سورة النصر - تفسير تفسير البقاعي

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
تفسير السورة  
الصفحة الرئيسية > القرآن الكريم > تفسير السورة   (النصر)


        


لما دلت التي قبلها على أن الكفار قد صاروا إلى حال لا عبرة بهم فيه ولا التفات ولا خوف بوجه منهم ما دام الحال على المتاركة، كان كأنه قيل: فهل يحصل نصر عليهم وظفر بهم بالمعاركة، فأجاب بهذه السورة بشارة للمؤمنين ونذارة للكافرين، ولكنه لما لم يكن هذا بالفعل إلا عام حجة الوداع بعد فتح مكة بسنتين كان كأنه لم يستقر الفتح إلا حينئذ، فلم ينزل سبحانه وتعالى هذه السورة إلا في ذلك الوقت وقبل منصرفه من غزوة حنين، فقال تعالى تحقيقاً لأنه ينصر المظلوم ويعلي دينه ويمهل ولا يهمل، فإنه لا يعجزه شيء، حثاً على التفويض له والاكتفاء به، مقدماً معمول سبح تعجيلاً للبشارة: {إذا}.
ولما كانت المقدرات متوجهة من الأزل إلى أوقاتها المعينة لها، يسوقها إليها سائق القدرة، فتقرب منها شيئاً فشيئاً، كانت كأنها آتية إليها، فلذلك حصل التجوز بالمجيء عن الحصول فقال: {جاء} أي استقر وثبت في المستقبل بمجيء وقته المضروب له في الأزل، وزاد في تعظيمه بالإضافة ثم بكونها اسم الذات فقال: {نصر الله} أي الملك الأعظم الذي لا مثل له ولا أمر لأحد معه على جميع الناس في كل أمر يريده.
ولما كان للنصر درجات، وكان قد أشار سبحانه بمطلق الإضافة إليه ثم بكونها إلى الاسم الأعظم إلى أن المراد أعلاها، صرح به فقال: {والفتح} أي المطلق الصالح لكل فتح الذي نزلت فيه سورته بالحديبية مبشرة له بغلبة حزبه الذين أنت قائدهم وهاديهم ومرشدهم، لا سيما على مكة التي بها بيته ومنها ظهر دينه، وبها كان أصله، وفيها استقر عموده، وعز جنوده، فذل بذلك جميع العرب، وقالوا: لا طاقة لنا بمن أظفره الله بأهل الحرم، فعزوا بهذا الذل حتى كان ببعضهم تمام هذا الفتح، ويكون بهم كلهم فتح جميع البلاد، وللإشارة إلى الغلبة على جميع الأمم ساقه تعالى في أسلوب الشرط، ولتحققها عبر عنه ب {إذا} إعلاماً بأنه لا يخلف الوعد ولا ينقص ما قدره وإن توهمت العقول أنه فات وقته، وإيذاناً بأن القلوب بيده يقلبها كيف يشاء ليحصل لمن علم ذلك الإخلاص والخوف والرجاء، فأشعرت العبارة بأن الوقت قد قرب، فكان المعنى: فكن مترقباً لوروده ومستعداً لشكره.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما كمل دينه واتضحت شريعته واستقر أمره صلى الله عليه وسلم وأدى أمانة رسالته حق أدائها عرف عليه صلى الله عليه الصلاة والسلام نفاد عمره وانقضاء أجله، وجعلت له على ذلك علامة دخول الناس في دين الله جماعات بعد التوقف والتثبط {حكمة بالغة فما تغني النذر} [القمر: 5] {لو شاء الله لجمعهم على الهدى} [الأنعام: 35] وأمر بالإكثار من الاستغفار المشروع في أعقاب المجالس وفي أطراف النهار وخواتم المآخذ مما عسى أن يتخلل من لغو أو فتور، فشرع سبحانه وتعالى الاستغفار ليحرز لعباده من حفظ أحوالهم ورعي أوقاتهم ما يفي بعليّ أجورهم كما وعدهم {وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته} [الأنعام: 115] وقد بسطت ما أشارت إليه هذه السورة العظيمة- وكل كلام ربنا عظيم- فيما قيدته في غير هذا، وأن أبا بكر رضي الله عنه عرف منها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعيت إليه نفسه الكريمة على ربه وعرف بدنو أجله، وقد أشار إلى هذا الغرض أيضاً بأبعد من الواقع في هذه السورة قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً} [المائدة: 3] وسورة براءة وأفعاله عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع لكن لم يبلغنا استشعار أحد من الصحابة رضي الله عنهم تعيين الأمر إلا من هذه السورة. وقد عرفت بإشارة براءة وآية المائدة تعريفاً شافياً، واستشعر الناس عام حجة الوداع وعند نزول براءة ذلك لكن لم يستيقنوه وغلبوا رجاءهم في حياته صلى الله عليه وسلم، ومنهم من توفي، فلما نزلت {إذا جاء نصر الله والفتح} استيقن أبو بكر رضي الله عنه ذلك استيقاناً حمله على البكاء لما قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم- انتهى.
