سورة آل عمران - تفسير تفسير ابن القيم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
تفسير السورة  
الصفحة الرئيسية > القرآن الكريم > تفسير السورة   (آل عمران)


        


{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)}
تضمنت هذه الآية الكريمة: إثبات حقيقة التوحيد، والرد على جميع هذه الطوائف- التي فصل عقائدها الباطلة قبل هذا- والشهادة ببطلان أقوالهم، ومذاهبهم. وهذا إنما يتبين بعد فهم الآية، ببيان ما تضمنته من المعارف الإلهية، والحقائق الإيمانية.
فتضمنت هذه الآية: أجل شهادة وأعظمها، وأعدلها وأصدقها من أجلّ شاهد، بأجل مشهود.
وعبارات السلف في {شهد} تدور على: الحكم والقضاء، والإعلام والبيان والإخبار.
قال مجاهد: حكم وقضى.
وقال الزجاج: بيّن. وقالت طائفة: أعلم وأخبر.
وهذه الأقوال كلها حق، لا تنافي بينها. فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد، وخبره وقوله: وتتضمن إعلامه و�


{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (19)}
اختلف المفسرون: هل هو كلام مستأنف، أو داخل في مضمون هذه الشهادة. فهو بعض المشهود به.
وهذا الاختلاف مبني على القراءتين في كسر {إن} وفتحها. فالأكثرون على كسرها. على الاستئناف. وفتحها الكسائي وحده.
والوجه: هو الكسر. لأن الكلام الذي قبله قد تم. فالجملة الثانية مقررة مؤكدة لمضمون ما قبلها. وهذا أبلغ في التقرير، وأدخل في المدح والثناء. ولهذا كان كسر {إن} من قوله: {إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} [52: 28] أحسن من الفتح. وكان الكسر في قول الملبي لبيك إن الحمد والنعمة لك أحسن من الفتح.
وقد ذكر في توجيه قراءة الكسائي ثلاثة أوجه.
أحدها: أن تكون الشهادة واقعة على الجملتين. فهي واقعة على {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ} وهو المشهود به. ويكون فتح أنه من قوله: {أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ} على إسقاط حرف الجر، أي بأنه لا إله إلا هو. وهذا توجيه الفراء. وهو ضعيف جدا. فإن المعنى على خلافه، وأن المشهود به: هو نفس قوله: {أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ} فالمشهود به {إن} وما في حيّزها.
والعناية إلى هذا صرفت، وبه حصلت.
ولكن لهذا القول- مع ضعفه- وجه. وهو أن يكون المعنى: شهد اللّه بتوحيده: أن الدين عند اللّه الإسلام. والإسلام: هو توحيده سبحانه.
فتضمنت الشهادة توحيده وتحقيق دينه: أنه الإسلام لا غيره.
الوجه الثاني: أن تكون الشهادة واقعة على الجملتين معا، كلاهما مشهود به على تقدير حذف الواو وإرادتها. والتقدير: وأن الدين عنده الإسلام. فتكون جملة استغنى فيها عن حرف العطف بما تضمنت من ذكر المعطوف عليه، كما وقع الاستغناء عنها في قوله: {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ} [18: 22] فيحسن ذكر الواو وحذفها، كما حذفت هاهنا، وذكرت في قوله: {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} [18: 22].
الوجه الثالث:- وهو مذهب البصريين- أن يجعل (ان) الثانية بدلا من الأولى. والتقدير: شهد اللّه أن الدين عند اللّه الإسلام. وقوله: {أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ} توطئة للثانية وتمهيد. ويكون هذا من البدل الذي الثاني فيه نفس الأول. فإن الدين الذي هو نفس الإسلام عند اللّه، هو شهادة أن لا إله إلا اللّه، والقيام بحقها. ولك أن تجعله على هذا الوجه- من باب بدل الاشتمال. لأن الإسلام يشتمل على التوحيد.
