سورة النساء - تفسير تفسير الثعلبي

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
تفسير السورة  
الصفحة الرئيسية > القرآن الكريم > تفسير السورة   (النساء)


        


{وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (24) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25) يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)}
{وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء} نزلت في حصن بن أبي قيس تزوج امرأة أبيه كبيشة بنت معن، وفي الأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه، وفي صفوان بن أمية بن خلف زوج بامرأة أبيه فاختة بنت الأسود بن المطلب، وفي منصور بن مازن تزوج امرأة أبيه مليكة بنت خارجة، وفي أبي مكيل العدوي تزوج امرأة أبيه.
وقال الأشعث بن يسار:توفى أبو قيس وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأة أبيه، فقالت: إني أعدك ولداً وأنت من صالح قومك، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمره، فأتته فأخبرته، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارجعي إلى بيتك» فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ}.
{ما} بمعنى من، وقيل: ولا تنكحوا النكاح يعني ما نكح {آباؤكم من النساء} اسم الجنس ليدخل فيه الحرائر والإماء، أما الحرائر فتحرم بالعقد، والإماء بالوطئ.
{إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} قال المفضّل: يعني بعد ما سلف فدعوه واجتنبوه.
قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا زكريا العنبري يقول: معناه كما قد سلف {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً} يورث بغض الله، والمقت أشد البغض {وَسَآءَ سَبِيلاً} وبئس ذلك طريقاً. كانت العرب يقولون لولد الرجل من امرأة أبيه مقيت ومقي، وكان منهم الأشعث بن قيس وأبو معيط بن عمرو بن أمية.
السدي عن عدي بن ثابت عن البراء قال: لقيت خالي ومعه الراية فقلت: أين تريد؟ فقال: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج بامرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه أو أقتله.
{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} هي جمع أم، والأم في الأصل أمهه على وزن فعلة، مثل قبرة وحمرة فسقطت الهاء في التوحيد وعادت في الجمع كقولهم: شاه ومياه.
قال الشاعر:
أمهتي خندف والروس أبي ***
وقيل: أصل الأم أمة، وأنشدوا:
تقبلتها عن أمة لك طالما *** تثوب إليها في النوائب أجمعا
فيكون الجمع حينئذ أمهات. ومثاله في الكلام عمّة وعمّات.
وقال الراعي:
كانت نجائب منذر ومحرق *** أُماتهن وطرقهن فحيلا
فحرم الله تعالى في هذه الآية نكاح أربع عشرة امرأة: سبعاً بنسب وسبعاً بسبب، فأما النسب قوله: {أُمَّهَاتُكُمْ} فهي أمهات النسبة {وَبَنَاتُكُمْ} جمع البنت {وَأَخَوَاتُكُمْ} جمع الأخت {وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ} جمع العمّة والخالة {وَبَنَاتُ الأخ وَبَنَاتُ الأخت}.
وأما السبب فقوله: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} وهي أمهات الحرمة كقوله تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6] ثم قال: {وَلاَ أَن تنكحوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً} [الأحزاب: 53]. وقرأ عبد الله: {واللاي} بغير تاء كقوله: {واللائي يَئِسْنَ مِنَ المحيض} [الطلاق: 4].
قال الشاعر:
من اللاء لم يحججن يبغين حسبة *** ولكن ليقتلن البرئ المغفلا
عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما حرمته الولادة حرمه الرضاع».
ومالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر عن عميرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
الأعمش عن سعيد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي كرم الله وجهه قال: قلت يا رسول الله مالك تنوق في قريش وتدعنا قال: «وعندك أحد؟» قلت: نعم بنت حمزة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة».
وهب بن كيسان عن عروة عن عائشة: أن أبا القعيس وهو أفلح إستأذن على عائشة بعد آية الحجاب، فأبت: أن تأذن له فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إئذني له فإنّه عمك» فقالت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، قال: «إنه عمك فليلج عليك».
وإنما يحرم الرضاع بشرطين إثنين أحدهما: أن يكون خمس رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات، وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ممّا يقرأ من القرآن.
وروى عبد الله بن الحرث عن أم الفضل: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن الرضاع فقال: «لا تحرم الاملاجة ولا الأملاجتان». قال قتادة: المصة والمصتان.
والشرط الثاني: أن يكون من الحولين، وما كان بعد الحولين فإنه لا يحرم، وكان أبو حنيفة يرى ذلك بعد الحولين ستة أشهر.
ومالك: بعد الحولين شهراً، والدليل على أن ما بعد الحولين من الرضاع بقوله: {والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة} [البقرة: 233] وليس بعد الكمال والتمام شيء، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا رضاع بعد الحولين، وإنما الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم».
{وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ} أم المرأة حرام دخل بها أو لم يدخل، وهو قول أكثر الفقهاء، وعليه الحكم والفتيا، وقد شدد أهل العراق فيها حتى قالوا: لو وطأها أو قبّلها أو لامسها بالشهوة حرمت عليه ابنتها. وعندنا إنما يحرم بالنكاح الصحيح، والحرام لا يحرم الحلال، وكان ابن عباس يقرأ {وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن} ويحلف بالله ما نزل إلاّ هكذا ويقول: هي بمنزلة الربائب، فلما كانت الربائب لا يحرمن بالعقد على أمهاتهن دون الوطء، كذلك أمهات النساء لا يحرمن بالعقد على بناتهن دون الوطء، وهو قول علي وزيد وجابر وابن عمر وابن الزبير قالوا: نكاح أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهن حلال، والقول الأول هو الأصح.
قال ابن جريج: قلت لعطاء: الرجل ينكح المرأة ثم يراها ولا يجامعها حتى يطلقها، أيحل له أُمّها؟
قال: لا، هي مرسلة دخل بها أو لم يدخل.
فقلت له: كان ابن عباس يقرأ: {وامهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن} قال: لا.
و روى عمرو بن المسيب عن أبيه عن جدّه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل وإذا تزوج الأم ولم يدخل، بها ثم طلقها فإن شاء تزوج بالبنت».
{وَرَبَائِبُكُمُ} جمع الربيبة وهي ابنت المرأة، قيل لها: ربيبة، لتربيته إياها، فعيلة بمعنى مفعولة {اللاتي فِي حُجُورِكُمْ} أي في ضمانكم وتربيتكم، يقال: فلان في حجر فلان إذا كان يلي تربيته، ويقال: امرأة طيبة الحجر إذا لم تُربّ ولداً إلاّ طيب الولد.
قال الكميت:
الكرمات نسبة في قريش *** وسواهم والطيبات الحجورا
ومنه قيل للحظر حجر، والأصل فيه الناحية، يقال: فلان يأكل في حجره ويريض حجره.
{مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} أي جامعتموهن {فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن عنكم.
روى الزهري عن عروة: أن زينب بنت أبي سلمة وأمها أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها أنها قالت: يا رسول الله انكح أختي قالت: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أو تحبين ذلك؟» قلت: نعم ليست لك بمخلية وأحب من يشاركني في خير أختي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنّ ذلك لا يحلّ لي». فقلت: والله يا رسول الله إنّا لنتحدث أنك تريد أن تنكح درّة بنت أبي سلمة فقال: «بنت أم سلمة؟» فقلت: نعم، قال: «والله إنها لو تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لبنت أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة فلا تعرضن عليَّ بناتكن ولا أخواتكن».
{وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ} يعني أزواج أبنائكم، والذكر حليل، وجمعه أحلّه وأحلاّء، مثل عزيز وأعزة وأعزّاء، وإنما سمّي بذلك لأن كل واحد منهما حلال لصاحبه، يقال: حلّ وهو حليل، مثل صحّ وهو صحيح، وقيل: سمّي بذلك لأن كل واحد منهما يحلّ حيث يحلّ صاحبه من الحلول وهو النزول، وقيل: لأن كلّ واحد منهما يحل إزار صاحبه، من الحل وهو ضد العقد.
قال الشاعر:
يدافع قوماً على مجدهم *** دفاع الحليلة عنها الحليلا
يدافعه يومها تارة *** ويمكنه رجلها أن يشولا
{الذين مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} دون من تبنيتموهم.
قال عطاء: نزلت في محمد صلى الله عليه وسلم حين نكح امرأة زيد بن حارثة.
{وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأختين} حرّتين كانتا بالعقد أو أمتين بالوطئ {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}.
قال عطاء والسدي: يعني إلاّ ما كان من يعقوب عليه السلام، فإنه جمع بين لي أم يهوذا ورحيل أُم يوسف وكانتا أُختين.
{إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً * والمحصنات مِنَ النسآء} الآية.
