روائع مختارة | واحة الأسرة | فقه الأسرة | من أحكام.. الصيام

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
روائع مختارة
الصفحة الرئيسية > روائع مختارة > واحة الأسرة > فقه الأسرة > من أحكام.. الصيام


  من أحكام.. الصيام
     عدد مرات المشاهدة: 774        عدد مرات الإرسال: 0

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على خير البريات، وعلى الآل والصحب والتابعين أزكى التحيات، أما بعد:

فإن للصيام أحكامًا كثيرة، حري بكل مسلم أن يعرفها، ويعمل بمقتضاها، وفي هذه اللحظات نسلط الضوء على بعض تلك الأحكام، وذلك من خلال آية سورة البقرة وهي قوله تعالى:

{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}1.

هذه رُخْصة من الله تعالى للمسلمين، ورَفْع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فإنه كان إذا أفطر أحدهم إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو ينام قبل ذلك، فمتى نام أو صلى العشاء حرم عليه الطعام، والشراب، والجماع إلى الليلة القابلة. فوجدوا من ذلك مَشَقة كبيرة. والرفث هنا هو: الجماع. قاله ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهم.2
 
وكان السبب في نزول هذه الآية ما روي أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان أحدهم صائمًا فنام قبل أن يفطر لم يأكل إلى مثلها، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائمًا، وكان يومه ذلك يعمل في أرضه.

فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا ولكن أَنطلق، فأطلب لك فغلبته عينه فنام، وجاءت امرأته فلما رأته نائما قالت: خيبة لك أنمت؟ فلما انتصف النهار غشي عليه فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ} إلى قوله {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}3، ففرحوا بها فرحا شديدا.4

وأخرج البخاري من حديث البراء بن عازب قال: لما نزل صوم شهر رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، فكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله: {عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ} الآية.5 وقد روى في بيان سبب نزول هذه الآية أحاديث عن جماعة من الصحابة نحو ما قاله البراء.
 
وقال ابن جرير: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد، فرجع عمر بن الخطاب من عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وقد سمر عنده.

فوجد امرأته قد نامت فأرادها فقالت: إني قد نمت فقال: ما نمت، ثم وقع بها. وصنع كعب بن مالك مثل ذلك، فغدا عمر بن الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فأنزل الله: {عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ}6.

قال الشوكاني في قوله: {أُحِلَّ لَكُمُ}: فيه دلالة على أن هذا الذي أحله الله كان حرامًا عليهم، وهكذا كان كما يفيده السبب لنزول الآية، وسيأتي. والرفث: كناية عن الجماع، قال الزجاج: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته، وكذا قال الأزهري، ومنه قول الشاعر:

ويُرَيْنَ من أنْس الحَدِيثِ زَوَانيًا
 
وبهنَّ عَنْ رَفَث الرجالِ نِفَارُ
 
 وعن ابن عباس قال: الرفث الجماع ولكن الله كريم يكني.7 وقيل: الرفث: أصله قول الفحش، رفث وأرفث: إذا تكلم بالقبيح، وليس هو المراد هنا، وعدّى الرفث بإلى لتضمينه معنى الإمضاء. وجعل النساء لباسًا للرجال؛ والرجال لباسًا لهنّ لامتزاج كل واحد منهما بالآخر عند الجماع كالامتزاج الذي يكون بين الثوب ولابسه.

قال أبو عبيدة وغيره: يقال للمرأة لباس، وفراش، وإزار. وقيل: إنما جل كل واحد منهما لباسًا للآخر؛ لأنه يستره عند الجماع عن أعين الناس.8
 
وقوله: {تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ} أي: تخونونها بالمباشرة في ليالي الصوم، يقال: خان، واختان بمعنى، وهما من الخيانة.

 قال القتيبي: أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شيء، فلا يؤدي الأمانة فيه.9 وإنما سماهم خائنين لأنفسهم؛ لأن ضرر ذلك عائد عليهم، وقوله: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} يحتمل معنيين: أحدهما: قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم، والآخر التخفيف عنهم بالرخصة، والإباحة كقوله: {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ}10. يعني: تخفف عنكم.

وكقوله: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مّنَ الله}11. يعني تخفيفًا، وهكذا قوله: {الضر عَنْكُمْ} يحتمل العفو من الذنب، ويحتمل التوسعة، والتسهيل. وقوله: {وابتغوا} قيل: هو الولد، أي: ابتغوا بمباشرة نسائكم حصول ما هو معظم المقصود من النكاح، وهو حصول النسل. وقيل: المراد: ابتغوا القرآن بما أبيح لكم فيه، قاله الزجاج وغيره. وقيل: ابتغوا الرخصة، والتوسعة. وقيل: ابتغوا ما كتب لكم من الإماء، والزوجات. وقيل: غير ذلك مما لا يفيده النظم القرآني، ولا دل عليه دليل آخر.
 
