روائع مختارة | روضة الدعاة | تاريخ وحضارة | قطز.. وقرار الجهاد

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
روائع مختارة
الصفحة الرئيسية > روائع مختارة > روضة الدعاة > تاريخ وحضارة > قطز.. وقرار الجهاد


  قطز.. وقرار الجهاد
     عدد مرات المشاهدة: 1944        عدد مرات الإرسال: 0

قرار الجهاد.. قرار من أعظم القرارات التي اتخذها قطز، وهو قرار من أخطر القرارات في تاريخ مصر مطلقاً..

وهو قرار لا ينفع أن يرجع عنه القائد أو الجيش أو الشعب، وقطز رحمه الله يعلم أن قلوب الأمراء وافقت تحت تأثير القدوة، وتحت تأثير التذكير بالله.

وبالواجب نحو الإسلام، لكن من الممكن لهذه القلوب أن تتردد وأن تخاف، ولذلك فقد أراد قطز أن يفعل أمراً يقطع به خط الرجعة تماماً على الأمراء، ويقطع به الأمل في الاستسلام، ولا يبقى أمامهم غير الخيار العسكري فقط!..

ترى ما هذا الأمر؟!
 
رسالة هولاكو إلى قطز:

رسل هولاكو إلى قطزبينما كان قطز في إعداده المتحمس، وفي خطواته السريعة، جاءته رسل هولاكو يخبرونه أن اللقاء سيكون أسرع مما يتخيل، وأن الحرب على وشك الحدوث..

وبينما كان قطز رحمه الله في حاجة إلى بضعة شهور للإعداد إذا بالأيام تتسرب من بين يديه، والحرب مفروضة عليه.

وما بين عشية وضحاها ستهجم الجحافل الهمجية على مصر، شاء قطز أم أبى، وشاء الجيش أم أبى، وشاء الشعب أم أبى، فالصراع سيكون قريباً.

وقريباً جداً بين أي فئة مؤمنة، وبين أكبر قوة في الأرض إن كانت هذه القوة ظالمة، فالظالمون المتكبرون لا يقبلون أبداً بصديق ولا حليف ولا محايد، إنما فقط يريدون التابع، ولابد أن يكون التابع ذليلاً!!..

جاءت رسل هولاكو لعنه الله، وهي تحمل رسالة تقطر سماً، وتفيض تهديداً ووعيداً وإرهاباً.. لا يقوى على قراءتها إلا من ثبته الله .. {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} [الإسراء: 74].
 
وبفضل الله ثبّت الله قطز، فقرأ الرسالة برباطة جأش عجيبة، وكذلك المؤمن الصادق، إذا خوّفه أحد الظالمين، استحضر هيبة الله تعالى، فهان عليه كل ظالم أو متكبر..

جاءت رسالة هولاكو مع أربعة من الرسل التتر.. وقرأ قطز رحمه الله فإذا فيها ما يلي:

"بسم إله السماء الواجب حقه، الذي ملكنا أرضه، وسلطنا على خلقه..

الذي يعلم به الملك المظفر الذي هو من جنس "المماليك"..

صاحب مصر وأعمالها، وسائر أمرائها وجندها وكتابها وعمالها، وباديها وحاضرها، وأكابرها وأصاغرها..

أنّا جند الله في أرضه، خلقنا من سخطه، وسلطنا على من حل به غيظه..

فلكم بجميع الأمصار معتبر، وعن عزمنا مزدجر..

فاتعظوا بغيركم، وسلّموا إلينا أمركم..

قبل أن ينكشف الغطاء، ويعود عليكم الخطأ..

فنحن ما نرحم من بكى، ولا نرق لمن اشتكى..

فتحنا البلاد، وطهرنا الأرض من الفساد..

فعليكم بالهرب، وعلينا بالطلب..

فأي أرض تأويكم؟ وأي بلاد تحميكم؟

وأي ذلك ترى؟ ولنا الماء والثرى؟

فما لكم من سيوفنا خلاص، ولا من أيدينا مناص

فخيولنا سوابق، وسيوفنا صواعق، ورماحنا خوارق، وسهامنا لواحق..

وقلوبنا كالجبال، وعديدنا كالرمال!

فالحصون لدينا لا تمنع، والجيوش لقتالنا لا تنفع، ودعاؤكم علينا لا يسمع!

لأنكم أكلتم الحرام، وتعاظمتم عن رد السلام، وخنتم الأيمان، وفشا فيكم العقوق والعصيان..

فأبشروا بالمذلة والهوان:

{فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ}{وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}

وقد ثبت أن نحن الكفرة وأنتم الفجرة..

وقد سلطنا عليكم من بيده الأمور المدبرة، والأحكام المقدرة..

