سورة المائدة - تفسير في ظلال القرآن

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
تفسير السورة  
الصفحة الرئيسية > القرآن الكريم > تفسير السورة   (المائدة)


        


{يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود}..
إنه لا بد من ضوابط للحياة.. حياة المرء مع نفسه التي بين جنبيه؛ وحياته مع غيره من الناس ومن الأحياء والأشياء عامة.. الناس من الأقربين والأبعدين، من الأهل والعشيرة، ومن الجماعة والأمة؛ ومن الأصدقاء والأعداء.. والأحياء مما سخر الله للإنسان ومما لم يسخر.. والأشياء مما يحيط بالإنسان في هذا الكون العريض.. ثم.. حياته مع ربه ومولاه وعلاقته به وهي أساس كل حياة.
والإسلام يقيم هذه الضوابط في حياة الناس. يقيمها ويحددها بدقة ووضوح؛ ويربطها كلها بالله سبحانه؛ ويكفل لها الاحترام الواجب، فلا تنتهك، ولا يستهزأ بها؛ ولا يكون الأمر فيها للأهواء والشهوات المتقلبة؛ ولا للمصالح العارضة التي يراها فرد، أو تراها مجموعة أو تراها أمة، أو يراها جيل من الناس فيحطمون في سبيلها تلك الضوابط.. فهذه الضوابط التي أقامها الله وحددها هي المصلحة ما دام أن الله هو الذي أقامها للناس.. هي المصلحة ولو رأى فرد، أو رأت مجموعة أو رأت أمة من الناس أو جيل أن المصلحة غيرها! فالله يعلم والناس لا يعلمون! وما يقرره الله خير لهم مما يقررون! وأدنى مراتب الأدب مع الله- سبحانه- أن يتهم الإنسان تقديره الذاتي للمصلحة أمام تقدير الله. أما حقيقة الأدب فهي ألا يكون له تقدير إلا ما قدر الله. وألا يكون له مع تقدير الله، إلا الطاعة والقبول والاستسلام، مع الرضى والثقة والاطمئنان..
هذه الضوابط يسميها الله العقود.. ويأمر الذين آمنوا به أن يوفوا بهذه العقود..
وافتتاح هذه السورة بالأمر بالوفاء بالعقود، ثم المضي بعد هذا الافتتاح في بيان الحلال والحرام من الذبائح والمطاعم والمشارب والمناكح. وفي بيان الكثير من الأحكام الشرعية والتعبدية. وفي بيان حقيقة العقيدة الصحيحة. وفي بيان حقيقة العبودية وحقيقة الألوهية. وفي بيان علاقات الأمة المؤمنة بشتى الأمم والملل والنحل. وفي بيان تكاليف الأمة المؤمنة في القيام لله والشهادة بالقسط والوصاية على البشرية بكتابها المهيمن على كل الكتب قبلها، والحكم فيها بما أنزل الله كله؛ والحذر من الفتنة عن بعض ما أنزل الله؛ والحذر من عدم العدل تأثراً بالمشاعر الشخصية والمودة والشنآن..
افتتاح السورة على هذا النحو، والمضي فيها على هذا النهج يعطي كلمة العقود معنى أوسع من المعنى الذي يتبادر إلى الذهن لأول وهلة. ويكشف عن أن المقصود بالعقود هو كل ضوابط الحياة التي قررها الله.. وفي أولها عقد الإيمان بالله؛ ومعرفة حقيقة ألوهيته سبحانه، ومقتضى العبودية لألوهيته.. هذا العقد الذي تنبثق منه، وتقوم عليه سائر العقود؛ وسائر الضوابط في الحياة.
وعقد الإيمان بالله؛ والاعتراف بألوهيته وربوبيته وقوامته؛ ومقتضيات هذا الاعتراف من العبودية الكاملة، والالتزام الشامل والطاعة المطلقة والاستسلام العميق.
