روائع مختارة | قطوف إيمانية | أخلاق وآداب | وشاب الطفل.. فجأة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
روائع مختارة
الصفحة الرئيسية > روائع مختارة > قطوف إيمانية > أخلاق وآداب > وشاب الطفل.. فجأة


  وشاب الطفل.. فجأة
     عدد مرات المشاهدة: 986        عدد مرات الإرسال: 0

من هذا الطفل الذي شاب فجأة؟ سؤال أصبح هاجسا في نفس كل من سمع هذه العبارة أو قرأها. . والجواب: إنه كل رجل يمتعه الله بأمه؛ فيعيش معها سنين متعاقبة من البر والإحسان، وتغمره بالحب والحنان، وتكلؤه بالدعاء مسافرا وحاضرا، وإذا صح أو مرض.. ثم ماتت عنه:

إذا مسني سقم ثوت عند مرقدي
لزاما فلم تبرحه إلا مع السقم

على أنها والسقم يبري عظامها
تحاول أن تخفيه عني من الكتم

ولو أنها اسطاعت لدى الموت خفية
لأخفته إشفاقا علي من الغم

 من له أم كأمي. . هكذا قال البروفسور الأستاذ الدكتور صالح بن حسين العايد، لقد أحس بأنه شاخ فجأة كما تقول الحكمة: "يظل الرجل طفلا حتى تموت أمه، فإذا ماتت شاخ فجأة"، قال: "فلقد كادت نفسه توهمه أنه حقا ما زال طفلا؛ فقد استمرأت روحه الحنان، وألفته، واستعذبت الرعاية الخاصة".. ثم قال: "وهاأنذا لا أستطيع أن ألتفت ورائي لألقي نظرة عابرة على بقية أمي؛ لئلا يروعها منظري بعد أن شبت فجأة؛ فمن كان يضفي علي حنانا ودلالا ها هو ذا جسدا معي في السيارة".

ولكن الدكتور العايد كان يقول: ألا من ذا له أم كأمي؛ فماذا يميز أمه عن بقية الأمهات؟ يجيب فيقول: "مات الأب وترك بنين وبنات صغارا (زغب الحواصل لا ماء ولا شجر)، أكبرهم لم يبلغ الحلم، وأصغرهم لم يبلغ الفطام، في زمن فقر مدقع، أذاب الشحم، وأكل اللحم، وبرى العظم، فمن كان لهؤلاء الصبية الصغار بعد الله تعالى، حين رحل كاسبهم ومربيهم، لقد قيض الله لهم أما رؤوما، كانت لهم نعم الأم، ونعم الأب، فكانت لهم سماء ظليلة، وأرضا ذليلة، ولقد صبرت على محن الزمان، وعلى نوائب الدهر، أملا في أن ينبتهم الله نباتا حسنا.

عصاميةً كانت على حين أنها
لها نسب فوق النقيصة والذم

وأميةً كانت ولكنَّ رأيها

لدى معضلات المر فوق ذوي العلم

 أفنت عمرها صياما في النهار لحر يوم النشور، وقياما في الليل لوحشة القبور، كانت تصوم في الهواجر حتى نشفق عليها، فإذا رجوناها أن ترحم ضعفها، قالت وما يدريكم ربما لا أصوم غيره.

وأما المال فمن أين لمثلها مال؟ نالت منه القليل من أبنائها وبناتها، فو الله ما كانت تدخره حذرا من روعة الزمان، ولا لتكاثر به العشيرة ولا الجيران؛ لأن الله زهدها بالفاني، ورغبها في الباقي؛ ولذلك كانت تتقاسم ما يأتيها مع الأرامل والأيتام والمساكين والفقراء، ولسان حالها يقول:

يجود علينا الخيرون بمالهم
ونحن بمال الخيرين نجود

 ويستمر العايد في نصب أمه أنموذجا يحتذى لكل الأمهات فيقول: "فهل تعرفون أحدا خرج من الدنيا وقد اتفق على حبه الأبناء والبنات، والأحفاد والأسباط، وزوجات الأبناء وأزواج البنات، وسائر الأقارب والجيران والمعارف. إنها أمي.. فهل كل له أم كأمي؟".

حقا ـ يا صالح ـ إنها الأم القدوة في عبادتها وفي معاملاتها، التي تربي بالفعل قبل القول، وبالتقوى وليس بالكذب والخيانة واستمراء المعاصي. ولذلك وصل ابنها إلى أرقى سلم العلم الأكاديمي، ونال الأستاذية في فنه اللغوي، وعرف ـ حفظه الله ـ بالخلق الفاضل الكريم والسمت الطيب. ولكنه لم ينس أمه وفضلها عليه؛ يقول: "وإني لأعترف اليوم وكل يوم بأنني مدين بكل ما وصلت إليه، وما قد أصل إليه في المستقبل، مدين لله تعالى، ثم لأمي رحمها الله".

الكاتب: د. خالد بن سعود الحليبي

المصدر: موقع المستشار