قال عمرو بن مرّة: قال رجل لسعيد بن جبير: أما رأيت ابن عباس حين يُسأل عن هذه الآية {والمحصنات مِنَ النسآء} فلم يقل فيها شيئاً، فقال سعيد: كان لا يعلمها.
وقال مجاهد: لو أعلم من يفسّر في هذه الآية لضربتُ إليه أكباد الإبل، قوله تعالى: {والمحصنات مِنَ النسآء}.
قال المفسرون: هذه السابعة من النساء اللواتي حُرّمن بالسبب.
قرأه العامة: {والمحصَنات} بفتح الصاد، يعني في زوال الأزواج أحصنهنّ أزواجهن.
قال أبو سعيد الخدري: نزلت في نساء كُنَّ يهاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهنّ أزواج فيتزوجهن بعض المسلمين، ثم يقدم أزواجهن مهاجرين، فنهى المسلمين عن نكاحهنّ ثم استثنى فقال: {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ} يعني السبايا اللاتي سبين ولهم أزواج في دار الحرب، فحلال لمالكهن وطأهن بعد الإستبراء.
فقال أبو سعيد الخدري: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين جيشاً إلى أوطاس، فلقوا العدو فأصابوا سبايا لهن أزواج من المشركين، فكرهوا وطأهنّ وتأثموا من ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقرأ علقمة: {والمحصِنات} بكسر الصاد، ودليله قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبيدة وأبي العالية والسدي، قالوا: والمحصنات في هذه الآية والعفائف ومعناها: والعفائف من النساء عليكم حرام إلاّ ما ملكت إيمانكم منهن بنكاح أو ملك يمين وثمن، وقيل: معناه الحرائر.
قال الباقر ويمان: معناه والمحصنات من النساء عليكم حرام ما فوق الأربع، إلاّ ما ملكت إيمانكم فإنه لا عدد عليكم فيهن.
وقال ابن جريج: سألنا عطاء عنها فقال: معنى قوله: {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ} أن تكون لك أَمة عند عبد لك قد أحصنها بنكاح وتنزعها منه إن شئت. {كِتَابَ الله عَلَيْكُمْ} نصب على المصدر، أي كتب الله عليكم كتاباً، وقيل: نصب على الإغراء، أي الزموا واتقوا كتاب الله عليكم.
وقرأ ابن السميقع: {كِتَابَ الله عَلَيْكُمْ} أي أوجب، وهذه أربعة عشر امرأة، محرمات بالكتاب.
فأما الستّة: فقد حرّمت امرأتين، وهو ما روى هشام عن محمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تنكح المرأة على عمّتها ولا على خالتها».
{وَأُحِلَّ لَكُمْ} قرأ أبو جعفر وأهل الكوفة: {وأُحل لكم} بضم الألف.
الباقون: بالنصب، وهي قراءة علي وابن عباس واختيار أبي عبيد وأبي حاتم، فمن رفع فلقوله: {حُرِّمَتْ}، ومن نصب، فللقرب من ذكر الله في قوله: {كِتَابَ الله}.
{مَّا وَرَاءَ} ما سوى {ذَلِكُمْ} الذي ذكرت من المحرمات {أَن تَبْتَغُواْ} بدل من {ما} فمن رفع أحلّ ف {إن} عنده في محل الرفع، ومن نصب ف {إن} عنده في محل النصب.
قال الكسائي والفراء: موضعه نصب في القراءتين بنزع الخافض، يعني: لأن تبتغوا وتطلبوا.
{بِأَمْوَالِكُمْ} أما بنكاح وصداق أو بملك وثمن {مُّحْصِنِينَ} مُتعففين {غَيْرَ مُسَافِحِينَ} زانين، وأصله من سفح المذي والمني {فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ} اختلف في معنى الآية: فقال مجاهد والحسن: يعني ممّا انتفعتم وتلذذتم للجماع من النساء بالنكاح الصحيح.
{فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي مهورهن، فإذا جامعها مرّة واحدة فقد وجب لها المهر كاملا.
وقال آخرون: هو نكاح المتعة، ثم اختُلف في الآية أمحكمة هي أم منسوخة؟
فقال ابن عباس: هي محكمة ورخّص في المتعة، وهي أن ينكح الرجل المرأة بولي وشاهدين إلى أجل معلوم، فإذا انقضى الأجل فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة، وعليها أن تستبري ما في رحمها وليس بينهما ميراث.
قال حبيب بن أبي ثابت: أعطاني ابن عباس مصحفاً فقال: هذا على قراءة أُبي، فرأيت في المصحف {فما استمتعم به منهن إلى أجل مسمى}.
وروى داود عن أبي نضرة قال: سألت ابن عباس عن المتعة فقال: أما تقرأ سورة النساء؟ قلت: بلى، قال: فما تقرأ: {فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى}؟ قلت: لا أقرأها هكذا. قال ابن عباس: والله لهكذا أنزلها الله، ثلاث مرّات.
وروى عيسى بن عمر عن طلحة بن مصرف أنه قرأ: {فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى}.
وروى عمرو بن مرّة عن سعيد بن جبير: أنه قرأها: {فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى}.
وروى شعبة عن الحكم قال: سألته عن هذه الآية: {فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ} أمنسوخة هي؟
قال: لا. قال الحكم: قال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: لولا أن عمر نهى عن المتعة مازنا إلاّ شقي.
أبو رجاء العطاردي عن عمران بن الحصين قال: نزلت هذه الآية (المتعة) في كتاب الله، لم تنزل آية بعدها تنسخها، فأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينهنا عنه، وقال رجل بعد برأيه ما شاء قال الثعلبي: قلت ولم يرخص في نكاح المتعة إلاّ عمران بن الحصين وعبد الله بن عباس وبعض أصحابه وطائفة من أهل البيت، وفي قول ابن عباس.
يقول الشاعر:
أقول للرّكب إذ طال الثواء بنا *** يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس
هل لك في رخصة الاطراف ناعمة *** تكون مثواك حتى مرجع الناس
وسائر العلماء والفقهاء والصحابة والتابعين والسلف الصالحين على أن هذه الآية منسوخة ومتعة النساء حرام.
وروى الربيع بن بسرة الجهني عن أبيه قال: كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرته فشكونا إليه العزبة، فقال: «يا أيها الناس استمتعوا من هذه النساء» ثم صبحت غاديا على رسول الله فإذا هو يقول: «يا أيها الناس إني كنت أمرتكم بالإستمتاع من هذه النساء إلاّ أن الله حرّم ذلك إلى يوم القيامة».
وقال خصيف: سألت الحسن عن نكاح المتعة، فقال: إنما كان ثلاثة أيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نهى الله عزّ وجلّ عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم وقال الكلبي: كان هذا في بدء الإسلام، أحلّها رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أيام ثم حرّمها، وذلك أنه كان إذا تم الأجل الذي بينهما أعطاها أجرها الذي كان شرط لها، ثم قال: زيديني في الأيام فأزيدك في الأجر، فإن شاءت فعلت ذلك، فإذا تم الأجل الذي بينهما أعطاها الأجر وفارقها، ثم نسخت بآية الطلاق والعدة والممات.
وروى الزهري عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيهما أن علياً قال لابن عباس: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل الحمر الأهلية.
وروى الفضل بن دكين عن البراء بن عبد الله القاص عن أبي نضرة عن ابن عباس أن عمر رضي الله عنه نهى عن المتعة التي تذكر في سورة النساء فقال: إنما أحل الله ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والنساء يومئذ قليل، ثم حرّم عليهم بعد أن نهى عنها.
وعن سالم بن عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقال: ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها لا أجد رجلا ينكحها إلاّ رجمته بالحجارة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هدم المتعة النكاح والطلاق والعدة والميراث».
وقال ابن أبي مليكة: سألت عائشة عن المتعة فقالت: بيني وبينهم كتاب الله {والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: 5-6]. وعن عائشة: والله ما نجد في كتاب الله إلاّ النكاح والاستسراء. وقال ابن عمر: المتعة سفاح.
عطاء: المتعة حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير.
قال الثعلبي: سمعت أبا القاسم بن جبير يقول: سمعت أبا علي الحسين بن أحمد الخياط يقول: سمعت أبا نعيم بن عبد الملك بن محمد بن عدي يقول: سمعت [...] يقول: الشافعي يقول: لا أعلم في الإسلام شيئاً أحل ثم حرّم ثم أحل ثم حُرّم غير المتعة.
{فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} أي مهورهن، سمّيَ المهر أجراً، لأنه ثمن البضع وأجر الإستمتاع ألا تراهُ يتأكد بالخلوة والدخول.
