فصل: الإقرار لا يتجزأ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فقه السنة



.القضاء على الغائب الذي لا وكيل له:

يجوز للمدعي أن يدعي على الغائب الذي لا وكيل له.
ويجوز للحاكم أن يحكم عليه متى ثبتت الدعوى.
ودليل ذلك:
1- أن الله سبحانه وتعالى يقول:
{فاحكم بين الناس بالحق} والذي ثبت بالبينة حق فيجب الحكم به.
2- ذكرت هند لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن أبا سفيان رجل شحيح هل لها أن تأخذ من ماله بغير إذنه؟ فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف». وهذا قضاء على غائب.
3- وروى مالك في الموطا أن عمر قال: من كان له دين فليأتنا غدا فإنا بايعو ماله وقاسموه بين غرمائه.
وكان الشخص الذي قضى عليه ببيع ماله غائبا.
4- ولان الامتناع عن القضاء عليه اضاعة الحقوق إذ لا يعجز الممتنع عن الوفاء من الغيبة، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأحمد وقالوا: أن الغائب لا يفوت عليه حق فانه إذا حضر كانت حجته قائمة وتسمع ويعمل بمقتضاها ولو أدى إلى نقض الحكم لأنه في حكم المشروط.
وقال شريح وعمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى وأبو حنيفة: إن القاضي لا يقضي على غائب إلا أن يحضر من يقوم مقامه كوكيل أو وصي لأنه يمكن أن يكون معه حجة تبطل دعوى المدعي، ولان الرسول صلى الله عليه وسلم قال لعلي في الحديث المتقدم: «يا علي، إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الاخر كما سمعت من الأول، فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء».
قال الخطابي: وقد حكم أصحاب الرأي على الغائب في مواضع: منها الحكم على الميت والطفل.
وقالوا: في الرجل يودع وديعة ثم يغيب فإذا ادعت امرأته النفقة وقدمت المودع إلى الحاكم قضى لها عليه بها.
وقالوا: إذا ادعى الشفيع على الغائب أنه باع عقاره وسلم واستوفى الثمن فإنه يقضي له بالشفعة. وكل هذا حكم على الغائب.

.القضاء بين الذميين:

وإذا تحاكم الذميون إلى قضاة المسلمين جاز ذلك ويقضى بينهم بما أنزل الله وبما يقضى به بين المسلمين.
يقول الله تعالى: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين}.
هل لصاحب الحق أن يأخذه من المماطل بدون تقاض: قالت الشافعية: من لهعند شخص حق وليس له بينة، وهو منكر، فله أن يأخذ جنس حقه من ماله إن قدر ولا يأخذ غير الجنس مع قدرته على الجنس.
قالوا: فإن لم يجد إلا غير الجنس جاز له الاخذ.
ولو أمكن تحصيل الحق بالقاضي، بأن كان من عليه الحق مقرا مماطلا أو منكرا وعليه البينة، أو كان يرجو إقراره لو حضر عند القاضي وعرض عليه اليمين فهل يستقل بالاخذ أم يجب الرفع إلى القاضي؟ فيه خلاف.
الراجح جواز الاخذ ويشهد له قضية هند زوجة أبي سفيان ولان في المرافعة مشقة ومؤونة وتضييع زمان.
قالوا: ثم متى جاز له الاخذ فلم يصل إلى حقه إلا بكسر الباب وثقب الجدار جاز له ذلك ولا يضمن مما أتلف كمن لم يقدر على دفع الصائل إلا بإتلاف ماله فأتلفه لا يضمن.
وما ذهبوا إليه لا يتنافى مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» قال الخطابي: وذلك لأن الخائن هو الذي يأخذ ما ليس له أخذه ظلما وعدوانا.
فأما من كان مأذونا له في أخذ حقه من مال خصمه واستدراك ظلامته منه، فليس بخائن، وإنما معناه: لا تخن من خانك بأن تقابله بخيانة مثل خيانته، وهذا لم يخنه، لأنه يقبض حقا لنفسه، والأول يغتصب حقا لغيره ا.هـ.

.ظهور حكم جديد القاضي:

إذا حكم القاضي في قضية باجتهاده ثم ظهر له حكم آخر يخالف الحكم الأول فإنه لا ينقضه وكذلك إذا رفع إليه حكم قاض آخر فلم يره فإنه لا ينقضه وأصل ذلك ما رواه عبد الرزاق في قضاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه في امرأة توفيت وتركت زوجها وأمها وأخويها لابيها وأمها وأخويها لامها فأشرك عمر بين الاخوة للام والاب والاخوة للام في الثلث فقال له رجل: إنك لم تشرك بينهم عام كذا وكذا قال عمر: تلك على ما قضينا يومئذ وهذه على ما قضينا اليوم.
قال ابن القيم: فأخذ أمير المؤمنين في كلا الاجتهادين بما ظهر له أنه الحق.

