الكشاف  
   الجزء الثاني   
   ( 65 من 116 )  
  السابق   الآيات القرآنية   الفهرس   التالي  
  
 

{‏ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالاً وولداً فعسى

ربي أن يؤتين خيراً من جنتك ويرسل عليها حسباناً من السماء فتصبح صعيداً زلقاً ‏{‏‏.‏

‏{‏مَا شَاءَ الله ‏{‏يجوز أن تكون ‏{‏ما ‏{‏موصولة مرفوعة المحل على أنها خبر مبتدأ محذوف تقديره‏:‏

الأمر ما شاء الله‏.‏ أو شرطية منصوبة الموضع والجزاء محذوف بمعنى‏:‏ أي شيء شاء الله

كان‏.‏ ونظيرها في حذف الجواب ‏{‏لو ‏{‏في قوله‏:‏ ‏{‏ولو أن قراناً سيرت به الجبال ‏{‏الرعد‏:‏ 31

والمعنى‏:‏ هلا قلت عند دخولها والنظر إلى ما رزقك اللّه منها الأمر ما شاء الله اعترافاً بأنها

وكل خير فيها إنما حصل بمشيئة الله وفضله وأن أمرها بيده‏:‏ إن شاء تركها عامرة وإن شاء

خربها وقلت ‏{‏لا قوة إلا بالله ‏{‏إقراراً بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها إنما هو بمعونته

وتأييده إذ لا يقوى أحد في بدنه ولا في ملك يده إلا بالله تعالى‏.‏ وعن عروة بن الزبير أنه كان يثلم

حائطه أيام الرطب فيدخل من شاء‏.‏ وكان إذا دخله ردد هذه الآية حتى يخرج‏.‏ من قرأ

‏{‏أَقَل ‏{‏بالنصب فقد جعل أنا فصلاً ومن رفع جعله مبتدأ وأقل خبره والجملة مفعولاً ثانياً

لترني‏.‏ وفي قوله ‏{‏وولداً ‏{‏نصرة لمن فسر النفر بالأولاد في قوله ‏{‏وأعز نفراً ‏{‏الكهف‏:‏ 34 والمعنى

إن ترني أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله أن يقلب ما بي وما بك من الفقر والغنى فيرزقني

لإيماني جنة ‏{‏خيراً من جنتك ‏{‏ويسلبك لكفرك نعمته ويخرب بستانك‏.‏ والحسبان‏:‏ مصدر

كالغفران والبطلان بمعنى الحساب أي‏:‏ مقداراً قدره الله وحسبه وهو الحكم بتخريبها وقال

الزجاج‏:‏ عذاب حسبان وذلك الحسبان حساب ما كسبت يداك‏.‏ وقيل حسباناً مرامي الواحدة

حسبانة وهي الصواعق ‏{‏صعيداً زلقاً ‏{‏أرضاً بيضاء يزلق عليها لملاستها زلقاً‏.‏ و ‏{‏غوراً ‏{‏

كلاهما وصف بالمصدر‏.‏

‏{‏وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم

أشرك بربي أحداً ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصراً ‏{‏‏.‏

‏{‏وأحيطَ ‏{‏به عبارة عن إهلاكه‏.‏ وأصله من أحاط به العدو لأنه إذا أحاط به فقد ملكه

واستولى عليه ثم استعمل في كل إهلاك‏.‏ ومنه قوله تعالى ‏{‏إلا أن يحاط بكم ‏{‏يوسف‏:‏ 66

ومثله قولهم‏:‏ أتى عليه إذا أهلكه من أتى عليهم العدو‏:‏ إذا جاءهم مستعلياً عليهم‏.‏ وتقليب

الكفين‏:‏ كناية عن الندم والتحسر لأن النادم يقلب كفيه ظهراً لبطن كني عن ذلك بعض الكف

والسقوط في اليد ولأنه في معنى الندم عدى تعديته بعلى كأنه قيل‏:‏ فأصبح يندم ‏{‏على ما

أنفق فيها ‏{‏أي أنفق في عمارتها ‏{‏وهي خاوية على عروشها ‏{‏يعني أن كرومها المعرشة سقطت

عروشها على الأرض وسقطت فوقها الكروم‏.‏ قيل‏:‏ أرسل الله عليها ناراً فأكلتها ‏{‏يا ليتني ‏{‏

تذكر موعظة أخيه فعلم أنه أتى من جهة شركه وطغيانه فتمنى لو لم يكن مشركاً حتى لا يهلك

الله بستانه‏.‏ ويجوز أن يكون توبة من الشرك وندماً على ما كان منه ودخولاً في الإيمان‏.‏ وقرئ‏:‏

ولم يكن بالياء والتاء وحمل ‏{‏ينصرونه ‏{‏على المعنى دون اللفظ كقوله ‏{‏فئة تقاتل في سبيل الله

وأخرى كافرة يرونهم ‏{‏آل عمران‏:‏ 113‏.‏ فإن قلت‏:‏ ما معنى قوله‏:‏ ‏{‏ينصرونه من دون الله ‏{‏قلت‏:‏

معناه يقدرون على نصرته من دون الله أي‏:‏ هو وحده القادر على نصرته لا يقدر أحد غيره

أن ينصره إلا أنه لم ينصره لصارف وهو استيجابه أن يخذل ‏{‏وما كان منتصراً ‏{‏وما كان ممتنعاً

بقوته عن انتقام الله‏.‏

‏{‏هنالك الولاية لله الحق هو خير ثواباً وخير عقباً ‏{‏‏.‏

‏{‏الولاية ‏{‏بالفتح النصرة والتولي وبالكسر السلطان والملك وقد قرئ بهما‏.‏ والمعنى هنالك أي‏:‏

في ذلك المقام وتلك الحال النصرة لله وحده لا يملكها غيره ولا يستطيعها أحد سواه تقريراً

لقوله‏:‏ ‏{‏ولم يكن له فئة ينصرونه من دون الله ‏{‏الكهف‏:‏ 43 أو‏:‏ هنالك السلطان والملك لله لا

يغلب ولا يمتنع منه‏.‏ أو في مثل تلك الحال الشديدة يتولى الله ويؤمن به كل مضطر‏.‏ يعني أن قوله

‏{‏يا ليتني لم أشرك بربي أحداً ‏{‏الكهف‏:‏ 42 كلمة ألجيء إليها فقالها جزعاً مما دهاه من شؤم

كفره ولولا ذلك لم يقلها‏.‏ ويجوز أن يكون المعنى‏:‏ هنالك الولاية لله ينصر فيها أولياءه المؤمنين

على الكفرة وينتقم لهم ويشفي صدورهم من أعدائهم يعني‏:‏ أنه نصر فيما فعل بالكافر أخاه

المؤمن وصدق قوله‏:‏ ‏{‏عسى ربي أن يؤتيني خيراً من جنتك ويرسل عليها حسباناً من السماء ‏{‏

الكهف‏:‏ 40 ويعضده قوله ‏{‏خير ثواباً وخير عقباً ‏{‏أي لأوليائه وقيل ‏{‏هنالك ‏{‏إشارة إلى الآخرة

أي في تلك الدار الولاية لله كقوله ‏{‏لمن الملك اليوم ‏{‏غافر‏:‏ 16 وقرئ‏:‏ الحق بالرفع والجر صفة

