روائع مختارة | واحة الأسرة | أولاد وبنات (طفولة وشباب) | أنماط الكذب عند الأطفال.. مرحلة الخيال الجامح

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
روائع مختارة
الصفحة الرئيسية > روائع مختارة > واحة الأسرة > أولاد وبنات (طفولة وشباب) > أنماط الكذب عند الأطفال.. مرحلة الخيال الجامح


  أنماط الكذب عند الأطفال.. مرحلة الخيال الجامح
     عدد مرات المشاهدة: 1890        عدد مرات الإرسال: 0

في المرحلة من 3 - 5 سنوات، وهي ما نطلق عليه مرحلة الحضانة - يعيشُ الطفل مرحلة يغلُب فيها الخيال على لعبه وعلى اهتماماته؛ فهو يعيد تَمثيل الواقع المُحيط به - البيئة في عالمه الصغير - فيقوم بتمثيل الدَّور الذي يقوم به الأب أو الأم أو المُعلم أو الشُّرطي.

ويَجمع حوله الأطفال من سِنِّه؛ ليشاركوه إعادةَ تمثيل هذا الواقع فيما نُطلق عليه اللعب الإيهامي، وهو قد يحوِّل الكرسي أو المنضدة إلى عربة، أو سيَّارة، أو طائرة لها أزيز وضجيج، وقد يُحوِّل غطاءات الزُّجاجات إلى أطباق، والسلاَّت الصَّغيرة إلى أثاث وفراش، وهو يُخاطب هذه الأشياء ويحاورها، ويبعثُ فيها الحياة..

وهذا ضَرْب من ضروب الخيال الذي يُميّز حياة الطفل في هذه المرحلة، ومن المهم ومن الضروري أن يَحترم الآباء والأمَّهات والمحيطون بالطفل هذه الخاصيَّة في حياة الطفل، فلا يَسخرون من عمله، ولا يَتدخَّلون فيه.

ولا يوجهون إليه أيَّ لوم أو تأنيب؛ لأنَّه في الحقيقة يهيِّئ الطِّفل لتقبل الأدوار الاجتماعيَّة المُختلفة التي تنتظره؛ فهو يُمثل هذه الأدوار ويُكرِّرها ويجترُّها ويُلَقِّنها لنفسه، حتَّى إذا ما شبع منها في نِهاية المرحلة انتقل إلى المرحلة التالية، التي يبدأ فيها بالفعل في مُمارسة تَحمُّل المسؤوليَّات المناسبة له؛ كتلميذ يأخذ مكانه في الصَّف، ويستمع إلى المعلمين، ويُنفِّذ ما يقولون، ويُؤدِّي واجباتِه المدرسية..

وكذلك فإنَّ رُسُوم الأطفال تُمثِّل مجالًا آخر من المجالات التي تبدو فيها الخصائص المميّزة لنمو الأطفال؛ فالطِّفل عندما يرسم، فإنَّه لا يتقيد بمنطق الكبار، فهو يرسم ما يعرفه لا ما يراه، فهو يرسم قرص الشمس في اللَّوحات التي يُطلب منه رسمُها، ويرسم السمك في قاع الأنْهار والبحار.

ويرسم السيارة أو المركبة أربع عجلات؛ كما يرسم الركاب داخل السيارة، دون أي قيد بقواعد الرَّسم المنظور، ومن العبث بل من القسوة أن نطالبه في تلك السنِّ المُبكرة بالتقيد بالرَّسم المنظور.

وإنَّما يرسم الطفل مناظر من القصص الخيالي الذي يقدم له، على أنَّ هذا لا يمنع من أن يُرَكِّز المربِّي تدريجيًّا على توجيه اهتمام الطِّفل إلى مُلاحظة الظَّواهر الحيّة، ومحاولة وصفها وتعرفها؛ ليدرج الطفل تدريجيًّا إلى عالم الواقع..

