سورة آل عمران - تفسير تفسير أبي حيان

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
تفسير السورة  
الصفحة الرئيسية > القرآن الكريم > تفسير السورة   (آل عمران)


        


التوراة: اسم عبراني، وقد تكلف النحاة في اشتقاقها وفي وزنها وذلك بعد تقرير النحاة أن الأسماء الأعجمية لا يدخلها اشتقاق، وأنها لا توزن، يعنون اشتقاقاً عربياً. فأمّا اشتقاق: التوراة، ففيه قولان: أحدهما: إنها من: ورى الزند يري، إذا قدح وظهر منه النار، فكأن التوراة ضياء من الظلال، وهذا الاشتقاق قول الجمهور. وذهب أبو فيد مؤرج السدوسي إلى أنها مشتقة من: ورَّى، كما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفراً ورى بغيره، لأن أكثر التوراة تلويح. وأما وزنها فذهب الخليل، وسيبويه، وسائر البصريين إلى أن وزنها: فوعلة، والتاء بدل من الواو، كما أبدلت في: تولج، فالأصل فيها ووزنه: وولج، لأنهما من ورى، ومن ولج. فهي: كحوقلة، وذهب الفراء إلى أن وزنها: تفعلة، كتوصية. ثم أبدلت كسرة العين فتحة والياء ألفا. كما قالوا في: ناصية، وجارية: ناصاه وجاراه.
وقال الزجاج: كأنه يجيز في توصية توصاه، وهذا غير مسموع. وذهب بعض الكوفيين إلى أن وزنها: تفعلة، بفتح العين من: وريت بك زنادي، وتجوز إمالة التوراة.
وقد قرئ بذلك على ما سيأتي ان شاء الله تعالى.
الإِنجيل: اسم عبراني أيضاً، وينبغي أن لا يدخله اشتقاق، وأنه لا يوزن، وقد قالوا: وزنه فعيل. كإجفيل، وهو مشتق من النجل، وهو الماء الذي ينز من الأرض. قال الخليل: استنجلت الأرض نجالاً، وبها نجال، إذا خرج منها الماء. والنجل أيضاً: الولد والنسل، قاله الخليل، وغيره. ونجله أبوه أي: ولده. وحكى أبو القاسم الزجاجي في نوادره: أن الولد يقال له: نجل، وأن اللفظة من الأضداد، والنجل أيضاً: الرمي بالشيء.
وقال الزجاج: الإنجيل مأخوذ من النجل، وهو الأصل، فهذا ينحو إلى ما حكاه الزجاجي.
قال أبو الفتح: فهو من نجل إذا ظهر ولده، أو من ظهور الماء من الأرض، فهو مستخرج إما من اللوح المحفوظ، وإما من التوراة. وقيل: هو مشتق من التناجل، وهو التنازع، سمي بذلك لتنازع الناس فيه.
وقال الزمخشري: التوراة والإنجيل اسمان أعجميان، وتكلف اشتقاقهما من الوري والنجل، ووزنهما متفعلة وإفعيل: إنما يصحح بعد كونهما عربيين. إنتهى. وكلامه صحيح، إلاَّ أن في كلامه إستدراكاً في قوله: متفعلة، ولم يذكر مذهب البصريين في أن وزنها: فوعلة، ولم ينبه في: تفعلة، على أنها مكسورة العين، أو مفتوحتها.
وقيل: هو مشتق من نجل العين، كأنه وسع فيه ما ضيق في التوراة.
الإنتقام: افتعال من النقمة، وهو السطوة والانتصار. وقيل: هي المعاقبة على الذنب مبالغة في ذلك، ويقال: نقم ونقم إذا أنكر، وانتقم عاقب.
صور: جعل له صورة. قيل: وهو بناء للمبالغة من صار يصور، إذا أمال، وثنى إلى حال، ولما كان التصوير إمالة إلى حال، وإثباتاً فيها، جاء بناؤه على المبالغة.
والصورة: الهيئة يكون عليها الشيء بالتأليف. وقال المروزي: التصوير إنه ابتداء مثال من غير أن يسبقه مثله.
الزيغ: الميل، ومنه: زاغت الشمس {وزاغت الأبصار} وقال الراغب: الزيغ: الميل عن الاستقامة إلى أحد الجانبين، وزاغ وزال ومال يتقارب، لكن زاغ لا يقال إلاَّ فيما كان من حق إلى باطل.
التأويل: مصدر أوَّل، ومعناه: آخر الشيء ومآله، قاله الراغب. وقال غيره: التأويل المرد والمرجع. قال:
أؤول الحكم على وجهه *** ليس قضاي بالهوى الجائر
الرسوخ: الثبوت. قال:
لقد رسخت في القلب منّي مودة *** لليلى أبت أيامها أن تغيّرا
الهبة: العطية المتبرع بها، يقال: وهب يهب هبة، وأصله: أن يأتي المضارع على يفعِل، بكسر يالعين. ولذلك حذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، لكن لما كانت العين حرف حلق فتحت مع مراعاة الكسرة المقدرة، وهو نحو: وضع يضع، إلاَّ أن هذا فتح لكون لامه حرف حلق، والأصل فيهما: يوهب ويوضع. ويكون: وهب، بمعنى جعل، ويتعدى إذ ذاك إلى مفعولين، تقول العرب: وهبني الله فداك، أي: جعلني الله فداك. وهي في هذا الوجه لا تتصرف، فلا تستعمل منها بهذا المعنى إلاَّ الفعل الماضي خاصة.
لدن: ظرف، وقل أن تفارقها: من، قاله ابن جني، ومعناها: ابتداء الغاية في زمان أو مكان، أو غيره من الذوات غير المكانية، وهي مبنية عند أكثر العرب، وإعرابها لغة قيسية، وذلك إذا كانت مفتوحة اللام مضمومة الدال بعدها النون، فمن بناها قيل: فأشبهها بالحروف في لزوم استعمال واحد، وامتناع الإخبار بها، بخلاف: عند، ولدى. فإنهما لا يلزمان استعمالاً واحداً، فإنهما يكونان لابتداء الغاية، وغير ذلك، ويستعملان فضلة وعمدة، فالفضلة كثير، ومن العمدة {وعنده مفاتح الغيب} {ولدينا كتاب ينطق بالحق} وأوضح بعضهم علة البناء فقال: علة البناء كونها تدل على الملاصقة للشيء وتختص بها، بخلاف: عند، فإنها لا تختص بالملاصقة، فصار فيها معنى لا يدل عليه الظرف، بل هو من قبيل ما يدل عليه الحرف، فهي كأنها متضمنة للحرف الذي كان ينبغي أن يوضع دليلاً على القرب. ومثله: ثم، و: هنا. لأنهما بُنيا لما تضمنا معنى الحرف الذي كان ينبغي أن يوضع ليدل على الإشارة.
ومن أعربها، وهم قيس، فتشبيهاً: بعند، لكون موضعها صالحاً لعند، وفيها تسع لغات غير الأولى: لَدُن، ولُدْنُ، ولَدْنٌ، ولَدِنٌ، ولَدُنِ، ولَدٌ ولُدْ، ولَدْ ولَتْ. بإبدال الدال تاء، وتضاف إلى المفرد لفظاً كثيراً، وإلى الجملة قليلاً. فمن إضافتها إلى الجملة الفعلية قول الشاعر:
صريع عوانٍ راقهن ورُقنَهُ *** لدن شب حتى شاب سود الذوائبِ
وقال الآخر:
لزمنا لدن سالتمونا وفاقكم *** فلا يك منكم للخلاف جنوحُ
ومن إضافتها إلى الجملة الإسمية قول الشاعر:
تذكر نعماه لدن أنت يافع *** إلى أنت ذو فودين أبيض كالنسر
وجاء إضافتها إلى: أن والفعل، قال:
وليت فلم يقطع لدن أن وليتنا *** قرابة ذي قربى ولا حق مسلم
وأحكام لدن كثيرة ذكرت في علم النحو. الإغناء: الدفع والنفع، وفلان عظيم الغنى، أي: الدفع والنفع.
الدأب: العادة. دأب على كذا: واظب عليه وأدمن. قال زهير:
لأرتحلنْ بالفجر ثم لأدأبنّ *** إلى الليل إلاَّ أن يعرجني طفل
الذنب: التلو، لأن العقاب يتلوه، ومنه الذنب والذنوب لأنه يتبع الجاذب.
{بسم الله الرحمن الرحيم الم الله لا إله إلاَّ هو الحيُّ القيُّوم} هذه السورة، سورة آل عمران، وتسمى: الزهراء، والأمان، والكنز، والمعينة، والمجادلة، وسورة الاستغفار وطيبة. وهي: مدنية الآيات ستين، وسبب نزولها فيما ذكره الجمهور: أنه وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصاري نجران، وكانوا ستين راكباً، فيهم أربعة عشر من أشرافهم، منهم ثلاثة إليهم يؤول أمرهم، أميرهم: العاقب عبد المسيح، وصاحب رحلهم: السيد الأيهم، وعالمهم: أبو حارثة بن علقمة، أحد بني بكر بن وائل. وذكر من جلالتهم، وحسن شارتهم وهيئتهم. وأقاموا بالمدينة أياماً يناظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى، ويزعمون تارة أنه الله، وتارة ولد الإله، وتارة: ثالث ثلاثة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر لهم أشياء من صفات الباري تعالى، وانتفاءها عن عيسى، وهم يوافقونه على ذلك، ثم أبوا إلاَّ جحوداً، ثم قالوا: يا محمد! ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟ قال: «بلى». قالوا: فحسبنا. فأنزل الله فيهم صدر هذه السورة إلى نيف وثمانين آية منها، إلى أن دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الابتهال.
وقال مقاتل: نزلت في اليهود المبغضين لعيسى، القاذفين لأمّه، المنكرين لما أنزل الله عليه من الإنجيل.
ومناسبة هذه السورة لما قبلها واضحة لأنه، لما ذكر آخر البقرة {أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} ناسب أن يذكر نصره تعالى على الكافرين، حيث ناظرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردّ عليهم بالبراهين الساطعة، والحجج القاطعة، فقص تعالى أحوالهم، وردّ عليهم في اعتقادهم، وذكر تنزيهه تعالى عما يقولون، وبداءة خلق مريم وابنها المسيح إلى آخر ما ردّ عليهم، ولما كان مفتتح آية آخر البقرة {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} فكأن في ذلك الإيمان بالله وبالكتب، ناسب ذكر أوصاف الله تعالى، وذكر ما أنزل على رسوله، وذكر المنزل على غيره صلى الله عليهم.
قرأ السبعة: ألم الله، بفتح الميم، وألف الوصل ساقطة. وروى أبو بكر في بعض طرقه، عن عاصم: سكون الميم، وقطع الألف. وذكرها الفراء عن عاصم، ورويت هذه القراءة عن الحسن، وعمرو بن عبيد، والرؤاسي، والأعمش، والبرجمي، وابن القعقاع: وقفوا على الميم، كما وقفوا على الألف واللام، وحقها ذلك، وأن يبدأ بما بعدها كما تقول: واحد اثنان.
وقرأ أبو حيوة بكسر الميم، ونسبها ابن عطية إلى الرؤاسي، ونسبها الزمخشري إلى عمرو بن عبيد، وقال: توهم التحريك لالتقاء الساكنين، وما هي بمقبولة، يعني: هذه القراءة.
انتهى.
وقال غيره: ذلك رديء، لأن الياء تمنع من ذلك، والصواب الفتح قراءة جمهور الناس. إنتهى.
وقال الأخفش: يجوز: ألم الله، بكسر الميم لالتقاء الساكنين. قال الزجاج: هذا خطأ، ولا تقوله العرب لثقله.
واختلفوا في فتحة الميم: فذهب سيبويه إلى أنها حركت لالتقاء الساكنين، كما حركوا: من الله، وهمزة الوصل ساقطة للدرج كما سقطت في نحو: من الرجل، وكان الفتح أولى من الكسر لأجل الياء، كما قالوا: أين؟ وكيف؟ ولزيادة الكسرة قبل الياء، فزال الثقل. وذهب الفراء إلى أنها حركة نقل من همزة الوصل، لأن حروف الهجاء ينوى بها الوقف، فينوي بما بعدها الاستئناف. فكأن الهمزة في حكم الثبات كما في أنصاف الأبيات نحو:
لتسمعن وشيكاً في دياركم *** الله أكبر يا ثارات عثمانا
وضعف هذا المذهب بإجماعهم على أن الألف الموصولة في التعريف تسقط في الوصل. وما يسقط يتلقى حركته، قاله أبو علي. وقد اختار مذهب الفراء في أن الفتحة في الميم هي حركة الهمزة حين أسقطت للتخفيف الزمخشري، وأورد أسئلة وأجاب عنها.