للولاية والله‏.‏ وقرأ عمرو بن عبيد بالنصب على التأكيد كقولك‏:‏ هذا عبد الله الحق لا الباطل

وهي قراءة حسنة فصيحة وكان عمرو بن عبيد من أفصح الناس وأنصحهم‏.‏ وقرئ عقباً بضم

القاف وسكونها وعقبى على فعلى وكلها بمعنى العاقبة‏.‏

‏{‏واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً

‏{‏فاختلط به نبات الأرض ‏{‏فالتف بسببه وتكاثف حتى خالط بعضه بعضاً‏.‏ وقيل‏:‏ نجع في

النبات الماء فاختلط به حتى روي ورف رفيفاً وكان حق اللفظ على هذا التفسير‏:‏ فاختلط

بنبات الأرض‏.‏ ووجه صحته أن كل مختلطين موصوف كل واحد منهما بصفة صاحبه‏.‏

والهشيم‏:‏ ما تهشم وتحطم الواحدة هشيمة‏.‏ وقرئ تذروه الريح وعز ابن عباس‏:‏ تذريه الرياح

من أذرى‏:‏ شبه حال الدنيا في نضرتها وبهجتها وما يتعقبها من الهلاك والفناء بحال النبات

يكون أخضر وارفاً ثم يهيج فتطيره الرياح كأن لم يكن ‏{‏وكان الله على كل شيء ‏{‏من الإنشاء

والإفناء ‏{‏مقتدراً ‏{‏‏.‏

‏{‏المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً ‏{‏‏.‏

‏{‏والباقيات الصالحات ‏{‏أعمال الخير التي تبقى ثمرتها للإنسان وتفنى عنه كل ما تطمح إليه نفسه

من حظوظ الدنيا‏.‏ وقيل‏:‏ هي الصلوات الخمس وقيل‏:‏ سبحان اللّه والحمد لله ولا إله إلا الله

والله أكبر‏.‏ وعن قتادة‏:‏ كل ما أريد به وجه الله ‏{‏خير عند ربك ثواباً ‏{‏أي ما يتعلق بها من

الثواب وما يتعلق بها من الأمل لأن صاحبها يأمل في الدنيا ثواب الله ويصيبه في الآخرة‏.‏

‏{‏ويوم نسير الجبال وترى الشمس بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً وعرضوا على ربك

صفاً لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعتم أن لن نجعل لكم موعداً ‏{‏‏.‏

قرئ‏:‏ تسير من سيرت ونسير من سيرنا وتسير من سارت أي‏:‏ تسير في الجو‏.‏ أو يذهب بها

بأن تجعل هباء منبثاً‏.‏ وقرئ‏:‏ وترَى الأرض على البناء للمفعول ‏{‏بارزة ‏{‏ليس عليها ما يسترها

مما كان عليها ‏{‏وحشرناهم ‏{‏وجمعناهم إلى الموقف‏.‏ وقرئ‏:‏ فلم نغادر بالنون والياء يقال‏:‏ غادره

وأغدره إذا تركه‏.‏ ومنه الغدر‏.‏ ترك الوفاء‏.‏ والغدير‏:‏ ما غادره السيل‏.‏ وشبهت حالهم بحال

الجند المعروضين على السلطان ‏{‏صفاً ‏{‏مصطفين ظاهرين يرى جماعتهم كما يرى كل واحد لا

يحجب أحد أحداً ‏{‏لقد جئتمونا ‏{‏أي قلنا لهم‏:‏ لقد جئتمونا‏.‏ وهذا المضمر هو عامل النصب

في يوم نسير‏.‏ ويجوز أن ينصب بإضمار اذكر‏.‏ والمعنى لقد بعثناكم كما أنشأناكم ‏{‏أول مرة ‏{‏

وقيل‏:‏ جئتمونا عراة لا شيء معكم كما خلقناكم أولاً كقوله‏:‏ ‏{‏ولقد جئتمونا فرادى ‏{‏الأنعام‏:‏

4‏.‏ فإن قلت‏:‏ لم جيء بحشرناهم ماضياً بعد نسير وترى قلت‏:‏ للدلالة على أن حشرهم قبل

التسيير وقبل البروز ليعاينوا تلك الأهوال العظائم كأنه قيل‏:‏ وحشرناهم قبل ذلك ‏{‏موعداً ‏{‏وقتاً

لإنجاز ما وعدتم على السنة الأنبياء من البعث والنشور‏.‏

‏{‏ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة

ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً ‏{‏‏.‏

‏{‏الكتاب ‏{‏للجنس وهو صحف الأعمال ‏{‏يا ويلتنا ‏{‏ينادون هلكتهم التي هلكوها خاصة من بين

الهلكات ‏{‏صغيرة ولا كبيرة ‏{‏هنة صغيرة ولا كبيرة وهي عبارة عن الإحاطة يعني‏:‏ لا يترك شيئاً

من المعاصي إلا أحصاه أي‏:‏ أحصاها كلها كما تقول‏:‏ ما أعطاني قليلاً ولا كثيراً لأن الأشياء

إنا صغار وإنا كبار‏.‏ ويجوز أن يريد‏:‏ وإنا كان عندهم صغائر وكبائر‏.‏ وقيل‏:‏ لم يجتنبوا الكبائر

فكتبت عليهم الصغائر وهي المناقشة‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏ الصغيرة التبسم والكبيرة القهقهة‏.‏ وعن

سعيد بن جبير‏:‏ الصغيرة المسيس والكبيرة الزنا‏.‏ وعن الفضيل‏:‏ كان إذا قرأها قال‏:‏ ضجوا والله

من الصغائر قبل الكبائر ‏{‏إلا أحصاها ‏{‏إلا ضبطها وحصرها ‏{‏ووجدوا ما عملوا حاضراً ‏{‏في

الصحف عتيداً‏.‏ أو جزاء عملوا ‏{‏ولا يظلم ربك أحداً ‏{‏فيكتب عليه ما لم يعمل‏.‏ أو يزيد في

عقاب المستحق يعذبه بغير جرم كما يزعم من ظُلم الله في تعذيب أطفال المشركين بذنوب

آبائهم‏.‏

‏{‏وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه

أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلاً ما أشهدتهم خلق

السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضداً ‏{‏‏.‏

‏{‏كان من الجن ‏{‏كلام مستأنف جار مجرى التقليل بعد استثناء إبليس من الساجدين كأن قائلاً

قال‏:‏ ما له لم يسجد فقيل‏:‏ كان من الجن ‏{‏ففسق عن أمر ربه ‏{‏والفاء للتسبيب أيضاً جعل

كونه من الجن سبباً في فسقه لأنه لو كان ملكاً كسائره سجد لآدم لم يفسق عن أمر الله لأن

الملائكة معصومون البتة لا يجوز عليهم ما يجوز على الجن والإنس كما قال‏:‏ ‏{‏لا يسبقونه بالقول

وهم بأمره يعملون ‏{‏الأنبياء‏:‏ 7 وهذا الكلام المعترض تعمد من اللّه تعالى لصيانة الملائكة عن

وقوع شبهة في عصمتهم فما أبعد البون بين ما تعمده الله وبين قول من ضاده وزعم أنه كان

