فصل: ولاية حنظلة بن صفوان الأولى على مصر

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة **


 ولاية حنظلة بن صفوان الأولى على مصر

ولي حنظلة إمرة مصر باستخلاف أخيه بشر بن صفوان له لما ولاه الخليفة يزيد بن عبد الملك إمرة إفريقية وكتب ليزيد بذلك فأقره يزيد على إمرة مصر وذلك في شوال سنة اثنتين ومائة‏.‏

وحنظلة هذا من بني كلب‏.‏

ولما ولي مصرمهد أمورها ودام بها إلى سنة ثلاث ومائة ثم خرج إلى الإسكندرية واستخلف على مصر عقبة بن مسلم التجيبي ثم ورد عليه كتاب الخليفة يزيد بن عبد الملك بن مروان بكسر الأصنام والتماثيل فكسرت كلها ومحيت التماثيل من ديار مصر وغيرها في أيامه‏.‏

قال الحافظ أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس‏:‏ حنظلة بن صفوان الكلبي أمير مصر لهشام بن عبد الملك‏.‏

روى عنه أبو قبيل آخر ما عندنا من أخباره‏.‏

وقدومه من الغرب سنة سبع وعشرين ومائة وكان أخرجه عبد الرحمن بن حبيب الفهري‏.‏

قال‏:‏ وكان حنظلة حسن السيرة في سلطانه‏.‏

حدثني مسلمة بن عمرو بن حفص المرادي وأبو قرة محمد بن حميد الرعيني حدثني النضر بن عبد الجبار أخبرنا ضمام بن إسماعيل عن أبي قبيل قال‏:‏ أرسل إلي حنظلة بن صفوان فأتيته في حديث طويل‏.‏

هذا ما ذكره ابن يونس في ترجمة حنظلة بتمامه وكماله‏.‏

قلت‏:‏ واستمر حنظلة على عمله بمصر حتى توفي يزيد بن عبد الملك واستقر أخوه هشام بن عبد الملك في الخلافة ف صرف حنظلة هذا بأخيه محمد بن عبد الملك بن مروان وذلك في شوال سنة خمس ومائة فكانت مدته على مصر ثلاث سنين‏.‏

وتأتي بقية ترجمته في ولايته الثانية على مصر إن شاء الله تعالى‏.‏

وسبب عزل حنظلة عن مصر أمور منها‏:‏ أن هشامًا عزله وأراد أن يولي عقفان على مصر عوضه ثم ثنى عزمه عن ذلك وولى عقفان الصدقة وولى أخاه محمدًا مصر‏.‏

وعقفان المذكور حروري اسمه عقفان خرج في أيام يزيد بن عبد الملك في ثلاثين رجلًا فأراد يزيد أن يرسل إليه جندًا يقاتلونه فقيل له‏:‏ إن قتل عقفان بهذه البلاد اتخذها الخوارج دار هجرة والرأي أن تبعث لكل رجل من أصحابه رجلًا من قومه يكلمه فيرده ففعل يزيد ذلك فقال لهم أهلوهم‏:‏ إنا نخاف أن نؤخذ بكم وأومنوا فرجعوا وبقي عقفان وحده فبعث إليه يزيد أخاه فاستعطفه ورده‏.‏

فلما ولي هشام الخلافة ولاه أمر العصاة بعد أن أراد أن يوليه إمرة مصر‏.‏

ولما ولي عقفان أمر العصاة وعظم أمره قدم ابنه من خراسان عاصيًا فشده وثاقًا وبعث به إلى الخليفة هشام فأطلقه هشام لأبيه وقال‏:‏ لو خاننا عقفان لكتم أمر ابنه عنا‏.‏

فاستعمله على الصدقة فبقي عقفان على الصدقة إلى أن مات هشام وولي الخلافة مروان الجعدي الحمار‏.‏

السنة الأولى من ولاية حنظلة بن صفوان الكلبي على مصر وهي سنة ثلاث ومائة‏.‏

فيها قتل أمير الأندلس السمح بن مالك الخولاني قتله الروم يوم التروية‏.‏

وفيها أغارت الترك على اللان‏.‏

وفيها غزا العباس بن الوليد الروم ففتح مدينة يقال لها رسلة‏.‏

وفيها جمعت مكة والمدينة لعبد الرحمن بن الضحاك‏.‏

وفيها ولي عبد الواحد بن عبد الله النصري الطائف بعد عزل عبد العزيز بن عبد الله بن خالد عنه وعن مكة‏.‏