إن بَعض الأطفَال يندمجون أحيانًا في موقف القَصَّاص الذي يقص على من حوله قصَّة من نسج خياله، قد يصبح هو بَطَل القصَّة، وقد ينسب إلى نفسه أو إلى أشخاص القصَّة أعمالًا أو أدوارًا لم تقع على الإطلاق، والطِّفل قد يُوظف عناصرَ الواقع المحيط في القصَّة التي يقصّها توظيفًا يُنَفس به عن مَخاوفه.

أو يعبر بها عن طُمُوحاته، أو ليشبع بها رغباته المكبوتة، أو ليحكي خلالها ما رآه في أحلامه، وهو في كلِّ ذلك لا يُفرِّق بين عالم الخيال وعالم الواقع..

وموقف الكبار من الطِّفل في هذه المرحلة غاية في الخُطُورة، فلا ينبغي أن يعتبر الكبار أي قلق إزاء هذه الظواهر؛ فهي ظواهر طبيعيَّة مُتوقعة في حياة أطفال مرحلة الطُّفولة المُبكرة - الحضانة والرياضة: من 3 - 6 سنوات - وهي من علامات النُّمو الطبيعي.

ومن الخطأ الكبير أنْ نَصِف الطِّفل في تلك المرحلة بمجافاة الواقع أو الحيد عنه، أو نتسرع فنصفه بالكذب؛ لأنَّه - كما أوضحنا - خُطُوات على التَّدرُّج الطبيعي لنمو الطفل؛ لكي ينتقل منها نقلة سهلة مُيسَّرة إلى عالم الواقع؛ لذلك فإنَّنا نقول للآباء: دعوا الطِّفل يستمتع بطُفُولته في عالمه الخيالي، ومع ذلك تدرَّجوا به برفق إلى التَّفرقة بين الخيال والواقع..

- وفر للطَّفل حاجاته الأساسيَّة بدرجة مطولة:

يحتاج الطفل إلى حاجات أساسيَّة ونفسية، والحاجات الجسمية تقوم أساسًا على توفير السَّكن المُناسب، والكساء الذي يسعد الطفل، والغذاء الصحي الكافي؛ قال الله - سبحانه وتعالى -: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233].

والطِّفل يذهب إلى المدرسة ويقضي يومًا طويلًا قد يشعر خلاله بالعطش؛ فيحتاجُ إلى أنْ يشرب زجاجة من عصير، كما قد يشعر بالجوع فيتناول قطعة حلوى، كما قد يَحتاج إلى تعويض قلم ضاع منه، أو كراسة نفدت أوراقُها، أو شراء مسطرة أو ممحاة، وخصوصًا عندما يرى غيره من الأطفال وهم يُنفقون على تلك الأشياء من مصروفهم الشَّخصي؛ ولذلك ينبغي أن يقدم أولياء الأمور للطِّفل ما يحتاج إليه من هذه الماديَّات.

وفي ذلك يُفَضَّل أن نستمع إلى حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعن ثوبان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أفضلُ دينار ينفقه الرَّجل دينار ينفقه على عياله، ودينار يُنفقه الرجل على دابَّته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله))؛ قال أبو قلابة: "وبدأ بالعيال"، ثُمَّ قال أبو قلابة: "وأي رجل أعظم من رجل ينفق على عيال صغار، يُعِفُّهم ويغنيهم؟"؛ مسلم..

فينبغي أن يوفر أولياء الأمور للطِّفل حاجاته المادية والنفسية: كالحب والأمن، والعطف والحنان، والحرية في لعبه، واختيار ما يلعب به، وحرية التعبير عمَّا في نفسه وعما يقلقه؛ حيثُ حاجة الأطفال المادية لا تقل عن حاجاتهم النفسيَّة..

- صدِّقه، وابتعد تمامًا عن أن تشعره بأنَّك تشكُّ فيما يقوله، ولا تصفه أبدًا بالكذب، وحاول أن تتعرف الأسباب التي تجعله يلجأ إلى البحث عن الذَّرائع، وابْعث في نفسه الاطمئنان..