فكثيركم عندنا قليل، وعزيزكم لدينا ذليل، وبغير المذلة ما لملوككم عينا من سبيل..

فلا تطيلوا الخطاب، وأسرعوا رد الجواب..

قبل أن تضطرم الحرب نارها، وتوري شرارها..

فلا تجدون منا جاهاً ولا عزاً، ولا كتاباً ولا حرزاً، إذ أزتكم رماحنا أزاً..

وتدهون منا بأعظم داهية، وتصبح بلادكم منكم خالية، وعلى عروشها خاوية..

فقد أنصفناكم، إذ أرسلنا إليكم، ومننا برسلنا عليكم"..
 
وانتهت الرسالة العجيبة التي خلت من أي نوع من أنواع الدبلوماسية، إنما كانت إعلاناً صريحاً بالحرب، أو البديل الآخر وهو التسليم المذل، ولابد أن يكون التسليم مذلاً، بمعنى أنه دون فرض أي شروط، أو طلب أي حقوق..
 
عقد قطز رحمه الله مجلساً استشارياً أعلى، وجمع كبار القادة والأمراء والوزراء، وبدءوا فوراً في مناقشة القضية الخطيرة التي طرحت أمامهم، والخيارات محدودة جداً، إما الحرب بكل تبعاتها، وإما التسليم غير المشروط..
 
أما قطز رحمه الله فكانت القضية في ذهنه واضحة تمام الوضوح، إنه لم يطرح الخيارين على نفسه للتفكير، فخيار السلام ـ أو "الاستسلام" ـ في هذا الموقف غير وارد عنده أبداً، وهو يعلم تمام العلم أن الحقوق لا "توهب" بل "تؤخذ"، وأن الجيوش المعتدية لا " تُقنع" بالعودة إلى بلادها، بل "تُرغم" على العودة إلى بلادها..

هكذا كانت الرؤية في منتهى الوضوح عند قطز رحمه الله..

لكن الأمراء الذين اجتمعوا معه لم يكونوا على نفس الدرجة العالية جداً من الفقه والفهم.. نعم لديهم حمية دينية عالية، ونعم يحبون الإسلام حباً جماً، ونعم على درجة راقية من الفروسية والمهارة القتالية، لكن الاختبار صعب جداً..
 
لقد كانت الفجوة هائلة فعلاً بين إمكانيات التتار كدولة من كوريا شرقاً إلى بولندا غرباً، وإمكانيات مصر التي مهما زادت فهي محدودة.. لقد كانت الفجوة هائلة فعلاً بين أعداد التتار وأسلحة التتار، وأعداد المصريين وأسلحة المصريين.

هذا فوق السمعة الرهيبة لجيوش التتار، وفوق الملايين المسلمة التي ذُبحت على أيدي التتار، بالإضافة إلى الجيوش الخوارزمية والأرمينية والكرجية والعباسية والأوروبية والشامية التي هُزِمت أمام جيوش التتار..

لقد شاعت في تلك الأزمان كلمة تناقلها العوام والخواص.. كانوا يقولون:

"إذا أخبرك أحد أن التتار يُهزمون فلا تصدقه!!"..

كل هذه التراكمات جعلت الأمراء يترددون في قبول ما رآه قطز رحمه الله أمراً واضحاً جداً لا تردد فيه.. وظهر عليهم الهلع والضعف والتثاقل إلى الأرض!

كيف يتصرف القائد الحكيم مع مثل هذا الموقف؟

كيف ينزع الخوف والرهبة من القلوب؟

كيف يقنع قادة جيشه بأمر يعتقدونه مستحيلاً؟!

تعالوا نتعلم من قطز رحمه الله..
 
قرار قطز بقتل رسل هولاكو:

قطز يقتل رسل هولاكولقد قرر قطز بعد أن استشار مجلسه العسكري أن يقطع أعناق الرسل الأربعة الذين أرسلهم إليه هولاكو بالرسالة التهديدية، وأن يعلّق رءوسهم على باب زويلة في القاهرة، وذلك حتى يراها أكبر عدد من الشعب.

وهو يرمي بذلك إلى طمأنة الشعب بأن قائدهم لا يخاف التتار، وهذا سيرفع من معنوياتهم، كما أن هذا الردّ العنيف سيكون إعلاناً للتتار أنهم قادمون على قوم يختلفون كثيراً عن الأقوام الذين قابلوهم من قبل.

وهذا قد يؤثر سلباً على التتار، فيلقي في قلوبهم ولو شيئاً من الرعب أو التردد، ويبقى الهدف الأكبر لقتل الرسل الأربعة هو قطع التفكير في أي حل سلمي للقضية، والاستعداد الكامل الجادّ للجهاد، فبعد قتل الرسل الأربعة لن يقبل التتار باستسلام مصر حتى لو قبل بذلك المسلمون..