ولما عبر عن المعنى بالمجيء، عبر عن المرئي بالرؤية فقال: {ورأيت} أي بعينيك {الناس} أي العرب الذين كانوا حقيرين عند جميع الأمم، فصاروا بك هم الناس- كما دلت عليه لام الكمال، وصار سائر أهل الأرض لهم أتباعاً، وبالنسبة إليهم رعاياً، حال كونهم {يدخلون} شيئاً فشيئاً متجدداً دخولهم مستمراً {في دين الله} أي شرع من لم تزل كلمته هي العليا في حال إباء الخلق- بقهره لهم على الكفر الذي لا يرضاه لنفسه عاقل- ترك الحظوظ، وفي حال طواعيتهم بقسره لهم على الطاعة، وعبر عنه بالدين الذين معناه الجزاء لأن العرب كانوا لا يعتقدون القيامة التي لا يتم ظهور الجزاء إلا بها {أفواجاً} أي قبائل قبائل وزمراً زمراً وجماعات كثيفة كالقبيلة بأسرها أمة بعد أمة كأهل مكة والطائف وهوازن وهمدان وسائر القبائل من غير قتال في خفة وسرعة ومفاجأة ولين بعد دخولهم واحداً واحداً ونحو ذلك لأنهم قالوا: أما إذا ظفر بأهل الحرم وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل الذين لم يقدر أحد على ردهم فليس لنا بهم يدان. فتبين أن هذا القياس المنتج هذه النتيجة البديهية بقصة أصحاب الفيل ما رتبه الله إلا إرهاصاً لنبوته وتأسيساً لدعوته فألقوا بأيديهم، وأسلموا قيادهم حاضرهم وباديهم.
ولما كان التقدير: فقد سبح الله نفسه بالحمد بإبعاد نجس الشرك عن جزيرة العرب بالفعل، قال إيذاناً بأنه منزه عن النقائص التي منها إخلاف الوعد، وأن له مع ذلك الجلال والجمال، معبراً بما يفيد التعجب لزيادة التعظيم للمتعجب منه ليثمر ذلك الإجلال والتعظيم والتذلل والتقبل لجميع الأوامر، ويفهم أمره تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم بالاشتغال بخاصة نفسه بدنو أجله، وأن اشتغاله بالناس قد انتهى، لأن الدين قد كمل فلم يبق له صلى الله عليه وسلم شغل في دار الكدر: {فسبح} أي نزه أنت بقولك وفعلك بالصلاة وغيرها موافقة لمولاك فيما فعل، وزد في جميع أنواع العبادة، تسبيحاً متلبساً {بحمد} أي بكمال وإجلال وتعظيم {ربك} أي الذي أنجز لك الوعد بإكمال الدين وقمع المعتدين، المحسن إليك بجميع ذلك، لأنه كله لكرامتك، وإلا فهو عزيز حميد على كل حال، تعجباً لتيسير الله من هذا الفتح مما لم يخطر بالبال، وشكراً لما أنعم به سبحانه وتعالى عليه من أنه أراه تمام ما أرسل لأجله، ولأن كل حسنة يعملها أتباعه له مثلها.
