فصل: فرع على هذه المسألة للاستشهاد به:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحيط البرهاني في الفقه النعماني



.كتاب الدعوى:

هذا الكتاب يشتمل على سبعة وعشرين فصلًا:
1- الفصل الأول في معرفة المدعي والمدعى عليه.
2- في بيان صحة الدعاوى، وبيان ما يسمع منها وما لا يسمع.
3- في دعوى الملك المطلق في الأعيان.
4- في دعوى الملك المطلق في الأعيان بسبب نحو الشراء والميراث والهبة وما أشبه ذلك.
5- في دعوى الشراء والبيع.
6- في الاستحقاق وما هو في معنى الاستحقاق.
7- في الدعوى والبينات عليها.
8- في مقاسمة المدعي بطريق المنازعة أو العول.
9- في دعوى الميراث.
10- في دعوى الرجل النكاح على المرأة، وفي دعوى المرأة النكاح على الرجل الآخر.
11- في الرجلين يدعيان بالأيدي.
12- في دعوى النتاج.
13- فيما هو في معنى النتاج.
14- في دعوى الحائط.
15- في دعوى الطرق ومسيل الماء والمجاري والناوقات.
16- في القضاء لأحد الخارجين عند ظهور العدالة لشهوده ثم ظهور العدالة لشهود الخارج الآخر، وإقامة الخارج الآخر شهودًا بعد ذلك.
17- في دعوى الدين.
18- في إقرار المدعي بنقض ما قضاه المدعى عليه أو بغير ذلك عن نفسه، وفي دعوى المدعى عليه لنفسه بعض ما قضى به عليه.
19- في بيان ما يقع به التناقض في الدعوى وما لا يقع.
20- فيما يبطل دعوى المدعي من قوله أو فعله.
21- فيما يكون جوابًا من المدعى عليه وما يكون إقرارًا منه وما لا يكون.
22- في بيان من يصلح خصمًا ومن لا يصلح.
23- في بيان ما تندفع به دعواه وما لا تندفع، وفيه أنواع وأقسام.
24- في دعوى الوصية وجحود الوارث، وإقراره بالوصية لغيره، وفي دعوى الدين وجحود الوارث ذلك وإقراره بالوصية.
25- في دعوى الرجلين عبدًا في يد آخر، ودعوى كل واحد الإيداع من صاحب اليد، وإقرار صاحب اليد لأحدهما.
26- في دعوى الوكالة والكفالة والحوالة.
27- في دعوى العتق.
28- في دعوى النسب.
29- في الغرور.
30- في المتفرقات.

.الفصل الأول: في معرفة المدعي والمدعى عليه:

فنقول: اختلف العلماء في الحد الفاصل بينهما، والمروي عن محمد رحمه الله أنك تنظر إلى المنكر منهما، فهو المدعى عليه، وهذا صحيح؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام جعل المدعى عليه هو المنكر حيث قال: «واليمين على من أنكر»، فإن قيل: بهذا لا يحصل تمام الحد، فالإنسان قد يكون مدعيًا وتكون اليمين من جانبه، كالمودع إذا ادعى الرد، قلنا: المودع بدعوى الرد ينكر الضمان، والخصومة إنما جرت لأجل الضمان، فجعل اليمين في جانبه لهذا.
وقال بعضهم: المدعي من يحتاج إلى الإثبات والإضافة إلى نفسه، ولا يكفيه مجرد النفي بأن يقول لغيره: هذا العين ليس لك، فبهذا القدر لا يصير مدعيًا، ويحتاج إلى أن يقول: هذا العين لي والمدعى عليه لا يحتاج إلى الإثبات والإضافة إلى نفسه بل يكفيه مجرد النفي، فإن بمجرد قوله للمدعي هذا العين ليس لك يصير خصمًا، ويكفيه ذلك من أن يقول: هو لي.
وبعضهم قالوا المدعي: من يكون مخيرًا بين الخصومة والكف، وإذا ترك الخصومة يترك ولا يتبع، والمدعى عليه: من لا يكون مخيرًا بين الخصومة والكف عنها، وإذا ترك الخصومة لا يترك بل يتبع.
وبعضهم قالوا: المدعي: من يستعدي على غيره بقول غيره.
وبعضهم قالوا: المدعي: من يدّعي ويتمسك بما ليس بثابت، والمدعى عليه من يتمسك بما هو ثابت.
بيانه: فيما إذا ادعى عينًا في يدي إنسان أنه ملكه وأنكر ذو اليد دعواه وقال: هو ملكي، فالخارج يسمى مدعيًا، لأنه يدعي ما ليس بثابت له وهو الملك في هذا العين، وصاحب اليد يسمى مدعَيًا عليه؛ لأنه يتمسك بما هو ثابت له، وهو الملك بظاهر اليد.
فإن قيل: هذا يشكل بالمودَع إذا ادعى الرد، والمودِع ينكر، فالمودع يكون مدعى عليه حتى يحلف، وقد ادعى ما ليس بثابت وهو الرد، ورب الوديعة يكون مدعيًا وقد ادعى ما هو ثابت وهو عدم الرد.
قلنا: رب الوديعة من حيث المعنى مدعي ما ليس بثابت، وهو شغل ذمة المودَع بالضمان، والمودَع من حيث المعنى يتمسك بما هو ثابت وهو براءة ذمته والعبرة....، والخصومة وقعت لأجل الضمان.
قال محمد رحمه الله في كتاب الدعوى: وإذا كان في يدي رجل دار أو عبد أو شيء من الأشياء، فادعى رجل ذلك أو طائفة منه بشراء من مالكه أو بهبة أو صدقة أو وصية أو ميراث أو بوجه من وجوه الملك، أو ادعى عليه دينًا دراهمَ أو دنانير، أو شيئًا من الكيل أو الوزن أو ما أشبه ذلك، أو ادعى عليه كفالة بمال أو نفس أو ادعى عليه بيعًا أو إجازة، فالمنكر هو المدعى عليه، والطالب هو المدعي، وإنه يخرج على العبارات كلها.
ولو كان المدعى عليه أقر بدعوى المدعي إلا أنه ادعى القضاء والإبراء في دعوى الدين، أو ادعى الإبراء في دعوى الكفالة بالنفس أو الكفالة بالمال، أو ادعى الفسخ في الإجارة أو الإقالة في البيع، فالطالب في الدعوى الأول هو المدعى عليه في هذه الدعوى، والمدعى عليه في الدعوى الأول هو المدعي في هذا الدعوى، وإنه يخرج على العبارات كلها.
قال في كتاب الغصب: رجل غصب ثوبًا أو دابة واستهلكه أقام المغصوب منه بينة على قيمته وأقام الغاصب بينة على قيمته أقل من ذلك، فالبينة بينة المغصوب منه، إما لأن المغصوب منه هو المدعي لما ذكرنا من العبارات، وإما لأن المغصوب منه ببينته يثبت زيادة في قيمة المغصوب وينفيها بينة الغاصب، والبينات شرعت في طرف الاثبات لا في طرف النفي، وإن لم يكن لهما بينة، فالقول في الزيادة قول الغاصب مع يمينه؛ لأنه يدعي عليه في الزيادة على العبارات التي ذكرنا، والقول قول المدعى عليه مع اليمين. وإن أقام الغاصب بينة على قيمته، ولا بينة للمغصوب منه فللمغصوب منه أن يستحلف الغاصب، ولا يلتفت إلى بينته، لأن الغاصب هو المدعى عليه، والذي في جانب المدعى عليه اليمين دون البينة.
وإن قال الغاصب: أنا أرد اليمين على رب الثوب وأعطيه ما حلف ورضي به رب الثوب، لا يلتفت إلى قولهما؛ لأن اليمن شرعت في جانب المدعى عليه وليس إلى العباد تغيير المشروعات.
وذكر محمد رحمه الله في كتاب الاستحلاف رد اليمين إلى المدعي في مسألة، وصورتها: رجل ادعى على رجل أنه غصبه ثوبًا وأقر الغاصب بذلك، واختلفا في قيمة الثوب، فقال المغصوب منه: كانت قيمة ثوبي مئة، وقال الغاصب: لا أدري ما كانت قيمته، ولكن علمت أن قيمته لم تكن مئة، فالقول قول الغاصب مع يمينه؛ لأن المغصوب منه يدعي زيادة قيمته عليه وهو ينكر، ويجبر الغاصب على البيان؛ لأنه أقر بقيمة مجهول، فيؤمر بالبيان وإن (لم) يخبر بشيء يحلف على ما يدعي المغصوب منه من الزيادة، فإن حلف ولم يثبت ما ادعاه المغصوب منه ذكر أن المغصوب منه يحلف أن قيمة ثوبه مئة، ويأخذ من الغاصب مئة درهم.
طعن الحاكم الإمام أبو محمد الكوفي على محمد رحمه الله فيما ذكر أن المغصوب منه يحلف أن قيمة ثوبه مئة ويأخذ من الغاصب مئة درهم، وقال: المغصوب منه يدعي زيادة القيمة، واليمين لم تشرع حجة للمدعي عندنا، وقال: الجواب الصحيح عندي أن بعدما أبى الغاصب بيان القيمة، فالقاضي يوقفه بين يديه، ويقول: أكانت قيمة الثوب مئة؟ أكانت خمسون؟ أكانت ثلاثون؟ إلى أن ينتهي إلى أقل ما يجوز أن تنقص قيمة الثوب منه في العرف والعادة، فإذا انتهى إلى ذلك ألزمه ذلك وجعل القول قوله في الزيادة مع يمينه، وجعل الجواب فيه نظير الجواب فيما إذا أقر بحق مجهول في عين في يديه، وأبى أن يبين مقداره، فالقاضي يوقفه بين يديه ويسمي السهام حتى ينتهي إلى أقل السهام الذي يقصد بالملك عادة، فيلزمه ذلك ويجعل القول في الزيادة قوله مع يمينه.
ومنهم من اشتغل بتصحيح ما ذكر في (الكتاب)، وجه ذلك: أن الإقرار بالمجهول صحيح، وقطع الخصومة وإيصال المقر له إلى حقه واجب، ويقدر إيصال المقر له إلى حقه بالطريق الذي قلتم؛ لأن موضوع المسألة أنه أقر بغصب ثوب، والثياب أجناس، فالقاضي لا يدري أن هذا أقل ما يصلح أن يكون قيمة الثوب، لأن ما من ثوب من جنس هو أقل ذلك الجنس إلا وثوب آخر من جنس آخر يكون أقل منه، بخلاف المسألة التي استشهد بها، لأن أقل المقدار الذي يقصد بالتملك معلوم من حيث العادة، فأمكن للقاضي إلزام المقر ذلك، أما هاهنا بخلافه ولا وجه إلى أن يقضي بمئة درهم كما يدعيه المغصوب منه، لأن الغاصب حلف على ذلك، فلم يبق للقاضي طريق قطع الخصومة وإيصال المقر له إلى حقه إلا ما قلنا وما نقول بأن يمين المغصوب منه يمين المدعي.
قلنا: يمينه يمين المدعي من وجه من حيث إنه يدعي أن قيمة الثوب مئة ولم يثبت ذلك، لما أنكر الغاصب ذلك ويمين المدعى عليه من وجه من حيث إن أصل الاستحقاق ثابت بإقرار الغاصب، فإن الإقرار بقيمة مجهولة صحيح، وإنما الحاجة إلى فصل الخصومة، واليمين شرعت لفصل الخصومة، فكانت بمنزلة يمين المدعى عليه من هذا الوجه، ويمين المدعى عليه من كل وجه مما يجوز أن يفصل بها الخصومة، فكذا يمين المدعى عليه من وجه، وهذه المسألة من الغرائب لا توجد إلا في كتاب الاستحقاق فيجب حفظها.

.الفصل الثاني: في بيان صحة الدعاوى وبيان ما يسمع منها وما لا يسمع:

يجب أن يعلم بأن الدعوى لا تخلو، إما أن تقع في العين أو في الدين، فإن وقعت في الدين فإن كان المدعى مكيلًا، فإنما تصح الدعوى إذا ذكر المدعي جنسه أنه حنطة أو شعير، وبعدما ذكر الجنس بأن ذكر أنه حنطة يذكر مع ذلك نوعها أنها سقية أو برية، أو خريفية أو ربيعية، ويذكر مع ذلك صفتها أنها جيدة أو وسطية أو رديئة، كدم سفيدة أو كندم سرخة، ويذكر وزنها بالكيل، فيقول: كذا قفيزًا، لأن المقدر في الحنطة الكيل، ويذكر بقفيز كذا؛ لأن القفزان تتفاوت في ذاتها، ويذكر سبب الوجوب؛ لأن أحكام الديون تختلف باختلاف أسبابها، فإنه إذا كان بسبب السلم يحتاج فيه إلى بيان مكان الإيفاء ليقع التحرز عن الاختلاف، ولا يجوز الاستبدال به قبل القبض، وإن كان من ثمن بيع يجوز الاستبدال به قبل القبض، ولا يشترط فيه مكان الإيفاء، وإن كان من قرض لا يجوز التأجيل فيه، بمعنى أنه لا يلزم، ويذكر في السلم سائر شرائط صحته من إعلام جنس رأس المال ونوعه وصفته وقدره بالقدر إن كان رأس المال وزنيا وإنفاذه في المجلس حتى يصح عند أبي حنيفة رضي الله عنه وأشباه ذلك على ما عرف في كتاب البيوع.
ولو قال: بسبب السلم الصحيح ولم يبين شرائط صحة السلم، كان القاضي الإمام شمس الإسلام محمود الأوزجندي يفتي بصحة الدعوى، وغيره من المشايخ كانوا لا يفتون بصحته؛ لأن للسلم شرائط كثيرة، لا يقف عليها إلا الخواص من الناس، وربما نطق المدعي صحته ولا يكون صحيحًا في نفسه.
وفي دعوى البيع إذا قال: بسبب بيع صحيح جرى بينهما في جارية قد سلمها إليه صح الدعوى بلا خلاف، إذ ليس للبيع شرائط كثيرة تخفى على العامة، وعلى هذا في كل سبب له شرائط كثيرة يشترط بيان الشرائط لصحة الدعوى عند عامة المشايخ، ولا يكتفي بقوله بسبب كذا صحيح، وإن لم يكن له شرائط كثيرة يكتفى بقوله بسبب كذا صحيح.
ويذكر في القرض القبض وصرف المستقرض ذلك إلى حاجة نفسه يصير ذلك دينًا عليه بالإجماع؛ لأن عند أبي يوسف المستقرض لا يصير دينًا في ذمة المستقرض إلا بصرفه إلى حاجة نفسه.
وكذلك يذكر في دعوى القرض أنه أقرضه كذا من مال نفسه؛ لجواز أن يكون وكيلًا في الإقراض، والوكيل في الإقراض معار ومعير، فلا يصير ذلك دينًا له في ذمة المستقرض، ولا يثبت له حق المطالبة بالأداء، وإن كان المدعى به وزنيا فإنما تصح الدعوى إذا بين الجنس بأن قال: ذهب أو فضة، فإن بين الجنس بأن قال ذهب، فإن كان مضروبًا يقول: كذا دينارًا، ويذكر نوعه أنه بخاري الضرب أو نيسابوري الضرب أو ما أشبه ذلك.
قالوا وينبغي أن يذكر صفته أنه جيد أو وسط أو رديء، فاعلم بأن هذه الدعوى إن كان بسبب البيع، فلا حاجة إلى ذكر الصفة إذا كان في البلد نقد واحد ظاهر معروف؛ لأن مطلق البيع ينصرف إلى نقد البلد ويصير ذلك كالملفوظ في الدعوى، فلا يشترط البيان إلا إذا كان قد مضى من وقت البيع إلى وقت الخصومة زمان طويل، بحيث لا يعلم نقد البلد في ذلك الوقت فحينئذ لابد من بيان أن نقد البلد في ذلك الوقت كيف كان، وبيان صفته بحيث تقع المعرفة من كل وجه.
وإن كان في البلد نقود مختلفة والكل في الرواج على السواء ولا صرف للبعض على البعض، يجوز البيع ويعطي المشتري للبائع أيَّ النقدين شاء، إلا أن في الدعوى لابد من تعيين أحدهما، وإن كان الكل في الرواج على السواء، وللبعض صرف على البعض كما كانت الغطريفية والعدلية في ديارنا، قيل: هذا لا يجوز البيع إلا بعد بيانه، وكذا لا تصح الدعوى من غير بيانه.
وإن كان أحد النقدين أروج والآخر أفضل، فالعقد جائز وينصرف إلى الإرواج، ويصير ذلك كالملفوظ في الدعوى، فلا حاجة إلى البيان إلا إذا كان قد مضى زمان طويل من وقت العقد إلى وقت الخصومة، بحيث لا يعلم الأروج وقت العقد على نحو ما بينا قبل هذا.
وإن كان هذا الدعوى بسبب القرض والاستهلاك، فلابد من بيان الصفة على كل حال؛ وعند ذكر النيسابوري أو البخاري لا حاجة إلى ذكر الأحمر؛ لأن النيسابوري لا يكون إلا أحمر وكذلك البخاري لا يكون إلا حمراء، ولابد من ذكر الجيد عليه عامة المشايخ؛ لأن ذكر النيسابوري لا يثبت ذكر الجيد؛ لأن النيسابوري ما يكون مضروبًا في نيسابور أو ما يكون عليه سكة نيسابوري، وما يكون مضروبًا في نيسابور أو يكون عليه سكة نيسابور قد يكون جيدًا وقد لا يكون، وفي (فتاوى النسفي): إذا ذكر أحمر خالص ولم يذكر الجيد كفاه.
ولا بد من ذكره أنه ضرب أي وال عند بعض المشايخ؛ لأن في مضروب الولاة تفاوت، وبعض مشايخنا لم يشترطوا ذلك وإنه أوسع، والأول وإن ذكر كذا دينارًا نيسابوريًا مسقدة وفارسية سره كرده، ولم يذكر الجيد، فقد اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: لابد من ذكر الجيد مع ذلك، لأن المسقدة قد تكون جيدة وقد تكون رديئة، وقال بعضهم: لا حاجة إلى ذكر الجيد مع ذلك وهو الصحيح. ولو ذكر الجيد ولم يذكر المسقدة، فالدعوى صحيحة، لأن الجيد لابد وأن يكون مسقدًا، فأما المنتقد قد يكون جيدًا وقد يكون رديئًا.
وإن لم يكن الذهب مضروبًا لا يذكر في الدعوى كذا دينارًا، وإنما يذكر كذا مثقالًا، فإن كان خالصًا من الغش يذكر ذلك، وإن كان فيه غش يذكر ذلك نحو الده نوهي أو الده هشتي أو ما أشبه ذلك، وإن كان المدعى به نقده وكان مضروبًا ذكر نوعها وهو ما يضاف إليها وصفتها أنها جيدة أو وسطة أو رديئة، ويذكر قدرها أنه كذا درهمًا وزن سبعة؛ لأن وزن الدراهم يختلف باختلاف البلدان والذي في ديارنا وزن سبعة وهو الذي كل عشرة منها بوزن سبعة مثاقيل.
قيل: وإن كانت الفضة غير مضروبة إن كانت خالية عن الغش يذكر كذا فضة خالصة عن الغش، ويذكر نوعها نقرة كليحة أو نقرة طمغاجيّ، ويذكر صفتها أنها جيدة أو وسطة أو رديئة، ويذكر قدرها كذا درهمًا، وقيل: إذا ذكر كذا طمغاجي كفاه ولا حاجة إلى ذكر الجيد، وإن كان المدعى به دراهم مضروبة والغش فيها غالب إن كان يعامل به وزنًا يذكر نوعها وصفتها ومقدار وزنها، وإن كان يعامل بها عددًا يذكر عددها.
وإذا ادعى الحنطة أو الشعير بالمنّ وبيّن أوصافه، فقد قيل: لا تصح هذه الدعوى؛ لأن المدعى مجهول، لأن المقدار في الحنطة والشعير إنما عرف بالحديث المعروف، وقيل: لا بل الدعوى صحيحة، لأن الكيل في الحنطة والشعير إنما عرف مقدارًا عند المقابلة بالجنس، ولهذا جاز بيع الحنطة موازنة بالدراهم، ففي الدعوى يحمل على بيع عين من الأعيان بحنطة في الذمة، والمختار في الفتوى أن يسأل المدعي عن دعواه، فإن ادعاه بسبب القرض أو بسبب الاستهلاك لا يفتى بالصحة؛ لأن ذلك مضمون بالمثل، وإن ادعاه بسبب بيع عين من الأعيان بحنطة في الذمة أو بسبب السلم يفتى بالصحة، وإن ادعاه مكايلة حتى صح الدعوى بلا خلاف، وأقام البينة على إقرار المدعى عليه بالحنطة أو الشعير، ولم يذكر الصفة في إقراره قبلت البينة في حق الجبر على البيان، لا في حق الجبر على الأداء.
وإذا ادعى الدقيق بالقفيز لا يصح؛ لأن المدعى مجهول، لأن المقدر في الدقيق الوزن دون القفيز؛ لأن الدقيق مكبس بالكبس بخلاف الحنطة، وإذا ذكر الوزن حتى صح الدعوى لابد وأن يذكر خشك آردا وشسته، ويذكر مع ذلك يونحته او ناويخته، ويذكر مع ذلك أنه جيد أو وسط أو رديء، وأما إذا وقع الدعوى في العين، فإن كان المدعى به منقولًا وهو مالك، ففي الحقيقة الدعوى في الدين، فيشترط بيان القدر والجنس والنوع والصفة كما في سائر الديون، هذا هو المذكور في الكتب المشهورة.
قال رضي الله عنه: وكتبت في الشهادات من هذا المجموع عن (فتاوى أبي الليث): أن من ادعى على آخر أنه استهلك دوابًا له عددًا معلومًا، وأقام على ذلك بينة ينبغي للمدعي أن يبين الذكر والأنثى، وينبغي للشهود أيضًا أن يبينوا ذلك، وإن لم يبينوا ذلك، قال الفقيه أبو بكر رضي الله عنه: أخاف أن تبطل الشهادة، ولا يقضى للمدعي بشيء من دعواه، وإن تبينوا الذكور والإناث جازت شهادتهم، ولا يحتاج إلى ذكر اللون؛ لأن باختلاف اللون؛ لا تختلف المنافع، ولا يصير المشهود به مختلفًا ولا كذلك الذكورة والأنوثة.
قيل: اشتراط ذكر الذكورة والأنوثة في هذه الصورة مستقيم خصوصًا على أصل أبي حنيفة رضي الله عنه؛ لأن القضاء بالقيمة عنده بناء على القضاء بملك المستهلك؛ لأن حق المالك باق في العين المستهلك على أصله، وإنما ينتقل الحق إلى القيمة بقبض القيمة أو بقضاء القاضي بالقيمة، حتى قال: يجوز الصلح عن العين المغصوب المستهلك على أكثر من قيمته، وإذا كان القضاء بالقيمة بناء على القضاء بملك المستهلك لابد من بيان المستهلك في الدعوى والشهادة ليعلم القاضي أنه بماذا يقضي.
وهذا القائل يقول مع ذكر الأنوثة والذكورة لابد من ذكر النوع بأن يقول: فرس أو حمار أو ما أشبه ذلك، ولا يكتفي بذكر اسم الدابة؛ لأنها مجهول النوع، ولا يحتاج إلى ذكر اللون كما في الوكالة.
ومن المشايخ من أبى ذكر الأنوثة والذكورة وقال: المقصود من دعوى الدابة المستهلك القيمة، فالمدعي والشهود لا يستغنون عن بيان القيمة، والشهادة على القيمة مقبولة، وكذلك دعوى القيمة مسموع، فلا حاجة إلى بيان الذكورة والأنوثة كما في اللون، ألا ترى أن من ادعى على آخر مالًا مقدرًا وشهد الشهود له بذلك، فسألهم القاضي عن السبب فقالوا: استهلك عليه دابة، فالقاضي يقبل ذلك منهم وطريقة ما قلنا.
وكذلك الرجلان إن ادعيا نكاح امرأة ميتة وأقاما البينة، فالقاضي يقضي لهما بالميراث والقضاء بالنكاح لرجلين على امرأة واحدة متعذرة، ولكن طريق القبول أن المقصود من دعوى النكاح بعد الموت دعوى الميراث، ولا تنافي في الميراث؛ فيقضى لهما بالميراث لهذا، والأول أصح.
ووجه الفرق بين هذه المسألة وبين مسألة دعوى النكاح أن دعوى النكاح من كل واحد من المدعيين صحيح، والشهادة من كل فريق من الشهود أيضًا صحيحة، إلا أن في حالة الحياة لا يقضي بالنكاح؛ لأن المقصود من النكاح حالة الحياة الحل، وإنه لا يقبل الشركة فلم يقض بالنكاح في حالة الحياة لهذا المعنى، لا لخلل في الدعوى والشهادة، أما بعد الموت المقصود هو الميراث، والقضاء بالميراث لهما ممكن فقضينا، أما في مسألتنا الدعوى لم تصح، وكذلك الشهادة؛ لأن المدعي ادعى ملك المتلف والشهود شهدوا بملك المتلف أيضًا، والقاضي يقضي بملك المتلف أولًا ثم يقضي بالقيمة بناء على ذلك، والقضاء بالمجهول لا يصح فلا يقضي.
وفيما إذا ادعى مالًا مقدارًا وشهد الشهود بذلك وبينوا السبب استهلاك الدابة يقول بأن القاضي لا يقضي بشهادتهم إذا لم يبينوا النوع ولم يبينوا الصفة الذكورة أو الأنوثة مع ذلك، هذا إذا كان المدعى به منقولًا وهو هالك.
فأما إذا كان المنقول قائمًا، فإن أمكن إحضاره مجلس الحكم، فالقاضي لا يسمع دعوى المدعي ولا شهادة شهوده إلا بعد إحضار ما وقع فيه الدعوى مجلس الحكم حتى يشير إليه المدعي والشهود لتنقطع الشركة بين المدعى به وغيره من كل وجه، وهذا لأن إعلام المدعى به والمشهود به على وجه تنقطع الشركة بينه وبين غيره من كل وجه شرط سماع الدعوى والبينة إذا أمكن الإعلام على هذا الوجه والإعلام على هذا الوجه في المنقول الذي يمكن إحضاره مجلس الحكم ممكن بإحضاره مجلس الحكم، فيشترط إحضاره.
قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: ومن المنقولات ما لا يمكن إحضاره عند القاضي كالصبرة من الطعام والقطيع من الغنم، والقاضي فيه بالخيار إن شاء حضر ذلك الموضع لو تيسر له ذلك وإن كان لا يتهيأ له الحضور وكان مأذونًا بالاستخلاف يبعث خليفته إلى ذلك الموضع.
قال محمد رحمه الله: وهو نظير ما إذا كان القاضي يجلس في داره، ووقع الدعوى في حمل، ولا يسع باب داره، فإنه يخرج إلى باب داره، أو يأمر نائبه حتى يخرج ليسير إليه الشهود بحضرته.
وفي (القدوري): إذا كان المنقول المدعى به شيئًا يتعذر نقلها كالرحى، فالحاكم بالخيار إن شاء حضرها، وإن شاء بعث أمينًا، فإن وقع الدعوى في عين غائب لا يعرف مكانه بأن ادعى رجل على رجل أنه غصب منه ثوبًا أو جارية لا يدري أنه قائم أو هالك، فإن بيّن الجنس والصفة والقيمة فدعواه مسموعة وبينته مقبولة، وإن لم يبين القيمة، أشار في عامة الكتب الى أنها مسموعة، فإنه ذكر في كتاب الرهن:
إذا ادعى رجل على رجل أنه رهن عنده ثوبًا وهو ينكر، قال: يسمع دعواه. وقال في كتاب الغصب: رجل ادعى على غيره أنه غصب منه جارية، وأقام بينة على ما ادعى تسمع دعواه وتسمع بينته، بعض مشايخنا قالوا: إنما تسمع دعواه إذا ذكر القيمة، وهذا القائل يقول: تأويل ما ذكر في (الكتاب) هذا.
وكان الفقيه أبو بكر الأعمش رحمه الله يقول: تأويل ما ذكر في (الكتاب) أن الشهود شهدوا على إقرار المدعى عليه بالغصب، فثبت غصبه الجارية بإقراره في حق الجنس والقضاء جميعًا، قال شمس الأئمة الحلواني وعامة المشايخ على أن هذه الدعوى صحيحة والبينة مقبولة، ولكن في حق الجنس وإطلاق محمد في الكتاب يدل عليه.
قال الشيخ الإمام الزاهد فخر الإسلام علي البزودي: إذا كانت المسألة مختلفة ينبغي للقاضي أن يكلف المدعي بيان القيمة، فإذا كلفه ولم يبين يسمع دعواه، وهذا لأن الإنسان قد لا يعرف قيمة ماله، فلو كلفه بيان القيمة فيه فقد أضرّ به إذ يتعذر عليه الوصول إلى حقه، وإذا سقط بيان القيمة من المدعي سقط من الشهود من الطريق الأولى، وتمام المسألة مرت في كتاب الغصب، وإن وقع الدعوى في العقار، فلابد من ذكر البلدة التي فيها الدر المدعى به، ثم من ذكر المحلة، ثم من ذكر السكة، يبدأ بالأعم، وهو البلد ثم بالأخص.
وهذا فصل اختلف فيه أهل الشروط، قال بعضهم يبدأ بالأعم، وقال بعضهم بالأخص، وعند أهل العلم له الخيار إن شاء يبدأ بالأعم، وإن شاء بالأخص؛ لأن المقصود هو التعريف، والتعريف حاصل بالكل، ولابد من ذكر حدود الدار بعد هذا، قال جماعة من أهل الشروط: ينبغي أن يذكر في الحدود لزيق دار فلان؛ ولا يذكر دار فلان لأنه حينئذ يصير دار فلان يدعي به؛ لأن الحد يدخل في المحدود، وعندنا كلا اللفظين على السواء، أيهما ذكر فهو حسن؛ لأن المقصود تعريف الدار المدعى به باتصالها بدار فلان، وإنه حاصل باللفظين جميعًا، وما يقول بأن الحد يدخل في المحدود ليس كذلك؛ لأن الحد غاية والغاية لا تدخل تحت المضروب له الغاية، وإن ذكر حدين لا يكفي في (ظاهر الرواية) عند أصحابنا رحمهم الله، وإن ذكر ثلاثة حدود كفاه، وكذلك في الشهادة إذا ذكر الشهود ثلاثة حدود قبلت شهادتهم، وكيف يحكم بالحد الرابع في هذه الصورة؟
قال الخصاف رحمه الله في (وقفه): جعل الحد الرابع بإزاء الحد الثالث حتى ينتهي إلى مبتدأ الحد الأول أي بإزاء الحد الأول، وإذا ادعى على آخر مئة عدلية غصبًا، وهي منقطعة عن أيدي الناس يوم الدعوى ينبغي أن يدعي قيمته، فالمغصوب إذا كان مثلثًا وقد انقطع عن أيدي الناس يجب على الغاصب قيمته، غير أن عند أبي حنيفة يعتبر القيمة يوم الدعوى والخصومة، وعند أبي يوسف يوم الغصب، وعند محمد يوم الانقطاع، ولابد من بيان سبب وجوب الدراهم في هذه الصورة؛ لأنها لو كانت ثمن بيع فبالانقطاع قبل القبض يفسد العقد عند أبي حنيفة رضي الله عنه، ويجب على المشتري رد المبيع إن كان قبض المبيع والبيع قائم على حاله في يده، وإن كان هالكًا أو مستهلكًا وجب على المشتري رد قيمة المبيع إن لم يكن مثليًا، ورد مثله إن كان مثليًا، وإن كان بسبب القرض أو النكاح فلابد من بيان سبب وجوبها لينظر هل له ولاية دعوى القيمة؟.
وإذا ادعى على غيره مقدارًا معلومًا من العنب فهذا على وجهين: إما أن يكون العنب المدعى به عينًا، فإنه يسمع الدعوى بحضرته عند الإشارة إليه، فلا يشترط بيان الصفة والوزن والنوع، وإن كان دينًا فإن كانت الدعوى في أوانه، فلابد من بيان المقدار والنوع والصفة، فيقول إدندي أنكور علائي ادندي أنكور طائفي لعله باطائفي سبيدا، وما أشبه ذلك.
بيانه: يانيكوما سفق، وإن كان بعد انقطاعه فالقاضي يقول له يريد عين العنب في الحال أو قيمته، فإن قال عين العنب فالقاضي لا يسمع دعواه؛ لأنه إن كان ثمن مبيع يفسد البيع بانقطاعه قبل التسليم، ولا يبقى للبائع حق المطالبة بالعنب بل يجب على المشتري رد المبيع إن كان قائمًا ورد قيمته إن كان مستهلكًا، وإن كان دعوى العنب بسبب السلم أو القرض أو الاستهلاك، فبسبب الانقطاع إن كان لا يسقط ذلك عن ذمة من عليه، ولكن لا يطالبه صاحب الحق بعين العنب في الحال؛ لعجزه عن ذلك، بل يتخير إن شاء صبر حتى يدخل أوانه ويطالبه بعين العنب، وإن شاء أخذ منه القيمة في الحال، فإذًا في الأحوال كلها لا مطالبة للمدعي بعين العنب، فلا يستقيم منه دعوى عين العنب، وإن قال أريد القيمة فالقاضي يأمره ببيان سبب وجوب العنب؛ لأن العنب إن كان ثمن مبيع ينفسخ العقد بهلاكه قبل التسليم ويسقط العنب عن ذمة المشتري،فكيف يطالبه بقيمة العنب؟ وإن كان بسبب السلم أو الاستهلاك أو القرض، فبالانقطاع لا يسقط ذلك عن ذمة المدعى عليه، فتستقيم المطالبة بقيمته في الحال إذا كان لا ينتظر دخول أوانه.
قال مولانا رضي الله عنه: هذه الجملة مسموعة عن الشيخ الإمام الأجل ظهير الدين المرغيناني رحمه الله، حكاها عن أستاذه، قال رضي الله عنه: وما ذكر العنب ولو كان ثمن المبيع، فبالانقطاع قبل التسليم ينتقض العقد، ولا ينبغي للبائع حق المطالبة بتسليم عين العنب، ليس بصحيح، فقد ذكر شيخ الإسلام خواهر زاده رحمه الله في شرح كتاب الصرف في حجج مسألة. صورتها:
رجل اشترى من آخر مئة فلس بدرهم، ونقد الدرهم ولم يقبض شيئًا من الفلوس حتى كسدت الفلوس، فالقياس أن لا ينتقض العقد، ويتخير المشتري إن شاء قبضها كذلك، وإن شاء فسخ العقد وأخذ الدرهم، وفي الاستحسان: ينتقض العقد.
ومن اشترى من آخر شيئًا بقفيز رطب في الذمة ثم انقطع أوان الرطب إن العقد لا ينتقض. وذكر أيضًا أن من اشترى شيئًا بقفيز رطب والرطب منقطع عن أيدي الناس يجوز، وهذا بخلاف ما لو اشترى شيئًا بدراهم أو فلوس ثم انقطعت الدراهم أو الفلوس قبل القبض حيث ينتقض البيع عند أبي حنيفة، وهو قول محمد رحمهما الله على رواية كتاب الصرف، لأن في الرطب العود ثابت من غير صنع من العباد، ولا كذلك في الدراهم، وفي دعوى مال الإجارة المنسوخ بموت الآجر: إذا كانت الأجرة دراهم أو عدالي ينبغي أن يذكر كذا دراهم كذا عدالي رائجة من وقت العقد إلى وقت الفسخ؛ لأنها إذا أكسدت فيما بين ذلك تفسد الإجارة كبيع العين.
وإذا ادعى نوعين من العنب بأن ادعى ألف مَنّ من العنب العلاني والورخمني الحلو الوسط، لابد وأن يقول من العلاني كذا، ومن الورخمني كذا، لأن بدون ذلك القاضي لا يدري أنه بأي قدر يقضي من كل نوع.
رجل ادعى على آخر مقدارًا من اللحم بأن ادعى مثلًا خمسة عشر منًّا، خمسة أمناء لحم اليد وخمسة أمناء لحم الرجل وخمسة أمناء لحم الجنب، فلابد وأن يبين السبب؛ لأنه يجوز أن يدعي ذلك بسبب السلم، وفي صحة السلم في اللحم خلاف معروف بين أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله، ويجوز أن يدعيه بسبب الاستهلاك، وفي استهلاك اللحم اختلاف بين المشايخ، قال بعضهم: يوجب القيمة، وإليه أشار محمد رحمه الله في بعض الكتب، وقال بعضهم: يوجب المثل، وإليه أشار في بعض الكتب، فلهذا احتيج إلى بيان السبب فيه، فإن بيّن الثمنية بأن قال: بعت منه عرضًا بكذا وكذا من اللحم، وبيّن أوصافه وموضعه صح دعواه بناءً على أن المكيل والموزون إذا قوبل بعرض واستعمل استعمال الثمن، فهو ثمن.
وإذا ادعى على آخر أنه غصب منه كذا قفيز حنطة، وبيّن الشرائط لابد وأن يذكر مكان الغصب وستأتي بتمامها في المحاضر.
وإذا ادعى على آخر أنه باع من فلان مئة منّ من الشحم الأبيض بكذا، وسلم الشحم إليه وقبض الثمن بتمامه، وإن الشحم المبيع كان مشتركًا بيني وبين البائع هذا، وإني قد أجزت البيع حين وصل إليّ خبر البيع فواجب عليه تسليم نصف الثمن إليّ، فهذه الدعوى لا تصح؛ لأنه لم يذكر في الدعوى أن الشحم كان قائمًا في يد المشتري وقت الإجارة، ولابد من ذلك؛ لأن بدون ذلك لا تعمل إجارة الشريك، ولأنه يذكر رواج الثمن وقت الإجارة، ولابد من ذلك، فإنه لو صار كاسدًا قبل الإجارة لا تعمل الإجارة، كما لا يجوز ابتداء البيع به، وكذلك لو ذكر قيام الشحم ورواج الثمن وقت الإجارة للبيع إلا أنه لم يذكر في دعواه قبض البائع الثمن من المشتري، لا تصح دعوى تسليم بعض الثمن؛ لأن الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء، ولو أذن له في الابتداء بالبيع ما لم يقبض البائع الثمن من المشتري لا يطالب البائع بتسليم الثمن إلى الشريك، فالوكيل بالبيع لا يطالب بتسليم الثمن قبل أخذ الثمن من المالك، كذا هذا.
ادعى على آخر.... فاعلم بأن دعوى الخبز لا تصح إلا بعد بيان السبب؛ لأن التسلم في الخبز لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لا وزنًا ولا عددًا وعند أبي يوسف يجوز وزنًا، وفي الاستقراض خلاف أيضًا، على قول أبي حنيفة، لا يجوز لا عددًا ولا وزنًا، وقال محمد رحمه الله: يجوز عددًا، وقال أبو يوسف: يجوز وزنًا لا عددًا، وبالاستهلاك يجب قيمة الخبز لا عين الخبز، فلابد من بيان السبب، فإن بيّن أنه ثمن المبيع تصح الدعوى، ولكن ينبغي أن يذكر في الدعوى الكعك المتخذ من الدقيق المغسول أو غير المغسول، وكذا ينبغي أن يذكر أنه أبيض أو وجهه ملطخ بالزعفران وكذا ينبغي أن يذكر أن على وجهه سمسمًا أبيض أو أسود.
وإذا ادعى ديباجًا على إنسان ولم يذكر وزنه، فإن كان الديباج عينًا يشترط إحضاره والإشارة إليه، وعند ذلك لا حاجة إلى بيان الوزن وسائر أوصافه، وإن كان دينًا بأن كان مسلمًا فيه اختلف المشايخ في أنه هل يشترط ذكر الوزن لصحة الدعوى؟ عامتهم على أنه يشترط، وهو الصحيح.
وفي دعوى القطن لابد وأن يبين القطن البخاري أو الشالشي؛ لأن القطن يتفاوت في نفسه بتفاوت المواضع، ويبيّن أن يجعل من كذا من منّه كذا مَنٌ من المحلوج، هكذا قيل، وقيل: ليس بشرط وهو الصحيح، ولو ذكر في السلم أنه يحصل من كل أربعة أمنان أو ثلاثة أمنان من المحلوج يفسد السلم وقع الدعوى في خبا في الذمة مهرًا فارسية خركاه، فأفتوا بالصحة، وإنه ظاهر؛ إذ ليس فيه أكثر من الجهالة، والجهالة في باب المهر لا تمنع الوجوب في الذمة.
وقد نص محمد رحمه الله في النكاح: إذا تزوج امرأة على بيت، فلها جهاز بيت وسط مما تجهز به النساء، قالوا وهذا هو المتعارف فيما بين أهل الأمصار في تلك الديار، فإنهم يعنون بذلك الغرف، وفي البادية يتعارفون بيت الشعر، وفي دعوى الغصب وأشباهه إن كانت الدعوى بسبب الاستهلاك أو القرض أو بسبب الثمنية لا يحتاج إلى الإحضار.
ادعى قدرًا من التوتياء ينبغي أن يذكر في دعواه كوفته أو ناكوفته، وبدونه لا تصح الدعوى لمكان الجهالة.
وإذا ادعى على آخر كذا عددًا من الإبرة، فإن وقع الدعوى في العين، فلابد من الإحضار للإشارة إليها وعند ذلك لا يحتاج إلى بيان الأوصاف، وإن وقع الدعوى في الدين، فلابد من بيان السبب لصحة الدعوى؛ لأنها لا تجب في الذمة بالاستهلاك؛ لأنها مضمونة بالقيمة لا بالمثل، وكذلك لا يجب في الذمة بالقرض؛ لأن استقراضه لا يجوز؛ لأنه ليس من ذوي المثل، ويجب في الذمة بطريق السلم وثمن المبيع، فلهذا احتيج إلى بيان السبب، فإن بيّن سببية السلم أو ثمن المبيع يحتاج فيه إلى بيان النوع والصفة على وجه يخرج عن حد الجهالة لتصح الدعوى.
وإذا ادعى وقر رمان أو وقر سفرجل لابد وأن يذكر الوزن؛ لأن الوقر يتفاوت، ويذكر مع ذلك الصغر والكبر، ويذكر الحلاوة والحموضة، ثم يؤمر بالإحضار، فإذا أحضر وأقر المدعي أن المحضر جميع المدعى به الآن يدعي الملك، هكذا قيل، وينبغي أن لا يشترط هذه الأوصاف في دعوى الإحضار، وقد مر جنس هذا.
ادعى طاحونة في يدي رجل، وبيّن حدود الطاحونة، وذكر الأدوات القائمة في الطاحونة، إلا أنه لم يسم الأدوات ولم يذكر كيفيتها، فقد قيل: لا تصح الدعوى، وقد قيل: تصح إذا ذكر جميع ما فيها من الأدوات القائمة وهو الأصح.
باع دار غيره وسلمها إلى المشتري، فجاء المالك وادعى الدار على البائع، هل تصح الدعوى؟ ينظر إن أراد أخذ الدار لا تصح؛ لأن الدار ليست في يده، وإن أراد التضمين بالغصب، فعلى الخلاف المعروف أن الغصب في العقار هل يتحقق موجبًا للضمان؟ وفي وجوب الضمان بالبيع والتسليم روايتان عن أبي حنيفة، وإن أراد إجارة المبيع وأخذ الثمن تصح دعواه.
ولو أن رجلًا قدم رجلًا إلى القاضي وقال: كان لي في حائط هذا الذي أحضرته في موضع كذا خشبة، فوقعت أو قال: قلعتها لأعمل غيرها وقد منعني صاحب الحائط هذا، وهو حق لي في هذا الحائط، لابد وأن يذكر حق وضع الخشبة أو الخشبتين أو ما أشبه ذلك وبين موضع الخشبة وغلظها.
وكذا إذا ادعى مسيل ماء في دار، لابد وأن يبين مسيل ماء المطر أو ماء الوضوء، لأن هذا مما يتفاوت، لأن المطر لا يكون أدوم ويكون أكثر، وماء الوضوء والغسالات يكون أدوم ويكون أقل، وينبغي أن يبين موضع مسيل الماء أنه في مقدم البيت أو في مؤخره.
وكذا إن ادعى طريقًا في دار رجل ينبغي أن يبين مقدار عرضه وطوله ويبين موضعه في الدار هكذا ذكر الخصاف في (أدب القاضي).
وذكر في دعوى (الأصل): اذا ادعى مسيل ماء في دار رجل، أو ادعى طريقًا في دار رجل، وشهد الشهود أن له مسيل ماء في هذه الدار أوله طريق في هذه الدار، وقع في بعض النسخ أنه تقبل البينة وإن لم يثبتوا، ووقع في بعضها أنه لا تقبل البينة ما لم يثبتوا، قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني رحمه الله: ما وقع في بعض النسخ أنه تقبل البينة محمول على ما إذا شهدوا على إقرار صاحب الدار؛ لأن جهالة المقر به لا تمنع صحة الإقرار، وما وقع في بعض النسخ أنه لا تقبل البينة محمول على ما إذا شهدوا على نفس المسيل والطريق، لا على إقرار المدعى عليه، وستأتي هذا المسائل في فصل على حدة إن شاء الله تعالى.
وإذا ادعى على آخر أنه شق في أرضه نهرًا وساق الماء فيه إلى أرضه، لابد من أن يسمي الأرض التي شق فيه النهر، ويبين موضع النهر، أنّ هذا النهر من الجانب الأيمن من هذا النهر، أو من الجانب الأيسر، ويبين قدر طول النهر وعرضه.
وإذا ادعى على آخر ثلاثة أسهم من عشرة أسهم من دار، وقال: هذه الأسهم الثلاث من العشرة الأسهم من الدار المحدودة ملكي وحقي، وفي يد هذا المدعى عليه بغير حق، ولم يذكر أن جميع هذه الدار في يده، وكذلك لم يشهد الشهود أن جميع هذه الدار في يد هذا المدعى عليه، فهذه الدعوى صحيحة، وهذه الشهادة مقبولة.
ادعى مالًا معلومًا على غيره، وقال في دعواه من إذا فلان أد يدي مال في ما تذكرت فت بسبب حسابي كه بيان من واو يود، فهذه الدعوى بهذا السبب لا تصح، لأن هذا السبب لا يصلح سببًا لوجوب المال.
سئل القاضي الإمام شمس الإسلام محمود الأوزجندي: عمن ادعى على آخر عينًا في يده، وقال: كان هذا ملك أبي، مات وتركه ميراثًا لي ولفلان، وسمى عدد الورثة، إلا أنه لا يبين حصة نفسه، فهذه الدعوى صحيحة منه، وإذا أقام البينة على دعواه سمعت بينته، ولكن إذا آل الأمر إلى المطالبة بالتسليم لابد وأن يبين حصته؛ لأنه لا يملك المطالبة بالتسليم إلا بقدر حصته، فيبين حصته عند ذلك، ولو كان بيّن حصته ولم يبين عدد الورثة.
بأن قال: مات أبي وترك هذا العين ميراثًا لي ولجماعة سواي، وحصتي منه كذا، وطالبه بتسليم ذلك لا تصح منه الدعوى، ولابد من بيان عدد الورثة لجواز أنه لو بيّن كان نصيبه أنقص مما سمّى.
عبد باع عينًا من الأعيان بحضرة المولى، ثم إن المولى ادعى ذلك العين لنفسه، فإن كان العبد مأذونًا لا تصح دعوى المولى، وإن كان محجورًا تصح دعواه، فإن قيل: أليس أن المولى صار آذنًا له لما رآه أنه باع ولم ينهه؟ قلنا نعم ولكن أمر الإذن إنما يظهر في المستقبل لا في التصرف المباشر، عرف ذلك في كتاب (المأذون الكبير).
رجل ادعى على رجل أنه باع عبدًا مشتركًا بينه وبيني من فلان بكذا، وسلم العبد وطالبه بأداء نصف الثمن، فالقاضي يسأل المدعي أن العبد كان مشتركًا بينكما شركة ملك أو شركة عقد مفاوضة أو عيانًا، إن قال شركة ملك لابد لصحة الدعوى من أن يقول في الدعوى: إن العبد قائم في يد المشتري وقت طلب الثمن الذي هو دليل الإجازة؛ لأن العقد في نصيبه إنما ينفذ وقت الإجازة، وإنما ينفذ إذا كان محله قائمًا في هذه الحالة، ولابد من ذكر قبض البائع الثمن، لتصح مطالبته إياه بأداء نصف الثمن، وإن قال: شركة عقد لا حاجة إلى ذكر قيام العبد وقت طلب العين؛ لأن العقد قد نفذ في النصيبين حال وجوده، ولكن يشترط ذكر قبض الثمن لتصح مطالبته بأداء نصف الثمن.
رجل ادعى على غيره أن وصيّي باع من أقمشتي منك كذا وكذا في حال صغري بكذا وكذا، وأنه قد مات قبل استيفاء شيء من الثمن، فادفع إليّ ثمن أقمشتي، فقد قيل: لا تصح هذه الدعوى؛ لأن بعد موت الوصي حق قبض ثمن ما باع الوصي يكون لوارثه أو لوصيّه فإن لم يكن له وصيّ أو وارث، فالقاضي ينصب له وصيًا.
قال رضي الله عنه: وعلى قول من يقول من المشايخ في الوكيل بالبيع إذا مات قبل قبض الثمن، فحق القبض ينتقل إلى الموكل،ينبغي أن يقال هاهنا حق القبض ينتقل إلى الصبي بعد بلوغ الصبي، وتصح الدعوى.
وفي (الأقضية) لأهل الكوفة: رجل ادعى على رجل أنه أمر فلانًا، فأخذ منه كذا وكذا من المال، فإن كان المدعى عليه الآخر سلطانًا، فالدعوى عليه مسموعة، وإن لم يكن سلطانًا فالدعوى عليه غير مسموعة.
ووجه ذلك إن أمر السلطان إكراه؛ لأن المأمور يعلم أنه لو لم يمثل أمره يعاقبه السلطان، هذا هو عادة السلاطين، والثابت من طريق العادة كالثابت نصًا، ولو هدده السلطان بالعقوبة على أن يأخذ مال الغير أو ينقله ففعل، كان الضمان على السلطان دون المأمور، كذا هاهنا، وإذا كان الضمان في هذه الصورة على السلطان كانت الدعوى عليه صحيحًا، فأما أمر غير السلطان فليس بإكراه لأنه لا يعاقب المأمور لو لم يمثله وكان مجرد أمر، وإنه لم يصح، لأنه لم يملك أخذ مال الغير وإتلافه، والأمر بما لا يملكه، الأمر لغو فخرج الأمن من البين وبقي الفعل مقصورًا على المأمور، فكان الضمان عليه دون الأمر، فلا يصح دعوى الضمان على المأمور بأن ادعى على رجل أن فلانًا أمرك وأخذت من مالي كذا وكذا، فإن كان الآمر سلطانًا فدعوى الضمان على المأمور لا تصح، وإن لم يكن سلطانًا فدعوى الضمان عليه صحيحة، وهو بناء على ما قلنا.
رجل ادعى دارًا في يد رجل من تركة والده أنه اشتراها من والده في مرضه، وأنكرنا في الورثة ذلك، فقد قيل: لا تصح هذا الدعوى؛ لأن المرض قد يكون مرض موت، وقد يكون غير مرض موت، وبيع المريض مرض الموت من وارثه وصية له بالعين عند أبي حنيفة رضي الله عنه حتى قال: بيعه من الوارث لا يجوز وإن كان بمثل القيمة، إلا بإجازة باقي الورثة، فكان هذا دعوى الوصية على أحد التقديرين، فلا تصح بالشك، وقيل: ينبغي أن تصح الدعوى؛ لأن تصرف المريض مع وارثه ينعقد بوصف الصحة، حتى لو أجاز بقية الورثة ذلك ينفذ وإن لم يجيزوا يبطل، فالبطلان يعارض عدم الإجازة بشرط أن يكون المرض مرض الموت، فإن لم يعلم أن هذا المرض مرض الموت كان للتصرف فيه حكم الصحة، فتكون الدعوى صحيحة.
رجل باع عقارًا، وابنه أو امرأته، أو بعض أقاربه حاضر يعلم به، ووقع القبض بينهما وتصرف المشتري زمانًا، ثم إن الحاضر عند البيع ادعى على المشتري أنه ملكه، ولم يكن ملك البائع وقت البيع، اتفق المتأخرون من مشايخ سمرقند على أنه لا تصح هذه الدعوى ويجعل سكوته كالإفصاح بالإقرار أنه ملك البائع، ومشايخ بخارى أفتوا بصحة هذه الدعوى.
قال الصدر الشهيد في (واقعاته): إن نظر المفتي في المدعي وأفتى بما هو الأحوط كان أحسن، وإن لم يمكنه ذلك يفتي بقول مشايخ بخارى، فإن كان الحاضر عند البيع جاء إلى المشتري وتقاضاه الثمن بعثه البائع إليه، لا تسمع دعواه بعد ذلك الملك لنفسه، ويصير مجرًا البيع بقاضي الثمن، فلا تصح دعواه بعد ذلك الملك لنفسه.
وفي (فتاوى الفضلي): سئل عمن ادعى على آخر أربعين فصيلًا في بطون أمهاتها غير مولود، قال: لا تسمع دعواه إلا أن يدعي إقرار المدعى عليه بذلك، ويقيم البينة على إقراره، وهذا إشارة إلى أن دعواه بسبب الإقرار صحيح، وهذا فصل اختلف المشايخ فيه، ومسائل الكتب فيها متعارضة، وسيأتي بيان ذلك بعد هذا إن شاء الله تعالى.
ادعى على آخر ثمن عبد اشتراه منه وقبضه صحت الدعوى، وإن لم يعين العبد ولم يبين صفته؛ لأن هذا في الحقيقة دعوى الدين لما كان العبد مقبوضًا.
دار في يدي رجل ادعى بقاء رجل، فأقام صاحب اليد بينة على المدعي أني اشتريت هذه الدار من وصيّك في حال صغرك بكذا إلا أنه لم يسم الوصيّ، وأقام على ذلك بينة، هل تسمع دعواه وبينته؟ اختلف المشايخ فيه، وكذلك إن ادعى أن فلانًا باع هذه الدار بإطلاق القاضي في حال صغرك، ولم يسم القاضي، وأقام على ذلك بينة هل تصح دعواه، وهل تسمع بينته؟ اختلف المشايخ فيه، وعلى هذا إذا شهد الشهود على الوقف وتسلم الواقف إياه إلى المتولي، إلا أنهم لم يسموا الواقف أو سموا الواقف، دون المتولي ففيه اختلاف المشايخ.
والحاصل: أن في دعوى الفعل والشهادة على الفعل هل يشترط تسمية الفاعل؟ ففيه اختلاف المشايخ، وأدلة الكتب فيه متعارضة.
ذكر الخصاف في كتاب (أدب القاضي) في باب الشهادة على الحقوق: أنه إذا شهد شاهدان على رجل لرجل أن قاضيًا من القضاة قضى لهذا الرجل على هذا الرجل بألف درهم، أو شهد شاهدان أن قاضي الكوفة قضى لهذا الرجل على هذا الرجل بألف درهم، فالقاضي لا يقبل هذه الشهادة حتى يسموا القاضي الذي قضى به وينسبوه، قال ثمة: وليس هذا في هذا الموضع وحده، بل الحكم في جميع الأفاعيل، هذا إذا شهد الشهود على فعل لابد وأن يسموا الفاعل وينسبوه، ولو لم يسموا لا تقبل شهادتهم.
وذكر محمد رحمه الله في كتاب الحدود: إذا أقام المدعى عليه بينة أن شهود المدعي محددون في قذف، لابد وأن يسموا من حدهم، فهذه المسائل على أن تسمية الفاعل شرط.
وذكر محمد في (الزيادات): إذا ادعى على رجل أنه وارث فلان الميت، وأن قاضي بلد كذا قضى لوراثته، وجاء بشاهدين شهدا أن قاضي بلد كذا أشهدنا على قضائه أن هذا الرجل وارث فلان الميت لا وارث له غيره، فالقاضي يجعله وارثًا، ولم يشترط تسمية ذلك القاضي.
وذكر في دعوى (الأصل) في آخر باب دعوى النكاح: إذا ادعى رجل أمة في يدي رجل وجاء بشهود شهدوا عند القاضي أن قاضي بلد كذا قضى بهذه الأمة لي صحت دعواه، ولم يشترط تسمية القاضي.
وذكر في إقرار (المنتقى): رجل ادعى دارًا في يدي رجل أنها لي، اشتريتها من وكيلك بألف درهم، ولم يسم الوكيل، وشهد له الشهود على الشراء ولم يسموا الوكيل تسمع دعواه وشهادة شهوده.
وذكر الصدر الشهيد في (واقعاته) في باب الوقف بعلامة السين: إذا كتب صك الوصاية أو صك التولية، ولم يذكر فيه جهة الوصاية والتولية لا يصح الصك؛ لأن الوصي قد يكون من جهة القاضي وقد يكون من جهة الأب، وأحكامها مختلفة، وكذلك المتولي قد يكون من جهة القاضي وقد يكون من جهة الواقف، وأحكامهما مختلفة، وإن كتب أنه قضى من جهة الحاكم أو أنه متولي من جهة الحاكم، ولم يسم الحاكم الذي نصبه، ولا الذي ولاه جاز.
قال رحمه الله: ثمة وعلى هذا القياس إذا احتيج إلى كتابة القضاء في المجتهدات، كالوقف وإجارة المشاع ونحوه، كتب وقضى قاضٍ من قضاة المسلمين بصحته وجوازه ويجوز ذلك وإن لم يسم ذلك القاضي، فهذه المسائل كلها تدل على أن تسمية الفاعل ليس بشرط لصحة الدعوى والشهادة، فيتأمل عند الفتوى.
وفي دعوى السعاية لا يشترط ذكر قابض المال ونسبه، لأن وجوب الضمان على الساعي بصنعه ولا تعلق له بالقابض والآخذ، وفي دعوى المال في الإجارة المفسوخة لا يشترط ذكر حدود المستأجر.
ادعى على آخر عشرة دراهم ثمن مبيع مقبوض، ولم يبين المبيع أنه ما هو، فقد قيل لا تصح الدعوى؛ لأنه يحتمل أن يكون المبيع خمرًا أو ميتة، وبيعهما لا يوجب الثمن على المشتري فيما بين المسلمين على ما عليه ظاهر حالهم، والبناء على الظاهر واجب حتى يقوم الدليل على خلافه، وفي دعوى قيمة الأعيان لابد من بيان الأعيان؛ لأن الإنسان قد يظن عينًا أنه من ذوات القيم، ويكون في الحقيقة مثليًا، إذا قال مراده دينًا رزومي بايد نميدا نم كه انز زيد في بايديا أن جعفر بازير يكي ازايشان دعوى ميكندبر تعين در مجلس ديك، تصح دعواه؛ لأنه قد يشتبه على الإنسان ذلك ثم يزول الاشتباه بالتفكر.
ذكر محمد رحمه الله في كتاب الدعوى: وإذا كان الحائط بين رجلين، فادعى رجل على أحدهما أنه أقر أن الحائط له، وأقام على ذلك بينة قضى بنصيبه لا غير؛ لأنه ثبت إقراره بالبينة، وإقرار أحد الشريكين في نصبيه صحيح.
وهذه المسألة تصير رواية في فصل اختلف المشايخ فيه أن من ادعى عينًا في يد إنسان أنه له لما أن صاحب اليد أقر به لي، أو ادعى عليه دراهم، وقال في دعواه: لي عليه كذا من الدراهم لما أنه أقر بها لي أو قال ابتداءً: إن هذه العين لي، أو قال: أقر أن لي عليه كذا من الدراهم، هل تصح هذه الدعوى؟ بعض مشايخنا رحمهم الله قالوا: تصح، وفي بعض الكتب أشار إلى هذا، من جملة ذلك هذه المسألة، ألا ترى أن محمدًا رحمه الله سمع الدعوى وسمع البينة في هذه المسألة، وقد ادعى المدعي إقرار المدعى عليه، وعامتهم أن هذه المسألة الدعوى لا تصح ولا تسمع هذه البينة؛ لأن نفس الإقرار لا يصلح سببًا لاستحقاق المدعى به، فإن بالإقرار كاذبًا لا يثبت الاستحقاق للمقر له، فقد أضاف الدعوى إلى ما لا يصلح سببًا للاستحقاق فلا يصح.
وأجمعوا على أنه لو قال: هذه العين ملكي، وهكذا أقرّ به صاحب اليد، أو قال لي عليه كذا، وهكذا أقر به المدعى عليه أنه ليصح الدعوى، ويسمع البينة على إقراره، ولو قال في الدعوى: إن صاحب اليد قال: هذه العين لك جعلت هذا العين لك سمع ذلك منه؛ لأن هذه دعوى الهبة، والهبة سبب الملك ودعوى الملك مضافًا إلى ما لا يصلح سببًا له لا يصح، وكذلك اختلف المشايخ في دعوى الإقرار في طرف الدفع أنه هل تصح؟ بعضهم قالوا: لا تصح كما في طرف الاستحقاق، وعامتهم على أنه تصح دعوى الإقرار في طرف الرفع.
وقد ذكر محمد رحمه الله في الكتب مسائل تدل على ذلك فمن جملته ما ذكر ابن رستم في (نوادره) عن محمد.
وصورتها: رجل ادعى في يدي رجل دارًا أو متاعًا، وأقام البينة عند القاضي، وقضى القاضي له بذلك، فلم يقبضه حتى أقام ذو اليد بينة على المدعي أنه أقر أنه لا حق له فيه، قال إن شهدت شهوده على إقرار المدعي بذلك قبل قضاء القاضي بطلت شهادة شهود المدعي.
وذكر في كتاب الوكالة في الوكيل بالخصومة في الدار إذا أقام بينة على أن الدار ملك موكله، وأقام المدعى عليه بينة على إقرار الوكيل أن الدار ليست لموكله، بطلت بينة الوكيل.
وذكر في آخر (الجامع): رجل ادعى دارًا في يدي رجل ميراثًا عن أبيه، وأقام على ذلك بينة، وأقام الذي في يديه بينة أن أب المدعي أقر في حال حياته أن الدار ليست له، وأقام بينة على إقرار المدعي أنها ليست له، بطلت بينة المدعي، وذكر بعض مشايخنا في تعليل هذه المسألة لو كان الميت حيًا، وأقام بينة على الذي الدار في يديه أن الدار داره، وأقام ذو اليد بينة على إقرار المدعي أنها ليست له، بطلت بينة المدعي.
وفي دعوى (المنتقى): إن من ادعى على آخر عينًا في يديه أن هذه العين ملكه، وأن صاحب اليد غصبه وأقام البينة على ذلك، وأقام الغاصب بينة أن المالك أقر أن هذا العين لي قبلت بينته، وأقررت الغصب في يديه وهذا بطريق الدعوى، ودعوى الإقرار بطريق الدفع مسموع، وفي دعوى الدين إذا قال المدعى عليه: إن المدعي أقر باستيفاء هذا المال منه وأقام البينة عليه، فقد قيل: إنه لا تسمع بينته؛ لأن هذه دعوى الإقرار في طرف الاستحقاق؛ لأن الديون تقضى بأمثالها، فيصير المقبوض مضمونًا على القابض دينًا للدافع على ما عرف، ففي الحاصل هذا دعوى الدين لنفسه، وكان هذا دعوى الإقرار في طرف الاستحقاق من حيث المعنى والله أعلم.

.الفصل الثالث: في دعوى الملك المطلق في الأعيان:

هذا الفصل يشتمل على أنواع:

.الأول في دعوى الخارج مع ذي اليد:

قال محمد رحمه الله في (الأصل): إذا ادعى رجل دارًا في يدي رجل أو عقارًا آخرًا ومنقولًا، وأقاما البينة قضي ببينة الخارج عند علمائنا الثلاثة رحمهم الله، والجملة في ذلك أن البينات في الأصل وضعت للإثبات، فبطل الترجيح أولًا من حيث الإثبات، فما كان أكثر إثباتًا كانت أولى بالقبول، وبعد الاستواء في الإثبات يقع الترجيح بحكم اليد، إذا ثبت هذا فنقول: بينة الخارج في دعوى الملك المطلق أكثر إثباتًا من بينة ذي اليد؛ لأن الخارج يثبت زيادة استحقاق على ذي اليد لا يثبت ذو اليد مثل ذلك ببينته على الخارج؛ لأنه ثبت استحقاق الملك الثابت لذي اليد، بظاهر اليد وذو اليد لا يستحق ببينته مثل ذلك على الخارج، إذ ليس للخارج ملك ثابت بظاهر اليد حتى يستحق ذو اليد ذلك عليه ببينته.
وتحقيق هذا الكلام أن دعوى الملك المطلق وإن كان دعوى أولية الملك من حيث الحكم، حتى يستحق المدعي الأصل بالزوائد المتصلة والمنفصلة، ويرجع الباعة بعضهم على البعض كافة، نص على أولية الملك، إلا أنه يحتمل التملك من جهة صاحب اليد من حيث الحقيقة والنص، فإنه لم ينص على أولية الملك من حيث الحقيقة، فكل واحد من البينتين أثبت أولية الملك لصاحبها، فاستويا من هذا الوجه، إلا أن الخارج ببينته يستحق على ذي اليد الملك الثابت له بظاهر اليد، لأن الملك في العين ثابت لذي اليد بظاهر اليد، والخارج ببينته يستحق عليه ذلك؛ لأن دعواه تحتمل التملك من جهته، وذو اليد ببينته لا يستحق على الخارج مثل ذلك؛ فهو معنى قولنا بينة الخارج أكثر إثباتًا، بخلاف ما إذا وقع الدعوى في النتاج؛ لأن هناك استوت البينات في الإثبات؛ لأن كل بينة أثبتت أولية الملك لصاحبها، ولم تثبت استحقاقها على الآخر باعتبار التمليك من جهته؛ لأن كل بينة نصت على أولية الملك، حيث قالت نتجت عنده، ولدت عنده، وكذلك كل واحد من الخصمين نص على أولية الملك حيث قال نتجت عندي ولدت عندي، وهذا لا يحتمل التمليك من جهة صاحبه، فاستويا في الإثبات، فرجحنا بينة ذي اليد بحكم اليد؛ لأن يده دليل على زيادة صدقه في دعواه.
وبخلاف ما لو وقع الدعوى في تلقي الملك من جهة ثالثٍ؛ لأن هناك استوت البينات في الإثبات والاستحقاق؛ لأن كل بينة أثبتت الملك لبائعه والانتقال من بائعه إلى نفسه، وترجح صاحب اليد بحكم اليد، وبخلاف ما لو تنازعا في عبد ادعى كل واحد أنه عبده دبّره أو أعتقه، وأقاما البينة حيث يقضي ببينة صاحب اليد، لأن هناك الدعوى في الحاصل في الولاء، لأن العتق حاصل للعبد بتصادقهما، وقد استوت البينتان في إثبات الولاء، وترجح بينة صاحب اليد بحكم يده.
هذا إذا لم يذكرا تاريخًا، فأما إذا ذكرا تاريخًا إن كان تاريخهما على السواء، فكذا الجواب أنه يقضي للخارج منهما؛ لأن عند استوائهما في التاريخ يسقط اعتبار التاريخ، وتبقى الدعوى في الملك المطلق، وإن أرخا وتاريخ أحدهما أسبق، فعلى قول أبي حنيفة للتاريخ عبرة في دعوى الملك المطلق إذا اجتمعا على التاريخ فيقضى لأسبقهما تاريخًا إن كان اسبقهما تاريخًا الخارج، فلا إشكال، لأنهما لو كانا في التاريخ على السواء كان يقضى للخارج، فإذا كان هو سابقًا في التاريخ كان أولى، وإن كان أسبقهما تاريخًا ذو اليد، فلأنه أثبت الملك في وقت سابق على وقت الخارج، في بينته زيادة إثبات واستحقاق من حيث الوقت إن كان في بينة الخارج زيادة استحقاق من حيث أنه يستحق على صاحب اليد الملك الثابت له بظاهر اليد، فاستويا في إثبات الاستحقاق من هذا الوجه، وترجح بينة صاحب اليد بحكم اليد كما في دعوى النتاج وعلى قول أبي يوسف الآخر وهو قول محمد أولًا: للتاريخ عبرة في هذه الصورة كما هو قول أبي حنيفة رحمهم الله، فيقضى لأسبقهما تاريخًا، وعلى قول أبي يوسف أولًا وهو قول محمد آخرًا: إلا عبرة للتاريخ في هذه الصورة، فيقضى للخارج، وما ذكر محمد رحمه الله في الدعوى، وأحدهما وقت قبل وقت صاحبه من قوله، فمن هذه الصورة أنه يقضى أسبقهما تاريخًا، فذلك قوله الأول، أما على قوله الآخر يقضي للخارج، روى ذلك أصحاب (الأمالي) عن محمد رحمه الله.
وذكر في (المنتقى): رجل ادعى عبد في يدي رجل أنه له منذ شهر، وأقام على ذلك بينة، وأقام صاحب اليد بينة أنه له منذ سنة، وذكر أن صاحب اليد أولى عند أبي يوسف، وقال محمد رحمه الله: المدعي أولى، وما ذكر من قول أبي يوسف قوله الآخر؛ لأن للتاريخ عبرة على قوله الآخر في دعوى الملك المطلق، فيقضي لأسبقهما تاريخًا، وهو ذو اليد، وما ذكر من قول محمد رحمه الله قوله الآخر أيضًا؛ لأنه لا عبرة للتاريخ في دعوى الملك المطلق حالة الاجتماع، إنه إذا اجتمع في دعوى الملك المطلق ما يوجب اعتبار التاريخ وما يوجب إلغاءه، أما ما يوجب إلغاءه؛ لأن دعوى مطلق الملك بمنزلة دعوى مطلق الملك بمنزلة دعوى النتاج من حيث إنه دعوى أولية الملك والتاريخ في دعوى النتاج لغو حالة الإجماع وحالة الانفراد على ما يأتي بيانه إن شاء الله.
وأما ما يوجب اعتباره؛ لأن دعوى مطلق الملك يحتمل دعوى التملك من جهة المدعى عليه، بخلاف دعوى النتاج، وهذا يوجب اعتبار التاريخ كما لو ادعى التملك من جهة المدعى عليه بالشراء صريحًا، فقد اجتمع في دعوى الملك المطلق ما يوجب اعتبار التاريخ وما يوجب إلغاءه، والعمل بهما متعذر، إذ لا يتصور أن يكون التاريخ معتبرًا وغير معتبر فلابد من اعتبار أحدهما وإلغاء الآخر، فنقول: اعتبار دعوى النتاج فيه أولى من اعتبار دعوى التملك؛ لأن دعوى النتاج في دعوى الملك المطلق ثابت من حيث الحكم حتى تستحق العين بالزوائد المتصلة والمفصلة جميعًا، ويرجع الباعة بعضهم على بعض، ودعوى التملك من جهة المدعى عليه في دعوى الملك غير معتبر من حيث الحكم، بل هو معتبر لترجيح بينة الخارج على بينة ذي اليد، فكان دعوى النتاج أثبت من دعوى التملك، فكان اعتبار دعوى النتاج أولى، وإذا اعتبرنا دعوى الملك المطلق بدعوى النتاج يلفوا فيه ذكر التاريخ، كما في دعوى النتاج، ولأبي حنيفة وأبي يوسف آخرًا، وهو قول محمد أولًا، لبيان أن للتاريخ عبرة في دعوى الملك المطلق حالة الإجماع أنه اجتمع في دعوى مطلق الملك ما يوجب اعتبار التاريخ، وما يوجب إلغاءه على الوجه الذي قاله أبو يوسف آخرًا ومحمد أولًا، إلا أن اعتباره بدعوى التملك من جهة المدعى عليه أولى، لأنا إذا اعتبرناه بدعوى التملك في حق هذا الحكم أعني به اعتبار التاريخ تبقى دعوى أولية الملك معتبرًا في حق بعض الأحكام، وهو استحقاق الزوائد، ورجوع الباعة بعضهم على البعض.
ولو اعتبرناه بدعوى النتاج في حق هذا الحكم لا يبقى دعوى التملك معتبرًا في حق حكم ما، فكان اعتباره بدعوى التملك في حق اعتبار التاريخ، وإنه عمل به وبدعوى أولية الملك من وجه أولى من اعتباره بدعوى أولية الملك، وفيه إلغاء دعوى التملك من كل وجه، هذا إذا أرّخا وتاريخ أحدهما أسبق.
فأما إذا أرخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر، وعلى قول أبي حنيفة يقضي للخارج؛ لأنه لا عبرة للتاريخ في دعوى الملك المطلق حالة الانفراد، فيسقط اعتبار التاريخ وتبقى دعوى الملك المطلق، فيقضي للخارج.
وروى بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه يقضى للمؤرخ في هذه الصورة، وهكذا روى الحسن في (المجرد)، فهذه الرواية إشارة إلى أن التاريخ في دعوى الملك المطلق حالة الانفراد تعتبر عنده، وروى ابن أبي مالك عن أبي يوسف أن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول بهذا، يعني كان يعتبر التأقيت حالة الإنفراد، والصحيح من مذهبه والمشهور عنه أن التاريخ حالة الإنفراد في دعوى الملك المطلق غير معتبر.
والوجه لأبي حنيفة في ذلك أن الذي لم يؤرخ سابق على الذي أرخ من وجه سابق من حيث إن دعوى الملك المطلق دعوى أولية الملك حكمًا، فبهذا الاعتبار يكون غير المؤرخ سابقًا على المؤرخ، ولا حق من حيث إن دعوى مطلق الملك يحتمل دعوى التملك من جهة المدعى عليه بعد تاريخ المؤرخ، فبهذا الاعتبار يكون لاحقًا، وإذا كان غير المؤرخ سابقًا من وجه ولاحقًا من وجه كان المؤرخ أيضًا سابقًا من وجه ولاحقًا من وجه، فقد استويا في السبق واللحوق، فيجعل كأنهما ملكا معًا، وعند ذلك لا يمكن اعتبار معنى التاريخ، فهذا معنى قولنا إن دعوى النتاج حالة الانفراد ساقطة الاعتبار بخلاف ما إذا أرّخا وتاريخ أحدهما أسبق حيث يقضي لأسبقهما تاريخًا عنده؛ لأن أسبقهما تاريخًا سابق من كل وجه والآخر لاحق من كل وجه، وعلى قول أبي يوسف الآخر، وهو قول محمد رحمه الله أولًا للتاريخ عبرة، وغير المؤرخ أسبقهما تاريخًا معنى؛ لأنه يدعي أولية الملك، فيقضى لغير المؤرخ، وعلى قول محمد آخرًا وهو قول أبي يوسف أولًا لا عبرة للتاريخ فيسقط اعتبار التاريخ، ويقضى للخارج.
ومما يتصل بهذا النوع إذا ادعى الخارج مع ذي اليد مع دعوى الملك المطلق فعلًا.
صورته: ما ذكر في آخر دعوى (الأصل): إذا ادعى الخارج أنه عبده، كاتبه على ألف درهم، وأقام على ذلك بينة، وأقام ذو اليد بينة، أنه عبده كاتبه على ألف درهم، قال: جعلته مكاتبًا بينهما يؤدى إليهما جميعًا؛ لأن كل واحد منهما لما ادعى الكتابة، فقد تصادقا على أنه لابد لواحد منهما عليه، وأنه في يد نفسه، فصارت مسألتنا عبد في يد ثالث تنازع فيه اثنان، وادعى كل واحد أنه عبده كاتبه، ولو كان هكذا يقضي بالملك بينهما، ويكون مكاتبًا لهما كذا هاهنا، ولو ادعى أحدهما أنه دبره وهو يملكه، وأقام على ذلك بينة وادعى الآخر أنه كاتب وهو يملكه، كانت بينة التدبير أولى؛ لأن التدبير أولى؛ لأن التدبير يوجب الحرية للحال، وإنه لا يحتمل الفسخ، والكتابة لا توجب الحرية للحال، وإنما تحتمل الفسخ، فكان التدبير أولى، فكان بينته أكثر إثباتًا.
ومما يتصل بهذا النوع أيضاَ: إذا ادعى الخارج الملك المطلق مؤرخًا، وادعى صاحب اليد الملك بسبب الشراء مؤرخًا.
صورته: دار في يدي رجل، ادعى رجل أنها داره ملكها منذ سنة، وأقام صاحب اليد بينة أنه اشتراها من فلان منذ سنتين وهو يملكها وقبضها منه، قضي بها للمدعي الخارج؛ لأن صاحب اليد خصم عن بائعه في إثبات الملك ليمكنه إثبات الانتقال إلى نفسه، فكأن بائعه حضر، وأقام البينة على الملك المطلق لنفسه والدار في يده، لأن يد المشتري يد البائع من حيث التقدير، ولو كان كذلك كان يقضي ببينة الخارج، كذا هاهنا.

.نوع آخر في دعوى الخارجين في الملك المطلق:

قال محمد رحمه الله: وإذا ادعى رجلان دارًا أو عقارًا أو منقولًا في يدي رجل، فأقاما البينة على ما ادعيا، وأرخا وتاريخهما على السواء، أو لم يؤرخا يقضي بينهما لاستوائهما في الدعوى والحجة، وإن أرخا وتاريخ أحدهما أسبق، فعلى قول أبي حنيفة وهو قول أبي يوسف آخرًا وقول محمد أولًا يقضى لأسبقهما تاريخًا ويكون للتاريخ عبرة، وعلى قول أبي يوسف أولًا، وهو قول محمد أخرًا يقضى بينهما ولا يكون للتاريخ عبرة، هكذا ذكر في (الأصل).
وذكر في (المنتقى) أنه يقضى لأسبقهما تاريخًا بلا خلاف، وإن أرخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر لم يذكر محمد رحمه الله هذا الفصل في (الأصل).
وفي (النوادر) عن أبي حنيفة يقضى بينهما؛ لأنه لا عبرة للتاريخ عند حالة الإنفراد في دعوى الملك المطلق في أصح الروايات، فيسقط اعتبار التاريخ، وتبقى الدعوى في الملك المطلق، وعلى قول أبي يوسف: يقضى للذي أرّخ، وعلى قول محمد رحمه الله: يقضى للذي لم يؤرخ، قالوا: وما ذكر من قول أبي يوسف رحمه الله: أنه يقضى للذي أرخ مستقيم على قوله الآخر: لأن على قوله الآخر: للتاريخ عبرة في دعوى الملك المطلق في حالة الانفراد كما في حالة الاجتماع، فيكون المؤرخ أولى، وإنه مشكل على قوله الآخر وينبغي أن يكون غير المؤرخ أولى؛ لأنه أسبقهما تاريخًا، لأنه يدعي أولية الملك ويؤيده أن في فصل الخارج مع ذي اليد إذا أرخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر كان غير المؤرخ أولى على قوله الآخر على ما مر، وما ذكر من قول محمد: إنه يقضي لغير المؤرخ إنما يستقيم على قوله الأول: للتاريخ عبرة واعتبار التاريخ يوجب أن يكون غير المؤرخ هاهنا أولى؛ لأن غير المؤرخ سابق، لأنه يدعي أولية الملك، وأما على قوله الآخر يجب أن يقضى بينهما؛ لأن على قوله الآخر: لا عبرة للتاريخ، حتى إذا أرخا وتاريخ أحدهما أسبق يقضى بينهما.

.نوع آخر في دعوى صاحبي اليد:

دارٌ أو منقول في يدي رجلين، فأقام كل واحد منهما البينة أنه لم يجب أن يعلم بأن العقار أو المنقول، إذا كان في يدي رجلين يجعل في كل واحد منهما نصفه، ويجعل كل واحد منهما مدعيًا فيما في يد صاحبه، مدعى عليه فيما في يده، فإذا أقاما البينة على ما ادعيا: إن لم يؤرّخا أو أرّخا وتاريخهما على السواء يقضى بينهما نصفان، وفي (الأصل) يقول محمد رحمه الله: يقضى لكل واحد منهما بما في يد صاحبه، وهذا إشارة إلى أن هذه البينة وقعت معتبرة، فإنه قال قضي لكل واحد منهما بما في يد صاحبه، والمشايخ اختلفوا في هذه البينة على قولين: بعضهم قالوا هذه البينة وقعت لغوًا؛ لأنها لا تفيد؛ لأنها لا توجب الملك بينهما إلا نصفان، والملك بينهما نصفان ثابت بحكم يدهما، وبعضهم قالوا: لا بل هذه البينة وقعت معتبرة؛ لأن قبل هذه البينة تترك الدار في أيديهما قضاء ترك، وبعد هذه البينة تترك الدار في أيديهما قضاء استحقاق بالبينة، فإن كل واحد منهما يصير مقضيًا عليه فيما كان في يده ببينة صاحبه، حتى بعدما قضى القاضي بالدار بينهما نصفان، لو ادعى أحدهما على صاحبه النصف الذي صار لصاحبه لا تسمع دعواه؛ لأنه صار مقضيًا عليه في ذلك النصف، وإن أرّخا وتاريخ أحدهما أسبق، فعلى قول أبي حنيفة وهو قول أبي يوسف أولًا: لا عبرة للتاريخ يقضى به بينهما، وإن أرّخ أحدهما ولم يؤرّخ الآخر، فعلى قول أبي حنيفة: لا عبرة للتاريخ فيقضى به بينهما، وكذلك عندهما على القول الذي لا يعتبران التاريخ، وعلى القول الذي يعتبران التاريخ يقضى للمؤرخ عند أبي يوسف، ولغير المؤرخ عند محمد؛ لأن غير المؤرخ أسبقهما تاريخًا معنى.

.نوع آخر في دعوى الخارجين:

كل واحد منهما يدعي فعلًا على صاحبه من غصب أو إجارة أو إعارة مع دعوى الملك المطلق، وفي دعوى أحدهما ذلك الفعل على صاحبه والحكم فيه أنه إذا ادعى كل واحد منهما على صاحبه فعلًا مع دعوى الملك المطلق بأن ادعى على صاحبه غصبه منه، أو ادعى أنه أعاره منه أو أودعه منه، فإنه يقضي بالعين بينهما؛ لاستوائهما في الدعوى والحجة، وإن ادعى أحدهما فعلًا على صاحبه مما ذكرنا وصاحبه ادعى الملك لا غير يقضى ببينته..... ببينة مدعي الفعل؛ لأن بينته أكثر إثباتًا، والدار إذا كانت في يدي رجلين يجعل في يد كل واحد منهما نصف الدار؛ لاستوائهما في اليد على الدار، ثم يجعل كل نصف من الدار بمنزلة دار على حدة؛ لأن حكم كل نصف يخالف حكم النصف الآخر؛ لأن كل واحد منهما خارج فيما في يد صاحبه يد فيما في يده، وحكم الخارج يخالف حكم ذي اليد في الدعوى وإقامة البينة.
جئنا إلى المسائل، قال محمد رحمه الله في (الجامع):
وإذا كانت الدار في يدي رجلين أقام كل واحد منهما بينة أن الدار له، وأقام أجنبي بينة أن الدار له، فإن للرجل الأجنبي نصفها ولكل واحد من صاحبي اليد ربعها؛ لأن في يد كل واحد من صاحبي اليد نصف الدار، وكل نصف بمنزلة دار على حدة، فيسمى أحد صاحبي اليد أكبر، ويسمى الآخر أصغر تسهيلًا للتخريج، فنقول: في يد الأصغر نصف الدار، تنازع فيه الأصغر والأكبر والأجنبي، وأقاموا البينة، وبينة الأصغر فيه مقبولة لكونه صاحب يد فيه، فخرج هو من البين، بقي بينة الأجنبي والأكبر، وهما مقبولتان لكونهما خارجين من هذا النصف وقد استويا في الدعوى؛ لأن كل واحد يدعي جميعه، واستويا في الحجة، فيقضي بذلك بينهما، وفي يد الأكبر نصف الدار أيضًا تنازع فيه الأكبر والأصغر والأجنبي وبينة الأكبر غير مقبولة فيه وبينة الأصغر والأجنبي مقبولتان، فيقضى بذلك النصف بين الأجنبي والأصغر، فحصل للأجنبي نصف كل واحد من النصفين، فكان له النصف كملًا، وحصل لكل واحد من صاحبي اليد نصف النصف الذي في يد صاحبه، فكان لكل واحد ربع الدار.
ولو أن الأجنبي ادعى على أحد صاحبي اليد بعينه أنه غصب هذه الدار منه، وباقي المسألة بحاله، كان ثلاثة أرباع الدار للأجنبي، وربعها للذي لم يدع عليه الغصب، وخرج المدعى عليه الغصب من البين، حتى لو كان دعوى الغصب على الأكبر لا يكون للأكبر شيء من الدار، ويكون للأجنبي ثلاثة أرباع الدار، وإنما كان كذلك لأن النصف الذي في يد الأكبر، بينة الأكبر فيه غير مقبولة، وبينة الأصغر والأجنبي فيه مقبولتان وقد استويا في الدعوى، وكذلك استويا في الحجة، لأن كل واحد منهما يدعيه ملكًا مطلقًا من غير دعوى الفعل على صاحبه، فيقضي بذلك بينهما، وأما النصف الذي في يد الأصغر فبينة الأصغر فيه غير مقبولة، وكذلك بينة الأكبر فيه غير مقبولة؛ لأن الأكبر مع الأجنبي خارجان في ذلك النصف، وقد ادعى الأجنبي على الأكبر فيه فعلًا وهو الغصب، وفي مثل هذا تقبل بينة مدعي الفعل، ولا تقبل بينة مدعى عليه الفعل، فيقضي بهذا النصف للأجنبي بكماله وقد أصابه نصف النصف الآخر، فصار له ثلاثة أرباع الدار من هذا الوجه.
وفي (الجامع) أيضًا: رجل في يديه دار أقام رجل عليه بينة أنها داره، وأقام رجل آخر البينة أنها داره غصبها منه هذا المدعي الآخر، فإنه يقضي بالدار للمشهود له بالغصب، لأنهما خارجان تنازعا في الملك المطلق وادعى أحدهما الفعل وهو الغصب على صاحبه، وكذلك لو كان مكان دعوى الغصب دعوى الإيداع.
ولو أن رجلين في أيديهما دار أقام رجل أجنبي بينة أنها داره غصبها منه هذا الأكبر، وأقام الأكبر بينة أنها داره غصبها منه هذا الأكبر، وأقام الأكبر بينة أنها داره غصبها منه هذا الأجنبي، وأقام الأصغر بينة أنها داره، ولم يثبت غصبًا على أحد، فإنه يقضي بنصف الدار للأجنبي نصف ذلك مما في يد الأصغر، ونصف ذلك مما في يد الأكبر، والنصف الآخر من الدار بين الأصغر وبين الأكبر نصفان لأن الأكبر مع الأجنبي استويا في دعوى ما في يد الأصغر وفي (الحجة): لأن كل واحد منهما ادعى الغصب على صاحبه فيه، وهما خارجان فيه، فيقضى بما في يد الأصغر بينهما، والأصغر مع الأجنبي استويا في دعوى ما في يد الأكبر، وفي (الحجة) أيضًا: لأن كل واحد منهما لم يدع الغصب على صاحبه، فيقضي بذلك بينهما نصفان أيضًا، فحصل للأجنبي نصف ما في يد كل واحد منهما فيكون لكل واحد منهما، ربع الدار، فصارت هذه المسألة والمسألة الأولى سواء.
ولو أقام الأجنبي بينة أنها داره غصبها منه هذا الأكبر وأقام الأكبر، بينة أنها داره غصبها منه هذا الأصغر، وأقام الأصغر بينة أنها داره، ولم يدع هو الغصب على أحد ذكر أنه يقضى للأجنبي بثلاثة أرباع الدار، وللأصغر بربع الدار نصف ما في يد الأكبر، ولا يقضى للأكبر بشيء؛ لأن ما في يد الأكبر استوى فيه دعوى الأصغر ودعوى الأجنبي؛ لأنهما خارجان فيه ادعيا الملك من غير دعوى الغصب على صاحبه، فاستويا فيه دعوى وحجة، فيقضى بذلك بينهما، وما في يد الأصغر بطل فيه دعوى الأكبر ببينة الأجنبي على الأكبر، لأن الأجنبي ادعى الغصب فيه على الأكبر، والأكبر لم يدع على الأجنبي مثل ذلك؛ لأن الأكبر يدعي الغصب على الأصغر دون الأجنبي، فيقضي بذلك للأجنبي، قال وليس للأكبر أن يأخذ ما أخذ الأصغر منه بأن يقول للأصغر أثبت أنا عليك غصب جميع الدار؛ لأن من حجة الأصغر أن يقول للأكبر: إنما أثبت الغصب على ما في يدي، لا فيما في يدك لأني لا أكون غاصبًا لما في يدك، وما كنت غاصبًا فيه قد أخذته بقضاء، وما في يدي الآن فإنما أخذته منك أيها الأكبر وأنت ما أثبت الغصب عليّ في ذلك.
ولو أقام الأجنبي بينة أنها داري غصبها مني هذا الأكبر وأقام الأكبر بينة أنها داري غصبها مني هذا الأجنبي، قال يقضي للأجنبي بالنصف الذي في يد الأصغر، ويقضي للأصغر بالنصف الذي في يد الأكبر، وخرج الأكبر من البين؛ لأن ما في يد الأكبر بطل دعوى الأجنبي فيه بدعوى الأصغر الغصب على الأجنبي، وإقامة البينة عليه فصار كأن الأجنبي لم يدعه، فيقضى به للأصغر، وما في يد الأصغر بطل دعوى الأكبر فيه بدعوى الأجنبي الغصب على الأكبر وإقامة البينة عليه، فكأن الأكبر لم يدعه، فيقضى به للأجنبي.
ولو أقام الأجنبي بينة أنها داري غصبها مني هذا الأكبر، وأقام الأكبر بينة أنها داري غصبها مني هذا الأجنبي، وأقام الأصغر بينة أنها داري غصبها مني هذا الأجنبي، فإنه يقضي للأصغر بالنصف الذي في يد الأكبر؛ لأن دعوى الأجنبي قد بطل فيه بدعوى الأصغر الغصب فيه على الأجنبي، وإقامة البينة على ذلك، ويقضى بالنصف الذي كان في يد الأصغر بين الأكبر والأجنبي نصفان؛ لأنه استوى فيه دعوى الأكبر والأجنبي؛ لأن كل واحد منهما ادعى الملك فيه لنفسه، وادعى الغصب فيه على صاحبه، فيقضى بينهما.
ولو أقام الأكبر بينة أنها داري غصبها مني هذا الأصغر وأقام الأصغر، بينة أنها داري غصبها مني هذا الأكبر، وأقام الأجنبي بينة أنها داري غصبها مني هذا الأكبر والأصغر، فللأجنبي نصف الدار، والنصف الآخر بين الأكبر والأصغر نصفان.
حكي عن القاضي الإمام أبي عاصم العامري أنه قال ما ذكر من الجواب غلط وقع من الكاتب، وينبغي أن يقضي بجميع الدار للأجنبي؛ لأن الأجنبي أبطل دعوى كل واحد منهما، وبينته بإثباته الغصب عليهما، وواحد منهما لم يبطل دعوى الأجنبي وبينته؛ لأنه لم يثبت الغصب عليه، فتبطل دعواهما وبينتهما، وبقي دعوى الأجنبي وبينته، فيقضي بجميع الدار للأجنبي من هذا الوجه، وعامة المشايخ على أن ما ذكر في (الكتاب) صحيح.
ووجه ذلك: أن الأجنبي لما ادعى الغصب عليهما كان مدعيًا على كل واحد منهما؛ لأنه يدعي الغصب فيه على صاحبه، أما الأكبر فظاهر، وأما الأجنبي؛ فلأنه لا يدعي الغصب على الأكبر فيما في يد الأصغر، إنما يدعي الغصب فيه على الأصغر، فيقضى بذلك النصف بين الأكبر والأجنبي نصفان، وأما النصف الذي في يد الأكبر تنازع فيه الأصغر والأجنبي، وقد استويا فيه دعوى وحجة؛ لأن كل واحد منهما لا يدعي الغصب فيه على صاحبه على نحو ما بينا في طرف الأصغر، فيقضى بذلك النصف بين الأجنبي والأصغر نصفان، فحصل للأجنبي نصف الدار، ولصاحبي اليد نصف الدار من هذا الوجه، فكان ما ذكر في (الكتاب) صحيحًا والله أعلم.

.الفصل الرابع: في دعوى الملك في الأعيان بسببنحو الشراء أو الميراث الهبة وما أشبه ذلك:

فنقول: هذا الفصل يشتمل على أنواع أيضًا:

.الأول: في دعوى الخارجين:

وإنه على وجهين: إما أن يدعيا تلقي الملك من جهة اثنين، أو من جهة واحد، صورة ما إذا ادعيا تلقي الملك من جهة اثنين.
قال محمد رحمه الله في (الأصل): دار في يدي رجل ادعاها رجلان كل واحد يدعي أنها داره، ورثها من أبيه فلان، وأقاما على ذلك بينة، فإن لم يؤرّخا أو أرّخا وتاريخهما على السواء، بأن قال كل واحد منهما مثلًا: مات أبي منذ سنة وترك هذه الدار ميراثًا لي، فإنه يقضي بالدار بينهما؛ لأن كل واحد منهما يثبت الملك لمورثه في الدار أولًا ثم يثبت الانتقال من مورثه إلى نفسه، فكأن مورثهما حضرا وادعيا ملكًا مطلقًا لأنفسهما، والعين في يد الثالث، وهناك يقضى بالعين بينهما نصفان، فهاهنا كذلك، وإن أرّخا وتاريخ أحدهما أسبق بأن أقام أحدهما بينة أن أباه مات منذ سنة، وتركها ميراثًا له، وأقام الآخر بينة أن أباه مات منذ سنتين وتركهما ميراثًا له، وفي هذا الوجه على قول أبي حنيفة آخرًا على ما ذكر في (المنتقى)، وهو قول أبي يوسف آخرًا على ما ذكره في (الأصل)، وهو قول محمد أولًا على ما رواه ابن سماعة عنه، يقضى لأسبقهما تاريخًا؛ لأن للتاريخ عبرة على هذه الأقاويل وأسبقهما تاريخًا أثبت الملك لنفسه في وقت لا مزاحم له فيه، فيكون هو أولى، كما إذا ادعيا الشراء من اثنين، وأقاما البينة وأرخا، وتاريخ أحدهما أسبق، وهناك يقضى لأسبقهما تاريخًا بلا خلاف، وطريقه ما قلنا، وعلى قول محمد آخرًا، وهو قول أبي يوسف أولالًا لأن كل واحد من الوارثين يثبت الملك لمورثه أولًا، ثم يثبت الانتقال من مورثه إلى نفسه، ولا تاريخ في ملك المورثين، فكأن المورثين حضرا وادعيا الملك لأنفسهما من غير ذكر تاريخ، وهناك يقضى بينهما، حتى لو أرخا ملك المورثين، وتاريخ ملك أحدهما أسبق كان هو أولى من الآخر، هكذا رواه هشام عن محمد، وأما إذا ادعيا الشراء من رجلين، وأرخا الشراء وتاريخ أحدهما أسبق، فقد روي عن محمد أنهما إذا لم يؤرخا ملك البائعين يقضي بينهما نصفان كما في فصل الميراث، فعلى هذه الرواية لا يحتاج محمد رحمه الله إلى الفرق بين الشراء وبين الميراث.
وفي ظاهر رواية محمد في فصل الشراء، يقضي لأسبقهما تاريخًا، فعلى ظاهر الرواية، محمد يحتاج إلى الفرق بين فصل الميراث وبين فصل الشراء.
والفرق: وهو أن ملك المشتري حادث ثبت بسبب حادث وهو الشراء، فكل واحد من المشتريين أثبت لنفسه ملكًا حادثًا لا تعلق له بملك البائع، فمن أثبت لنفسه الملك في وقت لا ينازعه فيه أحد كان هو أولى، فأما ملك الوارث فهو ليس بملك جديد، بل هو عين ما كان ثابتًا للمورث؛ لأن الوراثة عقد خلافة، ولا تاريخ في ملك المورثين، فلهذا افترقا، وإن أرخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر لم يذكر محمد رحمه الله هذا الفصل في (الأصل)، وذكر صاحب (الأقضية) عن بشر أن على قول أبي حنيفة وأبي يوسف يقضي للمؤرخ.
وذكر شيخ الإسلام خواهر زاده رحمه الله أن على قول محمد رحمه الله يقضي لغير المؤرخ، وذكر شمس الأئمة السرخسي أنه يقضي بالدار بينهما نصفان بالاتفاق، هكذا ذكر الطحاوي، فما ذكر في (الأقضية) من قول أبي حنيفة إشارة إلى أن للتاريخ عبرة عند حالة الانفراد في دعوى تلقي الملك من جهة اثنين وهذا قوله الأول ثم رجع، وقال: لا عبرة في دعوى تلقي الملك من جهة اثنين حالة الانفراد، وما ذكر شيخ الإسلام من قول أبي حنيفة قوله الآخر؛ لأن على قوله الآخر التاريخ حالة الانفراد ساقط الاعتبار في هذه الصورة، فصار ذكره والعدم بمنزلة، أو يقول كل واحد منهما يثبت الملك لمورثه، ثم يثبت الانتقال من مورثه، ولا تاريخ في ملك المورثين، فكأنهما حضرا وادعيا الملك لأنفسهما مطلقًا، وهناك يقضى بينهما كذا هاهنا، وما ذكر شيخ الإسلام من قول أبي يوسف مستقيم على قوله الآخر؛ لأن على قوله الآخر للتاريخ عبرة، فيكون المؤرخ أولى، أما لا يستقيم على قوله الأول؛ لأن على قوله الأول لا عبرة للتاريخ يقضي بينهما كما رواه بشر رحمه الله.
وما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله من قول محمد رحمه الله: أنه يقضي لغير المؤرخ مستقيم على قوله الأول: للتاريخ عبرة وغير المؤرخ أسبقهما تاريخًا يعني؛ لأنه يدعي الملك المطلق بطريق إطلاقه عن الميت، ودعوى الملك المطلق دعوى الملك من الأصل، وما ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: أنه يقضى بينهما بالاتفاق أراد به الاتفاق بين أبي حنيفة آخرًا: لا عبرة للتاريخ حالة الانفراد في هذه الصورة، فصار ذكره كلا ذكر، وعلى قول محمد: التاريخ في ملك الوارثين لا في ملك المورثين، وكل واحد من الوارثين يثبت الملك لمورثه أولًا ثم يثبت الانتقال من مورثه إلى نفسه، فكأن المورثين حضرا وادعيا لأنفسهما ملكًا مطلقًا، وهناك يقضي بالدار بينهما فهاهنا كذلك وإذا ادعيا الشراء من اثنين والدار في يد الثالث، فإن لم يؤرّخا أو أرّخا وتاريخهما على السواء، قضي بالدار بينهما، وإن أرخا وتاريخ أحدهما أسبق فهو على الاختلاف الذي ذكرنا في الميراث، وإن أرخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر فهو على ما ذكرنا من الميراث أيضًا.
صورة ما إذا ادعى الخارجان تلقي الملك من جهة واحد:
دار في يدي رجل ادعاها رجلان، كل واحد منهما يدعي أنه اشتراها من صاحب اليد بكذا، فإن أرخا وتاريخهما على السواء أو لم يؤرخا، فالدار بينهما نصفان؛ لأنهما استويا في الدعوى والحجة ويخير كل واحد منهما؛ لأن كل واحد منهما أثبت شراء جميع الدار لنفسه، ولم يسلم لكل واحد منهما إلا النصف، فيخير كل واحد منهما، إن شاء أخذ نصفها بنصف الثمن الذي سماه شهوده، وإن شاء ترك، فإن رضي أحدهما وأبى الآخر، وذلك بعدما خيرهما القاضي وقضى لكل واحد منهما بالنصف، فقد فسخ بيع كل واحد منهما في النصف، فلا يعود بيع أحدهما بعد ذلك بترك صاحبه المزاحمة معه، قال: إلا أن يكون ترك المنازعة قبل أن يقضي القاضي بشيء فحينئذ تكون الدار للآخر بجميع الثمن، وإن أرخا وتاريخ أحدهما أسبق، فالسابق أولى؛ لأنه أثبت شراءه في وقت لا ينازعه فيه أحد، فثبت شراءه من ذلك الوقت، وتبين أن الآخر اشتراها من غير المالك، وإن أرخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر فالمؤرخ أولى، قيل: إنما جعلنا المؤرخ أولى تعليلًا لنقض ما هو ثابت.
بيانه: أنا متى جعلنا المؤرخ أولى فقد نقضنا شراء الآخر لا غير؛ لأنه لم تثبت بينته إلا الشراء، ومتى قضينا للذي لا تاريخ له، لقضينا على صاحب التاريخ شراءه، وتاريخه بعدما ثبت الأمران بالبينة، وتعليل نقض ما هو ثابت أولى من تكثيره. وقيل: إنما جعلنا المؤرخ أولى؛ لأنه أثبت الشراء في وقت لا منازع له فيه.
صورة ما إذا ادعى الخارجان تلقي الملك من واحد من وجه آخر:
رجل في يديه دار، جاء رجل وادعى أنه اشترى هذه الدار من فلان بكذا سمى رجلًا آخر، وجاء رجل آخر وادعى أنه اشترى هذه الدار من فلان ذلك بعينه، فإن لم يؤرخا أو أرخا وتاريخهما على السواء يقضى بالدار بينهما، وإن أرخاه وتاريخ أحدهما أسبق يقضى لأسبقهما تاريخًا، وإن أرخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر، فالمؤرخ أولى لما قلنا.
ومن هذا الجنس مسائل ذكرها في (الزيادات) وصورتها:
رجل في يديه دار وعبد، جاء رجلان وادعى كل واحد منهما أنه اشترى هذه الدار بهذا العبد من صاحب اليد وأقاما البينة، فالقاضي يخيرهما إن شاءا أخذا الدار بينهما وأخذا العبد بينهما أيضًا، وإن شاءا تركا الدار وأخذا العبد بينهما، وغرم صاحب اليد قيمة العبد بينهما، أما القضاء بالدار بينهما؛ لأنهما استويا في سبب الاستحقاق وهو الدعوى والشهادة، والمشهود به قابل للشركة فوجب القضاء بينهما، وأما الخيار فلأنا إذا قضينا بالدار بينهما، فقد تفرقت الصفقة على كل واحد منهما؛ لأن كل واحد منهما أثبت شراء كل الدار، ولم يسلم لكل واحد منهما إلا النصف، وهذا تفريق حصل قبل التمام؛ لأنه حصل قبل القبض فيوجب الخيار، فإن اختارا أخذ الدار بينهما لما مر، وأخذا العبد بينهما أيضًا؛ لأن كل واحد منهما أثبت شراء كل الدار بكل العبد، ولم يسلم لكل واحد منهما إلا نصف الدار، فكان لكل واحد أن يأخذ نصف العبد، وإن اختارا ترك الدار أخذا العبد لكون العبد بدلًا عن الدار، ويكون العبد بينهما لاستوائهما في الحجة في العبد، وغرم صاحب اليد قيمة العبد بينهما؛ لأن كل واحد منهما سلم جميع العبد ثمنًا إلى صاحب اليد، ثبت ذلك ببينة كل واحد منهما، فعند الفسخ يستحق كل واحد منهما جميع العبد، وقد عجز صاحب اليد عن تسليم جميع العبد إلى كل واحد منهما، فيغرم قيمة العبد بينهما، ليسلم لكل واحد منهما جميع العبد معنى.
فإن قيل: كيف يغرم صاحب اليد قيمة العبد بينهما، وإنه صار مشتريًا من كل واحد منهما كل العبد بالدار، وقد استحق عليه نصف ما اشترى من كل واحد منهما حين قضى به لصاحبه، واستحقاق المشترى من يد المشتري يمنع وجوب القيمة عليه عند الفسخ؟.
قلنا: نعم، ولكن هذا الاستحقاق ثبت إقراره؛ لأن كل واحد من المدعيين ببينته أثبت إقرار صاحب اليد بملك العبد له حين اشتراه منه بالدار، واستحقاق المشترى من يد المشتري بإقراره يقتصر عليه ولا يتعدى إلى غيره، وإذا لم يثبت الاستحقاق في حق كل واحد منهما، رجع كل واحد منهما عند الفسخ بقيمة ما عجز عن تسليمه، وإن كانت الدار في أيدي المدعيين والباقي بحاله، فكذلك الجواب، يثبت الخيار لكل واحد منهما، وإن تفرقت الصفقة على كل واحد منهما بعد التمام بالقبض، إلا أن هذا التفريق أوجب عيبًا في الباقي؛ لأن الشركة في الأعيان عيب، والعيب يوجب الخيار، وإن كانت الدار في يد أحد المدعيين والباقي بحالة قضى بالدار لصاحب اليد؛ لأن شراءه أسبق؛ لأن القبض يدل على سبق الشراء؛ لأن الإنسان إنما يتمكن من القبض في وقت لا منازع له فيه، ولأن سببه أقوى؛ لأن سببه شراء اتصل به القبض، وبالقبض يتأكد الشراء، والقضاء بالمؤكد أولى، ولأن صاحب اليد يحتاج إلى إثبات الاستحقاق على المدعى عليه لا غير، وفي بينته ما يوجب ذلك، فأما الخارج فإنه يحتاج إلى إثبات الاستحقاق على المدعى عليه وعلى ذي اليد، لينقض قبضه، وليس في بينته ما يوجب الاستحقاق على ذي اليد؛ لأن ذلك إنما يكون بسبق شرائه، ولم يثبت ذلك ببينته، ولا يكون له الخيار؛ لأنه سلم له جميع ما اشترى، ويكون كل العبد للآخر؛ لأنه أثبت تسليم كل العبد إليه ثمن الدار، ولم يسلم له شيء من الدار، فيرجع عليه بجميع العبد.
ولو قال المدعى عليه لصاحب اليد: إن عوض الدار ولم يسلم لي، بل استحق ببينة الخصم الآخر، فإنما أرجع عليك بالدار، لا يلتفت إليه؛ لأن العبد استحق بما ليس بحجة في حق صاحب اليد ليرجح بينة صاحب اليد على بينة الآخر، فلم يظهر الاستحقاق في حق صاحب اليد من يد بائع الدار ببينة لا يرجع على المسلّم، وإنما لا يرجع لما قلنا.
هذا إذا ادعيا الشراء مطلقًا فأما إذا ادعيا الشراء مؤرخًا وأقاما البينة على ذلك، وتاريخ أحدهما أسبق قضي لأسبقهما تاريخًا، سواء كانت الدار في يد المدعى عليه أو في أيديهما أو في يد أحدهما لأيهما كان؛ لأنه أثبت شراءه في وقت لا منازع له فيه، فيثبت شراؤه من ذلك الوقت، ومن ضرورة ثبوت شرائه من ذلك الوقت بطلان شراء الآخر، وبطلان قبضه بعده، ويقضى بالعبد للآخر لما قلنا قبل هذا.
وإن أرخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر إن كانت الدار في يد المدعى عليه، يقضى بالدار للذي أرخ؛ لأن الشراء أمر حادث، فيحال مطلقه على أقرب الأوقات، فالذي لم يؤرخ أثبت شراءه للحال، ولهذا لا يستحق شيئًا من الزيادة المتولدة من المبيع قبل هذا، والمؤرخ سابق عليه، ألا ترى أنه يستحق الزيادة المتولدة من وقت التاريخ فكان أولى لهذا، بخلاف دعوى الملك المطلق من اثنين على ثالث، والعبد في يد الثالث إذا أرخ أحدهما فيه دون الآخر، حيث كانا على السواء على قول أبي حنيفة رضي الله عنه على أصح الروايات عنه؛ لأن هناك ملك المؤرخ يثبت من وقت التاريخ بلا شبهة، وملك الآخر ثبت من الأصل مع الاحتمال، فيحتمل التقدم على المؤخر والتأخر عنه فيجعل مساويًا.
أما في دعوى الشراء من الواحد أقرا بالملك للبائع، والملك إذا ثبت يبقى إلى أن يوجد الناقل، فالمؤرخ أثبت النقل في زمان لا يزاحمه غيره فيه بيقين، وفي نقل الآخر احتمال، والمحتمل لا يعارض المتيقن، أما في الملك المطلق بخلافه على ما مر. وإذا قضينا بالدار للمؤرخ قضينا بالعبد للآخر على ما مر، ولا خيار لواحد منهما؛ لأن موجب (البيع) سلم لأحدهما وموجب الفسخ سلم للآخر، فانعدم الموجب للخيار.
وإن كانت الدار في يد الذي لم يؤرخ شهوده والباقي بحاله، يقضى بالدار للذي لم يؤقت؛ لأن تاريخ المؤرخ إن دل على سبق شرائه على نحو ما بيّنا، فقبض الذي لم يؤرخ يدل على سبق شرائه من حيث أن الإنسان إنما يتمكن من القبض في وقت لا منازع له فيه فتعارضا، إلا أن دليل السبق في حق الذي لم يؤرخ القبض وإنه معاين، وفي حق المؤرخ التاريخ، وإنه مخبر فيه، وليس الخبر كالمعاينة، ولو استوى الدليلان لا يجوز نقض قبض صاحب اليد بالشك، فكيف إذا ترجح دليل صاحب اليد، ولأن القبض يؤثر في الشراء تأكيدًا له، والتاريخ لا يؤثر، والترجيح بالمؤثر أولى من الترجيح بغير المؤثر، وكذلك إذا كان للذي لم يؤرخ قبضًا مشهودًا به كان هو أولى؛ لأن قبضه ثبت بالبينة، والثابت بالبينة كالثابت عيانًا ولو عاينا قبضه كان هو أولى فهاهنا كذلك.
وإن شهد شهود الذي لم يؤرخ على إقرار البائع بالشراء والقبض، قضي لصاحب التاريخ؛ لأن الثابت بالبينة هاهنا إقرار البائع بالقبض لا نفس القبض، فصار كأنما عاينا إقرار البائع بذلك، ولو عاينا إقرار البائع بذلك لا يصدق في حق صاحب التاريخ فهاهنا كذلك.
والفقه في ذلك: أن الاحتمال في بينة صاحب الوقت من وجهين، من حيث أيهم صدقه أو كذبه، ومن حيث أن عقده يحتمل أن يكون سابقًا أو لاحقًا، والاحتمال في بينة صاحب الإقرار من وجوه ثلاثة: من حيث أيهم صدقه أو كذبه، من حيث أن بائعه صادق في إقراره أو كاذب في إقراره، ومن حيث أن عقده يحتمل أن يكون سابقًا، ويحتمل أن يكون لاحقًا، فكان القضاء ببينة صاحب الوقت أولى.
ولو كان لأحدهما قبض مشهود به، وللآخر قبض معاين، فالذي له قبض معاين به أولى لرجحان العيان على الخبر. وإن شهد شهود كل واحد منهما على الشراء والقبض معاينة، أو على إقرار البائع بالقبض، وأرخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر، إن كانت الدار في يد البائع، فصاحب التاريخ أولى، وإن كانت الدار في يدي الذي لم يؤرخ شهوده، فهو أولى بحكم القبض المعاين، وإن كانت الدار في يد المشتري، وأقاما البينة على الشراء والقبض معاينة، أو على إقرار البائع بالقبض، وأرخ شهود أحدهما دون الآخر قضي بالدار بينهما نصفين، والعبد لهما أيضًا، أما القضاء بالدار بينهما، فلأن في يد كل واحد منهما نصف الدار، فالنصف الذي في يد صاحب التاريخ له فيه تاريخ وقبض معاين، وليس للآخر في ذلك شيء، فصار هو أولى به، والنصف الذي في يد غير صاحب التاريخ له فيه قبض معاين، وليس للآخر فيه إلا التاريخ، فصار صاحب القبض أولى، وأما العبد لهما لأن كل واحد منهما أثبت على المدعى عليه شراء جميع الدار بالعبد، ولم يسلم له إلا نصف الدار، وكان له الرجوع في نصف العبد، فلذلك صار العبد لهما أيضًا، ويخيران أيضًا لعيب الشركة.
قال محمد رحمه الله عقيب هذه المسائل: وتاريخ القبض في هذا بمنزلة تاريخ الشراء، حتى لو كانت الدار في يد البائع وشهد شهود كل واحد من المدعيين على الشراء والقبض، وأرخوا القبض دون الشراء وتاريخ أحدهما أسبق، بأن شهد شهود أحدهما أنه اشترى هذه الدار بهذا العبد وقبضها منذ عشرة أيام، كان صاحب القبض السابق أولى؛ لأن سبق التاريخ في القبض دليل سبق التاريخ في العقد، ولأن العقد متى ثبت بالبينة وهناك قبض يجعل القبض عن العقد، وكان سبق التاريخ في القبض دليلًا على سبق التاريخ في العقد، وسبق التاريخ في الشراء يوجب الترجيح، فكذا سبق التاريخ في القبض.
وكذلك إذا كانت الدار في يد صاحب الوقت اللاحق قضى بها لصاحب الوقت السابق لما قلنا في الشراء.
وإن أرخ أحدهما في القبض دون الآخر والدار في يد البائع، قضي لصاحب التاريخ، وإن كانت الدار في يدي الذي لم يؤرخ، فهو أولى لما قلنا في الشراء. هذا كله إذا كان العبد في يدي المدعى عليه، فأما إذا كان العبد في يد المدعيين، والدار في يد المدعى عليه والباقي بحاله، فالدار بينهما، والعبد بينهما ويخيران لما مر، فإن أمضيا العقد فالدار بينهما لما مر.
فإن قيل: ينبغي أن يؤمرا بتسليم العبد إلى المدعى عليه؛ لأن موضوع المسألة فيما إذا كان العبد في يد المدعيين، فلم يسلما إلى المدعى عليه، وقد سلم لكل واحد منهما من المدعيين نصف الدار من جهة المدعى عليه ينبغي أن يسلم له من جهة كل واحد من المدعيين نصف العبد.
قلنا: إنما لم يؤمر بتسليم العبد إلى المدعى عليه؛ لأنهما لو أمرا به يثبت لهما حق الاسترداد من ساعته، فلا يفيد الأمر بالتسليم.
بيانه: أن لكل واحد منهما أثبت ببينته أن المدعى عليه صار مشتريًا جميع العبد بكل الدار، فلو أمرا بتسليم العبد إليه صار بائع الدار قابضًا من كل واحد منهما جميع العبد بجهة الشراء، ولم يسلم لكل واحد منهما من جهته إلا نصف الدار، فكان لكل واحد منهما حق الرجوع عليه من العبد، فلم يفد الأمر بالتسليم من هذا الوجه، فلهذا لا يؤمر بذلك، وإن اختارا فسخ العقد كان العبد بينهما نصفين، ولا يغرم المدعى عليه قيمة العبد بينهما بخلاف المسألة الأولى.
والفرق: أن هناك كل واحد من المدعيين ببينته أثبته بتسليم كل العبد إلى المدعى عليه بجهة الثمنية فعند الفسخ يستحق الرجوع بجميع العبد، فلم يسلم لكل واحد جميع العبد معنى، أما هاهنا: لم يسلم كل واحد منهما شيئًا من العبد إلى المدعى عليه، ليستحق الرجوع به عند الفسخ، ليرجع بالقيمة عند سلامة العين، فلهذا افترقا.

