحق في هذا الحد لله تعالى، فكذلك في الإنشاء والإقرار البينة تثبت من وجهين: من حيث التكلم ومن حيث اللفظ، فإن كلمة الإنشاء في القذف غير كلمة الإقرار في الإنشاء، تقول: زنيت، أنت زان، وفي الإقرار تقول: قذفته بالزنا، ففيما قال أبو حنيفة في حد القذف عمل بالشبهين لحق الله تعالى وحق العبد بقدر الإمكان، وهما أسقطا باعتبار حق العبد في باب القذف عند اختلاف الشاهدين في الشهادة أصلًا وألحقاه بالحدود الخالصة لله تعالى، ومهما أمكن العمل بالحجتين في المواضع لا يجوز تعطيل أحدهما، فكان ما قاله أبو حنيفة رحمه الله أولى من هذا الوجه.
وإذا شهد أحد الشاهدين على القتل، والآخر على إقرار القاتل بالقتل، لا تقبل هذه الشهادة؛ لأن القتل فعل والإقرار قول، والقول غير الفعل فاختلف المشهود به، وكذلك لو اتفقا على القتل، واختلفا في المكان أو الزمان لا تقبل الشهادة؛ لأن المشهود به قد اختلف، لأن الفعل الثاني غير الفعل الأول حقيقةً وحكمًا أما حقيقةً فظاهر؛ لأن الأول حركات مضت، والثاني حركات يحدثها الآن وأما حكمًا؛ فلأنه لا يمكن أن يجعل الثاني إخبارًا عن الأول حتى يصير تكرارًا للأول وإعادة له؛ لأن الإخبار عن الفعل بالفعل لا يكون، فكان الثاني فعلًا آخر غير الأول حقيقةً وحكمًا.
وكذلك كل ما يكون من باب الفعل نحو السحر وغير ذلك فاختلاف الشهود في الإنشاء والإقرار وفي الزمان أو في المكان يمنع قبول الشهادة.
وكذلك إذا اختلفا في الآلة التي كان بها القتل، بأن شهد أحدهما أنه قتله بحجر، وقال الآخر: قتله بعصا كبيرة، أو شهد أحدهما أنه قتله بحجر وقال الآخر: قتله بيده، لا تقبل الشهادة؛ لأن المشهود به قد اختلف، لأن القتل يختلف باختلاف الآلة، ولأن القتل الواحد لا يتصور بآلتين كما لا يتصور في زمانين أو في مكانين.
وكذلك إذا شهد أحدهما أنه قتله عمدًا وشهد الآخر أنه قتله خطأً لا تقبل شهادتهما، لأن المشهود به مختلف؛ لأن العمد غير الخطأ وحكمهما مختلف، وإن قال أحدهما: قتله بالسيف، وقال الآخر: لا أحفظ الذي كان به القتل لا تقبل شهادتهما؛ لأن الذي قال: لا أحفظ أقر على نفسه بالغفلة والنسيان، وإنه يبطل الشهادة، وفي كتاب الإجارة كل شهادة اختلف فيه الشاهدان في المكان، ويبنى على فعل فإنها لا تقبل إلا مسألة واحدة.
وذكرها داود بن رشيد عن محمد، صورتها: ذمي شهد عليه شاهد أنه رآه يصلي في مسجد بني راس شهرًا، وشهد آخر أنه يصلي في مسجد بني عامر شهرًا، أو شهد أحد أنه: رأيته يصلي بالكوفة، وقال الآخر: رأيته يصلي بالشام، فإني أجيز شهادتهما وأجبره على الإسلام ولكن لا أقتله.
قال محمد رحمه الله في (المأذون الكبير): وإذا لحق العبد دين فقال المولى: عبدي محجور عليه، وقال الغريم: هو مأذون، فالقول قول المولى: فإن جاء الغريم بشاهدين، شهد أحدهما أن المولى أذن له في شراء البر، وقال الآخر: إنه أذن له في شراء الطعام فشهادتهما جائزة، وكذلك لو شهد أحدهما أن المولى قال له: اشتر البر وبع، وشهد الآخر أن المولى قال له: اشتر الطعام وبع، تقبل الشهادة لأنهما اتفقا على ما يوجب الإذن وهو قول المولى: اشتر وبع، واختلفا فيما لا يحتاج إليه لصحة الإذن فيثبت بشهادتهما ما اتفقا عليه.
يوضحه: وهو أن قوله: اشتر البّر وبع، إذن في جميع التجارات، فكل واحد منهما كان شاهدًا بالإذن في عموم التجارات معنى، فتثبت الموافقة بينهما، ولو شهد أحدهما أنه أذن له في شراء البر، وشهد الآخر أنه رآه يبيع ويشتري فسكت لا تقبل شهادتهما؛ فلا يثبت الإذن؛ لأنهما شهدا بأمرين مختلفين، شهد أحدهما على القول، وشهد الآخر على الفعل، ولو شهد أحدهما أن المولى رآه يشتري البر ويبيع ولم ينهه عن ذلك، وشهد الآخر أنه رآه يشتري الطعام ولم ينهه عن ذلك، لا تقبل الشهادة، واختلفت عبارة المشايخ في تخريج المسألة، فعبارة بعضهم أن كل واحد منهما شهد بفعل غير الفعل الذي شهد به صاحبه، ولم يثبت كل واحد منهما لعدم الحجة فلا يثبت الإذن بخلاف ما إذا شهد أحدهما أنه أذن له في شراء البر وشهد الآخر أنه أذن له في شراء الطعام؛ لأن هناك انعقد على شيء واحد وهو قول المولى: اشتر وبع، وعبارة بعضهم أن الإذن هنا إنما يثبت بالرؤية وترك النهي، والرؤية لا تتحقق بدون المرئي ولم يكن إثبات المرئي هنا؛ لأن المرئي شراء البر وشراء الطعام، وليس على كل واحد من الشرائين إلا شاهد واحد، وإذا لم يمكن إثبات المرئي وهو الشراء لم يثبت الإذن بخلاف تلك المسألة؛ لأن هناك الإذن يثبت بقول المولى: أذنت له أو بقوله: اشتر وبع وقد أمكن إثبات ذلك؛ لأن الشاهدين اتفقا عليه.
قال في كتاب السرقة: إذا شهد شاهدان على رجل بسرقة بقرة، واختلفا في لونها، فقال أحدهما: هي بيضاء وقال الآخر: هي سوداء، قال أبو حنيفة رحمه الله: تقبل شهادتهما، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: لا تقبل شهادتهما، وذكر الكرخي في كتابه هذا الاختلاف في لونين متشابهين كالحمرة والصفرة، وفي لونين لا يتشابهان، ذكر أن الشهادة لا تقبل إجماعًا، والأصح أن الخلاف في كل واحد.
فوجه قولهما: أن المشهود به قد اختلف من حيث الحقيقة على وجه لا يمكن التوفيق، فلاتقبل الشهادة، كما لو شهد أحدهما أنه سرق بقرة وشهد الآخر أنه سرق ثورًا أو شهد أنه سرق بقرة وشهد الآخر أنه سرق حمارًا، والدليل عليه إذا شهدا بالغصب واختلفا في لون البقرة فإنه لا تقبل الشهادة، مع أن الدعوى هناك في الضمان، والضمان لا يندرئ بالشبهات؛ فلأن لا تقبل الشهادة على السرقة، وقد تعلق بها ما يندرئ بالشبهات أولى.
وأبو حنيفة رحمه الله يقول: اختلفا فيما لم يكلفا نقله؛ لأن بيان لون البقرة هاهنا ليس من صلب الشهادة حتى لو سكتا عن بيانه فالقاضي لا يكلفهما ذلك ويقضي بشهادتهما، والتوفيق ممكن هنا بأن كان إحدى شقيها بيضاء والأخرى سوداء قلنا: والاختلاف فيما لم يكلف الشاهد نقله إذا أمكن التوفيق لا يمنع قبول الشهادة، فإن قيل: التوفيق على هذا الوجه غير ممكن، لأن تلك البقرة تسمى بلقاء ولا تسمى سوداء ولا بيضاء، قلنا تلك البقرة إنما سمي في حق من يعرف قيام كلا اللونين، أما في حق من لم يعرف إلا قيام لون واحد فهو على ذلك اللون عنده، وتسميتها بذلك اللون، وشهود السرقة لا يمكنهم أن يقربوا من السارق ليتأملوا كل جانب من البقرة، إنما ينظرون من بعيد فلا يمكنهم الوقوف على قيام اللونين بخلاف الغصب، لأن الغصب يقع جهارًا، فيمكن للشاهد أن يقرب من الغاصب فيتأمل جميع ألوان المغصوب، فلا يشتغل بالتوفيق في حقه، وبخلاف ما إذا اختلفا في البقرة والحمار؛ لأن ذلك اختلاف فيما كلفا نقله، وبخلاف الاختلاف في صفة الذكورة والأنوثة، لأن التوفيق هناك غير ممكن لأن الحيوان لا يجتمع فيه صفة الذكورة والأنوثة، وشيء من صفات العين لا تدل على ذلك حتى يصح الاستدلال عليه من بعيد فلا يحل له البيان، فالاشتعال بالبيان يدل على أنه قرب من البقرة، وعند القرب لا يقع الاشتباه فلا يشتغل بالتوفيق.
فإن قيل: الاشتغال بالتوفيق بين كلام الشاهدين احتيال لإيجاب الحد وهو القطع، والحد مما يحتال لدرئه.
قلنا: الشهادة حجة من حجج الشرع والأصل في حجج الشرع قبولها لا ردها، فالاشتغال بالتوفيق لصيانة الحجة عن الإبطال لا لإيجاب الحد، ثم إذا وقعنا وقبلت الشهادة يجب الحد ضرورة لا قصدًا.
ولو شهدا على رجل بسرقة ثوب وقال أحدهما: إنه هروي، وقال الآخر: إنه مَرَوي، ففيه اختلاف النسخ، ففي نسخ أبي سليمان ذكر هذه على الخلاف الذي ذكرنا في البقرة، وفي نسخ أبي حفص ذكر أن الشهادة لا تقبل عندهم، وأبو حنيفة يحتاج إلى الفرق بين المسألتين على ما ذكر في نسخ أبي حفص.
والفرق: وهو الهروي والمروي جنسان مختلفان، والشهود كلفوا قبل بيان الجنس، فقد اختلفوا فيما كلفوا نقله، فلا تقبل شهادتهم، فأما لم يكلفوا نقل لون البقرة فذاك اختلاف فيما لم يكلفوا نقله.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد رحمهما الله: إذا شهد شاهد على رجل أنه أقر أن لهذا المدعي عليه ألف درهم من قرض، وشهد الآخر أنه أقر أن هذا المدعي أودعه ألف درهم، قال: هذا جائز، ومعنى المسألة أن المدعي يدعي عليه ألف درهم دينًا مطلقًا من غير أن يتعرض بسبب، فأما إذا ادعى أحد السببين فقد كذب أحد شاهديه، فلا تقبل شهادتهما، ودلت هذه المسألة أن المدعي إذا ادعى الدين مطلقًا وشهد له الشهود بالسبب أن الشهادة تقبل، فرق بين هذه المسألة وبينما إذا لم يشهد الشهود على إقراره، ولكن شهد أحدهما أن لهذا المدعي عليه ألف درهم من قرض، وشهد الآخر أن لهذا المدعي عنده ألف درهم وديعة أنه لا تقبل شهادتهما.
ووجه الفرق: أن الشهادة على الإقرار إذا قبلت صار المشهود به كالمعاين، فصار كأنه أقر، ثم في الإقرار الاختلاف في السبب لا يمنع وجوب المال حتى إذا قال المقر: إن له علي ألف درهم من قرض، وقال الطالب: لا، بل من بيع لا يكون هذا الاختلاف مانعًا من وجوب المال، ولم يكن ذلك تكذيبًا للمقر، فأما اختلاف السبب في الشهادة مانع قبول الشهادة.
والفرق: أن الشهادة لا تكون ملزمة بنفسها فلا تكون لها صحة إلا عند اتصال القضاء بها، فلابد للقضاء بالمال من سبب، لأن الحكم لا يمكن إثباته إلا بسبب، ومع اختلافهما في السبب لا يمكن القضاء به، فأما الإقرار حجة ملزمة فلا حاجة فيه إلى إثبات السبب إنما الحاجة إلى إثبات الحكم، وقد ثبت الحكم بشهادتهما على الإقرار به فقد حصل المقصود فلا يلتفت إلى السبب بعد ذلك.
قال: ألا ترى أن أحدهما لو شهد أن الكساء الذي عليه للمدعي اغتصبه منه، وشهد الآخر أنه أقر أنه أودعه إياه والمدعى عليه يجحد أن الكساء للمدعي يقضي به للمدعي؛ لأن المقصود إثبات ذلك الكساء للمدعي، وقد ثبت ذلك بشهادتهما فاختلافهما فيما سوى ذلك لا يضره.
قال في كتاب الإجارات: رجل ادعى على رجل أنه أجر عبده، وجحد رب العبد، فأقام المستأجر شاهدين شهد أحدهما أنه استأجره بخمسة، وهو يدعي أربعة أو خمسة، وشهد الآخر أنه استأجره بستة، فالشهادة باطلة إن ادعى أربعة، فلأنه كذب شاهديه، وإن ادعى خمسة فلأنه كذب أحد شاهديه، وهو الذي شهد بستة؛ ولأن حاجتهما إلى إثبات عقد الإجارة، وعقد الإجارة بخمسة غير عقد الإجارة بستة؛ لأن الأجر بدل عن المنفعة كالثمن في البياعات، وكما أن البيع يختلف باختلاف الثمن، فكذلك الإجارة تختلف باختلاف الأجر فاختلف المشهود به، وقد بينا أن اختلاف الشهود يمنع قبول الشهادة.
فإن ادعى المستأجر أنه يكاري دابة إلى بغداد بعشرة ليركبها ويحمل عليها، وأقام شاهدين شهد أحدهما: أنه تكاراها ليركبها بعشرة، وشهد الآخر أنه تكاراها ليركبها ويحمل عليها هذا المتاع المعروف بعشرة فالشهادة باطلة، لأن في شهادة أحدهما أن العشرة جميع بدل منفعة الركوب، وفي شهادة الآخر أن بعض العشرة بمقابلة منفعة الركوب؛ لأنه قابل العشرة بالركوب وحمل المتاع، فتوزع عليهما فاختلف شهادتهما في أجر الركوب، وقد ذكرنا أن اختلاف الشاهدين في الأجر يمنع قبول شهادتهما.
ولو شهد أحدهما أنه تكارى دابة بعينها بأجر مسمى إلى بغداد، وشهد الآخر أنه تكاراها ليحمل عليها حمولة معروفة إلى بغداد بعشرة دراهم، لا تقبل هذه الشهادة سواء ادعاها المستأجر أو رب الدابة، لأنه إذا لم يبين أحد الشاهدين أنه يركبها أو يحمل عليها، كانت هذه شهادة بإجارة فاسدة، لأنه إذا لم يبين جنس المعقود عليه فمنفعة الركوب غير منفعة الحمل، والضرر الذي يلحق الدابة يختلف، وجهالة المعقود عليه يوجب فساد الإجارة، وكذلك إذا شهد أحدهما أنه تكاراها ليركبها، وشهد الآخر أنه تكاراها ليحمل عليها، لأنهما اختلفا في المعقود عليه، واختلاف المعقود عليه يوجب اختلافًا في العقد، فيكون هذا اختلافًا في المشهود به، فلو ادعى أنه سلم ثوبًا إلى صباغ والصباغ يجحد وجاء بشاهدين شهد أحدهما أنه دفعه ليصبغه أحمر، وشهد الآخر أنه دفعه ليصبغه أصفر، فالشهادة باطلة لأنه اختلف المعقود عليه باختلاف الصبغ، واختلاف المعقود عليه يوجب اختلاف العقد، فاختلف المشهود به.
وكذلك اذا جحد رب الثوب وادعاها الصباغ؛ لأنه لما اختلف المشهود به لابد وأن يدعي أحدهما، وعند ذلك يصير مكذبًا شاهده الآخر فلا تقبل شهادة ذلك الشاهد للتكذيب، ولا يمكن القضاء بشهادة الفرد فلا يقضى لهما.
قال في كتاب الرهن: رجل ادعى رهنًا فشهد له شاهدان، شهد أحدهما أنه رهنه بمئة وشهد الآخر أنه رهنه بمئتين لا تقبل شهادته عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهم الله تقبل شهادتهما، فقد جعل حكم الاختلاف في الرهن حكم الاختلاف في الدين، وفرق بين الرهن وبين البيع، فإنه إذا شهد أحد الشاهدين على البيع بمئة وشهد الآخر على البيع بمئتين لا تقبل الشهادة بالاتفاق؛ لأن البيع يختلف باختلاف الثمن، ولم يجعل الرهن مختلفًا باختلاف الدين بل جعله اختلافًا في نفس الدين، وإنما كان كذلك لأن حكم الرهن ثبوت يد الاستيفاء بقدر الدين، فكان هذا اختلافًا في قدر الدين وفي مقدار ما صار مستوفيًا من الدين بالرهن، فيكون هذا على الاختلاف الذي ذكر، ولا كذلك فصل البيع.
وإن شهد أحدهما بكر حنطة والآخر بكر شعير فشهادتهما باطلة؛ لأن المشهود به مختلف، وإن شهد أحدهما أنه رهنه بمئة وخمسين، فإن ادعى المرتهن أقلهما لا تقبل الشهادة بالاتفاق، وإن ادعى أكثرهما قبلت شهادتهما على مئة لاتفاق الشاهدين على المئة، وكان العين رهنًا بمئة، وإن كانت قيمة الرهن مئة وخمسين، وقال المرتهن بعدما شهد الشاهدان على نحو ما بينا من اختلافهما فيه: لي عليه مئة وخمسون وهذا رهن بمئة، فالقول قول المرتهن؛ لأنه ينكر ثبوت يد الاستيفاء فيما زاد على المئة، فإن أقام الراهن بينة أنه رهنه بمئة وخمسين، وأقام المرتهن بينة أنه رهنه المئة، فالبينة بينة الراهن؛ لأنها تثبت زيادة في الاستيفاء، وإن اختلفا في قيمة الرهن بعدما هلك كله أو بعضه، فالقول قول المرتهن في قيمة الهالك مع يمينه، والبينة بينة الراهن.
قال في كتاب الحوالة: إذا شهد رجلان على رجل أنه كفل بألف درهم لفلان عن فلان، فقال أحدهما: إلى شهر كذا، وقال الآخر: حالة، وادعى الطالب الحلول، وجحد الكفيل ذلك كله أو أقر بالكفالة وادعى الأجل، فالمال حالّ في الوجهين، أما إذا أقر بالكفالة وادعى الأجل فلأن الأصل في المال الحلول، والأجل عارض، وليس عليه إلا شاهد واحد، وأما إذا جحد الكفيل ذلك كله، فلأن الشاهدين اتفقا على الألف، وتفرد أحدهما بالأجل فيثبت ما اتفقا عليه، ولا يثبت ما تفرد به أحدهما، وفي كتاب الحوالة أيضًا: إذا أقام شاهدًا واحدًا أن فلانًا أحاله على هذا بألف درهم، وأقام شاهدًا آخر أنه بمئة دينار لا تقبل شهادتهما، وإن شهد أحدهما بألف درهم وشهد الآخر بألف ومئة دينار، تقبل شهادتهما على الألف؛ لأنهما اتفقا على الألف لفظًا ومعنى وتفرد أحدهما بزيادة مئة دينار، وليس هذا نظير البيع؛ لأن البيع يختلف باختلاف الثمن، أما حوالة الدراهم لا تختلف بحوالة الدنانير لا نفسها ولا حكمها، فكان نظير الاختلاف في الدين المطلق، وتأويل المسألة إذا كان المدعي يدعي الدراهم والدنانير جملة، أما إذا كان يدعي الدراهم وحدها لا تقبل الشهادة، لأنه يصير مكذبًا الذي شهد له بالدنانير.
قال في (أدب القاضي) إذا طلب الشفيع الشفعة وأقام شاهدين، شهد أحدهما أنه اشترى بألف، وشهد الآخر أنه اشترى بألفين، والمشتري يقول: اشتريتها بثلاثة آلاف لا تقبل شهادتهما؛ لأن عقد الشراء بألف غير عقد الشراء بألفين، وكذلك لو شهد أحدهما بالشراء بألف درهم وشهد الآخر بمئة دينار لا تقبل الشهادة، وكذلك لو شهد أحدهما أنه اشترى من فلان، وشهد الآخر أنه اشترى من فلان آخر لا تقبل شهادتهما لأن الشراء من عمرو غير الشراء من زيد، وليس على كل واحد منهما إلا شاهد واحد.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد رحمهما الله: إذا شهد شاهد على رجل أنه أقر به أخذ هذا العبد من فلان، وشهد آخر أن هذا العبد لفلان لم يقض للمشهود له بشيء؛ لأنهما اختلفا.
بيانه: أن أحدهما شهد على الإقرار بالأخذ منه، وأنها شهادة على الإقرار بفعله، والآخر إنما شهد بالملك، وهو وصف في المحل وهما مختلفان، ولأن أحدهما شهد بالملك له والآخر لم يشهد بالملك له إنما شهد على أنه أخذه منه فكانت شهادة على قيام يده وأنها وصلت إليه من جهته، ولو ثبت ذلك يؤمر بالتسليم إليه من غير أن يقضى له بالملك، فلم يتفق الشاهدان لا على الملك ولا على الأخذ فلهذا لا يقضى للمشهود له بشيء.