فإن قيل: فكان ينبغي- على هذه القراءة- أن يقول: إن الدين عند اللّه الإسلام. لأن المعنى: شهد اللّه أن الدين عنده الإسلام. فلم عدل إلى لفظ الظاهر؟
قيل: هذا يرجح قراءة الجمهور، وأنها أفصح وأحسن. ولكن يجوز إقامة الظاهر مقام المضمر. وقد ورد في القرآن، وكلام العرب كثيرا.
قال اللّه تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ} [2: 196] وقال: {اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [2: 235] وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} [7: 170].
قال ابن عباس: افتخر المشركون بآبائهم، فقال كل فريق: لا دين إلا دين آبائنا وما كانوا عليه، فأكذبهم اللّه تعالى فقال: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ}يعني الذي جاء به محمد، وهو دين الأنبياء من أولهم إلى آخرهم ليس اللّه دين سواه {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ} [3: 85] وقد دل قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ} على أنه دين أنبيائه ورسله وأتباعهم من أولهم إلى آخرهم، وأنه لم يكن للّه قط ولا يكون له دين سواه.
قال أول الرسل نوح: {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} وقال إبراهيم وإسماعيل: {رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} {وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [2: 132] وقال يعقوب لبنيه عند الموت: {ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ} إلى قوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} وقال موسى لقومه: {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} وقال تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ وقالت ملكة سبأبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ}.
فالإسلام دين أهل السموات ودين أهل التوحيد من أهل الأرض، لا يقبل اللّه من أحد دينا سواه. فأديان أهل الأرض ستة: واحد للرحمن وخمسة للشيطان. فدين الرحمن هو الإسلام والتي للشيطان: اليهودية والنصرانية والمجوسية والصابئة ودين المشركين.
فهذا بعض ما تضمنته هذه الآيات العظيمة من أسرار التوحيد والمعارف ولا تستطل الكلام فيها فإنه أهم من الكلام على كلام صاحب المنازل.


{قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)}
{اللهم} لا خلاف أن لفظ {اللهم} معناها: يا اللّه: ولهذا لا تستعمل إلا في الطلب. فلا يقال: اللهم غفور رحيم، بل يقال: اللهم اغفر لي وارحمني.
واختلف النحاة في الميم المشددة من آخر الاسم.
فقال سيبويه: زيدت عوضا من حرف النداء. ولذلك لا يجوز الجمع بينهما في اختيار الكلام، فلا يقال يا اللهم إلا فيما ندر، كقول الشاعر:
إني إذا ما حدث ألمّا *** أقول: يا اللهم، يا اللهم
ويسمى ما كان من هذا الضرب عوضا. إذ هو في غير محل المحذوف. فإن كان في محله سمّي بدلا، كالألف في (قام، وباع) فإنها بدل من الواو والياء. ولا يجوز عنده أن يوصف هذا الاسم أيضا. فلا يقال: يا اللهم الرحيم ارحمني، ولا يبدل منه.
والضمة التي على الهاء ضمة الاسم المنادى المفرد. وفتحت الميم لسكونها وسكون الميم التي قبلها. وهذا من خصائص هذا الاسم. كما اختص بالتاء في القسم. وبدخول حرف النداء عليه مع لام التعريف، وبقطع همزة وصله في النداء، وبتفخيم لامه وجوبا غير مسبوقة بحرف إطباق. هذا ملخص مذهب الخليل وسيبويه.
وقيل: الميم عوض عن جملة محذوفة. والتقدير: يا اللّه أمنّا بخير، أي اقصدنا ثم حذف الجار والمجرور، وحذف المفعول. فبقي في التقدير: يا اللّه أمّ. ثم حذفت الهمزة، لكثرة دوران هذا الاسم في الدعاء على ألسنتهم، فبقي (يا اللهم) وهذا قول الفراء.
وصاحب هذا القول يجوّز دخول (يا) عليه. ويحتج بقول الشاعر:
يا اللهم ما اردد علينا شيخنا مسلما ***
وبالبيت المتقدم وغيرهما.
ورد البصريون هذا بوجوه:
أحدها: أن هذه التقادير لا دليل عليها، ولا يقتضيها القياس، فلا يصار إليها بغير دليل.
الثاني: أن الأصل عدم الحذف، فتقدير هذه المحذوفات الكثيرة خلاف الأصل.
