روائع مختارة | بنك الاستشارات | استشارات تربوية واجتماعية | علاقتي مع الناس.. التحاور وخفة الظل

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
روائع مختارة
الصفحة الرئيسية > روائع مختارة > بنك الاستشارات > استشارات تربوية واجتماعية > علاقتي مع الناس.. التحاور وخفة الظل


  علاقتي مع الناس.. التحاور وخفة الظل
     عدد مرات المشاهدة: 533        عدد مرات الإرسال: 0

 السؤال.. أنا فتاة في ثاني متوسط، أعاني من أنَّني لا أستطيع التحاوُر كثيرًا مع البنات، سواء في المدرسة أم في الجماعات، ليست المشكلةُ تتعلق بالخجل، ولكن أتردد في أن أطرحَ موقفًا طريفًا - مثلًا - أو دعابة، وأخشى أن يكون الموقف لا يُضحكهنَّ؛ لذلك أتجنب الحديثَ عن مثل هذه المواقف، ولا أجد المواقفَ الطريفةَ - أساسًا - كثيرةً في حياتي، ربَّما لأنَّني أنساها.

وأنا لا أحب الهدوء، بل أحب الضَّحك والدعابة و(الفرفشة)؛ لذلك أحب أن يكونَ الحوار معي جميلًا وممتعًا، ولكن لا أعرف كيف أبدأ بالكلام؟ وكيف أجعل الكلامَ معي ممتعًا؟ وكيف أستطيعُ أن أكسر الهدوء الذي يقتلني؟

 والذي يقهرني أنَّ بعضَ البنات اعترفْنَ بهدوئي، وأنا أعرف في داخلي أنِّي لا أحب الشخصية الهادئة جدًّا، علمًا بأنَّ لديَّ أختًا أكبر مني، وأستطيع الكلام والضحك معها، حتى إنَّني أشعر بأنَّني إنسانة غير التي مع البنات الأخريات.

 لا أعتقد أن مُشكلتي في الخجل؛ لأنِّي لا أخجل منهن، وليست في الثقة بالنفس؛ لأني واثقة من نفسي، بل أشعر أحيانًا أنَّني أحب صفاتٍ كثيرة لديَّ ليست موجودة في غيري، أريد فقط أن أنطلق بالكلام و(الفرفشة)، وأريد أن تكون الجلسة معي جميلة وممتعة، وأن أكون التي تبدأ بالكلام والتعليقات.

 أنا أعرف أن (خِفَّة الدم) من الله، والأهم هي الأخلاق، ولكن المشكلة أنَّني أجد نفسي (خفيفة دم) مع أختي، ولكن لا أعرف لماذا مع الناس غير ذلك.

 وجزاكم الله خيرًا.

الجواب: صغيرتي العزيزة منى، حَيَّاكِ الله.

يَحق للألوكة أن تفخر بنفسها؛ إذ استطاعت كسبَ ثِقَة مختلف الشرائح العُمرية، فالحمد لله الذي جعلنا أهلًا لثقتكِ الغالية يا منى، شكرًا جزيلًا لكِ يا صغيرتي.

 (خفة الدم من الله) هذا صحيح، ولهذا مهما تَلَقَّيْنَا دروسًا في فن الدعابة، فلن تكون نتيجتها كما لو كانت طبعًا جُبِل عليه الشخص، والأشخاص الذين يتمتعون بخفة الدم وروح الدعابة هم في كلِّ أحوالهم أشخاص متواضعون، ومسالمون، وواثقون من أنفسهم، وتلقائيُّون، وعَفَوِيُّون، وبسطاء جدًّا من الداخل، مهما بلغت مكانتهم الاجتماعية والعلمية والدينية.

 وبما أنكِ تشعرين أنَّكِ مَرِحَة وضَحوكٌ مع أختكِ، فلعلَّ خفة الظل إذًا هي طبع في شخصيتكِ، أما لماذا تتغير شخصيتكِ مع صديقاتكِ وزميلاتكِ في المدرسة؟ فهذا لأنَّكِ لا تتصرفين على طبيعتكِ الحقيقية؛ لعدم ثقتكِ الكاملة بنفسكِ، فعدم الثِّقة بالنفس هو الذي يَجعلنا نتردَّد في الإقدام والمحاولة والتعبير الحر، ولو أنكِ كنتِ تثقين بنفسكِ حقَّ الثقة، لما تَمزقت شخصيتكِ وصورتكِ الذِّهنية عن نفسكِ؛ بحيث تظهرين مع الناس بشكل، ومع شقيقتكِ بشكل آخر.