وقوله: {حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود مِنَ الفجر} هو: تشبيه بليغ، والمراد هنا بالخيط الأبيض هو: المعترض في الأفق، لا الذي هو كذَنَب السِّرْحان، فإنه الفجر الكذاب، الذي لا يحلّ شيئًا ولا يحرمه.

والمراد بالخيط الأسود: سواد الليل، 12 والتبين هنا معناه: التوثق والتأكد، وعلى ذلك فيجوز للإنسان أن يأكل ما دام يظن الليل باقيا، حتى إذا تيقن بزوغ الفجر حرم عليه.
 فيمتاز أحدهما عن الآخر، وذلك لا يكون إلا عند دخول وقت الفجر.
 
وهناك مذهب يقول: أن الإمساك لا يجب إلا إذا انتشر الفجر في الطرقات والبيوت، روي ذلك عن أبي بكر وعمر وابن عباس وحذيفة وطلق بن علي وعطاء والأعمش أن الإمساك يجب بتبين الفجر في الطرق وعلى رؤوس الجبال.13

ولعل مما يضعف هذا القول أن تبييت النية بالصيام إنما يكون قبل الفجر، ولو كان الإمساك لا يجب إلا بعد انتشار الفجر لكان القول بجواز عقد النية بالصوم بعد طلوع الفجر حَرِيًا بالقبول، ولا قائل به، والذي يبدو أن الصحابة قصدوا التيقن كذلك، ورأوا أدل دليل على طلوع الفجر وثبوته انتشار ضوئه، ومن ثم حكموا بأنه وقت الإمساك، وإلا لو تيقن الإنسان بطلوع الفجر ولو لم ير انتشاره كمثل أن يخبره صادق بذلك، أو يكون في البر فيرى بياض الليل فيجب عليه الإمساك للآية: {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}14.

وعن عدي بن حاتم قال: لما نزلت هذه الآية {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} عمدت إلى عقالين أحدهما أسود، والآخر أبيض قال: فجعلتهما تحت وسادتي، قال: فجعلت أنظر إليهما، فلما تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بالذي صنعت، فقال: (إن وسادك إذن لعريض، إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل)15.16
 
ويجب على الصائم أن يجتنب في صومه الطعام والشراب والجماع، فهذه مفطرات، وكل له حكمه، أما مقدمات الجماع كالقبلة والمباشرة واللمس فليس فيها بأس لمن أمن على نفسه، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم كما روى البخاري عن عائشة، لكن إن قبل أو لمس أو نظر فأمنى فعليه القضاء.

وإن أمذى ففيه خلاف، فابن عبد البر لا يرى عليه شيئًا، وأحمد يرى عليه القضاء، وإن جامع فعليه عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فيطعم ستين مسكينًا.

وقوله: {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل} فيه التصريح بأن للصوم غاية هي الليل، فعند إقبال الليل من المشرق، وإدبار النهار من المغرب يفطر الصائم، ويحلّ له الأكل، والشرب وغيرهما.
 
ونهاية الصوم يكون بغروب الشمس، ولا يجوز تأخير الفطر إلى ما بعد الغروب فإن من فعل ذلك شابه اليهود، قال عليه الصلاة والسلام: (لا تزال أمتي بخير ما لم تنتظر بفطرها النجوم)17
وقول: {وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد} قيل: المراد: بالمباشرة هنا الجماع.

وقيل: تشمل التقبيل، واللمس إذا كانا لشهوة لا إذا كانا لغير شهوة، فهما جائزان كما قاله عطاء، والشافعي، وابن المنذر، وغيرهم، وعلى هذا يحتمل ما حكاه ابن عبد البر من الإجماع على أن المعتكف لا يباشر، ولا يُقَبِّل، فتكون هذه الحكاية للإجماع مقيدة بأن يكونا لشهوة، والاعتكاف في اللغة: الملازمة، يقال عكف على الشيء: إذا لازمه، ومنه قول الشاعر:
 