.نوع آخر من هذا الفصل في دعوى الخارج وذي اليد بسبب من جهة غيرها:

وإنه على وجهين: أما إن ادعيا تلقي الملك من جهة واحدة، والحكم فيه: أنهما إذا أرخا وتاريخهما على السواء، أو لم يؤرخا، فذو اليد أولى، لأنهما استويا في إثبات الشراء ولأحدهما يد، والشراء يتأكد باليد، فكان صاحب اليد أولى وإنه يثبت آكد الشرائين أولى، وإن أرخ أحدهما، فكذلك ذو اليد أولى، بخلاف ما إذا كانت الدار في يد البائع، ولأحد المدعيين تاريخ، حيث كان المؤرخ أولى؛ لأن هناك إنما صار المؤرخ أولى تعليلًا لنقض ما هو ثابت، وتعليل النقض هاهنا في جعل صاحب اليد أولى.
بيانه: أننا إذا قضينا لصاحب التاريخ هاهنا، احتجنا إلى نقض شراء ذي اليد مع يده، ويده ثابتة معاينة، ومتى قضينا لصاحب اليد احتجنا إلى نقض شراء الآخر، وتاريخه ثابت بالبينة، والثابت معاينة فوق الثابت بالبينة، فكان نقض الثابت معاينة أكبر من نقض الثابت بالبينة، فإذًا في الموضعين يقضى بتعليل نقض ما هو ثابت، وإن أرخا وتاريخ أحدهما أسبق كان أسبقهما تاريخًا أولى، أما إذا كان أسبقهما تاريخًا ذو اليد، فلأنه أولى من غير التاريخ فأولى أن يكون أولى مع التاريخ، وأما إذا كان أسبقهما الخارج اعتبارًا للسبق الثابت بالبينة بالسبق الثابت معاينة، ولأنه أكثر إثباتًا.
وإن ادعيا تلقي الملك من جهة اثنين، فإنه يقضي للخارج، بخلاف ما إذا ادعيا التلقي من يد واحد ولم يؤرخا أو أرخا وتاريخهما على السواء، أو أرخ أحدهما دون الآخر حيث يقضي لذي اليد.
والفرق أنهما إذا ادعيا تلقي الملك من جهة اثنين، فكل واحد منهما يحتاج إلى إثبات الملك لبائعه، فكأن البائعين حضرا وادعياه ملكًا مطلقًا والدار في يد أحدهما وأقاما البينة، وهناك الخارج أولى، فهاهنا كذلك.
فأما إذا ادعيا التلقي من جهة واحد، فكل واحد منهما لا يحتاج إلى إثبات الملك لبائعه؛ لأن الملك لبائعها ثابت بتصادقهما، وإنما يحتاج كل واحد منهما إلى إثبات الانتقال إلى نفسه بسبب الشراء، وذو اليد ببينته أثبت الشراءين والقضاء بالآكد أولى إذا تعذر الجمع.

.نوع آخر من هذا الفصل في دعوى صاحبي تلقي الملك من جهة غيرهما:

وإنه على وجهين: إن ادعيا تلقي الملك من جهة واحدة ولم يؤرخا، أو أرخا وتاريخهما على السواء، يقضى بالعين بينهما، وكذلك إذا أرخ أحدهما دون الآخر يقضى بالدار بينهما، وإن أرخا وتاريخ أحدهما أسبق يقضى لأسبقهما تاريخًا، وإن ادعيا تلقي الملك من جهة اثنين، فكذلك الجواب على التفصيل الذي قلنا فيما إذا ادعيا التلقي من جهة واحدة.

.نوع آخر منه في ذكر تاريخ الشراء مع الجهالة:

قال محمد رحمه الله في كتاب الدعوى: رجلان اختصما في دار في يد أحدهما، فأقام المدعي بينة أنه اشتراها من فلان منذ سنة وأكثر، ولا يحفظون الفضل، فالبينة بينة المدعي. وهذا مشكل على قول من يعتبر التاريخ؛ لأن شهود ذي اليد أرّخوا أكثر مما أرخ شهود الخارج، وإن لم يثبتوا قدره، فينبغي أن يترجح شهادة شهوده بهذا.
والجواب المنقول عن المشايخ المتقدمين: أنهم إذا لم يقدروا الفضل ولم يحفظوه، كانت شهادتهم على المجهول فيما يرجع إلى الفضل، فلم تقبل شهادتهم على الفضل، تثبت شهادتهم على سنة وقد استوت البينتان فيه فيقضي به للمدعي، وكذلك إذا شهد شهود المدعى عليه أنه اشتراها من فلان منذ سنة أو سنتين شكّوا في الزيادة، قضي للخارج؛ لأن الزيادة على السنة لم تثبت بالشك، تثبت الشهادة على السنة، وقد استوت البينتان فيها، فيقضى للخارج.
قال رضي الله عنه: وإنه مشكل؛ لأنه عند استواء البينتين في التاريخ يقضي ببينة ذي اليد، وهو النوع المذكور قبل هذا بنوع، ولكن الوجه الصحيح في هذا أن يقال: بأن شهود صاحب اليد شهدوا على أنفسهم بالسهو والغفلة، وشهادة المغفل لا تقبل، فلغت شهادة شهود ذي اليد من كل وجه، وصار كأنه لم تقم البينة أصلًا.
ولو وقت شهود أحدهما بسنتين وشهود الآخر بسنة وأكثر، ولا يحفظون الفضل أو وقت شهود الآخر سنة أو سنتين، شكوا في الزيادة، فالبينة بينة من يثبت سنتين، إن كان المثبت لسنتين المدعي فبالاتفاق، وإن كان المثبت لسنتين صاحب اليد، فعلى قول من يعتبر سبق التاريخ فكذلك؛ لأنه أثبت ملكه في وقت لا ينازعه فيه أحد، وعلى قول من لا يعتبر التاريخ يقضي للخارج.

.نوع آخر منه في دعوى الخارجين تلقي الملك من جهة صاحب اليد وإقرار صاحب اليد لأحدهما:

في (نوادر هشام) قال: سألت محمدًا رحمه الله عن غلام في يدي رجل ادعى رجل، أنه اشتراه من صاحب اليد بألف درهم منذ سنة، وأقام رجل آخر بينة أنه اشتراه من صاحب اليد بمئة دينار منذ خمسة أشهر وصاحب اليد يقول: بعته من صاحب المئة، وقضى القاضي بالغلام لصاحب الألف لما أن وقته أول، وسلم الغلام إليه، ثم وجد به عيبًا ورده على المقضي عليه بقضاء القاضي، فجاء صاحبه وقال: أنا آخذ الغلام، لأنك أقررت أنك بعته مني، فصاحب اليد يأبى ويقول: القاضي فسخ العقد بيني وبينك، لا يلتفت إلى قول صاحب الغلام، ولا يكون قضاء القاضي بالغلام لصاحب الألف فسخًا للبيع بمئة، ويكون لصاحب المئة أن يأخذ الغلام بإقرار البائع أنه باعه منه ولم يبعه من ذلك، وإن قال البائع لصاحب المئة: خذ الغلام وأبى هو فللبائع أن يلزمه، وإن قال صاحب المئة حين قضى القاضي بالغلام لصاحب الألف وقام من مجلس القاضي قد فسخت البيع هاهنا، لم يكن فسخًا إلا أن يقول البائع: أجيبك إلى ذلك، أو يفسخ القاضي العقد بينهما.

.نوع آخر منه في دعوى الرجلين كل واحد منهما البيع على صاحبه أو الشراء على صاحبه:

ما يجب اعتباره في هذا النوع لتخريج المسائل على قول أبي حنيفة وأبي يوسف: أنه متى تنازع اثنان في عين، ادعى كل واحد منهما أنه اشتراه من صاحبه بثمن معلوم، أو ادعى أنه باعه من صاحبه بثمن معلوم، وأنكر صاحبه وأقام كل واحد منهما البينة على ما ادعى ولم يؤرخا، فإنه تتهاتر البينتان، سواء كان المبيع في يد أحدهما أو في يد ثالث، والثالث يجحد، وسواء شهد الشهود بالشراء والقبض، أو شهدوا بالشراء ولم يشهدوا بالقبض، وسواء كان الثمنان على السواء أو كان أحدهما أنقص من الآخر، إلا أن المبيع إذا كان في يد المدعيين، فإنه يترك في يده قضاء ترك على الروايات كلها، وإذا كان في يد ثالث ذكر في بيوع (الجامع) في باب القصير أنه يقضي بالعين المدعى بين المدعيين نصفان إن كان لا يقضي بالعقدين، وذكر في باب الطويل أنه يترك في يد الثالث قضاء ترك.
وما يجب اعتباره لتخريج هذا النوع من المسائل على قول محمد: أن المبيع إذا كان في يد المتداعين إذا كان في يد المتداعيين إن شهد الشهود بالعقد دون القبض، فإن القبض المعاين يجعل أولًا، كأن ذا اليد اشترى أولًا وقبضه ثم باع ولم يسلم، فيؤمر بالتسليم ويجب لكل واحد منهما على صاحبه ما ادعى من الثمن ويتقاصان إذا كانا على السواء، وإن شهدوا بالعقد والقبض، فإنه يجعل القبض المعاين آخرًا، كأن الخارج اشترى أولًا وقبضه ثم باعه من صاحبه وسلم، فيقضى بالمبيع لذي اليد، يعتبر هكذا إذا كان في اعتبار القبض المعاين آخر القبوض بحكم هذه العقود المشتبهة، تصحيح البيوع كلها رواية واحدة، وأما إذا كان في جعله آخر القبوض فساد بعض البيوع، وفي جعله آخر القبوض تصحيح البيوع كلها، ذكر في أول باب الطويل: أنه يجعل آخر القبوض على قوله، وذكر في آخر باب الطويل أنه يجعل أول القبوض، قالوا: وليس في المسألة اختلاف الروايتين، لكن ما ذكر في أول الباب جواب القياس، وما ذكر في آخره جواب الاستحسان.
وأما إذا كان البيع في يد الثالث والمسألة بحالها، إن ادعى كل واحد منهما من الثمن مثل ما ادعاه صاحبه، فعلى قوله: يقضى بالمبيع بين المدعيين نصفان، سواء شهد الشهود بالعقد والقبض أو شهدوا بالعقد ولم يشهدوا بالقبض، إلا أنهم متى شهدوا بالعقد دون القبض يقضى لكل واحد منهما بنصف الثمن على صاحبه، ومتى شهدوا بهما فإنه يقضى لكل واحد منهما بجميع الثمن على صاحبه ثم يتقاصّان، وإن كان أحد الثمنين أنقص من الأخر، إن شهدوا بالعقد دون القبض، فإنه يجوز عقد كل واحد منهما في النصف، ويبطل في النصف، وإن شهدوا، بها فإنه يقضي لكل واحد منهما بما ادعى من العقد على صاحبه في الجميع، وتقدم أولًا بيع الذي ادعى أنه باع بخمسمئة، وترتب عليه بيع الذي ادعى أنه باعه بألف، فحاصل ما يجب اعتباره في تخريج مسائل هذا الباب على قوله هذا.
إذا عرفنا الرواية. جئنا إلى بيان المعنى، فنقول: على قول محمد رحمه الله: إذا كان المبيع في يد أحدهما وشهد الشهود بالعقد دون القبض إنما يجعل القبض المعاين أولًا، لأن الشهود شهدوا بأصل التاريخ بين هذين العقدين، إن لم يشهدوا بكيفيته؛ لأن كل فريق شهدوا بالعقد في وقت غير الوقت الذي شهد به الآخر؛ لأن الوقت لو كان واحدًا لكانا لا يشهدان؛ لأن العقدين يكونان باطلين، إلا أنهم لم يثبتوا السابق منهما، فجعلنا شراء الذي له قبض معاين سابقًا حكمًا؛ لأن السبق في باب الشراء مما يثبت بالقبض، كما لو ادعيا الشراء من ثالث، ولأحدهما يد يجعل شراؤه سابقًا على ما مر قبل هذا، ولأن في تقديم شراءه تصحيح الشراءين وليس في تقديم شراء الخارج تصحيح الشراءين، بل فيه إفساد شراء ذي اليد منه، لأن الشهود لم يشهدوا بالقبض، فيصير الخارج بائعًا المشتري المنقول قبل القبض، وإنه لا يجوز، وأما إذا شهدوا بالعقد والقبض، فإنما يجعل المعاين آخر القبوض؛ لأن الأصل أن القبض إذا ثبت عقيب عقد يحال به على ما ظهر من السبب لا على غيره، ولأن أي الشراءين قدمناه يصح العقدان، فيقدم شراء الخارج حتى لا يحتاج إلى نقض القبض المعاين بالشك ولأن في هذه الصورة السبق في باب الشراء مما يثبت بالقبض، وقبض الخارج سابق؛ لأنه ينقض؛ فإن الانقضاء دليل السبق، والقيام دليل التأخير، هذا إذا كان في جعل القبض المعاين آخرًا في هذه الصورة تصحيح العقود، فأما إذا كان في جعله آخرًا إفساد بعض العقود وفي جعله أولًا تصحيح العقود كلها، القياس: أن يجعل آخرًا على قوله، وفي الاستحسان يجعل أولًا.
وجه القياس: أن هذا قبض وجد عقيب الشراء، فيجب أن يكون قبض شراء وإن كان فيه إفساد بعض العقود، كما لو شهدوا بالعقد دون القبض، ولأن السبق مما يثبت بالقبض في باب الشراء، فيثبت سبق الشراء بسبق القبض، وقبض الخارج سابق؛ لأنه ينقض، وقبض ذي اليد متأخر؛ لأنه قائم، وإذا كان قبضه متأخرًا كان شراؤه متأخرًا.
وجه الاستحسان: أن القبض الموجود عقيب الشراء، إنما يجعل قبض الشراء من حيث الظاهر لا بدليل يوجب ذلك، وكذلك انقضاء القبض يدل على السبق من حيث الظاهر لا بدليل يوجب ذلك، وقد قابل هذا الظاهر ظاهرًا آخر، فإن الظاهر من حال المسلم العاقل أنه يقدم على العقد الصحيح دون الفاسد، والعمل بهما متعذر لما بينهما من التنافي، فكان العمل بالظاهر الذي فيه تصحيح العقود كلها أولى من العمل بالظاهر الذي فيه إفساد بعض العقود، بخلاف ما إذا شهدوا بالعقد دون القبض، لأن الشهود لم يشهدوا للخارج بالقبض، ولا يمكن إثبات القبض من غير شهادة ولا معاينة، فشراء الخارج إن اعتبر أولًا يفسد بعض العقود أيضًا، وهو شراء ذي اليد؛ لأن الخارج يصير تابعًا ما اشترى قبل القبض.
وأما إذا كان المبيع في يد الثالث إن كان الثمنان على السواء يقضى بينهما نصفان، سواء شهدوا بالعقد والقبض أو بالعقد دون القبض، لأنه تعذر القضاء بالعقدين؛ لأنه إنما يمكن القضاء بالعقدين إذا أمكن تقديم أحدهما على الآخر، وهاهنا التقديم إنما يثبت إما بالقبض المعاين، أو بأن يكون في تقديم بعض البيوع تصحيح جميع العقود، وفي تقديم البعض إفساد، فيقدم ما فيه تصحيح الكل؛ إذ الأصل في تصرف العاقل أن يحمل على وجه الصحيح.
قلنا: وكل ذلك معدوم هاهنا؛ لأنه ليس لأحدهما قبض معاين، وأي العقدين قدمنا إذا كان الثمنان من جنس واحد، يجوز إذا شهد الشهود بالعقد والقبض؛ لأن كل واحد منهما يصير بائعًا ما اشترى من صاحبه بعد القبض قبل نقد الثمن بمثل الثمن وإنه جائز، وإذا تعذر التقديم وجب القضاء بالمبيع بينهما نصفان، إلا أنهم متى شهدوا بالعقد دون القبض، فإنه يقضى لكل واحد منهما على صاحبه بنصف الثمن، لأن كل واحد منهما إنما سلم نصف المبيع، فلا يستحق إلا نصف الثمن، ومتى شهدوا بهما، فإنه يقضي لكل واحد منهما على صاحبه بجميع الثمن؛ لأنه يثبت بالبينة العادلة أن كل واحد منهما سلم جميع المبيع إلى صاحبه، فيستحق جميع الثمن، وإن كان أحد الثمنين أنقص من الآخر إن لم يشهدوا بالقبض فإنما يجوز بيع كل واحد منهما في النصف؛ لأن كل واحد منهما إنما قدر على تسليم نصف المبيع لا غير.
وإن شهدوا بالعقد والقبض فإنه يقضى بالعقدين؛ لأنه إن تعذر تقديم أحدهما على الآخر من حيث القبض المعاين، أمكن من حيث أنّا إذا قدمنا شراء الذي اشترى بخمسمئة يصح شراء الآخر منه بعد ذلك؛ لأنه يصير مشتريًا بالشراء من صاحبه بعد القبض بأكثر من الثمن الأول قبل نقد الثمن، وإنه جائز، فيجوز العقدان، والمعنى لأبي حنيفة وأبي يوسف أنه لم يثبت أحد الشرائين بعينه على الآخر؛ لأن الشهود لم يشهدوا بذلك، ولا يجوز أن يثبت السبق بالقبض، إنما يثبت ذلك إذا ادعيا الشراء من واحد، قلنا إذا ادعياه من اثنين لا يثبت السبق بالقبض، بل يقضى بالعين بينهما نصفين، وهاهنا ادعى كل واحد منهما الشراء من رجل غير الذي ادعاه صاحبه، فلا يثبت الشراء بالقبض ولا يجوز إثبات سبق شراء ذي اليد تخيرنا لجواز الشراءين؛ لأن التقديم بهذا الاعتبار إنما يثبت من حيث الظاهر، والظاهر يصلح حجة للدفع، ولا يثبت حجة للاستحقاق، وإذا تعذر إثبات الشراءين تتهاتر البينتان، وكذلك إذا شهدوا بالشراء والقبض تتهاير البينتان أيضًا؛ لأن تقديم شراء الخارج هاهنا لو ثبت إنما ثبت بنوع من الظاهر على ما قال، والظاهر يصلح حجة للدفع، ولا يصلح حجة للاستحقاق، وإذا تعذر التقديم يتعذر القضاء بهما، فتتهاتر البينتان ضرورة.
وهذا إذا لم يؤرخا، فإن أرخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر، فكذلك الجواب.
وإن أرخا وتاريخ أحدهما أسبق إن كان أسبقهما تاريخًا الخارج وقد شهدوا بالقبض مع الشراء، قضي بالعقدين، ويقضى بالدار لآخرهما تاريخًا، وهو صاحب اليد. وإن شهدوا بالشراء ولم يشهدوا بالقبض، ذكر شيخ الإسلام: أنه يقضي بالدار لذي اليد، وهل يقضي بالعقدين؟ على قول أبي حنيفة وأبي يوسف: يقضى، وعلى قول محمد: لا يقضى.
إذا عرفنا هذه الجملة جئنا إلى المسائل، فنقول:
وضع محمد رحمه الله في (الجامع) المسألة في الشراء أولًا، فقال: دار في يدي رجل ادعاها رجل، أنه اشترى من المدعي بألف درهم، وأقام البينة على ذلك، فالمسألة على الاختلاف والتفصيل الذي ذكرنا.
ثم وضع المسألة في البيع، فقال: دار في يد رجل أقام البينة أنها داره باعها من ذي اليد بألف، وأقام ذو اليد بينة أنها داره، باعها من هذا المدعي بألف درهم، فعلى قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف تتهاتر البينتان لما قلنا. وقد أشار محمد رحمه الله في الكتاب الى نكتة أخرى، لهما: أن كل واحد منهما أثبت إقرار صاحبه أن الدار له؛ لأن كل مشترٍ يقر أن الملك فيما اشترى لبائعه، بمنزلة ما لو ادعى كل واحد منهما الإقرار من جهة صاحبه، فإن قيل على قياس قولهما: يجب أن تقبل البينتان إذا شهد كل فريق لمدعيه بالبيع والقبض؛ لأنه لا حاجة إلى القضاء بالبيع والتسليم، وإنما الحاجة إلى القضاء بالثمن.
هذا كما ذكرنا في عبد في يد رجل أقام رجل بينة أنه باعه من ذي اليد بألف درهم، وأقام رجل آخر بينة أنه باعه من ذي اليد بألف درهم، فإنه يقضي لكل واحد منهما على ذي اليد بجميع الثمن، فطريقة ما قلنا. هذا هكذا إذا صح دعوى كل واحد منهما، وهنا لم يصح للتضاد؛ لأن كل واحد منهما ادعى على صاحبه مثل ما ادعى صاحبه عليه، فصار وجوده والعدم بمنزلة.
دار في يدي رجل يسمى محمدًا، وادعى رجل يسمى بكرًا أن الدار داره اشتراها من هذه المرأة بألف درهم، وادعت المرأة أنها داره واشتراها من بكر، وأقاموا جميعًا البينة إلا أن الشهود لم يؤرخوا، ولم يشهدوا بالقبض، إنما شهدوا بالشراء، فعلى قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف: بينة المرأة وبينة البكر باطلتان، لأن كل واحد منهما ادعى الشراء من صاحبه، وتقبل بينة محمد، لأنه تفرد بإقامة البينة، ولا دافع ببينته، فقبل بينته، ويقضي بالدار له شراء من بكر، ويقضي عليه بالثمن لبكر.
فإن قيل: كيف يقضي بشراء محمد من بكر ولم يثبت الملك لبكر؟
قلنا: ملك بكر ثبت بإقرار محمد تلقي الملك من جهة بكر، وهذا الإقرار منه صحيح، لكونه صاحب يد. ثم بينة محمد تثبت شراء محمد من بكر، وعلى قياس قول محمد تقبل بينة بكر على المرأة، ويقضي بالدار له شراء من جهة المرأة، وتقبل بينة محمد على بكر، وتبطل بينة المرأة على بكر؛ لأن الدار كانت في يد محمد من حيث الحقيقة إلا أنها من حيث الحكم والتقدير كأنها في يد بكر؛ لأن محمدًا يقر بأن اليد والملك في هذه الدار كان لبكر، وأنه استفاده من جهة بكر، ولم يدع بكر مثل ذلك، حتى يبطل إقرار محمد للتعارض والتدافع من جهة محمد، فصح إقرار محمد لبكر، ولو كانت الدار في يد بكر حقيقة، كان الجواب على نحو ما بينا: أن بينة المرأة وبينة بكر باطلتان، وبينة محمد مقبولة، وإن كانت الدار في يد المرأة والباقي بحاله، فعلى قولهما: البينات كلها باطلة، أما بينة المرأة على بكر، وبينة بكر على المرأة فلا إشكال فيه، وأما بينة محمد على بكر ففيه نوع إشكال، ويجب أن تقبل بينة محمد على بكر؛ لأنه ادعى حادثًا وأثبته بالبينة، ولا دافع لبينته.
قلنا: محمد أثبت الشراء ببينته من بكر، إلا أن قبض بكر ما اشترى من المرأة لم يثبت، فصار بكر بائعًا ما اشترى قبل القبض، فإن قيل: ثبت قبض بكر بإقرار المرأة، فإنها أقرت تلقت الملك من جهة بكر، فتكون مقرة أنها استفادت الملك واليد من جهة بكر، فيجعل كون الدار في يد بكر كما في الفصل الأول.
قلنا: إن إقرارها لم يصح لما ادعى بكر أنه تلقى الملك من جهته، فلا يثبت قبض بكر بإقرار المرأة، فإن قيل: كيف تستقيم أن يقال:... وبيع العقار قبل القبض جائز عندهما، ومحمد وضع المسألة في العقار.
قلنا: اختلفت عبارة المشايخ في هذا المقام، فعبارة بعضهم: أنه يحتمل أن محمدًا حين فرّع هذه المسألة وطال تفريعها على حسب ما يرى، حسب أنه وضع المسألة في المنقول. ومنهم من قال: إنما فرع هذا على قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف الأول، فبيع العقار قبل القبض في شيء من الكتب إنما أثبته في (الجامع) هذه المسألة. ومنهم من قال: أراد محمد رحمه الله التفريع على قياس قولهما: إن كانا لا يريان جواز بيع العقار قبل القبض.
فإن قيل: إن استقام ما ذكر محمد من الحكم على قولهما على ما ذكرتم من التأويلات إلا أن التعليل الذي ذكر محمد في (الكتاب) لهما إن شاء محمد من بكر لم يصح؛ لأنه اشترى من بكر قبل القبض لا يصح؛ لأن امتناع جواز شراء محمد من بكر عندهما ما كان لعدم القبض، وإنما كان لعدم الملك؛ لأن بينة بكر على المرأة لما بطلت لم يثبت الملك لبكر، لا بالبينة ولا بإقرار المرأة على ما بينا.
قلنا: بطلان بيع محمد من بكر له علتان، إحدهما: ما ذكر محمد، والثانية: ما ذكرنا أنه لم يثبت الملك لبكر، والحكم إذا كان له علتان، جاز للمعلل أن يذكر إحداهما ويترك الأخرى؛ لأن إحداهما تكفي لإثبات الحكم، هذا كله قولهما، وأما على قول محمد: يجوز شراء المرأة من بكر وشراء بكر من المرأة.
وأما إذا شهدوا بالعقد والقبض، وكان الدار في يد محمد وباقي المسألة بحالها، فالجواب فيه عندهما كالجواب فيما إذا لم يشهدوا بالقبض إنما شهدوا بالعقل لا غير. وعند محمد يقضى بالبيوع كلها، وهكذا الجواب فيما إذا كان الدار في يد بكر، وأما إذا كانت الدار في يد المرأة، فإن على قول محمد: يحكم بجواز الشرع كلها، وعلى قولهما تقبل بينة بكر ومحمد، ولا تقبل بينة المرأة.
قالوا: وما ذكر أن على قولهما بينة البكر مقبولة مشكل، وينبغي أن لا تقبل بينته كما في الفصلين الأولين، وهو ما إذا كانت الدار في يد محمد، أو في يد بكر.
والجواب: وهو الفرق بين هذا الفصل وبين الفصلين الأولين بينة بكر، قالا: يثبته جواز شراء محمد منه؛ لأن شراء محمد منه يجوز من غير بينة متى كان الدار في يد بكر بظاهر يده؛ لأن اليد تدل على الملك، وكذلك إذا كانت الدار في يد محمد، بينة بكر لا تثبت جواز شراء محمد؛ لأن محمدًا مقر أن اليد في هذه الدار كانت لبكر لما ادعى محمد تلقي الملك من جهة بكر، وصح هذا الإقرار من محمد لما قلنا، فصار كون الدار في يد محمد، وكونها في يد بكر سواء، فهو معنى قولنا: إن بكرًا ببينته لا يثبت جواز شراء محمد منه في الفصلين. والمرأة كذلك بينتها لا تثبت جواز شراء محمد، فكانت بينة بكر مساوية ومعارضة لبينتها فبطلتا، فأما إذا كانت الدار في يد المرأة فبينة بكر تثبت جواز شراء محمد منه؛ لأنه متى لم يقم لبكر بينة على الشراء من المرأة، لا يجوز شراء محمد من بكر؛ لأن الدار ليست في يد بكر، لا من حيث الحقيقة ولا من حيث الاعتبار، بإقرار المرأة أن اليد كانت لبكر حيث ادعت تلقي الملك من جهة بكر؛ لأن إقرارها قد بطل لما أقر بكر لها بمثل ذلك. وإذا لم تثبت لبكر يد في هذه الحالة بوجه ما متى لم تقبل بينته على المرأة لا يجوز شراء محمد من بكر، فكان في قبول بينة بكر جواز شراء محمد، وترجحت بينته على بينة المرأة ولم يقع التعارض بينهما، فقبلت بينته لهذا.
عبد في يدي حر، أقام مكاتبٌ البينة أنه عبده، باع من هذه المرأة بألف درهم، وأقامت المرأة بينة أنه عبدها باعته من هذا المكاتب بعشرة أكرار حنطة وسط، وأقام الحر بينة أنه عبده اشتراه من هذا المكاتب بهذا الوصف، إلا أنهم لم يشهدوا بالقبض، فإن في قياس قول أبي حنيفة بينة المكاتب وبينة المرأة باطلتان لما مر، وبينة الحر مقبولة، ويقضي بالعبد للحر شراء من المكاتب، وعلى قول محمد تقبل بينة المرأة على المكاتب، وتقبل بينة الحر على المكاتب، ولا تقبل بينة المكاتب على المرأة؛ لأن العبد في يد المكاتب حكمًا واعتبارًا ولو كان في يده حقيقة يجعل قبضه أول القبضين، وإنما يكون أول القبضين إذا كان بيع المرأة سابقًا على بيع المكاتب، كأنها باعت منه وقبض المكاتب ثم أثبت الحر ببينته أنه اشتراه من المكاتب، والمكاتب ببينته أثبت أنه باعه من الحر، فيكون بينة الحر أولى؛ لأن الحر أثبته المدعيين؛ لأنه يثبت الملك واليد لنفسه، والمكاتب يثبت الملك لغيره، ولأن الثابت بالبينة العادلة كالثابت معاينة. ولو عاينا أن الحر اشترى من المكاتب، ثم ادعى المكاتب أنه باعه من المرأة لا يسمع بينته؛ لأنه ينبغي في نقض ما تم به، ولأن الحر ببينته أثبت إقرار المكاتب أنه باع العبد منه، والمكاتب ببينته أثبت إقرار نفسه أنه باعه من المرأة، ولأن الحر ببينته أثبت أنه اشترى من المكاتب، والمكاتب ببينته يثبت الشراء.
ولو ادعت المرأة الشراء من المكاتب والحر كذلك، كانت بينة الحر أولى؛ لأن له قبض كذا هاهنا، وإن كان العبد في يد المكاتب، فالجواب في المسألة الأولى، إلا أن هاهنا يحتاج المكاتب إلى تسليم العبد إلى الحر.
ولا يجيئ هاهنا بعض علل المسألة الأولى، وهي العلة الأخيرة إنما يجيئ العلل البواقي. وإن كان العبد في يدي المرأة فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف البيوع كلها باطلة لوقوع التعارض بين البينات.
فإن قيل: كان يجب أن تقبل بينة المرأة لأن لبينة المرأة؛ زيادة رجحان؛ لأنها تثبت جواز بيع المكاتب من الحر، قلنا ليس كذلك لأن الشهود لم يشهدوا بالقبض، فيصير الحر مشتريًا من المكاتب قبل القبض.
فإن قيل: كان ينبغي أن تقبل بينة الحر؛ لأنه لا دافع لبينته، قلنا: نعم لا دافع لبينته، إلا أنها قامت على إثبات شراء فاسد؛ لأنه لما بطلت بينة المرأة والمكاتب، فهو على قولهما للتعارض لم يثبت للمكاتب ملك، ولئن ثبت الملك للمكاتب بإقرار المرأة أنها باعت منه، إلا أنه لم يثبت القبض من المكاتب لما بينا، بخلاف الفصلين الأولين على ما مر.
أما على قياس قول محمد: تقبل بينة المكاتب على المرأة، ثم تقبل بينة المرأة على إثبات البيع من المكاتب، ولا تقبل بينة الحر على إثبات الشراء من المكاتب، وأما إذا شهدوا بالعقد والقبض، والعبد في يد الحر، فإن على قولهما: بينة المرأة والمكاتب باطلتان للتعارض، وبينة الحر على المكاتب مقبولة، وأما على قول محمد: البينات كلها مقبولة، ويقضى بالبيوع كلها.
وإن كان العبد في يد المكاتب وباقي المسألة بحالها فالجواب فيه عندهما كالجواب في الفصل الأول، وعند محمد: الجواب فيه كالجواب في المسألة الأولى.
وإن كان العبد في يد المرأة وباقي المسألة بحالها، فعلى قولهما: بينة المكاتب على المرأة باطلة، وبينة المرأة على المكاتب جائزة، وما ذكر أن بينة المرأة على المكاتب جائزة مشكل اعتبارًا بالفصلين الأولين، إلا أن الفرق بينهما: أن في الفصلين الأولين بينة المرأة أنها بطلت؛ لأنها ساوت بينة المكاتب؛ لأنها ثبت بيعها من المكاتب، ولا يثبت جواز شراء الحر من المكاتب جائز وإن لم يثبت بيع المرأة؛ لأن العبد في يد المكاتب، إما حقيقة أو تقديرًا واعتبارًا أو تعذر العمل بهما فبطلتا.
فأما هاهنا في بينة المرأة على المكاتب زيادة إثبات، فإنها تثبت حقًا للحر، وهو جواز شرائه من المكاتب، فإنه متى كان العبد في يد المرأة لا يجوز شراء الحر من المكاتب ما لم يثبت بيع المرأة من المكاتب؛ لأنه باع ما ليس في يده ولا ملكه، فترجحت بينة المرأة فصارت أولى، وأما على قول محمد جازت البيوع كلها لما عرف من أصله عن طريق الاستحسان، فإن كان الحر لم يقم البينة على الشراء، لكن أقام البينة أنه باع العبد من المكاتب بمئة دينار، والباقي بحاله، قبلت بينته، ولا تقبل بينة المكاتب على المرأة، ولا بينة المرأة على المكاتب عندهم جميعًا. أما عندهما فلما مر، وأما عنده: فكذلك، وينبغي أن يقضى ببيع المرأة من المكاتب عند محمد، ولا يقضي ببيع الحر من المكاتب، قياسًا على مسألة أخرى ذكرها محمد في البيوع من (الجامع) أيضًا في باب الشهادات في البيوع في الاثنين والواحدة.
وصورتها: رجل في يديه عبد ادعى أن هذا العبد عبده، باعه من هذه المشتراة بألف درهم، والمرأة تجحد ذلك وتدعيه لنفسها، وأقام المدعيان البينة على ما ادعيا، فإنه يقضي ببيع المدعي الذي ليس العبد في يده من المرأة؛ لأنهما ادعيا بيع العبد من المرأة، وادعيا فيه ملكًا مطلقًا والعبد في يد أحدهما، فكذلك هاهنا يجب أن يقضي ببيع المرأة من المكاتب؛ لأن الحر مع المرأة ادعيا البيع من المكاتب وادعيا في العبد ملكًا مطلقًا والمرأة خارج، فإن العبد ليس في يدها، والحر ذو اليد، فمن المشايخ من يجعل في المسألة روايتين، ومنهم من يفرق بين المسألتين.
والفرق: أن ثمة الذي ليس العبد في ملكه يحتاج إلى إثبات ملكه في العبد بالبينة، ليجوز بيعه؛ لأن الملك له في العبد غير ثابت، وذو اليد أثبت كذلك أيضًا، إلا أن المذهب عندنا: أن بينة الخارج أولى، فأما هاهنا فالمرأة الخارجة مستغنية عن إثبات الملك لنفسها في العبد، ليجوز بيعها؛ لأن الملك لها ثابت في العبد بإقرار الحر، فكان بينة كل واحد منهما مشروعة على إثبات البيع، لا على إثبات الملك، فكان بينة ذي اليد أولى؛ لأن بيعه آكد لأنه أثبت بيع شيء في يده، ويقدر على تسليمه، والمرأة تثبت بيع شيء لا يقدر على تسليمه، وإن كان العبد في يد المكاتب والباقي بحاله، فإن على قولهما: بينة المكاتب والمرأة باطلتان، وبينة الحر مقبولة، وعلى قول محمد: يقضى بالعبد كله للمكاتب، نصفه شراء من جهة المرأة، ونصفه من جهة الحر؛ لأن العبد في يده، وقد تنازع فيه خارجان يدعي كل واحد منهما أنه باعه من المكاتب، وأقاما البينة ولا مزية لإحدى البينتين على الأخرى.
فإن قيل: لماذا قدم محمد بيع الحر وبيع المرأة من المكاتب، ولم يقدم بيع المرأة من المكاتب؟
قلنا: لأن الأصل عنده أن الشهود متى لم يشهدوا بالقبض يجعل القبض المعاين أول القبوض بحكم البيع، وإنما يصير أول القبوض إذا قدمنا على هذا الوجه، ويقضي لكل واحد منهما على المكاتب بنصف الثمن بائعًا جميع العبد من المرأة، فيؤمر المكاتب بتسليم العبد إلى المرأة، ولا خيار للمكاتب، وإن اشترى من كل واحد منهما جميع العبد وقد سلم له النصف لأن خياره يسقط بالبيع من المرأة؛ وكان يجب أن يقضي على المكاتب لكل واحد منهما بجميع الثمن، لأن العبد سلم الى المكاتب.
وقد ذكر هذه المسألة في باب الشهادات في البيوع من (الجامع)، ووضعها في الدار، فقال: دار في يدي رجل، أقام رجل البينة أنها داره باعها من ذي اليد بألف درهم، وأقام رجل آخر بينة أنها له داره باعها من ذي اليد بمئة دينار، فالشراء لازم للمشتري، وعليه الثمنان، قال مشايخنا ولا يتهيأ الفرق، فيجعل ما ذكر في باب الشهادات جواب الاستحسان، وما ذكر هاهنا جواب القياس.
وجه الاستحسان: أن كل واحد منهما محتاج إلى إثبات الملك فيما باع عند المنازعة، وقد نازعهما ذو اليد في ذلك، فتقبل بينتهما، وإذا قبلت بينتهما فقد استحق على كل واحد منهما نصف ما باع بينة صاحبه، فصار كأن كل واحد منهما باعه جميع العبد، إلا أنه استحق منه النصف، فيسقط عنه نصف الثمن في حق كل واحد منهما.
وجه الاستحسان: أنه لم يستحق كل واحد منهما شيء مما باع من المشتري؛ لأن حاجة كل واحد من البائعين في هذه الصورة إلى إثبات الملك فيما باع؛ لأن الملك فيما باع، إنما يحتاج إليه ليقدر البائع على تسليمه، فيستوجب الثمن على المشتري، فإذا كان المبيع في يده استغنى كل واحد من البائعين عن تسليم ما باع، واستغنى عن إثبات الملك لنفسه، وبينة المدعي إنما تسمع فيما يحتاج إلى إثباته، لا فيما يحتاج إلى إثباته، وإذا لم تسمع بينة كل واحد من البائعين على إثبات الملك فيما باع، لم يصر كل واحد من البائعين مستحقًا عليه في شيء مما باع، فيقرر جميع الثمن لكل واحد منهما على المشتري، وإن كان المبيع شيئًا واحدًا؛ لأن اجتماع الثمنين في ذمة المشتري بسبب مبيع واحد جائز على سبيل الترادف، بأن يشتري من أحدهما ثم يبيعه من الآخر، ثم يشتري منه.
وإن كان العبد في يد المرأة وباقي المسألة بحالها، فعلى قولهما: بينة المرأة والمكاتب باطلتان، وبينة الحر على المكاتب مقبولة، وعلى قول محمد كذلك الجواب؛ لأن الحر والمرأة ادعى كل واحد منهما أن العبد عبده وقد باعه من المكاتب، والعبد عبد يسلم إلى المشتري وهو المكاتب، فكان الحر محتاجًا إلى إثبات الملك في العبد، ليمكنه التسليم إلى المشتري، والحر خارج والمرأة ذو اليد، وبينة الخارج أولى.
وأما إذا شهد الشهود بالعقد والقبض، فالمسألة على ثلاثة أوجه: وهو أن يكون العبد في يد الحر أو في يد المرأة، وتخريجهما على نحو ما ذكرنا، وما ذكر محمد رحمه الله من هذا الجنس، فتخريجه على نحو ما ذكرنا.
قد ذكرنا في أول هذا النوع أن العين الواحد إذا تنازع فيه اثنان ادعى كل واحد منهما أنه باعه من صاحبه بثمن معلوم وأنكر صاحبه، وأقام كل واحد منهما البينة على ما ادعى ولم يؤرخا، والعين في يد الثالث، على قول أبي حنيفة وأبي يوسف على رواية باب الطويل من بيوع الجامع تترك العين في الثالث قضاء ترك، وعلى رواية الباب القصير منه يقضي بالعين المدعى من المدعيين نصفان، واختلف المشايخ فيما بينهم قال بعضهم: في المسألة روايتان على رواية الباب القصير يقضي بالملك بينهما، وعلى رواية الباب الطويل لا يقضي بالملك بينهما، وبعضهم قالوا ما ذكر في الباب القصير قياس، وما ذكر في الباب الطويل استحسان، وبعضهم قالوا اختلف الجواب لاختلاف الموضوع.
وضع المسألة في الباب الطويل أن كل واحد منهما ادعى البيع على صاحبه فقط، وعند التعارض في دعوى البيع تتهاتر البينتان، ووضع المسألة في الباب القصير إذا ادعى كل واحد منهما البيع والملك وجه ما ذكر في الباب القصير، وهو القياس على قول بعض المشايخ أو إحدى الروايتين على قول البعض أن كل واحد منهما أقام البينة على ما يجوز القضاء به وعلى ما لا يجوز القضاء به على قولهما؛ لأن كل واحد منهما أقام البينة أن الدار ملكه، والدار في يدي الثالث، وهذا مما لا يجوز القضاء به، بدليل أنه لو لم يدع كل واحد منهما البيع من صاحبه، فإنه يقضي بينهما نصفان، وعلى كل واحد منهما البيع من صاحبه، فإنه يقضي بينهما نصفان وعلى ما لا يجوز القضاء، فإن كل واحد منهما أثبت بيع جميع الدار من صاحبه، وقد جهل التاريخ بينهما، فيجعل كأنهما وقعا معًا بأن قال كل واحد منهما لصاحبه: بعت منك هذه الدار وخرج الكلامان معًا، ولو كان هكذا كان البيعان باطلين؛ لأن الشخص الواحد في وقت واحد لا يتصور أن يكون بائعًا ومشتريًا لعين واحدة لما فيه من التضاد، فيقضي بما يجوز القضاء به، ولا يقضي بما لا يجوز القضاء به.
ويجوز أن تقبل شهادة الشاهد في بعض ما شهد به، كما لو شهد أحدهما بألف والآخر بألف وخمسمئة والمدعي يدعي أكثر المالين قبلت شهادة الشاهد بالألف والخمسمئة على الألف، كذا هاهنا، بخلاف ما لو ادعى رجل دارًا في يدي إنسان أنه اشتراها من ذي اليد بألف درهم، وادعى ذو اليد أنه اشتراها من الخارج بمئة دينار، وأقاما البينة ولم يؤرخا، فإن هناك تتهاتر البينتان، وتترك الدار في يدي ذي اليد؛ لأن كل بينة أثبتت إقرار صاحبها أن الدار إن كانت لصاحبه؛ لأن كل مشتر مقر أن المشترى كان ملك بائعه، وأنه سبيل من بيعه، وجهل التاريخ بين الإقرارين فبطلتا، وترك الدار في يد ذي اليد قضاء ترك، فأما هاهنا ذو اليد ما أثبت إقرار أحد المدعيين أن الدار له، فوجب القضاء بالدار بينهما نصفان.
وجه ما ذكر في الباب الطويل وهو الاستحسان على قول بعض المشايخ أو إحدى الروايتين على قول بعض المشايخ أن الأمر على ما قلنا، إلا أنه تعذر القضاء بشهادتهم في الكل؛ لأن كل فريق فيما شهد بسبب نفسه إلى الشهود والغفلة؛ لأنه شهد لمدعيه في غير الوقت الذي شهد به الآخر، إذ لو عاينا البيعين معًا في وقت واحد لكان لا يحل لهم أن يشهدوا بالبيع؛ لأنه يكون باطلًا، فقد اتفق الفريقان أن البيعين كانا في وقتين مختلفين، إلا أنهما جهلا ذلك ونسياه، وشهادة المغفل لا تقبل، وهذا كله قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
فأما على قول محمد يقضى بالدار بينهما نصفان، ويقضى لكل واحد منهما على صاحبه بنصف ما أقر له من الثمن؛ لأن كل واحد منهما يستحق نصف الدار، ولم يذكر في الباب الطويل أنه يخير إن شاء أخذ نصف الثمن، وإن شاء ترك، واختلف المشايخ فيه السكوت يحمل على المنطوق، ومنهم من قال ما ذكر في الباب الطويل جواب القياس، وما ذكر في الباب القصير جواب الاستحسان، وظاهر السكوت يدل على أنه لا خيار لهما.
وجه القياس في ذلك: أن كل واحد منهما أثبت على صاحبه أنه باع منه جميع الدار، ولم يسلم له إلا النصف، فيخير كما لو ادعى رجلان شراء عين من واحد ولم يؤرخا، وليس لأحدهما قبض، فإنه يقضي بينهما نصفان، ويكون لكل واحد منهما الخيار لما بينا كذا هاهنا.
وجه الاستحسان: أن كل واحد أثبت على صاحبه البيع في جميع الدار إلا أنه أن المنصف من ذلك إنما استحق على كل واحد منهما ببيعه من صاحبه، فإن الأكبر صار بائعًا نصف الدار من الأصغر، والأصغر كذلك، وفي مثل هذا لا يثبت الخيار والله أعلم.

.نوع آخر من هذا الفصل:

فمن جملة صورته: إذا ادعى أحدهما الهبة مع القبض، وادعى الآخر الشراء، وإنه على وجهين: إن ادعيا ذلك من جهة اثنين، والعين في يد ثالث أو في أيديهما أو في يد أحدهما، والجواب فيما إذا ادعيا ملكًا مطلقًا سواء لأن كل واحد منهما يثبت ملكًا مطلقًا، ثم يثبت الانتقال الى نفسه فكان بمنزلة ما لو حضر الى الملكان وادعيا لأنفسهما ملكًا مطلقًا وأقاما البينة، ففي كل موضع ذكرنا في دعوى الملك المطلق إنه يقضي بينهما نصفان، فهاهنا يقضي بينهما نصفان أيضًا، قال شيخ الإسلام إنما يقضى بينهما نصفان إذا كان المدعى به شيئًا لا يحتمل القسمة كالعبد، أما إذا كان المدعى به شيئًا لا يحتمل القسمة كالدار والدابة وأشباههما، يقضي بالكل لمدعي الشراء؛ لأن مدعي الهبة أثبت بينة فاسدة، لأنه أثبت الهبة في الكل واستحق الآخر النصف عليه بالهبة واستحقاق نصف الهبة في مشاع يحتمل القسمة، يوجب فساد الهبة، فلا تقبل بينة مدعي الهبة، وصار كأن مدعي الشراء تفرد بإقامة البينة، والصحيح أن المشاع الذي يحتمل القسمة في ذلك على السواء؛ لأن مدعي الهبة أثبت الهبة في الكل، إلا أنه لأجل المزاحمة سلم له البعض، وهذه المزاحمة بعد القبض، فكان شيوعًا طارئًا، وإنه لا يبطل الهبة.
وإن ادعيا ذلك من جهة واحدة، والعين في يد ثالث، ولم يؤرخا أو أرخا وتاريخهما على السواء، فالشراء أولى؛ لأن الشراء يوجب الملك بعوض، والهبة توجب الملك بغير عوض، فإذا احتجنا إلى نقض وأحدهما كان نقض ما يوجب الملك بغير عوض، وفيه تعليل النقض أولى من نقض ما يوجب الملك بعوض، وفيه تكثير النقض، وإن أرخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر، فالمؤرخ أولى أيهما كان، أما إذا كان المؤرخ يدعي الشراء فظاهر؛ لأنه من غير تاريخ الشراء هو أولى أيهما كان، أما إذا كان المؤرخ يدعي الشراء فظاهر؛ لأنه من غير تاريخ الشراء هو أولى فمع تاريخ الشراء أولى أن يكون أولى، وأما إذا كان المؤرخ يدعي الهبة، فلأن الشراء متأخر معنى؛ لأن الشراء حادث، والأصل أن يحال بحدوثه على أقرب الأوقات بعين ما هو ثابت بيقين من حيث العيان، والحكم بإحالة الشراء على أقرب الأوقات، وهاهنا لا يتضمن ذلك، فجعلنا الشراء المطلق حادثًا للحال، وهو معنى قولنا الشراء متأخر معنى، فيعتبر بما لو كان متأخرًا حقيقة، وهناك يقضى لمدعي الهبة كذا هاهنا، ولو أرخا وتاريخ أحدهما أسبق فهو أولى، وإن كان العين في يد أحدهما فهو أولى، إلا أن يؤرخا وتاريخ الخارج أسبق فحينئذٍ يقضي للخارج. وإن كان العين في أيديهما، فهو بينهما إلا أن يؤرخا وتاريخ أحدهما أسبق، فحينئذٍ يقضي لأسبقهما تاريخًا، والجواب في الصدقة لا تفيد الملك قبل القبض، ويفيد الملك بغير عوض كالهبة.
وإذا اجتمعت الهبتان مع القبض فالجواب فيه كالجواب فيما إذا اجتمع الشاءان وإذا اجتمعت بينة مع القبض والصدقة مع القبض، فالجواب فيه كالجواب فيما إذا اجتمع الشراءان، وستأتي هذه المسألة في أخر الباب إن شاء الله تعالى، وكان ينبغي أن تكون الصدقة أولى؛ لأن الصدقة توجب ملكًا لازمًا، والهبة ملكًا غير لازم، ونقض ما ليس بلازم وفيه تعليل النقض أولى والجواب: أن الهبة إن كانت من ذوي رحم محرم، فهي لازمة كالصدقة، وإن كانت من أجنبي إن لم تكن لازمة ففيها عوض مشروط عرفًا، ولهذا يثبت للواهب حق الرجوع ما لم يعوض عنها، ففي نقض الصدقة إن كان نقض اللزوم، ففي نقض الهبة نقض العوض من وجه فاستويا.
وإذا اجتمع الشراء والرهن فالشراء أولى؛ لأن الشراء أقوى؛ لأنه يفيد الملك بنفسه والرهن لا يفيد الملك في الحال، وإذا اجتمع الرهن والهبة أو الصدقة فالرهن أولى استحسانًا؛ لأن الرهن يتعلق به الضمان فكان قبضه مضمونًا، وقبض الهبة والصدقة ليس بمضمون، وإذا اجتمع النكاح والهبة أو الرهن أو الصدقة فالنكاح أولى؛ لأن النكاح عقد معاوضة يفيد الملك بنفسه كالشراء، ولو اجتمع الشراء مع كل واحد من هذه الأشياء كان الشراء أولى فهاهنا كذلك.
وإذا اجتمع الشراء والنكاح فعلى قول محمد: الشراء أولى إذا لم يؤرخا أو أرخا وتاريخهما على سواء؛ لأن الشراء مبادلة مال بمال يوجب الضمان في العوضين، والنكاح مبادلة مال بما ليس بمال لا يوجب الضمان في المنكوحة فكان الشراء أقوى من هذا الوجه.
وعلى قول أبي يوسف: إذا لم يؤرخا، أو أرخا وتاريخهما على السواء يقضى بينهما نصفان، وصار الجواب فيه كالجواب فيما اذا اجتمع الشراءان، وهذا لأن الشراء مع النكاح يستويان من حيث أن كل واحد منهما يفيد الملك بنفسه، وللنكاح قوة من وجه من حيث الملك في الصداق ثبت بنفس العقد متأكدًا حتى لا يبطل بالهلاك قبل التسليم، ويجوز التصرف في الصداق قبل القبض، بخلاف الشراء فإن لم يترجح جانب النكاح لا أقل من أن يثبت المساواة.
وإن ادعى رجل بينة مقبوضة في دار أو عبد، وادعى آخر صدقة مقبوضة، وأقاما البينة، فإن وقتت بينة أحدهما فصاحب الوقت أولى، وإن لم يوقت بينة أحدهما أو وقت بينة كل واحد منهما، ووقتهما على السواء ففيما لا يحتمل القسمة يقضى بينهما نصفان بالاتفاق، وفيما يحتمل القسمة نحو الدار وأشباهها تبطل البينتان جميعًا، لأنا لو عملنا بهما قضينا لكل واحد بالنصف، والهبة والصدقة في مشاع يحتمل القسمة لا يجوز قبل هذا قول أبي حنيفة، فأما على قول أبي يوسف ومحمد ينبغي أن يقضى لكل واحد بالنصف على قياس بينة الدار من رجلين.
قيل: ينبغي أن يقضى لكل واحد منهما بالنصف أثبت الهبة في الكل، ثم الشيوع بعد ذلك طارئ وذلك لا يمنع صحة الهبة والصدقة، قال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: الأصح عندي أن ما ذكر في (الكتاب) قول الكل لأنا لو قضينا لكل واحد بالنصف فإنما يقضى بالعقد الذي شهد به شهوده عند اختلاف العقدين هبة الدار من رجلين.
في (المنتقى): دار في يد رجل أقام بينة إني كنت ادعيت هذه الدار، وإن صاحب اليد صالحني منها على مئة درهم، وأقام الذي في يديه الدار أنه أبرأه من حقه من دعواه في هذه الدار، فبينة الصلح أقوى لا......

.نوع آخر من هذا الفصل في الخارجين يدعيان:

إذا ادعى رجل على صاحب العبد والرقيق الشراء، وادعى الرقيق الإعتاق أو التدبير أو الكتابة أو الاستيلاد.
رجل ادعى أمة في يدي رجل أنه اشتراها من صاحب اليد بألف درهم، وأنه أعتقها وأقام على ذلك بينة، وأقام آخر بينة أنه اشتراها من صاحب اليد بألف درهم ولم يذكر الإعتاق، فصاحب العتق أولى، هكذا ذكر المسألة في أول الكتاب الدعوى، وهذا لأن الإعتاق قبض حكمًا لما تبين، فقد ادعيا تلقي الملك من جهة واحد، ولأحدهما قبض مشهود به وهو مدعي العتق فكان أولى، ونبين شرح هذا الكلام في المسألة التي تلي هذه المسألة إن شاء الله تعالى، ولم يذكر ثمة ما إذا كان مدعي الشراء قبض العبد فلو كان قبض العبد كان هو أولى بدليل المسألة التي تليها.
وصورتها: رجل له عبد، أقام العبد بينة أن المولى أعتقه، وأقام رجل آخر بينة أن المولى باع العبد منه بألف درهم، فإن لم يكن المشتري قبض العبد فبينة العبد أولى؛ لأنهما يدعيان تلقي الملك من جهة ثالث ولأحدهما قبض مشهود به وهو العبد ولا قبض للآخر.
بيانه: أن العبد ادعى تلقي الملك في نفسه من جهة مولاه بالإعتاق والآخر ادعى تلقي الملك في العبد من جهة مولاه أيضًا بالشراء غير أن العبد بالإعتاق يصير قابضًا نفسه؛ لأنه يقع في يد نفسه، فالشهادة على العتق تكون شهادة على الملك والقبض جميعًا، والمشتري بنفس الشراء لا يصير قابضًا فالشهادة على الشراء لا تكون شهادة على القبض، فهو معنى قولنا: ادعيا تلقي الملك من جهة الثالث ولأحدهما قبض مشهود كما في دعوى الشراء من ثالث إذا كان لأحد المدعيين قبضًا مشهودًا به، بأن شهد شهود أحد المدعيين بالشراء والقبض، وشهد شهود الآخر بالشراء دون القبض.
قال: فإن كان المشتري قبض العبد فبينة المشتري أولى؛ لأن المشتري له قبض معاين، والعبد له قبض مشهود به، وليس له قبض معاين، وهذا لأن العبد إنما يصير قابضًا نفسه بالإعتاق، والإعتاق مشهود به، فكان قبض العبد مشهودًا به، وللقبض المعاين رجحان على القبض المشهود به، ألا ترى أن في دعوى الشراء من ثالث إذا كان لأحد المتداعيين قبضًا معاينًا وللآخر قبضًا مشهودًا به يترجح من له القبض المعاين كذا هاهنا.
والمعنى في ذلك: أن الذي له قبض معاين قبضه ثابت حقيقة، وما يدعيه الآخر إن كان مقدمًا يجب نقض هذه الحقيقة، وإن كان متأخرًا لا يجب نقضها فلا يجب نقضها بالشك والاحتمال، والجواب فيما إذا كان العبد ادعى التدبير نظير الجواب فيما إذا ادعى العتق إن لم يكن المشتري قبض العبد، فبينة العبد أولى، وإن كان قبض العبد فبينته أولى.
ولو ادعت أمة أنها ولدت من مولاها وأقامت على ذلك بينة، وأقام رجل آخر بينة أنه اشتراها من مولاها، فبينة الأمة أولى سواء كانت في قبض المشتري أو لم يكن في قبضه، أما إذا لم يكن في قبض المشتري؛ فلأن دعوة الاستيلاد ودعوة التدبير سواء، وبينة التدبير أولى إذا لم يكن للمشتري قبض معاين، فكذا بينة الاستيلاد، وإما إذا كان في قبض المشتري فكذلك، وكان ينبغي أن تكون بينة المشتري أولى؛ لأن له قبض معاين وقع الشك في نقضه إن كان علوق هذا الولد قبل الشراء فإن جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر من وقت الشراء يجب نقض قبضه، وإن كان علوق هذا الولد بعد الشراء إن جاءت بالولد لأكثر من ستة أشهر من وقت الشراء لا يجب نقضه، فلا يجب نقضه بالشك، فصار كما في دعوى التدبير.
والجواب عن هذا أن يقال: بأن دعوى العتق والتدبير إنما لا ينقض قبض المشتري لأن قبضه ثابت حقيقة، وقع الشك في نقضه إذا لم يعرف التاريخ؛ لأنه إذا لم يعرف التاريخ يحتمل أن العتق والتدبير لاحقان، وعلى هذا التقدير لا ينقض قبض المشتري، فلا ينقض قبضه بالشك وفي دعوى الاستيلاد لو نقضنا قبض المشتري نقضناه بيقين لا بالشك.
بيانه: أن دعوة البائع قد ثبتت بالبينة إلا أنه يحتمل أن تكون دعوته قبل البيع وعلى هذا التقدير يجب نقض قبض المشتري؛ لأنه صار بائعًا أم ولده وإن كان دعوته بعد البيع، فكذلك يجب نقض قبض المشتري أيضًا؛ لأن موضوع المسألة أن المدعي ادعى شراء الجارية، ولم يدع الولد، فيبقى الولد على ملك البائع.
وصارت مسألتنا رجل له جارية ولدت ولدًا، فباع المولى الجارية، ثم ادعى بنسب الولد لستة أشهر وهناك تصح دعوته، وإذا صحت دعوة البائع على كل حال، وجاءت بالولد لأقل من ستة أشهر من وقت الشراء أو لستة أشهر، وجب نقض قبض المشتري على كل حال، فقد تيقنا بنقض قبضه والقبض المعاين يجوز أن ينقض، ألا ترى أن في دعوى الشراء من ثالث إذا أرخا وتاريخ أحدهما أسبق والآخر قبض معاين يقضى للخارج وينقض قبض الآخر كذا هاهنا، ولو وقتت بينة المشتري وقتًا قبل الحبل بثلاث سنين كانت بينة المشتري أولى اعتبارًا للثابت بالبينة بالثابت معاينة، وكذلك الجواب في العتق والتدبير إذا أرخا، وتاريخ أحدهما أسبق يقضى لأسبقهما تاريخًا اعتبارًا للثابت بالبينة بالثابت معاينة.
وإذا أقام عبد البينة أن مولاه أعتقه وهو ينكر أو يقر، وأقام آخر بينة أنه عبده قضي للذي أقام البينة أنه عبده، لأن شهود العتق شهدوا بعتق باطل؛ لأنهم لم يقولوا في شهادتهم: وفلان يملكه، والملك لفلان لا يثبت من غير شهادة، فالعتق بلا ملك عتق باطل، فصار وجود هذه البينة والعدم بمنزلة، ولو عدم هذه البينة لكان يقضى للذي أقام البينة أنه عبده كذا هاهنا، وكذلك لو شهدوا أن فلانًا أعتقه وهو في يده يقضى للذي أقام البنية أنه عبده، كذا هاهنا؛ لأن نفوذ العتق يعتمد الملك دون اليد والشهود لم يشهدوا له بالملك، وإن شهد شهود العبد أن فلانًا أعتقه، وهو يملكه، وشهد شهود الآخر أنه عبده قضي ببينة العتق لأن إثبات العبد الملك لمعتقه كإثبات المعتق الملك لنفسه بنفسه، ولو أن المولى أقام بينة أنه عبده قضي ببينة العتق؛ لأن إثبات العبد الملك لمعتقه كإثبات المعتق الملك لنفسه بنفسه، ولو أن المولى أقام بينة أنه عبده أعتقه؛ وأقام رجل آخر بينة أنه عبده قضي ببينة العتق؛ لأن البينتين استويا في إثبات الملك وفي أحدهما إثبات العتق كذا هاهنا.
وكذلك لو أقام العبد أن فلانًا دبره وهو يملكه، وأقام رجل أخر بينة أنه عبده قضي ببينة التدبير، كما لو أقام المولى بنفسه بينة أنه عبده دبره، وأقام الآخر بينة أنه عبده يقضى ببينة المولى، ولو أقام العبد بينة أن فلانًا كاتبه وهو يملكه، وأقام بينة أنه عبده يقضى للذي أقام البينة أنه عبده، ألا ترى أنه لو أقام الذي في يديه بينة أنه ملكه كاتبه، وأقام الآخر بينة أنه عبده قضي للذي أقام البنية أنه عبده كذا هاهنا، فقد فرق بينما إذا ادعى صاحب اليد لنفسه الملك مع الكتابة، وادعى الخارج لنفسه ملكًا مطلقًا، وبينما إذا ادعى صاحب اليد لنفسه الملك مع الإعتاق أو التدبير، وادعى الخارج ملكًا مطلقًا، والفرق أن دعوى التدبير من ذي اليد بمنزلة دعوى النتاج من حيث المعنى لأنه يوجب الولاء، والولاء كالنسب، والنسب في معنى النتاج، ولو ادعى صاحب اليد النتاج حقيقة، وادعى الخارج ملكًا مطلقًا، وأقاما البينة كانت بينة صاحب اليد أولى، أما دعوى الكتابة من ذي اليد فليس بمنزلة دعوى النتاج لا من حيث الحقيقة ولا من حيث المعنى؛ لأن الكتابة ليست سببًا للولاء في الحال، ولهذا يقبل الفسخ فيكون بمنزلة دعوى البيع والإجارة، وبدعوى صاحب اليد الإجارة أو البيع لا يترجح ببينته على بينة الخارج في دعوى الملك كذا هاهنا، ومما يتصل بمسائل العتق: عبد في يدي رجل أقام رجل البينة أنه له أعتقه، وأقام آخر البينة أنه حرّ الأصل وأنه والاه وعاقده، فصاحب الموالاة أولى ذكره في دعوى (المنتقى).
وفيه أيضًا: عبد في يدي رجل أقام رجل بينة أنه له أعتقه وهو يملكه، وأقام آخر بينة أنه أعتقه وهو يملكه، فإن ادعى العبد عتق أحدهما فبينته أولى، وإن كذبهما جعلت ولاءه بينهما نصفين، ولو أقام كل واحد منهما بينة أنه أعتقه على ألف درهم وهو يملكه، لم ألتفت إلى تصديق العبد وتكذيبه، وقضيت بولائه بينهما ولكل واحد منهما على ألف درهم، وإن ذكر إحدى البينتين مالًا ولم يذكر الأجنبي مالًا فالبينة بينة المال وولاؤه له، ولا أبالي أصدقه العبد أو كذب.
وفيه أيضًا: شاهدان شهدا على رجل أنه غصب هذا عبدًا، وأن مولاه أعتقه، وقال المشهود عليه بالغصب: ما غصبته عبدًا ولا أعتقته، والعبد حي، فإني أقضي بعتق العبد، وأبرئ الغاصب عن الضمان وإن لم يدع الغاصب ذلك، علل فقال: لأن العتق حق العبد يدعيه ويقوم به، فأعتقه بالشهادة وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد: رجل في يديه عبد ادعى ابن له وأقام البينة أن أباه تصدق به عليه وهو صغير في عياله، وأقام العبد بينة أن الأب قد أعتقه، قال: أقبل بينة العتق.
ولو شهدوا أنه تصدق به أو وهبه لابنه الكبير هذا وقبضه، وعاينوا قبضه إياه، وشهد شهود العبد أنه أعتقه ولم يوقتوا أجزت الصدقة وأبطلت العتق.
وفي (المنتقى): رجل شهد على رجل أنه أعتق غلامه وهو مريض، وقال الوارث: كان يهذي حين دخل عليه الشهود، ولم يقر الوارث بالإعتاق، قال: القول قول الوارث حتى يشهد الشهود أنه كان صحيح العقل ولو أقر الوارث بالعتق إلا أنه ادعى أنه كان يهذي فالقول قول الغلام، وهو حر حتى يقيم الوارث البينة أنه كان يهذي.
ومما يتصف بمسائل العتق: إذا وقع الاختلاف بين المعتق والمعتق، بشر عن أبي يوسف: رجل أعتق أمة ثم ادعى المولى ولدها وقال: أعتقتها بعدما ولدت هذا الولد والولد عبدي، وقالت الأمة: بل أعتقني قبل أن ألده، فالقول قول من كان الولد في يده، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقد مرت المسألة في كتاب العتاق.
وإن كان في أيديهما جميعًا فهو حر، وكذلك إذا اختلفا في متاع في يدها فالقول قولها، وإن أقاما البينة فالبينة بينة الأمة في المسألتين جميعًا، وفي كتاب (الأقضية): رجل قدم بلدة ومعه رجال ونساء وصبيان يخدمونه، وهم في يده، فادعى أنهم رقيقه وادعوا أنهم أحرار، فالقول قولهم ما لم يقروا له بالملك بكلام أو بيع، أو تقوم بينة عليهم، قال: وإن كانوا من السند أو الترك أو الهند أو الروم، لأنهم في دار الإسلام وقت الخصومة، ودار الإسلام دار الأحرار فمن ادعى الحرية فيه فقد تمسك بالأصل فكان القول قوله، وإن كان من جنسه أرقاء، فلهذا كان القول قولهم إلا إذا باعهم فقد انقادوا البيع والتسليم لأن ذلك بينهم بمنزلة الإقرار بالرق، أو تقوم البينة عليهم بالرق فلا يقبل قولهم في الحرية بعد ذلك، هكذا ذكر تأويله إذا جاء بهم غير مقهورين، أما إذا كانوا مقهورين من جهته فلا يقبل قولهم أنهم أحرار.
ادعى رجل حرية الأصل ولم يذكر اسم أمه واسم أب أمه يجوز لأنه يجوز أن يخلق الإنسان حر الأصل وأمه تكون رقيقة ألا ترى أن من استولد جارية نفسه فالولد يعلق حر الأصل، والأم رقيقة، وولد المغرور حر الأصل والأم رقيقة.
مات الرجل وعليه ديون ولم يترك إلا جارية وفي حجرها ولد، فادعت أنها أم ولد الميت، وأن هذا من الميت لا يقبل قولها من غير بينة تقوم على إقرار المولى في حياته أنها أم ولده، وفيه نوع إشكال ينبغي أن تقبل بينتها إذا كان معها ولد بناء على أن الأمة تنتصب خصمًا عن أبيه في إثبات النسب من الأب على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى، وإذا انتصبت خصمًا عنه صار إقامتها البينة على نسب الغلام كإقامة الغلام لو كان بالغًا، ولو كان الابن بالغًا وأقام البينة أنه ابن هذا الرجل الميت أليس أنه يثبت نسبه منه؟ فكذا هاهنا.
وإذا ثبت نسب الغلام يثبت حقها بطريق التبعية بخلاف ما إذا لم يكن معها ولد لأن هناك لو قبلنا بينتها قبلنا على إثبات حقها مقصودًا، وحقها في هذا الباب ليس بمقصود.
ولو شهدت الورثة أنها أم ولد الميت قبلت شهادتهم، ولا سبيل للغرماء عليها.
إذا كانت الدار في يدي رجل وادعى رجل أنه اشترى هذه الدار من زيد، وأقام على ذلك بينة، وذو اليد أقام البينة أنه اشتراها من زيد، والمدعي هو الأول أي: تاريخ الخارج أولى، فإنه يقضي بها للخارج، وقد مرت المسألة من قبل فقد قبل البينة من الخارج، وإن قامت على البائع، والبائع غائب إنما قبلها لأنها قامت على خصم حاضر لأن الذي في يديه الدار يدعي الملك لنفسه ومن ادعى شراء على غائب والعين في يد الحاضر والحاضر يدعي الملك لنفسه، ينتصب الحاضر عن الغائب عرف ذلك في مواضع كثيرة.
وإذا قضينا بالشراء للخارج هل للخارج أن يقبض الدار من صاحب اليد؟ فالمسألة على ثلاثة أوجه.
إما أن يثبت نقدهما الثمن عند القاضي.
أو ثبت نقد أحدهما دون الآخر، فإن ثبت نقدهما الثمن ثبت عند القاضي فإنه يسلم الدار إلى الخارج لأن الشراء ثبت بينة الخارج لما ذكرنا، ونقده الثمن ثبت عند القاضي لأن ما نقد ذو اليد للبائع صار دينًا له عند البائع عن الاستحقاق، وما في يده من الدار ملك غير الديون، ولو كان ملك الديون لم يكن له أن لحقه فهاهنا أولى.
وإن لم يثبت نقد واحد منهما الثمن بإقرار البائع أو بالمعاينة، فإن القاضي لا يسلم الدار إلى الخارج حتى يستوفى الثمن منه، وذلك لأن القاضي نصب ناظرًا للمسلمين، فكما نظر للخارج وجمع بينته على الشراء يجب أن ينظر للغائب ويستوفي منه الثمن، ثم يأمره بقبض الدار.
وإن ثبت نقد أحدهما عند القاضي، إما بإقرار البائع أو بالمعاينة، إن ثبت نقد الخارج فإنه يسلم الدار إليه لأنه ثبت الشراء بالبينة ونقده الثمن بإقرار البائع أو بالمعاينة فيسلم الدار إليه، ولا يكون لذي اليد شيء لأنه لم يثبت نقده الثمن للبائع عند القاضي، والمشتري لا يجب له على البائع شيء عند الاستحقاق إذا لم يكن نقد الثمن، فأما إذا ثبت نقد ذي اليد بإقرار البائع، أو بمعاينة القاضي، ولم يثبت نقد الخارج، فإن القاضي لا يسلم الدار إليه حتى يستوفى منه الثمن لأنه وإن ثبت الشراء عند القاضي لم يثبت نقد الثمن، والمبيع لا يسلم للمشتري إلا بعد نقد الثمن، فيستوفى الثمن منه، ثم هل يعطى ذا اليد مما قبض من الثمن من الخارج ما وجب لذي اليد على البائع من الدين عند الاستحقاق؟.
إن كان الثمنان من جنسين مختلفين فإنه لا يعطي شيئًا، وذلك لأن البائع إن كان حاضرًا لم يكن له أن يأخذ ذلك بغير رضا البائع، فكذا إذا كان غائبًا لا يكون للقاضي أن يعطيه.
فأما إذا كانا من جنس واحد فإنه يعطيه مما قبض تمام حقه، ثم إن فضل شيء أمسكه على البائع، وإن بقي من يد ذي اليد شيء اتبع البائع إذا حضر، وذلك لأن القاضي علم بوجوب دين ذي اليد على البائع، وما قبض جنس حقه فكان له أن يعطيه ذلك بغير رضا البائع. ألا ترى أنه لو كان البائع حاضرًا كان له أن يأخذ بغير رضاه؟ فكذلك هاهنا، هذا إذا أثبت نقد ذي اليد بإقرار البائع عند القاضي أو بالمعاينة، فأما إذا أراد ذو اليد أن يقيم البينة على نقده الثمن للبائع فإنه لا يسمع بينته لأنه يقيم البينة على غائب بإثبات دين عليه، وليس عن الغائب خصم حاضر، فلا يسمع بينته لأن القضاء على الغائب بالبينة باطل، وكان بمنزلة رجل قال: أنا أقيم البينة على غائب أن لي عليه دين حتى آخذه من وديعة له عند فلان، أو قالت المرأة: أنا أقيم البينة على أنها امرأة فلان لآخذ النفقة من مال له وديعة عند فلان، فإنه لا يسمع بينتها لأنها بينة قامت على الغائب، وليس عنه خصم حاضر فلم يسمع، فكذلك هذا، ولو كانت الدار في يدي ذي اليد بهبة صدقة أو بيع لم ينقد الثمن، فأقام هذا بينة أنه اشتراها من زيد قد دفعتها إليه، وأخذت منه الثمن للبائع لأنه ثبت شراء الخارج أولًا، ولم يثبت نقد الثمن، فكان للقاضي أن يستوفي الثمن للبائع لأنه ثبت شراء الخارج أولًا ولم يثبت نقد الثمن فكان للقاضي أن يستوفي الثمن للبائع؛ لأنه ثبت شراء الخارج أولالًا ولم يثبت نقد الثمن فكان للقاضي أن يستوفي الثمن منه نظرًا للغائب، ولا يعطي ذا اليد من ذلك شيئًا؛ لأن ذا اليد موهوب له أو متصدق عليه أو مشتري لم ينقد الثمن، ولا يثبت لواحد من هؤلاء حق الرجوع على المالك عند الاستحقاق.
قال: وإذ باع الرجل جارية من رجل، ثم غاب المشتري، ولا يدري أين هو، فرفع البائع الأمر إلى القاضي وطلب منه أن يبيع الجارية ويوفي منه، فإن القاضي لا يجيبه إلى ذلك قبل إقامة البينة؛ لأنه يدعي حقًا على الغائب، وليس عنه خصم حاضر، ولأنه يجوز أن يكون غاصبًا لهذه الجارية احتال بهذه الحيلة ليبرئ نفسه عن ضمانها وتسقط النفقة عن نفسه فلا يتعرض القاضي لما قاله البائع من غير بينة، ولأنه يدعي إيجاب حفظ على القاضي في هذا الحال؛ لأنه يزعم أنه مال الغائب وأنه مما يخشى عليه التلف وعلى القاضي حفظ مال الغائب إذا كان يخشى عليه التلف فكان على القاضي أن لا يلتزم الحفظ إلا ببينة.
وهو نظير رجل جاء به إلى القاضي، وقال: هذه لقطة فبعها، فإن القاضي لا يبيعها حتى يقيم البينة على ذلك؛ لأنه يدعي إيجاب حفظ على القاضي، فكان للقاضي (أن) لا يصدقه إلا ببينة، كذا هاهنا، قال: فإن أقام البينة على ذلك ذكر أن القاضي يبيع الجارية على المشتري بنقد الثمن على البائع، واستوثق من البائع بكفيل ثقة وهذا الذي ذكر جواب الاستحسان والقياس أن لا يسمع هذه البينة، ولا يبيع الجارية على المشتري، نص على هذا القياس والاستحسان في (الجامع الكبير) في كتاب الإجارات في باب الاختلاف بين اثنين في نظير هذه المسألة.
وجه القياس في ذلك ظاهر إن هذا بينة قامت على إثبات حق على الغائب وليس عن الغائب خصم حاضر لا قصدي ولا حكمي فوجب أن لا تقبل قياسًا على ما إذا كان يعرف مكان المشتري، وقياسًا على من أقام بينة على إثبات حق على الغائب لا يعرف مكانه لينزع شيئًا مما في يد الغائب، فإن في هاتين الصورتين لا تقبل هذه البينة وإنما تقبل هذه البينة لما قلنا.
وجه الاستحسان: أن البائع عجز عن الوصول إلى الثمن من جهة المشتري إذا كان لا يعرف مكانه، وعجز عن الانتفاع بالمبيع؛ لأنه مال غيره، واحتاج إلى أن ينفق عليه ما لم يحضر المشتري، وربما باقي النفقة على الثمن وزيادة متى انتظر القاضي حضور المشتري فمتى لم يسمع هذه البينة من البائع أدى إلى إبطال حقه، والقاضي انتصب ناظرًا لإحياء حقوق الناس، فكان للقاضي أن يسمع هذه البينة ليدفع الضرر والبلية التي ابتلي بها البائع، لأن على القاضي دفع البلية عن الناس ما أمكنه، بخلاف ما إذا كان يعرف مكان البائع؛ لأنه كان يمكنه دفع الضرر والبلية عن البائع، بأن يأمره بالذهاب إلى حيث كان المشتري وإقامة البينة عليه، وبخلاف ما إذا ادعى حقًا على غائب لا يعرف مكانه وأراد أن يقيم البينة على ذلك لينتزع شيئًا من مال الغائب، فإن القاضي لا يسمع ذلك منه، وذلك لأن القياس في مسألة البيع أن لا تسمع البينة على الغائب؛ لأنه ليس عنه خصم حاضر، إلا أنا تركنا القياس فيها بإجماع العلماء على ذلك، فإنا والشافعي أجمعنا أن في هذه المسألة تسمع بينة البائع إذا كان لا يعرف مكان المشتري، وما ثبت بالإجماع بخلاف القياس لا يقاس عليه غيره والإجماع المنعقد في هذه المسألة لتندفع البلية التي ابتلي بها البائع، وليس في قبولها إزالة يد الغائب عما في يده؛ لأن حق الغائب إنما يستوفى من الجارية التي في يده لو ادعى أنها له كان القول قوله لا يكون إجماعًا إذا قامت البينة على انتزاع مال في يد الغائب، وفي ذلك إزالة ملك البائع ويده حتى لو ادعى المدعي ذلك لنفسه لا يصدق في ذلك؛ لأنه ليس في يده؛ فيرد هذا إلى ما يقتضيه القياس، فإنما استحسنوا إذا كان المدعي لا يدعي انتزاع شيء مما في يد الغائب وإنما يدعي إيفاء حقه من المال الذي في يده.
ثم إذا باع القاضي الجارية ذكر أنه يوفي البائع، وليس طريق الإيفاء أنه ثبت بما أقام البائع من البينة الدين على المشتري، ولكن طريقه أن في الإيفاء حفظ الثمن على الغائب؛ لأنه يصير مضمونًا على القابض بالمثل، فيكون بمعنى القرض، وللقاضي أن يقرض مال الغائب لما فيه من زيادة حفظ ليس في الإيداع فكذا هذا، والدليل على أن البيع وإيفاء الثمن كان على سبيل الحفظ من القاضي لا على سبيل القضاء أنه لو فعل ذلك من غير بينة أقامها الحاضر بأن يعرف ذلك من الناس كان له ذلك؛ وكذا لو فعل القاضي ذلك بعد إقامة البينة، وجحد الشراء، وقال: الجارية جاريتي من الأصل يحتاج البائع إلى إقامة البينة ثانيًا، ولو فعل القاضي ذلك على وجه القضاء صار الغائب مقضيًا عليه بالشراء، ولو صار مقضيًا عليه بالشراء لكان لا يلتفت إلى إنكاره بعد ذلك مع هذا صح إنكاره، عرف أن ما فعله القاضي فعله على سبيل الحفظ لا على سبيل القضاء، وللقاضي ولاية الحفظ في مال الغائب، ثم إذا باع القاضي الجارية وأوفى البائع حقه، فإنه يأخذ منه كفيلًا ثقة لجواز أنه آخذ الثمن من المشتري مرة، فمتى حضر المشتري احتاج إلى أن يرجع على البائع بالثمن وربما لا يجد البائع فيأخذ كفيلًا نظرًا للمشتري، حتى إن تعذر عليه اتباع البائع اتبع الكفيل فيستوفي من الكفيل، ثم إن كان فيه وضيعة فعلى المشتري، وإن كان فيه فضل فللمشتري؛ لأن بيع القاضي وله ولاية البيع على المشتري من الوجه الذي ذكرنا كبيع المشتري، ولو أن المشتري باع الجارية بنفسه إن كان فيه وضيعة يكون على المشتري؛ لأن الدين على المشتري فكذا إذا باعه القاضي، وإن كان فيه فضل فله لأنه بدل ماله فيكون له، ثم وضع المسألة في الجارية ولم يضع في الدار، ويجب أن يقال بأنه في الدار لا يتعرض القاضي لذلك ولا يبيع الدار؛ لأن القياس أن لا يبيع الجارية على المشتري، وإنما يبيعها استحسانًا إما لدفع البلية عن البائع وهو إسقاط النفقة عنه، وإنما يحتاج إلى النفقة إذا كان حيوانًا، أو للحفظ على الغائب وإنما يحتاج إلى الحفظ إذا كان المبيع شيئًا يخاف فيه التلف كالجارية ونحوها دون العقار، وإنها محصنة بنفسها، وإن كان يعرف مكان المشتري فإنه ليس للقاضي أن يبيع الجارية، وإن أقام البائع البينة على ذلك، فرق بين هذا وبينما إذا كانت الجارية آبقة فادعى الذي في يده الجارية أنها آبقة وأقام البينة على ذلك وطلب من القاضي بيعها، أو كانت وديعة أو ضالة كالبعير والبقر، وطلب من القاضي أن يبيع ذلك، أو يأمره بالنفقة على حسب ما يرى الأصلح للغائب، وأن القاضي يعرف مكانه، وإن كان القاضي لا يرجو قدومه عن قريب وخاف أنه متى أمر الذي في يديه الجارية بالنفقة أنها تربى على قيمة الجارية يبيع الجارية، وذلك لأن نفقة الآبقة والوديعة على ربها، فمتى لم يبع أتى النفقة على جميع ماله فيهلك ماله وعلى القاضي أن يدفع الهلاك عن أموال الناس ما أمكنه، فكان النظر للغائب أن يبيع، وهاهنا النظر للغائب في أن لا يبيع حتى لا تزول العين من ملكه، لأن نفقة المبيع على البائع إلى أن يحضر المشتري فيقبض، وإذا هلكت كانت عليه فالنظر للغائب أن لا يبيع إذا كان يعرف، ولكن يأمره بطلب المشتري وهذا إذا جاء المشتري وأقر بذلك، فأما إذا أنكر الشراء احتاج البائع إلى إقامة البينة على المشتري ثانيًا لأن البيع لم يثبت بما أقام من البينة؛ لأنه لم يكن عنه خصم حاضر.
قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا كانت الدار في أيدي ورثة وأحدهم غائب، فادعى أحدهم أنه اشترى نصيب الغائب هل تقبل هذه البينة على بقية الورثة الذين في أيديهم الدار؟ فهذا على وجهين:
إما أن تكون بقية الورثة الذين في أيديهم الدار مقرين بنصيب الغائب، أو كانوا منكرين نصيب الغائب فإن كانوا مقرين بنصيب الغائب؛ فإنه لا يقبل بينته لأنها قامت على إثبات الشراء على الغائب وليس عنه خصم حاضر وإنما قلنا: ليس عن الغائب خصم حاضر، لأن أحد الورثة إنما ينتصب خصمًا فيما يستحق للميت ويستحق عليه، فأما فيما يستحق على أحدهم لا ينتصب البعض عن البعض على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى: وإن كانوا منكرين يسمع هذه البينة، ويثبت الشراء على الغائب حتى لو حضر لا يكلف المدعي إعادة البينة؛ لأنه أقام البينة على الغائب في إثبات الشراء وعنه خصم حاضر جاحد، فسمع هذه البينة كما لو كان الغائب وكله بالخصومة، وإنما قلنا ذلك، وذلك لأنه ادعى حقًا على الحاضر بسبب على الغائب، وقد جحد الحاضر ما ادعى المدعي وصح جحوده؛ لأن اليد له فينتصب الحاضر خصمًا عن الغائب.
كعبد قطع يد رجل، وادعى المقطوع يده أن مولاه أعتقه، وأنكر العبد ذلك انتصب خصمًا عن المولى في إثبات العتق عليه؛ لأن المقطوعة يده ادعى حقًا على الحاضر وهو العبد بسبب على الغائب وهو الولي فانتصب الحاضر، خصمًا عن الغائب فكذلك هذا.
قال محمد في (الزيادات): رجل في يديه دار اشتراها رجل من غير ذي اليد بعبد وسلم العبد إليه، ثم خاصم المشتري صاحب اليد الدار فأخذها منه بهبة أو صدقة أو شراء أو وديعة أو غصب أو ما أشبه ذلك، فليس له على العبد سبيل؛ لأن في زعمه أن القبض مستحق له بجهة الشراء والمستحق بجهة نفع عن جهة المستحق، وإن أوقعه الموقع بجهة أخرى، فوقع هذا القبض بجهة الشراء وسلم الدار للمشتري بجهة الشراء، ولا يكون له على العبد سبيل، أورد هذه المسألة ليبين أن المشتري إذا وصل إلى المشترى يعتبر وصوله بجهة الشراء وصل إليه من جهة البائع أو من جهة غيره، فإن جاء صاحب اليد واسترد الدار من يد المشتري بأن كان في يد المشتري بسبب الغصب أو بسبب الوديعة فالمشتري يرجع على البائع بالعبد، فإن قيل: المستحق بالشراء أصل القبض لا إدامته وبالاسترداد تتقدم إدامة القبض لا أصله.
قلنا: بلى إلا أن قبض المشتري نقض بسبب سابق على عقده فارتفع قبضه من الأصل، وصار كأن لم يكن، ولو انعدم القبض من الأصل رجع المشتري على البائع بالعبد فهنا كذلك.
قال: ولو كان مكان الدار جارية اشتراها بالعبد فوصلت إلى يد المشتري بالأسباب التي ذكرناها، ثم هلكت في يده لا يكون له على العبد سبيل؛ لأنه قبضها بجهة المستحق، وتقرر القبض بالهلاك ولا يكون له بعد ذلك على العبد سبيل إلا في صورة وهو أن الجارية لو كانت غصبًا في يد المشتري جاء ذو اليد وضمنه قيمتها بحكم الغصب كان له أن يرجع على البائع بالعبد؛ لأن أخذ القيمة كأخذ العين لكون القيمة بدلًا عن العين، ولو كانت الجارية قائمة في يد المشتري وأخذ صاحب اليد عينها أليس أن المشتري يرجع على البائع؟ فهاهنا كذلك، وكذلك لو كانت الجارية غصبًا في يد المشتري فأبقت فجاء صاحب العبد، وضمن المشتري قيمتها رجع المشتري بالعبد على البائع لما قلنا، فإن عادت من الإباق عادت على ملك الغاصب وهو المشتري عرف ذلك من مذهبنا والعبد سالم للمشتري لا سبيل لبائع الجارية عليه؛ لأن القاضي نقض البيع بينهما حيث قضى له بالرجوع بالعبد، فلا يكون لبائع الجارية على العبد سبيل ينفي هذا القدر أن الجارية قد سلمت للمشتري إلا أنها سلمت له بحكم أداء الضمان لا بحكم البيع فلا يمنع ذلك سلامة العبد له.
رجل اشترى من آخر دارًا بعبد، والدار في يدي غير البائع، وصاحب اليد يدعي أنها له فخاصم المشتري صاحب اليد، فلم يقض له بشيء، فطلب المشتري من القاضي أن يفسخ العقد بينهما لعجز البائع عن التسليم إجابة إلى ذلك لما مر قبل هذا، فإن فسخ العقد بينهما وأمر البائع برد العبد على المشتري، ثم وصل الدار إلى يد المشتري يومًا من الدهر بسب من الأسباب فالفسخ ماض حتى لا يؤمر المشتري برد العبد على البائع، وإنما كان كذلك؛ لأن القاضي إنما فسخ العقد بينهما باعتبار عجز البائع عن التسليم، وبوصول الدار إلى يد المشتري بعد ذلك بسبب من الأسباب لا يتبين أن العجز لم يكن نافذًا وهل يؤمر المشتري بتسليم الدار إلى البائع لإقراره للبائع بالدار حين اشترى الدار منه؟ ينظر إن كان المشتري صرح بالإقرار له، ذكر هاهنا أنه لا يؤمر فعلى رواية هذا الكتاب لم يجعل الإقدام على الشراء إقرارًا يكون المشترى ملكًا للبائع، وذكر في (الجامع) أن الإقدام على الشراء إقرار بصحة الشراء، ولا صحة للشراء إلا بصحة البيع، ولا صحة للبيع إلا بملك البائع، فصار الإقدام على الشراء إقرارًا بملك البائع من هذا الوجه.
وجه ما ذكر هاهنا أن صحة الشراء لا تعلق لها بالملك لا محالة فإن الشراء كما صح من المالك يصح من غير المالك، إما بإنابة المالك كالوكيل والرسول، أو إنابة الشرع كالوصي، فلم يكن الإقدام على الشراء إقرارًا بالملك لهذا.
والصحيح ما ذكر في (الجامع) أن الإقدام على الشراء إقرار بالملك للبائع على اعتبار (الأصل) لأن الأصل يصرف الإنسان لنفسه، لكن مع أن الصحيح ما ذكر في (الجامع) لا يؤمر بتسليم الدار هاهنا باتفاق الروايتين؛ لأن هذا ليس بإقرار مصرح، بل هو إقرار في ضمن الشراء، وقد انتقض الشراء هاهنا، فينتقض ما ثبت في ضمنه، وليس كالإقرار المصرح؛ لأن الإقرار هناك حصل ابتداء لا في ضمن الشراء فانتقاض الشراء لا يوجب انتقاض الإقرار، فبقي كما كان.
فعلى قول هذا التعليل إذا استام عينًا من آخر واستباعه فلم يتفق بينهما بيع، ثم وصل إليه ذلك العين يومًا من الدهر يؤمر بالتسليم إلى الذي استامه واستباعه؛ لأن الإقرار هناك وإن حصل في ضمن الاستيام والاستباعة إلا أنه لم يرد عليهما نقض حتى ينتقض الإقرار الثابت في ضمنها فبقي الإقرار كما كان.
رجل اشترى من آخر دارًا بعبد، وتقابضا، ثم استحق نصف الدار كان مشتري الدار بالخيار؛ لأنه تفرقت الصفقة عليه، وهذا التفرق أوجب عينًا في الباقي إذ الشركة في الأعيان عيب، فيكون له الخيار إن شاء أخذ بنصف العبد وإن شاء ترك، ولا يكون لمشتري العبد الخيار، وإن تفرقت الصفقة عليه ويعيب الباقي بعيب الشركة لأن هذا العيب إنما كان بسبب تدليس من جهته وهو بيع كل الدار مع علمه أنه لا يملك إلا النصف، فلا يبقى مستحقًا للنظر، وعلى هذا إذا استحق نصف العبد كان لمشتريه الخيار، فإن اختار أخذ نصف العبد بنصف الدار لا خيار لمشتري الدار لما قلنا.
وإن استحق نصف العبد ونصف الدار ذكر في (الكتاب): أن كل واحد من المشتريين بالخيار، إن شاء أخذ وإن شاء ترك لوجود علة الخيار في البدلين وهو الشركة، ولم يبين قدر المأخوذ وقدر المتروك، من أصحابنا من قال مشتري الدار بالخيار إن شاء أخذ ربع العبد بربع الدار، وإن شاء ترك.
ووجه ذلك: أنه استحق من كل واحد من البدلين نصفه إلا أن النصف المستحق من الدار لا يكون بإزاء النصف المستحق من العبد، وغير المستحق من الدار بإزاء غير المستحق من العبد، بل النصف الذي هو المستحق من الدار يقابله نصف العبد شائعًا من المستحق ومن غير المستحق، فيجعل الدار والعبد كل واحد منهما أرباعًا، فإذا استحق ربعا الدار يقابله من العبد ربع مستحق وربع غير مستحق، فإذا انفسخ العقد في الربع المستحق من العبد ينفسخ فيما يقابله من الدار وهو ربع الدار، فانفسخ العقد في ثلاثة أرباع العبد وفي ثلاثة أرباع الدار، وبقي العقد في ربع العبد وربع الدار، فلهذا قال: لأن كل واحد منهما بالخيار إن شاء أخذ الربع بالربع وإن شاء ترك.
وبعض أصحابنا قالوا: كل واحد منهما بالخيار إن شاء أخذ النصف بالنصف وإن شاء ترك؛ لأن كل واحد منهما باع ما يملك وما لا يملك فينصرف بيع كل واحد منهما إلى ما يملك طلبًا للجواز، كعبد بين اثنين باع أحدهما نصفه ينصرف ذلك إلى النصف الذي هو ملكه، وطريقه ما قلنا، وإن لم يجز واحد منهما شيئًا حتى جاء المستحق بنصف العبد وسلم ذلك النصف إلى مشتري العبد بهبة أو صدقة تبطل خيار مشتري العبد؛ لأنه استحق جميع العبد بالعقد، وقد سلم له جميع العبد بالعقد نصفه من بائع العبد ونصفه من المستحق، وقد بينا أن المستحق بجهة إذا وقع يقع عن جهة المستحق سواء وقع من جهة المستحق عليه أو من جهة غيره، ويكون الخيار لمشتري الدار إذا لم يسلم له جميع ما استحق من الدار.

.الفصل السادس: في الاستحقاق وما هو في معنى الاستحقاق وما يجب اعتباره في هذا الفصل وما لا يجب:

استحقاق المبيع على المشتري يوجب توقف العقد السابق على إجازة المستحق، ولا يوجب نقضه في (ظاهر الرواية) وقد ذكرنا في كتاب البيوع أن استحقاق المشترى على المشتري يوجب الرجوع بالثمن على البائع إذا كان الاستحقاق بسبب سابق على الشراء لأن البيع معاوضة، وتنبني المعاوضة على التساوي والمساواة فيما قلنا، وإذا كان الاستحقاق بسبب متأخر عن البيع لا يوجب الرجوع بالثمن على البائع؛ لأن الواجب على البائع، إثبات يد المشترى على المشتري لإدامة يده لعجز البائع عن ذلك، وهذا الفصل يشتمل على أنواع:
الأول: إذا ادعى المشتري استحقاق المشترى، وأراد الرجوع على البائع بالثمن لابد وأن يفسر الاستحقاق ويبين سببه لما ذكرنا أن الاستحقاق إنما يوجب الرجوع بالثمن على البائع إذا كان الاستحقاق بسبب متأخر عن البيع؛ ولأن دعوى الاستحقاق مطلقًا كما يحتمل دعوى الاستحقاق بسبب سابق على البيع بأن كان الاستحقاق بالنتاج أو بالملك المطلق يحتمل الاستحقاق بسبب الشراء من المشتري، ثم إذا بين سبب الاستحقاق وصح ذلك، وأنكر البائع البيع منه وأقام المشتري البينة على البيع قبلت بينته، وكان له الرجوع بالثمن، ولا يشترط حضرة المشتري لسماع هذه البينة عند بعض المشايخ، وبه كان يفتي ظهير الدين المرغيناني رحمه الله، بل إذا ذكر سن العبد وصفاته وذكر مقدار الثمن كفاه؛ لأن العبد غير مقصود في هذه الدعوى وفي هذه الشهادة، فلا يشترط حضرته، وعلى هذا العبد إذا تداولته الأيدي وادعى حريته على المشتري الآخر، ورجع البعض على البعض لا يشترط حضرة العبد عند الرجوع بالثمن ويكفي أن يقول الشهود: إن العبد الذي أقام البينة على حريته باعه هذا من هذا وعند بعضهم يشترط حضرته، ثم إذا قبل بينة المشتري ورجع المشتري على البائع بالثمن بقضاء القاضي، أراد البائع أن يرجع على بائعه بالثمن كان له ذلك، وإن زعم أنه ليس له حق الرجوع لما أنكر البيع إلا أن القاضي لما قضى عليه بالبيع بالبينة فقد رد زعمه والتحق بالعدم، ولو أبرأ البائع المشتري عن الثمن أو وهبه منه، ثم استحق المبيع من يد المشتري لا يرجع على بائعه بشيء؛ لأنه لا شيء له على بائعه، وكذلك بقية الباعة لا يرجع بعضهم على البعض، وإذا استحق المبيع من يد المشتري وهو لم يؤد الثمن أو أدى بعضه يجبر على أداء الثمن في الفصل الأول، وعلى أداء الباقي في الفصل الثاني، بخلاف ما إذا طعن المشتري بعيب حيث لا يجبر على أداء الثمن؛ لأن في فصل العبد لو دفع يسترد ثانيًا لا محالة، وفي فصل الاستحقاق لا يسترد ثانيًا لا محالة لجواز أن القاضي عسى لا يقضي ببينة المستحق أو يجيز المستحق البيع، وإذا استحق من يد المشتري وأراد المشتري الرجوع بالثمن على بائعه، وأراه السجل فأقر بالاستحقاق، وقبل السجل أن يدفعه الثمن ثم إلى ذلك، فالقاضي يجبره على دفع الثمن ولو لم يقر بالاستحقاق ولكن وعد له دفع الثمن لا يجبر عليه فمجرد الوعد لا يلزم شيئًا، وإذا رجع المشتري على بائعه وصالحه البائع على شيء قليل كان للبائع أن يرجع على بائعه بجميع الثمن.