واختلفوا في حدّه، فأكثره لا غاية له، وأما أقلّه فقال أبو حنيفة: لا مهر دون عشرة دراهم أو قيمتها من الذهب، لأن الله عزّ وجلّ قال: {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ} ولا يطلق اسم المال على أقل من هذا القدر.
وعند الشافعي: لا حدّ له، فأجاز الشيء الطفيف حتى القبضة من الطعام، وكذلك كل عمل أوجب أجراً قليلا كان أو كثيراً، والسورة من كتاب الله عزّ وجلّ أو آية لقوله: {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}.
وعن سلمة بن وردان قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من أصحابه، فقال: «يا فلان هل تزوجت؟» قال: لا، وليس عندي ما أتزوج، قال: «أليس معك {قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك {إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح} [النصر: 1]؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك {قُلْ ياأيها الكافرون} [الكافرون: 1]؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن»، قال: «أليس معك {إِذَا زُلْزِلَتِ} [الزلزال: 1]؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك آية الكرسي؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن»، قال: «تزوج تزوج تزوج».
وقد ذكرت حجج الفريقين فيما قيل.
{وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة} يعني فيما تفتدي به المرأة نفسها، {إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً}.
{وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً} فضلا وسعة.
المسيب بن شريك عن عمران بن جرير عن النزال بن سبرة عن ابن عباس قال: من ملك ثلاثمائة درهم فقد وجب عليه الحج وحُرّم عليه نكاح الإماء.
{أَن يَنكِحَ المحصنات} الحرائر، وقرأ الكسائي: {المحصِنات} بكسر الصاد، كل القرآن إلاّ في أول هذه السورة، الباقون: بالفتح.
{المؤمنات فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم} إلى قوله: {بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} سادتهن {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} مهورهن {بالمعروف} من غير ضمار {مُحْصَنَاتٍ} عفائف {غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} زانيات {وَلاَ مُتَّخِذَاتِ} أحباب يزنون بهن في السر.
{فَإِذَآ أُحْصِنَّ} قرأ أهل الكوفة: بفتح الألف، على معنى حفظن فروجهن، وقرأ الآخرون: بالضم، على معنى أنهنّ أُحصنّ بأزواجهنّ {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ} يعني الزنا {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات} الحراير إذا زنين {مِنَ العذاب} يعني الحدّ، نظيره: {وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا العذاب} [النور: 8] وهو خمسون جلدة وتغريب نصف سنة على الصحيح من مذهب الشافعي، ويحتاج أن يغرّب الزاني إلى موضع يقصر إليه الصلاة، وللسيد إقامة الحدّ بالزنا على عبده وأمته.
سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت الرابعة فليبعها ولو بضفير أو حبل».
{ذَلِكَ} يعني نكاح الإماء عند عدم الطول {لِمَنْ خَشِيَ العنت مِنْكُمْ} يعني الإثم والضرر بغلبة الشهوة {وَأَن تَصْبِرُواْ} عن نكاح الإماء متعففين {خَيْرٌ لَّكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
عن يونس بن مرداس وكان خادماً لأنس قال: كنت بين أنس وأبي هريرة، فقال أنس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أحبّ أن يلقى الله طاهراً مطهراً فليتزوج الحرائر».
فقال أبو هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الحرائر صلاح البيت والإماء فساد البيت».
{يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} أي أن يبيّن، (اللام) بمعنى أن، والعرب تعاقب بين لام كي وبين أن فتضع إحداهما مكان الأُخرى كقوله: {وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} [الشورى: 15] وقوله: {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالمين} [الأنعام: 73]، ثم قال في موضع آخر: {وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالمين} [غافر: 66]، وقال: {لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله} [الصف: 8]، ثم قال في موضع آخر: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله} [التوبة: 32].
وقال الشاعر:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما *** تمثل لي ليلى بكل سبيل
يريد أن أنسى، ومعنى الآية: يريد الله أن يبيّن شرائع دينكم ومصالح أمركم.
الحسن: يعلمكم ما تأتون وما تذرون. عطاء: يبيّن لكم ما يقربكم منه. الكلبي: ليبيّن لكم أن الصبر من نكاح الإماء خير لكم.
{وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ} شرايع {الذين مِن قَبْلِكُمْ} في تحريم الأمهات والبنات والأخوات، كما ذكر في الآيتين. هكذا حرّمها على من كان قبلكم من الأمم {يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} يتجاوز عنكم ما أصبتم قبل أن يبيّن لكم، قاله الكلبي.
وقال محمد بن جرير: يعني يرجع بكم من معصيته التي كنتم عليها قبل هذا إلى طاعته التي أمركم بها في هذه الآية {والله عَلِيمٌ} بما يصلح عباده من أمر دينهم ودنياهم {حَكِيمٌ} في تدبيره فيهم {والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} إن وقع تقصير منكم في أمره {وَيُرِيدُ الذين يَتَّبِعُونَ الشهوات أَن تَمِيلُواْ} عن الحق {مَيْلاً عَظِيماً} بإتيانكم ما حرّم عليكم، واختلفوا في الموصوفين باتباع الشهوات من هم:
فقال السدي: هم اليهود والنصارى.
وقال بعضهم: هم اليهود، وذلك أنهم ينكحون بنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرّمهما الله قالوا: إنكم تحلّون بنات الخالة والعمّة، والخالة والعمّة عليكم حرام، فانكحوا بنات الأخ والأخت كما تنكحون بنات الخالة والعمّة، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
مجاهد: هم الزناة، يريدون أن تميلوا عن الحق فتكونوا مثلهم تزنون كما يزنون.
ابن زيد: هم جميع أهل الكتاب في دينهم.
{يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} في نكاح الأمة، إذا لم تجدوا طول الجرة وفي كل أحكام الشرع {وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً} في كل شيء.
طاوس والكلبي وأكثر المفسرين: يعني في أمر الجماع لا يصبر على النساء ولا يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء.
قال سعيد بن المسيب: ما آيس الشيطان من بني آدم إلاّ أتاه من قِبل النساء، وقد أتى عليَّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عينيّ وأنا أعشى بالأخرى، وأن أخوف ما أخاف عليّ فتنة النساء.
مالك بن شرحبيل قال: قال عبادة بن الصامت: ألا ترونني لا أقوم إلاّ رفدا ولا آكل إلاّ ما لوق لي وقد مات صاحبي منذ زمان، وما يسرني أني خلوت بامرأة لا تحل لي وأن لي ما تطلع عليه الشمس مخافة أن يأتيني الشيطان فيحكيه عليّ أنه لا سمع له ولا بصر.
قال الحسن: هو أن خلقه من ماء مهين بيانه قول الله: {الذي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ} [الروم: 54].
ابن كيسان: {خلق الإنسان ضعيفاً} يستميله هواه وشهوته ويستطيشه خوفه وحزنه.
قال ابن عباس: ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة ممّا طلعت عليه الشمس وغربت: {يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} [النساء: 26]، {والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 27]، {يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} [النساء: 28] {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31] {إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} [النساء: 48]، {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40] {وَمَن يَعْمَلْ سواءا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} [النساء: 110] {مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ} [النساء: 147].


{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31) وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32) وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (33) الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35) وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36)}
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل} بالحرام يعني الربا والقمار والقطع والغصب والسرقة والخيانة.
وقال ابن عباس: هو الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول: إن رضيت أخذته وإلاّ رددته ورددت معه درهماً، ثم قال: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً} يعني لكن إذا كانت تجارة استثناء منقطع، لأن التجارة ليست بباطل.
قرأ أهل الكوفة: {تجارة} بالنصب وهو اختيار أبي عبيد.
وقرأ الباقون: بالرفع وهو اختيار أبي حاتم، فمن نصب فعلى خبر كان تقديره: إلاّ أن تكون الأموال تجارة.
كقول الشاعر:
إذا كان طاعناً بينهم وعناقاً ***
ومن رفع فعلى معنى إلاّ أن تقع تجارة وحينئذ لا خبر له. كقول الشاعر:
فدىً لبني ذهل بن شيبان ناقتي *** إذا كان يوم ذو كواكب أشهب
ثم وصف التجارة فقال: {عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ} يرضى كل واحد منهما بما في يديه.
قال أكثر المفسرين: هو أن يخبر كل واحد من المتبايعين صاحبه بعد عقد المبيع حتى يتفرقا من مجلسهما الذي تعاقدا فيه، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا».
وقال صلى الله عليه وسلم: «البيع عن تراضي بالخيار بعد الصفقة ولا يحلّ لمسلم أن يغش مسلماً».
وروى حكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، فإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما».
