سورة الأحزاب - تفسير في ظلال القرآن

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
تفسير السورة  
الصفحة الرئيسية > القرآن الكريم > تفسير السورة   (الأحزاب)


        


هذه السورة تتناول قطاعاً حقيقياً من حياة الجماعة المسلمة، في فترة تمتد من بعد غزوة بدر الكبرى، إلى ما قبل صلح الحديبية، وتصور هذه الفترة من حياة المسلمين في المدينة تصويراً واقعياً مباشراً. وهي مزدحمة بالأحداث التي تشير إليها خلال هذه الفترة، والتنظيمات التي أنشأتها أو أقرتها في المجتمع الإسلامي الناشئ. والتوجيهات والتعقيبات على هذه الأحداث والتنظيمات قليلة نسبياً؛ ولا تشغل من جسم السورة إلا حيزاً محدوداً، يربط الأحداث والتنظيمات بالأصل الكبير. أصل العقيدة في الله والاستسلام لقدره. ذلك كافتتاح السورة: {يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين، إن الله كان عليماً حكيماً. واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيراً، وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً. ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه..}.. وكالتعقيب على بعض التنظيمات الاجتماعية في أول السورة: {كان ذلك في الكتاب مسطوراً. وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم، وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً، ليسأل الصادقين عن صدقهم، وأعد للكافرين عذاباً أليماً}.. والتعقيب على موقف المرجفين يوم الأحزاب التي سميت السورة باسمها. {قل: لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل، وإذن لا تمتعون إلا قليلاً. قل: من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو أراد بكم رحمة؟ ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً} ومثل قوله في صدد أحد التنظيمات الاجتماعية الجديدة، المخالفة لمألوف النفوس في الجاهلية: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} وأخيراً ذلك الإيقاع الهائل العميق: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولاً} ولهذه الفترة التي تتناولها السورة من حياة الجماعة المسلمة سمة خاصة، فهي الفترة التي بدأ فيها بروز ملامح الشخصية المسلمة في حياة الجماعة وفي حياة الدولة؛ ولم يتم استقرارها بعد ولا سيطرتها الكاملة. كالذي تم بعد فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجاً، واستتباب الأمر للدولة الإسلامية، وللنظام الإسلامي.
والسورة تتولى جانباً من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة، وإبراز تلك الملامح وتثبيتها في حياة الأسرة والجماعة؛ وبيان أصولها من العقيدة والتشريع؛ كما تتولى تعديل الأوضاع والتقاليد أو إبطالها؛ وإخضاعها في هذا كله للتصور الإسلامي الجديد.
وفي ثنايا الحديث عن تلك الأوضاع والنظم يرد الحديث عن غزوة الأحزاب، وغزوة بني قريظة، ومواقف الكفار والمنافقين واليهود فيهما، ودسائسهم في وسط الجماعة المسلمة، وما وقع من خلخلة وأذى بسبب هذه الدسائس وتلك المواقف. كما تعرض دسائسهم وكيدهم للمسلمين في أخلاقهم وآدابهم وبيوتهم ونسائهم.
ونقطة الاتصال في سياق السورة بين تلك الأوضاع والنظم وهاتين الغزوتين وما وقع فيهما من أحداث، هي علاقة هذه وتلك بمواقف الكافرين والمنافقين واليهود؛ وسعي هذه الفئات لإيقاع الاضطراب في صفوف الجماعة المسلمة. سواء عن طريق الهجوم الحربي والإرجاف في الصفوف والدعوة إلى الهزيمة؛ أو عن طريق خلخلة الأوضاع الاجتماعية والآداب الخلقية.. ثم ما نشأ من الغزوات والغنائم من آثار في حياة الجماعة المسلمة تقتضي تعديل بعض الأوضاع الاجتماعية والتصورات الشعورية؛ وإقامتها على أساس ثابت يناسب تلك الآثار التي خلفتها الغزوات والغنائم في واقع الجماعة المسلمة.
ومن هذا الجانب وذاك تبدو وحدة السورة، وتماسك سياقها، وتساوق موضوعاتها المنوعة. وهذا وذلك إلى جانب وحدة الزمن التي تربط بين الأحداث والتنظيمات التي تتناولها السورة.
تبدأ السورة ذلك البدء بتوجيه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تقوى الله وعدم الطاعة للكافرين والمنافقين، واتباع ما يوحي إليه ربه، والتوكل عليه وحده. وهو البدء الذي يربط سائر ما ورد في السورة من تنظيمات وأحداث بالأصل الكبير الذي تقوم عليه شرائع هذا الدين وتوجيهاته. ونظمه وأوضاعه، وآدابه وأخلاقه.. أصل استشعار القلب لجلال الله، والاستسلام المطلق لإرادته؛ واتباع المنهج الذي اختاره، والتوكل عليه وحده والاطمئنان إلى حمايته ونصرته.
وبعد ذلك يلقي بكلمة الحق والفصل في بعض التقاليد والأوضاع الاجتماعية. مبتدئاً بإيقاع حاسم يقرر حقيقة واقعة: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه}.. يرمز بها إلى أن الإنسان لا يملك أن يتجه إلى أكثر من أفق واحد، ولا أن يتبع أكثر من منهج واحد، وإلا نافق، واضطربت خطاه. وما دام لا يملك إلا قلباً واحداً، فلا بد أن يتجه إلى إله واحد وأن يتبع نهجاً واحداً؛ وأن يدع ما عداه من مألوفات وتقاليد وأوضاع وعادات.
ومن ثم يأخذ في إبطال عادة الظهار وهو أن يحلف الرجل على امرأته أنها عليه كظهر أمه فتحرم عليه حرمة أمه: {وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم}. ويقرر أن هذا الكلام يقال بالأفواه ولا ينشئ حقيقة وراءه، بل تظل الزوجة زوجة ولا تصير أماً بهذا الكلام.. ويثني بإبطال عادة التبني وآثاره: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم} فلا يعودون بعد اليوم يتوارثون، ولا تترتب على هذا التبني آثاره الأخرى (التي سنفصل الحديث عنها فيما بعد). ويستبقي بعد ذلك أو ينشئ الولاية العامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على المؤمنين جميعاً، ويقدم هذه الولاية على ولايتهم لأنفسهم؛ كما ينشئ صلة الأمومة الشعورية بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وجميع المؤمنين: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم}.. ثم يبطل آثار المؤاخاة التي تمت في أول الهجرة؛ ويرد الأمر إلى القرابة الطبيعية في الإرث والدية وما إليها: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين}.
وبذلك يعيد تنظيم الجماعة الإسلامية على الأسس الطبيعية ويبطل ما عداها من التنظيمات الوقتية.
ويعقب على هذا التنظيم الجديد، الذي يستمد من منهج الإسلام وحكم الله؛ بالإشارة إلى أن ذلك مسطور في كتاب الله القديم، وإلى الميثاق المأخوذ على النبيين، وعلى أولي العزم منهم بصفة خاصة. على طريقة القرآن في التعقيب على النظم والتشريعات، والمبادئ، والتوجيهات، لتقر في الضمائر والأخلاد.
وهذا هو إجمال الشوط الأول في السورة.
ويتناول الشوط الثاني بيان نعمة الله على المؤمنين، إذ رد عنهم كيد الأحزاب والمهاجمين. ثم يأخذ في تصوير وقعتي الأحزاب وبني قريظة تصويراً حياً، في مشاهد متعاقبة، ترسم المشاعر الباطنة، والحركات الظاهرة، والحوار بين الجماعات والأفراد. وفي خلال رسم المعركة وتطوراتها تجيء التوجيهات في موضعها المناسب؛ وتجيء التعقيبات على الأحداث مقررة للمنهج القرآني في إنشاء القيم الثابتة التي يقررها للحياة، من خلال ما وقع فعلاً، وما جاش في الأخلاد والضمائر.
وطريقة القرآن الدائمة في مثل هذه الوقائع التي يتخذ منها وسيلة لبناء النفوس، وتقرير القيم، ووضع الموازين وإنشاء التصورات التي يريد لها أن تسود.. طريقة القرآن في مثل هذه الوقائع أن يرسم الحركة التي وقعت، ويرسم معها المشاعر الظاهرة والباطنة، ويسلط عليها الأضواء التي تكشف زواياها وخباياها. ثم يقول للمؤمنين حكمه على ما وقع، ونقده لما فيه من خطأ وانحراف، وثناءه على ما فيه من صواب واستقامة، وتوجيهه لتدارك الخطأ والانحراف، وتنمية الصواب والاستقامة. وربط هذا كله بقدر الله وإرادته وعمله ونهجه المستقيم، وبفطرة النفس، ونواميس الوجود.
وهكذا نجد وصف المعركة يبدأ بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها، وكان الله بما تعملون بصيراً} ويتوسطها قوله. {قل: لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذن لا تمتعون إلا قليلا. قل: من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو أراد بكم رحمة. ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً} وبقوله: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً} ويختمها بقوله: {ليجزي الله الصادقين بصدقهم، ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفوراً رحيماً} وهذا إلى جانب عرض تصورات المؤمنين الصادقين للموقف، وتصورات المنافقين والذين في قلوبهم مرض عرضاً يكشف عن القيم الصحيحة والزائفة من خلال تلك التصورات: {وإذا يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض: ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً} {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً} ثم تجيء العاقبة بالقول الفصل والخبر اليقين:
{ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قوياً عزيزاً} بعد ذلك يجيء قرار تخيير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللواتي طالبنه بالتوسعة في النفقة عليهن بعدما وسع الله عليه وعلى المسلمين من فيء بني قريظة العظيم وما قبله من الغنائم. تخييرهن بين متاع الحياة الدنيا وزينتها وإيثار الله ورسوله والدار الآخرة. وقد اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ورضين هذا المقام الكريم عند الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم، وآثرنه على متاع الحياة. ومن ثم جاءهن البيان عن جزائهن المضاعف في الأجر إن اتقين وفي العذاب إن ارتكبن فاحشة مبينة. وعلل هذه المضاعفة بمقامهن الكريم وصلتهن برسول الله صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن في بيوتهن وتلاوته، والحكمة التي يسمعنها من النبي صلى الله عليه وسلم واستطرد في بيان جزاء المؤمنين كافة والمؤمنات.
وكان هذا هو الشوط الثالث.
فأما الشوط الرابع فتناول إشارة غير صريحة إلى موضوع تزويج زينب بنت جحش القرشية الهاشمية بنت عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم من زيد بن حارثة مولاه. وما نزل في شأنه أولاً من رد أمر المؤمنين والمؤمنات كافة إلى الله، ليس لهم منه شيء، وليس لهم في أنفسهم خيرة. إنما هي إرادة الله وقدره الذي يسير كل شيء، ويستسلم له المؤمن الاستسلام الكامل الصريح: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً}..