هذا العقد أخذه الله ابتداء على آدم- عليه السلام- وهو يسلمه مقاليد الخلافة في الأرض، بشرط وعقد هذا نصه القرآني: {قلنا: اهبطوا منها جميعاً. فإما يأتينكم مني هدى، فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} فهي خلافة مشروطة باتباع هدى الله الذي ينزله في كتبه على رسله؛ وإلا فهي المخالفة لعقد الخلافة والتمليك. المخالفة التي تجعل كل عمل مخالف لما أنزل الله، باطلاً بطلاناً أصلياً، غير قابل للتصحيح المستأنف! وتحتم على كل مؤمن بالله، يريد الوفاء بعقد الله، أن يرد هذا الباطل، ولا يعترف به؛ ولا يقبل التعامل على أساسه. وإلا فما أوفى بعقد الله.
ولقد تكرر هذا العقد- أو هذا العهد- مع ذرية آدم. وهم بعد في ظهور آبائهم. كما ورد في السورة الأخرى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا! أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. أو تقولوا: إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم. أفتهلكنا بما فعل المبطلون؟} فهذا عقد آخر مع كل فرد؛ عقد يقرر الله- سبحانه- أنه أخذه على بني آدم كلهم وهم في ظهور آبائهم.. وليس لنا أن نسأل: كيف؟ لأن الله أعلم بخلقه؛ وأعلم كيف يخاطبهم في كل طور من أطوار حياتهم. بما يلزمهم الحجة. وهو يقول: إنه أخذ عليهم هذا العهد، على ربوبيته لهم.. فلا بد أن ذلك كان، كما قال الله سبحانه.. فإذا لم يفوا بتعاقدهم هذا مع ربهم لم يكونوا أوفياء!
ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل- كما سيجيء في السورة- يوم نتق الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم.. وسنعلم- من السياق- كيف لم يفوا بالميثاق؛ وكيف نالهم من الله ما ينال كل من ينقض الميثاق.
والذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم قد تعاقدوا مع الله- على يديه- تعاقداً عاماً على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله.
وبعضهم وقعت له بعد ذلك عقود خاصة قائمة على ذلك التعاقد العام.. ففي بيعة العقبة الثانية التي ترتبت عليها هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، كان هناك عقد مع نقباء الأنصار.. وفي الحديبية كان هناك عقد الشجرة وهو(بيعة الرضوان).
وعلى عقد الإيمان بالله، والعبودية لله، تقوم سائر العقود.. سواء ما يختص منها بكل أمر وكل نهي في شريعة الله، وما يتعلق بكل المعاملات مع الناس والأحياء والأشياء في هذا الكون في حدود ما شرع الله- فكلها عقود ينادي الله الذين آمنوا، بصفتهم هذه، أن يوفوا بها.
إذ أن صفة الإيمان ملزمة لهم بهذا الوفاء، مستحثة لهم كذلك على الوفاء.. ومن ثم كان هذا النداء:
{يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود}..
ثم يأخذ في تفصيل بعض هذه العقود:
{يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود.. أحلت لكم بهيمة الأنعام- إلا ما يتلى عليكم- غير محلِّي الصيد وأنتم حرم. إن الله يحكم ما يريد.. يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله، ولا الشهر الحرام، ولا الهدي، ولا القلائد، ولا آمَّين البيت الحرام يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً. وإذا حللتم فاصطادوا، ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا. وتعاونوا على البر والتقوى. ولا تعانوا على الإثم والعدوان. واتقوا الله. إن الله شديد العقاب. حرمت عليكم الميتة، والدم ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع إلا- ما ذكيتم- وما ذبح على النصب، وأن تستقسموا بالأزلام. ذلكم فسق.. اليوم يئس الذين كفروا من دينكم، فلا تخشوهم واخشون.. اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام ديناً.. فمن اضطر في مخمصة- غير متجانف لإثم- فإن الله غفور رحيم}..