وَظَلَّ بَنَاتُ اللَّيْلِ حَوْلي عُكَّفا
 
عُكُوفَ البَواكِي حَوْلَهُنَّ صَرِيع
 
ولما كان المعتكف يلازم المسجد قيل له: عاكف في المسجد، ومعتكف فيه؛ لأنه يحبس نفسه لهذه العبادة في المسجد، والاعتكاف في الشرع: ملازمة طاعة مخصوصة على شرط مخصوص. وقد وقع الإجماع على أنه ليس بواجب، وعلى أنه لا يكون إلا في مسجد، وللاعتكاف أحكام مستوفاة في كتب الفقه، وشروح الحديث.18
 
وقوله: {تِلْكَ حُدُودُ الله} أي: هذه الأحكام حدود الله، وأصل الحدّ: المنع، ومنه سمي البواب، والسجان: حدادًا، وسميت الأوامر والنواهي حدود الله؛ لأنها تمنع أن يدخل فيها ما ليس منها، وأن يخرج عنها ما هو منها، ومن ذلك سميت الحدود حدودًا؛ لأنها تمنع أصحابها من العود. ومعنى النهي عن قربانها: النهي عن تعدّيها بالمخالفة لها.

وقيل: إن حدود الله هي محارمه فقط، ومنها: المباشرة من المعتكف، والإفطار في رمضان لغير عذر، وغير ذلك مما نُهيَ عنه، ومعنى النهي عن قربانها على هذا واضح. وقوله: {كذلك يُبَيّنُ الله آيَاتِهِ} أي: كما بين لكم هذه الحدود يبين لكم العلامات الهادية إلى الحق.
 
والاعتكاف من أعظم الاعمال الصالحة، لا سيما في شهر الصوم فهو من الأعمال التي يحصل لمن فعلها انشرح صدره فيسابق وينافس به على المنازل والدرجات العلا، ولذا عبر عنه ابن رجب –رحمه الله– بـ"الخلوة المشروعة لهذه الأمة وهي الاعتكاف، خصوصًا في شهر رمضان.

خصوصًا في العشر الأواخر منه كما كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يفعله؛ فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره، وقطع عن نفسه كل شاغل يشغله، وعكف بقلبه وقالبه على ربه وما يقربه منه، فما بقي له همٌ سوى الله وما يرضيه عنه.
 
فمعنى الإعتكاف و حقيقته –كما قال ابن رجب-: قطع العلائق عن الخلائق للإتصال بخدمة الخالق و كلما قويت المعرفة بالله و المحبة له والأنس به أورثت صاحبها الإنقطاع إلى الله تعالى بالكلية على كل حال، وكان بعضهم لا يزال منفردا في بيته خاليًا بربه فقيل له: أما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني.19
 
بعض فوائد الآية:

1- إباحة الأكل والشرب والجماع في ليالي الصيام من غروب الشمس إلى طلوع الفجر.

2- بيان ظرف الصيام وهو من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس.

3- بيان ما يسمك عنه الصائم وهو الأكل والشرب والجماع، وما يقوم مقامها.

4- مشروعية الاعتكاف وخاصة في رمضان، وأن المعتكف لا يحل له مخالطة امرأته وهو معتكف حتى تنتهي مدة اعتكافه التي عزم أن يعتكفها.

5- استعمال الكناية بدل التصريح فيما يستحى من ذكره، حيث كنى بالمباشرة عن الوطء؛ وهذه من آداب القرآن العظيم الكثيرة.

6- حرمة انتهاك حرمات الشرع وتعدي حدوده.

7- بيان الغاية من إنزال الشرائع، ووضع الحدود وهي تقوى الله عز وجل.

8- ثبت بالسنة: سنة السحور واستحباب تأخيره ما لم يخش طلوع الفجر، واستحباب تعجيل الفطر.20

هذا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين.

1 (187) سورة البقرة.
2 تفسير ابن كثير (1/510) بتصرف.
3 187) سورة البقرة.
4 مختصر ابن كثير (1/132).
5 رواه البخاري (4238).
6 (187) سورة البقرة.
7 تفسير الطبري (2/167).
8 فتح القدير للشوكاني (1/286).
9 المرجع السابق (1/286).
10 (20) المزمل.
11 (92) النساء.
12 المرجع السابق (1/286).
13 تفسير القرطبي (2/319).
14 (187) سورة البقرة.
15 رواه الترمذي (2970) وصححه الألباني في صحيح الترمذي (2034).
16 مختصر ابن كثير(1/132).
17 رواه ابن خزيمة (2061) وابن حبان (3510) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب(1074).
18 فتح القدير (1/245).
19 لطائف المعارف (1/207).
20 أيسر التفاسير للجزائري (1/85) بتصرف.
   
المصدر: موقع إمام المسجد