ثم يعقب حادث الزواج حادث الطلاق؛ وما وراءه من إبطال آثار التبني، الذي سبق الكلام عليه في أول السورة. إبطاله بسابقة عملية؛ يختار لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بشخصه، لشدة عمق هذه العادة في البيئة العربية، وصعوبة الخروج عليها. فيقع الابتلاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملها فيما يحمل من أعباء الدعوة وتقرير أصولها في واقع المجتمع، بعد تقريرها في أعماق الضمير: {فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً. وكان أمر الله مفعولاً} وبهذه المناسبة يوضح حقيقة العلاقة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين كافة: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين} ويختم هذا الشوط بتوجيهات للرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين.. {ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً} ويبدأ الشوط الخامس ببيان حكم المطلقات قبل الدخول. ثم يتناول تنظيم الحياة الزوجية للنبي صلى الله عليه وسلم فيبين من يحل له من النساء المؤمنات ومن يحرمن عليه.
ويستطرد إلى تنظيم علاقة المسلمين ببيوت النبي وزوجاته، في حياته وبعد وفاته. وتقرير احتجابهن إلا على آبائهن أو أبنائهن أو إخوانهن أو أبناء إخوانهن أو أبناء أخواتهن أو نسائهن، أو ما ملكت أيمانهن. وإلى بيان جزاء الذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم في أزواجه وبيوته وشعوره؛ ويلعنهم في الدنيا والآخرة. مما يشي بأن المنافقين وغيرهم كانوا يأتون من هذا شيئاً كثيراً.
ويعقب على هذا بأمر أزواج النبي وبناته ونساء المؤمنين كافة أن يدنين عليهن من جلابيبهن {ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين} وبتهديد المنافقين والذين في قلوبهم مرض والمرجفين في المدينة بإغراء النبي صلى الله عليه وسلم بهم وإخراجهم من المدينة كما خرج من قبل بنو قينقاع وبنو النضير، أو القضاء عليهم كما وقع لبني قريظة أخيراً. وكل هذا يشير إلى شدة إيذاء هذه المجموعة للمجتمع الإسلامي في المدينة بوسائل شريرة خبيثة.
والشوط السادس والأخير في السورة يتضمن سؤال الناس عن الساعة، والإجابة على هذا التساؤل بأن علم الساعة عند الله، والتلويح بأنها قد تكون قريباً. ويتبع هذا مشهد من مشاهد القيامة: {يوم تقلب وجوههم في النار يقولون: يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا} ونقمتهم على سادتهم وكبرائهم الذين أطاعوهم فأضلوهم: {ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا. ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً} ثم تختم السورة بإيقاع هائل عميق الدلالة والتأثير: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولاً. ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات. وكان الله غفوراً رحيماً} وهو إيقاع يكشف عن جسامة العبء الملقى على عاتق البشرية، وعلى عاتق الجماعة المسلمة بصفة خاصة؛ وهي التي تنهض وحدها بعبء هذه الأمانة الكبرى. أمانة العقيدة والاستقامة عليها. والدعوة والصبر على تكاليفها، والشريعة والقيام على تنفيذها في أنفسهم وفي الأرض من حولهم. مما يتمشى مع موضوع السورة، وجوها؛ وطبيعة المنهج الإلهي الذي تتولى السورة تنظيم المجتمع الإسلامي على أساسه.
والآن نتناول السورة بالتفصيل بعد هذا الإجمال السريع.
{يا أيها النبي اتق الله، ولا تطع الكافرين والمنافقين، إن الله كان عليماً حكيماً. واتبع ما يوحى إليك من ربك، إن الله كان بما تعملون خبيراً. وتوكل على الله، وكفى بالله وكيلاً}..
هذا هو ابتداء السورة التي تتولى تنظيم جوانب من الحياة الاجتماعية والأخلاقية للمجتمع الإسلامي الوليد. وهو ابتداء يكشف عن طبيعة النظام الإسلامي والقواعد التي يقوم عليها في عالم الواقع وعالم الضمير.
إن الإسلام ليس مجموعة إرشادات ومواعظ، ولا مجموعة آداب وأخلاق، ولا مجموعة شرائع وقوانين، ولا مجموعة أوضاع وتقاليد.
إنه يشتمل على هذا كله. ولكن هذا كله ليس هو الإسلام.. إنما الإسلام الاستسلام. الاستسلام لمشيئة الله وقدره؛ والاستعداد ابتداء لطاعة أمره ونهيه؛ ولاتباع المنهج الذي يقرره دون التلفت إلى أي توجيه آخر وإلى أي اتجاه. ودون اعتماد كذلك على سواه. وهو الشعور ابتداء بأن البشر في هذه الأرض خاضعون للناموس الإلهي الواحد الذي يصرّفهم ويصرّف الأرض، كما يصرّف الكواكب والأفلاك؛ ويدبر أمر الوجود كله ما خفي منه وما ظهر، وما غاب منه وما حضر، وما تدركه منه العقول وما يقصر عنه إدراك البشر. وهو اليقين بأنهم ليس لهم من الأمر شيء إلا اتباع ما يأمرهم به الله والانتهاء عما ينهاهم عنه؛ والأخذ بالأسباب التي يسرها لهم، وارتقاب النتائج التي يقدرها الله.. هذه هي القاعدة. ثم تقوم عليها الشرائع والقوانين، والتقاليد والأوضاع، والآداب والأخلاق. بوصفها الترجمة العملية لمقتضيات العقيدة المستكنة في الضمير؛ والآثار الواقعية لاستسلام النفس لله، والسير على منهجه في الحياة.. إن الإسلام عقيدة. تنبثق منها شريعة. يقوم على هذه الشريعة نظام. وهذه الثلاثة مجتمعة مترابطة متفاعلة هي الإسلام..
ومن ثم كان التوجيه الأول في السورة التي تتولى تنظيم الحياة الاجتماعية للمسلمين بتشريعات وأوضاع جديدة، هو التوجيه إلى تقوى الله. وكان القول موجهاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم القائم على تلك التشريعات والتنظيمات.. {يا أيها النبي اتق الله}.. فتقوى الله والشعور برقابته واستشعار جلاله هي القاعدة الأولى، وهي الحارس القائم في أعماق الضمير على التشريع والتنفيذ. وهي التي يناط بها كل تكليف في الإسلام وكل توجيه.
وكان التوجيه الثاني هو النهي عن طاعة الكافرين والمنافقين، واتباع توجيههم أو اقتراحهم، والاستماع إلى رأيهم أو تحريضهم: {ولا تطع الكافرين والمنافقين}.. وتقديم هذا النهي على الأمر باتباع وحي الله يوحي بأن ضغط الكافرين والمنافقين في المدينة وما حولها كان في ذلك الوقت عنيفاً، فاقتضى هذا النهي عن اتباع آرائهم وتوجيهاتهم، والخضوع لدفعهم وضغطهم. ثم يبقى ذلك النهي قائماً في كل بيئة وكل زمان، يحذر المؤمنين أن يتبعوا آراء الكافرين والمنافقين إطلاقاً، وفي أمر العقيدة وأمر التشريع وأمر التنظيم الاجتماعي بصفة خاصة. ليبقى منهجهم خالصاً لله، غير مشوب بتوجيه من سواه.
ولا ينخدع أحد بما يكون عند الكافرين والمنافقين من ظاهر العلم والتجربة والخبرة كما يسوغ بعض المسلمين لأنفسهم في فترات الضعف والانحراف فإن الله هو العليم الحكيم؛ وهو الذي اختار للمؤمنين منهجهم وفق علمه وحكمته: {إن الله كان عليماً حكيماً}.. وما عند البشر إلا قشور، وإلا قليل!
والتوجيه الثالث المباشر: {واتبع ما يوحى إليك من ربك}. فهذه هي الجهة التي تجيء منها التوجيهات، وهذا هو المصدر الحقيق بالاتباع. والنص يتضمن لمسات موحية تكمن في صياغة التعبير: {واتبع ما يوحى إليك من ربك}.
فالوحي {إليك} بهذا التخصيص. والمصدر {من ربك} بهذه الإضافة. فالاتباع هنا متعين بحكم هذه الموحيات الحساسة، فوق ما هو متعين بالأمر الصادر من صاحب الأمر المطاع.. والتعقيب: {إن الله كان بما تعملون خبيراً}.. فهو الذي يوحي عن خبرة بكم وبما تعملون؛ وهو الذي يعلم حقيقة ما تعملون، ودوافعكم إلى العمل من نوازع الضمير.
والتوجيه الأخير: {وتوكل على الله، وكفى بالله وكيلاً}.. فلا يهمنك أكانوا معك أم كانوا عليك؛ ولا تحفل كيدهم ومكرهم؛ وألق بأمرك كله إلى الله، يصرفه بعلمه وحكمته وخبرته.. ورد الأمر إلى الله في النهاية والتوكل عليه وحده، هو القاعدة الثابتة المطمئنة التي يفيء إليها القلب؛ فيعرف عندها حدوده، وينتهي إليها؛ ويدع ما وراءها لصاحب الأمر والتدبير، في ثقة وفي طمأنينة وفي يقين.
وهذه العناصر الثلاثة: تقوى الله. واتباع وحيه. والتوكل عليه مع مخالفة الكافرين والمنافقين هي العناصر التي تزود الداعية بالرصيد؛ وتقيم الدعوة على منهجها الواضح الخالص. من الله، وإلى الله، وعلى الله. {وكفى بالله وكيلاً}.
ويختم هذه التوجيهات بإيقاع حاسم مستمد من مشاهدة حسية:
{ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه}..
إنه قلب واحد، فلا بد له من منهج واحد يسير عليه. ولا بد له من تصور كلي واحد للحياة وللوجود يستمد منه. ولا بد له من ميزان واحد يزن به القيم، ويقوّم به الأحداث والأشياء. وإلا تمزق وتفرق ونافق والتوى، ولم يستقم على اتجاه.
ولا يملك الإنسان أن يستمد آدابه وأخلاقه من معين؛ ويستمد شرائعه وقوانينه من معين آخر؛ ويستمد أوضاعه الاجتماعية أو الاقتصادية من معين ثالث؛ ويستمد فنونه وتصوراته من معين رابع.. فهذا الخليط لا يكوّن إنساناً له قلب. إنما يكون مزقاً وأشلاء ليس لها قوام!