 ما تفعلينه - يا منى - هو التكلُّف والتجمُّل في (خفة الدم)، إنَّكِ تضيِّعين الوقتَ الذي تجلسين فيه مع صديقاتكِ في البحث عن موقف مُضحك ضائع في أدراج الذَّاكرة، أو إعادة تصنيع كلمة مُضحكة، ثم لا تلبث أن تعلق في تلافيف دماغكِ ولا تخرج، وهكذا حتى ينسرق منكِ الوقت، وأنتِ تفكرين بينكِ وبين نفسكِ: هل هذه الكلمة ستثير الضحكَ أو لا؟ هل ستعجبهُنَّ هذه الطرفة أو لا؟ في حين أنكِ تتصرفين بتلقائيَّة، وبمنتهى العفوية مع شقيقتك الكبرى، ولا تحملين همَّ الضحكة، ولا تفكرين أصلًا إن كانت ستضحك منها أم لا، هذا هو الفرق.

 ولهذا؛ أنصحكِ أن تنسَيْ التفكير في المسألة برُمَّتها، كوني على طبيعتكِ فقط، كوني أنتِ ولا تحاولي التشبُّه بأحد؛ لأنكِ لن تتقني الدور، ومِنْ ثَمَّ ستظهرين بصورة مُتكلفة وجامدة لا حياة فيها، أو بالوصف الذي تقولينه بلسان زميلاتكِ عنكِ: "هادئة جدًّا"؛ ذلك لأنكِ تقضين جُلَّ الوقت وأنتِ غارقة في التفكير في دعابة أو مزحة.

 عَزِّزي ثقتكِ بنفسكِ أولًا، ولا تتكلَّفي في الحديث مع الآخرين ثانيًا، ثم عبِّري عما تشعرين به في اللحظة الآنيَّة، التي تشعرين فيها أن لديكِ ما تقولينه مما لا يُؤذي الآخرين، ولو كان مزاحًا، عبِّري عما تشعرين به بكُلِّك، جسدًا وروحًا وقلبًا وضميرًا، وستجدين أنَّ الكلمةَ قد خرجت صافية مُضحِكة، كما تحبين أن تسمعيها بنفسكِ.

 ألم تسألي نفسكِ: لماذا ينجح الأطفال في رسم البسمة على وجوه الكبار؟ لأنَّهم لا يشغلون عقولَهم بالتفكير مثلما تفعلين؛ بل يتصرفون بتلقائيَّة، ويعلقون على المواقف بعَفَوِيَّة، ويُخطئون في نطق بعض الكلمات ولا يبالون، ويتحدَّثون في أمور لا تعنيهم بكل ثقة، ثم يضحكون؛ لأنَّنا نضحك، وليس لأن تصرفاتهم البريئة هي المضحكة.

 لا يشترط - يا منى - أن تمرِّي بمواقف مُضحكة لقَصِّها على الآخرين، فأنتِ حتى الآن لا تزالين طريَّة العود، وقليلة الخبرة، ويبقى الأسلوب الذي تقصِّين به الموقف أو الحكاية أو المعلومة هو ما يجعلها طريفة ومضحكة، حتى لو كانت في الواقع حزينة، أو رومانسية، أو مؤثرة.

 أحيانًا نَجد الكلمة أو الطرفة يقولها شخص ما، ثُمَّ لا تحرك فينا ساكنًا، بينما قد يقولها شخص آخر، فنغرق في الضحك، والسبب في ذلك يعود إلى الطريقة التي نطق بها هذه الكلمة، أو نبرة صوته، أو تعابير وجهه وهو يقولها، وفي تراثنا العربي بعض الشخصيَّات التي عُرِفت بأسلوبها المضحك الطريف، كأبي دلامة، وجُحا، وقراقوش، وأشعب، وغيرهم، لقد كان أسلوبهم في معالجة المواقف هو المضحك، وليست المواقف نفسها التي تعرضوا لها.

 إنَّ الكلمة التي تثير ضحكنا - يا عزيزتي - لا تخرج من لسان صاحبها فحسب، بل من قلبه وخلايا جسده بالكامل؛ إذ يتشارك كلُّ الجسد في التعبير عن المشاعر، التي تلفُّ الكلمة، وهي تخرج ضاحكة من الأفواه المبتسمة.