وابتاع عمر بن جرير فرساً ثم خير صاحبه بعد البيع، ثم قال: سمعت أبا هريرة يقول: هذا البيع عن تراض.
{وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ} يعني إخوانكم، أي لا يقتل بعضكم بعضاً.
قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبي عن جدّي عن علي بن الحسين الهلالي قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث يقول: سأل الفضل بن عياض عن قوله: {وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ} قال: لا تغفلوا عن حظ أنفسكم، فمن غفل عن حظ نفسه فكأنه قتلها.
{إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}.
عبد الرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص أنه قال: لما بعثه رسول الله عام ذات السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيمّمت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له فقال: «يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟». قلت: نعم يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك وذكرت قول الله تعالى: {وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} فتيمّمت ثم صليت، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً.
وعن الحسن: أن الحرث بن عبد الله خلا بالنفر من أصحابه وقال: إن هؤلاء ولغوا في دمائهم فلا يحولنّ بين أحدكم وبين الجنة مل كف من دم مسلم أهراقه، فأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن رجلا ممّن كان قبلكم خرجت به قرحة بيده فأخذ حزة فحزّها بيده حتى قطعها فما رقأ دمها حتى مات فقال ربّكم تعالى: بادرني ابن آدم بنفسه فقتلها فقد حرمت عليه الجنة».
سماك عن جابر بن سمرة: أن رجلا ذبح نفسه فلم يصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
حماد بن زيد عن عاصم الأسدي: ذكر بأن مسروقاً بن الأجدع أتى صفين فوقف بين الصفين ثم قال: يا أيها الناس أنصتوا، ثم قال: أرأيتم لو أنّ منادياً ناداكم من السماء فسمعتم كلامه ورأيتموه فقال: إن الله ينهاكم عمّا أنتم فيه، أكنتم مطيعيه؟ قالوا: نعم. قال: فوالله لنزل بذلك جبرئيل على محمد فما زال يأتي من هذا ثم تلا {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ} الآية ثم انساب في الناس فذهب.
{وَمَن يَفْعَلْ ذلك} الذي ذكرت من المحرمات {عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ} ندخله في الآخرة ناراً {وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً} هيّناً {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} الآية.
اختلفوا في الكبائر التي جعل الله اجتنابها تكفيراً للصغائر.
فروى عمرو بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك» قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: «أن تزني بحليلة جارك» هذا الحديث من قول الله: {والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ} [الفرقان: 68] الآية.
صالح بن حيان عن أبي بُريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكبر الكبائر الشرك بالله وعقوق الوالدين ومنع فضول الماء بعد الري».
الشعبي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الكبائر الإشراك بالله، واليمين الغموس، وعقوق الوالدين، وقتل النفس التي حرّم الله، وقول الزور أو قال شهادة الزور».
سفيان عن سعد بن إبراهيم عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن عمرو قال: من الكبائر أن يشتم الرجل والديه. قالوا: وكيف يشتم الرجل والديه؟
قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أُمّه فيسب أُمّه.
أبو الطفيل عن ابن مسعود قال: الكبائر أربع: الإشراك بالله، والأياس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله.
عكرمة عن عمار قال: حدثنا طيسلة بن علي النهدي قال: سألت ابن عمر عن الكبائر، فقال: هي تسع قلت ما هن؟ قال: الإشراك بالله تعالى، وقتل المؤمن متعمداً، وعقوق الوالدين المسلمين، وأكل الربا، وأكل أموال اليتامى، وقذف المحصنات، والفرار من الزحف، والسحر، وإستحلال الميتة قبلكم أحياءً وأمواتاً.
وقال جعفر الصادق: الكبائر ثلاث: تركك ملتك، وتبديلك سنّتك، وقتالك أهل صفقتك.
وقال فرقد المسيحي: قرأت في التوراة: أُمهات الخطايا ثلاث وهي: أول ذنب عصى الله به الكبر، وكان ذلك لإبليس عليه اللعنة، والحرص، وكان ذلك لآدم عليه السلام، والحسد، وكان لقابيل حين قتل هابيل.
عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الكبائر أولهنّ: الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حقها وأكل الربا وأكل مال اليتيم بداراً أن يكبر والفرار من الزحف ورمي المحصنة والإنقلاب على الأعراب بعد الهجرة فهذه سبع».
سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن رجلا سأله عن الكبائر السبع، قال: هن إلى سبعمائة أقرب منها إلى السبع إلاّ أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار.
علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس قال: الكبائر عشرون: الشرك بالله عزّ وجلّ، وعقوق الوالدين، وقتل المؤمن، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، واليأس من روح الله، والسحر، والزنا والربا، والسرقة، وأكل مال اليتيم، وترك الصلاة، ومنع الزكاة، وشهادة الزور، وقتل الولد خشية أن يأكل معك، والحسد، والكبر، والبهتان، والحرص، والحيف في الوصية، وتحقير المسلمين.
السدي عن ابن مالك قال: ذكروا الكبائر عند عبد الله فقال عبد الله: افتحوا سورة النساء، وكل شيء نهى الله عنه حتى ثلاث وثلاثون آية فهو كبيرة، ثم قال: مصداق ذلك {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} الآية.
وقال ابن سيرين: ذكر عند ابن عباس الكبائر فقال: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، حتى الطرفة وهي النظرة.
سعيد بن جبير عنه: كل شيء عصى الله فيه فهو كبيرة، فمن عمل شيئاً منها فليستغفر، فإن الله لا يخلد في النار من هذه الأمة إلاّ راجعاً عن الإسلام أو جاحد فريضة أو مكذباً بقدر.
علي بن أبي طلحة عنه: كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب.
سعيد بن جبير: كل ذنب نسبه الله إلى النار وأوعد عليه النار فهي كبيرة.
الحسن: الموجبات للحدود.
الضحاك: ما وعد الله تعالى عليه حدّاً في الدنيا وعذاباً في الآخرة.
الحسين بن الفضل: ما سمّاه الله في كتابه القرآن كبيراً أو عظيماً، نحو قوله: {إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} [النساء: 2]، {إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً} [الإسراء: 31]، {إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]، {إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} [يوسف: 28]، {سُبْحَانَكَ هذا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16]، {إِنَّ ذلكم كَانَ عِندَ الله عَظِيماً} [الأحزاب: 53].
مالك بن معول: الكبائر ذنوب أهل البدع والسيئات ذنوب أهل الشيّنة.
وكيع: كل ذنب أصرّ عليه العبد فهو كبيرة، وليس من الكبائر ما تاب منه العبد واستغفر منه.
أحمد بن عاصم الأنطاكي: الكبائر ذنوب العمد، والسيئات الخطأ، والنسيان، والإكراه، وحديث النفس، المرفوعة من هذه الأمة.
سفيان الثوري: الكبائر ما فيه المظالم بينك وبين العباد، والصغائر ما بينك وبين الله تعالى، لأن الله كريم يغفره، واحتجّ بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ينادي يوم القيامة مناد من بطنان العرش يا أُمّة محمد إن الله عزّ وجلّ يقول: أمّا ما كان لي قبلكم فقد وهبتها لكم وبقي التبعات، فتواهبوا وادخلوا الجنة برحمتي».
المحاربي: الكبائر ذنوب المذنبين المستحلين مثل ذنب إبليس، والصغائر ذنوب المستغفرين مثل ذنب آدم.
السدي: الكبائر ما نهى الله عنه من الذنوب الكبار والسيئات مقدماتها، وتبعاتها ما يجتمع فيه الصالح والفاسق، مثل النظرة واللمسة والقبلة وأشباهها.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «العينان تزنيان واليدان تزنيان ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه».
وقال قوم: الكبيرة ما قبح في العقل والطبع مثل القتل والظلم والزنا والكذب ونحوها، والصغيرة ما نهى الله عنه شرعاً وسمعاً.
وقال: كل ذنب يتجاوز عنه بفضله يوم القيامة فهو صغيرة، وكل ذنب عذّب عليها بعدله فهو كبيرة. وقيل: الكبائر الذنوب الباطنة والسيئات الذنوب الظاهرة.
وقال بعضهم: الصغائر ما يستحقرونه العباد والكبائر ما يستعظمونه فيخافون واقعته.
وقال أنس بن مالك: إنكم تعملون أعمالا هي أدق من الشعر في أعينكم كنّا نعّدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر.
وقال بعضهم: الكبائر الشرك وما يؤدّي إليه، وما دون الشرك فهو من السيئات، قال الله تعالى: {إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 48].
فصل في تفصيل أقاويل أهل التأويل في عددالكبائر مجموعة من الكتاب والسنة مقرونة بالدليل والحجة:
أحدها: الإشراك بالله لقوله تعالى: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجنة} [المائدة: 72].