.نماذج من القضاء في صدر الإسلام:

أخرج أبو نعيم في الحلية قال: وجد علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - درعا له عند يهودي التقطها فعرفها فقال: درعي سقطت عن جمل له أورق.
فقال اليهودي: درعي وفي يدي ثم قال اليهودي بيني وبينك قاضي المسلمين، فأتوا شريحا فلما رأى عليا قد أقبل تحرف عن موضعه وجلس علي فيه ثم قال علي: لو كان خصمي من المسلمين لساويته في المجلس لكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تساووهم في المجلس» وساق الحديث.
قال شريح: ما تشاء يا أمير المؤمنين قال درعي سقطت عن جمل لي أورق فالتقطها هذا اليهودي.
قال شريح: ما تقول يا يهودي قال: درعي وفي يدي قال شريح: صدقت والله يا أمير المؤمنين إنها لدرعك ولكن لا بد من شاهدين فدعا قنبر والحسن بن علي وشهدا أنها درعه فقال شريح: أما شهادة مولاك فقد أجزناها، وأما شهادة ابنك لك فلا نجيزها فقال علي: ثكلتك أمك، أما سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» قال: اللهم نعم قال: أفلا تجيز شهادة سيد شباب أهل الجنة؟ ثم قال اليهودي: خذ الدرع.
فقال اليهودي: أمير المؤمنين جاء معي إلى قاضي المسلمين فقضى لي ورضي صدقت والله يا أمير المؤمنين إنها لدرعك سقطت عن جمل لك التقطتها.
أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فوهبها له علي كرم الله وجهه وأجازه بتسعمائة وقتل معه يوم صفين ا.هـ.

.الدعاوى والبينات:


.تعريف الدعاوى:

الدعاوى جمع دعوى وهي في اللغة الطلب، يقول الله سبحانه: {ولكم فيها ما تدعون} أي تطلبون.
وفي الشرع: هي إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاق شيء في يد غيره أو في ذمته.
والمدعي: هو الذي يطالب بالحق.
وإذا سكت عن المطالبة ترك.
والمدعى عليه: هو المطالب بالحق.
وإذا سكت لم يترك.

.ممن تصح الدعوى:

والدعوى لا تصح إلا من الحر العاقل البالغ الرشيد.
فالعبد والمجنون والمعتوه والصبي والسفيه لا تقبل دعواهم.
وكما تجب هذه الشروط بالنسبة للمدعي فإنها تجب أيضا بالنسبة للمنكر للدعوى.

.لا دعوى إلا ببينة:

ولا تثبت دعوى إلا بدليل يستبين به الحق ويظهر.
فعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه». رواه أحمد ومسلم.

.المدعي هو الذي يكلف بالدليل:

والمدعي هو الذي يكلف بإقامة الدليل على صدق دعواه وصحتها، لأن الاصل في المدعى عليه براءة ذمته.
وعلى المدعي أن يثبت العكس.
فقد روى البيهقي والطبراني بإسناد صحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر».

.اشتراط قطعية الدليل:

ويشترط في الدليل أن يكون قطعيا لأن الدليل الظني لا يفيد اليقين {وإن الظن لا يغني من الحق شيئا}.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «ترى الشمس؟ قال: نعم قال: على مثلها فاشهد أو دع» رواه الخلال في جامعه وابن عدي وهو ضعيف لأن في إسناده محمد بن سليمان، ضعفه النسائي، وقال البيهقي لم يرد من وجه يعتمد عليه.

.طرق إثبات الدعوى:

وطرق إثبات الدعوى هي:
1- الاقرار.
2- الشهادة.
3- اليمين.
4- الوثائق الرسمية الثابتة.
ولكل طرق من هذه الطرق أحكام نذكرها فيما يلي:

.الإقرار:

.تعريفه:

الاقرار في اللغة: الاثبات من قر الشئ يقر، وفي الشرع: الاعتراف بالمدعى به، وهو أقوى الادلة لاثبات دعوى المدعى عليه ولهذا يقولون: إنه سبد الادلة ويسمى بالشهادة على النفس.