وصاحب العقيدة لا يملك أن تكون له عقيدة حقاً، ثم يتجرد من مقتضياتها وقيمها الخاصة في موقف واحد من مواقف حياته كلها، صغيراً كان هذا الموقف أم كبيراً. لا يملك أن يقول كلمة، أو يتحرك حركة، أو ينوي نية، أو يتصور تصوراً، غير محكوم في هذا كله بعقيدته إن كانت هذه العقيدة حقيقة واقعة في كيانه لأن الله لم يجعل له سوى قلب واحد، يخضع لناموس واحد، ويستمد من تصور واحد، ويزن بميزان واحد.
لا يملك صاحب العقيدة أن يقول عن فعل فعله: فعلت كذا بصفتي الشخصية. وفعلت كذا بصفتي الإسلامية! كما يقول رجال السياسة أو رجال الشركات. أو رجال الجمعيات الاجتماعية أو العلمية وما إليها في هذه الأيام! إنه شخص واحد له قلب واحد، تعمره عقيدة واحدة. وله تصور واحد للحياة، وميزان واحد للقيم. وتصوره المستمد من عقيدته متلبس بكل ما يصدر عنه، في كل حالة من حالاته على السواء.
وبهذا القلب الواحد يعيش فرداً، ويعيش في الأسرة، ويعيش في الجماعة، ويعيش في الدولة. ويعيش في العالم. ويعيش سراً وعلانية. ويعيش عاملاً وصاحب عمل. ويعيش حاكماً ومحكوماً. ويعيش في السراء والضراء.. فلا تتبدل موازينه، ولا تتبدل قيمه، ولا تتبدل تصوراته.. {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه}..
ومن ثم فهو منهج واحد، وطريق واحد، ووحي واحد، واتجاه واحد. وهو استسلام لله وحده. فالقلب الواحد لا يعبد إلهين، ولا يخدم سيدين، ولا ينهج نهجين، ولا يتجه اتجاهين. وما يفعل شيئاً من هذا إلا أن يتمزق ويتفرق ويتحول إلى أشلاء وركام!
وبعد هذا الإيقاع الحاسم في تعيين المنهج والطريق يأخذ في إبطال عادة الظهار وعادة التبني. ليقيم المجتمع على أساس الأسرة الواضح السليم المستقيم:
{وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم. وما جعل أدعياءكم أبناءكم. ذلكم قولكم بأفواهكم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله. فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم. وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم. وكان الله غفوراً رحيماً}..
كان الرجل في الجاهلية يقول لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي. أي حرام محرمة كما تحرم عليّ أمي. ومن ساعتئذ يحرم عليه وطؤها؛ ثم تبقى معلقة، لا هي مطلقة فتتزوج غيره، ولا هي زوجة فتحل له. وكان في هذا من القسوة ما فيه؛ وكان طرفاً من سوء معاملة المرأة في الجاهلية والاستبداد بها، وسومها كل مشقة وعنت.
فلما أخذ الإسلام يعيد تنظيم العلاقات الاجتماعية في محيط الأسرة؛ ويعتبر الأسرة هي الوحدة الاجتماعية الأولى؛ ويوليها من عنايته ما يليق بالمحضن الذي تنشأ فيه الأجيال.. جعل يرفع عن المرأة هذا الخسف؛ وجعل يصرف تلك العلاقات بالعدل واليسر. وكان مما شرعه هذه القاعدة: {وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم}.. فإن قولة باللسان لا تغير الحقيقة الواقعة، وهي أن الأم أم والزوجة زوجة؛ ولا تتحول طبيعة العلاقة بكلمة! ومن ثم لم يعد الظهار تحريماً أبدياً كتحريم الأم كما كان في الجاهلية.
وقد روي أن إبطال عادة الظهار شرع فيما نزل من سورة المجادلة عندما ظاهر أوس بن الصامت من زوجه خولة بنت ثعلبة، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو تقول؛: يا رسول الله، أكل مالي، وأفنى شبابي، ونثرت له بطني. حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي، ظاهر مني. فقال صلى الله عليه وسلم «ما أراك إلا قد حرمت عليه». فأعادت ذلك مراراً. فأنزل الله: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله}، {والله يسمع تحاوركما، إن الله سميع بصير. الذين يظاهرون منكم من نسائهم ماهن أمهاتهم، إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم، وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً. وإن الله لعفو غفور. والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به. والله بما تعملون خبير. فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا؛ فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله. وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم} فجعل الظهار تحريماً مؤقتاً للوطء لا مؤبداً ولا طلاقاً كفارته عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً. وبذلك تحل الزوجة مرة أخرى، وتعود الحياة الزوجية لسابق عهدها. ويستقر الحكم الثابت المستقيم على الحقيقة الواقعة: {وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم}.. وتسلم الأسرة من التصدع بسبب تلك العادة الجاهلية، التي كانت تمثل طرفاً من سوم المرأة الخسف والعنت، ومن اضطراب علاقات الأسرة وتعقيدها وفوضاها، تحت نزوات الرجال وعنجهيتهم في المجتمع الجاهلي.
هذه مسألة الظهار. فأما مسألة التبني، ودعوة الأبناء إلى غير آبائهم، فقد كانت كذلك تنشأ من التخلخل في بناء الأسرة، وفي بناء المجتمع كله.
ومع ما هو مشهور من الاعتزاز بالعفة في المجتمع العربي، والاعتزاز بالنسب، فإنه كانت توجد إلى جانب هذا الاعتزاز ظواهر أخرى مناقضة في المجتمع، في غير البيوت المعدودة ذات النسب المشهور.
كان يوجد في المجتمع أبناء لا يعرف لهن آباء! وكان الرجل يعجبه أحد هؤلاء فيتبناه. يدعوه ابنه، ويلحقه بنسبه، فيتوارث وإياه توارث النسب.
وكان هناك أبناء لهم آباء معروفون. ولكن كان الرجل يعجب بأحد هؤلاء فيأخذه لنفسه، ويتبناه، ويلحقه بنسبه، فيعرف بين الناس باسم الرجل الذي تبناه، ويدخل في أسرته. وكان هذا يقع بخاصة في السبي، حين يؤخذ الأطفال والفتيان في الحروب والغارات؛ فمن شاء أن يلحق بنسبه واحداً من هؤلاء دعاه ابنه، وأطلق عليه اسمه، وعرف به، وصارت له حقوق البنوة وواجباتها.
ومن هؤلاء زيد بن حارثة الكلبي. وهو من قبيلة عربية. سبي صغيراً في غارة أيام الجاهلية؛ فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة رضي الله عنها فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته له. ثم طلبه أبوه وعمه فخيره رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه، وتبناه، وكانوا يقولون عنه: زيد بن محمد. وكان أول من آمن به من الموالي.
فلما شرع الإسلام ينظم علاقات الأسرة على الأساس الطبيعي لها، ويحكم روابطها، ويجعلها صريحة لا خلط فيها ولا تشويه.. أبطل عادة التبني هذه؛ ورد علاقة النسب إلى أسبابها الحقيقية.. علاقات الدم والأبوة والبنوة الواقعية. وقال: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم}.. {ذلكم قولكم بأفواهكم}.. والكلام لا يغير واقعاً، ولا ينشئ علاقة غير علاقة الدم، وعلاقة الوراثة للخصائص التي تحملها النطفة، وعلاقة المشاعر الطبيعية الناشئة من كون الولد بضعة حية من جسم والده الحي!
{والله يقول الحق وهو يهدي السبيل}.
يقول الحق المطلق الذي لا يلابسه باطل. ومن الحق إقامة العلاقات على تلك الرابطة الحقة المستمدة من اللحم والدم، لا على كلمة تقال بالفم. {وهو يهدي السبيل} المستقيم، المتصل بناموس الفطرة الأصيل، الذي لا يغني غناءه سبيل آخر من صنع البشر، يصنعونه بأفواههم. بكلمات لا مدلول لها من الواقع. فتغلبها كلمة الحق والفطرة التي يقولها الله ويهدي بها السبيل.
{ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله}..
وإنه لقسط وعدل أن يدعى الولد لأبيه. عدل للوالد الذي نشأ هذا الولد من بضعة منه حية. وعدل للولد الذي يحمل اسم أبيه، ويرثه ويورثه، ويتعاون معه ويكون امتداداً له بوراثاته الكامنة، وتمثيله لخصائصه وخصائص آبائه وأجداده. وعدل للحق في ذاته الذي يضع كل شيء في مكانه؛ ويقيم كل علاقة على أصلها الفطري، ولا يضيع مزية على والد ولا ولد؛ كما أنه لا يحمل غير الوالد الحقيقي تبعة البنوة، ولا يعطيه مزاياها. ولا يحمل غير الولد الحقيقي تبعة البنوة ولا يحابيه بخيراتها!
وهذا هو النظام الذي يجعل التبعات في الأسرة متوازنة. ويقيم الأسرة على أساس ثابت دقيق مستمد من الواقع. وهو في الوقت ذاته يقيم بناء المجتمع على قاعدة حقيقية قوية بما فيها من الحق ومن مطابقة الواقع الفطري العميق.. وكل نظام يتجاهل حقيقة الأسرة الطبيعية هو نظام فاشل، ضعيف، مزور الأسس، لا يمكن أن يعيش!
ونظراً للفوضى في علاقات الأسرة في الجاهلية والفوضى الجنسية كذلك، التي تخلف عنها أن تختلط الأنساب، وأن يجهل الآباء في بعض الأحيان، فقد يسر الإسلام الأمر وهو بصدد إعادة تنظيم الأسرة، وإقامة النظام الاجتماعي على أساسها فقرر في حالة عدم الاهتداء إلى معرفة الآباء الحقيقيين مكاناً للأدعياء في الجماعة الإسلامية، قائماً على الأخوة في الدين والموالاة فيه:
{فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم}..
وهي علاقة أدبية شعورية؛ لا تترتب عليها التزامات محددة، كالتزام التوارث والتكافل في دفع الديات وهي التزامات النسب بالدم، التي كانت تلتزم كذلك بالتبني وذلك كي لا يترك هؤلاء الأدعياء بغير رابطة في الجماعة بعد إلغاء رابطة التبني.
وهذا النص: {فإن لم تعلموا آباءهم}.. يصور لنا حقيقة الخلخلة في المجتمع الجاهلي. وحقيقة الفوضى في العلاقات الجنسية. هذه الفوضى وتلك الخلخلة التي عالجها الإسلام بإقامة نظام الأسرة على أساس الأبوة. وإقامة نظام المجتمع على أساس الأسرة السليمة.