ملكاً ورئيساً على الملائكة فعصى فلعن ومسخ شيطاناً ثم وركه على ابن عباس‏.‏ ومعنى

‏{‏ففسق عن أمر ربه ‏{‏خرج عما أمره به ربه من السجود‏.‏ قال‏:‏

فواسقاً عن قصدها جوائرا

أو صار فاسقاً كافراً بسبب أمر ربه الذي هو قوله‏:‏ ‏{‏اسجدوا لآدم ‏{‏‏.‏ ‏{‏أفتتخذونه ‏{‏الهمزة

للإنكار والتعجيب كأنه قيل‏:‏ أعقيب ما وجد منه تتخذونه ‏{‏وذريته أولياء من دوني ‏{‏

وتستبدلونهم بي بئس البدل من اللّه إبليس لمن استبدله فأطاعه بدل طاعته ‏{‏ما أشهدتهم ‏{‏

وقرئ‏:‏ ما أشهدناهم يعني‏:‏ أنكم اتخذتموهم شركاء لي في العبادة وإنما كانوا يكونون شركاء فيها

لو كانوا شركاء في الإلهية فنفى مشاركتهم في الإلهية بقوله‏:‏ ‏{‏ما أشهدتهم خلق السموات

والأرض ‏{‏لأعتضد بهم في خلقها ‏{‏ولا خلق أنفسهم ‏{‏أي ولا أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله‏:‏

‏{‏ولا تقتلوا أنفسكم ‏{‏النساء‏:‏ 29 ‏{‏وَمَا كُنتُ متخذ المضلين ‏{‏بمعنى وما كنت متخذهم ‏{‏عضداً ‏{‏

أي أعواناً فوضع المضلين موضع الضمير ذماً لهم بالإضلال فإذا لم يكونوا عضداً لي في الخلق

فما لكم تتخذونهم شركاء لي في العبادة وقرئ‏:‏ وما كنت بالفتح‏:‏ الخطاب لرسول الله صلى

الله عليه وسلم والمعنى‏:‏ وما صح لك الاعتضاد بهم وما ينبغي لك أن تعتز بهم‏.‏ وقرأ علي

رضي اللّه عنه‏:‏ وما كنت متخذاً المضلين بالتنوين على الأصل‏.‏ وقرأ الحسن‏:‏ عضدا بسكون

الضاد ونقل ضمتها إلى العين‏.‏ وقرئ‏:‏ عُضدا بالفتح وسكون الضاد‏.‏ وعُضُدا بضمتين وعَضَدا

بفتحتين‏:‏ جمع عاضد كخادم وخدم وراصد ورصد ومن عضده‏:‏ إذا قواه وأعانه‏.‏

‏{‏ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجابوا لهم وجعلنا بينهم موبقاً ورأى

المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفاً ‏{‏‏.‏

‏{‏يقول ‏{‏بالياء والنون‏.‏ وإضافة الشركاء إليه على زعمهم‏:‏ توبيخاً لهم وأراد الجن والموبق‏:‏

المهلك من وبق يبق وبوقاً ووبق يوبق وبقاً‏:‏ إذا هلك‏.‏ وأوبقه غيره‏.‏ ويجوز أن يكون مصدراً

كالمورد والموعد يعني‏:‏ وجعلنا بينهم وادياً من أودية جهنم هو مكان الهلاك والعذاب الشديد

مشتركاً يهلكون فيه جميعاً‏.‏ وعن الحسن ‏{‏موبقاً ‏{‏عداوة‏.‏ والمعنى‏:‏ عداوة هي في شدتها هلاك

كقوله لا يكن حبك كلفاً ولا بغضك تلفاً‏.‏ وقال الفراء‏:‏ البين الوصل أي‏:‏ وجعلنا تواصلهم في

الدنيا هلاكاً يوم القيامة‏.‏ ويجوز أن يريد الملائكة وعزيراً وعيسى ومريم وبالموبق‏:‏ البرزخ

البعيد أي‏:‏ وجعلنا بينهم أمداً بعيداً تهلك فيه الأشواط لفرط بعده لأنهم في قعر جهنم وهم في

أعلى الجنان ‏{‏فظنوا ‏{‏فأيقنوا ‏{‏مواقعوها ‏{‏مخالطوها واقعون فيها ‏{‏مصرفاً ‏{‏معدلاً‏.‏ قال‏:‏

أزهير هل عن شيبة من مصرف

‏{‏ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً ‏{‏‏.‏

‏{‏أكثر شيء جدلاً ‏{‏كثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل إن فصلتها واحداً بعد واحد خصومة

ومماراة بالباطل‏.‏ وانتصاب ‏{‏جدلاً ‏{‏على التمييز يعني‏:‏ أن جدل الإنسان أكثر من جدل كل

شيء‏.‏ ونحوه‏:‏ ‏{‏فإذا هو خصيم مبين ‏{‏النحل‏:‏ 4‏.‏

‏{‏وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم

العذاب قبلاً ‏{‏‏.‏

‏{‏أن ‏{‏الأولى نصب‏.‏ والثانية رفع وقبلها مضاف محذوف تقديره ‏{‏وما منع الناس ‏{‏الإيمان

والاستغفار ‏{‏إلا ‏{‏انتظار ‏{‏أن تأتيهم سنة الأولين ‏{‏وهي الإهلاك ‏{‏أو ‏{‏انتظار ‏{‏يأتيهم العذاب ‏{‏

يعني عذاب الآخرة ‏{‏قبلاً ‏{‏عياناً‏.‏ وقرئ‏:‏ قِبَلا أنواعاً‏:‏ جمع قبيل‏.‏ قَبَلا بفتحتين‏:‏ مستقبلاً‏.‏

‏{‏وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق

واتخذوا آياتي وما أنذرهم هزواً ‏{‏‏.‏

‏{‏ليدحضوا ‏{‏ليزيلوا ويبطلوا من إدحاض القدم وهو إزلاقها وإزالتها عن موطئها ‏{‏وما أنذرهم ‏{‏

يجوز أن تكون ‏{‏ما ‏{‏موصولة ويكون الراجع من الصلة محذوفاً أي‏:‏ وما أنذروه من العذاب‏.‏ أو

مصدرية بمعنى‏:‏ وإنذارهم‏.‏ وقرئ‏:‏ ‏{‏هزأ ‏{‏بالسكون أي اتخذوها موضع استهزاء‏.‏ وجدالهم‏:‏

قولهم للرسل‏:‏ ‏{‏ما أنتم إلا بشر مثلنا ولو شاء الله لأنزل ملائكة ‏{‏المؤمنون‏:‏ 24 وما أشبه ذلك‏.‏

‏{‏ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة

أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً وإن تدعوهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذاً أبداً ‏{‏‏.‏

‏{‏بآيات ربه ‏{‏بالقرآن ولذلك رجع إليها الضمير مذكراً في قوله‏:‏ ‏{‏أن يفقهوه ‏{‏‏{‏فأعرض عنها ‏{‏فلم

يتذكر حين ذكر ولم يتدبر ‏{‏ونسي ‏{‏عاقبة إمَا ‏{‏قدمت يداه ‏{‏من الكفر والمعاصي غير متفكر فيها

ولا ناظر في أن المسيء والمحسن لا بد لهما من جزاء‏.‏ ثم علل إعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع

على قلوبهم وجمع بعد الإفراد حملاً على لفظ ومعناه ‏{‏فلن يهتدوا ‏{‏فلا يكون منهم اهتداء البتة