عندما تنبني علاقتك بالطفل على المحبة والثِّقة والمصارحة؛ فإنَّ هذه العلاقة تعتبر بحق إنجازًا عظيمًا على طريق الصِّحة النفسية للطفل؛ فهو طفل سعيد يُصارح أبويه ومعلميه بكُلِّ ما يَجِدُّ له، ولا يَجِدُ أيَّ حرج في أن يبوحَ بمخاوفه للقريبين منه؛ لذلك فإنَّنا نُساند باستمرار بناءَ تلك الثِّقة ودعم الأُسُس التي بُنِيَت عليها..

إنَّ أية مُحاولة تصدر عن الآباء أو المُعلمين تُوحي إلى الطِّفل بأنَّنا نُشكك فيما يقول - هي هدمٌ لتلك الثِّقة التي بنيناها، وهي تنقل إلى الطفل رسالةً معناها: أنَّه يحتمل أن يكون غير صادق فيما يقول، وكأنَّنا بذلك نفتح أمامه بابًا آخر للسلوك - الكذب - يُمكن أن يلجأ إليه.

ويزداد الموقف تعقيدًا إذا ما اقترن هذا الشَّك في سُلُوك الطفل بتهديد بإنزال العقاب به إذا ما اتَّضح كذبه؛ مِمَّا ينقل إلى الطِّفل رسالة ثانية أخرى هي أنَّ السلطة بنهجها الجديد تُقدِّم الشَّك وتُهدد بالعقاب، وهو وضعُ اتِّهام لطفل في التصريح بمكنون نفسه للأب أو المعلم في ظِلِّ علاقة الحُب والمصارحة.

ومن المُؤسف أنَّ علاقة المُصارحة القائمة على الحب والثِّقة إذا ما تعرضت للاهتزاز؛ نتيجة للخطأ الذي يقع فيه المربي بإبداء الشَّكِّ فيما يقوله الطفل أو بإشعاره بأنَّه ربَّما يكون كاذبًا، هذه العلاقة إذا ما اهتزَّت كان من الصُّعوبة بمكان أن يُعاد بناؤها بالقُوَّة نفسها التي كانت عليها..

ومع ذلك يشعر المربي في موقف من المواقف بأنَّ الطِّفل يُعاني حالةً خاصة، أو أنه يلجأ إلى إخفاء شيء ما عن أبويه أو عن مُعلمه، أو أنه يتذرَّع بأعذار غير حقيقية؛ لعدم إنجازه عملًا ما، وهنا يكونُ على المربي أن يستثمر علاقة الثِّقة بينه وبين الطِّفل في التعرُّف على الأسباب الحقيقية التي اضطرته إلى اتِّخاذ هذا السُّلوك..

- لا تجبره على أداء عمل لا يَميل إليه قَسْرًا، وإنَّما حاولْ أن تشركه في تذليل الصُّعوبات التي تعترض أداءه لذلك العمل:

إنَّنا عندما نكلف الطِّفل بأداء عملٍ من الأعمال، فإنَّه يَجبُ علينا أنْ نُراعي قدراته الجسميَّة والعقليَّة وحالته النفسية بوجه عام؛ فقد يكون العمل فوق طاقته من النَّاحية الجسميَّة والعقليَّة، وعند ذاك يضطر الطِّفل تحت وطأة الخوف من العقاب، وإغضاب السُّلطة - أن يحتمي بشخص آخر قريب له؛ كالأُمِّ مثلًا أو أحد الإخوة؛ ليؤدي العمل نيابة عنه ثُم يكذب على السلطة، ويدعي أنه أنجز العمل بنفسه، وفي هذا ما فيه من إضرار بالجانب الخُلُقي للطفل؛ فقد يعتاد أن ينسب عمل الغير إلى نفسه..

ويحدث ذلك في حالات كثيرة مثل تكليفه ببعض الأعمال المنْزليَّة، التي لا يقدرُ عليها وخاصَّة إذا كان يعيشُ مع غير والديه؛ كزوجة الأب أو زوج الأم وغيرهما، وكما يَحدُث في تكليفه ببعض الواجبات المدرسيَّة الشاقَّة؛ كتكليفه بكتابة الجملة ثلاثين أو عشرين مرَّة، وهذا فوق طاقة الطفل؛ فيضطر إلى اللُّجوء باكيًا إلى أمِّه أو أحد إخوته ليكتب له التَّكليف المطلوب.