وبعد الاجتهاد في رد الأنساب إلى حقائقها فليس على المؤمنين من مؤاخذة في الحالات التي يعجزون عن الاهتداء فيها إلى النسب الصحيح:
{وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به؛ ولكن ما تعمدت قلوبكم}.
وهذه السماحة مردها إلى أن الله سبحانه وتعالى يتصف بالغفران والرحمة، فلا يعنت الناس بما لا يستطيعون: {وكان الله غفوراً رحيماً}..
ولقد شدد رسول الله صلى الله عليه وسلم في التثبت والتأكد من النسب لتوكيد جدية التنظيم الجديد الذي يلغي كل أثر للتخلخل الاجتماعي الجاهلي. وتوعد الذين يكتمون الحقيقة في الأنساب بوصمة الكفر. قال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم. حدثنا ابن علية. عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: قال أبو بكرة: رضي الله عنه قال الله عز وجل: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم}.. فأنا ممن لا يعرف أبوه؛ فأنا من إخوانكم في الدين.. قال أبي (من كلام عيينة بن عبد الرحمن): والله إني لأظنه لو علم أن أباه كان حماراً لانتمى إليه. وقد جاء في الحديث: «من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم إلا كفر». وهذا التشديد يتمشى مع عناية الإسلام بصيانة الأسرة وروابطها من كل شبهة ومن كل دخل؛ وحياطتها بكل أسباب السلامة والاستقامة والقوة والثبوت. ليقيم عليها بناء المجتمع المتماسك السليم النظيف العفيف.
بعد ذلك يقرر إبطال نظام المؤاخاة كما أبطل نظام التبني. ونظام المؤاخاة لم يكن جاهلياً؛ إنما هو نظام استحدثه الإسلام بعد الهجرة، لمواجهة حالة المهاجرين الذين تركوا أموالهم وأهليهم في مكة؛ ومواجهة الحالة كذلك بين المسلمين في المدينة ممن انفصلت علاقاتهم بأسرهم نتيجة لإسلامهم.. وذلك مع تقرير الولاية العامة للنبي صلى الله عليه وسلم وتقديمها على جميع ولايات النسب؛ وتقرير الأمومة الروحية بين أزواجه صلى الله عليه وسلم وجميع المؤمنين:
{النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم؛ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين. إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً. كان ذلك في الكتاب مسطوراً}..
لقد هاجر المهاجرون من مكة إلى المدينة، تاركين وراءهم كل شيء، فارين إلى الله بدينهم، مؤثرين عقيدتهم على وشائج القربى، وذخائر المال، وأسباب الحياة، وذكريات الطفولة والصبا، ومودات الصحبة والرفقة، ناجين بعقيدتهم وحدها، متخلين عن كل ما عداها. وكانوا بهذه الهجرة على هذا النحو، وعلى هذا الانسلاخ من كل عزيز على النفس، بما في ذلك الأهل والزوج والولد المثل الحي الواقع في الأرض على تحقق العقيدة في صورتها الكاملة، واستيلائها على القلب، بحيث لا تبقى فيه بقية لغير العقيدة. وعلى توحيد الشخصية الإنسانية لتصدق قول الله تعالى: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه}..
كذلك وقع في المدينة شيء من هذا في صورة أخرى. فقد دخل في الإسلام أفراد من بيوت، وظل آخرون فيها على الشرك.
فانبتت العلاقة بينهم وبين قرابتهم. ووقع على أية حال تخلخل في الروابط العائلية؛ وتخلخل أوسع منه في الارتباطات الاجتماعية.
وكان المجتمع الإسلامي لا يزال وليداً، والدولة الإسلامية الناشئة أقرب إلى أن تكون فكرة مسيطرة على النفس، من أن تكون نظاماً مستنداً إلى أوضاع مقررة.
هنا ارتفعت موجة من المد الشعوري للعقيدة الجديدة، تغطي على كل العواطف والمشاعر، وكل الأوضاع والتقاليد، وكل الصلات والروابط. لتجعل العقيدة وحدها هي الوشيجة التي تربط القلوب، وتربط في الوقت ذاته الوحدات التي انفصلت عن أصولها الطبيعية في الأسرة والقبيلة؛ فتقوم بينها مقام الدم والنسب، والمصلحة والصداقة والجنس واللغة وتمزج بين هذه الوحدات الداخلة في الإسلام، فتجعل منها كتلة حقيقية متماسكة متجانسة متعاونة متكافلة. لا بنصوص التشريع، ولا بأوامر الدولة؛ ولكن بدافع داخلي ومد شعوري. يتجاوز كل ما ألفه البشر في حياتهم العادية. وقامت الجماعة الإسلامية على هذا الأساس، حيث لم يكن مستطاعاً أن تقوم على تنظيم الدولة وقوة الأوضاع.
نزل المهاجرون على إخوانهم الأنصار، الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم؛ فاستقبلوهم في دورهم وفي قلوبهم، وفي أموالهم. وتسابقوا إلى إيوائهم؛ وتنافسوا فيهم حتى لم ينزل مهاجري في دار أنصاري إلا بقرعة. إذ كان عدد المهاجرين أقل من عدد الراغبين في إيوائهم من الأنصار. وشاركوهم كل شيء عن رضى نفس، وطيب خاطر، وفرح حقيقي مبرأ من الشح الفطري، كما هو مبرأ من الخيلاء والمراءاة!
وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجال من المهاجرين ورجال من الأنصار. وكان هذا الإخاء صلة فريدة في تاريخ التكافل بين أصحاب العقائد. وقام هذا الإخاء مقام أخوة الدم، فكان يشمل التوارث والالتزامات الأخرى الناشئة عن وشيجة النسب كالديات وغيرها.
وارتفع المد الشعوري في هذا إلى ذروة عالية؛ وأخذ المسلمون هذه العلاقة الجديدة مأخذ الجد شأنهم فيها شأنهم في كل ما جاءهم به الإسلام وقام هذا المد في إنشاء المجتمع الإسلامي وحياطته مقام الدولة المتمكنة والتشريع المستقر والأوضاع المسلمة. بل بما هو أكثر. وكان ضرورياً لحفظ هذه الجماعة الوليدة وتماسكها في مثل تلك الظروف الاستثنائية المتشابكة التي قامت فيها.
وإن مثل هذا المد الشعوري لضروري لنشأة كل جماعة تواجه مثل تلك الظروف، حتى توجد الدولة المتمكنة والتشريع المستقر والأوضاع المسلمة، التي توفر الضمانات الاستثنائية لحياة تلك الجماعة ونموها وحمايتها. وذلك إلى أن تنشأ الأحوال والأوضاع الطبيعية.
وإن الإسلام مع حفاوته بذلك المد الشعوري، واستبقاء ينابيعه في القلب مفتوحة دائماً فوارة دائماً، مستعدة للفيضان. لحريص على أن يقيم بناءه على أساس الطاقة العادية، للنفس البشرية لا على أساس الفورات الاسثنائية، التي تؤدي دورها في الفترات الاستثنائية؛ ثم تترك مكانها للمستوى الطبيعي، وللنظام العادي، متى انقضت فترة الضرورة الخاصة.
ومن ثم عاد القرآن الكريم بمجرد استقرار الأحوال في المدينة شيئاً ما بعد غزوة بدر، واستتباب الأمر للدولة الإسلامية، وقيام أوضاع اجتماعية مستقرة بعض الاستقرار، ووجود أسباب معقولة للارتزاق، وتوفر قدر من الكفاية للجميع على إثر السرايا التي جاءت بعد غزوة بدر الكبرى، وبخاصة ما غنمه المسلمون من أموال بني قينقاع بعد إجلائهم.. عاد القرآن الكريم بمجرد توفر هذه الضمانات إلى إلغاء نظام المؤاخاة من ناحية الالتزامات الناشئة من الدم والنسب، مستبقياً إياه من ناحية العواطف والمشاعر، ليعود إلى العمل إذا دعت الضرورة. ورد الأمور إلى حالتها الطبيعية في الجماعة الإسلامية. فرد الإرث والتكافل في الديات إلى قرابة الدم والنسب كما هي أصلاً في كتاب الله القديم وناموسه الطبيعي: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً. كان ذلك في الكتاب مسطوراً}..
وقرر في الوقت ذاته الولاية العامة للنبي صلى الله عليه وسلم وهي ولاية تتقدم على قرابة الدم، بل على قرابة النفس!: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}.. وقرر الأمومة الشعورية لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة لجميع المؤمنين: {وأزواجه أمهاتهم}..
وولاية النبي صلى الله عليه وسلم ولاية عامة تشمل رسم منهاج الحياة بحذافيرها، وأمر المؤمنين فيها إلى الرسول عليه صلوات الله وسلامه ليس لهم أن يختاروا إلا ما اختاره لهم بوحي من ربه: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به».
وتشمل مشاعرهم فيكون شخصه صلى الله عليه وسلم أحب إليهم من أنفسهم. فلا يرغبون بأنفسهم عنه؛ ولا يكون في قلوبهم شخص أو شيء مقدم على ذاته! جاء في الصحيح: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين» وفي الصحيح أيضاً أن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله، والله لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي. فقال صلى الله عليه وسلم: «لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك». فقال: يا رسول الله والله لأنت أحب إليّ من كل شيء حتى من نفسي. فقال صلى الله عليه وسلم: «الآن يا عمر».
وليست هذه كلمة تقال، ولكنها مرتقى عال، لا يصل إليه القلب إلا بلمسة لدنية مباشرة تفتحه على هذا الأفق السامي الوضيء؛ الذي يخلص فيه من جاذبية الذات وحبها المتوشج بالحنايا والشعاب. فإن الإنسان ليحب ذاته ويحب كل ما يتعلق بها حباً فوق ما يتصور، وفوق ما يدرك! وإنه ليخيل إليه أحياناً أنه طوّع مشاعره، وراض نفسه، وخفض من غلوائه في حب ذاته، ثم ما يكاد يمس في شخصيته بما يخدش اعتزازه بها، حتى ينتفض فجأة كما لو كانت قد لدغته أفعى! ويحس لهذه المسة لذعاً لا يملك انفعاله معه، فإن ملكه كمن في مشاعره، وغار في أعماقه! ولقد يروض نفسه على التضحية بحياته كلها؛ ولكنه يصعب عليه أن يروضها على تقبل المساس بشخصيته فيما يعده تصغيراً لها، أو عيباً لشيء من خصائصها، أو نقداً لسمة من سماتها، أو تنقصاً لصفة من صفاتها.