وفيها حج بالناس عبد الرحمن بن الضحاك‏.‏

وكان أمير العراق في هذه السنة عمر بن هبيرة وفيها توفي يحيى بن وثاب الأسدي مولاهم قارىء الكوفة أحد القراء أخذ القراءة عرضًا عن علقمة والأسود وعبيد ومسروق وغيرهم‏.‏

قال الأعمش‏:‏ كان يحيى بن وثاب لايقرأ‏:‏ ‏"‏ بسم الله الرحمن الرحيم ‏"‏ في عرض ولا في غيره‏.‏

وفيها توفي أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي من الطبقة الثانية من تابعي أهل البصرة وكان فقيهًا عالمًا يفتي أهل البصرة في غيبة الحسن البصري وفي حضوره‏.‏

وفيها توفي خالد بن معدان بن أبي كريب أبو عبد الله الكلاعي من الطبقة الثانية من تابعي أهل الشأم‏.‏

كان عابدًا ورعًا وكان يكره الشهرة‏.‏

وفيها توفي سليمان بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ‏"‏ ص ‏"‏ وقيل‏:‏ إنه كان مكاتبًا لها فأدى وعتق ووهبت ميمونة ولاءه لابن عباس‏.‏

وهو من الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة وكنيته أبو أيوب وقيل أبو محمد‏.‏

وهو أحد الفقهاء السبعة وكانوا يفضلونه على سعيد بن المسيب‏.‏

وفيها توفي أبو بردة بن أبي موسى الأشعري واسمه عامر بن عبد الله بن قيس من الطبقة الثانية من تابعي أهل الكوفة‏.‏

وولي قضاء الكوفة بعد شريح وكان سعيد بن جبير قتيل الحجاج كاتبه‏.‏

أمر النيل في هذه السنة‏:‏ الماء القديم ثلاثة أذرع وثمانية عشر إصبعًا‏.‏

مبلغ الزيادة ثمانية عشر السنة الثانية من ولاية حنظلة بن صفوان على مصر وهي سنة أربع ومائة‏.‏

فيها كانت وقعة نهر أران فالتقى المسلمون والكفار وكان أمير المسلمين الجراح بن عبد الله الحكمي وعلى الكفار ابن الخاقان وكانت الوقعة بقرب باب الأبواب ونصر الله المسلمين وركبوا أقفية الترك قتلًا وأسرًا وسبيًا‏.‏

وفيها عزل الخليفة يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن بن الضحاك عن المدينة ومكة وولى عليهما عبد الواحد النصري‏.‏

وفيها توفي أبان بن عثمان بن عفان وأمه أم عمرو بنت جندب بن عمرو وكنيته أبو سعيد وهو من الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة وكان فقيهًا وولي إمرة المدينة لعبد الملك بن مروان‏.‏

وفيها توفي الشعبي واسمه عامر بن شراحيل أبو عمرو الشعبي شعب همدان كان علامة أهل الكوفة في زمانه‏.‏

ولد في خلافة عمر بن الخطاب وروى عن علي يسيرًا وعن المغيرة بن شعبة وعائشة وأبي هريرة وغيرهم‏.‏

وقال أبو بكر بن عياش عن الحسن قال‏:‏ ما رأيت أفقه من وفيها توفي ربعي بن حراش بن جحش الغطفاني الكوفي من الطبقة الثانية من تابعي أهل الكوفة وكان لا يكذب قط وكان له ابنان عاصيان على الحجاج بن يوسف الثقفي وقد اختفيا فقيل للحجاج‏:‏ إن أباهما لا يكذب قط فسله عنهما فأرسل إليه الحجاج قال‏:‏ أين ابناك فقال‏:‏ في البيت قال الحجاج‏:‏ قد عفونا عنهما بصدقك‏.‏

وفيها توفي أبو قلابة الجرمي واسمه عبد الله بن زيد من الطبقة الثانية من تابعي أهل البصرة وكان فقيهًا عابدًا طلب إلى القضاء فهرب إلى الشأم وأقام به‏.‏

وفيها حج بالناس عبد الواحد بن عبد الله النصري عامل الطائف وكان عامل العراق كله في هذه السنة عمر بن هبيرة مضافًا للمشرق كله وكان على قضاء الكوفة حسين بن حسن الكندي وعلى قضاء البصرة أبو قلابة الجرمي‏.‏

أمر النيل في هذه السنة‏:‏ الماء القديم أربعة أذرع سواء مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعًا وأحد عشر إصبعًا‏.‏