كأنه محال منهم لشدة تصميمهم ‏{‏أبداً ‏{‏مدة التكليف كلها‏.‏ و ‏{‏إذا ‏{‏جزاء وجواب فدل على

انتفاء اهتدائهم لدعوة الرسول بمعنى أنهم جعلوا ما يجب أن يكون سبب وجود الاهتداء سبباً

في انتفائه وعلى أنه جواب للرسول على تقدير قوله‏:‏ ما لي لا أدعوهم حرصاً على إسلامهم

فقيل‏:‏ وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا‏.‏

‏{‏وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من

دونه موئلاً ‏{‏‏.‏

‏{‏الغفور ‏{‏البليغ المغفرة ‏{‏ذو الرحمة ‏{‏الموصوف بالرحمة ثم استشهد على ذلك بترك مؤاخذة أهل

مكة عاجلاً من غير إمهال مع إفراطهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏بل لهم

موعد ‏{‏وهو يوم بدر ‏{‏لن يجدوا من دونه موئلاً ‏{‏منجى ولا ملجأ‏.‏ يقال‏:‏ وأل إذا نجا و وأل إليه

إذا لجأ إليه‏.‏

‏{‏وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعداً ‏{‏‏.‏

‏{‏وتلك القرى ‏{‏يريد قرى الأولين من ثمود وقوم لوط وغيرهم‏:‏ أشار لهم إليها ليعتبروا‏.‏ ‏{‏تلك ‏{‏

مبتدأ و ‏{‏القرى ‏{‏صفة‏:‏ لأن أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجناس و ‏{‏أهلكناهم ‏{‏خبر‏.‏ ويجوز

أن يكون ‏{‏وتلك القرى ‏{‏نصباً بإضمار أهلكنا على شريطة التفسير‏.‏ والمعنى وتلك أصحاب

القرى أهلكناهم ‏{‏لما ظلموا ‏{‏مثل ظلم أهل مكة ‏{‏وجعلنا لمهلكهم موعداً ‏{‏وضربنا لإهلاكهم وقتاً

معلوماً لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر والمهلك الإهلاك ووقته‏.‏ وقرئ‏:‏ لمَهلكهم

بفتح الميم واللام مفتوحة أو مكسورة أي‏:‏ لهلاكهم أو وقت هلاكهم‏.‏ والموعد‏:‏ وقت أو

مصدر‏.‏

‏{‏وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقباً فلما بلغا مجمع بينهما

نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سرباً فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا

هذا نصباً قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره

واتخذ سبيله في البحر عجباً قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على أثارهما قصصاً فوجدا عبداً

من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً ‏{‏‏.‏

‏{‏لفتاه ‏{‏لعبده‏.‏ وفي الحديث‏:‏

‏{‏ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل‏:‏ عبدي وأمتي‏.‏ وقيل‏:‏ هو يوشع بن نون‏.‏ وإنما قيل‏:‏ فتاه

لأنه كان يخدمه ويتبعه‏.‏ وقيل‏:‏ كان يأخذ منه العلم‏.‏ فإن قلت‏:‏ ‏{‏لا أبرح ‏{‏إن كان بمعنى لا أزول

من برح المكان فقد دل على الإقامة لا على السفر‏.‏ وإن كان بمعنى‏:‏ لا أزال فلا بد من الخبر

قلت‏:‏ هو بمعنى لا أزال وقد حذف الخبر لأن الحال والكلام معاً يدلان عليه‏.‏ أما الحال فلأنها

كانت حال سفر‏.‏ وأما الكلام فلأن قوله‏:‏ ‏{‏حتى أبلغ مجمع البحرين ‏{‏غاية مضروبة وتستدعي ما

هي غاية له فلا بد أن يكون المعنى‏:‏ لا أبرح أسير حتى أبلغ مجمع البحرين‏.‏ ووجه آخر‏:‏ وهو أن

يكون المعنى‏:‏ لا يبرح مسيري حتى أبلغ على أن حتى أبلغ هو الخبر فلما حذف المضاف أقيم

المضاف إليه مقامه وهو ضمير المتكلم فانقلب الفعل عن لفظ الغائب إلى لفظ المتكلم وهو

وجه لطيف‏.‏ ويجوز أن يكون‏.‏ المعنى‏:‏ لا أبرح ما أنا عليه بمعنى‏:‏ ألزم المسير والطلب ولا أتركه

ولا أفارقه حتى أبلغ كما تقول‏:‏ لا أبرح المكان‏.‏ ومجمع البحرين‏:‏ المكان الذي وعد فيه موسى

لقاء الخضر عليهما السلام وهو ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق‏.‏ وقيل‏:‏ طنجة‏.‏

وقيل‏:‏ أفريقية‏.‏ ومن بدع التفاسير‏:‏ أن البحرين موسى والخضر لأنهما كانا بحرين في العلم‏.‏

وقرئ‏:‏ مجمع بكسر الميم وهي في الشذوذ من يفعل كالمشرق والمطلع من يفعل ‏{‏أو أمضي

حقباً ‏{‏أو أسير زماناً طويلاً‏.‏ والحقب ثمانون سنة‏.‏ وروي أنه لما ظهر موسى على مصر مع بني

إسرائيل واستقروا بها بعد هلاك القبط أمره الله أن يذكر قومه النعمة فقام فيهم خطيباً فذكر

نعمة اللّه وقال‏:‏ إنه اصطفى نبيكم وكلمه‏.‏ فقالوا له‏:‏ قد علمنا هذا فأي الناس أعلم قال‏:‏

أنا‏.‏ فعتب الله عليه حين لم يرد العلم إلى الله فأوحى إليه‏:‏ بل أعلم منك عبد لي عند مجمع

البحرين وهو الخضر وكان الخضر في أيام أفريدون قبل موسى عليه السلام وكان على مقدمة

ذي القرنين الأكبر وبقي إلى أيام موسى‏.‏ وقيل‏:‏ إن موسى سأل ربه‏:‏ أي عبادك أحب إليك

قال الذي يذكرني ولا ينساني‏.‏ قال‏:‏ فأي عبادك أقضى قال‏:‏ الذي يقضي بالحق ولا يتبع

الهوى‏.‏ قال‏:‏ فأي عبادك أعلم قال‏:‏ الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة

تدله على هدى أو ترده عن ردى‏.‏ فقال‏:‏ إن كان في عبادك من هو أعلم مني فادللني عليه‏.‏

قال‏:‏ أعلم منك الخضر‏.‏ قال‏:‏ أين أطلبه قال‏:‏ على الساحل عند الصخرة‏.‏ قال‏:‏ يا رب كيف

لي به قال‏:‏ تأخذ حوتاً في مكتل فحيث فقدته فهو هناك‏.‏ فقال لفتاه‏:‏ إذا فقَدت الحوت

فأخبرني فذهبا يمشيان فرقد موسى فاضطرب الحوت ووقع في البحر فلما جاء وقت الغداء

طلب موسى الحوت فأخبره فتاه بوقوعه في البحر فأتيا الصخرة فإذا رجل مسجى بثوبه

فسلم عليه موسى فقال‏:‏ وأني بأرضنا السلام فعرفه نفسه فقال‏:‏ يا موسى أنا على علم

علمنيه الله لا تعلمه أنت وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا‏.‏ فلما ركبا السفينة جاء