فقال: فإن قلت: كيف جاز إلقاء حركتها عليها وهي همزة وصل لا تثبت في درج الكلام، فلا تثبت حركتها لأن ثبات حركتها كثباتها؟
قلت: ليس هذا بدرج، لأن ميم في حكم الوقف والسكون، والهمزة في حكم الثابت. وإنما حذفت تخفيفاً، وألقيت حركتها على الساكن قبلها لتدل عليها، ونظيره قولهم: واحد إثنان، بالقاء حركة الهمزة على الدال. إنتهى هذا السؤال وجوابه. وليس جوابه بشيء، لأنه ادّعى أن الميم حين حركت موقوفة عليها. وأن ذلك ليس بدرج، بل هو وقف، وهذا خلاف لما أجمعت العرب والنحاة عليه من أنه لا يوقف على متحرك ألبتة، سواء كانت حركته إعرابية، أو بنائية، أو نقلية، أو لإلتقاء الساكنين، أو للحكاية، أو للإتباع. فلا يجوز في: قد أفلح، إذا حذفت الهمزة، ونقلت حركتها إلى دال: قد، أن تقف على دال: قد، بالفتحة، بل تسكنها قولاً واحداً.
وأما قوله: ونظير ذلك قولهم: واحد اثنان بالقاء حركة الهمزة على الدال، فإن سيبوية ذكر أنهم يشمون آخر واحد لتمكنه، ولم يحك الكسر لغة. فإن صح الكسر فليس واحد موقوفاً عليه، كما زعم الزمخشري، ولا حركته حركة نقل من همزة الوصل، ولكنه موصول بقولهم: إثنان، فالتقى ساكنان، دال، واحد، و: ثاء، إثنين، فكسرت الدال لإلتقائهما، وحذفت الهمزة لأنها لا تثبت في الوصل. وأما ما استدل به للفراء من قولهم: ثلاثة أربعة، بإلقائهم الهمزة على بالهاء، فلا دلالة فيه، لأن همزة أربعة همزة قطع في حال الوصل بما قبلها وابتدائها، وليس كذلك همزة الوصل نحو: من الله، وأيضاً، فقولهم: ثلاثة أربعة بالنقل ليس فيه وقف على ثلاثة، إذ لو وقف عليها لم تكن تقبل الحركة، ولكن أقرت في الوصل هاء اعتباراً بما آلت إليه في حال مّا، لا أنها موقوف عليها.
ثم أورد الزمخشري سؤالاً ثانياً. فقال:
فإن قلت: هلا زعمت أنها حركت لإلتقاء الساكنين؟.
قلت: لأن التقاء الساكنين لا نبالي به في باب الوقف، وذلك كقولك: هذا ابراهيم، وداود، وإسحاق. ولو كان لالتقاء الساكنين في حال الوقف موجب التحريك لحرك الميمان في ألف لام ميم لالتقاء الساكنين، ولما انتظر ساكن آخر. إنتهى هذا السؤال وجوابه. وهو سؤال صحيح، وجواب صحيح، لكن الذي قال: إن الحركة هي لالتقاء الساكنين لا يتوهم أنه أراد التقاء الياء والميم من ألف لام ميم في الوقف، وإنما عنى التقاء الساكنين اللذين هما: ميم ميم الأخيرة. و: لام التعريف، كالتقاء نون: من، ولام: الرجل، إذا قلت: من الرجل.
ثم أورد الزمشخري سؤالاً ثالثاً، فقال:
فإن قلت: إنما لم يحركوا لالتقاء الساكنين في ميم، لأنهم أرادوا الوقف، وأمكنهم النطق بساكنين، فإذا جاء بساكن ثالث لم يمكن إلاَّ التحريك فحركوا؟
قلت: الدليل على أن الحركة ليست لملاقاة الساكن، أنهم كان يمكنهم أن يقولوا: واحد اثنان، بسكون الدال مع طرح الهمزة، فجمعوا بين ساكنين، كما قالوا: أصيم ومديق، فلما حركوا الدال علم أن حركتها هي حركة الهمزة الساقطة لا غير، وليست لالتقاء الساكنين. إنتهى هذا السؤال وجوابه. وفي سؤاله تعمية في قوله: فإن قلت: إنما لم يحركوا لالتقاء الساكنين؟ ويعني بالساكنين: الياء والميم في ميم، وحيئذ يجيء التعليل بقوله: لأنهم أرادوا الوقف وأمكنهم النطق بساكنين، يعني الياء والميم، ثم قال: فإن جاء بساكن ثالث، يعني لام التعريف، لم يمكن إلاَّ التحريك، يعني في الميم، فحركوا يعني: الميم لالتقائها ساكنة مع لام التعريف، إذ لو لم يحركوا لاجتمع ثلاث سواكن، وهو لا يمكن. هذا شرح السؤال.
وأما جواب الزمخشري عن سؤاله، فلا يطابق، لأنه استدل على أن الحركة ليست لملاقاة ساكن بامكانية الجمع بين ساكنين في قولهم: واحد اثنان، بأن يسكنوا الدال، والثاء ساكنة، وتسقط الهمزة. فعدلوا عن هذا الإمكان إلى نقل حركة الهمزة إلى الدال، وهذه مكابرة في المحسوس، لا يمكن ذلك أصلاً، ولا هو في قدرة البشر أن يجمعوا في النطق بين سكون الدال وسكون الثاء، وطرح الهمزة.
وأما قوله: فجمعوا بين ساكنين، فلا يمكن الجمع كما قلناه، وأما قوله: كما قالوا: أصيم ومديق، فهذا ممكن كما هو في: راد وضال، لأن في ذلك التقاء الساكنين على حدّهما المشروط في النحو، فأمكن النطق به، وليس مثل: واحد اثنان. لأن الساكن الأول ليس حرف علة، ولا الثاء في مدغم، فلا يمكن الجمع بينهما.
وأما قوله: فلما حركوا الدال علم أن حركتها هي حركة الهمزة الساقطة لا غير، وليست لالتقاء الساكنين، لما بني على أن الجمع بين الساكنين في واحد اثنان ممكن، وحركة التقاء الساكنين إنما هي فيما لا يمكن أن يجتمعا فيه في اللفظ، ادّعى أن حركة الدال هي حركة الهمزة الساقطة لالتقاء الساكنين، وقد ذكرنا عدم إمكان ذلك، فإن صح كسر الدال، كما نقل هذا الرجل، فتكون حركتها لالتقاء الساكنين لا للنقل، وقد ردّ قول الفراء، واختيار الزمخشري إياه بأن قيل: لا يجوز أن تكون حركة الميم حركة الهمزة ألقيت عليها، لما في ذلك من الفساد والتدافع، وذلك أن سكون آخر ميم إنما هو على نية الوقف عليها، والقاء حركة الهمزة عليها إنما هو على نية الوصل، ونية الوصل توجب حذف الهمزة، ونية الوقف على ما قبلها توجب ثباتها وقطعها، وهذا متناقض.
انتهى. وهو ردّ صحيح.
والذي تحرر في هذه الكلمات: أن العرب متى سردت أسماء مسكنة الآخر وصلاً ووقفاً، فلوا التقى آخر مسكن منها، بساكن آخر، حرك لالتقاء الساكنين. فهذه الحركة التي في ميم: ألم الله، هي حركة التقاء الساكنين.
والكلام على تفسير: {الم}، تقدم في أول البقرة، واختلاف الناس في ذلك الاختلاف المنتشر الذي لا يوقف منه على شيء يعتمد عليه في تفسيره وتفسير أمثاله من الحروف المقطعة.
والكلام على: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} تقدم في آية {وإلهكم إله واحد لا إله إلا الله} وفي أول آية الكرسي، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
وذكر ابن عطية عن القاضي الجرجاني أنه ذهب في النظم إلى أن أحسن الأقوال هنا أن يكون {الم} إشارة إلى حروف المعجم، كأنه يقول: هذه الحروف كتابك، أو نحو هذا.
ويدل قوله: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب} على ما ترك ذكره، مما هو خبر عن الحروف، قال: وذلك في نظمه مثل قوله: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} ترك الجواب لدلالة قوله {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله} عليه، تقديره: كمن قسا قلبه. ومنه قول الشاعر:
فلا تدفنوني إن دفني محرم *** عليكم ولكن خامري أم عامر
أي: ولكن اتركوني للتي يقال لها: خامري أم عامر.
قال ابن عطية: يحسن في هذا القول أن يكون نزل خبر قوله: الله، حتى يرتبط الكلام إلى هذا المعنى الذي ذكره الجرجاني، وفيه نظر، لأن مثليته ليست صحيحة الشبه بالمعنى الذي نحا إليه، وما قاله في الآية محتمل، ولكن الأبرع في نظم الآية أن يكون {الم} لا يضم ما بعدها إلى نفسها في المعنى، وأن يكون {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} كلاماً مبتدأ جزماً، جملة رادّة على نصارى نجران الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحاجوه في عيسى بن مريم، وقالوا: إنه الله.
إنتهى كلامه.
قال ابن كيسان: موضع: ألم، نصب، والتقدير: قرأوا ألم، و: عليكم ألم. ويجوز أن يكون في موضع رفع بمعنى: هذا ألم، و: ذلك ألم.
وتقدم من قول الجرجاني أن يكون مبتدأ، والخبر محذوف، أي: هذه الحروف كتابك.
وقرأ عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود، وعلقمة بن قيس: القيام. وقال خارجة في مصحف عبد الله: القيم، وروي هذا أيضاً عن علقمة. {الله} رفع على الإبتداء، وخبره: {لا إله إلا هو} و{نزل عليك الكتاب} خبر بعد خبر، ويحتمل أن يكون: نزل، هو الخبر، و: لا إله إلا هو، جملة اعترض.
وتقدم في آية الكرسي استقصاء إعراب: {لا إله إلا هو الحي القيوم} فأغنى عن إعادته هنا.
وقال الرازي: مطلع هذه السورة عجيب، لأنهم لما نازعوا كأنه قيل: إما أن تنازعوا في معرفة الله، أو في النبوة، فإن كان الأول فهو باطل، لأن الأدلة العقلية دلت على أنه: حي قيوم، والحي القيوم يستحيل أن يكون له ولد، وإن كان في الثاني فهو باطل، لأن الطريق الذي عرفتم أن الله تعالى أنزل التوراة والإنجيل، هو بعينه قائم هنا، وذلك هو المعجزة.
{نزل عليك الكتاب بالحق} الكتاب هنا: القرآن، باتفاق المفسرين، وتكرر كثيراً، والمراد القرآن، فصار علماً. بالغلبة. وقرأ الجمهور: نزّل، مشدداً و: الكتاب، بالنصب، وقرأ النخعي، والأعمش، وابن أبي عبلة: نزل، مخففاً، و: الكتابُ، بالرفع، وفي هذه القراءة تحتمل الآية وجهين: أحدهما: أن تكون منقطعة. والثاني: أن تكون متصلة بما قبلها، أي: نزل الكتاب عليك من عنده، وأتى هنا بذكر المنزل عليه، وهو قوله: عليك، ولم يأت بذكر المنزل عليه التوراة، ولا المنزل عليه الإنجيل، تخصيصاً له وتشريفاً بالذكر، وجاء بذكر الخطاب لما في الخطاب من المؤانسة، وأتى بلفظة: على، لما فيها من الاستعلاء. كأن الكتاب تجلله وتغشاه، صلى الله عليه وسلم.
ومعنى: بالحق: بالعدل، قاله ابن عباس، وفيه وجهان: أحدهما: العدل فيما استحقه عليك من حمل أثقال النبوة. الثاني: بالعدل فيما اختصك به من شرف النبوة.
وقيل: بالصدق فيما اختلف فيه، قاله محمد بن جرير. وقيل: بالصدق فيما تضمنه من الأخبار عن القرون الخالية. وقيل: بالصدق فيما تضمنه من الوعد بالثواب على الطاعة، ومن الوعيد بالعقاب على المعصية.