السنة الثالثة من ولاية حنظلة بن صفوان على مصر وهي سنة خمس ومائة‏.‏

فيها أيضًا زحف الخاقان ملك الترك وخرج من الباب في جمع عظيم من الترك وقصد أرمينية فسار إليه الجراح الحكمي فاقتتلوا أيامًا ثم كانت الهزيمة على الكفار وكان ذلك في شهر رمضان‏.‏

وفيها غزا سعيد بن عبد الملك بن مروان بلاد الروم فقتل وسبى‏.‏

وفيها غزا الجراح الحكمي اللان حتى جاز ذلك إلى مدائن وحصون وأصاب غنائم كثيرة‏.‏

وفيها غزا مروان بن محمد الصائفة اليمنى فافتتح قونية من أرض الروم وكماخ‏.‏

وفيها حج بالناس إبراهيم بن هشام خال هشام بن عبد الملك فأرسل إلى عطاء‏:‏ متى أخطب قال‏:‏ بعد الظهر قبل التروية بيوم فخطب قبل الظهر وقال‏:‏ أخبرني رسولي عن عطاء فقال عطاء‏:‏ ما أمرته إلا بعد الظهر فاستحيا إبراهيم‏.‏

وفيها توفي الخليفة يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم أمير المؤمنين أبو خالد القرشي الأموي الدمشقي‏.‏

ولي الخلافة بعد ابن عمه عمر بن عبد العزيز بن مروان بعهد من أخيه سليمان معقود في تولية عمر بن عبد العزيز ولهذا قلنا في ترجمة عمر بن عبد العزيز‏:‏ بحيلة من سليمان فإن سليمان كان عهد لعمر بن عبد العزيز بالخلافة فخاف من إخوته ومن الناس فأخفى ذلك وبايع الناس لما هو مكتتب لم‏!‏ فقالوا‏:‏ نبايع على أن يكون فيه ولد عبد الملك فبايعوا فإذا فيه عمر بن عبد العزيز ثم من بعده ليزيد وهشام فتمت البيعة وأم يزيد هذا عاتكة بنت يزيد بن معاوية ومولده سنة إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين‏.‏

ودام في الخلافة إلى أن مات في الخامس والعشرين من شعبان بسواد الأردن‏.‏

وكانت خلافته أربع سنين وشهرًا وتولى الخلافة بعده أخوه هشام بن عبد الملك‏.‏

وكان سبب موته أنه كان يحب جارية من جواريه يقال لها حبابة وكانت مغنية وكان يزيد صاحب لهو وطرب‏.‏

فلما ولي يزيد الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز أقام يسير بسيرة عمر أربعين يومًا وترك اللهو والشرب فقالت حبابة المذكورة لخصي ليزيد وهو صاحب أمره‏:‏ ويحك‏!‏ قربني منه حيث يسمع كلامي ولك عشرة آلاف درهم ففعل‏.‏

فلما مر بها يزيد أنشدت‏:‏ الطويل بكيت الصبا جهدي فمن شاء لامني ومن شاء آسى في البكاء وأسعدا وأبياتًا أخر بالألحان والشعر للأحوص‏.‏

فلما سمعها يزيد قال‏:‏ ويحك يا خصي‏!‏ قل لصاحب الشرطة يصلي بالناس‏.‏

ودخل إليها وعاد إلى انهماكه ولذاته‏.‏

فلما كان بعض الليالي شرقت حبابة فماتت فحزن عليها يزيد حزنًا عظيمًا‏.‏

وخلاها يزيد ثلاثة أيام لم يدفنها وهو ينظر إليها ثم دفنها خمسة أيام فلم يطق ذلك فنبشها وأخرجها من القبر وجعل يقلبها ويبكي فقوي عليه الحزن حتى قتله بعد سبعة عشر يومًا‏.‏

وفيها توفي كثير عزة واسمه كثير بن عبد الرحمن بن الأسود وهو من الطبقة الثانية من شعراء المدينة وكان شيعيًا‏.‏

قال ابن ماكولا‏:‏ كان يتقلب في المذاهب‏.‏

قلت‏:‏ ولولا تقلبه في المذاهب ما قربه بنو أمية فإنهم كانوا يكرهون الشيعة‏.‏

قلت‏:‏ وهو أحد العشاق وصاحب عزة‏.‏

قيل‏:‏ إن عزة دخلت على أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز وزوجة الخليفة الوليد بن عبد الملك بن مروان فقالت لها أم البنين‏:‏ ما معنى قول كثير‏:‏ الطويل قضى كل ذي دين فوفى غريمه وعزة ممطول معنى غريمها ما كان هذا الدين قالت‏:‏ وعدته بقبلة ثم رجعت عنها فقالت‏:‏ أنجزيها وعلي إثمها فأنجزته‏.‏