.نوع آخر:

اشترى رجل من آخر عبدًا وباعه من غيره، ثم إن المشتري الأول اشتراه ثانيًا ثم استحق الدار من يده رجع هو على البائع الأول، هكذا حكى فتوى شمس الإسلام محمود الأوزجندي رحمه الله، وهذا الجواب إنما يستقيم على الرواية التي يقول فيها: إن القضاء بالملك للمستحق يوجب انفساخ البياعات، فخرج بيع المشتري الأول وشراؤه ثانيًا من اثنين، فصار كأنه لم يبع من غيره، أما على (ظاهر الرواية) القضاء بالملك للمستحق لا يوجب انفساخ البياعات فيبقى بيع المشتري الأول وشراؤه ثانيًا على حاله، فلا يكون له الرجوع على البائع الأول فيسمي المشتري الأول: زيدًا ويسمي المشترى منه: جعفرًا، فيرجع المشتري الأولى وهو زيد على بائعه وهو جعفر لأن جعفر بائعه في الكرة الثانية، ثم يرجع جعفر على زيد لأن زيدًا بائعه في الكرة الأولى، ثم يرجع زيد على البائع الأول، وقيل: يجب أن يكون الجواب في الرد بالعيب نظير الجواب في الاستحقاق، حتى أن في مسألتنا أو وجد المشتري الأول وهو زيد بالدار عيبًا قديمًا بعدما باعه من جعفر، ثم اشتراه ثانيًا من جعفر كان لزيد أن يرده على جعفر ثم يرده جعفر على زيد، ثم يرده زيد على البائع الأول، وهذا لأن حق الرد بالعيب وإن كان ينقطع العقد الذي جرى بين المشتري الآخر والبائع الآخر، فصار كأن لم يكن حتى لو كان الرد من المشتري الآخر بغير قضاء لا يكون لبائعه أن يرده على بائعه.
وفي شرح وكالة (الجامع) من تعليقي في باب قبل باب ما يكون وكالة في الطلاق على سبيل الاستشهاد: وقبضه رجل اشترى من رجل عبد وقبضه وباعه من غيره، وقبضه ذلك الغير، ثم اشتراه من ذلك الغير ثانيًا، ثم اطلع على عيب به قد كان عند البائع الأول لم يرده على الذي اشتراه منه لأنه لا يفيد؛ لأنه لو رده عليه كان للمردود عليه أن يرده عليه في الحال، فلا يفيد الرجوع، ولا يرده على البائع الأول؛ لأن هذا الملك غير مستفاد من جهة البائع، فعلى قياس هذه المسألة يجب أن يقال في فصل الاستحقاق: إن زيدًا لا يرجع على جعفر لأنه لا يفيد.
اشترى من آخر دارًا وقبضها واستحقت من يده فقال المستحق للمشتري: خذ الثمن الذي دفعتها إلى البائع مني فأخذ ثم أراد المستحق أن يسترد ما دفع من المشتري هل له ذلك؟ فقد قيل: يجب أن لا يكون له ذلك على رواية، يقول فيها: إن بقضاء القاضي بالملك للمستحق تنفسخ البياعات المتقدمة؛ لأنه أدى دين البائع متبرعًا، لأن البيع السابق لما انفسخ بالاستحقاق وجب على البائع رد الثمن على المشتري، ومن أدى دين غيره متبرعًا لا يكون للمؤدي أن يرجع فيما أدى، وعلى ظاهر الرواية له أن يسترد ذلك، لأن على ظاهر الرواية لا ينفسخ البيع السابق بمجرد القضاء للمستحق، فلا يجب الثمن على البائع، فلا يصير مؤديًا دين البائع فلو أن المشتري رجع على البائع، وطالبه بالثمن، فقال المستحق للمشتري: خذ الثمن مني فأخذ ثم أراد المستحق أن يسترد منه ليس له ذلك باتفاق الروايات، ووجب الثمن على البائع فيصير المستحق قاضيًا دين البائع على وجه التبرع فلا يكون له أن يسترده منه.
قال محمد في (الزيادات): رجل اشترى من رجل عبدًا، وقبضه، وضمن رجل للمشتري ما أدركه من رجل آخر وسلمه إليه، ثم باعه المشتري الثاني من رجل آخر وسلمه إليه، ثم استحق مستحق من يد المشتري الآخر بالبينة، وقضى القاضي بذلك يكون ذلك قضاء على المشتري الآخر وعلى الباعة جميعًا حتى لو أقام المشتري الآخر أو واحد من أن يرجع على بائعه بالثمن من غير أن يحتاج إلى إعادة البينة، وإنما كان كذلك؛ لأنه ثبت تلقي البعض عن البعض، والقضاء بالملك المطلق على ذي اليد بالبينة قضاء عليه وعلى من تلقى ذو اليد الملك من جهته؛ لأن القضاء بالملك قضاء بالملك من الأصل، ولهذا يقضى للمستحق بالزوائد المتصلة والمنفصلة جميعًا.
والقضاء بالملك من الأصل على ذي اليد بالبينة قضاء عليه وعلى من تلقى ذو اليد الملك منه ضرورة أنه لو لم يجعل كذلك كان الملك باقيًا في حق البائع عدمًا في حق المشتري، ويستحيل أن يكون الملك من الأصل عدمًا في حق المشتري ويكون باقيًا في حق البائع، فصار كل واحد من الباعة مقضيًا عليه ومستحقًا عليه، فلا تقبل بينة واحد منهم على المستحق بالملك المطلق، وكان لكل واحد منهم حق الرجوع على بائعه بالثمن لهذا، ولكن إنما يرجع كل مشتري على بائعه إذا رجع عليه مشتريه حتى لا يكون للمشتري الأوسط أن يرجع على بائعه قبل أن يرجع عليه المشتري الآخر، ولا يكون للمشتري الأول أن يرجع على بائعه قبل أن يرجع عليه المشتري الآخر، ولا يكون للمشتري الأول أن يرجع على بائعه قبل أن يرجع عليه المشتري، وإنما كان كذلك؛ لأن بدل المستحق مملوك عندنا، فإن العقد على المستحق عندنا ينعقد لكنه موقوف على الإجازة، فلو رجع على بائعه بالثمن قبل أن يرجع عليه مشتريه يجتمع الثمنان في ملك رجل واحد، وإنه لا يجوز، وكذلك لا يكون للمشتري الأول أن يضمن الكفيل بالدرك ما لم يرجع عليه؛ إذ ليس له ولاية تضمين الأصيل قبل أن يرجع عليه مشتريه، وما لم يجب على الأصيل لا يجب على الكفيل.
وهل يحتاج كل مشترٍ إلى إقامة البينة على الرجوع عليه إذا أراد الرجوع على بائعه؟ ينظر إن لم يعلم القاضي بالرجوع عليه بأن كان الرجوع عند قاض آخر يحتاج، وإن علم القاضي بذلك بأن كان الرجوع عند هذا القاضي لا يحتاج، وإن كان العبد لم يستحق ولكن أقام العبد بينة على المشتري الآخر على حرية الأصل، وقضى القاضي بها رجع كل واحد منهم على بائعه بالثمن قبل أن يرجع عليه مشتريه؛ لأن القضاء بالحرية يوجب انفساخ البياعات، وبدل الحر غير مملوك، ولو رجع على بائعه قبل أن يرجع عليه مشتريه لا يجتمع الثمنان في ملك رجل واحد، وكذلك المشتري الأول يرجع على الكفيل قبل أن يرجع عليه؛ لأنه التزم ما على الأصيل، وقد تقرر الوجوب على الأصيل وثبت للمشتري الأول حق الرجوع عليه قبل أن يرجع عليه فكذا على الكفيل.
ولو لم يقم العبد البينة على حرية الأصل ولكن أقام بينة أنه كان عبدًا لفلان منذ سنة أعتقه، أو أقام رجل بينة أن العبد كان له منذ سنة أعتقه، وقضى القاضي بذلك، وكان تاريخ العتق قبل تاريخ البياعات كلها يرجع كل مشترٍ على بائعه قبل أن يرجع عليه؛ لأن القضاء بالعتق سابق على البياعات يوجب بطلان البياعات، وبدل العتق ليس بمملوك، فلو رجع كل بائع على بائعه قبل أن يرجع عليه لا يجتمع الثمنان في ملك رجل واحد، وكذلك إذا لم يعرف التاريخ؛ لأنه إذا لم يعرف التاريخ يجعل العتق مقارنًا للشراء لأنهما حادثان، والحادثان إذا لم يعرف بينهما تاريخ جعلا متقاربين على ما عرف.
واقتران العتق بالشراء يوجب بطلان الشراء وكذلك لو أقام العبد البينة أنه كان عبدًا لفلان منذ سنة دبره، وأقام رجل بينة على ذلك، أو كانت جارية أقامت بينة أنها كانت لفلان منذ سنة استولدها، وأقام رجل بينة على ذلك، وكان تاريخ هذه الأسباب قبل تاريخ البياعات كلها أو لم يعرف التاريخ أصلًا، وقضى القاضي بذلك، فهذا وما لو أقامت البينة على حرية الأصل أو على العتق سواء، يرجع كل واحد على مشتريه قبل أن يرجع عليه؛ لأنه ثبت لهما حق الحرية، وحق الحرية بمنزلة حقيقة الحرية.
طعن أبو حازم رحمه الله في فصل التدبير والاستيلاد وقال:
يجب أن يكون الجواب فيهما كالجواب في استحقاق الملك المطلق لا يرجع كل مشترٍ على بائعه قبل أن يرجع عليه؛ لأن العقد على المدبر وأم الولد منعقد، ولهذا نفذ البيع في المدبر بقضاء القاضي رواية واحدة، وفي أم الولد على إحدى الروايتين، وبدلهما مملوك، ألا ترى أن المدبر يضمن بالغصب عند الكل وكذا أم الولد عندهما، والجواب أن العقد لا ينعقد عليهما مع التدبير والاستيلاد، ولا ينفذ البيع بقضاء القاضي مع التدبير والاستيلاد ولكن بقضاء القاضي لجواز بيع المدبر يتضمن فسخ التدبير أولًا، ثم البيع يلاقيه وهو قن وكذلك في أم الولد قضاء القاضي في القن، فأما مع التدبير والاستيلاد العقد لا ينعقد ولا ينفذ بالقضاء والبدل الذي شرط في العقد في مقابلتهما لا يملك، فصار فصل التدبير والاستيلاد نظير الحرية والعتق من هذا الوجه، وإن قامت البينة على العتق والتدبير والاستيلاد بتاريخ بعد البياعات كلها بأن أقام العبد والجارية بينة على المشتري الآخر أنه عبد فلان أو جارية فلان أعتقه استولدها بعد شراء المشتري الآخر، وأقام رجل بينة على ذلك وقضى القاضي بذلك، كان هذا والقضاء بالملك المطلق سواء؛ لأن كل عقد جرى كان منعقدًا، والبدل الذي ذكر فيه كان مملوكًا بالقبض؛ لأن العتق المتأخر لا ينافي الملك المتقدم، ولو كان تاريخ العتق من العبد بين البياعات حتى وقع بعضها قبل العتق وبعضها بعد العتق، فما كان قبل العتق لا يرجع فيه كل مشترٍ على بائعه قبل أن يرجع عليه، وما كان بعد العتق يرجع فيه كل مشترٍ على بائعه قبل أن يرجع عليه اعتبارًا للبعض بالكل.

.نوع آخر:

قال محمد في (الزيادات): رجل اشترى من أخر جارية وقبضها، ثم جاء مستحق واستحقها من يد المشتري وقضى القاضي بذلك فهذه المسألة على ثلاثة أوجه:
الأول: أن يستحقها ببينة وفي هذا الوجه يرجع المشتري بالثمن على البائع لأن المبيع استحق على المشتري بما هو حجة في حق الناس كافة فيظهر الاستحقاق في حق البائع كما يظهر في حق المشتري.
الوجه الثاني: أن يستحقها بإقرار المشتري، وفي هذا الوجه لا يرجع المشتري بالثمن على البائع لما عرف أن الإقرار حجة في حق البائع، فلا يثبت له حق الرجوع على البائع.
الوجه الثالث: أن يستحقها بنكول المشتري وفي هذا الوجه لا يرجع المشتري بالثمن على البائع، واعتبر نكوله بإقراره، وفرق بين هذا وبين الوكيل بالمبيع إذا رد عليه المبيع بالعيب بنكوله، فإنه يلزم الموكل واعتبر الرد عليه بنكوله بمنزلة الرد عليه بالبينة.
والفرق: وهو أن المشتري مختار في النكول إذا سبق منه ما يطلق له اليمن بكونها مملوكة، وهو الشراء فإن الشراء من أسباب الملك ولا ضرورة مع قيام الدليل فلم يكن مضطرًا في النكول بل كان مختار فيه، فاعتبر نكوله بإقراره لهذا، أما في فصل الوكالة الوكيل مضطر في النكول إذا لم يسق بينة ما يطلق له اليمن بانتفاء العيب؛ لأن الذي سبق منه قبول الوكالة بالبيع، والإنسان كما تقبل الوكالة في السليم تقبل في المعيب، وكما يبيع السليم يبيع المعيب، وقد يبيع الإنسان مال نفسه فلا يعلم قيام العيب به فكيف يعلم الوكيل فكان مضطرًا في النكول منه بمنزلة البينة حتى لو أقر بالعيب فرد عليه بإقراره لا يلزم الموكل؛ لأنه مختار في الإقرار؛ لأنه يمكنه أن يسكت حتى يعرض عليه اليمين فينكل فينقضي عليه بنكوله، فإن قال المشتري بعدما أقر أو نكل: أنا أقيم البينة على أن الجارية ملك المستحق يريد به الرجوع بالثمن على البائع لا تسمع بينته وإنما لا لوجوه ثلاثة:
أحدها: أن البينة إنما تسمع إذا ترتبت على دعوى صحيحة والدعوى هنا لم تصح لمكان التناقض؛ لأنه حصل مقرًا أن الملك للبائع مقتضى إقدامه على الشراء ولم يصر مكذبًا فيما أقر فيصير بدعواه أنها ملك المستحق متناقضًا.
والثاني: أن هذه البينة قامت على إثبات ما هو ثابت، وهو ملك المستحق، فإن ملك المستحق ثابت بإقراره أو بنكوله وإثبات الثابت لغو.
والثالث: أنها قامت من غير خصم؛ لأن المشتري ليس بخصم عن المستحق في إثبات الملك له؛ لأن المستحق لا يصلح خصمًا في ذلك بنفسه، وذكر في البيوع من (الإملاء) عن أبي يوسف: أن بينة المشتري للمستحق إنما لا تقبل حال غيبته؛ لأنه ليس بوكيل عنه حتى لو حضر المستحق وصدقه المشتري قبل بينة المشتري ويرجع بالثمن على البائع؛ لأن البينة قامت على إثبات الملك في حق البائع لم يكن ثابتًا؛ والبينة إذا قامت على إثبات ما ليس بثابت وجب قبولها، ولو أقام المشتري البينة على إقرار البائع أنها ملك المستحق قبلت بينته.
أما على المعنى الأول: لأنه لم يسبق بينة ما يجعله متناقضًا في دعوى إقرار البائع أنها ملك المستحق، وأما على المعنى الثاني: فلأنه بهذه البينة يثبت إقرار البائع أنها ملك المستحق وإقرار البائع لم يكن ثابتًا، فهذه بينة قامت على إثبات ما ليس بثابت فقبلت، وأما على المعنى الثالث: فلأنه بهذه البينة يثبت إقراره ليرجع عليه بالثمن، وهو خصم في ذلك هكذا ذكر المسألة هاهنا.
قالوا وذكر في (الجامع الصغير): أن بينة المشتري على إقرار البائع أنها ملك المستحق لا تقبل، وليس في المسألة اختلاف الروايتين وإنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع.
موضوع ما ذكر في (الجامع الصغير): أنه أقام البينة على إقرار البائع بذلك قبلت البيع، ولو كان هكذا لا تقبل بينته؛ لأن إقدامه على الشراء ينفي إقرار البائع قبل البيع أنها للمستحق فيصير متناقضًا، والتناقض لا يصح دعواه ولا تسمع بينته.
وموضوع ما ذكر في (الزيادات) أنه أقام البينة على إقرار البائع بعد البيع، وإذا كان هكذا تقبل بينته؛ لأن إقدامه على الشراء ليس ينفي إقرار البائع بعد البيع أنها للمستحق، فلا يصير متناقضًا فيقبل بينته، وإذ لم يكن للمشتري بينة يعني على إقرار البائع أن الجارية ملك المستحق، فقال القاضي: سأل البائع عن الجارية أهي ملك المستحق أم لا؟ سأل القاضي وهذا لأن المشتري يزعم أنه مظلوم من جهة البائع، وأن له حق الرجوع بالثمن عليه بإقراره، فسأله القاضي إزالة الظلم عنه، فإن أقر لزمه الثمن لإقراره بحق الرجوع عليه، وإن أنكر فطلب من القاضي أن يحلفه أجابه إلى ذلك لأن الاستحلاف هاهنا يفيد، فإنه لو استحلف ربما ينكل فيصير مقرًا.
ولو لم يستحق الجارية أحد، ولكن ادعت أنها حرة الأصل، فأقر المشتري بذلك، أو أبى اليمين، وقضى القاضي بحريتها لا يرجع بالثمن على البائع، أما إذا أقر فلأنه حجة قاصرة، وأما إذا نكل فإن نكوله بمنزلة الإقرار من مشايخنا قال: قوله: أو أبى اليمين، غلط من الكاتب؛ لأن أبا حنيفة لا يرى الاستحلاف في الرق، والدعوى هاهنا دعوى الرق؛ لأنها تزعم أنها حرة الأصل وهما وإن كانا يريان الاستحلاف في دعوى الرق لكن في هذه الدعوى اليمين عليها لأنها تنكر للرق، فلا معنى لقوله في (الكتاب): وأبى المشتري اليمين.
ومنهم من قال: لا بل ما ذكر صحيح؛ لأنه تقدم منها ما هو نظير الإقرار بالرق، فإن موضوع المسألة فيما إذا بيعت وسلمت وانقادت لذلك فلا يقبل قولها في دعوى الحرية بعد ذلك، فإن قبول قولها باعتبار شهادة الظاهر، وفي هذه الصورة الظاهر لا يشهد لها، وكان دعواها الحرية هاهنا بمنزلة دعوى العتاق العارضي ولو ادعت عتقًا عارضيًا على المشتري أليس أنه يحلف عندهما؟ فهاهنا كذلك، فإن حضر البائع وأنكر ما قاله المشتري، فقال المشتري: أنا أقيم البينة على البائع أنها حرة الأصل قبلت بينته، فرق بين هذا وبينما إذا أقام المشتري البينة على ملك المستحق حيث لا تقبل بينته.
والفرق أما على المعنى الأول، فلأن المشتري وإن صار متناقضًا في هذه الدعوى، ولكن التناقض لا يمنع قبول البينة على الحرية وعلى العتق على ما عرف.
وأما على المعنى الثاني: فلأنه بهذه البينة يثبت ما ليس بثابت وهو غصب البائع الثمن لأن الحرة لا تدخل تحت العقد أصلًا، ولا يجب في مقابلتها الثمن فهو بهذه البينة يثبت أنه قبض ماله بغير حق، وقبض مال الغير بغير حق غصب، أما في الاستحقاق فالمشتري ببينته يثبت أنه غصب البائع الثمن؛ لأنه يثبت أن ما أخذه البائع أخذ بغير حق، لأن بدل المستحق مملوك، ولكن يثبت الملك للمستحق ليثبت لنفسه حق فسخ هذا العقد، وفيما يرجع إلى الملك البينة قامت على إثبات ما هو ثابت.
وأما على المعنى الثالث: فلأنه يثبت ما هو سبب حقه وهو خصم فيه، ولو ادعى المستحق على المشتري أنها جاريته وأنه أعتقها أو دبرها أو استولدها، وأقر المشتري بذلك أو نكل لا يرجع المشتري بالثمن على البائع، لما ذكرنا، فإن أقام المشتري بينة على البائع، بذلك يرجع بالثمن على البائع، ينظر إن شهدت بينته بعتق مطلق أو بعتق مؤرخ بتاريخ قبل الشراء قبلت، ويرجع بالثمن لما قلنا: إن التناقض في هذا الباب لا يمنع سماع البينة؛ ولأنها قامت على إثبات ما ليس بثابت وهو غصب البائع الثمن على نحو ما بينا فقبلت، وأما إذا شهدوا بعتق مؤرخ بتاريخ بعد الشراء لو قبلت بينته لقبلت على الملك، والملك ثابت للمستحق بإقرار المشتري أو بنكوله، فقامت البينة على إثبات ما هو ثابت فلا تقبل.

.نوع آخر:

قال محمد رحمه الله في (الزيادات): أيضًا، أمة في يد رجل يقال له عبد الله، فقال رجل يقال له: إبراهيم لرجل يقال له: محمد: يا محمد الأمة التي في يد عبد الله كانت أمتي بعتها منك بألف درهم، وسلمتها إليك ولم ينقد الثمن، إلا أن عبد الله غلب عليك وغصبها، منك، وصدقه محمد في ذلك كله، وعبد الله ينكر ذلك كله، ويقول: الجارية جاريتي، فالقول في الجارية قول عبد الله لكونه صاحب يد، ويقضي بالثمن لإبراهيم على محمد؛ لأنهما تصادقا على البيع والتسليم، وعلى أن عبد الله غصبها بعد البيع والتسليم، والثابت بتصادقهما في حقها كالثابت عيانًا ولو عاين القاضي ذلك، أليس يقضى بالثمن لإبراهيم على محمد؛ لأن الواجب على البائع إثبات يد المشتري على المبيع، لا ابتدائية يده فكذلك هاهنا.
فلو استحق رجل الأمة من يد عبد الله بعدما أخذ إبراهيم الثمن من محمد فأراد محمد أن يرجع بالثمن على إبراهيم، وقال: الجارية التي بعتها مني ورد عليه الاستحقاق لا يلتفت إلى ذلك؛ لأن القضاء بالاستحقاق على عبد الله اقتصر على عبد الله، ولم يتعد إلى محمد لأن القضاء بالملك المطلق على ذي اليد إنما يتعدى إلى غائب يدعي تلقي الملك من جهته، وذو اليد وهو عبد الله لا يدعي تلقي الملك من جهة محمد، فلم يصر محمد مقضيًا عليه بالقضاء على عبد الله، ولهذا لو أقام محمد البينة على المستحق أن الجارية جاريته اشتراها من إبراهيم وهو يملكها قبلت بينته وقضي بالجارية له، ولو صار مقضيًا عليه لما قبلت بينته وما لم يصر مقضيًا عليه لا يرجع بالثمن على إبراهيم.
وكذلك لو كان الذي استحقها، استحقها بالنتاج بأن أقام البينة على أنها جاريته ولدت في ملكه، وقضى القاضي بها للمستحق لم يرجع محمد بالثمن على إبراهيم وإن ظهرت بينة المستحق أن إبراهيم باع جارية الغير؛ لأن القضاء بالاستحقاق اقتصر على عبد الله، ولم يتعد إلى محمد فلم يصر محمد مقضيًا عليه.
بيانه: هو أن دعوى النتاج هاهنا غير محتاج إليه؛ لأن المستحق خارج، ألا ترى أنه لو أقام المستحق البينة على الملك المطلق قبلت بينته، فسقط اعتبار دعوى النتاج وبقي دعوى الملك المطلق، وفي دعوى الملك المطلق، لا يصير محمد مقضيًا عليه بالقضاء على عبد الله فكذا هاهنا.
قال في (الكتاب): ألا ترى أن محمدًا لو أقام البينة على المستحق أن الجارية جاريته اشتراها من إبراهيم، وهو يملكها، كذا إنه يقضي بها لمحمد، ولو صار محمد مقضيًا عليه بالقضاء على عبد الله لما قضى له.

.فرع على هذه المسألة للاستشهاد به:

فقال: لو أعاد المستحق البينة على محمد أنها أمته ولدت في ملكه قضي بها للمستحق، وترجحت بينته على بينة محمد؛ لأن بينة النتاج لا يعارضها بينة الملك المطلق، ويرجع محمد بالثمن على إبراهيم في هذه الصورة؛ لأن محمدًا صار مقضيًا عليه بهذا القضاء، ولو لم يستحق الجارية أحد ولكن أقامت الجارية البينة على عبد الله أنها حرة الأصل، وقضى القاضي بحريتها رجع محمد بالثمن على إبراهيم؛ لأن القضاء بالحرية، وبما ألحق بها قضاء على الناس كافة فصار محمد مقضيًا عليه بذلك، وثبت الاستحقاق عليه، ولهذا لو أقام محمد البينة على الملك والشراء من إبراهيم لا تقبل بينته ولا يقضى له، ولو لم يثبت الاستحقاق عليه لثبت بنيَّة استحقاق المبيع على المشتري؛ بسبب سابق على الشراء يوجب الرجوع على البائع بالثمن.
وكذلك لو أقامت البينة على عبد الله أنها كانت أمته أعتقها وقضى القاضي بذلك رجع محمد بالثمن على إبراهيم؛ لأن دعوى الملك هاهنا ليس بمقصود، وإنما المقصود دعوى العتق ودعوى الملك لكونه وسيلة إلى العتق، ولما كان المقصود دعوى العتق، وليس بعض الأوقات للقضاء فيه بالعتق بأولى من البعض، لما أنها لم تعين وقتًا في الدعوى كان هذا والقضاء بحرية الأصل سواء.
وكذلك لو أقامت البينة على عبد الله أنها كانت أمته دبرها أو استولدها، كان الجواب كما قلنا، لأن الثابت بالتدبير والاستيلاد حق العتق، فيكون ملحقًا بحقيقة العتق، ولهذا لا يحتمل النقض والفسخ، فصار دعوى الاستيلاد والتدبير كدعوى حقيقة العتق، وهذا إذا أقامت البينة على الإعتاق والتدبير والاستيلاد من غير تاريخ.
فأما إذا أرخت إن أقامت البينة على أن عبد الله ملكها منذ سنة، وأعتقها أو دبرها أو استولدها وقضى القاضي بذلك، فإنه ينظر إلى تاريخ العقد الذي كان بين إبراهيم ومحمد، فإن كان منذ سنة أو أقل من ذلك يرجع محمد بالثمن على إبراهيم، لأن ملك عبد الله صار مؤكدًا بالعتق أو بما ألحق بالعتق، والملك المؤكد بالعتق أو بما ألحق بالعتق مع الملك الخالي عن العتق أو عما ألحق بالعتق إذا اقترنا، كان الملك المؤكد أولى بالإثبات لقوة فيه؛ فإذا استويا في التاريخ وصار المؤكد بالعتق أولى كان من ضرورته بطلان شراء محمد من إبراهيم، هو كذلك إذا كان تاريخ العقد الذي جرى بين محمد وبين إبراهيم أقل من سنة عن طريق الأولى.
أو يقول: بأن العتق الموقع يبقى ملكًا مقارنًا وملكًا متأخرًا عنه، لأن العتق إبطال الملك، ولا يتصور اقتران الملك بما يبطله ولا يتصور بعده أيضًا، وإن كان تاريخ العتق الذي جرى بين محمد وإبراهيم منذ سنتين لا يرجع محمد بالثمن على إبراهيم إذ ليس من ضرورة ملك عبد الله، وإن صار مؤكدًا بالعتق بطلان شراء محمد من إبراهيم، فلا نثبت له حق الرجوع على إبراهيم.
ولو أن الجارية أقامت البينة على عبد الله أنه كاتبها، وقضى القاضي بذلك لا يرجع بالثمن على إبراهيم؛ لأن عقد الكتابة حق العبد، وإنه معاوضة كسائر المعاوضات، ولهذا يحتمل النقض والفسخ من جهة المتعاقدين فأشبه البيع.
ولو أقامت البينة على البيع من عبد الله، وقضى بها للمستحق لم يكن لمحمد أن يرجع بالثمن على إبراهيم كذا هاهنا، قال في (الكتاب): إلا إذا أدت بدل الكتابة وعتقت فحينئذ يرجع محمد بالثمن على إبراهيم؛ لأن القضاء بالكتابة عند الأداء قضاء بالعتق، فنفذ على الناس كافة، فصار محمد مقضيًا عليه، فيرجع بالثمن على إبراهيم، ولهذا لو أقام محمد بينة أن الجارية جاريته اشتراها من إبراهيم، إن كان قبل أداء بدل الكتابة تقبل، وإن كان بعد أداء بدل الكتابة لا تقبل.
وإن أقر عبد الله أنه اشتراها من محمد بمئة دينار وقبضها ونقده الثمن، وصدقه محمد في ذلك، فهذا على وجوه ثلاثة:
الوجه الأول: أن يتصادقا عليه ثم استحقت الجارية من يد عبد الله.
الوجه الثاني: أن يتصادقا عليه بعدما استحقت الجارية من يد عبد الله.
الوجه الثالث: أن يقرّ عبد الله بالشراء من محمد، ومحمد كان غائبًا أو حاضرا، فلم يصدقه ولم يكذبه حتى استحقت الجارية من يد عبد الله، ثم صدقه محمد فيما قال.
ففي الوجه الأول يرجع عبد الله بالثمن على محمد، ويرجع محمد بالثمن على إبراهيم؛ لأن عبد الله مع محمد تصادقا على الشراء في زمان يملكان استئناف الشراء فانتفت التهمة فيصح التصادق، وصار البيع بإثباته حسب ثبوته بالمعاينة، ولو ثبت البيع بينهما عيانًا ثم استحقت رجع عبد الله على محمد ورجع محمد على إبراهيم، وصار القضاء على عبد الله قضاء على محمد؛ لأن عبد الله يدعي تلقي الملك من جهة محمد، وإذا صار محمد مقضيًا عليه يرجع بالثمن على إبراهيم ضرورة، بخلاف مسألة هذا النوع؛ لأن هناك عبد الله لم يتلقَّ الملك من جهة محمد، فلا يصير محمد مقضيًا عليه بالقضاء على عبد الله لما مر، أما هاهنا بخلافه.
وفي الوجه الثاني: يرجع عبد الله بالثمن على محمد، ولا يرجع محمد بالثمن على إبراهيم؛ لأن التصادق وجد في حال لا يملكان استئناف الشراء؛ لأن المانع من الاستئناف قد تحقق، فكان هذا تصادقًا في موضع التهمة فصح عليهما حتى كان لعبد الله أن يرجع بالثمن على محمد، ولم يصح على غيرهما حتى لم يكن لمحمد أن يرجع بالثمن على إبراهيم.
وكذلك الجواب في الوجه الثالث: يرجع عبد الله بالثمن على محمد، ولا يرجع بالثمن على إبراهيم، فلم يعتبر التصديق هاهنا مستندًا إلى وقت الإقرار، إذ لو اعتبر لظهر أن التصادق كان قبل الاستحقاق، وكان ينبغي أن يكون نظير الوجه الأول.
واختلفت عبارة المشايخ في تخريج المسألة، بعضهم قالوا: التصديق إنما يستند إلى وقت الإقرار، إذا بقي الإقرار أما إذا بطلت فلا، وهاهنا قد بطل ذلك الإقرار. بيانه هو: أن الاستحقاق بالبينة على عبد الله يفتقر إلى قضاء القاضي، وقضاء القاضي بالملك للمستحق يوجب تكذيب عبد الله في إقراره، فكيف يستند التصديق إليه وقد بطل نفسه؟ إلا أن بعد الاستحقاق ثابت على إقراره، فيستند التصديق إلى هذا الإقرار القائم للحال، فصار كأنهما تصادقا بعد الاستحقاق، فكان نظير الوجه الثاني لهذا.
وبعضهم قالوا: بأن محمدًا متّهم في التصديق بعد الاستحقاق؛ لأنه قصد به إثبات حق الرجوع لنفسه على إبراهيم، فلا يصح تصديقه فيما يرجع إلى الإسناد وصار في حق الإسناد كان التصديق منه لم يوجد، ولو لم يوجد منه التصديق أصلًا لا يرجع محمد بالثمن على إبراهيم؛ لأنه لا يصير مقضيًا عليه، ألا ترى أنه لو لم يصدق وأقام البينة على أنها أمته اشتراها من إبراهيم قضي بها على المستحق، فدل أنه لا يصير مقضيًا عليه قبل التصديق فكذا إذا تقدم التصديق ما لم يصر مقضيًا عليه لا يرجع بالثمن على إبراهيم، فقال محمد: أنا أقيم البينة على إبراهيم، قبلت بينته؛ لأن هذه بينة قامت من خصم على خصم، لأن بيع محمد من عبد الله سبب لثبوت حق الرجوع لمحمد على إبراهيم فصار محمد خصمًا في إثبات هذا البيع وصار إبراهيم خصمًا في إنكاره ودفعه، فقبلت بينته، وإذا قبلت البينة صار الثابت بها كالثابت عيانًا، ولو عاينا يقع محمد من عبد الله، والباقي بحاله كان لمحمد أن يرجع بالثمن على إبراهيم كذا هاهنا.
وكذلك لو أقام محمد بينة أنه صدق عبد الله في دعواه الشراء منه قبل استحقاق الجارية من عبد الله قبلت بينته، ورجع محمد بالثمن على إبراهيم اعتبارًا للتصادق الثابت بالبينة بالثابت عيانًا.
ولو تصادق محمد وعبد الله على أن محمدًا وهب الجارية من عبد الله، وسلمها إليه فهو على وجوه ثلاثة: على نحو ما ذكرنا في الشراء، ففي الوجه الثاني والثالث: لا يرجع محمد بالثمن على إبراهيم، وفي الوجه الأول: يرجع، وكان ينبغي أن لا يرجع لأن في فصل الشراء لا يرجع محمد بالثمن على إبراهيم ما لم يرجع عبد الله بالثمن على محمد؛ وهاهنا لا يرجع عبد الله على محمد أصلًا، فكيف يرجع محمد بالثمن على إبراهيم؟ ولكن الوجه في ذلك أن يقال: بأن في فصل الشراء رجوع عبد الله بالثمن على محمد ما شرط ليصير محمد مقضيًا عليه؛ لأن القضاء بالملك المطلق على ذي اليد قضاء عليه، وعلى من تلقى الملك من جهته وقد ثبت تلقي عبد الله الملك من جهة محمد، فصار محمد مقضيًا عليه ولكن إنما شرط باعتبار أن بدل المستحق مملوك العاقد، فلو رجع محمد بالثمن على إبراهيم قبل أن يرجع عبد الله على محمد بالثمن يجتمع الثمنان في ملك محمد بدلًا عن ثمن واحد، وهذا مما لا وجه له ولا سبيل إليه، هذا المعنى معدوم في الهبة والصدقة، فكان لمحمد أن يرجع بالثمن على إبراهيم، وإن لم يكن لعبد لله أن يرجع بالثمن على محمد.
رجل اشترى من آخر، كرمًا اشترى الأرض والنخيل جميعًا وقبضهما، ثم استحقت العَرَصَةُ وحدها كان للمشتري أن يرد الأشجار على البائع، ويرجع عليه بجميع الثمن. ومثله لو اشترى حمارًا مع بردعته اشترى الحمار والبردعة جميعًا وقبضهما، ثم استحق الحمار دون البردعة ليس للمشتري أن يرد البردعة، ويرجع على البائع بجميع الثمن، بل يمسك البردعة بحصتها من الثمن.
والفرق: أن في فصل الكرم اشترى الأشجار النامية والمثمرة، وبعد استحقاق العَرَصَةُ يؤمر المشتري بقلع الأشجار، وبالقلع يخرج عن حد الثمر ويصير حطبًا، وهذا عيب فاحش فيثبت للمشتري حق الرد، هذا المعنى لا يتأتى في فصل البردعة؛ لأن باستحقاق الحمار لا تصير البردعة شيئًا آخر، ولا يخرج الانتفاع الذي اشتراها لأجله فلهذا افترقا.
أحال البائع رجلًا على المشتري بالثمن، وأدَّى المشتري الثمن إلى المحتال له، ثم استحقت الدار من يد المشتري، فالمشتري على من يرجع بالثمن؟ ذكر في (مجموع النوازل) عن الشيخ الإمام شيخ الإسلام السغدي: أن المشتري يرجع على البائع، قيل له: فإن لم يظفر المشتري بالبائع هل يرجع عل المحتال له؟ قال: لا.
وإذا اشترى شيئًا من الوكيل فاستحق المشترى من يد المشتري، فعند الاستحقاق يرجع المشتري بالثمن على الوكيل إن كان المشتري إن كان دفع الثمن إلى الوكيل، وإن كان دفع الثمن إلى الموكل يقال للوكيل: طالب الموكل بالثمن وحده وادفعه إلى المشتري، وتفاوت بين الصورتين، إنه في الصورة الأولى يطالب الوكيل بنقد الثمن من مال نفسه، ولا ينتظر أخذه من الموكل، وفي الصورة الثانية ينتظر أخذه من الموكل، وفي (الجامع) أن المشتري بالخيار إن شاء رجع على القابض، وإن شاء رجع على الآمر.
اشترى شيئًا وقبضه واستحق من يده، ثم فصل إلى المشتري يومًا مالًا، يؤمر بالتسليم إلى البائع؛ لأنه وإن حصل مقرًا بالملك للبائع لكن مقتضى الشراء (القبض)، وقد انفسخ الشراء بالاستحقاق فينفسخ الإقرار لا جرم لو أقر نصًا أنه ملك البائع ثم وصل إليه يومًا يؤمر بالتسليم على بائعه؛ لأن إقراره بالملك له لم يبطل.
في (شرح قسمة شيخ الإسلام) رحمه الله، في باب الميت عليه دين، وفي الباب الرابع عشر بعد المئة من (الزيادات)، وفي الباب الرابع في دعوى (الجامع) لشيخ الإسلام رحمة الله عليه: اشترى عبدًا أقر أنه ملك البائع وتقابضا، ثم استحق من يده بالبينة يرجع على البائع بالثمن، وليس للبائع أن يقول للمشتري: إنك أقررت أنه ملكي، ومن زعمك أن المستحق غاصب، فلا يرجع علي كما لو غصب منك حقيقة، لأن المشتري يقول: إنما أقررت لك بالثمن بشرط أن أملك المبيع ظاهرًا وباطنًا، وقد نفذ على القضاء ظاهرًا، وإذا صار العبد ملكًا للمستحق ظاهرًا لا يبقى الثمن لك ملكًا ظاهرًا، وإن بقي لك ملكًا باطنًا حتى يستوفي قضية للعقد الموجب للتساوي بخلاف الغصب، لأن الغصب لا يزيل ملك المغصوب ظاهرًا، كما لا يزيله من حيث الباطن.
وفي (المنتقى) عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: إذا استحق المشترى من يد المشتري وأراد أن يرجع بالثمن، فقال البائع للمشتري: قد علمت أن الشهود شهدوا بزور فإن المبيع لي، فقال المشتري: أنا أشهد لك أن المبيع لك وإن الشهود شهدوا بزور، فللمشتري أن يرجع على البائع بالثمن مع هذا الإقرار قال: لأن المبيع لم يسلم له، فلا يحل للبائع أخذ الثمن، وقد استحق المبيع من يد المشتري.
وفي (النوادر) لابن سماعة عن محمد: رجل اشترى من رجل جارية وقبضها، ثم جاء رجل وادعاها، وأقر المشتري أنها لهذا المدعي، فأراد المشتري أن يرجع على البائع بالثمن، فقال البائع للمشتري: إنما كانت هي للمدعي؛ لأنك وهبتها له فالقول قوله، ولا يرجع المشتري عليه بالثمن.
استحق حمارًا من يدي رجل ببخارى وقبض المستحق عليه، ووجد بائعه بسمرقند فقدمه إلى القاضي بمصر سمرقند فأراد الرجوع عليه بالثمن، وأظهر سجل قاضي بخارى، فأقر البائع بالبيع، ولكن أنكر الاستحقاق، وكون السجل، سجل قاضي بخارى، فأقام المستحق عليه بينة أن هذا سجل قاضي بخارى لا يجوز لقاضي سمرقند أن يعمل به، ويقضى للمستحق عليه بالرجوع بالثمن ما لم يشهد الشهود أن قاضي بخارى قضى على المستحق عليه بالحمار الذي اشتراه من هذا البائع وأخرجه من يد المستحق عليه، وهذا لأن الخط يشبه الخط، فلا يجوز الاعتماد على نفس السجل بل يشترط أن يشهدوا على قضاء القاضي، وعلى قصر يد المستحق عليه.
في شهادات (المنتقى): استحق حمارًا بشهادة شاهدين عدلين عدلهما الشهود عليه، قال: أسأل عن الشاهدين إن زكيا رجع المشهود عليه على البائع بالثمن بمنزلة الإقرار.

.نوع آخر في استحقاق المبيع وقد كفل بالثمن كفيل بأمر:

مسائل هذا الفصل مبنية على معرفة الكفالة بحق عن الغير، وعلى معرفة قضاء الدين عن الغير، فنقول: الكفيل بعقد الكفالة بضم ذمته إلى ذمة الأصيل ليحمل ما على الأصيل؛ لأن الكفالة مشتقة من الضم، ثم قضاء الكفيل بعد ذلك لإسقاط ما يحمل الكفيل والقاضي الدين عن الغير يقيم ماله مقام الأصيل في إسقاط ما على الأصيل من الدين، فمتى كانت الكفالة والقضاء بأمر الأصيل صار كل واحد منهما- أعني الكفيل والقاضي- مقرضًا ما يلاقيه يصرفه بمن عليه، فالقاضي للدين يصير مقرضًا ماله الذي أدى به دين من عليه؛ لأن المديون لما أمر بقضاء الدين عنه فقد جعله نائبًا عن نفسه في القضاء بما يؤدي إلى صاحب الحق، وإنما يصير نائبًا إذا صار المؤدى ملكًا للآمر بالإقراض، وهو معنى قولنا: إن المأمور بقضاء الدين يصير مقرضًا ما وقع به القضاء من الأمر، والكفيل يصير مقرضًا ذمته من الأمر في الالتزام ما عليه، لأن الأمر بالكفالة أمر بالتزام ما في الذمة وحق الكفيل مقام المال في حق المأمور بقضاء الدين، وهذا لأن ذمة الكفيل تصير مشغولة بما على الأصيل، وإنما تصير مشغولة بذلك إذا صارت ذمة الكفيل كذمة الأصيل بالإقراض، فكان في معنى الإقراض من هذا الوجه، ومتى كانت الكفالة وقضاء الدين بغير أمر من عليه صار الكفيل والقاضي متبرعًا، فيعتبر في حق الأصيل كأن صاحب الدين أبرأه بغير قبض، ويعتبر في حق الكفيل والقاضي هذا أداء المال والتزامه بمقابلة إسقاط المال من الغير، والتزام المال وأداؤه بمقابلة إسقاط المال عن غيره كالفضولي يصالح صاحب المال على مال نفسه، يعتبر ذلك في حق صاحب المال كأنه أبرأه من غير قبض ويعتبر في حق المصالح التزام المال وأداؤه بمقابلة إسقاط المال عن الغير.
جئنا إلى المسائل، قال محمد رحمه الله في (الجامع الكبير): رجل اشترى من آخر عبدًا بألف درهم، وكفل عن المشتري بالثمن كفيل بأمر المشتري، ونقد الكفيل للبائع الثمن، ثم غاب الكفيل واستحق العبد من يد المشتري، أو وجد حرًا أو مكاتبًا أو مدبرًا، أو كاتب جارية فوجدها أم الولد، فأراد المشتري أن يرجع على البائع بالثمن. قال: ينظر إن كان الكفيل قد رجع على المشتري بما نقده للبائع كان للمشتري أن يرجع على البائع؛ لأن المشتري في هذا الوجه قام مقام الكفيل؛ وقد كان للمكفول أن يرجع على البائع بما نقد له من الثمن، فكذا لمن قام مقامه أو نقول: الكفيل لما رجع على المشتري وأخذ منه ما نقد صار المنقود ملكًا للمشتري، فكان للمشتري أن يرجع على البائع بذلك عند عدم سلامة المبيع له، وإن كان الكفيل لم يرجع على المشتري بما نقد للبائع لا يكون للمشتري أن يرجع على البائع بالثمن؛ لأن في هذه الصورة، المشتري ما قام مقام الكفيل، ولم يملك المنقود لو رجع رجع بحكم أن نقد الكفيل جعل كنقد المشتري.
وبظهور هذه الأسباب يتبين أن نقد الكفيل لم يجعل كنقد المشتري؛ إذ تبين أن الثمن لم يكن واجبًا على المشتري، وأن الكفالة وقعت باطلة، ولأن في هذا الرجوع قطع خيار الكفيل إذا حضر، فإن الكفيل إذا حضر يتخير بين أن يرجع على المشتري بما نقد وبين أن يرجع على البائع، لما يتبين بعد هذا، وبعد ما رجع المشتري على البائع بالثمن لا يبقى للكفيل هذا الخيار، وليس للمشتري أن يقطع على الكفيل خياره.
ثم إذا حضر الكفيل فإن شاء رجع على البائع بما نقد، وإن شاء رجع على المشتري؛ لأنه وجد في كل واحد منهما ما هو سبب الضمان في حق الكفيل، أما البائع فلأنه قبض مال الكفيل بحكم الكفالة الباطلة؛ لأنه بظهور هذه الأسباب تبين أن الثمن لم يكن واجبًا على الأصيل، والكفيل يتحمل عنه أو نقول الكفيل قضى دينًا على ظن أنه عليه، وتبين أنه ليس عليه، فكان له أن يرجع بما قضي على القابض، وأما المشتري فلأن المشتري لما أمره بالكفالة عنه بالثمن فقد أمره بأن يقضي دينه بشرط الضمان بالقضاء إن لم يصح؛ لأنه ظهر أن الثمن لم يكن واجبًا، نفى الأمر بالدفع بشرط الضمان، كأنه قال: لم أدفع إلى فلان ألف درهم على أني ضامن لك، أو نقول: لما أمره بالكفالة فقد ضمن له تسليم ما يؤدي من ملك نفسه لمنفعة له في ذلك، وهو براءة ذمته، فيثبت له حق الرجوع لما ضمن له كالمغرور يرجع على البائع بقيمة الأولاد؛ لأن البائع ضمن للمشتري سلامة الأولاد بما شرط عليه لنفسه من الثمن، فإن أخذ من البائع لم يرجع البائع على المشتري، وهذا ظاهر لأنه ظهر أن المشتري لم يملك المبيع، فلا يملك البائع الثمن عليه، وإن أخذ من المشتري رجع المشتري على البائع بما نقد الكفيل؛ لأن الكفيل لما رجع على المشتري صار المنقود ملكًا للمشتري، أو قام المشتري مقام البائع على ما ذكرنا.
وإن أراد المشتري بعدما حضر الكفيل اتباع البائع، وذلك قبل أن يختار الكفيل اتباع المشتري ليس له ذلك، وكان ينبغي أن يكون له ذلك؛ لأن الكفالة أن يطلب من استحقاق لما بينا، بقي الأمر بدفع مطلق إلى البائع صحيحًا صار دفع الكفيل كدفع المشتري بنفسه، وهناك الجواب كما قلنا، فهنا كذلك.
والجواب اختلفت عبارة المشايخ فيه. قال بعضهم: إنما لم يكن للمشتري؛ لأنه ثبت للكفيل الخيار على ما بينا، ولو ثبت للمشتري حق الرجوع على البائع يبطل خيار الكفيل؛ لأنه لا يمكن الكفيل بعد ذلك أن يبيع البائع ويأخذ منه ما دفع إليه لأنه يتضرر به البائع، لأنه بسبب قبض ألف درهم وأخذ ألفين وإنه مأمور إلا أن هذا العذر يشكل بالغاصب الاول، فإن له ولاية اتباع الثاني، ويأخذ منه عين ما أخذ الثاني منه إن كان قائمًا، وقيمته إن كان هالكًا، ولم أجد بأن في تضمين الغاصب الأول للثاني إبطال ما ثبت للمالك من الخيار بين تضمين الأول وبين تضمين الثاني.
وبعضهم قالوا: إنما لا يرجع المشتري على البائع؛ لأنه لو رجع؛ إما أن يرجع بحكم أن البائع أزال يد المشتري عن المال الذي قبضه عن الكفيل بغير حق، أو لأن المنقود صار ملكًا للمشتري، لا وجه إلى الأول؛ لأن البائع ما أزال يد المشتري عما قبضه عن الكفيل؛ لأن ذلك لم يكن في يد المشتري، ولا وجه إلى الثاني لأنه بالاستحقاق بطلت الكفالة وبقي الأمر بمجرد الدفع إلى البائع بشرط الضمان إلا أن في الأمر بالدفع بشرط الضمان ما لم يرجع المأمور على الأمر بالضمان لا يصير المدفوع ملكًا للآمر، ولو لم يكن كفالة كان أمرًا بقضاء الثمن، وباقي المسألة بحالها كان هذا بمنزلة الكفالة في جميع ما وصفنا؛ لأن بظهور هذه الأسباب تبين أن الثمن لم يكن واجبًا، فيتبين أن الأمر بقضاء الثمن لم يصح، فكان هذا وفصل الكتابة سواء.
قال: ولو لم يكن مما ذكرنا من الأسباب في فصل الكفالة، لكن مات العبد قبل القبض، وكان الكفيل قد نقد الثمن وغاب، كان للمشتري أن يرجع على البائع بالثمن سواء رجع الكفيل على المشتري بما نقد أو لم يرجع.
فرق بين الهلاك وبين الاستحقاق فيما إذا لم يرجع الكفيل على المشتري بما نقد، فإن في فصل الاستحقاق المشتري لا يرجع على البائع، وفي فصل الموت يرجع، والفرق أن بهلاك العبد لا يتبين أن الثمن لم يكن واجبًا، وأن الكفالة لم تكن صحيحة؛ لأن بهلاك العبد قبل القبض لا يفسد البيع من الأصل فحين أدى الكفيل الثمن إلى البائع أداه بحكم كفالة صحيحة، فكان ما قبض البائع مقبوضًا بحكم كفالة فاسدة، فكان للكفيل أن يرجع على البائع، وكان له أن يرجع على المشتري لما ذكرنا، ولأن في فصل الاستحقاق إنما لا يكون للمشتري الرجوع على البائع حال غيبة الكفيل؛ لأنه يوجب قطع خيار الكفيل، وهذا المعنى لا ينافي فصل الهلاك؛ لأنه لا خيار للكفيل هاهنا على ما يتبين بعد هذا إن شاء الله تعالى، فإن حضر الكفيل في فصل موت العبد، أو كان الكفيل حاضرًا لم يكن للكفيل أن يرجع على البائع بالثمن.
فرق بين هذا وبين فصل الاستحقاق، والفرق ما ذكرنا: أن بالاستحقاق يظهر بطلان الكفالة فيظهر أن البائع قبض ما قبض من الكفيل بغير حق، فيكون للكفيل حق استرداد ما قبضه البائع، أما بهلاك العبد قبل القبض لا يظهر بطلان الكفالة، ولا يظهر أن البائع قبض من الكفيل ما قبض بغير حق، فلا يكون للكفيل حق استرداد ما دفع إليه، ولكن المشتري يرجع على البائع لما ذكرنا، ولو لم يمت العبد، ولكن انفسخ البيع فيما بينهما بسبب من الأسباب، فإن كان الانفساخ بسبب هو فسخ من كل وجه نحو الرد بالعيب بعد القبض بقضاء، أو قبل القبض بقضاء أو بغير قضاء أو الرد بخيار الرؤية أو بخيار الشرط كان الجواب فيه كالجواب فيما إذا مات العبد قبل القبض لأن بهذه الأسباب لا يتبين أن الثمن لم يكن واجبًا، ولا يتبين أن الكفالة لم تكن صحيحة كما في هلاك العبد قبل القبض.
وكذلك لو كان المشتري أمر غيره أن ينقد الثمن عنه فنقد، ثم مات العبد في يد البائع قبل التسليم إلى المشتري، فإن المشتري هو الذي يرجع على البائع بالثمن في الأحوال كلها لما ذكرنا، وإن كانت الكفالة بغير أمر المشتري ثم انفسخ البيع فيما بينهما من كل وجه كان للكفيل أن يرجع على البائع بالثمن، وليس للكفيل على المشتري سبيل؛ لأن هذا في حق المشتري إبراء بغير عوض وفي حق الكفيل والبائع هذا إبراء بعوض، فإنما يسلم للبائع ما قبض من الكفيل إذا حصلت البراءة للمشتري بمقابلة العوض، وإذا انفسخ البيع بينهما لم تكن البراءة حاصلة للمشتري بمقابلة العوض، وهو الثمن الذي قبضه البائع بل كان الانفساخ السبب بينهما، وكان للكفيل أن يرجع على البائع بما أدى إليه، وإن انفسخ البيع بينهما بسبب هو فسخ فيما بين المتعاقدين، عقد جديد في حق الثالث نحو الرد بالعيب بعد القبض بغير قضاء ونحو الإقالة لا يكون للكفيل أن يرجع على البائع بشيء؛ لأن الكفيل ثالث المتعاقدين فيجعل في حق الكفيل كأن المشتري باعه بيعًا جديدًا من البائع، ولما كان هذا بيعًا جديدًا في حق الكفيل لا يتبين أن براءة المشتري عن الثمن لم تكن بمقابلة العوض، فلهذا لا يرجع الكفيل على البائع بالثمن، ولكن المشتري هو الذي يرجع على البائع بذلك؛ لأن المأتي به فسخ فيما بينهما فكانت براءة المشتري في حقهما حاصلة بانفساخ السبب لا حكمًا للعوض، فيجب على البائع رد ما قبض، وسبب وجوب رد ما قبض انفسخ، والمشتري هو الذي باشر الفسخ، فيكون حق القبض للمشتري لمباشرته السبب، ويكون المقبوض للكفيل دون المشتري؛ لأن الكفيل إنما أدى بذلك لتحصل البراءة للمشتري بمقابلة هذا المؤدي، فإن كان المأتي به فسخًا في حق البائع والمشتري كان في زعمهما أن البراءة إنما حصلت للمشتري لا بمقابلة المؤدي حقًا للكفيل بزعمهما، فيعتبر في حقهما، فلهذا كان المؤدى للكفيل ولكن حق القبض للمشتري على ما مرّ.
ولو لم تكن كفالة، ولكن نقد رجل الثمن عن المشتري بغير أمر كان الجواب فيه في جميع ما وصفنا نظير الجواب في الكفالة إذا كانت بغير أمر المشتري، قال: ولو كانت الكفالة بأمر المشتري، فصالح الكفيل البائع عن الثمن على خمسين دينارًا، كان للكفيل أن يرجع على المشتري بالدراهم دون الدنانير لأن المقابلة بين الكفيل وبين المشتري في إقراض الذمة لالتزام الألف قد تمت؛ لكن شرط رجوع الكفيل على المشتري انقطاع حق البائع عن المشتري، وقد حصل ذلك بهذا القدر، ألا ترى أن الكفيل لو أدى للبائع زيوفًا بمقابلة العوض والثمن جياد وتجوز البائع بالزيوف كان للكفيل أن يرجع على المشتري بالدراهم الجياد؟ فكذا هاهنا يجب أن يرجع الكفيل على المشتري بالدراهم أيضًا.
فإن استحق العبد والكفيل غائب، ثم حضر كان له اتباع البائع بالدنانير، ولا سبيل للكفيل على المشتري، وفيما تقدم قال: للكفيل الخيار إن شاء طالب البائع، وإن شاء طالب المشتري. والفرق أن في ضمن الأمر بالالتزام بالكفالة أمر بالأداء وبالاستحقاق أن يطلب الكفالة في الوجهين إلا أن في الوجه الأول لم يبطل الأمر بالأداء، أما هاهنا الأداء لم يكن بأمر المشتري؛ لأنه أدى غير ما أمر به يتعذر الرجوع بحكم الأمر، كما تعذر الرجوع بحكم الكفالة، فلهذا قال: لا يرجع الكفيل على المشتري، ولكن يرجع الكفيل على البائع؛ لأنه أعطاه الدنانير بحكم الصلح، وبالاستحقاق ظهر بطلان الصلح، ويستوي في هذا أن يكون الاستحقاق في المجلس أو بعد الافتراق عن المجلس، لأن المعنى لا يتفاوت.
وكذلك لو أن البائع باع الكفيل الدراهم التي كفل بها عن المشتري بالدنانير، ثم استحق العبد بطل البيع، وأراد محمد بهذه التسوية بين البيع والصلح التسوية بينهما بعد الافتراق عن المجلس، لأن ما جرى بينهما من البيع كان صرفًا، وبالافتراق عن المجلس قبل قبض بدل الصرف، فأما إذا استحق العبد، وهما في المجلس بعد يبطل البيع، أما لا يبطل الصلح.
والفرق بين الصلح والبيع أن ينبني الصلح على التجوز بدون الحق، وذلك إنما يكون باستيفاء بعض الحق وترك البعض، والدراهم والدنانير يتعينان في الاستيفاء فيتعينان في الصلح أيضًا؛ ولهذا لو صالح من الدراهم على ثوب بعينه، ثم تصادقا على أنه لا دراهم عليه يبطل الصلح، فأما البيع لا يتعلق بعين الدراهم المشار إليها وإنما يتعلق بمطلق الدراهم، وما دام المجلس قائمًا يمكن دفع ألف درهم إلى صاحبها، فلا يبطل البيع، ولهذا لو باع من آخر دراهم في الذمة ثبوت بعينه، ثم تصادقا على أنه لا دراهم في الذمة لا يبطل البيع.
قال: ولو لم يستحق العبد ولكنه مات في يد البائع؛ فإن للمشتري أن يرجع على البائع بألف، ولا سبيل للكفيل على البائع؛ لأن بالموت لا يظهر أن الثمن لم يكن واجبًا، فصار الكفيل بهذا البيع موفيًا للبائع ألف درهم بطريق المقاصة؛ لأنه وجب للكفيل على البائع ألف درهم مثل ما كفل به؛ لأن عقد الصرف لا يتعلق بعين ذلك الدين، فصار للكفيل على البائع ألف درهم بعقد الصرف، وللبائع عليه مثله بحكم الكفالة، فوقعت المقاصة، والإيفاء بالمقاصة كالإيفاء بالاستيفاء حقيقة، وهنا لا يكون للكفيل على البائع سبيل في هذا الوجه، وإنما السبيل للكفيل على المشتري وللمشتري على البائع كذلك هاهنا.
وكذلك لو كان الكفيل صالح البائع على خمسين دينارًا؛ لأن الكفيل صار موفيًا ألف درهم بالصلح، فصار الجواب فيه والجواب في البيع سواء إلا أن الفرق بين الصلح والبيع، أن في الصلح للبائع الخيار إن شاء رد خمسين دينارًا وإن شاء رد ألف درهم، وفي البيع يرد ألف درهم من غير خيار. والفرق ما ذكرنا أن يبنى الصلح على التجوز بدون الحق، والبائع إنما رضي بدون حقه ليصل إلى حقه من الدين لا لتلزمه الدراهم، فإذا آل الأمر إلى أن يلزمه الدراهم كان له الخيار إن شاء أمضى الصلح وأعطى الثمن وذلك ألف درهم، وإن شاء أبطل الصلح، ورد ما قبض من الدنانير بخلاف البيع؛ لأن مبناه على المماكسة والاستيفاء، فصار البائع مستوفيًا حقه، فلهذا لا يتخير في البيع بل يرد على المشتري الثمن وهو الدراهم، أما في الصلح بخلافه على ما مرّ.
ثم في الصلح إن اختار البائع رد الدراهم فالمشتري هو الذي يستوفيه؛ لأنه لما اختار رد الدراهم فقد أمضى الصلح وتعذر استيفاء الثمن، فعند انفساخ العقد بموت العبد قبل القبض يكون حق القبض للمشتري، كما لو استوفى البائع الثمن من الكفيل حقيقة، وإن اختار رد الدنانير، فالكفيل هو الذي يقبض ذلك لأن رد الدنانير إنما يكون بطريق فسخ الصلح، والكفيل هو الذي باشر الصلح معه فعند انفساخ الصلح حقه في الدنانير، فلهذا لم يكن له رجوع على المشتري.
ولو كان المشتري أمر رجلًا أن يقضي البائع عنه الثمن من غير كفالة، فباع المأمور من البائع خمسين دينارًا بالثمن يجوز، وكذلك لو صالح المأمور البائع من الثمن على خمسين دينارًا، وهذا لا يشكل في الصلح لأن الدين وإن لم يكن واجبًا عليه، حتى لو امتنع عن القضاء بترك ذلك إلا أن المأمور بقضاء الدين وإنما يشكل في البيع، فإن الفضولي لو باع ماله بدين على غيره لا يجوز، فكذا المأمور بقضاء الدين لو باع ماله بالثمن الذي ليس عليه لا يجوز وهذا أفقه، أن الثمن إذا لم يكن واجبًا على المأمور بقضاء الدين صار هو مملكًا الدنانير بالدراهم التي على غيره، وصار مشتري الدنانير مملكًا الدراهم التي هي ثمن له على مشتري العبد من غيره، وهو بائع الدنانير، وتمليك الدين من غير من عليه الدين لا يجوز.
والجواب وهو الفرق بين الفضولي وبين المأمور بقضاء الدين: أن عقد الدين لا يتعلق بذلك الدين في الأحوال كلها إلا أن البائع إذا كان فضوليًا كان في هذا شرط تسليم الثمن على غير العاقد في هذا العقد وهو المشتري في العقد الأول، فإنه لو صح هذا العقد يجب على المشتري في العبد الأول تسليم الثمن الذي عليه إلى الفضولي.
قلنا: وشرط تسليم الثمن الذي عليه إلى الفضولي شرط تسليم الثمن على غير العاقد فيفسد العقد، فأما المأمور بقضاء الدين فلا يبيع ماله من البائع لاستيفاء الثمن عن المشتري، وإنما يبيع حتى يجب على البائع الأول مثل ما كان له على المشتري الأول، ثم يجعل له قصاصًا بما عليه، فيتقدم الشرط الفاسد فيجوز، وإذا صح البيع وصلح الصلح من المأمور صار المأمور بمنزلة الكفيل في جميع ما وصفنا.
أو نقول: المأمور بقضاء الدين بمنزلة الفضولي من وجه من حيث إنه لم يجب للطالب عليه دين وبمنزلة المطلوب من حيث إنه أداء يجبر الطالب على القبول، فمن حيث إنه فضولي، إن كان لا يجوز هذا البيع فمن حيث إنه مطلوب يجوز فرجحنا ما يوجب الجواز احتيالًا للجواز بقدر الممكن، ولو كان الكفيل كفل عن المشتري بالثمن بغير أمره، ثم إن الكفيل صالح مع البائع على خمسين دينارًا من الثمن، أو باع منه خمسين دينارًا بالثمن، ثم مات العبد قبل القبض، أو استحق فلا سبيل للمشتري على البائع؛ لأن المشتري لم ينقد الثمن بنفسه ولا نقد نائبه؛ لأن الكفالة كانت بغير أمر المشتري، ولكن الكفيل يرجع على البائع، ويتخير البائع في الصلح بين إعطاء الدراهم وبين إعطاء الدنانير؛ وفي البيع لا يتخير، والفرق قد مرّ قبل هذا.
ولو لم يكن كفالة ولا أمر بقضاء الدين ولكن جاء متبرع وباع دنانيره من بائع العبد بالثمن الذي له على المشتري أو صالح معه من الثمن على دنانيره من بائع العبد بالثمن الذي له على المشتري، أو صالح معه من الثمن على دنانيره، فالبيع باطل على كل حال لما فيه من شرط تسليم الثمن على غير العاقد، وإنه مفسد للبيع، وأما الصلح فإن كان شرط أن يكون الثمن الذي على المشتري للمتبرع يكون باطلًا؛ لأنه يصير بمعنى البيع، والصلح يحتمل معنى البيع فيصير هذا الصلح بحكم هذا الشرط والبيع سواء، وإن كان الصلح بشرط براءة المشتري من الثمن كان الصلح جائزًا، ويكون هذا تمليك العين بمقابلة الفراغ الذي يحصل لا لمن وجد منه التمليك، وإنه جائز كما في الخلع، وإن أطلق الصلح إطلاقًا ولم يصرح بالإبراء ولا بالتمليك يجوز؛ لأن الصلح يحتمل معنى الإبراء والإسقاط ويحتمل معنى التمليك، فعند الإطلاق يحمل على الإبراء والإسقاط تحريًا للجواز وطلبًا للصحة، فإن استحق العبد كان على البائع رد الدنانير على المصالح، وإن مات العبد كان للبائع الخيار إن شاء رد الدنانير على الكفيل، وإن شاء رد عليه الدراهم لما مرّ.
رجل اشترى من رجل عبدًا بألف درهم جياد، وكفل رجل عن المشتري بالثمن بأمر المشتري، ثم إن الكفيل أدى البائع الزيوف، وتجوز به البائع، فالكفيل يرجع على البائع بالجياد؛ لأن رجوع الكفيل على المشتري بحكم الالتزام بعقد الكفالة، فيرجع الملتزم وهو الجياد فإن لم يرجع الكفيل على المشتري حتى استحق العبد لا سبيل للمشتري على البائع؛ لأن الكفيل لو أدى مثل الملتزم، وقد ذكرنا أن المشتري لا يرجع على البائع، وإن شاء رجع على المشتري وعلى أيهما رجع لا يرجع إلا بالزيوف.
أما إذا رجع على البائع فلأن رجوع الكفيل على البائع يعلمه أن بالاستحقاق يظهر أن البائع قبض ما قبض بغير حق، فيرجع بالمقبوض، وأما إذا رجع على المشتري فلأن رجوع الكفيل على المشتري يعلمه أن المشتري أمره بالأداء، ضمن له سلامة المؤدى فيرجع بمثل المؤدى، هذا إذا أدى الكفيل أنقص مما التزم، وأما إذا أدى خيرًا مما التزم لا يرجع الكفيل على المشتري إلا بالملتزم لأنه متبرع على المشتري بزيادة الجودة فيعتبر بما لو تبرع بزيادة العدد، وهناك لا يرجع على المشتري إلا بالملتزم، فهذا كذلك.
فإن استحق العبد من يد المشتري في هذا الوجه فالكفيل بالخيار إن شاء رجع على البائع وإن شاء رجع على المشتري، فإن رجع على البائع رجع بالمؤدى؛ لأنه ظهر أن البائع قبض ذلك بغير حق، وإن رجع على المشتري رجع بالملتزم لما مرّ أن رجوع الكفيل على المشتري باعتبار ما لحق الكفيل من الضمان بأمر المشتري، وضمان المشتري السلامة له، وذلك بقدر الملتزم، وإذا رجع على المشتري بالملتزم لما مرّ إن رجع المشتري على البائع بما أداه الكفيل من الجياد؛ لأن الكفيل لما أدى الجياد، فإنما تبرع بالجودة على المكفول عنه دون الطالب لأن الطالب في حق الأصيل يقبض حقه، فلا تكون الكفالة تبرعًا في حق الطالب، وإنما تكون تبرعًا في حق المكفول فكذا بالزيادة تكون تبرعًا على المطلوب، ولأن الكفيل لما رجع على المشتري، فقد قام المشتري مقام الكفيل في تلك المؤدى فيقوم مقامه في حق الرجوع على البائع بالجياد.
ولو لم يستحق العبد ولكن مات في يد البائع قبل القبض، وقد كان الكفيل أنقص مما التزم فلا سبيل للكفيل على البائع؛ لأن بموت العبد لا يتبين أن البائع قبض ما قبض من الكفيل بغير حق، ولكن يرجع على المشتري بألف درهم نبهرجة.
فرق بين هذا وبينما إذا سلم العبد للمشتري وقد أدى الكفيل أنقص مما التزم، فإن هناك الكفيل يرجع على المشتري بالملتزم، وهو أن البائع لما تجوز بالزيوف صارت صفة الجودة كأنها وهبت الكفيل، فتفسير ذلك بما لو وهب للكفيل كل الدين، وهناك عند سلامة العبد للمشتري يرجع الكفيل على المشتري بذلك، وعند انتقاض البيع لا يرجع، فكذا إذا وهب له صفة السلامة.
والفرق الفقهي بين الفصلين: أن البيع لما انتقض فقد برئ الأصيل عن الثمن وبراءة الأصيل عن الثمن يوجب براءة الكفيل، وبعدما وقعت البراءة للكفيل لا يتصور ملك ما في ذمته فيعتبر المؤدى بخلاف ما إذا تم البيع، ولو كان الكفيل أدى أجود ما التزم ثم مات العبد في يد البائع لم يكن للكفيل على البائع سبيل، ولكن يرجع الكفيل على المشتري بما كفل عنه، ويرجع المشتري على البائع بمثل الدراهم التي أعطى الكفيل البائع وهو الخيار.
قال محمد رحمه الله في (الكتاب): ألا ترى أن رجلًا لو أمر رجلًا أن يعطي رجلًا عشرة دراهم عليه على أن يكون قرضًا على القابض للآمر ويكون قرضًا للمعطي على الآمر إن ذلك جائز؛ فإن أعطاه المأمور دراهم أجود من الدراهم التي أمره بها الآمر لم يكن للمعطي على الآمر إلا دراهم مثل الدراهم التي أمره بإعطائها، ويرجع الآمر على القابض بمثل ما أعطاه المأمور، فكذا فيما تقدم.
ولو كان المشتري أمر رجلًا أن ينقد عنه الثمن من غير كفالة، فنقد المأمور أفضل ما أمره لم يرجع على الآمر بمثل ما أمره به، وإن نقده أردأ مما أمره يرجع بمثل المؤدى؛ لأن هاهنا الرجوع بحكم الآمر بالأداء، فلابد من اعتبار الأمر والأداء، ففي الوجه الأول: الأمر في حق الزيادة لم يوجد، وفي الثاني: الأمر إن وجد، فالأداء لم يوجد بخلاف الكفيل، فإنه إذا أدى أدى من الملتزم وتجوز به البائع يرجع على المشتري بالملتزم، لأن ثمة الرجوع بحكم إقراض الذمة والالتزام، وإقراض الذمة لالتزام الجيد قد تم أما هاهنا بخلافه.
فإن استحق العبد يخير المأمور بين اتباع البائع وبين اتباع المشتري على ما مر في الكفيل، فإن رجع على البائع رجع بمثل المقبوض؛ لأنه بالاستحقاق تبين أنه قبض بغير حق، وإن رجع على المشتري يرجع بالمؤدى إن كان المؤدى أردأ مما أمر به، وإن كان أجود رجع بما أمر به، ثم المشتري يرجع على البائع بمثل ما أخذ من المأمور؛ لأن المأمور إنما تبرع بالجودة على المشتري لا على البائع، وقام المشتري مقام المأمور في ذلك، وقد ذكرنا نظير هذا فيما تقدم، ولو لم يستحق العبد ولكنه مات قبل القبض، فلا سبيل للمأمور على البائع، ولكن يرجع المشتري على البائع بما أدى إن كان المؤدى أردأ مما أمره به، وإن كان أجود يرجع بما أمره به. وشبه محمد رحمه الله هذا بفصل الإجارة.
ولو استأجر رجل من آخر دارًا بمئة دينار، فلم يسكنها حتى أمره رب الدار أن يعطي رجلًا عشرة دراهم من أجرة الدار على أن يكون قرضًا لرب الدار على القابض، ثم انتقضت الإجارة بينهما بموت أحدهما فلا سبيل للمستأجر على المستقرض؛ لأن رب الدار يصير كالمستعمل لهذا القدر من الأجر، فعند انتقاض الإجارة يكون رجوعه على رب الدار لا على المستقرض، فبعد ذلك إن كان المستأجر نقد المستقرض أردأ من أجرة الدار رجع الآخر بما أعطى، وإن نقد أفضل لم يرجع على الآخر إلا بمثل ما أمره به، ويرجع الآخر على المستقرض بمثل ما قبض من المستأجر، فكذا فيما تقدم والله أعلم.
زوجان في دار، أقامت المرأة البينة أن الدار دارها غصبها منها زوجها، وأقام الزوج بينة أن الدار داره واشتراها منها قضي بالدار للمرأة، والدار في يد الزوج، فكانت المرأة خارجة فيقضى ببينتهما كذا أجاب أبو نصر الدبوسي، وقال أبو بكر العياضي: يقضى بالدار للزوج، فجعل كأن الزوج غصبها أولًا ثم اشتراها منها بعد ذلك.
وفي (المنتقى) رجل في يديه عبد، أقام رجل بينة أنه تصدق به علي منذ شهر، وقبضته منه ثم أودعته إياه، وأقام رجل آخر بينة أنه تصدق به علي منذ شهرين وقبضته، ثم أودعته منه، والذي في يديه العبد ينكر دعواهما، فإني أقضي بالعبد للذي أقام البينة على شهرين، وأبطلت دعوى الآخر، فإن رجع شاهدا الذي قضيت له بالعبد ضمنتهما قيمة العبد للذي ادعى الصدقة منذ شهر ولا أكلفه إعادة البينة من قبل لأن شهوده شهدوا بمحضر من صاحب الشهرين، وأثبتها عبدين، ولو كنت أبطلتها يومئذ ما قبلتها إذا هو أعادها؛ لأني إذا أبطلتها مرة لم أقبلها ثانيًا، ألا ترى أن صاحب الشهرين لو غاب بعدما شهد شهوده ولم يحضر لا يقضي على الذي في يديه الغلام لصاحب الشهرين حتى يحضر صاحب الشهر لأني جعلته خصمًا.
روى عمرو بن أبي عمرو عن محمد عن أبي يوسف رحمهما الله: في رجل أقام بينة على رجل أنه قتل أباه عمدًا في شهر ربيع الأول ولا وارث له غيره، وأقام المدعى عليه بينة أنهم رأوا أباه حيًا بعد ذلك الوقت في شهر ربيع الآخر، فالبينة بينة المدعي ويقضى بالقود.
ولو أقامت امرأة بينة أن زوجها طلقها ثلاثًا في يوم النحر برقة، وأقام عبده بينة أن مولاه هذا بعينه أعتقه في ذلك اليوم بمنى فالشهادة باطلة، فإن صدق إحدى البينتين قضى بإقراره فيما أقر به، وقضيت في الأخرى بالبينة.
ولو شهدت إحدى البينتين أنه طلق امرأته ثلاثًا يوم النحر بمنى، وشهدت الأخرى أنه أعتق عبده بعد ذلك بيوم بالرقة، فإن القاضي يطلق امرأته؛ لأن وقته أول ويبطل الآخر.
وإذا شهد الشهود على رجل أنه قتل أبا هذا الرجل عمدًا ولا وارث له غيره، وأن القتل كان في شهر ربيع الأول سنة خمس وثمانين ومئة، وأقام المدعى عليه بينة أن أباه كان حيًا أقرضه في محرم سنة ست وثمانين ومئة درهم وأنها له دين عليه، فالبينة بينة الابن قال: لأنهما أمران لا يستقيم أن يكون فيؤخذ بالوقت الأول، قال: إلا أن أبا حنيفة رحمه الله أستحسن في هذا الباب شيئًا واحدًا، فقال: إذا أقام الابن البينة أن هذا قتل أباه عمدًا بالسيف منذ عشرين سنة، وأنه لا وارث له غيره، وجاءت امرأة وأقامت البينة أنه تزوجها منذ خمسة عشر سنة، وأن هذا ولده منها، وأنها وارثة مع ابنه هذا، قال أبو حنيفة رحمه الله: أستحسن في هذا أن أجيزه ببينة المرأة، وأثبت النسب وأبطل بينة الابن على القتل، ولو أقامت البينة على النكاح ولم تأت بولد، فالبينة بينة الابن والميراث للابن دون المرأة، ويقتل القاتل، إنما أستحسن في النسب خاصة، وهو قول أبي يوسف ومحمد.
ذكر ابن سماعة في (الرقيات) أنه كتب إلى محمد بن الحسن: أرأيت رجلًا مات وباع رجل من تركته متاعًا، فخاصمه وارثه بعد ذلك إلى قاض، وأقام الرجل البينة أن فلانًا القاضي أجاز جميع ما باع فلان من تركة فلان، وأقامت الورثة البينة أن ذلك القاضي أبطل جميع ما باع فلان من تركة فلان ونقضه، والقاضي واحد ولم يوقت للبينتان وقتًا أو وقتا وقتًا واحدًا، قال محمد رحمه الله: إذا لم يعلم أيها أول، فالنقض أولى لأن كل واحد منهما ينقض صاحبه، فصار كأنه باع ولم يجز ذلك القاضي ولم يرده، وهو غير وصي ولا جائز الأمر، وإن وقتا وقتين أخذ بالوقت الأخير.
وإن أقاما البينة على النقض والإجارة من قاضيين مختلفين، فالنقض أولى إذا لم يدر أي الوقتين أول، وإن شهد أحد الفريقين أن ذلك القاضي أبطل إجارة ذلك القاضي وأنه أبطل بعضه، فالقضاء الآخر الذي شهد الشهود أبطل الأول أولى.
وفي (نوادر المعلى) عن أبي يوسف: رجل في يديه عبد، أقام رجل بينة أنه باع هذا العبد من هذا الذي في يديه وهو يملكه بألف درهم ورطل من خمر، وأقام آخر بينة أنه باع هذا الذي في يديه وهو يملكه بألف درهم وخنزير، ادعى كل واحد منهما بيعًا فاسدًا، فالعبد يرد عليهما نصفان، وضمن الذي في يديه لكل واحد منهما نصف قيمة العبد، وإن مات العبد في يد المشتري فعليه قيمتان.
وإن كانت البينتان شهدتا على البيع ومعاينة القبض، فإن كان العبد قائمًا بعينه أخذاه نصفين، ولا شيء لهما غير ذلك، وإن كان مستهلكًا أخذا قيمته نصفين ولا شيء لهما غير ذلك.
رجل له ابنتان صغرى وكبرى، وأقام بينة على هذا الرجل أنه زوج ابنته الكبرى منه، وأقام الأب بينة أنه زوج ابنته الصغرى من هذا الرجل، فالبينة بينة الزوج.
عبد في يدي رجل أقام رجل بينة أنه اشترى هذا العبد من صاحب اليد بألف درهم، وأقام صاحب اليد بينة أنه باع هذا العبد من فلان الآخر بألفي درهم، فالبينة بينة مدعي الشراء بألف درهم. ولو أقام صاحب اليد بينة على مدعي الشراء بألف درهم أنه كفل بألفين عن المدعى عليه الذي اشتراه بألفين، كانت بينة صاحب اليد أولى.
دار في يدي رجل ادعاها رجلان كل واحد منهما يدعي أنها داره أجرها من الذي في يديه شهرًا بعشرة دراهم، وأقام على ذلك بينة، والذي في يديه الدار قد سكنها شهرًا وهو جاحد دعواهما، فإنهما يأخذان الدار بينهما نصفين، ويأخذان عشرة دراهم، وتكون بينهما نصفين أيضًا، والقياس أن يأخذ كل واحد منهما عشرة دراهم، وأظن أن هذه المسألة مرت في كتاب الإجارات.
ونظير هذه المسألة في دعوى البيع، إذا كانت الجارية في يدي رجل، أقام رجلان كل أحد منهما بينة أنه باعها من صاحب اليد لكل واحد منهما ألف درهم؛ لأن لا تضايق في الثمن، فإن أمضى أحدهما دون الآخر، فللذي أمضى نصف الثمن؛ لأن منازعة الآخر باقية، ومع المنازعة حقه كان في نصف الجارية، فيأخذ بدل ذلك وهو نصف الثمن، وللذي لم يمض أن يأخذ الجارية كلها؛ لأنه انقطع منازعة الآخر وحقه في كلها لولا منازعة الشريك؛ لأن البينة قامت له على كلها، فإذا ارتفع منازعة الشريك استحق كلها، وإن لم يمض واحد منهما البيع أخذ الجارية بينهما نصفين ولا شيء على المشتري؛ لأنه لم يسلم له شيء من المبيع، فلا يلزمه شيء من الثمن.
رجل في يديه عبد أقام رجل بينة أنه عبده، وأقام آخر بينة أنه عبده باعه من الذي في يديه، وذو اليد يجحد دعواهما جميعًا، قال: يقضى به للذي أقام البينة أنه عبده، ويبطل الثمن عن الذي هو في يديه.
استحق الفرس من يد المشتري في غير بلد البائع، وجاء المشتري بالسجل إلى بلد البائع، فكان المكتوب في السجل صفة الفرس المستحق، ديزه رتك مع الكي، فقال بائع الفرس: الذي بعته كيت بلا كي وأقاما البينة فالبينة بينة المشتري.
وفي (فتاوى سمرقند): قلنسوة في يدي ثلاثة نفر يدعي أحدهم قطنها، ويدعي الآخر بطانتها، ويدعي الآخر جميعها، وأقام كل واحد بينة على ما ادعى، فإنه يقضي بالقلنسوة لمدعي جميعها ويضمن لمدعي القطن نصف قطنها، ولمدعي البطانة قيمة نصف بطانتها.
أما القضاء بالقلنسوة كلها لمدعي جميعها؛ لأن بينته في الظهارة خلت عن المعارض، فيجب العمل بها في حق الظهارة، ولا يمكن العمل بها في حق الظهارة إلا بالعمل بها في حق الكل، وأما القطن فهو في أيديهم، ولا يدعيه مدعي البطانة، فيكون بين مدعي الكل وبين مدعي القطن نصفين، وقد صار مدعي الكل مستهلكًا لحصة مدعي القطن من القطن، والقطن من ذوات الأمثال، فيضمن نصف مثل نصف القطن لمدعي هذا.
وأما البطانة فلا يدعيها مدعي القطن، وإنما يدعيها صاحباه فيكون بينهما، وقد صار مدعي الكل مستهلكًا نصيب مدعي البطانة من البطانة، والبطانة من ذوات القيم، فيضمن مدعي الكل نصف قيمة البطانة لمدعيها لهذا.
وهو نظير من غصب من رجل بطانة وغصب من آخر قطنًا وظهرًا فجعل منهما قلنسوة، فإنه يضمن لصاحب القطن مثل قطنه، ويضمن لصاحب البطانة قيمة بطانته، وطريقه ما قلنا كذا هاهنا.
وكذلك لو لم يدع مدعي الجميع القلنسوة كلها إنما ادعى ظهارتها، وباقي المسألة بحالها، فهي كلها له لكن يضمن لمدعي القطن مثل قطنه ولمدعي البطانة قيمة بطانته؛ لأنه لا يدعي شيئًا من القطن والبطانة فسلم القطن والبطانة لصاحبه والله أعلم.
قال محمد رحمه الله: دار في يدي ثلاثة رهط ادعى أحدهم جميع الدار وادعى الآخر نصفها، فهذا على وجهين: إن أقاموا بينة على دعواهم، أو لم يقيموا وقد ذكرنا المسألة بتمامها في كتاب الشهادة، ولم يذكر ثمة ما إذا كانت الدار في يد غيرهم إنما ذكر هنا، وقال: إن لم تقم بينة لهم يحلف الذي كان في يديه الدار على دعواهم، فإن حلف انقطعت دعواهم وبقيت الدار في يد صاحب اليد كما كان قبل الدعوى، وإن قامت لهم بينة فبينة كل واحد منهم مقبولة على جميع ما ادعى؛ لأن ما يدعي كل واحد منهم في يد غيره، ويكون كل واحد منهم خارجًا في جميع ما يدعي لنفسه.
وإذا قلنا ببينة كل واحد منهم على جميع ما ادعاه يقسم الدار بينهم على طريق المنازعة عند أبي حنيفة، فيعطي لمدعي الجميع سبعة أسهم من اثني عشر سهمًا من جميع الدار ويعطي لصاحب النصف سهمان، وعندهما يقسم الدار على طريق العول والمضاربة على ثلاثة عشر سهمًا، يعطى لصاحب الجميع ستة أسهم من ذلك، ويعطى لصاحب الثلثين أربعة أسهم، ولصاحب النصف ثلاثة أسهم.
وإذا كانت الدار في يدي رجلين ادعى أحدهما كلها وادعى الآخر نصفها ولا بينة لهما، فإن مدعي النصف يحلف لمدعي الجميع، ومدعي الجميع لا يحلف لمدعي النصف؛ لأن مدعي النصف لا يدعي لنفسه شيئًا مما في يدي مدعي الجميع، أما مدعي الجميع يدعي لنفسه جميع ما في يد مدعي النصف، فإن حلف مدعي النصف برئ عن خصومة مدعي الجميع، وصار الحال بعد الحلف كالحال قبله، وقبل الحلف كانت الدار في أيديهما نصفين فكذا بعد الحلف، وإن نكل قضي لمدعي الجميع بجميع الدار.
وإن أقاما البينة قضي لمدعي الجميع بجميع الدار؛ لأن مدعي النصف ادعى لنفسه نصف الدار وفي يده النصف، فانصرف دعواه إلى ما في يده، فلا يقبل بينته عليه، ومدعي الجميع ادعى جميع الدار، ونصفها في يد مدعي النصف فيسمع بينته فيه، ونصفها في يده ولم يسمع بينته إلا أن مدعي النصف لم يدع شيئًا من ذلك النصف لنفسه فيترك في يده، فصار جميع الدار لمدعي الجميع من هذا الوجه.
وإن كانت الدار في يد ثالث، والباقي بحاله، فإن لم يكن لهما بينة حلف على دعوى كل واحد منهما، فإن حلف برئ عن خصومتهما، وترك الدار في يده كما كان، وإن أقاما البينة قال أبو حنيفة تقسم الدار بينهما أرباعًا بطريق المنازعة، وقال أبو يوسف ومحمد: تقسم أثلاثًا بطريق العول والمضاربة.
دار في يدي رجل منها منزل في يدي رجل آخر منها منزل آخر ادعى أحدهما أن جميع الدار له، وادعى الآخر أن الدار بينهما نصفان، ولا بينة لهما حلف كل منهما على دعوى صاحبه، فإن حلفا فالمنزل الذي في يد مدعي الجميع يترك في يديه؛ لأنه برئ عن دعوى مدعي النصف بالحلف، فعاد الأمر إلى ما كان قبل الدعوى، ويقضى بنصف المنزل في يد مدعي النصف، ويترك نصف المنزل الذي في يد مدعي النصف في يده على حاله ويقضى بالساحة بينهما. أما القضاء له بنصف المنزل الذي في يد مدعي النصف إقرار بذلك له قال: الدار بيننا نصفان، وأما ترك النصف في يد مدعي النصف؛ لأنه برئ عن دعوى صاحبه في ذلك النصف، وعاد الأمر في ذلك النصف إلى ما كان قبل الدعوى، أما القضاء بالساحة بينهما لأن الساحة في أيديهما على الشيوع، فإنهما يستعملانها ويتصرفان فيهما على السواء.
فرق بين هذه المسألة وبينما إذا كانت الدار في أيديهما وليس في يد واحد منهما شيء بعينه، فقال أحدهما: الدار بينا نصفان، وقال الآخر: الدار كلها لي، فإنه يقضى لكل واحد منهما بما في يده، ولا يقضى لمدعي الجميع بشيء مما في يد المدعي النصف، وهاهنا قال: يقضى لمدعي الجميع بنصف المنزل الذي في يد مدعي النصف؛ لأن في تلك المسألة أمكن تصحيح إقراره من غير إثبات استحقاق شيء عليه؛ لأنه أقر لصاحبه بنصف شائع من الدار وفي يد صاحبه نصف شائع من الدار، وفي هذه المسألة لا يمكن تصحيح إقراره باستحقاق نصف المنزل الذي في يده من جملة الدار، وقد أقر له بنصف الدار شائعًا، فيكون مقرًا له بنصف هذا المنزل شائعًا فلهذا افترقا.
عاد إلى أول المسألة فقال: ادعى أحدهما جميع الدار وادعى الآخر نصفها، ولم يزد على هذا، يعني قال الآخر: نصف هذه الدار ولم يقل هذه الدار بيننا نصفان لا يقضى لمدعي الجميع بشيء مما في يد مدعي النصف، ولكن ما في يدي مدعي النصف يترك نصفه له، والنصف الآخر يكون موقوفًا إلى أن يقيم مدعي الجميع البينة، وإنما جاء الفرق؛ لأنه لما قال: الدار بيننا نصفان فقد أقر لصاحبه بنصف المنزل في يده، وإقرار الإنسان بما في يده صحيح.
وإذا قال: نصف الدار لي ما أقر لصاحبه بشيء من الدار إنما ادعى لنفسه النصف لا غير، وليس من ضرورة أن لا يكون له مازاد على النصف أن يكون ذلك لمدعي الجميع لجواز أن لا يكون ذلك له، ولا لمدعي الجميع بل يكون لغيرهما، وإن أقاما البينة في هذه الصورة قبلت بينة كل واحد منهما على ما في يد صاحبه ويقضى لمدعي الجميع بجميع المنزل الذي في يد مدعي الجميع.
دار سفلها في يدي رجل وعلوها في يدي رجل آخر، وطريق العلو في ساحة السفل ادعى كل واحد منهما أن جميع الدار له ولا بينة لهما، فإنه يقضى لصاحب العلو بالعلو بحق الممر في الساحة، ويقضى لصاحب السفل بجميع السفل وبرقبة طريق العلو ويجعل طريق العلو في حق الممر كأنه في يد صاحب العلو، وفي حق الرقبة كأنه في يد صاحب السفل.
هكذا ذكر المسألة في كتاب الدعوى وذكر هذه المسألة في كتاب الصلح وقال: يقضى بالساحة بينهما، وإنما الاختلاف لاختلاف الوضع، وضع المسألة في كتاب الدعوى أن جميع السفل كان في يد صاحب السفل فإنه قال: دار سفلها في يدي رجل والهاء كناية عن الدار، فقد جعل جميع السفل في يد صاحب السفل إلا أن صاحب العلو كان يمر في الساحة، فيقضى لصاحب السفل بجميع السفل إلا في حق المرور. وموضوع ما ذكر في كتاب الصلح أن في يد مدعي السفل منازل السفل، والساحة في أيديهما أمانة.
قال: في دار يسكن فيها رجلان أحدهما في منازل من السفل والآخر في علوها، فقد أشار إلى أن في يد صاحب السفل منازل السفل، فكأن يد صاحب السفل على الانفراد ثابتة على منازل السفل والساحة في أيديهما؛ لأنهما يستعملان الساحة استعمالًا على السواء، فيقضى بالساحة بينهما لهذا.
دار في يدي ثلاثة ادعى، أحدهم النصف، وادعى الآخر الثلث، وادعى الآخر السدس، وجحد بعضهم دعوى البعض ولا بينة لواحد منهم، فنقول: يجعل الدار في أيديهم أثلاثًا لاستوائهم في اليد، ويقضي لمدعي النصف، والثلث لكل واحد منهم بما في يد كل واحد منهما وهو الثلث، أما مدعي النصف فلأنه يدعي لنفسه ثلث الدار، وفي يده هذا المقدار، وقوله فيما في يده مقبول، وأما مدعي النصف فلأنه ادعى لنفسه نصف الدار وفي يده الثلث، فكان مدعيًا جميع ما في يده وزيادة سدس إلى تمام النصف مما في يد صاحبه، فيقبل قوله فيما في يده ولا تقبل فيما في يد صاحبه إلا ببينة، ويقضى لصاحب السدس بنصف ما في يده وهو سدس الدار ويوقف السدس لأنه ادعى لنفسه سدس الدار وفي يديه ثلث الدار، فكان مدعيًا لنفسه نصف ما في يده وقوله فيما في يده مقبول، وأما النصف الآخر الذي في يده لم يقر به لصاحب النصف، إنما أقر أنه ليس له وليس من ضرورة أن لا يكون له أن يكون لصاحب النصف لجواز أن لا يكون له أيضًا ويكون لغيره، فيوقف ذلك النصف عنده فإن أقام صاحب النصف.... سدس الدار؛ لأنه ادعى لنفسه نصفًا شائعًا، وقد تم له الثلث فبقي دعواه في سدس الدار، وذلك في يد صاحبه إذ ليس أحدهما يصرف دعواه إلى ما في يده أولى من الآخر.
دار في يدي رجلين ادعى أحدهما كل الدار، وادعى الآخر نصفها، وأقاما جميعًا البينة فشهد شهود صاحب النصف أن الدار كانت لأبيه، وأن الذي ادعى الجميع فصارت ميراثًا بينهما نصفان، وشهد شهود صاحب الجميع له بالجميع فإن الدار بينهما تكون أرباعًا؛ لأنهم لما شهدوا على الميراث، فقد شهدوا أن له النصف مما في يده ويد صاحبه؛ لأن الميراث في جميعها، فقد شهدوا له بنصف ما في يد صاحبه.
ولو شهد شهود صاحب النصف أن الدار بينه وبين صاحب الجميع نصفان اشتراها من فلان بينهما نصفان، وشهد شهود الآخر على الجميع، فإن الدار بينهما نصفان.
قال أبو حنيفة رحمه الله: في دار في يدي رجل نصفها، وادعى آخر نصفها وأقاما البينة، فالدار بينهما نصفان، ولم يجمع أبو حنيفة في هذه المسألة نصف كل واحد منهما في نصف الدار؛ فيجعل بينهما نصفان.
وإن أقام آخر بينة على جميعها فإنه يجمع نصيب صاحبي النصف في نصف الدار ويجعل لصاحب الجميع النصف خالصًا، ويجعل النصف الآخر بينهم، فقد ترك قوله في هذا، وكان ينبغي أن يضرب كل واحد من صاحبي النصف بالنصف في جميع الدار ويضرب الثالث بالجميع، فيكون نصفها لصاحب الجميع، ونصفها للآخرين نصفين.
وفي (نوادر هشام) قال: سمعت محمدًا يقول في دار في يدي آخرين ادعى أحدهما كل الدار وادعى الآخر أنها ميراث بينهما من أبيهما، قال: للذي ادعى كلها ثلاثة أرباع الدار النصف الذي في يديه ونصف ما في يد أخيه، وللآخر ربعها، فإن أقاما البينة على ما ادعيا صار النصف الذي في يد مدعي الكل ميراثًا، فيكون ذلك النصف بينهما نصفان، ويصير النصف الذي في يد مدعي الميراث للآخر فيكون لمدعي الكل ثلاثة أرباع الدار، ولمدعي الميراث ربعها، فإن جاء إنسان آخر وأقام البينة أنها داره فاستحقها ثم وهبها لمدعي الجميع، فلا شيء لأخيه فيها وإن وهبها لمدعي الميراث أخذ أخوه نصفها.
في (نوادر بشر) عن أبي يوسف: رجل أقام بينة على رجل أن له عليه ألف درهم، وأقام آخر بينة عليه أن تلك الألف بينهما نصفان، قال: في قول أبي حنيفة رحمه الله، للذي أقام البينة على الألف ثلاثة أرباع الألف، وللآخر ربعها، وقال أبو يوسف ومحمد: هي بينهما أثلاثًا.
وفي (المنتقى): دار في يدي رجل ادعى رجل أنها بينه وبين الذي في يديه نصفان، وجحد الذي في يديه، وادعى أن كلها له فسأل القاضي المدعي البينة على ما ادعى، فأقام البينة على أن هذه الدار كانت لأبيه فلان، مات وتركها ميراثًا له خاصة لا وارث له غيره، قال: إن لم يدع المدعي أن النصف خرج الى الذي الدار في يده بسبب من قبله فشهادة شهوده باطلة، وإن قال: قد كنت بعت نصفها بألف درهم، لم يصدقه القاضي على البيع ولم يجعله مكذبًا لشهوده، وقضي له بنصف الدار ميراثًا عن أبيه.
فإن أحضر بينة على أنه باع النصف من المدعى عليه بألف درهم، أو أنه صالحه من الدار على أن يسلم له النصف منها، قبلت بينته على ما ادعى من ذلك، وقضي بالدار كلها ميراثًا عن الولد، وقضي بنصفها للمدعي الآخر بيعًا من المدعي، إن كان ادعى البيع وكان للمدعي على المدعى عليه الثمن، وإن أقام البينة على ما ادعى من الصلح، أبطلت الصلح ورددت الدار كلها إلى المدعي لأنه لم يأخذ للنصف عوضًا، فإن قال المدعى عليه في الصلح حين أقام المدعي البينة عليه بالصلح: إن الصلح الذي ادعى لم يكن جائزًا في قوله، ولم أملك به من الدار وقد أقرّ أن لي نصف الدار، فأنا أحق بنصف الدار منه بحكم إقراره، لم يلتفت إلى قوله؛ لأن المدعي أقام البينة أن نصف الدار صار للمدعى عليه من وجه الصلح، فيجعل إقراره من قبل الصلح.
ألا ترى أن من باع دارًا من رجل بعبد وتقابضا، ثم قيل لبائع الدار لمن الدار، فقال: لفلان يعني المشتري منه، ثم إن بينته قامت على أن العبد حرّ أعتقه القاضي بحضرة بائع الدار، وقال بائع الدار: إنما أقررت لفلان بالدار، لأني كنت بعت منه الدار بالعبد، فالقاضي يجعل إقراره من قبل البيع ويرد الدار عليه، كذا في مسألتنا والله أعلم.