وذلك رغم ما يزعمه صاحبها من عدم احتفاله أو تأثره! والتغلب على هذا الحب العميق للذات ليس كلمة تقال باللسان، إنما هو كما قلنا مرتقى عال لا يصل إليه القلب إلا بلمسة لدنية؛ أو بمحاولة طويلة ومرانة دائمة، ويقظة مستمرة ورغبة مخلصة تستنزل عون الله ومساعدته. وهي الجهاد الأكبر كما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكفي أن عمر وهو من هو قد احتاج فيها إلى لفتة من النبي صلى الله عليه وسلم كانت هي اللمسة التي فتحت هذا القلب الصافي.
وتشمل الولاية العامة كذلك التزاماتهم. جاء في الصحيح.. «ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة. اقرأوا إن شئتم {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} فأيما مؤمن ترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا. وإن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتني فأنا مولاه» والمعنى أنه يؤدي عنه دينه إن مات وليس له مال يفي بدينه؛ ويعول عياله من بعده إن كانوا صغاراً.
وفيما عدا هذا فإن الحياة تقوم على أصولها الطبيعية التي لا تحتاج إلى مد شعوري عال، ولا إلى فورة شعورية استثنائية. مع الإبقاء على صلات المودة بين الأولياء بعد إلغاء نظام الإخاء. فلا يمتنع أن يوصي الولي لوليه بعد مماته؛ أو أن يهبه في حياته.. {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً}..
ويشد هذه الإجراءات كلها إلى العروة الأولى، ويقرر أن هذه إرادة الله التي سبق بها كتابه الأزلي: {كان ذلك في الكتاب مسطوراً}.. فتقر القلوب وتطمئن؛ وتستمسك بالأصل الكبير الذي يرجع إليه كل تشريع وكل تنظيم.
بذلك تستوي الحياة على أصولها الطبيعية؛ وتسير في يسر وهوادة؛ ولا تظل معلقة مشدودة إلى آفاق لا تبلغها عادة إلا في فترات استثنائية محدودة في حياة الجماعات والأفراد.
ثم يستبقي الإسلام ذلك الينبوع الفياض على استعداد للتفجر والفيضان، كلما اقتضت ذلك ضرورة طارئة في حياة الجماعة المسلمة.
وبمناسبة ما سطر في كتاب الله، وما سبقت به مشيئته، ليكون هو الناموس الباقي، والمنهج المطرد، يشير إلى ميثاق الله مع النبيين عامة، والنبي صلى الله عليه وسلم وأولي العزم من الرسل خاصة، في حمل أمانة هذا المنهج، والاستقامة عليه، وتبليغه للناس، والقيام عليه في الأمم التي أرسلوا إليها؛ وذلك حتى يكون الناس مسؤولين عن هداهم وضلالهم وإيمانهم وكفرهم، بعد انقطاع الحجة بتبليغ الرسل عليهم صلوات الله وسلامه:
{وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم، ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم؛ وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً}.


في معترك الحياة ومصطرع الأحداث كانت الشخصية المسلمة تصاغ. ويوماً بعد يوم وحدثاً بعد حدث كانت هذه الشخصية تنضج وتنمو، وتتضح سماتها. وكانت الجماعة المسلمة التي تتكون من تلك الشخصيات تبرز إلى الوجود بمقوماتها الخاصة، وقيمها الخاصة. وطابعها المميز بين سائر الجماعات.
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحياناً درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطاً مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والاستجابة؛ ويربيها يوماً بعد يوم، وحادثاً بعد حادث؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجاً صحيحاً، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة!
ولقد كانت فترة عجيبة حقاً تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فترة اتصال السماء بالأرض اتصالاً مباشراً ظاهراً، مبلوراً في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفاً للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غداً أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول: أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. وياله من أمر هائل عجيب! ياله من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير!
لقد كانت فترة عجيبة حقاً، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال!
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة.
بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلاً، ندركها ونتدبرها؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة؛ ويصف موقفاً من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة، الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة مع الاختصار المناسب ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه؛ وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال: بإسناده عن جماعة:
إنه كان من حديث الخندق أن نفراً من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة بن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه. فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً} إلى قوله: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيراً} فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشاً قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة؛ فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتساباً له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم} ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي صلى الله عليه وسلم: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم} ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نَقْمَى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سَلع في ثلاثة آلاف من المسلمين؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام (أي الحصون).
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قومه؛ وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب (أي ما زال يروضه ويخاتله) حتى سمح له على أن أعطاه عهداً وميثاقاً: لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمداً أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك.
فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث: يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو وذلك عن ملأ من رجال قومه فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام عليه المشركون بضعاً وعشرين ليلة، قريباً من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل؛ بعث إلى سعد بن معاذ (سيد الأوس) وسعد بن عبادة (سيد الخزرج) فذكر ذلك لهما. واستشارهما فيه، فقالا له: يا رسول الله، أمراً تحبه فنصنعه؟ أم شيئاً أمرك الله به لا بد لنا من العمل به؟ أم شيئاً تصنعه لنا؟ قال: «بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما». فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعاً. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، و�


هذا الدرس الثالث في سورة الأحزاب خاص بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فيما عدا الاستطراد الأخير لبيان جزاء المسلمين كافة والمسلمات ولقد سبق في أوائل السورة تسميتهن أمهات المؤمنين. ولهذه الأمومة تكاليفها. وللمرتبة السامية التي استحققن بها هذه الصفة تكاليفها. ولمكانتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم تكاليفها. وفي هذا الدرس بيان لشيء من هذه التكاليف؛ وإقرار للقيم التي أراد الله لبيت النبوة الطاهر أن يمثلها، وأن يقوم عليها، وأن يكون فيها منارة يهتدي بها السالكون.
{يا أيها النبي، قل لأزواجك: إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً. وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة، فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً}..
لقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه ولأهل بيته معيشة الكفاف، لا عجزاً عن حياة المتاع، فقد عاش حتى فتحت له الأرض، وكثرت غنائمها، وعم فيؤها، واغتنى من لم يكن له من قبل مال ولا زاد! ومع هذا فقد كان الشهر يمضي ولا توقد في بيوته نار. مع جوده بالصدقات والهبات والهدايا. ولكن ذلك كان اختياراً للاستعلاء على متاع الحياة الدنيا ورغبة خالصة فيما عند الله. رغبة الذي يملك ولكنه يعف ويستعلي ويختار.. ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكلفاً من عقيدته ولا من شريعته أن يعيش مثل هذه المعيشة التي أخذ بها نفسه وأهل بيته، فلم تكن الطيبات محرمة في عقيدته وشريعته؛ ولم يحرمها على نفسه حين كانت تقدم إليه عفواً بلا تكلف، وتحصل بين يديه مصادفة واتفاقاً، لا جرياً وراءها ولا تشهياً لها، ولا انغماساً فيها ولا انشغالاً بها.. ولم يكلف أمته كذلك أن تعيش عيشته التي اختارها لنفسه، إلا أن يختارها من يريد، استعلاء على اللذائذ والمتاع؛ وانطلاقاً من ثقلتها إلى حيث الحرية التامة من رغبات النفس وميولها.
ولكن نساء النبي صلى الله عليه وسلم كن نساء، من البشر، لهن مشاعر البشر. وعلى فضلهن وكرامتهن وقربهن من ينابيع النبوة الكريمة، فإن الرغبة الطبيعية في متاع الحياة ظلت حية في نفوسهن. فلما أن رأين السعة والرخاء بعدما أفاض الله على رسوله وعلى المؤمنين راجعن النبي صلى الله عليه وسلم في أمر النفقة. فلم يستقبل هذه المراجعة بالترحيب، إنما استقبلها بالأسى وعدم الرضى؛ إذ كانت نفسه صلى الله عليه وسلم ترغب في أن تعيش فيما اختاره لها من طلاقة وارتفاع ورضى؛ متجردة من الانشغال بمثل ذلك الأمر والاحتفال به أدنى احتفال؛ وأن تظل حياته وحياة من يلوذون به على ذلك الأفق السامي الوضيء المبرأ من كل ظل لهذه الدنيا وأوشابها.
لا بوصفه حلالاً وحراماً فقد تبين الحلال والحرام ولكن من ناحية التحرر والانطلاق والفكاك من هواتف هذه الأرض الرخيصة!
ولقد بلغ الأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم من مطالبة نسائه له بالنفقة أن احتجب عن أصحابه. وكان احتجابه عنهم أمراً صعباً عليهم يهون كل شيء دونه. وجاءوا فلم يؤذن لهم. روى الإمام أحمد بإسناده عن جابر رضي الله عنه قال: أقبل أبو بكر رضي الله عنه يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ببابه جلوس، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، فلم يؤذن له. ثم أقبل عمر رضي الله عنه فاستأذن فلم يؤذن له. ثم أذن لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فدخلا، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس وحوله نساؤه. وهو صلى الله عليه وسلم ساكت. فقال عمر رضي الله عنه: لأكلمن النبي صلى الله عليه وسلم لعله يضحك. فقال عمر رضي الله عنه يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد امرأة عمر سألتني النفقة آنفاً فوجأت عنقها! فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، وقال: «هن حولي يسألنني النفقة»! فقام أبو بكر رضي الله عنه إلى عائشة ليضربها، وقام عمر رضي الله عنه إلى حفصة، كلاهما يقولان: تسألان النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده؟! فنهاهما الرسول صلى الله عليه وسلم فقلن: والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا المجلس ما ليس عنده.. قال: وأنزل الله عز وجل الخيار، فبدأ بعائشة رضي الله عنها فقال: «إني أذكر لك أمراً ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك» قالت: وما هو؟ قال: فتلا عليها {يا أيها النبي قل لأزواجك}.. الآية. قالت عائشة رضي الله عنها: أفيك أستأمر أبويَّ؟ بل أختار الله تعالى ورسوله. وأسألك ألا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت. فقال صلى الله عليه وسلم «إن الله تعالى لم يبعثني معنفاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً. لا تسألني امرأة منهم عما اخترت إلا أخبرتها».
وفي رواية البخاري بإسناده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءها حين أمره الله تعالى أن يخبر أزواجه. قالت: فبدأ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إني ذاكر لك أمراً فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك»وقد علم أن أبويَّ لم يكونا يأمراني بفراقه قالت: ثم قال: إن الله تعالى قال: {يا أيها النبي قل لأزواجك} إلى تمام الآيتين. فقلت له: ففي أيّ هذا أستأمر أبويّ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة.