الثاني: الأياس من روح الله لقوله: {وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ الله} [يوسف: 87] الآية.
والثالث: القنوط من رحمة الله لقوله: {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضآلون} [الحجر: 56].
والرابع: الأمن من مكر الله لقوله: {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون} [الأعراف: 99].
والخامس: عقوق الوالدين لقوله: {وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ وبالوالدين إِحْسَاناً} [الإسراء: 23].
والسادس: قتل النفس التي حرّم الله لقوله: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء: 93] الآية.
والسابع: قذف المحصنة لقوله: {إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات الغافلات} [النور: 23] الآية.
والثامن: الفرار من الزحف لقوله: {يَآأَيُّهَا الذين آمنوا إِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ زَحْفاً} [الأنفال: 15] الآية.
التاسع: أكل الربا لقوله: {الذين يَأْكُلُونَ الربا} [البقرة: 275] الآية.
والعاشر: السحر لقوله: {وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشتراه} [البقرة: 102].
والحادي عشر: الزنا: {وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَاماً} [الفرقان: 68].
والثاني عشر: اليمين الكاذبة لقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} [آل عمران: 77] الآيتين.
والثالث عشر: منع الزكاة لقوله: {والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة} [التوبة: 34] الآيتين.
والرابع عشر: الغلول لقوله: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة} [آل عمران: 161].
والخامس عشر: شهادة الزور لقوله: {وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة} [البقرة: 283] الآية.
والسادس عشر: الميسر وهو القمار لقوله: {والميسر والأنصاب والأزلام} [المائدة: 90].
والسابع عشر: شرب الخمر لقوله: {إِنَّمَا الخمر والميسر} [المائدة: 90] الآية.
والثامن عشر: ترك الصلاة متعمداً لقوله: {حَافِظُواْ عَلَى الصلوات والصلاة} [البقرة: 238] الآية.
والتاسع عشر: قطيعة الرحم لقوله: {واتقوا الله الذي تَسَآءَلُونَ بِهِ والأرحام} [النساء: 1] وقوله: {وتقطعوا أَرْحَامَكُمْ * أولئك الذين لَعَنَهُمُ الله} [محمد: 22].
والعشرون: الحيف من الوصية لقوله: {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً} [البقرة: 182] الآية.
والحادي والعشرون: أكل مال اليتيم لقوله: {إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً} [النساء: 10] الآية.
والثاني والعشرون: التغرب بعد الهجرة لقوله: {وَمَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئاً} [آل عمران: 144].
والثالث والعشرون: استحلال الحرم لقوله: {لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله} [المائدة: 2]، وقوله: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ} [الحج: 25].
والرابع والعشرون: الإرتداد لقوله: {إِنَّ الذين ارتدوا على أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ} [محمد: 25] الآية.
والخامس والعشرون: نقض العهد لقوله: {والذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [الرعد: 25]. فذلك قوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُوا كبائر}.
وقرأ ابن مسعود: كبر ما تنهون عنه، على الواحد، وفيه معنى مع {نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} من الصلاة إلى الصلاة ومن الجمعة إلى الجمعة ومن رمضان إلى رمضان ومن الحج إلى الحج، كما قال صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنب الكبائر».
{وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً} وهي الجنة.
وقرأ عاصم وأهل المدينة: {مدخلا} بفتح الميم وهو موضع الدخول.
وقرأ الباقون: بالضم على المصدر، معنى الأدخال.
وروي عن أبي هريرة وعن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر ثم قال: «والذي نفسي بيده» ثلاث مرات ثم سكت فأقبل كل رجل منّا يبكي حزناً ليمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «ما من عبد يأتي بالصلوات الخمس ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر إلاّ فتحت له أبواب الجنة يوم القيامة حتى أنها لتصطفق» ثم تلا {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} الآية.
{وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ} الآية.
يقال: جاءت وافدة النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله أليس الله ربّ الرجال والنساء وأنت رسول الله إليهم جميعاً، فما بالنا يذكر الله الرجال ولا يذكر النساء؟ نخشى أن لا يكون فينا خير ولا لله فينا حاجة؟ فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية، وقوله: {إِنَّ المسلمين والمسلمات} [الأحزاب: 35] الآية، وقوله: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [النحل: 97].
وقيل: لمّا جعل الله للذكر مثل حظ الأُنثيين في الميراث، قالت النساء: نحن أحوج إلى أن يكون لنا سهمان وللرجال سهم، لأنا ضعفاء وهم أقوى وأقدر على طلب المعاش منّا، فنزّل الله هذه الآية.
وقال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله يغزوا الرجال ولا نغزوا، وإنما لنا نصف الميراث، فليتنا رجال فنغزوا ونبلغ ما يبلغ الرجال، فنزلت هذه الآية.
وقال قتادة والسدي: لما نزل قوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين}، قال الرجال: إنا لنرجوا أن يفضل علينا النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث، فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء. وقالت النساء: إنا لنرجوا أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا، فأنزل الله {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكتسبوا} من الثواب والعقاب {وَلِلنِّسَآءِ} كذلك، قاله قتادة، وقال أيضاً: هو أن الرجل يجزي بالحسنة عشرة والمرأة تجزي بها عشراً.
وقال ابن عباس: للرجال نصيب ممّا اكتسبوا من الميراث، وللنساء نصيب منه {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين}، والإكتساب على هذا القول بمعنى الإصابة والأحراز، فنهى الله تعالى عن التمني على هذا الوجه لما فيه من دواعي الحسد.
قال الضحاك: لا يحل لمسلم أن يتمنى مال أحد، ألم يسمع الذين قالوا: {ياليت لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ} [القصص: 79] إلى أن قال: {وَأَصْبَحَ الذين تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بالأمس} [القصص: 82] حين خسف بداره وأمواله يقولون: {لولا أَن مَّنَّ الله عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا} [القصص: 82]. وقال الكلبي: لا يتمنى الرجل مال أخيه ولا امرأته ولا خادمه ولا دابته، ولكن ليقل: اللهم ارزقني مثله، وهو كذلك في التوراة، وذلك قوله في القرآن: {واسألوا الله مِن فَضْلِهِ} [النساء: 32].
قرأ ابن كثير وخلف والكسائي: {وَسلوا الله} وسل وفسل بغير همزة فنقل حركة الهمزة إلى السين.
الباقون: بالهمزة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سلوا الله من فضله فإنه يحبّ أن يُسأل وأن من أفضل العبادة إنتظار الفرج».
أبو صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يسأل الله عزّ وجلّ من فضله غضب عليه».
هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: سلوا ربّكم حتى الشبع من لم يُيسّره الله لم يتيسّر.
وقال سفيان بن عيينة: لم يأمر بالمسألة إلاّ ليعطي.
{وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} أي ولكل واحد من الرجال والنساء موالي، أي عصبة يرثونه {مِمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون} من ميراثهم له، والوالدون والأقربون على هذا التأويل هم الموروثون، وقيل: معناه ولكل جعلنا موالي، أي قرابة من الذين تركهم، ثم فسّر الموالي فقال: {الوالدان والأقربون} أي هم الوالدان والأقربون خبر مبتدأ محذوف فالمعنى: من تركة الوالدان والأقربون، وعلى هذا القول هم الوارثون {والذين عَقَدَتْ} في محل الرفع بالإبتداء، والمعاقدة هي المعاهدة بين اثنين.
وقرأ أهل الكوفة: عقدت خفيفة بغير ألف أراد عقدت لهم {أَيْمَانُكُمْ} وقرأت أم سعد بنت سعد بن الربيع: {عقّدت} بالتشديد يعني وثقته وأكدته، والأيمان جمع يمين من اليد والقسم، وذلك أنهم كانوا يضربون صفقة البيعة بأيمانهم، فيأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد ويتحالفون عليه، فلذلك ذكر الأيمان.
قتادة وغيره: أراد بالذين عاقدت إيمانكم الحلفاء، وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يعاقد الرجل فيقول: دمي دمُك وهدمي هدمك وثاري ثارك وحربي وحربك وسلمي وسلمك وترثني وارثك وتطلب لي وأطلب لك وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف، وعاقد أبو بكر مولى له فورثه لذلك قوله: {فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} أي وأعطوهم حظهم من الميراث، ثم نسخ ذلك بقوله: {وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله} [الأنفال: 75].
وقال إبراهيم ومجاهد: أراد فآتوهم نصيبهم من النصر والعقل والرفد، ولا ميراث، وعلى هذا القول تكون الآية غير منسوخة لقوله تعالى: {أَوْفُواْ بالعقود} [المائدة: 1]، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوفوا للحلفاء بعهودهم التي عقدت أيمانكم».