ولما أمره صلى الله عليه وسلم بتنزيهه عن كل نقص، ووصفه تنزلاً عن غيب الغيب إلى الغيب بكل كمال مضافاً إلى الرب تدلياً إلى مشاهدة الأفعال، وصل إلى نهاية التنزل من الخالق إلى المخلوق مخاطباً لأعلى الخلائق كلهم فأمره بما يفهم العجز عن الوفاء بحقه لما له من العظمة المشار إليها بذكره مرتين بالاسم الأعظم الذي له من الدلائل على العظم والعلو إلى محل الغيب الذي لا مطمع في دركه ما تنقطع الأعناق دونه ليفهم عجز غيره من باب الأولى، فقال معلماً بأن من كماله أن يأخذ بالذنب إن شاء ويغفر إن شاء وإن عظم الذنب، ليحث ذلك على المبادرة إلى التوبة وتكثير الحسنات وحسن الرجاء: {واستغفره} أي اطلب غفرانه إنه كان غفاراً إيذاناً بأنه لا يقدر أحد أن يقدره حق قدره كما أشار إلى ذلك الاستغفار عقب الصلاة التي هي أعظم العبادات لتقتدي بك أمتك في المواظبة على الأمان الثاني لهم، فإن الأمان الأول- الذي هو وجودك بين أظهرهم قد دنا رجوعه إلى معدنه في الرفيق الأعلى والمحل الأقدس الأولى، وكذا فعل صلى الله عليه وسلم- كان يقول: «سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» ودخل يوم الفتح مكة مطأطئاً رأسه حتى إنه ليكاد يمس واسطة الرحل تواضعاً لله سبحانه وتعالى إعلاماً لأصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين أن ما وقع إنما هو بحول الله، لا بكثرة مع معه من الجمع، وإنما جعلهم سبباً لطفاً منه بهم، ولذلك نبه من ظن منهم أو هجس في خاطره أن للجمع مدخلاً بما وقع من الهزيمة في حنين أولاً، وما وقع بعد من النصرة بمن ثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم وهم لا يبلغون ثلاثين نفساً ثانياً، فالتسبيح الذي هو تنزيه عن النقص إشارة إلى إكماله الدين تحقيقاً لما كان تقدم به وعده الشريف.
والاستغفار إشارة إلى أن عبادته صلى الله عليه وسلم التي هي أعظم العبادات قد شارفت الانقضاء، ولا يكون ذلك إلا بالموت، فلذلك أمر بالاستغفار لأنه يكون في خاتمة المجالس والأعمال جبراً لما لعله وقع فيها على نوع من الوهن واعترافاً بذل العبودية والعجز.
ولما أمر بذلك فأرشد السياق إلى أن التقدير: وتب إليه، علله مؤكداً لأجل استبعاد من يستبعد مضمون ذلك من رجوع الناس في الردة ومن غيره بقوله: {إنه} أي المحسن إليك غاية الإحسان بخلافته لك في أمتك، ويجوز أن يكون التأكيد لأجل دلالة ما تقدم من ذكر الجلالة مرتين على غاية العظمة والفوت عن الإدراك بالاحتجاب بإرادته الكبرياء والعز والتجبر والقهر مع أن المألوف أن من كان على شيء من ذلك كان بحيث لا يقبل عذراً ولا يقبل نادماً {كان} أي لم يزل على التجدد والاستمرار {تواباً} أي رجاعاً بمن هذب به الشيطان من أهل رحمته فهو، الذي رجع بأنصارك عما كانوا عليه من الاجتماع على الكفر والاختلاف والعداوات فأيدك بدخولهم في الدين شيئاً فشيئاً حتى أسرع بهم بعد سورة الفتح إلى أن دخلت مكة في عشرة آلاف، وهو أيضاً يرجع بك إلى الحال التي يزداد بها ظهور رفعتك في الرفيق الأعلى ويرجع عن تخلخل من أمتك في دينه بردة أو معصية دون ذلك إلى ما كان عليه من الخير، ويسير بهم أحسن سير، فقد رجع آخر السورة إلى أولها لأنه لولا تحقق وصفه بالتوبة لما وجد الناصر الذي وجد به الفتح والتحم مقطعها أي التحام بمطلعها، وعلم أن كل جملة منها مسببة عما قبلها، فتوبة الله على عبده نتيجة توبته باستغفاره الذي هو طلب المغفرة بشروطه، وذلك ثمرة اعتقاده الكمال في ربه، وذلك ما دل عليه إعلاؤه لدينه، وقسره للداخلين فيه على الدخول مع أنهم أشد الناس شكائم وأعلاهم همماً وعزائم، وقد كانوا في غاية الإباء له والمغالبة للقائم به، وذلك هو فائدة الفتح هو آية النصر، وقد علم أن الآية