روائع مختارة | روضة الدعاة | السيرة النبوية | الرسول صلى الله عليه وسلم.. والصومال

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
روائع مختارة
الصفحة الرئيسية > روائع مختارة > روضة الدعاة > السيرة النبوية > الرسول صلى الله عليه وسلم.. والصومال


  الرسول صلى الله عليه وسلم.. والصومال
     عدد مرات المشاهدة: 1865        عدد مرات الإرسال: 0

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القدوة والمثَلَ في كل أمر، وفي أمر إغاثة الملهوفين، ونجدة المكروبين؛ فعن أنس بن مالك قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَحْسَنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَاجِعًا وَقَدْ سَبَقَهُمْ إلى الصَّوْتِ وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ[1] فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ، وَهُوَ يَقُولُ: "لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا"[2]. وهذا لشدَّة إغاثته صلى الله عليه وسلم للناس، وخوفه عليهم، وحفظه لهم، ثم هو يُعلِّم المسلمين أن يكونوا كذلك.
 
كما كان صلى الله عليه وسلم يحثُّ على التكافل، ويمدح مَنْ يقوم بذلك؛ فعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا[3] فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ"[4]. قال ابن حجر: أي هم مُتَّصلون بي...[5]. وذلك غاية الشرف للمسلم.
 
وفي حديث آخر للنبي صلى الله عليه وسلم يُؤَكِّد على قوَّة الترابط بين المؤمنين فيُشَبِّههم بالبناء المتماسك؛ فعن أبي موسى -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا"[6]. وعند البخاري: "ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ..."[7]. والتشبيك بين الأصابع هو بيانٌ لوجه التشبيه أيضًا؛ أي يشدُّ بعضهم بعضًا مثل هذا الشدِّ[8]، قاله ابن حجر. ومعلوم أن البنيان كما يشدُّ بعضه بعضًا، قد يهدم بعضه بعضًا؛ فإنه إِنْ ضعف بعضُ البناء يُؤَثِّر ويُضعِف بقيَّته، ولا يبقى للجانب القويِّ نفع إن تهدَّم الجانب الضعيف، وكذلك المسلم مع أخيه إن تَرَك أخاه يضعف ويسقط، لا تبقى له قيمة في الحياة.
 
كما يُرْوَى عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ؛ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"[9]. قال النووي: "في هذا فضل إعانة المسلم وتفريج الكرب عنه وستر زَلاَّته، ويدخل في كشف الكربة وتفريجها مَنْ أزالها بماله أو جاهه أو مساعدته، والظاهر أنه يدخل فيه مَنْ أزالها بإشارته ورأيه ودلالته"[10]. وهذا صريح في أنَّ التكافل وإغاثة الملهوف من حقوق الأُخُوَّة الإسلامية التي شدَّد الرسول صلى الله عليه وسلم عليها كثيرًا.
 
وقد قال ابن تيمية حول المعنى نفسه (إغاثة الملهوف): "... ثم كل نفع وخير يُوَصِّله (أي الحاكم) إلى الخَلْق هو من جنس الزكاة، فمِن أعظم العبادات سدُّ الفاقات، وقضاء الحاجات، ونصر المظلوم، وإغاثة الملهوف"[11]. فانظر إلى الإمام الفقيه ابن تيمية وقد جعل إغاثة الملهوف من أعظم العبادات؛ وذلك فَهْمٌ عظيم للإسلام.
 
كما أنَّ في عدم التكافل والإغاثة والنصرة خذلانًا للمسلم، وفيه ما فيه من العقاب من ربِّ العالمين سبحانه وتعالى؛ ومن ثَمَّ كان تحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم شديدًا لمن تقاعس عن نصرة أخيه المسلم؛ فعن جابر بن عبد الله وأبي طلحة الأنصاري قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنِ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرًَا مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ؛ إِلاَّ خَذَلَهُ اللهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنِ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ؛ إِلاَّ نَصَرَهُ اللهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ"[12].
 