عصفور فوقع على حرفها فنقر في الماء فقال الخضر‏:‏ ما ينقص علمي وعلمك من علم الله إلا

مقدار ما أخذ هذا العصفور من البحر ‏{‏نسيا حوتهما ‏{‏أي نسيا تفقد أمره وما يكون منه مما

جعل أمارة على الظفر بالطلبة‏.‏ وقيل‏:‏ نسي يوشع أن يقدمه ونسي موسى أن يأمره فيه

بشيء‏.‏

وقيل‏:‏ كان الحوت سمكة مملوحة‏.‏ وقيل‏:‏ إن يوشع حمل الحوت والخبز في المكتل فنزلا ليلة على

شاطئ عين تسمى عين الحياة ونام موسى فلما أصاب السمكة برد الماء وروحه عاشت‏.‏

وروي‏.‏ أنهما أكلا منها‏.‏ وقيل‏:‏ توضأ يوشع من تلك العين فانتضح الماء على الحوت فعاش ووقع

في الماء ‏{‏سرباً ‏{‏أمسك الله جرية الماء على الحوت فصار عليه مثل الطاق وحصل منه في مثل

السرب معجزة لموسى أو للخضر ‏{‏فلما جاوزا ‏{‏الموعد وهو الصخرة لنسيان موسى تفقد أمر

الحوت وما كان منه‏.‏ ونسيان يوشع أن يذكر لموسى ما رأى من حياته ووقوعه في البحر‏.‏ وقيل‏:‏

سارا بعد مجاوزة الصخرة الليلة والغد إلى الظهر وألقي على موسى النصب والجوع حين جاوز

الموعد ولم ينصب ولا جاع قبل ذلك فتذكر الحوت وطلبه‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏من سفرنا هذا ‏{‏إشارة إلى

مسيرهما وراء الصخرة‏.‏ فإن قلت‏:‏ كيف نسي يوشع ذلك ومثله لا ينسى لكونه أمارة لهما

على الطلبة التي تناهضا من أجلها لكونه معجزتين ثنتين‏:‏ وهما حياة السمكة المملوحة المأكول

منها وقيل‏:‏ ما كانت إلا شق سمكة وقيام الماء وانتصابه مثل الطاق ونفوذها في مثل السرب

منه ثم كيف استمر به النسيان حتى خلفا الموعد وسارا مسيرة ليلة إلى ظهر الغد وحتى

طلب موسى عليه السلام الحوت قلت‏:‏ قد شغله الشيطان بوساوسه فذهب بفكره كل

مذهب حتى اعتراه النسيان وانضم إلى ذلك أنه ضري بمشاهدة أمثاله عند موسى عليه السلام

من العجائب واستأنس بإخوانه فأعان الإلف على قلة الاهتمام ‏{‏أرأيت ‏{‏بمعنى أخبرني‏.‏ فإن

قلت‏:‏ ما وجه التئام هذا الكلام فإن كل واحد من ‏{‏أرأيت ‏{‏و ‏{‏إذ أوينا ‏{‏و ‏{‏فإني نسيت الحوت ‏{‏

لا متعلق له قلت‏:‏ لما طلب موسى عليه السلام الحوت ذكر يوشع ما رأى منه وما اعتراه من

نسيانه إلى تلك الغاية فدهش وطفق يسأل موسى عليه السلام عن سبب ذلك كأنه قال‏:‏

أرأيت ما دهاني إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت فحذف ذلك‏.‏ وقيل‏:‏ هي الصخرة

التي دون نهر الزيت‏.‏ و ‏{‏أن اذكره ‏{‏بدل من الهاء في ‏{‏أنسانيه ‏{‏أي‏:‏ وما أنساني ذكره إلا الشيطان‏.‏

وفي قراءة عبد الله‏:‏ أن اذكركه و ‏{‏عجباً ‏{‏ثاني مفعولي اتخذ مثل ‏{‏سرباً ‏{‏يعني‏:‏ واتخذ سبيله

سبيلاً عجباً وهو كونه شبيه السرب أو قال‏:‏ عجباً في آخر كلامه تعجباً من حاله في رؤية

تلك العجيبة ونسيانه لها أو مما رأى من المعجزتين وقوله‏:‏ ‏{‏أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ‏{‏

اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وقيل‏:‏ إن ‏{‏عجباً ‏{‏حكاية لتعجب موسى عليه السلام

وليس بذاك ‏{‏ذلك ‏{‏إشارة إلى اتخاذه سبيلاً أي‏:‏ ذلك الذي كنا نطلب لأنه أمارة الظفر بالطلبة

من لقاء الخضر عليه السلام قرئ‏:‏ نبغ لغير ياء في الوصل وإثباتها أحسن وهي قراءة أبي

عمرو‏.‏ وأما الوقف فالأكثر فيه طرح الياء اتباعاً لخط المصحف ‏{‏فارتدا ‏{‏فرجعا في أدراجهما

‏{‏قصصاً ‏{‏يقصان قصصاً أي‏:‏ يتبعان آثارهما اتباعاً‏.‏ أو فارتدا مقتصين ‏{‏رحمة من عندنا ‏{‏

هي الوحي والنبوة ‏{‏من لدنا ‏{‏مما يختص بنا من العلم وهو الإخبار عن الغيوب‏.‏

‏{‏قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشداً ‏{‏‏.‏

‏{‏رشدا ‏{‏ قرئ‏:‏ بفتحتين وبضمة وسكون أي‏:‏ علما ذا رشد أرشد به في ديني‏.‏ فإن قلت‏:‏

أما دلت حاجته إلى التعلم من آخر في عهده أنه كما قيل موسى بن ميشا لا موسى بن عمران

لأن النبي يجب أن يكون أعلم أهل زمانه وإمامهم المرجوع إليه في أبواب الدين قلت‏:‏ لا

غضاضة بالنبي في أخذ العلم من نبي مثله‏:‏ وإنما يغض منه أن يأخذه ممن دونه‏.‏ وعن سعيد ابن

جبير أنه قال لابن عباس‏:‏ إن نوفا ابن امرأة كعب يزعم أن الخضر ليس بصاحب موسي وأن

موسى هو موسى بن ميشا فقال‏:‏ كذب عدو الله‏.‏

‏{‏قال إنك لن تستطيع معي صبراً وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً ‏{‏‏.‏

نفي استطاعة الصبر على وجه التأكيد كأنهما مما لا يصح ولا يستقيم وعلل ذلك بأنه يتولى

أموراً هي في ظاهرها مناكير‏.‏ والرجل الصالح فكيف إذا كان نبياً لا يتمالك أن يشمئز ويمتعض

ويجزع إذا رأى ذلك ويأخذ في الإنكار‏.‏ و ‏{‏خبراً ‏{‏تمييز أي‏:‏ لم يحط به خبرك أو لأن لم تحط به

بمعنى لم تخبره فنصبه نصب المصدر‏.‏

‏{‏قال ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً ‏{‏‏.‏

‏{‏ولا أعصي ‏{‏في محل النصب عطفاً على ‏{‏صَابراً ‏{‏أي‏:‏ ستجدني صابراً وغير عاص‏.‏ أو لا في