ولو شهد أحدهما أنه أقر أنه أخذه منه، وشهد الآخر أنه أقر أنه أودعه إياه جازت شهادتهما، حتى يؤمر المدعى عليه برد العبد على المدعي؛ لأنهما أجمعا على إقراره أنه أخذه منه، لكن شهد أحدهما على إقراره بأخذ مفرد، وشهد الآخر على إقراره بالوديعة فوجب القضاء بما اتفقا عليه، وهو الأخذ من المدعي، وإذا ثبت يؤمر بالرد على المدعي ولكن لا يقضى له بالملك لعدم الحجة على الملك، وكذلك لو أن الذي شهد بالوديعة لم يشهد بالوديعة إنما شهد أنه أقر أنه دفعه إليه فلان، وفيما إذا شهد أحدهما أنه أقر أنه أخذه منه، وشهد الآخر أنه أقر أنه أودعه إياه.
نوع إشكال، لأن المشهود به في شهادة أحدهما الإقرار بالأخذ من المدعي، والمشهود به في شهادة الآخر الإقرار بالإيداع، والإقرار بالإيداع لا يكون إقرارًا بالأخذ منه، ألا ترى أن من قال لغيره: أخذت منك هذا العين وديعة وقال المقر له: لا بل غصبته مني غصبًا، إن القول قول المقر له، وهو ضامن للعبد إن هلك في يده؟ ولو قال: أودعتني هذا العبد، وقال المقر له: لا بل غصبته مني، فالقول قول المقر.
وما افترقا إلا باعتبار أنه في المسألة الأولى أقر بفعل نفسه، وهو الأخذ منه وادعى الإذن، وأنكر المالك الإذن فلم يثبت الإذن، وبقي إقراره بالأخذ، والأخذ إذا خلي عن الإذن كان سببًا للضمان، وفي المسألة الثانية لم يقر بفعل نفسه، وهو الأخذ، إنما أقر بفعل المالك وهو الإيداع فلم يكن مقرًا بسبب وجوب الضمان، فلا يجب عليه الضمان، فكذلك مسألتنا، الذي شهد على الإقرار بفعل المدعي وهو الإيداع لا بفعل ذي اليد، والذي شهد على الإقرار بالأخذ شهد على الإقرار بفعل ذي اليد وهو الأخذ، فينبغي أن لا يقضي بشهادتهما، وسيأتي بعد هذا مسألة أخرى بخلاف ما ذكر هاهنا، وكذلك لو شهد أحدهما أن صاحب اليد أقر أنه اغتصبه من هذا المدعي، وشهد الآخر أنه أقر أن هذا المدعي أودعه إياه، أو شهد الآخر أنه أقر أنه أخذه من هذا المدعي قبلت شهادتهما، وأُمر المدعى عليه بالرد على المدعي؛ لأنهما اتفقا على يد المدعي فيما مضى من الزمان، وعلى وصوله إلى المدعى عليه من جهة المدعي، فيقضي بما اتفقا عليه وهو وصول العين إلى المدعى عليه من جهة المدعي، وعند ذلك يؤمر بالرد عليه، ولكن لا يقضى بالملك للمدعي؛ لأن الشهود لم يشهدوا له بالملك، وبقي المدعى عليه لم يصر مقضيًا عليه بالملك إنما صار مقضيًا عليه بالأخذ من المدعي، وليس من ضرورة الأخذ منه أن يكون المأخوذ ملكًا للمأخوذ منه.
وذكر في (المنتقى) عين مسألة العبد ووضعها في الثوب، وذكر أنه إذا شهد أحد الشاهدين على إقرار صاحب اليد أنه غصبه من المدعي، وشهد الآخر على إقراره أن المدعي أودعه إياه، فزاد هاهنا زيادة على ما ذكر في مسألة العبد فقال: وقال المدعي: قد أقر بما قالا جميعًا ولكنه اغتصب مني، قال: قبلت الشهادة، وجعلت الذي في يديه الثوب مقرًا بملكه للمدعي، ولم أقبل منه بعد ذلك بينة على الثوب، يعني من صاحب اليد، وإنه بخلاف ما ذكر في مسألة العبد.
ووجه ذلك: أن الغصب يقع من الملاك، والإيداع يكون من الملاك بحكم الغالب، فكان الإقرار بالإيداع والغصب إقرارًا بملك المستودع والمغصوب منه من هذا الوجه، ثم قال: وإن شهد أحدهما على إقراره أنه اغتصبه من المدعي، وشهد الآخر على إقراره أنه أخذه، قضيت به للمدعي، وجعلت المدعى عليه على حجته من قبل، أن الإقرار منه بالأخذ ليس بإقرار بالملك، ثم قال: ولو شهد أحدهما على إقرار ذي اليد أنه أخذه منه هذا الثوب وشهد الآخر على إقراره أنه أودعه إياه وقال المدعي: قد أقر هو بما قالا، لكني أودعته منه، قال: لا تقبل هذه الشهادة، وعلَّل وقال: لأن هاهنا لم يجمعا على الإقرار بالملك ولا على الإقرار بالأخذ؛ لأن الذي شهد بالوديعة ما شهد بالأخذ، وما ذكر من الجواب والتعليل في مسألة العبد يخالف ما ذكر من الجواب والتعليل في مسألة الثوب؛ لأن في مسألة الثوب لم يجعل الإقرار بالإيداع إقرارًا بالأخذ، ولم تقبل هذه الشهادة، وفي مسألة العبد جعل الإقرار بالإيداع إقرارًا بالأخذ، وقبل الشهادة للرد على المدعي، فإن كان في المسألة روايتان فوجه الرواية التي قال فيها: لا تقبل هذه الشهادة، أن الشهادة على الإقرار بالإيداع ليست بشهادة على الإقرار بأخذه منه؛ لأن الإيداع يتحقق بدون أخذه على ما مر، فلم يقع الاتفاق منهما على شيء فلا تقبل شهادتهما.
وجه الرواية التي قال فيها: تقبل هذه الشهادة على الرد أن الأخذ بهذه الشهادة إن لم يثبت، فقد ثبت وصول العين إلى المدعى عليه من يد المدعي، وهذا القدر كاف للقضاء بالرد على المدعي، وإن لم يكن في المسألة روايتان فوجه الفرق بينهما، وبيان جهة التوفيق: أن موضوع مسألة الثوب: أن المدعي ادعى الإيداع، ودعوى الإيداع دعوى فعل نفسه فليس فيه دعوى الأخذ على المدعى عليه، فلا يمكن القضاء بالأخذ على المدعى عليه، إذ لا دعوى فيه.
موضوع مسألة العبد، أن المدعي ادعى الأخذ على المدعى عليه فكان مدعيًا الفعل عليه فليس في شهادة الإيداع ما ينافيه، وقد اتفقا على وصول العين إلى المدعى عليه من جهة المدعي فيمكن القضاء بها، يوضحه: أن الشهادة على الإيداع شهادة على وصول العين إلى يده فحسب من غير أن يكون منه فعل في العين يكون ذلك الفعل سببًا لوجوب الضمان عليه، ومتى ادعى الأخذ فقد ادعى وصوله الى يده بفعل ذلك الفعل سببًا لوجوب الضمان عليه، فكانت هذه شهادة بأقل مما ادعاه المدعي، فقبلت، فأما إذا ادعى الإيداع فهو لم يدع على المدعى عليه إلا مجرد وصول العبد إليه من غير أن يدعي عليه فعلًا، كان سببًا لوجوب الضمان، فإذا شهد على الإقرار بالأخذ، والأخذ سبب لوجوب الضمان، كانت هذه الشهادة بأفضل مما ادعاه المدعي، فلا تقبل، ولو شهد شاهد أن صاحب اليد أقر أنه لهذا المدعي، وشهد آخر أنه أقر أن المدعي أودعه منه تقبل هذه الشهادة، وقضى بالعين للمدعي، لما ذكرنا: أن الإقرار بالإيداع إقرار بالملك للمودع، فالشاهدان اتفقا على الإقرار بالملك للمدعي فتقبل شهادتهما.
ولو أن رجلًا ادعى على رجل أنه قتل وليَّه عمدًا وجاء بشاهدين، شهد أحدهما أنه قتله عمدًا بالسيف، وشهد الآخر أنه قتله عمدًا بالسكين لا تقبل هذه الشهادة؛ لأنهما اختلفا في آلة القتل وقد مرت هذه المسألة من قبل، وإنما أعادها ليذكر الفرق بينه، وبينما إذا شهد أحدهما على إقراره أنه قتله عمدًا بالسكين، فقال ولي القتيل: أنه أقر بما قال، ولكنه والله ما قتله إلا بالسيف، أو قال: صدقا جميعًا لكنه والله ما قتله إلا بالرمح فهذا كله سواء، ويقتص من القاتل.
والفرق من وجهين: أحدهما: أن في تلك المسألة: القاضي إنما يقضي بوجوب القصاص إذا ثبت القتل عنده، ولم يثبت القتل بهذه الشهادة لأن باختلاف الآلة يختلف القتل، فلا يقع الاتفاق على قتل واحد، فلا يمكن القضاء بشهادتهما، أما في هذه المسألة: القاضي إنما يقضي بوجوب القصاص بناء على إقراره بوجوب القصاص، والشاهدان مع اختلافهما في الآلة اتفقا على إقراره بوجوب القصاص عليه فلهذا اقتص منه، ولأن الدعوى في حقوق العباد شرط قبول البينة في تلك المسألة، لابد وأن يدعي المدعي القتل بإحدى الآلتين إذ لا يمكنه القتل بكلا الآلتين، لأن في دعواه ذلك تكذيب لهما لتعذر وجود قتل واحد بكلا الآلتين، وإذا ادعى بإحدى الآلتين فقد كذب شاهده الآخر، وهاهنا أمكنه تصديق الشاهدين مع دعواه القتل بإحدى الآلتين وبآلة أخرى والقتل بكل واحدة من هاتين الآلتين يوجب القصاص، فيكون مقرًا على نفسه بوجوب القصاص فلهذا افترقا.
قال محمد رحمه الله في (الجامع الكبير): رجل في يديه عبد ذكر أنه عبده ورثه من أبيه فادعى رجل آخر أنه عبده، وأقام البينة على إقرار صاحب العبد: أنه للمدعي قبلت بينته، وقضي بالعبد للمدعي اعتبارًا للإقرار الثابت بالبينة الثابتة عيانًا، وقد مرت هذه المسألة من قبل، وكذلك إذا شهدا على إقراره أنه اشتراه من المدعي بألف درهم، وقال المدعي: قد أقر بما قال ولكنه لم يشتره مني، قبلت الشهادة وقضي بالعبد للمدعي؛ لأن إقراره بالشراء من المدعي إقرار بالملك للمدعي، وقد مرت هذه المسألة أيضًا، وإنما أوردناها هاهنا لزيادة تفريع، وكذلك لو أقام شاهدًا أن الذي في يديه العبد أقر أن العبد عبد المدعي، وأقام شاهدًا آخر أن الذي في يديه العبد أقر أنه اشترى العبد من المدعي بألف درهم، وقال المدعي صاحب اليد: أُقِرُّ بما قال الشاهدان إلا أني لم أبع منه شيئًا، تقبل هذه الشهادة ويقضي بالعبد للمدعي، لأن الشاهدين اتفقا فيما هو المقصود من هذه الشهادة لأن المقصود من هذه الشهادة إقرار ذي اليد بأن العبد للمدعي دون إثبات الشراء بدليل أنهما لو شهدا على الشراء في هذه الصورة فالقاضي لا يقضي بالشراء؛ إذ لو قضى بالشراء حصل القضاء لذي اليد، وهما إنما شهدا عليه لا له فعلم أن المقصود من هذه الشهادة إقرار ذي اليد بأن العبد للمدعي دون إثبات الشراء وهما اتفقا في هذا المقصود أما الأول: فلا شك وأما الثاني: فلأنه شهد على إقراره بالشراء من المدعي والإقرار بالشراء من المدعي إقرار بالملك للمدعي، وهذا الجواب مستقيم على رواية (الجامع): أن الشراء والاستيام إقرار بالملك للبائع، أما على رواية (الزيادات): فليس بإقرار بالملك للبائع فيحمل أن تكون المسألة على روايتين، فإن لم تكن المسألة على روايتين فوجهه على رواية (الزيادات): أن الشراء إقرار من المشتري أنه لا ملك له في المحل، فخرج من البين، فيأخذه المدعي لأنه يدعيه ولا مزاحمة له فيه، ثم شرط القبول هذه الشهادة أن يقول المدعي: إن ذا اليد أقر بأمرين جميعًا إلا أني لم أبعه منه، حتى لو قال المدعي: إن صاحب اليد أقر بأحد هذين الأمرين دون الآخر لا تقبل هذه الشهادة؛ لأنه يصير مكذبًا أحد شاهديه، وكذلك إذا شهد أحد الشاهدين أن الذي في يديه العبد أقر أن المدعي وهب العبد له، وشهد الآخر أن ذا اليد أقر أن المدعي تصدق به عليه، وقال المدعي صاحب اليد: أقر بالأمرين إلا أني ما وهبته وما تصدقت به عليه، فإنه يقضي بالعبد للمدعي؛ لأن كل مستوهب ومتصدق عليه مقر بالملك للواهب والمتصدق.
وكذلك لو شهد أحد الشاهدين أن الذي في يديه العبد أقر أنه اشتراه من المدعي بألف درهم، وشهد الآخر أنه اشتراه بمئة دينار، أو شهد أحدهما على إقرار ذي اليد أنه قد استأجره من المدعي بعشرة دراهم، وشهد الآخر أنه أقر ذو اليد أنه اشتراه منه بألف درهم أو شهد أحدهما أنه سمع ذا اليد يقول للمدعي: هب هذا العبد لي، وشهد الآخر أنه سمع ذا اليد يقول للمدعي: تصدق علي بهذا العبد، أو شهد أحد الشاهدين أن ذا اليد قال للمدعي: بعني بألف درهم، وشهد الآخر أن ذا اليد قال للمدعي: بعني بمئة دينار، وقال المدعي: أقر ذو اليد بذلك كله، إلا أني ما بعت منه ولا أجّرت، فالقاضي يقضي في هذه الوجوه كلها بالعبد للمدعي.
وكذلك إذا شهد أحدهما على إقرار الذي في يديه العبد أن العبد للمدعي، وشهد الآخر على إقراره أن المدعي أودعه إياه، قبلت شهادتهما، وقضي بالعبد للمدعي لأنهما اتفقا على إقرار ذي اليد أن العبد ملك المدعي؛ لأن الإقرار بالإيداع إقرار بالملك للمودع لأن الإيداع عقد شرعي لا يصح شرعًا إلا من المالك.
وكذلك إذا شهدا على الإقرار ذي اليد بالإيداع قضي للمودع؛ لأنهما شهدا على إقراره بالملك للمدعي، ولو شهد أحدهما على إقرار ذي اليد أن العبد للمدعي، وشهد الآخر على إقراره أنه عبد المدعي أودعه إياه، قضي به للمدعي؛ لأنهما اتفقا على إقرار ذي اليد، يكون العبد للمدعي، لكن زاد أحدهما الإقرار بالإيداع منه، ولو شهد أحدهما على إقرار ذي اليد أن العبد للمدعي، وشهد الآخر على إقراره أن المدعي دفع العبد إليه لا يقضى بالعبد للمدعي.
وكذلك إذا شهد على إقراره أن المدعي دفع العبد إليه لا يقضى بالعبد للمدعي، فلم يجعل الإقرار بالدفع إقرارًا بالملك للدافع وجعل الإقرار بالإيداع إقرارًا بالملك للمودع.
والفرق: أن الإيداع عقد شرعي يوجب ثبوت اليد للمودع وثبوت ولاية الحفظ وأنه لا يصح إلا من المالك باعتبار الأصل فكان إقرارًا بالملك له، فأما الدفع ففعل حتى يؤخذ من المالك ومن غير المالك، وصحته بوجوده حيًا فلم يكن مفتقرًا إلى الملك، فلم يكن الإقرار بالدفع إقرارًا بالملك للدافع، فلا يقضى بالعبد للمدعي ولكن يؤمر المدعى عليه بالدفع إلى المدعي، وقد ذكرنا هذا الفصل في المسألة التي حكينا عن ابن سماعة فيما تقدم.
وكذلك لو شهد أحدهما على إقرار ذي اليد أن العبد للمدعي، وشهد الآخر على إقراره أنه غصبه من المدعي، فالقاضي يقضي بالعبد للمدعي؛ لأن الإنسان لا يغصب ملك نفسه، فكان الإقرار بالغصب إقرارًا بالملك للمغصوب منه.
وكذلك إذا شهد أحدهما على إقرار ذي اليد أن العبد للمدعي وشهد الآخر على إقراره أنه رهنه منه أو استأجره منه، قضى بالعبد للمدعي؛ لأن الرهن والإجارة كل واحد منهما عقد شرعي لا صحة له إلا بقيام الملك للراهن والأجر على اعتبار الأصل، وكان الإقرار بهما إقرارًا بالملك للمدعي، وهذا كله إذا قال المدعي: إنه أقر بما قال الشاهدان إلى آخر ما ذكرنا قبل هذا، ولو كان الذي في يديه العبد أقر أن العبد كان للمدعي، وادعى أن المدعي أعطاه صلة وجاء بشاهدين، شهد أحدهما أن المدعي أقر أنه تصدق بهذا العبد على المدعى عليه، والآخر شهد أن المدعي أقر أنه وهب هذا العبد من المدعى عليه، فالقاضي لا يقبل هذه الشهادة إلا أن يأتي شاهد آخر يشهد على الهبة أو على الصدقة، بخلاف ما تقدم.
والفرق أن صاحب اليد هاهنا أقر بالملك للمدعي في العبد، وادعى تلقي الملك فيه من المدعي فلابد لذلك من سبب، والسبب أحد العقدين إذ لا يجوز أن يتملك كل العبد من شخص واحد في حالة واحدة، كله بالهبة، وكله بالصدقة، فلابد من أن يدعي أحدهما، ومتى ادعى أحدهما يصير مكذبًا شاهده الآخر، فلا يبقى له على ما ادعى إلا شاهد واحد.
أما فيما تقدم فالمدعي لا يدعي تلقي الملك من جهة ذي اليد حتى يحتاج إلى إثبات سبب الملك، وإنما ادعى أن العبد ملكه من الأصل، ولم يكن محتاجًا إلى إثبات سبب الملك، بل حاجته إلى إقرار ذي اليد أن العبد ملكه وقد ثبت ذلك من الوجه الذي بينا، وهذا بخلاف ما لو شهد أحدهما أن المدعي أقر أنه وهبه للذي في يديه وقبضه؛ لأنهما اتفقا على الإقرار بالهبة، وإنما اختلفا في اللفظ، وهذا لأن النحلى والعمرى والهبة من أسماء الهبة، يقال: نحله كذا وعمره كذا، ووهبه كذا، والاختلاف في اللفظ لا يمنع قبول الشهادة بعد الاتفاق على المعنى كما لو شهد أحدهما بالنكاح والآخر بالتزويج بخلاف الهبة والصدقة؛ لأنهما يختلفان لفظًا ومعنى، أما لفظًا: فلا شك؛ وأما معنى: فلأن الصدقة يراد بها وجه الله تعالى ولا رجوع فيها، والهبة يراد بها وجه العبد وفيها رجوع، وكانا مختلفين لفظًا ومعنى وليس على أحدهما شهادة شاهدين.
وزعم بعض مشايخنا أن الاختلاف بين الهبة والصدقة من حيث أن في الهبة رجوع ولا رجوع في الصدقة وليس كما ظنوا، ألا ترى أنه لو شهد أحدهما بالهبة من فقير أو من ذي رحم محرم وشهد الآخر بالصدقة لا تقبل الشهادة ولا رجوع له، وإنما الاختلاف من حيث الذات، فذات الهبة غير ذات الصدقة.
وكذلك إذا شهد أحدهما أنه باعه من الذي هو في يديه وقبض الثمن، وشهد الآخر على أنه وهبه من الذي في يديه لا تقبل شهادتهما؛ لاختلاف ظاهر بين البيع والهبة.
وكذلك لو شهد أحدهما أنه باعه وشهد الآخر أنه باعه بمئة دينار وقبض الثمن لا تقبل شهادتهما، لأن البيع يختلف باختلاف الثمن فيختلف المشهود به وكذلك إن كانت الشهادة على الإقرار بالبيع كما وصفنا؛ لأنهما لم يجتمعا على بيع واحد، ولو كان صاحب اليد ادعى أنه اشتراه من المدعي بألف درهم وقبض الثمن وجاء بشاهدين شهدا على البيع وقبض الثمن، إلا أنهما لم يبينا مقدار الثمن، فالقاضي يقبل هذه الشهادة؛ لأنهما اتفقا على البيع وقبض الثمن كما ادعاه المدعي وسكوتهما عن بيان مقدار الثمن احتمل الموافقة، لجواز أنهما لو استفسرا هنا الثمن ألفًا كما ادعاه المدعي، ويحتمل أنهما هنا بخلاف ذلك، فلا تثبت المخالفة فيما اتفقا عليه لتوهم الخلاف.