كان هذا هو اجتهاد قطز رحمه الله والأمراء..

ومع ذلك فلنا وقفة مع هذا الحدث..
 
وقفة مع قتل قطز رسل هولاكو:

أنا لا أدري ما هو السند الشرعي لقطز رحمه الله في عملية القتل هذه؟!..


فالرسل في الإسلام لا تقتل.. لا رسل المسلمين، ولا رسل الكفار، ولا حتى رسل المرتدين عن الإسلام!.

يقول عبد الله بن مسعود t: جَاءَ ابْنُ النَّوَّاحَةِ وَابْنُ أُثَالٍ رَسُولَا مُسَيْلِمَةَ إِلَى النَّبِيِّ rَ، فَقَالَ لَهُمَا:" أَتَشْهَدَانِ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟ "، قَالَا: نَشْهَدُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ اللهِ فَقَالَ النَّبِيُّ r: "آمنْتُ بِاللهِ وَرُسُلِهِ، لَوْ كُنْتُ قَاتِلًا رَسُولًا لَقَتَلْتُكُمَا". يعلّق عبد الله بن مسعود t على هذا الحديث فيقول: "فَمَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ"[1].

وفي رواية أبي داود عن نعيم بن مسعود t قال: قال رسول الله في نفس الموقف: "أَمَا وَاللَّهِ لَوْلاَ أَنَّ الرُّسُلَ لاَ تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا"[2]..

يقول الإمام الشوكاني رحمه الله في كتابه القيم نيل الأوطار: هذان الحديثان حديث عبد الله بن مسعود وحديث نعيم بن مسعود رضي الله عنهما يدلان على تحريم قتل الرسل الواصلين من الكفار، وإن تكلموا بكلمة الكفر في حضرة الإمام أو سائر المسلمين..
 
لهذا فالحكم الشرعي في الإسلام أن الرسل لا تقتل، ولا أدري ما الحجة الشرعية التي استخدمها قطز ليقتل هؤلاء الرسل؟ ولا أدري لماذا سكت العلماء في زمانه عن هذه النقطة؟ أو لعلهم تكلموا ولم يصل إلينا قولهم.

ولعل قطز اجتهد في أن التتار قد هتكوا كل الأعراف والقوانين والمواثيق، فقتلوا النساء والأطفال والشيوخ غير المقاتلين، وبأعداد لا تحصى، وقد قتلوا في بغداد وحدها مليون مسلم، هذا غير المدن التي سبقت والتي لحقت.

ولعله اجتهد هذا الاجتهاد بعد أن أساء الرسل الأدب معه، وأغلظوا له في القول، وتكبروا عليه.. لعل هذا كان اجتهاده، وإن كنت أقول إننا لا يجب أن نُجرّ أبداً إلى قذارات السياسة المادية، وإلى أخلاق الكفار..

فإذا قتل الكفارُ الأطفالَ المسلمين فلا يجوز للمسلمين أن يقتلوا أطفال الكفار بحجة أن العقاب بالمثل، وإذا قتل الكفار النساء المسلمات وهتكوا أعراضهن فليس هذا مبرراً لقتل النساء الكافرات غير المقاتلات وهتك أعراضهن.

وهتك العرض طبعاً غير مقبول سواء للمقاتلة أو غير المقاتلة، وإذا خان الكفار العهد فلا يجوز للمسلمين خيانة عهودهم.. وعلى نفس الوتيرة لا يقتل المسلمون الرسل، ولا يقتل المسلمون الكفارَ الذين أخذوا أماناً من المسلمين..

كلُّ هذا ليبقى دين الإسلام نقياً خالصاً غير مختلط بقذارات القوانين الوضيعة.. وليظل المثل الإسلامي الرفيع، والخلق الإسلامي العالي وسيلة باقية لدعوة شعوب الأرض إلى هذا الدين الرائع.. دين الإسلام..
 
لكل ما سبق فإني أعتبر ما حدث من قطز والأمراء في هذه الخطوة هو هفوة وخطأ في الاجتهاد.. ولابد لكل إنسان مهما عظم قدره أن يكون له أخطاء إلا الأنبياء المعصومين.. ويكفي المرء فخراً أن تعد معايبه..

[1] أحمد: المسند، تحقيق: شعيب الأرناءوط - عادل مرشد ، وآخرون، وهو حديث صحيح، رقم (3761).
[2] أبو داوود: السنن، باب فِي الرُّسُلِ (2763)، قال الألباني: صحيح.

الكاتب: د. راغب السرجاني

المصدر: موقع قصة الإسلام