لقد جاء القرآن الكريم ليحدد القيم الأساسية في تصور الإسلام للحياة. هذه القيم التي ينبغي أن تجد ترجمتها الحية في بيت النبي صلى الله عليه وسلم وحياته الخاصة؛ وأن تتحقق في أدق صورة وأوضحها في هذا البيت الذي كان وسيبقى منارة للمسلمين وللإسلام حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
ونزلت آيتا التخيير تحددان الطريق. فإما الحياة الدنيا وزينتها، وإما الله ورسوله والدار الآخرة. فالقلب الواحد لا يسع تصورين للحياة. وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.
وقد كانت نساء النبي صلى الله عليه وسلم قد قلن: والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا المجلس ما ليس عنده. فنزل القرآن ليقرر أصل القضية. فليست المسألة أن يكون عنده أو لا يكون. إنما المسألة هي اختيار الله ورسوله والدار الآخرة كلية، أو اختيار الزينة والمتاع. سواء كانت خزائن الأرض كلها تحت أيديهن أم كانت بيوتهن خاوية من الزاد. وقد اخترن الله ورسوله والدار الآخرة اختياراً مطلقاً بعد هذا التخيير الحاسم. وكن حيث تؤهلهن مكانتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ذلك الأفق العالي الكريم اللائق ببيت الرسول العظيم. وفي بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم فرح بهذا الاختيار.
ونحب أن نقف لحظات أمام هذا الحادث نتدبره من بعض زواياه.
إنه يحدد التصور الإسلامي الواضح القيم؛ ويرسم الطريق الشعوري للإحساس بالدنيا والآخرة. ويحسم في القلب المسلم كل أرجحة وكل لجلجة بين قيم الدنيا وقيم الآخرة؛ بين الاتجاه إلى الأرض والاتجاه إلى السماء. ويخلص هذا القلب من كل وشيجة غريبة تحول بينه وبين التجرد لله والخلوص له وحده دون سواه.
هذا من جانب ومن الجانب الآخر يصور لنا هذا الحادث حقيقة حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين عاشوا معه واتصلوا به. وأجمل ما في هذه الحقيقة أن تلك الحياة كانت حياة إنسان وحياة ناس من البشر؛ لم يتجردوا من بشريتهم ومشاعرهم وسماتهم الإنسانية. مع كل تلك العظمة الفريدة البالغة التي ارتفعوا إليها؛ ومع كل هذا الخلوص لله والتجرد مما عداه. فالمشاعر الإنسانية والعواطف البشرية لم تمت في تلك النفوس.
ولكنها ارتفعت، وصفت من الأوشاب. ثم بقيت لها طبيعتها البشرية الحلوة، ولم تعوق هذه النفوس عن الارتفاع إلى أقصى درجات الكمال المقدر للإنسان.
وكثيراً ما نخطئ نحن حين نتصور للنبي صلى الله عليه وسلم ولصحابته رضوان الله عليهم صورة غير حقيقية، أو غير كاملة، نجردهم فيها من كل المشاعر والعواطف البشرية، حاسبين أننا نرفعهم بهذا وننزههم عما نعده نحن نقصاً وضعفاً!
وهذا الخطأ يرسم لهم صورة غير واقعية، صورة ملفعة بهالات غامضة لا نتبين من خلالها ملامحهم الإنسانية الأصيلة. ومن ثم تنقطع الصلة البشرية بيننا وبينهم. وتبقى شخوصهم في حِسِّنا بين تلك الهالات أقرب إلى الأطياف التي لا تلمس ولا تتماسك في الأيدي! ونشعر بهم كما لو كانوا خلقا آخر غيرنا.. ملائكة أو خلقاً مثلهم مجرداً من مشاعر البشر وعواطفهم على كل حال! ومع شفافية هذه الصورة الخيالية فإنها تبعدهم عن محيطنا، فلا نعود نتأسى بهم أو نتأثر. يأساً من إمكان التشبه بهم أو الاقتداء العملي في الحياة الواقعية. وتفقد السيرة بذلك أهم عنصر محرك، وهو استجاشة مشاعرنا للأسوة والتقليد. وتحل محلها الروعة والانبهار، اللذان لا ينتجان إلا شعوراً مبهماً غامضاً سحرياً ليس له أثر عملي في حياتنا الواقعية.. ثم نفقد كذلك التجاوب الحي بيننا وبين هذه الشخصيات العظيمة. لأن التجاوب إنما يقع نتيجة لشعورنا بأنهم بشر حقيقيون، عاشوا بعواطف ومشاعر وانفعالات حقيقية من نوع المشاعر والعواطف والانفعالات التي نعانيها نحن. ولكنهم هم ارتقوا بها وصفوها من الشوائب التي تخالج مشاعرنا.
وحكمة الله واضحة في أن يختار رسله من البشر، لا من الملائكة ولا من أي خلق آخر غير البشر. كي تبقى الصلة الحقيقية بين حياة الرسل وحياة أتباعهم قائمة؛ وكي يحس أتباعهم أن قلوبهم كانت تعمرها عواطف ومشاعر من جنس مشاعر البشر وعواطفهم، وإن صفت ورفت وارتقت. فيحبوهم حب الإنسان للإنسان؛ ويطمعوا في تقليدهم تقليد الإنسان الصغير للإنسان الكبير.
وفي حادث التخيير نقف أمام الرغبة الطبيعية في نفوس نساء النبي صلى الله عليه وسلم في المتاع؛ كما نقف أمام صورة الحياة البيتية للنبي صلى الله عليه وسلم ونسائه رضي الله عنهن وهن أزواج يراجعن زوجهن في أمر النفقة! فيؤذيه هذا، ولكنه لا يقبل من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أن يضربا عائشة وحفصة على هذه المراجعة. فالمسألة مسألة مشاعر وميول بشرية، تُصفى وتُرفع، ولكنها لا تخمد ولا تكبت! ويظل الأمر كذلك حتى يأتيه أمر الله بتخيير نسائه. فيخترن الله ورسوله والدار الآخرة، اختياراً لا إكراه فيه ولا كبت ولا ضغط؛ فيفرح قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم بارتفاع قلوب أزواجه إلى هذا الأفق السامي الوضيء.
ونقف كذلك أمام تلك العاطفة البشرية الحلوة في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحب عائشة حباً ظاهراً؛ ويحب لها أن ترتفع إلى مستوى القيم التي يريدها الله له ولأهل بيته فيبدأ بها في التخيير؛ ويريد أن يساعدها على الارتفاع والتجرد؛ فيطلب إليها ألا تعجل في الأمر حتى تستشير أبويها وقد علم أنهما لم يكونا يأمرانها بفراقه كما قالت وهذه العاطفة الحلوة في قلب النبي صلى الله عليه وسلم لا تخطئ عائشة رضي الله عنها من جانبها في إدراكها؛ فتسرها وتحفل بتسجيلها في حديثها. ومن خلال هذا الحديث يبدو النبي صلى الله عليه وسلم إنسانا يحب زوجه الصغيرة، فيحب لها أن ترتفع إلى أفقه الذي يعيش فيه؛ وتبقى معه على هذا الأفق، تشاركه الشعور بالقيم الأصيلة في حسه، والتي يريدها له ربه ولأهل بيته. كذلك تبدو عائشة رضي الله عنها إنسانة يسرها أن تكون مكينة في قلب زوجها؛ فتسجل بفرح حرصه عليها، وحبه لها، ورغبته في أن تستعين بأبويها على اختيار الأفق الأعلى فتبقى معه على هذا الأفق الوضيء. ثم نلمح مشاعرها الأنثوية كذلك، وهي تطلب إليه ألا يخبر أزواجه الأخريات أنها اختارته حين يخيرهن! وما في هذا الطلب من رغبة في أن يظهر تفردها في هذا الاختيار، وميزتها على بقية نسائه، أو على بعضهن في هذا المقام!.. وهنا نلمح عظمة النبوة من جانب آخر في رد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول لها: «إن الله تعالى لم يبعثني معنفاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً. لا تسألني واحدة منهن عما اخترت إلا أخبرتها». فهو لا يود أن يحجب عن إحدى نسائه ما قد يعينها على الخير؛ ولا يمتحنها امتحان التعمية والتعسير؛ بل يقدم العون لكل من تريد العون. كي ترتفع على نفسها، وتتخلص من جواذب الأرض ومغريات المتاع!
هذه الملامح البشرية العزيزة ينبغي لنا ونحن نعرض السيرة ألا نطمسها، وألا نهملها، وألا نقلل من قيمتها. فإدراكها على حقيقتها هو الذي يربط بيننا وبين شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وشخصيات أصحابه رضي الله عنهم برباط حي، فيه من التعاطف والتجاوب ما يستجيش القلب إلى التأسي العملي والاقتداء الواقعي.
ونعود بعد هذا الاستطراد إلى النص القرآني. فنجده بعد تحديد القيم في أمر الدنيا والآخرة؛ وتحقيق قوله تعالى: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} في صورة عملية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته.. نجده بعد هذا البيان يأخذ في بيان الجزاء المدخر لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وفيه خصوصية لهن وعليهن، تناسب مقامهن الكريم، ومكانهن من رسول الله المختار:
{يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيراً.
ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحاً نؤتها أجرها مرتين، وأعتدنا لها رزقاً كريماً}...
إنها تبعة المكان الكريم الذي هن فيه. وهن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن أمهات المؤمنين. وهذه الصفة وتلك كلتاهما ترتبان عليهن واجبات ثقيلة، وتعصمانهن كذلك من مقارفة الفاحشة. فإذا فرض وقارفت واحدة منهن فاحشة مبينة واضحة لاخفاء فيها، كانت مستحقة لضعفين من العذاب. وذلك فرض يبين تبعة المكان الكريم الذي هن فيه.. {وكان ذلك على الله يسيراً}.. لا تمنعه ولا تصعبه مكانتهن من رسول الله المختار. كما قد يتبادر إلى الأذهان!
{ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحاً}.. والقنوت الطاعة والخضوع. والعمل الصالح هو الترجمة العملية للطاعة والخضوع.. {نؤتها أجرها مرتين}.. كما أن العذاب يضاعف للمقارفة ضعفين. {وأعتدنا لها رزقاً كريماً}.. فهو حاضر مهيأ ينتظرها فوق مضاعفة الأجر. فضلاً من الله ومنة.
ثم يبين لأمهات المؤمنين اختصاصهن بما ليس لغيرهن من النساء؛ ويقرر واجباتهن في معاملة الناس، وواجبهن في عبادة الله، وواجبهن في بيوتهن؛ ويحدثهن عن رعاية الله الخاصة لهذا البيت الكريم، وحياطته وصيانته من الرجس؛ ويذكرهن بما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة، مما يلقي عليهن تبعات خاصة، ويفردهن بين نساء العالمين:
{يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن. فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض؛ وقلن قولاً معروفاً. وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى؛ وأقمن الصلاة وآتين الزكاة، وأطعن الله ورسوله، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً. واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة. إن الله كان لطيفاً خبيراً}..