فأعتقت أم البنين أربعين عبدًا عند الكعبة وقالت‏:‏ اللهم إني أبرأ إليك مما قلته لعزة‏.‏

وفيها توفي سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب‏.‏

وكنيته أبو عمير وقيل أبو عبد الله من الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة وأمه أم ولد وكان من خيار قريش وفقهائهم وزها دهم‏.‏

وفيها توفى محمد بن شعيب بن شابور - بالمعجمة - القرشي وكان جده مولى الوليد بن عبد الملك بن مروان‏.‏

ومحمد هذا من الطبقة الخامسة وقيل السادسة من تابعي أهل الشأم وكان أحد الأئمة وذكره يحيى بن معين بالإرجاء‏.‏

قاله صاحب المرآة‏.‏

والصحيح أن مولده سنة ست عشرة ومائة وتوفي سنة مائتين وقيل‏:‏ سنة ثمان وتسعين ومائة وقيل غير ذلك‏.‏

أمر النيل في هذه السنة‏:‏ الماء القديم ثلاثة أذرع وعشرون إصبعًا‏.‏

مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعًا وسبعة عشر إصبعًا‏.‏

ولاية محمد بن عبد الملك على مصر هو محمد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي أمير مصر‏.‏

وليها بعد عزل حنظلة بن صفوان من قبل أخيه الخليفة هشام بن عبد الملك على الصلاة ودخل إليها يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال من سنة خمس ومائة المقدم ذكرها‏.‏

ومحمد هذا هو أخو سعيد بن عبد الملك لأبويه وهو من الطبقة الرابعة من تابعي أهل دمشق‏.‏

وكان ناسكًا كثير العبادة حسن السيرة جوادًا كان يكره من أخيه هشام وغيره حتى يلي الأعمال ولما ولي مصر جعل على شرطته حفص بن الوليد الحضرمي‏.‏

وحدث عن رجل عن أبي هريرة وسمع من المغيرة بن شعبة‏.‏

وقال أبو حاتم‏:‏ روى عمن سمع معاوية وعن المغيرة مرسلًا وروى عنه الأوزاعي وغيره وكان ثقة مأمونًا‏.‏

وحين وصوله إلى مصر وقع بها وباء ففر منها محمد إلى الصعيد فلم تطل مدته بالصعيد وعاد بعد أيام إلى مصر‏.‏

ثم خرج منها بسرعة إلى الأردن واستعفى فأعفي‏.‏

وصرف عن إمرة مصر بالحر بن يوسف فكانت ولايته شهرًا واحدًا وسكن الأردن ودام في دولة أخيه هشام على ذلك إلى أن حج بالناس في سنة ثلاثين ومائة‏.‏

وعاد من الحج فوجد الفتن قائمة بالشأم من جهة بني العباس فاستمر عند ابن عمه مروان بن محمد بن مروان المعروف بالحمار إلى أن هزم مروان المذكور في وقعة العراق من أبي مسلم الخراساني‏.‏

وقبض على محمد هذا وعلى أخيه مع مروان الحمار فقتلهما عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس قتلهما بنهر أبي فطرس وقيل‏:‏ إنه صاحب الواقعة مع عبد الله بن علي العباسي يوم هزم مروان عند نهر الزاب‏.‏

وهو أنه لما كانت الهزيمة على بني أمية رأى عبد الله بن علي فتى عليه أبهة الشرف يقاتل مستقتلًا فناداه عبد الله‏:‏ يا فتى لك الأمان ولو كنت مروان بن محمد فقال الفتى‏:‏ إن لم أكنه فلست بدونه قال‏:‏ فلك الأمان ولو كنت من كنت فأطرق مليًا ثم رفع رأسه فقال‏:‏ المتقارب أذل الحياة وكره الممات وكلا أراه طعامًا وبيلا فإن لم يكن غير إحداهما فسيرًا إلى الموت سيرًا جميلا ثم قاتل حتى قتل فإذا هو محمد بن عبد الملك وقيل‏:‏ ابن لمسلمة بن عبد الملك بن مروان بن ولاية الحر بن يوسف على مصر هو الحر بن يوسف بن يحيى بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي أمير مصر والحر بضم الحاء المهملة وتشديد الراء المهملة‏.‏