الأخيرة من الاحتباك: دل بالأمر بالاستغفار على الأمر بالتوبة، وبتعليل الأمر بالتوبة على تعليل الأمر بالاستغفار، وعلم أن السورة أشارة إلى وفاته صلى الله عليه وسلم بالحث على الاستغفار الذي هو الأمان الثاني، ومن شأنه أن تختم به الأعمال والمجالس بعد ما أشار إليه إعلامها بظهور الدين على الدين كله ونزولها في أوسط أيام التشريق من حجته عليه أفضل الصلاة والسلام سنة عشر كما ذكرته في كتابي: مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور وكتابي: الاطلاع على حجة الوداع وذلك بعد نزول آية المائدة- التي هي نظيرتها في رد المقطع على المطلع- في يوم عرفة: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً} [المائدة: 3] ومن المعلوم أنه لا يكون في هذه الدار كمال إلا بعده نقصان، ولذلك سماها النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وخطب الناس فيها، فعلّمهم أمور دينهم وأشهدهم على أنفسهم وأشهد الله عليهم بأنه بلغهم، وودعهم وقال: لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، وأشار إلى ذلك أيضاً بالتوبة وإلى وقوع الردة بعده صلى الله عليه وسلم ورجوع من ارتد إلى أحسن ما كانوا عليه من اعتقادهم في الدين وثباتهم عليه بقتل من كان مطبوعاً على الكفر المشار إليهم بقوله تعالى: {ولو أسمعهم} [الأنفال: 23]- أي إسماع قهر وغلبة وقسر- {لتولوا وهم معرضون} [الأنفال: 23] فكان وجودهم ضرراً صرفاً من غير منفعة وقتلهم نفعاً لا ضرر فيه بوجه، ولأجل إفهامها حلول الأجل للإيذان بالتمام بكى العباس رضي الله تعالى عنه- وفي رواية: ولده عبد الله- عند نزولها فسأله النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «نعيت إليك نفسك» فقال: إنه لكما تقول. كما بكى عمر رضي الله عنه عند نزول آية المائدة، وعلل بهذا- والله الهادي، وقد ظهر بهذا أن حاصلها الإيذان بكمال الدين ودنو الوفاة لخاتم النبيين، والنصر على جميع الظالمين الطاغين الباغين، وذلك من أعظم مقاصد المائدة، المناظرة لهذه في التطبيق بين البادئة والعائدة، كما أشار إليه قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} [الأنعام: 3] وقوله تعالى: {ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} [المائدة: 56] وقوله تعالى: {لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير} [المائدة: 120] ومن أعظم لطائف هذه السورة ودقيق بدائعها ولطيف منازعها أن كلماتها تدل بأعدادها على أمور جليلة وأسرار جميلة، فإنها تسع عشرة كلمة، وقد كان في سنة تسع عشرة من الهجرة موت قيصر طاغية الروم، وذلك أن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه لما فتح الإسكندرية قال قيصر: لئن غلبونا على الإسكندرية لقد هلكت الروم، فتجهز ليباشر قتالهم بنفسه، فعندما فرغ من جهازه صرعه الله فمات وكفى الله المسلمين شره، وذل الروم بذلك ذلاً كبيراً، واستأسدت العرب، وفي هذه السنة أيضاً فتح الله قيسارية من بلاد الشام فلم يبق بالشام أقصاها وأدناها عدو، وفرح المسلمون بذلك فرحاً شديداً، وكان فيها أيضاً فتح جلولاء، من بلاد فارس، وكان فتحها يسمى فتح الفتوح، لأن الفرس لم ينجبروا بعده، هذا إن عددنا ما يوازي كلماتها من سنة الهجرة، وإن عددنا من سنة نزول السورة في سنة عشر فقد فتحت سنة تسع وعشرين من الهجرة- وهي التاسعة عشرة من نزولها- مدينة اصطخر، واشتد ضعف الفرس، وأمر ملكهم يزدجرد واجتهاده في الهرب من العرب حتى قتل سنة إحدى وثلاثين من الهجرة بعد ذلك بسنتين، وذلك هو العد الموازي لعد كلماتها ظواهر وضمائر مع كلمات البسملة، وإذا نظرت إلى ما هنا من هذا وطبقت بينه وبين ما ذكر في سورة الفتح من مثله زاد عجبك من باهر