وقيل: معنى بالحق: بالحجج والبراهين القاطعة.
والباء: تحتمل السببية أي: بسبب إثبات الحق، وتحتمل الحال، أي: محقاً نحو: خرج زيد بسلاحه، أي متسلحاً.
{مصدقا لما بين يديه} أي: من كتب الأنبياء، وتصديقه إياها أنها أخبرت بمجيئه، ووقوع المخبر به يجعل المخبر صادقاً، وهو يدل على صحة القرآن، لأنه لو كان من عند غير الله لم يوافقها، قاله أبو مسلم وقيل: المراد منه أنه لم يبعث نبياً قط، إلاَّ بالدعاء إلى توحيده، والإيمان، وتنزيهه عما لا يليق به، والأمر بالعدل والإحسان، والشرائع التي هي صلاح أهل كل زمان.
فالقرآن مصدق لتلك الكتب في كل ذلك، والقرآن، وإن كان ناسخاً لشرائع أكثر الكتب، فهي مبشرة بالقرآن وبالرسول، ودالة على أن أحكامها تثبت إلى حين بعثة الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنها تصير منسوخة عند نزول القرآن. فقد وافقت القرآن، وكان مصدقاً لها، لأن الدلائل الدالة على ثبوت الإلهية لا تختلف.
وانتصاب: مصدقاً، على الحال من الكتاب، وهي حال مؤكدة، وهي لازمة، لأنه لا يمكن أن يكون غير مصدق لما بين يديه، فهو كما قال:
أنا ابن دارة معروفاً به نسبي *** وهل بدارة يا للناس من عار
وقيل: انتصاب: مصدقاً، على أنه بدل من موضع: بالحق، وقيل: حال من الضمير المجرور. و: لما، متعلق بمصدقاً، واللام لتقوية التعدية، إذ: مصدقاً، يتعدى بنفسه، لأن فعله يتعدى بنفسه. والمعنى هنا بقوله {لما بين يديه} المتقدم في الزمان. وأصل هذا أن يقال: لما يتمكن الإنسان من التصرف فيه. كالشيء الذي يحتوي عليه، ويقال: هو بين يديه إذا كان قدامه غير بعيد. {وأنزل التوراة والإنجيل من قبل} فخم راء التوراة ابن كثير، وعاصم، وابن عامر، وأضجعها: أبو عمرو، والكسائي. وقرأها بين اللفظين: حمزة، ونافع. وروى المسيبي عن نافع فتحها.
وقرأ الحسن: والأنجيل، بفتح الهمزة، وهذا يدل على أنه أعجمي، لأن أفعيلاً ليس من أبنية كلام العرب، بخلاف إفعيل، فإنه موجود في أبنيتهم: كإخريط، وإصليت.
وتعلق: من قبل، بقوله: وأنزل، والمضاف إليه المحذوف هو الكتاب المذكور، أي: من قبل الكتاب المنزل عليك وقيل: التقدير من قبلك، فيكون المحذوف ضمير الرسول. وغاير بين نزل وأنزل، وإن كانا بمعنى واحد، إذ التضعيف للتعدية، كما أن الهمزة للتعدية.
وقال الزمخشري فإن قلت لِمَ قيل: نزل الكتاب، وأنزل التوراة والإنجيل؟.
قلت: لأن القرآن نزل منجماً، ونزل الكتابان جملة. انتهى. وقد تقدم الرد على هذا القول. وأن التعدية بالتضعيف لا تدل على التكثير، ولا التنجيم، وقد جاء في القرآن: نزل وأنزل، قال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر} و{وأنزل عليك الكتاب} ويدل على أنهما بمعنى واحد قراءة من قرأ ما كان: ممن ينزل، مشدداً بالتخفيف، إلاَّ ما استثني، فلو كان أحدهما يدل على التنجيم، والآخر يدل على النزول دفعة واحدة، لتناقض الإخبار. وهو محال.
{هدى للناس} قيل: هو قيد في الكتاب والتوراة والإنجيل. والظاهر أنه قيد في التوراة والإنجيل، ولم يثن لأنه مصدر. وقيل: هو قيد في الإنجيل وحده، وحذف من التوراة، ودل عليه هذا القول الذي للإنجيل وقيل: تم الكلام عند قوله {من قبل} ثم استأنف فقال {هدى للناس وأنزل الفرقان} فيكون الهدى للفرقان فحسب، ويكون على هذا الفرقان القرآن، وهذا لا يجوز، لأن هدى إذ ذاك يكون معمولاً لقوله: وأنزل الفرقان هدى، وما بعد حرف العطف لا يتقدم عليه، لو قلت: ضربت زيداً، مجردةً و: ضربت هنداً، تريد، وضربت هنداً مجردة لم يجز، وانتصابه على الحال.
وقيل: هو مفعول من أجله، والهدى: هو البيان، فيحتمل أن يراد أن التوراة والإنجيل هدى بالفعل، فيكون الناس هنا مخصوصاً، إذ لم تقع الهداية لكل الناس، ويحتمل أن يكون أراد أنهما هدىً في ذاتهما، وأنهما داعيان للهدى، فيكون الناس عاماً، أي: هما منصوبان وداعيان لمن اهتدى بهما، ولا يلزم من ذلك وقوع الهداية بالفعل لجميع الناس وقيل: الناس قوم موسى وعيسى وقيل: نحن متعبدون بشرائع من قبلنا، فالناس عام. قال الكعبي: هذا يبطل قول من زعم أن القرآن عمى على الكافر، وليس هدى له، ويدل على أن معنى {وهو عليهم عمًى} أنهم عند نزوله اختاروا العمى على وجه المجاز، لقول نوح، {فلم يزدهم دعائي إلاَّ فراراً} انتهى.
قيل: وخص الهدى بالتوراة والإنجيل هنا، وإن كان القرآن هدىً، لأن المناظرة كانت مع النصارى وهم لا يهتدون بالقرآن، بل وصف بأنه حق في نفسه، قبلوه أو لم يقبلوه، وأما التوراة والإنجيل فهم يعتقدون صحتهما، فلذلك اختصا في الذكر بالهدى.
قال ابن عطية: قال هنا للناس، وقال في القرآن هدى للمتقين، لأن هذا خبر مجرّد، و: هدى للمتقين، خبر مقترن به الاستدعاء، والصرف إلى الإيمان، فحسنت الصفة ليقع من السامع النشاط والبدار، وذكر الهدى الذي هو إيجاد الهداية في القلب، وهنا إنما ذكر الهدى الذي هو الدعاء، أو الهدى الذي هو في نفسه معدٌّ أن يهتدي به الناس، فسمي هدى بذلك.
قال ابن فورك: التقدير هنا: هدى للناس المتقين، ويرد هذا العام إلى ذلك الخاص، وفي هذا نظر. انتهى كلام ابن عطية. وملخصه: أنه غاير بين مدلولي الهدى، فحيث كان بالفعل ذكر المتقون، وحيث كان بمعنى الدعاء، أو بمعنى أنه هدى في ذاته، ذكر العام.
وأما الموضعان فكلاهما خبر لا فرق في الخبرية بين قوله {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتقين} وبين قوله: {وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس}.
{وأنزل الفرقان} الفرقان: جنس الكتب السماوية، لأنها كلها فرقان يفرق بها بين الحق والباطل، من كتبه أو من هذه الكتب، أو أراد الكتاب الرابع، وهو الزبور. كما قال تعالى: {وآتينا داود زبوراً} أو الفرقان: القرآن، وكرر ذكره بما هو نعت له ومدح من كونه فارقاً بين الحق والباطل، بعدما ذكره باسم الجنس تعظيماً لشأنه، واظهاراً لفضله. واختار هذا القول الأخير ابن عطية. قال محمد بن جعفر: فرق بين الحق والباطل في أمر عيسى عليه السلام الذي جادل فيه الوفد. وقال قتادة، والربيع، وغيرهما: فرق بين الحق والباطل في أحكام الشرائع، وفي الحلال والحرام، ونحوه وقيل: الفرقان: كل أمر فرق بين الحق والباطل فيما قدم وحدث، فدخل في هذا التأويل: طوفان نوح، وفرق البحر لغرق فرعون، ويوم بدر، وسائر أفعال الله المفرقة بين الحق والباطل وقيل: الفرقان: النصر.
وقال الرازي: المختار أن يكون المراد بالفرقان هنا المعجزات التي قرنها الله بإنزال هذه الكتب، لأنهم إذا ادعو أنها نازلة من عند الله افتقروا إلى، تصحيح دعواهم بالمعجزات، وكانت هي الفرقان، لأنها تفرق بين دعوى الصادق والكاذب، فلما ذكر أنه أنزلها، أنزل معها ما هو الفرقان. وقال ابن جرير: أنزل بإنزال القرآن الفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب وأهل الملل. وقيل: الفرقان: هنا الأحكام التي بينها الله ليفرق بها بين الحق والباطل.
فهذه ثمانية أقوال في تفسير الفرقان. والفرقان مصدر في الأصل، وهذه التفاسير تدل على أنه أريد به اسم الفاعل، أي: الفارق، ويجوز أن يراد به المفعول أي: المفروق. قال تعالى: {وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث}
{إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد} لما قرر تعالى أمر الإلهية، وأمر النبوّة بذكر الكتب المنزلة، توعد من كفر بآيات الله من كتبه المنزلة، وغيرها، بالعذاب الشديد من عذاب الدنيا، كالقتل، والأسر. والغلبة، وعذاب الآخرة: كالنار.
و {الذين كفروا} عام داخل فيه من نزلت الآيات بسببهم، وهم نصارى وفد نجران. وقال النقاش: إشارة إلى كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، وبني أخطب وغيرهم.
{والله عزيز ذو انتقام} أي: ممتنع أو غالب لا يغلب، أو منتصر ذو عقوبة، وقد تقدّم أن الوصف: بذو، أبلغ من الوصف بصاحب، ولذلك لم يجيء في صفات الله صاحب، وأشار بالعزة إلى القدرة التامة التي هي من صفات الذات، وأشار بذي انتقام، إلى كونه فاعلاً للعقاب، وهي من صفات الفعل.
قال الزمخشري: {ذو انتقام} له انتقام شديد لا يقدر على مثله منتقم. انتهى. ولا يدل على هذا الوصف لفظ: ذو انتقام، إنما يدل على ذلك من خارج اللفظ.
{إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء} شيء نكرة في سياق النفي، فتعم، وهي دالة على كمال العلم بالكليات والجزئيات، وعبر عن جميع العالم بالأرض والسماء، إذ هما أعظم ما نشاهده، والتصوير على ما شاء من الهيئات دال على كمال القدرة، وبالعلم والقدرة يتم معنى القيومية، إذ هو القائم بمصالح الخلق ومهماتهم، وفي ذلك ردّ على النصارى، إذ شبهتهم في إدعاء إلهية عيسى كونه: يخبر بالغيوب، وهذا راجع إلى العلم، وكونه: يحيي الموتى، وهو راجع إلى القدرة. فنبهت الآية على أن الإله هو العالم بجميع الأشياء، فلا يخفي عليه شيء، ولا يلزم من كون عيسى عالما�


العبرة: الاتعاظ يقال: منه اعتبر، وهو الاستدلال بشيء على شيء يشبهه، واشتقاقها من العبور، وهو مجاوزة الشيء إلى الشيء، ومنه: عبر النهر، وهو شطه، والمعبر: السفينة، والعبارة يعبر بها إلى المخاطب بالمعاني، وعبرت الرؤيا مخففاً ومثقلاً: نقلت ما عندك من علمها إلى الرائي أو غيره ممن يجهل: وكان الاعتبار انتقالاً عن منزلة الجهل إلى منزلة العلم، ومنه، العَبرة، وهي الدمع، لأنها تجاوز العين.
