روائع مختارة | قطوف إيمانية | الرقائق (قوت القلوب) | الوصايا العشر.. للصائمين

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
روائع مختارة
الصفحة الرئيسية > روائع مختارة > قطوف إيمانية > الرقائق (قوت القلوب) > الوصايا العشر.. للصائمين


  الوصايا العشر.. للصائمين
     عدد مرات المشاهدة: 1337        عدد مرات الإرسال: 0

الحمد لله الذي خلقنا لعبادته، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وأول العابدين ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: 

أتقدم إلى إخواني المسلمين في كل مكان في أرض الله بأصدق التهاني بحلول شهر القرآن والذكر والدعاء والصيام والقيام، شهر بناء الأمة ورفع درجاتها، شهر سجل أعظم انتصارات الأمة يوم أعد رجالها ونساؤها وفق صبغة الربانيين، فنصرهم الله تعالى على أنفسهم وأهوائهم وأعدائهم.
 
ونحن نذكرهم بين يدي هذا البرنامج للربانيين في شهر رمضان بما ذكره الإمام الشهيد حسن البنا في رسالته "دعوتنا" بقوله: ونحب أن يعلم قومنا -وكل المسلمين قومنا- أنهم أحب إلينا من أنفسنا، وأنه حبيب إلى هذه النفوس أن تذهب فداء لعزتهم إن كان فيها الفداء...

وأن هذه العاطفة قد استبدت بقلوبنا، وملكت علينا مشاعرنا، فأقضت مضاجعنا، وأسالت مدامعنا...، فنحن -والله- نرجو لكم خيري الدنيا والآخرة، وندعو لكم في السحر قانتين أن يلهم نفوسنا رشدهم، وأن يهيئ لهذه الأمة ما يسعدها في الدارين. ونتوجه إليكم ببرنامج الربانيين في شهر رمضان:
 
الإخلاص:

أولاً: صدق التوجه إلى الله تعالى بالنية الخالصة، إذ الصيام يراد به وجه الله تعالى، وابتغاء مرضاته، ونيل ثوابه، والفوز بالجنة والنجاة من النار. وليس مجرد عادة سنوية.
 
ويعين على ذلك ما يلي:

1- حديث البخاري ومسلم بسندهما عن أبي هريرة أن النبي قال: "كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف, قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به". إذن للصيام مكانة خاصة عند رب العزة سبحانه، وعليه فإن التعبد به من أقرب القربات.
 
2- أن الصيام يفسح للفطرة في نقائها، والأرواح في صفائها إلى أن تسمو إلى امتثال أمر ربها، متحررة من أسر الشهوات الغالبة، والأهواء الحادة، وتلك هي التي تعوق سير السالكين إلى الله تعالى.
 
3- أن الصوم يقوي إرادة الإنسان واختياره عن وعي وعقل وقلب وروح، وتضعف انحراف الإنسان وراء شهوتي البطن والفرج وحدة الغضب، وكل ذلك يعالجة الصيام تلقائيًّا حتى نكون ربانيين.
 
قيمة الوقت:

ثانيًا: استشعار قيمة الوقت في رمضان؛ لأنه بحق فرصة سامية لأصحاب القلوب الواعية والعقول الراجحة، فأول الشهر رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار. وفيه ليلة تطيل عمر الإنسان في فعل الخيرات كل عام قرابة مائة عام وهي ليلة القدر وهي خير من ألف شهر. وفي حديث النبي : "لو تعلم الأمة ما أعد الله لها في رمضان لتمنت أن يكون العام كله رمضان".
 
وفي الحق نرى كثيرًا من المسلمين يرخصون ليلهم بالسهر مع التلفاز أو الأصدقاء، ويرخصون نهارهم في النوم أو الشراء. والأصل أن هذا الشهر شهر التعبد والقنوت، وقراءة القرآن والذكر والدعاء، والقيام والصدقة، والبر والصلة، والدعوة إلى الخير.
 
ويعين الأخ على ذلك أن يفكر بصدق دون أن يخدع نفسه أو يخادع ربه؛ لأن هذا شأن المنافقين لا الربانيين، فيسأل الأخ نفسه: لو أتيح لي أداء أعمال إضافية في دائرة عملي الطبي أو الهندسي أو التعليمي... إلخ بأجر يضاعف فوق سبعمائة ضعف، وعمل ليلة واحدة يحصل على مرتب ألف شهر، هل يرفض؟ ندع الإجابة لقلوب الربانيين الصادقين.
 
مع القرآن:

ثالثًا: العزم على أن نختم القرآن مرتين على الأقل واحدة في صلاة التراويح، وأخرى قراءة شخصية ذاتية. أما الأولى فيعين الأخ عليها ما رواه البخاري بسنده عن أبي هريرة أن النبي قال: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه".
 