محل عطفاً على ستجدني‏.‏ رجا موسى عليه السلام لحرصه على العلم وازدياده أن يستطيع

معه صبراً بعد إفصاح الخضر عن حقيقة الأمر فوعده بالصبر معلقاً بمشيئة الله علماً منه بشدة

الأمر وصعوبته وإن الحمية التي تأخذ المصلح عند مشاهدة الفساد شيء لا يطاق هذا مع

علمه أن النبي المعصوم الذي أمره الله بالمسافرة إليه واتباعه واقتباسه العلم منه بريء من أن

يباشر ما فيه غميزة في الدين وأنه لا بد لما يستسمج ظاهره من باطن حسن جميل فكيف إذا

لم يعلم‏.‏

‏{‏قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً ‏{‏‏.‏

قرئ‏:‏ فلا تسألني بالنون الثقيلة يعني‏:‏ فمن شرط اتباعك لي أنك إذا رأيت مني شيئاً وقد

علمت أنه صحيح إلا أنه غبي عليك وجه صحته فحميت وأنكرت في نفسك أن لا تفاتحني

بالسؤال ولا تراجعني فيه حتى أكون أنا الفاتح عليك‏.‏ وهذا من آداب المتعلم مع العالم والمتبوع

مع التابع‏.‏

‏{‏فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً قال

ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً ‏{‏‏.‏

‏{‏فانطلقا ‏{‏على ساحل البحر يطلبان السفينة فلما ركبا قال أهلها‏:‏ هما من اللصوص

وأمروهما بالخروج فقال صاحب السفينة‏:‏ أرى وجوه الأنبياء‏.‏ وقيل‏:‏ عرفوا الخضر فحملوهما

بغير نول فلما لججوا أخذ الخضر الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي الماء

فجعل موسى يسد الخرق بثيابه ويقول‏:‏ ‏{‏أخرقتها لتغرق أهلها ‏{‏وقرئ‏:‏ لتغرق بالتشديد وليغرق

أهلها من غرق وأهلها مرفوع ‏{‏جئت شيئاً إمراً ‏{‏أتيت شيئاً عظيماً من أَمر الأمر‏:‏ إذا عظم

قال‏:‏

داهية دهياء إداً إمراً ‏{‏‏.‏

‏{‏قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً ‏{‏‏.‏

‏{‏بما نسيت ‏{‏بالذي نسيته أو بشيء نسيته أو بنسياني‏:‏ أراد أنه نسي وصيته ولا مؤاخذة على

الناسي‏.‏ أو أخرج الكلام في معرض النهي عن المؤاخذة بالنسيان يوهمه أنه قد نسي ليبسط

عذره في الإنكار وهو من معاريض الكلام التي يتقي بها الكذب مع التوصل إلى الغرض كقول

إبراهيم‏:‏ هذه أختي وإني سقيم‏.‏ أو أراد بالنسيان‏:‏ الترك أي‏:‏ لا تلا تآخذني بما تركت من

وصيتك أول مرة‏.‏ يقال‏:‏ رهقه إذا غشيه وأرهقه إياه‏.‏ أي‏:‏ ولا تغشني ‏{‏عسراً ‏{‏من أمري وهو

اتباعه إياه يعني‏:‏ ولا تعسر علي متابعتك ويسرها علي بالإغضاء وترك المناقشة‏.‏ وقرئ‏:‏

عُسُراً بضمتين‏.‏

‏{‏فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله قال أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً قال

ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً ‏{‏‏.‏

‏{‏فقتله ‏{‏قيل‏:‏ كان قتله فتل عنقه‏.‏ وقيل‏:‏ ضرب برأسه الحائط وعن سعيد بن جبير‏:‏ أضجعه

ثم ذبحه بالسكين‏.‏ فإن قلت‏:‏ لم قيل ‏{‏حَتى إِذَا رَكِبَا في السفينة خرقها ‏{‏بغير فاء و ‏{‏حتى إذا لقيا

غلاماً فقتله ‏{‏قلت‏:‏ جعل خرقها جزاء للشرط وجعل قتله من جملة الشرط معطوفاً عليه

والجزاء ‏{‏قال أقتلت ‏{‏‏.‏ فإن قلت‏:‏ فلم خولف بينهما قلت‏:‏ لأن خرق السفينة لم يتعقب الركوب

وقد تعقب القتل لقاء الغلام‏.‏ وقرئ‏:‏ زاكية وزكية وهي الطاهرة من الذنوب إما لأنها طاهرة

عنده لأنه لم يرها قد أذنبت وإما لأنها صغيرة لم تبلغ الحنث ‏{‏بغير نفس ‏{‏يعني لم تقتل نفساً

فيقتص منها‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏

أن نجدة الحروري كتب إليه‏:‏ كيف جاز قتله وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن

قتل الولدان فكتب إليه‏:‏ إن علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى فلك أن تقتل

‏{‏نكراً ‏{‏‏.‏ وقرئ‏:‏ بضمتين وهو المنكر وقيل النكر أقل من الإمر لأن قتل نفس واحدة أهون من

إغراق أهل السفينة‏.‏ وقيل‏:‏ معناه جئت شيئاً أنكر من الأول لأن ذلك كان خرقاً يمكن تداركه

بالسد وهذا لا سبيل إلى تداركه‏.‏ فإن قلت‏:‏ ما معنى زيادة ‏{‏لك ‏{‏قلت‏:‏ زيادة المكافحة

بالعتاب على رفض الوصية والوسم بقلة الصبر عند الكرة الثانية‏.‏

‏{‏قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً ‏{‏

‏{‏بعدها ‏{‏بعد هذه الكرة أو المسألة ‏{‏فلا تصاحبني ‏{‏فلا تقاربني وإن طلبت صحبتك فلا

تتابعني على ذلك‏.‏ وقرئ‏:‏ فلا تصحبني فلا تكن صاحبي‏.‏ وقرئ‏:‏ فلا تصحبني أي فلا

تصحبني إياك ولا تجعلني صاحبك ‏{‏من لدني عذراً ‏{‏قد أعذرت‏.‏ وقرئ‏:‏ لدني بتخفيف النون

ولدني بسكون الدال وكسر النون كقولهم في عضد‏:‏ عضد‏.‏ وعن رسول الله صلى الله عليه

وسلم‏:‏

‏{‏إرحم الله أخي موسى استحيا فقال ذلك ‏{‏وقال‏:‏

‏{‏رحمة الله علينا وعلى أخي موسى لو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب ‏{‏‏.‏

‏{‏فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن

ينقض فأقامه قال لو شئت لتخذت عليه أجراً ‏{‏‏.‏

‏{‏أهل قرية ‏{‏هي إنطاكية‏.‏ وقيل‏:‏ الأبلة وهي أبعد أرض الله من السماء ‏{‏أن يضيفوهما ‏{‏‏.‏

وقرئ‏:‏ يضيفوهما يقال‏:‏ ضافه إذا كان له ضيفاً‏.‏ وحقيقته‏:‏ مال إليه من ضاف السهم عن

الغرض ونظيره‏:‏ زاره من الازورار‏.‏ وأضافه وضيفه‏:‏ أنزله وجعله ضيفه وعن النبي صلى الله

عليه وسلم‏:‏

‏{‏كانوا أهل قرية لئاماً ‏{‏‏.‏ وقيل‏:‏ شر القرى التي لا يضاف الضيف فيها ولا يعرف لابن السبيل