إن هذا التحريم والتحليل في الذبائح، وفي الأنواع، وفي الأماكن، وفي الأوقات.. إن هذا كله من العقود.. وهي عقود قائمة على عقد الإيمان ابتداء. فالذين آمنوا يقتضيهم عقد الإيمان أن يتلقوا التحريم والتحليل من الله وحده؛ ولا يتلقوا في هذا شيئاً من غيره.. ومن ثم نودوا هذا النداء، في مطلع هذا البيان.. وأخذ بعده في بيان الحلال والحرام:
{أحلت لكم بهيمة الأنعام- إلا ما يتلى عليكم-}..
وبمقتضي هذا الإحلال من الله؛ وبمقتضى إذنه هذا وشرعه- لا من أي مصدر آخر ولا استمداداً من أي أصل آخر- صار حلالاً لكم ومباحاً أن تأكلوا من كل ما يدخل تحت مدلول {بهيمة الأنعام} من الذبائح والصيد- إلا ما يتلى عليكم تحريمه منها- وهو الذي سيرد ذكره محرماً.. إما حرمة وقتية أو مكانية؛ وإما حرمة مطلقة في أي مكان وفي أي زمان. وبهيمة الأنعام تشمل الإبل والبقر والغنم؛ ويضاف إليها الوحشي منها، كالبقر الوحشي، والحمر الوحشية والظباء.
ثم يأخذ في الاستثناء من هذا العموم.. وأول المستثنيات الصيد في حال الإحرام:
{غير محلِّي الصيد وأنتم حرم}..
والتحريم هنا ينطبق ابتداء على عملية الصيد ذاتها. فالإحرام للحج أو للعمرة، تجرد عن أسباب الحياة العادية وأساليبها المألوفة وتوجه إلى الله في بيته الحرام، الذي جعله الله مثابة الأمان.
ومن ثم ينبغي عنده الكف عن بسط الأكف إلى أي حي من الأحياء.. وهي فترة نفسية ضرورية للنفس البشرية؛ تستشعر فيها صلة الحياة بين جميع الأحياء في واهب الحياة؛ وتأمن فيها وتؤمن كذلك من كل اعتداء؛ وتتخفف من ضرورات المعاش التي أحل من أجلها صيد الطير والحيوان واكله؛ لترتفع في هذه الفترة على مألوف الحياة وأساليبها، وتتطلع إلى هذا الأفق الرفاف الوضيء.
وقبل أن يمضي السياق في بيان المستثنيات من حكم الحل العام، يربط هذا العقد بالعقد الأكبر، ويذكر الذين آمنوا بمصدر ذلك الميثاق:
{إن الله يحكم ما يريد}..
طليقة مشيئته، حاكمة إرادته، متفرداً- سبحانه- بالحكم وفق ما يريد. ليس هنالك من يريد معه؛ وليس هنالك من يحكم بعده؛ ولا راد لما يحكم به.. وهذا هو حكمه في حل ما يشاء وحرمة ما يشاء..
ثم يستأنف نداء الذين آمنوا لينهاهم عن استحلال حرمات الله:
{يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله. ولا الشهر الحرام. ولا الهدي. ولا القلائد. ولا آمِّين البيت الحرام يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً. وإذا حللتم فاصطادوا..}.
وأقرب ما يتجه إليه الذهن في معنى {شعائر الله} في هذا المقام أنها شعائر الحج والعمرة وما تتضمنه من محرمات على المحرم للحج او العمرة حتى ينتهي حجه بنحر الهدي الذي ساقه إلى البيت الحرام؛ فلا يستحلها المحرم في فترة إحرامه؛ لأن استحلالها فيه استهانة بحرمة الله الذي شرع هذه الشعائر. وقد نسبها السياق القرآني إلى الله تعظيماً لها، وتحذيراً من استحلالها.