الشهوة: ما تدعو النفس إليه، والفعل منه: اشتهى، ويجمع بالألف والتاء فيقال: شهوات، ووجدت أنا في شعر العرب جمعها على: شُهى، نحو: نزوة ونزى، و: كوة وكوى، على قول من زعم أن: كوى، جمع كوة بفتح الكاف، وهذا مع: قرية وقرى، ذكره النحويون مما جاء على وزن فعلة معتل اللام، وجمع على فعل، واستدركت أنا: شهى، وقالت امرأة من بني نضر بن معاوية:
فلولا الشَّهى والله كنت جديرة *** بأن أترك اللذات في كل مشهد
القنطار: فنعال نونه زائدة، قاله ابن دريد، فيكون وزنه: فنعالاً من: قطر يقطر وقيل: أصل ووزن فعلال، وفيه خلاف: أهو واقع على عدد مخصوص؟ أم هو وزن لا يحد ولا يحصر؟ والقائلون بأنه عدد مخصوص اختلفوا في ذلك العدد، ويأتي ذلك في التفسير، إن شاء الله تعالى.
ويقال منه: قنطر الرجل إذا كان عنده قناطير، أو قنطار من المال وقال الزجاج: هو مأخوذ من: قنطرت الشيء، عقدته وأحكمته، ومنه سميت القنطرة لإحكامها وقيل: قنطرته: عبيته شيئاً على شيء، ومنه سمي القنطرة. فشبه المال الكثير الذي يعبى بعضه على بعض بالقنطرة.
الذهب: معروف، وهو مؤنث يجمع على ذهاب وذهوب. وقيل: الذهب جمع ذهبية.
والفضة: معروفة، وجمعها فضض، فالذهب مشتق من الذهاب، والفضة من انفض الشيء: تفرق، ومنه: فضضت القوم.
الخيل: جمع لا واحد له من لفظه، بل واحده: فرس. وقيل: واحده خايل، كراكب وركب، قاله أبو عبيدة. سميت بذلك لاختيالها في مشيها. وقيل: اشتقاقه من التخيل، لأنه يتخيل في صورة من هو أعظم منه. وقيل: الاختيال مأخوذ من التخيل.
النعم: الإبل فقط، قال الفراء: وهو مذكر ولا يؤنث، يقولون هذا نعم وارد. وقال الهروي: النعم، يذكر ويؤنث، وإذا جمع انطلق على الإبل والبقر والغنم. وقال ابن قتيبة: الأنعام: الإبل والبقر والغنم، واحدها نعم، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وسميت بذلك لنعومة مسها وهو لينها، ومنه: الناعم، والنعامة، والنعامى: الجنوب، سميت بذلك للين هبوبها.
المآب: مفعل من آب يؤوب إياباً. أي: رجع، يكون للمصدر والمكان والزمان.
{قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد} سبب نزولها أن يهود بني قينقاع قالوا بعد وقعة بدر: إن قريشاً كانوا أغماراً، ولو حاربتنا لرأيت رجالاً.
وقيل: نزلت في قريش قبل بدر بسنتين، فحقق الله تعالى ذلك وقيل: لما غلب قريشاً ببدر، قالت اليهود: هو النبي المبعوث الذي في كتابنا، لا تهزم له راية. فقالت لهم شياطينهم: لا تعجلوا حتى نرى أمره في وقعة أخرى. فلما كانت أحد كفروا جميعهم، وقالوا: ليس بالنبي المنصور.
وقيل: في أبي سفيان وقومه، جمعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بدر، فنزلت. ولما أخبر تعالى قيل: {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً وأولئك هم وقود النار} ناسب ذلك الوعد الصادق اتباعه هذا الوعد الصادق، وهو كالتوكيد لما قبله، فالغلبة تحصل بعدم انتفاعهم بالأموال والأولاد، والحشر لجهنم مبدأ كونهم يكونون لها وقوداً.
وقرأ حمزة، والكسائي: سيغلبون ويحشرون، بالياء على الغيبة وقرأ باقي السبعة: بالتاء، خطاباً، فتكون الجملة معمولاً للقول. ومن قرأ بالياء فالظاهر أن الضمير: للذين كفروا، وتكون الجملة إذ ذاك ليست محكية بقل، بل محكية بقول آخر، التقدير: قل لهم قولي سيغلبون، وإخباري أنه يقع عليهم الغلبة والهزيمة. كما قال تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} فبالتاء أخبرهم بمعنى ما أخبر به من أنهم سيغلبون، وبالياء أخبرهم باللفظ الذي أخبر به أنهم سيغلبون، وأجاز بعضهم، وهو: الفراء، وأحمد بن يحيى، وأورده ابن عطية، إحتمالاً أن يعود الضمير في: سيغلبون، في قراءة التاء على قريش، أي: قل لليهود ستغلب قريش، وفيه بُعْدٌ.
والظاهر أن: الذين كفروا، يعم الفريقين المشركين واليهود، وكل قد غلب بالسيف، والجزية، والذلة، وظهور الدلائل والحجج، وإلى معناها الغاية، وإن جهنم منتهى حشرهم، وأبعد من ذهب إلى أن: إلى، في معنى: في، فيكون المعنى: إنهم يجمعون في جهنم وبئس المهاد، يحتمل أن يكون من جملة المقول، ويحتمل أن يكون استئناف كلام منه تعالى، قاله الراغب؛ والمخصوص بالذم محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: وبئس المهاد جهنم. وكثيراً ما يحذف لفهم المعنى، وهذا مما يستدل به لمذهب سيبويه: أنه مبتدأ والجملة التي قبله في موضع الخبر، إذ لو كان خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ محذوف الخبر للزم من ذلك حذف الجملة برأسها من غير أن يبقى ما يدل عليها، وذلك لا يجوز، لأن حذف المفرد أسهل من حذف الجملة. وأمّا من جعل: المهاد، ما مهدوا لأنفسهم، أي: بئسما مهدوا لأنفسهم، وكان المعنى عنده، و: بئس فعلهم الذي أداهم إلى جهنم، ففيه بُعْدٌ، ويروى عن مجاهد.
{قد كان لكم آية في فئتين التقتا} قال في (ري الظمآن): أجمع المفسرون على أنها وقعة بدر، والخطاب للمؤمنين، قاله ابن مسعود، والحسن. فعلى هذا معنى الآية تثبيت النفوس وتشجيعها، لأنه لما أمر أن يقول للكفار ما قال، أمكن أن يستبعد ذلك المنافقون وبعض ضعفة المؤمنين، كما قال: من قال يوم الخندق: يعدنا محمد أموال كسرى وقيصر ونحن لا نأمن على النساء في المذهب، وكما قال عدي بن حاتم، حين أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بالأمنة التي تأتي، فقلت في نفسي: فأين ذعار طيء الذين سعروا البلاد؟ الحديث بكماله.
وقيل: الخطاب للكافرين، وهو ظاهر، ولا سيما على قراءة من قرأ: ستغلبون، بالتاء. ويخرج ذلك من قول ابن عباس، وعلى هذا يكون ذلك تخويفاً لهم، وإعلاماً بأن الله سينصر دينه. وقد أراكم في ذلك مثالاً بما جرى لمشركي قريش من الخذلان والقتل والأسر.
وقيل: الخطاب لليهود، قاله الفراء، وابن الأنباري وابن جرير، وعلى هذا يكون ذلك تخويفاً لهم، كأنه قيل: لا تغتروا بدربتكم في الحرب، ومنعة حصونكم، ومجالبتكم لمشركي قريش، فإن الله غالبكم، وقد علمتم ما حل بأهل بدر، ولم يلحق التاء: كان، وإن كان قد أسند إلى مؤنث، وهو الآية، لأجل أنه تأنيث مجازي. وازداد حسناً بالفصل، وإذا كان الفصل محسناً في المؤنث الحقيقي، فهو أولى في المؤنث المجازي، ومن كلامهم: حضر القاضي امرأة وقال:
إن امرأ غره منكن واحدة *** بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور
وقيل: ذكر لأن معنى الآية البيان، فهو كما قال:
برهرهة رودة رخصة *** كخرعوبة البانة المنفطر
ذهب إلى القضيب، وفي قوله {في فئتين} محذوف تقديره في: قصة فئتين، ومعنى: التقتا، أي للحرب والقتال.
{فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة} أي: فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله، وفئة أخرى تقاتل في سبيل الشيطان، فحذف من الأولى ما أثبتت مقابله في الثانية، ومن الثانية ما أثبت نظيره في الأولى، فذكر في الأولى لازم الإيمان، وهو القتال في سبيل الله. وذكر في الثانية ملزوم القتال في سبيل الشيطان، وهو الكفر.
والجمهورُ برفع: فئة، على القطع، التقدير: إحداهما، فيكون: فئة، على هذا خبر مبتدأ محذوف، أو التقدير: منهما، فيكون مبتدأ محذوف الخبر.
وقيل: الرفع على البدل من الضمير في التقتا.
وقرأ مجاهد، والحسن، والزهري وحميد: فئةٍ، بالجر على البدل التفصيلي، وهو بدل كل من كل، كما قال:
وكنت كذي رجلينٍ رجل صحيحة *** ورجل رمي فيها الزمان فشُلَّتِ
ومنهم من رفع: كافرة، ومنهم من خفضها على العطف، فعلى هذه القراءة تكون: فئة، الأولى بدل بعض من كل، فيحتاج إلى تقدير ضمير أي: فئة منهما تقاتل في سبيل الله، وترتفع أخرى على وجهي القطع إما على الإبتداء وإما على الخبر.
وقرأ ابن السميفع، وابن أبي عبلة: فئة، بالنصب. قالوا: على المدح، وتمام هذا القول: إنه انتصب الأول على المدح، والثاني على الذم، كأنه قيل: أمدح فئة تقاتل في سبيل الله، وأذم أخرى كافرة.
وقال الزمخشري: النصب في: فئة، على الاختصاص وليس بجيد، لأن المنصوب على الاختصاص لا يكون نكرة ولا مبهماً، وأجاز هو، وغيره قبله كالزجاج: أن ينتصب على الحال من الضمير في: التقتا، وذكر: فئة، على سبيل التوطئة.