.الفصل التاسع: في دعوى الميراث:

......... إذا قال في دعواه: هذا العين ملكي ورثته عن أبي، أو قال: صار ميراثًا لي عن أبي، أو كان الشهود شهدوا أن هذا العين ملكه ورثته عن أبيه، أو قالوا: صار هذا العين ميراثًا له عن أبيه فالقاضي يسمع دعواه وتقبل شهادتهم، ولو شهدوا كان ملك أبيه إلى يوم موته، مات وترك ميراثًا لهذا المدعي، ولم يقولوا: وترك هذا العين أو تركه ميراثًا، فقد قيل: لا تقبل الشهادة ولابد من ذكر قوله: وترك هذا العين ميراثًا له، أو من ذكر قوله: وتركه، ولكن هذا ليس بصواب، فإنهم لو شهدوا أن هذا العين كان ملك أبيه إلى يوم موته، ولم يتعرضوا لشيء آخر فالقاضي يقبل شهادتهم، ويقضي بالدار ميراثًا نص عليه محمد في شهادات (الأصل)، والمسألة بتمامها مع فروعها مرت في كتاب الشهادات.
دار في يدي رجل أقام رجل البينة أن أبي اشترى هذه الدار من صاحب اليد بألف درهم، وقد مات، وصاحب اليد يجحد ذلك، قال: لا أكلفه البينة أن أبي مات وتركها ميراثًا لي، ولكن اسأله البينة أنهم لا يعلمون له وارثًا غيره، فإن أقامها أمرت صاحب اليد بدفع الدار إليه، وإنما لم يكلف إقامة البينة أن أباه مات وتركها ميراثًا له، لأنه لما ادعى على ذي اليد بيعه من أبيه فكل بائع مقر بالملك للمشترى منه صار دعواه بيع ذي اليد من أبيه بمنزلة دعواه إقرار ذي اليد بالملك لأبيه.
ولو ادعى إقرار ذي اليد بالملك لأبيه وأقام على ذلك بينة كفى ذلك حجة للقضاء، ولا يشترط فيه جر الميراث، بخلاف ما لو أقام البينة على نفس الملك للمورث لا إقراره بالملك للمورث، وهذا لأن دعوى الإقرار على ذي اليد في المسألة الأولى في ضمن دعوى البيع عليه والمدعي في هذه المسألة لا يدعي البيع على ذي اليد، فكان هذا في حق ذي اليد دعوى نفس الملك للمورث، فلابد من جر الميراث.
رجل في يديه دار يزعم أنه ورثها من أبيه جاء رجل وادعى أنه اشتراها من أبي ذي اليد في حال حياته، ولم يقل: وهو يملكها وكذلك الشهود في شهادتهم، لم يقولوا: وهو يملكها، فالقاضي يقضي بالدار للمدعي لأن صاحب اليد مقر بملك الأب حيث ادعى الإرث، وكذلك لو كان الأب حيًا وادعى المدعي الشراء من أبي ذي اليد، وذو اليد يدعي أن أباه وهبها له، فالقاضي يقضي للمدعي ببينته، وإن لم يقولوا في شهادتهم: وهو يملكها، وإنما يحتاج إلى قول الشهود في شهادتهم: وهو يملكها إذا لم يكن ذو اليد مقرًا بالملك للمدعى عليه الشراء بأن لم يدع التملك من جهته.
قال محمد رحمه الله في (الجامع): رجل في يديه دار ادعاها رجلان أحدهما ابن أخ الذي الدار في يديه ووارثه لا وارث له غيره، وأقام كل واحد من الرجلين شاهدين أن الدار دار أبيه مات، وتركها ميراثًا له لا يعلم له وارثًا غيره، فسمع القاضي بينتهما فقبل أن يزكيا مات العم الذي الدار في يديه، فإن القاضي يسلم الدار إلى ابن الأخ؛ لأنه وارث الميت فيقوم مقامه فيما كان في يده، كما يقوم مقامه في أملاكه، فإن سلم القاضي الدار الى ابن الأخ ثم زكيت البينتان، فالقاضي يقضي بالدار بين ابن أخ ذي اليد، وبين الأجنبي نصفان، وكان ينبغي أن يقضي بالدار كلها للأجنبي؛ لأن الأجنبي خارج وقت القضاء، وابن الأخ ذو اليد.
ألا ترى أن ابن الأخ لو أقام البينة على ما ادعى حال حياة العم، ولم يقم الأجنبي البينة ولم يقض القاضي ببينة ابن الأخ حتى مات العم، وسلم القاضي الدار إلى ابن الأخ، ثم أقام الأجنبي البينة عل ما ادعى فإنه يقضي ببينة الأجنبي؟ وكذلك إذا لم يقيما البينة حال حياة العم حتى مات العم، ثم أقاما البينة فإنه يقضى بالدار للأجنبي، لهذا إن الأجنبي خارج وقت القضاء حقيقة فهو خارج حكمًا.
وقد اختلفت عبارة المشايخ في بيان ذلك. فعبارة بعضهم، أن ابن الأخ لم يرث الدار من العم في هذه الصور والقاضي سلم الدار إلى ابن الأخ على وجه الحفظ بطريق النيابة عن العم لا على وجه الميراث، بيان هذا الكلام: أن الدار صارت مشغولة بحق الأجنبي حال حياة العم فإنه ثبت للأجنبي بإقامة بينة عادلة حق الملك في هذه الدار وبالتزكية ظهر أنها كانت عادلة، ولهذا لم يجز بيع المدعى عليه، وكون التركة مشغولة بحق الأجنبي يمنع الإرث كما لو كان فيها دين مستغرق للأجنبي، أو كان في الدار وصية، وإذا امتنع الإرث لحق الأجنبي، بقيت الدار على حكم العم كأن العم حي، ولو كان العم حيًا ودفع الدار إلى ابن الأخ على وجه الحفظ بطريق النيابة عن العم أليس أنه يقضي بالدار بينهما نصفان؟ واعتبر ابن الأخ خارجًا حكمًا في هذه الصورة، مع كونه صاحب اليد حقيقة ولكن تقرير هذه العبارة من وجه آخر، وسنذكر ذلك الوجه في تفريعات هذه المسألة إن شاء الله تعالى، وليس كما لو أقام ابن الأخ البينة حال حياة العم وأقام الأجنبي البينة بعد وفاة العم، فإن هناك يقضى بكل الدار للأجنبي، وتبطل بينة الأخ لأن هناك ابن الأخ وقت القضاء صاحب اليد حقيقة وحكمًا.
بيانه: أن هناك الدار حال موت العم مشغولة بحق ابن الأخ الذي هو وارث لا لحق الأجنبي، وشغل التركة بحق الوارث لا يمنع الإرث، ألا ترى أن الدين المستغرق للتركة لو كان للوارث لا يمنع ذلك جريان الإرث، فصارت الدار لابن الأخ وزال عن ملك العم ويده حقيقة وحكمًا، فصار الملك واليد لابن الأخ حقيقة وحكمًا، وبقي الأجنبي خارجًا حقيقة وحكمًا، وليس كما لو لم يقيما البينة حال حياة العم حتى مات العم ثم أقاما البينة لأن هناك الدار وقت موت العم لم تكن مشغولة بحق الأجنبي لأنه لم يوجد من الأجنبي إلا مجرد الدعوى وبه لا يثبت الحق، ولهذا أجري إقرار المدعى عليه بالمدعى به لغيره في هذه الصورة مجرى الإرث فصارت الدار مملوكة لابن الأخ، وصار هو صاحب اليد حقيقة وحكمًا.
وعبارة بعضهم: أن ابن الأخ وإن ورث الدار من العم وصار ذو اليد حقيقة، فقد بقي خارجًا حكمًا ومعنىً، بيانه: أنه لم يملك الدار على الوجه الذي ادعى وأراد، فإنه ادعى أن هذه الدار موروثة له من جهة الأب لا من جهة العم وله في هذه الدعوى فائدة بعد موت العم حتى لا يتعلق بهذه الدار حقوق العم متى ظهر دين أو وصية، ولم يحصل هذا المقصود لابن العم بموت العم وصورة الدار ميراثًا له فبقي محتاجًا إلى إثبات ما ادعى بالبينة لكونه ثابتًا بظاهر يده.
وليس كما لو لم يقيما البينة حال حياة العم حتى لو مات العم ثم أقاما البينة، فإن هناك يقضي ببينة الأجنبي، ولم يجعل ابن الأخ خارجًا، وإن كان محتاجًا إلى إثبات ما ادعاه بالطريق الذي قلنا لأنا إنما يعتبر للحاجة إلى إثبات المدعي في جانب الأخ إذا كان لابن الأخ منازع في هذه الدار وقت موت العم ثبت لمنازعه نوع خصوصية بهذه الدار من بين سائر الناس، بأن أقام شاهدًا واحدًا لأن بإقامة شاهدين يثبت له حق الملك، وبإقامة شاهد واحد صار بحال إذا أقام شاهدًا آخر، يستحق الدار وقت موت العم، لم يثبت له نوع خصوصية من بين سائر الناس بأن وجد مجرد الدعوى لا يعتبر مقصود ابن الأخ في هذه الحالة فلا تقبل بينته، وهذا لأن ما هو مقصود ابن الأخ مما ادعى قد يحتاج إليه ابن الأخ بأن ظهر على العم دين أو وصية، وقد لا يحتاج إليه ابن الأخ بأن لا يظهر عليه دين أو وصية، وقد يظهر وقد لا يظهر فوجب مراعاة مقصوده في حال دون حال، مراعيًا من الوجه الذي بينا، وليس كما لو أقام ابن الأخ البينة على ما ادعى حال حياة العم، ولم يقم الأجنبي بينة، فإنه يقضي بالدار كله للأجنبي لأنه لم يثبت لمنازعه، وهو الأجنبي وقت موت العم نوع خصوصية بهذه الدار من بين سائر الناس لأنه لم يوجد منه إلا مجرد الدعوى، وفي هذه الحالة لا يعتبر مقصوده، وإذا لم يعتبر اعتبر هو ذو اليد حقيقة وحكمًا، فيقضي ببينة الأجنبي بعد ذلك بينة على ابن الأخ أن الدار داره، ورثها من أبيه وأراد أخذ ما صار لابن الأخ، لم يكن له ذلك لأن كل واحد منهما أقام البينة على كل الدار، ولولا بينة صاحبه لما حرم من النصف، فعلم أن كل واحد منهما صار مقضيًا عليه فيما صار لصاحبه بالقضاء، وبينة المقضي عليه فيما صار مقضيًا عليه، لا تقبل إلًا إذا ادعى تلقي من جهة المقضي له، ولم يوجد هاهنا.
فلو أن القاضي زكى شهود الرجل الأجنبي بعد موت العم ولم يزك شهود ابن الأخ، قضي بالدار كلها للأجنبي؛ لأن حق الأجنبي قد ظهر من كل وجه وحق ابن الأخ عسى يظهر وعسى لا يظهر، وليس لظهوره وقت معلوم، فيقضى بالدار كلها للرجل الأجنبي لهذا، وتبطل بينة ابن الأخ حتى إذا ظهرت عدالتهم لا يقضى له بشيء ما لم يقم البينة ثانيًا، لأن القاضي لما قضى بالدار كلها للأجنبي بالدليل الذي ذكرنا، مع قيام ما يوجب القضاء بالنصف لابن الأخ وهو شهادة شهود ابن الأخ يضمن القضاء بالدار كلها للأجنبي إبطال بينة ابن الأخ، وللقاضي ولاية إبطال البينة إذا لاح له دليل الإبطال.
والقاضي إذا أبطل البينة في حادثة لا يجوز القضاء بها في تلك الحادثة أبدًا، فإن جاء ابن الأخ بعد ذلك بشهود شهدوا أن هذه الدار داره ورثها من أبيه، قبل القاضي شهادته وقضى بكل الدار للأجنبي سواء جاء بشهود آخرين أو جاء بتلك الشهود، لأنه لو لم تقبل شهادة شهوده إنما لا تقبل لصيرورته مقضيًا عليه ببينة الأجنبي، ولا وجه إليه؛ لأن بينة الأجنبي قامت على العم لا على ابن الأخ، وهذا الجواب ظاهر فيما إذا جاء بشهود آخرين مشكل فيما إذا جاء بتلك الشهود.
وينبغي أن لا تقبل شهادتهم في هذه الصورة لأن القاضي أبطل شهادتهم في عين هذه الحادثة، والقاضي متى أبطل شهادة الشهود في حادثة، لا تقبل شهادتهم في عين تلك الحادثة، وإن صاروا عدولًا، والجواب عن هذا الإشكال من وجهين:
أحدهما: أن القاضي ما رد شهادتهم لتهمة الكذب بل ضرورة القضاء تلك الدار للأجنبي، ورد الشهادة إذا لم يكن لتهمة الكذب لا يمنع قبولها بعد ذلك.
والثاني: إن كان رد الشهادة لتهمة الكذب ولكن هذه حادثة أخرى غير تلك الحادثة؛ لأن المشهود عليه في الكرة الأولى العم والمشهود عليه في الكرة الثانية ابن الأخ، والشهادة متى ردت لتهمة الكذب لا يمنع قبولها بعد ذلك، أنا لا أقبل تلك الشهادة في عين تلك الحادثة لا في حادثة أخرى، ألا ترى أن الفاسق إذا شهد وردت شهادته في باب، وشهد في المشهود له في حادثة أخرى قبلت شهادته؟ كذا هاهنا.
فإن قال الأجنبي بعد ذلك: أنا أعيد البينة على ابن الأخ أن الدار داري ورثتها، فالقاضي لا يقبل بينته لأنه صار مقضيًا عليه من جهة ابن الأخ.
قال: ولو أن القاضي زكّى شهود ابن الأخ بعد موت العم، وما زكى شهود الأجنبي قضي بكل الدار لابن الأخ، وبطلت بينة الأجنبي حتى لو زكيت شهوده بعد ذلك، لا يقضى له بشيء لما قلنا في جانب ابن الأخ، فإن أعاد الأجنبي البينة على ابن الأخ بعدما قضى القاضي لابن الأخ قضي للأجنبي، فإن قال ابن الأخ: أنا أعيد البينة على الأجنبي لم يلتفت القاضي إليه لما قلنا.
قال: فإن أقام الأجنبي البينة حال حياة العم أن الدار داره ورثها من أبيه ولم يقم ابن الأخ البينة على دعواه حتى مات العم صارت الدار في يد ابن الأخ بحكم الميراث، ثم أقام ابن الأخ البينة على دعواه، وزكيت بينتهما قضي بالدار بينهما، وإن صار اليد لابن الأخ لما ذكرنا من العبارتين.
وقد ذكرنا قبل هذا في عبد في يدي رجل أقام رجل بينة أنه عبده اشتراه من ذي اليد بكذا، ونقده، وأقام ذو اليد بينة أنه عبد فلان الغائب أودعه إياه، لا تندفع الخصومة عن ذي اليد لأنه انتصب خصمًا بدعوى الفعل، فلو أن القاضي لم يقض ببينة مدعي الشراء حتى حضر المقر له وصدق ذو اليد في إقراره، فإنه يدفع العبد إليه فإن زكيت بينة مدعي الشراء يقضى لمدعي الشراء بالعبد على المقر له، فلو أن المقر له أقام البينة أن العبد عبده، كان أودعه الذي كان العبد في يده يقضى بالعبد كله للمقر له وتبطل بينة مدعي الشراء.
وذكرنا ثمة عن الفقيه محمد بن حامد رحمه الله أن ابن سماعة كتب إلى محمد في مسألة العبد، ولم يذكر ثمة كيفية المكتوب، وكان كيفية المكتوب: ما بال الغائب المقر له إذا أقام البينة أن العبد عبده أودعه المقر قضيتم بالعبد له، ولم تقضوا بها بينه وبين المدعي الشراء نصفان، وأنتم جعلتم اليد للمقر في الحكم، وإن كان العبد في يد الغائب للمقر له، وإذا جعلتم اليد للمقر صار الغائب مع مدعي الشراء خارجين مدعيان على ذي اليد عبدًا أو دارًا.
وذكرنا أن ابن سماعة استشهد بمسألة تأتي بعد هذا، وهي هذه المسألة، ابن سماعة فكتب إلى محمد رحمه الله أن الأمر كما تقول: أن العبد يقضى بين المقر له وبين المدعي للشراء نصفين، كما في هذه المسألة التي وقع الاستشهاد بها، وذكرنا ثمة أن القاضي أبا الهيثم كان يصحح جواب محمد في مسألة العبد أنه يقضي بالعبد كله للمقر له، وذكرنا وجه ذلك: أن مدعي الشراء يدعي الاستحقاق من جهة صاحب اليد الأول، والغائب المقر له يدعي الاستحقاق من جهة صاحب اليد الأول، لهذا يثبت الترجيح لبينة الغائب المقر له، وبهذا الحرف يقع الفرق بين مسألة العبد وبين مسألتنا هذه، لأن الأجنبي مع ابن الأخ كل واحد منهما يدعي الاستحقاق على العم، ولا يدعي أحدهما استحقاقًا على صاحبه وصاحبه من جهته، حتى يترجح وبين ابن الأخ نصفان من هذا الوجه.
ومن مشايخنا من اتبع القاضي أبا الهيثم في تصحيح جواب محمد أنه يقضى بالعبد كله للمقر له، وذكر بين مسألة العبد وبين مسألتنا فرقًا آخر.
فقال: المقر له في مسألة العبد غير محتاج إلى إثبات ملكه في العبد بعدما أقر له ذو اليد؛ لأن العبد صار ملكًا له على الوجه الذي ادعى بإقرار ذي اليد، فاستغنى عن إثبات الملك لنفسه، إنما حاجته إلى أن يبين أن بينة مدعي الشراء قامت على غير خصم، حتى يبطل بينته، فإن لذي اليد أن يطعن في بينة الخارج حتى يبطل بينته، وقد بين المقر له بما أقام من البينة، أن بينة مدعي الشراء قامت على غير خصم لأنها قامت على مودعه، والمودع لا يكون خصمًا فيما يستحق على صاحب الوديعة، فبطلت بينة المشتري إلا أن يعيدها ثانية على المقر.
فأما في مسألتنا هذه، الدار وإن صارت لابن الأخ بعد موت العم إلا أنها لم تصر له على الوجه الذي أراد وادعى على ما مر بيانه، فبقي محتاجًا إلى إثبات ما ادعى فاعتبر خارجًا معنىً، والأجنبي خارج حقيقةً، فقضي بالدار بينهما، ولو أقام كل واحد منهما شاهدًا واحدًا حال حياة العم، ثم مات العم وصارت الدار ميراثًا لابن الأخ ثم أقام كل واحد منهما شاهدًا آخر، وزكيت البينتان قضي بالدار بينهما نصفان، وهذا الجواب لا يشكل على الوجه الثاني؛ لأن ابن الأخ على الوجه الثاني اعتبر خارجًا وإن ملك الدار بالإرث على ما مرّ.
أما يشكل على الوجه الأول؛ لأن بإقامة الأجنبي شاهدًا واحدًا لا يثبت له حق الملك في الدار حتى يمتنع الإرث في الدار بحق الأجنبي، فيصير الدار ميراثًا لابن الأخ فيعتبر هو ذو اليد، والوجه في ذلك أن نقول: بإقامة الشاهد الواحد إن كان لا يمتنع الإرث في الدار لابن الأخ من حيث إنه لم يثبت للأجنبي حق الملك في الدار يمنع الإرث له من وجه آخر حتى لا يبطل ما أقام الأجنبي من الشاهد الواحد بمجرد قول ابن الأخ الذي يحتمل الصدق والكذب.
بيانه: أن شهادة الشاهد الواحد من الأجنبي انعقدت معتبرة في الجملة، فلو ورث ابن الأخ الدار من العم، وصار ذو اليد لابد وأن يقبل قوله إنه ورثها من أمه لا من عمه، لأن قول الإنسان في ملكه مقبول في بيان جهة الملك واليد.
....... هذا العبد الذي في يديك عبدي وهبه لي عبد الله، وصدقه عبد الله، وكذبه ذو اليد ثم إن هذا الرجل اشترى هذا العبد من ذي اليد حتى ملكه، يجعل العبد في يده بحكم الهبة له من عبد الله، حتى كان لعبد الله أن يرجع فيه، فيثبت أن قول الإنسان في ملكه مقبول من جهة الملك، فيقبل قوله: إنه ورثها من أبيه ومتى قبل قوله: إنه ورثها من أبيه لا من عمه، يبطل ما أقام الأجنبي من الشاهد الواحد، ويلزمه الإعادة ثانيًا؛ لأنه لم يقم مقام العبد في هذه الدار حتى يجعل إقامة الشاهد الواحد على العم كإقامته عليه، إنما قام مقام أبيه في هذه الدار، ولم يقم للأجنبي الشاهد على أبيه إنما أقامه على عمه، فيبطل ما أقام الأجنبي من الشاهد هذا الواحد بمجرد إقرار ابن الأخ الذي هو محتمل للصدق والكذب، فلهذه الضرورة امتنع الإرث والتقريب ما ذكرنا.
قال: ولو كان كل واحد منهما أقام شاهدًا واحدًا على العم، فلما مات العم أقام الأجنبي شاهدًا آخر، فزكي شاهداه، وقضى القاضي له بالدار، ثم إن ابن الأخ أقام شاهدًا آخر على حقه مع الشاهد الأول، فالقاضي لا يلتفت إلى ذلك لأن ما أقام ابن الأخ من الشاهد الواحد على العم قد بطل بقضاء القاضي للأجنبي ببينته، ألا ترى أنه لو كان أقام شاهدين على العم تبطل شهادتهما بقضاء القاضي للأجنبي بالدار؟ فأولى أن يبطل الشاهد الواحد، فإن أعاد ابن الأخ الشاهدين على الأجنبي، قضي له بالدار؛ لأنه لم يصر مقضيًا عليه ببينة الأجنبي لأن بينة الأجنبي قامت على العم، وابن الأخ لا يدعي تلقي الملك من جهة العم إنما يدعي ذلك من أبيه.
قال محمد رحمه اللّه في (الجامع) أيضًا: دار في يدي رجل يدعي أنها داره، فأقام رجل بينة أنها داره ورثها من أبيه فلان مات وتركها ميراثًا له ولأخيه هذا الذي الدار في يديه لا وارث له غيرهما، وذو اليد يجحد، ويدعي أنها داره، وزكيت البينتان، ذكر أنه يقضى بالدار بين الخارج الأجنبي وبين أخي ذي اليد أرباعًا، ثلاثة أرباعها للخارج الأجنبي وربعها لأخي ذي اليد، ولا شيء لذي اليد، هكذا ذكر في الكتاب من غير ذكر خلاف.
ومن مشايخنا من قال: ما ذكر في الكتاب قول أبي حنيفة رحمه الله، أما على قولهما: يجب أن يقضى بالدار بينهما أثلاثًا، ثلثاها للخارج الأجنبي، وثلثها لأخي ذي اليد، وهذا القائل جعل هذه المسألة فرعًا لمسألة أخرى ذكرها في كتاب الدعوى.
وصورتها: رجل في يديه دار تنازع فيها رجلان أحدهما ادعى كلها وادعى الآخر نصفها، وأقاما جميعًا البينة، ذكر أن الدار تقضى بينهما أرباعًا عند أبي حنيفة على طريق المنازعة، وعندهما يقضى بينهما أثلاثًا على طريق المضاربة، فهاهنا يجب أن يكون كذلك لأن الخارج الأجنبي ادعى لنفسه كل الدار وأخو ذي اليد برواية ابن سماعة في (نوادره) عن محمد: أن القاضي يقضي بالدار بين الخارج الأجنبي، وبين أخي صاحب اليد أرباعًا.
وبيان ذلك: أن الأجنبي مع أخي ذي اليد كل واحد منهما يدعي جميع الدار لأبيه لأنه يدعي الملك لنفسه بطريق الميراث، وصح دعوى أخي ذي اليد جميع الدار لأبيه، كما صح دعوى الأجنبي لأن أحد الورثة ينتصب خصمًا عن الميت فيما يستحق له، وإذا صح دعوى كل واحد منهما جميع الدار صار كأن أبا كل واحد منهما حيّ وادعى لنفسه كل الدار، وشهد الشهود له بذلك، وهناك يقضى بالدار بين الأبوين نصفان فكذا هاهنا يكون نصف الدار لأبي الأجنبي، والنصف لأبي أخي ذي اليد، إلا أن أخا ذي اليد لا يدعي لنفسه من النصف الذي صار لأبيه إلا نصفه، وهو ربع الكل، فإن في زعمه أن هذا النصف له ولأخيه لكل واحد نصفه وهو ربع الكل، وأخوه لا يدعي ذلك الربع لنفسه فيستحقه الأجنبي؛ لأن الأجنبي أثبت كل الدار لنفسه لكن لم يقض له بجميع الدار بمنازعة أخي ذي اليد إياه، ولا منازعة لأخي ذي اليد معه إلا في مقدار الربع، فيسلم ما وراء الربع للأجنبي بخلاف مسألة الدعوى، لأن هناك مدعي الجميع يدعي لنفسه كل الدار ومدعي النصف يدعي النصف لا غير، فكانت المسألة على الخلاف، أما هاهنا بخلافه.
فإن أراد ذو اليد أن يدخل مع أخيه في الربع الذي صار له، وقال له: قد أقررت أن النصف الذي أصاب أبونا من هذه الدار بيني وبينك نصفان، فما ورد عليه الاستحقاق يكون مستحقًا على الكل وما بقي يبقى على الكل، فليس له ذلك لأن من حجة أخيه أن يقول: الاستحقاق ورد عليك لأن الاستحقاق ورد عليك بجحودك، وجحودك حجة في حقك خاصة دون غيرك. فهو بمنزلة نصراني مات عن ابنين ثم أسلم أحدهما، ثم شهد نصرانيان على الميت بدين، فإنه يستوفى كله من نصيب الابن النصراني ولا يرجع هو على أخيه بشيء؛ لأن الاستحقاق وقع عليه بما هو حجة في حقه دون غيره، أو نقول بعبارة أخرى، الأخ يقول لذي اليد: الاستحقاق ورد عليك لأنك كنت ذا اليد، أما أنا فكنت خارجًا، وما كان للقاضي.
...... يقضي بنصيبي لاستوائنا في كوننا خارجين، أو نقول بعبارة أخرى يقول لذي اليد: قضاء القاضي بالربع للأجنبي انصرف إلى نصيبك خاصة لأن تصحيح قضاء القاضي واجب ما أمكن، وإنما يصح قضاء القاضي لكل الربع إذا كان كل الربع لذي اليد، أما إذا كان مشتركًا بينه وبين أخيه لا يصح في نصيب أخيه لأن الأجنبي صار مقضيًا عليه فيما صار لأخي ذي اليد بالقضاء وبينة المقضي عليه لا تسمع على المقضي له إلا إذا ادعى تلقي الملك من جهة المقضي له، فعلم أن القضاء انصرف إلى نصيب ذي اليد خاصة.
قال: ولو كان الذي في يديه الدار أقر أنه ورثها من أبيه بعدما أنكر الوراثة وبعدما أقاما البينة، فالجواب فيه والجواب فيما إذا لم يقر بالوراثة سواء، يقضى بثلاثة أرباع الدار للأجنبي، وبربعها لأخي ذي اليد لأن إقراره لم يصح في حق أخيه؛ لأن أخاه استحق ربع الدار بالبينة، وبإقرار صاحب اليد يبطل ذلك الاستحقاق؛ لأنه يصير صاحب اليد مع صاحب اليد لأن التركة في يد أحد الورثة كأنها في يد الكل خصمًا على ما عرف، وبينة ذي اليد في دعوى الملك المطلق والميراث مع بينة الخارج لا تقبل عندنا، فلم يصح إقرار ذي اليد في حق أخيه وصار وجوده والعدم بمنزلة، ولو انعدم إقراره أليس أنه يقضى بالدار بينهما أرباعًا؟ فكذا هاهنا.
وإن كان إقرار ذي اليد بالوراثة قبل إقامتهما البينة، ثم أقاما البينة يقضى بكل الدار للأجنبي؛ لأن إقرار ذي اليد في هذه الصورة صحيح في حق أخيه؛ لأنه لا يبطل عليه حقه لأن بمجرد الدعوى لا يستحق شيئًا، فإذا صح إقراره في حق أخيه صارا جميعًا ذا اليد على ما ذكرنا، فكان بينة الخارج أولى، فلهذا قضى بجميع الدار للأجنبي.
قال: ولو كان ذو اليد من الابتداء ادعى أن هذه الدار كانت لأبيه مات وتركها ميراثًا بينه وبين أخيه فلان، وأخوه غائب، فأقام الأجنبي البينة على أنها داره ورثها من أبيه، وقضى القاضي بالدار للأجنبي ببينته، ثم حضر أخو ذي اليد وأقام البينة أن الدار كانت لأبيه فلان، مات وتركها ميراثًا بينه وبين أخيه ذي اليد، فإن القاضي لا يقبل بينته؛ لأن إقرار صاحب اليد قبل إقامة الأجنبي البينة صحيح في حق أخيه على ما مرّ، وثبت بإقراره كون الدار ميراثًا بينه وبين أخيه الغائب، وأحد الورثة ينتصب خصمًا عن الميت، فصار الغائب مقضيًا عليه على ذي اليد، فلا تقبل بينته بعد ذلك، وإن كان إقرار ذي اليد أن الدار ميراث بينه وبين أخيه الغائب فلان بعدما أقام الأجنبي عليه البينة أنها داره ورثها من أبيه وقضى القاضي عليه للأجنبي لكل الدار؛ ثم حضر أخو ذي اليد وأقام البينة على أن الدار كانت لأبيه مات وتركها ميراثًا بينه وبين أخيه، قبل القضاء ببينته؛ لأن إقرار ذي اليد على أخيه في هذه الصورة لا يصح لأن الأجنبي ببينته استحق القضاء على صاحب اليد بجميع الدار على أن يكون المقضي عليه صاحب اليد لا غير، فذو اليد بإقراره بعد ذلك يريد أن يجعل أخاه مقضيًا عليه أيضًا على ما ذكرنا وفي ذلك ضرر على أخيه لأنه لا يسمع بينته حتى حضر، فلم يصح إقرار ذي اليد على أخيه ولم يصر الأخ مقضيًا عليه، فتقبل بينته كما تقبل بينة أجنبي آخر، ثم يقضى له بنصف الدار لأنه لا يدعي لنفسه إلا نصف الدار.
قال: إذا كانت الدار في يدي رجل يدعي أنها له لا حق لأحد فيها، جاء رجل فادعى أنها داره ورثها من أبيه، وأقام على ذلك بينة، قضى القاضي بالدار للمدعي ودفعها إليه، ثم حضر أخو الذي كانت الدار في يديه، وأقام بينة أن الدار كانت لأبيه مات وتركها ميراثًا له ولأخيه فلان الذي كانت الدار في يديه، فالقاضي يقضي بنصف الدار لأخي ذي اليد، ويدع نصف الدار على حاله في يد المقضي عليه، وإنما قبل ببينته؛ لأنه لم يصر مقضيًا عليه بالقضاء على أخيه ذي اليد لما جحد ذو اليد كون الدار ميراثًا، وإنما قضي له بنصف الدار؛ لأنه لا يدعي لنفسه إلا نصف الدار، فإن أراد ذو اليد أن يدخل على أخيه في النصف الذي قضي له ليس له ذلك لما ذكرنا.
إذا كانت الدار بين ثلاثة نفر غير مقسومة مات أحدهم، فأقام رجل البينة أنه أخو الميت ووارثه لا يعلمون له وارثًا غيره، وقضى القاضي له بنصيب الميت، ثم جاء رجل آخر وادعى أنه ابن الميت، وكذبه الأخ، وصدقه الشريكان في الدار، فأراد أن يدخل في نصيبهما لما أنهما أقرا بشركته في الدار ليس له ذلك، وكذلك لا يدخل في نصيب الأخ المقضي له بنصيب الميت، أما لا يدخل في نصيب الأخ؛ لأن ذلك صار ملكًا له ظاهرًا بحكم القضاء، والملك الثابت للإنسان لا يستحق إلا بإقراره أو ببينة تقوم ولم يوجد شيء من ذلك هاهنا.
فلو قيل: وجدت البينة هاهنا لأن الشريكان شهدا بذلك له، قلنا: المذكور في (الكتاب): أنهما أقرا بذلك لا أنهما شهدا به، وإقرار الإنسان ليس بحجة على غيره، وأما لا يدخل في نصيب الشريكين وإن أقر أن له شركة في الدار؛ لأنهما أقرا له بنصيب الميت، ونصيب الميت كله صار للأخ بقضاء القاضي؛ لأن قضاء القاضي انصرف إلى نصيب الميت تصحيحًا للقضاء، فإنما أقرا له بما في يد الأخ لا بما في أيديهما، فلا يكون له أن يدخل في نصيبهما.
قال في (الكتاب): ألا ترى أن رجلًا لو أقام بينة أنه اشترى من الميت في حياته نصيبه بألف درهم، ونقد الثمن، وقضى القاضي له بذلك وجحد وارث الميت أن البيع لم يكن وأن المدعي مبطل في دعواه، وأن شهوده شهدوا بزور، أكان للوارث أن يدخل في نصيب الشريكين؟ لا شك أنه ليس له ذلك؛ لأن الثابت بالبينة كالثابت عيانًا ولو عاينا أن الميت باع نصيبه من الدار لا يكون لوارث الميت أن يدخل فيما في يد الشريكين لأن البيع انصرف إلى نصيبه خاصة فلم يكن له أن يدخل بعد هذا فيما في يد الشريكين، فكذا إذا انصرف القضاء إلى نصيب الميت لا يكون للابن أن يدخل في نصيب الشريكين، قال: ولو كان الأخ أخذ نصيب الميت بغير قضاء بأن غلب عليه وأخذه، ثم جاء رجل وادعى أنه ابن الميت وصدقه الشريكان في ذلك، وكذبه الأخ، دخل الابن في نصيب الشريكين لما ذكرنا أن قضاء القاضي انصرف إلى نصيب الميت خاصة، ولما يميز نصيب الميت عن نصيب الشريكين كان إقرار الشريكين للأب بنصيب الميت لا بما في أيديهما، فلا يكون له حق المشاركة فيما في يد الشريكين، وهو قضاء القاضي، فبقيت الدار مشاعًا بينهم فما نوى منها بالاستيلاء للأخ عليها ينوى على الشركة، وما بقي يبقى على الشركة، هذا هو الحكم في المال المشترك إذا ذهب منه شيء، وإذا كان الباقي على الشركة بين الشريكين وبين الميت فنقول: الشريكان أقرا بما هو للميت في أيديهما لمدعي البنوة فيصير ذلك له بإقرارهما فيدخل على ما في يد الشريكين لهذا.
قال: ولو أن الدار كانت في يد الثلاثة فمات واحد وأقام رجل البينة أنه أخ الميت ووارثه لا وارث له غيره، وقضى القاضي بالثلث لهذا الأخ ثم إن هذا الأخ، مع الشريكين اقتسموا الدار بقضاء أو بغير قضاء، وأخذ كل واحد منهم منزلًا منها؛ ثم جاء رجل وادعى أنه ابن الميت وصدقه الشريكان في ذلك، وكذبه الأخ فإن الابن يدخل مع الشريكين فيما في أيديهما فرق بين هذا وبينما قبل القسمة، وقد أخذ الأخ نصيب الميت بقضاء القاضي فإنه لا يدخل الابن في نصيب الشريكين لأنهما أقرا له بنصيب الميت؛ ونصيب الميت في يد الأخ ليس في يد الشريكين من ذلك شيء، فأما بعد القسمة وصل إلى كل واحد من الشريكين ثلث ما كان من نصيب الميت لأن كل منزل أخذه كل واحد من الشريكين بالقسمة على ثلاثة أسهم، سهم من ذلك ملكه في الأصل، وسهم منه من نصيب شريكه بإزاء ثلث منزل تركه على شريكه من نصيبه، وسهم منه من نصيب الأخ ملكه بإزاء ما تركه على الأخ من نصيبه، فإذا أقر بالابن فقد أقر أن الثلث مما في أيديهما له فيؤمران بالتسليم إليه.
وإنما قلنا: بأنه وصل إلى كل واحد من الشريكين ثلث ما كان من نصيب الأخ لأن القسمة في الأشياء المتفاوتة إقرار لعين الحق من وجه ومبادلة من وجه، إقرار من حيث أن القسمة في الأصل وضعت لإقرار الأنصباء كما في قسمة المكيلات والموزونات، ولهذا يجبر كل واحد من الشركاء على القسمة ومبادلة من حيث أن ما يأخذ كل واحد من الشركاء بعضه ملكه في القديم وبعضه ملك صاحبه ملكه بإزاء البعض الذي تركه على صاحبه من ملكه، وهذا هو معنى المبادلة والعمل بمعنى المبادلة والإقرار متعذر في حق كل شخص لمكان التنافي، فاعتبرنا معنى الإقرار في حق الشركاء؛ فأجبرنا كل واحد منهم على القسمة، واعتبرنا معنى المبادلة في حق الثالث.
إذا ثبت هذا فنقول: الابن المقر له ثالث، فيعتبر القسمة مبادلة في حقه كأن كل واحد منهما اشترى ثلث المنزل الذي أصابه بالقسمة من الأخ بثلث المنزل الذي تركه عليه، فوجب على كل واحد منهما تسليم ثلث المنزل الذي أصابه بالقسمة إلى الابن.
فإن قيل: هذه القسمة كما اعتبرت إقرارًا في حق الشركاء اعتبرت إقرارًا في حق الثالث، ولم تعتبر مبادلة، ألا ترى أنه لا يتجدد للشفيع حق الشفعة، فإن من باع نصف الدار شائعًا وله شفيع فسلم الشفيع الشفعة، ثم إن المشتري قاسم البائع، لا يتجدد للشفيع حق الشفعة في الربع الذي ملكه المشتري من نصيب البائع بإزاء الربع الذي تركه على البائع، ولو اعتبر مبادلة يتجدد للشفيع حق الشفعة والدليل عليه: أن ليس للشفيع نقض قسمة المشتري، ولو اعتبر مبادلة في حق الثالث، كان للشفيع حق نقضها كما كان له حق نقض بيعه.
قلنا: إنما لم يتجدد للشفيع حق الشفعة لأن حالة القسمة كان المشتري المقاسم شريكًا في الدار، والشفيع جار، والشريك متقدم على الجار، وإنما لا يكون للشفيع أن ينقض القسمة لأن نقضها لا يفيد لأنه لو نقضها احتجنا إلى إعادتها ثانيًا، والثاني: أن القسمة مما يؤيد قبض المشتري لأنها من تمام القبض؛ لأن قبل القسمة يكون المقبوض بعضه حقه وبعضه حق غيره، وبالقسمة يصير المقبوض كله حقه، وليس للشفيع أن ينقض قبض المشتري حتى يأخذ الذكر من البائع ليكون العهدة له على البائع من حيث إن البائع.... من المشتري، فكذا لا يكون له نقض ما يؤكده.
فإن قيل: ما ذكرتم أن القسمة في الأشياء المتفاوتة يعتبر مبادلة في حق الثالث مستقيم على قول محمد، غير مستقيم على قول أبي حنيفة وأبي يوسف، فقد ذكرنا في كتاب الإقرار: إذا كانت الدار بين رجلين نصفين، وأوصى أحدهما بمنزل بعينه من الدار للمشتري ثم مات الموصي فاقتسم شريك الموصي مع ورثة الموصي؛ إن وقع المنزل الموصى به في قسم ورثة الموصي فإنه تصح الوصية في جميع المنزل على قول أبي حنيفة وأبي يوسف: إذا كان جميع الدار يخرج من ثلث ماله، وإن وقع في نصيب شريك الموصي، كان للموصى له بالميراث أن يأخذ جميع ذرعان المنزل الموصى به من ثلث ماله على قولهما.
ولو كانت هذه القسمة مبادلة في حق الثالث والموصى له ثالث؛ كان يجب أن يقال: بأنه إذا وقع المنزل الموصى به في نصيب ورثة الموصي أن تصح الوصية في نصف المنزل الموصى به، كما قال محمد، لأن نصف المنزل الموصى به ملك الموصي وقت الوصية، ونصفه ملك شريكه، ملكه بإزاء نصف المنزل الذي تركه على شريكه بالقسمة.
ومن أوصى بعين لا يملكه ثم ملكه فإنه لا يصح الوصية به، وإن ملكه بعد ذلك إلا أن تكون الوصية مضافة إلى حالة الملك، بأن قال: إن ملكت هذا العين فهو وصية لك، ثم ملك العين، والوصية هاهنا غير مضافة إلى الملك، وقد قالا: بأنه يصح في جميع المنزل إذا وقع في نصيب شريكه كان يجب أن يقال: يستحق الموصى له الأخذ بنصف ذرعان المنزل لا بجميعه، لأن نصف ما أصاب ورثة الموصي بدل المنزل الموصى به؛ لأن نصف المنزل الموصى به كان ملكًا للموصي، ونصفه ملك شريكه وهو إنما يستحق البدل بإزاء ما كان ملكًا له، لا بإزاء ما كان ملك شريكه.
والأصل أن من أوصى بعين ملكه، ثم زال ملكه عن العين من غير اختياره، وأخلف بدلًا تتعلق الوصية ببدله، كما لو أوصى بعبد بعينه لإنسان، فقتل قبل موته خطأ حتى وجبت القيمة بجواب الوصية إلى بدله، فكذا هاهنا تتحول الوصية إلى بدل النصف الذي كان ملكًا له، فأما النصف الآخر من المنزل الموصى به كان ملك شريكه فالوصية بذلك النصف حصل في ملك الغير والوصية في ذلك الغير لا تصح لا في عينه ولا في شيء آخر، فكيف يستحق الموصى له الأخذ بذرعان ذلك النصف؟ قلنا: من المشايخ من قال: مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف أن هذه القسمة إقرار محض والبدل بمنزلة الوصية، وهذا القائل يقول: ما ذكره في (الجامع) قول محمد لا قولهما، وبعد أن سلم أن المذكور في (الجامع) قول الكل، فالجواب لأبي حنيفة وأبي يوسف: أن المنزل الموصى به جميعه مملوك لكل واحد منهما بكماله من حيث أن تصرف شريكه لا ينفذ فيه لا في جميعه ولا في نصفه شائعًا كان الكل ملك الآخر.
وإذا كان الأمر هكذا نقول: إن وقع المنزل في نصيب ورثة الموصي، يعتبر المنزل بكماله مملوكًا لشريكه حكمًا، وقد اشتراه الموصي بما تركه على شريكه من نصيبه مثل ذلك، إلا أنه مع هذا تصح الوصية منه في جميعه، وإن قضى بعين لا يملكه وقت الوصية لأنه سبب ملك في العين الموصى به وقت الوصية وهي الشركة في الدار، فإن الشركة في الدار سبب لثبوت الملك له في المنزل بالقسمة، فيقام سبب الملك مقام الملك، فصحت الوصية بجميع المنزل، وإن اعتبر المنزل بكماله ملكًا لشريكه من حيث الحكم، وإذا وقع المنزل الموصى به في نصيب شريكه يعتبر المنزل مملوكًا للموصي بكماله من حيث الحكم، ثم صار لشريك الموصي لما أخذ الموصي من شريكه مثل ذلك، فكان جميع ذرعان المنزل بدل المنزل بهذا الاعتبار، فتتحول الوصية إليها لما ذكرنا أن الوصية بالعين متى صحت، ثم زال العين عن ملك الموصي من غير اختياره، وأخلف بدلًا أن الوصية تتحول إلى البدل، فإنما وجب تنفيذ الوصية في جميع المنزل، واستحق الموصى له الأخذ بجميع ذرعان المنزل عند أبي حنيفة رحمه الله لهذا، لأن هذه القسمة لم تعتبر مبادلة في حق الثالث، وهو الموصى له.
وإن كان مكان الدار عروضًا أو ثيابًا أو ما أشبه ذلك مما لا يكال ولا يوزن، فالجواب فيها كالجواب في الدار، لأن المعنى لا يختلف، وإن كان مكانه دراهم أو دنانير أو ما أشبه ذلك مما يكال أو يوزن من جنس واحد، أو كان من العدديات المتقاربة التي يضمن مستهلكها المثل من جنسها، فاقتسموا ذلك وأخذ كل واحد الثلث بقضاء أو بغير قضاء، فإن الابن المقر به لا يدخل في نصيب المقرين؛ لأن القسمة في هذه الأشياء إقرار لعين الحق في حق الناس كافة، ليس فيها معنى المبادلة لعدم التفاوت بين الأجزاء إن لكل واحد أن يأخذ نصيبه من غير قضاء ولا رضى.
وألا ترى أن ثلاثة لو اشتروا كرًا من طعام بمئة واقتسموه بينهم وأخذ كل واحد منهم ثلثه كان له أن يبيع نصيبه، وهو الثلث من اللحمة على ثلث المئة، ولما كان هكذا لم يصل إلى كل واحد من المقرين، ولا كذلك مسألة الدار على نحو ما بينا.
وفي (نوادر المعلى) عن أبي يوسف: رجل أقام بينة على ميت أنه أخوه لأبيه وأمه لا يعلمون له وارثًا غيره، وأقامت امرأة بينة أنها بنت الميت إنما جعلت الميراث بينهما نصفين، ولا أسألها بينة أنهم لا يعلمون بها وارثًا غيره، فكل أحد أقام بينة على نسبه أشركته في الميراث، ولا أسأله بينة على عدد جميع الورثة.
وفي (نوادر بشر) عن أبي يوسف رحمه الله: رجلان في أيديهما دار، أقام أحدهما بينة أن هذه الدار كانت لأبي مات، وتركها ميراثًا بيني وبينك، قال: آخذ ببينة الذي ادعى ثلاثة أرباع لنفسه ولا أقبل بينة الآخر؛ لأن الآخر يدعي النصف لنفسه، وهي في يده، فيكون ثلاثة أرباعها لذلك من قبل أمه ونصف الربع الآخر له من أبيه، ونصف الربع الآخر بحكم إقراره.
رجل ادعى على امرأة أنه تزوجها وأنكرت، ثم مات الرجل فجاءت تدعي ميراثه، فلها الميراث، وكذلك لو كانت المرأة ادعت النكاح فأنكر الزوج، ثم ماتت المرأة، فجاء الرجل يطلب ميراثها وزعم أنه تزوجها فله الميراث، ذكر المسألتين في (المنتقى) من غير خلاف، وفي المسألة الثانية خلاف عند أبي حنيفة لا ميراث لها، وعلى قول أبي يوسف ومحمد لها الميراث، ذكر الخلاف على هذا الوجه في إقرار (الأصل).
ولو أن امرأة ادعت على زوجها أنه طلقها ثلاثًا وأنكر الزوج، فطلبت ميراثها منه، قال: لم أورثها منه، وكذلك إن كانت أكذبت نفسها، وزعمت أنه لم يطلقها قبل موته، وكثير من هذا الجنس من المسائل التي ذكرناها في كتاب (أدب القاضي) و(الشهادات).

.الفصل العاشر: في دعوى الرجل النكاح على المرأة:

......... قال محمد رحمه الله: رجل ادعى على امرأة أنه تزوجها وأقام على ذلك بينة وأقامت المرأة بينة على رجل آخر منكر أنه تزوجها، فالبينة بينة الرجل، قال: لأن المرأة أكذبت بينتها التي شهدت لها على الزوج حيث شهد شهود الرجل عليها بالتزويج، إذا شهدوا عليها بالتزويج، فقد شهدوا على كليهما، وقال أبو حنيفة رحمه الله: لو أقام رجل بينة على امرأة أنه تزوجها، وأقامت أختها بينة على هذا الرجل أنه تزوجها فالبينة بينة الرجل يريد به إذا لم يوقت للبينتان وقتًا، وأشار إلى المعنى فقال: لأنها تقيم البينة على نكاح لا يثبت ويفسد، ولو وقت بينة المرأة ولم يوقت بينة الرجل، فدعوى الرجل جائز، وثبت نكاح المرأة التي ادعاها، ويبطل نكاح المدعية، ولها على المدعي نصف المهر.
وفي (نوادر هشام) قال: سألت محمدًا عن رجل وامرأة في دار ادعى الرجل أن الدار داره، وأن المرأة امرأته، وأقام على ذلك بينة، وادعت المرأة أن الدار دارها وأن الرجل عبدها، وأقامت على ذلك بينة، قال: أقبل بينة المرأة على أن الدار دارها؛ لأني أجعل الدار في يدي الرجل، وأجعل البينة بينة الزوج في التزويج، وأجعلها امرأته وتزويجها نفسها منه إقرار منها أنه ليس بمملوك لها.
وروى بشر عن أبي يوسف في رجل وامرأة في أيديهما دار، أقامت المرأة البينة أن الدار لها وأن الرجل عبدها، وأقام الرجل بينة أن الدار له وأن المرأة زوجته تزوجها على ألف درهم ودفعها إليها؛ ولم يقم بينة أنه حر فإنه يقضي بالدار للمرأة، ويقضي بالرجل عبدًا لها. ولو أقام الرجل بينة أنه حر الأصل والمسألة بحالها كانت المرأة امرأته ويقضى بأنه حر ويقضى بالدار للمرأة من قبل أن الدار والمرأة في يدي الزوج حيث جعلها امرأته، فالمرأة هي المدعية للدار فيقضى بالدار لها، كزوجين في أيديهما دار أقام كل واحد منهما بينة أن الدار داره، وهناك يقضى بالدار للمرأة كذا هاهنا، قال: وهكذا قياس قول أبي حنيفة، ولو لم يكن بينهما بينة كانت الدار للزوج، وقال محمد في (نوادر ابن سماعة): إذا لم يقم الرجل بينة أنه حر فالدار للمرأة وهي امرأته في هذه المسألة.
وفي (نوادر ابن شجاع): لو أقام الرجل البينة أن الدار داره، والمرأة أمته، وأقامت المرأة البينة أن الدار دارها والرجل عبدها، فالدار بينهما نصفان، إذا لم تكن الدار في أيديهما، وإن كانت في يد أحدهما تركت في يده، وتعارضت البينتان منهما، ويحكم لكل واحد منهما بالحرية ولا تقبل بينة أحدهما على صاحبه بالرق.
وروى بشر عن أبي يوسف في رجل وامرأة اختلفا في متاع من متاع النساء، فأقامت المرأة بينة أن المتاع متاعها، وأن الرجل عبدها، وأقام الرجل بينة أن المتاع له وأن المرأة امرأته تزوجها على ألف ونقدها، فإن الرجل يقضى به عبدًا للمرأة، ويقضى بالمتاع لها، فإن شهد شهود الرجل أنه حر الأصل، قضي بأنها امرأته ويقضى بالمتاع له، هكذا ذكر، وعلى قياس المسألة الأولى ينبغي أن يقضى بالمتاع لها، ولو اختلفا في ذلك، وذلك المتاع في يد المرأة، ومثل ذلك في يد الرجل، فهذا الأمر غير الوجه الذي كنا فيه، يقضى بالنكاح، ويعتق الرجل، ويقضى بما في يد كل واحد منهما للآخر، متاع النساء كان أو متاع الرجل، أو متاعهما جميعًا إذا كان المتاع في يد أحدهما خاصة دون الآخر، فالبينة بينة المدعي.
وفي (المنتقى): لو أن امرأة أقام عليها رجلان كل واحد منهما بينة أنها أقرت أنها امرأته اختلعت منه بألف درهم، ولم يوقتا فعليها أن تؤدي إلى كل واحد منهما ماله وإن وقتا لزمها مال الوقت الأول، فيبطل عنها مال الوقت الآخر، إلا أن يكون بينهما وقت ينقضي في مثلها العدة وتتزوج، فيلزمها المالان جميعًا، وإن لم يدخل بها أحدهما لزمها المالان جميعًا إن وقتا أو لم يوقتا.
وفي (المنتقى) أيضًا رجل قال لامرأة: زوجنيك أبوك وأنت صغيرة، وقالت المرأة: زوجنيك وأنا كبيرة، فالقول قول المرأة والبينة بينة الزوج.
امرأة ادعت على رجل أنه تزوجها وهو ينكر، ثم ادعى تزويجها بعد ذلك، وأقام البينة قبلت بينته وثبت النكاح، قال: والنكاح في هذا لا يشبه البيع، ألا ترى أن رجلًا لو ادعى أنه تزوج هذه المرأة على ألف درهم وجحدت المرأة ذلك، ثم أقامت بينة على أنه تزوجها على ألفين قبلت البينة، وجعلت المهر ألفين، وكذلك لو أقام بينة أنه تزوجها على هذا العبد، ولو كان هذا في البيع لا تقبل بينته، لأنه قد أكذبهم....؟.
إذا باع مستأجر الحانوت سكنى الحانوت من رجل وقبضه المشتري فجاء صاحب الحانوت واستحق السكنى مزيد شهر به، فالمسألة على وجهين: إن كان السكنى متصلًا ببناء الحانوت وهو ليس من آلات صناعة المستأجر، فالقول: قول صاحب الحانوت مع يمينه، وإذا حلف رجع المشتري على المستأجر بثمن السكنى، وإن كان من آلات صناعة المستأجر، فالقول قول المستأجر ولا سبيل لصاحب الحانوت على السكنى.
في (فتاوى أبي الليث): إذا أنكر المدعى عليه أن يكون المحدود المدعى به في يده، فالقاضي يحلفه على اليد أولًا، فإن حلف اندفع عنه الخصومة، وإن نكل يحلف على الملك وهذا مما لا يكاد يصح، لأن فائدة النكول الإقرار، واليد على العقار لا تثبت بصريح الإقرار، فكيف يثبت بالنكول الذي هو قائم مقام الإقرار.
رجل ادعى محدودًا في يدي رجل أنه ملكه، وأن صاحب اليد أخذه منه بغير حق، فأعدته إلى يدي، هل يؤمر المدعى عليه بالتسليم إلى المدعي فقد قيل: لا يؤمر بالتسليم إلى المدعي.
وإذا تنازع رجلان في دار يدعي كل واحد منهما أنها في يده، فإن عرف القاضي كون الدار في يد أحدهما جعله لصاحب اليد، وإن لم يعرف كونها في يد أحدهما، وعرف أنها ليست في يد ثالث، فكل واحد منهما مدعي ومدعى عليه، فإن أقاما البينة على اليد قضي باليد لهما، ويجعل الدار في أيديهما، هذا لأن دعوى اليد مقصود، كما أن دعوى الملك مقصود؛ لأن باليد يتوصل إلى الانتفاع بالملك والتصرف، فكما يصح دعوى الملك يصح دعوى اليد، وبعد إقامتهما البينة على اليد يقضى باليد لهما لاستوائهما في الدعوى والإثبات.
فإن قيل: أي فائدة في إقامة هذه البينة وفي هذا القضاء، قلنا: فائدته أن القاضي إذا سمع البينة على اليد لهما وقضى باليد لهما أو وجدها في يد ثالث ينزعها من يده عند طلبها، وقبل ذلك لا ينزعها من يد الثالث، وإن قامت لأحدهما بينة قضي باليد له وإن لم يكن لهما بينة ولا لأحدهما يحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه، كما لو ادعيا الملك في هذه الدار، فيحلف كل واحد منهما البينة بالله ما هي في يد صاحبه فإن حلف برئ كل واحد منهما عن دعوى صاحبه، ويوقف القاضي الدار إلى أن يظهر حقيقة الحال، ولا يجعلها في يد واحد منهما؛ لأن القاضي لم يعرف اليد لأحدهما حتى يجعلها في يده بعلمه، وقد برئ كل واحد منهما عن دعوى صاحبه بالحلف فيوقعها، هكذا قاله بعض المشايخ في شرحه.
وذكر بعضهم في شرحه: أنهما إذا اختلفا فالقاضي لا يجعلهما في يد واحد منهما، ولا ينزعه من أيديهما، وإن نكل أحدهما عن اليمين وحلف الآخر لم يجعلهما القاضي في يد الحالف، لأن القاضي لم يعرف كون الدار في يد الناكل، والنكول: بدل أو إقرار، والبدل والإقرار من الإنسان إنما يصح فيما في يده، لأن بدله وإقراره حجة عليه وليس بحجة على غيره، ولكن يمنع الناكل من أن يتعرض للدار، لأن نكوله حجة في حقه، وإن وجد القاضي الدار في يد الثالث، لا ينزعها عن يد الثالث بما أنقده بين هذين، لأن النكول بدل أو إقرار دلالة ولو وجد الإقرار صريحًا أو وجد البدل صريحًا بين هذين، فالقاضي لا ينزع الدار من يد الثالث، لأن يدهما وإقرارهما يعمل فيما بينهما، ولا يعمل في حق غيرهما كذا هاهنا.
ثم إذا تعلق رجلان بعين، ولم تقم البينة لأحدهما حتى جعلتا في أيديهما لو أقام أحدهما بينة أن العين ملكه قضي له بالنصف الذي في يد صاحبه، وترك النصف الذي في يده على حاله، هكذا ذكر في بعض المواضع، وذكر في بعض المواضع إذا أقاما البينة على اليد ثم أقام أحدهما أن العين له قضي بكله له، فهذا تنصيص أن يقضى بالملك له في كل العين، وإنه مشكل لأن العين في أيديهما، فبينته على ما في يده بينة صاحب اليد، وبينة اليد على الملك المطلق لا تقبل، الجواب: أنه لما أقام البينة على الملك بعد ما أقام البينة على اليد فقد أعرض عن تلك البينة فبطلت بينته على اليد.
وصورة مسألتنا: رجلان تنازعا في عين، وأقام أحدهما البينة على اليد والآخر على الملك، يقضى لصاحب الملك كذا هاهنا.
وفي كتاب (الأقضية) إذا تنازع اثنان في دار، وكل واحد يدعي أنها في يده، وأقاما البينة على (ذلك) ثم إن أحدهما قال: أنا أقيم البينة على ما هو أجود من هذا، أنا أقيم البينة على أن أبي مات وترك هذا العين ميراثًا لي لا وارث له غيري، وأقام البينة على ذلك، تقبل فيكون قضاء على الذي خاصمه الشهود على يد المدعى عليه، وقوله في (الكتاب): أنا أقيم البينة على أجود من هذا، إعراض عن بينته التي أقامها الذي أقام قبل ذلك، حتى يصير خارجًا، فتقبل بينته على الملك.
وفي (المنتقى): رجل ادعى قبل رجل دارًا وأقام البينة، فقال المدعى عليه: ليست في يدي، فأقام المدعي بينة فشهدوا أن الدار في يد المدعى عليه، وفي ملكه يسأل المدعي، فإن قال كما شهدوا: إنها في يده وفي ملكه فقد أقر بالدار للمدعى عليه، فيقضى بالدار له، وإن قال: أصدقهم أنها في يده لا أصدقهم أنها في ملكه فله ذلك، ويجعل المدعى عليه خصمًا له.
وإذا اختصم رجلان في دار يدعي أحدهما أنها ملكه وفي يده والآخر يدعي أنها في يده وأنه أحق بها من غيره لما أنها كانت في يده إجارة من جهة فلان، وقد دفعت مال الإجارة إليه وقد مات فلان الآخر ولي حق حبس الدار إلى أن يستوفي مال الإجارة فالدار تجعل في يد من؟
كان الشيخ الإمام ظهير الدين المرعيناني رحمه الله يقضي بأن الدار تجعل في أيديهما، وبعض مشايخ زمانه كان يفتي بأن الدار تجعل في يد مدعي الإجارة.
وإذا وقع الدعوى على رجل في عقار في يديه، وأقام المدعي بينة على دعواه لابد وأن يذكر الشهود في شهادتهم أنها في يد المدعى عليه، والإقرار لا يكفي حجة لإثبات يده، حتى إن المدعي والمدعى عليه إذا تصادقا أن الدار المدعى في يدي المدعى عليه، فالقاضي لا يقضي بملكية الدار للمدعي بشهادة شهوده على كون الدار ملكًا له، وإنما يقضي إذا شهدوا على يد المدعى عليه، بأن شهدوا أنها في يده اليوم، هكذا ذكر الخصاف في (أدب القاضي) والمنقول في هذا يخالف العقار، فإن المدعى عليه إذا أقر أن المنقول المدعى به في يده فذلك يكفي، ولا يحتاج إلى أن يذكر الشهود أن المدعى به في يد المدعي اليوم؛ لأن في العقار تهمة المواضعة فإن المدعي ربما تواضع رجلًا ويحضره مجلس القضاء ويدعي عليه العقار ويقر المدعى عليه أن العقار في يده، ولا يكون في يده فيقضي القاضي بملكية العقار للمدعي بشهادة شهوده، ويكون قضاء على الغائب في الحقيقة؛ لأن العقار على الحقيقة كانت في يد الغائب، فلهذه التهمة لم يكتف بإقرار المدعى عليه أن العقار في يده، وشرطنا شهادة الشهود على كون الدار في يده.
فأما في المنقول لا تتأتى هذه التهمة فيه؛ لأن المنقول إن كان مستهلكًا فأقر المدعى عليه بالاستهلاك أو بالهلاك كان الدعوى واقعًا في الدين، وقد أقر المدعى عليه بذلك، وإقرار الإنسان على نفسه بالضمان صحيح، فلا حاجة إلى الشهادة أنها في يده، وإن كان قائمًا لابد من الإحضار لتصحيح الدعوى والشهادة، وعند الإحضار يعرف القاضي معاينة أنه في يد المدعى عليه فلا حاجة إلى الشهادة على ذلك، فهذا هو الفرق.
وقد ذكر في كتاب (الأقضية) عقيب المسألة التي مرّ ذكرها من قبل هذا بمسألتين، ويجوز القضاء بالملك، وإن لم يشهد الشهود على يد المدعى عليه مع أنه وضع المسألة في الدار فقال: ما ذكر الخصاف قوله، وبه أخذ بعض المشايخ، وما ذكر في (الأقضية) قول محمد وبه أخذ بعض المشايخ، وقيل: في المسألة روايتان، والفتوى على أنه لابد أن يشهد الشهود على يد المدعى عليه في العقار، ثم على ما ذكره الخصاف، وإذا شهدوا أنها في يده أو عن معاينة، حكي عن القاضي الإمام الخليل بن أحمد أن القاضي يسألهم عن ذلك وهو الصحيح، لأنهم ربما سمعوا إقراره أنها في يده، فظنوا أن ذلك يطلق لهم أداء الشهادة على يده عليها، وإنه موضع اشتباه فقد اشتبه على كثير من الفقهاء اشتراط إقامة البينة لإثبات يده، فما لم يعاينوا يد المدعى عليه لا يحل لهم أداء الشهادة على أنها في يده، فلهذا وجب السؤال.
قال القاضي رحمه الله هذا هكذا إذا شهدوا على البيع والتسليم، فالقاضي يسألهم أيشهدون على التسليم بإقرار البائع أو عن معاينة البيع، والتسليم كانت شهادة بملك البائع يوم البيع فوجب السؤال إزالة لهذه الشبهة، ولو أن الشهود لم يشهدوا أن هذه الدار في يد المدعى عليه فقال المدعي: أنا آتي بشاهدين آخرين يشهدان أن هذه الدار في يد المدعى عليه، فإن القاضي يقبل ذلك منه؛ لأن الحاجة إلى معرفة ملك المدعي في الدار ليمكن القضاء به للمدعي وإلى معرفة يد المدعى عليه لينتصب خصمًا للمدعي لإثبات دعواه، فلا فرق بين أن يثبت الأمرين بشهادة فريقين أو بشهادة فريق واحد، هذا كما في شاهدين شهدا بملك المحدود وشهد آخر له بحدود المحدود فالقاضي يقبل شهادة الفريقين جميعًا ولم يقع الفرق بينما إذا ثبت ملك المحدود، والحدود بشهادة فريق واحد أو بشهادة فريقين كذا هاهنا.
قال محمد رحمه الله في دعوى الأصل: وإذا اختصم الرجلان في عبد وكل واحد منهما يقول: هو عبدي وهو في أيديهما فإن كان العبد صغيرًا لا يعبر عن نفسه فالقاضي لا يقضي لواحد منهما بالملك ما لم يقم البينة ولكن يجعله في أيديهما، وهذا لأن الصغير الذي لا يعبر عن نفسه والبهيمة سواء، ولو كان في أيديهما بهيمة وكل واحد منهما يدعي أنها له، فالقاضي لا يقضي لواحد منهما بالملك فيها، وما لم يعرف القاضي لا يقضي به إلا ببينة، ولكن يجعله في أيديهما؛ لأنه عرف يدهما عليه كذا هاهنا، وإن كان الغلام كبيرًا يتكلم أو صغيرًا يعبر عن نفسه فقال: أنا حر فالقول قوله ولا يقضي القاضي لهما بشيء إلا بالملك، ولا باليد ما لم يقيما البينة على ذلك، ولو قال: أنا عبد أحدهما لم يصدق وهو عبدهما؛ لأنه أقر بالرق فقد ثبت ردهما عليه حقيقة وحكمًا، لأن يد الحر ثبت على الرقيق، فهو بقوله: أنا عبد أحدهما يريد إبطال اليد الثانية عليه لأحدهما حقيقة وحكمًا، فلا يقدر عليه بخلاف ما إذا قال أنا حر الأصل؛ لأنه أنكر ثبوت اليد على نفسه فاليد لا تثبت للحر على الحر فكان القول قوله، أما هاهنا فبخلافه.
وكذلك إذا كان العبد في يدي رجل فأقر أنه لآخر لم يصدق، والقول قول صاحب اليد ثم شرط في (الكتاب) أن يكون الغلام كبيرًا يتكلم، وربما يقول في بعض النسخ إذا كان يعبر عن نفس، وإنما الشرط أن يتكلم ويعقل ما يقول، فإذا كان بهذه الصفة يرجع إلى قوله، وإذا كان العبد في يد رجل وهو لا يعبر عن نفسه قال لصاحب اليد: إنه عبدي فالقول قوله ويقضي له بالملك، فإن كبر الغلام وقال: أنا حر الأصل لا يصدق إلا بحجة؛ لأنه يريد إبطال ملكٍ جرى القضاء به.
وكذلك إذا قال: أنا لقيط فهذا كقوله: أنا حر فإن أقام ذو اليد بينة أنه عبده، وأقام العبد بينة أنه حر الأصل، فبينة العبد أولى.
ذكر في (السير): رجل من أهل الحرب دخل دار الإسلام بأمان وخرج معه مسلم، وفي أيديهما بغل عليه مال كثير، كل واحد منهما يقول: هو ملكي وفي يدي، وقامت بينة من المسلمين أن البغل وما عليه للمسلم أو للمستأمن، فإنه يقضي به للذي شهد الشهود له، كما لو وقعت مثل هذه المنازعة بين المسلمين أو بين الذميين، قال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: وبهذه المسألة ظهر خطأ بعض مشايخنا فيما إذا قال: كل واحد من المتداعين مالي وملكي، إن القاضي لا يلتفت إلى هذه الخصومة ويقول: إذا كان ملكك وفي يدك ماذا تطلب مني، فقد نص هاهنا على سماع الدعوى حتى قال بقبول البينة.
والوجه في ذلك: أنه يحتاج إلى دفع منازعة الآخر والبينة لهذا المقصود مقبولة، وإذا قال له القاضي: ماذا تطلب مني، يقول للقاضي: أطلب منك أن تمنع هذا من منازعتي، وتقرر هذا الشيء في يدي.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن محمد في أجمة أو غيضة تنازع فيها فريقان، كل فريق يدعي أنها له وفي يديه، فشهد الشهود لأحد الفريقين أنها في يديه، أو شهدوا لهما أنهما في أيديهما، فإن لم يسألهم القاضي عن تفسير ذلك ولم يزيدوه فهو مستقيم، وإن سألهم عن تفسير ذلك فهو أوثق وأحسن، وهذا لأن اليد على الأجمة والغيضة إنما ثبت بالدليل، وعسى يرى الشاهد شيئًا يظنه دليلًا على اليد، ولا يكون كما ظن فإن سأله ليزول الاشتباه فهو أحسن، وإن لم يسأله واكتفى بما قالوا فله ذلك، لأن السؤال عسى يقضي إلى بطلان الشهادة مع كون الشهادة حقًا، وهو نظير ما لو شهد الشهود بالملك المطلق، أو شهدوا بالدين المطلق، وقضى القاضي بشهادتهم من غير أن يسألهم عن بيان السبب جاز كذا هاهنا.
ثم بين ما يعرف به الدليل على الغيضة والأجمة، فقال في الغيضة: إذا كان يقطع الأشجار منها ويبيعها أو ينتفع بها منفعة تقرب من هذا أو أشباهه يستدل به على أنها في يده، وقال في الأجمة: إذا كان يقطع القصب ويأخذها للصرف إلى حاجة نفسه أو للبيع أو ما أشبهه يستدل به على اليد الذي هو دليل الملك، وهذا لأن اليد الذي هو دليل الملك هو القدرة على التصرفات التي تختص بالملك، ومعناه الانتفاع المطلوب من العين وهذا لأن الملك لا يراد لعينه، وإنما يراد الانتفاع بالعين، فإذا شاهدنا قدرته على الانتفاع المطلوب من اليد من غير منازع، علمنا أن اليد التي هي دليل الملك ثابت في حقه قلنا: والانتفاع المطلوب من الأجمة والغيضة الحطب والحشيش والقصب لا الزراعة والسكنى، فإذا شاهدناه يقطع الشجر والقصب وينتفع بها بيعًا وغير ذلك من غير منازع، فقد علمنا باليد التي هي دليل الملك فيقضى له بالملك.
وفي كتاب (الأقضية): وإذا تنازع الرجلان في دار وكل واحدٍ منهما يدعي أنه في يديه فأقام أحدهم بينة أنهم رأوا دوابه وغلمانه يدخلونها ويخرجون منها، فالقاضي لا يقضي باليد للذي شهد الشهود بما وصفنا له، حتى يقولوا كانوا سكانًا فيها، فإذا قالوا ذلك قضيت بأنها في يد صاحب الغلمان والدواب، وهذا لما ذكرنا أن العبرة للقدرة على المطلوب بين العين والدار، لا يتخذ لدخول الغلمان وخروجهم ولربط الدواب فيها، وإنما يتخذ للسكنى فيها، فما لم يشهدوا على ذلك لم يشهدوا باليد عليها يدًا هي دليل الملك.
قال في (القدوري): وإذا تنازع رجلان في دابة وأحدهما راكب في السرج قضي بينهما، ولو كان أحدهما يقود الدابة والآخر يسوقها قضي بالدابة للقائد يدًا، فإنه ممسك بلجام الدابة، والسائق لا يد له إذا لم يكن راكبًا.
فإن قيل: إن لم يكن للسائق يدًا للدابة فهو مستعمل لها بالسوق، وكما أن اليد دليل الملك فالاستعمال دليل الملك أيضًا.
قلنا: الاستعمال إنما يكون دليلًا على الملك إذا كان استعمالًا يختص به المالك في الغالب ومعناه أن لا يوجد ذلك غالبًا إلا من المالك، أما إذا كان يوجد من المالك وغيره فهذا لا يدل على الملك، وسوق الدابة كما يكون من المالك يكون من غير المالك، فلا يكون دليلًا على الملك، ذكر هذه المسألة في (السير) في أبواب الإيمان، ولم يذكر ثمة ما إذا كان أحدهما ممسكًا بلجام الدابة والمتعلق بذنبها.
قال مشايخنا: وينبغي أن يقضي للذي هو ممسك بلجامها؛ لأنه لا يتعلق باللجام غالبًا إلا المالك، وكما يتعلق بالذنب المالك يتعلق به غير المالك، فكان الإمساك باللجام أدل على الملك.
قال في (الجامع): بساط عليه رجل جالس ورجل آخر متعلق به وكل واحد منهما يدعي أن البساط له، فإنه يقضي بالبساط بينهما نصفان، فرق بين هذا وبين دار فيها رجلان قاعدان، وكل واحد منهما يدعيها لنفسه فإنه لا يقضي بينهما، وذكر مسألة البساط في (القدوري) وقال: يترك البساط في أيديهما بينهما نصفان يريد به لا على طريق القضاء؛ لأن القعود على البساط ليس بيد على البساط كالتعلق به، فاستويا فيه ثم الفرق بين البساط والدار على ما ذكرنا في (الجامع) أن في الدار ما قضينا بينهما نصفان؛ لأن الجلوس والتعلق دليل اليد؛ لأنه كما علم أن البساط في أيديهما، علم أنه ليس في يد الثالث؛ لأن اليد على البساط لا يثبت إلا بأحد الطريقين:
إما بإثبات اليد عليه حسابًا بالنقل والتحويل، أو فعل يقصد به النقل والتحويل، وإما بكونه في يده حكمًا بأن كان في بيته ولم يوجد شيء من ذلك في البساط، فإن يراه موضوعًا على قارعة الطريق، وإذا علم أنه ليس في يد غيرهما ولا في أيديهما وهما مدعيان، يقضي بينهما لاستوائهما في الدعوى.
وفي الدار: إن علم أنه ليس في أيديهما لما أن الجلوس فيها لا يدل على اليد لم يعلم أنه ليس في يد غيرهما؛ لأن اليد على الدار إنما تكون بالسكنى وبالإحطاط؛ لأن الدار بعد في مكانه الذي ثبت فيها يد المحيط عليها، لم يتحول عن ذلك المكان إلى مكان آخر فتكون يد المحيط ثابتة على الدار حكمًا؛ لأنه جهل صاحب اليد والقاضي إنما يقضي بما وقع فيه الدعوى بين المدعيين بحكم الدعوى، إذا علم أنّ المدعى عليه ليس في يد غيرهما ولم ينتصب هذا العلم في العقار، ويثبت في المنقول وفي شرح (الجامع) جعل دليل اليد في النقليات فعلًا لا يتصور ثبوته بدون النقل، كاللبس والحمل المثقل يحصل عادة للنقل كالركوب في الدواب، وفي غير النقليات جعل دليل اليد فعلًا يوجد من الملاك في الغالب، كالسكنى في الدار وغير ذلك وما ليس بدليل اليد في النقليات فعل يتأتّى بدون النّقل ولا يحصل في الغالب النقل كالجلوس على البساط وما ليس بدليل اليد في غير النقليات، فعل يوجد من غير الملاك كالجلوس والنوم في الدار وأشباه ذلك، فقد ذكرنا هذه الجملة مع مسائلها في كتاب الشهادات.
سئل الشيخ القاضي الإمام شمس الإسلام محمود الأوزجندي عن ضياع في يدي رجل أثبت رجل آخر يده عليها بطريق التغلب، فأقام الذي كانت الضّياع في يده بيّنةً على التغلب أن الضياع ملكه، وإنه أخذه من يده بطريق التغلّب، قال: قبلت بينته وقضي بالضّياع له وانتزع من يد المتغلب وسلم إليه ولو لم يكن بينة وأراد تحليف المتغلب بالله ما كان هذا الضّياع في يد هذا المدّعي، وما أخذت منه بطريق التغلب قال: له ذلك.
وكذلك لو ادعى على المتغلب إقراره أنه كان في يده، وأراد أن يحلفه على ذلك قال: له ذلك، فظن بعض مشايخنا أن التحليف في هذه الصورة نوع نظر؛ لأن التحليف لرجاء النكول الذي هو الإقرار واليد على العقار لا يثبت بمجرد الإقرار، فلا يكون في التّحليف فائدة، وليس الأمر كما ظنّوا؛ لأن تحليف المتغلب هاهنا ليس لأجل إثبات كون الضياع في يده؛ لأن ذلك ثابت باتفاق المدعي والمتغلب، وإنما التّحليف لأجل إثبات التغلب والأخذ من جهته، وأخذ العقار والتّغلب عليه مما يثبت بالإقرار، ألا ترى أنه يصح الإقرار بغصب العقار والغصب ليس إلا الأخذ بطريق التّغلب.
وسئل هو أيضًا عن رجل ادّعى على آخر أنّ هذا المحدود الذي في يد هذا كان في يديّ منذ عشر سنين، وأنّ هذا الرجل أحدث يده عليها وأقام على ذلك بينة، قال: يأمر القاضي المدعى عليه مقضيًا عليه حتى لو أتى بالحجة قبلت بينته، ولو أن المدعى عليه أقام بينة أن هذا المحدود كان في يده منذ عشرين سنة، وأنّ هذا المدعي أحدث يده عليها هل تقبل بينته؟ فقد قيل: ينبغي أن لا تقبل وقد قيل: ينبغي أن تقبل وتترك العين في يد المدّعى عليه، ويكون هذا من باب العمل بالبينتين.
ذكر في (المأذون) أجير الخياط مع الخياط إذا ادعيا متاعًا في يدي الأجير، فإن كان المتاع والأجير في دار الخياط أو حانوته، فالقول قول الخياط وإن كانا في دار الأجير، أو في السكة فالقول قول الأجير.
وفي (القدوري): لو أن خياطًا يخيط في دار رجل تنازعا في الثوب، فالقول قول صاحب الدار، وفيه أيضًا لو خرج من دار رجل وعلى عاتقه متاع، فإن كان هذا الرجل الذي على عاتقه هذا المتاع يعرف ببيعه وحمله فهو له، وإن لم يعرف بذلك فهو لرب الدار، وهكذا روى ابراهيم عن محمد. وفي (القدوري) أيضًا: في حمال عليه كارة في دار بزاز اختلفا في الكارة، فإن كان من حمال البز والكارة مما يحمل فالقول قول البزاز، وإلا فالقول قول الحمال. وفي (نوادر ابن سماعة) عن أبي يوسف: رجل دخل في دار فوجد معه مال، فقال رب الدار: هذا مالي أخذته من منزلي، قال أبو حنيفة رحمه الله: القول قول رب الدار، ولا يصدق الداخل في شيء، ما خلا ثيابه التي عليه إن كانت الثياب مما يلبس، وقال أبو يوسف رحمه الله: إن كان الداخل يعرف بصناعة شيء من الأشياء بأن كان حمالًا يحمل... الزيت فدخل وعلى رقبته..... زق وزيت، لو كان ممن يبيع الجبن ويطوف بالمتاع في الأسواق فالقول قوله، ولا أصدق رب الأرض عليه.
رجل أجر عبده من قصّار أو خيّاط ثم لقي مولى العبد عبده في الطريق ومعه متاع، فزعم أنه له وقال المستأجر: هو لي، فالقول قول المستأجر، وإن لم يكن من صناعة المستأجر، فالقول قول رب العبد، فإن كانا في منزل المستأجر فالقول قول المستأجر في الوجهين جميعًا.
وفي (نوادر المعلى) عن أبي يوسف: رجل اصطاد طائرًا في دار رجل، فإن اتفقا على أنه على أصل الإباحة فهو للصائد، وإن قال رب الدار كنت اصطدته قبلك، أو ورثته وأنكر الصائد، فإن كان أخذه من شجر الدار وغير ذلك فالقول قول رب الدار، قال أبو الفضل رحمه الله: هذا خلاف جواب الأصل، وعنه أيضًا: في رجل يقود قطارًا من الإبل، وعلى بعير منها رجل راكب، فادعى القائد والراكب...... البعير فللراكب البعير الذي عليه والباقي للقائد.
وفي (المنتقى): قطار بعير على أول بعير منها راكب، وعلى بعير في وسطها راكب، وعلى بعير في آخرها راكب، والراكب الثاني سابق هكذا ذكر في بعض النسخ أن الراكب الثاني سابق، وادعى كل واحد من الراكبين أن الإبل كله له وأقاموا البينة على ما ادعوا، ذكر أن البعير الذي عليه الأول بين الأوسط والآخر نصفان، والبعير الذي عليه الأوسط بين الأول والآخر نصفان، والبعير الذي عليه الآخر بين الأول والأوسط نصفان، والإبل الذي ما بين الآخر إلى الأوسط للآخر نصفها، والنصف الآخر بين الأول والأوسط نصفان، ذكر هذه المسألة في موضع آخر بعينها ولم يقع في شيء من النسخ ثمة أن الراكب الثاني سابق كما وقع في بعض النسخ هاهنا، وأجاب ثمة أن كل بعير عليه راكب فهو لراكبه خاصة، وما بين البعير الأول إلى البعير الأوسط الذي عليه الراكب فهو كله للأول؛ لأن الأول قائدها والأوسط سابق، فلا شيء له منها، وما بين البعير الأوسط إلى الآخر فهو بين الأول والأوسط نصفان؛ لأن الأوسط قائدها كالأول، وما ذكر في موضع آخر من الجواب جواب ما إذا لم يقم لواحد منهم بينة.
فإن أقام كل واحد بينة أن البعير كلها له، فالبعير الذي عليه الأول بين الأوسط والآخر نصفان؛ لأنهما فيه خارجان وراكبه ذو اليد فرجحت بينتهما على بينته، والبعير الذي عليه الأوسط بين الأول والآخر نصفان، والبعير الذي عليه الأخير بين الأول والأوسط لما ذكرنا في البعير الأول، والبعير الذي بين الأول والأوسط فهو بين الأوسط والآخر نصفان؛ لأن الأول فيها ذو اليد وهما خارجان، والذي بين الأوسط والآخر فللآخر نصفها والنصف الآخر بين الأول والأوسط نصفان؛ لأن الآخر فيها خارج والأول في نصفها، ذو اليد وفي نصفها خارج والأوسط كذلك؛ لأنها في أيديهما فكان في يد كل واحد منهما نصفها، فكانا مع الآخر كخارجين فيكون النصف لهما، والنصف للآخر ثم النصف الذي كان للأوسط والأول فكل واحد منهما خارج فيما في يد صاحبه، فكانت بينته في ذلك.
وقال أبو يوسف رحمه الله: في رجل يقود غنمًا أو بقرًا، ورجل آخر يسوقها، فادعى القائد والسائق ذلك كله، قال إن كان القائد والسائق أمرهما مشكلًا لا يعرفان فذلك كله للسائق، وليس للقائد منها شيء إلا أن يكون يقودها شياه، فيكون له الشاة وحدها.
وقال في سفينة ادعاها رجل هو راكبها، ورجل ممسك سكافها، ورجل يجدف فيها ورجل يمدها، فالسفينة بين راكبها ومن تمسك بسكافها الذي يجدف فيها ولا شيء للذي يمدها.
وعن محمد في عبد لرجل موسر في بيت رجل معسر ليس في بيته إلا.... ملقى وفي عنق العبد بدرة فيها عشرة آلاف درهم فادعى كل واحد منهما البدرة، والبدرة للذي عرف باليسار.
وفي المزارعة الصغيرة: إذا دفع إلى خياط ثوبًا ليخيط ثم اختلفا بعدما صار الثوب مخيطًا فقال رب الثوب: أنا خطته، وقال الخياط: أنا خطته، فإن كان الثوب في يد الخياط فالقول قول الخياط، وله الأجر وإن كان الثوب في يد رب الثوب، فالقول قول صاحب الثوب، وإن كان الثوب في أيديهما، فالقول قول الخياط وعلى صاحب الثوب الأجر.
وفي (فتاوى أبي الليث): رجل دفع إلى قصار أربع ثياب ليقصرها فقصرها وقال لرب الثوب: ابعث إلي من يقبض الثياب، فدفع القصار الثياب إلى من بعث فجاء بها إلى رب الثوب، فإذا هي ثلاثة، فقال القصار: دفعت إليه أربعة، وقال: الرسول دفع إلي ولم يعده فقال لرب الثوب: صدق، إنها سبب فإن هما صدقه برئ عن الخصومة، وإن هما كذبه حلفه، فإن حلف برء عن الخصومة، وإن نكل لزمه ما ادعاه فإن صدق القصار لزمه، وإن كذب القصار وحلف فللقصار على صاحب الثوب اليمين على الآخر، فإن حلف برئ عن أجر الثوب الرابع. كذا قاله أبو بكر رحمه الله.
ادعى دارًا في يد إنسان أنها ملكه وأن أباه باعها منه في حال بلوغه بغير رضاه، وقال صاحب اليد: إن أباك باعها مني في حال صغرك، فالقول قول الابن؛ لأنه ينكر زوال ملكه، وإن أقام صاحب اليد بينة إن أباك باعها في حالة الصغر بثمن المثل، قبلت بينته واندفع عنه خصومة الابن، وإن أقام صاحب اليد بينة أنه باعها في حال صغرك بثمن المثل وأقام الابن بينة أنه باعها بعد بلوغي بغير رضائي يجب أن تكون البينة بينة صاحب اليد لأنها هي المثبتة.
بشر عن أبي يوسف قال: قال أبو حنيفة رحمه الله: امرأة أقرت بعد وفاة زوجها أنه كان طلقها ثلاثًا في مرض موته، وأنه لم تنقض عدتها حتى مات، وقالت الورثة: طلقك في حالة الصحة فالقول قول المرأة، والمسألة في كتاب الطلاق، وإنما أوردنا هاهنا لزيادة تفريع لم يذكرها ثمة، فقال: لو أقاموا بينة ووقتوا وقتًا واحدًا وشهدت بينة الورثة أنه كان صحيحًا يومئذ، أخذت ببينة الورثة.
وفي (نوادر هشام) قال: سألت محمدًا عن رجل في يديه ثوب قال له رجل: بعتك هذا الثوب بخمسين درهمًا وقال صاحب اليد: وهبته لي فالقول قوله، ولا يلزمه الخمسون.
وفي (نوادر بشر) عن أبي يوسف: رجل اشترى من رجل عبدًا وقبضه ونقده الثمن ثم أقر بعد ذلك بالعبد للبائع فقال: هذا العبد لفلان فأراد البائع أن يقبضه، وقال: العبد عبدي، فقال المقر: أنا بعتك العبد بألف درهم فالقول قوله، قال: من قبل أن العبد وصل إلى المقر من قبل المقر له فيكون القول فيه قول المقر، قال: ولا يشبه هذا إقرار الرجل بعبد في يديه لرجل لم يصل ذلك العبد إلى المقر من قبل المقر له.
قال: وكذلك رجل أقر بعبد لرجل أمس، وأقر المقر له بالعبد اليوم للمقر الأول، فقال المقر له الثاني: العبد عبدي، وقال المقر الثاني: إنما أقررت بذلك، لأني بعته منك وإنما وصل إلي من قبلك، فالقول قوله ولا يأخذه إلا بالثمن، وإذا ادعى على آخر عرصة كذا بالميراث، وقضى القاضي للمدعي بالعرصة ببينة أقامها، ثم اختلف المقضي له بالعرصة والمقضي عليه بالعرصة في الأشجار والسكنى، ولا بينة لواحد منهما، فقيل: القول قول المقضي عليه بالعرصة؛ لأنه صاحب يد في الأشجار والسكنى حقيقة، وقيل: القول قول المقضي له بالعرصة؛ لأنهما اختلفا فيما هو متصل بملك المقضي له، وهو الأرض فيكون صاحب اليد فيما اختلفا هو المقضي له بالعرصة.
أقر الرجل لوارثه بشيء ومات المقر، ثم اختلف المقر له وباقي الورثة، فقال المقر له: أقر في حالة الصحة وقال باقي الورثة: أقر في حالة المرض فالقول قول باقي الورثة؛ لأن الاستحقاق يقع عليهم، وإن أقاما البينة فالبينة بينة المقر له، فإن لم يكن للمقر له بينة وأراد استحلاف باقي الورثة فله ذلك.
أشار إلى هذه الفصول في أول وصايا (الجامع الصغير) في باب اعتبار حال الوصية. فقال: مريض أوصى لرجل بوصية ومات، واتفق الوارث والموصى له أنه قد كان أعتق هذا العبد فقال الوارث أعتقه في المرض وقال الموصى له: أعتقه في الصحة فالقول قول الورثة إلى تمام المسألة.
رجل مات وترك ابنة وأخًا ومتاعًا فقالت البنت: المتاع كله لي، وقد كان اشتراه الأب لي من مالي بأمري، والأخ يقول: الأمتعة كلها للميت فالقول قول الأخ؛ لأن البنت تدعي وكالة الأب في الشراء والأخ ينكر، ألا ترى أنه لو كان الأب حيًا وقع الاختلاف بينه وبين البنت في الأمتعة؟ فقالت البنت: كنت وكيلي في شراء هذه الأمتعة، والأب ينكر ذلك كان القول قوله، والمعنى في ذلك: أن الأصل يصرف الإنسان لنفسه، فالأب بإنكار الوكالة متمسك بما هو الأصل، فكان القول قوله فكذا هاهنا.
رجل ادعى على آخر أنه كان لفلان عليك كذا وكذا، وقد مات فلان، وصار ماله عليك ميراثًا لي، وقال المدعى عليه: أنا أوفيته هذا المال المدعى، وذهب ليأتي بالبينة فلم يأت ثم إن المدعي أعاد دعواه ثانيًا في مجلس آخر فقال المدعى عليه: لا علم لي... أبيك سمع ذلك منه.
وفي (واقعات الناطفي): إذا أقام البينة على عبد في يدي رجل أنه كان عبده، وأنه كان في يده منذ سنة حتى اغتصبه هذا الذي هو في يديه، وأقام ذو اليد البينة أنه عبده منذ عشرين سنة، فهو لمن في يديه؛ لأن بينته أسبق تاريخًا.
وفي (العيون): تنازعا في شيء فأقام أحدهما البينة أنه كان في يده منذ شهر، وأقام الآخر بينة أنه في يده الساعة، أقره القاضي في يد مدعي الساعة؛ لأن يد الآخر منقضية واليد المنقضية لا عبرة لها عند أبي حنيفة ومحمد، ولو أقام أحدهما بينة أنه في يده منذ شهر، وأقام الآخر بينة أنه في يده منذ جمعة قضى به لمدعي الجمعة.
وفي (العيون): رجل في يديه أرض لغيره أجرها، وقال رب الأرض للآجر: أجرتها بأمري، وقال الآجر: غصبتها منك، ثم أجرتها فالقول قول رب الأرض، لأن الأصل أن يكون بدل منافع الأعيان لمالك الأعيان، فالآجر بدعوى الغصب أولًا يدعي ذلك لنفسه، ولو بنى فيها ذو اليد ثم أجرها، فقال رب الأرض: أمرتك أن تبني فيها لي وتؤجرها، وقال ذو اليد: غصبتها منك وبنيتها، ثم أجرتها يقسم الآجر على الأرض ببينته وعلى الأرض ثلاثيًا، فما أصاب الأرض فهو لصاحب الأرض وما أصاب البناء فهو لذي اليد، لأن القول في البناء لذي اليد إذ الأصل أن يعمل الإنسان لنفسه، فرب الأرض يدعي خلاف ما هو الأصل، ولو قال صاحب الأرض: غصبتها مني ببينة، فالقول قوله وإن أقاما البينة فبينة الغاصب أولى.
ولو قال لغيره: غصبت منك ألفًا وربحت فيها عشرة آلاف، وقال المقر له: لا بل أمرتك به فالقول للمقر له، ولو قال المقر له: بل غصبت الألف والعشرة آلاف فالقول للمقر، ولو قال: غصبت منك ثوبًا وقطعته وخطته بغير أمرك، وقال المقر له: بل غصبتني القميص أو قال: بل أمرتك بخياطته فالقول للمقر.
قال محمد رحمه الله في (الجامع الصغير): في نهر لرجل إلى جنبه مسناة وأرض لرجل خلف المسناة، متصل بها ادعى صاحب النهر أن المسناة له وادعى صاحب الأرض أن المسناة له، فهذه المسألة على وجهين:
إما إن كانت المسناة في يد أحدهما بأن كان غرس أحدهما أو زرع أحدهما عليها، وفي هذا الوجه يقضى بالمسناة لصاحب النهر عند أبي يوسف ومحمد، وعند أبي حنيفة يقضى بها لصاحب الأرض، هكذا ذكر المسألة في (الكتاب) بعض مشايخنا قالوا: هذا الخلاف فيما إذا كان النهر أعلى يقضى بالمسناة لصاحب النهر؛ لأنه هو المحتاج إلى المسناة وإن كانت الأرض أعلى، يقضى بالمسناة لصاحب الأرض؛ لأنه هو المحتاج إليها إلا أن في (الكتاب) أطلق الجواب إطلاقًا، من مشايخنا من قال: هذه المسألة بناء على مسألة أخرى، أن صاحب النهر هل يستحق حريمًا لنهره إذا حفر نهرًا في أرض الموات على قولهما يستحق، وعلى قول أبي حنيفة رحمه الله: لا يستحق وإذا كان من مذهبهما أن صاحب النهر يستحق الحريم لنهره كانت المسناة في يد صاحب النهر تبعًا للنهر، فيقضى له بحكم اليد، وإذا كان من مذهب أبي حنيفة أن صاحب النهر لا يستحق الحريم، لم تكن المسناة في يد صاحب النهر، وأنها ليست في يد صاحب الأرض أيضًا؛ لأنه لا حريم للأرض بلا خلاف حتى تكون المسناة في يد صاحب الأرض، إلا أن المسناة أشبه بالأرض، لأنها تصلح للزراعة والغراسة كالأرض والنهر يصلح كذلك.
والأصل في كل شيء تنازع فيه اثنان وليس هو في يد أحدهما إلا أن في يد أحدهما ما هو أشبه بالشيء المنازع فيه، فإنه يقضى به لمن كان في يده ما هو أشبه به، كما لو تنازعا في إحدى مصراعي باب وهو موضوع على الأرض، والمصراع الآخر معلق على باب أحدهما فإنه يقضى بالموضوع لمن كان المصراع الآخر معلقًا على بابه، إذا كان الموضوع يشبه المعلق كذا هاهنا، إن جعلنا المسناة بناءً على مسألة الحريم، وإن جعلناها ابتداءً كما ذهب إليه بعض المشايخ فوجه قولهما في المسألة أن الظاهر: شاهد لصاحب النهر، فإن له عليها يد استعمال فإنها تلقي طينه، ألا ترى أن صاحب الأرض لو أراد أن يمنعه عن إلقاء الطين عليها ليس له ذلك؟ والقول قول من يشهد له الظاهر.
وجه قول أبي حنيفة: أن الظاهر في جانب صاحب الأرض أقوى فيكون هو أولى، بيانه: أن الحريم أشبه بالأرض من النهر صورة ومعنى، أما صورة: فإنها مستويًا توازي كل واحد منهما يصلح للزرع والغرس، والنهر لا يصلح لذلك فكان القضاء لصاحب الأرض أولى، كما قلنا في المستأجر ببيع رب الدار إذا اختلفا في لوح وهو يماثل الألواح المركبة، فإنه يقضى به لرب الدار كذا هاهنا؛ ولأن يد صاحب الأرض إلى هذا الموضع أسبق، لأن هذا الموضع كان أرضًا في الأصل ثم صار نهرًا بعارض، فكان القضاء له أولى.
كما لو تنازع اثنان في حائط ولأحدهما اتصال تربيع، والآخر عليه جذوع كان القضاء بالحائط لصاحب الاتصال أولى، لأن يده سابق، وأما إلقاء الطين على المسناة فقد قال بعض مشايخنا: إن لصاحب الأرض أن يمنع صاحب النهر من إلقاء الطين عليها عند أبي حنيفة رحمه الله، والصحيح أنه ليس له ذلك؛ لأن هذا قضاء بالظاهر، فيجب القضاء على حسب ما ظهر وقد ظهر أن المسناة لصاحب الأرض، ولصاحب النهر حق إلقاء الطين عليه وهو نظير ما قلنا في مسألة الحائط إذا قضي به لصاحب التربيع لا يؤمر صاحب الجذع برفع الجذع، والفقه ما ذكرنا أن الظاهر لا يصلح لإبطال حق الغير على الغريم.
ثم ذكر في الكتاب: أن على قولهما يقضى بالمسناة لصاحب النهر، ولم يتعين أنه بأي مقدار يقضى له، وقد اختلف المشايخ فيه: بعضهم قالوا: يجعل له بقدر ما يمر عليه رجل واحد، وعن أبي يوسف في (النوادر): أنه يمسح بطن النهر فيجعل له من كل جانب مثله.
وثمرة الخلاف المذكور في هذه المسألة لا تظهر في هدم المسناة فإن المسناة وإن كانت لصاحب الأرض عند أبي حنيف فليس له هدمها دفعًا للضرر عن صاحب الماء، فإنه لا يتمكن من إجراء الماء فيه بدون المسناة، وإنما تظهر ثمرة الخلاف في شيئين في ولاية الغرس على المسناة، عند أبي حنيفة رحمه الله ولاية الغرس لصاحب الأرض وعندهما لصاحب النهر، والثاني: أنه إذا كان على المسناة أشجار ولا يدري من غرسها، فعلى قول أبي حنيفة: الأشجار لصاحب الأرض، وعندهما لصاحب النهر.
ثم إن أبا حنيفة فرق بين المسناة وبينما إذا حفر الرجل في داره بئرًا، وهو مما يضر بدار جاره، فإنه لا يمنع عن ذلك، وقال في مسألة المسناة: إذا تصرف صاحب الأرض في المسناة تصرفًا يتضرر به صاحب النهر بعد الهدم يمنع عنه، وفي الموضعين جميعًا حصل متصرفًا في خالص ملكه.
والفرق: أن هدم المسناة ليس بانتفاع المثل بالمسناة، لأن الانتفاع بالمسناة الزراعة وغرس الأشجار لا الهدم، ومن انتفع بملكه انتفاعًا لا ينتفع بمثله عن ذلك وإذا تعدى إلى ملك الغير صار ضامنًا كما لو سقى أرض نفسه سقيًا غير معتاد، فأما إذا حفر البئر في داره انتفع بالدار انتفاع مثله، ومن انتفع بملكه انتفاع مثله لا يمنع عنه، وما يتولد منه لا يكون مضمونًا عليه كما إذا سقى أرض نفسه سقيًا معتادًا.
بقي هاهنا فصل آخر، أن صاحب الأرض إذا أراد أن يمنع صاحب النهر عن المرور على المسناة، هل له ذلك عند أبي حنيفة رحمه الله؟ بعض مشايخنا قال: ليس له ذلك، وبعضهم قالوا: له ذلك إذا لم يكن فيه ظاهر ضرر وهو الأشبه والله أعلم.
هذا الفصل يشمل على أنواع أيضا:

.الأول: في دعوى الخارج مع ذي اليد:

قال محمد رحمه الله في (الأصل): إذا ادعى الرجل دابة في يد إنسان أنها ملكه تحت عبده، وأقام عليه البينة وأقام صاحب اليد بينة بمثل ذلك، القياس: أن يقضى بها للخارج، وفي الاستحسان: يقضى بها لصاحب اليد، سواء أقام صاحب اليد البينة على دعواه قبل القضاء بها للخارج أو بعده، وجه القياس في ذلك: أن بينة الخارج أكثر استحقاقًا من بينة ذي اليد؛ لأن الخارج ببينته، كما يثبت استحقاق أولية الملك بالنتاج يثبت استحقاق الملك الثابت لذي اليد بظاهر يده، وذو اليد ببينته لا يثبت استحقاق الملك الثابت الخارج بوجه ما، فهو معنى قولنا: إن بينة الخارج أكثر استحقاقًا فكانت أولى بالقبول كما في دعوى الملك المطلق.
وجه الاستحسان: حديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قضى في عين هذه الصورة لصاحب اليد، والمعنى في المسألة: أن صاحب اليد سببًا أيضًا بيانه: أن الخارج يدعي أولية الملك لنفسه بسبب النتاج لا يحتمل التملك على ذي اليد بوجه ما؛ لأن بعدما ثبت الملك لذي اليد بسبب النتاج لا يتصور أن يصير للخارج بسبب النتاج لأن النتاج، مما لا يتكرر، فلا يمكننا أن نجعل ما يستحقه الخارج من الملك الثابت لذي اليد بظاهر اليد استحقاقًا على ذي اليد، بل يكون بيانًا أنه كان للخارج من الأصل لا أنه لذي اليد ثم صار للخارج بخلاف دعوى الملك المطلق؛ لأن دعوى الملك المطلق أن يقول هذا لي، وقوله: كما يحتمل أن يكون له من الأصل، يحتمل أن يكون له من جهة صاحب اليد، ولهذا يستقيم التصريح به يستقم أن يقال هذا لي لأني تملكته من جهة المدعي، فأمكننا أن نجعل ما يستحقه الخارج من الملك الثابت لذي اليد بظاهر اليد استحقاقًا على ذي اليد فجعلناه كذلك في حق ترجيح بينة الخارج على بينة ذي اليد إن لم يجعله، كذلك في حق الحكم، فإن دعوى مطلق الملك جعل دعوى أولية الملك حكمًا حتى يظهر ذلك في حق استحقاق الولد.
وعن هذا قلنا: إن في فصل النتاج لو تفرد الخارج بإقامة البينة، وقضى له ثم أقام صاحب اليد البينة على النتاج، تقبل بينته ويقضى له بالبداية، لأن الخارج ببينته لم يستحق على ذي اليد شيئًا، فلم يصر ذو اليد مقضيًا عليه فتسمع بينته كما تسمع بينة أجنبي آخر، وفي دعوى الملك المطلق، لو تفرد الخارج بإقامة البينة وقضى له ثم أقام صاحب اليد بينة أنه لا تسمع بينته؛ لأن الخارج ببينته يستحق على ذي اليد الملك الثابت له بظاهر يده فصار ذو اليد مقضيًا عليه، فلا تسمع بينته بعد ذلك.
هذا هو الحرف المعتمد الموروث من استنادي في الفرق بين فصل النتاج وبين فصل الملك المطلق، فإن قيل: ما ذكرتم من العلة في فصل النتاج يشكل بما إذا ادعى الخارج ملكًا مطلقًا وادعى ذو اليد للنتاج وأقاما البينة، فإن في هذه الصورة بينة ذو اليد أولى، وفي بينة الخارج هاهنا زيادة استحقاق على ذي اليد، قلنا: نعم في بينة الخارج زيادة استحقاق على ذي اليد في هذه الصورة، إلا أن في بينة ذي اليد سبق التاريخ، لأنها تثبت أولية الملك على وجه لا يحتمل التملك من جهة الغير، فكان ذو اليد أسبقهما تاريخًا، فإنما قضي لذي اليد أسبقهما تاريخًا، فإنما قضي لذي اليد في هذه الصورة.
لهذا ألا ترى أنهما لو ادعيا ملكًا مطلقًا وأرخا، وذو اليد أسبقهما تاريخًا يقضى لذي اليد؟ وإن كان في بينة الخارج زيادة استحقاق على ذي اليد، لهذا إن أسبقهما تاريخًا ذو اليد ثم اختلف المشايخ بعد ذلك أن القضاء لذي اليد في هذه الصورة قضاء ترك أو قضاء استحقاق، قال عيسى بن أبان رحمه الله: إنه قضاء ترك حتى يحلف ذو اليد للخارج؛ لأن البينتان تهاترا، لأن القاضي تيقن بكذب أحدهما على وجه لا يجد لذلك محملًا؛ لأن المطلق لأداء الشهادة على النتاج معاينة الولادة لا ظاهر اليد ولا يعرف الملاك ولا التسامح، وولادة دابة واحدة من دابتين أو دابة واحدة من أن لا يصور لها وفي مثل هذا تتهاتر البينتان كما في مسألة الكوفة ومكة وأدائها ترتب البينتان، صار كأنهما لم يقيما البينة ولو لم يقيما البينة، يقضى لذي اليد قضاء ترك، بعدما يستحلف للخارج ويحلف كذا هاهنا وعلى قياس ما ذكره عيسى يجب أن لا تقبل بينة الخارجين على النتاج، وكذلك يجب أن لا تقبل بينة ذي اليد على النتاج إذا أقامها بعد القضاء للخارج، كما في مسألة الكوفة ومكة، متى قضي بشهادة أحد الفريقين لا تسمع شهادة الفريق الآخر بعد ذلك، وقال عامة المشايخ: قضاء استحقاق حتى لا يحلف ذو اليد للخارج.
ووجه ذلك: أن القاضي وإن تيقن بكذب إحدى البينتين إلا أنه يجد لكل بينة محملًا، يطلق لها أداء الشهادة بالنتاج بأن عاين إحدى البينتين نفس الولادة في يد الغاصب ودار الغاصب، فيه يتصرف الملاك، إلا أنها لم يعلمه غاصبًا فيحل لهم أداء الشهادة للغاصب بناء على ذلك، والبينة الأخرى علمت حقيقة الحال وكون اليد في يديه الدابة غاصبًا، فيحل لهم أداء الشهادة للمغصوب منه بالنتاج بناء على ذلك، أو عاين إحدى البينتين الولادة من دابة زيد، والبينة الأخرى عاينت اتباع هذا الولد دابة عمرو والارتضاع منها، وإذا وجد القاضي لشهادة كل فريق محلًا يطلق له الشهادة، كانت الشهادة على النتاج من الخارجين والشهادة على مطلق الملك من الخارجين سواء وهناك لا تتهاتر البينتان.
وإن تيقن القاضي بكذب إحدى البينتين؛ لأن العين الواحد لا يتصور أن يكون مملوكًا لشخصين في زمان لكل واحد منهما وكماله لهذا إن للقاضي وجد لكل فريق محلًا يطلق له أداء الشهادة، بأن عاين أحد الفريقين أحد الخصمين باشر سبب الملك، وعاين الفريق الآخر الخصم تصرف فيه تصرف الملاك، كذا هاهنا بخلاف المسألة الكوفة ومكة؛ لأن هناك القاضي تيقن بكذب إحدى البينتين، على وجه لا يجد لها محلًا يطلق له أداء الشهادة؛ لأن المطلق للشهادة بالطلاق والعتاق معاينة الشهود إيقاع الطلاق والعتاق، لا طريق لأداء الشهادة هناك غير هذه، ولا يتصور سماع الفريقين إيقاع الطلاق والعتاق في يوم واحد من شخص واحد بكوفة ومكة؛ لأن الشخص الواحد على ما عليه العادة لا يتصور أن يكون في يوم واحد بالكوفة ومكة، فتهاترت البينتان.
أما هاهنا بخلافه: هذا إذا لم يؤرخا، أو أرخا قضي لصاحب اليد إلا إذا كان سن الدابة مخالفًا لوقت صاحب اليد موافقًا لوقت الخارج، فحينئذ يقضي للخارج وإن كان سن الدابة مخالفًا للوقتين، لم يذكر هذا الفصل في الأصل في الدابة، وعامة المشايخ على أنه تتهاتر البينتان وتترك الدابة في يد صاحب اليد قضاء ترك.
وهكذا ذكر القدوري في (شرحه) وذكر محمد رحمه الله في (الأصل) في آخر دعوى النتاج: عبد في يدي رجل أقام بينة أنه عبده ولد في ملكه، ووقت لذلك وقتًا، وأقام صاحب اليد بينة على مثل ذلك، والعبد من الوقتين أكبر وأصغر تتهاتر البينتان، فتصير مسألة العبد رواية مسألة الدابة، إذا كان سنُّه على خلاف الوقتين إنه تتهاتر البينتان.
ومما يتصل بهذا النوع إذا ادعى الخارج فعلًا مع النتاج، أو ادعى كل واحد منهما فعلًا مع النتاج صورته: فيما إذا كان دعوى الفعل مع النتاج من جهة الخارج، ما ذكر محمد رحمه الله في (الأصل) في باب دعوى العتق: عبد في يدي رجل، أقام رجل البينة أنه ولد في ملكه وأنه أعتقه أو دبره، وأقام الذي في يديه بينة أنه عبده ولد في ملكه، قضي للخارج، وإن ادعيا النتاج؛ لأن في دعوى النتاج بدون دعوى الفعل من الخارج إنما بينة ذي اليد كان أولى، لأن البينتان استويا في الإثبات فيما وقع فيه الدعوى، فإن كل بينة تثبت أولية الملك لصاحبها، على وجه يمتنع استحقاقها إلا من جهته، فرجحنا بينة صاحب اليد بحكم اليد، وهاهنا بينة الخارج أكثر إثباتًا فيما وقع فيه الدعوى، لأنها تثبت أولية الملك للخارج على وجه يمتنع استحقاقه أصلًا، لأن الملك بعد العتق يصير بحال لا يستحق أصلًا، وذو اليد ببينته يثبت أولية الملك على وجه يتصور استحقاق ذلك عليه، فكان بينة الخارج أكثر لأنها تثبت أولية الملك للخارج، على وجه يتصور الاستحقاق عليه من جهته، فإن الملك بعد البيع والإجارة، لا يصير بحال لا يتصور استحقاقه عليه، فرجحنا بينة ذي اليد بحكم يده.
وبخلاف ما إذا ادعى الخارج العتق مع مطلق الملك، وذو اليد ادعى النتاج، فإن بينة ذي اليد أولى؛ لأن دعوى العتق إنما يعتبر ترجيحًا عند استواء البينتين في إثبات الملك، وما استوت البينتان هاهنا في إثبات الملك؛ لأن الخارج يثبت أولية الملك مع الاحتمال، وذو اليد يثبت أولية الملك بلا احتمال.
ولو ادعى الخارج التدبير مع النتاج، وادعى صاحب اليد النتاج لا غير، وفي هذا الوجه اختلفت الروايات، ذكر في رواية أبي سليمان أنه يقضي للخارج، وجعله بمنزله العتاق وذكر في رواية أبي حفص أنه يقضي لذي اليد، وجعله بمنزلة الكتابة.
وجه رواية أبي حفص: أن التدبير يفيد حق العتق ولهذا لا يجوز إعتاق المدبر عن كفارة يمينه والحق يلحق بالحقيقة فصار دعوى التدبير ودعوى الإعتاق سواء بخلاف الكتابة؛ لأنها لا تفيد حق العتق ولو ادعى الخارج التدبير والاستيلاد مع النتاج، وادعى ذو اليد عتقًا تامًا كان ذو اليد أولى؛ لأن البينتان استويا فيما وقع فيه الدعوى، فرجحنا بينة صاحب اليد بحكم اليد، فكذا إذا ادعى الخارج التدبير أو الاستيلاد، ولو ادعى ذو اليد التدبير أو الاستيلاد مع النتاج وادعى الخارج عتقًا تامًا مع النتاج كان بينة الخارج أولى؛ لأن بينة الخارج أكثر إثباتًا، لأنها تثبت أولية الملك للخارج على وجه لا يستحق عليه من جهته لا رقبة ولا يدًا، وذو اليد أثبت أولية الملك على وجه يتصور استحقاقه عليه رقبة ويدًا بقضاء القاضي في التدبير والاستيلاد، ويدًا لا رقبة بالإجارة والإعارة والنكاح.
وفي كتاب الولاء في باب الشهادة في الولاء: إذا ادعى ذو اليد النتاج وادعى الخارج أنه ملكه غصبه منه ذو اليد كانت بينة الخارج أولى، وكذا إذا ادعى ذو اليد النتاج وادعى الخارج أنه ملكه أو أودعه منه أو أعاره منه، كانت بينة الخارج أولى.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: الحاصل أن بينة ذي اليد على النتاج إنما تترجح على بينة الخارج على النتاج أو على مطلق الملك بأن ادعى ذو اليد النتاج وادعى الخارج النتاج، أو ادعى الخارج الملك إذا لم يدع الخارج فعلًا على ذي اليد نحو الغصب أو الوديعة أو الإجارة أو الرهن أو العارية أو ما أشبه ذلك، أما إذا ادعى الخارج الملك المطلق ومع ذلك فعلًا فبينة الخارج أولى.
وأشار محمد رحمه الله ثمة إلى المعنى وقال: لأن بينة الخارج في هذه الصورة أكثر إثباتًا، لأنه يثبت الفعل على ذي اليد وهو الغصب أو الاستئجار وما أشبه ذلك، وإنه ليس بثابت أصلًا وذو اليد ادعى أولية الملك واليد إن كانت لا تدل على أولية الملك على أصل الملك فكان ما ادعاه ذو اليد ثابتًا من وجه بظاهر يده، وما ادعاه الخارج من الغصب والإعارة وغير ذلك ثابت أصلًا في مثل هذه المسألة طريقًا آخر.
وصورة ملك عبد في يدي رجل أقام بينة أنه عبده غصبه ذو اليد منه أو قال: استأجره ذو اليد منه أو استعاره منه أو ارتهنه منه وأقام ذو اليد بينة أنه ملكه أعتقه أو دبره، أو كانت أمة أقام ذو اليد بينة أنه استولدها كان بينة الخارج أولى، وقضي بالعبد له وكان ينبغي أن تكون بينة ذي اليد أولى؛ لأن ذا اليد يدع النتاج معنى؛ لأن النكاح والإعتاق والتدبير في معنى النتاج، وذو اليد إذا ادعى النتاج كان هو أولى من الخارج.
ذكر محمد رحمه الله هذا السؤال، وذكر جوابه فقال: ذو اليد إذا ادعى النتاج إنما يكون أولى من الخارج إذا صح منه دعوى النتاج ولم يصح دعوى النتاج من ذي اليد هاهنا إنما أثبته الخارج على ذي اليد أن الملك له للخارج؛ لأن الاستئجار والاستعارة والارتهان إقرار بملك الآجر والمعير والراهن، ومع إقرار ذي اليد بالملك للخارج لا يصح دعوى صاحب اليد النتاج، والبينة لا تسمع بدون الدعوى، وإذا لم يسمع بينة ذي اليد صار كأنه لم يقم البينة، وكذلك إذا أثبت الخارج عليه الغصب؛ لأن من الجائز أن شهود الخارج شهدوا بالغصب على ذي اليد، لأنهم عاينوا أخذ ذي اليد من الخارج، ويجوز أنهم شهدوا بالغصب على ذي اليد؛ لأنهم سمعوا إقراره بالغصب فباعتبار الآخر إن كان دعوى النتاج من ذي اليد صحيحًا، فباعتبار الإقرار لا يصح كما لو عينا إقراره أنه غصبه منه فلا تصح دعواه مع الشك، فقد تمكن في جانب اليد ما يبطل دعواه النتاج إما من كل وجه كما في الإيداع والإعارة والإجارة، أو من وجه كما في الغصب ولم يتمكن من جانب الخارج ما يمنع دعواه الغصب على ذي اليد؛ لأن دعواه الغصب على ذي اليد لو لم تصح إنما لم تصح أن لو عرف الشهود حقيقة الملك لذي اليد، حتى ينبغي غصب ذي اليد، ولا يتصور ذلك، لأن الشهود لا يعرفون حقيقة الملك، وإنما يعرفون الملك من حيث الظاهر وما لم تثبت الشهادة بحقيقة الملك لذي اليد لا ينتفي غصب ذي اليد.
وهذا بخلاف ما لو لم يشهدوا شهود الخارج على ذي اليد بالغصب إنما شهدوا للمدعي بالملك المطلق، وادعى ذو اليد المطلق والعتق أو التدبير، فإن هناك يقضى ببينة ذي اليد؛ لأن هناك لم يثبت بينة الخارج ما يمنع صحة دعوى ذي اليد النتاج، وهو إقراره بالملك للخارج لا من كل وجه ولا من وجه.
فإن قيل: لا بل في تلك الصورة وجد في بينة الخارج ما يمنع صحة دعوى ذي اليد النتاج، وهو الشهادة بالغصب على دعوى ذي اليد من الخارج؛ لأن الشهادة بالملك للخارج شهادة بالغصب على ذي اليد، وإذا كان العين في يد ذي اليد اقتضاء والثابت نصًا، سواء قلنا: نعم الشهادة بالملك للخارج شهادة على غصب ذي اليد، إذا كان العين في يد ذي اليد اقتضاء إلا أن المقتضى ثابت بطريق الضرورة فيتقدر بقدر الضرورة، يرتفع متى أثبتنا غصب ذي اليد بالأخذ، فلا يثبت الإقرار بالغصب مقتضى شهادة الخارج؛ لأن الإقرار بالغصب فوق الإقرار الثابت بالأخذ، لأن الغصب الثابت بالأخذ يوجب الضمان، أما لا يمنع دعواه الملك لنفسه بعد ذلك.
وإذا لم يثبت إقرار ذي اليد بالغصب بشهادة الخارج لم يتمكن في جانب ذي اليد ما يمنع صحة دعواه النتاج، وقد صار بدعوى الإعتاق والتدبير مدعيًا النتاج معنى، فتقبل بينته بخلاف ما إذا شهدوا عليه بالغصب، لأن هناك الغصب ثبت بنص الشهادة، وكما يحتمل الغصب بالأخذ يحتمل الغصب بالإقرار، فيعتبر الإقرار ثابتًا لما كان الغصب ثابتًا بنص الشهادة، فباعتبار الإقرار لا يصح دعوى ذي اليد وباعتبار الأخذ يصح، فلا يصح بالشك.
ومما يتصل بهذا النوع ذكر محمد في (الأصل): شاة في يدي رجل أقام رجل البينة أنها شاته ولدت في ملكه، وأقام صاحب اليد بينة أنها شاته يملكها من جهة فلان وأنها ولدت في ملك فلان ذلك الذي يملكها منه، قضي بها لصاحب اليد؛ لأن صاحب اليد خصم عمن تلقى الملك من جهته ويده يد المتلقي عنه فكأنه حضر وأقام البينة على النتاج، والشاة في يده وهناك يقضى بالشاه له كذا هاهنا.
وفي (الأصل) أيضًا: شاة في يد رجل جاء رجل وأقام بينة أنها شاته ولدت في ملكه، قضي بالشاة له إلا أن يعيد صاحب اليد، وهو المقضي له منه على النتاج فحينئذٍ تندفع بينة الثاني ببينته وسلمت له الشاة، أما بدون ذلك لا تندفع بينة الثاني، وهذا لأنا لو دفعنا بينة الثاني بما أقام الأول من البينة فقد دفعنا بينة أحد مدعي النتاج ببينة الآخر وهما خارجان، لأن الأول حين أقام البينة كان خارجًا ولا يجوز دفع بينة أحد مدعي النتاج بالآخر وهما خارجان، فإذا أعاد صاحب اليد وهو المقضي له البينة على النتاج لو دفعنا بينة الثاني بهذه البينة، فقد دفعنا بينة الخارج في دعوى النتاج ببينة ذي اليد وذلك جائز.
وإن لم يعد المقضي له البينة حتى قضى القاضي بالشاة للثاني ثم أعاد المقضي له البينة على النتاج ذكر في كتاب (الأقضية): هذا الفصل في العبد، وقال: لا ينقض القضاء عليه، وأشار إلى المعنى، فقال: لأنه إنما صار صاحب يد بحكم الأول، وقد انتقض ذلك اليد بالقضاء الثاني، وصار المقضي له الثاني ذا اليد، فكانت بينته أولى بالقبول وذكر في (الأصل): أن القاضي ينقض القضاء على الثاني، ويقضي به للأول وهو الصحيح.
فرق بين هذا وبينما إذا وقع دعوى الملك المطلق، وأقام الخارج البينة على ذلك دون ذي اليد، وقضى القاضي للخارج على ذي اليد، ثم أراد ذو اليد أن يقيم البينة أن الملك له، فإن هناك القاضي لا يقبل بينة ذي اليد، والفرق أن في دعوى النتاج ذو اليد لا يصير مقضيًا عليه بالقضاء للخارج؛ لأن التملك بالنتاج لا يكون تملكًا على أحد، لأنه بعدما ثبت الملك بالنتاج لشخص لا يتصور أن يصير لعبده بالنتاج؛ لأن النتاج مما لا يتكرر فلا يمكننا أن نجعل ما يستحقه الخارج من الملك استحقاقًا على ذي اليد، بل يكون بيانًا أنه كان من الأصل لا أنه صار لذي اليد ثم صار للخارج، أما في دعوى الملك المطلق، ذو اليد يصير مقضيًا عليه بالقضاء للخارج من وجه، لأن دعوى الملك المطلق يحتمل دعوى التملك على ذي اليد فلهذا افترقا.
ومن هذا الجنس ذكر في (المنتقى): عبد في يدي بخاري مثلًا أقام عليه سمرقندي البينة أنه عبده، ولد في ملكه، وأقام البخاري بينة بمثل ذلك، وقضى القاضي بالعبد للبخاري وأبطل بينة السمرقندي، ثم حضر خجندي فأقام البينة على البخاري أنه عبده ولد في ملكه، فإنه يستحقه ببينته، إلا أن يعيد البخاري البينة على الخجندي أنه عبده ولد في ملكه، ولم يكتف بالبينة الأولى، فإن لم يقدر البخاري على إعادة البينة وقضى القاضي بالعبد للخجندي، ثم أحضر البخاري بينة أن العبد عبده ولد في ملكه قضى به للبخاري، وإن لم يعد البخاري بينته، ولكنه حضر أوسي وأقام بينة أنه عبده ولد في ملكه، فإن القاضي يقول للخجندي: أعد بينتك على أنه عبدك ولد في ملكك، بمحضر من الأوسي فإن حضر السمرقندي وهو المدعي الأول وأقام البينة أنه عبده ولد في ملكه، لم تقبل بينته؛ لأنه قد قضي عليه به مرة فلا تقبل بينته على أحد بعد ذلك، قال ثمة: وهذا قول أبي يوسف ومحمد وهو قياس قول أبي حنيفة.
ومن هذا الجنس ذكر في (المنتقى) أيضًا: عن محمد رجل في يديه عبد أقام رجل بينة بمثل أنه عبده ولد في ملكه، وأقام رجل آخر بينة بمثل ذلك وقضى القاضي بالعبد بينهما نصفين لما يبين بعد هذا إن شاء الله، ثم جاء ثالث وأقام بينة بمثل ذلك يقضى بالعبد له إن لم يقم المقضي لهما بينة أنه عبدهما ولد في ملكهما، فإن أعاد ذلك أحدهما دون الآخر قضي بالنصف الذي في يدي الذي أعاد بينة له ولم تقبل فيه بينة الثالث، ويقضى للثالث على المقضي له الآخر الذي لم يعد البينة بالنصف الذي في يديه ولا شركة فيه مع الثالث للذي أعاد بينته، لأن القاضي حين قضى أول مرة بالعبد بين المقضي لهما فقد قضى لكل واحد منهما على صاحبه بنصفه، فلا يقبل من كل واحد منهما بينة بعد ذلك على ما قضي به لصاحبه، فإن وجد المقضي عليه الأول وهو الذي كان العبد في يده بينة أن العبد ملكه ولد في ملكه وأقامها عند القاضي قضى القاضي بالعبد له، لأنه لو أقام يومئذ بينة على ذلك كان هو أولى فكذلك إذا أقام بينة بعد ذلك.
ومما يتصل بهذا الفصل أيضا:
ما ذكر في (الأصل): أمة في يدي رجل أقام رجل بينة أن قاضي بلد كذا قضى له بها على هذا الرجل الذي هو في يديه، وأقام ذو اليد بينة أنها أمته ولدت في ملكه، فهذه المسألة على وجوه.
الأول: أن يشهد شهود المدعي أن قاضي بلدة كذا قضى لهذا المدعي بشهادة شهود شهدوا عنده أنه اشتراها من ذي اليد، أو وهبها ذو اليد له أو تصدق بها ذو اليد عليه، وفي هذا الوجه القاضي يمضي قضاء ذلك القاضي ويدفعها إلى المدعي.
الوجه الثاني: أن يشهد شهود المدعي أن قاضي بلد كذا قضى بها لهذا المدعي ولم يثبتوا سبب القضاء، وفي هذا الوجه القاضي يمضي ذلك القضاء أيضًا ويدفعها إلى المدعي، لأن ذلك القضاء قد صح ظاهرًا، ومن الجائز أن يكون القاضي إنما قضى بشهادة شهود شهدوا عنده أن المدعي اشتراها من ذي اليد، أو وهبها ذو اليد له، أو تصدق بها عليه، وعلى هذا التقدير بينة ذي اليد على الولادة في ملكه لا يبطل ذلك القضاء بل يقرره.
الوجه الثالث: أن يشهد شهود المدعي أن قاضي بلد كذا قضى بها لهذا المدعي بشهادة شهود شهدوا عنده أنها له أو بشهادة شهود أنها نتجت عنده، وفي هذا الوجه القاضي يمضي ذلك القضاء، أيضًا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد أن صاحب اليد لو أقام البينة على النتاج على القاضي الأول بعدما قضى القاضي الأول للمدعي بالنتاج أو بالملك المطلق، نقض القاضي الأول قضاءه للمدعي وقضى بها لصاحب اليد، لما ذكرنا أن بينة ذي اليد على النتاج أولى من بينة المدعي على النتاج، وعلى مطلق الملك فتبين أن قضاء القاضي ببينة الخارج وقع خطأ والخطأ مردود.
فإذا أقام ذو اليد بينة عند القاضي الثاني يجب أن يرد الثاني قضاء الأول؛ لأن المعنى الموجب للرد وهو خطأ القاضي الأول في قضائه لا يتفاوت، ولأبي حنيفة وأبي يوسف أن قضاء القاضي الأول نفذ من حيث الظاهر، فليس للثاني أن يبطله، مع الاحتمال كما لو بينوا سبب القضاء.
بيان الاحتمال من وجهين: أحدهما: أما إذا شهدوا أنه قضى له بشهادة شهود شهدوا عنده أنها له؛ لأنه يحتمل بشهادة شهود شهدوا عنده أنها له اشتراها من ذي اليد، وأما إذا شهدوا أنها له قضى له بها بشهادة شهود شهدوا عنده أنها نتجت عنده؛ لأنه تحمل أن هؤلاء الشهود عاينوا شهادة الشهود عند القاضي بالنتاج، ثم عاينوا قضاء القاضي بعد ذلك للمدعي بزمان، فشهدوا كما عاينوا وقد تخلل بينهما شراء أو إقرار من جهة ذي اليد بالشراء علم القاضي بذلك ولم يعلم الشهود، وقضى القاضي بالذي عاين من الشراء، ولم يعلم الشهود بذلك، فهذا الاحتمال ثابت.
الوجه الثاني لبيان الاحتمال: يحتمل أن ذا اليد أقام هذه البينة عند ذلك القاضي، ولا اجتهد ذلك القاضي على ترجيح بينة الخارج على بينة ذي اليد كما هو مذهب ابن أبي ليلى، فإن من مذهبه أن الخارج إذا أقام البينة على النتاج أو على مطلق الملك، وأقام ذو اليد البينة على النتاج فبينة ذي اليد أولى، وعلى هذا التقدير يكون قضاء الأول نافذًا لازمًا، بحيث لا يجوز لغيره نقضه لحصوله في محل مجتهد فيه.
الوجه الرابع: أن يشهد شهود المدعي أن قاضي بلد كذا أقر عندنا أنه قضى للمدعي بهذه الجارية، بشهادة شهود شهدوا عنده أنها له أو بشهادة شهود شهدوا أنها نتجت عنده، وفي هذا الوجه ذكر شيخ الإسلام رحمه الله: أن القاضي الثاني ينقض ذلك القضاء بالإجماع، وعلى ما عليه إشارات شمس الأئمة الحلواني رحمه الله، فالمسألة على الاختلاف الذي ذكرنا.
ومن جنس هذه المسألة وإن لم يكن من جنس هذا النوع، وإذا كانت الجارية في يدي رجل أقام بينة أن قاضي بلد كذا قضى له بها على ذي اليد هذا، ولم يثبتوا سبب القضاء، وأقام رجل آخر بينة على النتاج فصاحب القضاء أولى، وإن أقام الأول بينة أن قاضي بلد كذا قضى له بها بشهادة شهود شهدوا عنده أنها له، وأقام الأخر بينة على النتاج، فصاحب القضاء أولى عندهما، وعند محمد صاحب النتاج أولى لما قلنا.