الثالث: أن الداعي بهذا قد يدعو بالشر على نفسه وعلى غيره. فلا يصح هذا التقدير فيه.
الرابع: أن الاستعمال الشائع الفصيح يدل على أن العرب لم تجمع بين (يا) و(اللهم) ولو كان أصله ما ذكره الفراء لم يمتنع الجمع. بل كان استعماله فصيحا شائعا. والأمر بخلافه.
الخامس: أنه لا يمتنع أن يقول الداعي: اللهم أمّنا بخير. ولو كان التقدير كما ذكره، لم يجز الجمع بينهما، لما فيه من الجمع بين العوض والمعوض عنه.
السادس: أن الداعي بهذا الاسم لا يخطر ذلك بباله، وإنما تكون عنايته مجردة إلى المطلوب بعد ذكر الاسم.
السابع: أنه لو كان التقدير ذلك لكان (اللهم) جملة تامة، يحسن السكوت عليها. لاشتمالها على الاسم المنادى وفعل الطلب. وذلك باطل.
الثامن: أنه لو كان التقدير ما ذكره لكتب فعل الأمر وحده، ولم يوصل باسم المنادى كما يقال: يا اللّه قه، ويا زيد عه، ويا عمرو فه. لأن الفعل لا يوصل بالاسم الذي قبله حتى يجعلا في الخط كلمة واحدة. هذا لا نظير له في الخط وفي الاتفاق على وصل الميم باسم اللّه دليل على أنها ليست بفعل مستقل.
التاسع: أنه لا يسوغ ولا يحسن في الدعاء أن يقول العبد: اللهم أمّني بكذا بل هذا مستكره من اللفظ والمعنى. فإنه لا يقال: اقصدني بكذا إلا لمن كان يعرض له الغلط والنسيان، فيقول له: اقصدني. وأما من كان لا يفعل إلا بإرادته، ولا يضل ولا ينسى. فلا يقال له: اقصد كذا.
العاشر: أنه يسوغ استعمال هذا اللفظ في موضع لا يكون بعده دعاء.
كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم في الدعاء: «اللهم لك الحمد، وإليك المشتكي، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا باللّه» وقوله: «اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك، وملائكتك وجميع خلقك: أنك أنت اللّه لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك» وقوله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ} [3: 26]- وقوله: {قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [39: 46] وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في ركوعه وسجوده (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي).
فهذا كله لا يسوغ فيه التقدير الذي ذكروه. واللّه أعلم.
وقيل: زيدت الميم للتعظيم والتفخيم، كزيادتها في زرقم، لشديد الزرقة، وابنم في ابن.
وهذا القول صحيح. لكن يحتاج إلى تتمة. وقائله لحظ معنى صحيحا، لابد من بيانه.
وهو أن الميم تدل على الجمع وتقتضيه، ومخرجها يقتضي ذلك.
وهذا مطرد على أصل من أثبت المناسبة بين اللفظ والمعنى. كما هو مذهب أساطين العربية. وعقد له أبو الفتح ابن جنى بابا في الخصائص. وذكره عن سيبويه. واستدل عليه بأنواع من تناسب اللفظ والمعنى.
ثم قال: ولقد مكثت برهة يرد عليّ اللفظ لا أعلم موضوعه، فأجد معناه من قوة لفظه، ومناسبة تلك الحروف لذلك المعنى. ثم أكشفه فأجده كما فهمته أو قريبا منه. فحكيت لشيخ الإسلام هذا عن ابن جنى. فقال: وأنا كثيرا ما يجرى لي ذلك. ثم ذكر لي فصلا عظيم النفع في التناسب بين اللفظ والمعنى، ومناسبة الحركات لمعنى اللفظ، وأنهم في الغالب يجعلون الضمة التي هي أقوى الحركات للمعنى الأقوى. والفتحة الخفيفة للمعنى الخفيف. والمتوسطة للمتوسط. فيقولون: عزّ يعز. بفتح العين- إذا صلب. وأرض عزاز: صلبة. ويقولون: عز يعزّ- بكسرها- إذا امتنع.