وقرأ الجمهور تقاتل بالتاء على تأنيث الفئة وقرأ مجاهد ومقاتل يقاتل بالياء على التذكير قالوا لأن معنى الفئة القوم فرد إليه وجرى على لفظه
يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنِ قرأ نافع ويعقوب وسهل ترونهم بالتاء على الخطاب وقرأ باقي السبعة بالياء على الغيبة وقرأ ابن عباس وطلحة ترونهم بضم التاء على الخطاب وقرأ السلمي بضم الياء على الغيبة فأما من قرأ بالتاء المفتوحة فهو جار على ما قبله من الخطاب فيكون الضمير في لكم للمؤمنين والضمير المرفوع في ترونهم للمؤمنين أيضاً وضمير النصب في ترونهم وضمير الجر في مثليهم عائد على الكافرين والتقدير ترون أيها المؤمنون الكافرين مثلي أنفسهم في العدد فيكون ذلك أبلغ في الآية أنهم رأوا الكفار في مثلي عددهم ومع ذلك نصرهم الله عليهم وأوقع المسلمون بهم وهذه حقيقة التأييد بالنصر كقوله تعالى كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ واستبعد هذا المعنى لأنهم جعلوا هذه الآية وآية الأنفال قصة واحدة وهناك نص على أنه تعالى قلل المشركين في أعين المؤمنين فلا يجامع هذا التكثير في هذه الآية على هذا التأويل ويحتمل على من قرأ بتاء الخطاب أن يكون الخطاب للمؤمنين والضمير المنصوب في ترونهم للكافرين والمجرور للمؤمنين والتقدير ترون أيها المؤمنون الكافرين مثلي المؤمنين واستبعد هذا إذ كان التركيب يقتضي أن يكون ترونهم مثليكم
وأجيب بأنه من الالتفات من ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة كقوله تعالى حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِى الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ ويحتمل أن يعود الضمير في مثليهم على الفئة المقاتلة في سبيل الله أي ترون أيها المؤمنون الفئة الكافرة مثلي الفئة المقاتلة في سبيل الله وهم أنفسهم والمعنى ترونهم مثليكم وهذا تقليل إذا كانوا نيفاً على ألف والمسلمون في تقدير ثلث منهم فأرى الله المسلمين الكافرين في ضعفي المسلمين على ما قرر في قوله إِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ لتجترئوا عليهم
وإذن كان الضمير في لكم للكافرين وفي ترونهم الخطاب لهم والمنصوب والمجرور للمؤمنين والتقدير ترون أيها الكافرون المؤمنين مثلي أنفسهم
ويحتمل أن يكون الضمير المجرور عائداً على الفئة الكافرة أي مثلي الفئة الكافرة وهم أنفسهم فيكون الله تعالى قد أرى المشركين المؤمنين أضعاف أنفس المؤمنين أو أضعاف الكافرين على قلة المؤمنين ليهابوهم ويجبنوا عنهم وكانت تلك الرؤية مدداً من الله للمؤمنين كما أمدهم تعالى بالملائكة فإن كانت هذه وآية الأنفال في قصة واحدة فالجمع بين هذا التكثير وذاك التقليل باعتبار حالين قللوا أولاً في أعين الكفار حتى يجترئوا على ملاقاة المؤمنين وكثروا حالة الملاقاة حتى قهروا وغلبوا كقوله وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ وأما من قرأ بالياء المفتوحة فالظاهر أن الجملة صفة لقوله وأخرى كافرة وضمير الرفع عائد عليها على المعنى إذ لو عاد على اللفظ لكان تراهم وضمير النصب عائد على فئة تقاتل في سبيل الله وضمير الجرّ في مثليهم عائد على فئة أيضاً وذلك على معنى الفئة إذ لو عاد على اللفظ لكان التركيب تراها مثليها أي ترى الفئةُ الكافرُة الفئةَ المؤمنةَ في مثلي عدد نفسها أي ستمائة ونيف وعشرين أو مثلي أنفس الفئة الكافرة أي ألفين أو قريباً من ألفين
ويحتمل أن يكون ضمير الفاعل عائداً على الفئة المؤمنة على المعنى والضمير المنصوب والمجرور عائداً على الفئة الكافرة على المعنى أي ترى الفئة المؤمنة الفئة الكافرة مثلي نفسها
ويحتمل أن يعود الضمير المجرور على الفئة الكافرة أي مثلي الفئة الكافرة والجملة إذ ذاك صفة لقوله وأخرى كافرة ففي الوجه الأول الرابط الواو وفي هذا الوجه الرابط ضمير النصب وإذا كان الضمير في لكم لليهود فالآية كما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم احتجاجاً عليهم وتثبيتاً لصورة الوعد السابق من أن الكفار سيغلبون
فمن قرأ بالتاء كان معناه لو حضرتم أو إن كنتم حضرتم وساغ هذا الخطاب لوضوح الأمر في نفسه ووقوع اليقين به لكل إنسان في ذلك العصر ومن قرأ بالياء فضمير الفاعل يحتمل أن يكون للفئة المؤمنة ويحتمل أن يكون للفئة الكافرة على ما تقرر قبل
والرؤية في هاتين القراءتين بصرية تتعدّى لواحد وانتصب مثليهم على الحال قاله أبو علي ومكي والمهدوي ويقوي ذلك ظاهر قوله رأي العين وانتصابه على هذا انتصاب المصدر المؤكد
قال الزمخشري رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها معاينة كسائر المعاينات وقيل الرؤية هنا من رؤية القلب فيتعدى لإثنين والثاني هو مثليهم ورد هذا بوجهين أحدهما قوله تعالى رأي العين والثاني أن رؤية القلب علم ومحال أن يعلم الشيء شيئين
وأجيب عن الأول بأن انتصابه انتصاب المصدر التشبيهي أي رأياً مثل رأي العين أي يشبه رأي العين وليس في التحقيق به وعن الثاني بأن معنى الرؤية هنا الاعتقاد فلا يكون ذلك محالاً وإذا كانوا قد أطلقوا العلم في اللغة على الاعتقاد دون اليقين فلأن يطلقوا الرأي عليه أولى قال تعالى فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ أي فإن اعتقدتم إيمانهن ويدل على هذا قراءة من قرأ ترونهم بضم التاء أو الباء قالوا فكأن المعنى أن اعتقاد التضعيف في جمع الكفار أو المؤمنين كان تخميناً وظناً لا يقيناً فلذلك ترك في العبارة ضرب من الشك وذلك أن أُري بضم الهمزة تقولها فيما عندك فيه نظر وإذا كان كذلك فكما استحال أن يحمل الرأي هنا على العلم يستحيل أن يحمل على النظر بالعين لأنه كما لا يقع العلم غير مطابق للمعلوم كذلك لا يقع النظر البصري مخالفاً للمنظور إليه فالظاهر أن ذلك إنما هو على سبيل التخمين والظن وإنه لتمكن ذلك في اعتقادهم
شبه برؤية العين والرأي مصدر رأى يقال رأى رأياً ورؤية ورؤيا ويغلب رؤيا في المنام ورؤية في البصرية يقظة ورأيا في الاعتقاد يقال هذا رأي فلان قال رأى الناس إلا من رأى مثل رأيه
خوارج تراكين قصد المخارج
ومعنى مثليهم قدرهم مرتين وزعم الفراء أن معنى يرونهم مثليهم ثلاثة أمثالهم كقول القائل عندي ألف وأنا محتاج إلى مثليها وغلطه الزجاج وقال إنما مثل الشيء مساو له ومثلاه مساويه مرتين
وقال ابن كيسان أوقع الفراء في هذا التأويل أن المشركين كانوا ثلاثة أمثال المسلمين يوم بدر فتوهم أنه لا يجوز أن يكونوا يرونهم إلاّ على عدتهم وهذا بعيد وليس المعنى عليه وإنما المعنى أراهم الله على غير عدتهم بجهتين إحداهما أنه رأى الصلاح في ذلك لأن المؤمنين يقوي قلوبهم بذلك والأخرى أنه آية النبي صلى الله عليه وسلم انتهى كلام ابن كيسان
وتظاهرت الروايات أن جميع الكفار ببدر كانوا نحو الألف أو تسعمائة والمؤمنين ثلثمائة وأربعة عشر وقيل وثلاثة عشرة لكن رجع بنو زهرة مع الأخنس بن شريق ورجع طالب بن أبي طالب وأتباع وناس كثير حتى بقي للقتال من بقرب من الثلثين فذكر الله المثلين إذ أمرهما متيقن لم يدفعه أحد وحكي عن ابن عباس أن المشركين كانوا في قتال بدر ستمائة وستة وعشرين وقد ذهب الزجاج وغيره إلى أنهم كانوا نحو الألف
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يوم بدر القوم ألف» وقال ابن عباس نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً وقال في رواية لقد قللوا في أعيننا حتى لقد قلت لرجل إلى جانبي تراهم سبعين قال أراهم مائة فأسرنا منهم رجلاً فقلنا كم كنتم قال ألفاً ونقل أن المشركين لما أسروا قالوا للمسلمين كم كنتم قالوا كنا ثلاثمائة وثلاثة عشرة قالوا ما كنا نراكم إلاّ تضعفون علينا وتكثير كل طائفة في عين الأخرى وتقليلها بالنسبة إلى وقتين جائز فلا يمتنع
وَاللَّهُ يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء أي يقويه بعونه وقيل النصر الحجة ونسبة التأييد إليه يدل على أن المؤيد هم المؤمنون ومفعول من يشاء محذوف أي من يشاء نصره إِنَّ فِى ذَلِكَ أي النصر وقيل رؤية الجيش مثليهم لَعِبْرَةً أي اتعاظاً ودلالة لاِوْلِى الاْبْصَارِ إن كانت الرؤية بصرية فالمعنى للذين أبصروا الجمعين وإن كانت اعتقادية فالمعنى لذوي العقول السليمة القابلة للاعتبار
{زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النّسَاء وَالْبَنِينَ} قرأ الجمهور زين مبنياً للمفعول والفاعل محذوف فقيل هو الله تعالى قاله عمر لأنه قال حين نزلت الآن يا رب حين زينتها فنزلت قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ الآية ومعنى التزيين خلقها وإنشاء الجبلة على الميل إليه وهذا كقوله إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الاْرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ فزينها تعالى للابتلاء ويدل عليه قراءة زين للناس حب مبنياً للفاعل وهو الضمير العائد على الله في قوله وَاللَّهُ يُؤَيّدُ
وقيل المزين الشيطان وهو ظاهر قول الحسن قال من زينها ما أحد أشد ذماً لها من خالقها ويصح إسناد التزيين إلى الله تعال بالإيجاد والتهيئة للانتفاع ونسبته إلى الشيطان بالوسوسة وتحصيلها من غير وجهها وأشارت الآية إلى توبيخ معاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود وغيرهم المفتونين بالدنيا وأضاف المصدر إلى المفعول وهو الكثير في القرآن وعبر عن المشتهيات بالشهوات مبالغة إذ جعلها نفس الأعيان وتنبيهاً على خستها لأن الشهوة مسترذلة عند العقلاء يذم متبعها ويشهد له بالانتظام في البهائم وناهيك لها ذماً قوله صلى الله عليه وسلم «حفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره» وأتى بذكر الشهوات أولاً مجموعة على سبيل الإجمال ثم أخذ في تفسيرها شهوة شهوة ليدل على أن المزين ما هو إلاّ شهوة دنيوية لا غير فيكون في ذلك تنفير عنها وذم لطالبها وللذي يختارها على ما عند الله وبدأ في تفصيلها بالأهم فالأهم بدأ بالنساء لأنهنّ حبائل الشيطان وأقرب وأكثر امتزاجاً «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم منكنّ» ويقال فيهنّ فتنتان قطع الرحم وجمع المال من الحلال والحرام وفي البنين فتنة واحدة وهي جمع المال
وثنى بالبنين لأنهم من ثمرات النساء وفروع عنهنّ وشقائق النساء في الفتن الولد مبخلة مجبنة وإنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض لو هبت الريح على بعضهم لامتنعت عيني من الغمض وقدّموا على الأموال لأن حب الإنسان ولده أكثر من حبه ماله وحيث ذكر الامتنان والإنعام أو الاستعانة والغلبة قدمت الأموال على الأولاد وظاهر قوله والبنين الذكران وقيل يشمل الإناث وغلب التذكير
{وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ} ثلث بالأموال لما في المال من الفتنة ولأنه يحصل به غالب الشهوات ولأن المرء يرتكب الأخطار في تحصيله للولد واختلف في القنطار أهو عدد مخصوص أم ليس كذلك فقيل ألف ومائتا أوقية وقيل اثنا عشر ألف أوقية وقيل ألف ومائتا دينار وكل هذه رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم الأول رواه أبيّ وقال به معاذ وابن عمر وعاصم بن أبي النجود والحسن في رواية والثاني رواه أبو هريرة وقال به والثالث رواه الحسن ورواه العوفي عن ابن عباس وقيل اثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار ذهباً وروي عن ابن عباس وعن الحسن والضحاك وقال ابن المسيب ثمانون ألفاً وقال مجاهد وروي عن ابن عمر سبعون ألف دينار وقال السدي ثمانية آلاف مثقال وهي مائة رطل وقال الكلبي ألف مثقال ذهب أو فضة وقال قتادة مائة رطل من الذهب أو ثمانون ألف درهم من الفضة وقال سعيد بن جبير وعكرمة مائة ألف ومائة منّ ومائة رطل ومائة مثقال ومائة درهم ولقد جاء الإسلام يوم جاء وبمكة مائة رجل قد قنطروا وقيل أربعون أوقية من ذهب أو فضة ذكره مكي وقاله ابن سيده في (المحكم) وقيل ثمانية آلاف مثقال وهي مائة رطل وقال ابن سيده في (المحكم) القنطار بلغة بربر ألف مثقال وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير وَإِنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبْدَالَ قال ألف دينار وحكى الزجاج أنه قيل إن القنطار هو رطل ذهباً أو فضة قال ابن عطية وأظنه وهماً وإن القول مائة رطل فسقطت مائة للناقل انتهى وقال أبو حمزة الثمالي القنطار بلسان أفريقية والأندلس ثمانية آلاف مثقال وهذا يكون في الزمان الأول
وأما الآن فهو عندنا مائة رطل والرطل عندنا ستة عشر أوقية وقال أبو بصرة وأبو عبيدة ملء مسك ثور ذهباً قال ابن سيده وكذا هو بالسريانية وقال ابن الكلبي وكذا هو بلغة الروم وقال الربيع بن أنس المال الكثير بعضه على بعض وقال ابن كيسان المال العظيم وقال أبو عبيدة القنطار عند العرب وزن لا يحد وقال الحكم القنطار ما بين السماء والأرض من مال وقال ابن عطية القنطار معيار يوزن به كما أن الرطل معيار
ويقال لما بلغ ذلك الوزن قنطاراً أي يعدل القنطار وأصح الأقوال الأول والقنطار يختلف باختلاف البلاد في قدر الأوقية انتهى
والمقنطرة مفعللة أو مفيعلة من القنطار ومعناه المجتمعة كما يقول الألوف المؤلفة والبدرة المبدرة اشتقوا منها وصفاً للتوكيد وقيل المقنطرة المضعفة قاله قتادة والطبري
وقيل المقنطرة تسعة قناطير لأنه جمع جمع قاله النقاش وهذا غير صحيح وقال ابن كيسان لا تكون المقنطرة أقل من تسعة وقال الفراء لا تكون أكثر من تسعة وهذا كله تحكم وقال السدي المقنطرة المضروبة دنانير أو دراهم وقال الربيع والضحاك المنضد الذي بعضه فوق بعض وقيل المخزونة المدخورة وقال يمان المدفونة المكنوزة وقيل الحاضرة العتيدة قاله ابن عطية
وقال مروان بن الحكم ما المال إلاَّ ما حازته العيان مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ تبيين للقناطير وهو في موضع الحال منها أي كائناً من الذهب وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ أي الراعية في المروج سامت سرحت وأخذت سومها من الرعي أي غاية جهدها ولم تقصر على حال دون حال فيكون قد عدى الفعل بالتضعيف كما عدى بالهمزة في قولهم أسمتها قاله ابن عباس وابن جبير والحسن وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى ومجاهد والربيع وروي عن مجاهد أنها المطهمة الحسان وقال السدي هي الرائقة من سيما الحسن وقال عكرمة سومها الحسن واختاره النحاس
من قولهم رجل وسيم ولا يكون ذلك لاختلاف المادتين إلاَّ إن ادعى القلب وقال أبو عبيدة والكسائي المعلمة بالشيات وروي عن ابن عباس وهو من السومة وهي العلامة قال أبو طالب أمين محب للعباد مسوّم
بخاتم ربّ طاهر للخواتم
قال أبو زيد أصل ذلك أن تجعل عليها صوفة أو علامة تخالف سائر جسدها لتبين من غيرها في المرعى وقال ابن فارس في (المجمل) المسومة هي المرسل عليها ركبانها وقال ابن زيد المعدّة للجهاد وقال ابن المبرد المعروفة في البلدان وقال ابن كيسان البلق وقيل ذوات الأوضاح من الغرة والتحجيل وقيل هي الهماليج
وَالانْعَامِ وَالْحَرْثِ يحتمل أن يكون المعاطيف من قوله والقناطير إلى آخرها غير ما أتى تبييناً معطوفاً على الشهوات أي وحب القناطير وكذا وكذا ويحتمل أن يكون معطوفاً على قوله من النساء فيكون مندرجاً في الشهودات ولم يجمع الحرث لأنه مصدر في الأصل وقيل يراد به المفعول وتقدّم الكلام فيه عند قوله وَلاَ تَسْقِى الْحَرْثَ
ذالِكَ مَتَاعُ الْحَيَواةِ الدُّنْيَا أشار بذلك وهو مفرد إلى الأشياء السابقة وهي كثيرة لأنه أراد ذلك المذكور أو المتقدم ذكره والمعنى تحقير أمر الدنيا والإشارة إلى فنائها وفناء ما يستمتع به فيها وأدغم أبو عمر وفي الإدغام الكبير ثاء والحرث في ذال ذلك واستضعف لصحة الساكن قبل الثاء
وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَأَبِ أي المرجع وهو إشارة إلى نعيم الآخرة الذي لا يفني ولا ينقطع
ومن غريب ما استنبط من الأحكام في هذه الآية أن فيها دلالة على إيجاب الصدقة في الخيل السائمة لذكرها مع ما تجب فيه الصدقة أو النفقة فالنساء والبنون فيهم النفقة وباقيها فيها الصدقة قاله الماتريدي
وذكروا في هذه الآية أنواعاً من الفصاحة والبلاغة الخطاب العام ويراد به الخاص في قوله لِلَّذِينَ كَفَرُواْ على قول عامّة المفسرين هم اليهود وهذا من تلوين الخطاب والتجنيس المغاير في تَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنِ والاحتراس في رَأْىَ الْعَيْنِ قالوا لئلا يعتقد أنه من رؤية القلب فهو من باب الحزر وغلبة الظن والإبهام في زُيّنَ لِلنَّاسِ والتجنيس المماثل في وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ والحذف في مواضع وهي كل موضع يضطر فيه إلى تصحيح المعنى بتقدير محذوف


الرضوان: مصدر رضي، وكسر رائه لغة الحجاز، وضمها لغة تميم وبكر، وقيس، وغيلان. وقيل: الكسر للاسم، ومنه: رِضوان خازن الجنة، والضم للمصدر.
السحر: بفتح الحاء وسكونها، قال قوم منهم الزجاج: الوقت قبل طلوع الفجر، ومنه يقال: تسحر أكل في ذلك الوقت، واستحر: سار فيه قال.
بكرن بكوراً واستحرت بسحرة *** فهنّ لوادي الرس كاليد للفم
واستحر الطائر صاح وتحرك فيه قال:
يعل به برد أنيابها *** اذا غرّد الطائر المستحر
وأسحر الرجل واستحر، دخل في السحر قال:
وأدلج من طيبة مسرعاً *** فجاء إلينا وقد أسحرا
وقال بعض اللغويين السحر: من ثلث الليل الآخر إلى الفجر، وجاء في بعض الأشعار عن العرب أن السحر يستمر حكمه فيما بعد الفجر. وقيل: السحر عند العرب يكون من آخر الليل ثم يستمر إلى الاسفار. وأصل السحر الخفاء للطفه، ومنه السحر والسحر.
{قل أؤنبئكم بخير من ذلك} نزلت حين قال عمر عندما نزل: {زين للناس} يا رب الآن حين زينتها. ولما ذكر تعالى أن {عنده حسن المآب} ذكر المآب وأنه خير من متاع الدنيا، لأنه خير خال من شوب المضار، وباق لا ينقطع. والهمزة في: أؤنبئكم، الأولى همزة الاستفهام دخلت على همزة المضارعة. وقرئ في السبعة بتحقيق الهمزتين من غير ادخال ألف بينهما، وبتحقيقهما، وادخال ألف بينهما، وبتسهيل الثانية من غير ألف بينهما. ونقل ورش الحركة إلى اللام، وحذف الهمزة. وبتسهيلها وإدخال ألف بينهما.
وفي هذه الآية تسلية عن زخارف الدنيا، وتقوية لنفوس تاركها وتشريف الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، ولما قال: ذلك متاع، فأفرد، جاء: بخير من ذلكم، فأفرد اسم الإشارة، وإن كان هناك مشاراً به إلى ما تقدّم ذكره، وهو كثير. فهذا مشار به إلى ما أشير بذلك، و: خير، هنا أفعل التفضيل، ولا يجوز أن يراد به خير من الخيور، ويكون: من ذلكم، صفة لما يلزم في ذلك من أن يكون ما رغبوا فيه بعضاً مما هدوا فيه.
{للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار} يحتمل أن يكون للذين متعلقاً بقوله: بخير من ذلكم، و: جنات، خبر مبتدأ محذوف أي: هو جنات، فتكون ذلك تبييناً لما أبهم في قوله: بخير من ذلكم ويؤيد ذلك قراءة يعقوب: جنات، بالجر بدلاً من: بخير، كما تقول: مررت برجل زيد، بالرفع و: زيد بالجر، وجوّز في قراءة يعقوب أن يكون: جنات، منصوباً على إضمار: أعني، ومنصوباً على البدل على موضع بخير، لأنه نصب. ويحتمل أن يكون: للذين، خبرا لجنات، على أن تكون مرتفعة على الابتداء، ويكون الكلام تم عند قوله: بخير من ذلكم، ثم بين ذلك الخير لمن هو، فعلى هذا العامل في: عند ربهم، العامل في: للذين، وعلى القول الأول العامل فيه قوله: بخير.
{خالدين فيها وأزواج مطهرة} تقدّم تفسير هذا وما قبله.
{ورضوان من الله} بدأ أولاً بذكر المقر، وهو الجنات التي قال فيها {وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين} «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» ثم انتقل من ذكرها إلى ذكر ما يحصل به الأنس التامّ من الأزواج المطهرة، ثم انتقل من ذلك إلى ما هو أعظم الأشياء وهو رضا الله عنهم، فحصل بمجموع ذلك اللذة الجسمانية والفرح الروحاني، حيث علم برضا الله عنه، كما جاء في الحديث أنه تعالى: «يسأل أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون: ما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا».
ففي هذه الآية الانتقال من عال إلى أعلى منه، ولذلك جاء في سورة براءة، قد ذكر تعالى الجنات والمساكن الطيبة فقال: {ورضوان من الله أكبر} يعنى أكبر مما ذكر من ذكر من الجنات والمساكن. وقال الماتريدي: أهل الجنة مطهرون لأن العيوب في الأشياء علم الفناء، وهم خلقوا للبقاء، وخص النساء بالطهر لما فيهنّ في الدنيا من فضل المعايب والأذى.
وقال أبو بكر: ورضوان، بالضم حيث وقع إلاَّ في ثاني العقود، فعنه خلاف. وباقي السبعة بالكسر، وقد ذكرنا أنهما لغتان.
{والله بصير بالعباد} أي بصير بأعمالهم، مطلع عليها، فيجازي كلاً بعمله، فتضمنت الوعد والوعيد. ولما ذكر المتقين أفهم مقابلهم فختم الآية بهذا.
{الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار} لما ذكر أن الجنة للمتقين ذكر شيئاً من صفاتهم، فبدأ بالإيمان الذي هو رأس التقوى، وذكر دعاءهم ربهم عند الإخبار عن أنفسهم بالإيمان، وأكد الجملة ب: إن مبالغة في الإخبار، ثم سألوا الغفران ووقايتهم من العذاب مرتباً ذلك على مجرد الإيمان، فدل على أن الإيمان يترتب عليه المغفرة، ولا يكون الإيمان عبارة عن سائر الطاعات، كما يذهب إليه بعضهم، لأن من تاب وأطاع الله لا يدخله النار بوعده الصادق، فكان يكون السؤال في أن لا يفعله مما لا ينبغي، ونظيرها، {ربنا إننا سمعنا منادياً} الآية، فالصفات الآتية بعد هذا ليست شرائط بل هي صفات تقتضي كمال الدرجات. وقال الماتريدي: مدحهم تعالى بهذا القول، وفيه تزكية أنفسهم بالإيمان، والله تعالى نهى عن تزكية الأنفس بالطاعات، كما قال تعالى: {فلا تزكوا أنفسكم} فلو كان الإيمان إسما لجميع الطاعات لم يرض منهم التزكية بالإيمان، كما لم يرضها بسائر الطاعات، فالآية حجة من جعل الطاعات من الإيمان، وفيها دلالة على أن إدخال الاستثناء في الإيمان باطل، لأنه رضيه منهم دون استثناء. إنتهى.
قيل: ولا تدل على شيء من التزكية ولا من الاسثنتاء، لأن قولهم: آمنا، هو اعتراف بما أمروا به، فلا يكون ذلك تزكية منهم لأنفسهم، ولأن الاستثناء إنما هو فيما يموت عليه المرء، لا فيما هو متصف به، ولا قائل بأن الإيمان الذي يتصف به العبد يجوز الاستثناء فيه، فإن ذلك محال عقلاً.
وأعرب: الذين يقولون، صفة وبدلاً ومقطوعاً لرفع أو لنصب، ويكون ذلك من توابع: {الذين اتقوا} أو من توابع: العباد، والأول أظهر.
{الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالاسحار} لما ذكر الإيمان بالقول، أخبر بالوصف الدّال على حبس النفس على ما هو شاق عليها من التكاليف، فصبروا على أداء الطاعة، وعن اجتناب المحارم، ثم بالوصف الدال على مطابقة الاعتقاد في القلب للفظ الناطق به اللسان، فهم صادقون فيما أخبروا به من قولهم: {ربنا إننا آمنا} وفي جميع ما يخبرون.