وليها بعد عزل محمد بن عبد الملك من قبل هشام بن عبد الملك على الصلاة وكان المتولي على خراج مصر في هذه السنين كلها عبيد الله بن الحبحاب‏.‏

فدخل الحر بن يوسف هذا إلى مصر لثلاث خلون من ذي الحجة سنة خمس ومائة وباشر أمورها وأقر حفص بن الوليد على شرطة مصر على عادته‏.‏

وفي أيامه انتقضت القبط بمصر في سنة سبع ومائة ووقع له معهم أمور طويلة ثم خرج من مصر مرابطًا إلى دمياط فأقام بها ثلاثة أشهر مغازيًا ثم عاد إلى مصر وأقام بها أيامًا ثم خرج منها ووفد على الخليفة هشام بن عبد الملك بالشأم واستخلف حفص بن الوليد على الصلاة بمصر‏.‏

فأقام عند الخليفة مدة يسيرة وعاد إلى مصر في ذي القعدة من سنة سبع ومائة وقد انكشف أراضيها من النيل فأخذ في إصلاح أحوالها وتدبير أمورها‏.‏

ودام بها إلى ذي القعدة من سنة ثمان ومائة‏.‏

وصرف عنها في ذي القعدة باستعفائه لمغاضبة وقعت بينه وبين عبيد الله بن الحبحاب متولي وتولى من بعده على مصر حفص بن الوليد الذي كان استخلفه الحر هذا على الصلاة لما وفد على الخليفة هشام‏.‏

ولما عزل الحر عن إمرة مصر ولاه هشام الموصل وهو الذي بنى المنقوشة دارًا ليسكنها‏.‏

وإنما سميت المنقوشة لأنها كانت منقوشة بالساج والرخام والفصوص الملونة وما شاكلها‏.‏

وهو الذي عمل النهر الذي كان بالموصل‏.‏

وسبب ذلك أنه رأى امرأة تحمل جرة فيها ماء وهي تحملها ساعة ثم تستريح قليلًا لبعد الماء فلما رأى الحر ذلك كتب إلى هشام بذلك فأمره أن يحفر نهرًا إلى البلد فحفره فكان أكثر شرب أهل البلد منه وعليه كان الشارع المعروف بشارع النهر وبقي العمل فيه عدة سنين‏.‏

ومات الحر هذا في سنة ثلاث عشرة ومائة وكان أجل أمراء بني أمية شجاعة وكرمًا وسؤددًا‏.‏

السنة الأولى من ولاية الحر بن يوسف الأموي على مصر وهي سنة ست ومائة‏.‏

فيها عزل الخليفة هشام متولي العراق عمر بن الفزاري بخالد بن عبد الله القسري‏.‏

فدخل خالد بغتة وبها ابن هبيرة يتهيأ لصلاة الجمعة ويسرح لحيته فقال عمر بن هبيرة‏:‏ هكذا تقوم الساعة بغتةً‏.‏

فقيده خالد القسري وألبسه مدرعة من صوف وحبسه ثم إن غلمان ابن هبيرة اكتروا دارًا إلى جانب السجن فنقبوا سردابًا إلى السجن وأخرجوه منه فهرب إلى الشأم واستجار بالأمير مسلمة بن عبد الملك بن مروان فأجاره وكلم أخاه هشامًا في أمره فعفا عنه‏.‏

فلم تطل أيام عمر بن هبيرة ومات بعد مدة يسيرة‏.‏

وفيها غزا مسلم بن سعيد بن أسلم فرغانة فلقيه ابن خاقان ملك الترك في جمع كبير فكانت بينهم وقعة قتل فيها ابن خاقان في طائفة كبيرة من الترك‏.‏

وفيها حج بالناس الخليفة هشام بن عبد الملك‏.‏

وفيها استعمل خالد القسري أخاه أسد بن عبد الله على إقليم خراسان نيابةً عنه‏.‏

وفيها توفي طاوس بن كيسان أبو عبد الرحمن اليماني الجندي أحد الأعلام كان من أبناء الفرس الذين سيرهم كسرى إلى اليمن وهو من فقهاء التابعين‏.‏

قال سفيان الثور عن رجل قال‏:‏ كان من دعاء طاوس‏:‏ اللهم احرمني المال والولد وارزقني الإيمان والعمل‏.‏