كل هذا يدفعنا إلى أن نسأل: ماذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان بين أظهرنا ورأى أو سمع ما يحدث في الصومال؟
 
دعونا نستعرض موقفًا مشابهًا عاصره رسول الله صلى الله عليه وسلم لنرى ردَّ فعله للأزمة.. يقول جرير بن عبد الله رضي الله عنه: "كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي صَدْرِ النَّهَارِ، قَالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} إلى آخر الآية {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] والآية التي في الحشر: {اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ} [الحشر: 18] "تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ". حَتَّى قال: "وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ". قال: فجاء رجلٌ من الأنصار بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثمَّ تَتَابَعَ الناسُ، حتَّى رأيتُ كَوْمَيْنِ من طعامٍ وثيابٍ، حتَّى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يَتَهَلَّلُ، كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ"[13].
 
ألا ما أروع هذا الموقف وأرحمه!
 
لقد رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبقى المسلمون سلبيين عند رؤية الفاقة والفقر عند إخوانهم، فخطب في الناس وحفَّزهم أن ينفقوا ليرحموا إخوانهم، وعدَّد أنواع الإنفاق؛ فذكر الأموال والأطعمة والملابس، ولم يقصد بندائه الأغنياء فقط، بل خاطب الفقراء كذلك، ودعا مَنْ ليس معه إلاَّ تمرة أن يتصدَّق بشقِّها! هذا كله مع قوم لم يسألوا الصدقة، فكيف بأهلنا في الصومال وقد ذاعت أخبارهم، ومدُّوا أيديهم مضطرين إلى أهل المشرق والمغرب؟!
 
بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ما هو أكثر من ذلك؛ حيث سمع بأمر محتاجين من المسلمين، ولم يكن معه ولا مع أصحابه ما يُنجدهم به، فاضطر صلى الله عليه وسلم أن يستدين من يهودي حتى يُغيث الملهوفين من المسلمين! رأينا ذلك في قصة إسلام الحبر اليهودي زيد بن سَعْنة، وفيها -كما يروي زيد بن سعنة نفسه فيقول-: "إنه لم يبقَ من علامات النبوة شيء إلاَّ وقد عرفتها في وجه محمد صلى الله عليه وسلم حين نظرتُ إليه، إلاَّ اثنتين لم أُخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدَّة الجهل عليه إلاَّ حِلمًا، فكنتُ أتلطَّف له لأن أُخالطه فأعرف حلمه وجهله.
 
قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحجرات، ومعه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأتاه رجل على راحلته كالبدوي، فقال: يا رسول الله، قرية بني فلان قد أسلموا ودخلوا في الإسلام، وكنت أخبرتهم أنهم إن أسلموا أتاهم الرزق رغدًا، وقد أصابهم شدَّة وقحط من الغيث، وأنا أخشى -يا رسول الله- أن يخرجوا من الإسلام طمعًا كما دخلوا فيه طمعًا، فإن رأيت أن تُرسِل إليهم من يُغيثهم به فعلت. قال: فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل جانبه -أراه عمر رضي الله عنه- فقال: ما بقي منه شيء يا رسول الله.
 
قال زيد بن سعنة: فدنوتُ إليه، فقلتُ له: يا محمد، هل لك أن تبيعني تمرًا معلومًا من حائط بني فلان إلى أجل كذا وكذا؟ فقال: "لا يَا يَهُودِيُّ، وَلَكِنِّي أَبِيعُكَ تَمْرًا مَعْلُومًا إلى أَجْلِ كَذَا وَكَذَا، وَلا تُسَمِّي حَائِطَ بني فُلانٍ". قلت: نعم. فبايَعَنِي صلى الله عليه وسلم، فأطلقت همياني[14]، فأعطيته ثمانين مثقالًا من ذهب في تمر معلوم إلى أجل كذا وكذا، قال: فأعطاها الرجلَ"[15].
 
فالرسول صلى الله عليه وسلم هنا يبيع مقدمًا كمية من التمر لم تتوفَّر لديه بعدُ، ليأخذ ثمنها بسرعة، فيُغيث به ملهوفين من المسلمين، خاصة وأنه يخشى عليهم من ترك الدين والفتنة لأجل الفقر.
 