وقيل: هم الذين صدقت نياتهم، واستقامت قلوبهم وألسنتهم في السر والعلانية، وهذا راجع للقول الذي قبله، ثم بوصف القنوت، وتقدم تفسيره في قوله: {كل له قانتون} فأغنى عن إعادته، ثم بوصف الإنفاق، لأن ما تقدم هو من الأوصاف التي نفعها مقتصر على المتصف بها لا يتعدى، فأبى في هذا بالوصف المتعدي إلى غيره، وهو الإنفاق، وحذفت متعلقات هذه الأوصاف للعلم بها، فالمعنى: الصابرين على تكاليف ربهم، والصادقين في أقوالهم، والقانتين لربهم، والمنفقين أموالهم في طاعته، والمستغفرين الله لذنوبهم في الأسحار ولما ذكر أنهم رتبوا طلب المغفرة على الإيمان الذي هو أصل التقوى، أخبر أيضاً عنهم، أنهم عند اتصافهم بهذه الأوصاف الشريفة، هم مستغفرون بالأسحار، فليسوا يرون اتصافهم بهذه الأوصاف الشريفة مما يسقط عنهم طلب المغفرة، وخص السحر بالذكر، وإن كانوا مستغفرين دائماً، لأنه مظنة الإجابة، كما صح في الحديث: «أنه تعالى، تنزه عن سمات الحدوث، ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر» وكانت الصحابة: ابن مسعود، وابن عمر، وغيرهم يتحرون الأسحار ليستغفروا فيها، وكان السحر مستحباً فيه الإستغفار لأن العبادة فيه أشق، ألا تراهم يقولون: إن إغفاءة الفجر من ألذ النوم؟! ولأن النفس تكون إذ ذاك أصفى، والبدن أقل تعباً، والذهن أرق وأحد، إذ قد أجم عن الأشياء الشاقة الجسمانية والقلبية بسكون بدنه، وترك فكره بانغماره في وارد النوم.
وقال الزمخشري: إنهم كانوا يقدمون قيام الليل، فيحسن طلب الحاجة فيه {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} انتهى. ومعناه، عن الحسن وهذه الأوصاف الخمسة هي لموصوف واحد وهم: المؤمنون، وعطفت بالواو ولم تتبع دون عطف لتباين كل صفة من صفة، إذ ليست في معنى واحد، فينزل تغاير الصفات وتباينها منزلة تغاير الذوات فعطفت.
وقال الزمخشري: والواو المتوسطة بين الصفات للدلالة على كمالهم في كل واحدة منها.
انتهى ولا نعلم العطف في الصفة بالواو يدل على الكمال.
قال المفسرون في الصابرين: صبروا عن المعاصي. وقيل: عن المصائب. وقيل: ثبتوا على العهد الأول. وقيل: هم الصائمون.
وقالوا في الصادقين: في الأقوال. وقيل: في القول والفعل والنية. وقيل: في السر والعلانية.
وقالوا في القانتين: الحافظين للغيب. وقال الزجاج: القائمين على العبادة. وقيل: القائمين بالحق. وقيل: الداعين المتضرعين. وقيل: الخاشعين. وقيل: المصلين.
وقالوا في المنفقين: المخرجين المال على وجه مشروع. وقيل: في الجهاد. وقيل: في جميع أنواع البر. وقال ابن قتيبة: في الصدقات.
وقالوا في المستغفرين: السائلين المغفرة، قاله ابن عباس وقال ابن مسعود وابن عمر، وأنس، وقتادة السائلين المغفرة وقت فراغ البال وخفة الأشغال، وقال قتادة أيضاً: المصلين بالأسحار. وقال زيد بن أسلم: المصلين الصبح في جماعة.
وهذا الذي فسروه كله متقارب.
{شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط}.
سبب نزولها أن حبرين من الشام قدما المدينة، فقال أحدهما للآخر: ما أشبه هذه بمدينة النبي الخارج في آخر الزمان، ثم عرفا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنعت، فقالا: أنت محمد؟ قال: «نعم». فقالا: أنت أحمد؟ فقال: «نعم». فقالا: نسألك عن شهادة إن أخبرتنا بها آمنا. فقال: «سلاني» فقال أحدهما: أخبرنا عن أعظم الشهادة في كتاب الله، فنزلت وأسلما. وقال ابن جبير: كان حول البيت ثلاثمائة وستون صنماً، فلما نزلت هذه الآية خرت سجدا.
وقيل: نزلت في نصارى نجران لما حاجوا في أمر عيسى.
وقيل: في اليهود والنصارى لما تركوا اسم الإسلام وتسموا باليهودية والنصرانية.
وقيل: إنهم قالوا: ديننا أفضل من دينك، فنزلت.
وأصل: شهد، حضر، ثم صرفت الكلمة في أداء ما تقرر علمه في النفس، فأي وجه تقرر من حضور أو غيره. فقيل: معنى: شهد، هنا: أعلم. قاله المفضل وغيره، وقال الفرّاء، وأبو عبيدة: قضى، وقال مجاهد: حكم، وقيل: بين. وقال ابن كيسان: شهد بإظهار صنعه.
وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه الواحد
قال الزمخشري: شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة التي لا يقدر عليها غيره، وبما أوحى من آياته الناطقة بالتوحيد كسورة الإخلاص، وآية الكرسي وغيرهما. بشهادة الشاهد في البيان والكشف، وكذلك إقرار الملائكة وأولي العلم بذلك، واحتجاجهم عليه. إنتهى. وهو حسن.
وقال المروزي: ذكر شهادته سبحانه على سبيل التعظيم لشهادة من ذكر بعده، كقوله: {قل الأنفال لله والرسول} إنتهى.
ومشاركة الملائكة وأولي العلم لله تعالى في الشهادة من حيث عطفا عليه لصحة نسبة الإعلام، أو صحة نسبة الإظهار والبيان، وإن اختلفت كيفية الإظهار والبيان من حيث أن إظهاره تعالى بخلق الدلائل، وإظهار الملائكة بتقريرها للرسل، والرسل لأولي العلم.
وقال الواحدي: شهادة الله بيانه وإظهاره، والشاهد هو العالم الذي بيّن ما علمه، والله تعالى بيّن دلالات التوحيد بجميع ما خلق، وشهادة الملائكة بمعنى الإقرار كقوله: {قالوا شهدنا على أنفسنا} أي: أقررنا. فنسق شهادة الملائكة على شهادة الله، وإن اختلفت معنىً، لتماثلهما لفظاً. كقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي} لأنها من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار والداعاء وشهادة أولي العلم ويحتمل الإقرار ويحتمل التبيين، لأنهم أقرّوا وبينوا. إنتهى.
وقال المؤرج: شهد الله، بمعنى: قال الله، بلغة قيس بن غيلان.
و {أولوا العلم} قيل: هم الأنبياء. وقيل: مؤمنو أهل الكتاب. وقيل: المهاجرون والأنصار. وقيل: علماء المؤمنين. وقال الحسن: المؤمنون.
والمراد بأولي العلم: من كان من البشر عالماً، لأنهم ينقسمون إلى: عالم وجاهل، بخلاف الملائكة. فإنهم في العلم سواء.
و {أنه لا إله إلا هو}: مفعول: شهد، وفصل به بين المعطوف عليه والمعطوف، ليدل على الاعتناء بذكر المفعول، وليدل على تفاوت درجة المتعاطفين، بحيث لا ينسقان متجاورين. وقدم الملائكة على أولي العلم من البشر لأنهم الملأ الأعلى، وعلمهم كله ضروري، بخلاف البشر، فإن علمهم ضروري وإكتسابي.
وقرأ أبو الشعثاء: شهد، بضم الشين مبنياً للمفعول، فيكون: أنه، في موضع البدل أي: شهد وحدانية الله وألوهيته. وارتفاع: الملائكة، على هذه القراءة على الابتداء، والخبر محذوف تقديره: والملائكة وأولو العلم يشهدون. وحذف الخبر لدلال المعنى عليه، ويحتمل أن يكون فاعلاً بإضمار فعل محذوف لدلالة شهد عليه، لأنه إذا بني الفعل للمفعول فإنه قبل ذلك كان مبنياً للفاعل، والتقدير: وشهد بذلك الملائكة وأولو العلم.
وقرأ أبو المهلب، عم محارب بن دثار: شهداء الله، على وزن: فعلاء، جمعاً منصوباً.
قال ابن جني: على الحال من الضمير في المستغفرين. وقيل: نصب على المدح، وهو جمع شهداء، وجمع شاهد: كظرفاء وعلماء. وروي عنه، وعن أبي نهيك: شهداء الله، بالرفع أي: هم شهداء الله. وفي القراءتين: شهداء، مضاف إلى اسم الله.
وروي عن أبي المهلب: شهد بضم الشين والهاء، جمع: شهيد، كنذير ونذر، وهو منصوب على الحال، واسم الله منصوب. وذكر النقاش: أنه قرئ كذلك بضم الدال وبفتحها مضافاً لاسم الله في القراءتين.
وذكر الزمخشري، أنه قرئ: شهداء لله، برفع الهمزة ونصبها، وبلام الجر داخلة على اسم الله، فوجه النصب على الحال من المذكورين، والرفع على إضمارهم، ووجه رفع الملائكة على هاتين القراءتين عطفاً على الضمير المستكن في شهداء، وأجاز ذلك لوقوع الفاصل بينهما. وتقدم توجيه رفع الملائكة إما على الفاعلية، وإما على الابتداء.
وقرأ أبو عمرو بخلاف عنه بإدغام: واو، وهو في: واو، والملائكة. وقرأ ابن عباس: {أنه لا إله إلاَّ هو} بكسر الهمزة في: أنه، وخرج ذلك على أنه أجرى: شهد، مجرى: قال، لأن الشهادة في معنى القول، فلذلك كسر إن، أو على أن معمول: شهد، هو {ان الدين عند الله الإسلام}
ويكون قوله: {أنه لا إله إلاَّ هو} جملة اعتراض بين المعطوف عليه والمعطوف، إذ فيها تسديد لمعنى الكلام وتقوية، هكذا خرجوه والضمير في: أنه، يحتمل أن يكون عائداً على: الله، ويحتمل أن يكون ضمير الشأن، ويؤيد هذا قراءة عبد الله {شهد الله أن لا إله إلا هو} ففي هذه القراءة يتعين أن يكون المحذوف إذا خففت ضمير الشأن، لأنها إذا خففت لم تعمل في غيره إلاَّ ضرورة، وإذا عملت فيه لزم حذفه.
قالوا: وانتصب: {قائماً بالقسط} على الحال من اسم الله تعالى، أو من: هو، أو من الجميع، على اعتبار كل واحد واحد، أو على المدح، أو صفة للمنفي، كأنه قيل: لا إله قائماً بالقسط إلاَّ هو. أو: على القطع، لأن أصله: القائم، وكذا قرأ ابن مسعود، فيكون كقوله: {وله الدين واصباً} أي الواصب.
وقرأ أبو حنيفة: قيما، وانتصابه على ما ذكر. وذكر السجاوندي: أن قراءة عبد الله: قائم، فأما انتصابه على الحال من اسم الله فعامها شهد، إذ هو العامل في الحال، وهي في هذا الوجه حال لازمة، لأن القيام بالقسط وصف ثابت لله تعالى.
وقال الزمخشري: وانتصابه على أنه حال مؤكدة منه، أي: من الله، كقوله {وهو الحق مصدقاً} انتهى. وليس من الحال المؤكدة، لأنه ليس من باب: {ويوم يبعث حياً} ولا من باب: أنا عبد الله شجاعاً. فليس {قائماً بالقسط} بمعنى: شهد، وليس مؤكداً مضمون الجملة السابقة في نحو: أنا عبد الله شجاعاً، وهو زيد شجاعاً. لكن في هذا التخريج قلق في التركيب، إذ يصير كقولك: أكل زيد طعاماً وعائشة وفاطمة جائعاً. فيفصل بين المعطوف عليه والمعطوف بالمفعول، وبين الحال وذي الحال بالمفعول والمعطوف، لكن بمشيئة كونها كلها معمولة لعامل واحد، وأما انتصابه على الحال من الضمير الذي هو: هو، فجوّزه الزمخشري وابن عطية.