وفيها توفي أبو مجلز لاحق بن حميد في قول الذهبي‏.‏

وفيها حج بالناس الخليفة هشام بن عبد الملك فلقيه إبراهيم بن محمد بن طلحة في الحجر فقال له‏:‏ أسألك بالله وبحرمة هذا البيت الذي خرجت معظمًا له إلا رددت علي ظلامتي‏.‏

قال هشام‏:‏ أي ظلامة‏.‏

قال‏:‏ داري قال‏:‏ فأين كنت من أمير المؤمنين عبد الملك‏.‏

قال‏:‏ ظلمني قال‏:‏ فالوليد وسليمان قال‏:‏ ظلماني قال‏:‏ فعمر قال‏:‏ يرحمه الله ردها علي قال‏:‏ فيزيد بن عبد الملك قال‏:‏ ظلمني وقبضها مني بعد قبضي لها فهي في يدك فقال هشام‏:‏ لو كان فيك ضرب لضربتك‏!‏ فقال‏:‏ في والله ضرب بالسيف والسوط‏.‏

فانصرف هشام والأبرش خلفه فقال‏:‏ أبا فجاشع كيف سمعت هذا اللسان‏.‏

قال‏:‏ ما أجوده‏!‏ قال‏:‏ هي قريش وألسنتها‏.‏

ولا يزال في الناس بقايا‏!‏ ما رأيت مثل هذا‏!‏‏.‏

أمر النيل في هذه السنة‏:‏ الماء القديم أربعة أذرع وعشرة أصابع‏.‏

مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعًا وأربعة أصابع‏.‏

السنة الثانية من ولاية الحر بن يوسف على مصر وهي سنة سبع ومائة‏:‏ فيها عزل الجراح الحكمي عن إمرة أذربيجان وأرمينية بالأمير مسلمة بن عبد الملك بن مروان فغزا مسلمة قيسارية الروم وافتتحها بالسيف‏.‏

وفيها غزا أسد بن عبد الله القسري متولي خراسان بلاد سجستان فانكسر المسلمون وفيها كان بالشأم طاعون شديد فخاف الناس كثيرًا‏.‏

وفيها غزا أسد بن عبد الله القسري جبال الطالقان والغور‏.‏

وكان أهلها خرجوا بأموالهم وأهلهم إلى كهف عظيم في جبل شاهق شامخ ليس فيه طريق مسلوك فعمل أسد توابيت وربطها بالسلاسل ودلاها عليهم فظفر بهم وعاد سالمًا غانمًا‏.‏

فنزل بلخ وبنى مدينتها وولاها برمك أبا خالد البرمكي ونقل إليها الجند والأمراء‏.‏

وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك الروم مما يلي الجزيرة ففتح قيسارية وهي مدينة مشهورة‏.‏

وفيها غزا معاوية بن هشام الخليفة ومعه أهل الشأم وصحبته ميمون بن مهران فقطعوا البحر إلى قبرس‏.‏

وفيها حج بالناس إبراهيم بن هشام وهو على المدينة ومكة والطائف‏.‏

وفيها توفي موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ببلاد الروم غازيًا وكان عمره سبعًا وعشرين سنة قاله ابن الأثير والأصح أنه مات في القابلة‏.‏

أمر النيل في هذه السنة‏:‏ الماء القديم أربعة أذرع سواء‏.‏

مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعًا وإصبعان‏.‏

بن يوسف على مصر وهي سنة ثمان ومائة‏:‏ في ذي الحجة منها حكم بمصر حفص بن الوليد‏.‏

وفيها غزا ولد الخليفة معاوية بن هشام أرض الروم وجهز بين يديه البطال إلى جنجرة فافتتحها‏.‏

وفيها غزا أخو الخليفة مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم فافتتح قيسارية‏.‏

وفيها وقع حريق عظيم بدابق احترقت المواشي والدواب والرجال‏.‏

وفيها حج بالناس إبراهيم بن هشام المخزومي‏.‏

وفيها توفي موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أبو عيسى الهاشمي‏.‏

وهو أخو السفاح والمنصور لأبيهما وأخو إبراهيم لأمه وأبيه‏.‏

مات في حياة أبيه محمد غازيًا في بلاد الروم وله ثمان عشرة سنة‏.‏

وفيها توفي نصيب بن رباح أبو محجن الشاعر المشهور مولى عبد العزيز بن مروان وأمه نوبية فجاءت به أسود فباعه عمه‏.‏