وكذلك لو شهدا على إقرار المدعي بالبيع وقبض الثمن ولم يبينا مقدار الثمن وذو اليد يقول اشتريته بألف درهم ونقدت الثمن، فالقاضي يقبل الشهادة، وهذا بخلاف ما لو شهدا على قبض الثمن فإنه لا تقبل شهادتهما، لأن الثمن إذا كان مقبوضًا فلا حاجة إلى القضاء بالثمن، لأنه وقع الفراغ منه، إنما الحاجة إلى إثبات الملك في المبيع فحسب، وأمكن القضاء بالملك في المبيع، لاتفاق الشاهدين على ذلك، فأما إذا لم يكن الثمن مقبوضًا فكما مست الحاجة إلى القضاء بالملك مست الحاجة إلى القضاء بالثمن وتعذر القضاء بالثمن لجهالته.
يوضح ما ذكرنا أن الشهادة على البيع وقبض الثمن شهادة بالملك المطلق للمدعي، لا أنه شهادة بالعقد، ألا ترى أن شاهدين لو شهدا على رجل أنه باع عبده بخمسمئة درهم من فلان، وقبض الثمن فقضى القاضي بالملك للمدعي ثم رجعا عن شهادتهما، وقيمة العبد ألف درهم أنهما يضمنان قيمة العبد دون الثمن، ولو حصل القضاء بزوال الملك عن العبد بالثمن لضمنا الثمن فعرفت أن القضاء بزوال الملك غير مقابل بالثمن حتى يضمنا قيمة العبد الذي تلف بشهادتهما، وإذا كان هكذا لم يصر الثمن مشهودًا به عند الشهادة بقبض الثمن فلا يمتنع القبول بترك بيان الثمن، فأما الشهادة على البيع بدون قبض الثمن شهادة بالعقد بدليل عكس ما ذكرنا، وتعذر القضاء بالعقد لكون الثمن مجهولًا؛ ولأن الجهالة إنما تمنع جواز البيع باعتبار أنها مانعة من التسليم والتسلم، وإذا كان الثمن مقبوضًا فلا حاجة إلى التسليم والتسلم، لأنه وقع الفراغ عنه فلا يمتنع القاضي من القضاء به، وإن بين أحدهما الثمن وهو ألف كما ادعاه المدعي وسكت الآخر عن بيان الثمن، ولكن كل واحد منهما شهد بقبض الثمن قبلت شهادتهما، لأنهما اتفقا على البيع وقبض الثمن وسكوت من سكت عن بيان الثمن يحتمل الموافقة لجواز أنه لو استفسر لبين أن الثمن ألف واحتمل المخالفة فلا تثبت المخالفة فيما اتفقا عليه لتوهم الخلاف، وإن لم يبين المدعي مقدار الثمن، وإنما ادعى البيع وقبض البائع الثمن، وشهدا على الشراء بألف، وذكرا قبض الثمن قبل القاضي شهادتهما، لأن الثمن إذا كان مقبوضًا فالشهادة لا تقع بالثمن وكذا القضاء لا يقع بالثمن فكان ذكره والسكوت عنه سواء، فقد اتفقت الدعوى والشهادة والمخالفة موهوم، فإن المدعي لو استفسر ربما بين أن الثمن ألف كما شهد به الشهود، فلا تبطل شهادتهما بألف درهم، وإن بين أحدهما أن الثمن ألف درهم وبين الآخر أن الثمن مئة دينار لا تقبل شهادتهما، وإن شهدا بقبض الثمن؛ لأنه لابد وأن يدعي أحد العقدين، وعند ذلك يصير مكذبًا شاهده الآخر.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد رحمهما الله في رجل ادعى دارًا في يدي رجل وجاء بشاهدين شهد أحدهما أنها دار المدعي وشهد الآخر على إقرار صاحب اليد إنها للمدعي فالشهادة مختلفة.
بيانه أن أحدهما شهد للمدعي بالملك وأنه ليس بقول، والآخر شهد على إقرار المدعى عليه بالملك للمدعي والإقرار قول، فاختلف المشهود به من حيث الصورة، وكذلك من حيث المعنى، لأن الإقرار حجة الملك على المدعى عليه وهو المقر لا أن يكون نفس الملك، ولم يقم على الإقرار حجة حتى صار كالمعاين، فيقضي به ولم يقم على الملك شاهدان حتى يمكن القضاء بالملك للمدعي بشهادتهما، فتعذر القضاء بشهادتهما فلا يقض بهما، فرق بين هذا وبينما إذا شهد أحدهما للمدعي على المدعى عليه بألف وشهد الآخر على إقرار المدعي عليه بالألف قال: هذا جائز لأنه إقرار كله، وهكذا روي عن أبي يوسف رحمه الله ذكر.
الناطفي رواية أبي يوسف في (واقعاته) فقد فرق بينهما وأشار إلى الفرق أن شهادة الشاهد بالملك المطلق يعتمد دليلًا يطلق له أداء الشهادة بالملك المطلق، ولا دليل عليه سوى اليد، فالذي شهد بالملك للمدعي شهد على يد المدعي من حيث الحقيقة، والآخر شهد على إقرار المدعى عليه بالملك فاختلف المشهود به، فلا يمكن القضاء بشهادتهما، وللشهادة على وجوب الدين على المدعى عليه مطلقًا من غير أن يعرف سبب وجوبه يعتمد دليلًا يطلق له ذلك، وذلك الدليل ليس إلا هو الإقرار، فهو الحجة لوجوب الدين عليه مطلقًا كما أقر به، فأما ما سواه من الأدلة فذلك يسير إلى سبب وجوب الدين فلم يكن دينًا مطلقًا خاليًا عن السبب، فالذي شهد بالدين للمدعي مطلقًا شهد على إقرار المطلوب بهذا الدين معنى ولو شهد به صريحًا حصلت الموافقة بين الشاهدين في شهادتهما كذلك.
هذا وفي غصب (الأصل): إذا شهد أحد الشاهدين أن قيمة الثوب المغصوب المستهلك كذا وشهد الآخر على إقرار الغاصب أن قيمته كذا لا تقبل شهادتهما.
قال محمد رحمه الله في (الجامع الكبير): إذا ادعى الرجل دارًا في يد غيره وأقام شاهدين شهد أحدهما أنها داره ورثها من أبيه، وشهد الآخر أنها داره ورثها من أمه فالشهادة باطلة، لأنهما اختلفا في سبب الملك، والأملاك تختلف باختلاف أسبابها، واختلاف المشهود به يمنع قبول الشهادة فرق بين هذا وبين الإقرار، فإنه إذا أقر أن هذه الدار له ورثها من أبيه فقال المقر له: لا بل ورثتها من أمي، كان للمقر له أن يأخذ الدار من المقر، وإن اختلفا في السبب والفرق أن الإقرار حجة تلزمه بنفسه، لو بطل حكمه إنما يبطل بتكذيب المقر له، وإنه لم يكذبه في أصل الملك فثبت أقصى ما في الباب أنه كذبه في السبب، ولكن لا حاجة إلى إثبات السبب بعد ثبوت الحكم، فأما في مسألتنا فالشهادة إنما تصير حجة بقضاء القاضي وكانت حالة القضاء حال ثبوت الحكم، وثبوت الحكم لابد له من سبب ولا يمكن إثبات السببين جميعًا؛ للتنافي ولعدم الحجة عليهما، ولا إثبات أحدهما؛ لأنه لم يقم عليه حجة كاملة وفي شهادة المثنى، ولأنه لابد من الدعوى لقبول الشهادة، ولا يمكنه دعوى السببين للتنافي، ولو ادعى أحدهما كان مكذبًا لشاهده الآخر فبطلت شهادته لتكذيبه، فتعذر القضاء بها.
وكذلك إذا شهد أحدهما أنه اشتراها من فلان وهو يملكها، وشهد الآخر أن فلانًا آخر وهبها له وهو يملكها وقبضها منه، فإنه لا تقبل شهادتهما لما ذكرنا، ولأنه إنما تلقى الملك من جهة الواهب أو المشتري، ما لم يثبت الملك له لا ينتقل إليه ولم يثبت، لا ملك البائع ولا ملك الواهب؛ لأنه لم يشهد على كل واحد منهما إلا شاهد واحد، وهذه العلة تصلح علة في المسألة الأولى لمنع قبول الشهادة، ثم في هذه المسألة أنه يختلف الجواب مما إذا لم يوفق المدعي، وبينما إذا وفق فقال: كنت اشتريتها من فلان كما شهد به هذا الشاهد وقبضتها ثم بعتها من فلان وسلمتها إليه ثم استوهبتها فوهبها لي وقبضتها منه، فإنه لا تقبل شهادتهما في الوجهين جميعًا، فرق بين هذا وبينما إذا ادعى أنه اشتراها من فلان، وشهد شاهدان أنه وهبها وقبضها منه فإنه لا تقبل شهادتهما قبل التوفيق، ولو وفق فقال: كنت اشتريتها من فلان ثم جحدني الشراء فاستوهبتها منه فوهبا لي وأعاد البينة، قبلت هذه الشهادة.
ووجه الفرق: أنه في تلك المسألة أقام على الهبة شاهدين، وقد زالت المخالفة بين الدعوى والشهادة بالتوفيق، فقبلت شهادتهما وقضي بالهبة لكمال الحجة عليها، أما هاهنا إن زالت المخالفة بالتوفيق ولكن لم يشهد بالهبة إلا شاهد واحد فيعذر القضاء به، لأن القضاء بشهادة الفرد لا تجوز، حتى لو شهد معه شاهد آخر على الهبة قضي له بالهبة.
قال محمد رحمه الله في (الجامع الكبير): وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم، فادعى الغريم أنه أوفاها صاحبها، وصاحب المال يجحد ذلك فشهد للغريم شاهدان، شهد أحدهما: أن صاحب الحق أبرأ الغريم من المال، وشهد الآخر أن صاحب المال أقر بالاستيفاء، لم تقبل شهادتهما لأنهما اختلفا لفظًا ومعنى، أما لفظًا فلا شك وكذلك معنى، لأن الذي شهد بالإبراء إن عنى به الإبراء بغير عوض، فهو إسقاط وليس في الاستيفاء معنى الإسقاط، فجاب المخالفة وإن عنى به الإبراء الذي هو حكم الاستيفاء صار هو شاهدًا بمعاينة الاستيفاء، وإنه فعل، والآخر شاهد بالإقرار به وإنه قول، ومثل هذا مانع قبول الشهادة كما لو شهد أحد الشاهدين على الغصب، وشهد الآخر على الإقرار بالغصب ولو كان الذي شهد بالإبراء شهد أن صاحب الحق أقر أن الغريم برئ إليه قبلت الشهادة؛ لأن البراءة التي ابتداؤها من الغريم وانتهاؤها بصاحب الدين تكون بطريق الإيفاء والاستيفاء، فكانت الشهادة بمثل هذه البراءة شهادة على الإقرار بالاستيفاء أيضًا، فقد اتفقا في المعنى وما شهد به داخل تحت دعوى المدعي أيضًا، فلهذا تقبل.
ولو شهد أحدهما أنه أقر أنه استوفى الألف وشهد الآخر أنه حلله له، أو أجله أو وهبه له أو تصدق به عليه فالشهادة باطلة، لأن الاستيفاء أخذ الحق، وهذه الأشياء شيء تبنى عن التبرع فاختلف المشهود به، ولأن هذه الأشياء لا تصلح حكمًا للاستيفاء ثم لما لم تقبل شهادة البراءة مع أنها تصلح حكمًا للاستيفاء، لأَن لا تقبل هنا أولى وأنه لا يصلح حكمًا له، ولو ادعى المطلوب الأداء فشهد له شاهدان أن صاحب الحق أبرأه من دينه أو أنه حلله فالشهادة جائزة، لأن المشهود به واحد وما شهد أنه داخل تحت دعوى المدعي من وجه، لأن المدعي وهو المطلوب بدعوى الاستيفاء ادعى براءة معيدة بالاستيفاء؛ لأن الإبراء من حكم الاستيفاء، فإنه يقال: أبرأه براءة قبض واستيفاء وهما شهدا ببراءة مطلقة للبراءة بالإبراء وللبراءة بالإيفاء، فكانت هذه شهادة ببعض ما ادعاه فقبلت وفرق بين هذه المسألة وبين المسألة الأولى فإنه اعتبر هذا مخالفة بين الشاهدين حتى أبطل شهادتهما، كذلك ولم يعتبره مخالفة بين الدعوى والشهادة.
ووجه الفرق: أن في تلك المسألة المخالفة بين الإيفاء والإبراء ظاهرة صورة أو تثبت الموافقة، إنما تثبت باعتبار الضمن فإنما يمكن إثباتها ضمنا إذا ثبت المتَضمَّن ولم يثبت المتَضمَّن وهو الاستيفاء بشهادة أحدهما، لأن شهادة الفرد ليست بحجة، فلا يثبت ما في ضمنه، فلم تحصل الموافقة فأما هاهنا كلام المدعي معتبر وأنه ثابت، ولكنه دعوى فثبت ما في ضمنه، وهو الإبراء فحصلت الموافقة بينه وبين الشهادة بالإبراء.
والثاني: أن امتناع القبول ثمة باعتبار أن أحدهما شهد بالفعل وهو الاستيفاء، والآخر بالقبول وهو الإبراء، واختلاف الشاهدين على هذا الوجه يمنع صحة شهادتهما وقبولها، ومثل هذا الاختلاف في الدعوى والشهادة لا يمنع القبول، ألا ترى أن أحد الشاهدين لو شهد بالغصب وشهد الآخر على الإقرار به لا تقبل.
ولو ادعى الغصب وشهد الشهود بالإقرار بالغصب قبلت شهادتهم، ولو شهدوا على الهبة أو الصدقة أو النحلى أو العطية أو الإحلال لا تقبل شهادتهم؛ لأن الغريم يدعي الاستيفاء، وهذه الأشياء ليست من أحكام الإيفاء؛ لأن الهبة تبنى على التبرع وكذا الصدقة والإحلال عبارة عما ينتفع به بتمكينه إياه، وبالإيفاء إنما ينتفع حكمًا لملكه ما في ذمته لا بإحلاله فبطلت الشهادتان؛ لاختلاف بينهما بخلاف الإبراء، فإنه يصلح حكمًا للإيفاء على ما ذكرنا.
قال ولو ادعى الغريم البراءة أي ادعى أن رب المال أبرأه فشهد أحد الشاهدين بذلك وشهد الآخر أنه وهب له الحق أو تصدق عليه أو نحله أو حلله منه أو أجله له قبلت الشهادة؛ لأنهما اتفقا معنى من كل وجه في بعض هذه الألفاظ، ومن وجه في بعض هذه الألفاظ، وما شهد أنه داخل تحت دعوى المدعي من كل وجه أو من وجه.
بيانه: أن المدعي ادعى براءة مطلقة، وأنها تحتمل البراءة بالإبراء، وقد اتفق الشاهدان على الإبراء معنى من كل وجه أو من وجه، لأنه شهد أحدهما بالإبراء والآخر بالتحليل، والتحليل مما يعبر به عن الإبراء أو يقام مقام الإبراء، فالذي شهد بالتحليل شهد بالإبراء معنى، فتثبت الموافقة بين الشاهدين معنى من كل وجه فتدخل تحت دعوى المدعي من كل وجه، وأما من وجه، فلأنه شهد أحدهما بالإبراء وأنه يحتمل الإبراء الذي ثبت حكمًا للاستيفاء، ويحتمل الإبراء الذي هو إسقاط، وشهد الآخر بالهبة والصدقة والنحلى والإحلال، وهذه الألفاظ إنما تستعمل للبراءة بالإبراء لا للبراءة بالإيفاء، وشاهد الإبراء شهد ببراءة محتملة الأمرين فتثبت الموافقة بين الشاهدين من وجه فيدخل تحت الدعوى من وجه وهذا كاف للقبول؛ لأن الشهادات حجج الله تعالى يجب العمل بها ما أمكن.
فإن قيل: إذا شهد أحدهما بالإبراء والآخر بالهبة ينبغي أن لا تقبل، لأن الإبراء مع الهبة يختلفان لفظًا ومعنى؛ لأن الإبراء موضوع الإسقاط والهبة موضوع للتمليك، ولهذا صاحب الدين إذا أبرأ الكفيل فرد الكفيل لا يريد ولو وهب له فرد يريد، فإذا اختلفا لفظًا ومعنى يجب أن لا تقبل وإن اتحد حكمهما شرعًا كما لو شهد أحدهما بالحلية والآخر بالبرية.
قلنا: الإبراء مع الهبة تختلفان معنى في حق الكفيل على الوجه الذي قلتم، إما يتفقان يعني في حق المطلوب فإن إبراء المطلوب والهبة منه كل واحد منهما إسقاط من وجه حتى يصح من غير قبول وتمليك من وجه حتى يرتد برده.
قال: ولو ادعى الغريم الهبة فشهد له شاهد بالهبة والآخر بالصدقة، لا تقبل هذه الشهادة؛ لأن الهبة مع الصدقة تختلفان لفظًا ومعنى، أما لفظا فظاهر وأما معنى، فلأن الهبة يقصد بها وجه الموهوب له ومكافأته، والصدقة يقصد بها رضى الله تعالى وثوابه، وطعن أبو حازم القاضي رحمه الله وقال: وجب أن يقال، لأن الصدقة مع الهبة لا يختلفان في هذا الباب، ألا ترى أن المدعي لو ادعى البراءة وشهد أحد الشاهدين بها، والآخر بالهبة أو بالصدقة تقبل الشهادة، وجعلت الشهادة بالصدقة في تلك المسألة كالشهادة بالهبة.
والجواب عن هذا الطعن أن يقال: إن الغريم إذا ادعى البراءة وشهد أحدهما بالبراءة، والآخر بالهبة أو بالصدقة إنما قبلت الشهادة باعتبار أن البراءة لفظة عامة تذكر، ويراد بها براءة يقصد بها وجه الغريم وطلب المكافأة منه، ويذكر ويراد بها براءة يقصد بها وجه الله تعالى وثوابه، والمدعي ادعى البراءة مطلقًا.
فإذا شهد أحدهما بالبراءة والآخر بالصدقة فقد شهدا بما دخل تحت الدعوى من وجه، ووُجِدت الموافقة بين الشاهدين معنى فيما دخل تحت الدعوى فتقبل، أما هاهنا: فالغريم ادعى الهبة وهو اسم لبراءة مخصوصة يراد بها وجه الغريم، والشاهد بالصدقة شهد ببراءة يقصد بها وجه الله تعالى ورضاه، وهذا لم يدخل تحت الدعوى أصلًا، ولم تثبت الموافقة أيضًا بين الشاهدين لا لفظًا ولا معنى فلا تقبل، وكذلك إذا ادعى الغريم البراءة فشهد له شاهد بالهبة والآخر بالصدقة لا تقبل هذه الشهادة.
فإن قيل: وجب أن تقبل هذه الشهادة، لأن يشهد أن دخل تحت دعوى المدعي من وجه، لأن المدعي ادعى براءة مطلقة فيدخل تحتها براءة يقصد بها وجه الغريم، وبراءة يقصد بها وجه الله تعالى.
قلنا: بل الأمر كما قلتم إلا أنهما اختلفا لفظًا ومعنى، لما مر أن الهبة مع الصدقة تختلفان لفظًا ومعنى فكان الشهود به شيئين، وليس على كل واحد منهما إلا شاهد واحد فلهذا لا تقبل.
قال: ولو ادعى الغريم الهبة فشهد له شاهد بالبراءة وشاهد بالهبة أو بالنحلى أو العطية؛ فالشهادة جائزة، لأن الذي شهد له بالهبة وافقه فيما ادعى، وشاهد البراءة شهد ببعض ما ادعى؛ لما ذكرنا أن الهبة تتضمن الإبراء فحصلت الموافقة بين الشاهدين في الأول فيقبل شهادتهما، ولو شهد أحدهما ببعض ما ذكرنا، وشهد الآخر بالصدقة لم تقبل شهادتهما، لأنهما شهدا بالتمليك والهبة والصدقة مختلفة على ما مر، فاختلفت شهادتهما وثبت الاختلاف بين الدعوى والشهادة أيضًا، لأن الشاهد على الصدقة يشهد على خلاف ما ادعاه المدعي من الهبة والمخالفة بين الدعوى والشهادة ولو ادعى العطية أو الهبة أو النحلى أو الصدقة، وشهد شاهدان على الإستيفاء لا تقبل هذه الشهادة؛ لأن الهبة ليست من حكم الاستيفاء، وكذلك الاستيفاء ليس من حكم الهبة فلا يمكن القبول بتحقيق الموافقة بينهما.