 ومع ذلك، ليس مهمًّا ولا هو بالأمر العظيم أن تقولي شيئًا مُضحكًا، بل المهم أن تقولي شيئًا مفيدًا بروح مَرِحة، وسواء ضحك الناس أم لم يضحكوا، فهذا الأمر عائد إليهم، ويبقى السؤال الأهم: هل قضوا معكِ وقتًا مفيدًا أو لا؟

 لذا؛ إنْ لم يكن لديكِ إضافة مُهمة، فالصمت أبلغ، والصَّمت لا يعيب صاحبَه، بل يَحفظ عليه دينه من زلاَّت اللسان؛ فعن عقبة بن عامر قال: "قلت: يا رسول الله، ما النجاة؟ قال: ((املك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك))؛ رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن.

 بالنسبة للحديث المميَّز الذي يخرج من أفواه الناس المميزين، فهو أشبه بالعسل الحلو المذاق، الذي يخرج من بطون النحل، فإنْ أردتِ أن تكوني مُحدِّثة مُميزة، يُصْغِي إليها الآخرون باهتمام، فيجب أن تعيشي حياتكِ كما تعيش النحلة.

 إنَّ العسل الذي نجده بسهولة لم تصنعه النَّحلة الصغيرة بسهولة، فالنَّحلة تقطع الوديان والجبال والغابات والسُّهول؛ بَحثًا عن الأشجار والأزهار المختلفة؛ لتمتصَّ منها الرحيق، وتخرج لنا منها ألوانًا شتَّى من العسل؛ ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 68 – 69].

 وكما تتنقل النحلة من زهرة إلى زهرة، تنقَّلي أنتِ من كتاب إلى كتاب؛ لأنَّه لا يُمكن أن يكون لديكِ شيء تقولينه للنَّاس إن لم تقرئي، ولا تظني أن المجلات والمنتديات والبرامج التِّلفازية مصدرٌ حقيقيٌّ للعلم والثقافة، بل هي كالغذاء المعلَّب، والأطعمة السريعة، التي ضُرُّها أكثر من نفعها.

 اذهبي إلى المكتبة واشتري لكِ كتابًا مرةً كلَّ شهر، واستعيري من مكتبة المدرسة كتابًا أو قصة مرة كل أسبوع، ونَوِّعي في قراءاتكِ ما بين مادة أدبية، وأخرى تاريخية، وثالثة علميَّة، وثقي أنَّه لن تنتهي السنة إلاَّ وقد أصبحتِ فتاة أخرى غير التي تعرفينها عن نفسكِ.

 لقد أخلصتُ لمكتبات المدرسة والجامعة إلى الحد الذي كان يُمتعني جدًّا أنْ أقومَ بتنظيف المكتبة بالمكنسة، صدِّقيني - يا منى - إننا حين نتواضع للعلم، فإنَّه لا يلبث أن يتواضع لنا، وتصبح أصعب أدواته مطواعة بين أيدينا.

 وحتى حين يصبح لدينا كمٌّ هائل من الأحاديث الممتعة، فلا بأسَ من قضاء بعض الوقت في الإصغاء إلى الأصدقاء، وترك الفرصة للآخرين؛ ليتحدثوا بلباقة، ونُصغي نحن إليهم باستماع جيد.

 تقول (لس جبلين) مؤلفة كتاب "كيف تتمتع بالثقة والقوة في التعامُل مع الناس": "إنَّك لكي تكون محدثًا لَبِقًا لا يكمُن كثيرًا في التفكير لقول أشياء مهمة، أو في سرد أمور بطولية، ولكن في فتح شهية الطَّرف الآخر للحديث ودفعه للكلام، فإنِ استطعتَ أن تدفع الآخرين إلى الكلام، استطعت بذلك أن تحظى بسُمْعة المتحدث الجيد اللبق".

 ختامًا:

قال سعيد بن العاص: "اقتصد في مزاحك، فالإفراط به يذهب البَهاء، ويجري عليك السفهاء، وتركه يقبض المؤانسين، ويوحش المخالطين".

 دمتِ بألف خير، ولا تنسَيْني من صالح دعائكِ.

الكاتب: أ. عائشة الحكمي

المصدر: موقع الألوكة