ألا يكشف لنا كل ذلك ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفعله لو كان معنا وسمع عن مجاعات الصومال، وسمع كذلك عن حملات التنصير بها؟!
 
ثم ألم يكن متوقَّعًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون له دور في مسألة الاقتتال الرهيب الذي يدور بين الأشقاء المسلمين في الصومال؟!
 
إن التقاتل بين المسلمين أمر وارد الحدوث؛ بل هو متوقَّع جدًّا لأسباب كثيرة، ولقد تاقت نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم لأُمَّة لا يحدث فيها تصارع، لكن لم يتحقَّق له ذلك! فقد روى سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أَقْبَلَ ذات يومٍ من العاليَة، حتَّى إذا مرَّ بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين، وصلَّينا معه، ودعا ربَّه طويلًا، ثمَّ انصرف إلينا، فقال صلى الله عليه وسلم: "سَأَلْتُ رَبِّي ثَلاَثًا فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً: سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لاَ يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ[16] فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لاَ يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لاَ يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا"[17].
 
ولما كان الأمر متوقَّعًا لهذه الدرجة كان لا بُدَّ من إيجاد آليات محدَّدة لفكِّ هذا الصراع في حال حدوثه؛ ومن ثَمَّ أراد الله عز وجل أن تحدث بعض هذه الصراعات بين الصحابة في حياته صلى الله عليه وسلم لنرى ردَّ فعله، ونعرف أسلوبه في حلِّ مثل هذه المعضلات.
 
ومن أشهر هذه الصراعات ما دار بين الأوس والخزرج بعد شهور قليلة من قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.. فقد روى زيد بن أسلم -رضي الله عنه- أن شاس بن قيس -وكان شيخًا قد عسا[18] في الجاهلية عظيم الكفر، شديد الطعن على المسلمين، شديد الحسد لهم- قد مرَّ على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من أُلفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، والله! ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار. فأمر فتى شابًّا معه من يهود فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم، ثم ذكِّرهم يوم بُعاث وما كان قبله، وأَنْشِدْهم بعض ما كانوا يتقاولون فيه من الأشعار..
 
وكان يوم بعاث يومًا اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج، ففعل فتكلَّم القوم عند ذلك، وتنازعوا وتفاخروا؛ حتى تواثب رجلان من الحيين على الرُّكَبِ[19]؛ أوس بن قيظي أحد بني حارثة من الأوس، وجَبَّار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج، فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رددناها الآن جدعة. وغضب الفريقان جميعًا، وقالوا: قد فعلنا؛ السلاح السلاح! موعدكم الظاهرة. والظاهرة الحرَّة، فخرجوا إليها، وانضمَّت الأوس بعضها إلى بعض، والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية.
 
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه، حتى جاءهم، فقال: "يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، اللهَ اللهَ! أَبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ بَعْدَ إِذْ هَدَاكُمُ اللهُ إلى الإِسْلامِ، وَأَكْرَمَكُمْ بِهِ، وَقَطَعَ بِهِ عَنْكُمْ أَمْرَ الجَاهِلِيَّةِ، وَاسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِنَ الْكُفْرِ، وَأَلَّفَ بِهِ بَيْنَكُمْ، تَرْجِعُونَ إلى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ كُفَّارًا؟". فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم لهم؛ فأَلْقَوُا السلاح من أيديهم، وبَكَوْا وعانق الرجال بعضهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدوِّ الله شاس، وأنزل الله في شأن شاس بن قيس وما صنع: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} إلى قوله: {وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 98، 99]. وأنزل في أوس بن قيظي وجبار بن صخر ومَنْ كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} إلى قوله: {وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 100-105][20].
 
لقد وضح لنا في هذا الموقف بعض ملامح الحلِّ لأزمة الصراع بين الأشقاء؛ ومنها:
 
أولًا: وجود شخصية إسلامية معتبَرَة يقبل كلامها كلا الطرفين.
 
وثانيًا: حركة سريعة من هذه الشخصية دون انتظار لدماء وأشلاء.
 