ثُمَّ ينسبه إلى نفسه؛ ليكسب رضاء المعلمة، أو ليفلت من عقابها، غير أنَّ لهذا أثره السيئ على سلوك الطفل في المُستقبل؛ حيثُ يتعود أنْ ينسب عمل غيره إلى نفسه، وهو سلوك لا يقره الدِّين ولا الخُلُق؛ لأنَّه كذب يخلق الحزازات الشخصيَّة.

وينشر الحقد والكراهية، ويفتئت على حقوق الغير؛ فالمفروض ألاَّ يزيد الواجب المنزلي في تلك السِّن المُبكرة على عشر دقائق أو رُبع ساعة، فلا يُكرر الطفل كتابة الجملة المطلوبة أكثر من ثلاث مرات؛ حتَّى لا يكون لعامل التَّعب والضجر أثر في إنجاز الأسطر التالية؛ فتكون مليئة بالأخطاء وناقصة، وتدلُّ على أنَّ الطفل كان منهكًا وهو يؤدي العمل..

وإذا ما كان التَّكليف يحل بعضَ المُشكلات الحسابيَّة، أو يعمل نموذجًا بشكل مُعين من ورق القصِّ واللصق أو غيره، فإنَّ واجبنا أن نأخذ بيد الطِّفل خُطوة خُطوة لتوضيح كيفية أداء العمل المطلوب، وقد نقدم له مُشكلة حسابيَّة مُشابهة تمامًا للمشكلة المعروضة عليه، ونُشركه في حلِّها.

ثم نطلبُ منه أن يحلَّ المُشكلة التي بين يديه على النَّسق نفسه، كما ينبغي أن نستغل الحوافز الماديَّة والأدبية والتَّشجيع؛ لنحتفظَ بحماس الطِّفل لأداء العمل، ونشيدُ بما تَمَّ إنجازه، ونُكافئه عليه، ولا يجوز لنا أنْ نشجع الطِّفل بحال إذا ما نسب عمل غيره إلى نفسه..

- وَفِّرْ للطِّفل الهناء العائلي، واجعله يعيشُ في جوٍّ من التَّفاهُم المُتبادل بين جميع أفراد الأسرة، وابتعد عن أيِّ انفعال يُثير الخوف أو الفزع في نفس الطفل..

الهناء العائلي مظلة يستظلُّ بها أفراد الأسرة، يُوفره الأب والأم، ويتحملان القدر الأكبر من المسؤولية في هذا السبيل، ويوفره الأبناء للأسرة بطاعتهم للآباء وتنشئتهم التنشئة الدينية الصحيحة على القيم الإسلاميَّة الخالدة؛ فالمحبة والود والتَّعاطف والمصارحة والمُناقشة الهادئة للمُشكلات التي تَجِدُّ في حيِّز الأسرة، والمشاركة مع الجميع في إبداء الرَّأي في كيفية مواجهة تلك المشكلات.

وقيام كلِّ فرد بنصيبه من المسؤولية عن رغبة وحب وطواعية في تلك المواجهة، كل ذلك كفيل بأن يسير رَكْب الحياة العائلية في سهولة ويُسر ونُعومة نحو تحقيق أهداف الأُسرة؛ فشخصيَّة الأب وشخصية الأم المُتسامحة الحريصة على تجاوز كلِّ أزمة تجدُّ في حياة الأسرة في هدوء، والبعد عن التسلُّط أو التزمُّت أو المحاسبة القاسية على كل تصرُّف يقوم به أعضاء الأسرة، والتعاضد والتساند أمام المُشكلات، والعطاء الكامل.

والالتزام الدِّيني والخلقي، والاقتداء بسنن الهادي الأمين وصحبه والتَّابعين - تتطلب أن يبتعد الأبوان عن أيِّ انفعال يُثير القلق أو الخوف أو الفزع في نُفُوس الأبناء، فكُلُّ شيء يسير في هدوء.