.نوع آخر من هذا الفصل في دعوى الخارجين النتاج:

إذا ادعى الرجلان دابة في يدي رجل كل واحد منهما يدعي أنها ملكه نتجت عنده، وأقاما البينة فإن لم يؤرخا قضي بينهما، وإن أرخا وتاريخهما على السواء ينظر إلى سن الدابة، إن كان مشكلًا أو كان موافقًا للوقت الذي ذكرا يقضى بينهما، وإن كان مخالفًا للوقت الذي ذكرا، لم يذكر محمد هذا الفصل في (الأصل).
قال عامة المشايخ: الصحيح أنه تتهاتر البينتان، وتترك الدابة في يد صاحب اليد، وإن أرخا وتاريخ أحدهما أسبق قضي لصاحب الوقت الذي قضي؟ سن الدابة عليه، وإن كان سن الدابة مشكلًا قضي بينهما، فقد ألغى التاريخ في دعوى النتاج، واعتبره في دعوى الملك المطلق لأن التاريخ إنما يعتبر ترجيحًا؛ لأن السابق ببينته يثبت زيادة استحقاق على صاحبه، وهو متصور في دعوى الملك المطلق بتصور أصل الاستحقاق لأحدهما على صاحبه بدون التاريخ، فيتصور زيادة الاستحقاق بزيادة التاريخ.
وإن كان سن الدابة على غير الوقتين، ذكر في (الأصل): أنه يقضى بينهما وإليه ذهب بعض المشايخ، منهم الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي رحمه الله، وعامة المشايخ على أن ما ذكره في (الكتاب) غلط، والصحيح أنه تتهاتر البينتان ومسألة العبد التي ذكرها محمد في آخر باب دعوى النتاج، وقد تقدم ذكرها في أول النوع الأول، يشهد لعامة المشايخ في هذا الفصل.
وروى بشر عن أبي يوسف مسألة الدابة، وذكر في هذه الصورة: أنه تتهاتر البينتان، وذكر في هذه الرواية فقال: إذا علم أن سن الدابة مخالف لأحد الوقتين وهو مشكل في الوقت الآخر، قضي بالدابة لصاحب الوقت الذي أشكل سن الدابة عليه، وإن أرخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر وكان سن الدابة مشكلًا قضي بينهما.

.نوع آخر من هذا الفصل:

دابة في يدي رجلين يدعي كل واحد منهما أنها دابته نتجت عنده، ويقيم البينة على ما يدعي، فإن لم يؤرخا يقضى لكل واحد منهما بالنصف الذي في يده؛ لأنه اجتمع في كل نصف بينة ذي اليد، وبينة الخارج في دعوى النتاج، وإن أرخا وتاريخهما على السواء ينظر إلى الدابة، فإن كان مشكلًا أو كان موافقًا للوقت الذي ذكرا تهاترت البينتان عند عامة المشايخ، وتترك الدار في أيديهما كما كان قبل هذا. وإن أرخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر وكان سن الدابة مشكلًا تترك في أيديهما.

.نوع آخر من هذا الفصل في المتفرقات:

ادعى رجل جارية في يد إنسان أنها ملكه ولدت في ملكه من الأمة التي في يديه، وأقام على ذلك بينة وأقام صاحب اليد بينة أنها ملكه ولدت في ملكه من الأمة التي في يديه، قضي بالجارية لصاحب اليد، لأن الولادة في بني آدم كالنتاج في البهائم، ولو ادعى المدعي بينة على أمها التي هي عند المدعى عليه أنها أمته، وأنها ولدت هذا الولد في ملكه وأقام صاحب اليد بينة على مثل ذلك قضي بها وأمها للمدعي؛ لأن أصل الدعوى في الأم ودعواها في الأم دعوى مطلق الملك إذ لم يكن الملك في الأم سببًا وفي دعوى مطلق الملك الخارج أولى، وإذا صار الخارج أولى فالأم كانت أولى في الولد إذ ظهر أن ولادة هذا الولد كان في ملك الخارج.
قال محمد رحمه الله في (الأصل) عقيب هذه المسألة: وكذلك الاختلاف في الصوف والشاة على هذا، يريد به إذا وقع الدعوى في صوف، ولو أقام المدعي بينة على الشاة التي هي في يد المدعى عليه أنها شاته، وأنه جز هذا الصوف في ملكه منها، وأقام ذو اليد بينة على مثل ذلك قضي بالشاة والصوف للمدعي لما ذكرنا في الجارية والولد.
عبد في يدي رجل جاء رجل وادعى أنه عبده ولد من أمته هذه ومن عبده هذا، وأقام على ذلك بينة وأقام صاحب اليد بينة بمثل ذلك قضي بالعبد لصاحب اليد، ويكون ابن أمته وعبده ولا يكون ابن أمة الآخر ولا ابن عبده فقد قضي بالعبد لصاحب اليد في الملك والنسب، أما في الملك فظاهر وأما في النسب فلأنهما تنازعا في سبب هو بمعنى النتاج، لأن سبب النسب الولادة وأحدهما صاحب اليد وهناك يقضى لصاحب اليد كذا هاهنا.
عبد في يدي رجل أقام رجل بينة أنه عبده ولد في ملكه، ولم يسموا أمته، وأقام رجل بينة أنه عبده ولد في ملكه من أمته هذه، فإنه يقضي بالعبد للذي إنه في يده، لأنهما ادعيا النتاج في الولد ولا يد لأحدهما على الولد ولأحدهما يد على الأم فيترجح الذي له على الأم، كما يترجح لو كان له يد على الولد، وهذا لأن الولد لابد له من الأم والولد لا يتصور بدونها وإذا جاز أن يترجح أحدهما على الولد بسبب اليد على الولد، فكذا جاز أن يترجح أحدهما على الولد فكذا جاز أن يترجح أحدهما في الولد بسبب اليد على الأم، فإن أقام صاحب اليد بينة على أنه عبده ولد في ملكه من أمته هذه غير أمة أخرى قضي به لذي اليد؛ لأن لذي اليد يدًا على الولد والأم جميعًا، فيكون أولى ممن لا يد له عليهما وممن له يد على الأم دون الولد.
رجل في يديه شاة سوداء، ورجل آخر في يديه شاة بيضاء، فأقام الذي البيضاء في يده أن السوداء التي في يدي صاحبي ملكي ولدت في ملكي من هذه السوداء، فإنه يقضي لكل واحد منهما بما في يد صاحبه؛ لأن كل واحد منهما ادعى الملك فيما في يده وادعى النتاج فيما في يد صاحبه، ففيما في يد كل واحد منهما اجتمع دعوى النتاج ودعوى الملك المطلق، فيكون الحكم لدعوى النتاج، هكذا ذكر محمد رحمه الله وهذا إذا كان سن الشاتين مشكلة، فكل واحدة منهما تصلح أمًا للأخرى بمرأى العين، وأما إذا كانت معلومة، وأحدهما تصلح أمًا للأخرى والأخرى لا تصلح أمًا لهذه، كانت علامة الصدق ظاهرة في شهود أحدهما فيقضى بشهادة شهوده.
وعن أبي يوسف رحمه الله فيما إذا كان سن الشاتين مشكلًا أني أقبل بينتهما، ويقضي لكل واحد منهما بالشاة التي في يده، وهذا قضاء ترك لا قضاء استحقاق، ثم إذا كانت سن الشاتين مشكلة وكل واحد تصلح أمًا للأخرى، إنما قبلت الشهادتان، وإن تقين القاضي بكذب إحدى البينتين؛ لأنه وجد لكل فريق محملًا يطلق له أداء الشهادة.... أحد الفريقين ولادة إحداهما الأخرى، فكبرت الابنة وولدت وترك بها لبن وأمها لم تترك عادتها في الارتضاع فاتبعت ولدها وارتضعت منها فعاين الفريق الآخر ذلك.
ولو أقام الذي البيضاء في يده أن البيضاء شاتي، ولدت في ملكي والسوداء التي في يد صاحبي شاتي ولدت من هذه البيضاء وأقام الذي السوداء في يده أن السوداء ولدت في ملكي والبيضاء التي في يد صاحبي ملكي ولدت من هذه السوداء، فإنه يقضي لكل واحد منهما بما في يده، لأن في هذه المسألة كل واحد منهما ادعى النتاج في الشاتين، فاجتمع في كل شاة بينة ذي اليد مع بينة الخارج في النتاج، فيقضى لصاحب اليد ببينته.
عبد في يدي رجل ادعاه رجل أنه عبده اشتراه من فلان، وأنه قد ولد في ملك فلان الذي باعه، فأقام على ذلك بينة، وأقام صاحب اليد بينة أنه عبده اشتراه من فلان يريد به رجلًا آخر وأنه قد ولد في ملك فلان الذي باعه قضى به لذي اليد؛ لأن كل واحد منهما ببينته يثبت أولية الملك لمملكه بالولادة لم يثبت الانتقال إلى نفسه فكأن المملكين حضرا وادعيا ذلك، وأحدهما صاحب يد وهناك يقضي لصاحب اليد كذا هاهنا.
قال محمد رحمه الله في (الأصل): إذا ادعت امرأة غزل قطن في يد امرأة أخرى أنه ملكها غزلته وأقامت على ذلك بينة، وأقامت صاحبة اليد بينة على مثل ذلك قضي بالغزل لصاحبة اليد، لأنه بمعنى النتاج لأن الغزل سبب ذلك، فإن من غصب من آخر قطنًا وغزل القطن ملكه وغزل القطن لا يعاد ولا يكرر، فكان بمنزلة دعوى النتاج من هذا الوجه فيقضي ببينة صاحبة اليد كما في دعوى النتاج.
وكذلك لو ادعى صوفًا في يدي رجل أنه صوفه جزه من غنمه، وأقام على ذلك بينة وأقام صاحب اليد بينة بمثل ذلك، قضي به لصاحب اليد، لأنه بمنزلة دعوى النتاج، لأن الجز في مجزوز واحد مما لا يتكرر، وكذلك إذا ادعى سمنًا أو زيتًا أو دهن سمسم في يدي رجل أنه له عصره وملأه، وأقام على ذلك بينة، وأقام صاحب اليد بينة مثل ذلك قضي لصاحب اليد؛ لأن هذا مما لا يثنى ولا يكرر فيكون بمعنى دعوى النتاج، وكذلك الدقيق والسويق على هذا، والولادة في بني آدم بمنزلة النتاج في البهائم، حتى إذا تنازع اثنان في غلام كل واحد منهما يدعي أن الغلام ملكه ولد في ملكه، والغلام في يد أحدهما وأقام كل واحد منهما بينة على دعواه، فيقضي ببينة صاحب اليد، وسيأتي الكلام فيه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وإذا (اختلف) اثنان في غزل صوف والغزل في يد أحدهما، فأقام كل واحد منهما بينة أنه ملكه غزله، قضي بالغزل للخارج؛ لأنه بمعنى دعوى ملك المطلق، لأنه يثنى ويكرر وإذا وقع الدعوى في حلي مصوغ فهو بمنزلة دعوى ملك المطلق، لأن الصياغة مما يتكرر.
وإذا كانت الدار في يدي رجل أقام رجل آخر بينة أنها دار جده، اختطها وساق الميراث حتى انتهى إليه، وأقام صاحب اليد بينة بمثل ذلك، فإنه يقضى بالدار للمدعي؛ لأن كل واحد منهما ادعى أولية الملك بالاختطاط، والاختطاط مما لا يتكرر؛ لأن الاختطاط قسمة الإمام عند الفسخ، فيخط لكل واحد من الغانمين خطًا في موضع معلوم ويملكه ذلك بالقسمة، فيكون خطه له وهذا قد يكون غير مرة بأن يرتد أهلها، وتصير.... فإنها دار الشرك بوجود شرائطها ثم غلبها المسلمون ثانيًا، فيقسمها الإمام بالخط لكل واحد منهما كما بينا.
أرض في يدي رجل وفيها نخيل، ادعى رجل أن هذه الأرض وهذه النخيل له غرسها، وأقام على ذلك بينة وأقام صاحب اليد بينة على مثل ذلك، قضي بالأرض والنخيل للمدعي، لأن الأصل المنازعة في ملك الأرض، فإن النخيل بمنزلة البيع للأرض حتى يدخل في بيع الأرض من غير ذكر، ودعواهما في الأرض دعوى مطلق الملك وإنهما لم يذكرا لملك الأرض سببًا فكذا النخيل يكون دعواهما دعوى ملك المطلق بطريق التبعية، لأن غراسة النخيل مما يتكرر، فإن النخيل يغرس ثم يقلع ويغرس ثانيًا فيكون دعوى الأشجار بمنزلة دعوى مطلق الملك، وكذلك لو كان في الأرض زرع وأقام كل واحد بينة أن الأرض له والزرع له، زرعه قضي بالأرض والزرع للخارج لما ذكرنا.
وإذا ادعى حنطة في يدي رجل أنها له زرعها في أرضه، وأقام على ذلك بينة وأقام صاحب اليد بينة بمثل ذلك، قضي للخارج؛ لأنها بمنزلة دعوى مطلق الملك، بيانه: أن حاصل اختلافهما إلى أن زارع أصل هذه الحنطة التي وقع فيها النزاع الخارج، أو صاحب اليد وزراعة أصل هذه الحنطة مما يكون بأن يزرع ذو اليد أصل هذه الحنطة، ثم يغربل الخارج الأرض ويجمع الحنطة، ويزرعها مرة أخرى.
وإذا ادعى دارًا في يدي رجل أنها داره وأنه بنى هذه البناء من ماله، وأقام صاحب اليد بينة على مثل ذلك، قضي بالدار والبناء للخارج، لأن البناء قد يكون مرة بعد مرة، وإذا ادعى قباء محشوًا في يدي رجل أنه له قطعه في ملكه وحشاه وخاطه وادعى صاحب اليد مثل ذلك وأقاما البينة، قضي ببينة الخارج وهذا بمنزلة دعوى الملك المطلق؛ لأن القطع والحشو والخياطة مما يثنى ويكرر، وكذلك الحبة المحشوة وكل ما يقطع من الثياب على هذا.
وكذلك إذا كانت الشاة المسلوخة في يدي رجل، ادعاها رجل آخر أنها له ذبحها وسلخها وأقام على ذلك بينة، وأقام صاحب اليد بينة على مثل ذلك قضي بها للخارج؛ لأن الذبح والسلخ ليسا بسبب ملك، ألا ترى أن الغاصب لا يملك به وإذا لم (يكن) هذا سبب ملك صار ذكره وعدمه بمنزلة، فكأنهما ادعيا ملكًا مطلقًا وادعيا إحداث تصرف في ملكهما.
وكذلك إذا ادعيا لحمًا مشويًا أو سمكًا مشويًا في يدي رجل أنه لهما سواه في ملكهما وادعى صاحب اليد بمثل ذلك وأقاما البينة قضي بها للخارج، لأن الشي وإن كان بسبب ملك فهو لا يثنى ولا يكرر، والسلخ إن كان لا يثنى فهو ليس بسبب ملك وكذلك إذا وقع الدعوى في المصحف، وأقام كل واحد منهما البينة أنه له، كتبه في ملكه قضي للخارج.
ولو ادعى ثوبًا في يدي رجل أنه ملكه نسجه هو، وأقام عليه البينة وأقام صاحب اليد بينة على مثل ذلك، أو ادعى نصل سيف في يدي رجل أنه سيفه ضربه، وأقام عليه البينة وأقام صاحب اليد بينة على مثل ذلك، فهذه المسألة على وجوه:
إن كان يعلم قطعًا ويقينًا أن هذا الثوب وهذا النصل، لا ينسج ولا يضرب إلا مرة واحدة، قضي ببينة صاحب اليد كما في دعوى النتاج، وإن كان يعلم قطعًا ويقينًا أن هذا الثوب وهذا النصل ينسج، ويضرب مرة بعد مرة، فإنه يقضي ببينة الخارج، وهو بمنزلة دعوى الملك المطلق، لأنه في الفصل الأول ادعى أولية الملك بسبب لا يحتمل التملك على ذي اليد بذلك السبب، لأن الثوب الذي لا ينسج إلا مرة إذا صار لذي اليد لا يتصور أن يصير للخارج بنسجه، فيكون في معنى دعوى النتاج.
وفي الفصل الثاني ادعى أولية الملك بسبب يحتمل التملك على ذي اليد به، لأن الثوب الذي ينسج مرة بعد مرة يجوز أن يصير لذي اليد بالنسج، ثم يقصه الخارج منه وينقضه وينسجه مرة أخرى فيصير ملكًا له بهذا السبب، بعدما كان لذي اليد فكان بمعنى دعوى الملك المطلق من هذا الوجه، وإن أشكل على القاضي ذلك سأل أهل العلم عن ذلك، يريد به العدول منهم ويبنى الحكم على قولهم الواحد منهم يكفي، والاثنان أحوط وإن اختلف أهل العلم بذلك فيما بينهم حتى بقي مشكلًا، ففيه روايتان في رواية يقضي للخارج كما في دعوى الملك المطلق.
وإذا وقع الدعوى في كوز أو طست من صفر أو إناء من حديد أو صفر أو شبهه، وادعى كل واحد أنه له، ضعه في ملكه فهذا ومسألة السيف التي ذكرناها على السواء.
وإذا كان في يدي رجل حمام أو دجاج أو طير مما يفرخ أقام رجل بينة أنه له فرخ في ملكه وأقام صاحب اليد بينة على مثل ذلك قضي لصاحب اليد؛ لأن التفريخ في الطيور بمنزلة النتاج في الدواب.
وإذا ادعى لبنًا في يدي رجل أنه له ضربه في ملكه وأقام عليه البينة وأقام صاحب اليد بينة على مثل ذلك، قضي للخارج؛ لأنه مما يعاد ويكرر، فكان بمنزلة دعوى الملك المطلق حتى لو كان اللبن آجرًا أو حصًا أو نورة يقضى لصاحب اليد؛ لأنه لا يعاد ولا يكرر فكان بمنزلة دعوى النتاج.
وإذا اختلفا في جبن وأقام كل واحد منهما أنه صنعه في ملكه، قضي لصاحب اليد؛ لأنه بمنزلة دعوى النتاج لأنه مما لا يعاد ولا يكرر، ولو أقام كل واحد منهما بينة أن اللبن الذي صنع منه هذا الجبن كان له، يقضى للخارج؛ لأن أصل المنازعة في اللبن وبينة كل واحد في اللبن قامت على الملك المطلق، ولو أقام كل واحد منهما البينة أن اللبن حلب من شاته وفي ملكه وصنع منه الجبن، فإنه يقضى بالجبن لذي اليد، لأن الحلب في اللبن لا يتكرر فكان بمعنى دعوى النتاج، ولو أقام كل واحد منهما البينة أن الشاة التي حلب منها اللبن الذي صنع منه هذا الجبن ملكه، قضي به للمدعي؛ لأن المنازعة هاهنا في الشاة وبينة كل واحد منهما قامت على الملك المطلق.
ولو أقام كل واحد منهما بينة أن الشاة التي حلب منها اللبن الذي صنع منه هذا الجبن ولدت من شاته، قضي بالجبن لذي اليد؛ لأن كل واحد من البينتين قامت على النتاج في الشاة التي وقعت المنازعة فيها.
وإذا كانت شاة مسلوخة في يدي رجل وسقطها وجلدها ورأسها في يدي آخر، فأقام الذي الشاة في يديه أن الشاة والجلد والرأس والسقط له، وأقام الذي في يديه الرأس والسقط والجلد بمثل ذلك قضي لكل واحد منهما بما في يد صاحبه، لأن كل واحد منهما خارج فيما في يد صاحبه، وبينة الخارج في دعوى الملك المطلق أولى، ولو اقام كل واحد منهما بينة أن الشاة التي هذا رأسها وهذا سقطها نتجت عنده في ملكه، وأنه ذبحها وسلخها وله جلدها ورأسها وسقطها يقضى بالكل للذي الشاة في يديه، لأنهما أثبتا النتاج في ملك الشاة وأحدهما ذو اليد فيكون ذو اليد أولى بها، وإذا صار ذو اليد أولى بالشاة صار أولى بالجلد والرأس والسقط لكون هذه الأشياء تابعة للشاة، فقد جعل السقط أصلًا في دعوى الملك المطلق على ما مر، وجعله تبعًا في دعوى النتاج وكان ذلك من باب العمل بالشبهين؛ لأن السقط أصل من وجه فعمل بالشبهين فجعل أصلًا في دعوى الملك المطلق، وجعله تبعًا في دعوى النتاج.
قال في (المنتقى): والصوف وورق الشجر وثمرة الشجرة بمنزلة النتاج وغصن الشجر والحنطة ليس بمنزلة النتاج، حتى لو أقام المدعي بينة أن هذا الصوف صوف شاته وهذه الثمرة وهذا الورق من شجره، وهذا الغصن من نخله وهذه الحنطة من حنطة بذرها في أرضه، وأقام صاحب اليد البينة على مثل ذلك، ففي الغصن والحنطة يقضى للمدعي، وفي الصوف والتمر والورق يقضى لصاحب اليد.
ومما يتصل بهذا الفصل:
إذا أقام الرجل بينة على ثوب في يدي رجل أنه نسجه ولم يشهدوا أنه له، أو ادعى دابة في يدي رجل أنها نتجت عنده ولم يشهدوا أنها له، أو ادعى أمة في يدي رجل أنها ولدت عنده ولم يشهدوا أنها أمته، فإنه لا يقضى للمدعي في هذه المسائل؛ لأن شهوده لم يشهدوا بالملك له نصًا وأنه ظاهر، ولا يقضى بشهادتهم بالولادة والنسج، لأن الإنسان قد ينسج غزل غيره بأمره بأجر أو إعانة، وقد تلد أمة الإنسان عند غيره.
وكذلك في فصل الأمة، إذا شهدوا أنها أمة المدعي لا يقضى بها للمدعي؛ لأنهم لم يشهدوا بالملك للمدعي فيها نصًا وإنه ظاهر، ولا يقضى بشهادتهم أنها ابنة أمة، إذ ليس من ضرورة كونها ابنة أمته أن تكون ملكًا له، فإن المولى إذا استولد أمة نفسه وولدت بنتًا فهذه ابنة أمته، وليست بمملوكة له، وكذلك الأمة إذا زوجت نفسها بغير إذن مولاها على أنها حرة، فولدت ابنة فهذه ابنة أمة هذا الرجل، وليست بمملوكة له، وكذلك الرجل إذا باع ابنة أمته من إنسان فهذه ابنة أمة البائع بعد البيع، وليست بمملوكة له.
فرق بين هذه المسألة وبينما إذا شهد الشهود أن هذا العبد ولدته أمة هذا المدعي، فإن هناك يقضى بالعبد للمدعي، والفرق: أن في مسألة العبد الشهود شهدوا بملكية الولد حيث قالوا: هذا العبد، وشهدوا بملكية أمة المدعي وقت الولادة، والأمة المملوكة للإنسان لا تلد ولدًا مملوكًا لغير المالك، فكأنهم شهدوا بملكية الولد للمدعي، أما في مسألة البنت ما شهدوا على ملكية البنت؛ لأنهم شهدوا أنها بنت أمته وليس من ضرورة كونها ابنة الأمة أن تكون مملوكة أصلًا، لجواز أنها علقت حرة الأصل.
والحاصل: أن الشهادة بولادة العبد والأمة من أمة إنسان، شهادة بملك العبد والأمة لمولى الأمة والشهادة بولادة الابن والأمة من أمة إنسان ليست بشهادة بملك الابن والبنت لمولى الأمة.
ولو شهدوا على ثوب في يدي رجل أنه غزل من قطن فلان ونسج منه، فإنه لا يقضي بالثوب لفلان؛ لأنهم لم يشهدوا بالملك لفلان، فقد يغزل القطن وينسج ولا يكون المنسوج ملكًا لصاحب القطن بأن غزل ونسج بغير أمره، هكذا ذكر في (الأصل) وذكر بعد هذه المسألة مسائل منها.
إذا شهدوا أن فلانًا غزل هذا الثوب من قطن فلان، وهو يملك القطن ونسج الثوب هل للمدعي أن يأخذ الثوب، وجعله على وجهين:
إما أن يدعي المدعي الأمر بالغزل والنسج أو ينكر، فإن كان ينكر فلا يكون له أخذ الثوب، ولكن يضمنه قطنًا مثل قطنه، لأنه ثبت ملك القطن للمدعي بهذه الشهادة، وثبت غزل ذي اليد ذلك القطن ونسجه، ولم يثبت أمر المدعي بذلك فكان الغزل والنسج بغير أمر المدعي، وهذا مما يقطع ملكه عن العين فلا يكون للمدعي حق الأخذ ولكن له أن يضمنه قطنًا مثل قطنه، وإن ادعى الإذن فالقول قوله مع اليمين، وله أن يأخذ الثوب، ولو شهدوا أن هذه الحنطة من زرع حصل من أرض فلان لا يقضي لصاحب الأرض بملك الحنطة باتفاق الروايات؛ لأنهم لم يشهدوا له بملك الحنطة فقد يحصد من أرض إنسان ما لا يكون مملوكًا له، بأن كان الزارع غاصبًا للأرض فهل يقضى له بأخذ الحنطة؟ فقد ذكر في رواية أبي سليمان أنه لا يقضى.
وجه ما ذكر في رواية أبي سليمان: أنه كما لم يثبت الملك لصاحب الأرض في هذه الحنطة بهذه الشهادة، لم يثبت الأخذ من يده بهذه الشهادة، لأن الشهود لم يعينوا الأخذ، فكان المشهود عليه بالأخذ مجهولًا وجهالة المشهود عليه يوجب بطلان الشهادة.
وجه ما ذكر في رواية أبي حفص أنهم شهدوا بالأخذ من يده؛ لأن الحصاد أخذه وقد شهدوا بالحصاد من أرضه، وأرضه في يده فكأنهم شهدوا بالأخذ من يده، قوله بأن المشهود عليه بالأخذ مجهول، قلنا لا بل هو معين ولكن اقتضاء لا نصًا، لأن المأخوذ في يده فيكون هو الآخذ.
قالوا: وما ذكر في رواية أبي سليمان أصح، لأنه ليس من ضرورة كون المأخوذ من يده أن يكون هو الآخذ غير ذي اليد، وقد أودعه صاحب اليد، وصاحب اليد يحوله عن موضعه حتى لم يصر غاصبًا.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: إذا شهدوا أن هذا الشيء أخذ من يد هذا المدعي، ولم يعينوا الأخذ يجب أن تكون المسألة على الروايتين أيضًا، على رواية أبي سليمان لا يقضى بالأخذ وعلى رواية أبي حفص يقضى.
قال: وهذا بخلاف ما لو شهدوا أن هذا الثوب غزل من قطن فلان، ونسج حيث لا يكون لفلان أن يأخذ الثوب، لأن هناك لم يثبت أخذ المنسوج من يده، إنما يثبت أخذ القطن وهو يريد أخذ المنسوج، ولم يثبت أخذ المنسوج من يده.
وإذا شهدوا أن هذا التمر أخذ من نخيل هذا المدعي قضي بالثمن للمدعي، لأن الشهادة بأخذ التمر من نخيله شهادة بملك التمر له، لأن ما يكون على نخيل إنسان من التمر يكون ملكًا له، إلا أن يملكه من غيره بخلاف الحنطة التي في أرض إنسان، لأن الحنطة التي في أرض إنسان قد تكون ملكًا لغير صاحب الأرض، وإذا شهدوا أن هذه الحنطة من زرع كان في أرض فلان، هذا الزبيب من كرم كان في أرض فلان لا يقضي بالحنطة والزبيب لفلان.
فرق بين هذه المسائل، وبينما إذا شهدوا أن هذه الحنطة من زرع فلان، هذا التمر من نخيل فلان، هذا الزبيب من كرم فلان، فإنه يقضى بذلك لفلان، والفرق: أن في الفصول الأخيرة لم يشهدوا لفلان بملك هذه الأشياء اقتضاء، لأنهم أضافوا أصل هذه الأشياء إليه، فإنهم قالوا: من كرمه، من نخيله، من زرعه، والشهادة بملك الأصل شهادة بملك ما يحدث فيه، أما في الفصول الأول فما شهدوا بملك هذه الأشياء لفلان، لا نصًا، ولا اقتضاء، لأنهم ما أضافوا أصل هذه الأشياء إليه بل شهدوا أنه كان في أرضه وقد يكون في أرض فلان زرع غيره ونخيل غيره فلهذا افترقا.
ولو شهدوا على إقرار ذي اليد أن هذه الحنطة من زرع كان في أرض فلان قضي بالحنطة لفلان.
فرق بين هذا وبينما إذا شهدوا أن هذه الحنطة من زرع كان في ملكه، والفرق: أن في إقراره بيان أنه كان في يده قبل هذا، فكأنه قال: كان في يده أمس وهناك يؤمر بالرد عليه وفي الشهادة أيضًا بيان، لأنه كان في يده قبل هذا إلا أن الشهود لو شهدوا أنه كان في يد هذا أمس لا تقبل الشهادة عند أبي حنيفة ومحمد، ولو شهدوا على جلد أو صوف أو لحم في يدي رجل أنه صوف شاة هذا المدعي، لحم شاة هذا المدعي، جلد شاة هذا المدعي، لا يقضى به للمدعي.
فرق بين هذه المسائل وبينما إذا شهدوا أن هذه الحنطة من زرع فلان، هذا التمر من نخيل فلان، هذا الزبيب من كرم فلان، فإن في هذه الفصول يقضى بهذه الأشياء للمدعي.
قال عيسى بن أبان رحمه الله: وكان ينبغي أن يقضى للمدعي في جميع هذه الفصول أو لا يقضى له في جميع هذه الفصول، فأما الفرق فلا وجه إليه وبالغ في ذلك بعض المشايخ.
وبعض مشايخنا قالوا: إنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع في بعض المواضع، وضع المسألة بحرف من وإنه للتبعيض فقد جعلوا المدعى به بعض ملك المدعي، وبعض ملك الإنسان ملكه، فقد شهدوا للمدعي بملكية المدعى به، فقضي له به، وفي بعض المواضع لم يذكروا حرف من فلم يجعلوا المشهود به بعض ذلك المدعى، إنما نسبوه إلى ملكه حيث قالوا: جلد شاته، صوف شاته، وليس من ضرورة كون الشيء منسوبًا إلى ملك الغير أن يكون مملوكًا لذلك الغير فلم يشهدوا للمدعي بملكية المدعى به، فلا يقضى له به وهذا القائل يقول: لو ذكروا حرف من في المسائل كلها لكان يقضى للمدعي في المسائل كلها، ولو لم يذكروا حرف من في المسائل كلها، لكان لا يقضى للمدع في المسائل كلها، وإلى هذا ذهب شمس الأئمة الحلواني رحمه الله.
ومن المشايخ من قال: لا بل بين هذه المسائل فرق، وإليه مال شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده، والفرق: أن في مسألة الحنطة وأخواتها شهدوا بملك هذه الأشياء من توابع النخيل والكرم لا محالة، لأنها متولدة من النخيل والكرم والشهادة بملك مطلق في الأصل شهادة بملك توابعه، فأما الجلد والرأس تبع للشاة من وجه وأصل من وجه، تبع من حيث إنها من أوصاف الشاة، وأصل من حيث إنها تقوم بعد المزايلة بنفسها، وكذلك لم يحدث هذه الأشياء من الشاة بل كان حدوثها مع الشاة معًا، فبهذا الاعتبار يكون أصلًا والشهادة بملك أحد الأصلين لا تكون شهادة بملك الأصل، شهادة بملك التبع، فلا تثبت الشهادة بملكية هذه الأشياء مع الاحتمال.
ولو شهدوا على دقيق في يدي رجل أنه طحن هذا الدقيق من حنطة هذا المدعي لا يقضى بالدقيق للمدعي، والجواب فيه كالجواب فيما إذا شهدوا أنه غزل هذا الثوب من قطن فلان، ونسج فيه سواه.
ولو شهدوا أن هذه الدجاجة ملك المدعي، فالقاضي لا يقضي بالدجاجة للمدعي، إذ ليس من ضرورة كون البيضة مملوكة لإنسان أن تكون الدجاجة الخارجية منها ملكًا له، فإنه إذا غصبها غاصب وخرج منها دجاجه، فالدجاجة تكون للغاصب ولا تكون لصاحب البيضة، كحنطة غصبها غاصب وزرعها، فإن الحب الذي يحصل يكون للغاصب كذا هاهنا، ولكن يقضى على صاحب اليد ببيضة مثلها لا أمر صاحب اليد أنه فرخها.
فرق بين هذه المسألة وبينما إذا شهدوا على جارية أو شاة، وقالوا: الأمة التي خرج منها هذه الجارية، والشاة التي خرجت منها هذه الشاة ملك المدعي، فإنه يقضى بالجارية والشاة للمدعي، والفرق: أن كون الأمة وكون الشاة مملوكة لإنسان ملكًا مطلقًا يوجب حدوث الولد على ملكه لا محالة، سواء كانت الولادة في يده أو يد الغاصب، إذا لم يوجد من المالك تمليك الولد ولم يظهر هاهنا تمليك الوالد من الولد من صاحب اليد، فكانت الشهادة بملكية الأمة والشاة مطلقًا شهادة بملك الولد.
أما كون البيضة مملوكة لإنسان ملكًا مطلقًا، لا يوجب حدوث الدجاجة الخارجة على ملك صاحب البيضة فلم تكن الشهادة بكون البيضة مملوكة للمدعي شهادة تكون الدجاجة الخارجة منها ملكًا للمدعي.
قال: ثوب مصبوغ بالعصفر في يدي رجل شهد الشهود أن هذا العصفر الذي في هذا الثوب لهذا المدعي، صبغ هذا الثوب به ورب الصبغ يدعي على رب الثوب أنه هو الذي صبغه، ورب الثوب يجحد ذلك فالقول قول رب الثوب، لأن رب العصفر يدعي عليه ثمن عصفره، ورب الثوب ينكر، وليس في شهادة هؤلاء ما يوجب ذلك، فإن ثوب الإنسان إذا هبت به الريح وألقته في صبغ إنسان، فرب الثوب لا يضمن الصبغ، ولكن يقوم الثوب أبيض ويقوم مصبوغًا، فإن شاء رب الثوب ضمن لرب العصفر ما زاد العصفر فيه وإلا يباع الثوب، فيضرب صاحب الثوب في الثمن بقيمة ثوبه أبيض، ويضرب صاحب الصبغ بما زاد العصفر فيه.
قال هشام: قال محمد: سمعت أبا يوسف يقول: إذا كان في يدي رجل أمة، وأثبت هذه أمته وأخذها منه لم يكن له على الابنة سبيل. وإذا أقام البينة على نخل في يدي رجل بأنه نخله وثمرة هذا النخل في يدي الرجل الآخر، أخذ الثمرة والنخل ولا يشبه الثمر الولد. ألا ترى أن لو أوصى بغلة نخلة عشر سنين جاز، ولو أوصى بما يصبغ ثيابه عشر سنين لا يجوز.
قال هشام: أيضًا سألت محمدًا عن أرض مزروعة حنطة، أقام آخر بينة أن الأرض له، أو قالت البينة لا ندري لمن الزرع، قال: إذا لم يعلم الزرع فالزرع يتبع الأرض، قلت فإن أقام الذي في يده الأرض بينة أنه هو الذي زرع، يجعل له الزرع، قال: نعم، قلت: فإن كان الزرع محصودًا أو كدسًا والشهود لم يشهدوا بالزرع لأحد، قال: الزرع لمن في يديه الأرض.
يجب أن يعلم أن الحائط المتنازع فيه لايخلو، إما أن لا يكون متصلًا ببنائهما ولكن يكون بين داريهما، أو يكون متصلًا ببناء أحدهما، والاتصال نوعان: اتصال تربيع، واتصال مجاورة وملازقة، ولايخلو إما أن يكون لهما عليه شيء من الجذوع والهراوي، أو كان لهما عليه جذوع أو كان لهما عليه هراوي أو كان لأحدهما عليه جذوع وللآخر هراوي.
فإن لم يكن الحائط متصلًا ببنائهما، ولم يكن لهما عليه شيء من الجذوع وغيره، فإنه يقضى بالحائط بينهما، هكذا ذكر في (الأصل) وإنما كان كذلك لأنهما استويا في الدعوى وليس ثمة من ينازعهما فيه، وليس أحدهما بأولى من الآخر فيقضى بينهما، ومعنى قوله يقضي بينهما: أنه إذا عرف كونه في أيديهما يقضى بينهما قضاء ترك على ما كان، وإن لم يعرف كونه في أيديهما وادعى كل واحد منهما أنه ملكه وفي يديه يجعل في أيديهما، لأنه لا منازع لهما فيه، لا أنه يقضي بينهما.
هذا كدار ادعاها رجلان يدعي كل واحد منهما أنه ملكه وفي يديه، فإن لم يعرف أنها في يديه يجعل في أيديهما، لأنه لا منازع لهما فيها لا أنه يقضي بينهما، وإن عرف أنها في أيديهما يجعل في أيديهما على ما كان كذا هاهنا.
وكذلك إن كان لأحدهما عليه هراوي أو بواري، ولا شيء للآخر عليه يقضي بينهما، لأن موضع الهراوي لا يثبت على الحائط يد استعمال، لأن الحائط إنما يبتني للسقف، وذلك للوضع بالجذوع عليه لا بوضع البواري والهراوي، لأن السقف على الهراوي والبواري لا يمكن، وإنما توضع الهراوي والبواري للاستظلال، والحائط لا يبنى للاستظلال، وهو نظير ما لو كان لأحدهما على الحائط ثوب مغصوب مبسوط ولا شيء للآخر، وهناك يقضى بالحائط بينهما، لأن صاحب الثوب غير مستعمل للحائط بالطريق الذي قلنا كذا هاهنا.
وإن كان لأحدهما عليه جذوع ولا شيء للآخر، فإنه يقضى به لصاحب الجذوع، لأن لصاحب الجذوع يدًا مستعملة وللآخر مجرد يد بلا استعمال، فيكون صاحب اليد المستعملة أولى، كدابة تنازع فيها اثنان أحدهما راكب والآخر أخذ بلجامها فالراكب أولى، وكذلك إذا كان لأحدهما عليها حمل وللآخر مخلاة، فصاحب الحمولة أولى، لأن له يد مستعملة وليس للآخر إلا مجرد يد بلا استعمال، وكثوب تنازع فيه اثنان وأحدهما لابسه والآخر متعلق بطرف منه، كان اللابس أولى، وكذلك هذا.
وإنما اعتبر الاستعمال ترجيحًا إذا استويا في اليد، لأن للاستعمال زيادة دليل على الصدق ليس من جنس اليد فيصلح للترجيح كيد ذي اليد في دعوى النكاح والشراء من ثالث، فإن بينة ذي اليد تترجح باليد، لأن اليد دليل زائد على الصدق، وإنه من خلاف جنس البينة فصلح لترجيح إحدى البينتين، فكذا الاستعمال دليل زائد على الصدق، لأن الظاهر أن الاستعمال إنما يكون من المالك، كما أن الظاهر أن اليد تكون للمالك لا لغيره، وأنه ليس من جنس اليد لأن الاستعمال انتفاع بعد ثبوت اليد، فكان جنسًا آخر سوى اليد فيصلح للترجيح، وكذلك إذا كان للآخر عليه هراوي؛ لأن الهراوي ليس باستعمال للحائط على ما بيّنا، فيكون وجوده وعدمه بمنزلة.
وإن كان لأحدهما عليه جذوع وللآخر عليه حائط سترة، فالحائط الأسفل لصاحب الجذوع لكونه مستعملًا له موضع حمل مقصود عليه ولصاحب السترة، السترة على حالها بمنزلة سفل لأحدهما، وعليه علو لآخر.
وإن كان لأحدهما جذع واحد، ولا شيء للآخر أو للآخر عليه هراوي هل يقضى لصاحب الجذوع الواحد؟ لم يذكر محمد رحمه الله هذا في ظاهر الرواية، وقال بعض مشايخنا: إنه لا يقضى لصاحب الجذع الواحد، لأن الحائط لا يبنى لوضع جذع واحد فكان كما إذا كان له عليه هراوي.
وروى ابن سماعة عن محمد أنه قال: يقضى لصاحب الجذع الواحد، وذلك لأن لصاحب الجذع الواحد، وذلك لأن لصاحب الجذع مع اليد نوع استعمال، لأن وضع الجذوع استعمال للحائط قضينا لصاحب الجذوع، فيكون وضع جذع واحد استعمالًا للحائط بقدره، وليس للآخر ذلك فيكون صاحب الجذع الواحد أولى، بسبب الاستعمال كما يكون أولى لو كان له جذوع ولا شيء للآخر عليه هراوي وبواري، هذا إذا لم يكن الحائط المتنازع فيه متصلًا ببنائهما.
وأما إذا كان الحائط المتنازع فيه متصلًا ببنائهما إن كان اتصالهما جميعًا اتصال تربيع أو اتصال ملازقة، فإنه يقضى بينهما نصفان، لأنهما استويا في الدعوى والاتصال بالأرض والبناء جميعًا، ليقضى بهما نصفان، وأما إذا كانت اتصال أحدهما اتصال تربيع واتصال الآخر اتصال ملازقة، فصاحب التربيع أولى لأن صاحب التربيع مستعمل للحائط المتنازع فيه، لأن قوام الحائط بقدر التربيع بالحائط المتنازع فيه، لأن تفسير التربيع إذا كان الحائط من مدر أو آجر كان أنصاف لبن الحائط المتنازع فيه داخلًا في أنصاف لبن غير المتنازع فيه وأنصاف لبن غير المتنازع داخلًا في المتنازع فيه.
وإن كان الجدار من خشب، فالتركيب أن يكون ساحة أحدهما مركبة في الأخرى، فأما إذا ثقب ودخل لا يكون تربيعًا، وإذا كان تفسير التربيع هذا كان لصاحب التربيع مع الاتصال نوع استعمال، وللآخر مجرد اتصال من غير استعمال، فيكون الاتصال أولى بمنزلة الراكب على الدابة والمتعلق باللجام، فإن الراكب أولى لأن له مع الاتصال استعمال فكذلك هذا، فأما إذا كان متصلًا ببناء أحدهما اتصال ملازقة واتصال تربيع، وليس للآخر اتصال ولا له عليه جذوع، فإنه يقضي لصاحب الاتصال، إن كان اتصال تربيع فلا إشكال وإن كان اتصال ملازقة فكذلك؛ لأنهما استويا في حق الاتصال بالأرض المملوك، ولأحدهما زيادة اتصال من خلاف جنس الأول، وهو الاتصال بالبناء فيترجح على الآخر.
وكذلك إذا كان متصلًا ببناء أحدهما وللآخر عليه هراوي، يقضى لصاحب الاتصال، لأن الهراوي وجوده كعدمه، وإن كان لأحدهما اتصال تربيع وللآخر عليه جذوع، فإن كان الاتصال في طرفي الحائط المتنازع فيه فصاحب الاتصال أولى، عليه عامة المشايخ، وهكذا روي عن أبي يوسف في (الأمالي) وفسر الكرخي ذلك، فقال: أن يكون للحائط المتنازع فيه تداخل بجانبيه بحائطين لأحدهما، والحائطان متصلان بحائط آخر لصاحب الحائطين بمقابلة الحائط المتنازع، حتى يصير مربعًا شبه القبة فحينئذٍ يكون الكل في حكم بناء واحد، فصاحب هذا الاتصال أولى على ما ذكره الكرخي.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أن المعتبر اتصال جانبي الحائط المتنازع فيه بحائطين لأحدهما، أما اتصال الحائطين بحائط آخر له غير معتبر، وإن كان لوجدنا كذبه، قال شمس الأئمة السرخسي: عليه عامة المشايخ فقد ترجح صاحب الاتصال على صاحب الجذوع، وإن كان لكل واحد منهما على الحائط يد استعمال؛ لأن الاستعمال بالتربيع سابق على الاستعمال بالجذوع، لأن التربيع يكون حالة البناء وحالة البناء يكون سابقًا على وضع الجذوع، فالاستعمال بالتربيع يكون سابقًا على الاستعمال بوضع الجذوع، فكان صاحب الاتصال أولى لهذا إلا أنه لا يرفع جذوع الآخر، بخلاف ما لو أقام صاحب التربيع بينة على أن الحائط له، فإنه يرفع جذوع الآخر.
والفرق وهو: أن البينة حجة مطلقة، يظهر في حق الرفع والإبطال والاستحقاق على الغير، ألا ترى أن الملك الثابت بالبينة كما صلح للرفع صلح لاستحقاق الشفعة على الغير؟ فأما اتصال التربيع فهو نوع ظاهر، فالملك الثابت به ثابت بنوع ظاهر، والظاهر يصلح للرفع ولا يصلح لإبطال حق صاحب الجذوع، وإن كان الاتصال في طرف واحد، ذكر شيخ الإسلام أن صاحب الاتصال أولى، وبه أخذ الطحاوي والشيخ الفقيه عبد الله المرشد، وذكر شمس الأئمة السرخسي: أن صاحب الجذوع أولى، وإن كان في إعطاء الحائط المتنازع فيه عود مركب على عود هو على حائط أحدهما خاصة والآخر عليه جذوع، فصاحب الجذوع أولى، لأن صاحب الجذوع مستعمل للحائط بجذوعه، وللآخر مجرد اتصال.
وإذا كان لأحدهما على الحائط عشر خشبات، وللآخر ثلاث خشبات فصاعدًا إلى العشرة فالحائط بينهما، لأنهما استويا في الاستعمال الذي بني الحائط لأجله؛ لأن الحائط بني للسقف، والسقيف كما يصلح بالعشرة يحصل بما دون ذلك إلى الثلاث، فاستويا في اليد أكثر ما في الباب أن لصاحب العشرة زيادة استعمال، إلا أن الجنس واحد والترجيح لا يثبت بالزيادة في الجنس الواحد، فلهذا يقضي بينهما، هذا هو جواب ظاهر الرواية.
وعن أبي يوسف في (الأمالي) إن أبا حنيفة كان يقول أولًا كما هو ظاهر الرواية ثم رجع وقال: يقضى لكل واحد منهما بما تحت خشبته، لأن ما تحت خشبته في يده وصاحبه خارج فيه، والقول قول صاحب اليد، والباقي بينهما لاستوائهما فيه.
وعن أبي يوسف أنه كان يقول أولًا فيما إذا كان لأحدهما عليه عشر خشبات، وللآخر ثلاثة كما هو ظاهر الرواية ثم رجع وقال: يقضى بالحائط لصاحب العشرة، لأن يد الاستعمال أقوى إلا أنه لا يؤمر الآخر برفع الجذوع، والصحيح ما ذكر في ظاهر الرواية.
ولو كان لأحدهما عليه عشر خشبات إلى الثلاث وللآخر عليه ما دون الثلاث خشبة أو خشبات، فالحائط لصاحب الثلاث فصاعدًا إلى العشرة ولصاحب ما دون الثلاث موضع جذعه مع أصل الحائط، ومعناه أنه يقضى بملك الحائط بينهما على قدر جذوعهما، لا أنه يقضى بملك الحائط لصاحب العشرة وللآخر مجرد حق الوضع، إذ لو كان المراد ذلك لكان يقال: الحائط لصاحب العشرة وللآخر حق وضع الجذع كما قال، وللآخر موضع جذعه مع أهل الحائط، علمنا أنه أراد به أن الحائط بينهما على عدد أجذاعهما، حتى أنه إذا كان لأحدهما عشر جذوع وللآخر جذع واحد يقضى بينهما، وهذا قول أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف، وكان ينبغي في القياس يقضى بينهما، هكذا ذكر الكرخي في (مختصره)، قال في (النوازل): وكان أبو حنيفة وأبو يوسف يقولان بالقياس أولًا ثم رجعا عنه.
وذكر الحاكم الشهيد في (المختصر) في كتاب الدعوى: أنه إذا كان لأحدهما عليه عشر خشبات، وللآخر عليه خشبة واحدة، ذكر في كتاب الصلح: أن لكل واحد منهما ما تحت خشبته، ولا يقضى بينهما نصفان يستحسن ذلك في الخشبة الواحدة ونحوها في كتاب الإقرار هو لصاحب العشرة، إلا موضع الخشبة.
قال القدوري: أراد بقوله في كتاب الإقرار هو لصاحب العشرة إلا موضع الخشبة استثناء حق الوضع يعني لصاحب القليل حق وضع خشبة.
وفي (المنتقى) قال أبو يوسف: إذا كان لأحدهما على الحائط أجذع، وللآخر عليه أكثر من ذلك جعله بينهما نصفان، ثم قال بعد ذلك: إذا كان لأحدهما عليه ثلاثة وللآخر عليه عشرون فالحائط لصاحب العشرين ولصاحب الثلاثة موضع جذوعه وإنما أجعله بينهما نصفين إذا تقاربت أو كان لصاحب الأقل أكثر من نصف جذوع الآخر.
وجه القياس في التسوية بين الجذع الواحد والثلاثة فصاعدًا، يقضى بينهما نصفان: أن الاستعمال بوضع الخشبة يثبت يد صاحبها على الحائط، فلا تعتبر الكثرة بعد ذلك للترجيح، كما لو تنازعا في ثوب وعامته في يد أحدهما، وطرفه في يد الآخر، وجه رواية التسوية بين الثلاث وما زاد عليها، وترجيح الثلاث فصاعدًا على ما دون الثلاث أن صاحب الثلاث ساوى صاحب ما زاد على الثلاث في الاستعمال الذي يبنى الحائط لأجله وهو التسقيف، فإن التسقيف يتأتى بالثلاث كما يتأتى بما زاد على الثلاث، وأما صاحب الواحد لا يساوي صاحب الثلاث في ذلك، لأن التسقيف لا يتأتى بالواحد، أو إن كان يتأتى ولكن بطريق الندرة وظهر الفرق من هذا الوجه وفي بعض المواضع: جعل الخشبتان بمنزلة الثلاث وبه أخذ بعض المشايخ، لأنه يمكن التسقيف بهما كما يمكن بالثلاث.
ثم على رواية كتاب الصلح، إذا قضي لكل واحد منهما بما تحت خشبته إذا كان لأحدهما عليه عشرة، وللآخر عليه واحد كيف يقضى بما بين الخشبات؟ لم يذكر هذا في (الكتاب) وقد اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: يقضى على أحد عشر سهمًا، وبعضهم قالوا: يقضى بينهما نصفان لاستوائهما في ذلك. ألا ترى أن في الدار التي فيها منازل وفي يدي رجل منزل منها وفي يد آخر باقي المنازل، إذا اختلفا بالساحة يقضى بالساحة بينهما لاستوائهما في الساحة، كذا هاهنا، وقال بعضهم بمنزلة الواحدة إذ لا يمكن التسقيف بهما إلا على سبيل الندرة.
ومما يتصل بهذا الفصل:
قال أبو حنيفة رحمه الله: في خُصّ بين رجلين والقمط إلى أحدهما، وادعى كل واحد منهما الخُصّ، فإنه يقضى بالخُصّ بينهما ولا ينظر إلى القمط، وقال أبو يوسف ومحمد: يقضى بالخُصّ لمن إليه القمط لأن الظاهر شاهد له؛ لأن الذي يشد الخُصّ يقوم وقت الشد على سطحه فيكون القمط إليه.
وعلى هذا إذا اختلفا في حائط بينهما، ووجه البناء و..... اللبن والطاقات إلى أحدهما يقضى بالحائط بينهما عند أبي حنيفة، ولا يقضى لمن إليه وجه البناء و.... اللبن والطاقات، وقال أبو يوسف ومحمد: يقضى لمن إليه وجه البناء و.... اللبن والطاقات؛ لأن الظاهر شاهد له؛ لأن الظاهر أن المالك هو الذي يجعل وجه البناء والطاقات إلى نفسه، ولأبي حنيفة أن القمط بعض، و.... اللبن والطاقات بعض، والشيء لا يكون دليلًا على نفسه، وما قالا يدل على الملك، أما لا يدل على الملك على الخصوص، فالإنسان كما يزين وجه جدار خاص يزين وجه جدار مشترك لأجل النظر والاستراحة، وكذلك في الجص قد يجعل القمط إلى جانب جاره ليسوي جانبه حتى.
.... فيسقط الاحتجاج به، بقي ما ذكرنا من الدليل خاليًا عن المعارض.
قال محمد رحمه الله: رجل له باب من داره في دار رجل، فأراد أن يمر من ذلك الباب، ومنعه صاحب الدار عن المرور في داره، وقال: ليس لك حق المرور في داري، وادعى صاحب الباب أن له حق المرور، فالقول قول صاحب الدار، لأنه صاحب يد في الطريق، لأن الدار بجميع أجزائها في يده وصاحب الباب خارج، والقول قول صاحب اليد، وعلى الخارج البينة، فإن جاء بشهود فشهدوا أنه كان يمر فيها من هذا الباب لم يستحق بذلك شيئًا وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، لأن هذه شهادة قامت على يده على الطريق في الزمان الماضي، فكانت شهادة بيد منقضيه، والشهادة بيد منقضيه باطلة عندهما.
فإن شهدوا أن له طريقًا ثانيًا فيها وسموا حدوده وبينوا طوله وعرضه بالذرعان، قبلت شهادتهم وقضي له بذلك، وكذلك إذا لم يبينوا حدوده ولا طوله ولا عرضه، تقبل شهادتهم ويقضى به بقدر عرض الباب الأعظم عرضًا، وإلى المسمى طولًا هكذا ذكر في (الكتاب).
من المشايخ من قال: المسألة مؤولة وتأويلها: أنهم شهدوا على إقرار المدعى عليه أن للمدعى عليه طريق ثابت في هذه الدار، أما لو شهدوا على الثبات لا تقبل شهادتهم، لأن مقدار الطريق متفاوت فهذه شهادة بالمجهول، والشهادة بالمجهول باطلة، والأصح: أن هذه الشهادة مقبولة على كل حال، لأن الجهالة إنما تمنع قبول الشهادة لتعذر القضاء بالمشهود به، والقضاء بالمشهود به هاهنا ممكن، لأن مقدار عرض الطريق حالة الاستثناء مقدر بعرض باب الدار، ألا ترى أن الشركاء لو اختلفوا في مقدار الطريق عرضًا يقدر بذلك.
قال الشيخ الإمام الزاهد أبو حفص الكبير رحمه الله: هذا إذا لم يثبتوا العرض والطول، لأن شهادتهم بدون الطول والعرض جائزة، وربما يصير بيان ذلك لرد الشهادة، وذكر أبو سليمان رحمه الله: إذا بين الطول والعرض فذلك أجوز، وقد ذكرنا شيئًا من ذلك في الفصل الثاني من (الكتاب).
وكذلك لو شهدوا أن أباه مات وترك طريقًا في هذه الدار ميراثًا له، قبلت الشهادة، وكذلك على هذا إذا كان له باب مفتوح من داره على حائطه في زقاق، وأنكر أهل الزقاق أن يكون له حق المرور في زقاقهم فلهم منعه، إلا أن تقوم له بينة على أن له طريقًا ثابتًا فيها، على نحو ما ذكرنا في الدار.
وإذا كان لرجل ميراث في دار رجل فأراد رب الدار أن يمنعه من أن يسيل فيه الماء، فله منعه حتى يقيم البينة أن له حق تسييل الماء فيه وليس لصاحب الدار أيضًا أن يقطع الميراث، وهذا لأن وضع الميراث في الأصل محتمل يحتمل أن يكون بحق بأن شرط في القسمة لهذا الرجل حق تسييل الماء في دار هذا الرجل، ويحتمل أن يكون بغير حق، فبالشك لا يثبت لصاحب الميراث حق تسييل الماء ولا يثبت لصاحب الدار حق قطع الميراث، وذلك في كتاب الشرب، في نهر في أرض رجل يسيل فيه الماء، واختلفا في ذلك، فالقول قول صاحب الماء إلا أن في مسألة كتاب الشرب: وضع المسألة فيما إذا كان جاريًا وقت الخصومة، وإذا كان جاريًا وقت الخصومة لا شك أنه يكون القول قول صاحب الماء، لأن صاحب الماء في هذه الحالة صاحب يد في النهر، فيكون القول قوله فيه، وكان له حق تسييل الماء فيه إلا أن يقيم صاحب الأرض بينة أن النهر ملكه.
وكذلك إذا لم يكن جاريًا وقت الخصومة، إلا أنه علم أنه كان يجري إلى أرض هذا الرجل قبل ذلك، كان القول قول صاحب الماء، ويقضى له بالنهر إلا أن يقيم صاحب النهر بينة أن النهر ملكه، حتى أن في مسألة النهر إذا لم يكن الماء جاريًا إلى أرض هذا الرجل وقت الخصومة، ولم يعلم بجريانه إلى أرضه قبل ذلك، فإنه يقضى لصاحب الأرض بالنهر إلا أن يقيم صاحب الماء بينة أن النهر ملكه.
وفي مسألة الميراث وضع المسألة فيما إذا لم يكن الماء جاريًا وقت الخصومة، ولا علم جريانه قبل ذلك، وإذا كان هكذا فصاحب الماء لا يكون صاحب يد في هذه الحالة، فلا يقبل قوله وهذا بلا خلاف بين المشايخ، فأما إذا كان الماء جاريًا في الميراث وقت الخصومة: فقد اختلف المشايخ فيه، منهم من قال: القول قول صاحب الميراث كما في مسألة النهر، ومنهم من قال: القول قول صاحب الميراث، وفرّق هذا القائل بين مسألة النهر وبين مسألة الميراث.
وذكر الفقيه أبو الليث عن المتأخرين من أصحابنا أنهم استحسنوا في الميراث إذا كان تصويب سطح صاحب الميراث إلى موضع الميراث وعلم أن التصويب قديم أن يجعل له تسييل الماء؛ لأن الظاهر شاهد له والقديم حجة شرعية، فإن جاء صاحب الميراث ببينة فشهدوا أنهم رأوه يسيل فيه الماء فليست هذه الشهادة بشيء، وهو قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لأنهم شهدوا له بيد منقضية، وإن شهدوا أن له مسيل ماء في هذا الميراث فإن عنوا أنه لماء المطر، أو لماء الوضوء؛ أو لماء الاغتسال فلا شك أن هذه الشهادة مقبولة، ويكون له ما شهدوا له به إن شهدوا أنه لماء الوضوء والاغتسال، فهو لماء الوضوء والاغتسال، وليس له أن يسيل فيه ماء المطر.
وإن لم يثبتوا شيئًا من ذلك؛ ذكر في (الكتاب) أن الشهادة مقبولة واختلف المشايخ فيه؛ فمنهم من قال: المسألة مؤوَّلة وتأويلها: أنهم شهدوا على إقرار صاحب الدار أن له مسيل ماء في داره في هذا الميراث، وإذا كان هكذا لا شك أن الشهادة تقبل؛ لأنه ثبت إقراره بالبينة؛ وإقراره حجة عليه، ويرجع في البيان إليه أنه لماء المطر أو لماء الوضوء والاغتسال، فأما إذا شهدوا على...؟ ولم يثبتوا شيئًا من ذلك؛ لا تقبل الشهادة لأن العمل بإطلاق اللفظ هنا غير ممكن، لأن ضرر ماء المطر مع ضرر ماء الوضوء يقل ويدوم، وإذا كان الضرر مختلفًا كان الجنس مختلفًا، واللفظ الواحد لا ينتظم أمرين مختلفين كاسم القرء وأشباهه، وإنما يتناول أحدهما، وذلك الواحد مجهول فلا تقبل الشهادة.
ومن المشايخ من قال: لو تقبل الشهادة ماذا يثبت بعضهم؟ قالوا: يثبت حق مسيل ماء المطر، ومنهم من قال: يثبت كلا الأمرين حق مسيل ماء المطر، وحق مسيل ماء الوضوء والاغتسال. ومنهم من قال: يؤمر صاحب الدار بالبيان؛ فإن قال: لماء الوضوء، فهو لماء الوضوء لا غير، وإن قال: لماء المطر فهو لماء المطر لا غير، ويحلف على الآخر؛ لأن هذا أمر يجري فيه البدل والإقرار فيجري فيه اليمين.
وإن شهدوا أنه مسيل ماء دائم للوضوء والاغتسال وماء المطر فهو جائز، ويثبت جميع ذلك ولو لم يكن للمدعي بينة أصلًا استحلف صاحب الدار ويقضي فيه بالنكول.
وفي (المنتقى): قال هشام: سألت محمدًا رحمه الله عن نهر عظيم الشرب لأهل قرى لا يحصون، حبسه قوم من أعلى النهر عن الأسفلين، وقالوا: هو لنا وفي أيدينا، وقال الذين في أسفل النهر: هو لنا كله ولا حق لكم فيه. قال: إذا كان النهر يجري إلى الأسفلين يوم يختصمون ترك على حاله يجري كما يجري وشربهم جميعًا منه كما كان وليس للأعلين أن يسكروه عنهم، وإن كان الماء منقطعًا عن الأسفلين يوم يختصمون ولكن علم أنه كان يجري إلى الأسفلين فيما مضى وأن أهل الأعلى يحبسوه عنهم، أو أقام أهل الأسفل بينة أن النهر كان يجري إليهم، وأن أهل الأعلى حبسوه عنهم أمر أهل الأعلى بإزالة الحبس عنهم، وهذه المسألة دليل على أن الشهادة على يد منقضية صحيحة عند محمد.
قال هشام: قلت لمحمد: أرأيت هؤلاء الذين لا يحصون إذا ادعى بعضهم هذا النهر، وأقام البينة أنه لقرى معلومة لا يحصى أهلها انقضى بها لتلك القرية بدعوى هذا وإقامته البينة والمدعى عليهم لا يحصون، وقد حضر بعضهم وفيهم الصغير والكبير؛ قال محمد رحمه الله: إذا كان هذا على ما يصف قائمًا هذا النهر بمنزلة طريق من طرق المسلمين نافذ، فإن أقام قوم البينة أنه لهم دون غيرهم استحقوه وخرج من أن يكون بهذا لجماعة المسلمين، وصار لأهل تلك القرى خاصة، واكتفى القاضي بواحد من المدعين، وبواحد من المدعى عليهم، وإن كان النهر خاصًا لقوم معروفين يحصون؛ لم يقضِ عليهم بحضور واحد منهم وقضى على من حضر منهم.
قال محمد رحمه الله في (الأصل): وإذا كان الدار التي يدعي فيها المسيل، أو الطريق بين ورثة، فأقر بعضهم بالمسيل والطريق وجحد ذلك الباقون لم يكن للمقر له أن يمر فيه والآن يسيل فيه الماء؛ لأن الإقرار بالطريق والمسيل من بعض الشركاء إقرار باطل؛ لأن الطريق والمسيل إنما يكون في مكان بعينه، وإقرار أحد الشريكين بمكان بعينه من الموضع المشترك إقرار باطل؛ لأن الساكت يتضرر بهذا الإقرار زيادة ضرر؛ لأنه يحتاج إلى قسمتين: قسمة مع المقر له حتى يتميز نصيبه، وقسمة أخرى مع المقر في هذا المكان المقر به وعند ذلك عسى يتفرق أنصباؤه، وفي ذلك ضرر له ويصرف بعض الشركاء في الموضع المشترك على وجه يوجب زيادة ضرر بالباقين باطل، وإذا بطل هذا الإقرار صار وجوده وعدمه بمنزلة ولو عدم كان الجواب كما قلنا، فهاهنا كذلك.
وهذا بخلاف ما لو أقر بعض الشركاء بجزء شائع من الدار المشترك بينه وبين غيره حيث يصح الإقرار لأنه ليس في هذا الإقرار زيادة ضرر على ما في يد الشركاء؛ لأن الساكت لا يحتاج إلى قسمتين؛ إنما يحتاج إلى قسمة واحدة بينه وبين المقر ثم يدخل المقر له في نصيب المقر، وبخلاف ما لو أقر بعض الشركاء بنصيبه من الشراب أو ببعض نصيبه حيث يصح هذا الإقرار، وإن أقر بإجراء الماء في مكان بعينه وهو النهر كما في الطريق؛ لأنه ليس في هذا الإقرار زيادة ضرر بالساكت؛ لأنه لا يحتاج إلى قسمتين لأن قسمة الشرب إنما تكون من حيث المهايأة كما قبل الإقرار، ويصير لومة المقر له إن أقر له بجميع نصيبه، وإذا أقر له ببعض نصيبه يدخل المقر له في لومة المقر، فلا يلحق الساكت زيادة ضرر بهذا الإقرار أما هاهنا بخلافه.
فإن قسم الورثة هذه الدار بعد هذا الإقرار من بعض الشركاء فوقع الطريق والمسيل في نصيب المقر يؤمر بتسليمه إلى المقر له، وينقلب ذلك الإقرار صحيحًا لزوال المانع من صحته، وهو ضرر الساكت، وإن وقع الطريق والمسيل في نصيب المقر، فالمقر يضرب بنصيبه إلا قدر الطريق والمسيل؛ هكذا ذكر في (الكتاب) ولم يحك فيه خلافًا.
قالوا: ويجب أن يكون المذكور في الكتاب قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
وعلى قول محمد: يضرب المقر له بنصف قيمة الطريق والمسيل، والمقر يضرب بحصته إلا قدر قيم نصف الطريق والمسيل قياسًا على مسألة كتاب الإقرار، فإنه ذكر في كتاب الإقرار: دار بين رجلين فيها عشر بيوت؛ أقر أحد الشريكين ببيت بعينه لآخر لا يصح إقراره للحال فإذا قسم المقر والساكت الدار فيما بينهم بعد ذلك إن وقع البيت المقر به في نصيب المقر، فإنه يؤمر بتسليمه إلى المقر له، وإن وقع في نصيب صاحبه ذكر أن على قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ يضرب المقر له بجميع ذرعان البيت في نصيب المقر، والمقر يضرب بنصف ذرعان الدار إلا قدر ذرعان البيت حتى أنه إذا كان ذرعان البيت المقر به عشرة، وذرعان الباقي تسعون، فالمقر له يضرب بنصف ذرعان البيت، وذلك خمسة أذرع، والمقر يضرب بخمسة وأربعين، فهاهنا يجب أن يكون كذلك على قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ يضرب له بجميع قيمة الطريق والمسيل، وعلى قول محمد يضرب بنصف قيمة الطريق والمسيل إلا أن في مسألة المسيل والطريق اعتبر القيمة، وفي مسألة البيت اعتبر القيمة وفي مسألة البيت اعتبر الذرعان؛ لأن المقر به في مسألة المسيل والطريق حق المرور، وحق مسيل الماء لا الرقبة، فلا يمكن اعتباره بالذراعان، والمقر به في مسألة البيت الرقبة فأمكن اعتباره بالذراعان.
وطريق معرفة قيمة حق المرور ومسيل الماء أن ينظر إلى قيمة الدار، وفيها حق المرور للغير وإلى قيمتها، وليس فيها حق المرور لأحد، فإن كانت قيمتها وليس فيها حق المرور مئة، فنضرب المقر له بمئة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، والمقر بأربعمئة، وعند محمد يضرب المقر له بخمسين، والمقر بأربعمئة وخمسين.
وإذا كان مسيل ماء في دار رجل في قناة، فأراد صاحب القناة أن يجعله ميراثًا، فليس له ذلك إلا من صاحب الدار؛ أما إذا أراد أن يجعله ميراثًا على الهواء فلأنه يريد أن يشغل شيئًا من هواء داره، وأما إذا أراد أن يجعله ميراثًا على وجه الأرض، فلأنه يريد أن يزيل منفعة وجه الأرض عن صاحب الدار؛ لأن الماء في القناة يجري تحت القناة والآن يجري على وجه الأرض.
ولو كان ميراثًا فأراد أن يجعله قناة فإن كان في ذلك ضرر على صاحب الدار بأن احتاج إلى حفر حافتي النهر لجعله قناة، فليس له ذلك إلا برضا صاحب الدار، وإن لم يكن في ذلك ضرر على صاحب الدار بأن لم يحتج إلى ذلك بأن كان الميراث عرضًا، فله ذلك وذكر الكرخي أنه إذا تساوى الأمران في الضرر فله أن يجعل القناة ميراثًا والميراث قناة.
ومن المتأخرين من قال: ما ذكر محمد في (الكتاب) مجهول على ما إذا كان له حق المسيل لا غير، فأما إذا كانت البقعة التي يسيل فيها الماء ملكه، فله أن يتصرف فيها بما شاء، قال في (الكتاب): وإن كان الميراث على الهواء، فليس له أن يجعله قناة ولم يفصل، بينما إذا كان لصاحب الأرض فيه ضرر أو لم يكن؛ لأن هاهنا يحتاج إلى حفر الأرض وإنه لا يخلو عن الضرر.
ولو أراد أهل الدار أن يبنوا حائطًا ليسدوا مسيله به لم يكن له ذلك، ولو بنى أهل الدار بناء ليسيل مسيله على ظهره فلهم ذلك.
ولو كان لرجل طريق في دار رجل، فأراد صاحب الدار أن يقطع طريقه لم يكن له ذلك، وينبغي أن يتركوا في ساحة الدار عرض باب الدار.
وفي (نوادر هشام) قال: سألت محمدًا عن رجل ادعى على رجل أن مجرى مائه في بستانه، ولم يكن الماء جاريًا يوم اختصما فشهد شاهدان أنه كان جاريًا إلى بستان هذا أمس؛ قال: كان أبو يوسف يجيز هذه الشهادة، وكان أبو حنيفة لا يجيزها ما لم يشهدوا له بالملك أو الحق، وهو قول محمد رحمه الله.
ولو شهدوا على إقرار المدعى عليه بذلك جائز في قولهم وهو نظير ما لو ادعى رجل دارًا في يدي رجل وشهد الشهود أن هذه الدار كانت في يد المدعي قبلت الشهادة عند أبي يوسف، وقضى بالدار للمدعي، وعلى قول أبي حنيفة ومحمد لا يقضي بالدار للمدعي، ولو شهدوا على إقرار المدعى عليه أنها كانت في يد المدعي قضى بالدار للمدعي.
قال أيضًا: وسألته عمن ادعى قبل آخر ناوقة موضوعة على نهر هذا أمس جاء السيل حتى قلعها أمس وبقي بها.
قال محمد رحمه الله: إذا شهدوا بذلك أمر به أن يعيد الناوقة كما كانت موضوعة قلت: فإن أراد أن يجري فيها الماء فمنعه صاحب النهر، وجحد أن يكون له فيها مجرى قال: له أن يمنعه حتى يقيم البينة على أن يجري ماء فيها، قلت: فما منفعته في ذلك إذا لم يسل؟ قال: يقول صاحب الميراث: إذا كان مركبًا فربما أخذ بينة في الحال على أن يسيل مائي فيها فيمكنني تسييل الماء فيها من غير توقف.
ذكر ابن سماعة في (نوادره) في الميراث الذي كان يجري فيها الماء في دار رجل إلى دار رجل؛ لا تقبل الشهادة في هذا في قول أبي حنيفة حتى يشهدوا أنه حق له، وقال أبو يوسف: إذا شهدا أن هذا مجرى مائه؛ كان له أن يجري فيه الماء، ولا يشترط أن يشهدوا له بالملك أو الحق وهذه المسألة ومسألة مجرى الماء في البستان سواء. وإن لم يكن لصاحب المجرى بينة في هذه المسائل يحلف صاحب الدار وصاحب البستان بأنه ليس له فيه حق، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وعلى قول أبي يوسف رحمه الله: يحلف أنه ليس هذا مجرى مائه والله أعلم.
رجلان ادعيا عينًا في يدي رجل يدعي كل واحد أنه ملكه ورثه عن أبيه أو ادعيا الملك مطلقًا، وأقام كل واحد منهما بينة على دعواه، فظهرت عدالة شهود أحدهما، فالقاضي يقضي بالعين كله لمن ظهرت عدالة شهوده؛ لأن حقه قد ظهر من كل وجه وحق الآخر عسى يظهر، وعسى لا يظهر بأن لا يعدل شهوده وليس لمعرفة عدالة شهوده غاية معلومة ووقت معلوم، ولا يجوز تأخير حق ظاهر لحق موهوم به عسى لا يظهر وعسى يظهر، وليس لظهوره وقت معلوم وتبطل بينة الآخر حتى إذا ظهرت عدالتهم فالقاضي لا يقضي بشيء؛ لأن القاضي لما قضى بالعين كله للذي ظهرت عدالة شهوده مع قيامها يوجب القضاء بالنصف الآخر، وهو شهادة شهوده يضمن القضاء بالدار كله له إبطال بينة الآخر، والقاضي له ولاية إبطال البينة إذا لاح له دليل الإبطال، والقاضي إذا أبطل البينة في حادثة لا يجوز القضاء بها في تلك الحادثة أصلًا، وإن أقام الآخر بينة بعد ذلك على صاحبه المقضي له أن العين له قبل القاضي بينته وقضى بكل العين سواء جاء بشهود آخرين أو بتلك الشهود، لأنه لو لم يقبل شهوده إنما لم يقبل لصيرورته مقضيًا عليه ببينة المقضي له، ولا وجه إليه؛ لأن بينة المقضي له قامت على صاحب يد الأول لا على المدعي الآخر.
فإن قال المقضي له الأول بعد ذلك: أنا أعيد البينة على المقضي له الثاني أن العين لي، فالقاضي لا يلتفت إلى بينته؛ لأنه صار مقضيًا عليه من جهة المقضي له الثاني.
ولو ظهرت عدالة شهودهما وقضى القاضي بالعين بينهما لاستوائهما في الحجة، ثم أحد المدعيين أقام بينة أن العبد عبده لا ينتفع بهذه البينة ولا يقضى له على صاحبه بشيء؛ لأن كل واحد من المدعيين صار مقضيًا عليه في النصف الذي قضى به لصاحبه؛ لأنه ببينته استحق الكل، ولولا بينة صاحبه يقضى بكل العبد، فإنما حرم كل واحد منهما عن النصف ببينة صاحبه، فصار هو مقضيًا عليه من جهة صاحبه، والإنسان متى صار مقضيًا عليه في شيء لا يصير مقضيًا له في عين ذلك الشيء.
فإن قيل: كيف يجعل كل واحد من المدعيين مقضيًا عليه في النصف الذي قضى به لصاحبه، ولم يكن له في النصف ملك قبل القضاء لصاحبه؟ قلنا: إن لم يكن له فيه ملك فله حق الملك؛ لأنه أقام البينة أن الكل له، وإنها حقيقة الملك عند اتصال القضاء بها، فقبل اتصال القضاء بها، فوجب حق الملك وحق الملك معتبر بحقيقة الملك ولو ثبتت الحقيقة يصير مقضيًا عليه كذا هاهنا.
ولو عدلت بينة أحدهما ولم تعدل بينة الآخر أو لم يقم الآخر شاهدًا أصلًا أو أقام شاهدًا واحدًا، فقضي به لمن عدلت ببينة عادلة قضي له بالعين، وقبلت بينته؛ لأنه لو لم تقبل بينته إنما لم تقبل لصيرورته مقضيًا عليه من جهة صاحبه؛ لأنه لم يكن له في المقضي به لا حقيقة الملك ولا حق الملك في انعدام الحجة الموجبة للقضاء، والقضاء على الإنسان بإزالة الاستحقاق الثابت، فإذا لم يكن الحق ثابتًا له كيف يتصور إزالته، فعلم أنه لم يصر مقضيًا له، فسمع دعواه وبينته بعد ذلك.
فلو كان كل واحد من المدعيين ادعى أن العين له أودعه من صاحب اليد، وأقام أحدهما البينة، فقبل أن يزكي بينته أقر ذو اليد أن العبد الذي لم يقم البينة أودعه إياه ذو اليد؛ قبلت بينته، وقضي له بالعبد؛ لأن المقر له لم يصر مقضيًا عليه؛ لأن بينة غير المقر قامت على ذي اليد لا على المقر له، وجعل المقر له كالوكيل عنه.
فإن قيل: الملك قد ثبت للمقر له بإقرار ذي اليد وبتصديق المقر له إياه ثم استحق عليه بالقضاء ببينة المدعي، فيجعل المقر له مقضيًا عليه، قلنا: إقرار ذي اليد كان بعد إقامة المدعي البينة على ذي اليد وعند ظهور عدالة الشهود يثبت الاستحقاق من وقت الشهادة فظهر أن إقرار ذي اليد كان باطلًا، لأنه ظهر أنه لم يكن مالكًا للعبد، وإذا بطل إقرار ذي اليد بطل تصديق المقر له لأنه بناء عليه، وإذا بطل الإقرار والتصديق صار وجودهما والعدم بمنزلة، ولو عدم بمنزلة ولو عدما وباقي المسألة بحالها كان المقضي عليه الذي كان العبد في يده دون المقر كذا هاهنا.
وكذلك لو أقام المقر له البينة على ما ذكرنا قبل القضاء لصاحب البينة يقضي للمقر له ويبطل بينة صاحبه؛ لأن بينة المقر له ظهر أن صاحبه أقام البينة على مودع المقر له وهو ليس بخصم، والبينة القائمة على غير الخصم باطلة.
فإن قيل: بينة المدعي متى قامت على المودع إنما تبطل إذا كان المودع غائبًا وقت إقامة البينة؛ أما إذا كان حاضرًا كانت البينة مقبولة، وتكون إقامة البينة على المودع والمودع حاضر بمنزلة إقامة البينة على المودع، وهاهنا المقر له حاضر وقت إقامة المدعي البينة على مودعه، فصار بمنزلة ما لو أقام المدعي البينة على الذي كان العبد في يده حقيقة فهو غائب حكمًا؛ لأنه ليس بخصم للمدعي وقت إقامة البينة؛ لأنه لم يكن له في العبد ملك ولا حق ملك وقت إقامة المدعي البينة، وكذا لم يثبت له زيادة خصوصية بهذا العبد ظهر من بين سائر الأجانب، وهو كونه بحال لو أقام شاهد يقضي له، فصار غائبًا حكمًا حتى لو كان المقر له أقام شاهدًا واحدًا قبل إقرار ذي اليد له بالعين ويثبت له زيادة خصوصية بهذا العين من بين سائر الناس وهو كونه بحال لو أقام شاهدًا واحدًا يستحق القضاء حتى كانت خصومته معتبرة وقت إقامة المدعي البينة على مودعه، فكان حاضرًا حقيقة وحكمًا كانت البينة القائمة على مودع المقر له بمنزلة القائمة على المقر له، فتقبل بينته ويصير المقر مقضيًا عليه، فلا تسمع بينته بعد ذلك.
فإن قال غير المقر له: أنا أعيد شهودي على المقر له هل يقبل شهود بينته؟ فهذا على وجهين: إن قال ذلك بعد ما قضى القاضي ببينة المقر له لا تسمع بينته؛ لأنه لم يصر مقضيًا عليه ثم يقضي له بجميع العبد؛ لأنه لما أعاد البينة، فقد أبرأ ذا اليد عن الخصومة، ورضي بنفاذ إقراره واستأنف الخصومة مع المقر له وله ولاية إبراء المقر عن الخصومة واستئناف الخصومة مع المقر له؛ لأن ما يدعيه غير المقر له في يد المقر له، فتقررت يد المقر له، واجتمع بين بينة الخارج وبينة ذي اليد وهو المقر له والدعوة في الملك المطلق، فكانت بينة الخارج أولى والله أعلم.
إذا أرادت المرأة إثبات بقية مهرها على زوجها فلها ذلك، وإن لم يكن لهاحق المطالبة ببقية المهر في الحال، وكذلك ممن له الدين المؤجل إذا أراد إثباته فله ذلك، وإن لم يكن له حق المطالبة في الحال، وهذا لأن إثبات الحق لا يعتمد المطالبة للحال لامحالة؛ ألا ترى أن إثبات الدين على الميت على وارث لم يصل إليه شيء من تركة الميت صحيح، وإن لم يكن لرب الدين حق المطالبة في هذا الوارث إذا لم يصل له شيء من تركة الميت؟ ولكن يعتمد الفائدة.
وللمرأة في إثبات بقية مهرها في الحال فائدة، وكذلك في إثبات الدين المؤجل في الحال لجواز أن شهوده يغيبون، فلا يقدر على إثبات الدين عند محل الأجل.
ادعى على غيره عشرة دراهم دين وشهد الشهود أنه دفع إليه عشرة دراهم لا تقبل الشهادة؛ لأن دفع العشرة قد يكون لجهة أخرى غير الدين.
قال هشام في (نوادره): قلت لمحمد: رجل لي عليه ألف درهم، وللرجل على امرأته ألف درهم، فخاصما فيه، فأقامت المرأة شاهدين وأنا غائب أني أقررت أن الدراهم التي على هذا الرجل الذي يطالبها ملك لهذه المرأة لا شيء له فيها وإنما هي باسمي من ثمن عبد بعته لها والرجل الذي يطالب المرأة مقر بأن لي عليه ألف درهم أو منكر، فأقامت المرأة البينة أن لي عليه ألف درهم وأنا أقررت أن ملكها لها وأن اسمي في ذلك عارية؛ قال محمد رحمه الله: هذا أمر جائز، وشهادة قاطعة ادعى دينًا على ميت، فخص الوصي أو الوارث فلو حضر القاضي أو أحد الورثة بذلك يلزمه الدين في حصته حتى يستغرق جميع حصته؛ هكذا ذكر الخصاف في (أدب القاضي) في باب إثبات الدين والحقوق فهذه إشارة الى أن بمجرد إقرار بعض الورثة يلزمه كل الدين في نصيبه من غير أن يحتاج فيه الى قضاء القاضي ألا ترى أنه قال: لو أقر أحد الورثة بذلك يلزمه الدين في حصته حتى يستغرق جميع حصته ولم يشترط فيه قضاء القاضي، وليس الأمر كذلك بل يحتاج الى قضاء للزوم المقر كل الدين في نصيبه؟
وإليه أشار محمد رحمه الله في (الزيادات) حيث قال: لو أقر الوارثان لرجل بالدين على الميت ومعهما ورثة أخرى فلم يقض القاضي بشيء بحكم إقرارهما حتى شهدا لذلك الرجل على الميت بذلك الدين قبلت شهادتهما، ولو قضى القاضي بالدين على المقرين في نصيبهما، ثم شهدا بذلك الدين لذلك الرجل على الميت لا تقبل شهادتهما؛ لأن في الوجه الأول لم يحولا إلى غيرهما بعض ما لزمها، ثم إنما لا يلزم المقر الدين في نصيبه خاصة بمجرد الإقرار قبل قضاء القاضي لوجهين:
أحدهما: أن هذا إقرار في معنى الشهادة؛ لأنه إقرار على الغير، وهو الميت ثم الشهادة لا تصير موجبة إلا بقضاء القاضي، فكذا الإقرار الذي مر في معنى الشهادة.
والثاني: أنه يحتمل أن رب الدين يجد بينة في ذلك أو يصدق باقي الورثة، فلو ألزمناه جميع الدين بإقراره في نصيبه في الحال فقد ألزمناه ذلك مع الاحتمال، وإنه لا يجوز، وإنما ينقطع هذا الإحتمال ويلزمه كل المال بقضاء القاضي.
فإن قيل: إذا كان لا يلزم المقر كل الدين في نصيبه بمجرد إقراره فبأي طريق يقضي القاضي عليه بكل الدين.
قلنا: طريقه أن الدين يقضي ممن أيسر المالين قضاء ألا ترى أنه إذا كان في التركة عين ودين، فالدين يقضى والدين دون العين، وألا ترى أن بعض التركة إذا كان حاضرًا والبعض غائبًا، فالدين يقضى من الحاضر إذا ثبت هذا فنقول إذا لم يجد رب الدين بينة، ولم يصدقه باقي الورثة فأيسر المالين قضاء يصيب المقر، فيقضي عليه بذلك حتى يوفى من نصيبه، وإن كان الدين متعلقًا بكل التركة.
وفي كتاب (الأقضية): رجل ادعى على رجل أن له على فلان ألف درهم، وأن فلانًا أمر هذا أن يدفعها إليه من هذا الألف التي عنده له، وجحد المودع الأمر بذلك، فأقام المدعي بينة على الألف الوديعة، والأمر بالدفع، وقضى القاضي عليه، فإنه يكون ذلك قضاءً على الغائب، وينتصب الحاضر خصمًا عن الغائب.
رب الوديعة إذا أقام البينة عل أن الورثة باعوا عينًا من التركة، والتركة مستغرقة بالدين، وقالت الورثة: إن أبانا باع هذا العبد في حياته، وأخذ الثمن، وأقاموا جميعًا البينة، فبينة رب الدار أولى؛ لأن رب الدين ببينته يثبت الضمان عليهم، وهم ينفون.
في (فتاوى الفضلي) رحمه الله تعالى: إذا ادعى بعض الورثة على مورثه دينًا، وصدقه بعض الورثة، وكذبه البعض قالوا: يستوفى الدين من نصيب من صدقة بعد أن يطرح نصيب المدعي وقد ذكرنا....، من مسائل هذا الفصل في كتاب (أدب القاضي) ادعى على ميت ألف درهم دينًا، وقضى القاضي له بذلك ببينة أقامها وأخذها، ثم جاء رجل آخر وادعى على الميت ألف درهم دين وأنكرت الورثة، وأقر الغريم الأول فإن ما أخذه الأول يكون بين الأول، وبين الثاني دعوى الدين على المودع لا تصح بخلاف دعوى الوارث عليه التركة إذا كانت مستغرقة بالدين فجاء غريم آخر وأراد إثبات دينه بالبينة، فإنما يثته على الوارث لا على غريم آخر، ولكن لا يحلف الوارث؛ لأن فائدة الحلف النكول الذي هو إقرار، والوارث لو أقر بالدين والتركة مستغرقة بالدين لا يصح إقراره، ولا يظهر الدين في حق غريم آخر، هذا هو المذكور في سائر الكتب، ولم يذكر في شيء من الكتب أنه هل يصح إقرار هذا الوارث في حق نفسه؛ حتى لو ظهر للميت مال آخر يستوفي دين هذا الغريم من نصيب الوارث المقر، وينبغي أن يصح، ولكن لا يحلفه لهذه الفائدة الموهومة، والله أعلم.
قال محمد رحمه الله (الأصل): رجل في يديه دار مبنية جاء رجل وأقام بينة أنها داره وذكرا البناء في شهادتهما أو لم يذكرا، ثم ماتا أو غابا قبل أن يسألهما القاضي عن البناء، فإن القاضي يقضي بالدار ببنائها للمدعي أما إذا ذكروا البناء فلا شك فيه، وأما إذا لم يذكروا البناء؛ فلأن البناء مركب في الأرض تركيب إفراز فيدخل تحت ذكر الأرض خصوصًا في ذكر الدار؛ لأن في الغالب تستعمل الدار في المبني، ثم إذا قضى القاضي للمدعي بالدار ببنائها أقر المدعي بعد ذلك وقال: ليس البناء لي وإنما هو للمدعى عليه ولم يزل له أو قال ذلك بعد الشهادة قبل القضاء، فإن هذا إكذاب للشاهد وبطلب الشهادة والقضاء في البناء والدار جميعًا وإن قال: البناء للمدعى عليه فهذا ليس بإكذاب لشهوده؛ هكذا المسألة في (الأقضية).
وذكر في آخر شهادات (الأصل) أن الشهود إذا ذكروا البناء في شهادتهم، وقضى القاضي بشهادتهم، ثم أقر المدعي بعد ذلك بالبناء للمدعى عليه كان ذلك إكذابًا لشهوده، وبطلت الشهادة والقضاء وإن لم يذكروا الثاني في شهادتهم وقضى عليهه بالدار والبناء، ثم أقر بالبناء للمدعى عليه لا يكون ذلك إكذابًا لشهوده.
وجه الفرق على رواية شهادات (الأصل): أن البناء إذا لم يكن ملفوظًا في الشهادة فالقضاء بالبناء ما كان لكونه مشهودًا بل تبعًا للأرض؛ لأن حكم الأصل يثبت في التبع إلا إذا وجد دليل يوجب قطع التبعية، فإذا أقر المدعي بالبناء بعد ذلك للمدعى عليه فهذا إقرار حجة قطعية عن التبعية وحجة أصلية في الملك لا أن يكون إكذابًا لتلك الشهادة، فأما إذا كان البناء ملفوظًا به في الشهادة فالقضاء بالبناء لكونه مشهودًا به فالإقرار بالبناء بعد ذلك للمدعى عليه يكون إكذابًا للشهود، فيوجب بطلان الشهادة.
ووجه التسوية على رواية كتاب (الأقضية): أن مطلق اسم الدار في الغالب من كلام الناس وفي عاداتهم يستعمل بإزاء الأرض والبناء، والشرع يشهد لذلك حتى أن من حلف لا يدخل دارًا، فدخل صحراء كانت دارًا، وقد انهدم بناؤها لا يحنث، والثابت باعتبار العادة وعليه الاستعمال كالثابت بمطلق اللفظ حقيقة فاستوى ذكر البناء وعدمه.
ثم على رواية كتاب (الأقضية) فرق بينما إذا قال المقضى له: ليس البناء لي وإنما هو للمدعى عليه، وبينما إذا قال: البناء للمدعى عليه يوم شهادة الشهود أو قال: لم يزل ملكًا للمقضي عليه فلم يجعل الإقرار تكذيبًا للشهود وجعل الثاني والثالث تكذيبًا.
وعلى رواية كتاب (الشهادة) لم يفصل وجعل مطلق الإقرار بالبناء للمدعى عليه تكذيبًا للشاهد إذا كان البناء مذكورًا في الشهادة.
وجه ما ذكر في (الشهادات): أن مطلق الإقرار بالبناء للمقضي عليه يناقض شهادة الشهود للمدعي بالبناء والإكذاب في حكم المناقضة.
وجه ما ذكر في (الأقضية): أن قوله: البناء ليس لي وإنما هو للمدعى عليه كلام محتمل يحتمل أنه للمقضي عليه؛ لأنه كان له يوم شهد الشهود فيكون إكذابًا للشهود ويحتمل أنه له؛ لأنه يملكه من جهة بعدما شهد الشهود فلا يكون إكذابًا بالاحتمال، ولا كذلك قوله: كان البناء لي يوم شهد الشهود، لم يزل ملكًا له.
هذا إذا أقر المقضي له بعد القضاء له أن البناء ليس له، وأنه للمقضي عليه، ولو أن المقضي له لم يقر بذلك لكن المقضي عليه ادعى البناء لنفسه، فعلى رواية كتاب (الأقضية) لا تسمع دعواه ولا تسمع بينته إن ذكر الشهود البناء في شهادتهم وسمع دعوى المقضي عليه وإن ذكروا لم تسمع دعواه.
وفي (المنتقى) وفي (الإملاء) عن محمد رحمه الله: رجل ادعى دارًا في يدي رجل وأنكر الرجل الذي في يديه الدار حق المدعي فشهد للمدعي شاهدان أن الدار داره ولم يزيدوا على ذلك فلما زكوا، قال المدعى عليه: البناء بنائي أنا بنيته، وأراد أن يقيم البينة على ذلك قال: إن كان شهود المدعي حضورًا فالقاضي يسألهم عن البناء، فإن قالوا: البناء للمدعي مع الدار فالقاضي لا يلتفت إلى قول المدعى عليه وإن قالوا: لا ندري لمن البناء إلا أنا نشهد أن الأرض للمدعي فليس ذلك بإكذاب منهم بشهادتهم ويقضي للمدعى عليه بالبناء إن أقام البينة على البناء يؤمر بالهدم وتسليم الأرض إلى المدعي، وإن لم يحضر المدعى عليه ببينة على البناء قضى عليه القاضي بالأرض بشهادة شهود المدعي وأتبع الأرض للبناء، وإن جاء المدعى عليه بعد ذلك بالبيينة أن البناء بناؤه أخذه؛ لأن القاضي لم يقض على المدعى عليه بالبناء بشهادة الشهود وهذه الرواية توافق رواية شهادات (الأصل).
ولو أن شهود المدعي شهدوا أن الدار للمدعي ثم ماتوا أو غابوا، فلم يقدر عليهم فلما أراد القاضي أن يقضي بالدار ببنائها للمدعي قال المدعى عليه: أنا أقيم البينة أن البناء بنائي لم يقبل ذلك منه ويقضي بالدار للمدعي ببنائها؛ لأن الشهود حين شهدوا بالدار فقد شهدوا بالبناء إلا أن يثبتوا أنهم لا يدرون لمن البناء فيكون على ما وصفت لك في أول المسألة.
قال: ألا ترى أن القاضي لو قضى بالدار في هذا الوجه ببنائها للمدعي، ثم حضر شهوده وقالوا: إن البناء لم يكن للمدعي، إنما كان للمدعى عليه ضمنوا قيمة البناء للمدعى عليه، فإن قالوا للقاضي حين رجعوا عن البناء: ليس البناء للمدعي، ولا ندري لمن البناء لم يضمنوا من قيمة البناء شيئًا، وكان البناء للمدعي؛ وقيل للمدعى عليه: أقم البينة أن البناء بناؤك على الشهود الذين شهدوا للمدعي، فإن أقام عليهم البينة ضمنهم قيمة البناء؛ ألا ترى أن البناء دخل فيما شهدوا به.
ولو شهد شهود المدعي أن الدار له، ولم يزيدوا على هذا، ثم ماتوا أو غابوا ثم جاء رجل آخر وادعى بناء هذه الدار لنفسه، وشهد له شاهدان آخران بذلك، فإن القاضي يقضي بالأرض للمدعي الذي شهد شهوده بالدار، ويقضي بالبناء بين المدعيين نصفين، فإن أقام المدعى عليه بينة أن البناء بناؤه قبل ذلك منه.
ولو أن شهود المدعي بالدار شهدوا أن الأرض للمدعي وقالوا: لا ندري لمن البناء قضى بالأرض له، وقضى بالبناء لمدعي البناء خاصة.
قال: وكذلك في جميع ما وصفت لك الأرض يكون فيها النخيل والأشجار فشهد شهود المدعي أن هذه الأرض له، فهذا بمنزلة شهادتهم بالدار إذا لم يفسروا، فالقاضي يقضي بالأرض، ويتبعها النخيل والشجر من غير أن يكون ذلك شهادة بالنخيل والشجر.
وكذلك إذا شهدوا أن هذا الخاتم لفلان ولم يذكروا الفص، أو شهدوا أن هذا السيف لفلان ولم يذكروا الحلية، فالقاضي يقضي بالسيف وبالحلية، وبالخاتم والفص لفلان من غير أن يكون الفص والحلية مشهودًا به؛ حتى لو أقام المشهود عليه بينة أن البناء والفص والحلية له قبلت شهادتهم كان القاضي قضى بذلك للمدعي أو لم يقض.
وفيه أيضًا: إذا شهد الشهود على رجل بجارية في يديه أنها لهذا المدعي وقضى القاضي له بها ثم غاب الشاهدان أو ماتا، وظهر للجارية ولد في يد المشهود عليه لم يره الشهود أخذه المدعي، وكذلك لو كانت الدار ظاهرة أو شهد الشهود بالجارية للمدعي ولم يتعرضوا للولد فالقاضي يقضي للمدعي بالجارية وبالولد.
فإن قال الذي في يده الجارية: أنا أقيم بينة على أن الولد لي؛ لم يلتفت إلى بينته ويقضي بالجارية وولدها للمدعي، وإذا قضى القاضي بذلك ثم حضر الشهود وقالوا: لم يكن الولد للمدعي وإنما للمدعى عليه، فالقاضي لا يقضي بالولد للمدعى عليه، وإن أقام البينة على الولد، ولو كان الشهود حضورًا وسألهم القاضي عن الولد قبل القضاء فقالوا: هو للمدعى عليه، أو قالوا: لا ندري لمن هو فالقاضي لا يقضي بالولد للمدعى عليه، وقالوا: لا ندري لمن هو فالقاضي لا يقضي في الولد بشيء، ويقضي بالجارية للمدعي، قال: ولا يشبه الولد في هذا الوجه البناء، وعلل فقال: لأن البناء موصول بالدار فقد أشار إلى أن شهود المدعي في مسألة الدار إذا قالوا وقت الشهادة بالدار: لا ندري لمن البناء إنه يقضي بالبناء لمدعي الدار.
وإذا شهد الرجل بجارية في يدي رجل أنها له وقضي له بها، ثم غاب الشاهدان وظهر للجارية ولد في يد المشهود عليه لم يره الشهود، وأخذ المدعي الولد ثم رجع الشهود عن شهادتهم ضمنوا قيمة الأم والولد.
قال: لأن الولد بمنزلة الأم، وكذلك لو كان الولد ظاهرًا، وشهدوا بالأم، ولم يتعرضوا للولد، ثم رجعوا عن شهادتهم ضمنوا قيمة الأم والولد، وإن قالوا: الأم لهذا، والولد عبد للذي في يديه فهو كما قالوا.
قال ابن سماعة في (نوادره): قلت لمحمد رحمه الله: أو لا يسألهم عن أي وجه صار الولد عبدًا له؟ قال: نعم، فإن أبوا أن يخبروا قبلت شهادتهم.
هشام في (نوادره): عن محمد أنه قال: سمعت أبا يوسف يقول: إذا كان في يدي رجل أمة وابنة هذه الأمة في يدي رجل آخر، أقام رجل بينته أن هذه أمته وأخذها لم يكن له على البنت سبيل.
ولو أقام البينة على نخل في يدي رجل أنه نخله وثمرة هذا النخل في يدي رجل آخر أخذ الثمرة والنخيل، قال: ولا يشبه التمر الولد ألا ترى أنه لو أوصى بغلة نخلة عشر سنين جاز، ولو أوصى بما تضع شاته عشر سنين لم يجز.
قال هشام: سألت محمدًا عن أرض مزروعة حنطة أقام آخر بينة أن الأرض له وقال الشهود: لا ندري لمن الزرع، قال: إذا لم يعلم الزارع فالزرع يتبع الأرض، قلت: فإن أقام الذي في يديه الأرض بينة أنه هو الذي زرع، قال: أجعل الزرع له، قلت: فإن كان الزرع محصدًا أو كدسًا والشهود لم يشهدوا بالزرع لأحد قال: الزرع لمن في يده الأرض.
ادعى عينًا في يدي إنسان أنه له ثم ادعى بعد ذلك أنه لفلان وكله بالخصومة فيه، وأقام البينة على ذلك قبلت بينته ولا يصير متناقضًا، ولو ادعى أنه لفلان وكله بالخصومة فيه أولًا، ثم ادعى أنه له وأقام البينة على ذلك يصير متناقضًا، ولا تقبل بينته إلا أن يوفق فيقول: كان لفلان وكلني بالخصومة فيه ثم اشتريته منه بعد ذلك وأقام على ذلك بينة فحينئذٍ تقبل بينته. هكذا ذكر المسألة في (الأصل)، وقد ذكرنا وجه الفرق في كتاب الشهادات من هذا الأصل.
قال في (الأصل) أيضًا: ولو ادعى أنه لفلان وكله بالخصومة فيه لا تقبل بينته ويصير متناقضًا إلا أن يوفق. قال فيه أيضًا: والدين في هذا نظير العين حتى لو ادعى على رجل دين ألف درهم في صك جاء به باسمه، ثم ادعى أن ذلك المال وذلك الصك بعينه لفلان وكله بالخصومة فيه؛ قبلت بينته فلا يصير متناقضًا.
أحد الورثة إذا أقر أن هذا المحدود ميراث عن أبينا، ثم ادعى أنه وصية عن أبي لابني فلان، وأقام البينة قبلت بينته، ولا يصير متناقضًا؛ لأن الكل ميراث، والميراث متروك الميت والكل متروك الميت.
استأجر واد محدودًا إجارة طويلة مرسومة وأخذه من غير مقاطعة، وأقر المستأجر الثاني بالقبض أن المستأجر الأول مع المستأجر الثاني فسخا الإجارة الثانية بينهما، وطالب المستأجر الأول المستأجر الثاني بمال المقاطعة، فقال المستأجر الثاني: إن هذا المحدود كان للآجر الأول من يوم الإجارة الثانية الى هذا اليوم، ولم يجب علي مال المقاطعة، وأقام البينة فقد قيل: تصح دعواه وتقبل بينته على ذلك، كأنه قال: غصب مني الآجر الأول، ولكن هذا بعيد والصحيح أنه لا تصح دعواه ولا تقبل بينته لمكان التناقض، ولو أقام المستأجر الأول بينة على أن الثاني قد قبض المستأجر وأقام الثاني بينة على أنها كانت في يد الأول تمام المدة فبينة الأول أولى؛ لأنه يثبت الأجرة في ذمة الثاني ببينته، والثاني ببينته ينفي ذلك.
إذا استحق العبد من يد المشتري وقضى القاضي بالعبد المستحق، فأراد المشتري أن يرجع على بائعه فادعى البائع أنه نتج عنده، ولم يمكنه إثباته، ورجع المشتري عليه بالثمن بقضاء القاضي، فأراد البائع أن يرجع على بائعه بالثمن، وصدقه بائعه في الشراء منه؛ له أن يرجع على بائعه، وإن زعم أن العبد نتج عنده، فيكون دعوى الشراء من غيره تناقضًا منه إلا أن التناقض يرتفع لتصديق الخصم؛ ولأن القاضي لما قضى عليه بالثمن للمستحق فقد كذبه فيما زعم من نتاج العبد عنده والتحق دعوى النتاج بالعدم، وكذلك لو أنكر بائعه الشراء منه، فأقام بينة هو على الشراء منه رجع عليه بالثمن، وإن صار متناقضًا لما زعم أن العبد نتج عنده؛ لأنه صار مكذبًا فيما زعم على ما ذكرنا.
قال الشيخ الإمام الأجل نجم الدين النسفي: عن رجل ادعى لرجل دينًا من الدراهم أو الدنانير، فقال المدعى عليه: قد قبضتها في سوق سمرقند وطلب منه البينة، فلم يجد بينة على ذلك، ثم ادعى القضاء بعد ذلك في قرية كذا، وأقام على ذلك بينة هل يكون تناقضًا؟ وهل تبطل دعواه؟ قال: لا تبطل دعواه إن وفق.
ولم يبين وجه التوفيق ووجه ذلك: أن يقول: قبضتها في سوق سمرقند كما ادعيت أولًا فجحدني القضاء وعجزت عن إثباته بالبينة فقبضتها ثانيًا في قرية كذا، وقيل: على الرواية التي لا يشترط التوفيق ويكتفى بإمكان التوفيق ينبغي أن لا يبطل دعواه، ويقبل ذلك منه من غير توفيق.
إذا ادعى رجل دارًا في يدي رجل أنها داره ورثها من أخيه ثم ادعى أنه اشتراها من أخيه في حياته وصحته، وأقام على ذلك بينة لا تقبل بينته، وبمثله لو ادعى الشراء أولًا من أخيه في حياته وصحته ثم ادعى الإرث وأقام على ذلك بينة تقبل بينته؛ لأن في الفصل الأول التوفيق بين الكلامين غير ممكن فيثبت التناقض، وفي الفصل الثاني التوفيق بين الكلامين ممكن، فلا يثبت التناقض.
إذا قال المدعى عليه الدين: أين مبلغ مال كدعوى مسيكنى بتور سانيده، أم ثم قال: بفلان حوالة كرده بودم واورسانيده است، فقد قيل: لا تسمع هذه المقالة الثانية لمكان التناقض، وقيل: تسمع ولا تناقض؛ لأن إيفاء المحتال عليه إيفاء المحيل معنى.
ألا ترى من حلف ليعطين فلانًا حقه فأحاله على غيره وقبض من المحتال عليه بر الحالف في يمينه، وكذلك لو حلف لا يعطي فلانًا حقه فأحاله على غيره وقبضه المحتال له؛ حنث في يمينه، وجعل إعطاء المحتال عليه بأمر المحيل، إعطاء المحيل معنى.
في (مجموع النوازل) سئل نجم الدين النسفي: عن رجل ادعى دينًا في تركة ميت؛ وصدقه الوارث في ذلك وضمن له إيفاء الدين، ثم ادعى هذا الوارث بعد ذلك أن الميت قد كان قضى المال في حياته، وأراد إثبات ذلك بالبينة؛ قال: لا تصح دعواه ولا تسمع بينته، وهذا ظاهر لأنه متناقض؛ لأنه أقر بوجوب المال أولًا، وبدعوى القضاء يدعى أنه غير واجب، وهذا تناقض ظاهر.
سئل هو أيضًا: عن رجل خلع امرأته؛ وقال في ذلك المجلس: مرا دراين خانه سيح جيز نهبت، ثم ادعى عليه أشياء من الأقمشة التي هي في ذلك البيت؛ هل تصح دعواه؟ قال: إن كان قال: هذه الأقمشة كانت في البيت وقت الخلع لا تصح دعواه لمكان التناقض وهذا ظاهر، وإن قال: لم تكن هذه الأشياء في ذلك البيت وقت الخلع تصح دعوته، وعندي أن فيما إذا أنكر الزوج كون هذه الأشياء في البيت وقت الخلع يجب أن يكون الجواب على التفصيل إن كانت دعوى الأقمشة بعد إقرار الزوج من ادراين خانه ينتج جيز نهبت، في مدة لا يمكن إدخال تلك الأشياء في البيت في تلك المدة؛ لا تصح دعواه، لأنا تيقنا بكون هذه الأشياء في البيت وقت الخلع إذا كانت الحالة هذه، وإن كان دعوى الأقمشة بعد إقراره ذلك في مدة يمكنه إدخال تلك الأشياء في البيت في تلك المدة تصح دعواه؛ لأنا لم نتيقن بكون هذه الأشياء في البيت وقت الخلع؛ إذا كانت الحالة.
هذه وجنس هذه المسألة في شهادات (الجامع) من شرحي. ادعى على رجل مقدارًا معلومًا من مال الشركة في يده، وأنكر المدعى عليه الشركة، والمال، ثم إن المدعي ادعى ذلك المال المقدر بجهة الدين، تسمع دعواه ثانيًا ولا يصير متناقضًا؛ لأن مال الشركة يصير مضمونًا على الشريك، دينًا في ذمته عند جحوده، فيمكن الجمع بين الدعوتين إذ يمكنه أن يقول: كان لي في يده هذا المقدار بجهة الشركة، وصار دينًا عليه حين أنكر الشركة والدين، ولو كان ادعى ذلك المقدار بجهة الدين أولًا، ثم ادعاه بجهة الشركة؛ لا تسمع دعواه ثانيًا، ويثبت التناقض لأن الدين لا يصير مال الشركة بحال.
ولو ادعى على آخر أن له في يده كذا، كذا من مال الشركة، فأنكر المدعى عليه الشركة، ثم إن المدعى عليه ادعى دفع ذلك المال إلى المدعي، فإن كان أنكر الشركة أصلًا بأن قال: لم يكن بيننا شركة أصلًا، وما دفعت إليَّ شيئًا من المال، لا تسمع منه دعوى دفع المال لمكان التناقض، وإن أنكر الشركة والمال في الحال، بأن قال: لا شركة بيننا، وليس لك في يدي مال الشركة، تسمع منه دفع المال ولا تناقض هاهنا.
يوضحه: أن مال الشركة وديعة في يد الشريك، والجواب في المودع إذا أنكر الوديعة، ثم ادعى الرد على التفصيل الذي ذكرنا كذا هاهنا.
وإن ادعى الأول في فصل الوديعة والشركة فيما إذا أنكر الإيداع أو الشركة أصلًا وقال: إنك أبرأتني عن دعواك قبلي صحت الدعوى؛ لأن بالجحود يصير الوديعة، ومال الشركة دينًا فيستقيم دعوى الإبراء إذ لا تناقض ثمة، ولا كذلك في دعوى الدفع.
صبي له عقار موروثة ادعى بعد بلوغه أن وصيه باع عقاره مكرهًا، وسلمه مكرهًا فلم يملكه المشتري وعليه رده علي، ثم ادعى أن الوصي قد كان باعه بغبن فاحش صحت منه الدعوى الثانية وقبلت بينته لعدم التنافي بجوابه، باع مكرهًا بغبن فاحش فالجمع بين الدعوتين ممكن من هذا الوجه.
وإذا قال: أدعي عينًا في يد رجل ملكًا مطلقًا، ثم ادعاه في وقت آخر على ذلك الرجل عند ذلك القاضي بسبب حادث صح دعواه، ولو ادعى أولًا الملك بسبب، ثم ادعاه بعد ذلك الرجل ملكًا مطلقًا عند ذلك القاضي؛ لا يصح دعواه هكذا، ذكر في دعوى (أجناس الناطفي).
والفرق: أن الملك القديم يجوز أن يصير ملكًا حادثًا؛ لأن المملوك أول من أمس يجوز أن يصير مملوكًا أمس ملكًا حادثًا، بسبب حادث بأن يبيعه ثم يشتريه، فالتوفيق بين الدعوتين ممكن فتصح الدعوى الثانية، فأما الملك الحادث لا يجوز أن يصير ملكًا قديمًا؛ لأن المملوك أمس لا يتصور أن يكون مملوكًا أول من أمس، فالتوفيق بين الدعوتين غير ممكن، فلا تصح دعواه الثانية.
ولو ادعى النتاج أولًا في ذاته، ثم ادعاها بعد ذلك بسبب عند ذلك القاضي ينبغي أن لا يصح دعواه الثاني، بخلاف ما إذا ادعى الملك المطلق أولًا، ثم ادعاه بعد ذلك بسبب عند ذلك القاضي.
والفرق: أن دعوى النتاج على ذي اليد لا تحتمل دعوى ملك حادث من جهته؛ إذ لا يتصور التملك بالنتاج من جهة غيره، ألا ترى أنه لو كان ادعى أن هذه الدابة ملكه بالنتاج من جهة ذي اليد، لم تكن دعواه صحيحة، فلا يمكن أن يجعل كلامه الثاني بيانًا لكلامه الأول، بل يكون كلامًا آخر مخالفًا لكلامه فيصير متناقضًا؟ أما دعوى الملك المطلق على ذي اليد يحتمل دعوى ملك حادث من جهة ذي اليد فأمكن أن يجعل كلامه الثاني بيانًا لكلامه الأول، وبالبيان يتقدر الكلام ولا يتناقض.
وإذا قال عند غير هذا القاضي: هذا العين ملكي بسبب الشراء من فلان، أو قال: بسبب الإرث من فلان، ثم ادعى ذلك العين عند قاضٍ من القضاة ملكًا مطلقًا، فالقاضي لا يسمع دعواه إذا ثبت عنده أنه قد قال قبل هذا: إن هذا العين ملكي بسبب كذا، وهذا إذا كان ادعى الشراء من رجل معلوم بأن ذكر اسم ذلك الرجل، واسم أبيه، واسم جده، أو ما أشبه ذلك من الأسباب التي يقع بها التعريف، فأما إذا كان ادعى الشراء من رجل مجهول بأن قال: اشتريته من محمد، ولم يزد عليه، ثم ادعاه بعد ذلك عند القاضي ملكًا مطلقًا، فالقاضي يسمع دعواه، وإن ثبت عند القاضي أنه قد قال قبل هذا: إن العين ملكي بسبب كذا.
والفرق: أنه إذا ادعى الشراء من غيره فقد أقر بالملك لذلك الغير؛ لأن كل مشترٍ مقر لبائعه فيما اشترى منه، وقد صح هذا الإقرار منه إذا كان البائع معلومًا؛ لأنه إقرار بالمعلوم للمعلوم، فيثبت به الملك لفلان بإقراره، وبعدما ثبت الملك لفلان؛ لا يمكنه إثباته لنفسه إلا بسبب يوجب الانتقال، ودعوى الملك المطلق بعد ذلك لا يتعرض بسبب الانتقال، فلا يثبت به الانتقال، وهو المحتاج إليه، وفيما إذا كان البائع مجهولًا لم يصح منه الإقرار؛ لأن الإقرار للمجهول لا يصح، فصار كأنه لم يدَّع الشراء أصلًا، وهناك يصح منه دعوى الملك المطلق فهاهنا كذلك.
وإذا ادعى دارًا في يدي رجل ملكًا بسبب الشراء، أو أظهر أن الدار المدعى به يوم الدعوى لم تكن في يد المدعى عليه، بل كانت في يد غيره، ثم هذا المدعي ادعى هذه الدار في مجلس آخر على صاحب اليد ملكًا مطلقًا، فقد قيل: تسمع دعواه؛ لأن الدعوى الأول وقع باطلًا فصار وجوده والعدم بمنزلة.
وقيل: لا يسمع دعواه وهو الأصح؛ لأن بدعواه الأول ادعى استحقاق الدار لنفسه ملكًا مطلقًا وهذا أمر عليه، فلأن لم تعتبر دعواه الأول في حق إثبات استحقاق الدار لنفسه، يعتبر في حق بطلان دعواه الملك المطلق لنفسه بعد ذلك.
يوضحه: أن دعواه الدار على غير صاحب اليد بسبب كذا، لا يكون أدنى حالًا من إقراره أن الدار له بسبب كذا عند غير صاحب اليد، وذلك يبطل دعواه الدارملكًا مطلقًا بعد ذلك فكذلك دعواه.
سئل القاضي الإمام شمس الإسلام محمود الأوزجندي عمن ادعى نصف دار معين في يدي رجل، ثم ادعاه بعد ذلك جميعها، قال: لا يسمع دعواه ولو كان على العكس يسمع، والصواب: أنه يسمع في الوجهين جميعًا، إلا إذا كان. قال: وقت دعوى النصف لا حق لي فيها سوى النصف فحينئذ لا يسمع دعواه جميعها ما كان التناقض وبدونه لا تناقض فيصح الدعوى.
وذكر في آخر بيوع (الزيادات): رجل اشترى من رجل عبدًا، ثم إن البائع ادعى أنه كان فضوليًا في هذا البيع، وأراد استرداد العبد من يد المشتري، وأنكر المشتري ذلك، أو ادعى المشتري أن البائع كان فضوليًا في هذا البيع، وأراد رد العبد، واسترداد الثمن؛ لا يصح دعواه، لأن إقدامه على هذا العقد إقرار منه بصحة هذا العقد ونفاذه، وذلك بالملك له أو بالأمر من المالك، فالذي يدعي كونه فضوليًا في البيع منكر نفاذه بعد ما أقر به، وأنه مناقض ظاهر وإن أراد أن يقيم بينة على ما ادعى من كونه فضوليًا في البيع لا تسمع بينته، وكذلك لو لم يكن له بينة وأراد أن يحلف صاحبه على ما ادعى من كونه فضوليًا في البيع ليس له ذلك؛ لأن سماع البينة والتحليف يترتبان على صحة الدعوى، وهذه الدعوى لم تصح هاهنا لمكان التناقض.
ذكر في (المأذون الكبير): العبد المأذون، إذا اشترى عبدًا وقبضه ثم أقر أن هذا العبد الذي اشتراه من فلان قد كان فلان أعتقه قبل أن يبيعه منه، فاشتراه وهو حر وأنكر البائع ذلك فإن العبد مملوك له على حاله، ولا يصدق المأذون على ما أقر به البائع الأول، لأن المشتري من البائع لو كان حرًا وأقرَّ بمثل ما أقر به المأذون لايصدق على البائع، فكذا إذا كان المشتري مأذونًا إلا أن المشتري إذا كان حرًا فالعبد يعتق عليه بحكم إقراره، وإذا كان عبدًا مأذونًا فالعتق لا يعتق عليه؛ لأن هذا إقرار بحرية طارئة بعد الرق وإنه صحيح من الحر غير صحيح من العبد المأذون.
ولو كان العبد المأذون لم يقر بذلك وإنما أقر أن البائع كان باع هذا العبد من فلان قبل أن يبيعه مني، وصدقه فلان في ذلك وكذبه البائع، فإن المأذون لا يصدق فيما ادعى على البائع حتى لا يسترد الثمن من البائع ويصدق في حق نفسه، حتى يؤمر بدفع العبد إلى فلان؛ لأن المأذون أقر بعين في يده أنه لأجنبي، وإقرار المأذون بذلك صحيح في حق نفسه، وإن أقر البائع بما ادعاه المأذون رجع المأذون على البائع بالثمن.
وكذلك لو أقام المأذون البينة على ما ادعى على البائع، أو حلف المأذون البائع على ما ادعى ولكل رجع المأذون على البائع بالثمن فقد جمع رحمه الله بين ثلاثة فصول؛ أقر البائع بما ادعاه المأذون، وإقامة المأذون البينة على البائع وتحليف المأذون البائع على ما ادعاه.
وأجاب في الكل أن المأذون رجع على البائع بالثمن، وهذا الجواب ظاهر في فصل الإقرار؛ لأن أكثر ما في الباب أن دعوى المأذون لا تصح لمكان التناقض، وصار من حيث التقدير كأنه لم يدعِ، فأقر البائع يصح، لأن الدعوى ليس بشرط لصحة الإقرار، وإذا صح إقرار البائع لزمه رد الثمن لأن المبيع لم يسلم للمأذون من جهة البائع بزعمه، والمأذون صدقه في ذلك فكان له أن يرجع بالثمن، إما.... في فصل إقامة البينة وفي تحليف البائع، وكان ينبغي أن لا يسمع البينة من المأذون على ما ادعى، ولا يكون له حق التحليف البائع على ما ادعى؛ لأن سماع البينة يترتب على دعوى صحيحة، وكذا حق التحليف يترتب على دعوى صحيحة، وهذا الدعوى من المأذون لم يصح لمكان التناقض؛ لأنه يدعي أن البائع باع منه المغصوب وإقدامه على الشراء إقرار منه أن المشتري ليس بمغصوب فهو معنى أن المأذون متناقض في هذه الدعوى، والتقريب ما ذكرنا.
وقد وضح محمد رحمه الله هذه المسألة في (الزيادات)، أو في (الجامع): في الحر، وذكر أن المشتري لو أقام البينة على ما ادعى في بيع البائع المبيع من غيره، قبل أن يبيعه منه أنه لا يسمع دعواه، ولو أراد أن يحلف البائع على ذلك ليس له ذلك؛ لأن دعواه لم تصح لمكان التناقض على ما ذكرنا، فلا يترتب عليه سماع البينة والتحليف، فمن مشايخنا من لم يصحح ما ذكرنا في المأذون، ومنهم من صححه، واختلفوا فيما بينهم. قال بعضهم: في المسألة روايتان على رواية (الزيادات) و(الجامع) لا تسمع البينة ولا يحلف البائع وعلى رواية (المأذون) تسمع البينة ويحلف البائع.
وجه ما ذكر في (المأذون): أن المناقضة ثابتة من حيث الظاهر، لا من حيث النص، فإن المشتري لم يقرَ نصًا أن البائع ليس بغاصب، وإنما أثبتنا هذا الإقرار من حيث الظاهر، فإن الظاهر أن العاقل المسلم لا يشتري من الغاصب، والظاهر يصح حجة للدفع لا للإبطال، فلم يجز إبطال بينة المشتري بالمناقضة الثابتة من حيث الظاهر، فكانت البينة مقبولة واليمين مستحق حتى لو أقر المشتري نصًا أن البائع ليس بغاصب، وإنه بسبيل من بيعه، ثم ادعى أنه كان غاصبًا، ولم يكن بسبيل من بيعه لم تصح دعواه، ولم تسمع بينته على الروايات كلها، وقال بعضهم: ما ذكر في (الزيادات) و(الجامع) قياس وما ذكر في (المأذون) استحسان.
وفي (الأجناس): مشتري الأرض إذا أقر أن الأرض المشتراة مقبرة أو مسجد، وأنفذ القاضي إقراره بحضرة من يخاصمه، ثم أقام المشتري البينة على البائع ليرجع بالثمن عليه، قبلت بينته.
وفي (فتاوى أبي الليث): دار في يدي رجل ادعى أخوه شركة فيها من جهة أنهما ورثاها من أبيهما فلان؛ فقال الذي في يديه الدار: ما كان لأبي في هذه الدار حق، أو قال: ما كانت هذه الدار لأبي، ثم إنه أقام البينة أنه كان اشترى هذه الدار من أبيه في حياته وصحته قبلت بينته، لأن التوفيق بين الكلامين ممكن، فإنه يمكنه أن يقول: لم يكن لأبي وقت الموت ولم يصر ميراثًا بيننا لما أنه قد كان باعها مني قبل ذلك.
ولو قال: لم يكن لأبي قط، أو قال: لم يكن لأبي فيها حق قط، ثم ادعى الشراء بعد ذلك من أبيه، لم يسمع دعواه، ولم يقبل بينته لأن التوفيق هاهنا غير ممكن، وإن ادعى إقرار الأب في هذه الصورة بعد ذلك يسمع دعواه؛ لأن التوفيق بين دعوى إقرار الأب بالدار له، وبين ما تقدم من مقالته أنها لم تكن لأبيه ممكن، لأنه يمكنه أن يقول: ما كانت لأبي لأنها كانت لي، وقد أقر لي بها، وأقرار الإنسان بالعين لغيره إذا لم يكن مملوكًا له صحيح.
وفيه أيضًا: رجل اشترى كرمًا من امرأة وادعى ابنها وهو غير بالغ أن هذا الكرم له ورثه من أبيه وصدقته الأم وزعمت أنها ما كانت وصية بجهة صحيحة يوم البيع، وقد كانت أقرت يوم البيع أنها كانت وصية من جهة أبيه.
قال: دعوى الابن باطل إلا أن يكون مأذونًا في التجارة، أو مأذونًا في الخصومة من جهة من له عليه ولاية، وتصدق المرأة على نفسها فيضمن فيه قيمة ما باعت، ولا تصدق على المشتري، ووجوب الضمان عليهما قولهما، وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة رحمه الله بناءً على ما مر قبل هذا أن في وجوب ضمان العقار والبيع والتسليم روايتان.
عن أبي حنيفة: رجل مات وترك بنتًا وابنين؛ فادعى أحد الابنين أن أبانا باع هذه الدار منا في حال صغرنا، وأبرأنا من الثمن، واليوم هذه الدار ملكنا أثلاثًا؛ ثلثاه للابن، وثلثه للبنت، فقد قيل: لا تصح هذه الدعوى لأن قولهما في الابتداء: باع هذه الدار هنا يوجب التسوية بينهما وقد صرح بالمثالثة في الانتهاء، ولكن هذا بعيد لأن قولهما في الابتداء: باع هذه الدار يحتمل المثالثة.
ألا ترى أن من قال لرجلين: بعت منكما هذه العين على أن ثلثيه لهذا، وثلثه لهذا صح، فتصريحهما بالمثالثة في الانتهاء تعيين ما احتمله في ابتداء الكلام، وإنه لا يوجب تناقضًا، ولكن ينبغي أن يثبتا أن البيع كان في حالة الصحة، وبدونه لا يسمع دعواهما؛ لأن البيع من الوارث في مرض موت المورث لا يصح عند أبي حنيفة أصلًا.
ادعت المرأة مهر المثل ثم ادعت بعد ذلك المسمى يسمع دعواها الثاني، لأن في الوجه الأول الجمع بين الدعوتين ممكن، ولا كذلك في الوجه الثاني.
في (مجموع النوازل): رجل ادعى على رجل عند القاضي أنه غصب منه غلامًا تركيًا، وبين صفاته، وطلب إحضاره ليدعيه ويقيم عليه حجة، فأحضر المدعى عليه غلامًا بعض صفاته تخالف بعض ما وصفه المدعي، فادعى المدعي هذا العبد وقال: هذا العبد ملكي، وأقام عليه البينة سمع دعواه، وقبل منه البينة، هكذا ذكر، وهذا الجواب مستقيم فيما إذا قال: هذا ملكي، ولم يزد عليه، وكذلك هذا الجواب مستقيم أيضًا فيما إذا قال: هذا العبد ملكي أيضًا، ويصير مدعيًا عبدين، وأما إذا قال: هذا العبد هو العبد الذي ادعيته أولًا، لا تسمع دعواه لمكان التناقض.
وإذا ادعى رجل على غيره أنه أخوه، وادعى عليه النفقة، فقال المدعى عليه: هو ليس بأخي ثم مات المدعي فجاء المدعى عليه يطلب ميراثه وقال: هو أخي لا يعتبر ذلك منه، ولا يقضى له بالميراث. ولو كان مكان الأخوّة دعوى البنوّة، أو دعوى الأبوّة والباقي بحاله يقبل ذلك منه، ويقضي له بالميراث.
والفرق: أن في دعوى الأخوة وأشباهها، والإقرار بها العبرة لدعوى المال، ألا ترى أن من أقر أن فلانًا أخوه، ولا يدعي عليه مالًا بسبب هذه الدعوى لا تصح دعوته، فعلم أن العبرة في الإقرار بالأخوة وأشباهها لدعوى المال، والتناقض في دعوى المال مانع صحة الدعوى أما في دعوى البنوة والأبوة والإقرار بهما لا عبرة لدعوى المال، بل هي مجرد دعوى النسب غير مانع صحة الدعوى.
إذا ادعى المديون القضاء وأنكر رب الدين ذلك وحلف، ثم إن المديون صالح رب الدين عن ذلك على شيء، ثم أقام البينة أنه كان قد قضاه الدين، هل تسمع بينته؟ اختلف المشايخ فيه، وذكر في كتاب الصلح مسألة تدل على القبول.
وصورتها: رجل استعار من آخر دابة، وهلكت الدابة تحت المستعير، وأنكر رب الدابة الإعارة، وصالحه المستعير على مال جاز، فأقام المستعير بعد ذلك بينة على العارية وقال: إنها بيعت، قبلت بينته، ولو أراد استحلاف المعير فله ذلك.
وعندي أن الجواب في مسألة الدين على التفصيل: إن صالحه عن الدين لا تقبل منه دعوى القضاء لمكان التناقض؛ لأن الصلح عن الدين إقرار بقيام الدين وقت الصلح، وإنه يناقض دعوى القضاء قبل ذلك، وإن صالحه عن دعوى الدين يقبل به دعوى القضاء؛ لأنه لا تناقض هاهنا.
وفي (المنتقى): رجل له على رجل ألف درهم، فقال المدعى عليه: ما كان لك عليَّ ألف درهم قط، وقد ادعيت هذه الألف أمس فدفعتها إليك، فقال المدعي: ما قبضت منك شيئًا، وإن لي عليك ألف درهم، فصالحه من دعواه على خمسمائة درهم، ثم إن المدعى عليه جاء ببينة فشهدت أنهم رأوا المدعى عليه دفع إلى المدعي أمس ألف درهم؛ لم ألتفت إلى هذه الشهادة؛ لأن هذا إنما افتدى يمينه بها.
ولو أن المدعى عليه قال للمدعي: صدقت، قد كان لك عليَّ ألف درهم، لكني قد قضيتكها أمس، وقال المدعي: ما قضيتني شيئًا، فدفع الألف عليه أو صالحه على خمسمائة، ثم شهد الشهود للمدعى عليه أنه دفع إليه الألف بالأمس كان له أن يرجع عليه ما أعطاه والصلح باطل.
وفي دعوى (المنتقى): رجل ادعى دارًا في يدي رجل وهو يجحد، فقال المدعي للقاضي: هذه داري وشهودي عليها غيَّب، فاسأله أن يبيعها مني، فسأله القاضي فأبى أن يبيعه فالمدعي على دعواه، هكذا حكاه عن محمد رحمه الله، فلم يجعل طلب المدعي من القاضي سؤال البيع من المدعى عليه متناقضًا في دعوى رقبة الدار بعد ذلك.
وأشار إلى المعنى فقال: لأنه فسر ذلك وقاسها على مسألة ذكرت في شفعة (المنتقى).
صورتها: رجل باع دارًا في جوار رجل هو شفيعه، والشفيع يزعم أن الدار المبيعة له، فقال الشفيع للقاضي: هذه داري وأنا أدعي رقبتها، لا تبطل شفعته بدعواه الرقبة إلا أن في مسألة الشفعة في (المنتقى) ذكرت في موضعين في باب واحد، في أول الباب ذكرت على نحو ما ذكرنا، وفي آخر الباب ذكرت أن بدعوى الرقبة تبطل شفعته، فعلى قياس ما ذكر في آخر الباب ينبغي أن يبطل دعواه في الرقبة في المسألة سؤال البيع.
وفي دعوى (المنتقى): عن أبي يوسف في الشفيع: إذا ادعى الدار المشتراة له وأن بينته غيب، أو قال: لا بينة لي، ويمكن أخذه بالشفعة، قال: طلب الشفعة إقرار بأنها ملك البائع، ولا أقبل بينته على الملك إن جاء بها فعلى قياس هذا ينبغي أن يبطل دعواه في الرقبة عند أبي يوسف بسؤال البائع في المسألة المتقدمة؛ لأن سؤال البيع إقرار أن الدار ملك البائع.
وفي (المنتقى): في كتاب الدعوى ابن سماعة عن محمد: رجل ادعى على رجل أنه أخذ منه مالًا وهو كذا كذا ألف درهم، ووصف بصفة معروفة، فأقام المدعى عليه بينة أن هذا المدعي إن أقر أن هذا المال المسمى المفسر أخذ منه فلان، وأنكر المدعي ذلك فليس هذا بإبطال لدعوى المدعي، ولا بإكذاب لبينته؛ لأن الإكذاب إنما يثبت لمكان التنافي، ولا منافاة بين الأخذين إذا حلت الشهادتان عن الوقت، فيجوز أن يكون فلان أخذه ثم رده عليه، فأخذه هذا المدعى عليه.
وفي أقضية (المنتقى): ابن سماعة عن أبي يوسف: رجل ادعى على رجل ألف درهم ومئة دينار، فكانت الألف بصك قد كتب عليه، وكتب أن لا شيء عليه غيرها، والوقت واحد أو لا وقت فيها، فالمال كله لازم قال: ألا ترى أنه لو قال: لي عليه ألف درهم ولا مال لي عليه غير ذلك، ثم ادعى عليه ألف درهم وجاء ببينة على ذلك؛ إني أقبل البينة وألزمه المالين، ويكون معنى قوله: لي عليه ألف درهم ولا مال لي عليه غير ذلك من جنس الدراهم، ولي عليك مئة دينار، ولا مال لي عليه غير ذلك من جنس الدنانير، كذلك هاهنا.
وذكر المعلى قال: سألت محمدًا: عن رجل ادعى على رجل مئة دينار في صك، وألف درهم في صك، وفي كل واحد من الصكين قال: عليهما حد المالين يعطيه أيهما شاء، وروى هشام عنه أنه لا يلزمه شيء معين في يدي رجل، وهو يقول: هذا العين ليس لي لا يصح بعينه حتى لو ادعى هذه العين بعد ذلك رجل وادعاه ذو اليد أيضًا، وقال: هو لي صح دعوى ذي اليد، وهذا باتفاق الروايات إذا لم يكن وقت باتفاقها، قال ذو اليد: هذا العين ليس لي هناك منازع يدعي العين لنفسه، وإن صار ذو اليد متناقضًا إلا أن هذا التناقض... لأن قوله هذا العين ليس لي إذا لم يكن ثمة منازع لا تثبت لغيره حقًا، وإن كان هذا الإقرار على نفسه ينفي الملك، وكل إقرار لا يثبت على المقر حقًا لغيره وجوده والعدم بمنزلة، وإن كان حال ما قال ذو اليد: هذا العين ليس لي هناك منازع يدعي هذا العين لنفسه صح نفيه، حتى لو قال ذو اليد بعد ذلك: هو لي، لا يلتفت إلى قوله: هو لي، ويقضي لحصته بالعين على رواية (الجامع)، وعلى رواية كتاب الدعوى: لا يصح نفيه، وتصح دعواه بعد ذلك العين لنفسه.
قالحاصل: أن قول صاحب اليد: هذا العين ليس ملكي عند وجود المنازع على رواية (الجامع) إقرار للملك فيه للمنازع، وذكر هذه المسألة في كتاب (الأقضية) في موضعين، وجعل قوله: هذا العين ليس بملكي عند وجود المنازع إقرارًا بالملك له في إحدى الموضعين، ولم يجعله إقرارًا بالملك في الموضع الآخر، ثم على رواية كتاب الدعوى إذا لم يكن إقرارًا وقد كان قال صاحب اليد: هو ليس بملكي ولست بمعترض، لهذا فالقاضي لا يكتفي بهذا الجواب من المدعى عليه، بل يسأله: أهو ملك المدعي؟ وإن قال: نعم هو ملكه أمره بالتسليم إليه، وإن قال ليس بملكه وليس في يده والمدعي يثبت يده بالبينة.
إذا قال الوارث: هذه الدار لم تكن لأبي، وإنها كانت وديعة في يده لفلان سمى رجلًا معروفًا ثم أقام البينة أن الدار كانت في يد ابنه أخذها الذي في يديه بعد موته، أو أقام بينة أنه أخذها منه في حياته ردت الدار إلى الابن إن كان موضعًا لها حتى يقدم المستودع، وإن لم يكن موضعًا لها جعلت في يدي عدل.
هذا إذا أقر رجل معروف، وإن لم يكن أقر معروف، ولكن قال: لم تكن هذه الدار لأبي ثم قال بعد ذلك: كذبت في قولي إنها لم تكن لأبي؛ بل كانت لأبي مات وتركها ميراثًا لي دفعت إليه الدار بعدما هو ميت فلم يحضر أحد يطلبها، كمن في يده دار أو ثوب قال: ليس هذا لي، فالقاضي لا يأخذ ذلك منه حتى يحضر أحد فيدعيها، وإذا قال: لا حق لي قبل فلان ثم ادعى عينًا في يديه لا يسمع دعواه، ولو أقر له فلان بعين في يده صح إقراره في الباب الثاني من صلح شيخ الإسلام.
وفي (نوادر هشام) قال: سألت محمدًا عن رجل، قال: لا حق لي في هذه الدار ولا خصومة ولا طلبة، ثم جاء يزعم أو وكيل فلان في دعوى هذه الدار قبل ذلك منه، إذا قال المدعى عليه وقت القضاء: العين المدعى ليس ملكي ولا هو في يدي، وقد كان قال وقت الدعوى: هو ملكي وحقي، لا يسمع منه الكلام لمكان التناقض.
رجل ادعى على رجل مالًا معلومًا وأقام عليه البينة أنه استوفى من هذا المال كذا وكذا درهمًا، هل تبطل بذلك دعوى المدعي وبينته؟ قالوا: المسألة على وجهين؛ إن كان الإقرار بلفظ يدل على استيفائه هذا القدر قبل هذه الدعوى والبينة بأن قال: باقيه بودم ازيين مال أو بدي أزاين مال أو يدي لا يبطل دعواه ولا بينته؛ لأنه يمكنه أن يقول: استوفيت هذا القدر من المال بعدما ادعيته وأثبته بالبينة.
رجل ادعى على رجل أربعمائة درهم وأنكر المدعى عليه ذلك، فإن أقام المدعي بينة على دعواه وقضى القاضي له بالأربعمائة، ثم إن المدعي أقر أن للمدعى عليه مائة درهم، قال أبو القاسم الصفار رحمه الله: تبطل عن المدعى عليه الثلاثمائة الباقية وبه أفتى عبد الكريم؛ لأن بقدر المائة تقع المقاصة بين ما للمدعي على المدعى عليه، وبين ما للمدعى عليه على المدعي، ويسقط ذلك القدر عن المدعى عليه، فيصير المدعي مكذبًا لشهوده، فإنهم شهدوا له بأربعمائة وله عليه ثلاثمائة.
وأفتى أبو أحمد عيسى بن النصر وغيره من أصحابنا؛ أنه لا يبطل عن الثلاثمائة الباقية، لأن بوقوع المقاصة لا يسقط الدين كما لا يسقط بالقضاء، إنما يسقط المطالبة لا غير؛ ألا ترى أن بعد القضاء والمقاصة لو أبرأ رب الدين المديون عن الدين يصح، فلم يسقط المائة منها عن المدعى عليه فلا يتحقق التكذيب، فلا يبطل الشهادة، فلهذا قالوا: لا تسقط الثلاثمائة الباقية والله أعلم.
القاضي إذا فرض النفقة للمرأة على الزوج فمضت مدة واجتمعت عليه النفقة، وادعى أن المرأة كانت حرامًا عليه عند الفرض وأقام البينة، فبهذا القدر لا تبطل النفقة؛ لأنه يجوز أنها كانت حرامًا عليه إلا أنها كانت في العدة، فيستقيم فرض النفقة.
ولو ادعى الزوج الخلع معها على المهر ونفقة العدة قبل فرض القاضي صح الدعوى، وإذا أقام البينة على ذلك قبلت بينته وبطل الفرض.
في (المنتقى): بشر عن أبي يوسف رحمه الله: رجل استعار من آخر ثوبًا ثم أقام بينة أن الثوب لابنه الصغير قبلت بينته، فلم تكن الاستعارة على هذه الرواية إقرارًا لملك المستعار منه، وذكر بعده المسألة بمسائل؛ إذا قال الرجل لغيره: أسكني هذه الدار، أعرني هذه الدابة ثم ادعاه بعد ذلك لنفسه لم تقبل حجته، وجعل الاستعارة إقرارًا بالملك للمستعار منه. ولو قال: ادفع إلي هذه الدار أسكنها فأبى أن يعطيه ثم إن هذا السائل ادعاها بعد ذلك لنفسه فهو على حجته، وكذلك إذا قال: أعطني هذا الثوب ألبسه، أعطني هذه الدابة أركبها.
وفي (نوادر إبراهيم) عن محمد: إذا شهد شاهدان أن لهذا الرجل على هذا الرجل ألف درهم، وعلى هذا الرجل الآخر مئة دينار فقال المشهود له: أما الألف فنعم، وأما مائة الدينار فباطلة، قال: تبطل الشهادة في الرجلين جميعًا، وكذلك لو شهد أنه غصبه هذين الثوبين فقال المشهود له: أما أحدهما فلم يقبضه بطلت الشهادة.
ولو شهدا أن لفلان على فلان ألف درهم وقضاه منها خمسمائة وكذبهما المدعي في القضاء فالشهادة جائزة.
وروى بشر عن أبي يوسف: في رجلين شهدا أن لهذا على هذا ألف درهم قد قضى منها مئة وقال المدعي: لم أقبض شيئًا، قال أبو حنيفة رحمه الله: أقضي له بالألف وأجعله مقضيًا المائة، قال بشر: وهو قول أبي يوسف.
رجل ادعى دارًا في يدي رجل أنها داره واشترى منه منذ شهر وأقام شاهدين، فشهدا على وقت الشراء أو أقل، فشهادتهما جائزة، ولو شهدا على أكثر من ذلك لم تجز شهادتهما.
وفي (نوادر بشر) عن أبي يوسف: شاهدان شهدا على رجل أنه طلق امرأته ثلاثًا، فأنفذ القاضي شهادتهما، ثم ادعى أحد الشاهدين أنها امرأته تزوجها قبل الذي طلقها، وأتى على ذلك ببينة، والمرأة تجحد، لا يقبل ذلك منه؛ وكذلك هذا في العتق والبيع وغير ذلك إذا جحد البائع دعوى الشاهد وقال: المتاع لي، وكذلك إذا قال الشاهد: نحن أمرناه بالبيع؛ لأن ما بعد أن الحكم شهادتهما بمنزلة الإقرار منها؛ لأنه لا حق لهما فيه ولا في ثمنه، وسواء إن كان البائع جاحد البيع أو كان المشتري جاحد الشراء.
ولو شهدا فرد الحاكم شهادتهما ادعياه لأنفسهما فليس لهما في ذلك دعوى، فإن لم يشهدوا عليه عند الحاكم، ولكن شهدا المبايعة وضما على.... من غير إقرار بكلام، فإن هذين لا تقبل لهما دعوى.
وروي عن محمد: في رجل شهد على رجل أنه طلق هذه المرأة، ولم يشهد أنها امرأته وقال: لم أعرفها ولم أكن دخلت بها قبلت بينته، وكذلك لو شهدا على إقرار المرأة أنها امرأته ولم يشهد أنها امرأته، فأجاز القاضي عليها إقرارها وجعلها امرأته، ثم أقام الشاهد بينة أنه تزوجها منذ سنة، وإني لم أعرفها؛ قبلت بينته ويبطل قضاء القاضي ويردها على الشاهد، فصار مسألة الطلاق مختلفة بين أبي يوسف ومحمد.
رجل في يديه مملوك ادعاه رجل أنه مملوكه، والذي في يده يجحده، وادعاه لنفسه فحلفه القاضي ما هو لهذا المدعي فأبى أن يحلف، وقضى القاضي عليه بنكوله، فقال الذي كانت في يديه: قد كنت اشتريته منه قبل الخصومة، وأقام على ذلك بينة قبلت بينته، وقضي له به، ولا يكون إباؤه اليمين إكذابًا للشراء.
ولو أقام بينة على أنه لي ولد في ملكي، أو أقام بينة على أني اشتريته من فلان يريد به رجلًا آخر سوى المدعي، وقد ولد في ملكه لا تقبل منه البينة.
وإذا شهد شاهدان أن الدار التي في يد هذا لفلان، فقال المشهود له: هذا البيت من هذه الدار لفلان ليس مولى فقد أكذب شهوده، فإن كان هذا قبل القضاء لم أقض لا له ولا لفلان بشيء وإن كان بعيد القضاء، قال: هذا البيت لفلان، ولم يكن لي أخبرت إقراره لفلان وجعلت البيت له ورددت ما بقي من الدار على المدعى عليه، وضمنته قيمة ذلك البيت يعني للمشهود عليه، ولأبي يوسف فيها قولٌ آخر أنه يضمن قيمة البيت للمشهود عليه، ويكون ما بقي من الدار له يعني المشهود له.
وفي (الإملاء) عن محمد: ثوب في يدي رجل أقر أنه لفلان، ثم قال بعد ما سكت: بعته منه بمئة درهم وقال لفلان: هو لي من غير البيع قبلت بينته، ولم يكن إقراره إكذابًا لبينته، ولو كان المقر وصل كلامه فقال: هذا لفلان بعته منه بمئة دينار قبل قوله، ولم يخرج من يده إلا بما قال.
عبد في يدي رجل قال لصاحب اليد: هذا عبدك، ثم ادعى المقر بعد ذلك أنه عبده باعه من المقر له بألف درهم، لم يصدق على ذلك، فإن قال المقر له: هذا العبد كان للمقر قبل أن يقر لي به، فقد وجب حق المقر الأول في العبد؛ فيقال للمقر له: أقم البينة على انتقاله منه إليك.
وفي (نوادر عيسى بن أبان) ثلاثة نفر أقاموا بينة على رجل بمالٍ لهم قبله من ميراثهم عن أبيهم، فقضى القاضي به لهم، ثم إن أحدهم قال بعد ذلك: ما لي في هذا المال الذي قضي لنا به على فلان من حق، وإنما هذا لإخوتي، قال: لا تبطل بهذا القول عن المقضي عليه شيء، إلا أن يقول: ما كان أصلًا في هذا المال شيء، وما هو إلا لإخوتي؛ فحينئذٍ يبطل حقه عن المقضي عليه. ولو قال قبل أن يقضي القاضي له بالمال: ما لي في هذا المال حق، وما هو إلا لإخوتي، يسأل عن ذلك بأي وجه صار لهما، وذلك وإن ما ادعيتم من ميراث أبيكم، فإن جاء بوجه يكون له فيه من قوله مخرج قبل منه.
وإن قال هذا القول ثم قضى القاضي للآخرين بالثلث وترك نصيب المقر، ولو كان الذين أقاموا البينة هم الذين ولوا معاملتهم ولم يدعوا المال إلا لهذين ما لي فيه حق؛ كان المال كله لهذين، ولم يبطل عن المدعى عليه شيء منه؛ لأنه قد يكون المال لرجل باسم رجل، وقال رجل يعمل به رجل آخر، رجل أقر وقال: هذا العبد تركه فلان ميراثًا، ثم ادعى أن فلانًا الميت أوصى بثلثه، وأقام على ذلك بينة قبلت بينته، ألا ترى أنه يقال تركه ميراثًا وأوصى به لي، وكذلك لو قال: تركه ميراثًا، ثم ادعى صفة في صحته لم أسمع دعواه ولم أقبل منه.
وفي (نوادر هشام): قال: سألت محمدًا عمن تزوج المرأة ثم ادعى أنه اشتراها ممن يملكها، قال: لا أقبل بينته على ذلك حتى يشهد أنه اشتراها من فلان وهو يملكها بعد التزويج، وكذلك لو ساوم بدار في يدي رجل ثم ادعى أنها له اشتراها من فلان وهو يملكها لم أقبل ذلك منه حتى يشهدوا أنه اشتراها من فلان بعد ذلك، وأقر الذي في يده الدار أنه وكيل البائع.
جارية منتقبة في يدي رجل، اشتراها منه رجل وهو بحضرتهما، فلما حلت نقابها قال المشتري: هذه جاريتي ولم أعرفها للنقاب؛ لا تقبل دعواه، ولا بينته وإن ساومه بمتاع في جراب مدرج، وقال البائع: هذا هروي فلما أخرجه من جرابه ونشره ورآه، قال: هذا متاعي، قبلت بينته.
وكذلك لو اشترى منه ثوبًا في منديل، فقال له البائع: أبيعك هذا الثوب الذي في هذا المنديل؛ فلما اشتراه فأخرج له الثوب من المنديل، قال المشتري: هذا ثوبي ولم أره، قال: أقبل دعواه وبينته، قال محمد رحمه الله: إنما أنظر في ذلك الشيء، فإن كان يمكن أن يكون ساومه وهو يعرف مثل الجارية المنتقبة القائمة بين يديه، فهذا يمكن أن يعرف به ويمكن أن لا يعرف، فلا يقبل قوله: إني لم أعرفه إلا أن يصدقه الذي في يديه أنه لم يعرف فتقبل بينته، وإذا كان شيئًا لا يمكن أن يساومه وهو يعرف مثل ثوب في منديل لا يراه أو جارية قاعدة على رأسها كساء وغطاء لا يرى منها شيء أقبل بينته عليه.
وفي (نوادر ابن سماعة): في رجلين شهدا لرجل وقالا: نشهد أن فلانًا غصب عبد هذا ولكنه قد رده عليه بعد ذلك فمات عند مولاه، وقال المغصوب منه: ما رده عليَّ، وإنما مات عند الغاصب، وقال المشهود عليه: ما غصبته ولا رددته عليه وما كان من هذا شيء، قال: إذا لم يدع شهادتهما يعني على الرد ضمنتهما القيمة.
وكذلك لو شهدا أنه غصب عبدًا له وأن مولاه قتله في يد الغاصب وقال المغصوب منه: ما قتلته؛ ولكن مات عند الغاصب، وقال المشهود عليه: ما غصبته ولا قتل المشهود له عبدًا له في يدي.
وكذلك لو شهدوا أن لهذا على هذا ألف درهم ولكنه قد أبرأه منها، وقال المشهود له: ما أبرأته من شيء، وقال المشهود عليه: ما كان له عليَّ شيء، ولا أبرأني من شيء، قال: إذا لم يدع شهادتهما على البراءة قضيت عليه بالألف.
رجل شهدت له بينة على رجلين؛ أن له عليهما ألف درهم، فقال الطالب: إنما ما لي على فلان هذا وحده خمسمائة، أو قال: إنما ما لي على هذا وحده؛ قال أبو يوسف: ليس هذا إكذابًا للبينة.
بشر عن أبي يوسف: في رجل ادعى شراء جارية من رجل وأراد ردها بعيب العور، فجحد البائع وقال: لم أبعك، فأتى المشتري بشهود أنه ابتاعها منه، وهي عوراء، وأقام البائع بينة أنه برئ إليه من العور، لم تقبل بينته على البراءة في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: قبلتها، ليس هذا إكذابًا لشهوده، فإنه يمكنه أن يقول: أبرأني، ولم أبعه حيث طلبه فطلبت إليه فأبرأني.
رجل ادعى دارًا ببينة في يدي رجل أنها داره وأقام البينة على ذلك، وذكر الشهود البناء في شهادتهم، أو لم يذكروا ثم ماتا أو غابا قبل أن يسألهما القاضي عن البناء، فالقاضي يقضي بالدار ببنائها للمدعي، فإن أقر المدعي بعد ذلك أن البناء للمدعى عليه فهذا إكذاب لشهوده، وبطلت الشهادة، والقضاء في البناء والدار جميعًا هكذا ذكر في (الأقضية).
وفي آخر شهادات (الأصل) قال: إذا ذكر الشهود البناء في شهادتهم ثم أقر أن البناء للمدعي، فهذا إكذاب لشهوده، وقد ذكرنا قبل هذا في فصل على حدة، وإنما أوردناها هاهنا لنفرق بين مسألة الدار وبين مسألة الحانوت.
فإن من ادعى حانوته في يدي رجل وشهد الشهود بالحانوت للمدعي، ثم غاب الشهود أو ماتوا قبل أن يسألهما القاضي عن البناء، فإن القاضي يقضي بالحانوت ببنائه للمدعي، فإن أقر المدعي بعد ذلك فقال: آستانة أيف، وكان يدعي عليه كرده است، فهذا منه إكذاب لشهوده.
وإن لم يذكر الشهود البناء في شهادته، أما على رواية كتاب (الأقضية): فلا يحتاج إلى الفرق، وأما على رواية (الأصل) يحتاج إلى الفرق.
والفرق: أن الحانوت اسم للعرض والبناء جميعًا، فالقضاء بالبناء في الحانوت لكون البناء مشهودًا، فإذا أقر بالبناء بعد ذلك للمدعى عليه يصير مكذبًا شهوده، ولا كذلك اسم الدار، فإنه اسم للعرصة، والبناء يدخل فيه بطريق التبعية، لا لكون البناء مشهودًا به، فلا يصير المدعي بالإقرار بالبناء للمدعى عليه مكذبًا شهوده.
وكذلك في هذه الصورة لو أن المدعى عليه ادعى كل البناء أو بعضه لنفسه بعدما قضى القاضي عليه بجميع الحانوت لا يسمع دعواه، وإن لم يذكر شهود المدعي البناء في شهادتهم بخلاف مسألة الدار على رواية (الأصل).
والبيت في هذا نظير الحانوت لا نظير الدار، حتى لو ادعى رجل بيتًا في يدي رجل وقضى القاضي له بالبيت وبنائه، ثم ادعى المدعى عليه البناء لنفسه وأقام على ذلك بينة لا تقبل بينته، ذكر الشهود البناء في شهادتهم أو لم يذكروا.
وكذلك لو أقر المقضي له في هذه الصورة أن البناء للمدعي، فهذا إكذاب منه للشهود كما في مسألة الحانوت؛ لأن البيت اسم للعرصة والبناء كالحانوت.
في (مجموع النوازل): فيمن أوصى لرجل بألف درهم، فادعى الموصى له أنه ابن الميت ولم تقم له بينة فله الأقل من الميراث ومن الألف، وقال محمد رحمه الله: الوصية باطلة ولا شيء له.
رجل ادعى ضيعة في يدي رجل أنه ملكه فقال المدعى عليه: مابل كتم ونكاه كنم فهذا ليس بجواب ويجبره القاضي على الجواب، وهذا لأن المدعي وقع في الملك، فجوابه أن يقر المدعى فيقول: نعم هذا ملكك، أو ينكر فيقول: ليس هذا ملكك، وإذا قال المدعى عليه: اين محدود مره توسبر دني نيست، أو قال: بنو تسليم كرد نيست، وفي دعوى الدين إذا قال المدعى عليه: مرة تو جيزي داد ني نيست، وفي دعوى الدين إذا قال المدعى عليه: مرة تو جيزي دادني نييست، فهذا ليس بجواب عند بعضهم، وعند بعضهم هو جواب وهو الأشبه.
ادعى ضيعة في يدي رجلين فقالا: دوتير أذس تيرازين ضياع ملك ماست ودر ديست ماسنت ديك تر ملك فلان غائب إست ودر رست ما أمانه إست، فهذا جواب تام، ولكن لا تندفع الخصومة عنهما عن المتهم الآخر ما لم يقيما بينة على الوديعة على ما عرف.
وإن قال في دعوى الدين بسبب البيع أو ما أشبه ذلك: من أين يبلغ به سبب دادني نست، فهذا ليس بجواب قيل، وقد قيل: هذا إنكار لأصل الدين، فيكون خصمًا في أصل الدين. وإذا قال في دعوى الدين: مرو أعلم نيست، وأخبر نيست، فهذا ليس بجواب وفي دعوى العقار إذا قال: هذا المحدود ملكي ولم يقل هو في يد المدعى عليه، لا يلزم المدعى عليه الجواب، وإذا قال: هو ملكي، وفي يد هذا المدعى عليه، فقال المدعى عليه للمدعي: أين محدود ملك نيست فهذا على وجهين، إما إن قال: دردست منست، وملك تونست، فهذا جواب، وإن لم يقل: دردست منست فهذا ليس بجواب، وقد قيل: إنه جواب وهو الأشبه، لأن قول المدعى عليه في العقار: دردست منست غير معتبر، ولا يثبت به المدعى عليه على المدعي، فلابد من إقامة المدعي البينة على كونه في يد المدعى عليه. وإذا أقام البينة على ذلك يصير خصمًا سواء قال: هو في يدي، أو لم يقل.
وإذا ادعى منزلًا في يدي رجل، فقال المدعى عليه: عرصة ملك نست، فهذا ليس بجواب ما لم يقل: عرصة أين منزل كه دعوى بكني، وكذلك إذا قال الشاهد: عرصة ملك يدعى است، فهذه الشهادة ليست بتامة.
وإذا ادعى نكاح امرأة فقالت: من زن أين يدعى نيم، فهذا جواب، ولو قالت: من زن يدعي نيم، أو قالت: من زن دي كه بل، عيست نيم، فإن أشارت إليه فجواب، وإن لم تشر إليه فقد قيل: أنه ليس بجواب لجواز أن في المجلس مدعي آخر وهي أرادت بقولها ذلك المدعي، لا هذا المدعي الذي ادعها نكاحها.
ادعى دارًا في يدي رجل فقال المدعى عليه: أين خانه حق نست فهذا ليس بجواب، لأن الدعوى وقع في الملك والمدعى عليه لم يتعرض للملك لا بالنفي عن المدعي، ولا بالدعوى لنفسه إنما ادعى أنها حقه، ويجوز أن يكون حقًا له، ولا يكون ملكًا له بأن كانت في يده بإجارة أو رهن أو ما أشبه ولهذا لا يصير خصمًا، وكذلك إذا قال المدعى عليه: للمدعي: تراد راين خانه حق نيست، فهذا ليس بجواب؛ لأن المدعي ادعى الملك ويحتمل أن المدعى عليه أراد بقوله ترادر دي حق نيست بجهة الإجارة أو بجهة الرهن أو ما أشبه ذلك.
ادعى دارًا في يدي رجل أنها داره غصبها ذو اليد منه فقال ذو اليد: حملك إين خانه دردست مانست بسبب شرعي ومن زباني مدعي سبردين نيست، فهذا جواب تام في حق إنكار الغصب غير تام في حق الملك؛ لأنه لم يتعرض للملك لا بالنفي ولا بالإثبات.
رجل ادعى دارًا في يدي رجل فقال المدعى عليه: إنها داري، ثم قال: إنها وقف فهذا جواب تام تقبل بينة المدعى عليه، وكذلك لو قال في الابتداء: هذه الدار وقف، وفي يدي بحكم التولية، فهذا جواب تام، لو أقام المدعى عليه البينة بالملك لنفسه تقبل بينته، وبعدما قضى القاضي للمدعي لو أقام المدعى عليه على الوقفية لا تقبل بينته؛ لأنه صار مقضيًا عليه.
وإذا قال المدعى عليه: العقار هذا العقار المدعى به ليس في يدي يحتاج المدعي إلى إثبات هذه البينة، فإذا اشترى الابن يقيم البينة على الملك، وهذا حكم يختص بالعقار، فإن الدعوى إذا وقع في المنقول لا يسمع الدعوى إلا بحضرة المنقول يعرف يد المدعى عليه فلا حاجة إلى إثباته بالبينة.
في (فتاوى الأصل): إذا أنكر المدعى عليه أن يكون المحدود المدعى به في يده فالقاضي يحلفه على اليد أولًا، فإن حلف تندفع عنه الخصومة، وإن نكل يحلف على الملك، وهذا مما لا يكاد يصح؛ لأن اليد على العقار لا تثبت تصريح الإقرار فكيف يثبت بالنكول الذي هو قائم مقام الإقرار؟ ولو قال: لا أرى أهو ملك هذا المدعي فهذا ليس بجواب، ويجبره القاضي على الجواب، فإن لم يجب يجعله منكرًا، ويسمع البينة عليه، وبيان ما يكون إقرارًا وما لا يكون سيأتي في كتاب الإقرار.
هذا الفصل يشتمل على أنواع: نوع منه قال محمد رحمه الله في كتاب الإجارات: إذا تكارى الرجل ثلاث دواب بأعيانها من بغداد إلى مدينة، جازت الإجارة، ثم إن المكاري باع هذه الدواب من رجل آخر أو وهب له، أو تصدق أو أجر أو أعار، أو أودع، فجاء المستكري ووجد الدواب فأراد أن يقيم البينة على استكرائه فهذا على وجهين.
إما إن كان المكاري حاضر وفي هذا الوجه تقبل بينته على المكاري؛ لأن المستأجر مع الذي في يديه الدابة تصادقا أن الملك في الدابة كان للمكاري والمكاري صدقهما في ذلك، فيثبت الملك للمكاري في الدابة بتصادقهم، فكان المكاري خصمًا للمستأجر فيقبل بينته عليه ويستوي في حق سماع بينة المستكري أن يكون المكاري جاحدًا أنه أكرى الدواب منه أو يكون مقرًا بذلك؛ لأن إقراره لا يصح لحق ذي اليد، فيكون وجود هذا الإقرار كالعدم بمنزلة.
ونظيره: رجل باع من رجل شيئًا، فجاء رجل آخر وادعى أن هذا البائع باع هذا الشيء مني قبل أن يبيعه من هذا المشتري، وصدق البائع المدعي في ذلك لا يلتفت الي تصديق البائع، ولو أقام المدعي بينة على دعواه، قبلت بينته.
وطريق القبول أن للبائع وإن كان مقرًا بدعوى المدعي إلا أن الإقرار منه لا يصح بحق المشتري الظاهر فيصير وجود هذا الإقرار والعدم بمنزلة كذا هاهنا، وإذا قبلت بينة المستكري ينظر إن كان المكاري باع الدواب؛ وكان البيع بعذر بأن كان عليه دين فادح لا وفاء له إلا من ثمن الدواب، لم يكن للمستأجر على الدابة سبيل؛ لأن الإجارة تنتقض، حتى حصل البيع بعذر.
وهذا على الرواية التي لا يشترط لفسخ الإجارة حالة التعذر القضاء والرضى، وإن كان باعها بغير عذر كان المستأجر أحق بها إلى أن تنقضي مدة الإجارة، وإن كان المكاري أجره من غيره، أو أعار، أوتصدق كان المستكري أحق بها الى أن يستوفي إجارته؛ سواء باشر هذه التصرفات بعذر أو بغير عذر؛ لأن العذر لا ينتقض في هذه الأسباب ولا تنتقض الإجارة بمباشرتها، وإن كان المكاري غائبًا فبينة المستكري على الذي الدواب في يده مقبولة، إن كانت الدواب في يده مشتريًا أو موهوبًا أو متصدقًا عليه؛ لأنه يدعي الملك لنفسه فيما في يده فينتصب خصمًا له لكل من ادعى حقًا فيما في يده والمستأجر ادعى حقًا فيما في يده، فينتصب خصمًا له بعد هذا إن كان المكاري باع الدواب بعذر فلا سبيل للمستكري عليها.
وإن باع بغير عذر، أو وهبه، أو تصدق كان المستأجر أحق به إلى أن يستوفي إجارته. وإن كان الذي في يديه الدواب مستعيرًا لا ينتصب خصمًا للمستكري؛ وإن كان مستأجرًا هل ينتصب خصمًا للمستكري؟ ففيه اختلاف المشايخ قال بعضهم: ينتصب خصمًا وإليه مال الشيخ الإمام الزاهد أحمد الطواويسي والشيخ الإمام الزاهد فخر الإسلام علي البزدوي رحمهما الله، وقال بعضهم: لا ينتصب خصمًا، وإليه مال الشيخ الإمام شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده وبعض مشايخ زماننا قالوا: إن كان المستكري يدعي فعلًا على المستأجر بأن قال: استأجرتها وقبضتها، ثم قال: غصبتها مني ينتصب خصمًا له ويسمع بينته عليه، وإن لم يدع عليه فعلًا ولكن قال: استكريتها قبل أن تستأجرها أنت، لا ينتصب خصمًا له ولا يسمع بينته عليه.
وإذا ادعى رجل دارًا في يدي رجل أنها في إجارتها أجرنيها فلان وادعى ذو اليد أنها في إجارتي أجرنيها فلان آخر، يسمع دعوى المدعي وينتصب صاحب اليد خصمًا بخلاف ما إذا ادعى الملك المطلق وصاحب اليد ادعى الإجارة وهذا الجواب يوافق قول الشيخ الإمام الزاهد أحمد الطواويسي، والشيخ الزاهد فخر الإسلام علي البزدوي، وكذا إذا ادعى الأجر المستأجر بغير حضرة المستأجر؛ سمع دعواه؛ لأن مالك الرقبة هو.