وثالثًا: عدم سؤال عن الأسباب الأصلية للقتال؛ لأن لكل واحد دوافعه المنطقية من وجهة نظره، والتي يمكن أن تفتح بابًا للجدال لا حدَّ له.
 
ورابعًا: التذكير بالله، وهذا يتطلَّب أن يكون الطرفان يعتبران برأي الشريعة في المسألة، ويغلب عليهما رُوح الإيمان.
 
وخامسًا: التذكير بذكريات الفرقة المؤلمة واحتمالات تكرار المأساة إن حدث الشقاق.
 
وسادسًا: الكشف عن مخططات الأعداء -الذين يُسعدهم هذا الصراع- والبحث عن المستفيدين منه.
 
هذه بعض الملامح لحلِّ النزاع بين الأشقاء المسلمين، ولا شكَّ أن هناك غيرها يمكن استنباطه من مواقف السيرة المختلفة، ولكن المؤكَّد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ليدع أزمة مثل التي نراها في الصومال دون أن يكون له دور في إصلاحها!
 
[1] فرس عُرْي: لا سرج عليه.
[2] البخاري: كتاب الجهاد والسير: باب الحمائل وتعليق السيف بالعنق (2751)، ومسلم: كتاب الفضائل، باب في شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم تقدُّمه للحرب (2307).
[3] أي: فني زادهم، وأصله من الرَّمْل كأنهم لصقوا بالرمل من القلَّة. انظر: ابن حجر: فتح الباري 5/130.
[4] البخاري: كتاب الشركة، باب الشركة في الطعام والنهد والعروض (2354)، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل الأشعريين رضي الله عنهم (2500).
[5] ابن حجر: فتح الباري 5/130.
[6] البخاري: كتاب الأدب، باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا (5680)، ومسلم: كتاب البر والصلة، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم (2585).
[7] البخاري: كتاب الأدب، باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا (5680).
[8] ابن حجر: فتح الباري 10/450.
[9] البخاري: كتاب المظالم، باب لا يظلم المسلمُ المسلمَ ولا يسلمه (2310)، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم (2580).
[10] النووي: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الثانية، 1392هـ، 16/135.
[11] ابن تيمية: مجموع الفتاوى 28/243.
[12] أبو داود: كتاب الأدب، باب من رد عن مسلم غيبة (4884)، وأحمد (16415)، والبيهقي: السنن الكبرى، (16459)، والطبراني: المعجم الكبير (4739)، والأوسط (8642)، وقال الهيثمي: رواه أبو داود، رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن. انظر: مجمع الزوائد، 7/ 267، وقال الألباني: حسن. انظر صحيح الجامع (5690).
[13] مسلم: كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار (1017)، وأحمد (19197)، والنسائي (2335)، وابن حبان (3308).
[14] الهميان: كيس للنفقة يُشَدُّ في الوسط.
[15] ابن حبان: كتاب البر والإحسان، باب الصدق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (288)، والحاكم (6547) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. والبيهقي (11066)، والطبراني: المعجم الكبير 5/164، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: روى ابن ماجه منه طرفًا، ورواه الطبراني ورجاله ثقات. انظر: مجمع الزوائد 8/240.
[16] بالسَّنَة؛ أي: بالقَحْط العامِّ.
[17] مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض (2890)، وابن ماجه (3951)، وأحمد (1516)، وابن حبان (7237)، والحاكم (8579).
[18] عسا؛ أي: كبر وأسنَّ.
[19] كانوا إذا تخاصموا جلسوا على الركب. انظر: ابن منظور: لسان العرب 14/131، 15/417.
[20] ابن هشام: السيرة النبوية 1/556، 557، والواحدي: أسباب نزول القرآن ص116، 117، وقال المحقق: هذه القصة لم تَرِدْ في حديث صحيح مسند، وإنما هي مراسيل وأحاديث ضعيفة، ولعلَّهُ يشدُّ بعضها بعضًا فيُثبت أصل الرواية، والله تعالى أعلم.

الكاتب: د. راغب السرجاني

المصدر: موقع قصة الإسلام