والممتنع فوق الصلب، فقد يكون الشيء صلبا ولا يمتنع على كاسره. ثم يقولون: عزّه يعزّه. إذا غلبه.
قال اللّه تعالى في قصة داود عليه السلام: {وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ} [38: 23] والغلبة أقوى من الامتناع، إذ قد يكون الشيء ممتنعا في نفسه، متحصنا عن عدوه، ولا يغلب غيره. فالغالب أقوى من الممتنع، فأعطوه أقوى الحركات- وهو الضمة- والصلب أضعف من الممتنع. فأعطوه أضعف الحركات- وهو الفتحة- والممتنع المتوسط بين المرتبتين حركة الوسط.
ونظير هذا قولهم ذبح- بكسر أوله- للمحل الذبوح: وذبح- بفتح أوله- لنفس الفعل. ولا ريب أن الجسم أقوى من العرض، فأعطوا الحركة القوية للقوي، والضعيفة للضعيف، وهو مثل قولهم نهب، ونهب بالكسر للمنهوب وبالفتح للفعل. وكقولهم ملء، وملء بالكسر، لما يملأ الشيء، وبالفتح للمصدر، الذي هو الفعل. وكقولهم حمل، وحمل فبالكسر لما كان قويا مثقلا لحامله على ظهره أو رأسه، أو غيرهما من أعضائه، والحمل بالفتح، لما كان خفيفا غير مثقل، كحمل الحيوان، وحمل الشجرة به أشبه، ففتحوه.
وتأمل هذا في الحبّ والحبّ فجعلوا المكسور الأول لنفس المحبوب، ومضمومه للمصدر، إيذانا بخفة المحبوب على قلوبهم، ولطف موقعه من أنفسهم وحلاوته عندهم، وثقل حمل الحب ولزومه، كما يلزم الغريم غريمه، ولهذا يسمى غراما. ولهذا كثر وصفهم تحمله بالشدة والصعوبة، وإخبارهم بأن أعظم المخلوقات وأشدها من الصخر والحديد ونحوهما لو حمله لذاب من حمله، ولم يستقل به. كما هو كثير في أشعار المتقدمين والمتأخرين وكلامهم. فكان الأحسن: أن يعطوا المصدر هنا الحركة القوية، والمحبوب الحركة التي هي أخف منها.
ومن هذا: قولهم قبض بسكون وسطه للفعل، وقبض بتحريكه للمقبوض. والحركة أقوى من السكون والمقبوض أقوى من المصدر.
ونظيره: سبق بالسكون للفعل، وسبق بالفتح: للمال المأخوذ في هذا العقد.
وتأمل قولهم دار، دورانا وفارت القدر، فورانا وو غلت، غليانا كيف تابعوا بين الحركات في هذه المصادر لتتابع حركة المسمى.
فطابق اللفظ المعنى.
وتأمل قولهم حجر وهواء كيف وضعوا للمعنى الثقيل الشديد هذه الحروف الشديدة، ووضعوا للمعنى الخفيف: الهواية، التي هي من أخف الحروف.
وهذا أكثر من أن يحاط به، وإن مد اللّه في العمر وضعت فيه كتابا مستقلا إن شاء اللّه تعالى.
ومثل هذه المعاني يستدعي لطافة ذهن، ورقة طبع. ولا تتأتى مع غلظ القلوب، والرضى بأوائل مسائل النحو والتصريف، دون تأملها وتدبرها، والنظر إلى حكمة الواضع، ومطالعة ما في هذه اللغة الباهرة من الأسرار التي تدق عن أكثر العقول. وهذا باب ينبه الفاضل على ما وراءه {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ} [24: 40].
وانظر في تسميتهم الغليظة الجافي بالعتلّ والجعظري، والجواظ، كيف تجد هذه الألفاظ تنادي على ما تحتها من المعاني.
وانظر إلى تسميتهم الطويل بالعشنّق. وتأمل اقتضاء هذه الحروف ومناسبتها لمعنى الطول، وتسميتهم القصير بالبحتر، وموارتهم بين ثلاث فتحات في اسم الطويل، وهو العشنق، وإتيانهم بضمتين بينهما سكون في البحتر، كيف يقتضي اللفظ الأول: انفتاح الفم، وانفراج آلات النطق، وامتدادها، وعدم ركوب بعضها بعضا، وفي اسم البحتر الأمر بالضد.