.مشروعيته:

أجمع العلماء على أن الاقرار مشروع بالكتاب والسنة، يقول الله سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم}.
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها».
ويقول «صل من قطعتك. وأحسن إلى من أساء إليك وقل الحق ولو على نفسك».
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: «أوصاني خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنظر إلى من هو أسفل مني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأن أحب المساكين، وأن أدنو منهم، وأن أصل رحمي، وإن قطعوني وجفوني».
وأن أقول الحق وإن كان مرا، وأن لا أخاف في الله لومة لائم، وأن لا أسأل أحدا شيئا، وأن استكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها من كنوز الجنة.
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقضي به في الدماء والحدود والأموال.

.شروط صحته:

ويشترط لصحة الاقرار ما يأتي: العقل والبلوغ والرضا وجواز التصرف.
وأن لا يكون المقر هازلا. وان لا يكون أقر بمحال عقلا أو عادة. فلا يصح إقرار المجنون ولا الصغير ولا المكره ولا المحجور عليه ولا الهازل ولا بما يحيله العقل أو العادة لأن كذبه في هذه الاحوال معلوم ولا يحل الحكم بالكذب.

.الرجوع عن الإقرار:

ومتى صح الاقرار كان ملزما للمقر ولا يصح له رجوعه عنه متى كان الاقرار متعلقا بحق من حقوق الناس.
أما إذا كان الاقرار متعلقا بحق من حقوق الله كما في حد الزنا والخمر فإنه يصح فيه الرجوع: لقوله صلى الله عليه وسلم: «ادرأوا الحدود بالشبهات».
ولما تقدم في حديث ما عز في باب الحدود.
وخالف الظاهرية ومنعوا صحة الرجوع عن الاقرار سواء أكان في حق من حقوق الله أو حق من حقوق العباد.

.الاقرار حجة قاصرة:

والاقرار حجة قاصرة لا تتعدى غير المقر.
فلو أقر على الغير فإن إقراره عليه لا يجوز بخلاف البينة فإنها حجة متعدية إلى الغير.
فلو ادعى مدع على آخرين دينا وأقر به بعضهم وأنكر البعض الاخر فإن الاقرار لا يلزم إلا من أقر.
ولو ادعى هذه الدعوى وأثبتها بالبينة فإنها تلزم الجميع.

.الإقرار لا يتجزأ:

الإقرار كلام واحد لا يؤخذ بعضه ويترك البعض الاخر.

.الإقرار بالدين:

إذا أقر إنسان لاحد ورثته بدين فإن كان في مرض موته لا يصح لا ما لم يصدقه باقي الورثة، وذلك لأن احتمال كون المريض قصد بهذا الاقرار حرمان الورثة مستندا إلى كونه في المرض، أما إذا كان الاقرار في حال الصحة فإنه جائز، واحتمال إرادة حرمان سائر الورثة حينئذ من حيث إنه احتمال مجرد ونوع من التوهم لا يمنع حجة الاقرار. وعند الشافعية أن إقرار الصحيح صحيح حيث. لا مانع لوجود شروط الصحة.
أما إقرار المريض في مرض الموت فإن أقر لاجنبي فإقراره صحيح سواء أكان المقر به دينا أو عينا، وقيل هو محسوب من الثلث.
وإن كان إقراره لوارث فالراجح عندهم صحة الاقرار لأن المقر انتهى إلى حالة يصدق فيها الكاذب، ويتوب فيها الفاجر، والظاهر في مثل هذه الحال أنه لا يقر إلا عن تحقيق ولا يقصد الحرمان. وفيه قول آخر عندهم، وهو عدم الصحة، لأنه قد يقصد حرمان بعض الورثة.
وعندهم أنه إذا أقر في صحته بدين ثم أقر لاخر في مرضه، تقاسما، ولا يقدم الأول.
وقال أحمد: لا يجوز إقرار المريض لوارثه مطلقا، واحتج بأنه لا يؤمن بعد المنع من الوصية أن يجعلها إقرارا.
على أن الاوزاعي وجماعة من العلماء أجازوا إقرار المريض بشئ من ماله للوارث، لأن التهمة في حق المحتضر بعيدة، وأن مدار الاحكام على الظاهر، فلا يترك إقراره للظن المحتمل، فإن أمره إلى الله.

.الشهادة:

.تعريفها:

الشهادة مشتقة من المشاهدة، وهي المعاينة لأن الشاهد يخبر عما شاهده وعاينه، ومعناها الاخبار عما علمه بلفظ أشهد أو شهدت.
وقيل الشهادة مأخوذة من الاعلام من قوله تعالى: {شهد الله أنه لا إلا إلا هو} أي علم.
والشاهد حامل الشهادة ومؤديها لأنه شاهد لما غاب عن غيره.