.نوع آخر:

قال محمد رحمه الله في أخر (شرح الجامع): رجل اشترى من آخر جارية بألف درهم، ولم ينقد ثمنها وقبضها بغير إذن البائع، وباعها رجل آخر بمائة دينار وتقابضا وغاب المشتري الأول وحضر بائعه وأراد استردادها من يد المشتري الثاني فإن أقر المشتري الثاني أن الأمر كما وصف البائع الأول كان للبائع الأول أن يستردها من المشتري الثاني وإن كذب المشتري الثاني البائع الأول.
وقال: لا أدري أحق ما قاله البائع الأول أو باطل فلا خصومة بينهما حتى يحضر المشتري الأول، لأن الجارية صارت مملوكة للمشتري الثاني والبائع الأول مقر بذلك، ثم يدعي هو على الغائب حقًا فلا يصدق إلا بحجة، والحجة لا تسمع على الغائب إلا وأن يكون عنه خصم حاضر والمشتري الثاني ليس بخصم عن المشتري الأول.
قال محمد رحمه الله في (الزيادات): دار في يدي رجل ادعى أنها له وأقام على ذلك بينة فقال ذو اليد: أنها كانت لي بعتها من فلان منذ شهر وسلمتها إليه،ثم أودعنيها وغاب، فالقاضي يسأل عن المدعي في دعواه فقد أقر أنه ليس بخصم له والخصومة لاتتوجه إلا على الخصم فقد أقر ببطلان خصومته وإقرار الإنسان ببطلان حقه إقرار يعبر، وإن كذب المدعي ذو اليد فيما ادعى إلا أن القاضي علم أن الأمر كما قال ذو اليد، فقد علم أن يد ذي اليد ليست بيد خصومة علم القاضي... تصديق المدعي ثم لما اندفعت الخصومة عند تصديق المدعي فهاهنا أولى، وإن كان القاضي لا يعلم بذلك لا تندفع الخصومة؛ لأنه لما أقر بالملك لنفسه أولًا فقد أقر أنه خصم، وإن خصومة المدعي متوجهة عليه.
فإذا ادعى البيع والإيداع بعد ذلك، فقد ادعى ما يخرجه من أن يكون خصمًا فلا يصدق في دعواه. وإن قال ذو اليد: أنا أقيم البينة على ما ادعيت، فالقاضي لا يقبل بينته؛ لأنه لو قبل بينته، وقضى بها كان ذلك قضاء على الغائب بالبيع وإنه ليس بخصم في إثبات البيع على الغائب، لأنه لا حاجة له الى ذلك؛ لأن حاجته إلى دفع الخصومة عن نفسه وهذه الحاجة تندفع بإثبات وصول الدار الى يده من جهة غيره فلا حاجة إلى إثبات الملك، والبيع على الغائب، فلم يصر خصمًا في إثبات البيع على الغائب والبينة لا تسمع إلا من خصم إذا لم تقبل بينة ذي اليد، قضى القاضي بالدار للمدعي.
وأقام البينة أن الدار داره يسأله القاضي: من أي وجه صارت الدار له، فإن لم يبين شيئًا تقبل بينته ويقضي القاضي بالدار له بمنزلة أجنبي آخر يقيم البينة على الملك المطلق؛ وهذا لأنه لو لم يقبل لصيرورته مقضيًا عليه بالقضاء على ذي اليد، والقضاء بالملك المطلق على ذي اليد لا يكون قضاءً على من يدعي الملك مطلقًا، وإنما يكون قضاءً على من يدعي تلقي الملك من جهة ذي اليد.
يوضحه: أن القضاء بناء على البينة والبينة حجة ضرورية فالقضاء الذي هو بناء على البينة لا يعدو موضع الضرورة وموضع الضرورة صاحب اليد ومن تلقى الملك من جهته.
وإن قال: صارت الدار لي بجهة الشراء من ذي اليد فالقاضي لا يقبل بينته على ذلك؛ لأن القضاء بالملك المطلق على ذي اليد قضاء على من تلقى الملك من جهة ذي اليد، فصار الغائب مقضيًا عليه بالقضاء على ذي اليد، فلو قبلت بينته بعد ذلك صار مقضيًا له، وإنه لا يجوز؛ ولأن القاضي لما قضى بالملك المطلق للمدعي، فقد جعل يد ذي اليد يد غصب، والشراء من الغاصب لا يكون سببًا للملك.
ولم يذكر في (الكتاب) ما إذا حضر الغائب قبل الحكم للمدعي والجواب فيه أنه إن أقام البينة على الملك المطلق صار الغاصب مع المدعي بمنزلة خارجين يدعيان ملكًا مطلقًا، وأقاما البينة.
ولو ادعى الشراء من ذي اليد منذ شهر وأقام البينة قبلت بينته في دفع بينة المدعي، لأنه يبين أنها قامت على غير خصم ويقال: للمدعي أعد بينتك على الذي حضر أن تثبت لأن بينتك الأولى قد بطلت.
رجل في يديه دار جاء رجل وادعى أنها له اشتراها من ذي اليد منذ سنة بكذا ونقد الثمن، وإن لم يقبضها وقال صاحب اليد: لا بل بعتها من فلان منذ شهر وسلمتها إليه، ثم أودعنيها وغاب، فالقاضي يسأل المدعي من دعوى صاحب اليد إن صدقه في ذلك فلا خصومة بينهما لما مر.
وإن لم يعلم القاضي ذلك أيضًا فأراد ذو اليد إقامة البينة على البيع من الغائب فالقاضي لا يقبل بينته ولا تندفع خصومة المدعي لما مر في المسألة الأولى؛ ولأن الغائب لو كان حاضرًا، فأقام البينة على الشراء منذ شهر كانت بينة المدعي أولى وقضى بالدار للمدعي؛ لأنه أسبقهما تاريخًا فهاهنا كذلك.
وإذا لم تندفع خصومة المدعي في هذه الصورة وقضى القاضي ببينته بالبيع منه منذ سنة ثم حضر الغائب وأقام بينته على البيع منه منذ شهر، فالقاضي لا يسمع بينته ولا يقضي له بالدار؛ لأن من ضرورة القضاء للمدعي بالشراء منذ سنة بطلان كل شراء بعده، فهذه بينة قامت على شراء باطل، فلا يسمع، ولو أن القاضي سمع بينة المدعي في هذه الصورة، ولكن لم يقض بها حتى حضر الغائب وأقام بينة على ما قال صاحب اليد، قبلت بينته في دفع بينة المدعي وجرحها لقيامها على غير الخصم، وليس للمدعي فيه ضرر؛ لأنه تتحول الخصومة إلى الذي أحضر، ويقال للمدعي: أعد بينتك على الذي حضر، فإن أعاد كان أولى لسبق تاريخه، وإن لم يعد لا يقضى له بشيء، ولو أن الغاصب حين حضر قبل القضاء ببينة المدعي لم يقم بينة على ما قال صاحب اليد فيما قال: لا تندفع الخصومة لأن المدعي لما أقام البينة على ما ادعى فقد استحق القضاء بها، فلا يبطل هذا الحق بمجرد تصديق الذي حضر، ولو أن الغائب حضر بعدما قضى القاضي بالدار للمدعي ببينته قضى بالدار له؛ لأنه أسبق في التاريخ، وإنه ليس بمقضي عليه، لأن قضاء القاضي على صاحب اليد بالشراء منه منذ سنة؛ يكون قضاءً على من يدعي تلقي الملك من جهته بعد سنة لا قبلها.
رجل اشترى من آخر دارًا وقبضها فجاء رجل وادعى أنه شفيعها وأقام على ذلك بينة فقال صاحب اليد: قد بعتها من فلان وقبضها مني ثم أودعنيها وغاب، فالقاضي يسأل الشفيع عن دعوى صاحب اليد، فلا خصومة بينهما لما قلنا.
وإن لم يعلم القاضي ذلك أيضًا، فأراد صاحب اليد أن يقيم بينة على ما ادعى، فالقاضي لا يسمع بينته، ولا تندفع خصومة الشفيع في هذه الصورة، وقضى القاضي له بالدار ببينته؛ لأن قضاء القاضي بالدار للشفيع يوجب بطلان كل تصرف باشره المشتري؛ لأن حق الشفيع مقدم على حق المشتري، فهذه بينته قامت على تصرف جرى الحكم ببطلانه فلا يلتفت إليه، ولو سمع القاضي بينة الشفيع ولكن لم يقضِ بها حضر الغائب، فأقام بينة على ما ادعاه صاحب اليد قبلت بينته في حق دفع بينة الشفيع، وجرحها لأن بهذه البينة تبين أن الشفيع أقام البينة على غير الخصم.
قال في (الكتاب): ألا ترى أن الشفيع لو أقر مما ادعاه المشتري بعدما أقام البينة قبل القضاء له لا يكون بينهما خصومة، ولا يقضي القاضي للشفيع حتى يحضر الغائب ويعيد البينة عليه.
فكذا إذا أثبت الغائب ذلك بالبينة، فإن أعاد الشفيع البينة على الذي حضر قضى القاضي له بالشفعة، فكان له أن يأخذ الدار بأي البيعين شاء، كذا هاهنا.
ولو قضى القاضي للشفيع بالشفعة قبل أن يحضر الغائب ثم أقر الشفيع بعد القضاء بما ادعاه المشتري الأول لا يلتفت إليه لما ذكرنا أن قضاء القاضي بالشفعة للشفيع يوجب انتقاض كل تصرف باشره المشتري، فالشفيع بهذا الإقرار يريد إظهار بيع أبطله القاضي، وليس له هذه الولاية، فلهذا لا يلتفت القاضي إلى إقراره، ثم ما ذكر من الجواب ظاهر على قول أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن القضاء بالشفعة وأنه في معنى عقد ينفذ ظاهرًا وباطنًا فلا يمكن رده.
أما على قول محمد: لم ينفذ باطنًا فينبغي أن يرد وإنما لم يرد؛ لأن فيه قضاء بالبعض على الغائب، والقضاء على الغائب لا يجوز.
رجل في يديه دار ادعاها رجل إلا أنه لم يقم البينة على دعواه، ثم قاما من عند القاضي ومكثا زمانًا ثم تقربا إليه وجاء المدعي بشاهدين شهدا أن الدار له فقال المدعى عليه: إنها كانت لي إلا أني بعتها من فلان بعد ما قمنا عن مجلس القاضي، أو قال: وهبتها من فلان وسلمتها إليه، ثم أودعنيها وغاب فإن أقر المدعي بما قاله ذو اليد أو لم يقر هو بذلك، ولكن علم القاضي بذلك أو لم يعلم بذلك أيضًا إلا أن صاحب اليد أقام بينة على إقرار المدعي بذلك، فلا خصومة بينهما، وإن لم يكن شيء في ذلك، وأقام صاحب اليد بينة على ما ادعى فالقاضي لا يسمع بينته، ولا تندفع الخصومة عن ذي اليد، وقد مر هذا في المسألة المتقدمة، وكذلك لو كان المدعي حين ادعى الدار أقام شاهدًا واحدًا ثم قاما من عند القاضي ومكثا زمانًا، ثم بعدما أتى القاضي وجاء المدعي بشاهد وأقام صاحب اليد بينة على أنه باع الدار من فلان بعدما قاما من عند القاضي.
أو قال: وهبها منه وسلمها إليه، فإن أقر المدعي بذلك أو علم القاضي به أو أقام ذو اليد بينة على إقرار المدعي بذلك فلا خصومة بينهما، وإن لم يكن شيء من ذلك وأقام ذو اليد بينة على ما صنع فالقاضي لا يسمع بينته ولا تندفع الخصومة عنه.
ولو كان المدعي حين ادعى الدار أقام شاهدين فعدلا فقبل أن يقضي القاضي بالدار للمدعي قاما من عند القاضي، ثم إنهما بعدما مكثا زمانًا عند القاضي، وادعى صاحب اليد أنه باع الدار من فلان بعدما قاما من عند القاضي أو وهبها له، وسلمها إليه، ثم أن فلانًا أودعها منه وغاب، وأقر المدعي بذلك أو علم به فإنه لا تندفع الخصومة من ذي اليد.
بخلاف ما إذا كان المدعي أقام شاهدًا واحدًا وقت الدعوى، وباقي المسألة بحالها، فإن هناك إذا أقر صاحب اليد بما ادعاه المدعي من البيع أو الهبة بعدما قاما من مجلس القاضي، أو علم القاضي بذلك فإن هناك لا خصومة بين المدعي، وبين صاحب اليد.
والفرق: أن بإقامة الشاهدين إن لم يثبت للمدعي حقيقة الملك في المدعى به فقد ثبت له حق الملك لوجود سبب الملك بكماله، إلا أنه ما حد ثبوت الملك إلى وقت القصاص، وحق الملك للمدعي في المدعى يمنع صحة بيع المدعى عليه وهبته كي لا يبطل حق المدعي، فالمدعي إنما أقر بهبة غير صحيحة، والقاضي علم هبته غير صحيحة، فلا يصلح ذلك دافعًا خصومة المدعي إما بإقامة الشاهد الواحد كما لم يثبت للمدعي حقيقة الملك في المدعى به لم يثبت له حق الملك في المدعى به، لم يثبت له حق الملك؛ لأنه لم يقم سبب الملك، وهو شهادة شاهدين عدلين، وإذا لم يثبت للمدعي في المدعى به حقيقة الملك ولا حق الملك كان تصرف المدعى عليه حاصلًا في خالص ملكه فيصح، فإن ما أقر المدعي بهبة صحيحة، وعلى القاضي هبة صحيحة فتندفع الخصومة عن ذي اليد كما قيل: إقامة الشاهد الواحد.
فرق بين هذه المسألة وبينما إذا ادعى رجل دارًا في يدي رجل بشاهد واحد أو بشاهدين، إلا أنهما لم يعدلا بعد، متى أقر المدعى عليه بالدار لغيره كان إقراره باطلًا في حق المدعي حتى يبطل ما أقام المدعي من الشاهد الواحد فقد سوى بين الشاهد الواحد، وبين الشاهدين، ثمة وفرق بينهما هاهنا.
والفرق وهو: أن الإقرار إخبار، والأصل في الإخبارات أنه إذا تضمن إلحاق الضرر بالغير أنه يعتبر كذبًا في حق ذلك الغير، والإقرار بالعين للمدعى به بعد الشاهد الواحد يتضمن إلحاق الضرر بالمدعي، فإنه متى صح إقراره يبطل ما أقام المدعي من الشاهد الواحد، فيعتبر كذبًا في حقه، فلم يصح، فأما بيع ذو اليد وهبته إنشاء تصدق وتهمة الكذب يتحقق في الإجارات دون الإنشاءات فلا يمكننا رد هذا التصرف من حيث إنه كذب، وإذا لم يمكن الرد بهذا الطريق، طلبنا للرد وجهًا آخر فقلنا: إذا تضمن بيعه وهبته إبطال ملك أو حق ملك، أو يد مستحقة على الغير يرد وما لا، فلا، وبعد إقامة الشاهدين تصرفه تضمن إبطال حق الملك على المدعي فلم يكن صحيحًا.
دار في يدي رجل ادعاها رجل وذهب ليأتي بالشهود فباعها المدعى عليه من رجل أو وهبها له، وسلمها إليه، ثم إن المشتري أو الموهوب له أودعها منه ثم تقدما إلى القاضي، فإن كان القاضي يعلم بما صنع صاحب الدار أو أقر المدعي بذلك، أو أقام صاحب اليد بينة على إقرار المدعي بذلك تندفع الخصومة عن ذي اليد، وقد مر هاهنا غير مرة، وإن يكن شيء من ذلك ولكن أقام صاحب اليد بينة على ما صنع لا تندفع خصومة المدعي من صاحب اليد، فلو أن القاضي لم يقضِ للمدعي بالدار بشهادة شهوده حتى حضر الغائب وصدق صاحب اليد فيما قال: تدفع الدار إلى الغائب لإقرار صاحب اليد له.
ويجعل القاضي الغائب خصمًا للمدعي، ولا يكلف المدعي إعادة البينة؛ لأن إقامتها على صاحب اليد صح ظاهرًا، فلا يبطل بإقرار ذي اليد، ويجعل المقر له وهو المشتري كالوكيل عن ذي اليد، وقد مر جنس هذا فيما تقدم وينتقض البيع، ويرجع المشتري بالثمن على البائع لاستحقاق المبيع من يد المشتري.
وكذلك لو شهد على البائع رجل واحد ثم حضر المشتري ودفع العبد إليه، فأقام المدعي شاهدًا آخر على المشتري، وقضى بالعبد له، ولا يكلفه إعادة الشاهد الأول؛ لأن الشاهد الثاني مضاف إلى الشاهد الأول فصار كأن الشاهدين شهدا على ذي اليد.
وكذلك لو كان ذو اليد باع الدار من غيره ولم يسلمه حتى حضر المدعي وأقام الذي في يده البينة أنه باع العبد من فلان ولم يسلمه إليه لا يلتفت إلى بينة ذي اليد، ويكون الجواب فيه كالجواب فيما إذا أقام البينة على البيع والقبض ثم الإيداع.
عبد ادعى على رجل أنه كان ملكه وأنه أعتقه فقال المولى: حين أعتقته لم يكن ملكي لما أني بعته من فلان ثم اشتريته منه وأقام البينة على بيعه قبل الإعتاق، لا تقبل بينته، ولو كان المولى قال له: أعتقتك قبل أن اشتريتك، وقال العبد: لا بل أعتقتني بعدما اشتريتني، فالقول قول العبد لأن العبد يدعي عتقًا جائزًا، والمولى يدعي عتقًا فاسدًا.

.نوع آخر من هذا الفصل:

قال محمد رحمه الله: رجل ادعى على رجل أنه فقأ عين عبد لي قيمته ألف درهم، وجحد المدعى عليه دعواه، والمدعي مقر أن العبد حي فأقام المدعي بينة على دعواه، فالقاضي لا يسمع بينته ولا يقضي بالأرش على المدعى عليه إلا بمحضر من العبد، فإذا حضر العبد فالمدعي يقيم البينة أنه عبده، وأن هذا فقأ عينه فيقضي القاضي له بالعبد، ويقضي على الفاقيء بأرش العبد للمدعي.
قال محمد رحمه الله في (الكتاب): وقد قال بعض فقهائنا: أن القاضي يقبل بينته، ويقضي بأرش العبد على الفاقيء، وإن لم يحضر العبد، فإذا حضر العبد إن أنكر العبودية وقال: أنا حر الأصل أبطل القاضي ذلك القضاء ويرد الأرش إلى المدعى عليه، وإن أقر بالعبودية للمدعي أمضى تلك القضاء.
وجه قول هذا القائل: أن المدعي ادعى الأرش دينًا في ذمة الحاضر بسبب جائز في محل مملوك له، وفي مثل هذا لا يشترط حضرة المحل للقضاء بالأرش كما لو ادعى أنه فقأ عين برذون له قيمته ألف درهم، وأنكر المدعى عليه دعواه، فأقام المدعي بينة على دعواه فالقاضي يقضي له على المدعى عليه بربع قيمة البرذون، وإن لم يكن البرذون حاضرًا كذا هاهنا.
وجه ما ذكر محمد رحمه الله في (الكتاب): أن القضاء بالأرش هاهنا متعذر؛ لأن لو قضينا بالأرش هاهنا إما أن يقضي بالأرش وبملك العبد للمدعي، أو يقضي بالأرش لا غير، ولا وجه إلى الأول؛ لأن البينة في حق العبد قامت على العبد؛ لأنه في يد نفسه من حيث الظاهر؛ حتى كان القول قوله أنه حر الأصل وأنه غائب، والقضاء على الغائب، وليس عنه خصم حاضر لا يجوز، ولا وجه إلى الثاني؛ لأن ملك الطرف، وملك بدل الطرف لا يفيد الفصل عن ملك الأصل على ما مر.
وإذا تعذر القضاء بالأمرين، وبالأرش وحده يوقف القضاء إلى أن يحضر العبد بخلاف مسألة البرذون، لأن هناك القضاء بالأرش ممكن من غير أن يقع القضاء بالبرذون على غائب؛ لأن القول قول المدعي: أن البرذون برذونه، لأنه يدعي مالًا لنفسه وليس له فيه منازع فإنه لم يعرف كون البرذون في يد ثالث، وليس للبرذون يد نفسه فكان القول قوله أن البرذون له فأمكن القضاء بالأرش من غير أن يقع القضاء بالبرذون على الغائب.
بخلاف العبد؛ لأن العبد في يد نفسه ويقر عن نفسه فلا يمكن القضاء بذلك للمدعي إلا بالقضاء على الغائب حتى لو كان العبد ميتًا يقضى بالأرش للمدعي؛ لأنه لابد للميت على نفسه فيمكن القضاء بالأرش للمدعي من غير أن يقع القضاء على الغائب.
وكذلك إذا كان العبد صغيرًا لا يعبر عن نفسه، فالقاضي يقضي بالأرش للمدعي على الفاقيء، ولا يشترط حضرة العبد؛ هكذا حكي عن القاضي الإمام أبي عاصم العامري؛ لأن الصغير الذي لا يعبر عن نفسه ليس له يد نفسه بل هو بمنزلة الثوب والدابة حتى كان القول فيه قول صاحب اليد أنه ملكه، فأمكن القضاء بالأرش من غير أن يقع القضاء بملك العبد على الغائب.
فإن قيل: هلا انتصب الفاقيء خصمًا عن العبد للمدعي؛ لأنه ادعى حقًا على الفاقيء وهو الأرش، ولا يمكن إثباته إلا بعد إثبات الملك لنفسه في رقبة العبد، وفي مثل هذا ينتصب الحاضر خصمًا عن الغائب.
قلنا: لا يمكن أن يجعل الفاقيء خصمًا عن العبد حكمًا، لأنه ليس من الفاقيء وبين العبد فيما يريد المدعي إثباته من ملكه في رقبة العبد سبب، ولابد من سبب يكون بين الحاضر والغائب حتى يجعل الحاضر خصمًا عن الغائب واحد لم يقل به، قال: ولو أن المدعى عليه أقر أنه فقئ عين العبد، وإنه عبد هذا المدعي والعبد غائب، فإنه يقضي بأرش العبد له بخلاف فصل البينة.
والفرق: أن الإقرار في حق الأرش دون نفس العبد فيمكن القضاء بالأرش للمدعي من غير أن يكون قضاءً على الغائب وهو العبد، فأما البينة، فحجة متقدمة، فلا يمكن إثبات ملك العبد بها في حق الأرش، ورقبة العبد لأنه لا يكون على الغائب.
فهذا هو الفرق وذكر بعد هذا مسألة البرذون التي ذكرناها على سبيل الاستشهاد، وأجاب على نحو ما بينا أن القاضي يقضي بربع القيمة للمدعي على المدعى عليه، وإن لم يكن البرذون حاضرًا وفيه نوع إشكال ينبغي أن لا يقضي القاضي للمدعي بأرش البرذون حتى يري المدعي البرذون للقاضي فينظر إليه القاضي هل فقئ عينه أم لا؟.
ألا ترى أن من ادعى على آخر أنه شج رأسه فالقاضي لا يقضي للمدعي على المدعى عليه بشيء حتى يرى المدعي رأسه للقاضي والجواب وهو الفرق بين الفصلين أن في فصل الشجة المدعي حاضر، فيمكنه إراءة رأسه من غير كلفة ومشقة، فأما البرذون فغائب فلا يمكنه إراءة البرذون إلا بكلفة ومشقة.
وكان بمنزلة ما لو ادعى على غيره أنه شج أباه، وأبوه ميت فالقاضي لا يأمره بإحضار أبيه، وزان مسألة البرذون من مسألة الشجة أن لو كان البرذون حاضرًا، ولو كان البرذون حاضرًا، فالقاضي لا يقضي للمدعي بأرشه حتى يري البرذون القاضي، لأنه يمكنه إراءة من غير مشقة، قال: ولو جاء رجل بعد ذلك والبرذون المفقوءة عينه في يده وهو يزعم أن البرذون له، وطلب من القاضي أن يأمر المقضي له بالأرش حتى يدفع الأرش إليه، فالقاضي لا يلتفت إلى قوله ولا يأمر المقضي له بالأرش حتى يدفع الأرش إليه ما لم يقم البينة أن البرذون له وأن المدعى عليه فقئ عينه وهو يومئذٍ له، مع أن القول قوله أن البرذون له.
وأن ما كان كذلك لأن العين ليس في يده ليجعل القول فيه قوله بخلاف البرذون؛ لأن البرذون في يده فأمكن أن يجعل القول فيه قوله، ولعل الذي في يديه البرذون من جهة المقضي له بالأرش بعدما فقئت عينه، ولأنا إنما حكمنا له بالبرذون بظاهر يده، والظاهر لا يصلح حجة للاستحقاق، والأرش والظاهر لا يصلح بذلك، فإن أقام الذي في يديه البرذون بينة أن البرذون له، وأن هذا المدعى عليه فقئ عينه، وهو يومئذٍ له قضي بالأرش له؛ لأنه ظهر ببينته أنه كان صاحب ملك ويد البرذون يوم الفقئ، وظهر أن بينة المقضي له بالأرش قامت على غائب ليس عنه خصم حاضر إذ البينة حجة في حق الناس كافة فبطلت بينة المقضي له بالأرش.
فإن قيل: ينبغي أن لا تقبل بينة الذي جاء بالبرذون أن البرذون له لأنه صاحب اليد في حق البرذون.
قلنا: نعم إلا أن بينة ذو اليد لا تقبل إذا أقامها لاستحقاق ما في يده، والذي جاء بالبرذون إنما أقام البينة لاستحقاق الأرش، وهو في حق الأرش خارج، ألا ترى أن المشتري للدار إذا أنكر كون الدار في يد الجار ملك الجار فأقام الجار البينة أن الدار التي في يده داره قبلت بينته، وإن كان هو صاحب يد؛ لأن غرضه من إقامة هذه البينة استحقاق ما ليس في يده وهي الدار المشتراة، كذلك في مسألتنا فإن عارضه المقضي له بالأرش فأقام بينة أن البرذون له وأن هذا المدعى عليه فقئ عينه وهو يومئذٍ له فبينة المقضي له بالأرش أولى لأنه خارج.
ألا ترى أن المشتري لدارٍ إذا أنكر كون الدار في يد الجار ملك الجار، فأقام الجار البينة أن الدار التي في يديه داره قبلت بينته وإن كان هو صاحب يد، لأن غرضه من إقامة هذه البينة استحقاق ما ليس في يده وهي الدار المشتراة، كذلك في مسألتنا، فإن عارضه المقضي له بالأرش، فأقام بينة أن البرذون له، وأن هذا المدعى عليه فقئ عينه، وهو يومئذٍ له فبينة المقضي له بالأرش أولى؛ لأنه خارج في حق البرذون، والآخر صاحب اليد في حق البرذون، وبينة الخارج في خلاف الملك عندنا أولى.
فإن قيل: الآخر إن كان صاحب يد في حق البرذون فهو خارج في حق الأرش، والمقضي له بالأرش إن كان صاحب اليد في حق الأرش فهو خارج في حق البرذون، فلماذا ترجحت بينة المقضي له بالأرش لما كان خارجًا في حق الأصل وهو البرذون، فعند تعذر الجمع بينهما كان الترجيح لبينة من هو خارج في حق الأصل.
فإن قيل: إذا أقام البينة تترجح بينة المقضي له وتصير دافعة بينة الذي جاء بالبرذون، فلما لا تصير بينة الذي أقامها المقضي له قبل هذا دافعة بينة الذي جاء بالبرذون حتى لا تقبل بينة الذي جاء بالبرذون، وإن لم يعد المقضي له بينة.
قلنا: لأن ذلك البينة قامت على الفاقيء لا على الذي أحضر البرذون، وبينة الذي أحضر البرذون قامت على الفاقيء وهو المقضي له بالأرش فكانت بينة المقضي له على الأرش على إثبات ملكه في البرذون في حق الذي أحضر البرذون، ولم يقم عليه وجودها والعدم بمنزلة.

.نوع آخر:

ذكر الخصاف في (كتاب الحيل): رجل في يديه رهن، والراهن غائب فأراد المرتهن أن يثبت الرهن حتى القاضي يستحل له بذلك ويحكم بكونه رهنًا في يديه.
فالحيلة في ذلك: أن يأمر المرتهن رجلًا غريبًا حتى يدعي رقبة هذا الرهن ويقدم المرتهن إلى القاضي، فيقيم المرتهن بينة عند القاضي أنه رهن عنده، فيسمع القاضي بينته على الرهن ويقضي بكونه رهنًا عنده ويدفع عنه خصومة الغريب، وهذا تنصيص من الخصاف أن البينة على الرهن مقبولة وإن الراهن غائب، وهكذا ذكر محمد في (الجامع) في المسألة المخمسة قالوا: وذكر محمد هذه المسألة في كتاب الرهن وشوش فيه الجواب في بعض المواضع شرط حضرة الراهن لسماع البينة على الرهن، وفي بعضها لم يشترط.
والمشايخ قد اختلفوا فيها؛ بعضهم قالوا: الصواب أنه لا يشترط حضرة الراهن وما ذكر في بعض المواضع في كتاب (الرهن) أنه يشترط حضرة الراهن وقع غلطًا من الكاتب، وجعل هذا القائل مسألة الرهن نظير مسألة الوديعة والإجارة والمضاربة، فإن صاحب اليد إذا أقام بينة على أن هذا العين وديعة عنده من جهة فلان أو مضاربة، أو غصبًا، أو إجارة، فالقاضي يسمع بينته فهاهنا كذلك.
وبعض مشايخنا قالوا: في المسألة روايتان؛ في إحدى الروايتان تقبل هذه البينة؛ لأن الراهن لما رهنه فقد استحفظه، فإذا تعذر عليه الحفظ إلا بإقامة البينة، وإثبات الملك للراهن صار خصمًا في ذلك، كما في الوديعة وأشباهها، وفي رواية أخرى: القاضي لا يقبل هذه البينة لإثبات الرهن على الغائب، وإليه مال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله؛ وهذا لأن في قبول هذه البينة لإثبات الرهن قضاء على الغائب، ولا حاجة لصاحب اليد على إثبات الرهن ليدفع الخصومة عن نفسه، فإن بمجرد اليد تندفع عنه الخصومة، كما لو أقام بينة أنها وديعة في يده، وقد أجابه بهذا في نظائره في (السير الكبير)، فقد ذكر في نظائره (السير الكبير) العبد المرهون إذا...؟، ثم وقع في الغنيمة فوجده المرتهن قبل القسمة فأقام البينة أنه رهن عنده لفلان، وأخذه لا يكون هذا قضاءً على الغائب بالرهن؛ لأنه لا يحتاج إلى إثبات الرهن؛ لأن الإيداع كافٍ له، فتبين بهذا أن قبول البينة لإثبات الرهن على الغائب ولا وجه إليه.