وتأمل قولهم: طال الشيء، فهو طويل، وكبر كبير. فإن زاد طوله وكبره قالوا: طوالا، وكبارا، فأتوا بالألف التي هي أكثر مدا، وأطول من الياء في الأطول. فإن زاد كبر الشيء، وثقل موقعه من النفوس ثقّلوا اسمه، فقالوا: كبّارا بشد الباء.
ولو أطلقنا عنان القلم في ذلك لطال مداه، واستعصى على الضبط.
فلنرجع إلى ما جرى الكلام بسببه فنقول: الميم حرف شفهي يجمع الناطق به شفتيه، فوضعته العرب علما على الجمع، فقالوا للواحد: أنت، فإذا جاوزوه إلى الجمع قالوا: أنتم. وقالوا للواحد الغائب: هو، فإذا جاوزوه إلى الجمع، قالوا: هم. وكذلك في المتصل يقولون: ضربت، وضربتم، وإياك، وإياكم، وإياه، وإياهم، ونظائره، نحو: به وبهم. ويقولون للشيء الأزرق، فإذا اشتدت زرقته واجتمعت واستحكمت قالوا: زرقم ويقولون للكبير الاست: ستهم بوزن قنفذ.
وتأمل الألفاظ التي فيها الميم، كيف تجد الجمع معقودا بها، مثل لمّ الشيء يلتمه، إذا جمعه. ومنه لمّ اللّه شعثه، أي جمع ما تفرق من أموره. ومنه قولهم: دار لمومة. أي تلم الناس وتجمعهم. ومنه: الأكل اللّمّ، جاء في تفسيرها: يأكل نصيبه ونصيب صاحبه. وأصله من اللم، وهو الجمع، كما يقال: لفه يلفّه. ومنه: ألم بالشيء، إذا قارب الاجتماع به والوصول إليه.
ومنه اللمم. وهو مقاربة الاجتماع بالكبائر. ومنه الملمة، وهي النازلة التي تصيب العبد. ومنه اللّمّة، وهي الشعر الذي قد اجتمع، وتقلص حتى جاوز شحمة الأذن، ومنه لمّ الشيء، وما تصرف منها.
ومنه: بدر التّم: إذا كمل واجتمع نوره.
ومنه: التوأم للولدين المجتمعين في بطن.
ومنه: الأم. وأم الشيء: أصله الذي تفرع منه. فهو الجامع له، وبه سميت مكة أم القرى، والفاتحة أم القرآن. واللوح المحفوظ: أم الكتاب.
قال الجوهري: أم الشيء أصله، ومكة: أم القرى. وأم مثواك: صاحبة منزلك. يعني التي تأوى إليها وتجتمع معها، وأم الدماغ: الجلدة التي تجمع الدماغ ويقال لها: أم الرأس.
وقال تعالى في الآيات المحكمات: {هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ} [3: 7] والأمة: الجماعة المتساوية في الخلقة، أو الزمان، أو اللسان، قال تعالى: {وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ} [6: 38] وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها».
ومنه: الإمام الذي يجتمع المقتدون به على أتباعه.
ومنه: أمّ الشيء يؤمه إذا جمع قصده وهمه إليه.
ومنه: رمّ الشيء يرمه، إذا أصلحه. وجمع متفرقه.
قيل: ومنه سمي الرمان: لاجتماع حبه وتضامه.
ومنه: ضم الشيء يضمه: إذا جمعه.
ومنه: هم الإنسان، وهمومه، وهي إرادته وعزائمه التي تجتمع في قلبه.
ومنه: قولهم للأسود: أحم، والفحمة السوداء: حممة، وحم رأسه إذا اسود بعد حلقه كله. هذا لأن السواد لون جامع للبصر، لا يدعه يتفرق.
ولهذا يجعل على عيني الضعيف البصر لوجع أو غيره شيء أسود، من شعر أو خرقة، ليجمع عليه بصره فتقوى القوة الباصرة.