ولو ادعى أنه أحل له ماله عليه فشهدا بالاستيفاء قال: الشهادة باطلة ولم يذكر أن القاضي يسأل، وذكر فيما ادعى أنه أبرأه أو أحل، له وشهد شاهدان على إقرار صاحب الحق بالاستيفاء أن القاضي يسأل الغريم عن البراءة والتحليل أنه بالاستيفاء أو بغيرها، والسؤال في دعوى البراءة في تلك المسألة متفق عليه، أما في دعوى البراءة يسأل؛ لأن الإبراء عسى يكون بطريق الاستيفاء يقال: أبرأه براءة قبض واستيفاء، فإذا احتمل الموافقة وجب السؤال وأما في دعوى الإحلال فالسؤال مختلف فيه، فمن أصحابنا من قال بأن السؤال واجب فيه أيضًا؛ لأن الإحلال يتضمن معنى الاستيفاء، لأنه متى استوفى فقد أحله منه، لأنه باشر سببه وهو الاستيفاء فاحتمل الموافقة فوجب السؤال كما في دعوى الإبراء ومنهم من فرق بينهما فقال: الإقرار بالاستيفاء له حكم الإبراء من وجه وحكم الاستيفاء من وجه، حتى أن المريض إذا أقر باستيفاء الدين من وارثه لا يصح، ولو أقر بالاستيفاء من الأجنبي صح من جميع المال، فإذا احتمل الوجهان جميعًا وجب السؤال، فأما الشهادة على نفس الاستيفاء فلا يحتمل، لأن الاستيفاء يكون بقبض الحق معاينة وأنه يخالف الإبراء، وكذا الإحلال لأنه يكون بالإسقاط، فكانت المخالفة ظاهرة فلا معنى للسؤال بل وجب رد الشهادة للمخالفة، ثم في كل موضع وجب السؤال فإن سأله فقال بالاستيفاء أمضى الشهادة، لظهور الموافقة، وإن لم يجبره بشيء لم يجبره على شيء، لأنه لا يجوز جبر المدعي على الدعوى ولم تجز شهادتهما، لأن ظاهره المخالفة وإنما ثبتت الموافقة بإخباره أنه أراد به البراءة بجهة الاستيفاء ولم يوجد فلا تقبل شهادتهما.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد رحمهما الله في رجل له على رجل ألف درهم، فأقام المطلوب على الطالب شاهدين، شهد أحدهما أنه أقر أنه أبرأ فلانًا من جميع ماله عليه من حق، وشهد الآخر أنه قبض من فلان جميع ماله عليه من حق قال: لا أقبل ذلك لأنهما اختلفا؛ لأن الإبراء قول والقبض فعل، والإبراء إسقاط للحق والقبض يضاده فاختلف المشهود به ولو كان له على رجل ألف درهم وبها كفيل فجاء المطلوب بشاهدين شهد أحدهما على إقرار الطالب أنه قبضها من الكفيل لم أقبل ذلك؛ لأن القبض من الكفيل غير القبض من الأصيل فاختلف المشهود به.
ولو كان له على رجل ألف درهم، فادعى المطلوب أن الطالب أبرأه منها وجاء بشاهدين شهد أحدهما على الإبراء والآخر على إقرار الطالب أنه قبض منه جميع ماله عليه، لا تقبل شهادتهما، لأن المشهود به مختلف؛ لأن الإبراء قول والقبض فعل، ولم يقل بأن القاضي يسأل شاهد الإبراء أن الإبراء أكان بالاستيفاء أو بالإسقاط، وقال في المديون إذا ادعى الإبراء على الطالب وشهد له شاهدان على إقرار الطالب بالاستيفاء أن القاضي يسأل المدعي عن البراءة أنها كانت بالاستيفاء أو بغيره.
والفرق وهو أن دعوى البراءة تحتمل دعوى الإيفاء على ما ذكرنا، وعلى اعتبار دعواه الإبراء ألا يتحقق الموافقة بين الدعوى وبين الشهادة ويجب قبول الشهادة، وعلى اعتبار دعواه الإبراء لا يتحقق الموافقة ولا يجب قبول الشهادة، فكان السؤال مقيدًا، أما هنا فالسؤال لا يفيد لأنه لا قبول لهذه الشهادة على كل حال أراد شاهد البراءة البراءة بالإبراء أو بالاستيفاء إن أراد البراءة بالإبراء فظاهر وإن أراد البراءة بالاستيفاء؛ فلأن الاستيفاء فعل وأحدهما شهد بالفعل، والآخر شهد بالإقرار بالقبض، وإنه قول فيختلف المشهود به فلا قبول لهذه الشهادة على كل حال، فلم يكن السؤال مفيدًا.
قال: ولو شهد أحدهما على إقرار الطالب أنه وهب له الألف، وشهد الآخر أنه أبرأه من جميع ماله عليه لا تقبل الشهادة، وفرق بين هذا وبين ما إذا ادعى المديون الإبراء على الطالب، فشهد له شاهد بالهبة، وشاهد بالإبراء، حيث تقبل شهادتهما.
والفرق أن هناك المشهود به نفس الإبراء والهبة، وهما متفقان في المعنى؛ لأن الهبة إذا أضيفت إلى الدين تفيد البراءة، وأحدهما شهد على الحكم وهو البراءة والآخر شهد على البراءة بسبب وهو الهبة، وقد ذكرنا غير مرة أن العبرة في مثل هذا لاتحاد المعنى لا لاختلاف اللفظ، أما في مسألتنا فالمشهود به الإقرار، وإنه حكاه عن لفظ الطالب، وقد اختلف اللفظ واختلف المشهود به، ألا ترى أنه لو شهد أحد الشاهدين بالتخلية والآخر بالتبرئة لا تقبل الشهادة، لأنه حكاية عن اللفظ المطلق، وقد اختلف اللفظ فقد اختلف المشهود به.
ولو شهد أحدهما أنه أقر أنه اشترى منه بالألف عبدًا وشهد الآخر أنه أبرأه من جميع ماله عليه والمطلوب يقول أقر عندهما كذلك، ويدعي البراءة لا تقبل شهادتهما، لأنهما اختلفا في سبب البراءة، فأحدهما يشهد بالبراءة بالمقاصة التي هي بمعنى الاستيفاء، والآخر يشهد بالبراءة بالإبراء الذي هو إسقاط.
وفي (نوادر ابن سماعة): عن محمد في رجلين شهدا على وصية رجل، فشهد أحدهما أنه قال: جميع مالي لفلان بعد موتي، وشهد الآخر أنه قال: جميع مالي صدقة على فلان بعد موتي، وذلك في مجلس أو في مجلسين فالشهادة جائزة، فرق بين هذا وبينما إذا شهد أحدهما بالهبة والآخر بالصدقة في حالة الحياة، حيث لا تقبل شهادتهما، واعتبر المشهود به مختلفًا لمكان الاختلاف الذي بين الهبة والصدقة، ولم يوجب هذا اختلاف المشهود به، وإن شهد أحدهما بالصدقة.
والفرق: أن في تلك المسألة اختلفا في سبب الملك لما ذكرنا من المغايرة بين الهبة والصدقة، فلابد من أن يصدق المدعي أحدهما لأنه لابد من دعوى سبب لإثبات الملك بسبب، وفي تصديق أحدهما تكذيب الآخر فبطلت شهادتهما، أما هاهنا لم يختلفا في سبب الملك لأن السبب هو الوصاية، وقد اتفقا على الوصاية، لكن تفرد أحدهما بزيادة لفظة الصدقة، وتفرد أحدهما بزيادة لفظ لا يمنع قبول الشهادة فيما اتفقا عليه.
وفي (نوادر إبراهيم): عن محمد رحمهما الله: رجل شهد على رجل أنه أعتق أمته هذه وتزوجها، وشهد آخر أنه أقر أنه اعتق أمته وتزوجها قال: تعتق الأمة ولا يثبت النكاح، وهذا بناء على أن الإعتاق قول لا تختلف فيه صيغة الإنشاء والإقرار، وفي مثل هذا اختلاف الشاهدين في الإقرار والإنشاء لا يضر، والنكاح وإن كان قولًا إلا أنه ألحق بالأفعال من حيث إنه يتضمن فعلًا فاختلاف الشاهدين في الإقرار والإنشاء والأفعال صائر، فلهذا قال: يثبت العتق ولا يثبت النكاح.
وفي (المنتقى): إذا شهد رجل لرجل أن زيدًا أقر أنه اشترى هذه الدار له بأمره، وشهد آخر أن زيدًا أقر أن هذه الدار له، فهذه الشهادة جائزة عندنا وقد ذكرنا قبل هذا رواية ابن سماعة عن محمد رحمهما الله فيما إذا شهد أحد الشاهدين أن الدار المدعى (بها) لهذا المدعي، وشهد الآخر على إقرار المدعى عليه أن الدار المدعى بها لهذا المدعي، إن الشهادة لا تقبل.
وقال أبو يوسف رحمه الله: في رجل ادعى على رجل ألف درهم فشهد شاهدان أن المطلوب أقر أن له عليه ألف درهم قرضًا وشهد آخر أن المطلوب أقر أن له عليه ألف درهم من ثمن متاع اشتراه وقبضه، وقال الطالب: إنما مالي عليه قرض ولم يشهد لي إلا بالقرض، فقد أكذب الشاهد الذي شهد له أنها من ثمن متاع، ولو قال: قد أشهد على هاتين الشهادتين المختلفتين، لكن أصل مالي كان قرضًا، قضى له عليه ألف درهم، ولو قال: مالي من ثمن متاع بعته وقبضه مني، وقد أشهد هذين على ما شهدا به، لا يقضى له بشيء حتى يأتي بشاهد آخر يشهد له على مثل شهادة الذي يشهد له من ثمن المتاع إذا أقر الطالب أن ماله من ثمن متاع، فلابد من شاهدين على قبضه.
ولو شهد شاهد أن المطلوب أقر أن له عليه ألف درهم قرضا وشهد آخر أن المطلوب أقر أن له عليه ألف درهم من ضمان ضمن له عن فلان بأمره، فان قال الطالب: اشهد لي بهاتين الشهادتين على ما وصفنا وأن مالي عليه قرض، فإنه يقضي له بالمال، وإن قال: مالي من ضمان كما شهد به الآخر، لا يقضى عليه بشيء والضمان في هذا والبيع سواء، وأما في قياس قول أبي حنيفة: المال اللازم في الوجهين جميعًا.
ولو شهد شاهد أن المطلوب أقر أن له عليه ألف درهم من ثمن جارية اشتريتها منه وقبضتها، وشهد آخر أن المطلوب أقر أن له عليه ألف درهم من ثمن بر اشتريته وقبضته، وقال الطالب: هذا شهد على هاتين الشهادتين لكن مالي عليه قرض فالقاضي يقضي بالمال، ولو ادعى أحد هذين الوجهين فالقاضي لا يقضي بشيء، وكذلك لو شهدا بالمال من ضمان مختلف فهو مثل البيع المختلف.
ولو ادعى المطلوب الدفع والبراءة وشهد له شاهد أن الطالب أقر أنه قبضها منه، وشهد آخر أن الطالب أقر أن وكيلًا له قبضها منه، وقال المطلوب: لم يشهد لي على قبض الوكيل، فقد أكذب شاهد الوكالة، ولو قال: قد أشهد لي بهاتين الشهادتين إلا أني دفعتها إليه في يده، فإنه يقضي له بالبراءة منها، ولو لم يقل دفعتها إليه في يده ولكن قال: دفعتها إلى وكيله لم يقض له بالبراءة منها حتى يأتي بشاهد آخر على دفعها إلى الوكيل من قبل أنه أقر أنه دفعها إلى غيره، ولم يشهد على وكالته إلا واحدًا.
وإذا ادعى عبدًا في يدي رجل أنه، له وشهد آخر أن فلانًا وهبه منه وهو يملكه فهو جائز، وكذلك الصدقة، وإن جاء فلان وأنكر ذلك قال: يجيء بشاهد آخر على الهبة والصدقة، ولو شهد واحد أنه له وشهد آخر أنه اشتراه من فلان وهو يملكه لا تقبل الشهادة؛ لأن المشهود به قد اختلف، هذه الجملة من (المنتقى).
ولو شهد أحد الشاهدين على الشراء مع العيب، وشهد الآخر على الإقرار على الشراء مع العيب لا تقبل، وكذا لو شهد أحدهما على قيمة الثوب المغصوب الهالك أنها كذا وشهد الآخر على الإقرار بذلك لا تقبل.
وإذا ادعى على رجل ألف درهم وقال: خمسمئة منها ثمن عبد اشتراه مني وقبضه، وخمسمئة منها من ثمن متاع اشتراه مني وقبضه، وشهد الشهود له بالخمسمئة مطلقًا قبلت الشهادة على الخمسمئة؛ لأنهما اتفقا على هذا المقدار، وذكر السبب ليس بشرط، فهذه المسألة تنصيص على أن المدعي إذا ادعى الدين بسبب وشهد الشهود بالدين مطلقًا أنه تقبل ويقضى بالدين، وبه كان يفتي الشيخ الإمام ظهير الدين المرغيناني رحمه الله، والمسألة مرت من قبل والله أعلم.

.الفصل الثاني والعشرون: في التناقض في الدعوى والشهادة:

قال محمد في (الجامع): رجل في يديه دار جاء رجل وادعى أنها داره اشتراها من فلان، وجاء بشاهدين شهدا أن فلانًا ذلك وهبها وقبضها منه وهو يملكها، فالقاضي لا يقبل هذه الشهادة، لأنها خالفت الدعوى صورة ومعنى، أما صورة: فظاهر، وأما معنى: فلان الشراء يوجب الملك بعوض، والهبة توجب الملك بغير عوض، ويثبت في الشراء خيار الرؤية وخيار العيب ولا يثبت في الهبة، وإذا استحق المشترى من يد المشتري يرجع على البائع بالثمن، والموهوب له عند الاستحقاق لا يرجع على الواهب بشيء، فان وفق المدعي فقال: كنت اشتريته منه إلا أنه جحدني الشراء وعجزت عن إثباته بالبينة، فتشفعت له حتى يهبها مني فوهبها مني بعد ذلك وقبضتها، وأعاد البينة قبلت بينته، وليس معنى قول محمد رحمه الله في (الكتاب): وأعاد البينة على ذلك أعاد البينة على أنه كان اشتراها من فلان وجحد فلان البيع، ثم وهبها منه كما ذهب إليه الفقيه أبو القاسم الصفار البلخي رحمه الله؛ لأنه لو وجد بينة على الشراء لاستغنى عن إقامة البينة على الهبة، وإنما معناه إقامة البينة على الهبة والقبض، وإنما قبلت هذه البينة بعد التوفيق على هذا الوجه؛ لأن التوفيق يزيل المخالفة، ويكون ذلك ابتداء الدعوى الهبة من حيث الحقيقة.
فإن قيل: ينبغي أن لا تقبل البينة على الهبة؛ لأنه يدعي هبة فاسدة، فانه ادعى أنه وهبه ملكه، فإنه يملكه بالشراء، والشراء لا ينفسخ بجحود أحد المتبايعين، قلنا: البائع قد جحد البيع وجحود أحد المتبايعين فسخ للعقد، فكأن البائع قال: فسخت البيع، فيقف على قبول المشتري، فلما استوهبه منه المشتري فقد أجابه إلى الفسخ؛ لأنه لا صحة للهبة منه إلا على تقدير فسخ الشراء بمقتضي طلب الهبة من المشتري، فانفسخ الشراء فيما بينهما، وصار المدعى عليه واهبًا ملك نفسه، فكانت الهبة صحيحة.
وقال في (الجامع الصغير): رجل ادعى دارًا في يدي رجل أنه وهبها له وسلمها إليه في وقت كذا، فسأله القاضي البينة قال: إنه جحدني الهبة، فاشتريتها منه في وقت كذا، ذكر وقتًا قبل الوقت الذي ادعى فيه الهبة وأقام على ذلك بينة قُبلت بينته؛ لأنه في الوجه الاول التوفيق بين الكلامين لا يمكن إذ لا يمكنه أن يقول وهبها لي في الوقت الذي ادعيت الهبة، ثم جحد لي الهبة فاشتريتها منه قبل ذلك الوقت، وإذا لم يكن التوفيق ظهر التناقض، والناقض مانع صحة الدعوى، فأما في الوجه الثاني فالتوفيق ممكن، فلا يظهر التناقض فتصح الدعوى.
فإن قيل: ينبغي أن لا تصح دعواه في الوجه الثاني، لأنه ادعى شراء باطلًا؛ لأنه ادعى شراء ما ملكه بالهبة، قلنا: الواهب لما جحد الهبة فقد فسخها؛ لأن جحود ما عدا النكاح من العقود فسخ له، فانفسخت الهبة في حقه وتوقف في حق الموهوب له على إجازته، فإذا طلب الشراء منه فقد أجاز ذلك الفسخ فانفسخت الهبة في حقهما وصار المشتري مشتريًا ما ليس بملك له فصح.
فإن لم يذكر للشراء تاريخًا، لم يذكر محمد رحمه الله هذه المسألة في (الجامع الصغير)، وفي كتاب (الأقضية) ذكر عين هذه المسألة في الصدقة وأجابه في هذا الفصل أنه تقبل بينته؛ لأن التوفيق ممكن؛ لأن الشراء حادث، فيحال بحدوثه على أقرب الأوقات، وهو ما بعد تاريخ الصدقة، فكأنه ادعى الشراء بعد تاريخ الصدقة وعند إمكان التوفيق لا يظهر التناقض، هذا أصل كبير لأصحابنا رحمهم الله.
وفي (الأصل): وإذا كانت الدار في يدي رجل، جاء رجل وادعى أنها داره ورثها من أبيه منذ سنة، وأقام البينة أنه اشتراها من الذي في يديه منذ سنتين والمدعي يدعي ذلك، فالقاضي لا يقبل هذه الشهادة، ولا يقضى بالدار للمدعي، لأنه ادعى الملك في جميع هذه الدار منذ سنة بالشراء، وادعى الملك في جميعها منذ سنة بالميراث أيضًا، والإنسان لا يتصور أن يكون مالكًا لعين واحد في وقت واحد بالشراء والإرث، وإنما يكون مالكًا له بأحد السببين، ولا يُدْرى ذلك فبطلا جميعًا، فتبقى الشهادة بدون الدعوى.
فإن وَفَّق المدعي فقال: كنت اشتريتها منذ سنتين من ذي اليد، كما شهد الشهود ثم بعتها من أبي، ثم ورثتها من أبي منذ سنة، متى وفق على هذا الوجه وشهد الشهود بذلك، يعني بالبيع من الأب ثم بالإرث منه قبلت شهادته وقضي بالدار له، لأن بالتوفيق على هذا الوجه تزول المناقضة؛ لأن المناقضة في هذه الصورة من حيث إنه ادعى الملك في جميع الدار بالشراء وبالإرث في وقت واحد وهو منذ سنة.
فإذا قال: بعتها من أبي بعد الشراء منه ثم ورثتها من أبي منذ سنة، فإنما ادعى الملك بالشراء والإرث في وقتين، والملك بالشراء والميراث في وقتين متصور فزالت المناقضة، وإنما احتيج إلى إقامة البينة بعد التوفيق، لأن التوفيق إنما يثبت بالبيع من أبيه، وإنها دعوى على الأب وليس بإقرارٍ على نفسه، والدعوى على الغير لا تثبت إلا ببينة، وكذلك إذا ادعى هبة أو صدقة مكان الشراء كان الجواب فيه، كالجواب فيما إذا ادعى الشراء لأنه كما لا يتصور أن يكون الإنسان مالكًا لعين واحد في وقت واحد بالهبة والميراث أو بالصدقة والميراث.
ولو ادعى أمة في يدي رجل أنه اشتراها منه بعبده هذا منذ شهر، وجحد المدعى عليه البيع، وجاء بشهود شهدوا أنه اشتراها منذ قام من عند القاضي بألف درهم، والمدعي يدعي ذلك لم تقبل بينته، إلا أن يوفق، فيقول: اشتريتها بعبدي هذا فجحدني الشراء فاشتريتها منه ألف درهم، لأنه بالتوفيق تزول المناقضة وبدون التوفيق المناقضة ثابتة.
فإن قيل: المناقضة منهما منتفية بدون التوفيق؛ لأن الثابت أحد الشراءين وهو الشراء الأول؛ لأن الشراء الأول لا يخلو، إما إن كان ثابتًا أو لم يكن ثابتًا، إن لم يكن ثابتًا ثبت الثاني، وإن كان ثابتًا ينفسخ مقتضى ثبوت الثاني سابقًا عليه، بخلاف دعوى الميراث من أبيه، ودعوى الشراء من ذي اليد فإن أحد الأمرين هو الثابت لا يدري، فأما هنا فأحد الشراءين ثابت بيقين، والجواب أن الشراء الثاني غير ثابت بيقين، لجواز أن يكون الشراء الثاني بعد الأول بتراضيهما، فينفسخ الأول ويثبت الثاني، فيجوز أن يكون بغير رضا المشتري بأن جحده الشراء الأول، فاشترى ثانيًا بألف، وعلى هذا التقدير لا ينفسخ الأول لكونه مضطرًا في الثاني، فعلى هذا الاعتبار يكون الثابت الأول أو الثاني، لا الثاني بيقين، فكان الجواب فيه كالجواب في دعوى الشراء والميراث.
وإن كان الشهود شهدوا أنه اشترى منه منذ سنة بألف درهم لا تقبل منه، إلا أن يأتي بالتوفيق بأن يقول: اشتريتها منذ سنة بألف درهم كما شهد به الشهود، ثم بعتها منه ثم اشتريتها منه منذ شهر بهذا العبد.
وإذا ادعى عبدًا في يدي رجل أن صاحب اليد تصدق عليه (به) منذ سنة وأقام شهودًا شهدوا أنه اشترى من صاحب اليد منذ سنتين، والمدعي يدعي ذلك، لا تقبل الشهادة إلا أن يوفق فيقول: اشتريته منه منذ سنتين، ثم بعته منه ثم تصدق به علي منذ سنة.