ولقوله عليه السلام في خطبته يوم فتح مكة: «ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به فإنه لم يزده الإسلام إلاّ شدة ولا تحدثوا حلفا في الإسلام».
وروى عبد الرحمن بن عوف، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «شهدت حلف المطيبين وأنا غلام مع عمومتي، فما أحب أن لي حمر النعم وإنّي أنكثه»، وقال ابن عباس وابن زيد: نزلت هذه الآية في الذين آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار حين أتوا إلى المدينة، وكانوا يتوارثون تلك المؤاخاة، ثم نسخ الله ذلك بالفرائض.
وقال سعيد بن المسيّب: نزلت في الذين كانوا يتبنّون أبناء غيرهم في الجاهلية، ومنهم زيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأُمروا في الإسلام (أن) يوصوا إليهم عند الموت بوصية، وردّ الميراث إلى ذوي الرحم، وأبى الله أن يجعله يجعل للمدّعى ميراثاً ممّن ادّعاهم وتبنّاهم، ولكن جعل الله لهم نصيباً في الوصية، فذلك قوله: {فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ}.
{إِنَّ الله كَانَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً} وقال أبو روق: نزل قوله: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} الآية في أبي بكر الصديق، وابنه عبد الرحمن، وكان كافراً، أن لا ينفعه ولا يورثه شيئاً من ماله، فلمّا أسلم عبد الرحمن أُمر أن يؤتى نصيبه من المال.
{الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النسآء} الآية قال مقاتل: نزلت هذه الآية في سعيد بن الربيع بن عمرو وكان من النقباء وفي امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير وهما من الأنصار وذلك أنها نشزت فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أفرشته كريمتي ولطمها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لتقتصَّ من زوجها»، فانصرفت مع أبيها لتقتصّ منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليرجعوا، هذا جبرئيل»، وأُنزلت هذه الآية، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أردنا أمراً وأراد الله أمراً، فالذي أراد الله خير، ورُفع القصاص».
وقال الكلبي: نزلت في أسعد بن الربيع وامرأته بنت محمد بن مسلم، وذكر نحوها أبو روق: نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أُبي، وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس، وذلك أنّها نشزت عليه فلطمها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تستعدي، فأنزل الله تعالى هذه الآية {الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النسآء} أي مسلّطون على تأديب النساء {بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ} فليس بين الرجل وامرأته قصاص فيما دون النفس، فلو شجّ رجل امرأته، أو جرحها لم يكن عليه قود، وكان عليه العقل إلاّ التي يقتلها فيُقتل بها، قاله الزهري وجماعة من العلماء، وقال بعضهم: ليس بين الزوج والمرأة قصاص إلاّ في النفس والجرح.
والقوّامون: البالغون في القيام عليهن بتعليمهنّ وتأديبهنّ وإصلاح أمرهنّ {بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ} قيل: بزيادة العقل، وقيل: بزيادة الدّين واليقين، وقيل: بقوة العبادة، وقيل: بالشهادة، قال الله: {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان} [البقرة: 282]، قال القرظي: بالتصرّف والتجارات، وقيل: بالجهاد، قال الله: {انفروا خِفَافاً وَثِقَالاً} [التوبة: 41]، وقال للنساء: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب: 33]، الربيع: الجمعة والجماعات، قال الحسن: بالإنفاق عليهنّ، قال الله تعالى: {وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ}.
وقال بعضهم: يمكن للرجل أن ينكح أربع نسوة، ولا يحلّ للمرأة غير زوج واحد، وقيل: هو إنّ الطلاق إلى الرجال وليس إليهنّ منه شيء، وقيل: بالدّية، وقيل: بالنبوّة، وقيل: الخلافة والإمارة، إسماعيل بن عياش [.........] عن بعض أشياخه رفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المرأة مسكينة ما لم يكن لها زوج». فقيل: يا رسول الله، وإن كان لها مال؟ قال: «وإن كان لها مال، الرجال قوّامون على النساء».
سعيد عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرّتك، وإن أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها، ثم تلا صلى الله عليه وسلم {الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النسآء}».
{فالصالحات قَانِتَاتٌ} مطيعات {حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ} يعني لغيب أزواجهنّ إذا غابوا، وقيل: سرّهم {بِمَا حَفِظَ الله} أي بحفظ الله لهنّ، وقرأ أبو جعفر بفتح الهاء، ومعناه: بحفظ من الله في الطاعة، وهذا كقوله عليه السلام: «احفظ الله يحفظك»، و{مَآ} على القراءتين مصدريّة، كقوله: {بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي} [يس: 27]، أي يغفر لي ربّي.
{واللاتي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} عصيانهن، وأصله من الحركة {فَعِظُوهُنَّ}، فإنْ نزعن عن ذلك وإلاّ {واهجروهن فِي المضاجع}، وقيل: ولّوهنّ ظهوركم في المضاجع، فإن نزعن وإلاّ {واضربوهن} ضرباً غير مبرح ولا شائن.
ابن أبي ليلى عن داود بن علي عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {علّق السوط حيث يراه أهل البيت} هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر قالت: كنت رابعة أربع نسوة عند الزبير بن العوام، فإذا غضب على إحدانا ضربها بعود المشجب حتى يكسره عليها.
{فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} أي لا تطلبوا عليهنّ بالذنوب، قال ابن عينه: لا تكلفوهن الحبّ.
{إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً * وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} أي خلافاً بين الزوجين، {فابعثوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ} يتوسطون، {إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً} يعني الزوجين وقيل: الحكمين، {يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَآ} بالصلاح والإلفة، {إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً خَبِيراً}.
وعن عبيدة السلماني قال: جاء رجل وامرأة علياً عليه السلام، مع كل واحد منهما قيام من النّاس، فقال عليٌّ: «ما شأن هذين؟». قالوا: وقع بينهما شقاق. قال عليٌّ: {فابعثوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ}. قال: فبعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، فقال عليٌ للحكمين: «هل تدريان ما عليكما؟ إنّ عليكما إنْ رأيتما أن يُجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن يُفرّقا فرقتما»، قالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما عليّ فيه ولي، فقال الرجل: أمّا الفرقة فلا، قال عليٌ: «كذبت والله، لا تنقلب منّي حتى تقرّ بما أقرّت به».
{واعبدوا الله} وحّدوا الله وأطيعوه، قالت الحكماء: العبودية ترك العصيان، وملازمة الذلّ والانكسار، وقيل: العبودية أربعة أشياء: الوفاء بالعهود، والحفظ للحدود، والرّضا بالموجود، والصبر على المفقود.
{وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وبالوالدين إِحْسَاناً} برّاً بهما وعطفاً عليهما. وقرأ ابن جني: {إحسانٌ} بالرفع، أي وجب الإحسان بهما، {وَبِذِي القربى واليتامى والمساكين} عن أبي هريرة أن رجلا شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه، فقال: «إن أردت أن يلين قلبك فاطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم وأطعمه».
{والجار ذِي القربى}: قرأ العامة بالخفض عطفاً على الكلام الأول، وقرأ ابن أبي عبلة: {والجار} وما يليه نصباً. و{والجار ذِي القربى} ذو القرابة {والجار الجنب} البعيد الذي بينك وبينه قرابة، وقال الضحاك: هو الغريب من قوم آخرين، وقرأ الأعمش والفضل: {والجار الجنب} بفتح الجيم وسكون النون، وهما لغتان: رجل جَنْب وجُنُب وجانب وأجنب وأجنبيّ، إذا لم يكن قريباً، وجمعها أجانب، وقال الاّعشى:
أتيت حريثاً زائراً عن جنابة *** فكان حريث في عطائي جامدا
أي عن غربة من غير قربة، ومنه يقال: اجتنب فلان فلاناً، إذا بعد منه، ومنه قيل للمجنب: جنب لاعتزاله الصّلاة، وبُعده من المسجد حتى يغتسل، وقال نوف البكالي: الجار الجُنب هو الكافر، {والصاحب بالجنب} يعني الرفيق في السفر، قال ابن عباس ومجاهد وأبو جعفر وعكرمة وقتادة، عن سعيد بن معروف بن رافع، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التمسوا الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق».
وقال بعضهم: الجار الجُنب هو الجار اللاصق داره بدارك، فهو إلى جنبك، وقال علي وعبد الله وابن أبي ليلى والنخعي: هو المرأة تكون معه إلى جنبه. ابن زيد وابن جريج: هو الذي يلزمك ويصحبك رجاء برّك ورفدك. وقال ابن عباس: إنّي لاستحي أن يطأ الرجل بساطي ثلاث مرات لا يُرى عليه أثر من برّي. وقال المهلّب: إذا غدا عليكم الرجل وراح، فكفى به مسألة وتذكرة بنفسه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنّ خير الأصحاب عند الله عز وجلّ خيرهم لصاحبه، خير الجيران عند الله خيرهم لجاره».