والقيام بغير القرآن كأنه جسد بلا رأس، والقيام بالقرآن بغير خشوع كأنه جسد بلا روح، بل الواجب استحضار العقل والقلب والوجدان مع آيات القرآن، ولنذكر أن من الصحابة من كانوا يختمون القرآن كل أسبوع مرة في غير رمضان.

فإذا حل رمضان جعلوا ليلهم ونهارهم للقرآن. وأحب أن تقسم القرآن بين صلاة التراويح والتهجد أو القراءة الذاتية، والأهم القراءة مع الأولاد في البيت، وعليه تكون هناك ختمة في خلوتك مع الله وحدك، وقراءة مع أهلك وأولادك, وأخرى مع إخوانك المسلمين في المسجد، وبهذا تكتمل الحلقة الربانية.
 
رابعًا: مراجعة ما حفظ من القرآن سابقًا. ولقد كان جبريل -عليه السلام- يراجع سيدنا محمدًا كل ما نزل من القرآن خلال العام في رمضان، فلما كان العام الذي مات فيه راجعه القرآن مرتين في شهر رمضان[1].
 
ولعل الأخ الذي حفظ ثم نسي يستنهض عزيمته بهذا التأسي بالحبيب ، ويحركه الخوف عندما يذكر حديث النبي : "من حفظ القرآن ثم نسيه لقي الله تعالى وهو أجذم"[2]. ونحتاج إلى كتابة الآيات التي حفظناها يومًا ما ثم مراجعتها.

لعلنا إذا لقينا الله ارتقينا مع كل آية درجة عالية في جنات الفردوس ثم يبدأ مشوار المراجعة، ولعل صفاء العقل ونقاء الروح يساهم في سرعة التذكر، ولا ننسى قوله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر: 17].
 
إفطار الصائمين:

خامسًا: الحرص على إفطار الصائمين في البيت أو في المسجد، سواء أعددت طعامًا أو دفعت نقودًا ولو يسيرة لهذا الغرض؛ لأن القليل من هذا العمل ثوابه كبير، وهو المغفرة لجميع الذنوب والعتق من النار، كل هذا لمن فطر صائمًا على شربة ماء ربما لم يشترها، أو كوب من اللبن أو شق تمرة.
 
هذا يدلنا على الفيض الرباني على عباده لو اتجهوا إليه مخلصين بأقل الأعمال، ولعل هذا مجال خصب للأخوة بإنفاق أعمالهم، وللأخوات بإعداد الطعام للصائمين، فينال كلٌّ أجرًا وافيًا ومغفرةً كاملةً.
 
الدعــاء:

سادسًا: الدعاء عند الفطر؛ لما رواه ابن ماجه بسنده عن عبد الله بن عمر أن النبي قال: "إن للصائم عند فطره لدعوةً ما ترد". ولقد روى أبو داود أن النبي كان لا يفوته هذا الدعاء عند الإفطار بقوله: "باسم الله، اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت".
 
وكان ابن عمر يدعو فيقول: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي ذنوبي.
 
وأحبذ لو دعا المسلم لجميع إخوانه المسلمين وأخواته المسلمات، وأن يردنا الله تعالى إلى شرعته، وأن يستعملنا لخدمة دعوته، وأن يرد بنا المسجد الأقصى إلى المسلمين. وليت الأخ يذكر من يحضره من أهله أو أبنائه أو إخوانه في لقائه أو المسلمين في مسجده بالدعاء، فيغنم مرتين. ونشير إلى دور الأخت في تذكير أولادها بالدعاء عند الإفطار.
 
تعجيل الفطر:

سابعًا: تعجيل الفطر وتأخير السحور؛ لما رواه البخاري ومسلم بسندهما عن سهل بي سعد أن رسول الله قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر". وروى الترمذي بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله قال: "قال الله عز وجل: أحب عبادي إليَّ أعجلهم فطرًا".
 
أما السحور فقد كان هديه تأخيره لما قبل الفجر وحث على تناوله، حيث روى مسلم وابن ماجه بسندهما عن أنس بن مالك أن النبي قال: "تسحروا؛ فإن في السحور بركة".
 
وروى أحمد بسنده عن أبي سعيد الخدري أن النبي قال: "السحور أكله بركة، فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين". وسماه الحبيب الغذاء المبارك في حديثٍ رواه أبو داود.
 
إذن تتلاشى لدى المسلم مسألة الشَّرَه وحب الطعام ليعلو حب الله تعالى فوق كل شيء، فهو يعجل الفطر ليس نهمًا ولا شرهًا، بل ليحبه الله تعالى. ويؤخر السحور؛ لأنه بركة، ولأن الله تعالى وملائكته يصلون على المتسحرين.