حقه ‏{‏يريد أن ينقض ‏{‏استعيرت الإرادة للمداناة والمشارفة كما استعير الهم والعزم لذلك‏.‏ قال

في مهمه قلقت به هاماتها قلق الفؤوس إذا أردن نصولاً ‏{‏‏.‏

وقال‏:‏

يريد الرمح صدر أبي براء ويعدل عن دماء بني عقيل

وقال حسان‏:‏

إن دهراً يلف شملي بجمل لزمان يهم بالإحسان

وسمعت من يقول‏:‏ عزم السراج أن يطفأ وطلب أن يطفأ‏.‏ وإذا كان القول والنطق والشكاية

والصدق والكذب والسكوت والتمرد والإباء والعزة والطواعية وغير ذلك مستعار للجماد ولما لا

يعقل فما بال الإرادة قال‏:‏

إذا قالت الأنساع للبطن الحق

تقول سني للنواة طني

وشكا إلي بعبرة وتحمحم

فإن يكن ظني صادقاً وهو صادقي

‏{‏ولما سكت عن موسى الغضب ‏{‏الأعراف‏:‏ 154‏:‏

تمرد مارد وعز الأبلق

ولبعضهم‏:‏

يأبى على أجفانه إغفاءه هم إذا انقاد الهموم تمردا

أبت الروادف والثدي لقمصها مس البطون وأن تمس ظهورا

‏{‏قالتا أتينا طائعين ‏{‏فصلت‏:‏ 11 ولقد بلغني أن بعض المحرفين لكلام اللّه تعالى ممن لا يعلم كان

يجعل الضمير للخضر لأن ما كان فيه من آفة الجهل وسقم الفهم أراه أعلى الكلام طبقة أدناه

منزلة فتمحل ليرده إلى ما هو عنده أصح وأفصح وعنده أن ما كان أبعد من المجاز كان أدخل

في الإعجاز‏.‏ وانقض‏:‏ إذا أسرع سقوطه من انقضاض الطائر وهو انفعل مطاوع قضضته‏.‏

وقيل‏:‏ افعل من النقض كأحمر من الحمرة‏.‏ وقرئ‏:‏ أن ينقض من النقض وأن ينقاص من انقاصت

السن إذا انشقت طولاً قال ذو الرقة‏:‏

بالصاد غير معجمة ‏{‏فأقامه ‏{‏قيل‏:‏ أقامه بيده‏.‏ وقيل‏:‏ مسحه بيده فقام واستوى‏.‏ وقيل‏:‏ أقامه

بعمود عمده به‏.‏ وقيل‏:‏ نقضه وبناه‏.‏ وقيل‏:‏ كان طول الجدار في السماء مائة ذراع كانت الحال

حال اضطرار وافتقار إلى المطعم ولقد لزمتهما الحاجة إلى آخر كسب المرء وهو المسألة فلم

يجدا مواسياً فلما أقام الجدار لم يتمالك موسى لما رأى من الحرمان ومساس الحاجة أن ‏{‏قال لو

شئت لتخذن عليه أجراً ‏{‏وطلبت على عملك جعلاً حتى ننتعش ونستدفع به الضرورة وقرئ‏:‏

لتخذت والتاء في تخذ أصل كما في تبع واتخذ افتعل منه كاتبع من تبع وليس من الأخذ في

شيء‏.‏

‏{‏قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً ‏{‏‏.‏

فإن قلت‏:‏ ‏{‏هذا ‏{‏إشارة إلى ماذا قلت‏:‏ قد تصور فراق بينهما عند حلول ميعاد على ما قال

موسى عليه السلام‏:‏ إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني فأشار إليه وجعله مبتدأ

وأخبر عنه كما تقول‏:‏ هذا أخوك فلا يكون هذا إشارة إلى غير الأخ ويجوز أن يكون إشارة

إلى السؤال الثالث أي‏:‏ هذا الاعتراض سبب الفراق والأصل هذا فراق بيني وبينك‏.‏ وقد قرأ

به ابن أبي عبلة فأضيف المصدر إلى الظرف كما يضاف إلى المفعول به‏.‏

‏{‏أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل

‏{‏لمساكين ‏{‏قيل كانت لعشرة إخوة خمسة منهم زمنى وخمسة يعملون في البحر ‏{‏وراءهم ‏{‏

أمامهم كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏من ورائهم برزخ ‏{‏المؤمنون‏:‏ 100 وقيل‏:‏ خلفهم وكان طريقهم في

رجوعهم عليه وما كان عندهم خبره فأعلم اللّه به الخضر وهو جلندي‏.‏ فإن قلت‏:‏ قوله‏:‏

‏{‏فأردت أن أعيبها ‏{‏مسبب عن خوف الغصب عليها فكان حقه أن يتأخر عن السبب فلم قدم

عليه قلت‏:‏ النية به التأخير وإنما قدم للعناية ولأن خوف الغصب ليس هو السبب وحده

ولكن مع كونها للمساكين فكان بمنزلة قولك‏:‏ زيد ظني مقيم‏.‏ وقيل في قراءة أبي وعبد الله‏:‏ كل

سفينة صالحة‏.‏

‏{‏وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً فأردنا أن يبدلهما ربهما

خيراً منه زكوة وأقرب رحماً وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما

وكان أبوهما صالحاً فأراد ربهما أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته

عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً ‏{‏‏.‏

وقرأ الجحدري‏:‏ ‏{‏وكان أبواه مؤمنان على أن كان فيه ضمير الشأن ‏{‏فخشينا أن يرهقهما طغياناً

وكفراً ‏{‏فخفنا أن يغشى الوالدين المؤمنين طغياناً عليهما وكفراً لنعمتهما بعقوقه وسوء صنيعه

ويلحق بهما شراً وبلاء أو يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ

كافر‏.‏ أو يعديهما بدائه ويضلهما بضلاله فيرتدا بسببه ويطغيا ويكفرا بعد الإيمان وإننا خشي

الخضر منه ذلك لأن الله تعالى أعلمه بحاله وأطلعه على سر أمره‏.‏ وأمره إياه بقتله كاحترامه

لمفسدة عرفها في حياته‏.‏ وفي قراءة أبي‏:‏ فخاف ربك والمعنى‏:‏ فكره ربك كراهة من خاف

سوء عاقبة الأمر فغيره‏.‏ ويجوز أن يكون قوله ‏{‏فخشينا ‏{‏حكاية لقول الله تعالى بمعنى‏:‏ فكرهنا

كقوله ‏{‏لأهب لك ‏{‏مريم‏:‏ 19‏.‏ وقرئ‏:‏ يبدلهما بالتشديد‏.‏ والزكاة‏:‏ الطهارة والنقاء من الذنوب‏.‏

والرحم‏:‏ الرحمة والعطف‏.‏ وروي أنه ولدت لهما جارية نزوجها نبي فولدت نبياً هدى الله على

يديه أمة من الأمم‏.‏ وقيل ولدت سبعين نبياً‏.‏ وقيل‏:‏ أبدلهما ابناً مؤمناً مثلهما‏.‏ قيل اسما

الغلامين‏:‏ أصرم وصريم‏.‏ والغلام المقتول‏:‏ اسمه الحسين‏.‏ واختلف في الكنز فقيل‏:‏ مال مدفون