وكذلك إذا ادعى أنه اشترى هذا العبد من صاحب اليد منذ سنة، وشهد الشهود أنه تصدق به عليه منذ سنين لا تقبل الشهادة إلا أن يوفق على نحو ما قلنا.
ولو ادعى أن صاحب اليد تصدق به عليه منذ سنة وشهد الشهود أنه اشتراه منه منذ شهر لا تقبل هذه الشهادة، إلا أن يوفق فيقول: تصدق به علي منذ سنة كما ادعيت، ثم جحدني الشراء فاشتريته منه منذ شهر، هكذا ذكرها في (الأصل) أيضًا.
وكذلك إذا ادعى الشراء منه منذ سنة وشهد الشهود أنه تصدق به علي منذ شهر لا تقبل الشهادة إلا أن يوفق وإنه يخالف مسألة (الجامع) أيضًا.
ولو ادعى أنه ورثه من أبيه وأقام البينة، وادعى أن معه وارثًا آخر لا تقبل بينته ولا يصير متناقضًا، وان ادعى الكل لنفسه أولًا ثم ادعى بعد ذلك أنه لغيره وأنه وكيله بالخصومة تصح دعواه ولا يصير متناقضًا وهي المسألة التي تلي هذه المسألة، فهاهنا أولى وقد ادعى النقض لغيره وادعى أنه وكيله وادعى النقض لنفسه.
ولو ادعى عينًا في يد إنسان أنه له وأقام بينة أنه لفلان وكله بالخصومة فيه، قبلت بينته ولا يصير متناقضًا، ولو ادعى أولًا أنه لفلان وكله بالخصومة فيه وأقام البينة بعد ذلك إنه لا تقبل بينته، ويكون متناقضًا إلا أن يوفق.
والفرق أن قوله لي في المسألة الأولى وإن كان حقيقة لملك الرقبة، إلا أنه يحتمل الإضافة إلى نفسه لحق الخصومة، فالوكيل بالخصومة يضيف العين إلى نفسه بحق الخصومة، فأمكن أن يجعل قوله في الكرة الثانية أنه لفلان وكلني بالخصومة فيه بيانًا لكلامة الأول، فلا يتحقق التناقض، أما في المسألة الثانية: لا يمكن أن يجعل الكلام الثاني وهو قوله لي بيانًا للكلام الأول، وهو قوله: أنه لفلان وكلني بالخصومة فيه؛ لأن الكلام الأول مفسر بنفسه، ولا يمكن أن يجعل الكلام الأول بيانًا وتفسيرًا للكلام الثاني، لأن التفسير لا يكون قبل المفسر، فكان كل كلام كلامًا على حده، وحقيقة الإضافة لملك الرقبة والكلام لحقيقته، حتى يقوم الدليل على مجازه، فكأنه نص في الكلام الثاني على أنه لي بملك الرقبة، ولو نص على هذا يصير متناقضًا كذا هاهنا، إلا أن يوفق فيقول: كان لفلان وكلني بالخصومة فيه ثم اشتريته منه بعد ذلك وأقام على ذلك بينة يعني على الشراء من فلان فحينئذ تقبل بينته. ولو ادعى أنه لفلان وكلني بالخصومة فيه لا تقبل بينته إلا أن يوفق.
قال: والدين في هذا نظير العين حتى لو ادعى على رجل دين ألف درهم في صك جاء به باسمه ثم جاء ببينة، روى أبو سليمان وابن سماعة أن من ساوم رجلًا بولد أمة أو بثمرة نخلة أو نخل في الأرض ثم أقام البينة أن النخلة والأمة والأرض له، قبلت بينته وقضي له بالأمة والنخلة والأرض دون الولد والثمر والنخل، لأن أقًى ما فيه أن المساومة إقرار بالملك لصاحبه أو إقرار أنه لا ملك للمساوم فيه على حسب ما اختلفت الروايات فيه إلا أن هذا الإقرار لا يكون فرقًا صريح الإقرار.
ولو أقر هو صريحًا بالولد لصاحب الولد أو أقر صريحًا أن الولد ليس له، ثم ادعى الأمة لنفسه، تسمع دعواه كذا هاهنا. وهذا لأن الإقرار بالملك المطلق يحمل على الملك الحادث حتى أنه لو أقر بأمة لرجل ولها ولد كانت الأمة للمقر له دون ولدها، بخلاف البينة القائمة على الملك المطلق، حيث يحمل على الملك من الأصل.
وإذا ثبت أن الإقرار بالملك المطلق يحمل على حدوث الملك صار المساوم مقرًا لمن ساوم إليه بحدوث الملك في الولد والثمر، وليس من ضرورته ثبوت الملك للمقر له في الأم، فلم توجد المخالفة بين الدعوى والإقرار.
وكذلك إذا ادعى الولد والثمرة مع الأم والنخلة؛ لأن دعواه في الثمرة والولد لم يصلح لمكان إقراره السابق، فتبقى دعوى الأمة والنخلة وحدها.
وكذلك لو كانت الأمة حاملًا فولدت في يده، فساوم بالولد بعد إقامة البينة قبل القضاء بالأمة؛ لأنه يحتمل أن يكون ملكًا للمقر له بتملك من جهته بعد الولادة، فلم تكن من ضرورة صحة هذا الإقرار بطلان دعواه في الأمة، فبقيت تلك الدعوى صحيحة.
وكذلك إذا قال الشاهدان: الولد للمدعى عليه، أو قالا: لا ندري لمن الولد؛ لأنهما بينا أنهما خصا بشهادتهما الأمة دون ولدها والولد منفصل عنها فيصح دخول الأم في الشهادة دونه، فيقضى له بالأم خاصة، وكذلك إذا لم يقم بينة للمدعي ولكن المدعى عليه أقر بأن الأم للمدعي يقضى له بالأم دون ولدها، لأن الثابت بالإقرار ملك حادث، لأنه حجة قاصرة لا الملك من الأصل، فلا يستند حكمه إلى حالة الولادة، فاقتصر حكم الإقرار على الأم خاصة.
ولو أن رجلًا في يديه دار مبنية جاء رجل وأقام البينة أنها داره وذكرا البناء في شهادتهما أو لم يذكرا ثم ماتا أو غابا قبل أن يسألهما القاضي عن البناء، فإن القاضي يقضي بالدار ببنائها للمدعي، أما إذا ذكروا البناء فلاشك فيه، وأما إذا لم يذكروا البناء، فلأن البناء مركب في الأرض تركيب قرار، فيدخل تحت ذكر الأرض خصوصًا في ذكر الدار، لأن في الغالب يستعمل اسم الدار في المبنى، ثم إذا قضى القاضي للمدعي بالدار ببنائها أقر للمدعي بعد ذلك وقال: ليس البناء لي وإنما هو للمدعى عليه ولم يزل ملكًا له أو قال: كان البناء له يوم شهد الشهود أو قال ذلك بعد الشهادة قبل القضاء، فإن هذا إكذاب للشاهد وبطلت الشهادة والقضاء في البناء والدار جميعًا، وإن قال: البناء للمدعى عليه فهذا ليس بإكذاب لشهوده، هكذا ذكر المسألة في (الأقضية).
وذكر في آخر الشهادات في (الأصل): أن الشهود إذا ذكروا البناء في شهادتهم وقضى عليه بالدار والبناء، ثم أقر المدعي بالبناء بعد ذلك للمدعى عليه، كان ذلك إكذابًا لشهوده، فبطلت الشهادة والقضاء. وإذا لم يذكروا البناء في شهادتهم وقضى عليه بالدار والبناء، ثم أقر بالبناء للمدعى عليه لا يكون ذلك إكذابًا لشهوده.
وجه الفرق على رواية شهادات (الأصل): أن البناء إذا لم يكن ملفوظًا في الشهادة، فالقضاء بالبناء ما كان لكونه مشهودًا، بل تبعًا للأرض؛ لأن حكم الأصل يثبت في البيع إلا إذا وجد دليل يوجب قطع التبعية، فإذا أقر المدعي بالبناء بعد ذلك للمدعى عليه فهذا الإقرار حجة قطعه عن التبعية فإذا أقر المدعي بالبناء بعد ذلك للمدعى عليه، فهذا الإقرار حجة قطعه عن التبعية وحجة أصالته في الملك إلا أن يكون إكذابًا بتلك الشهادة، فأما إذا كان البناء ملفوظًا به في الشهادة، فالقضاء بالبناء لكونه مشهودًا به، فالإقرار بالبناء بعد ذلك للمدعى عليه يكون إكذابًا للشهود ضرورة، فيوجب بطلان الشهادة.
ووجه التسوية على رواية كتاب (الأقضية): أنه يطلق اسم الدار في الغالب من كلام الناس وفي عاداتهم يستعمل بإزاء الأرض والبناء، والشرع شهد لذلك، حتى إن من حلف لا يدخل دارًا، فدخل صحراء كانت دارًا، وقد انهدم بناؤها لا يحنث والثابت باعتبار العادة وعليه الاستعمال كالثابت بمقتضى اللفظ حقيقة، فاستوى ذكر البناء وعدمه.
ثم على رواية كتاب (الأقضية) فرق بينما إذا قال المقضي له: ليس البناء لي، وإنما هو للمدعى عليه، وبينما إذا قال: كان البناء للمدعى عليه يوم الشهادة، أو قال: لم يزل ملكًا للمقضي عليه، فلم يجعل الأول تكذيبًا للشهود، وجعل الثاني والثالث تكذيبًا، وعلى رواية كتاب الشهادات لم يفصل وجعل مطلق الإقرار بالبناء للمدعى عليه تكذيبًا للشاهد إذا كان البناء مذكورًا في الشهادة.
ووجه ما ذكر في الشهادات: أن مطلق الإقرار بالبناء للمقضي عليه يناقض شهادة الشهود بالبناء للمدعي، والإكذاب من حكم المناقضة.
وجه ما ذكر في (الأقضية): أن قوله: البناء ليس لي، وإنما هو للمدعى عليه كلام محتمل يحتمل أنه للمقضي عليه، لأنه كان له يوم شهد الشهود، فيكون إكذابًا للشهود، فلا يكون إكذبًا بالاحتمال، ولا كذلك قوله: كان البناء له يوم شهد الشهود لم يزل ملكًا له، هذا إذا أقر المقضي له بعد القضاء له أن البناء ليس له وأنه للمقضي عليه.
ولو أن المقضي له بعد القضاء له لم يقر بذلك لكن المقضي عليه ادعى البناء لنفسه، فعلى رواية كتاب (الأقضية): لا تسمع دعواه ولا تسمع بينته، ذكر الشهود البناء في شهادتهم أو لم يذكروا، وعلى رواية شهادات (الأصل): إن لم يذكروا البناء في شهادتهم تسمع دعوى المقضي عليه، وإن ذكروا لم تسمع دعواه.
وفي (المنتقى) وفي (الإملاء): عن محمد رجل ادعى دارًا في يدي رجل وأنكر الذي في يديه الدار حق المدعي، فشهد للمدعي شاهدان أن الدار داره، ولم يزيدوا على ذلك، فلما زكوا قال المدعى عليه: البناء بنائي أنا بنيته، وأراد أن يقيم البينة على ذلك، قال: إن كان شهود المدعي حضور فالقاضي يسألهم عن البناء، فإن قالوا: البناء للمدعي مع الدار فالقاضي لا يلتفت إلى قول المدعى عليه، وإن قالوا: لا ندري لمن البناء إلا أنا نشهد أن الأرض للمدعي، فليس ذلك بإكذاب منهم لشهادتهم ويقضي للمدعى عليه بالبناء إن أقام بينته على البناء، ويؤمر بالهدم وتسليم الأرض إلى المدعي، فإن لم يحضر المدعى عليه بينة على البناء، قضى عليه القاضي بالأرض بشهادة شهود المدعي وأتبع الأرض للبناء، فإن جاء المدعى عليه بعد ذلك بالبينة أن البناء بناؤه أخذه؛ لأن القاضي لم يقض على المدعى عليه بالبناء بشهادة الشهود، وهذه الرواية توافق رواية شهادات (الأصل).
ولو أن شهود المدعي شهدوا أن الدار للمدعي ثم ماتوا أو غابوا فلم يقدر عليهم، فلما أراد القاضي أن يقضي بالدار ببناءها للمدعي، قال المدعى عليه: أنا أقيم البينة أن البناء بنائي لم يقبل ذلك منه ويقضي بالدار للمدعي ببنائها؛ لأن الشهود حين شهدوا بالدار فقد شهدوا بالبناء إلا أن يبينوا أنهم لا يدرون لمن البناء، فيكون على ما وصفت لك في أول المسألة، قال: ألا ترى أن القاضي لو قضى بالدار في هذا الوجه ببنائها للمدعي ثم حضر شهوده، وقالوا: إن البناء لم يكن للمدعي إنما كان للمدعى عليه، فإن قالوا للقاضي حين رجعوا عن البناء: ليس البناء للمدعي ولا ندري لمن البناء، لم يضمنوا من قيمة البناء شيئًا فكان البناء للمدعي، وقيل للمدعى عليه: أقم البينة أن البناء بناؤك على الشهود الذين شهدوا للمدعي، فإن أقام عليهم البينة ضمنهم قيمة البناء، ألا ترى أن البناء دخل فيما شهدوا به.
ولو شهد شهود المدعي أن الدار له ولم يزيدوا على هذا، ثم ماتوا أو غابوا ثم جاء رجل آخر وادعى بناء هذه الدار لنفسه، وشهد له شاهدان آخران بذلك، فإن القاضي يقضي بالأرض للمدعي الذي شهدت شهوده بالدار، ويقضي بالبناء بين المدعيين نصفين، فإن أقام المدعى عليه بينة أن البناء بناؤه لم أقبل ذلك منه.
ولو أن شهود المدعي للدار شهدوا أن الأرض للمدعي وقالوا: لا ندري لمن البناء، قضى بالأرض له وقضى بالبناء لمدعي البناء خاصة، قال: وكذلك في جميع ما وصفت لك.
الأرض يكون فيها النخيل والأشجار، فشهد شهود المدعي أن هذه الأرض له فهذا بمنزلة شهادتهم بالدار إذا لم يفسروا، فالقاضي يقضي لمدعي الأرض ويتبعها النخل والشجر.
وكذلك إذا شهدوا أن هذا الخاتم لفلان ولم يذكروا الفص أو شهدوا أن هذا السيف لفلان ولم يذكروا الحلقة، فالقاضي يقضي بالسيف والحلقة وبالخاتم والفص لفلان من غير أن يكون الفص والحلقة مشهودًا به، حتى لو أقام المشهود عليه بينة أن البناء والفص والحلقة له قبلت شهادته كان القاضي قضى بذلك للمدعي أو لم يقض.
وفيه أيضًا: إذا شهد الشهود على رجل بجارية في يديه أنها لهذا المدعي وقضى القاضي له بها ثم غاب الشاهدان أو ماتا، وظهر للجارية ولد في يد المشهود عليه لم يره الشهود، أخذه المدعي.
وكذلك لو كان الولد ظاهرًا، وشهد الشهود بالجارية للمدعي، ولم يتعرضوا للولد فالقاضي يقضي للمدعي بالجارية وبالولد، وإن قال الذي في يديه الجارية: أنا أقيم بينة على أن الولد لي لم يلتفت إلى بينته ويقضي بالجارية وولدها للمدعي، فإذا قضى القاضي بذلك ثم حضر الشهود وقالوا: لم يكن الولد للمدعى (عليه)، فالقاضي لا يقضي بالولد للمدعى عليه، وإن أقام البينة على الولد، ولو كان الشهود حضورًا وسألهم القاضي عن الولد قبل القضاء فقالوا: هو للمدعى عليه أو قالوا لا ندري لمن هو، فالقاضي لا يقضي في الولد بشيء ويقضي بالجارية للمدعي.
قال: ولا يشبه الولد في هذا الوجه البناء، وعلل فقال: لأن البناء موصول بالدار فقد أشار إلى أن شهود المدعي في مسألة الدار إذا قالوا وقت الشهادة بالدار: لا ندري لمن البناء أنه يقضي بالبناء لمدعي الدار.
قوم ورثوا دارًا من أبيهم واقتسموها برضاهم فادعى بعضهم أن أباه كان تصدق بطائفة منها معلومة عليه، أو ادعى ذلك لابن له صغير وقال: مات ابني فورثتها منه، وأقام على ذلك بينة، فدعواه باطلة وبينته مردودة.
والأصل في جنس هذه المسائل: أن إقدام العاقل على عقد إقرار منه بصحة ذلك العقد؛ لأنه إنما أقدم عليه للالتزام بموجبه، وإنما يلزمه موجب العقد إذا صح العقد، فإذا ادعى فساده وبطلانه بعد ذلك، يصير متناقضًا، والمتناقض لا قول له.
إذا ثبت هذا فنقول: دعوى طائفة منها معلومة من بعض الورثة دعوى بطلان القسمة؛ لأنه ليس لهم قسمة مال الغير وقد أقر بصحتها حال ما أقدم عليها فتتحقق المناقضة، ولو كان ادعى دينًا على أبيه صح دعواه وقبلت بينته على ذلك؛ لأنه ليس بمتناقض؛ لأن القسمة مع الدين صحيحة حتى لو قضى الوارث دين الغريم من مال آخر أو أبرأ الغريم الميت عن الدين لا يحتاج إلى إعادتها ولكن يكون للغريم حق نقض القسمة إذا لم يصل إليه حقه من مال آخر.
قال في كتاب الإقرار: رجل أقر أن لفلان عليّ ألف درهم ثم قال بعد ذلك: قضيتها قبل أن أقر بها وأقام البينة على ذلك لم أقبل بينته، ولو ادعى أنه قضاه قبل الإقرار موصولًا بإقراره.
القياس: أن لا تقبل بينته؛ لأنه متناقض في الدعوى، لأن إقراره يوجب كون الألف عليه وقت الإقرار، ولولا ذلك لما صح الإقرار، فإذا ادعى القضاء قبل ذلك فإنه يوجب سقوط الدين عنه بالقضاء قبل إقراره كان متناقضًا في الدعوى، فلا يسمع ذلك منه كما لو ادعاه مفصولًا.
وفي الاستحسان: تقبل بينته لأن هذا اللفظ قد يذكر ويراد به كان له عليه ألف درهم، فإن الشيء يسمى باسم ما قد كان كما يسمى القاضي المعزول قاضيًا ونظائره كثيرة، فمتى وصل هذا الكلام بإقراره، دلنا أنه أراد به هذا النوع من المجاز وإن كان هذا تغييرًا لصدر الكلام ولكنه يصح إذا كان موصولًا، فأما إذا كان مفصولًا عن إقراره لا يصح هذا البيان المغير منه، فبقي التناقض باعتبار ظاهر كلامه، ولم يصح التناقض.
ولو قال: كانت له علي ألف درهم، ثم قال: قضيتها إياه قبل الإقرار موصولًا أو مفصولًا وأقام البينة عليه قبلت بينته، لأنه إخبار عن وجوب الألف عليه في زمان سابق فلا يبقى القضاء قبل الإقرار بخلاف المسألة الأولى فإنه إخبار عن وجوب الألف عليه للحال فإذا ادعى قبله كان متناقضًا فلم تسمع دعواه وبينته.
قال: رجل في يديه عبد قال لآخر: هو عبدك يا فلان، فقال فلان الآخر: بل هو عبدك، ثم قال المقر الأول: هو لي وأقام البينة لم تقبل بينته، لأن بين إقراره بملك العبد لآخر ودعواه ملكية العبد لنفسه تناقض، والتناقض يمنع صحة الدعوى، وإنما أورد هذه المسألة لإشكال وهو: أن المقر له الأول لما قال لغيره: بل هو عبدك، فقد أكذب المقر الأول في إقراره له، فبطل إقراره لمكان التكذيب، فيجب أن لا يعتبر لإثبات التناقض، لكنا نقول: إن قول المقر له الآخر بل عبدك ليس بتكذيب للمقر الأول في إقراره، بدليل أنه يأخذ المقر له الثاني، ولو بطل الإقرار الأول لمكان أنه كذبه فيه لم يكن له أن يأخذ من يده، ولكن قيل: إن قوله لغيره: بل هو عبدك محتمل يحتمل أنه عبدك لم يزل لك ولم يكن لي، فيكون مكذبًا له في إقراره، ويحتمل أنه عبدك لأني ملكته منك للحال، فلا يكون تكذيبًا للمقر الأول فلا يثبت التكذيب بالاحتمال.
رجل ادعى أن هذه الدار له إلا بيت منها، وأقام البينة على الجميع أو كان ادعى على رجل ألف درهم وأقام عليه البينة بألفين، فقال المدعي للدار: كان البيت لي فبعته، وكان لي عليه ألفان فأبرأته عن الألف قبلت بينته، لأنه زال الخلاف والتناقض بما ذكر، فلعل الأمر كما ذكر ولم يعلم به الشهود، فشهدوا على جميع الدار والألفين، وإذا زال التناقض وجب قبول الشهادة.
وإن قال: لم يكن البيت لي قط ولا كان لي عليه قط إلا ألف أبطلت بينته، لأنه صرح بإكذاب الشهود في البيت والألف فبطلت الشهادة، وإن أبى أن يبين شيئًا من ذلك فالقياس: أن تقبل بينته، وفي الاستحسان: لا تقبل.