لقد جاء الإسلام فوجد المجتمع العربي كغيره من المجتمعات في ذلك الحين ينظر إلى المرأة على أنها أداة للمتاع، وإشباع الغريزة. ومن ثم ينظر إليها من الناحية الإنسانية نظرة هابطة.
كذلك وجد في المجتمع نوعاً من الفوضى في العلاقات الجنسية. ووجد نظام الأسرة مخلخلاً على نحو ما سبق بيانه في السورة.
هذا وذلك إلى هبوط النظرة إلى الجنس؛ وانحطاط الذوق الجمالي؛ والاحتفال بالجسديات العارمة، وعدم الالتفات إلى الجمال الرفيع الهادئ النظيف.. يبدو هذا في أشعار الجاهليين حول جسد المرأة، والتفاتاتهم إلى أغلظ المواضع فيه، وإلى أغلظ معانيه!
فلما أن جاء الإسلام أخذ يرفع من نظرة المجتمع إلى المرأة؛ ويؤكد الجانب الإنساني في علاقات الجنسين؛ فليست هي مجرد إشباع لجوعة الجسد، وإطفاء لفورة اللحم والدم، إنما هي اتصال بين كائنين إنسانيين من نفس واحدة، بينهما مودة ورحمة، وفي اتصالهما سكن وراحة؛ ولهذا الاتصال هدف مرتبط بإرادة الله في خلق الإنسان، وعمارة الأرض، وخلافة هذا الإنسان فيها بسنة الله.
كذلك أخذ يعنى بروابط الأسرة؛ ويتخذ منها قاعدة للتنظيم الاجتماعي؛ ويعدها المحضن الذي تنشأ فيه الأجيال وتدرج؛ ويوفر الضمانات لحماية هذا المحضن وصيانته، ولتطهيره كذلك من كل ما يلوث جوه من المشاعر والتصورات.
والتشريع للأسرة يشغل جانباً كبيراً من تشريعات الإسلام، وحيزاً ملحوظاً من آيات القرآن. وإلى جوار التشريع كان التوجيه المستمر إلى تقوية هذه القاعدة الرئيسية التي يقوم عليها المجتمع؛ وبخاصة فيما يتعلق بالتطهر الروحي، وبالنظافة في علاقات الجنسين، وصيانتها من كل تبذل، وتصفيتها من عرامة الشهوة، حتى في العلاقات الجسدية المحضة.
وفي هذه السورة يشغل التنظيم الاجتماعي وشؤون الأسرة حيزاً كبيراً. وفي هذه الآيات التي نحن بصددها حديث إلى نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتوجيه لهن في علاقتهن بالناس، وفي خاصة أنفسهن، وفي علاقتهن بالله. توجيه يقول لهن الله فيه: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً}.
فلننظر في وسائل إذهاب الرجس، ووسائل التطهر، التي يحدثهن الله سبحانه عنها، ويأخذهن بها. وهن أهل البيت، وزوجات النبي صلى الله عليه وسلم وأطهر من عرفت الأرض من النساء. ومن عداهن من النساء أحوج إلى هذه الوسائل ممن عشن في كنف رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيته الرفيع.
إنه يبدأ بإشعار نفوسهن بعظيم مكانهن، ورفيع مقامهن، وفضلهن على النساء كافة، وتفردهن بذلك المكان بين نساء العالمين. على أن يوفين هذا المكان حقه، ويقمن فيه بما يقتضيه:
{يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن}..
لستن كأحد من النساء إن اتقيتن.. فأنتن في مكان لا يشارككن فيه أحد، ولا تشاركن فيه أحداً. ولكن ذلك إنما يكون بالتقوى. فليست المسألة مجرد قرابة من النبي صلى الله عليه وسلم بل لا بد من القيام بحق هذه القرابة في ذات أنفسكن.
وذلك هو الحق الصارم الحاسم الذي يقوم عليه هذا الدين؛ والذي يقرره رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ينادي أهله ألا يغرهم مكانهم من قرابته، فإنه لا يملك لهم من الله شيئاً: «يا فاطمة ابنة محمد. يا صفية ابنة عبد المطلب. يا بني عبد المطلب. لا أملك لكم من الله شيئاً. سلوني من مالي ما شئتم».
وفي رواية أخرى: «يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار. فإني والله لا أملك لكم من الله شيئاً، إلا أن لكم رحماً سأبلها ببلاها.».
وبعد أن يبين لهن منزلتهن التي ينلنها بحقها، وهو التقوى، يأخذ في بيان الوسائل التي يريد الله أن يذهب بها الرجس عن أهل البيت ويطهرهم تطهيراً:
{فلا تخضعن بالقول، فيطمع الذي في قلبه مرض}..
ينهاهن حين يخاطبن الأغراب من الرجال أن يكون في نبراتهن ذلك الخضوع اللين الذي يثير شهوات الرجال، ويحرك غرائزهم، ويطمع مرضى القلوب ويهيج رغائبهم!
ومن هن اللواتي يحذرهن الله هذا التحذير؛ إنهن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين، اللواتي لا يطمع فيهن طامع، ولا يرف عليهن خاطر مريض، فيما يبدو للعقل أول مرة. وفي أي عهد يكون هذا التحذير؟ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الصفوة المختارة من البشرية في جميع الأعصار.. ولكن الله الذي خلق الرجال والنساء يعلم أن في صوت المرأة حين تخضع بالقول، وتترقق في اللفظ، ما يثير الطمع في قلوب، ويهيج الفتنة في قلوب. وأن القلوب المريضة التي تثار وتطمع موجودة في كل عهد، وفي كل بيئة، وتجاه كل امرأة، ولو كانت هي زوج النبي الكريم، وأم المؤمنين. وأنه لا طهارة من الدنس، ولا تخلص من الرجس، حتى تمتنع الأسباب المثيرة من الأساس.
فكيف بهذا المجتمع الذي نعيش اليوم فيه. في عصرنا المريض الدنس الهابط، الذي تهيج فيه الفتن وتثور فيه الشهوات، وترف فيه الأطماع؟ كيف بنا في هذا الجو الذي كل شيء فيه يثير الفتنة، ويهيج الشهوة وينبه الغريزة، ويوقظ السعار الجنسي المحموم؟ كيف بنا في هذا المجتمع، في هذا العصر، في هذا الجو، ونساء يتخنثن في نبراتهن، ويتميعن في أصواتهن، ويجمعن كل فتنة الأنثى، وكل هتاف الجنس، وكل سعار الشهوة؛ ثم يطلقنه في نبرات ونغمات؟! وأين هن من الطهارة؟ وكيف يمكن أن يرف الطهر في هذا الجو الملوث. وهن بذواتهن وحركاتهن وأصواتهن ذلك الرجس الذي يريد الله أن يذهبه عن عباده المختارين؟!
{وقلن قولاً معروفاً}..
نهاهن من قبل عن النبرة اللينة واللهجة الخاضعة؛ وأمرهن في هذه أن يكون حديثهن في أمور معروفة غير منكرة؛ فإن موضوع الحديث قد يطمع مثل لهجة الحديث. فلا ينبغي أن يكون بين المرأة والرجل الغريب لحن ولا إيماء، ولا هذر ولا هزل، ولا دعابة ولا مزاح، كي لا يكون مدخلاً إلى شيء آخر وراءه من قريب أو من بعيد.
والله سبحانه الخالق العليم بخلقه وطبيعة تكوينهم هو الذي يقول هذا الكلام لأمهات المؤمنين الطاهرات. كي يراعينه في خطاب أهل زمانهن خير الأزمنة على الإطلاق!
{وقرن في بيوتكن}..
من وقر. يقر.
أي ثقل واستقر. وليس معنى هذا الأمر ملازمة البيوت فلا يبرحنها إطلاقاً. إنما هي إيماءة لطيفة إلى أن يكون البيت هو الأصل في حياتهن، وهو المقر وما عداه استثناء طارئاً لا يثقلن فيه ولا يستقررن. إنما هي الحاجة تقضى، وبقدرها.
والبيت هو مثابة المرأة التي تجد فيها نفسها على حقيقتها كما أرادها الله تعالى. غير مشوهة ولا منحرفة ولا ملوثة، ولا مكدودة في غير وظيفتها التي هيأها الله لها بالفطرة.
ولكي يهيئ الإسلام للبيت جوه ويهيئ للفراخ الناشئة فيه رعايتها، أوجب على الرجل النفقة، وجعلها فريضة، كي يتاح للأم من الجهد، ومن الوقت، ومن هدوء البال، ما تشرف به على هذه الفراخ الزغب، وما تهيئ به للمثابة نظامها وعطرها وبشاشتها. فالأم المكدودة بالعمل للكسب، المرهقة بمقتضيات العمل، المقيدة بمواعيده، المستغرقة الطاقة فيه.. لا يمكن أن تهب للبيت جوه وعطره، ولا يمكن أن تمنح الطفولة النابتة فيه حقها ورعايتها. وبيوت الموظفات والعاملات ما تزيد على جو الفنادق والخانات؛ وما يشيع فيها ذلك الأرج الذي يشيع في البيت. فحقيقة البيت لا توجد إلا أن تخلقها امرأة، وأرج البيت لا يفوح إلا أن تطلقه زوجة، وحنان البيت لا يشيع إلا أن تتولاه أم. والمرأة أو الزوجة أو الأم التي تقضي وقتها وجهدها وطاقتها الروحية في العمل لن تطلق في جو البيت إلا الإرهاق والكلال والملال.
وإن خروج المرأة لتعمل كارثة على البيت قد تبيحها الضرورة. أما أن يتطوع بها الناس وهم قادرون على اجتنابها، فتلك هي اللعنة التي تصيب الأرواح والضمائر والعقول، في عصور الانتكاس والشرور والضلال.
فأما خروج المرأة لغير العمل. خروجها للاختلاط ومزاولة الملاهي. والتسكع في النوادي والمجتمعات.. فذلك هو الارتكاس في الحمأة الذي يرد البشر إلى مراتع الحيوان!
ولقد كان النساء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرجن للصلاة غير ممنوعات شرعاً من هذا. ولكنه كان زمان فيه عفة، وفيه تقوى، وكانت المرأة تخرج إلى الصلاة متلفعة لا يعرفها أحد، ولا يبرز من مفاتنها شيء. ومع هذا فقد كرهت عائشة لهن أن يخرجن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم!
في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان نساء المؤمنين يشهدن الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرجعن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس.