وكان من العرب من بنى الحاف بن قضاعة وقيل‏:‏ إنه هرب فدخل على عبد العزيز ومدحه فقال‏:‏ ما حاجتك فقال‏:‏ أنا عبد فقال عبد العزيز للمقومين‏:‏ قوموه فقالوا‏:‏ عبد أسود ليس له قيمة قيمته مائة دينار‏.‏

قال أبو محجن عن نفسه‏:‏ إنه راعي إبل يحسن القيام عليها قالوا‏:‏ مائتا دينار قال‏:‏ إنه يبري النبل ويريشها قالوا‏:‏ وثلاثمائة دينار قال‏:‏ إنه يرمي ويصيب قالوا‏:‏ أربعمائة دينار قال‏:‏ إنه راوية الأشعار قالوا‏:‏ خمسمائة دينار قال‏:‏ أصلح الله الأمير أين جائزتي فأعطاه ألف دينار فاشترى أمه وأهله وأعتقهم‏.‏

وذكره محمد بن سلام في الطبقة الثانية من شعراء الإسلام‏.‏

وفيها توفي عطاء بن يسار أبو محمد المدني الفقيه مولى ميمونة أم المؤمنين وعطاء أخو سليمان وعبد الله وعبد الملك وكان قاصًا واعظًا ثقةً جليل القدر وقال الذهبي‏:‏ إنه مات في الماضية‏.‏

وفيها حج بالناس إبراهيم بن هشام المقدم ذكره‏.‏

وفيها توفي عكرمة البربري ثم المدني أبو عبد الله مولى ابن عباس‏:‏ أحد العلماء الربانيين‏.‏

روى عن ابن عباس وعائشة وعلي بن أبي طالب وغيرهم قال الهيثم بن عدي وغيره‏:‏ مات سنة ست ومائة‏.‏

وقال أبو نعيم وأبو بكر بن أبي شيبة وجماعة‏:‏ سنة سبع ومائة وقال يحيى بن معين والمدائني‏:‏ سنة خمس عشرة ومائة وقال غيرهم‏:‏ في هذه السنة‏.‏

أمر النيل في هذه السنة‏:‏ الماء القديم أربعة أذرع سواء‏.‏

مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعًا وأربعة أصابع‏.‏

على مصر هو حفص بن الوليد بن سيف بن عبد الله بن الحارث بن جبل بن كليب بن عوف بن معاهر بن عمرو بن زيد بن مالك بن زيد بن الحارث بن عمرو بن حجر بن قيس بن كعب بن سهل بن زيد بن حضرموت الأمير أبو بكر الحضرمي القاري أمير مصر‏.‏

وليها بعد عزل الحر بن يوسف من قبل هشام بن عبد الملك على الصلاة مكرهًا على ذلك‏.‏

وكان حفص وجيهًا عند بني أمية ومن أكابر أمرائهم وكان فاضلًا ثقة‏.‏

روى عن الزهري وغيره وروى عنه الليث بن سعد وجماعة أخر‏.‏

ولم تطل مدته على ولاية مصر في هذه المرة وعزل بعد جمعتين يوم عيد الأضحى وقيل آخر ذي الحجة سنة ثمان ومائة‏.‏

قلت‏:‏ وعلى القولين لم تطل ولايته بل ولا وصلت إلى أربعين يومًا وكان سبب عزله عن إمرة مصر بسرعة شكوى عبيد الله بن الحبحاب صاحب خراج مصر عليه للخليفة هشام بن عبد الملك وشكوى جماعة أخر من أوباش المصريين‏.‏

فعزله هشام عن مصر بعبد الملك بن رفاعة‏.‏

ثم ندم أهل مصر على عزله وطلبوا منه إعادته عليهم - يأتي ذكر ذلك كله في ولايته الثانية على مصر فإنه وليها بعد ذلك ثانيًا وثالثًا حتى قتله الحوثرة في سنة ثمان وعشرين ومائة‏.‏

وكان حفص شريفًا مطاعًا محببًا للناس ولديه معرفة وفضيلة‏.‏

واستقدمه هشام بعد عزله عن مصر وأراد أن يوليه خراسان عوضًا عن أسد بن عبد الله القسري فامتنع حفص من ذلك‏.‏

وكان سبب عزل أسد عن خراسان أنه خطبهم يومًا فقال‏:‏ قبح الله هذه الوجوه وجوه أهل الشقاق والنفاق والشغب والفساد اللهم فرق بيني وبينهم وأخرجني إلى مهاجري ووطني فبلغ قوله هشامًا فكتب إلى خالد بن عبد الله القسري‏:‏ اعزل أخاك فعزله‏.‏