والشهر الحرام يعني الأشهر الحرم؛ وهي رجب، وذو القعدة، وذو الحجة والمحرم. وقد حرم الله فيها القتال- وكانت العرب قبل الإسلام تحرمها- ولكنها تتلاعب فيها وفق الأهواء؛ فينسئونها- أي يؤجلونها- بفتوى بعض الكهان، أو بعض زعماء القبائل القوية! من عام إلى عام. فلما جاء الإسلام شرع الله حرمتها، وأقام هذه الحرمة على أمر الله، يوم خلق الله السماوات والأرض كما قال في آية التوبة: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم. ذلك الدين القيم..} وقرر أن النسيء زيادة في الكفر. واستقام الأمر فيها على أمر الله.. ما لم يقع الاعتداء فيها على المسلمين، فإن لهم حينئذ ان يردوا الاعتداء؛ وألا يدعوا المعتدين يحتمون بالأشهر الحرم- وهم لا يرعون حرمتها- ويتترسون خلفها للنيل من المسلمين، ثم يذهبون ناجين! وبين الله حكم القتال في الأشهر الحرم كما مر بنا في سورة البقرة.
والهدي وهو الذبيحة التي يسوقها الحاج أو المعتمر؛ وينحرها في آخر أيام الحج أو العمرة، فينهي بها شعائر حجه أو عمرته، وهي نافة أو بقرة أو شاة.
وعدم حلها معناه ألا ينحرها لأي غرض آخر غير ما سيقت له؛ ولا ينحرها إلا يوم النحر في الحج وعند انتهاء العمرة في العمرة. ولا ينتفع من لحومها وجلودها وأشعارها وأوبارها بشيء؛ بل يجعلها كلها للفقراء.
والقلائد. وهي الأنعام المقلدة التي يقلدها أصحابها- أي يضعون في رقبتها قلادة- علامة على نذرها لله؛ ويطلقونها ترعى حتى تنحر في موعد النذر ومكانه- ومنها الهدي الذي يُشعر: أي يعلم بعلامة الهدْي ويطلق إلى موعد النحر- فهذه القلائد يحرم احلالها بعد تقليدها؛ فلا تنحر إلا لما جعلت له.. وكذلك قيل: إن القلائد هي ما كان يتقلد به من يريدون الأمان من ثأر أو عدو أو غيره؛ فيتخذون من شجر الحرم ما يتقلدون به، وينطلقون في الأرض لا يبسط أحد يده إليهم بعدوان- وأصحاب هذا القول قالوا: إن ذلك قد نسخ بقول الله فيما بعد: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} وقوله: {فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم} والأظهر القول الأول؛ وهو أن القلائد هي الأنعام المقلدة للنذور لله؛ وقد جاء ذكرها بعد ذكر الهدْي المقلد للنحر للحج أو العمرة، للمناسبة بين هذا وذاك.
كذلك حرم الله آمّين البيت الحرام يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً.. وهم الذين يقصدون البيت الحرام للتجارة الحلال وطلب الرضوان من الله.. حجاجاً أو غير حجاج.. وأعطاهم الأمان في حرمة بيته الحرام.
ثم أحل الصيد متى انتهت فترة الإحرام، في غير البيت الحرام، فلا صيد في البيت الحرام:
{وإذا حللتم فاصطادوا}..
إنها منطقة الأمان يقيمها الله في بيته الحرام؛ كما يقيم فترة الأمان في الأشهر الحرم.. منطقة يأمن فيها الناس والحيوان والطير والشجر أن ينالها الأذى. وأن يروعها العدوان.. إنه السلام المطلق يرفرف على هذا البيت؛ استجابة لدعوة إبراهيم- أبي هذه الأمة الكريم- ويرفرف على الأرض كلها أربعة أشهر كاملة في العام في- ظل الإسلام- وهو سلام يتذوق القلب البشري حلاوته وطمأنينته وأمنه؛ ليحرص عليه- بشروطه- وليحفظ عقد الله وميثاقه، وليحاول أن يطبقه في الحياة كلها على مدار العام، وفي كل مكان..