ولا يخفى ما يترتب على غياب هذه العناصر الطَّيِّبة من حياة الأسرة، وأقل ما يُمكن أن يترتب على الحَيْد عن تلك الشُّروط هو انقسام الأسرة في اتجاهات مُتعارضة؛ لتأييد سياسة الأب أو تأييد سياسة الأم، أو السخط على سياسة الاثنين كليهما، وهو ما يُعطي الفُرصة لظُهُور الكذب أو النِّفاق أو التملق وغيرها من عوامل الهدم لحياة الأسرة..

ومن المعروف أنَّ الأسرة هي المجتمع الصغير الذي يُعد للحياة في المجتمع الكبير، وأن الطفل يكتسب خلال حياته في الأُسْرة العديد من أنماط السُّلوك التي تنتقل معه إلى حياته في المجتمع الكبير، فهو يعمم السُّلوك الذي تعلمه في الأسرة على تعامله مع أفراد ومؤسسات المجتمع الكبير في الفصل، وفي المَلعب، وفي الشَّارع، وفي المدرسة، وفي السُّوق.

ومع رفاق وزملاء العمل في المستقبل؛ لذلك ينبغي أن يدرك الآباء خطر الدَّور الذي يقومون به في التَّربية المنْزلية على حياة وسلوكيَّات ابنهم أو ابنتهم الناشئة في المجتمع الكبير في مُستقبل حياته أو حياتها؛ فالكثير مما يشكو منه بعض المُجتمعات من انتشار الكذب أو الملق أو النِّفاق قد نجد أن بذوره الأساسيَّة وجذوره الأساسيَّة ترجع إلى ما تعلمه الطِّفل مما يدور في الأسرة الصَّغيرة التي نشأ فيها، أو في مُجتمع الفصل أو المدرسة..

- تفاهم الآباء والأمهات والمعلمين على المعاملة المتَّزنة الثابتة للطفل في المواقف المُتشابهة، واتِّخاذ الموقف الموحد إزاء السُّلوك غير المرغوب فيه - يُعطي القيم الأخلاقيَّة معنى، ويُيسر امتصاص الطفل لتلك القيم:

ويقصد بالمُعاملة المتزنة هنا المُعاملة التي تقوم على مُحاولة فهم الظُّروف المحيطة بالطفل، والدوافع النَّفسية التي وراء السلوك الذي قام به، والضُّغوط التي أثرت عليه، واتخاذ الموقف المناسب إزاء السُّلوك بحيث يخلو من الانفعال، ويُؤخذ في الاعتبار صالح نُمُو الطفل، وتوجيهه التوجيه الصَّحيح فيما يتَّصل بمستقبل حياته وعلاقاته في البيئة، ويفترض أن تكون المعاملة ثابتة في المواقف المتشابهة؛ فموقف الأب هو موقف الأم هو موقف المعلم المُربي.

فلا يكون هناك اختلاف بين هذه الجهات في تقويمها لسُلُوك الطفل: هو سُلُوك غير مقبول مع الجميع، أو هو سلوك مقبول من الجميع، وهو سلوك يستحقُّ العقاب أو هو سلوك يستحقُّ الثَّواب، ولا مجال للاختلاف في الحُكم حول تقويم ذلك السُّلوك، سواء حدث في الماضي أو في الحاضر أو حدث في المستقبل، فالقيم الدينية والخلقيَّة والاجتماعية قيم لها صفة الثَّبات والاستقرار، وهي قيم تحظى بالاحترام والمُوافقة والتدعيم من المجتمع على اختلاف فئاته..

وهذا الاتفاق يُعطي القيم معنى، ويُيسر امتصاص الطِّفل لها وأخذه بها، واتخاذها منارًا يهدي سُلُوكه في مُختلف جوانب حياته، ومن تلك القيم قيمة تعمل على نشر الثقة والأمان والمحبة بين جميع أفراد المجتمع..

- اهتم بملاحظة سُلُوك طفلك، و ما قد يطرأ عليه من تغيُّر، لكن لا تكثر من التَّدخل في شؤونه، ولا تشعره بأنَّه مراقب، وحاول من مُلاحظتِك له أن تتعرف على المشكلات التي قد تجدُّ له أثناء نموه..