هذا المعنى يجعلنا أسرع الناس إلى امتثال السنة في الإفطار عند المغرب على تمرات أو ماء أو عصير، ثم تصلي المغرب وتأكل، ولا تتسحر قبل منتصف الليل لتنام عن وقت السحور والسحر، ولتنام عن صلاة الفجر، فتجمع خسارة فقدان البركة وصلاة الله وملائكته، وتفوت صلاة الفجر وهي أعظم الصلوات أجرًا.
 
البذل والإنفاق:

ثامنًا: بذل المال والإكثار من الصدقات: وأرجو أن يراجع كل منا نفسه، فلئن حسن صيامه ليكثرن بذله وعطاؤه، هكذا أخبرنا الإمام البخاري في صحيحه بسنده عن النبي أنه "كان أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة".
 
هذا معيار واضح وبسيط إنْ حسن صيامنا عظم إيماننا، وزادت الرغبة في بناء الآخرة، وإرضاء الملك سبحانه، وتوقي غضبه، فيكون البذل سهلاً على النفس لصفائها، فلا تجد هذا التردد الشديد في غيره.

وهناك من وجوه الخير وأهمها إطعام الفقراء والمساكين وكفالتهم في أي مكان من أرض الله تعالى، وابدأ بذوي القربى فإنها صدقة وصلة، ثم وجوه الخير مثل عمارة المساجد وبناء المدارس والدعوة إلى الله تعالى.

والمستحب هنا أن تخرج زكاة المال ليتضاعف الأجر؛ لأن من أدى فيه فريضة كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، هذا من قبيل المضاعفة الأصلية، فمن أنفق ألف دولار في رمضان فكأنما أنفق سبعين ألف دولار، وزكاة الفطر هي طهرة للصائم وطعمة للمساكين كما قال النبي في حديث رواه أبو داود.
 
إذن هذا الشهر فرصة في بناء آخرتنا بشيء من رزق الله تعالى لنا في دنيانا.
 
ذكر الله:

تاسعًا: الإكثار من ذكر الله تعالى في هذا الشهر الكريم؛ لما رواه ابن حبان في صحيحه أن النبي قال: "فاستكثروا فيه من أربع خصال، خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غناء لكم عنهما: فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه، وأما الخصلتان اللتان لا غناء لكم عنهما: فتسألونه الجنة، وتعوذون به من النار".
 
هذه الخصال الأربع من الذكر والدعاء لا يستغني عنها عبد مشغول في إرضاء ربه أو نفع نفسه في آخرته، فاجعلوا من أوقات الحركة إلى العمل أو داخله أو العودة منه أو الذهاب إلى المسجد أو البيت أو غيره حيةً بذكر الله تعالى؛ لعل الله يُذكرنا بواسع رحمته وعظيم فضله. ولنذكر أن أشد ساعة تندم عليها يوم القيامة هي الساعة التي مرت دون ذكر الله عز وجل.
 
إصلاح ذات البين:

عاشرًا: إصلاح ذات البين بين الأخ وأبويه وأهله وأولاده وأشقائه، وبين إخوانه المسلمين سواء في جماعته أو الجماعات الأخرى إن كانت على المنهاج الصحيح، وهذا قبل بدء الشهر؛ لأن الله تعالى يغفر فيه للعصاة إلا المسلمين المتباعدين المتناحرين.

وإذا أردنا أن نعرف أثر الخصومات الشخصية على قدر الرحمات التي تنزل للأمة كلها فلنعد إلى صحيح البخاري -كتاب ليلة القدر- الباب الرابع بعنوان: رفع معرفة ليلة القدر لتلاحي الناس, أي لتخاصمهم في الحديث؛ عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: خرج النبي ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين فقال: "خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرُفعت".
 
والواضح من الحديث أن النبي عرف موعد ليلة القدر، وخرج ليخبر الصحابة والأمة بموعدها فتخاصم اثنان من المسلمين فنسيها النبي . ومن هذا الحديث الخطير نستنتج أن إثارة أية خصومة مع أي أخ مسلم تعني تأخير النصر، وضياع الأجر وذهاب البركة، وتفتيت الصف، وتمزيق الأمة؛ فلعل رمضان يكون سببًا في وحدة الصف، وتصافي القلوب، ونحن أولى الناس بذلك.
 
هذه هي الوصايا العشر لكل أخ مسلم وأخت مسلمة حتى لا تفوته حسنات هذا الشهر الكريم ورحماته، وحتى ينال رضا الله والجنة وينجو من غضبه وعقابه، وهي تحتاج إلى صدق التوجه وقوة العزم وتنظيم الوقت ومجاهدة النفس وحفظ الجوارح وتصفية النفس وتنقية الصدر.

وأملنا فيكم كبير أن تكونوا بحق ربانيين حتى نفوز بسعادة الدارين، ونكون أهلاً ليمكن الله للإسلام بنا {وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا} [الإسراء: 51].
 
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
 
[1] رواه البخاري.
[2] رواه أبو داود.

الكاتب: د. صلاح سلطان

المصدر: موقع الدكتور صلاح سلطان