قال الزمخشري: فإن قلت: قد جعلته حالاً من فاعل: شهد، فهل يصح أن ينتصب حالاً من: هو، في: {لا إله إلاَّ هو}؟
قلت: نعم! لأنها حال مؤكدة، والحال المؤكدة لا تستدعي أن يكون في الجملة التي هي زيادة في فائدتها عامل فيها، كقوله: أنا عبد الله شجاعاً. انتهى. ويعني. أن الحال المؤكدة لا يكون العامل فيها النصب شيئاً من الجملة السابقة قبلها، وإنما ينتصب بعامل مضمر تقديره: أحق، أو نحوه مضمراً بعد الجملة، وهذا قول الجمهور. والحال المؤكدة لمضمون الجملة هي الدالة على معنى ملازم للمسند إليه الحكم، أو شبيه بالملازم، فإن كان المتكلم بالجملة مخبراً عن نفسه، فيقدر الفعل: أحق، مبنياً للمفعول، نحو: أنا عبد الله شجاعاً، أي: أحق شجاعاً. وإن كان مخبراً عن غيره نحو: هو زيد شجاعاً، فتقديره: أحقه شجاعاً.
وذهب الزجاج إلى أن العامل في هذه الحال هو الخبر بما ضمن من معنى المسمى، وذهب ابن خروف إلى أنه المبتدأ بما ضمن من معنى التنبيه.
وأما من جعله حالاً من الجميع، على ما ذكر، فرد بأنه لو جاز ذلك لجاز: جاء القوم راكباً، أي: كل واحد منهم. وهذا لا تقوله العرب.
وأما انتصابه على المدح، فقال الزمخشري: فإن قلت أليس من حق المنتصب على المدح أن يكون معرفة، كقولك: الحمد لله الحميد، «إنا معشر الأنبياء لا نورث».
إنا بني نهشل لا ندعى لأب ***
قلت قد جاء نكرة في قول الهذلي:
ويأوي إلى نسوة عطل *** وشعثاً مراضيع مثل السعالي
انتهى سؤاله وجوابه. وفي ذلك تخليط، وذلك أنه لم يفرّق بين المنصوب على المدح أو الذم أو الترحم، وبين المنصوب على الاختصاص، وجعل حكمهما واحداً، وأورد مثالاً من المنصوب على المدح وهو: الحمد لله الحميد، ومثالين في المنصوب على الاختصاص وهما: «إنا معشر الأنبياء لا نورث».
إنا بني نهشل لا ندعى لأب ***
والذي ذكر النحويون أن المنصوب على المدح أو الذم أو الترحم قد يكون معرفة، وقبله معرفة يصلح أن يكون تابعاً لها، وقد لا يصلح، وقد يكون نكرة كذلك، وقد يكون نكرة وقبلها معرفة، فلا يصلح أن يكون نعتاً لها نحو قول النابغة:
أقارعُ عوفٍ لا أحاولُ غيرَها *** وجوهَ قرودٍ يبتغي من يخادعُ
فانتصب: وجوهَ قرودٍ، على الذم. وقبله معرفة وهو قوله: أقارع عوف.
وأما المنصوب على الاختصاص فنصبوا على أنه لا يكون نكرة ولا مبهماً، ولا يكون إلاَّ معرفاً بالألف واللام، أو بالإِضافة، أو بالعلمية، أو بأي، ولا يكون إلاَّ بعد ضمير متكلم مختص به، أو مشارك فيه، وربما أتى بعد ضمير مخاطب. وأما انتصابه على أنه صفة للمنفي فقال الزمخشري.
فإن قلت: هل يجوز أن يكون صفة للمنفي كأنه قيل: لا إله قائماً بالقسط إلا هو؟
قلت: لا يبعد، فقد رأيناهم يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف، ثم قال: وهو أوجه من انتصابه عن فاعل: شهد، وكذلك انتصابه على المدح. انتهى. وكان قد مثل في الفصل بين الصفة والموصوف بقوله: لا رجل إلاَّ عبد الله شجاعاً. ويعني أن انتصاب: قائماً، على أنه صفة لقوله: إله، أو لكونه انتصب على المدح أوجه من انتصابه على الحال من فاعل: شهد، وهو الله. وهذا الذي ذكره لا يجوز، لأنه فصل بين الصفة والموصوف بأجنبي، وهو المعطوفان اللذان هما: الملائكة وأولو العلم، وليسا معمولين من جملة {لا إله إلا الله} بل هما معمولان: لشهد، وهو نظير: عرف زيد أن هنداً خارجة وعمرو وجعفر التميمية. فيفصل بين هنداً والتميمية بأجنبي ليس داخلاً فيما عمل فيها، وفي خبرها بأجنبي وهما: عمرو وجعفر، المرفوعان بعرف، المعطوفان على زيد.
وأما المثال الذي مثل به وهو: لا رجل إلاَّ عبد الله شجاعاً، فليس نظير تخريجه في الآية، لأن قولك: إلاَّ عبد الله، يدل على الموضع من: لا رجل، فهو تابع على الموضع، فليس بأجنبي.
على أن في جواز هذا التركيب نظراً، لأنه بدل، و: شجاعاً، وصف، والقاعدة أنه: إذا اجتمع البدل والوصف قدم الوصف على البدل، وسبب ذلك أنه على نية تكرار العامل على المذهب الصحيح، فصار من جملة أخرى على المذهب.
وأما انتصابه على القطع فلا يجيء إلاَّ على مذهب الكوفيين، وقد أبطله البصريون.
والأولى من هذه الأقوال كلها أن يكون منصوباً على الحال من اسم الله، والعامل فيه: شهد، وهو قول الجمهور.
وأما قراءة عبد الله: القائم بالقسط، فرفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو القائم بالقسط. قال الزمخشري وغيره: إنه بدل من: هو، ولا يجوز ذلك، لأن فيه فصلاً بين البدل والمبدل منه بأجنبي. وهو المعطوفان، لأنهما معمولان لغير العامل في المبدل منه، ولو كان العامل في المعطوف هو العامل في المبدل منه لم يجز ذلك أيضاً، لأنه إذا اجتمع العطف والبدل قدم البدل على العطف، لو قلت جاء زيد وعائشة أخوك، لم يجز. إنما الكلام: جاء زيد أخوك وعائشة.
وقال الزمخشري فإن قلت: لم جاز إفراده بنصب الحال دون المعطوفين عليه، ولو قلت: جاءني زيد وعمر وراكباً لم يجز؟
قلت: إنما جاز هذا لعدم الإلباس، كما جاز في قوله: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة} إن انتصب: نافلة، حالاً عن: يعقوب، ولو قلت: جاءني زيد وهند راكباً، جاز لتميزه بالذكورة. انتهى كلامه.
وما ذكر من قوله في: جاءني زيد وعمرو راكباً، أنه لا يجوز ليس كما ذكر، بل هذا جائز، لأن الحال قيد فيمن وقع منه أو به الفعل، أو ما أشبه ذلك، وإذا كان قيداً فإنه يحمل على أقرب مذكور، ويكون راكباً حالاً مما يليه، ولا فرق في ذلك بين الحال والصفة، لو قلت: جاءني زيد وعمرو الطويل. لكان: الطويل، صفة: لعمرو، ولا تقول: لا تجوز هذه المسألة، لأنه يلبس بل لا لبس في هذا، وهو جائز فكذلك الحال.
وأما قوله: في: نافلة، إنه انتصب حالاً عن: يعقوب، فلا يتعين أن يكون حالاً عن: يعقوب، إذ يحتمل أن يكون: نافلة، مصدراً كالعافية والعاقبة. ومعناه: زيادة، فيكون ذلك شاملاً لإسحاق ويعقوب، لأنهما زيدا لإبراهيم بعد ابنه إسماعيل وغيره، إذ كان إنما جاء له إسحاق على الكبر، وبعد أن عجزت سارة وأيست من الولادة، وأولاد إبراهيم غير إسماعيل وإسحاق مديان، ويقال: مدين، ويشناق، وشواح، وهو خاضع، ورمران وهو محدان، ومدن، ويقشان وهو مصعب، فهؤلاء ولد إبراهيم لصلبه. والعقب الباقي منهم لإسماعيل وإسحاق لا غير.
قال الزمخشري: فإن قلت: ما المراد بأولي العلم، الذين عظمهم هذا التعظيم حيث جمعهم معه ومع الملائكة في الشهادة على وحدانيته وعدله؟
قلت: هم الذين يثبتون وحدانيته وعدله بالحجج القاطعة، والبراهين الساطعة، وهم علماء العدل والتوحيد.
انتهى.
ويعني بعلماء العدل والتوحيد: المعتزلة، وهم يسمون أنفسهم بهذا الإسم كما أنشدنا شيخنا الإمام الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي رحمه الله بقراءتي عليه قال: أنشدنا الصاحب أبو حامد عبد الحميد بن هبة بن محمد بن أبي الحديد المعتزلي ببغداد لنفسه:
لولا ثلاث لم أخف صرعتي *** ليست كما قال فتى العبد
أن أنصر التوحيد والعدل في *** كل مقام باذلاً جهدي
وأن أناجي الله مستمتعاً *** بخلوة أحلى من الشهد
وأن أتيه الدهر كبراً على *** كل لئيم أصعر الخدّ
لذاك أهوى لا فتاة ولا *** خمر ولا ذي ميعة نهد
{لا إله إلا هو العزيز الحكيم} كرر التهليل توكيداً وقيل: الأول شهادة الله، والثاني شهادة الملائكة وأولي العلم، وهذا بعيد جدّاً لأنه يؤدّي إلى قطع الملائكة عن العطف على الله تعالى، وعلى إضمار فعل رافع، أو على جعلهم مبتدأ، وعلى الفصل بين ما يتعلق بهم وبين التهليل بأجنبي، وهو قوله: {قائماً بالقسط}.
وقيل: الأول جار مجرى الشهادة، والثاني جار مجرى الحكم وقيل: هذا الكلام ينطوي على مقدّمتين، وهذا هو نتيجتهما، فكأنه قال: شهد الله والملائكة وأولو العلم وما شهدوا به حق فلا إله إلا هو حق، فحذف إحدى المقدّمتين للدّلالة عليها، وهذا التقدير كله لا يساعد عليه اللفظ.
وقال الراغب: إنما كرر {لا إله إلا هو} لأن صفات التنزيه أشرف من صفات التمجيد لأن أكثرها مشارك في ألفاظها العبيد، فيصح وصفهم بها، وكذلك وردت ألفاظ التنزيه في حقه أكثر، وأبلغ ما وصف به من التنزيه: لا إله إلا الله، فتكريره هنا لأمرين: أحدهما: لكون الثاني قطعاً للحكم، كقولك: أشهد أن زيداً خارج، وهو خارج. والثاني: لئلا يسبق بذكر العزيز الحكيم إلى قلب السامع تشبيه، إذ قد يوصف بهما المخلوق انتهى.
وقال الزمخشري: صفتان مقرّرتان لما وصف به ذاته من الوحدانية والعدل، يعني أنه العزيز الذي لا يغالبه إله آخر، الحكيم الذي لا يعدل عن العدل في أفعاله. انتهى. وهو تحويم على مذهب المعتزلة.
وارتفع: العزيز، على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: والعزيز، على الاستئناف قيل: وليس بوصف، لأن الضمير لا يوصف، وليس هذا بالجمع عليه، بل ذهب الكسائي إلى أن ضمير الغائب كهذا يوصف.
وجوّزوا في إعراب: العزيز، أن يكون بدلاً من: هو. وروي في حديث عن الأعمش أنه قام يتهجد، فقرأ هذه الآية، ثم قال: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة، إن الدين عند الله الإسلام قالها مراراً، فسئل، فقال: حدّثني أبو وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله: عبدي عهد إليّ وأنا أحق من وفى، أدخِلوا عبدي الجنة».
وقال أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي: العزيز، إشارة إلى كمال القدرة، و: الحكيم، إشار، إلى كمال العلم، وهما الصفتان اللتان يمتنع حصول الإلهية إلاَّ معهما، لأن كونه {قائماً بالقسط} لا يتم إلاَّ إذا كان عالماً بمقادير الحاجات، فكان قادراً على تحصيل المهمات، وقدم العزيز في الذكر لأن العلم بكونه تعالى قادراً متقدم على العلم بكونه عالماً في طريق المعرفة الاستدلالية، وهذا الخطاب مع المستدل. انتهى كلامه.

1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8