من حديثٍ عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: ((والرجلُ راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها))..

إن الاهتمام بملاحظة سُلُوك الأبناء من كَثَبٍ دون أن نُشعرهم بأننا نتدخل في شؤونهم - يعتبر مصدرًا مُهمًّا لكثير من المعلومات عن نُمُوِّ الطِّفل؛ فشهية الطِّفل للطعام، ونشاطه المتدفق في اللعب وفي الحديث وفي الحركة، والسُّرور البادي على وجهه - كلها مَظاهر للصِّحَّة الجسمية والنفسية، أمَّا فقدان الشهية للطعام، والشُّرود، وامتقاع الوجه، والتَّردد في الحديث، وأمراض الكلام الطارئة، والعودة إلى التَّبول غير الإرادي والخمول، وعدم الرَّغبة في الاستيقاظ المُبكر للذِّهاب إلى المدرسة، وفقدان الحيوية - كلها مظاهر لوجود أشياء جدت على حياة الطِّفل في علاقاته المدرسيَّة أو سيره الدراسي، أو في معاملة معلميه أو زملائه له..

وهنا يكون على الوالدين أن يتَّصلا بالمدرسة؛ ليعرفا سيرةَ الطفل التحصيلي وتقدُّمه الدِّراسي، وعلاقته المدرسيَّة بالمعلمين وبغيره من الأطفال، بل قد يكون ذلك أيضًا مدعاة لمراجعة أسلوب المُعاملة للطِّفل، ويستطيع الآباء من خلال تعرُّف المُشكلات التي تعترض نُمو الطفل وتحديدها، واتخاذ أساليب العلاج الناجع إزاءها بمعاونة المدرسة - أن يحسِّنوا حال أبنائهم..

وإن الصِّلة بين المنزل والمدرسة كفيلة بأن تقطع على الطِّفل السبيل؛ حتَّى لا يحاول أن يجدَ ذرائعَ غير حقيقية يُبرِّر بها ما يُعانيه من مُشكلات..

يقول عبدالله علوان في الجزء الثاني من كتابه "تربية الولد في الإسلام": "ومن الأمور المُهمة التي يجب أن يعلمها المُربِّي أن التربية بالمُلاحظة لم تقتصر على جانب أو جانبين من جوانب الإصلاح في تكوين النَّفس الإنسانيَّة، إنَّما ينبغي أن تشمل جميع الجوانب: إيمانيَّة، وعقلية، وخُلُقية، وجسمية، ونفسية، واجتماعية؛ حتَّى تعطي هذه التربية ثِمارها في إيجاد الفرد المسلم المتوازن، المتكامل السوي الذي يُؤدي لكل ذي حقٍّ حقه في الحياة..

ويضرب أمثلة للجوانب التي ينبغي أنْ تشملها الملاحظة في الجانب الإيماني، والتي تشمل ما تلقاه الولد من مبادئ وأفكار واعتقادات على يد من يُشرفون على توجيهه وتعليمه في المدرسة أو غير المدرسة، وأنْ يُلاحظ ما يطالعه الولد من كُتب ومَجلات ونشرات، وأن يلاحظ من يصاحبه الولد من رفقاء وقرناء..

كما يضرب أمثلة للنَّواحي التي ينبغي أن تشملها المُلاحظة في الجانب الأخلاقي، والتي تشمل مدى التزامه بالصِّدق والأمانة وحفظ اللِّسان، وللنَّواحي التي تشملها المُلاحظة في الجوانب النفسيَّة والإرادية مثل تقليد الغير، والاستماع إلى الموسيقى والغناء الخليع، والتخنث ومخالطة غير المحارم من النساء... إلخ، والكتب والمجلات التي يقتنيها.

كما تشمل الملاحظةُ ملاحظةَ انتظامه في الدراسة، وتحصيله العلمي، وتكوينه الثقافي..

الكاتب: محمد علي قطب الهمشري - وفاء محمد عبدالجواد - علي إسماعيل محمد
 
المصدر: موقع الألوكة