وفي الصحيحين أيضاً أنها قالت: لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن من المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل!
فماذا أحدث النساء في حياة عائشة رضي الله عنها؟ وماذا كان يمكن أن يحدثن حتى ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مانعهن من الصلاة؟! ماذا بالقياس إلى ما نراه في هذه الأيام؟!
{ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى}.
ذلك حين الاضطرار إلى الخروج، بعد الأمر بالقرار في البيوت. ولقد كانت المرأة في الجاهلية تتبرج. ولكن جميع الصور التي تروى عن تبرج الجاهلية الأولى تبدو ساذجة أو محتشمة حين تقاس إلى تبرج أيامنا هذه في جاهليتنا الحاضرة!
قال مجاهد: كانت المرأة تخرج تمشي بين الرجال. فذلك تبرج الجاهلية!
وقال قتادة: وكانت لهن مشية تكسر وتغنج. فنهى الله تعالى عن ذلك!
وقال مقاتل بن حيان: والتبرج أنها تلقي الخمار على رأسها ولا تشده فيداري قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها. وذلك التبرج!
وقال ابن كثير في التفسير: كانت المرأة منهن تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء؛ وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها. فأمر الله المؤمنات أن يستترن في هيئاتهن وأحوالهن.
هذه هي صور التبرج في الجاهلية التي عالجها القرآن الكريم. ليطهر المجتمع الإسلامي من آثارها ويبعد عنه عوامل الفتنة، ودواعي الغواية؛ ويرفع أدابه وتصوراته ومشاعره وذوقه كذلك!
ونقول: ذوقه.. فالذوق الإنساني الذي يعجب بمفاتن الجسد العاري ذوق بدائي غليظ. وهو من غير شك أحط من الذوق الذي يعجب بجمال الحشمة الهادئ، وما يشيء به من جمال الروح، وجمال العفة، وجمال المشاعر.
وهذا المقياس لا يخطئ في معرفة ارتفاع المستوى الإنساني وتقدمه. فالحشمة جميلة جمالاً حقيقياً رفيعاً. ولكن هذا الجمال الراقي لا يدركه أصحاب الذوق الجاهلي الغليظ، الذي لا يرى إلا جمال اللحم العاري، ولا يسمع إلا هتاف اللحم الجاهر!
ويشير النص القرآني إلى تبرج الجاهلية، فيوحي بأن هذا التبرج من مخلفات الجاهلية. التي يرتفع عنها من تجاوز عصر الجاهلية، وارتفعت تصوراته ومثله ومشاعره عن تصورات الجاهلية ومثلها ومشاعرها.
والجاهلية ليست فترة معينة من الزمان. إنما هي حالة اجتماعية معينة، ذات تصورات معينة للحياة. ويمكن أن توجد هذه الحالة، وأن يوجد هذا التصور في أي زمان وفي أي مكان، فيكون دليلاً على الجاهلية حيث كان!
وبهذا المقياس نجد أننا نعيش الآن في فترة جاهلية عمياء، غليظة الحس، حيوانية التصور، هابطة في درك البشرية إلى حضيض مهين. وندرك أنه لا طهارة ولا زكاة ولا بركة في مجتمع يحيا هذه الحياة؛ ولا يأخذ بوسائل التطهر والنظافة التي جعلها الله سبيل البشرية إلى التطهر من الرجس، والتخلص من الجاهلية الأولى؛ وأخذ بها، أول من أخذ، أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم على طهارته ووضاءته ونظافته.
والقرآن الكريم يوجه نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلى تلك الوسائل؛ ثم يربط قلوبهن بالله، ويرفع أبصارهن إلى الأفق الوضيء الذي يستمددن منه النور، والعون على التدرج في مراقي ذلك الأفق الوضيء:
{وأقمن الصلاة، وآتين الزكاة، وأطعن الله ورسوله}.
وعبادة الله ليست بمعزل عن السلوك الاجتماعي أو الأخلاقي في الحياة؛ إنما هي الطريق للارتفاع إلى ذلك المستوى؛ والزاد الذي يقطع به السالك الطريق. فلا بد من صلة بالله يأتي منها المدد والزاد. ولا بد من صلة بالله تطهر القلب وتزكيه. ولا بد من صلة بالله يرتفع بها الفرد على عرف الناس وتقاليد المجتمع وضغط البيئة؛ ويشعر أنه أهدى وأعلى من الناس والمجتمع والبيئة. وأنه حري أن يقود الآخرين إلى النور الذي يراه؛ لا أن يقوده الآخرون إلى الظلمات وإلى الجاهلية التي تغرق فيها الحياة، كلما انحرفت عن طريق الله.
والإسلام وحدة تجمع الشعائر والآداب والأخلاق والتشريعات والنظم.. كلها في نطاق العقيدة. ولكل منها دور تؤديه في تحقيق هذه العقيدة؛ وتتناسق كلها في اتجاه واحد؛ ومن هذا التجمع والتناسق يقوم الكيان العام لهذا الدين. وبدونهما لا يقوم هذا الكيان.
ومن ثم كان الأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله، هو خاتمة التوجيهات الشعورية والأخلاقية والسلوكية لأهل البيت الكريم. لأنه لا يقوم شيء من تلك التوجيهات بغير العبادة والطاعة.. وكل ذلك لحكمة وقصد وهدف:
{إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً}..
وفي التعبير إيحاءات كثيرة، كلها رفاف، رفيق، حنون..
فهو يسميهم {أهل البيت} بدون وصف للبيت ولا إضافة. كأنما هذا البيت هو البيت الواحد في هذا العالم، المستحق لهذه الصفة. فإذا قيل: البيت فقد عرف وحدد ووصف. ومثل هذا قيل عن الكعبة. بيت الله. فسميت البيت. والبيت الحرام. فالتعبير عن بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك تكريم وتشريف واختصاص عظيم.
وهو يقول: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً}.. وفي العبارة تلطف ببيان علة التكليف وغايته. تلطف يشي بأن الله سبحانه يشعرهم بأنه بذاته العلية يتولى تطهيرهم وإذهاب الرجس عنهم. وهي رعاية علوية مباشرة بأهل هذا البيت. وحين نتصور من هو القائل سبحانه وتعالى رب هذا الكون. الذي قال للكون: كن. فكان. الله ذو الجلال والإكرام. المهيمن العزيز الجبار المتكبر.. حين نتصور من هو القائل جل وعلا ندرك مدى هذا التكريم العظيم.
وهو سبحانه يقول هذا في كتابه الذي يتلى في الملأ الأعلى، ويتلى في هذه الأرض، في كل بقعة وفي كل أوان؛ وتتعبد به ملايين القلوب، وتتحرك به ملايين الشفاه.
وأخيراً فإنه يجعل تلك الأوامر والتوجيهات وسيلة لإذهاب الرجس وتطهير البيت. فالتطهير من التطهر، وإذهاب الرجس يتم بوسائل يأخذ الناس بها أنفسهم، ويحققونها في واقع الحياة العملي. وهذا هو طريق الإسلام.. شعور وتقوى في الضمير.
وسلوك وعمل في الحياة. يتم بهما معاً تمام الإسلام، وتتحقق بهما أهدافه واتجاهاته في الحياة.
ويختم هذه التوجيهات لنساء النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ما بدأها به.. بتذكيرهن بعلو مكانتهن، وامتيازهن على النساء، بمكانهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما أنعم الله عليهن فجعل بيوتهن مهبط القرآن ومنزل الحكمة، ومشرق النور والهدى والإيمان:
{واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة. إن الله كان لطيفاً خبيراً}..
وإنه لحظ عظيم يكفي التذكير به، لتحس النفس جلالة قدره، ولطيف صنع الله فيه، وجزالة النعمة التي لا يعدلها نعيم.
وهذا التذكير يجيء كذلك في ختام الخطاب الذي بدأ بتخيير نساء النبي صلى الله عليه وسلم بين متاع الحياة الدنيا وزينتها، وإيثار الله ورسوله والدار الآخرة. فتبدو جزالة النعمة التي ميزهن الله بها؛ وضآلة الحياة الدنيا بمتاعها كله وزينتها..
وفي صدد تطهير الجماعة الإسلامية، وإقامة حياتها على القيم التي جاء بها الإسلام. الرجال والنساء في هذا سواء. لأنهم في هذا المجال سواء.. يذكر الصفات التي تحقق تلك القيم في دقة وإسهاب وتفصيل:
{إن المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، والقانتين والقانتات، والصادقين والصادقات، والصابرين والصابرات، والخاشعين والخاشعات، والمتصدقين والمتصدقات، والصائمين والصائمات، والحافظين فروجهم والحافظات، والذاكرين الله كثيراً والذاكرات.. أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً}..
وهذه الصفات الكثيرة التي جمعت في هذه الآية تتعاون في تكوين النفس المسلمة. فهي الإسلام، والإيمان، والقنوت، والصدق، والصبر، والخشوع، والتصدق، والصوم، وحفظ الفروج، وذكر الله كثيراً.. ولكل منها قيمته في بناء الشخصية المسلمة.
والإسلام: الاستسلام، والإيمان التصديق. وبينهما صلة وثيقة أو أن أحدهما هو الوجه الثاني للآخر. فالاستسلام إنما هو مقتضى التصديق. والتصديق الحق ينشأ عنه الاستسلام.
والقنوت: الطاعة الناشئة من الإسلام والإيمان، عن رضى داخلي لا عن إكراه خارجي.
والصدق: هو الصفة التي يخرج من لا يتصف بها من صفوف الأمة المسلمة لقوله تعالى: {إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله} فالكاذب مطرود من الصف. صف هذه الأمة الصادقة.
والصبر: هو الصفة التي لا يستطيع المسلم حمل عقيدته والقيام بتكاليفها إلا بها. وهي تحتاج إلى الصبر في كل خطوة من خطواتها. الصبر على شهوات النفس، وعلى مشاق الدعوة، وعلى أذى الناس. وعلى التواء النفوس وضعفها وانحرافها وتلونها. وعلى الابتلاء والامتحان والفتنة. وعلى السراء والضراء، والصبر على كلتيهما شاق عسر.
والخشوع: صفة القلب والجوارح، الدالة على تأثر القلب بجلال الله، واستشعار هيبته وتقواه.
والتصدق: وهو دلالة التطهر من شح النفس، والشعور بمرحمة الناس، والتكافل في الجماعة المسلمة. والوفاء بحق المال. وشكر المنعم على العطاء.
والصوم: والنص يجعله صفة من الصفات إشارة إلى اطراده وانتظامه. وهو استعلاء على الضرورات، وصبر عن الحاجات الأولية للحياة.

1 | 2