وفي جو الحرمات وفي منطقة الأمان، يدعو الله الذين آمنوا به، وتعاقدوا معه، أن يفوا بعقدهم؛ وأن يرتفعوا إلى مستوى الدور الذي ناطه بهم... دور القوامة على البشرية؛ بلا تأثر بالمشاعر الشخصية، والعواطف الذاتية، والملابسات العارضة في الحياة.. يدعوهم ألا يعتدوا حتى على الذين صدوهم عن المسجد الحرام في عام الحديبية؛ وقبله كذلك؛ وتركوا في نفوس المسلمين جروحاً وندوباً من هذا الصد؛ وخلفوا في قلوبهم الكره والبغض. فهذا كله شيء؛ وواجب الأمة المسلمة شيء آخر. شيء يناسب دورها العظيم:
{ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا.
وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان. واتقوا الله، إن الله شديد العقاب}..
إنها قمة في ضبط النفس؛ وفي سماحة القلب.. ولكنها هي القمة التي لا بد أن ترقى إليها الأمة المكلفة من ربها أن تقوم على البشرية لتهديها وترتفع بها إلى هذا الأفق الكريم الوضيء.
إنها تبعة القيادة والقوامة والشهادة على الناس.. التبعة التي لا بد أن ينسى فيها المؤمنون ما يقع على أشخاصهم من الأذى ليقدموا للناس نموذجاً من السلوك الذي يحققه الإسلام، ومن التسامي الذي يصنعه الإسلام. وبهذا يؤدون للإسلام شهادة طيبة؛ تجذب الناس إليه وتحببهم فيه.
وهو تكليف ضخم؛ ولكنه- في صورته هذه- لا يعنت النفس البشرية، ولا يحملها فوق طاقتها. فهو يعترف لها بأن من حقها أن تغضب، ومن حقها أن تكره. ولكن ليس من حقها أن تعتدي في فورة الغضب ودفعة الشنآن.. ثم يجعل تعاون الأمة المؤمنة في البر والتقوى؛ لا في الإثم والعدوان؛ ويخوفها عقاب الله، ويأمرها بتقواه، لتستعين بهذه المشاعر على الكبت والضبط، وعلى التسامي والتسامح، تقوى لله، وطلباً لرضاه.
ولقد استطاعت التربية الإسلامية، بالمنهج الرباني، أن تروض نفوس العرب على الانقياد لهذه المشاعر القوية، والاعتياد لهذا السلوك الكريم.. وكانت أبعد ما تكون عن هذا المستوى وعن هذا الاتجاه.. كان المنهج العربي المسلوك والمبدأ العربي المشهور: أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً.. كانت حمية الجاهلية، ونعرة العصبية. كان التعاون على الإثم والعدوان أقرب وأرجح من التعاون على البر والتقوى؛ وكان الحلف على النصرة، في الباطل قبل الحق. وندر أن قام في الجاهلية حلف للحق. وذلك طبيعي في بيئة لا ترتبط بالله؛ ولا تستمد تقاليدها ولا أخلاقها من منهج الله وميزان الله.. يمثل ذلك كله ذلك المبدأ الجاهلي المشهور: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً.. وهو المبدأ الذي يعبر عنه الشاعر الجاهلي في صورة أخرى، وهو يقول:
وهل أنا إلا من غزية إن غوت *** غويت، وإن ترشد غزية أرشد!
ثم جاء الإسلام.. جاء المنهج الرباني للتربية.. جاء ليقول للذين آمنوا:
{ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا. وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان. واتقوا الله، إن الله شديد العقاب}..
جاء ليربط القلوب بالله؛ وليربط موازين القيم والأخلاق بميزان الله. جاء ليخرج العرب- ويخرج البشرية كلها- من حمية الجاهلية، ونعرة العصبية، وضغط المشاعر والانفعالات الشخصية والعائلية والعشائرية في مجال التعامل مع الأصدقاء والأعداء..