.نوع آخر:

قال محمد رحمه الله في وصايا (الجامع): رجل هلك وترك ثلاثة ألاف درهم، وترك وارثًا واحدًا فأقام رجل البينة أن الميت أوصى له بثلث ماله وجحد الوارث ذلك، فالقاضي يسمع بينته على الوارث ويقضي بوصيته، فإن دفع الوارث الثلث إلى الموصى له، ثم جاء رجل آخر وأقام بينة أن الميت أوصى له بثلث ماله، وقد غاب الوارث ذلك، فأحضر الموصى له إلى القاضي فالقاضي يجعل الموصى له خصمًا، ويسمع بينته عليه ويأمره أن يدفع نصف ما في يده إلى المدعي الثاني؛ لأن الثاني يدعي لنفسه نصف ما في يد الأول، والأول يجحد ذلك فينتصب خصمًا له.
وإذا قبلت بينة الثاني والثابت بالبينة كالثابت عيانًا صار كأن القاضي عاين وصيتهما، وهناك يجعل الثلث بينهما نصفان، كذا هاهنا فإن لم يكن عند الأول شيء بأن ملك ما في يده أو استهلكه، وهو معدم فأحضر القاضي الوارث وأراد أن يأخذ منه بعض ما في يده فجحد الوارث وصيته لم يكلف الثاني إعادة البينة على الوارث؛ لأن الميت صار مقضيًا عليه أيضًا فكان للموصى له الثاني أن يأخذ من الوارث خمس مافي يده، ثم الثاني مع الوارث يتبعان الأول فيأخذان نصف ما أخذ بغير حق، فإذا أخذ بذلك اقتسماه على خمسة أسهم؛ سهم للموصى له الثاني وأربعة أسهم للوارث، والخصومة إلى القاضي الذي قضى للأول، وإلى قاضٍ آخر سواء؛ لأن الأول إنما صار خصمًا للثاني بحكم يده.
وفي حق هذا المعنى هذا القاضي وقاضي آخر سواء، ولو كان الموصى له الأول هو الغائب، فأحضر الثاني الوارث فالقاضي يقضي على الوارث؛ لأن الوارث خليفة الميت، فينتصب خصمًا عنه فيما يستحق عليه، ويكون ذلك القضاء على الوارث قضاءً على الموصى له الأول؛ لأن الوارث لما انتصب خصمًا عنه صار الميت مقضيًا عليه، وإذا صار الميت مقضيًا عليه صار الموصى له مقضيًا عليه؛ لأن الموصى له بمنزلة أحد الورثة.
وإن كان القاضي قضى بوصية الأول، ولم يدفع إليه شيئًا حتى خاصمه الثاني والوارث غائب، فإن خاصمه إلى ذلك القاضي بعينه جعله خصمًا؛ لأن القاضي عرف أن ثلث الثلث ملك الموصى له الأول، إلا أنه أمانة في يد الوارث، ويد الأمين كيد المالك، فصار من حيث التقدير كأنه في يد الموصى له الأول، وإن خاصمه إلى قاضٍ آخر لم يجعله خصمًا؛ لأن الثاني يدعي نصف الثلث لنفسه ولم يعرف هذا القاضي كون الثلث في يده لا من حيث الحقيقة، ولا من حيث الحكم لو ثبت ذلك إنما يثبت بإقرار الموصى له الأول، فإنه يقول: الثلث ملكي، وهو أمانة في يد الوارث، إلا أنه بهذا الإقرار لا يصير خصمًا؛ لأن في الحقيقة هذه دعوى على الوارث فلا يصدق في ذلك، وإذا لم يصدقه القاضي في ذلك لم يثبت ما يوجب كونه خصمًا.
ولو كان الموصى له الأول هو الغائب، والوارث حاضر، ولم يدفع القاضي إلى الموصى له الأول شيئًا، فالواررث خصم للموصى له الثاني، وإن خاصمه الثاني إلى قاضي آخر؛ لأن القاضي إنما يجعل الوارث خصمًا عن الميت لكونه خلفًا عنه، والقاضي الثاني عالم بذلك، فأما الموصى له إنما يصير خصمًا لكون المال في يده إما حقيقة أو حكمًا، والقاضي الثاني لم يعلم بذلك وهذا كله إذا أقر الموصى له الأول أن المال الذي في يده بحكم الوصية من الميت، أو كان ذلك معلومًا للقاضي، أما إذا لم يكن شيء من ذلك والأول يقول: هذا مالي ورثته عن أبي والميت ما أوصى لي بشيء، وما أخذت من ماله شيئًا، فإنه يكون خصمًا للموصى له الثاني.
بمنزلة ما لو ادعى رجل عبدًا في يدي رجل أنه اشتراه من فلان، وقال ذو اليد: هوعبدي ورثته من أبي، فإنه يكون خصمًا للمدعي ويقضي عليه ببينة المدعي كذا هاهنا. فإن قال: هذا المال وديعة عندي من جهة فلان الميت الذي يدعي الثاني الوصية من جهته، أو قال: غصبته مني، فلا خصومة بينهما؛ لأنهما تصادقا أن هذا المال وصل إلى الموصى له من جهة الميت فكانت يده يد وديعة أو يد غصب.
وأيًا ما كان لا يكون يد خصومة في حق من يدعي تلقي الملك فيه من جهة المالك، كما في مسألة الشراء؛ إذا ادعى الذي في يديه العبد أن العبد في يده وديعة، أو غصب لفلان الغائب الذي ادعى المدعي الشراء من جهته، فإنه تندفع عنه الخصومة، وإن قال: هو وديعة عندي من جهة فلان؛ يعني به رجلًا آخر غير الموصي، أو قال: غصبته منه فهو خصم إلا أن يقيم بينة على ما قال؛ لأنه انتصب خصمًا بظاهر اليد، فبمجرد دعواه أن يده يد وديعة أو يد غصب لا تندفع عنه الخصومة.
وكان الفقيه أبو بكر البلخي رحمه الله يقول: لا تندفع الخصومة في هذه الصورة، وإن أقام البينة وقاسه على ما إذا ادعى عينًا في يد إنسان أنه اشتراه من فلان الغائب، وهو يملكه، وذو اليد ادعى أن فلانًا آخر غير ذلك الغائب أودعه إياه فإن هناك لا تندفع عنه الخصومة، فهاهنا يجب أن يكون كذلك.
رجل هلك وترك مالًا ووارثًا واحدًا فأقام رجل بينة أن له على الميت ألف درهم دين، فقضى القاضى له على الوارث ودفع إليه ألف درهم وغاب الوارث، فحضر غريم آخر للميت، وادعى عليه ألف درهم، فإن الغريم الأول لا يكون خصمًا للغريم الثاني فرق بين الغريمين وبين الموصى لهما، فإن هناك إذا قضى القاضي للموصى له الأول بالثلث، ودفع إليه الثلث فحضر الثاني، فالأول ينتصب خصمًا للثاني.
والفرق: أن المستحق للموصى له بالثلث عين التركة، ولهذا تبطل الوصية بهلاك التركة، ولهذا لو أراد الوارث أن يعطي له الثلث من ماله لا يكون له ذلك إلا برضى الموصى له ولما كان المستحق عين التركة كان الثاني مدعيًا بعض ما في يد الأول لنفسه من جهة الميت، فانتصب الأول خصمًا للثاني بحكم يده فأما الغريم، فلا يستحق عين التركة.
ولهذا لو أراد الوارث أو الوصي بعد ثبوت دينه قضاء دينه من مال آخر كان لهما ذلك من غير رضى الغريم، وكذلك لا يبطل حقه بهلاك المال وإنما حقه في ذمة من عليه الدين، وهو الميت غير أن بعد موته تتعين تركته للقضاء منه لا يكون حقه في عين التركة.
ولما كان هكذا لابد من إثبات الدين في ذمة الميت ليتعين القضاء، وفي دعوى الدين على الميت الخصم وارثه أو وصيه دون الغريم، ولو كان الغريم الأول هو الغائب، فأحضر الثاني وارث الميت كان خصمًا له؛ لأنه نائب عن الميت فيما يدعي على الميت، فأمكن جعله خصمًا بطريق النيابة عن الميت، حتى يجعل خصمًا بطريق النيابة عن الميت، ولا يمكن جعله خصمًا بطريق الأصالة؛ لأنه لا يدعي شيئًا لافي ذمته، ولا في يده على ما مر، ثم إذا قضى القاضي على الوارث، وقد توى ما أخذه الوارث رجع الغريم الثاني على الغريم الأول، فأخذ منه بعض ما قبض، ثم يتبعان الوارث بما بقي لهما؛ لأن الثابت بالبينة كالثابت بعلم القاضي، ولو علم القاضي بأن لهما على الميت دين، وقد قبض الأول تمام حقه وتوى الباقي، فالقاضي يأخذ منه نصف ما أخذه، ويدفعه إلى الآخر حتى يستويان، ثم يتبعان الوارث بما بقي لهما كذا هاهنا.
ولو لم يكن الأول غريمًا، وكان موصى له بالثلث، وقبضه وغاب الوارث، فأقام رجل البينة أن له على الميت دينًا، فالموصى له ليس بخصم له؛ لأنه لا يدعي بعض ما في يده، أو لا حق للغريم في عين التركة على ما مرَّ، أما يدعي دينًا على الميت والموصى له بالثلث إنما ينتصب خصمًا عن الميت فيما يدعي في المال الذي وصل إليه؛ بخلاف الوارث حيث ينتصب خصمًا، فيما يدعي في مال الميت وفي ذمته؛ لأنه خلف عن الميت قائم مقام الميت مطلقًا لحاجته إلى ذلك، أما الموصى له بالثلث بخلافه على ما مرَّ قبل هذا.
وكذلك لو كان الأول غريمًا والثاني موصى له بالثلث بخلافه على ما مر من قبل هذا، وكذلك لو كان الأول غريمًا، والثاني موصى له بالثلث لم يكن الغريم خصمًا له؛ لأن الموصى له إن كان مقرًا بالدين كان في زعمه أن الأول غاصب، ويد الغاصب لا تكون يد خصومة والوارث خصم في ذلك كله لما قلنا.
رجل أقام بينة على وارث ميت أنه أوصى له بهذه الجارية بعينها، وهي ثلث ماله، وقضى القاضي بذلك ودفعها إليه وغاب الوارث ثم أقام آخر البينة على الموصى له أن الميت أوصى له بهذا وذكروا رجوعًا؛ أو لم يذكروا رجوعًا قضى القاضي للثاني بحقه؛ لأن الثاني ادعى جميع ما في يد الأول لنفسه، إن ادعى الرجوع، ونصفها إن لم يدعِ الرجوع، وذو اليد يدعي كونها لنفسه، وفي مثل هذا ينتصب خصمًا.
كرجل ادعى أنه كان اشترى هذه الجارية أو نصفها من الميت قبل موته انتصب الموصى له خصمًا كذا هاهنا، ثم إذا انتصب خصمًا فإن ذكروا رجوعًا قضى القاضي بكل الجارية للثاني، وإن لم يذكروا رجوعًا قضى بنصفها للثاني للمزاحمة والمساواة، ويكون هذا قضاءً على الوارث غاب أو حضر، حتى أن الموصى له الأول إذا بطل حقه كان كل الجارية للثاني، لأن الوارث إنما تلقى الملك في الميراث من جهة الميت، وقد صار الميت مقضيًا عليه بهذه البينة، فكل من تلقى الملك من جهته يصير مقضيًا عليه أيضًا، فإن دفع القاضي الجارية إلى الأول، ثم غاب الموصى له وحضر الوارث لم ينتصب الوارث خصمًا للموصى له الآخر خاصمه إلى القاضي الأول، أو إلى غيره لأن المدعي الجارية، والجارية ليست في يد الوارث لا حقيقة ولا حكمًا، والوارث إنما يصلح خصمًا فيما يصلح المورث حال حياته، والمورث لا يصلح خصمًا في حال حياته فيما زال عن ملكه ويده، فكذا الوارث.
بخلاف ما إذا كان الثاني يدعي وصية بالثلث، وأحضر الوارث حيث يصير خصمًا، لأن هناك المدعي يدعي لنفسه شركة فيما في يد الوارث على ما مرَّ، فينتصب الوارث خصمًا في إثبات سببه عليه، أما هاهنا فبخلافه.
وإن كان القاضي قضى للأول بالجارية، فلم يدفعها إليه حتى خاصم الثاني الوارث، فإن خاصمه فيها إلى القاضي الأول لم يجعله خصمًا؛ لأن القاضي عرف كونها لغيره، وعرف الوارث أمينًا فيها، ويد الأمين لا تكون يد خصومة، وإن خاصمه إلى قاضٍ آخر جعله خصمًا؛ لأن القاضي الثاني لم يعرف كونها لغيره وكون الوارث أمينًا، بل عرف كونها في يده من التركة فلا يصدقه في أنها لفلان، وأنه أمين فيها إلا ببينة يقيمها على ذلك، وإذا لم يصدقه قضي عليه وصار الموصى له الأول مقضيًا عليه؛ لأن الموصى له الأول مدعي تلقي الملك من جهة الميت، والميت صار مقضيًا عليه بهذه البينة، فصار من يدعي تلقي الملك من جهة الميت مقضيًا عليه أيضًا.
بخلاف ما إذا ادعى رجل عينًا في يدي رجل ملكًا مطلقًا، وصاحب اليد ادعى أنه مودع فلان، ولم يقم البينة على ذلك، وقضى القاضي على صاحب اليد للمدعي، لا يكون ذلك قضاء على الذي ادعى صاحب اليد أنه أمينه؛ لأن هناك صاحب اليد لا يدعي التلقي من جهة المقضي عليه، وهو صاحب اليد فاقتصر القاضي على صاحب اليد أما هاهنا فبخلافه.
ثم القاضي إذا سمع بينة الثاني على الوارث بهذا الفصل، وهو إذا خاصمه الثاني عند قاضٍ آخر قضى للثاني بنصف الجارية سواء شهد شهوده على الرجوع عن الأول، أو لم يشهدوا على الرجوع، وهذا لا يشكل فيما إذا شهدوا على الرجوع.
والوجه في ذلك: أن الموصى له الثاني أثبت الوصية لنفسه في العين وهو استحقاق على الميت والوارث خصم في ذلك، أما إثبات الرجوع عن الوصية الأولى، فليس باستحقاق على الميت، ولا على الوارث، والوارث ليس بخصم عن الموصى له الأول، فيصح القضاء على الوارث بالوصية، ولم يصح القضاء عليه بالرجوع.
فلهذا كانت الجارية بينهما نصفين، فإذا حضر الأول فإن أعاد الثاني البينة على الرجوع أخذ الكل وإلا أخذ نصفها لما قلنا: وإن أقام الأول بينة أن الميت أوصى له بثلث ماله، ودفعه القاض إليه ثم أقام الثاني البينة على الأول أن الميت رجع عن الوصية الأولى، وأوصى بثلث ماله للثاني، فالقاضي يأخذ الثلث من الأول، والأول يجحد ذلك فينتصب خصمًا بحكم اليد، وإذا انتصب خصمًا كان الثاني مثبتًا استحقاق نفسه، وبطلان حق الأول على من هو خصم فيها، فلهذا كان كما قلنا.
ولو كان الوارث هو الحاضر قضى القاضي بالوصية الثانية دون الرجوع عن الوصية الأولى لما مر، ولو كان الأول موصى له بعبد بعينه، والعبد مدفوع إليه بقضاء القاضي، ثم أقام آخر البينة على الموصى له أن الميت أوصى له بمئة من ماله، فالموصى له بالعبد لا يكون خصمًا له؛ لأن الثاني لا يدعي استحقاق شيء مما في يد الأول بعينه، لأن في يد الأول عبد، وهو لا يدعي استحقاق شيء من العبد.
ولهذا لو هلك العبد في يد الأول لا تبطل وصية صاحب المئة، فلم يكن الثاني مدعيًا استحقاق شيء مما في يده بعينه، ولو حضر الوارث وغاب الموصى له الأول كان الوارث خصمًا للثاني لأن الوارث خصم لمن يدعي دينًا على الميت على ما مرَّ فلذا يكون خصمًا لمن يدعي دينًا على الميت على ما مرَّ، فلذا يكون خصمًا لمن يدعي وصية مرسلة، ويكون القضاء عليه قضاءً على الموصى له الأول.
رجل له على رجل ألف درهم قرض، أو كان غصب منه ألف درهم، وكانت هي في يد الغاصب قائمة بعينها أو استودعه ألف درهم، وهي قائمة بعينها في يد المودع، فأقام رجل البينة أن صاحب المال توفي وأوصى له بهذه الألف التي له قبل هذا الرجل، والرجل مقر بالمال لكنه يقول: لا أدري أمات فلان أو لم يمت لم يجعل القاضي بينهما خصومة حتى يحضر وارثًا، أو وصيًا؛ أما في الوديعة والغصب، فلأنهما اتفقا على أن يده إما يد أمانة أو يد غصب، وأيًا ما كان لا يكون يد خصومة على ما مرَّ.
ونظيره: إذا ادعى عينًا في يدي رجل أنه اشتراه من فلان الغائب وصاحب اليد يقول: أنا مودع الغائب أو غصبته منه لا ينتصب خصمًا للمدعي كذا هاهنا، أما في الدين فلأنه يدعي على الميت ذلك الدين الذي في ذمة هذا، وليس للمدعى عليه يدًا على ما يدعيه الموصى له، فإن المديون لابد له على ما في ذمته من الدين ولا ملك له فلم ينتصب خصمًا.
فرق بين هذا وبينما لو جاء رجل، وادعى أنه وارث فلان ابنه وأخوه والغاصب والمودع مقر بالمال ولكنه قال: لا أدري أمات فلان أو لم يمت؟ أو قال: لا أدري أنت وارث أم لا؟ فأقام البينة على موته وعلى أنه وارث تقبل البينة، وينتصب هو خصمًا للوارث.
والفرق وهو: أن الواث خليفة الميت قائم مقام الميت فكونه مودعًا أو غاصبًا لا تندفع خصومة صاحب الوديعة والغصب عن نفسه حتى لو قال المودع أو الغاصب: لا أدري أنت الذي أودعتني، أو غصبت منك أم لا؟ لا تندفع عنه هذه الخصومة بهذا القول، فكذلك كونه مودعًا أو غاصبًا لا تندفع خصومة خليفته، أما الموصى له ليس بخليفة عن الميت، فإنما ينتصب المدعى عليه خصمًا له باعتبار يده، وتعذر جعل المدعى عليه خصمًا له بحكم اليد على ما مرَّ، فلهذا افترقا هذا الذي ذكرنا.
إذا كان الذي قبله المال مقرًا بالمال فإن قال الذي في يديه المال: هذا ملكي، وليس عندي من مال الميت شيء، صار خصمًا للمدعي؛ لأنه نازعه بدعوى الملك فصار خصمًا له في إثبات الملك وفي إثبات سببه.
وصار كرجل ادعى عينًا في يد رجل أنه اشتراه من فلان الغاصب، وصاحب اليد يقول: هو لي فإنه ينتصب خصمًا للمدعي كذا هاهنا، وإذا جعله القاضي خصمًا في هذا الوجه قضي له بثلث ما في يده المدعى عليه؛ لأن محل الوصية الثلث، والقاضي لم يعرف للميت مالًا آخر، فيقضي له بثلث هذا المال إلا أن يقيم المدعي بينة أن الميت ترك ألفي درهم غير هذه الألف، وأن الوارث قبض ذلك فحينئذٍ يقضي القاضي للموصى له بكل هذه الألف؛ لأنه أثبت استحقاق كل الألف لنفسه بالبينة العادلة.
فلو حضر الوارث بعد ذلك وقال: لم أقبض من مال الميت شيئًا لم يلتفت إلى قوله؛ لأنه صار مقضيًا له عليه بوصول ألفي درهم إليه في ضمن ثبوت الألف ثلثا التركة.
ولو كان مكان الموصى له غريمًا يدعي دينًا على الميت والمسألة بحالها لم يكن الذي قبله المال خصمًا سواء كان صاحب اليد مقرًا أو جاحدًا، أما إذا كان مقرًا؛ فلأنه لا ينتصب خصمًا للموصى له في هذا الوجه مع أنه لا يدعي شركة في العين كان أولى، وأما إذا كان جاحدًا؛ لأنه لا يدعي عينًا في يد صاحب اليد، وإنما يدعي دينًا على الميت، واستحقاق العين تابع له، فإذا لم يصلح خصمًا في الأصل لا يصلح خصمًا في البيع أيضًا.
فإن أقام هذا المدعي بينة أن فلانًا مات ولم يدع وارثًا ولا وصيًا يقبل القاضي بينته، وكان ينبغي أن لا تقبل هذه البينة لأنها قامت على غير خصم، والجواب لا بل قامت على خصم وهو القاضي، لأن الشهود لما شهدوا أنه لم يترك وارثًا فقد شهدوا أن تركة الميت لجماعة المسلمين فالمدعي يدعي حقًا في مال جماعة المسلمين، ولا يمكنه الخصومة مع جماعة المسلمين، فينتصب القاضي خصمًا عن جماعة المسلميين لكونه نائبًا عن المسلمين؛ ولأنه يدعي بهذا وجوب نصب الوصي على القاضي حُسبةً والقاضي قيمًا على نفسه يصلح قاضيًا، وإذا قضى القاضي بهذه البينة ينتصب عن الميت وصيًا، ويأمر المدعي أن يقيم البينة عليه بذلك الدين، فإذا فعل قبل بينته على الدين، وأمر الذي قبله المال بقضاء الدين إلى الغريم؛ إن كان الذي قبله المال مقرًا بذلك.
ثم عاد محمد رحمه الله إلى صدر المسألة فقال: لو أن الموصى له أقام البينة أن فلانًا مات، ولم يدع وارثًا وأوصى له بالألف التي قبل فلان، وقال الشهود: لا نعلم له وارثًا، والذي قبله المال مقر بالمال الذي قبله، فالقاضي يقضي بالمال للموصى.
فرق بين هذا وبينما إذا كان للميت وارث والفرق وهو: أنه إذا كان للميت وارث لا يمكن أن يجعل الموصى له بمنزلة الوارث لما فيه من إبطال من جعله الشرع وارثًا في قدر الموصى به، وليس للعبد ولاية إبطال ما أثبته الشرع فجعل الإيصاء ثمة تمليكًا، وجعل الموصى له متملكًا على الميت بمنزلة الموهوب له والمشتري، فلم يكن الموصى له نائبًا عن الميت، فلا ينتصب المودع، والغاصب خصمًا له، فأما إذا لم يكن للميت وارثًا فالموصى له يجعل وارثًا؛ لأن الموصي أقامه مقام نفسه فيما يتركه، وهذا هو تفسير الوارث، وأمكن جعله وارثًا؛ لأن جعله وارثًا لا يؤدي إلى إبطال ما أثبته الشرع فجعل كالوارث، وقد بينا أن يد المدعي لا يدفع خصومة الوارث.
استشهد فقال: ألا ترى أن الشهود لو شهدوا أن الميت أقر عند موته أنه أخوه لأبيه وأمه لا يعلمون له وارثًا غيره جعلت الميراث له وصار المودع خصمًا، وإن ثبت نسبه من أبيه ما لم يكن للمقر وارث كذا هاهنا.
وذكر في (الأقضية) عن محمد: إذا مات الرجل، وقد كان أوصى إلى رجل أي جعله وصيًا، وقبل الوصي الوصاية في حياته أو بعد موته، وجاء إلى القاضي يريد إثبات وصايته، فالقاضي ينظر فيه إن كان أهلًا للوصاية يسمع دعواه إذا حضر مع نفسه من يصلح خصمًا له قال: والخصم في ذلك وارث أو موصى له أو رجل للميت عليه دين، أو رجل له على الميت دين أما الوارث فلأن الوصي يدعي أن يده فوق يد الوارث في مال الميت رأيًا وتدبيرًا وتصرفًا، والوارث ينكر ذلك فيكون خصمًا له.
وأما الموصى له فلأنه بمنزلة الوارث، وأما الغريم الذي للميت عليه دين؛ فلأنه يدعي حق استيفائه ما عليه من الدين، وهو ينكر، وأما الغريم الذي له على الميت دين فقد قال: بعض مشايخنا: إنه لا يكون خصمًا له؛ لأنه لا يدعي عليه شيئًا فكيف يكون خصمًا له، وقال الخصاف: يكون خصمًا؛ لأنه يريد أن يدفع خصومته في الدين، وإنما يكون له ذلك بعد إثبات الوصاية، هذه الجملة من كتاب (الأقضية).
وفي (المنتقى): رواية إبراهيم رحمه الله: رجل مات وعليه دين وأوصى بثلث ماله أو بدراهم مسماة لرجل فيأخذها الموصى له، ثم الغريم والورثة شهود أو غيب، قدم الموصى إلى القاضي فالموصى له لا يكون خصمًا، وأشار إلى أن الوصية متى حصلت بقدر الثلث، فالموصى له لا يعتبر بالوارث.
وإذا حصلت الوصية بما زاد على الثلث وصحت بأن لم يكن ثمة وارث، فالموصى له خصم للغريم في هذه الحالة، ويعتبر الموصى له في هذه الحالة بالوارث؛ لأن استحقاق ما زاد على الثلث من خصائص الوارث، والوارث ينتصب خصمًا للغريم ففي حق الوصي يجب أن يكون الجواب كذلك وصاحب (الأقضية) ذكر الموصى له مطلقًا من غير فصل، بينما إذا كان الموصى له بالزيادة على الثلث أو بالثلث فيحتمل أن يكون المراد منه إذا كان الموصى له بالزيادة على الثلث.

.نوع آخر من هذا الفصل:

رجل مات وله ابنان أحدهما غائب، فادعى الحاضر أن له على أبيه ألف درهم دين، ولا مال للميت غير ألف درهم فإني أقبل بينة الابن الحاضر في إثبات الدين على الأجنبي، ولا أسمع بينته على أبيه بدينه، لأنه ليس معه خصم، ولا أقضي له من الألف التي قضيت على الأجنبي بشيء؛ لأنه يزعم أنه لا ميراث له، فأوقف الألف حتى يجيء الأخ.
وفيه أيضًا: رجل في يديه دار اشتراها، وطلب الشفيع الشفعة، فقال المشتري: اشتريتها لفلان، وأقام بينة أنه قال هذا القول قبل أن يشتريها، وأقام البينة أن فلانًا وكله بشرائها منذ سنة؛ قال: أقبل بينته؛ لأني لو قبلتها ألزمت الغائب البيع.
وفيه أيضًا: رجل في يديه دار ادعاها رجل أنها له، وأقام الذي في يديه الدار بينة أن هذه الدار لفلان اشتراها من فلان هذا المدعي، ووكلني بها، فإني أقبل بينته وأجعله وكيلًا، وأدفع الخصومة عنه، ولا ألزم الغائب من هذا المدعي؛ لأن هذا إقامة البينة على شراء الغائب، وعلى أن يده ليست بيد خصومة، والمدعي خصم له في أحدهما دون الآخر، فقبل بينته عليه فيما هو خصم فيه، ولا يقبل بينته فيما ليس بخصم فيه.
وقال أبو يوسف رحمه الله: رجل في يديه دار ادعى رجل هذه الدار وقال: الدار لي اشتراها فلان الغائب منك لأجلي، وجحد الذي في يديه الدار البيع، قال: أقبل بينة المدعى عليه.
وكذلك لو كان المشتري حاضرًا ينكر الشراء، وهذا بمنزلة رجل ادعى دارًا في يدي رجل وقال: اشتريتها من فلان، وكان فلان اشتراها منك، قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا ادعى أنه اشتراها من فلان، وقال: اشتراها من الذي هي في يده قبلت بينته.
وقال أبو يوسف رحمه الله: لو قال الذي هي في يديه: قد كنت بعتها من فلان الذي يزعم أنك وكلته بالشراء لك، وفلان غائب، فلا خصومة بين المدعي وبينه، وكذلك لو قال: قد كنت بعتها من فلان الذي تزعم أنك اشتريتها منه، وهي في يدي حتى تدفع الثمن، أو قال: أودعنيها.
ولو أن رجلًا جاء بصك باسم غيره على رجل وقال: هذا المال الذي في هذا الصك باسم فلان عليك قد أقر به لي فلان، ولي البينة بذلك، فإن أنكر المدعى عليه أن يكون لفلان الغائب عليه شيء فهو خصم، أقبل بينة هذا المدعي وأقضي له بالمال، وإن أقر المدعى عليه بالمال للرجل الذي الصك باسمه، فإني لا أقبل بينة هذا على الغائب الذي الصك باسمه، فإنه أقر بأن المال له حتى يحضر، هذا هو قول أبي يوسف؛ وروي عن أبي حنيفة أنه قال: لا أقبل بينته، وإن أنكر المدعى عليه أن يكون لفلان الغائب عليه شيء.
ذكر ابن سماعة في (الرقيات): أنه كتب إلى محمد بن الحسن رحمهما الله: في رجل ادعى دارًا في يدي رجل، وقال: هذه الدار كانت لفلان بن فلان الفلاني، وإنه باعها من فلان بن فلان الفلاني بألف، وأنا شفيعها، وأريد أخذها بالشفعة، وقال الذي هي في يديه: هي داري، لم يملكها فلان وفلان قط، وأقام المدعى عليه بينة على ما ادعى من ذلك.
قال: أما في قولي، وهو قياس قول أبي حنيفة، فلا خصومة بينهما حتى يحضر المشتري إن كان قبض الدار من البائع، وحتى يحضرا جميعًا إن لم يكن المشتري قبض الدار، وأما في قول أبي يوسف، فالذي في يديه خصمٌ، ويقضي القاضي للشفيع بالدار ويدفعها إليه ويأخذ الثمن من الشفيع فيضعه على يدي عدل، ويكون ذلك قضاءً على المشتري والبائع، وإن كان المشتري أيضًا حاضرًا منكرًا للشراء؛ قال محمد رحمه الله: أقضي بالدار للشفيع وأجعل العهدة على المشتري وأدفع الثمن إليه.
ابن سماعة عن محمد: في رجل أمر رجلًا أن يشتري له عشرة دنانير بمئة درهم ففعل ذلك، وقبض الدنانير، ودفع الدراهم، فجاء رجل يدعي الدنانير فالمشتري خصم له، ولا أقبل بينة المشتري أن فلانًا أمره واشترى هذه الدنانير له، وإن أقر مدعي الدنانير بذلك لم أجعل بينهما خصومة.
وعنه أيضًا: رجل ادعى على رجل أنه باع هذا العبد بألف درهم بأمر مولاه فلان، وهو بضاعة في يديه، فقال المدعى عليه: بعته بغير أمر صاحبه، فإني أجعله خصمًا وأقضي عليه بدفع العبد إلى المشتري لأني إنما أقضي عليه بالبيع.
رجل ادعى مملوكًا وزعم أنه له وقال: ليس هو اليوم في يدي، وقال المملوك: أنا مملوك فلان الغائب، فإن جاء المملوك ببينة على ما ذكر، فلا خصومة بينه وبين المدعي، وإن لم يقم على ذلك بينة قبلت بينة المدعى عليه، وقضيت به له، فإن جاء المقر له بعد ذلك لم يكن له على العبد سبيل، فإن أقام بينة قبلت بينته ويقضى له بالعبد على المقضي له الأول، قال في (الكتاب): لأني إنما قضيت للأول على العبد بعينه.
ولو أن رجلًا ادعى عبدًا في يدي عبد أو ادعى دينًا عليه، أو ادعى شراء شيء منه، فهو خصمه إلا أن يقر المدعي أنه يحجر عليه، فلا أجعل بينهما خصومة.
رجل في يديه دار، جاء رجل وادعى أنها دار فلان وأن له عليه ألف درهم، وأنه كان له بينة بالألف التي له عليه هذه الدار منذ شهر ودفعها إليه، ثم أنه بعد ذلك استعارها منه، فأعارها إياه وفلان رب الدار غائب، وأقام الذي في يديه الدار بينة أن الدار داره اشتراها من فلان الذي زعم المدعي أنه رهنها إياه أمس وقال: اشتريتها منه منذ عشرة أيام، وشهد له الشهود بذلك، فإن الذي ادعى الرهن يستحقها، وتقبل بينته عليها.
فإن قال المشتري: أنا انقض البيع؛ فالقاضي لا ينقض بيعه على الغائب حتى يحضر الذي باعه.
وكذلك إن ادعى الاستئجار مكان الرهن، ولو كان مكان الراهن أو المشتري رجل يدعي ملك الدار، ويزعم أنه اشتراها من صاحب اليد منذ شهر قبل شراء الذي الدار في يديه، فإنه خصم يقضى له بالدار وينتقض البيع الثاني، وإن كان شهود المدعي لم يشهدوا على قبض البائع الثمن، فإن الحاكم يأخذ منه الثمن فيكون عنده للبائع ويسلم الدار.
قال هشام: سألت محمدًا عن رجل اشتريت منه جارية ونقدته الثمن، وقبضت الجارية فاستحقها مني إنسان ببينة، وقضى القاضي بها للمستحق، فأحضرت الذي باعنيها، فقال: يخير المشتري إن شاء (قبله) ولي الخصومة، وإن شاء رده بالثمن على البائع، وإن قال المشتري: أقف أمري ويلي البائع الخصومة ليس له ذلك.
رجل أقر بدار في يديه أنها لفلان سمى رجلًا غائبًا غيبة منقطعة، وأنه أمر فلانًا أن يحفظها على المقر له، ثم أن ذلك الرجل جعلها على يدي، وقد مات، فالمجهول بيده يكون خصمًا لكل من ادعاها، إلا أن يقيم البينة على أن الغائب فلان بن فلان، وقد أثبتوا معرفته دفعتها إلى الميت الذي دفعها إلى هذا الذي هي في يديه وغاب، فإذا أقام على ذلك بينة، فلا خصومة بينه وبين المدعي، قال: ولا أجعله وصيًا إلا فيها خاصة في قول محمد فأما في قياس قول أبي حنيفة: ينبغي أن يكون وصيًا في كل شيء.
رجل ادعى على رجل أن له على فلان ألف درهم، وأنه مات قبل أن يؤديها إليه، وأن له في يديك من ماله ألف درهم، وطالبه بقضاء الدين من ذلك المال، فالقاضي لا يسمع دعواه، ولا يقبل بينته، ولو طلب من القاضي أن يحلف المدعى عليه، فالقاضي لا يحلفه، وهذا لأن الدعوى إنما تسمع على الخصم والمدعى عليه ليس بخصم له في هذه الصورة؛ لأنه لا يدعي عليه ولا في يده شيئًا، وإنما يدعي دينًا على الغير؛ لأنه ليس بخلف عن ذلك الغير ليسمع الدعوى عليه بطريق الخلافة، فلا يسمع دعواه، وإذا لم يسمع دعواه لا يسمع بينته، ولا يحلف المدعى عليه.
رجل ادعى عمامة في يدي رفّاء وقال: هذه عمامتي بعثت بها على يد تلميذي إليك لتصلحه، وأنكر الرفَّاء أن تكون العمامة للمدعي، لا تصلح هذه الدعوى من هذا المدعي؛ لأنه مقر أن العمامة وصلت إلى يد الرفاء من جهة الغير، فلم تكن يد الرفاء يد خصومة بحكم إقراره هذا إذا استحق مال المضاربة.
فإن كان فيه ربح فالمضارب خصم بقدر حصته من الربح، ولا يشترط حضرة رب المال، وإن لم يكن فيه ربح فالخصم رب المال دون المضارب، وإن كان مال المضاربة ألفًا فاشترى المضارب بها عبدين أو جاريتين قيمة كل واحد منهما ألف، فإن هاهنا لا يظهر الربح، ويكون الخصم فيها رب المال، ويشترط حضرته عند استحقاق أحدهما.
هشام قال: سمعت محمدًا يقول في رجل على طريق من طرق المسلمين نافذ فبنى فيه أو زرع، ثم خرج، ودفعه إلى إنسان، فجاء أهل الطريق وخاصموه، فأقام الذي في يديه بينة أنها في يدي فلان وكله به ودفعه إليه، قال: إن كان طريقًا مما يشكل ولا يعلم أنه طريق إلا ببينة فلا خصومة بينهما حتى يحضر الدافع، وإن كان شيئًا لا يشكل فهو خصم.
ابن سماعة في (نوادره) عن أبي يوسف رحمه الله: رجل اشترى من آخر عبدًا، وقبضه ونقد الثمن، فجاء رجل وادعى هذا العبد على المشتري، فأقر المشتري بالعبد للمدعي أو أقر أنه حر الأصل.
فإن أبا حنيفة رحمه الله قال: إقراره جائز، وليس له أن يخاصم البائع ببينة يشهدون أنه حر الأصل؛ يريد بهذا أن المشتري لو أقام بينة على البائع أنه حر الأصل ليرجع بالثمن على البائع؛ لا تقبل بينته.
علل فقال: لأن هذه البينة إنما تشهد للعبد فلا أقبلها، وكذلك لا تقبل من المشتري البينة على أن العبد ملك المقر له، يريد به؛ أن المشتري لو أقام البينة على أن العبد ملك هذا المدعي ليرجع بالثمن عليه لا تقبل بينته.
وقال أبو يوسف رحمه الله: إن اشترى المشتري العبد من المقر له بالملك، وقبضه جعلته خصمًا للبائع من قبل أن يطلب الثمن والعبد في يديه، يريد به أنه بعدما أقر المشتري بالعبد للمدعي لو اشتراه من هذا المدعي وقبضه، ثم خاصم البائع في ذلك سمعت خصومته، وكذلك أقبل منه البينة أن العبد حر الأصل، وإن لم يحضر العبد يدعي الحرية بين يدي الحاكم، وإن لم يشتر العبد من المقر له بالملك بل هو في ملكه، ثم أقبل منه البينة على أن العبد للمدعي، وأقول في هذا مثل قول أبي حنيفة قال: وإن جاء المدعي، والبائع والمشتري، واختصما، فأقر المشتري فالعبد للمدعي، وقال: هذه البينة بينة المدعي أن العبد عبده، فإني أقبل منه البينة على البائع بهذا إذا كانوا جميعًا، وكذلك إن خاصم المشتري البائع في ذلك بعدما دفع العبد إلى المدعي، فجاء المدعي يزعم أن العبد له، قال: لأني لا أدري لعله ينكر أن يكون العبد له، وقال أبو يوسف: القياس ما قاله أبو حنيفة رحمه الله في جميع ذلك، إلا أني استحسنت احتياطًا للناس في أموالهم.
إبراهيم في (نوادره) عن محمد: الميت الذي أعتق، وليس للميت وصي، هل يكون هذا المعتق خصمًا؟ فإن كان أعتقه في حالة المرض يكون خصمًا، وإن كان أعتقه في حالة الصحة لا يكون خصمًا.
بشر عن أبي يوسف: في رجل له على رجل مال فأوصى به لرجل، ثم إن الذي عليه المال جحد المال قال: الورثة يخاصمونه، فإذا أراد القاضي أن يقضي لهم قضي بها لصاحب الوصية، وأحاله بها من الثلث.
وعنه أيضًا: تقبل بينة الوصي على وصية الميت إليه بحضور وارث مقر بالوصية إليه، أو طالب دين أو مطلوب بدين أو صاحب وصية مقر بالوصية، وكذلك تسمع بينة مدعي الدين على الميت بحضور وارث مقر به، ويكون ذلك حكمًا على سائر الورثة.
رجل في يديه دار وهو مقر بأنها لفلان مات، وتركها ميراثًا وسمى الورثة بعضهم غائب، وادعى الشراء من الغُيب حقوقهم، وسأل أن يترك ذلك في يده إلى أن يحضروا لم أتركه في يده، فإن أحضر بينة على الشراء سمعت شهادتهم ولكن لا أنفذ البيع ولا أقضي على الغائب ولكن أترك ذلك في يده وأستوثق منه حتى يقدم الغائب فيستأنف الخصومة معه.
رجل وكل رجلين بخصومة رجل، فأقام المدعي على أحدهما شاهدًا، واحدًا وعلى الآخر شاهدًا آخر، قال: هو جائز، وكذلك لو أقام على الوكيل شاهدًا واحدًا وعلى الموكل شاهدًا واحدًا وكذلك لو أقام على الحي شاهدًا وعلى الورثة بعد موته شاهدًا.
هشام عن محمد: في رجل في يديه دار قال صاحب اليد لرجل: هذه الدار لك ورثتها من أخيك فلان وقال المقر له: لا بل هذه لرجل آخر ورثتها من أخيه قضي به للمقر الآخر إذا كان كلام المقر له موصولًا، وجنس هذا في كتاب الإقرار، فإن غاب المقر له الأول، وجاء المقر له الآخر إلى الذي الدار في يديه، وأقام البينة عليه بإقراره للغائب، وبإقرار الغائب له؛ لا تقبل بينته.
إبراهيم عن محمد: رجل باع دارًا من رجل ولم يدفعها إلى المشتري بعد نقد الثمن، أو كان الثمن إلى أجل فالخصم هو المشتري، وإن كان المشتري لم ينقد الثمن فالخصم هو البائع.
هشام عن محمد: رجل آجر دارًا من رجل، وقد علم القاضي بذلك، ثم إن المستأجر غاب؛ ووكل رجلًا بالدار بشهادة شهود، فقدم رب الدار الوكيل وادعى أنها داره، فادعى الوكيل الوكالة وأقام بينته على ذلك قال: لا أقبل بينة الوكيل، قال هشام: وإنما ذلك لعلم القاضي به.
رجل اشترى شيئًا بميتة، أو دم، أو خمر، أو خنزير، وقبض المشتري؛ ثم جاء مستحق واستحق المشترى بالبينة؛ ففي الشراء بالميت والدم لا يكون المشتري خصمًا، ولا يسمع البينة عليه.
قال محمد في (الجامع): رجل اشترى من آخر إبريق فضة بدينارين، وقبض الإبريق ونقد دينارًا واحدًا ثم تفرقا قبل أن ينقد الدينار الآخر، حتى فسد العقد في نصف الإبريق لا يتعدى الفساد إلى النصف الآخر، وهذا الجواب لا يشكل على قولهما، وإنما يشكل على قول أبي حنيفة؛ لأن من مذهبه أن العقد إذا كان صفقة واحدة، ففسد بعضه فسد الباقي؛ لأن ذلك إنما يكون إذا كان فساد العقد في البعض بمفسد مقارن للعقد، أما إذا كان الفساد بمفسد طارئ لا يتعدى الفساد إلى الباقي.
كما إذا اشترى عبدين وهلك أحدهما قبل القبض فإنه لا يفسد العقد في الحي منهما، وإنما لا يفسد لما قلنا، فإن حضر رجل بعدما غاب بائع الإبريق، وادعى أن نصف الإبريق له كان المشتري خصمًا له؛ لأن المشتري مالك جميع الإبريق لأنه، وإن فسد السبب في النصف لكان الافتراق لا يبطل ملكه فيه ما لم يرده، لأن فساد السبب في الابتداء لا يمنع ثبوت الملك عند اتصال القبض به، فأولى أن لا يمنع بقاء الملك في المقبوض، فكان كل الإبريق ملكًا للمشتري، فيكون خصمًا للمدعي.
فلو حضر الغائب بعد ما أقام المستحق البينة على النصف، وقضى القاضي بالنصف له، رد المشتري على البائع ربع الإبريق؛ لأن النصف المستحق شائع في النصفين نصفه، وهو الربع في النصف الذي صح سببه، والنصف الآخر وهو الربع في النصف الذي فسد سببه، وإنما بقي في يد المشتري مما هو مقبوض بالسبب الفاسد نصف النصف وهو الربع، فلهذا رد المشتري عليه ربع الإبريق، ورد البائع عليه نصف الدينار حصة ما استحق مما هو مملوك بالسبب الصحيح، ولا يثبت للمشتري الخيار، وإن صار البائع شريكًا له في الإبريق؛ لأنه رضي بهذه الشركة لما لم ينقد الدينار الآخر مع علمه؛ لأن للبائع أن يأخذ نصف الإبريق، فصار راضيًا بالشركة.
ولو أن رجلًا اشترى من رجل عبدًا بصفقة واحدة نصفه بمئة دينار حالة، ونصفه بمئة دينار إلى العطاء، فقبض المشتري العبد، وغاب البائع، فحضر رجل وأقام البينة أن له نصف العبد كان الجواب في هذه المسألة، والجواب في المسألة الأولى سواء في الفصول كلها؛ لأن هاهنا فسد نصف السبب وصح نصفه، فملك كل العبد نصفه بسبب فاسد ونصفه بسبب صحيح كما في مسألة الإبريق، لمكان الافتراق قبل قبض بعض بدل الصرف، أمافيما عدا ذلك هذا، والأول سواء ولا يتعدى الفساد إلى النصف الثاني عند أبي حنيفة، وإن كان الفساد في أحد النصفين بسبب مقارن للعقد إلا أن النصف المقارن هاهنا غير متقرر، ولهذا لو أسقطا الأجل بقي العقد صحيحًا، وإنما تقرر عند حلول الأجل، فكان المفسد طارئًا معنىً، وإن كان مقارنًا صورة.
ولو اشترى نصف عبد من رجل وأودعه البائع النصف الآخر، وغاب البائع، ثم جاء رجل وادعى نصف العبد، وأقام البينة وأقام ذو اليد بينة على أنه اشترى من فلان نصفه، وأودعه فلان بعينه نصفه، لم تصح الدعوى ولم يصر المشتري خصمًا؛ لأنا لو صححنا هذه الدعوة ابتداءً أبطلناه انتهاءً، ولو جعلنا المشتري خصمًا في الإبتداء أخرجناه من أن يكون خصمًا في الإنتهاء.
بيانه: أنا لو قضينا عليه بالنصف تبين أن العبد كان مشتركًا بين البائع وبين المستحق، وإن بيع البائع انصرف إلى نفسه والإيداع في النصف المقضي به، ويد الوديعة ليسست بيد خصومة، ولو كان اشترى نصف العبد من رجل، وأودعه رجل آخر نصف العبد والمسألة بحالها كان ذو اليد خصمًا في الربع في الابتداء ألا يخرجه من أن يكون خصمًا في الانتهاء.
بيانه: هو أنا إن صححنا هذه الدعوة، ظهر أن العبد كان بين المستحق وبين البائع والمودع أرباعًا، النصف للمستحق، والربع لكل واحد منهما، فانصرف بيع الذي باع في الربع إلى ما يملكه، فإذا أقام ذو اليد بينة أن فلانًا باعه نصفه، وفلان آخر أودعه نصفه، ودعوى المستحق واقعة فيهما على سبيل الشيوع، كان الاستحقاق واردًا على نصف ما ورد عليه البيع وعلى نصف ما ورد عليه الإيداع، فينتصب المشتري خصمًا فيما ورد عليه الاستحقاق من البيع، وذلك قدر الربع لا في ما ورد الاستحقاق عليه من الوديعة، فلهذا كان المشتري خصمًا في نصف ما اشترى وهو الربع، فإذا حضر البائع كان خصمًا للمستحق في الربع الآخر، ورجع المشتري على بائعه بنصف الثمن؛ لأنه لم يسلم له من المبيع إلا نصفه.
ولو أن رجلًا اشترى من رجل نصف عبد ثم اشترى منه نصفه الآخر أحدهما صحيح، والآخر فاسد، أو كانا صحيحين أو كانا فاسدين، ثم جاء رجل وادعى عليه نصف العبد وأقام البينة، فالمشتري خصم له ويقضي القاضي عليه بالنصف الباقي، يعني النصف الذي ورد عليه البيع الثاني، لأن المدعي لما أقام البينة انصرف إلى ملك البائع صحيحًا كان أو فاسدًا، وانصرف البيع الثاني إلى نصيب المستحق وصاحب اليد يدعي الملك في هذا النصف الثاني، فكان خصمًا لمن نازعه، ولو كان البيع الأول صحيحًا والبيع الثاني بميتة أو دم أو خمر لم يكن بينهما خصومة حتي يحضر البائع، لأن المشترى بدم أو ميتة غير مملوك بالاتفاق، وإنما اختلفوا أنه مضمون أو أمانة.
قال محمد رحمه الله: هو مضمون، ولما كان هكذا فالمشتري لا يدعي الملك لنفسه في النصف المشترى بالميتة والدم والخمر، فلا يكون خصمًا لمن نازعه، بخلاف الوجه الأول على ما مر.
وإذا ادعى على امرأة إنها أمته وهي تحت زوج، والزوج غائب فدعواه صحيحة ولا يشترط حضرة الزوج.
ذكر في آخر (الجامع): مسائل في بعضها جعل المولى خصمًا عن عبده، وفي بعضها لم يجعله خصمًا عن عبده.
فقال: رجل ادعى على رجل أنه قطع يد عبده فلان خطأ وله عليه نصف قيمته وذلك خمسمئة مثلًا أو ادعى أنه زوج أمته فلانة منه، وله عليه المهر والعبد، والأمة حيان غائبان، فقال المدعى عليه: نعم لكن أعطيك الأرش والمهر مخافة أن يحضر العبد والأمة فينكران الملك لك فيضمناني.
فالقاضي يلزمه المهر والأرش بإقراره؛ لأنه أقر له بالملك واستحقاق اليد، أما الملك فلأن ملك الرقبة يوجب ملك الأرش والمهر لا محاله إذ يستحيل أن يكون العبد والجارية مملكان لإنسان، وأرش اليد والمهر لغيره، وأما استحقاق اليد فلأن اليد على آخر العبد والإماء للموالي لا للعبيد والإماء.
ألا ترى أن من ادعى حقًا في عبد إنسان، فالعبد لا ينتصب خصمًا له وإنما ذلك للمولى، ألا ترى أن في عين مسألتنا حق الخصومة في الأرش والمهر للمولى، وإن كان العبد والأمة دين بدليل أنه لو كان الأمر معاينًا، فالمولى هو الذي يقبض ذلك، وسلم إلى الغرماء فثبت أنه أقر بالملك واستحقاق اليد للمولى في الأرش والمهر، فيؤمر بالتسليم إليه كما في سائر الأعيان.
وكذلك الجواب فيما إذا قال: المهر عرضًا من العروض؛ لأن المعنى لا يتفاوت، وإن كان للعبد وديعة ألف درهم عند هذا الرجل، أو غصب هذا الرجل ألف درهم من هذا العبد، أو كان للعبد ألف درهم على هذا الرجل من قرض أو بيع، فأقر الذي عنده المال أن الذي دفع إليه المال عبد هذا الرجل، وصدقه المقر له، لا سبيل للمقر له على ذلك المال؛ لأن المقر له لم يقر له لا بالملك، ولا باليد، أما بالملك؛ لأنه ليس من ضرورة كون العبد الدافع ملكًا له أن يكون ما في يده ملكًا له لجواز أن يكون وديعة أو غصب عند العبد.
ويجوز أن يكون وكيلًا فيما باعه أو أقرضه؛ بخلاف الوجه الأول لأن من ضرورة كون الدار ملكًا لإنسان، الأرش والمهر ملكًا له، وكذا لم يقر له باليد؛ لأن ما في يد العبد من المال لا يعتبر فيه يد المولى، وإنما يعتبر فيه يد العبد. ولهذا كان العبد هو الخصم دون المولى بخلاف الوجه الأول على ما مر.
وكذلك لو قال الذي في يديه: إن هذا المال مال هذا الرجل غصبه منه عبده، ودفعه إليه، وصدقه بذلك المقر له، فلا سبيل للمقر له على المال حتى يحضر العبد؛ لأنهما تصادقا على وصول هذا المال إليه من قبل العبد، وكانت يد العبد ثابتة بتصادقهما فلا يصدقان على إبطال يد العبد وإثبات الحق فيه للمقر له.
وكذلك إن أقر رجل أن فلان أمر عبده ببيع أمة له، فباعها بألف ولم يقبض الثمن وصدقه رب العبد بذلك، لم يجبر على دفع الثمن إلى المولى؛ لأن المقر مع المقر له لما تصادقا على أن العبد هو الذي باع، فقد أقر أن الخصم في الثمن هو العبد دون المولى لما عرف أن حقوق العقد ترجع إلى العاقد إذا كان العاقد من أهل التزام الحقوق، والمأذون أهل لذلك، فصح أنهما أقرا أن الخصم في الثمن هو العبد دون المولى، فلا يكون للمولى ولاية الأخذ هذا كله إذا كان المال قائمًا في يد المقر.
وإن كان مستهلكًا بأن قال المقر له: إن عبدك فلان غصبك ألف درهم فاستودعنيها؛ فاستهلكتها، أو غصبتها منه واستهلكتها، أو قال: أقرضته مني وصدقه المقر له، فللمقر له أن يأخذه بذلك؛ فرق بين هذا، وبينما إذا كان المال قائمًا بعينه، وباقي المسألة بحالة حيث لم يكن للمولى أن يأخذه بذلك.
والفرق هو: أن المال إذا كان قائمًا بعينه وقد أقر بالغصب والوديعة من عبد فلان، فقد أقر أن للغائب حق استرداد هذا العين، ولهذا لو حضر كان حق الاسترداد له، فلو دفعنا إلى المقر له هذا العين، فقد أبطلنا حق الغائب في الاسترداد، وكان هذا الإقرار متضمنًا إبطال حق العبد فلا يصح، أما المال إذا كان مستهلكًا فقد انتقل حق الغائب عن العين، وانتقل إلى مثله دينًا في الذمة فلم يصر مقرًا للمولى بعين فيه حق للغائب، وإنما صار مقرًا بمثل المقبوض دينًا في الذمة، وذلك خاص ملكه، فكان مقرًا للمولى بما لا حق للغائب فيه فيصح.
فإن قدم الغائب وأنكر أن يكون عبدًا لفلان وأن يكون غصب فلان شيئًا كان القول قوله؛ لأنه أنكر الرق، والأصل في الآدميين الحرية فكان الظاهر شاهدًا له فقبل قوله، وإذا جعل القول قوله كان له أن يضمن المقر مثل المال الذي أقر بقبضه، لأن المقر مقر بأن وصول المال إليه كان من جهة الذي حضر، وأنه ضامن له بالاستهلاك غير أنه يدعي عليه أن أصل الملك لغيره، ولم يصدق في هذه الدعوى لما حكم بحرية الغائب فلهذا كان عليه الضمان، ثم هل يرجع المقر على المقر له؟ ففيما إذا أخذ المقر له من المقر الأرش والمهر، ثم قدم الغائب وأنكر أن يكون مملوكًا للمقر له يرجع، وفيما عداه لا يرجع.
والفرق وهو: أن حرية الغائب وإن ثبت بقوله، فهذا لا يزيد على الثابت بالبينة، وحرية الغائب لو ثبتت بالبينة فيما عدا الأرش والمهر يكون ملكًا للمقر له لجواز أن يكون الغائب حرًا، والمال الذي دفع إلى المقر للمقر له، فلم يظهر بهذا فساد الإقرار، فصار الحال بعد الحكم بالحرية كالحال قبل الحكم بها، أما لو ثبت حرية الغاصب بالبينة فالأرش والمهر لا يكون سالمًا للمقر له إذ لا يجوز أن يكون الغائب حرًا، وأرشه ومهره لغيره، فظهر به فساد إقرار المقر؛ فكذا إذا أثبته بقوله.
ولو قال: إن عبد فلان أقرضني ألفًا قد غصب من مولاه وصدقه المقر له في ذلك؛ والمال قائم بعينه كان للمولى أن يأخذه بذلك فرق بين هذا وبينما لو قال: غصبت من عبد فلان، أو قال: أسترد عينها، وصدقه المولى بذلك، والمال قائم بعينه حيث لم يكن للمولى عليه سبيل.
والفرق وهو: أن في الغصب والوديعة حصل مقرًا للمولى تعين فيه الغائب، وهو حق الاسترداد على ما مرَّ فلا يصح الإقرار، أما في العرض لم يقر للمولى بمال فيه حق الغائب إذا لم يقر الغائب بحق في هذا المال بعينه؛ لأنه زعم أنه ملكه المال ببدل، وانقطع حقه عن العين؛ لأن الغرض وضع لذلك، فلم يحصل مقرًا للغائب بحق في هذا المال، فصار مقرًا للمولى بشيء ليس للغائب فيه حق، فيصح هذا كله إذا أقر المقر أن الغائب عبد المقر له.
فأما إذا قال المقر للمقر له: لا أدري أن الغائب عبدك أم لا؟ فأقام المدعي بينة أن الغائب ملكي لم تقبل بينته حتى لا يقضى له على المقر بشيء ما لم يحضر العبد؛ لأن هذه بينة قامت لإثبات الملك في الغائب وهو العبد، والعبد منقول.
وإثبات الملك بالبيينة فيما يحتمل النقل إلى مجلس القضاء حال غيبته لا يصح؛ ولأن هذه بينة قامت للقضاء بها على الغائب، والمقر ليس بخصم عنه، لأن العبد الغائب ليس في يد المقر لا حقيقة ولا حكمًا، ومن ادعى حقًا في عبد، فإنما يكون خصمًا للمدعي، وكان العبد في يده حقيقة أو حكمًا.
وإذا لم تقبل هذه البينة لا يقضى على المقر بشيء؛ لأنه لو قضى إنما يقضي بإقراره، وهو لم يحصل مقرًا للمدعي بشيء حين قال: لا أدري الغائب عبدك أم لا؟ فإن أراد المدعي استحلاف المدعى عليه في هذا الفصل، وهو ما إذا قال المدعى عليه للمدعي: لا أدري أن الغائب أعبدك أم لا؟ قال: لا، استحلفه القاضي على ملك الغائب؛ لأنه ليس بخصم في ذلك عن الغائب.
ولكن يستحلفه على المهر والأرش والوديعة المستهلكة والغصب المستهلك، والقرض المستهلك، والقائم بالله ما للمدعي قبلك هذا المال الذي يدعي؛ لأنه ادعى عليه معنى لو أقر به يصح إقراره على ما مر، فإذا أنكر يستحلف رجاء النكول، أما في المال الذي كان قائمًا في يد المقر، وكان المقر أقر أن الغائب أودعها أو غصب هو من الغائب لا يستحلف فكذا لا يستحلف في دعوى ثمن الجارية؛ لأنه لو أقر صريحًا في هذه الأشياء؛ لا يصح إقراره لما أن إقراره صادف محلًا تعلق به حق الغير على ما مر، فلا يفيد الاستحلاف الذي شرع لرجاء النكول.
ولو قال الذي في يديه المال: (المال) الذي في يدي مالك لأني غصبتها من عبدك، أو أودعنيها عبدك؛ وقال المقر له: المال مالي ما أخذته من عبدي، وأبى أن يدفع المال إلى المولى؛ كان للمولى أن يأخذها إلا أن يقيم المقر بينة على ما زعم؛ لأن إقراره بالملك للمدعي يوجب التسليم إليه، غير بدعوى الغصب والوديعة من العبد؛ يريد إبطال استحقاق التسليم إلى المقر له إلى أن يحضر العبد، ولا يصدق من غير بينة.
قالوا: وينبغيي أن يستحلفه بالله ما يعلم أن الغائب أودعه أو غصب هو هذا المال من الغائب، لأن المقر له لو أقر بذلك لزمه الكف عن مطالبته، فإذا أنكر يستحلف رجاء النكول ولكن يستحلف على العلم لأن هذا استحلاف على فعل الغير، فإن لم يكن له بينة، وقبض المولى المال ثم حضر الغائب وجحد أن يكون عبدًا للمدعي ففي الغصب؛ القاضي يقضي للذي حضر على المقر بمثل ما أقر أنه غصبه سواء سلم المقر المغصوب إلى المقر له بقضاء أو بغير قضاء، وفي الوديعة كذلك الجواب.
وعند محمد وعند أبي يوسف رحمه الله؛ لا يضمنه شيء إلا أن يكون سلمه بغير قضاء، وهذا الاختلاف نظير الاختلاف فيمن قال: هذا العبد في يدي لفلان، ثم قال بعد ذلك: لا بل لفلان غصبته منه أو أودعني ودفع إلى الأول بقضاء، أو بغير قضاء، فهو على التفصيل الذي قلنا.
والمسألة بحججها في (الجامع الكبير): في كتاب الإقرار، فإن أراد الغائب في هذا الوجه أن يسترد المال من المقر له ليس له ذلك بالإجماع؛ لأن الإقرار للمقر له قد سبق، فلا يبطل ذلك بمجرد إنكار الغائب؛ كما لو قال: هذا عبد فلان أودعنيه عبدك، أو غصبه من عبدك، وهو مالك لأن العبد عبدك فماله لك، فقال المقر له: هذا عبدي كما قلت، وهذا المال مالي لم تأخذه من عبدي فلان.
فإنه يقال للمقر: أقم البينة على ما ادعيت، فهو للمقر له؛ لأن حق المقر له قد ثبت، وحق الغائب إنما يثبت على اعتبار تصديق الغائب وذلك موهوم، فوجب التسليم إلى المقر له، فإن لم يكن له بينة وطلب المقر يمين المقر له على ما زعم من الغصب والوديعة استحلفه القاضي على ذلك على علمه على ما قلنا في الفصول الأول.
فإذا حلف المقر له في هذا الفصل وأخذ المال ثم حضر الغائب، وأنكر أن يكون عبدًا للمقر له، وطلب ماله كان له أن يسترد الألف من المقر له، وهو الولي من غير بينة بخلاف المسألة الأولى، فإن ثمة الغائب لا يأخذ المال من المولى ما لم يقم البينة على الغصب والإيداع منه.
والفرق: أن في المسألة الأولى المقر بدأ بالإقرار بالملك الحاضر، ثم ثنى بالإقرار للغائب وتصديق الغائب وإن أسند إلى وقت الإقرار لا يصير سابقًا على الإقرار للمدعي فيبقى الحكم للإقرار الأول، فلهذا لم يكن للغائب ولاية الأخذ بدون الحجة.
أما في مسألتنا بدأ بالإقرار للغائب، وإنما وجب التسليم إلى الحاضر؛ لاحتمال التكذيب من الغائب، فإذا صدقه الغائب استند التصديق إلى وقت الإقرار له وذلك سابق، فلهذا صار للغائب أولى، ومتى استرد الغائب في مسألتنا المال الذي من المقر له لا يضمن المقر للمقر له شيئًا، لأن المقر يقول للمقر له: قد أقررت لك بعيني ودفعت إليك، وإنما استحق من يدك، فليس لك عليَّ شيء.
فإن قيل: إنما استحق العين من يد المقر له بإقرار المقر للغائب، فصار المقر مستهلكًا العين على المقر له فينبغي أن يضمن.
قلنا: نعم، إلا أن المقر أقر للغائب أولًا أنه له، وأنه غصبه منه، وأقر المولى ثانيًا ولم يقر أنه غصبه منه.
ومن أقر بعين في يده أنه لهذا ثم أقر أنه لفلان ودفع إلى الأول بقضاء لا يضمن للثاني عندنا خلافًا لزفر، والمسألة في كتاب الإقرار على سبيل الاستقصاء، ولو قال المقر: هذا المال مال عبدك فلان غصبته منه أو أودعنيه، وقال المقر له: مالي لم يقبضه عبدي، فلا سبيل له على المال حتى يحضر الغائب، أو يقيم البينة أن المال له بخلاف الفصلين الأولين؛ لأن في الفصلين الأولين أقر ذو اليد بالملك للمولى؛ لكن في الفصل الثاني في آخر كلامه.
وفي الفصل الأول في أول كلامه، فأمر بالتسليم إليه، فأما هاهنا لم يقر بالملك للمولى في هذا المال إنما أقر أنه أخذ من فلان الغائب، وزعم أن فلانًا ملكه وليس من ضرورة الإقرار بالمال لعبد إنسان، الإقرار بذلك المال لمولاه لجواز أن يكون ما في يد العبد لأجنبي، ولم يوجد الإقرار بذلك بالملك للمولى في المال، يبقى مجرد دعوى المدعي فلم يكن له ولاية الأخذ بدون الحجة، وهذا كله إذا كان الغائب والأمة الغائبة حيان.
فأما إذا ميتين بأن ادعى رجل قبل رجل مهر أمة له أو أرش جناية على عبد له أو وديعة لعبده في يديه أو غصبها، أو دين من ثمن بيع، أو قرض فادعى أن العبد مات، وصدقه المدعى عليه بذلك كله، وأنه يقضى للمدعي بذلك كله، ويؤمر الذي قبله المال بدفع المال إليه في الوجوه كلها.
أما في الوجه الذي يلزمه التسليم حالة الحياة فلا يشكل، وأما في الوجه الذي لا يلزمه التسليم في حالة الحياة، فلأنهما لما تصادقا على موت العبد فقد تصادقا على وجوب التسليم إلى المقر له؛ لأن العبد إذا مات كان مولاه أحق بما كان في يده في الوجوه كلها حتى يوصل كل حق إلى صاحبه، أو، لا يبقى ليد العبد عنده بعد موته، فصار المولى كالخلف عن مملوكه بعد موته خلافة الوارث المورث.
فكما أنه لو ادعى الميراث عن ميت، وصدقه الذي قبله المال يؤمر بالتسليم إليه، فهاهنا كذلك بخلاف حالة الحياة على ما مر، فإن قال المقر: على العبد دين يحيط بماله لا يلتفت إلى ذلك لأن سبب ثبوت الحق للمولى قد ظهر بتصادقهما، والمانع وهو الدين لم يظهر بإقرار المقر لما أن هذا إقرار على عبد الغير.
وذلك يستدعي تصديق العبد، والتصديق من الميت لا يتصور، وإن أنكر الذي قبله المال جميع ما ادعاه المدعي، فأقام المدعي بينة على غصبه المال من عبده، وعلى أن عبده مات تقبل بينته، وكذلك في سائر الصور فرق بين هذا وبينما إذا كان العبد الغائب حيًا، وأنكر الذي قبله المال أن يكون الغائب عبده، وأراد المدعي إقامة البينة على أن الغائب عبده فإنه لا يقبل، ولا يقضى للمدعي بشيء.
والفرق ما ذكرنا: أن هذه بينة قامت على إثبات الملك في الغائب وهو العبد وإنه منقول، وإثبات الملك بالبينة في النقليات حال غيبته عن مجلس القضاء؛ لا يصح، أما بعد الموت فنقل العبد إلى مجلس القضاء غير ممكن فلم يعتبر ذلك شرطًا لصحة القضاء بالبينة، فهذا هو الفرق بينهما.
وفرق آخر أيضًا ما مر أن الغائب متى كان حيًا فبينة المدعي على أنه عبده قامت على الغائب للقضاء بها، وليس عنه خصم حاضر؛ لأن المقر ليس بخصم عنه على ما مر، وليس للقاضي أن ينصب عنه خصمًا فيما يدعي عليه إذا لم يكن له وصي ولا وارث؛ لأنه لا يرجى حضوره، فلو لم يفعل ذلك أدى إلى تضييع حقوق الناس، وإذا كان للقاضي ذلك كان جعل الذي قبله المال خصمًا، والمال في يده أولى، فكانت هذه بينة قامت على خصم فقبلت.
رجل في يديه مال، قال رجل لصاحب اليد: غصبني عبدك هذا المال فأودعها إياك، وقال صاحب اليد: صدقت لكن لا أردها عليك؛ لأني أخاف أن يجحد العبد أن يكون عبدي، لم يلتفت إلى قوله ويجبر على دفع الألف إليه؛ بخلاف ما تقدم من المسائل.
والفرق: أن فيما تقدم تصادقا على أن الوصول إلى يد صاحب اليد كان من جهة العبد، ويد العبد لا تبطل بالتسليم إلى غير المولى، وهناك صاحب اليد غير مولى العبد، فبطل حق المقر له صيانة لما تصادق عليه من يد العبد، فأما هاهنا فقد تصادقا على بطلان يد العبد لأن يد العبد تبطل بالتسلم إلى المولى ما لم يكن على العبد دين أو يثبت أن ذلك المال مال الغير، ولم يثبت ذلك.
ولهذا قالوا: إن العبد المأذون إذا أودع مولاه من كسبه أو غصب مولاه شيئًا ولا دين عليه، ثم تصرف العبد في المال الذي أودع مولاه، أو غصب منه مولاه لا ينفذ، ولو كان حكم يد العبد قائمًا لنفذ، ولما تصادقا على بطلان يد العبد عن المال صار هذا المال ملحقًا بسائر أموال المولى، فكان هذا الإقرار مصادقًا مال نفسه فصح، وأمر بالتسليم إلى المقر له فلهذا افترقا.
فإذا دفعه إليه ثم حضر الغائب فأنكر أن يكون عبدًا للمقر كان القول قوله، وقضى القاضي له بالمال الذي أخذه المقر له، فلهذا افترقا، فإذا دفعه ثم حضر الغائب فأنكر أن يكون عبدًا للمقر كان القول قوله، وقضى القاضي له بالمال الذي أخذه المقر له إن وجده قائمًا؛ لأنهما كانا متصادقين على أن وصول هذا المال إلى ذي اليد من جهة الذي حضر.
فإذا جعلنا القول قوله في إنكار الرق، لم يثبت لذي اليد في رقبته ملكًا فتبين أنه كان له في هذا المال يد معتبرة لكون يد المودع قائمة مقام يد المودع، فظهر أن تصادقهما صادف محلًا تعلق به حق الغير، وإنه لم يصح فيؤمر المقر له برد المال على الذي حضر إلا أن يقيم المقر له للحال بينة أن المال ماله، وإن كان المقر له استهلك ذلك المال الذي أخذه، فأراد الغائب أن يضمن المقر الذي كان في يديه المال، كان له ذلك؛ لأنه صار متلفًا له بإقراره للمدعي.
قال بعض مشايخنا: هذا قول محمد، أما على قول أبي يوسف: ليس له ذلك لأنه أقر للمدعي بملك مطلق، ثم أقر بعد ذلك أن فلانًا أودعه، ومن أقر بملك مطلق لإنسان، ثم أقر بالوديعة لغيره، ودفع المال إلى الأول بقضاء يضمن للثاني عند محمد؛ خلافًا لأبي يوسف، وبعض مشايخنا قالوا: لا بل يضمن هاهنا عندهم جميعًا، لأن المقر أقر للمدعي بملك مطلق، ثم أقر بعد ذلك أنه غصبه من غيره؛ لأن المولى فيما يودعه العبد لا يكون مودعًا حقيقة؛ بل يكون قابضًا لنفسه فكان بمعنى الغاصب، فكأنه أقر للمدعي بمطلق الملك، ثم أقر بعد ذلك بالغصب من الغائب.
وفي هذا الفصل إذا دفع إلى الأول يضمن للثاني عند الكل، إنما الخلاف بين أبي يوسف ومحمد فيما إذا أقر الإنسان بملك مطلق، ثم أقر بالوديعة من غيره ودفع إلى الأول، ولو قال المقر: هذا المال أودعنيه عبدي فلان، ولا أدري أهو لك أم لا؟ فأقام المدعي بينة أن المال ماله؛ فالقاضي يقبل منه هذه البينة؛ لأن المولى فيما أخذه من العبد على سبيل الوديعة، لا يكون مودعًا بل يكون قابضًا لنفسه.
ومن ادعى مالًا في يد غيره، وذو اليد يزعم أنه مالك له ينتصب خصمًا له، فإن حضر الغائب وأنكر أن يكون عبدًا للمقر أخذ ماله، ويقال للمدعي: أعد بينتك عليه وإلا فلا حق لك؛ لأنهما تصادقا على أن وصوله إلى يده كان من جهة الذي عليه، فإذا لم يثبت الملك للذي كان في يده في رقبة الذي حضر، تبين أن يد صاحب اليد في هذا كانت يد حفظ لا يد خصومة، فظهر أن تلك البينة قامت على غير خصم، فلم يكن معتبرًا فأمر المقر له بإعادة البينة لهذا، وإن قال المقر وهو الذي في يديه المال: هذا المال لك أودعنيه فلان، وفلان ليس بعبدي، فأقام المدعي بينة أن فلانًا عبده لم يكن بينهما خصومة، ولم تقبل بينته، أما لا خصومة بينهما؛ فلأنهما تصادقا على أن الوصول إلى يدي ذي اليد من غيره بطريق الوديعة، فالمدعي بعد ذلك يدعون كون المودع ملكًا للمودع، يدعي أن يده يد نفسه؛ حتى يجعله خصمًا، فلا يصدق على ذلك، وأما لا تقبل بينته على كون الغائب ملكًا للمقر، لأن هذه البينة قامت على إثبات الملك في عين غائب عن مجلس القضاء، وإنه يحتمل النقل فلا تقبل حتى لو أقام المدعي بينة على أن المودع غير ذي اليد وأنه قد مات قبل القاضي، قبل القاضي البينة وقضى له بالمال بخلاف حالة الحياة، والفرق قد مر.
رجل وهب لعبد رجل جارية وقبضها العبد، ثم أراد الواهب الرجوع في الهبة، والمولى غائب، فإن كان العبد مأذونًا كان له ذلك، وإن كان محجورًا عليه لم يكن له ذلك حتى يحضر المولى.
أما الأول؛ فلان الواهب يدعي حقًا فيما هو كسب المأذون بعقد جرى بين المدعي وبين المأذون فينتصب المأذون خصمًا له؛ كما لو ادعى شيئًا في يد المأذون أنه ملكه مطلقًا انتصب خصمًا سواء كان على المأذون دين أو لم يكن.
وأما الثاني: فلأن المحجور فيما في يده بمنزلة المودع في جهة المولى، ألا ترى أن من ادعى عينًا في يده أنه اشتراه من المحجور أو ادعى ملكًا مطلقًا، لا ينتصب خصمًا له وإن كان من كسب المحجور كان الفقه فيه.
وهو أن للمأذون يدًا معتبرة على ما في يده كالمكاتب، ولهذا لو باع المأذون ما في يده يد معتبرة، ولهذا لو باع ما في يده لا يجوز، وإن كان من كسبه، فهذا يبين لك أن يد المأذون يد نفسه، ويد المحجور يد المولى حكمًا، ولما كان هكذا كان رجوع الواهب في الوجه الأول إبطال يد العبد، فكان هو الخصم في ذلك، فلا يشترط حضرة المولى، وفي الوجه الثاني رجوع الواهب إبطال يد المولى حكمًا، فكان المولى هو الخصم في ذلك فيشترط حضرته.
وإن قال العبد: أنا محجور، وقال الواهب: أنت مأذون، ولي أن أرجع فيها قبل حضور مولاك، فالقول قول الواهب مع يمينه، قالوا: وهذا استحسان.
والقياس: أن يكون القول قول العبد لأنه متمسك بالأصل وهو الحجر، فكان الظاهر شاهدًا له، إلا أنا استحسنا. وقلنا: القول قول الواهب مع يمينه؛ لأن الهبة حين وقعت، وقعت موجبة للرجوع، فالعبد بقوله: أنا محجور، يدعي تأخير حق الواهب في الرجوع إلى حضرة المولى، والتأخير نوع إبطال، فيكون القول قول الواهب مع يمينه.
وما يقول بأن الظاهر شاهد للعبد قلنا: نعم، ولكن إنما يجعل القول قول من يشهد له الظاهر؛ إذا كان بالظاهر يدفع شيئًا عن نفسه، وهاهنا هو بهذا الظاهر يبطل حقًا مستحقًا للواهب، وهو حق الرجوع في الهبة فلا يلتفت إليه، ثم إنما حلفنا الواهب على العلم؛ لأن هذا تحليف على فعل الغير وهو حجر المولى، والتحليف على فعل الغير يكون على العلم.
ولو أقام العبد بينة أنه محجور لا تقبل بينته؛ لأن الواهب يدعي حقًا على العبد بعقد جرى بينه وبين العبد، والعبد بهذه البينة يثبت كونه مودعًا من جهة المولى، لما مر أن المحجور فيما في يده بمنزلة المودع من جهة المولى.
قلنا: ومن انتصب خصمًا لإنسان بدعوى الفصل عليه إذا أقام بينة على أنه مودع فلان ليدفع الخصومة عن نفسه، لا تقبل بينته ولا تندفع عنه الخصومة، أما إذا أقام البينة على إقرار المدعي أنه مودع فلان فقد أقام البينة على أن المدعي أبرأه عن هذه الخصومة معنىً؛ لأنه يريد إسقاط خصومة المدعي لمعنى وجد من جهة المدعي وهو إقراره، ومن انتصب خصمًا بدعوى الفعل عليه لا تقبل بينته على إحالة الخصومة إلى غيره، وتقبل على إبراء المدعي إياه من الخصومة.
فلهذا افترقا بين هذه المسألة وبين مسألة ذكرها في كتاب المأذون، أن العبد إذا باع واشترى، ثم أقام البينة على أنه محجور، أو على إقرار العاقد الآخر بذلك حيث لا تقبل، وإنما كان كذلك؛ لأن هناك إنما لم تقبل لأنه يسعى في نقض ما تم به وأراد إثباته بالبينة، ومن سعى بنقض ما تم به وإثباته بالبينة لا يسمع ذلك منه لصيرورته متناقضًا.
وفي حق هذا لا فرق بينما إذا أقام البينة على كونه محجورًا، وبينما إذا أقام البينة على إقرار العاقد بكونه مجحورًا، إلا أن البائع لو كان حرًا وأقام البينة على أن ما باع كان حرًا، وعلى إقرار المشتري أن ما اشترى كان حرًا، لا يسمع ذلك منه لما قلنا.
أما في مسألة (الجامع): إنما لا تقبل بينة على الحجر إلى نقض ما تم به لا ساعٍ إلى اتفاق جرى بينهما من الهبة، لكن إنما لا تقبل لأنها قامت على إحالة الخصومة على الغير، وهذا المعنى معدوم فيما إذا أقام البينة على إقرار الواهب بالحجر، فلهذا افترقا.
هكذا كله إذا كان المولى غائبًا والعبد حاضر، فإن حضر المولى وغاب العبد فأراد الواهب أن يرجع في هبته؛ فإن كان الموهوب في يد العبد لم يكن المولى خصمًا، لأن الواهب لا يدعي على مولى العبد عينًا في يده، ولا حقًا في عين في يده، ولا دينًا في ذمته.
والإنسان إنما ينتصب خصمًا لغيره بأحد هذه الوجوه، وإن كانت الهبة في يد المولى كان خصمًا لأن المولى يزعم أن ما في يده ملكه لأن ما يأخذ المولى من عبده يكون ملكًا له إذا لم يكن على العبد دين، ولم يعرف ثبوت الدين على العبد.
ومن ادعى حقًا في عين يد إنسان والذي في يديه العبد يزعم أنه مالك له، انتصب خصمًا للمدعي كذا هاهنا، فإن قال المولى: أودعني هذه الجارية عبدي فلان ولا أدري أوهبتها له أم لا؟ فأقام المدعي بينة على الهبة فالمولى خصم؛ لأن المولى يودعه عبده، فيكون مالكًا ولا يكون مودعًا على ما مرَّ، فالمولى بدعواه أنه أودعها إياه عبده يزعم أنه مالك لها، فينتصب خصمًا للمدعي في إثبات حق جرى بين المدعي وبين الغاصب؛ لأنه يدعي حقًا في ما يده بسبب جرى بينه وبين الغاصب، فينتصب خصمًا عن الغائب.
كرجل في يديه عبد جاء رجل وادعى أنه قد اشتراه من فلان بكذا وهو يملك، وأقام على ذلك بينة قضي له بذلك، وصار الحاضر خصمًا عن الغائب كذا هاهنا.
فإذا قضى القاضي بالجارية للواهب فقبضها الواهب فزادت في يديها في يد الواهب، ثم حضر الموهوب له وأنكر أن يكون عبدًا، فالقول قوله لكون الحرية أصلًا، فكان له أن يأخذ الجارية؛ لأنا لما جعلنا القول قول الذي حضر في أنه حر ظهر أن الذي كانت الجارية في يده كان مودعًا لا مالكًا، فظهر أنه ما كان خصمًا، وإن عينه الواهب قامت على غير خصم، فالتحقت بالعدم، فيرد القاضي الموهوب على الموهوب له بإقرار الواهب أنه كان في يد الموهوب له فيما مضى، ولا يمتنع الرد على الموهوب بسبب زيادة متصلة؛ لأنه تبين أن الزيادة حصلت على ملك الموهوب له؛ لأنه ظهر أن رجوعه في الهبة لم يصح، واسترداد المملوك لا يمتنع بسبب الزيادة المتصلة، ثم ليس للواهب أن يرجع في الهبة إلا أن الرجوع الأول لما بطل كانت الزيادة المتصلة حاصلة على ملك الموهوب له، وهذا يمنع الرجوع في الهبة.
فإن كانت الجارية قد ماتت في يد الواهب كان للموهوب له الخيار؛ إن شاء ضمن المودع، وإن شاء ضمن الواهب قيمتها؛ لأنه لما ظهر بطلان الرجوع في الهبة ظهر أن القابض قبض مال الغير بغير إذنه، وأن المودع دفع الوديعة إلى غير المالك بغير إذن المالك، فصار كل واحد في حق المالك بمنزلة الغاصب، فلهذا كان له الخيار في التضمين، فإن ضمن الواهب لا يرجع على المودع ضمن على الغاصب، وإن ضمن المودع لا يرجع على الواهب بما ضمن أيضًا باعتبار أن في زعم المودع أن الرجوع صحيح هاهنا.
لما أن الغاصب عبدي، وقد أخذ بعض مالي حيث ضمنني، وما يأخذ من مولاه لايزول عن ملك مولاه، فلم يلحق المودع غرم بما دفع إلى مولاه، فلا يكون له أن يرجع بذلك على صاحبه بما أوجب الضمان في (الكتاب) على المودع، ولم يحك فيه خلافًا.
وذكر الكرخي: أن هذا قول محمد؛ لأن المودع بما أقر برق الغائب صار مسلطًا القاضي على الوديعة، فصار مضيعًا لها، وأما على قول أبي يوسف: لا يضمن لأن الدفع حصل بقضاء القاضي، وفي مثل هذا لا يجب الضمان على المودع على ما مر قبل هذا.
وإن قال المولى: قد علمت أنك وهبتها للذي أودعني إلا أنه ليس بعبد لي، فأقام المدعي بينة على أن فلانًا الغائب عبده لا تقبل هذه البينة إن كان العبد حيًا؛ لأن هذه بينة قامت على إثبات الملك في نقلي غائب عن مجلس القضاء فلا تقبل.
وإن قال الواهب: ليست لي بينة وطلب يمين المودع بالله إن الغائب ليس بعبد له؛ استحلفه القاضي؛ لأنه ادعى عليه معنى لو أقر به لزمه، فإذا أنكر يستحلف رجاء النكول، فإن حلف برئ عن الخصومة، وإن نكل لزمته الخصومة؛ لأن النكول بمنزلة الإقرار.
ولو أقام المدعي بينة على إقرار المولى أن فلانًا عبده تقبل بينته، وقضى بالرجوع؛ لأن هذه بينة قامت على إثبات كلام الحاضر وهو الإقرار، والإنسان خصم فيما يدعى عليه من الإقرار، والقضاء بذلك لأنه لا يتعدى إليه، فيقضي القاضي عليه بذلك، كما لو أقر بذلك بين يدي القاضي، وإن أقام المدعي بينة على أن الغائب عبد هذا الرجل وأنه قد مات قبلت بينته، وصار ذو اليد خصمًا وقد مر هذا فيما تقدم.
وإن أقام المدعي بينة على أن الغائب كان عبده وأنه قد باعه من فلان بألف درهم، وقبضه فلان منه لم تقبل بينته؛ لأن فيه إثبات الملك في المنقول، وهو غائب عن مجلس القضاء، وفيه إثبات الملك للمشتري بالبيع، وهو غائب فلا تقبل، وإن أقام المدعي بينة على إقرار الذي في يده الجارية أنه قد باع فلان الغائب من فلان ولم يقم البينة على إقراره أن الغائب عبده، فالقاضي لا يقبل هذه البينة، ولا يجعل الذي في يديه خصمًا؛ لأن هذا الإقرار لو ثبت معاينة لا يصير صاحب اليد خصمًا لأن الإقرار ببيع الغائب لا يكون إقرارًا بأنه عبده لا محالة؛ لأن الإنسان كما يبيع عبد نفسه يبيع عبد غيره أيضًا، فإذا لم يكن هذا الإقرار ملزمًا إياه شيئًا لم يكن في إثباته بالبينة معنى وفائدة، فلهذا لا يقبل القاضي هذه البينة والله تعالى أعلم بالصواب.

.الفصل الثالث والعشرون: في بيان ما يندفع به دعوى المدعي وما لا يندفع:

هذا الفصل يشتمل على أنواع:

.نوع منها: في دعوى الملك المطلق، ودعوى المدعى عليه كون المدعى في يده وديعة من جهة غيره أو عارية أو إجارة أو رهنًا، أو ما أشبه ذلك:

هذا النوع ينقسم أقسامًا:

.القسم الأول إذا حقت الدعوى في العين حال قيامه:

قال محمد رحمه الله: وإذا ادعى رجل عينًا في يدي رجل ملكًا مطلقًا، أو دارًا أو ثوبًا أو ما أشبه ذلك، وأقام بينة على دعواه، فقال ذو اليد: إن هذه العين لفلان الغائب أودعنيها، أو قال: أجرنيها، أو قال: ارتهنتها منه، أو قال: اغتصبتها منه، فإن أقام بينة على دعواه فلا خصومة بينهما، وإن لم يقم، فهو خصم للمدعي في ظاهر رواية أصحابنا.
ووجهه: أن الخصومة قد توجهت على صاحب اليد بظاهر يده لأنه حال بين المدعي وبين المدعى به، ولهذا كان على القاضي إحضاره وتكليفه بالجواب، فهو بدعواه هذه يريد إبطال الخصومة المتوجهة عليه فلا يقدر على ذلك من غير حجة، وبعد إقامة الحجة طريق اندفاع الخصومة أن صاحب اليد ببينته يثبت شيئين: الملك للغائب وهو ليس بخصم فيه، وإسقاط الجواب عن نفسه، ولا تقبل بينته فيما ليس بخصم فيه وهو إثبات الملك للغائب.
وعن أبي يوسف أنه رجع عن هذا حين ابتلي بالقضاء ووقف على أحوال الناس وقال: إذا كان المدعى عليه معرفًا بالافتعال والتزوير، ووقع في قلب القاضي أنه قصد الافتعال بهذا ليبطل حق المدعي لا تندفع الخصومة عنه بهذه البينة، لأن مثل هذا الافتعال يوجد فيما بين الناس، فالإنسان يأخذ مال غيره غصبًا، ثم يدفعه سرًا إلى من يريد أن يغيب عن البلدة حتى يودعه علانية بشهادة الشهود.
حتى إذا جاء المالك وأراد أن يثبت ملكه، فالمدعى عليه يقيم بينة على الإيداع من الغائب، ويدفع خصومة الملك بذلك، والقاضي يصير ناظرًا للمسلمين، فينبغي أن ينظر في حق المدعي، وذلك بأن لا يلتفت إلى بينة المدعى عليه إن عرف بالافتعال والتزوير، ووقع في رأيه أنه قصد بهذا الإضرار بالمدعي، وهذا الذي ذكرنا في جواب ظاهر الرواية: إذا عرف شهود صاحب اليد المودع باسمه ونسبه ووجهه فأما إذا قالوا: أودعه رجل لا نعرفه أصلًا، فالقاضي لا يقبل شهادتهم، فلا تندفع خصومة المدعي من صاحب اليد بالإجماع.
أما على قول محمد فلأنهم لو قالوا: نعرف المودع بوجهه، ولا نعرفه باسمه ونسبه، لا تقبل الشهادة، ولا تندفع الخصومة عنه عند محمد، فهاهنا أولى.
وأما على قولهما فلأن بهذه الشهادة لم يثبت وصول العين إلى صاحب اليد من جهة غير المدعي بيقين، لجواز أن يكون الدافع هو المدعي، وعلى هذا التقدير لا تندفع الخصومة عن ذي اليد، فلا تندفع الخصومة من ذي اليد بالشك والاحتمال، وإن قالوا: نعرف المودع بوجهه ولانعرفه باسمه ونسبه:
فعلى قول محمد: لا تقبل هذه الشهادة؛ لأن الخصومة على ذي اليد توجهت بظاهر يده فلا تندفع عنه الخصومة إلا بالحوالة على رجل يمكن اتباعه ليكون تحويلًا للخصومة لا إبطالًا، ولم توجد الحوالة على رجل يمكن اتباعه لأن الغائب لا يعرف إلا بالتسمية والنسب، فإذا كان المدعي بوجهه والشهود لم يذكروا اسمه ونسبه لا تتحقق الحوالة، وعندهما تقبل الشهادة لأن حاجة صاحب اليد إلى دفع الخصومة عن نفسه، وإنما تندفع الخصومة عنه إذا أثبت أن يده ليست بيد ملك وخصومة، وقد حصل ذلك هاهنا؛ لأنا علمنا أن العين وصلت إلى يد صاحب اليد من غير هذا المعين بيقين، وبه فارق ما إذا قال: لا نعرفه أصلًا.
ولو قال الذي في يديه: أودعنيه رجل لا أعرفه، وقال الشهود: أودعنيه فلان بن فلان.
ذكر الخصاف في (أدب القاضي): أن القاضي لا يقبل هذه الشهادة، ولا تندفع الخصومة عن ذي اليد؛ لأن دعوى المدعى عليه الإيداع هاهنا غير صحيحة لجهالة المودع، والشهادة لا تقبل من غير دعوى صحيحة، ولو أقر المدعي أن رجلًا دفعها إليه والمدعي لا يعرفه، فلا خصومة بينهما لأنه ثبت بإقرار المدعي أنه وصل العين إلى المدعى عليه من جهة غير المدعي بتفسيره.
وكذلك لو شهد شهود صاحب اليد على إقرار المدعي أن رجلًا دفعها إليه؛ اعتبارًا للإقرار الثابت بالبينة بالثابت عيانًا، ولو قال شهود المدعى عليه: نعرف المودع باسمه ونسبه، ولا نعرفه بوجهه، فهذا فصل لم يذكره محمد رحمه الله، وقد اختلف المشايخ فيه بعضهم قالوا: لا تندفع الخصومة عن ذي اليد، لجواز أن يكون الدافع هو المدعي، وقال بعضهم: تندفع، وهكذا ذكر في كتاب (الأقضية)؛ لأن القاضي سأل المدعي هل هو بهذا الاسم والنسب؟ فإن قال: لا، ظهر أنه غير المودع، وظهر بهذه البينة وصوله إلى يده من جهة غير المدعي.
ولو قال الذي في يديه: أودعنيها فلان لرجل معروف، وشهد شهود أن رجلًا أودعها إياه، قالوا: لا تقبل هذه الشهادة لعدم الموافقة بين الدعوى والشهادة، والاحتمال أن الدافع هو المدعي.
ولو قال شهود صاحب اليد: نعرف المودع بوجهه واسمه، ونسبه، ولكن لا نشهد به لا تندفع الخصومة أيضًا، لأنهم أخبروا أن عندهم شهادة ولم يشهدوا، وبإخبار الشاهد أن عنده شهادة لا يثبت شيء شهد به، ولو شهد شهود صاحب اليد أن فلانًا دفعها إليه، ولم يقولوا: إنها ملك فلان، أو قالوا: لا ندري لمن هي اندفعت الخصومة عن ذي اليد؛ لأنه ثبت بهذه الشهادة أنه وصل إليه من جهة فلان، وأن يده يد نيابة، ويد النيابة ليست بيد خصومة.
وكذلك لو شهدوا على إقرار المدعي أن فلانًا دفعها إليه؛ اندفعت الخصومة عن ذي اليد؛ لأن بإقرار المدعي يثبت أن يد صاحب اليد ليست بيد خصومة.
وكذلك لو شهدوا على إقرار المدعي أنها لفلان، ولم يزيدوا على هذا وذو اليد يقول: فلان أودعنيها، اندفعت الخصومة عن ذي اليد لأن إقراره أنها لفلان ينقض دعواه الملك لنفسه، ولو شهد شهود ذي اليد على إقرار المدعي أنها لفلان إلا أن صاحب اليد لم يقبل بعد ذلك أن فلانًا أودعنيها، لم يذكر محمد هذا الفصل أيضًا.
قالوا: ويجب أن تندفع الخصومة عن صاحب اليد؛ لأنه لا يثبت وصول العين إلى صاحب اليد من جهة فلان وظهر بإقرار المدعي أن خصومة المدعي كانت مع فلان، فبعد ذلك أن يحول ملك الرقبة إلى صاحب اليد تتحول الخصومة إليه، وما لا فلا تتحول الخصومة إليه بالشك والاحتمال، وإن أقر المدعي أنها كانت في يد فلان ولكن قال: لا أدري أدفعها إلى هذا أو لا؟.
أو شهد الشهود على إقرار المدعي أنها كانت في يد فلان، ولا أدري دفعها إلى فلان أم (لا) فلا خصومة بينهما لأنهما اتفقا على أنها كانت في يد فلان والآن يراها في يد صاحب اليد ولم يعرف يد ثالث، فالظاهر أنها وصلت إلى يده من جهة فلان، فثبت تصادقهما على وصولهما إلى هذا من جهته أنها لفلان.
ولم يشهدوا أن فلانًا أودعها إياه فالقاضي لا يقبل هذه الشهادة؛ لأنها قامت على إثبات الملك للغائب، وصاحب اليد ليس بخصم عنه في إثبات الملك له؛ لأنه لا حاجة له إلى إثبات الملك للغائب، إنما حاجته إلى وصول الثمن إلى يده من جهة فلان والشهود لم يشهدوا بذلك، فلا تندفع عنه الخصومة.
ولو أقام المدعي بينة في هذه المسائل على سبيل دفع بينة صاحب اليد أن صاحب اليد ادعاها لنفسه، لم تقبل من صاحب اليد بينة على الإيداع أصلًا؛ لأنه ثبت ببينة المدعي إقرار ذي (اليد) بكونه خصمًا فصاحب اليد ببينته على الإيداع بعد ذلك يريد إخراج نفسه عن الخصومة بعدما علم كونه خصمًا فلا يقدر عليه.
وذكر في (المنتقى): مسألة تدل على أن المودع ينتصب خصمًا.
وصورتها: قال هشام: سألت محمدًا رحمه الله: عن رجل ادعى دارًا في يدي رجل أنها داره وقدمه إلى القاضي، وصيره القاضي خصمًا له إلا أنه لم يقم بينة، ثم أن المدعى عليه ذهب وباع الدار وسلمها إلى المشتري، ثم المشتري وكل فيها وكيلًا وغاب، ثم عزل هذا القاضي أو مات وولى قاضٍ آخر فتقدموا إليه، وأقام المدعي بينة أنه قد كان خاصمه إلى القاضي الأول، ثم باعها، فهذا القاضي يجعل الوكيل خصمًا فيه.
قال الحاكم أبو الفضل: لم يرد بقوله؛ وكل فيها وكيلًا الوكيل بالخصومة وإنما أراد به الوكيل بالحفظ، والوكيل المودع مع هذا جعله خصمًا للمدعي.
قالوا: وقد ذكر محمد رحمه الله مسألة في (الجامع): تدل على أن المودع ينتصب خصمًا للمدعي.
وصورتها: رجل مات وترك ثلاثة بنين، ودارًا فغاب اثنان منهم، وبقي واحد، فجاء رجل وادعى أن الدار له فقال الحاضر: كانت الدار لأبينا مات وترك ميراثًا لي ولأخوي، فلان وفلان، فاقتسمنا الدار بيننا أثلاثًا، وقبض كل واحد منا نصيبه، ثم إنهما غابا وأودعاني نصيبهما.
فقال المدعي: هذه الدار كانت في يد أبيكم إلى أن مات قسمتم الدار بينكم، ثم إن أخواك أودعاك نصيبهما ولكن الدار لي، وأقام المدعي البينة أن الدار داره قبلت بينته، وقضى بالدار للمدعي، وإن ثبت بتصادقهما كون ثلثي الدار وديعة في يد الابن الحاضر، ويد المودع ليست يد خصومة، وليس الأمر كما قالوا، والوجه لمسألة (الجامع): أن كون المودع غير خصم في حق المدعي، من حيث إنه مودع لا ينفي كونه خصمًا في حقه من وجه آخر، ألا ترى أن من أودع عند إنسان شيئًا ثم إن المودع وكل المودع بالخصومة في ذلك الشيء، ثم قامت البينة على الوكيل الذي هو مودع قبلت بينته.
وفي مسألة (الجامع) ما يحصل الابن الحاضر خصمًا في كل الدار؛ لأن الدعوى في الحقيقة على الميت، والبينة قامت عليه، وأحد الورثة ينتصب خصمًا عن الميت وعن سائر الورثة فيما يدعي على الميت بخلاف المسائل التي تقدم ذكرها في أول هذا النوع؛ لأن هناك لم يوجد ما يوجب كون المدعي خصمًا من وجه آخر، ومن حيث كونه مودعًا لم يصلح خصمًا.
ومما يتصل بهذا النوع:
دار في يدي رجل ادعاها أنها داره وأقام البينة على ذلك، وقال ذو اليد: إنها دار فلان وأنه أسكنيها، وجاء بشاهدين شهدا أن فلانًا أشهدنا أن الدار التي في يد هذا داره، وأنه أسكنها هذا الذي في يديه، فلا خصومة بينهما لأنه ثبت وصول الدار إلى يد المدعى عليه من جهة من غاب على وجه لا يفيد الملك في الرقبة؛ لأن الإسكان والإعارة سواء، والإعارة لا تفيد الملك في الرقبة، ولم يشهدا أن فلانًا أشهدنا أن الدار التي في يد هذا داره، وأنه أسكنها هي في يديه، إلا أنا لم نره دفع الدار إليه أم لا؛ لكن علمنا أن الدار كانت في يد هذا الذي في يديه اليوم يومئذٍ، فلا خصومة بينهما أيضًا حتى يحضر الغائب، لأن الشهادة بالإسكان، والدار في يد الساكن يوم الإسكان شهادة بالتسليم.
كما أن الشهادة بالهبة، والدار في يد الموهوب له يوم الهبة شهادة بالهبة والتسليم، حتى أن الشهود إذا شهدوا أن هذا الرجل وهب هذا لهذا المدعي وكان العبد في يد المدعي يوم الهبة يجب القضاء بالهبة؛ كما لو شهدوا بالهبة والتسليم، فصار هذا الوجه نظير الوجه الأول.
وإن شهدوا أن فلانًا أشهدنا أنه أسكنها هذا الذي في يديه الدار اليوم، ولم نعلم يوم الإسكان أن الدار في يد من، ونعلم الآن أنها في يد هذا المدعي عليه، فلا خصومة بينهما أيضًا حتى يحضر الغائب، لأنهم شهدوا بالإسكان، والقبض ثابت للمشهود له معاينة، ولم يعرف لثبوت يده جهة أخرى سوى ما شهد به الشهود، وهو الإسكان، فيحال به على ذلك بالإسكان.
وهو معنى قول المشايخ: إن القبض إذا ظهر عقيب عقد يحال به على ذلك العقد مالم يعرف له سبب آخر، وإذا أحلنا بالقبض على الإسكان صار كأنهم شهدوا بالإسكان والتسليم.
وهو نظير ما ذكر في كتاب الهبة، لو أن رجلًا في يديه عبد ادعى أن فلانًا وهب هذا العبد منه، ولم يزيدوا على هذا، فالقاضي يقبل شهادتهم ويجعل كأنهم شهدوا بالهبة مع القبض كذا هاهنا، ولو شهدوا أن فلانًا أشهدنا أنه أسكنها هذا الذي في يديه اليوم، ونحن علمنا يوم الإشهاد أنها لم تكن في يد المسكن ولا في يد هذا الساكن بل كانت في يد فلان، يعني به إنسان آخر، وفي هذا الوجه لا تندفع الخصومة عن ذي اليد، لأن الشهود إنما شهدوا بإسكان باطل، لأن الإسكان إنما يصلح بالقبض من جهة المسكن، ولم يثبت القبض من جهة المسكن لا بالشهادة ولا بالمعاينة أما بالشهادة فظاهر.
وأما بالمعاينة، فلأن القبض المعاين للذي الدار في يديه ثابت من حيث الظاهر من جهة من شهد الشهود أنها كانت في يده لا من جهة المسكن، فتكون هذه الشهادة بإسكان باطل، فيكون وجوده والعدم بمنزلة، فإن قال المدعي في الوجه المتقدم وهو ما إذا شهدوا أن فلانًا أشهدنا أنه أسكنها هذا الذي في يديه الدار، ولم يعلم يوم الإسكان أن الدار في يدي أنا أقيم البينة أن هذه الدار يوم الإشهاد على الإسكان كان في يدي رجل آخر غير الذي أشهدهم على الإسكان، يريد بذلك إبطال الإسكان حتى لا يخرج الذي في يديه الدار من أن يكون خصمًا للمدعي، فالقاضي لا يقبل هذه الشهادة.
واختلفت عبارة المشايخ في تخريج المسألة، فعبارة بعضهم أن المشهود له باليد في هذه الشهادة لو حضر وأقام البينة أن هذه الدار كانت في يده، لا تقبل منه هذه البينة ولا ينقض يد ذي اليد؛ لأن يد ذي اليد ثابتة معاينة، فإن كان يد فلان يد ملك يجب نقض ذي اليد، فلا يجب نقض يده بالشك، وإذا كانت هذه الشهادة لا تقبل من المشهود له في هذه الشهادة؛ فلأن لا تقبل من المدعي أولى، وعبارة بعضهم أنه ليس غرض المدعي من هذه الشهادة إثبات اليد لغير المسكن؛ لأنه ليس بخصم عنه في إثبات اليد له، وإنما غرضه نفي اليد عن المسكن يوم الإشهاد على الإسكان والشهادة على النفي لا تقبل.
وحكي أن مشايخ بخارى سئلوا: عن رجل ادعى أن أرضه هذه حرة، وأقام على ذلك بينة، فأجاب أكثرهم بقبول هذه الشهادة، وأجاب بعضهم بعدم قبولها، وقاسه على هذه المسألة، وهذا لأن مقصود الشهود في مسألة الأرض في شهادتهم على حرية الأرض، نفي الخراج عن الأرض، كما أن قصد المدعي في مسألتنا نفي اليد عن المسكن يوم الإشهاد، فكانت هذه الشهادة قائمة على النفي، فنظر إلى المقصود فرجعوا إلى قول هذا القائل، واتفقوا على عدم قبول هذه الشهادة.
وأنا أقول: هذه العبارة الثانية، وجواب مسألة الخراج يشكل بالشهادة القائمة على الإفلاس، فإنها مقبولة بلا خلاف، مع أنها قامت على النفي نظرًا إلى ما هو المقصود.
وفي (نوادر عيسى بن أبان): رجل ادعى دارًا في يدي رجل فقال الذي في يديه: إن فلانًا أودعنيها، فقال المدعي: قد كان فلان أودعكها، ولكنه وهبها لك بعد ذلك أو باعكها، فإن القاضي يستحلف الذي في يديه بالله ما وهبها فلان لك ولا باعها منك بعدما أودعها منك، فإن نكل عن اليمين جعله خصمًا فيها.
قال: ألا ترى أن المدعي لو أقام بينة أن فلانًا باعها من الذي في يديه بعدما كان أودعها إياه قبلت بينته وجعل الذي في يديه خصمًا له فكذا إذا نكل عن اليمين قال: ولا يشبه هذا الوكالة.
وصورتها: رجل آتى رجلًا وقال: إن لفلان عندك ألف درهم، وأنا وكيله في قبضها منك، وقال المدعى عليه: صدقت لفلان عندي ألف درهم وديعة إلا أنك لست بوكيل في قبضها؛ لم يكن للمدعي أن يحلفه على الوكالة لأنه يدعي لغيره، وإنما استحلفه في الأول؛ لأنه ادعاه لنفسه فادعى أن هذا خصمه فيه.
رجل في يديه وديعة لرجل وادعى أنه وكيل المودع بقبضها، وأقام على ذلك بينة، وأقام الذي في يديه الوديعة بينة أن المودع قد أخرج هذه من الوكالة، قبلت بينته، وكذا إذا أقام بينة أن شهود الوكيل عينه.
وفي (نوادر ابن سماعة) عن أبي يوسف: رجل في يديه دارًا ادعاها رجل فأقام الذي في يديه الدار بينة أن فلانًا الغائب ادعى هذه الدار واستحقها من يده، ودفعها إليه القاضي، ثم إن المستحق أخرجها من الذي في يده؛ فإنه لا تقبل منه هذه على ما ادعى.
علل فقال: لأنها في يديه وهي لا تدفع عن نفسه الخصومة بها، والوجه في ذلك أن صاحب اليد لما قال: إن فلانًا الغائب ادعى هذه الدار واستحقها من يده، فقد أقر أن يده يد خصومة في هذه الدار، ثم بقوله أخذها فلان مني يريد إخراج نفسه عن الخصومة، فلا يصدق على ذلك، ولا تسمع بينته عليه والله أعلم.

.القسم الثاني إذا وقعت الدعوى في العبد بعد هلاكه:

قال محمد رحمه الله في (الجامع): وإذا كان العبد في يدي رجل مات جاء رجل وأقام بينة أنه عبده، وأقام الذي مات العبد في يديه أن العبد كان وديعة في يديه من جهة فلان، أو كان بإجارة في يديه من جهة فلان أو عارية، فإنه لا تندفع الخصومة ويقضي القاضي بقيمة العبد للمدعي، فرق بين هذا وبين ما إذا وقع الدعوى في العين حال قيام العين، وباقي المسألة بحالها فإنه تندفع الخصومة عن ذي اليد.
والفرق: أن العين إذا كان قائمًا، والدعوى تقع في العين، والمدعى عليه إنما ينتصب خصمًا له في العين بظاهر يده، فإن ظاهر اليد تدل على الملك، إلا أنه يحتمل أنه ليس بذلك، وبإقامة البينة على أن العين وديعة عنده ظهر أن يده ليست يد ملك فيندفع عنه الخصومة، أما إذا كان العين هالكًا فالدعوى تقع في الدين، ومحل الدين الذمة فالمدعى عليه ينتصب خصمًا للمدعي بذمته، وإنما أقام المدعى عليه من البينة أن العين كانت في يده وديعة لا يتبين أن في ذمته لغيره، فلا تتحول الخصومة عنه.
ألا ترى أن القاضي يقضي بالقيمة على مودع الغاصب وإن كان يده في العين يد غيره.
فإن قيل: كان ينبغي أن لا يقضي القاضي بقيمة العبد هاهنا؛ لأنه لا يمكن القضاء بقيمة العبد للمدعي إلا بعد القضاء له بملك العبد له لا يجوز أن يكون قيمة العبد لإنسان ويكون الملك في العبد لغيره وقد تعذر القضاء هاهنا للمدعي بملك العبد؛ لأن ذا اليد أثبت أن يده في العبد ليست يد ملك، وأن الملك في العبد للغائب.
كما قال محمد في عبد في يدي رجل ذهب عبده يده لو فقيت عينه أو قطعت يده أقام الرجل بينة أن هذا العبد عبده، وأراد أن يأخذ العبد وأن يضمن الذي العبد في يده نصف قيمة العبد، فأقام الذي في يديه العبد بينة أن فلانًا قد كان أودع هذا العبد إياه قبل ذهاب العين واليد؛ فإنه يندفع عنه الخصومة في أرش اليد والعين وإن ادعى الأرش دينًا في ذمته؛ لأنه لا يمكنه القضاء بالأرش إلا بعد القضاء بملك العبد للمدعي؛ لأنه لا يجوز أن يكون الأرش لإنسان، والعبد لغيره، فإذا تعذر القضاء بملك العبد؛ لأن صاحب اليد أثبت أن يده في يد غيره تعذر القضاء بالأرش كذا هاهنا.
قلنا: اختلفت عبارة المشايخ في الجواب عن هذا الإشكال، فعبارة بعضهم أن هذا الإشكال إنما يتأتى إذا تعذر القضاء بملك العبد للمدعي كما في المسألة التي وقع الإشهاد بها؛ لأن هناك تعذر القضاء بملك العبد للمدعي؛ لأن العبد حي قائم، وقد ثبت ببينة ذي اليد أن الملك في العبد للغائب فلو قضينا بالعبد للمدعي كان في هذا استحقاقًا على الغائب، والاستحقاق على الغائب لا يجوز.
وإذا تعذر القضاء بالعبد للمدعي تعذر القضاء بالعين الفائتة للمدعي إذ يستحيل أن يكون العبد لإنسان ويكون عينه لآخر، وإذا تعذر القضاء بالعين الغائبة للمدعي تعذر القضاء بالأرش له، أما في مسألتنا أمكن القضاء بالعبد للمدعي، وإن ثبتت ببينة ذي اليد أن العبد للغائب، فيكون القضاء بالعبد للمدعي قضاءً على الغائب إلا أن القضاء على الغائب إنما لا يجوز إذا كان فيه استحقاق شيء له، وإيجاب شيء على الغائب، فأما إذا لم يكن فيه استحقاق شيء على الغائب يجوز القضاء على الغائب لأن العبد ميت، والميت لا يمكن أن يستحق على الغائب فظهر الفرق بين الفصلين من هذا الوجه.
وعبارة بعضهم: ليس من ضرورة القضاء بقيمة العبد للمدعي، القضاء بملك العبد للمدعي إذ يجوز أن يكون العبد لإنسان وبدله لغيره.
ألا ترى إلى ما قال أصحابنا في رجل قال لغيره: بعت منك هذا العبد الذي في يديك بألف درهم، ولي عليك ألف درهم، فقال ذلك الرجل: ما بعته مني، وما اشتريته أنا؛ وأنا بريء مما تقول لا علم لي به قط، فأقام المدعي بينة على ذلك وجب على المنكر ثمن العبد ولم يكن العبد ملكًا له.
وكذلك قالوا في رجلين ادعى كل واحد منهما على رجل واحد؛ أني بعت منك هذا العبد بألف درهم، وكانت الدعوى منهما في عبد واحد بعينه، وأنكر المدعى عليه ألفا درهم، لكل واحد منهما ألف درهم.
ولو كان وجوب البدل باعتبار العين لوجب ألف درهم بينهما، فعلم أن وجوب البدل ليس باعتبار العين، فلم يكن من ضرورة القضاء بالقيمة القضاء بملك العبد، فأما من ضرورة القضاء بالأرش للمدعي بالعين الفائتة له، ومن ضرورة القضاء بالعين الفائتة له القضاء بكل العبد له، إذ يستحيل أن يكون كل العبد لإنسان وعينه تكون لآخر، وتعذر القضاء بكل العبد للمدعي؛ لأن فيه قضاء على الغائب.
ثم إذا قضى القاضي بالقيمة للمدعي، وأخذ المدعي القيمة من المدعى عليه؛ حضر الغائب وصدق المدعى عليه فيما كان ادعى أن العبد كان عبده وديعة، أو إجارة أو رهنًا من جهته، كان له أن يرجع بما ضمن من القيمة على الغائب الذي حضر، وهذا الجواب لا يشكل في الرهن والوديعة، لأن المودع في قبض الوديعة عامل للمودع من كل وجه، فإن منفعة الحفظ عائدة إليه من كل وجه.
والأصل: أن من عمل لغيره عملًا ولحقه بذلك غرم يرجع بالغرم على المعمول له، إنما يشكل في الإجارة لأن المستأجر في قبض المستأجَر عامل لنفسه من كل وجه؛ لأنه قبضه ليستوفي منفعته، فكان يجب أن لا يرجع بما ضمن على الآجر كالمستعير والغاصب إلا أن الجواب عنه أن المستأجر كما هو عامل لنفسه فهو عامل للآجر إنما يجب ويتأكد استيفاء المنفعة، إلا أن ما للآجر من المنفعة أكثر؛ لأنه يحصل له الأجر وإنه عين مال.
والحاصل للمستأجر المنفعة، والعين خير من المنفعة، فكان الرجحان لجانب الآجر، فاعتبر قبض المستأجر واقعًا للآجر من هذا الوجه، بخلاف ما إذا كان العبد في يد صاحب اليد بعارية أو غصب حيث لا يرجع بما ضمن على الغاصب؛ لأن الغاصب في القبض عامل لنفسه من كل وجه.
وكذلك المستعير في القبض عامل لنفسه من كل وجه، لأن منفعة كل واحد منهما حاصلة له من كل وجه.
ومن عمل لنفسه عملًا ولحقه بذلك عهدة كان قرار العهدة عليه هذا إذا صدق الغائب صاحب اليد في إقراره أن العبد وصل إليه من جهته، فأما إذا كذبه في إقراره أن العبد وصل إليه من جهة بوجه من الوجوه التي ذكرناها، فلا رجوع له على الغائب ما لم يقم البينة على ما ادعى من الإجارة أو الوديعة أو الرهن؛ لأنه يدعي لنفسه دينًا على الغائب بسبب عمل عمل له، والغائب منكر ذلك.
ادعى عبدًا في يدي رجل، فقال المدعى عليه: هذا العبد وديعة في يدي من جهة فلان، فقال المدعي: سلم العبد إليَّ وأحضر فلانًا حتى أقيم البينة عليه، فدفع العبد عليه، وذهب ليجيء بفلان، فمات العبد في يد المدعي ثم جاء فلان وأقام بينة أنه عبده كان أودعه صاحب اليد، وأقام المدعي بينة أنه عبده، فالبينة بينة فلان؛ لأن فلانًا يثبت الضمان ببينته محتجًا بالأخذ بغير حق، والمدعي ينفي ذلك، ولو كان العبد حيًا يؤمر المدعي بدفع العبد إلى مكان المقر له ويقال للمدعي: أقم البينة عليه.