وأراد هشام أن يولي حفصًا فامتنع فولى خراسان الحكم بن عوانة الكلبي ثم عزله هشام واستعمل عليها أشرس بن عبد الله وأمره أن يكاتب خالدًا وكان الأشرس فاضلًا خيرًا كانوا يسمونه الكامل لفضله فلما قدم خراسان فرحوا‏.‏

وقد خرجنا عن المقصود استطرادًا‏.‏

ولاية عبد الملك بن رفاعة الثانية على مصر قلت‏:‏ تقدم التعريف بعبد الملك هذا في أول ولايته على مصر بعد موت قرة بن شريك سنة ست وتسعين‏.‏

وكانت ولاية عبد الملك أيضًا على الصلاة لا غير والخراج عليه عبيد الله بن الحبحاب على عادته‏.‏

فقدم عبد الملك المذكور من الشأم إلى مصر عليلًا في أول المحرم وقيل‏:‏ اثنتي عشرة ليلة خلت من المحرم سنة تسع ومائة والأول أصح - وكان أخوه الوليد بن رفاعة يخلفه على الصلاة بمصر من أول المحرم السنة المذكورة أعني من أول يوم ولايته‏.‏

فلما دخل عبد الملك إلى مصر لم يطق الصلاة بالناس لشدة مرضه فاستمر أخوه الوليد بن رفاعة يصلي بالناس وعبد الملك ملازم الفراش إلى أن توفي نصف المحرم من السنة المذكورة فكانت ولايته هذه الثانية على مصر خمس عشرة ليلة على أنه دخل مصر في أول المحرم‏.‏

وتولى مصر بعده أخوه الوليد بن رفاعة‏.‏

ولاية الوليد بن رفاعة على مصر هو الوليد بن رفاعة بن خالد بن ثابت بن ظاعن الفهمي المصري أمير مصر‏.‏

وليها باستخلاف أخيه عبد الملك إليه فأقره الخليفة هشام بن عبد الملك على إمرة مصر وعلى الصلاة‏.‏

وجعل الوليد هذا على شرطة مصر عبد الله بن أبي سمير الفهمي ثم عزله وولى خالد بن عبد الرحمن الفهمي واستمر على إمرة مصر وطالت أيامه ووقع له بها أمور وقعت في أيامه حوادث‏.‏

وفي أيامه نقلت قيس إلى مصر ولم يكن بها أحد منهم قبل ذلك‏.‏

وفي أيامه أيضًا خرج وهيب اليحصبي من مصر في سنة سبع عشرة ومائة من أجل أن الوليد هذا أذن للنصارى في عمارة كنيسة يوحنا بالحمراء‏.‏

فلم يكن بعد أيام قليلة إلا ومرض الوليد ولزم الفراش حتى مات في يوم الثلاثاء في مستهل جمادى الآخرة سنة سبع عشرة ومائة واستخلف عبد الرحمن بن خالد على الصلاة بمصر‏.‏

وكانت إمرته على مصر تسع سنين وخمسة أشهر وولي مصر بعده عبد الرحمن بن خالد المذكور‏.‏

ولم تطل مدة الوليد هذا على مصر إلا لخروج عبيد الله بن الحبحاب المتولي على خراج مصر منها وقد تقدم عزل جماعة كبيرة من العمال بمصر بسبب عبيد الله المذكور فدبر عليه الوليد هذا حتى أخرجه هشام من مصر واستعمله على إفريقية فسار إليها عبيد الله بن الحبحاب واشتغل بها عن خراج مصر‏.‏

فإنه في أول خروجه سير جيشًا إلى صقلية فلقيهم مراكب الروم فاقتتلوا قتالًا شديدًا وانهزم الروم وكانوا قد أسروا جماعةً من المسلمين فيهم عبد الرحمن بن زياد فبقي أسيرًا إلى سنة إحدى وعشرين ومائة‏.‏

ثم استعمل عبيد الله بن الحبحاب عقبة بن الحجاج العبسي على الأندلس فسار إليها وملكها‏.‏

ثم سير عبيد الله جيشًا إلى السوس وأرض السودان فغنموا وظفروا وعادوا‏.‏

ولما خرج عبيد الله بن الحبحاب من مصر جمع له الخليفة خراج مصر وصلاتها وعظم أمره ومهد البلاد وساس الناس ومالت إليه الرعية‏.‏

ثم عزل عن الخراج أيضًا واستقل بصلاة مصر على عادته أولًا إلى أن مات في التاريخ المقدم ذكره‏.‏