وجه القياس في ذلك: أن امتناع قبول الشهادة لمكان المخالفة بين الدعوى والشهادة، فإذا كان التوفيق محتملًا لا يمكن القول بثبوت المخالفة، لأنها لو ثبتت تثبت مع الشك، ولأن التوفيق إذا (كان) محتملًا يجب الحمل عليه حملًا لأمر المدعي على الصلاح كما في مسألة الأكرار.
وجه الاستحسان: أن المخالفة بين الدعوى والشهادة ثابتة صورة ومعنى، فإن كان التوفيق مرادًا يزول الخلاف، وإن لم يكن مرادًا لا يزول، فلا يزول الخلاف مع الاحتمال.
قوله: يحمل على التوفيق حملًا لأمر المدعي على الصلاح، قلنا: الحمل على الصلاح نوع ظاهر، والظاهر يصلح لإبقاء ما كان على ما كان ولا يصلح لإثبات أمر لم يكن، وحاجتنا منها إلى إثبات أمر لم يكن وهو البيع والقضاء بخلاف مسألة الأكرار؛ لأن مطلق المقابلة يحتمل بيع الجنس بخلاف الجنس، فإذا عيناه حملًا لأمرهما على الصلاح يتبين أنه هو الثابت بمطلق المقابلة، فكان هذا إبقاء ما هو ثابت بمطلق المقابلة لا إثبات أمر لم يكن أما هاهنا فبخلافه، ثم استشهد في (الكتاب) وقال: ألا ترى أن المدعي لو قال بعد القضاء بالدار: لم يكن البيت لي قط يبطل القضاء، فإذا كان يبطل القضاء بهذا النوع من المخالفة لأن لا يجوز القضاء معها كان أولى.
دار في يدي رجل يزعم أنه اشتراها من رجل، فجاء رجل وادعى عند غير القاضي أنها داره تصدق بها على الذي باعها من ذي اليد، ثم رفع المدعي الذي في يديه الدار إلى القاضي بعد شهر أو سنة وادعى أنها داره اشتراها من الذي زعم ذو اليد أنه اشتراها منه، فهذه المسألة على وجهين:
الأول: أن يذكر للصدقة والشراء تاريخًا، وإنه على وجهين: إن ذكر تاريخ الشراء قبل تاريخ الصدقة لا تقبل شهادة شهوده، لأن ادعاءه الصدقة إقرار منه بكون الدار ملك المتصدق وقت الصدقة، وإنه ينافي كون الدار ملكًا له بالشراء عندها فيصير مكذبًا شهوده فلا تقبل شهادتهم، وإن ذكر تاريخ الشراء بعد تاريخ الصدقة قبلت شهادتهم، هكذا ذكر في (الأقضية)، وهذا إشارة إلى أن احتمال التوفيق يكفي. ووجه احتمال التوفيق أن يقول: جحدني بعدما تصدق بها علي فاشتريتها منه، وسيأتي الكلام بعد هذا في أن احتمال التوفيق هل يكفي؟.
الوجه الثاني: إذا لم يذكر التاريخ، وفي هذا الوجه تقبل شهادة شهوده، لأن الشراء حادث والأصل في الحوادث أن يحال بحدوثها على أقرب الأوقات، وذلك بعد تاريخ الشراء لا محالة لأنه ادعى الشراء بعد شهر أو سنة. فإن قيل: كيف تصح دعوى الشراء من فلان حال كون الدار في يد غيره وانه يدعي الملك لنفسه؟ قلنا: ذو اليد لما زعم أنه اشتراها من فلان فقد أقر بالملك لفلان، لأن كل مشتر يقر بالملك لبائعه، وبيع المغصوب منه المغصوب من غير الغصب والغاصب مقر بالملك للمغصوب منه صحيح، فقد ادعى شراء صحيحًا من هذا الوجه.
قال محمد رحمه الله: ولا أبالي، قال في الصدقة: قبضت أو لم أقبض؛ لأن ادعاءه الصدقة إنما أبطل دعوى الشراء قبل تاريخ الصدقة باعتبار إقراره بملك البائع بعد تاريخ الشراء حتى تثبت المناقضة، والإقرار بملك البائع بعد تاريخ الشراء يثبت بمجرد ادعائه الصدقة.
قال محمد رحمه الله: ولو كان ادعى الصدقة بعد تاريخ الشراء لا يرجع بالثمن على البائع، وعلل فقال: إنه هو الذي أبطل شهادة شهوده بادعائه الصدقة وأراد به أن امتناع قبول البينة على الشراء دعواه الصدقة، وإنه ليس بحجة في حق البائع فلا يمكنه الرجوع على البائع بهذه الحجة؛ لأن الرجوع على البائع باعتبار أنه لم يسلم له المشترى من جهته، وإنما لم يسلم له المشترى بما ليس بحجة في حق البائع، فلا يرجع بالثمن عليه.
قال في (الكتاب): ألا ترى أن رجلًا لو ادعى عبدًا في يدي رجل أنه له اشتراه من فلان منذ سنة، ونقده الثمن وصدقه البائع بذلك، وذو اليد زعم أنه اشتراه من فلان بعينه منذ شهر، فلما أراد الحاكم أن يقضي به للمدعي قال المدعي: إني لم اشتره في ذلك اليوم، أو قال: ذو اليد أقدم شراءً مني، ثم أراد أن يرجع بالثمن على البائع، فقال البائع: كذبت أنت أقدم شراءً منه، وإنما لم يسلم لك العبد بإكذابك بينتك، فإنه لا سبيل له على الرجوع بالثمن، لأن المبيع إنما لم يسلم للمشتري بمعنى من جهته، وهو إكذابه بينته فلا يظهر ذلك في حق البائع.
قال في (أدب القاضي): وإذا أقام الرجل بينة على رجل أنه باع هذه الدار منه، والبائع يقول: لم أبع وأقام البائع بينة أنه قد رد عليه الدار بالعيب قبلت بينته، وينقض البيع وإن صار (كلام) البائع متناقضًا؛ لأن التناقض بين الكلامين إنما يثبت إذا لم يمكن التوفيق بين الكلامين وهنا يمكن التوفيق بين الكلامين بأن يقول البائع: لم أبع شيئًا بنفسي، إنما باع وكيلي ثم فسخت البيع إنهاء المشتري بعد ذلك معي فإذا أمكن التوفيق بينهما حمل عليه، وهذه المسألة إشارة إلى أنه يكتفى مجرد إمكان التوفيق، وهكذا ذكر في (الجامع الصغير) وفي كتاب (الأقضية).
وذكر في (الجامع الكبير) وفي بعض نسخ دعوى الأصل أنه لا يكتفى مجرد إمكان التوفيق ولابد أن يوفق المدعي، قيل: ما ذكر في (الجامع الصغير) وفي (الأقضية) قياس، وما ذكر في (الجامع الكبير) وفي (الأصل) استحسان وأصله ما ذكرنا في دعوى الألف، وشهادة الشهود على الألفين القياس: أن يقبل لاحتمال التوفيق، وهذا لأن حمل أمر المسلمين على الصحة واجب ما أمكن، فإذا كان التوفيق ممكنًا أمكن حمل دعوى المدعي على الصحة فيجب على القاضي ذلك، وإن لم يوجد من المدعي تنصيصًا عليه كما في مسألة الأكرار وفي الاستحسان لا تقبل، لأن المخالفة ثابتة صورة ومعنى، فإن كان التوفيق مرادًا يزول الخلاف، وإن لم يكن التوفيق مرادًا لا يزول الخلاف فلا يزول الخلاف بالاحتمال، فأما إذا وفق فقد بين أن التوفيق مراد وصح منه هذا البيان، لأن احتمال التوفيق ثابت، وقوله يحمل على التوفيق حملًا لأمر المدعي على الصحة، فالجواب ما مر قبل هذا أن الحمل على الصحة بنوع ظاهر، وإنه لا يصلح لإثبات أمر لم يكن.
قال محمد رحمه الله في (الجامع): وإذا ادعى رجل أنها داره ورثها من أبيه، وجاء بشهود شهدوا أنه اشتراها من أبيه في حال حياته لا تقبل هذه الشهادة، وبمثله لو ادعى أولًا أنه اشتراها من أبيه في حياته، وجاء بشهود شهدوا أنه ورثها من أبيه قبلت هذه الشهادة، والفرق: أن في المسألة الثانية التوفيق ممكن بأن يقول: اشتريت من أبي كما ادعيت أول مرة ثم جحدني الشراء وعجزت عن إثباته بالبينة وبقيت الدار على ملك الأب ظاهرًا وصارت بموته ميراثًا لي ظاهرًا مع ما تقدم من صورة الشراء، فلا تبطل بينة الإرث بالاحتمال أما في المسألة الأولى التوفيق غير ممكن، فإنه لا يمكنه أن يقول: ورثتها عن أبي، فجحدني الأب فاشتريت منه في حياته.
وإذا ادعى عينًا في يد إنسان أنها له وأقام على ذلك بينة ثم إن المدعي قال: هذه العين لم تكن لي قط، بطلت بينته ولم تقبل ويبطل القضاء إن كان قد قضى له به، لأنه أكذب شهوده وأقر ببطلان القضاء وذلك حقه، وكذلك إذا لم يقل قط؛ لأن الإكذاب حصل بقوله: لم يكن لي.
قال محمد رحمه الله في (الجامع الكبير): رجل أقر عند القاضي أن هذا العبد كان لفلان، ثم أقام البينة أنه اشتراه منه بألف درهم، ولم يوقت الشهود وقتًا وفلان يجحد البيع فالشهادة جائزة، لأنه أقر بملك البائع في زمان ثم ادعى تلقي الملك من جهته، وملك البائع في الزمان الماضي مؤكد لملك المشتري، فالإقرار به لا يمنع قبول الشهادة على الشراء أقصى ما في الباب، احتمل أن الشراء كان قبل ذلك الوقت ولكن بالاحتمال لا تثبت المناقضة كيف وأن الشراء حادث والحوادث يحال حدوثها على أقرب الأوقات بقضية الأصل وذلك ما بعد الإقرار، فلا يثبت به التناقض فلا يمنع قبول الشهادة.
فأما إذا قال: هذا العبد لفلان، ثم أقام البينة بعد ذلك أنه اشتراه منه قبل الإقرار لم تقبل بينته، لأن قوله: هذا العبد لفلان إخبار عن ملك المقر له في الحال، فإنه ينافي دعوى الشراء قبله فلم تقبل بينته لمكان التناقض، هذا إذا قال ذلك مفصولالًا فأما إذا قال موصولًا عند القاضي: هذا العبد لفلان اشتريته منه أمس، فالقياس أن لا تقبل بينته، وفي (الاستحسان) تقبل.
وجه القياس: أن قوله: هذا العبد لفلان إخبار عن ملك المقر له في الحال، فإنه ينافي دعوى الشراء منه أمس فلا تقبل بينته للتناقض.
وجه الاستحسان: أن العين قد تضاف إلى الإنسان باعتبار أنه كان مالكًا له، يقال دار فلان وعبد فلان وإن كان باعه، ألا ترى أنه يجوز إطلاق الاسم على الذات باعتبار ما كان، حتى يسمى القاضي بعد العزل قاضيًا وعلى هذا الوجه لا يثبت التناقض أقصى ما في الباب أن هذه الإضافة بطريق المجاز، والحمل على المجاز يعتبر بمطلق الكلام، ولكن البيان المعبر يصح موصولًا ولا يصح مفصولًا كالشرط والاستثناء وقد مر جنس هذه المسألة قبل هذا.
فإن قال: هذا العبد لفلان ثم مكث شهرًا، ثم ادعى أنه اشتراه من فلان أو أقام البينة وقالت الشهود: لا ندري أكان الشراء قبل الإقرار أو بعده، وقال المشتري: كان بعد الإقرار فإنه تقبل هذه الشهادة، ويقضى بالشراء لأنها لو لم تقبل إنما لم تقبل لمكان المناقضة وفيها احتمال لأنه يحتمل أن الشراء كان قبل الإقرار، فكان متناقضًا واحتمل أنه بعد الإقرار فلا يكون متناقضًا فلا تثبت المناقضة بالاحتمال، ولأن الشراء حادث والحوادث يحال بحدوثها إلى أقرب الأوقات وذلك ما بعد الإقرار.
وكذلك إذا قال عند القاضي: هذا العبد كان لفلان عام أول، ثم ادعى بعد ذلك أنه اشتراه منه وأقام البينة ولم يوقت الشهود وقتًا تقبل بينته؛ لأن إقراره بالملك في زمان سابق مؤكد لشراء المشتري بعده؛ لأن ملكه ينبني على ملك البائع، ودعواه الشراء للحال يؤكد الإقرار بالملك قبل الشراء؛ لأنه يستدعي قيام الملك للبائع عند الملك ليصح البيع فلم يكن متناقضًا.
وكذلك إذا قال: استوهبته منه عام أول فأبى أن يهبه لي، أو قال: ساومته عام أول، ثم ادعى الشراء منه لأن الاستيام والاستيهاب إقرار بالملك فكان هذا والأول سواء.
قال: ولا تبطل الشهادة إلا أن يوقتوا، وذكر في بعض الروايات إلا أن لا يوقتوا فإن كانت الرواية إلا أن يوقتوا، أراد به إلا أن يوقتوا وقتًا للشراء قبل الإقرار فإنه لا تسمع هذه الدعوى لأنه يكون متناقضًا بيقين، والتناقض يمنع صحة الدعوى، وإن كانت الرواية إلا أن لا يوقتوا فكلمة إلا ساقطة، ومعناه: فلا تبطل الشهادة إن لا يوقتوا، فيكون بيانًا أن ترك التوقيت لا يمنع سماع البينة، لأنه ليس فيه إلا السكوت، والسكوت وإن كان يحتمل التناقض، ولكن قد ذكرنا أن احتمال التناقض لا يمنع قبول البينة لاحتمال الشك فيه.
ولو أقر عند القاضي أن هذا العبد لفلان لا حق له فيه أو قال: كان العبد لفلان عام أول وأنه لم يكن له فيه حق يومئذ ولا دعوى، أو قال: كنت أقررت عام أول أن هذا العبد لفلان لا حق لي فيه، أو قال: لا حق لي فيه، ولم يقل: إنه لفلان ثم أقام البينة أنه اشتراه منه بألف درهم، فإن القاضي يسأل الشهود متى كان الشراء؟ فإن وقتوا للشراء وقتًا بعد الإقرار قبلت شهادتهم، وإن وقتوا وقتًا قبل الإقرار أو قالوا: لا ندري متى كان الشراء لا تقبل شهادتهم، فرق بين هذا وبينما إذا قال: هذا العبد لفلان ولم يقل: لا حق لي فيه ثم أقام البينة بعد شهر على الشراء أنه تقبل البينة وإن لم يوقت الشهود للشراء وقتًا.
والفرق: أن قوله هذا العبد لفلان، إخبار عن ملك المقر له في الحال، وقوله: لا حق لي فيه، نفي الملك لنفسه أصلًا فكان محكمًا في إسقاط حقه في الدعوى، فلا تسمع دعواه وبينته، إلا إذا وقت وقتًا بعد الإقرار حتى لا يؤدي إلى ارتفاع المضادة والتنافي بالاحتمال، وفي تلك المسألة ما نص على إسقاط حقه، والتناقض عارض، فلا يثبت بالاحتمال.
ولو أن رجلًا كتب لرجل: إني كنت ادعيت عليك ديونًا وبيوعًا وأشياء أخر ادعيتها عليك، وأقررت أنه لا حق لي قبلك ولا دعوى من شراء ولا غير ذلك، ثم أقام البينة على عبد المكتوب إليه أنه عبده اشتراه منه، أو أن له عليه ألف درهم قرض، أو أنه غصبه عبدًا فإنه لا تقبل هذه البينة إلا إذا وقتوا وقتًا بعد البراءة لأنه لما نص على البراءة عام أول، فقد أسقط جميع حقه قبله في العين والدين جميعًا فيكون متناقضًا في دعواه قبله فلا تسمع دعواه ولا تقبل البينة منه حتى يزول التناقض بيقين، وذلك بأن يوقت بعد البراءة، فأما مع الاحتمال فلا يزول التناقض فلا يبطل حكم البراءة بالشك.
وكذلك قال أبو حنيفة رحمه الله: من كتب لرجل براءة ثم أقام بينة على دين لم تقبل بينته، حتى يعلم أنه بعد البراءة لأن البراءة ثبتت بيقين، فلا يبطل حكمها إلا بيقين، وهو أن يكون سبب الوجوب بعد البراءة.
قال في كتاب (الأقضية): رجل قال: جميع ما في يدي من قليل أو كثير من عبد أو غيره لفلان، ثم مكث أيامًا ثم اختلفا في عبد في يده فقال المقر: لم يكن في يدي يوم أقررت، وقال المقر له: لا بل كان في يدك، فالقول قول المقر، وفرق بينه وبين البراءة فإن فصل البراءة إذا تنازعا في عبد بعينه يجعل داخلًا في البراءة حتى يثبت بالبينة أنه استفاده بعد البراءة، وهنا لم يجعله داخلًا تحت الإقرار.
والفرق: ما أشار إليه في (الكتاب): أنه من كان في يده شيء فهو له حتى يعلم أنه لغيره، وبيان هذا: أن في مسألة الإقرار المتنازع فيه في يد المقر حاجتنا إلى قطع يده فإن كان في يده يوم الإقرار يجوز قطع يده وإن لم يكن لا يجوز قطع يده واحتمل أنه لم يكن في يده يوم الإقرار فلا يجوز قطع يده بالشك، وفي مسألة البراءة: المال في يد المدعى عليه واحتمل حدوث الدين فيجوز قطع يده، واحتمل البقاء فلا يجوز قطع يده بالشك، فإذًا في الفصلين لم تبطل يد صاحب المال بالشك.
وذكر في بعض روايات (المبسوط): لو أن رجلًا قال: ما في حانوتي لفلان، ثم مكث أيامًا فادعى شيئًا مما في الحانوت أنه وضعه بعد الإقرار إنه يصدق، وهذه الرواية موافقة لرواية (الأقضية). وفي بعض روايات كتاب (الإقرار) قال: لا يصدق وهذه الرواية مخالفة لرواية (الأقضية)، وتأويل هذه الرواية: أنه ادعى بعد الإقرار في مدة لا يمكنه إدخال ذلك الشيء في الحانوت في تلك المدة بيقين، وفي هذا التأويل يثبت كون ذلك في الحانوت وقت الإقرار بيقين، وفي مسألة (الأقضية): لو تيقنا بكون المدعى في يد المقر وقت القرار، كان الجواب فيه كما ذكر في بعض روايات (الإقرار) أنه لا يصدق المقر والله أعلم.
قال محمد رحمه الله في (الجامع): دار في يدي رجل أقام رجل بينة أنها داره وقضى القاضي له بالدار، ثم أن المقضي له أقر أنها دار فلان لا حق لي فيها وصدقه فلان في ذلك فقال المقضي عليه للمقضي له: قد أكذبت شاهديك حين أقررت أنها لفلان لا حق لك فيها، وأقررت بخطأ القاضي في قضاءه فرد الدار عليّ أو قيمتها، فالقضاء ماض ولا سبيل للمقضي عليه، لا على الدار ولا على المقر ولا على المقر له، لأن قضاء القاضي قد نفذ من حيث الظاهر، وقوله: هذه الدار لفلان لا حق لي فيها محتمل يحتمل لا حق لي فيها من الأصل وكنت مبطلًا في الدعوى، وعلى هذا التقدير يصير مقرًا بخطأ القاضي ويجب نقض القضاء، ويحتمل لا حق لي فيها لأني ملكتها من المقر له بعد القضاء، وعلى هذا التقدير لا يصير مقرًا بخطأ القاضي، ولا يجب نقض القضاء، فلا يجب النقض بالشك.
فإن قيل: هذا الاحتمال إن كان لا يتأتى فيما إذا أقر المقضي له بذلك بعدما غابا عن مجلس القاضي، لا يتأتى فيما إذا أقر قبل الغيبة عن مجلس القاضي، والجواب فيهما واحد.
قلنا: لا بل يتأتى قبل الغيبة أيضًا، إذ يجوز أن المقضي له قد كان باع الدار من المقر له قبل القضاء له على أنه بالخيار ثلاثة أيام حتى لم تزل الدار عن ملكه لما أن خيار البائع يمنع زوال المبيع عن ملكه ثم إن المقضي عليه استولى على الدار وغصبها منه، فأقام صاحب الدار بينة قبل مضي الخيار أن الدار له، ثم لما قضى القاضي له بالدار يقضي مدة الخيار عقيبه، وعلى هذا التقدير كان المقضي له محقًا في دعواه أن الدار له، وكان الشهود صادقين في شهادتهم أنها للمشهود له، فكان المقر صادقًا في إقراره أنها صارت لفلان المقر له من جهته بعد القضاء؛ لأنها صارت للمقر له من جهة المقر بعد سقوط الخيار، وذلك بعد القضاء وإذا كان هذا الوجه محتملًا وبهذا الاحتمال لا ينقض القضاء، وقع الشك في نقض القضاء فلا ينقض بالشك.