.القسم الثالث إذا وقعت الدعوى في العبد بعد إباقه:

عبد في يدي رجل أبق من يده جاء رجل وادعى أنه عبده، وأقام على ذلك بينة، وأقام صاحب اليد بينة على أنها وديعة في يديه من جهة فلان إلى آخر المسألة، فالجواب فيه؛ كالجواب في فصل الموت، لأن الإباق يوجب ضمان القيمة كالهلاك؛ دليله: المغصوب إذا أبق، فكل جواب ذكرناه في الموت فهو الجواب في الإباق.
ثم في فصل الإباق إذا قضى القاضي بقيمة العبد للمدعي على الذي كان العبد في يديه ثم عاد العبد من الإباق.
ففي فصل الوديعة والإجارة والرهن يعود على ملك الغائب، وفي الغصب والعارية يعود على ملك الذي كان في يده، لأن الملك في المضمون إنما يثبت لمن كان قرار الضمان عليه، وفي الوديعة والإجارة والرهن قرار الضمان على الغائب، وفي العارية والغصب قرار الضمان على الذي كان العبد في يديه.
فإن قيل: كان ينبغي أن يؤمر الذي كان العبد في يديه برد العبد على الغائب في فصل الغصب والعارية؛ لأنه لما أقر أنه غصب من الغائب أو استعار منه، فقد أقر أن رده واجب عليه إلا أنه كان عاجزًا عن الرد مادام آبقًا، فإذا عاد إلى يده وقدر على الرد لزمه الرد عليه.
فهذا كما قالوا فيمن اشترى عبدًا قد أقر أنه ملك البائع، واستحق العبد من يد المشتري بالبينة، ثم إنه عاد إليه بسبب من أسباب الملك إن كان بعدما قضى القاضي بفسخ البيع لزم المشتري رد العبد على البائع، وإن كان قبل أن يقضي القاضي بفسخ البيع، فإن المشتري يرد الثمن على البائع إن كان قد رجع على البائع بالثمن.
قلنا: الأمر كما قلت إلا أن القاضي لما قضى على صاحب اليد بالعبد للمدعي حين قضى عليه بقيمة العبد، فقد كذبه في إقراره أن عليه رد العبد على الغائب بسبب الغصب، وقضاء القاضي بالعبد للمدعي في هذه الصورة نفذ ظاهرًا وباطنًا؛ لأن صاحب اليد أقر بالغصب من الغائب، للإقرار بالملك للغائب؛ لأن الإنسان كما يغصب من المالك؛ يغصب من غير المالك.
كالمودع والأب والوصي والغاصب. وإذا تصور الغصب من غير المالك لم يكن في زعم صاحب اليد أن العبد ملك الغائب، وأن شهود المدعي شهود زور امتنع نفاذ القضاء بها بالملك المرسل للمدعي باطنًا، فنفذ القضاء ظاهرًا وباطنًا بالعبد للمدعي، وثبت تكذيب القاضي في إقراره أن رد المعيب واجب عليه والإقرار يبطل بتكذيب القاضي بخلاف تلك المسألة؛ لأن هناك المشتري أقر بملك العبد للبائع نصًا، فكان في زعمه أن شهود المدعي شهود زور، وقد قامت على ملك مرسل.
والقضاء بشهادة الزور في الأملاك المرسلة لا ينفذ باطنًا، وإذا لم ينفذ قضاء القاضي باطنًا ثمة في زعم المشتري لم يصر المشتري مكذبًا من جهة القاضي، فيما أقر من الملك للبائع بزعمه، فبقي إقراره صحيحًا كما كان، فوجب الرد على البائع إذا وصل إلى المشتري بحكم إقراره.
وزان مسألة المشتري من مسألتنا؛ أن لو اشترى ولم يقر بالملك للبائع نصًا، وهناك إذا عاد العبد إلى يد المشتري يومًا من الدهر لا يؤمر بتسليمه إلى البائع؛ والله أعلم.

.القسم الرابع وإذا وقعت الدعوى في العين بعدما وهب طرف من أطرافه؛ إذا وقعت الدعوى في الجارية بعدما ولدت وماتت الجارية:

صورة الأول: عبد في يدي رجل ذهبت عينه عنده فأقام رجل البينة أنه عبده، وأراد أخذ العبد، وأن يضمن الذي في يديه العبد نصف قيمة العبد بذهاب العين في يده، فأقام الذي في يديه العبد بينة أن فلانًا أودعه إياه قبل ذهاب عينه، فلا خصومة بينهما، ولا في الأرش حتى يحضر الغائب، وقد مر الوجه فيه.
صورة الثانية: جارية على يدي رجل ولدت ولدًا وماتت الجارية، وأقام رجل البينة أن الجارية جاريته، وأنها ولدت هذا الولد في ملكه، وأقام الذي كانت الجارية في يده أن فلانًا أودعها إياه قبل أن تلد فولدت عنده، فإن القاضي يقضي بقيمة الجارية للمدعي على ذي اليد لما مر، ولا يقضي بالولد له، حتى يحضر الغائب؛ لأن الولد عين في يده، فهو إنما ينتصب خصمًا في الولد بحكم اليد، وقد أثبتت بينته أن يده في الولد يد أمانة.
قال محمد رحمه الله: عقيب ذكر هذه المسألة: ولا يشبه الولد في هذا أرش العين؛ لأن الولد يجوز أن يكون لإنسان والجارية لآخر، ولا يجوز أن تكون الجارية لإنسان، وأرش عينها لآخر؛ يريد بهذا أن القضاء بملك الجارية للمدعي يمكن بدون الولد لا يجوز أن تكون الجارية لإنسان والولد لآخر.
ألا ترى أن من أوصى بما في بطن الجارية لإنسان صحت الوصية، وكانت الجارية للموصي، والولد للموصى له، فلم يكن من ضرورة تعذر القضاء بالولد، تعذر القضاء بالجارية، ولا من ضرورة القضاء بالجارية، القضاء بالولد.
وكان بمنزلة ما لو ادعى عبدين أحدهما غير متولد من الآخر، وقد هلك أحدهما في يده دون الآخر، فأقام المدعي بينة على دعواه، وأقام صاحب اليد بينة أن فلانًا أودعها إياه، فإنه يقضي عليه بقيمة ما هلك في يده للمدعي، ولا يقضي له بالقائم بالطريق الذي قلنا؛ كذا هاهنا.
أما القضاء بملك العبد للمدعي بدون الأرش غير ممكن؛ إذ لا يتصور أن يكون العبد لإنسان وأرش عينه لآخر، فكان من ضرورة تعذر القضاء بالعبد، تعذر القضاء بالأرش على ما بينا.
فإن قيل: من ضرورة القضاء بمطلق ملك الجارية بالبينة للمدعي القضاء بولدها للمدعي. ألا ترى أن من ادعى جارية في يد إنسان ملكًا مطلقًا، وأثبت ذلك بالبينة ولها ولد، فإنه يستحق الجارية مع الولد؟ فدل أن من ضرورة القضاء بمطلق ملك الجارية للمدعي بالبينة القضاء بالولد للمدعي، وإذا تعذر القضاء بالولد للمدعي؛ لأنه أثبت كونه مودعًا في الولد؛ يجب أن يتعذر القضاء بملك الجارية للمدعي أيضًا.
قلنا: من ضرورة القضاء بمطلق ملك الجارية للمدعي بالبينة، القضاء بولدها للمدعي إذا كان الولد في ملك المقضى عليه بالجارية من حيث الظاهر وقت القضاء بالجارية.
قلنا: إذا لم يكن في ملكه بأن كان باع الولد أوهبه من غيره، فإنه يقضى بالجارية، ولا يقضى بالولد، وهذا لأن القضاء بمطلق ملك الجارية إنما يكون قضاء بالولد؛ لأن القضاء بمطلق ملك الجارية قضاء بأولية الملك، وإذا قضى بأولية الملك في الجارية كان الولد متولدًا من ملكه إلا أن القضاء المطلق بالملك في الجارية إنما يكون قضاء بأولية الملك في الجارية في حق من كان مقضيًا عليه بالجارية؛ لا في حق من لم يكن مقضيًا عليه بالجارية.
ألا ترى أن غير المقضي عليه إذا ادعى الجارية بعد ذلك ملكًا مطلقًا يسمع دعواه؟ قلنا: والمقضى عليه بالجارية من قامت عليه البينة بالجارية أن من لم تقم عليه البينة بالجارية، والذي صار الولد له بالبيع أو الهبة قبل القضاء بالجارية للمدعي لم تقم البينة بالجارية، فلم يصر مقضيًا عليه بالجارية، فلا يظهر القضاء بأولية الملك في الجارية للمدعي في حقه، فلا يظهر لولد الولد من ملك المدعي في حقه؛ فشرطنا كون الولد في ملك المقضى عليه بالجارية وقت القضاء بالجارية لصيرورة الولد مقضيًا به من هذا الوجه.
إذا ثبت هذا فنقول في مسألتنا: الولد ليس في ملك المقضي عليه بالجارية وقت القضاء بالجارية للمدعي؛ لأنه أثبت الإيداع من الغائب في الولد فلم يبق الولد في ملكه من حيث الظاهر، فأمكن القضاء بملك الأم دون الولد، والله أعلم.

.القسم الخامس من هذا النوع:

جارية في يدي رجل قتلها عند رجل، فأقر الذي الجارية في يده أنها لفلان الغائب أودعها إياه؛ كان له أن يخاصم مولى العبد الجاني بالدفع أو الفداء، وهذا لأن المودع ينتصب خصمًا من المودع فيما يستحقه المودع لأنه أمر بالحفظ والخصومة فيما يستحق للمودع من حفظ الوديعة فينتصب خصمًا فيه.
ألا ترى لو غصب الوديعة منه غاصب كان له أن يخاصم الغائب، ويسترد الوديعة من يده، وطريقه: أن استرداد الوديعة من الغاصب من باب الحفظ، والمودع مأمور بالحفظ، فإن دفع مولى العبد؛ العبد بالجناية ثم أقام رجل البينة أن الجارية كانت جاريته، وأقام الذي كانت الجارية في يديه أنها كانت وديعة عنده من جهة فلان، فالقاضي يقول للمدعي: ماذا تريد؛ أخذ العبد أو تريد أخذ قيمة الجناية؟ وإنما خيره لأن المدعي لما أقام البينة أن الجارية ملكه ظهر أن ذا اليد كان غاصبًا لها، والجارية المغصوبة إذا قتلها عبد في يد الغاصب، وأخذ الغاصب العبد كان لمولى الجارية الخيار؛ لأنه لم يجد عين ماله كذا هاهنا.
وإن قال: أريد أخذ عين العبد فلا خصومة بينهما؛ لأن العبد المدفوع بالجناية يقوم مقام الجارية لحمًا ودمًا كأنه هي، ولو كانت الجارية قائمة في يد ذي اليد، وأقام ذو اليد بينة على الإيداع من الغاصب لم يكن ذو اليد خصمًا له؛ فكذا إذا أقام العبد مقامها.
وإن قال: أريد أخذ القيمة كان خصمًا له ويقضى له بقيمة الجارية؛ لأنه ادعى دينًا في الذمة بسبب عين كان في يده، وفي مثل هذا لا تندفع الخصومة عن ذي اليد، وإن أقام البينة على الإيداع، وقد مر هذا من قبل.
وإذا قضى القاضي بقيمة الجارية على ذي يد، وأخذها المدعي من ذي اليد ثم حضر الغائب، وأقر بالوديعة أخذ العبد من يد ذي اليد؛ لأنه قام مقام ملكه، ويرجع ذو اليد على الغائب بما ضمن للمدعي من قيمة الجارية.
ولو أن الجارية لم يقتلها العبد، ولكن قطع يدها ودفع العبد باليد والمسألة بحالها لم يكن بينهما خصومة حتى يحضر الغائب لا في الجارية، ولا في العبد، أما في الجارية فظاهر، وأما في العبد لأن العبد بدل اليد فكان كالأرش وذكرنا أنه متى تعذر القضاء بملك الأصل يتعذر القضاء بملك الأرش.

.النوع الثاني من هذا الفصل:

أن يدعي المدعي مع دعوى الملك المطلق فعلًا، وهذا النوع ينقسم أقسامًا أيضًا:

.القسم الأول:

أن يدعي الفعل على ذي اليد بأن قال ذو اليد: هذا العين ملكي غصبته مني، أو قال: أودعنيه منك، أجرته منك، أو ما أشبه ذلك، وقال ذو اليد: إنه لفلان وصل إلى يده بجهة كذا على نحو ما بينا، وفي هذا الوجه لا تندفع الخصومة عن ذي اليد فرق بينما إذا ادعى فعلًا على ذي اليد، وبينما إذا ادعى ملكًا مطلقًا، ولم يدع الفعل على ذي اليد، فإن هناك إذا أقام ذو اليد بينة على أنه لفلان الغائب وصل إليه بوديعة أو إجارة أوما أشبه ذلك، فإنه تندفع الخصومة عن ذي اليد.
والفرق: أن في دعوى الملك المطلق صاحب اليد انتصب خصمًا بيده؛ لأن دعوى الملك المرسل لا يصح الا على ذي اليد.
فإنه لو ادعى دارًا في يدي رجل وليس في يده دار، لا تصح دعواه فعلم أن في دعوى الملك المطلق صاحب اليد إنما انتصب خصمًا بحكم يده ويده تردده بين أن يكون له فيكون خصمًا وبين أن يكون لغيره، فلا يكون خصمًا وبما أقام من البينة أثبت أن يده يد غيره إنها وليست بيد خصومة، إنما هي يد حفظ.
أما في دعوى الفعل، صاحب اليد إنما ينتصب خصمًا بدعوى الفعل عليه وهو الغصب لا بحكم اليد، ألا ترى أن دعوى الغصب كما يصح على ذي اليد يصح على غير ذي اليد حتى أن من ادعى على آخر أنه غصب عبده وليس في يده عبد، صحت دعوته ويلزمه القيمة، قال: وفعله لا يتردد بين أن يكون لغيره حتى يقال: بهذه البينة تبين أن فعل صاحب اليد فعل غيره؛ بل فعله مقصور عليه، وبهذه البينة لا يتبين أن الفعل لم يكن موجودًا، فلهذا قال: لا تندفع الخصومة.
عبارةٌ أخرى: في الفرق أن بينة صاحب اليد إنما تقبل إذا كانت بينته تحيل خصومة المدعي إلى غيره، أما إذا كان ببينته تبطل خصومته فلا تقبل بينته، لأن اليد للإحالة لا للإبطال إذا ثبت هذا فنقول: إذا وقعت الدعوى في الملك المطلق فالمدعي ببينته يثبت استحقاق ملك الرقبة، فإذا أقام ذو اليد البينة أن الرقبة لغيره، فإن يده في الرقبة يد غيره تتوجه الخصومة على ذلك الغير.
فمتى قبلنا هذه البينة كان في هذا إحالة الخصومة إلى غيره وذلك صحيح، أما إذا وقعت الدعوى في الغصب على صاحب اليد، فالمدعي ببينته لا يثبت استحقاق الرقبة، وإنما يثبت وجوب الرد على صاحب اليد، فإن موجب الغصب وجوب الرد على الغاصب، والرد الواجب على الغاصب مما لا يمكن إحالته على غيره، فمتى قبلنا هذه البينة كان في هذا إبطال خصومة المدعي أصلًا، وإنه لا يجوز.
يوضحه: أن الدعوى إذا وقعت في الغصب، فالمدعي على صاحب اليد فعله، وهذه الدعوى لا تصح على غيره، فلا يصح إحالته على غيره، أما الدعوى إذا وقع في الملك المطلق فالمدعي رقبة العين وهذه الدعوى صحيحة على غيره فيصح إحالته عليه.
عبارة أخرى: الفرق أن الدعوى إذا وقعت في الفعل على صاحب اليد، فالمدعي ببينته يثبت على صاحب اليد أخذًا منه أو قبول عقد منه، وذلك كله يناقض دعواه أن فلانًا أودعه، أما إذا وقع الدعوى في الملك المطلق، فالمدعي ببينته يثبت ملك الرقبة لنفسه، وذلك لا يناقض دعوى صاحب اليد غيره، ثم إذا لم تندفع الخصومة عن صاحب اليد في هذا الفصل وقضى القاضي بالدار ثم حضر الغائب وأقام بينة أنها داره كان دفعها إلى صاحب اليد وديعة، فالقاضي يقضي للذي حضر بالدار، لأن الذي حضر لم يصر مقضيًا عليه بالقضاء على صاحب اليد، لأن القضاء بالملك المطلق على ذي اليد إنما يتعدى من ذي اليد إلى من يدعي تلقي الملك من جهة ذي اليد أو إلى من كان ذو اليد خصمًا عنه في الخصومة في الملك، والذي حضر لا يدعي تلقي الملك من جهة ذي اليد.
وكذلك ذو اليد لم يكن خصمًا عن الذي حضر، فلا يتعدى القضاء إلى الذي حضر، وكذلك أن صاحب اليد لو لم يقم بينة على ما ادعى؛ لأن ما يقبل وجوده مثل عدمه.
ثم إن محمدًا رحمه الله: صحح دعوى القضاء في هذا الفصل قيل: إنه قول محمد، وقيل: إنه قول الكل، وكذلك فيما إذا وقعت الدعوى في الملك المطلق لو لم يقم صاحب اليد بينة على ما ادعى من الإيداع، وقضى القاضي بالدار للمدعي، لو حضر الغائب، وأقام بينة على أن الدار داره كان دفعها إلى صاحب وديعة، فالقاضي يقضي بالدار للذي حضر وطريقه ما قلنا.
قال: عبد في يدي رجل أقام بينة أنه عبد فلان أودعه إياه، فالقاضي يقضي بعتق العبد ولا تندفع الخصومة عن صاحب اليد بما أقام من البينة إما لأن صاحب اليد انتصب خصمًا للعبد بدعوى الفعل عليه وهو الإعتاق، وفي مثل هذا لا تندفع الخصومة عن صاحب اليد، بأقامة البينة على الإيداع من الغير.
أو لأن بينة المدعي أثبت إعتاق صاحب اليد، وإعتاقه ينقض دعواه أنه عبد فلان أودعه إياه، ثم يقضي القاضي بالملك لصاحب اليد حتى يقضي عليه بالعتق، وإن كان هو يجحد الملك لنفسه؛ لأن العبد يدعي العتق من جهة ذي اليد ولا يتمكن من إثبات العتق من جهة ذي اليد؛ إلا بإثبات الملك لذي اليد، فكان للعبد إثبات الملك في رقبته لذي اليد، وإن كان ذو اليد منكرًا، ثم إذا قضى القاضي بعتق العبد لو حضر الغائب وأقام البينة على أنها داره، قبلنا بينته وقضينا بالدار له، والفرق من وجهين:
أحدهما: أن البينة حجة شرعية فيجب العمل بها ما لم يضمن ذلك إبطال بينة اتصل بها قضاء القاضي، لأن البينة التي اتصل بها قضاء القاضي صارت حجة كاملة ليرجح جهة الصدق فيها على جهة الكذب، فلا يجوز إبطالها.
إذا ثبت هذا، فنقول في مسألة العتق: لو قضينا للغائب ببينته تبطل البينة التي أقامها العبد على العتق ضرورة؛ لأن العتق لم يبق محلًا لحدوث الملك فيه، فلو قضينا بالملك للغائب لظهر أن العتق لم يكن، فيظهر بطلان تلك البينة ضرورة، وقد اتصل بها القضاء فلا يجوز إبطالها، هذا المعنى في الملك المطلق، فإنا لو قضينا ببينة الغائب لا يظهر بطلان تلك البينة إذ لا يظهر أن الملك لم يكن ثابتًا للمدعي، ولعل كان الملك للمدعي، ثم صار للغائب وقت إقامة البينة، فلهذا افترقا.
والثاني من الفرق: أن القضاء بالعتق على ذي اليد قضاء على الناس كافة، وبيان ذلك من وجوه:
أحدها: أن العبد بالعتق يستحق رق نفسه؛ والرق واحد في حق الناس أجمع؛ لأنه محل الملك، وإنما يختلف حكمًا باختلاف سببه، وسبب الرق لا يختلف بل هو شيء واحد وهو الشيء الأول والولادة من رقيقه.
ألا ترى أن الحكم المتعلق بالملك يبطل بتحديد سبب الملك كالرد بالعيب، فإنه إذا باع المشتري ثم اشتراه لا يرد على البائع الأول بعيب كان في يده، والحكم المتعلق بالرق يعود.
ألا ترى لو حلف بعتق عبده ثم باعه ثم اشتراه، ثم حنث؛ عتق العبد، وإذا كان واحدًا وقضي به للمدعي يتناول قضاء الناس أجمع لأنه واحد، فلا يتصور مقضيًا به للمدعي في حقه غير مقضي به في حق غيره مع كون الحجة حجة في حق الناس أجمع، والملك إذا اختلف جاز أن يقضي للمدعي بما كان لزيد، ويبقى فيه ما كان لعمرو غير مقضي به.
والثاني: القضاء بالعتق قضاء بسقوط مالية المحل؛ وهذا لا يتصور أن يكون ثابتًا في حق زيد دون عمرو، وكان قضاءً على الكل، وأما القضاء بالملك المطلق على ذي اليد قضاء بعدم الملك لذي اليد، وليس من ضرورة عدم الملك لذي اليد أن لا يكون ثابتًا لغيره.
والثالث: العتق، تعلق به أحكام متعدية إلى الناس كافة من أهلية الشهادة، وثبوت الولايات وغير ذلك فانتصب ذو اليد خصمًا عن الناس كافة، فصار الغائب مقضيًا عليه والإنسان متى صار مقضيًا عليه في حادثة؛ لا يتصور أن يصير مقضيًا له في تلك الحادثة، أما الملك المطلق لم تتعلق به أحكام متعدية إلى الناس كافة فلم يكن القضاء به على ذي اليد قضاء على الناس كافة فبقي الغائب على دعواه.
والرابع: في دعوى العتق حق الله تعالى؛ لأن حق الله تعالى يزداد بسبب العتق من إقامة الجمعة والأعياد والحدود، والزكاة والحج، ولهذا لا يجوز استرقاق الحر برضاه؛ لأن فيه حق الله تعالى وجمع الناس، كالنائبين عن الله تعالى في إثبات حقوقه من حيث إنهم عبيده.
كالورثة نائبين عن الميت في إثبات الحقوق له عليه من حيث إنهم خلفاؤه، ثم بعض الورثة ينتصب خصمًا عن الباقين فيما يدعي على الميت وله، فكذا هاهنا وجب أن يكون كذلك، فبهذا الاعتبار ينتصب الحاضر خصمًا عن الغائب، ويصير الغائب مقضيًا عليه بالقضاء على الحاضر، إلا أن في دعوى العتق دعوى إزالة الملك عن العبد، والملك في العبد من حق العبد، وبعض الناس لا ينتصبون عن الباقين في إثبات حقوقهم إلا بالتوكيل، أو بأن يدعي على الغائب ما يكون سببًا لثبوت ما يدعي على الحاضر، ولا يؤخذ هاهنا واحد منهما، فلا ينتصب ذو اليد خصمًا عن الغائب، فلا يصير الغائب مقضيًا عليه بهذا الاعتبار، فإذًا الغائب بأحد الاعتبارين صار مقضيًا عليه، وباعتبار الآخر لم يصر مقضيًا عليه، ولا يمكن أن يجعل مقضيًا عليه، وغير مقضي عليه لما بينهما من التنافي فلابد من ترجيح أحدهما، فنقول: ترجيح حق الله تعالى أولى لوجهين:
أحدهما: أن في مراعاة حق الله تعالى حق العبد، وهو صيرورته أهلًا للملك والشهادة، وفي مراعاة جانب الملك مراعاة حق واحد وهو حق مولى العبد.
والثاني: أنه اجتمع هاهنا ما يوجب الحرية، وما يوجب الرق، فترجح ما يوجب الحرية، كما لو اجتمعت هاتان البينتان في الابتداء، أما دعوى الملك المطلق فليس دعوى فيه حق الله بل هو دعوى حق العبد، وفي حقوق العباد لا ينتصب البعض خصمًا عن البعض إلا بالطريق الذي قلنا، ولم يوجد ذلك هاهنا، فاقتصر القضاء على ذي اليد، ولم يصر الغائب مقضيًا عليه.
واستشهد محمد رحمه الله في (الكتاب): لإيضاح ما قلنا فقال: ألا ترى لو أن رجلًا ادعى عبدًا في يدي رجل أنه عبده، وأقام البينة على ذلك وقضى القاضي بعتقه ثم جاء آخر وأقام بينة أنه عبده لم يقض ببينته؛ لأن في الفصل الأول (و) الثاني لم يصر مقضيًا عليه ببينة الأول، وفي الفصل الثاني: صار مقضيًا عليه ببينة الأول على ما ذكرنا.
قال: عبد في يدي رجل جاء رجل، وأقام بينة أنه عبده اشتراه من ذي اليد بألف درهم ونقد الثمن، وأقام صاحب اليد بينة أنه وديعة عنده من جهة فلان؛ لا تندفع الخصومة عن ذي اليد، لأن ذا اليد انتصب خصمًا للمدعي بدعوى فعل عليه وهو البيع، فصار كما لو انتصب خصمًا له بدعوى الغصب عليه.
فقد وضع محمد رحمه الله: هذه المسألة فما إذا ذكر المدعي في دعواه نقد الثمن، ولم يذكر قبض المبيع لا في دعوى المدعي ولا في شهادة شهود المدعي، ولا شك أن في هذه الصورة لا تندفع الخصومة عن ذي اليد، لأن المدعي ادعى عليه قولًا وهو الشراء، وهو باقٍ حكمًا لبقاء حكمه، وهو وجوب تسليم المبيع إلى المشتري، فيبقى دعوى الفعل معتبرًا، وذو اليد متى انتصب خصمًا بدعوى الفعل عليه لا يدفع الخصومة عنه بإقامة البينة على الإيداع من الغائب.
يوضحه: أن المدعي يدعي عليه وجوب التسليم وهو فعل في ذمته، والأفعال الواجبة في الذمة لا يتصور تحويلها إلى غيره، فلا يقدر على تحويل هذه الخصومة إلى غيره، فأما إذا ادعى الشراء والقبض منه، وقد شهد الشهود بالشراء والقبض من ذي اليد، والباقي بحاله هل تندقع الخصومة عن ذي اليد؟ لم يذكر محمد هذا الفصل في مسألة العبد.
وقد اختلف المشايخ فيه، حكى القاضي الإمام أبو الهيثم عن القضاة الثلاثة: أبي حازم، وأبي سعيد اليزدي، وأبي طاهر الدباس رحمهم الله؛ أن الخصومة تندفع عن ذي اليد. وغيرهم من مشايخنا قالوا: لا تندفع.
وقد وضع محمد رحمه الله هذه المسألة في الدار في باب ما يكون الرجل فيه خصمًا، وما يندفع عن نفسه، ونص في هذا الفصل على أنه تندفع الخصومة عن ذي اليد كما هو مذهب القضاة الثلاثة.
ووجه قول القضاة: أن دعوى الشراء مع القبض دعوى الملك المطلق، إلا أن يرى أن إعلامه ليس بشرط لصحة البينة، حتى إن من قال لغيره: بعت منك عبدًا بألف درهم وسلمته إليك، وأقام البينة على ذلك قبلت بينته، وإن كان العبد مجهولًا لأنه أقام البينة على البيع والتسليم؛ فكان دعوى الثمن لا غير، وهذا لأن الشراء ينتهي بالقبض، وبعد انتهائه لا يبقى حتى يكون دعوى العقد فثبت أنه دعوى مطلق الملك وهذه الدعوى تندفع عن صاحب اليد بإحالة اليد إلى غيره، وجه قول غيرهم من المشايخ من وجهين:
أحدهما: وهو الفعل المذكور، وهو الشراء بقي معتبرًا، ولم يصر كدعوى ملك مطلق، ولهذا لا يقضي القاضي للمدعي بالزوائد المنفصلة، ولا يرجع الباعة بعضهم على البعض، ولو جعل بمنزلة دعوى الملك المطلق لكان الأمر بخلافه.
الوجه الثاني: أن المدعي ببينته أثبت الشراء من صاحب اليد، وبيع صاحب اليد العبد من المدعي إقرار أن العبد مملوك له، فإن البيع قد صح، وإن العبد صار ملكًا للمشتري فيصير متناقضًا في دعوى الإيداع من الغائب، فإذا صار متناقضًا لا يسمع دعواه الإيداع، ولا يعتبر بالبينة بدون الدعوى فصار وجودها والعدم بمنزلة.
ولو انعدمت البينة على الإيداع أليس أنه لا تندفع الخصومة عن ذي اليد؟ كذا هاهنا، ثم إذا لم تندفع الخصومة عن صاحب اليد في هذه المسألة على ما هو موضوع محمد، وهو ما إذا ذكر المدعي نقد الثمن ولم يذكر قبض البيع، ولم يشهد الشهود بقبض البيع أيضًا، ووجب القضاء بالعبد لمدعي الشراء، فقبل أن يقضي القاضي لمدعي الشراء بالعبد حضر المقر له، وصدق ذا اليد فيما أقر له به، فإن القاضي يأمر ذا اليد بدفع العبد إلى المقر له، ثم يقضي بالعبد لمدعي الشراء على المقر له، ولا يكلف مدعي الشراء إعادة البينة على المقر له، إنما يؤمر صاحب اليد بدفع العبد إلى المقر له؛ لأن الإقرار من صاحب اليد يكون العبد ملكًا للمقر له وحده في حال العبد ملكه ظاهرًا بحكم يده، فاعتبر إقراره في حق نفسه فأمر بتسليم العبد إلى المقر له.
وأما لا يكلف مدعي الشراء إعادة البينة على المقر له؛ لأن بينته قد صحت ظاهرًا، يكون صاحب اليد خصمًا له من حيث الظاهر، واستحق هو القضاء بهذه البينة، فصاحب اليد بإقراره يريد إبطال البينة القائمة عليه، ويريد إبطال استحقاقه القضاء بهذه البينة، فلا يقدر عليه، واعتبر إقرار صاحب اليد في حق نفسه دون المدعي، وصار الغائب عند حضرته بمنزلة الوكيل بالخصومة عن ذي اليد، وهذا لأن صاحب اليد لما أقرَّ بالملك للغائب، والخصومة أبدًا تكون إلى المالك، فقد فرض الخصومة إليه.
وصار حاصل مسألتنا في حق المدعي كان المدعي أقام البينة على ذي اليد فقبل أن يزكي شهوده، وقضي له بالعبد، وكَّل ذو اليد رجلًا بخصومة المدعي، ودفع العبد إليه، وهناك إذا زكيت الشهود يقضى بالعبد للمدعي، ولا يكلف المدعي إعادة البينة، كذا هاهنا.
ويكون المقضي عليه في هذه الصورة صاحب اليد دون المقر له، لأن المقر له بمنزلة الوكيل عنه، ولأجل هذا المعنى ظن بعض مشايخنا أن ما ذكر من الجواب في (الكتاب) قولهما؛ لا قول أبي حنيفة، لأنهما يريان جواز التوكيل، ولزومه من غير خصم، وأبو حنيفة لا يرى ذلك قصدًا، والتوكيل هاهنا لا يثبت قصدًا، وإنما يثبت حكمًا للإقرار بالملك، وكم من شيء ثبت حكمًا، ولا يثبت قصدًا، فلهذا قضى القاضي للمدعي على صاحب اليد من غير إعادة البينة فإن قال المدعي: أنا أعيد البينة على المقر له كان له ذلك، وكان المقضي عليه في هذه الحالة المقر له لا ذا اليد.
بخلاف ما إذا قال المدعي: لا أعيد البينة، فإن المقضي عليه في هذه الصورة ذو اليد المقر له.
والفرق: أن المدعي إذا لم يرضَ بإعادة البينة لم ينفذ إقرار ذي اليد في حق المدعي كي لا يلزم إعادة البينة فكان وجود إقراره كعدمه، ولو عدم منه البينة كان المقضي عليه ذو اليد؛ لأن البينة قامت عليه، وهو لم يكن وكيلًا عن المقر له، فأما إذا قال: أنا أعيد البينة، فقد رضي ببطلان ما أقام على ذي اليد من البينة، فنفذ إقرار ذي اليد على المدعي، وثبت الملك للمقر له في حق المدعي، وصار المقضي عليه في هذه الحالة المقر له لا صاحب اليد.
فلو أن القاضي لم يقضِ بالعبد للمدعي على الذي حضر حتى أقام الذي حضر بينة على المدعي أن العبد عبده كان أودعه من صاحب اليد أو أقام البينة أن العبد عبده، ولم يقم البينة على الإيداع قبلنا بينته وقضينا بالعبد له وأبطلنا بينة مدعي الشراء؛ لأن الذي حضر أثبت بينته أن مدعي الشراء أقام البينة على غير الخصم.
فإن قيل: ينبغي أن لا تقبل بينة الذي حضر على مدعي الشراء؛ لأن العبد في يد الذي حضر، وذو اليد إذا أقام بينة على أن ما في يده ملكه لا تقبل بينته لاستغنائه عن إقامة البينة يكون الملك ثابتًا له بظاهر اليد.
قلنا: بينة الذي حضر عندنا لا تقبل لإثبات الملك لنفسه وإنما تقبل بإبطال بينة مدعي الشراء؛ لأن الذي حضر بينته يثبت أن المدعي أقام البينة على غير الخصم، وبينة ذي اليد على مقبولة كما لو أقام المدعي بينة بعد ذلك على إقرار المقر له؛ قبلت بينته، ويقضى بالعبد لأنه خارج، والمقر له ذو اليد والخارج مع ذي اليد؛ إذا أقاما البينة والخارج يدعي الشراء من خارج آخر تقبل بينة الخارج، ويقضى له على ذي اليد كذا هاهنا هذا إذا أقام المقر له بينة قبل القضاء للمدعي.
فأما إذا أقام بينته بعد القضاء للمدعي لكن بالبينة التي قامت على صاحب اليد بأن لم يعد المدعي بينته على صاحب اليد قبلت بينته أيضًا، ويقضى له بالعبد على المدعي؛ لأن المقر له لم يصر مقضيًا عليه، إنما المقضي عليه ذو اليد على ما مرَّ، فقبلت بينته.
فإن قال مدعي الشراء: أنا أقيم البينة على المقر له أن العبد كان لصاحب اليد، وإني اشتريته منه، فهذا على وجهين: إما إن أعاد البينة بعد ما قضى القاضي للذي حضر ببينته أو قبل ذلك، فإذا أعاد بعد القضاء لا تقبل بينته؛ لأن المدعي صار مقضيًا عليه من جهة الذي حضر ببينة أقامها عليه وبينة المقضي عليه فيما صار مقضيًا عليه لا تقبل، وإن أعاد قبل القضاء قبلت ببينته، وقضي بالعبد له لأنه لم يصر مقضيًا عليه فينبغي أن تقبل بينته.
فإن قيل: كيف تقبل بينة المدعي في هذه الصورة؟ وإن الملك قد ثبت له بقضاء القاضي فكان مقيمًا البينة على إثبات ما هو ثابت.
قلنا: إنما قبلت بينته ليصير المقر له مقضيًا عليه بهذه البينة، فلا تقبل بينة المقر له بعد ذلك على هذا المدعي لا لإثبات الملك له مقصودًا بالبينة، ألا ترى أنه إذا أعاد البينة على المقر له قبلت، وإن لم يكن المدعي محتاجًا إلى البينة لإثبات الملك إنما قلت: ليصير المقر له مقضيًا عليه، فلا يقبل بينته بعد ذلك على المدعي كذا هاهنا، ثم إن محمدًا رحمه الله قال في الفصل الأول، وهو ما إذا لم يقض القاضي بالعبد للمدعي على الذي حضر حتى أقام الذي حضر بينة أن العبد عبده كان أودعه من صاحب اليد قبلنا بينته؛ وقضينا بالعبد له، وأبطلنا بينة مدعي الشراء.
حكي عن الفقيه محمد بن حامد أنه كان يقول: ينبغي أن يقضى بالعبد بين الذي حضر وبين مدعي الشراء نصفان.
ووجه ذلك: أن اليد التي للذي حضر في العبد غير معتبرة، ألا ترى أن بينته قبلت على مدعي الشراء؟.
ولو كانت يده معتبرة لما قبلت بينته لأن بينة ذي اليد على دعوى الملك المرسل لا تقبل خصوصًا إذا كان ثمة بينة يعارضها أو نقول بعبارة أخرى: العبد وإن كان في يد الذي حضر حقيقة، فهو في يد صاحب اليد الأول حكمًا.
ألا ترى أن المدعي لا يكلف إعادة البينة على الذي حضر، ولولا أنه جعل في الحكم كان في يد المقر، وألا يكلف إعادة البينة، فثبت بأن العبد إذا كان في يد الذي حضر حقيقة، فهو في يد صاحب اليد الأول حكمًا، وإذا كان هكذا كان الذي حضر خارجًا في العبد كمدعي الشراء، وقد أقام كل واحد منهما البينة على أن العبد له، فينبغي أن يقضي بينهما نصفان.
وقال الفقيه محمد بن حامد: هذا بلغني أن ابن سماعة كتب بهذا إلى محمد بن الحسن، واحتج عليه بمسألة يأتي ذكرها بعد هذا إن شاء الله، وكتب في الجواب: إن الصحيح أن يقضي بالعبد بينهما نصفان.
حكي عن الشيخ الإمام أبي نصر الصفار أنه كان يقول: إن شيخنا أبا الهيثم ما كان يحكي لنا الطعن لكلام ابن سماعة في هذه المسألة، وإنما يحكي مما يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى، وكان يقول ما ينبغي أن يكون في هذه المسألة طعن؛ لأن أكثر ما في الباب إنما يجعل الذي حضر خارجًا حكمًا، والمدعي خارج حقيقة مع هذا القضاء ببينة الذي حضر أولى، ويجوز أن يترجح أحد الخارجين على الآخر على ما عرف.
وبيان وجه الترجيح هاهنا: أن مدعي الشراء يدعي الاستحقاق من جهة صاحب اليد الأول، والذي حضر يدعي الاستحقاق على صاحب اليد الأول، ولهذا يثبت الترجيح لبينة الذي حضر؛ لأن الذي يدعي الاستحقاق على صاحب اليد يثبت بطلان تصرف صاحب اليد، وبيعه من المدعي، فبينته تثبت زيادة على بينة المدعي.
ونظيره ما قالوا: في عبد في يدي رجل، جاء رجل وأقام بينة أنه عبده ورثه من أبيه كانت بينة مدعي الشراء أولى؛ لأنه يدعي الاستحقاق على العبد، وهذا يدعي الاستحقاق من جهة الأب كذا هنا.
قال: فإن كان مدعي الشراء أقام شاهدًا واحدًا على الشراء من ذي اليد فأقر صاحب اليد أن العبد الغائب أودعنيه، وقبل أن يقيم شاهدًا آخر حضر فلان وصدق صاحب اليد فيما أقر، وأمر بتسليم العبد إلى الذي حضر على ما مر، ثم إن المدعي أقام شاهدًا آخر على الشراء قضى بالعبد له، ولا يكلف إعادة الشاهد الأول على الذي حضر، لأن إقامة الشاهد الأول على ذي اليد صح من حيث الظاهر، واستحق المدعي القضاء بشهادته عند انضمام شاهد آخر إليه، فلا يبطل هذا الاستحقاق بإقرار ذي اليد للمقر له ويكون المقضي عليه صاحب اليد لا الذي حضر؛ لأن الشاهد الثاني منضم إلى الشاهد الأول، أما الشاهد الأول غير منضم إلى الشاهد الثاني.
بيانه: أن الشاهد الأول قام على من هو خصم من حيث الظاهر؛ وهو صاحب اليد، والشاهد الثاني قام على الذي حضر وأمكن أن يجعل الذي حضر مانعًا لصاحب اليد؛ لأن صاحب اليد وصي بتفويض الخصومة إليه فيمكن القضاء حينئذٍ، فضممنا الشاهد الثاني إلى الشاهد الأول.
وجعلنا الشاهد القائم على الذي حضر كالقائم على صاحب اليد، وجعلنا الذي حضر كالوكيل عن صاحب اليد، أما لو ضممنا الشاهد إلى الشاهد الثاني لا يمكن القضاء؛ لأن الذي حضر لم يرض بخصومة صاحب اليد، فلم يكن أن يجعل صاحب اليد بيعًا للذي حضر، فلهذا ضممنا الشاهد الثاني إلى الشاهد الأول، وإذا جعلنا كذلك صار كأن المدعي أقام الشاهدين على صاحب اليد، وهناك المقضي عليه صاحب اليد الذي حضر كذا هاهنا.
وما يقول محمد في (الكتاب): إنه يقضى بشهادة الشاهدين على رب العبد أراد به القضاء في حق الأخذ، والانتزاع من يديه لا في حق الملك بدليل أنه ذكر بعد هذا أن الذي حضر وهو المقر له لو أقام البينة أن العبد عبده؛ قبلت بينته، ولو صار مقضيًا عليه لما قبلت بينته، ولو أن مدعي الشراء لم يقم على صاحب اليد على الشراء لا شاهدين ولا شاهدًا واحدًا حتى أقر صاحب اليد أن هذا عبد فلان أودعنيه، ثم حضر المقر له وصدق صاحب اليد فيما قال، ودفع العبد إليه، ثم أقام المدعي شهودًا على المقر له أن هذا العبد كان لصاحب اليد، وإني اشتريته منه، وقضى القاضي بذلك لم يذكر محمد رحمه الله هذا الفصل في (الكتاب).
قيل: وينبغي أن يكون المقضي عليه في هذه الصورة المقر له؛ لأن إقرار صاحب اليد قبل إقامة المدعي البينة أصلًا صحيح في حق المدعي؛ إذ ليس فيه إضرار بالمدعي، فصح فصار الثابت بالإقرار كالثابت بالبينة، ولو ثبت بالبينة أن العبد للمقر له، وقضى القاضي له بالعبد.
ثم أقام مدعي الشراء بينة أن العبد كان لصاحب اليد، وأنه اشتراه منه، وقضى القاضي لمدعي الشراء كان المقضي عليه المقر له دون ذي اليد؛ كذا هاهنا.
بخلاف الفصل الأول والثاني؛ لأن ثمة إقرار ذي اليد لم يصح في حق المدعي أصلًا، لأنه لو صح بطل ما أقام المدعي من البينة، فيتضرر به المدعي بإعادة البينة، أما هاهنا فبخلافه.
قال محمد رحمه الله: في دار في يدي رجل فأقام رجل البينة أنها داره اشتراها من ذي اليد، ونقده الثمن، وقبض الدار، وأقام الذي في يديه بينة أنها دار فلان أودعنيها، فلا خصومة بينهما وهي المسألة التي تشهد للقضاة الثلاثة في مسألة العبد، ولو لم يشهد شهود المدعي على قبض المبيع، وباقي المسألة بحالها، لم تندفع الخصومة عن ذي اليد، ويقضي القاضي بالبيع عليه، ويأمره بتسليمها إلى المدعي.
قال: ولو ادعى الشراء على صاحب اليد، الشراء، والقبض وصدقه صاحب اليد في ذلك، ثم ادعى صاحب اليد أنها وديعة لفلان وأقام البينة، فلا خصومة بينهما؛ لأن الثابت بتصادقهما كالثابت بالبينة، ولو ثبت الشراء والقبض بالبينة، وباقي المسألة بحالها قد ذكرنا أنه لا خصومة بينهما، فكذا إذا ثبت بالتصادق.
ولو ادعى المشتري على صاحب اليد الشراء بدون القبض، وصدقه صاحب اليد في ذلك، ثم أقام صاحب اليد بينته على أنها وديعة عنده من جهة فلان، لا تندفع عنه الخصومة لأنه لو ثبت الشراء بدون القبض بالبينة، وباقي المسألة بحالها؛ لا تندفع الخصومة عن صاحب اليد؛ فكذا إذا ثبت بالتصادق.
يوضح الفرق بينهما: أن تصديق صاحب اليد المدعي في الشراء والقبض لا يناقض دعواه الإيداع من الغائب لجواز أنه اشتراها من صاحب اليد، ثم أجرها من الغائب أو رهنها منه، أو باعها منه، ثم إن الغائب أودعها من صاحب اليد، وإذا لم يوجب ذلك تناقضًا في دعواه الإيداع من الغائب لا يمنع ذلك سماع دعوى الإيداع من الغائب.
أما تصديق صاحب اليد المدعي في الشراء بدون القبض يناقض دعواه الإيداع من الغائب؛ لأن المشتري لا يملك التصرف في الميراث قبل البيع، فبعد البيع منه قبل التسليم لا يتصور الإيداع من الغائب، فيكون هو متناقضًا في هذه الدعوى، فلا تسمع دعواه؛ حكي هذا الفرق عن القاضي الإمام أبي عاصم العامري.
لكن هذا الفرق إنما يستقيم على قول محمد رحمه الله، لأن وضع المسألة في الدار، والتصرف في العقار قبل القبض إنما لا يجوز على قول محمد، أما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ التصرف في العقار قبل القبض جائز، فلا يستقيم هذا الفرق على قولهما.
وإذا ادعى دارًا في يدي رجل أن صاحب اليد وهبها منه أو أجرها منه، أو رهنها منه، أو تصدق بها عليه، وأنه قبضها منه؛ وأقام ذو اليد البينة أنها دار فلان أودعها إياه، فإنه لا تندفع عنه الخصومة؛ هكذا ذكر محمد رحمه الله في (الجامع).
روى الشيخ الإمام الزاهد أبو نصر الصفار؛ في (شرح الجامع): عن القاضي أبي الهيثم عن القضاة الثلاثة أن ما ذكر في (الكتاب): أنه لا تندفع الخصومة عن ذي اليد قول محمد في الرهن والإجارة، فأما في الهبة والصدقة ينبغي أن تندفع الخصومة عن ذي اليد؛ لأن في الرهن والإجارة ادعى عليه فعلًا، ولم يقع الفراغ عن أحكامها، فإن من حكمها إدامة القبض، وأنه لو عاد إلى يد الراهن أو الآجر يسقط حكم الرهن والإجارة، فبقي دعوى الفعل معتبرًا.
فأما في الهبة والصدقة: وقع الفراغ من حكمها لأن شرط صحتها أصل القبض لا إدامة القبض، فإنها لو عادت إلى يد الواهب المتصدق لا يبطل حكم الهبة والصدقة فسقط اعتبار دعوى الفعل، ومن المشايخ من قال: ما ذكر جواب الكل، وهو الظاهر، فإن محمدًا رحمه الله جمع بين الكل وذكر عقيبها جوابًا، والظاهر أنه أراد به جواب الكل.
ووجه ذلك: أن ذا اليد انتصب خصمًا للمدعي بدعوى الفعل عليه، ولم يسقط اعتبار دعوى الفعل إليه، وإن استوفى أحكامه ولم يصر بمنزلة دعوى ملك مطلق بدليل أنه لا يقضي للمدعي بالزوائد المنفصلة، ولا يرجع الباعة بعضهم على بعض، فبقي دعوى الفعل معتبرًا، ولا تندفع الخصومة عن صاحب اليد بإثبات الإيداع من الغائب.

.القسم الثاني من هذا النوع أن يدعي المدعي الفعل على صاحب اليد:

صورته: ادعى عينًا في يدي رجل أنه له غصبه منه فلان، والجواب فيه كالجواب فيما إذا لم يدع الفعل أصلًا، هكذا ذكر في شرح (الجامع).
وذكر محمد في كتاب (العلل): إذا ادعى ثوبًا في يدي رجل أنه ثوبه سرقه من فلان الغائب؛ لا تندفع الخصومة عن ذي اليد ويقضى بالثوب للمدعي، وهذا استحسان.
والقياس: أن يندفع كما لو قال: هذا ثوبي، غصبه مني فلان، وأقام صاحب اليد بينة على أنه وديعة عنده من جهة فلان الغائب.
وجه الاستحسان: أنا لو دفعنا الخصومة عن صاحب اليد بهذا يصير ذلك سببًا لوجوب الحد على الغائب، لأن المدعي ببينته، وثبت السرقه عليه، ويقضى عليه بالقطع لأنه ظهر سرقه قبل أن وصل العين إلى المالك، فأما إذا لم تندفع الخصومة عن ذي اليد وقضينا بالثوب للمدعي، لا يجب القطع على الغائب بعد ذلك؛ وإن ظهر سرقته، لأنه إنما يظهر سرقته بعدما وصل العين إلى المالك، ويحتال لدرء الحد ما أمكن، فلم تدفع الخصومة عن ذي اليد بهذه الصورة احتيالًا لدرء الحد، خرج عن هذا مسألة الغصب، لأن هناك لو دفعت الخصومة عن ذي اليد إذا أثبت المدعي بعد ذلك على الغائب؛ لا يلزم الغائب حد.
وفي (الكتاب) علل أيضًا: رجل ادعى ثوبًا في يدي رجل أنه ثوبه غصبه منه فلان الغائب وأقام على ذلك بينة، وقال صاحب اليد: فلان ذلك أودعنيه فلا خصومة بينهما، وإن لم يقم صاحب اليد بينة على الإيداع.
وفي (الجامع) من هذا الجنس في: رجل ادعى دابة في يدي رجل، وقال في دعواه: هذه الدابة كانت دابة فلان، وقد اشتريتها منه، وقال ذو اليد: فلان ذلك أودعنيها، فلا خصومة بينهما، ولو لم يقم ذو اليد بينة على دعواه لأنهما تصادقا على أن يده يد غيره المدعى عليه يدعي ذلك صريحًا، والمدعي يدعي ذلك في ضمن دعوى الشراء منه، لأن الشراء لا يصح إلا من صاحب اليد، فدعواه الشراء من الغائب إقرار منه باليد للغائب، والآن يراها في يد صاحب اليد، فالظاهر وصولها إلى ذي اليد من جهة فلان، فعلم أن كون هذا اليد يد غيره ثبت بتصادقهما؛ فاستغنى عن إثباته بالبينة.
عبد في يدي رجل أقام بينة على ذي اليد أنه عبد فلان، وأن فلانًا أعتقه، وأقام على ذلك بينة، وأقام صاحب اليد بينة أن فلانًا ذلك أودعه إياه، فالقاضي لا يقضي بعتق العبد، لأن العبد مع صاحب اليد تصادقا على أنه ملك فلان، وأن بينة العبد على العتق غير مقبولة عليه، لأنه بينة على العتق قامت على غير خصم، لأن صاحب اليد ليس بخصم عن الغائب في دعوى العتق عليه، فصار وجود هذه البينة، والعدم بمنزلة، ولكن القاضي يقف العبد ويحول بينه وبين صاحب اليد، وهذا استحسان.
والقياس: أن لا يحول؛ وجه القياس في ذلك: بأن العبد قد أقر على نفسه بالرق، فإنه أقر أنه كان لفلان، فلو وجبت الحيلولة؛ إنما وجبت إذا ثبت العتق بهذه البينة، ولم يثت على ما ذكرنا وجه الاستحسان؛ أن في هذه البينة سببين:
أحدهما: العتق وذو اليد ليس بخصم فيه، والآخر: قصر يد صاحب اليد فهو خصم في ذلك، وأحدها منفصل عن الآخر لجواز أن يكون عبدًا ولا يكون لصاحب اليد حق إمساكه، فيقبل البينة فيما هو خصم فيه؛ وهو قصر يده، وإن كان لا يقبل فيما ليس بخصم فيه وهو العتق.
ونظير هذا ما لو وكل رجلًا بنقل امرأته إلى موضع، فأقامت المرأة البينة أنه طلقها، والموكل غائب، فإنه تقبل هذه البينة في حق قصر يد الوكيل على نقلها للمعنى الذي ذكرنا؛ كذا هاهنا، فلم يجعل دعوى العين في هذه المسألة دعوى على ذي اليد، وفي المسألة المتقدمة جعل القضاء بالعتق على ذي اليد قضاءً على الغائب، وجعل ذا اليد خصمًا عن الغائب في الإنكار.
والفرق: أن في دعوى العتق على الغائب أمكن مراعاة الحقين من غير إبطال الحرية للعبد بأن يقصر يد ذي اليد عن العبد باعتبار حق الله تعالى، حتى لا يستعمل ذو اليد حرًا على كره منه، فلا يقضي بالعتق باعتبار ما للمولى في العبد من الحق، وهو الملك حتى يحضر الغائب، وليس في مراعاة الخصمين إبطال حق العبد في الحرية، بل فيه تأخير إلى أن يحضر الغائب، فيقيم البينة عليه، فيقضي له بالعتق.
فأما في دعوى العتق على ذي اليد متى راعينا جانب الملك، ولم يجعل الغائب مقضيًا عليه، أولى إلى إبطال حق الله تعالى، وحق العبد في الحرية، فإنه يرد رقيقًا بعدما حكمنا بعتقه على ذي اليد بحيث لا يمكنه إثبات العتق بعد ذلك، فتعذر مراعاة الحقين ووجب مراعاة أحدهما، فكان مراعاة حق الله تعالى أولى، ثم في هذه المسألة إذا حال القاضي بين العبد وبين صاحب اليد؛ يستوثق من العبد بكفيل؛ لأن من الجائز أن العبد كان محتالًا في هذه الدعوى، وأنه قصد بهذا أن يزيل يد صاحب اليد عن نفسه؛ حتى يستوثق منه بكفيل صيانة لحق الغائب، وإذا حضر الغائب كلف القاضي العبد إعادة البينة؛ لأن البينة الأولى لم تكن معتبرة على ما مرَّ، فإن أعاد قضى بعتقه وإلا دفع إلى مولاه.
وكذلك لو أقام بينة أنه عبد فلان لإنسان آخر دفعه إليه وديعة أو إجارة أو رهنًا، لا يقضي القاضي بعتقه، وفي الحيلولة قياس واستحسان على ما مر، ولو زعم ذو اليد أنه عبد فلان الغائب أودعه إياه، وقال العبد: كنت عبدًا له إلا أنه أعتقني، أو قال العبد: كنت عبدًا لفلان الآخر أعتقني، لا يقبل قول العبد فرق بين هذا وبينما إذا قال: أنا حر الأصل حيث يقبل قوله في ذلك.
والفرق: أن في دعوى الإعتاق أقر على نفسه بالملك والرق، وادعى زواله بالإعتاق، فلا يصدق إلا بحجة، وقوله: أنا حر الأصل إنكار ثبوت الملك والرق، واليد على نفسه، والقول قول المنكر في الشرع.
ألا ترى أن فلانًا لو كان حاضرًا، وادعى أن العبد ملكه، وقال العبد: أنا حر الأصل، فالقول قوله؛ لأن الأصل في الآدمي الحرية، فكان منكرًا ثبوت الملك، واليد على نفسه، ولو قال: كنت عبدًا له إلا أنه أعتقني لا يقبل قوله؛ لأنه ادعى زوال الملك بعدما أقر به؛ كذا هاهنا في قوله: أنا حر الأصل؛ ينبغي أن يكون القول قول ذي اليد؛ لأن العبد في يدي ذي اليد من حيث الحقيقة، وقول الإنسان فيما في يده مقبول.
ألا ترى أنه لو كان في يده ثوب أو دابة يقبل قوله في أنه لفلان، وطريقه ما قلنا.
قلنا: نعم، في يد ذي اليد حقيقة إلا أنا نعلم بيقين أن يده على العبد حادثة؛ لأن يد الملك على الآدمي تكون حادثة لا محالة، لأن الأصل في الآدمي الحرية، وإنها تنفي يد الغير، فيكون القول قول من كان اليد له في الأصل، لا قول من كان في يده في الحال.
كثوب عرفناه في يدي رجل، ثم رأيناه في يدي رجل آخر، وتنازعا فيه كان القول قول من كان اليد في الأصل له، لا قول من له اليد في الحال، لأنا تيقنا بحدوث يده كذا هاهنا.
ولو قال العبد: أنا حر الأصل وأقام الذي في يديه بينة أنه عبد فلان قضيت له، عبدًا لفلان، ودفعته إلى الذي هو في يديه.
فرق بين هذا وبينما إذا ادعى رجل هذا العبد ملكًا مطلقًا، وأقام ذو اليد البينة أنه عبد فلان، أودعه إياه، واندفعت الخصومة عن ذي اليد، فإنه لا يصير العبد مقضيًا به للغائب حتى لو حضر، وأنكر أن يكون العبد له لا يلزمه العبد، وهاهنا لو حضر الغائب، وأنكر أن يكون العبد له لزمه العبد.
والفرق وهو: أن هناك العبد في يد ذي اليد حقيقة؛ لأنه مملوك مرقوق، محل لثبوت يد غيره عليه، ولو ثبت يد صاحب اليد عليه حقيقة فيمكنه حفظه، فلا حاجة إلى إثبات الملك للغائب في حق ذي اليد، ليمكنه الحفظ، وإنما حاجة ذي اليد إلى دفع الخصومة عن نفسه، ويمكنه ذلك بإثبات وصول العين إليه من جهة الغائب، فلا ضرورة إلى إثبات الملك للغائب.
أما في مسألتنا: العبد بدعوى حرية الأصل صار في يد نفسه، وزال عنه يد ذي اليد، لما مر أن القول قوله، في أنه حر الأصل، وذو اليد محتاج إلى إعادة يده عليه، ليمكنه إقامة ما هو مأمور به وهو الحفظ، ولا يمكنه إعادة يده عليه إلا بعد إثبات الملك للغائب، فصار مأمورًا من جهة الغائب بإثبات الملك له، لأن الآمر بالشيء أمر به، وبما لابد له منه، فصار وكيلًا عن الغائب في إثبات الملك له بالبينة القائمة من ذي اليد، كالبينة القائمة من الغائب، أما في تلك المسألة فلا حاجة إلى إثبات الملك للغائب، فلم تكن البينة القائمة من ذي اليد كالبينة القائمة من الغائب، فيقضى بالملك للغائب هاهنا، ولم يقض به هناك لهذا.
وفرق أيضًا: بين هذه المسألة وبينما إذا ادعى رجل هذا العبد بأنه له، وأقام على ذلك بينة، وأقام صاحب اليد بينة أنه عبد فلان أودعه، فالقاضي لا يقضي ببينة المدعي، ولم يجعل إقامة البينة على ذي اليد بالملك بمنزلة إقامة البينة على المالك، وفي هذه المسألة جعل إقامة البينة من ذي اليد على رق العبد بمنزلة إقامة البينة من المالك.
والفرق وهو: أن المودع خصم فيما يستحق عليه، وإقامة البينة على رق العبد استحقاق لهف صح من المودع، وإقامة البينة من العبد استحقاق على المودع، فلا يصح على المودع.
بيان هذا الكلام: أن المودع مأمور بالحفظ، فيملك ما يرجع إلى الحفظ، ولا يملك ما لا يرجع إلى الحفظ، والاستحقاق عليه ليس من الحفظ في شيء فلا يكون نائبًا عنه في ذلك، فأما الاستحقاق له من الحفظ، فيكون نائبًا عنه في ذلك.
قال: ولو أقام ذو اليد بينة أن فلانًا أودعه إياه، ولم يشهدوا أنه لا يلتفت إلى هذه الشهادة حتى لا يعاد العبد إلى يده؛ لأن الثابت بهذه البينة مجرد الإيداع، والإنسان كما يودع ولده عند صديقه، وقد يطلب منه أن يحفظه فلم يثبت الرق في هذه الشهادة، فبقيت الحرية الثابتة بالظاهر.
ولو أقام ذو اليد بينة أنه عبد فلان أودعه إياه، أو أجره، أو رهنه، وأقام العبد بينة أنه حر الأصل لم يملك قط؛ لا يقضى بعتق العبد، كما لو أقام العبد البينة على العتق العارض على الغائب على ما مرَّ، وفي الحيلولة قياس واستحسان كما بينا، فإذا حضر المقر له، فإن أعاد العبد البينة عليه أنه حر الأصل يقضى بكونه حر الأصل، وإن لم يعد بقي رقيقًا، ولا يكلف المقر له إعادة البينة أنه عبده لما مرَّ أن المودع خصم عنه في إثبات الملك لحاجته إليه ليتهيأ له الحفظ، فكأنه أقام البينة لنفسه، فرق بين هذه المسألة وبينما إذا ادعى العبد على صاحب اليد أنه اعتقه، وقضى القاضي بعتق العبد، فإن هناك لا يقضي بكونه عبدًا.
والفرق: أن هناك قد قضينا بحرية العبد على صاحب العبد؛ لأن العبد ادعى العتق عليه، ولما قضينا بالعتق عليه كان هذا قضاء على الناس كافة، أما هاهنا لم يقض له بالعتق؛ لأنه لا يدعي، ولكنه يدعي كونه حر الأصل، وذو اليد ليس بخصم في هذا؛ فلا يقضي ببينته، وإذا لم يقض بحريته هاهنا قبل دعوى الذي من الغائب.
قال محمد: رجل في يديه دار؛ أقام رجل بينة أنها داره، اشتراها من عبد الله بألف درهم ونقد الثمن، وقال ذو اليد: أودعنيها عبد الله الذي يدعي الشراء منه، فإنه لا خصومة بينهما حتى يحضر عبد الله، ولا يكلف الذي في يديه بينة على ما ادعى لأن المدعي أقر بالملك لعبد الله، وادعى الاستحقاق عليه بألف، والدعوى لا تسمع إلا بخصم، وذو اليد ليس بخصم له في ذلك.
يوضحه: أن المدعي يدعي تلقي الملك من جهة عبد الله، وذو اليد ليس بخصم لعبد الله في هذا العين بعدما أقر به لعبد الله، ألا ترى أنه لو حضر عبد الله يؤمر بالتسليم إليه من غير بينة ولا يمين، وإذا لم يكن خصمًا لعبد الله كيف يكون خصمًا لمن يدعي تلقي الملك من جهته؟ ولأنه ثبت وصول الدار إلى يد ذي اليد من جهة عبد الله بتصادقهما على ذلك من حيث الظاهر، لأن المدعي لما ادعى الشراء من عبد الله، فقد أقر أنها كانت في يده، لأن الشراء لا يصح إلا من صاحب اليد.
وذو اليد لما أقر بالإيداع من عبد الله فقد أقر له باليد أيضًا؛ لأن الإيداع من عبد الله لا يتصور إلا بعد أن يكون في يده، وإذا ثبتت اليد لعبد الله بتصادقهما ثبت تصادقهما على الوصول إلى يد ذي اليد من جهة عبد الله من حيث الظاهر، لأنا لا نعرف يدًا ثالثة فيها تحيل وصولها إلى يد ذي اليد من يد ثالث، فتعين وصولها إلى يده من جهة عبد الله.
فهو معنى قولنا: إنهما تصادقا على وصول هذا العين إلى يد ذي اليد من جهة عبد الله من حيث الظاهر، وهذا بخلاف ما لو قال ذو اليد: أودعنيها عمر وكيل عبد الله، حيث لا تندفع الخصومة ما لم يقم البينة عليه، لأنه لم يثبت وصول هذه الدار إلى يده من جهة عبد الله بوجه ما، لأن المدعي إن حصل مقرًا من حيث الظاهر بوصول الدار إلى يده من جهة عبد الله لما ادعى الشراء منه، إلا أن صاحب اليد كذبه في ذلك وقال: ما وصل إليَّ من جهة عبد الله، ولم يثبت الوصول إلى يده من جهة عمرو بإقرار ذي اليد لإنكار المدعي ذلك؛ بخلاف ما نحن فيه على ما بينا.
وإن قال المدعي للقاضي: حلف الذي في يديه الدار أن عبد الله أودعها إياه، كما قال فالقاضي يستحلفه بالله؛ لقد أودعك هذه الدار عبد الله، وفيه نوع إشكال أنه قبل قول الذي في يديه الدار من غير يمين.
والجواب: يجوز أن يحلف الإنسان..... أن القول فيه قوله، كالمودع إذا ادعى رد الوديعة كان المعنى فيه أنا إنما دفعنا الخصومة عن ذي اليد لوصول الدار إلى يده، من جهة عبد الله، أو من جهة وكيل عبد الله، فيصح منه دعوى وصول الدار إليه من جهة غاصب عبد الله، أو من جهة وكيله، وذو اليد لو أقر أنه وصل إلى يده من جهة غاصب غصبها من عبد الله كان خصمًا للمدعي؛ إلا أن يقيم البينة على ذلك، فقد ادعى على ذي اليد معنىً، لو أقر به يلزمه، فإذا أنكر يستحلف فإن حلف فلا خصومة بينهما، وإن نكل جعله القاضي خصمًا للمدعي.
فإن قيل: ينبغي أن لا يحلفه القاضي؛ لأن التحليف يترتب على دعوى صحيحة، ودعوى المدعي أنها وصلت إلى صاحب اليد من جهة غير عبد الله بعد دعواه الشراء من عبد الله وقع فاسدًا، لأنه بدعوى الشراء من عبد الله صار مقرًا بوصولها إلى صاحب اليد من جهة عبد الله، فيصير بدعوى الوصول من جهة غيره متناقضًا، والمتناقض يمنع صحة الدعوى.
وأما إقرار المدعي بوصول الدار من جهة عبد الله ثابت من حيث الظاهر مع احتمال الوصول من جهة غيره، فلا يصير بدعوى الوصول من جهة الغير بعد ذلك متناقضًا؛ لأنه ادعى ما هو المحيل، فيصح دعواه ويترتب عليه الاستحلاف، فلو أن القاضي حين استحلفه قال: ما أودعنيها عبد الله، ولكن قال: غصبتها من عبد الله، وحلف على ذلك جعله القاضي خصمًا له؛ لأنه مناقض في الدعوى من حيث إنه ادعى الإيداع أولًا، ثم الغصب، لأن الإيداع غير الغصب والمتناقض لا يسمع كلامه، فيجعل كأنه لم يوجد منه دعوى الوديعة، ولا دعوى الغصب، ولو لم يوجد واحد منهما لكان القاضي يجعله خصمًا، فكذا هاهنا.
فإن قيل: كيف يجعله القاضي خصمًا هاهنا، وقد وصل الدار إلى يده من جهة عبد الله بتصادقهما ظاهرًا، لأن المدعي يدعي الشراء من عبد الله أقر بوصول الدار إليه من جهة عبد الله، إلا أنهما اختلفا في جهة الوصول، ولا يعتبر باختلاف الجهة بعد الاتفاق على الأصل.
كما في باب الإقرار إذا قال الرجل: لفلان عليَّ ألف درهم من قرض، وقال المقر له: لا بل هو من غصب، فالقاضي يقضي على المقر بالألف؛ لأنهما اتفقا على أصل الدعوى واختلفا في الجهة، فكذلك هاهنا.
قلنا في مسألة الإقرار: الكلامان حصلا من اثنين، فلا ينقض أحدهما الآخر؛ لأن الإنسان لا يملك نقض كلام غيره، إلا أن المقر أقر بوصول الألف إليه من جهة المقر له، فيكون القول قول المقر له أنه بأي جهة وصل، فلهذا لا يصير ردًا لإقراره، وهاهنا الكلامان حصلا من واحد، والإنسان يملك نقض كلامه، وبين الكلامين مناقضة من حيث الظاهر، فنقض كل واحد منهما صاحبه، ويجعل كأنه لم يوجد منه دعوى الوديعة ولا دعوي الغصب.
ونظير هذه المسألة مسألة الوديعة، إذا قال المودع: هلكت الوديعة، ثم قال: لا بل رددتها كان ضامنًا، وإن كان كل واحد من الأمرين، لو كان لا يكون ضامنًا؛ لأنه لم يثبت واحد منهما لكونه متناقضًا، فكذا هاهنا لم يثبت كل واحد من الأمرين لمكان المناقضة وجعل كأنه سكت، ولم يدع واحد منهما.
ثم إذا جعله القاضي خصمًا للمدعي ببينته، ثم قدم عبد الله، وادعى أن الدار له كان أودع هذا الذي كانت في يده، وأراد أن يأخذها من المدعي حتى يعيد المدعى عليه البينة؛ لم يكن له ذلك لأن الشراء من عبد الله صار مقضيًا به لما جعل القاضي صاحب اليد خصمًا للمدعي، وقضى عليه ببطلان يده.
ولو قال الذي في يديه الدار: أودعنيها عمرو وكيل عبد الله لا تندفع الخصومة عنه ما لم يقم البينة عليه، وقد ذكرنا وجه ذلك، فإن أقام ذو اليد بينة، فشهدوا أن عبد الله دفعها إلى عمرو، وقالوا: لا ندري دفعها عمرو إلى هذا الذي في يديه أم لا؛ فهو خصم للمدعي؛ لأن الدافع لخصومة المدعي عنه، دفع عمرو الدار إليه، لا دفع عبد الله إلى عمرو، ولم يثبت دفع عمرو بهذه البينة، فإن قال الذي في يديه الدار للقاضي: استحلف المدعي ما دفعها إلى عمرو، فالقاضي يحلف المدعي على ذلك؛ لأن الذي في يديه الدار ادعى عليه، يعني: لو أقر به يلزمه، فإذا أنكر يستحلف رجاء النكول.
ألا ترى أن في المسألة الأولى جعلنا الذي في يديه الدار بدعوى المدعي، وإنما جعلنا لأن المدعي ادعى عليه، يعني: لو أقر به يلزمه، فإذا أنكر استحلف رجاء النكول كذا هاهنا، إلا أن في المسألة الأولى استحلف الذي في يديه الدار على الثبات، وهذا يستحلف المدعي على العلم؛ لأن هاهنا المدعي يستحلف على فعل الغير من كل وجه؛ لأنه يستحلف على دفع عمرو الدار إلى ذي اليد، ولا فعل للمدعي في ذلك، وهناك يستحلف ذي اليد على الإيداع عبد الله الدار منه له اتصال به، وهذا القدر كافٍ لاستحلاف على الثبات كما لو ادعى أنه اشتراه منه.
ولو أن الذي في يديه الدار أقام البينة أن عمرو أودعها إياه، وقالوا: لا ندري من دفعها إلى عمرو، وقال الذي في يديه الدار: دفعها إلى عبد الله فلا خصومة بينهما؛ لأنه ثبت وصول الدار إلى ذي اليد من جهة غيره، وإنه كافٍ لدفع خصومة المدعي، ولا يمين على الذي في يديه الدار؛ لأنه أثبت وصول الدار إلى يد ذي اليد، من جهة غيره، وإنه كافٍ لدفع خصومة المدعي، ولا يمين على الذي في يديه الدار لأنه أثبت ما ادعاه بالبينة، فهو نظير المودع إذا ادعي الرد وأثبته بالبينة، وهناك لا يمين على المودع؛ كذا هاهنا.

.القسم الثالث من هذا النوع:

المدعي إذا ادعى الفعل إلا أنه لم يسم فاعله بأن قال: هذا العين لي سرق مني، وأخذ مني، أو قال: غصب مني، وأقام صاحب اليد بينة على أن هذا العين وديعة في يدي من جهة فلان، ففيما إذا قال: غصب مني، أخذ مني، تندفع الخصومة عن ذي اليد بلا خلاف؛ لأن دعوى الفعل على المجهول باطل، والتحق بالعدم، فينفي هذا دعوى الملك المطلق، وفيما إذا قال: سرق مني.
القياس: أن تندفع الخصومة عن صاحب اليد إذا أقام البينة على ما ادعى، وهو قول محمد؛ في الاستحسان لا تندفع وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، وجه القياس ما ذكرنا أن دعوى الفعل على المجهول باطل فالتحق بالعدم، وصار كما قال: غصب مني، أخذ مني، وللاستحسان وجهان.
أحدهما: أن الغاصب له يد صحيحة، والسارق ليست له يد صحيحة، ألا ترى أن السارق من الغاصب يقطع؛ لأنه أزال يدًا صحيحة، والسارق من السارق لا يقطع؛ لأنه ما أزال يدًا صحيحة؟.
إذا ثبت هذا فنقول: إذا ادعى المدعي الغصب فقد أقر بيد صحيحة لغيره فيه، وذو اليد ببينته أثبت أن ذلك للغائب، وأن يده ليست بيد خصومة بل هي يد حفظ على الغائب.
وإذا ادعى المدعي السرقة فما أقر بيد صحيحة للغير في هذا العين ليقال بأن صاحب اليد ببينته أثبت أن ملك اليد للغائب، فإن يده ليست بيد خصومة، وقد توجهت الخصومة على ذي اليد بدعوى الفعل، فلذلك افترقا، هذا هو طريق العامة وإنها مشكلة عندي.
والوجه الثاني: أن المدعي لما لم يسمِّ السارق فهذا بمنزلة تعيين صاحب اليد للسرقة، ولو عينه لذلك أليس أنه لا تندفع الخصومة عن ذي اليد، وإن أقام ذو اليد بينة على ما ادعى؟ فهاهنا كذلك.
بيان هذا الكلام: أن المدعي إذا لم يسم السارق احتمل أن السارق ذو اليد إلا أن المدعي أراد الستر عليه ابتداءً إلى ما ندب الشرع إليه، ويحتمل أن السارق غيره إلا أنه يرجح احتمال كون ذو اليد سارقًا لوجهين.
أحدهما: أن في جعله سارقًا احتيال لدفع الحد؛ لأنا إذا جعلناه سارقًا؛ لا تندفع الخصومة عنه، وقضى القاضي بالعين للمدعي ويسلم العين إليه، فإذا ظهر السارق بعد ذلك يتعين لا تقطع يده؛ لأنه إنما ظهر سرقته بعد وصول المسروق إلى المالك.
ولو لم يجعله سارقًا تندفع الخصومة عنه، ولا يقضى بالعين للمدعي، فمتى ظهر السارق بعد ذلك يتعين تقطع يده؛ لأنه ظهر سرقته قبل أن وصل العين إلى المالك، فكان في جعله سارقًا احتيالًا للدرء ونحن أقررنا به، فكان تعيينه سارقًا أولى من غيره.
بخلاف ما إذا قال: أخذ مني غصب؛ لأن هناك ليس في تعيين ذي اليد أخذًا احتيالًا، درء الحد إذ لم تتعلق به عقوبة سوى الضمان، أما في السرقة فبخلافه على نحو ما بينا.
الوجه الثاني: إن في تعيين ذي اليد سارقًا إيصال الحق إلى مستحقه.
بيانه: أن من عادة السارق أنه إذا سرق يتوارى ولا يخرج للخصومة خوفًا من القطع، فلو لم يتعين صاحب اليد سارقًا تندفع الخصومة عنه، والمدعي لا يحد السارق على ما عليه عادة السراق، فلا يصل المدعي إلى حقه، أما إذا كان سارقًا لا تندفع الخصومة عنه فيصل الحق إلى المدعي، ونحن أمرنا بإيصال الحق إلى أربابها، فكان تعيين ذي اليد سارقًا أولى؛ بخلاف دعوى الغصب والأخذ، لأن هناك لو لم يتعين صاحب اليد غاصبًا وآخذًا؛ لا يبطل حق المدعي، إذ ليس من عادة الغاصب في الأخذ الاختفاء والتواري، بل من عاداتهم الخروج للخصومة، فيجد المدعي ويتخاصم معه، فلا يؤدي إلى إبطال حق المدعي لو لم يجعل صاحب اليد غاصبًا وآخذًا فلهذا افترقا.

.نوع من هذا الفصل:

.فرع على النوع من هذا الفصل:

إذا ادعى المدعي أن هذا عبده، وأقام عليه البينة، وقال صاحب اليد: هو عبد فلان أودعنيه ولا بينة؛ حتى لم تندفع الخصومة عنه بمجرد قوله على ما مرَّ، ولو أن القاضي لم يقض للمدعي ببيته حتى حضر المقر له، وصدق صاحب اليد فيما قال، ودفع العبد إلى المقر له، وقضى القاضي للمدعي بالعبد، بتلك البينة على ما مرَّ كان هذا قضاء على صاحب اليد لما ذكرنا، فإن أقام المقر له بينة على المدعي أنه عبده كان أودعه من صاحب اليد قبلت بينته، ويقضى بالعبد له وتبطل بينة المدعي هكذا ذكر محمد رحمه الله في (الجامع).
حكى أبو الهيثم عن القضاة الثلاثة أن ما ذكر من الجواب ليس بصحيح أنه يقضي بالعبد بين الذي حضر وبين المدعي نصفان، قال القاضي أبو الهيثم رحمه الله: بلغنا أن ابن سماعة كتب إلى محمد بن الحسن رحمه الله في هذه المسألة، فكتب إليه محمد أن الصحيح أنه يقضي بالعبد بينهما.
قال القاضي الإمام أبو الهيثم رحمه الله: والطعن في هذه المسألة أقوى من الطعن في تلك المسألة، لأن الوجه الذي ذكرناه في فساد الطعن في تلك المسألة لا يتصور هاهنا؛ لأن في هذه المسألة؛ كل واحد منهما يدعي ملكًا منهما، فلا يمكننا أن نقول: هذا مدعي الملك من جهة صاحب اليد، وذلك يدعي مدعي الملك من جهة صاحب اليد، وذلك يدعي الملك لا من جهة صاحب اليد، فهو أولى، ثم إذا أقام المقر له بينة على دعواه، ويطلب بينة المدعي، فالقاضي يقول للمدعي: أعد بينتك على الذي حضر، وإلا فلا حق لك.
فرق بين هذه المسألة وبين ما تقدم: وهو ما إذا ادعى المدعي الشراء من صاحب اليد، فإن هناك وإن أقام الذي حضر بينة على ما ادعى، لا يكلف المدعي إعادة البينة.
والفرق: أن هاهنا المدعي لم يستحق القضاء علي بهذه البينة على الثبات، بدليل أن ذا اليد لو أقام هذه البينة يبطل به استحقاق المدعي، وإذا بطل استحقاقه يكلف إعادة البينة؛ بخلاف ما تقدم، لأن هناك المدعي فلا يستحق القضاء بهذه البينة قطعًا على كل حال.
ألا ترى أن ذا اليد لو أقام البينة على أنه ملك المقر له لا تندفع الخصومة عنه ولا يبطل به استحقاقه، فكذا المقر له إذا أقام هذه البينة يبطل استحقاق المدعي أيضًا، فلهذا لا يكلف المدعي إعادة البينة ثانيًا، ولو أن القاضي سمع من المدعى عليه البينة على الذي العبد في يديه فلم يقض بشهادتهم حتى أقام الذي في يديه العبد بينة أن فلانًا دفعه إليه؛ فإن القاضي لا يلتفت إلى ذلك، وقضاؤه ماضٍ، فرق بين ما قبل القضاء، وبين ما بعد القضاء.
والفرق في وجوه: أحدها: أن صاحب اليد صار مقضيًا عليه بالملك، واليد في هذا العين بقضاء القاضي به للمدعي، ودعوى الخصم لا تقبل؛ وهذا المعنى لا يتأتى قبل القضاء.
الثاني: أن قبل القضاء إنما قبلت بينة صاحب اليد على ما ادعى؛ لأنه بهذه البينة يدفع الخصومة عن نفسه، وهذا المعنى لا يتأتى بعد القضاء؛ لأن الخصومة قد انتهت بقضاء القاضي بالعبد للمدعي، فلا يحتاج هو إلى دفع الخصومة عن نفسه.
الثالث: أن كونه مودعًا من جهة الغائب لا ينتفي شراء المدعي إذ يجوز أن يملك هو الوديعة من جهة صاحبها بوجه من الوجوه أن المدعي يشتري ذلك منه بعدما يملكه، فيكون خصمًا، فبعد القضاء لا ينقض القضاء بالشك، وقبل القضاء لا يجوز القضاء بالشك.
ولو حضر المقر له وأقام بينة على أن العبد له كان أودعه من صاحب اليد، وذلك بعدما قضى القاضي للمدعي قبلت بينته؛ لأنه لم يصر مقضيًا عليه؛ لأن القضاء للمدعي بالبينة الأولى وقع على صاحب اليد لا على الذي حضر؛ فيقبل بينة الذي حضر، لهذا.

.نوع آخر في مسائل الدفع على دعوى أخرى:

في (أدب القاضي): إذا ادعى رجل على رجل إنما اشتريت منك هذا العبد بكذا؛ والبائع يجحد البيع، فأقام المدعي بينة على الشراء فقال البائع في دفع دعواه: إنك قد رددت عليّ هذا العبد بالعيب، وأقام على ذلك بينة صح منه دعوى هذا الدفع، وسمعت بينته عليه؛ إنما صحت منه هذه الدعوى؛ لأنه لو لم يصح إنما لم يصح لمكان التناقض؛ لأنه جحد البيع، وإنه تناقض دعوى الرد بالعيب ولا تناقض؛ لأن جحود البائع فسخ للعقد في حقه، فكأنه ادعى الفسخ، ثم أقام البينة عليه؛ فمن أين يتأتى التناقض.
اشترى دارًا لابنه الصغير من نفسه وأشهد على ذلك شهودًا، فكبر الابن ولم يعلم بما صنع الأب، ثم إن الأب باع كل الدار من رجل وسلمها إليه، ثم إن الابن استأجر الدار من المشتري؛ ثم علم بما صنع الأب، فادعى الدار على المشتري، وقال: كان أبي اشترى هذه الدار من نفسه لي في صغري؛ وإنها ملكي، وأقام على ذلك بينة.
فقال المدعى عليه في دفع دعوى المدعي: إنك متناقض في هذه الدعوى؛ لأن استئجارك الدار مني إقرار أن الدار ليست لك، فدعواك بعد ذلك الدار لنفسك يكون متناقضًا، فهذه المسألة صارت واقعة الفتوى.
وقد اختلفت أجوبة المفتين في هذا؛ والصحيح أن هذا لا يصلح دفعًا لدعوى المدعي، ودعوى المدعي صحيحة وإن ثبت التناقض منه؛ إلا أن هذا تناقض فيما طريقه طريق الخفاء، فإن الأب يستبد بالشراء للصغير، وعسى لا يعلمه بعد البلوغ، فلا يعرف الابن كون الدار ملكًا له، فيظن صحة بيع الأب بعد ذلك، فيقدم على استئجار الدار من المشتري ظنًا منه أن الدار ملك المشتري؛ وفي الحقيقة الدار ملكه، ثم بعد ذلك يعلم ما صنع الأب وكون الدار مملوكة له فيدعيها.
فهو معنى قولنا: إن هذا تناقض فيما طريقه طريق الخفاء، والتناقض في مسألة لا تمنع صحة الدعوى.
ألا ترى أن المرأة إذا اختلعت من زوجها على مال، ودفعت المال إليه، ثم أنها ادعت أن زوجها كان طلقها ثلاثًا قبل الخلع، وأقامت على ذلك بينة؛ قبلت بينتها ولها أن تسترد بدل الخلع، وقد صارت متناقضة، فإن إقدامها على الخلع إقرار منها بقيام النكاح، فيصير بدعوى وقوع الثلاث قبل ذلك متناقضة، ولكن قيل لأنها تناقض فيما طريقه طريق الخفاء، لأن الزوج يستبد بإيقاع الثلاث؛ فلعل أوقع الثلاث ولم يعلم المرأة بذلك، فأقدمت على الخلع ظنًا منها أن النكاح قائم، ثم علمها بعد الخلع بوقوع الثلاث سابقًا على الخلع، فادعت ذلك.
وكذلك إذا أعتق الرجل عبده على مال ودفع العبد المال إلى المولى، ثم إن العبد ادعى بعد ذلك أن المولى كان أعتقه قبل ذلك، وأقام البينة علىه قبلت بينته، وله أن يسترد بدل العتق، وقد صار متناقضًا؛ مع هذا قبلت بينته؛ لأن هذا تناقض فيما طريقه طريق الخفاء، لأن المولى يستبد بإيقاع العتق على نحو ما بينا في مسألة الخلع كذا في مسألتنا.
وفي (فتاوى النسفي): سئل عمن ادعى دارًا في يدي رجل أنها داره اشتراها من فلان، وصاحب اليد يدعي الشراء من فلان ذلك أيضًا، ولكن تاريخ الخارج سابق، وأقاما البينة فقال صاحب اليد في دفع دعوى الخارج: إن دعواه باطل من قبل أن شراءه بذلك التاريخ وقع باطلًا؛ لأن الدار كانت رهنًا في ذلك الوقت من جهة فلان الذي ادعيا تلقي الملك من جهته في يدي فلان وفلان المرتهن حتى يلقاه شراء هذا الخارج هذه الدار لم يرض به، وأبطله فلم يصح شراؤه وصح شرائي؛ لأن شرائي كان بعدما فك فلان الرهن؛ هل يكون هذا دفعًا؟.
قال: لا؛ لأنه لا حق لذي اليد في ذلك الرهن، والمرتهن لم يدع ذلك فكيف تصح دعوى الرهن؟ وهذا الجواب صحيح، وله علل أحدها ما ذكرنا.
والثانية: أن بيع المرهون ينعقد بوصف الصحة فيما بين الراهن والمشتري، وليس للمرتهن حق الفسخ.
والثالثة: أنه لما أقر بفكاك الرهن فقد أقر بنفاذ البيع السابق؛ لأن البيع كان منعقدًا بوصف الصحة فيما بين الراهن والمشتري، لكن امتنع البقاء في حق المرتهن لحقه، فإذا بطل الرهن بعد ذلك في حق الناس كافة.
وفي (مجموع النوازل): رجل ادعى على آخر أنه اشترى مني جارية صفتها كذا كذا، بكذا درهمًا، وقبضها واستهلكها، ووجب عليه أداء هذا الثمن إليّ، وهو قد أقر بذلك، وشهد الشهود على المدعى عليه بذلك بعد إنكاره، فقال المدعى عليه في دفع دعواه: إنه يبطل في دعوى الاستهلاك؛ لأن الجارية قائمة في يده، وهي في بلدة كذا في يدي فلان، وأقام شهودًا شهدوا أنا رأيناها حية قائمة في بلدة كذا، هل يصير ذلك دفعًا لدعوى المدعي؟ قال: لا؛ وطول الكلام في بيان العلة، ولم يتضح لنا وجهها.
والوجه في ذلك: أن الاستهلاك أمر زائد في إبطالية البائع المشتري بالثمن، ومجرد القبض يكفي؛ أكثر ما فيه أن دعوى الاستهلاك قد بطل دعوى القبض، وأنه كان في المطالبة بالثمن.
ادعى دارًا في يدي رجل شراءً من رجل آخر بشرائط، فقال المدعى عليه في دفع دعوى المدعي: إني كنت اشتريت هذه الدار من هذا المدعي فقال المدعي في دفع دعوى المدعى عليه: قد كنا (أقلنا) البيع الذي جرى بيني وبين هذا المدعى عليه، فهذا دفع صحيح.
وكذلك لو كان المدعي من الابتداء ادعى الدار على صاحب اليد ملكًا مطلقًا؛ وقال المدعى عليه في دفع دعواه: إني كنت اشتريت هذه الدار من هذا المدعي فقال المدعى في دفع دعوى المدعى عليه: قد كنا أقلنا البيع الذي جرى بينه، وبين هذا المدعى عليه، كان هذا دفعًا صحيحًا.
وكذلك إذا قال المدعي في دفع دعوى المدعى عليه: إنك قد أقررت أنك اشتريتها مني كان هذا دفعًا صحيحًا.

.نوع آخر في دعوى الميراث:

رجل ادعى دارًا في يدي رجل أنها كانت لأبيه فلان، مات وتركها ميراثًا له، وإن أبي مات، وهذه الدار في يديه، وأقام على ذلك بينة، وأقام ذو اليد بينة في دفع دعوى المدعي، أن أب هذا المدعي أقر في حال حياته أن هذه الدار ليست له، فهذا يبطل شهادة شهود المدعي، هكذا ذكر محمد رحمه الله في آخر (الجامع الكبير)، وهذا لأن حاجة الوارث إلى إثبات الملك لمورثه في الدار عند موته حتى يخلفه فيها إرثًا، وقد ثبت بينة المدعى عليه إقرار الوارث أن الدار ليست له.
وإقرار المورث بهذه الصفة تمنع المورث عن دعوى الملك لنفسه بنفسه، بعد ذلك فيمنع الوارث عن دعوى الملك المطلق لمورثه عند موته، وكذلك لو شهد شهود المدعي عليه أن الوارث أقر قبل موت المورث، أو بعد موته أنها لم تكن لأبيه، كان ذلك دفعًا لبينة الوارث لما ذكرنا أن حاجة الوارث إلى إثبات الملك للمورث عند موته، فكان مدعيًا أنها كانت لأبيه يوم الموت، وقد ثبت بينة المدعي عليه إقرار الوارث أنها لم تكن لأبيه، فجاء التناقض.
وكذلك لو شهد شهود المدعى عليه على إقرار الوارث أن أباه مات والدار ليست له، كان ذلك دفعًا لبينة الوارث، وأما إذا قال شهود المدعى عليه: إن الوارث قال: مات أبي والدار ليست له، لأنه وهبها لي في حياته وصحته، وباعها في حياته وصحته، لم يكن ذلك دفعًا لبينة المدعي؛ لأن الثابت بالبينة العادلة كالثابت عيانًا.
ولو عاينا إقرار الوارث أن أباه مات وهذه الدار ليست له، لأنه وهبها لي، وباعها مني في حال حياته وصحته، ثم ادعى الميراث من الأب بعد ذلك؛ تسمع دعوى الميراث منه، لأن التوفيق بين الكلامين ممكن، لأنه يمكنه أن يقول: لي تلك الهبة أو البيع، وعجزت عن إثباته بالبينة فبقيت الدار على ملك الأب ظاهرًا، أو صار ميراثًا لي عنه ظاهرًا، وقد مرَّ جنس هذا في كتاب الشهادات، يوضح ما ذكرنا: أن الكلام تم بآخره.
وإذا وصل بقوله: مات أبي والدار ليست له؛ لأنه باعها مني، علمنا أنه لم يرد بأول الكلام نفي ملك الأب من الأصل، فيمكنه دعوى الميراث بعد ذلك، بخلاف ما إذا قال: ليست لأبي وسكت، لأن ظاهر هذا الكلام، يوجب نفي الملك للأب فيه من الأصل فلا يمكنه دعوى الميراث بعد ذلك.
دار بيدي رجل؛ جاء رجل وادعى أن أباه مات وترك هذه الدار ميراثاِ له، وأقام بينة شهدوا أن أباه مات، وهذه الدار في يديه، وأخذ هذا الرجل هذه الدار من تركته بعد وفاته، أو شهدوا أن هذا الرجل أخذ هذه الدار من أبي هذا المدعي حال حياته، وأقام ذو اليد البينة أن الوارث، أو أبوه أقر أن الدار ليست له، فالقاضي يقضي بدفع الدار إلى الوارث؛ لأن ما أثبته ذو اليد بالبينة من إقرار الوارث، أو المورث أن الدار ليست له.
لو كان معاينًا للقاضي، فذلك لا يمنعه من إثبات الأخذ بطريق الغصب من يده على ذي اليد بالبينة؛ فكذا إذا ثبت ذلك ببينة ذي اليد، والمعنى في ذلك أن الجمع بين الكلامين يمكن بأن يقول الوارث: قد أقررت أن الدار ليست لأبي وإنما هي لغيره؛ إلا أن ذا اليد غصبها من أبي، فلزمه الرد بعد وفاة أبي عليَّ كما كان يلزمه الرد على أبي حال حياته، لأني قائم مقام أبي في حياته، فصار استحقاق هذه الدار ميراثًا لي، فإذا أمكنه الجمع بينهما لم تكن بينة ذي اليد مبطلة بينة المدعي.
ادعت المرأة على ورثة زوجها المهر والميراث؛ فقال الورثة في دفع دعواها: إن أبانا قد حرمها على نفسه قبل موته بسنتين، قالت هي في دفع دعواهم: إن الزوج أقر في مرض الموت بأني حلال عليه؛ فهذا دفع صحيح.
ادعى دارًا في يدي رجل ميراثًا عن أبيه، وأقام المدعى عليه بينة أنه اشترى هذه الدار من هذا المدعي، فقال المدعي في دفع دعوى المدعى عليه: قد كنا أقلنا البيع الذي كان بيننا فهذا دفع لدعوى المدعى عليه.
مات الرجل وترك أولادًا صغارًا وكبارًا، فكبر الصغار وادعوا دارًا في يدي رجل ميراثًا عن أبيهم فادعى المدعى عليه في دفع دعواهم: إني اشتريت حصة الكبار منهم، وحصة الصغار من وصيهم من جهة أبيهم، أو من جهة القاضي بثمن مثله، أو بغبن يسير عند حاجة الصغار، فهذا دفع صحيح، لو أقام عليه البينة تندفع دعواهم.
ولو كان مكان الدار عرضًا لا يشترط ذكر الحاجة، والوصي يملك بيع عروض الصغير من غير حاجة، ولا يملك بيع عقاره إلا لحاجة.
رجل مات عن أولاد، فادعت امرأة ميراثها، وقالت: كنت منكوحة له، وأنكرت الورثة دعواها، وأقامت البينة على النكاح، فقالت الورثة في دفع دعواها: إن أبانا قد كان طلقها ثلاثًا، وانقضت عدتها قبل موته، هل يكون هذا دفعًا لدعواها؟.
ينظر؛ إن أنكروا نكاحها أصلًا بأن قالوا: لم يكن أبانا متزوجها، أو قالوا: ما كانت هي زوجة لأبينا قط، لا يكون هذا دفعًا لدعواها، وإن لم ينكروا نكاحها أصلًا إنما أنكروا ميراثها فقالوا: ليس لها ميراث الزوجات، أو قالوا: ليس لها ميراث بالزوجية، أو قالوا: لم تكن هي زوجة له عند الموت، فهذا دفع لدعواها.
ادعى على غيره أنه كان لأبي عليك كذا وكذا من المال، وأنه قد مات قبل استيفائي من ذلك، وصار جميع ذلك ميراثًا لي، لما أني وارثه، لا وارث له غيري، فقال المدعى عليه: الدين الذي تدعيه قد كان لأبيك عليَّ بحكم الكفالة عن فلان، وفلان ذلك قد أدى جميع ذلك إلى أبيك في حال حياته، فصدقه مدعي الدين أن الدين كان بحكم الكفالة عن فلان إلا أنه أنكر أداء فلان ذلك إليه، فأقام المدعى عليه بينة على دعواه.
فهذا دفع صحيح لدعوى المدعي، وكذلك لو قال المدعى عليه في هذه الصورة: أخرجني أبوك عن الكفالة في حياته، أو قال: أخرجتني عن الكفالة بعد موت أبيك، وأقام بينة على ما ادعى، تندفع دعوى المدعي.
ادعى على غيره أنه كان لأبي عليك كذا وكذا، مات أبي قبل أن يقبض شيئًا من ذلك، وصار جميع ذلك ميراثًا لي من جهة أبي لما أنه لا وارث لأبي غيري، فقال المدعى عليه في دفع دعواه: إن أباك قد أحال فلانًا بما كان له عليَّ، وقد قبلت الحوالة ودفعت جميع ذلك إلى المحتال له، وصدقه المحتال له في ذلك كله، لا تندفع دعوى المدعي عنه وخصومته، لأن بإقامة البينة على الحوالة ثبت كون المحتال له وكيلًا من جهة الميت بالقبض، وقد أقر بالقبض معاينة، والوكيل بالقبض إذا أقر بالقبض فصح إقراره عن الموكل ويبرأ الغريم عن الدين.
امرأة ماتت وتركت إخوة وأموالًا في أيديهم؛ جاء رجل، وادعى أن المرأة كانت امرأته، وفى نكاحه إلى يوم موتها، وطلب ميراثها، فقالت الإخوة في دفع دعواه: إنك قلت قبل هذا بالفارسية: اكراين مرده زني من بودي من ميراث بردمي أزوي، وأثبتوا ذلك بالبينة، هل يكون هذا دفعًا؟.
فقد قيل: يكون دفعًا، وقوله: اكرزن من بودي، إقرار منه أنها زن وي بنوده نست.
وقيل: إنه ليس بدفع، وقوله: أكر زن من بودي ميراث بردمي أزوي، ليس إقرار أنها: زن وي بنوده است، كقول الرجل: إن كان فلان في الدار لذهبت إليه، لا يكون إقرارًا أن فلانًا ليس في الدار لا محالة، على أن ما ذكرتم مفهوم كلامه، وظاهر المذهب عندنا أن المفهوم ليس بحجة، وإن ذكر محمد رحمه الله في (السير) أنه حجة، ولكن ما ذكر في (السير) خلاف ظاهر المذهب.
ولو قالوا في دفع دعواه: إنك قلت: إنها كانت امرأتي؛ إلا أني طلقتها، فهذا ليس بدفع، لأن الزوج ببينته أثبت نكاحها يوم الموت، وتطليقه إياها؛ لا ينافي نكاحها يوم موتها لجواز أنه طلقها يوم تزوجها ثم ماتت.
ادعى رجل دارًا في يد امرأة أبيه أنها تركة أبيه؛ وقالت المرأة: هذه الدار تركة أبيك إلا أن القاضي باعها مني بمهري، وأنت صغير، كان ذلك دفعًا لدعوى المدعي، وهو الابن، لو أثبت ذلك بالبينة؛ لأن للقاضي ولاية بيع التركة بالدين، إذا كان الوارث صغيرًا، ولم يكن للميت وصي.
رجل مات وترك ابنين صغيرين، ولكل ابن قيّم على حدة، وفي يد أحد القيمين دار يزعم أنها دار الصغير الذي في ولايته؛ ادعى عليه قيم الصغير الآخر، أن الدار التي في يديك نصفها ملك الصغير الذي أنا قيمه، بسبب أن هذه الدار كلها كانت ملكًا لوالد الصغيرين مات وتركها ميراثًا للصغيرين، فإذا دفع إليّ نصفها لأقبضه لأجل الصغير الذي أنا قيمه.
فأقام القيّم المدعى عليه بينة أن والد الصغيرين قد أقر في حال (حياته) أن كل هذه الدار ملك الصغير الذي في ولايتي، تندفع عنه دعوى القيّم المدعي، فإن أقام القيّم المدعي بينة لدفع دعوى القيم المدعى عليه وقال: إنك ادعيت قبل هذا نصف هذه الدار لأجل الصغير الذي في ولايتك إرثًا عن أبيه، والآن تدعي كلها للصغير الذي في ولايتك بجهة أخرى، اندفعت دعوى القيم المدعى عليه لمكان التناقض.
سئل نجم الدين النسفي: عمن ادعى ميراث بيت بعصوبة بنوة العم، فأقام البينة على النسب يذكر الأسامي إلى الجد، فأقام منكر هذا النسب والميراث بينة أن جد الميت فلان وصى غير ما أثبت المدعي؛ هل تندفع بهذا دعوى المدعي وبينته؟.
قال: إن وقع القضاء ببينة المدعي فالقضاء ماضٍ ولا تبطل بينة المدعي بهذا، ولا تندفع بينة المدعي بهذا ولا تندفع دعواه، فإن لم يقع القضاء ببينة المدعي، فالقاضي لا يقضي بإحدى البينتين لمكان التعارض، قال محمد رحمه الله: وهو نظير مسألة طلاق المرأة يوم النحر بكوفة من هذه السنة، وإعتاق العبد يوم النحر بمكة من هذه السنة.
وفي (مجموع النوازل): رجل قدم سمرقند من تركستان، فادعى كرمًا في يدي رجل ميراثًا عن جده وأمه وقال: أنا محمد وأمي حُرّة، وإن أبي محمد بن الحارث بن سارح، وهذا الكرم في يد هذا المدعى عليه من تركة أبي الحارث هذا وأنا وارثه لا وارث له غيري؛ فعليه تسليم هذا الكرم إليَّ، فقال المدعى عليه في دفع دعوى المدعي: هذا المدعي يبطل في دعواه هذه من قبل أنه حين قدم من تركستان زعم أنه ابن عائشة، وعائشة بنت علي بن الحسين بن فلان، وهذا الكرم من تركة علي بن الحسين.
ثم غير اسم الأم، واسم الجد، فجعل اسم الأم حرة، وجعل اسم الجد محمد بن الحارث، وأقام المدعى عليه بينة على دعواه، فأجاب شيخ الإسلام عطاء بن حمزة السعدي: إن هذا دفع دعوى المدعي.
قال رحمه الله: وهو نظير ما لو ادعى عينًا في يدي رجل ميراثًا عن أبيه، ثم ادعى ذلك العين بعد ذلك ميراثًا عن أمه، وكان القاضي الإمام الأجل شمس الإسلام محمود الأوزجندي يفتي في جنس هذه المسائل أنه لا تندفع دعوى المدعي، ولا تقبل بينة المدعي على ما ادعاه وتابعه في ذلك بعض مشايخ زمانه، وبه كان يفتي الإمام ظهير الدين المرغيناني، وهو الصواب عندنا.
وعلى هذا إذا ادعى رجل على رجل أنه كان لأبي علي بن أبي القاسم بن محمد عليك كذا وكذا من المال، وإن أبي مات قبل استيفاء شيء من ذلك، وصار ما كان له عليك ميراثًا لي، وقال المدعى عليه: إنه يبطل في هذه الدعوى؛ لأنه زعم أن والد القاسم محمد، ووالد القاسم أحمد، لا يكون هذا دفعًا لدعوى المدعي على ما هو اختيار شمس الإسلام، وبعض مشايخ زمانه، فلا تقبل بينة المدعى عليه في ذلك، والمسألة كانت واقعة الفتوى.
وهذا لأن بينة المدعى عليه لو قبلت في هذه الصورة؛ إما أن تقبل على إثبات اسم هذا المدعي ولا وجه إليه؛ لأنه ليس بخصم في ذلك، وإما أن تقبل لنفي ما ادعاه المدعي من الميراث، ولا وجه إليه أيضًا؛ لأن البينة على النفي غير مقبولة.
وهو نظير ما لو ادعى رجل على رجل أنه أقرضه ألف درهم في يوم كذا في مكان كذا، وأقام المدعى عليه بينة أنه في ذلك اليوم كان في مكان كذا سمى مكانًا آخر؛ لا تقبل بينة المدعى عليه؛ لأنها في الحقيقة قامت على النفي كذا هنا.
إذا ادعى دارًا في يدي رجل ميراثًا عن أبيه؛ فقال المدعى عليه في دفع دعوى المدعي: اشتريت هذه الدار في حال صغرك بإطلاق القاضي؛ فهذا دفع صحيح إذا ثبت أن البيع لحاجة الصغير، أو لقضاء دين الميت.
وقد مر جنس هذا في (فتاوى الفضل): ادعى على أخيه تركة فيما في يده بحق الميراث عن أبيه، فأنكر المدعى عليه دعواه وقال: لم يكن لأبي في هذه الدار حق، ثم ادعى المدعى عليه أنه كان اشترى هذه الدار من أبيه، أو ادعى أن أباه قد أقر له بها فدعواه صحيحة وبينته مسموعة، لأن الجمع بين الكلامين ممكن لأنه يمكنه أن يقول: لم تكن لأبي بعدما اشتريتها منه، ولو قال: لم تكن لأبي قط، أو قال: لم يكن لأبي فيها حق، لم يسمع دعواه الشراء من أبيه؛ لأنه فيه متناقض، ويسمع دعوى إقرار أبيه له لأنه لا تناقض فيه.
إذا قال المدعي في دعوى الميراث: لا وارث له غيري، فقال المدعى عليه في دعواه: إن لك أخًا أو أختًا، وقد قلت: لا وارث له غيري، حكى فتوى القاضي الإمام شمس الإسلام الأوزجندي رحمه الله: أن المدعي لو أقر بذلك تبطل الدعوى والشهادة جميعًا، أما لو أراد المدعى عليه إثباته بالبينة لا يسمع بينته.
ادعى رجل ضيعة في يدي رجل أنها كانت لفلان مات وتركها ميراثًا لي، لا وارث لها غيري، وقضى القاضي له بالضيعة، فقال المقضى عليه بالضيعة بطريق الدفع لدعوى المدعي: إن فلانة التي تدعي أنت الإرث عنها لنفسك ماتت قبل فلان الذي يدعي الإرث عنه لفلانة، فقد قيل: هذا دفع صحيح،