وهذا باب طويل. فلنقتصر منه على هذا القدر.
وإذا علم هذا من شأن الميم، فهم قد ألحقوها في آخر هذا الاسم {اللهم} الذي يسأل العبد به ربه سبحانه في كل حاجة، وكل حال، إيذانا بجمع أسمائه تعالى وصفاته. فإذا قال السائل: اللهم إني أسألك، كأنه قال: أدعو اللّه الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى بأسمائه وصفاته.
فأتى بالميم المؤذنة بالجمع في آخر هذا الاسم، إيذانا بسؤاله تعالى بأسمائه كلها. كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث الصحيح: «ما أصاب عبدا قط همّ ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إلا أذهب اللّه همه وغمه، وأبدله مكانه فرحا. قالوا: يا رسول اللّه، أفلا نتعلمهن؟ قال: بلى، ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن».
فالداعي مندوب إلى أن يسأل اللّه تعالى بأسمائه وصفاته، كما في الاسم الأعظم اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، الحنان المنان، بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم.
وهذه الكلمات تتضمن الأسماء الحسنى، كما ذكر في غير هذا الموضع.
والدعاء ثلاثة أقسام.
أحدها: أن تسأل اللّه تعالى بأسمائه وصفاته. وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها} [7: 180].
والثاني: أن تسأله بحاجتك وفقرك، وذلّك. فتقول: أنا العبد الفقير المسكين البائس الذليل المستجير، ونحو ذلك.
والثالث: أن تسأل حاجتك ولا تذكروا أحدا من الأمرين.
فالأول أكمل من الثاني. والثاني أكمل من الثالث. فإذا جمع الدعاء الأمور الثلاثة كان أكمل.
وهذه عامة أدعية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم.
وفي الدعاء الذي علمه صدّيق الأمة رضي اللّه عنه ذكر الأقسام الثلاثة. فإنه قال في أوله: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا».
وهذا حال السائل. ثم قال: «وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت».
وهذا حال المسؤول، ثم قال: «فاغفر لي» فذكر حاجته وختم الدعاء باسمين من الأسماء الحسنى تناسب المطلوب وتقتضيه.
وهذا القول الذي اخترناه قد جاء عن غير واحد من السلف.
قال الحسن البصري: {اللهم} مجمع الدعاء وقال أبو رجاء العطاردي: إن الميم في قوله: {اللهم} فيها تسعة وتسعون اسما من أسماء اللّه تعالى، وقال النضر بن شميل: من قال: {اللهم} فقد دعا اللّه بجميع أسمائه.
وقد وجه طائفة هذا القول بأن الميم هنا بمنزلة الواو الدالة على الجمع، فإنها من مخرجها. فكأن الداعي بها يقول: يا اللّه الذي اجتمعت له الأسماء الحسنى، والصفات العليا، ولذلك شددت لتكون عوضا عن علامة الجمع. وهي الواو والنون في مسلمون ونحوه.
وعلى الطريقة التي ذكرناها وهي أن نفس الميم دالة على الجمع لا يحتاج إلى هذا.
بقي أن يقال: فهلا جمعوا بين يا وبين هذه الميم، على المذهب الصحيح؟.
فالجواب: أن القياس يقتضي عدم دخول حرف النداء على هذا الاسم، لمكان الألف واللام منه. وإنما احتملوا ذلك فيه لكثرة استعمالهم دعاءه، واضطرارهم إليه، واستغاثتهم به. فإما أن يحذفوا الألف واللام منه. وذلك لا يسوغ للزومهما، وإما أن يتوصلوا إليه بأيّ، وذلك لا يسوغ، لأنها لا يتوصل بها إلا إلى نداء اسم الجنس المحلى بالألف واللام. كالرجل والرسول والنبي. وأما في الأعلام فلا.
فخالفوا قياسهم في هذا الاسم لمكان الحاجة. فلما أدخلوا الميم المشددة في آخره عوضا عن جمع الاسم، جعلوها عوضا عن حرف النداء، فلم يجمعوا بينهما، واللّه أعلم.

1 | 2 | 3