هذه الآيات- والله الموفق، ثم إنك إذا اعتبرت اعتباراً آخر وجدت هذه السورة كا دلت بجملتها على انقضاء زمن النبوة بموت النبي صلى الله عليه وسلم دلت بمفردات كلماتها على انقضاء خلافة النبوة لتمام ثلاثين سنة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه عن سفينة مولى النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنه: «خلافة النبوة ثلاثون، ثم يؤتي الله الملك من يشاء» وذلك أنك إذا عددت كلماتها مع البسملة كانت باعتبار الرسم ثلاثاً وعشرين كلمة، وذلك مشيراً إلى انقضاء الخلافة التي لم تكن قط خلافة مثلها، وهي خلافة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه باستشهاده في ذي الحجة سنة ثلاثة وعشرين من الهجرة، فإذا ضممت إلى ذلك الضمائر البارزة وهي خمسة، والمستترة وهي ثلاثة، فكانت أحداً وثلاثين، وحسبت من حين نزول السورة على النبي صلى الله عليه وسلم في ذي الحجة سنة عشر كان ذلك مشيراً إلى انقضاء خلافة النبوة كلها بإصلاح أمير المؤمنين الحسن بن علي رضي الله عنهما في شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، وذلك عند مضي ثلاثين سنة من موت النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول سنة عشر من الهجرة لا تزيد شهراً ولا تنقصه، وإن أخذت الضمائر وحدها بارزها ومستترها دلت على فتح مكة المشرفة بعينه، فإنها- كما مضى- ثمانية وقد كان الفتح سنة ثمان من الهجرة، ومن لطائف الأسرار وبدائع الأنظار أنها تدل على السنين بحسب التفصيل، فالبارز يدل على سنة النصر والظهور على قريش لأنهم المقصودون بالذات لأن العرب لهم تبع، والمستتر يدل على ضد ذلك، وشرح هذا أنه لما كانت قد خفقت في السنة الأولى من الهجرة رايات الإسلام في كل وجه، وانتشرت أسده في كل صوب، وانبثت سراياه في كل قطر، أشار إليها التاء في {ورأيت} التي هي ضميره صلى الله عليه وسلم إشارة إلى ما يختص بفهمه من البشارة. ولما كان في السنة الثانية بغزوة بدر من واضح الظفر وعظيم النصر ما هدّ قلوب الكفار، وشد قلوب الأنصار في سائر الأمصار، وأعلى لهم القدر، أشار إلى ذلك واو {يدخلون} ولما حصل في السنة الثالثة ما لم يخف من المصيبة في غزوة أحد التي ربما أوهمت بعض من لم يرسخ نقصاً، أشار إلى ذلك الضمير المستتر في {فسبح} ولما كان الخبر في الرابعة بأجلاء بني النضير وإخلاف قريش للوعد في بدر جبناً وعجزاً حيث وفى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم شجاعة وقوة بحول الله وانقلبوا، منها بنعمة من الله وفضل لم يمسهم سوء، أشار إلى ذلك الكاف في {ربك} ولما كان في الخامسة غزوة الأحزاب أشار إليها المستتر في {واستغفره} ولما كان في السادسة عمرة الحديبية التي سماها النبي صلى الله عليه وسلم فتحاً، أنزل الله فيها سورة الفتح لكونها كانت سبباً للفتح، فكان ذلك علماً من أعلام النبوة، ولبعث النبي صلى الله عليه وسلم فيها إلى الملوك يدعوهم إلى الله تعالى أشار إلى ذلك الضمير البازر في {واستغفره} وأكد قوته كونه للرب تعالى، ولما كان في السابعة غزوة خيبر وعمرة القضاء أشار إليها الضمير الظاهر في {إنه} ولما كان ضمير {كان} لله، وكان له سبحانه حضرتان: حضرة غيب وبطون، وحضرة شهادة وظهور، وكانت حضرة الغيب هي حضرة الجلال والكبرياء والعظمة والتعالي، وحضرة الشهادة حضرة التنزل بالأفعال والاستعطاف بالأقوال، كانت الحضرتان للنصر، وكانت حضرة الغيب أعظمهما نصراً وأشدهما أزراً، فلذلك كان ضمير الاستتار دالاًّ على الفتح الأكبر بالانتصار على السكان والديار بسطوة الواحد القهار، على أنا إذا نظرنا إليه من حيث كونه جائز البروز كان البارز فله حكمه- فسبحان من شمل علمه، ودقت حكمته فنفذ حكمه.