ولو أن المقضي له قال: هذه الدار لفلان ما كانت لي قط، بدأ بالإقرار وهي بالنفي، أو قال: ما كانت لي قط إنما هي لفلان بدأ بالنفي، وهي بالإقرار وإنه على وجهين: إن صدقه المقر له في جميع ذلك، يرد الدار على المقضي عليه، ولا شيء للمقر له على المقر أما لا شيء للمقر له على المقر؛ لأن المقر ادعى ما يبطل إقراره لأنه يدعي أنها ما كانت له قط، وإقرار الإنسان لغيره بملك الغير لا يصح، والمقر له صدقه في ذلك فبطل إقراره، وأما يرد الدار على المقضي عليه لأن المقضي له أكذب شهوده من كل وجه، حيث أقر أن الدار لم تكن له قط، لأن قوله: ما كانت لي قط لا يحتمل ما كانت لي لأني ملكتها منه بعد القضاء، لأن ما لم يكن له لا يتصور تمليكه من غيره، فقد أكذب شهوده وأقر بخطأ القاضي من كل وجه والحق له فعمل إقراره وبطل القضاء.
ولو كان المقر له صدقه في الإقرار وكذبه في النفي عن نفسه بأن قال: الدار كانت للمقر له وهبها لي بعد القضاء، يقضى بالدار للمقر له، وعلى المقضي له للمقضي عليه قيمة الدار، وهذا الجواب لا يشكل فيما إذا بدأ بالإقرار ثم بالنفي، لأن إقراره صح ظاهرًا؛ لأن القاضي قضى له بالدار، وصح القضاء ظاهرًا فصح إقراره وصارت الدار مملوكة له ظاهرًا فإنما هو أقر بما هو مملوك له ظاهرًا وصارت الدار للمقر له، فإذا قال بعد ذلك: ما كانت لي قط، فقد أراد إبطال إقراره والرجوع عنه وقد كذبه المقر له في ذلك، فلم يبطل إقراره في حق المقر له، أما يشكل فيما إذا بدأ بالنفي، ثم بالإقرار وكان ينبغي أن لا يقضى بالدار للمقر له أول مرة ما كانت لي قط أكذب شهوده فيما شهدوا، لأنهم شهدوا له بالملك من الأصل وقد أقر أنها لم تكن له من الأصل، فقد أكذب شهوده وأقر ببطلان القضاء، وتكون الدار ملكًا للمقضي عليه، فإذا قال: ولكنها لفلان بعد ذلك، فقد أقر لفلان بملك الغير والإقرار بملك الغير إقرار باطل.
والجواب: قوله ما كانت لي قط، هذا نفي، وقوله: إنما هي لفلان، إثبات معطوف على النفي متصل به، والإثبات متى ذكر معطوفًا على النفي متصلًا به لا يقطع عنه، ألا ترى أن من أقر وقال: لفلان عليّ ألف درهم من ثمن جارية باعها مني، وقال المقر له: ليس لي عليك شيء من ثمن البيع، وإنما لي عليك ألف درهم من قرض، مقطوعًا عن صدر الكلام لما لزم المقر شيء كما لو سكت بين الكلامين سكتة، وإذا ثبت أن الإثبات غير منقطع عن النفي، كان الكل كلامًا واحدًا، فلا يظهر تقدم البعض على البعض، فكما يصح النفي يصح الإقرار، أو نقول: قوله: ما كانت لي قط متصلًا بالإثبات لغيره، يستعمل لتأكيد الإثبات عرفًا وعادة، وما يذكر تأكيدًا للشيء كان حكمه حكم ذلك الشيء، فلا يكون له حكم نفسه وصار من حيث المعنى كأنه قال: هذه الدار لفلان واقتصر عليه.
قالوا: ما ذكر محمد في (الكتاب) أن المقر له إذا صدق المقر في إقراره وكذبه في النفي، وقال: هذه الدار كانت للمقر إلا أنه وهبها لي وقبضتها منه بعد القضاء بالدار، يقضى بالدار للمقر له، محمول على ما إذا قال ذلك بعدما غابا عن مجلس القاضي حتى يمكن للقاضي تصديق المقر له في ذلك، فأما إذا قال ذلك في مجلس القضاء فقد علم القاضي بكذبه أنه علم أنه لم يجر بينهما هبة وقبض، والكذب لا حكم له، فينبغي أن لا يصح إقراره في هذه الصورة.
ثم إن محمدًا رحمه الله يوجب على المقر قيمة الدار للمقضي عليه، إنما أوجب؛ لأن في زعم المقر أن الدار ملك المقضي عليه وأن القاضي أخطأ في قضائه بالدار لي، وصرت غاصبًا لها وقد عجزت عن الرد بإقراري بالدار للمقر له، فصرت ضامنًا قيمتها، من مشايخنا من قال: هذا الجواب مستقيم على قول محمد رحمه الله، لأن غصب العقار عنده ينعقد موجبًا للضمان، غير مستقيم على قول أبي حنيفة رحمه الله، لأن عنده غصب العقار لا ينعقد موجبًا للضمان ومنهم من قال: لا بل هذا قول الكل؛ لأن المقر بإقراره للمقر له أتلف الملك على المقضي عليه.
وعند أبي حنيفة رحمه الله: العقار يضمن بإتلاف الملك، ألا ترى لو شهد شاهدان بدار لرجل وقضى القاضي بشهادتهما ثم رجعا عن شهادتهما، فإنهما يضمنان قيمة الدار للمشهود عليه، وإنما يضمنان بإتلاف الملك كذا هاهنا.
قال: ولو قال المقضي له: هذه الدار ليست لي وإنما هي لفلان وصدقه المقر له في ذلك، فالدار للمقر له، ولا ضمان على المقر للمقضي عليه، لأن قوله: ليست (لي) نفي للملك للحال ويحتمل أنه إنما نفاها للحال عن نفسه؛ لأنه ملكها من المقر له بعد القضاء، ويحتمل أنما نفاها للحال، عن نفسه، لأن لم تكن له من الأصل، فلا يثبت إكذاب الشهود فلا ينقض القضاء بالشك، وصار الجواب في قوله: هذه الدار ليست لي إنما هي لفلان، نظير الجواب في قوله: هذه الدار لفلان لا حق لي فيها.
ولو أن القاضي لم يقض بالدار للمدعي حتى قال: هذه الدار لفلان لا حق لي فيها، أو قال: هذه الدار ليست لي إنما هي لفلان، فالقاضي لا يقضي له بالدار؛ لأن كلامه محتمل يحتمل: لاحق لي فيها ليست لي؛ لأني ملكتها من فلان، وعلى هذا التقدير يجوز له القضاء ويحتمل: لا حق لي فيها ليست لي؛ لأنها لم تكن لي من الأصل، وعلى هذا التقدير لا يجوز له القضاء، فلا يجوز له القضاء بالشك قال: إلا أن يقول المقر في هذه الصورة: هي دار فلان، بعتها منه بعد شهادة الشهود أو يقول: وهبتها منه وقبضها مني بعدما غاب عن مجلس الشهادة، قال ذلك موصولًا بكلامه، فحينئذ القاضي يقضي له بالدار؛ لأن بهذا البيان انتفى احتمال أنه ليس له من الأصل وتعين الاحتمال الآخر، وهو صيرورتها لفلان بتمليك من جهته بعد شهادة الشهود، وعلى هذا التقدير يجوز له القضاء فلهذا يقضي له بالدار، ولكن يشترط أن يكون هذا البيان موصولًا بإقرار، لأن هذا بيان معبر، لأنه لو لم يتكلم بهذا البيان لكان لا يقضى له بالدار وبهذا البيان يقضى، فكان هذا بيان تعبير، وبيان التعبير يصح موصولًا ولا يصح مفصولًا كالشرط والاستثناء.
قال في كتاب (الأقضية): شاهدان شهدا لرجل بألف درهم من ثمن جارية، فقال المشهود له: إنه قد أشهدهما هذه الشهادة والذي لي عليه من ثمن متاع أجزت شهادتهما، قالوا: وتأويل المسألة: إذا شهدوا على إقرار المدعى عليه بالألف من ثمن الجارية، فالمسألة محفوظة مذكورة في غير موضع من الكتب أنه إذا ادعى على آخر ألف درهم من ثمن مبيع، وشهد له الشهود بالألف من ضمان جارية غصبها إياه وقد هلكت، أنه لا يقبل شهادتهم وبمثله في الإقرار تقبل شهادتهم، واعتبر تكذيب المدعي الشاهد في السبب، ولم يعتبر تكذيب المقر له في السبب، والوجه في ذلك: أن المدعي بتكذيب الشاهد في السبب كذبه في بعض ما شهد به، وتكذيب المشهود له الشاهد في بعض الشهادة مانع قبول الشهادة لأنه تفسيق له وشهادة الفاسق لا تقبل، والمقر له بتكذيب المقر في السبب إن كذبه في بعض ما أقر به: ولكن تكذيب المقر في بعض ما أقر به لا يمنع صحة إقراره، فإقرار الفاسق صحيح مقبول بخلاف شهادة الفاسق، إذا ثبت هذا ظهر أن المراد به الشهادة على إقراره، والإقرار الثابت بالشهادة كالثابت معاينة، وقد ذكرنا في الإقرار المعاين أنه صحيح، يلزم مع اختلافهما في السبب كذا هذا.
والدليل على تأويل المسألة ما قلنا: إن محمدًا رحمه الله قال في وضع المسألة: إن المشهود له قد أشهدهما هذه الشهادة، وهذا تنصيص على إقراره عندهما، فثبت أن تأويل المسألة ما قلنا من شهادتهما على الإقرار.
قال: وكذلك الكفالة لو شهدا أنه أقر أنه كفل بألف درهم عن فلان آخر، كان له أن يأخذه بالمال؛ لأنهما اتفقا فيما هو المقصود، فلا يضرهما الاختلاف في السبب. ولو قال الطالب: إنه لم يقر بها، وإنما أقر أنها كانت عن فلان الآخر فالشهادة باطلة، لأنه أكذب شاهده فيما شهد به من إقرار المطلوب، فبطلت شهادته بخلاف الأول لأنه لم يكذب شاهده، فثبت بشهادة إقرار المطلوب فصار كالمعاين، ثم هو كذب المطلوب في إقراره بسبب المال، وقد مر أن تكذيب المقر في بعض ما أقر به لا يمنع قبول إقراره فيما بقي.
قال محمد رحمه الله في (الجامع الصغير): في الرجل يدعي على رجل ألف درهم فيقول المدعى عليه: ما كان لك عليَّ شيء قط، أو قال: ليس لك عليَّ شيء، ثم أقام البينة على القضاء قبلت بينته؛ لأن التوفيق بين الكلامين ممكن، أما في قوله: ليس لك عليَّ شيء فظاهر، فإنه يقول: ليس لك عليَّ شيء لأني قضيته، وأما في قوله: ما كان لك عليَّ شيء قط، لأنه يمكنه أن يقول: لم يكن لك عليَّ شيء قط، لكن أذيتني بخصومتك الباطلة، فدفعت أذى خصومتك الباطلة بما طلبت مني.
ودلت هذه المسألة على أن التوفيق بين الكلامين إذا كان ممكنًا، فالقاضي يوفق ويقبل بينة المدعي من غير التوفيق، وذكر هذه المسألة في (المنتقى) وقال: قبل ذلك منه عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وإن قال: ما كان لك عليّ شيء قط، ولم أعرفك، ولم أكلمك، ولم أخالطك ثم أقام البينة على القضاء لا تقبل بينته، هكذا ذكر المسألة هاهنا، لأن التوفيق غير ممكن هاهنا إذ لا يتصور أن يكون بين شخصين خصومة وقضاء، ولا يعرف أحدهما صاحبه. وذكر (القدوري) عن أصحابنا أنه تقبل البينة، لأن الرجل عسى يدعي على امرأة أو رجل وهو محتجب في داره، ويؤذيه بالسب على باب داره، فيأمر بعض وكلائه أن يدفع إليه ما ادعى فيدفعه إليه الوكيل فيكون قد قضاه وهو لا يعرفه ثم يعرف بعد ذلك، هذا (إذا) أقام البينة على الدفع والقضاء، فأما إذا أقام البينة على الإبراء، لم يذكر محمد رحمه الله هذا الفصل هنا، قال بعض مشايخنا في شرح هذا الكتاب: ولا شك أن تقبل بينته في الفصل الأول والثاني، لأن وجه التوفيق فيهما ظاهر، وكذلك في الفصل الثالث، قال: ويجب أن يكون قبول البينة في الفصل الثالث على اتفاق الروايات، لأن التوفيق هاهنا ممكن، لأن الإبراء يتحقق من غير أن يعرف المدعى عليه صاحب الدين بأن كان لرجل على آخر دين، مات صاحب الدين وورث الدين ابنه ولم يعلم به المديون، ثم إن الابن أبرأه عن دينه أو أبرأ أهل بلد كذا عن دعاويه وديونه، والمدعى عليه من أهل ذلك البلد، فيكون داخلًا تحت الإبراء، وإن لم يعرفه ثم بعدما ادعى عليه وأنكر المدعى عليه المال، أخبر المدعى عليه شاهدان بما جرى من الأمر فعرف المدعي صاحب دينه، وأبرأه به إباه عن الدين، فأقام الشاهدان اللذان أخبراه بذلك فأما قضاء الدين ودفع المال إلى إنسان وهو لا يعرفه أصلًا لا يكون فيصير متناقضًا في دعوى الدفع.
وعن أبي يوسف أنه إن قال: لم يجر بيني وبينه معاملة ولكن أخبرني شهودي هؤلاء أنه ادعى علي حقًا، ثم أشهدهم أنه قد أبرأني منه ولم يجر بينه وبيني معاملة، قُبَل ذلك منه.
وذكر محمد رحمه الله في كفالة (الأصل): إذا قال المدعى عليه: لم يكن لك عليَّ شيء قط، أو قال: لم يكن لك علي دين قط، ثم أقام البينة على القضاء أو الإبراء سمعت بينته. قال الشيخ الإمام الأجل شيخ الإسلام خواهر زاده رحمه الله في شرح كتاب الكفالة: إن وفق فقال: دفعت المال إليه افتداء عن اليمين قطعًا لدعواه لا قضاء عن الدين، قبلت بينته، لأنه زالت المناقضة ويكون هذا في الحاصل دعوى الصلح على الإنكار، وإن قال: دفعته قضاء عن الدين لا تقبل بينته لتحقق المناقضة، وإن لم يبين شيئًا بل ادعى القضاء مطلقًا فالقياس أن تقبل بينته، وفي الاستحسان: لا تقبل كما في الشهادة على الألف والخمسمئة، قال: وكذلك في فصل الإبراء إن وفق وقال: لم يكن له علي دين، كما قلت إلا أنه أبرأني عن دعوى الدين، لا عن الدين تزول المناقضة، وتقبل بينته على الإبراء، وإن قال: أبرأني عن دعوى الدين لا تقبل بينته لمكان المناقضة، فإنه أقر أنه لم يكن عليه، ثم أقر أنه كان عليه دين لما ادعى الإبراء عن الدين، والمناقضة تمنع صحة الدعوى ولا تقبل البينة بدون الدعوى، وإن ذكر الإبراء مطلقًا ولم يبين أنه أبراه عن الدين أو عن دعوى الدين، فالقياس أن تقبل بينته.
وفي الاستحسان: لا تقبل.
قال ابن سماعة عن محمد رحمه الله: في رجل ادعى عليه عشرة آلاف درهم، فأنكرها فسأل الحاكم المدعي هل قبض من المال شيئًا، فأقر أنه قبض منه عشرة آلاف، فأبرأ الحاكم المدعى عليه من العشرة آلاف، فلما خرجا من عند الحاكم قال المطلوب: لا والله ما قبضتها مني، فجاء الطالب ببينته يشهدون على كلامه هذا، قال محمد رحمه الله: أقبل هذا من الطالب وأقضي بها عليه، وبمثله لو أقام الطالب البينة على المال لا تقبل ذلك منه؛ لأنه إنما لا تقبل البينة على المال للتناقض لمكان إقراره بالقبض، فإذا صدقه في ذلك وأقر أن القبض لم يكن انتفى التناقض، لأن التناقض يرتفع بتصديق الخصم، وبما أقام من البينة ثبت تصديقه فقبلت منه.
واستشهد لهذا الرجل أقر أن لفلان عليه عشرة آلاف درهم، فقال الطالب: ليس لي عليك شيء، فقد برئ المطلوب، لأن الإقرار يبطل بتكذيب المقر له، فإن قال المطلوب بعد ذلك: بلى لك علي عشرة آلاف درهم، فإنه يقضي به للطالب إذا ادعاها؛ لأنه استأنف الإقرار بالمال له، فإن صدقه في هذا الإقرار كان له أن يأخذه، كذلك في المسألة الأولى أثبت بشهادته إقراره مستأنفًا منه لم يتصل به التكذيب، فملك إثباته بالبينة قال محمد رحمه الله: وإن قال المطلوب: إنما قلت: ما قبضتها مني، وأنا أقيم البينة أنك قبضتها من وكيلي، لم تقبل بينته، لأن القبض من وكيله قبض منه أيضًا، فإقراره الأول ينتظمهما جميعًا، فإذا ادعى القبض من وكيله، كان متناقضًا في دعواه، فلم يسمع منه.
قال: ألا ترى أن رجلًا لو قال: والله ما قبض مني فلان من الألف التي له علي قليلًا ولا كثيرًا، كان هذا القول على نفسه، وعلى وكيله ورسوله؛ لأن الإنسان يعد قابضًا بيد وكيله عادة وقاضيًا على يد نفسه ووكيله، فكذلك هاهنا.
قال ابن سماعة: قال محمد رحمه الله: ولو جاء المطلوب ببينة يشهدان أن رجلًا أجنبيًا قضى هذا المال تطوعًا بها من ماله بغير أمر المطلوب، ولا وكلائه، فإني أقبل ذلك، وهذا يستقيم أن يقول: ما قبضتها مني، ولكن تطوع بأدائها عني، وهذا لأن فعل كل واحد يقتصر عليه بقضية الأصل، وإنما ينتقل إلى غيره بحكم الأمر، فإذا كان متطوعًا لم يوجد الأمر فبقي فعله مقصورًا عليه فلا يصير قابضًا من المطلوب، فلم تثبت المناقضة فقبلت الشهادة.
ولو قال المطلوب: ما قبضها فلان، كان هذا على قبض نفس المطلوب ووكيله، وعلى كل أحد أجنبي وغيره، ولا أقبل البينة أنه قبضها من رجل أجنبي، لأنه أضاف القبض إلى الألف، وأنه يصير قابضًا لها بقضاء المطلوب، ويتبرع الأجنبي بالقضاء حتى سقط الدين، فانتظر قبضه منه ومن غيره، فإذا ادعى القبض من أجنبي، كان متناقضًا في دعواه فلا تقبل بينته بخلاف الأول، فإن ثمة أضاف قبض الألف إليه بكلمة من، وأنها إنما تستعمل إذا كان القبض بتسليم من فلان ليحصل معنى العرف الذي وضعت كلمة من له، وبالقبض من الأجنبي لا يتحقق هذا المعنى، فلم تدخل تحت صدر الكلام فلم تثبت المناقضة فقبلت الشهادة، أما هاهنا فبخلافه على ما ذكرنا.

.الفصل الثالث والعشرون: في الشهادة على النسب:

رجل مات وترك عبدين وأمتين صغيرتين ولدتا في ملكه، وابن عم له لا وارث له غيره، فأعتق ابن العم الغلامين، فشهدا بعد عتقهما أن إحدى الجاريتين بعينها بنت الميت أقر بها في حياته وصحته، لم تقبل شهادتهما عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأنا لو قبلناها ابتداء أبطلناها انتهاء.
بيانه: أنه إذا ثبت نسبها من الميت ظهر أن الميراث كان بينها وبين ابن العم نصفين، فظهر أن العبدين كانا بينهما نصفين، فإن ابن العم لما أعتقهما لم يعتق منهما إلا نصيب ابن العم لما عرف من أصله أن الإعتاق يتجزأ، وكان معتق البعض عبده ومعتق البعض عبده بمنزلة المكاتب، وشهادة المكاتب باطلة وعندهما تقبل الشهادة، لأنا متى قبلنا شهادتهما في الابتداء لم نحتج إلى إبطالها في الانتهاء؛ لأنه ظهر أنهما شهدا وهما حرّان لا دين عليهما إن كان المعتق موسرًا، أو حرّان وعليهما دين إن كان المعتق معسرًا، وشهادة الحر مقبولة مديونًا كان أو غير مديون، فإن شهدا للجارية الأخرى بمثل ذلك بطلت الشهادة أيضًا عند أبي حنيفة رحمه الله، لأنه يصير لابن العم في هذا الوجه الثلث، فكان معتق البعض أيضًا، والتقريب ما مر.