وولد الإنسان من جديد في الجزيرة العربية.. ولد الإنسان الذي يتخلق بأخلاق الله.. وكان هذا هو المولد الجديد للعرب؛ كما كان هو المولد الجديد للإنسان في سائر الأرض.. ولم يكن قبل الإسلام في الجزيرة إلا الجاهلية المتعصبة العمياء: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً.
كذلك لم يكن في الأرض كلها إلا هذه الجاهلية المتعصبة العمياء!
والمسافة الشاسعة بين درك الجاهلية، وأفق الإسلام؛ هي المسافة بين قول الجاهلية المأثور: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً. وقول الله العظيم: {ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا. وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}.
وشتان شتان!
ثم يأخذ السياق في تفصيل ما استثناه في الآية الأولى من السورة من حل بهيمة الأنعام:
{حرمت عليكم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع- إلا ما ذكيتم- وما ذبح على النصب، وأن تستقسموا بالأزلام.. ذلكم فسق.. اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون. اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام ديناً.. فمن اضطر في مخمصة- غير متجانف لإثم- فإن الله غفور رحيم}.
والميتة والدم ولحم الخنزير، سبق بيان حكمها، وتعليل هذا الحكم في حدود ما يصل إليه العلم البشري بحكمة التشريع الإلهي، عند استعراض آية سورة البقرة الخاصة بهذه المحرمات (ص156- ص 157 من الجزء الثاني من الظلال) وسواء وصل العلم البشري إلى حكمة هذا التحريم أم لم يصل، فقد قرر العلم الإلهي أن هذه المطاعم ليست طيبة؛ وهذا وحده يكفي. فالله لا يحرم إلا الخبائث. وإلا ما يؤذي الحياة البشرية في جانب من جوانبها. سواء علم الناس بهذا الأذى أو جهلوه.. وهل علم الناس كل ما يؤذي وكل ما يفيد؟!
وأما ما أهل لغير الله به، فهو محرم لمناقضته ابتداء للإيمان. فالإيمان يوحد الله، ويفرده- سبحانه- بالألوهية ويرتب على هذا التوحيد مقتضياته. وأول هذه المقتضيات أن يكون التوجه إلى الله وحده بكل نية وكل عمل؛ وأن يهل باسمه- وحده- في كل عمل وكل حركة؛ وأن تصدر باسمه- وحده- كل حركة وكل عمل. فما يهل لغير الله به؛ وما يسمى عليه بغير اسم الله (وكذلك ما لا يذكر اسم الله عليه ولا اسم أحد) حرام؛ لأنه ينقض الإيمان من أساسه؛ ولا يصدر ابتداء عن إيمان.. فهو خبيث من هذه الناحية؛ يلحق بالخبائث الحسية من الميتة والدم ولحم الخنزير.
وأما المنخنقة


في نهاية الدرس الماضي، ذكر الله المسلمين بميثاقهم الذي واثقهم به؛ وذكرهم نعمته التي أنعم بها عليهم في هذا الميثاق. ذلك كي يؤدوا من جانبهم ما استحفظوا عليه؛ ويتقوا أن ينقضوا ميثاقهم معه.
فالآن يستغرق هذا الدرس كله في استعراض مواقف أهل الكتاب من مواثيقهم؛ واستعراض ما حل بهم من العقاب نتيجة نقضهم لهذه المواثيق؛ لتكون هذه- من جانب- تذكرة للجماعة المسلمة ماثلة من بطون التاريخ، ومن واقع أهل الكتاب قبلهم، وليكشف الله- من جانب- عن سنته التي لا تتخلف ولا تحابي أحداً. ومن الجانب الثالث ليكشف عن حقيقة أهل الكتاب وحقيقة موقفهم؛ وذلك لإبطال كيدهم في الصف المسلم؛ وإحباط مناوراتهم ومؤامراتهم؛ التي يلبسونها ثوب التمسك بدينهم؛ وهم في الحقيقة قد نقضوا هذا الدين من قبل؛ ونقضوا ما عاهدوا الله عليه..