عثمان بن عطا، عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس بمؤمن من لا يؤمن جاره بوائقه، فأيّما رجل أغلق أبوابه دون جاره، فخافه على أهله وماله فليس ذلك بمؤمن». قالوا: يا رسول الله، وما حق الجار؟ قال: «إن دعاك أجبته، وإن أصابته فاقة عُدت عليه، وإن استقرضك أقرضته، وإن أصابه خير هنأته، وإن مرض عُدته، وإن أصابه مصيبة عزّيته، وإن توفي شهدت جنازته، ولا تستعلُ عليه بالبنيان لتحجب عنه الريح إلاّ بإذنه، ولا تؤذه بقتار قِدرك إلاّ أن يُغرف له منها، وإن ابتعت فاكهة فأهدِ له منها، وإن لم تفعل فأدخلها سرّاً، ولا يخرج ولدك منها فيغيظ ولده».
ثم قال صلى الله عليه وسلم: «الجيران ثلاثة: فمنهم من له ثلاثة حقوق، ومنهم من له حقّان، ومنهم من له حق واحد؛ فأما صاحب الثلاثة الحقوق: فالمسلم الجار ذو الرحم، له حق الإسلام وحق الجوار وحق الرحم، وأمّا صاحب الحقّين: فالمسلم الجار له حق الإسلام وحق الجار، وأمّا صاحب الحق الواحد، فالمشرك الجار، له حق الجوار، وإن كان مشركاً».
أبو هشام القطان، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من آذى جاره فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن حارب جاره فقد حاربني، ومن حاربني فقد حارب الله عزّ وجلّ».
{وابن السبيل وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} يعني المماليك، عن أبي أُمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع إلى أبي ذّر غلاماً، فقال: «يا أبا ذّر أطعمه مما تأكل واكسُه مما تلبس»، قال: لم يكن له سوى ثوب واحد فجعله نصفين، فراحَ إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما شأن ثوبك هذا؟»، فقال: إن الفتى الذي دفعته إليّ أمرتني أن أُطعمه مما آكل واكسوه مما ألبس، وإنه لم يكن معي إلاّ هذا الثوب فناصفته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُشير عليك بأن تعتقه»، ثم قال رسول الله: «ما فعل فتاك؟» قال: ليس لي فتًى فقد أعتقته، قال: «آجرك الله يا أبا ذّر».
الأعمش عن عتيق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الغنم بركة، والإبل عزّ لأهلها، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، والعبد أخوك فإن عجز فأعنه».
وعن عليِّ رضي الله عنه قال: «كان آخر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة واتقوا الله فيما ملكت أيمانكم».
{إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً}.


{الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (38) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (39) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42)}
{الذين} في محل النصب ردّاً على {مَّنْ} وقيل: المختال الفخور، {يَبْخَلُونَ} البخل في كلام العرب: منع الرجل سائله ما لديه من فضل عنه، وفي الشرع: منع الواجب، وفيه أربع لغات: البخل بفتح الباء والخاء وهي قراءة أنس بن مالك وعبيد بن عمير ويحيى بن يعمر ومجاهد وحمزة والكسائي وخلف والمفضل ولغة الأنصار. والبَخْل بفتح الباء وسكون الخاء وهي قراءة قتادة وعبد الله بن سراقة، وأيّوب السجستاني، والبُخُل بضم الباء والخاء وهي قراءة عيسى بن عمرو. والبُخْل بضم الباء وجزم الخاء وهي قراءة الباقين، واختيار أبي عبيد وأبي مسلم لأنها اللغة العالية، وفي الحديد مثله. وكلُّها لغات، ونظيره في الكلام: أرض جَرز، وجُرُز، وجُرْز.
واختلف العلماء في نزول الآية ومعناها، فقال أكثرهم: نزلت في اليهود؛ كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يبيّنوها للنّاس، وهم يجدونها مكتوبة عندهم في التوراة. يمان عن أشعث عن جعفر عن سعيد بن جبير: {الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل}، قال هذا في العلم ليس للدنيا منه شيء.
قال ابن عباس وابن زيد: نزلت في كردم بن زيد وأُسامة بن حبيب ونافع بن أبي نافع ويحيى بن يعمر وحيي بن أخطب ورفاعة بن زيد بن التابوت، كانوا يأتون رجالا من الأنصار ويخالطونهم وينصحونهم، فيقولون لهم لا تنفقوا أموالكم؛ فإنّا نخشى عليكم الفقر، ولا ندري ما يكون، فأنزل الله عزّ وجلّ {الذين يَبْخَلُونَ} إلى قوله: {مِن فَضْلِهِ} يعني المال.
وقال يمان: يعني يبخلون بالصدقة. الفضل بن فضالة، عن أبي رجاء قال: خرج علينا عمران بن حصين في مطرف من خزّ لم نره عليه قبل ولا بعد، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله عزّ وجلّ إذا أنعم على عبد نعمة، أحبَّ أن يُرى أثر نعمته عليه».
{وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً * والذين يُنْفِقُونَ} إلى الأخير، محل الذين نصب عطفاً على قوله: {الذين يَبْخَلُونَ}، وإن شئت جعلته في موضع الخفض عطفاً على قوله: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ} نزلت في اليهود، وقال السدي: في المنافقين، وقيل: في مشركي مكة المتفقين على عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
{وَمَن يَكُنِ الشيطان لَهُ قَرِيناً} صاحباً وخليلا، وهو فعيل من الاقتران، قال عدي بن زيد:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** فكل قرين بالمقارن يقتدي
{فَسَآءَ قِرِيناً} فبئس الشيطان قريناً، وقد نصب على التمييز، وقيل: على الحال، وقيل: على القطع بإلقاء الألف واللام منه، كما نقول: نعم رجلا، عبد الله، تقديره: نعم الرجل عبد الله، فلمّا حذف الألف واللام نصب، كقوله: {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} [الكهف: 50]، و{سَآءَ مَثَلاً} [الأعراف: 177]، و{وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً} [الكهف: 29]، و{سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً} [الفرقان: 66]، {وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً} [النساء: 69]، و{كَبُرَ مَقْتاً} [غافر: 35، فصلت: 2]، قال المفسرون: {فَسَآءَ قِرِيناً} أي يقول: {ياليت بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشرقين فَبِئْسَ القرين} [الزخرف: 38].
{وَمَاذَا عَلَيْهِمْ} وما الذي عليهم {لَوْ آمَنُواْ بالله واليوم الآخر وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ الله وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً * إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} إلى آخر الآية، وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر، وأنفقوا مما رزقهم الله؟ فإنّ الله لا يظلم أي لا يبخس ولا ينقص أحداً من خلقه من ثواب عمله شيئاً مثقال ذرّة مثلا، بل يجازيه بها ويثيبه عليها وهذا مثل يقول: إنّ الله لا يظلم مثقال ذرّة، فكيف بأكثر منها؟ والمراد من الكلام: لا يظلم قليلا، لأن الظلم مثقال ذرّة لا ينتفع به الظالم، ولا يبين ضرره في المظلوم. وقيل: [...]، ودليله من التأويل قوله تعالى: {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئاً} [يونس: 44] في الدنيا.
واختلفوا في الذرّة، فقال ابن عباس: هي النملة الحميراء الصغيرة، لا تكاد تبين في رأي العين. وقال يزيد بن هارون: وزعموا أنّ الذرة ليس لها وزن، ويحكى أنّ رجلا وضع خبزاً حتى علاه الذرّة يستره، فلم يزد على وزن الخبز شيئاً. ودليل هذا التأويل ما روى بشير بن عمرو عن عبد الله أنّه قرأ: {إنّ الله لا يظلم مثقال نملة}.
يزيد بن الأصم عن ابن عباس في قوله عزّ وجلّ: {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}، قال: أدخل ابن عباس يده في إناء ثم رفعها، ثم نفخ فيها، ثم قال: كلُّ واحدة من هؤلاء ذرّة، وقال بعضهم: أجزاء الهباء في الكوّة كلّ جزء منها ذرّة. وقيل: هي الخردلة.
وفي الجملة هي عبارة عن أقلّ الأشياء وأصغرها، روى أنس أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأمّا الكافر، فيطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة، لم يكن له حسنة».
قتادة: كان بعض أهل العلم يقول: لئن يفضل حسناتي على سيئاتي وزن ذرّة أحبُّ إليّ من أن يكون لي الدنيا جميعاً.
عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا خلص المؤمنون من النار يوم القيامة، وأمنوا فما مجادلة أحدكم صاحبه في الحق يكون له في الدنيا بأشدّ من مجادلة المؤمنين لربّهم في إخوانهم الذين أُدخلوا النار، قال: «يقولون: ربّنا إخواننا كانوا يُصلّون معنا، ويصومون معنا، ويحجّون معنا، فأدخلتهم النار؟ فيقول الله عزّ وجلّ: اذهبوا وأخرجوا من عرفتم، فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم، لا تأكل النار صورهم، فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من أخذته إلى كعبه، فيخرجونهم فيقولون: ربّنا أخرجْنا من أَمرتَنا، ثم يقول تعالى: أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من الإيمان، ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار، حتى يقول: من كان في قلبه مثقال ذرّة».
وقال أبو سعيد: فمن لم يصدق بهذا فليقرأ هذه الآية {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ...}.
قال: «فيقولون: ربّنا قد أخرجنا من أمرتنا، فلم يبقَ في النار أحد فيه خير». قال: «ثم يقول الله عزّ وجلّ: شُفعت الملائكة، وشُفعت الأنبياء، وشُفعت المؤمنون، وبقي أرحم الراحمين»، قال: «فيقبض قبضة من النار أو قال: قبضتين ممن لم يعملوا له عزّ وجلّ خيراً قط، قد احترقوا حتى صاروا حمماً، قال: فيؤتى بهم إلى ماء يقال له ماء الحياة فيصبّ عليهم فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، فيخرجون وأجسادهم مثل اللؤلؤ في أعناقهم الخاتم: (عتقاء الله عزّ وجلّ)، فيقال لهم: ادخلوا الجنة فما تمنيتم أو رأيتم من شيء فهو لكم عندي أفضل من هذا».
قال: «فيقولون: ربّنا أعطيتنا ما لم تعط أحداً من العالمين». قال: «فيقول: ان لكم عندي أفضل من هذا، فيقولون: ربّنا وما أفضل من ذلك؟» قال: «فيقول: رضائي عنكم فلا أسخط عليكم أبداً».
وقال آخرون: هذا في الخبر عن ابن [...] عن عبد الله بن مسعود قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأوّلين والآخرين، ثم نادى مناد من عند الله: ألا من كان يطلب مظلمة إلى أخيه فليأخذ. قال: فيفرح والله المرء أن يكون له الحق على والده وولده أو زوجته أو أخيه، فيأخذ منه، وإن كان صغيراً، ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} [المؤمنون: 101]، فيؤتى بالعبد وينادي مناد على رؤوس الأشهاد: الأولين والآخرين، هذا فلان بن فلان من كان له عليه حق، فليأتِ إلى جنبه ثمّ يقال له: آتِ هؤلاء حقوقهم. فيقول: من أين وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول الله تعالى لملائكته: انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها، فإن بقي مثقال ذرّة من حسنة، قالت الملائكة: ربّنا أنت أعلم بذلك منهم، أعطينا كلّ ذي حق حقه وبقي له مثقال ذرّة من حسنة، فيقول للملائكة: ضاعفوها لعبدي وأدخلوه بفضل منّي الجنّة، ومصداق ذلك في كتاب الله {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}.
وإن كان العبد شقيًّا، فتقول الملائكة: إلهنا فنيت حسناته وبقيت سيئاته، وبقي طالبون كثير، فيقول عزّ وجلّ: خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم صكّوا له صكاً إلى النار.
فمعنى الآية على هذا التأويل: لا يظلم، مثقال ذرّة للخصم على الخصم، بل يثيبه عليها ويضاعفها له، وذلك قوله: {حَسَنَةً} بالنصب على معنى: وان يكن زنةُ الذرّة.
وقرأها أهل الحجاز رفعاً، بمعنى أن يقع أو يوجد حسنة، وقال المبرّد: معناه وإن تك حسنة باقية يضاعفها.
وقرأ الحسن: {نضاعفها} بالنون الباقون: بالياء، وهو الصحيح؛ لقوله: {وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ} وقرأ أبو رجاء وأهل المدينة يُضعّفها. الباقون: يُضْعِفها وهما لغتان معناهما التكثير. وقال أبو عبيده: يضاعفها معناه يجعلها أضعافاً كثيرة، ويضعّفها بالتشديد يجعلها ضعفين.
{وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ} أي من عنده، قال الكسائي: في {لدن} أربع لغات لدن، ولدى ولدُ ولدُنْ. ولمّا أضافوها إلى انفسهم شدّدوا النون.
{أَجْراً عَظِيماً} وهو الجنّة. عن أبي عثمان قال: بلغني عن أبي هريرة أنه قال: إنّ الله عزّ وجلّ يعطي عبده المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة، قال أبو هريرة: لا بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يعطيه ألفي ألف حسنة»، ثم تلا: {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}، إلى {أَجْراً عَظِيماً}.
وقال: «إذا قال الله: أجراً عظيماً، فمن بعد يدري قدره؟».
{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} يعني فكيف يصنعون إذا جئنا من كلِّ أُمّة بشهيد حق منها، يشهد عليهم بما عملوا، {وَجِئْنَا بِكَ} يا محمد {على هؤلاء شَهِيداً}؟ نظيره في البقرة والنحل والحج.
عاصم عن زر عن عبد الله قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأ». فقرأت سورة النساء، حتى إذا بلغت، {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} دمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: «حسبنا».
{يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض} قرأ أهل المدينة والشام بفتح التاء وتشديد السين، على معنى: تتسوّى فأُدغمت التاء بالسين، وقرأ أهل الكوفة إلاّ عاصماً بفتح التاء وتخفيف السين، على حذف تاء تفعل، كقوله: {لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [هود: 105]، وقرأ الباقون بضم التاء وتخفيف السين على المجهول، قالوا: سُوّيت بهم الأرض وصاروا هم والأرض شيئاً واحداً، وقال قتادة وعبيدة: يعني لو تحركت الأرض فساروا فيها، وعادوا إليها كما خرجوا منها، ثم تسوى عليهم حتى تعلوهم، ابن كيسان: ودوّا أنهم لم يبعثوا طرّاً، وإنما نقلوا من التراب وكانت الأرض مستوية بهم. الكلبي: يقول الله عزّ وجلّ للبهائم والوحش والطير والسباع: كنّ تراباً فتسوّى بها الأرض، فعند ذلك يتمنى الكافرون لو كانوا تراباً يمشي عليهم أهل الجمع، بيانه قوله عزّ وجلّ: {وَيَقُولُ الكافر ياليتني كُنتُ تُرَاباً} [النبأ: 40].
قال الثعلبي: وحكي أُستاذنا أبو القاسم الحسين أنّه سمع من تأول هذه الآية: يعدل بهم ما على الأرض من شيء فدية، بيانه: {يَوَدُّ المجرم لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ} [المعارج: 11] الآية.
{وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً}: قال عطاء: ودّوا لو تسوّى بهم الأرض، وإنّهم لم يكونوا كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولا نعته، وقال آخرون: بل هو كلام مستأنف، يعني ويكتمون الله حديثاً؛ لأنّ ما عملوا لا يخفى على الله عزّ وجلّ، ولا يقدرون على كتمانه، الكلبي وجماعة: لا يكتمون الله حديثاً لأنّ خزنة جهنم تشهد عليهم.
سعيد بن جبير: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: أشياء تختلف عليّ في القرآن، أهو شك فيه؟ قال: لا، ولكن اختلاف في آيات الاختلاف عليك من ذلك، فقال: اسمع، الله عزّ وجلّ يقول: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23]، وقال: {وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً} فقد كتموا، فقال ابن عباس: أما قولهم {والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} فإنهم لما رأوا يومَ القيامة أنّ الله يغفر لأهل الإسلام قالوا: تعالوا فلنشهد فجحد المشركون، فقالوا: {والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} رجاء أن يغفر لهم فيختم على أفواههم، وتتكلم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك {يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً}. الحسن: إنّها مواطن، ففي موطن لا يتكلمون ولا يسمع الاّ همساً، وفي مواطن يتكلمون ويكذبون، ويقولون: {مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} وما كنّا نعمل من سوء، وفي موطن يعترفون على أنفسهم، وهو قوله عزّ وجلّ {فاعترفوا بِذَنبِهِمْ} [الملك: 11]، وفي موضع آخر يسألون الرحمة، وإنّ آخر تلك المواطن أنّ أفواههم تختم، وجوارحهم تتكلم، وهو قوله تعالى: {وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً}.

1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8