وأما على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: إن شهدا للجارية الأخرى بذلك قبل قضاء القاضي للجارية الأولى قبلت شهادتهما، ويجعلهما ابنتين للميت، سواء كان ابن العم موسرًا أو معسرًا، لأنهما حرّان عندهما لم يجران إلى أنفسهما مغنمًا ولا دفعا عن أنفسهما مغرمًا بشهادتهما، بل أوجبا على أنفسهما ثلثي السعاية للابنتين إن كان ابن العم معسرًا، ولم يحولا ضمانًا وجب عليهما، أما إذا كان ابن العم موسرًا؛ فلأن يسار المعتق عندهما يمنع استبقاء العبد، وأما إذا كان معسرًا؛ فلأن القاضي لم يقض بالسعاية على العبد بعد، حيث لم يقض بكون الأولى بنتًا للميت، وتحويل الضمان قبل وجوب الضمان محال، فبعد ذلك إن كان المعتق معسرًا سعى كل واحد من العبدين في ثلثي قيمته للابنتين، وإن كان موسرًا ضمن ثلثي قيمة العبدين للابنتين نصفان، ولو كان ذلك بعد قضاء القاضي للبنت الأولى، فإن كان ابن العم موسرًا تقبل شهادتهما؛ لأن المعتق إذا كان موسرًا لم يجب للبنت الأولى عليهما السعاية، فهما بشهادتهما لم يحولا ضمانًا وجب عليهما للأولى إلى الثانية، وإن كان معسرًا فهذا على وجهين: أما إن أقرت الأولى للأخرى أو لم تقر، فإن لم تقر لم تقبل شهادتهما، لأنه وجب عليهما السعاية في نصف قيمتهما للأولى، فهما بشهادتهما يحولان سدس القيمة إلى الثانية، ولهما في هذا التحويل فائدة فلا تقبل شهادتهما وإن أقرت الأولى للأخرى تقبل شهادتهما، وإن حصل تحويل سدس القيمة من الأولى إلى الثانية، إلا أن هذا التحويل في الحاصل ما حصل بشهادتهما، إنما حصل بإقرار الأولى بدليل أنهما لو لم يشهدا بذلك كان سدس القيمة مما وجب عليهما محولًا إلى الأخرى، فلا يكون ذلك مانعًا قبول شهادتهما.
فكذلك لو كانا دفعا نصف القيمة إلى الأولى بقضاء أو بغير قضاء ثم شهدا للأخرى لا تقبل شهادتهما، لأنهما بهذه الشهادة يريدان إبطال بعض ما ملكا من الأولى وهو السدس، وإذا لم تقبل شهادتهما بقيت الأخرى أمة للأولى وابن العم، ولا يضمن الشاهدان للأخرى شيئًا، وإن أقرا لهما بسدس القيمة إلا أنها لما بقيت أمة كان الإقرار لها إقرارًا لمولاها ومولاها ابن العم والجارية الأولى وهما يكذبان الشاهدين في إقرارهما للأخرى بشيء، ومن أقر لمملوك إنسان بشيء وكذبه مولاه يبطل إقراره، فإن عتقت الأخرى يومًا من الدهر يضمن الشاهدان لها سدس قيمتها؛ لأنهما أقرا للأخرى بسدس قيمتها وهي تصدقهما في ذلك، فيضمنان لها ذلك، وهذا لا يشكل فيما إذا دفعا النصف إلى الأولى بقضاء قاض فلا يكون عليهما ضمانه، فكان عليهما ما بقي إلى ثلث قيمتهما، وذلك سدس قيمتهما لا غير إنما يشكل فيما إذا دفعا نصف قيمتها إلى الأولى بغير قضاء، وفي هذا الوجه يجب أن يضمنا للأخرى ثلث قيمتهما؛ لأنهما أقرا للأخرى بثلث قيمتهما ودفع السدس إلى الأولى كان بغير قضاء، فلا يبرآن منه، فكان عليهما ضمانه، وقد بقي عليهما سدس قيمتهما فيضمنان للأخرى ثلث قيمتهما لهذا.
وأجاب الفقيه أبو إسحاق الحافظ رحمه الله عن هذا الإشكال، وقال: بأن القاضي لما قضى عليهما بالسعاية الأولى في نصف القيمة فقد قضى بدفع نصف القيمة إلى الأولى، فبعد ذلك إن وجد القضاء بدفع النصف إليها مرة أخرى فهو تأكيد لذلك القضاء، وإن لم يوجد كان القضاء الأول كافيًا، والدفع متى حصل بقضاء يوجب براءة الدافع عن قدر المدفوع، ولو شهدا للأمة الأخرى أنها أخت الميت بعدما شهدا للأولى أنها ابنة الميت لا تقبل شهادتهما، قضى القاضي بشهادتهما أو لم يقض، لأن في قبولها ابتداء إبطالها انتهاء؛ لأنه يظهر أن الميت ترك ابنة وأختًا وابن عم، وفي هذه الحالة لا يكون لابن العم شيء لكون الأخت عصبة في هذه الحالة، فظهر أن إعتاق ابن العم العبدين كان باطلًا، وأنهما بقيا عبدين وشهادة العبد لا تقبل، ولا يضمن العبدان للأخت شيئًا. وإن أقرا لهما بنصف قيمتهما لما قلنا: فإن عتقت يومًا من الدهر ضمنا نصف قيمتهما لما مر.
رجل مات فشهد قوم عند القاضي لرجل أنه أخوه لأبيه وأمه ووارثه، لا وارث له غيره فقضى القاضي بذلك وقد كان للميت على رجل ألف درهم، فوهبه الأخ له أو وهب لإنسان عينًا من التركة، ثم شهد هذا الموهوب له ورجل آخر لإنسان أنه ابن الميت، جازت شهادتهما، لأن هذه شهادة على الموهوب له، فإنه يبطل بهذه الشهادة ما حصل له بالهبة من العين والدين فكانت هي من أصدق الشهادات، وكان ينبغي أن لا تقبل شهادته فيما إذا كان الموهوب عينًا، لأن الموهوب إذا كان عينًا فالهبة لا تتم إلا بقبول الموهوب له، فكان هو بهذه الشهادة ساعيًا في نقض ما تم به، وهذا مانع قبول الشهادة، والجواب عن هذا: أن يقال بأن السعي في نقض ما تم به إنما يمنع قبول الشهادة إذا كان هو لا يملك النقض بدون الشهادة، والموهوب له يملك الرد على الواهب من غير شهادة؛ لأن الهبة في جانب الموهوب له غير لازمة، وكان كالمرتهن إذا شهد لغيره بالرهن حتى لو كانت الهبة بشرط العوض وتقابضا، ثم إن الموهوب له شهد مع رجل آخر أن هذا الرجل ابن الميت، كانت شهادتهما باطلة، لأنه ساع في نقض ما تم به، وهو لا يملك ذلك بدون الشهادة، لأن الهبة بشرط العوض لازمة من الجانبين.
وصار هذا نظير ما لو اشترى رجل من هذا الأخ شيئًا من الميراث، ثم شهد هذا المشتري مع رجل آخر بما قلنا، لم تقبل شهادته لما قلنا، وإذا لم تقبل هذه الشهادة كان للمشهود له بديونه؛ لأن يأخذ من الموهوب له ومن المشتري ذلك العين إن كانت قائمة وقيمتها إن كانت هالكة، لأن الموهوب له زعم أن الهبة لم تصح، وكذلك المشتري زعم أن الشراء لم يصح، وأن هذا العين ملك الابن فيؤمران بالدفع إليه إن كان قائمًا وبرد القيمة إن كان هالكًا، والذي ذكرنا في الهبة كذلك الجواب في الصدقة، والله أعلم.

.الفصل الرابع والعشرون: في المتفرقات:

دابة في يدي رجل، يقال له محمد، فجاء رجل يقال له عمرو وقال: هذه الدابة التي في يد محمد كانت لزيد، أخذتها منه وديعة، ثم رددتها عليه، وقد مات زيد، فجاء وارثه لزيد وقال: هذه الدابة تصدق بها إلى زيد في حياته، وأنكر محمد ذلك، فجاء عمرو مع رجل آخر وشهدا بالدابة للمدعي، فإن كان الإيداع والرد معروفًا ظاهرًا قبلت شهادتهما للمدعي، لأن عمرًا بهذه الشهادة لم يدفع عن نفسه مغرمًا، لأن عمرًا إما إن كان مودع المالك بأن كان إيداع زيد إياه قبل التصدق بها على المدعي، أو كان مودعًا للغاصب بأن كان الإيداع من زيد بعد التصدق على المدعي والتسليم وأيهما كان فلا ضمان عليه إذا كان الرد ظاهرًا، لأن المودع يبرأ بالرد على المودع، سواء كان المودع غاصبًا أو مالكًا، فإذا برئ بالرد لم يدفع بهذه الشهادة عن نفسه مغرمًا وإن كان الإيداع ظاهرًا ولم يكن الرد ظاهرًا، لا تقبل شهادة عمرو، علل محمد رحمه الله وقال: لأنه دافع عن نفسه مغرمًا.
وطعن عيسى بن أبان فقال: ينبغي أن تقبل شهادته؛ لأنه ليس بدافع عن نفسه مغرمًا، لأنه إنما يكون كذلك إذا كان يضمن للمدعي، لو لم تقبل شهادته بإقراره السابق بالأخذ وبإقراره اللاحق أن الملك للمدعي للحال الحاصل في ضمن الشهادة فلا يضمن، لأنه بهذه الشهادة أقر بالملك للمدعي للحال وملك زيد كان ثابتًا بتصادقهما، والإيداع منه كان ظاهرًا، إلا أنه وقع الشك أن الإيداع منه كان قبل التصدق أو بعده، فإن كان قبل التصدق: كان مودع المالك حينئذ ويكون القول قوله في الرد، ولا يجب الضمان، وإن كان الإيداع بعد التصدق كان مودع الغاصب، فلا يبرأ عن الضمان متى لم يكن الرد ظاهرًا، فلا يجب الضمان بالشك، ومتى لم يجب الضمان لم يكن هو بهذه الشهادة دافعًا عن نفسه مغرمًا.
والجواب عن هذا الطعن: أنه إذا وقع الشك في كونه دافعًا عن نفسه مغرمًا وقع الشك في قبول شهادته، فلا تقبل شهادته بالشك والاحتمال.
وجواب آخر وهو الصحيح: لا بل عمرو بشهادته دافع عن نفسه مغرمًا متى لم يكن رده ظاهرًا، لأنه ربما يجيء مستحق آخر لهذه الدابة ويقيم البينة أن الدابة ملكه مطلقًا، وتكون للمستحق، يضمن عمرو إذا لم يكن الرد على زيد ظاهرًا، لأنه أقر أنها كانت في يده وديعة، وبالاستحقاق تبين أنه كان مودع الغاصب، ومودع الغاصب يضمن إذا هلكت الوديعة، ولم يكن الرد ظاهرًا، فهو بهذه الشهادة للمدعي رفع هذا الضمان عن نفسه؛ لأنا متى قبلنا هذه الشهادة وقضينا بالدابة للمدعي، لا يكون للمستحق تضمين المودع، لأن الدابة وصلت إلى وارث الغاصب، ووصولها إلى وارث الغاصب بمنزلة وصولها إلى الغاصب، ولو وصلت إلى الغاصب يبرأ المودع عن الضمان فكذا هاهنا، فكان دافعًا مغرمًا من هذا الوجه.
وفي (فتاوى الفضلي): رجل ادعى دارًا أنه ورثها من أبيه، وادعى آخر أنه اشتراها من أبيه ذلك، وشهد شهود المدعي للشراء بمجرد البيع فقالوا: باعها منه الميت، ولم يقولوا: وهو يملكها، والدار في يد مدعي الميراث أو مدعي الشراء، فالشهادة مقبولة، ويقضى بالدار لمدعي الشراء، وإن لم يشهدوا بالملك للميت ولا بالتسليم، إنما يحتاج شهادتهم في البيع إلى ذكر الملك والتسليم مع البيع إذا كان المشهود عليه لا يدعي ملك المدعي من جهة من يدعي المشهود له الشراء منه حيًا كان أو ميتًا، بل يدعي المدعي لنفسه لا من جهة ذلك، أما إذا كان المشهود عليه يدعي ملك المدعي من جهة من ادعى المشهود له الشراء منه لا يحتاج إلى ذكر الملك أو التسليم مع ذكر البيع، لأن المشهود عليه لما ادعى المدعي من جهة من يدعي المشهود له الشراء منه، فقد ثبت كون المدعى ملكًا لذلك باعترافه فاستغنى الشهود عن ذكر ملكه حينئذٍ قال في الكتاب: لأن شهادتهم على بيع الميت منه ليست بأقل من شهادتهم على إقرار الميت أن الدار لمدعي الشراء.
ولو شهدوا بهذا ومدعي الميراث يدعي أنها ميراث له عن الميت، لم يلتفت إلى دعواه، وقضى بالدار للمقر له، فكذا إذا شهدوا له بالشراء من غير ذكر ملك ولا تسليم، بخلاف ما إذا ادعى المشهود عليه ملك الدار لنفسه، لا من جهة أحد بعينه، حيث لا تقبل شهادتهم بمجرد البيع، لأن هنا لو شهد الشهود أن الذي ادعى المشهود له الشراء منه أقر أن الدار لمدعي الشراء، لم تقبل هذه الشهادة على المشهود عليه؛ لأنه يزعم الملك للمقر فالحاصل أنه اعتبر شهادتهم بمجرد البيع على الشهادة بالإقرار ففي كل موضع تقبل الشهادة على إقرار من يدعي المشهود له الشراء منه، لا تقبل الشهادة بمجرد البيع، والمسألة في شهادات (الأصل) وذكر ملك البائع وقت البيع ينظر في شهادات (الفتاوى الصغرى).
وفي (فتاوى أبي الليث): رجل له تسعة أولاد أقر في صحته وجواز إقراره أن لخمسة من أولاده فلان وفلان وفلان سماهم في الصك عليه ألف درهم، ثم مات، وأنكر سائر الورثة ذلك، فشهد الشهود بذلك عند الحاكم، وقالوا: لا نعرف الأولاد المقر لهم، لأنهم لم يكونوا حضورًا وقت الإقرار، فإن أقر سائر الورثة بأسامي هؤلاء ثبت المال بشهادة الشهود، ولو جحدوا كلّف المدعون إقامة البينة على أنهم مسمّون بالأسامي التي ذكرها الشهود، فإن أقاموها يقضي لهم بذلك إذا لم يكن في سائر الأولاد مثلهم في الأسامي.
قال محمد رحمه الله في (الجامع الكبير): رجل في يديه دار، أقام رجل بينة أنها دار فلان ابن فلان الفلاني أودعنيها فالقاضي يدفع الدار إلى المدعي، لأن المودع ينتصب خصمًا في الوديعة في إثبات الملك للمودع، لأنه مأمور بالحفظ ولا يتمكن من الحفظ إلا باسترداده من الغاصب، ولا يتمكن من ذلك إلا بإثبات الملك لمودعه، فكان خصمًا في إثبات الملك للمودع فقبلت بينته، كما لو أقامهما المودع بنفسه فإن لم يشهد شهود المدعي على هذا الوجه، ولكن شهدت شهوده أن فلانًا أودعها من المدعي، ولم يشهدوا أنها كانت لفلان، لا تقبل هذه الشهادة، لأن المدعي بهذه البينة لم يثبت الملك في الدار لصاحب الوديعة، وإنما أثبت أنه أودعها منه، والإيداع كما يكون من المالك يكون من غير المالك، فلم تكن هذه شهادة بالملك، وإنما هذه شهادة أنها كانت في يد المودع، وقد عرف القاضي زوال ذلك اليد، فلا يجوز إثباتهما بالبينة، وكذلك لو شهدوا أنها كانت في يد المستودع أمس لم يقض القاضي بشيء؛ لأن المودع لو كان يدعي الملك لنفسه لم يستحق بهذه الشهادة شيئًا، فكذلك إذا كان يدعيه لغيره، ولو ادعى المدعي رقبتها فشهدت شهوده أن فلانًا وهبها له، وقبضها منه أو اشتراها منه وقبضها ولم يشهدوا بالملك للبائع ولا للواهب، قبلت الشهادة، وعن أبي يوسف رحمه الله أنه لا تقبل، وإلى هذا أشار في (الكتاب)، فإنه نسب الجواب فيه إلى أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، فأبو يوسف قاس هذا على الإيداع.
والفرق لهما: وهو أن الشهود هنا شهدوا باليد عند مباشرة سبب الملك، وهو البيع والهبة والشهادة على اليد عند مباشرة سبب الملك، كالشهادة على الملك حكمًا، لأن الأملاك لا تعرف إلا بها، ولهذا إذا رأى عينًا في يد إنسان يتصرف فيها تصرف الملاك حل له أن يشهد بالملك له، فكانت هذه شهادة للمدعي، فقبلت بخلاف فصل الإيداع، لأن هناك الشهود ما شهدوا باليد عند مباشرة السبب؛ لأن الإيداع ليس من أسباب الملك بل هو نقل من يد إلى يد فلم تكن الشهادة على اليد عند الإيداع شهادة على الملك بخلاف البيع والهبة على ما مر.
بشر عن أبي يوسف رحمه الله: شاهدان شهدا على رجل أنه طلق امرأته ثلاثًا، فأنفذ القاضي شهادتهما، ثم ادعى أحد الشاهدين أنها امرأته تزوجها قبل الذي طلقها، وأتى على ذلك ببينة والمرأة تجحد فإنه لا يقبل ذلك منه، وكذلك لو لم يكونا شهدا أنها امرأته، وإنما شهدوا أنه طلق هذه ثلاثًا، وكذلك هذا في العتق والبيع وغير ذلك إذا جحد البائع دعوى الشاهد، وقال: المتاع لي، وكذلك إذا قال الشاهدان: نحن أمرناه بالبيع، لأن ما نفذ من الحكم بشهادتهما بمنزلة الإقرار منهما أنه لاحق لهما فيه، ولا في ثمنه وسواء كان البائع جاحدًا للبيع أو كان المشتري جاحدًا للشراء، ولو شهدا ورد الحاكم شهادتهما، ثم ادعياه لأنفسهما، فليس لهما في ذلك دعوى، وإن لم يشهدا عليه عند الحاكم ولكن شهدا المبايعة وحتما على الشراء من غير إقرار بكلام، فإن هذين لا تقبل لهما دعوى.
وذكر عن محمد رحمه الله: رجل شهد على رجل أنه طلق هذه المرأة ولم يشهد أنها امرأته، وأجاز القاضي شهادته عليها، ثم ادعى الشاهد أنها امرأته، وقال: لم أعرفها ولم أكن دخلت بها قبلت بينته، وكذلك لو شهد على إقرار المرأة أنها امرأته ولم يشهد أنها امرأته، فأجاز القاضي عليها إقرارها وجعلها امرأته، ثم أقام الشاهد بينة أنه تزوجها منذ سنة، وإني لم أعرفها قبلت بينته، ويبطل قضاء القاضي، ويردها على الشاهد، فصارت مسألة الطلاق مختلفة بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
في (أدب القاضي): إذا شهد شاهدان لمدعى على رجلين أن أحدهما باع الدار من هذا المدعي وسلم الآخر، ولا يعرف الشهود البائع فشهادتهما باطلة، لأن المشهود عليه مجهول.
بيانه: أن الشهادة بالبيع شهادة على البائع وبزوال ملكه عن المبيع ببدل، وهما لم يعرفا البائع فكان المشهود عليه مجهولًا من هذا الوجه.
وكذلك إذا شهدا على رجل أنه باع هذه الدار من أحد هذين الرجلين، ولا يعرفان المشتري بعينه، لأن المشهود عليه مجهول وهو المشتري، قال: ألا ترى أن في الأول لو قلنا: هذه الشهادة فإذا استحقت الدار من يد المشتري، فالمشتري على من يرجع بالثمن؟، وقال: ألا ترى أن في الفصل الثاني لو قبلنا هذه الشهادة فعلى من يلزم الثمن وينكره كل واحد منهما ويدفعه عن نفسه.
في (نوادر ابن سماعة) عن محمد: في شاهدين شهدا على رجلين، فقالا: نشهد أن هذين ضربا فلانًا فقتلاه، ضربه أحدهما بالسيف، والأخر بالعصا، لا ندري أيهما صاحب السيف وأيهما صاحب العصا فالشهادة باطلة، لأن القتل يختلف باختلاف الآلة، فإذا جهلا أيه فعل كل واحد منهما، صار فعل كل واحد منهما مجهولًا وجهالة المشهود به يمنع صحة الشهادة.
وكذلك إذا قالا: نشهد أنهما قطعا يديه فمات من ذلك، قطع أحدهما يمينه، والآخر يساره، عمدًا، أحدهما بحديدة، والآخر بعصا، ولا ندري من صاحب العصا منهما، أو لا ندري من قطع منهما اليمين ومن قطع منهما اليسار، أو قالا: جرحاه هاتين الجراحتين، لا ندري من جرح هذه ومن جرح هذه، فالشهادة في هذا كله باطلة؛ لأن الفعل يختلف باختلاف المحل وباختلاف الآلة، فإذا أقرا أنهما جهلا ذلك، فقد ضيعا شهادتهما حيث لم يمكنهما الشهادة على فعل معين معلوم، فلا تقبل شهادتهما.
ولو قالا: نشهد أنهما قطعا يده، قطع هذا يمينه والآخر يساره أو جرح هذا هذه، وهذا هذه ولا ندري بأي شيء جرحاه، فالقياس أن لا تجوز شهادتهما لما ذكرنا أنهما ضيعا شهادتهما بإقرارهما أنهما جهلا آلة القطع وآلة الجرح فبطلت شهادتهما، ولكنّا استحسنّا وجوزنا هذه الشهادة، لأنهما اتفقا على أصل الفعل وإن اختلفا في وصفه فقبلت شهادتهما فيما اتفقا عليه، ولأ