ويحتوى هذا الدرس على استعراض ميثاق الله مع قوم موسى، عند إنقاذهم من الذل في مصر؛ ثم نقضهم لهذا الميثاق؛ وما حاق بهم نتيجة نقضهم له؛ وما أصابهم من اللعنة والطرد من مجال الهدى والنعمة.. وعلى استعراض ميثاق الله مع الذين قالوا: إنا نصارى. ونتيجة نقضهم له من إغراء العداوة بين فرقهم المختلفة إلى يوم القيامة. ثم على استعراض موقف اليهود أمام الأرض المقدسة التي أعطاهم الله ميثاقه أن يدخلوها، فنكصوا على أعقابهم وجبنوا عن تكاليف ميثاق الله معهم. وقالوا لموسى {فاذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون}..
ويتخلل هذا الاستعراض للمواثيق ومواقف أهل الكتاب منها، كشف لما وقع في عقائد اليهود والنصارى من انحراف نتيجة نقضهم لهذه المواثيق؛ التي عاهدهم الله فيها على توحيده والإسلام له؛ في مقابل ما أعطاهم من النعم، وما ضمن لهم من التمكين؛ فأبوا ذلك كله على أنفسهم؛ فباءوا باللعنة والفرقة والتشريد..
كذلك يتضمن دعوتهم من جديد إلى الهدى.. الهدى الذي جاءتهم به الرسالة الأخيرة؛ وجاءهم به الرسول الأخير. ودحض ما قد يدعونه من حجة في أنه طال عليهم الأمد، ومرت بهم فترة طويلة منذ آخر أنبيائهم، فنسوا ولبس عليهم الأمر.. فها هو ذا قد جاءهم بشير ونذير. فسقطت الحجة، وقام الدليل.
ومن خلال هذه الدعوة، تتبين وحدة دين الله- في أساسه- ووحده ميثاق الله مع جميع عباده: أن يؤمنوا به، ويوحدوه، ويؤمنوا برسله دون تفريق بينهم، وينصروهم، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، وينفقوا في سبيل الله من رزق الله.. فهو الميثاق الذي يقرر العقيدة الصحيحة، ويقرر العبادة الصحيحة، ويقرر أسس النظام الاجتماعي الصحيح..
فالآن نأخذ في استعراض هذه الحقائق كما وردت في السياق القرآني الكريم:
{ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل، وبعثنا منهم اثنى عشر نقيباً.
وقال الله: إني معكم. لئن أقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وآمنتم برسلي، وعزرتموهم؛ وأقرضتم الله قرضاً حسناً.. لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار. فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل.. فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم؛ وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه، ونسوا حظاً مما ذكروا به، ولا تزال تطلع على خائنة منهم- إلا قليلاً منهم- فاعف عنهم واصفح، إن الله يحب المحسنين}..
{ومن الذين قالوا: إنا نصارى


يأخذ هذا الدرس في بيان بعض الأحكام التشريعية الأساسية في الحياة البشرية. وهي الأحكام المتعلقة بحماية النفس والحياة في المجتمع المسلم المحكوم بمنهج الله وشريعته. وحماية النظام العام وصيانته من الخروج عليه، وعلى السلطة التي تقوم عليه بأمر الله، في ظل شريعة الله؛ وعلى الجماعة المسلمة التي تعيش في ظل الشريعة الإسلامية والحكم الإسلامي. وحماية المال والملكية الفردية في هذا المجتمع، الذي يقوم نظامه الاجتماعي كله على شريعة الله.
وتستغرق هذه الأحكام المتعلقة بهذه الأمور الجوهرية في حياة المجتمع هذا الدرس؛ مع تقدمة لهذه الأحكام بقصة {ابني آدم} الت�

1 | 2 | 3