من ذهب وفضة‏.‏ وقيل‏:‏ لوح من ذهب مكتوب فيه‏:‏

عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب وعجبت لمن

يؤمن بالموت كيف يفرح وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل‏.‏ وعجبت لمن يعرف الدنيا

وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها‏.‏ لا إله إلا الله محمد رسول اللّه‏.‏

وقيل‏:‏ صحف فيها علم‏.‏ والظاهر لإطلاقه‏:‏ أنه مال‏.‏ وعن قتادة‏:‏ أحل الكنز لمن قبلنا وحرم

علينا وحرمت الغنيمة عليهم وأحلت لنا‏:‏ أراد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين يكنزون الذهب والفضة ‏{‏

التوبة‏:‏ 34 ‏{‏كان أبوهما صالحاً ‏{‏اعتداد بصلاح أبيهما وحفظ لحقه فيهما‏.‏ وعن جعفر بن محمد

الصادق‏:‏ كان بين الغلامين وبين الأب الذي حفظا فيه سبعة آباء‏.‏ وعن الحسين بن علي رضي

الله تعالى عنهما أنه قال لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما‏:‏ بم حفظ اللّه الغلامين قال‏:‏ بصلاح

أبيهما‏.‏ قال‏:‏ فأبي وجدي خير منه‏.‏ فقال‏:‏ قد أنبأنا الله أنكم قوم خصمون ‏{‏رحمة ‏{‏مفعول له‏.‏

أو مصدر منصوب بأراد ربك لأنه في معنى رحمهما ‏{‏وما فعلته ‏{‏وما فعلت ما رأيت ‏{‏عَن

أمري ‏{‏عن اجتهادي ورأي وإنما فعلته بأمر الله‏.‏

‏{‏ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكراً إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل

شيء سبباً فاتبع سبباً حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمأة ووجد عندها

قوماً قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم

يرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نكراً وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى وسنقول له من

أمرنا يسراً ‏{‏‏.‏

ذو القرنين‏:‏ هو الإسكندر الذي ملك الدنيا‏.‏ قيل‏:‏ ملكها مؤمنان‏:‏ ذو القرنين وسليمان‏.‏

وكافران‏:‏ نمروذ وبختنصر وكان بعد نمروذ‏.‏ واختلف فيه فقيل‏:‏ كان عبداً صالحاً ملكه الله

الأرض وأعطاه العلم والحكمة وألبسه الهيبة وسخر له النور والظلمة فإذا سرى يهديه النور

من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه‏.‏ وقيل‏:‏ نبياً‏.‏ وقيل‏:‏ ملكاً من الملائكة‏.‏ وعن عمر رضي

الله عنه أنه سمع رجلاً يقول‏:‏ يا ذا القرنين فقال‏:‏ اللهم غفراً ما رضيتم أن تتسموا بأسماء الأنبياء

حتى تسميتم بأسماء الملائكة وعن علي رضي الله عنه‏:‏ سخر له السحاب ومدت له

الأسباب وبسط له النور وسئل عنه فقال‏:‏ أحبه اللّه فأحبه‏.‏ وسأله ابن الكوا‏:‏ ما ذو القرنين

أملك أم نبي فقال‏:‏ ليس بملك ولا نبي ولكن كان عبداً صالحاً ضرب على قرنه الأيمن في

طاعة الله فمات ثم بعثه اللّه فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمي ذو القرنين وفيكم

مثله‏.‏ قيل‏:‏ كان يدعوهم إلى التوحيد فيقتلونه فيحييه الله تعالى‏.‏ وعن النبي صلى الله عليه

وسلم‏:‏

‏{‏سمي ذا القرنين لأنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها شرقها وغربها ‏{‏‏.‏

وقيل‏:‏ كان له قرنان أي ضفيرتان‏.‏ وقيل‏:‏ انقرض في وقته قرنان من الناس‏.‏ وعن وهب‏:‏ لأنه

ملك الروم وفارس‏.‏ وروي‏:‏ الروم والترك‏.‏ وعنه كانت صفحتا رأسه من نحاس‏.‏ وقيل‏:‏ كان

لتاجه قرنان‏.‏ وقيل‏:‏ كان على رأسه ما يشبه القرنين‏.‏ ويجوز أن يلقب بذلك لشجاعته كما

يسمى الشجاع كبشاً لأنه ينطح أقرانه وكان من الروم ولد عجوز ليس لها ولد غيره‏.‏

والسائلون‏:‏ هم اليهود سألوه على جهة الامتحان‏.‏ وقيل‏:‏ سأله أبو جهل وأشياعه والخطاب في

‏{‏عليكم ‏{‏لأحد الفريقين ‏{‏من كل شيء ‏{‏أي من أسباب كل شيء أراده من أغراضه ومقاصده

في ملكه ‏{‏سَبَبَاً ‏{‏طريقاً موصلاً إليه والسبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة

فأراد بلوغ المغرب ‏{‏فاتبع سبباً ‏{‏يوصله إليه حتى بلغ وكذلك أراد المشرق فأتبع سبباً وأراد

بلوغ السدين فاتبع سبباً‏.‏ وقرئ‏:‏ فأتبع قرئ‏:‏ حمأة من حمئت البئر إذا صار فيها الحمأة‏.‏ وحامية

بمعنى حارة‏.‏ وعن أبي ذر‏:‏

كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجمل فرأى الشمس حين غابت فقال‏:‏

‏{‏يا أبا ذر أتدري أين تغرب هذه ‏{‏فقلت‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ ‏{‏فإنها تغرب في عين

حامية ‏{‏وهي قراءة ابن مسعود وطلحة وابن عمر وابن عمرو والحسن‏.‏ وقرأ ابن عباس‏:‏ حمأة‏.‏

وكان ابن عباس عند معاوية فقرأ معاوية‏:‏ حامية فقال ابن عباس‏:‏ حمأة‏.‏ فقال معاوية لعبد اللّه

بن عمرو‏:‏ كيف تقرأ قال‏:‏ كما يقرأ أمير المؤمنين ثم وجه إلى كعب الأحبار‏.‏ كيف تجد

الشمس تغرب قال‏:‏ في ماء وطين كذلك نجده في التوراة‏.‏ وروي‏:‏ في ثأط فوافق قول ابن

عباس وكان ثمة رجل فأنشد قول تبع‏:‏

فرأى مغيب الشمس عند مآبها في عين ذي خلب وثاط حرمد

أي في عين ماء ذي طين وحمأ أسود ولا تنافي بين الحمأة والحامية فجائز أن تكون العين جامعة

للوصفين جميعاً‏.‏ كانوا كفرة فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يدعوهم إلى الإسلام فاختار

الدعوة والاجتهاد في استمالتهم فقال‏:‏ أما من دعوته فأبى إلا البقاء على الظلم العظيم الذي هو

الشرك‏:‏ فذلك هو المعذب في الدارين ‏{‏وأما من آمن وعمل ‏{‏ما يقتضيه الإيمان ‏{‏فله جزاء

الحسنى ‏{‏وقيل‏:‏ خيره بين القتل والأسر وسماه إحساناً في مقابلة القتل ‏{‏فله جزاء الحسنى ‏{‏فله أن

يجازي المثوبة الحسنى‏.‏ أو فله جزاء الفعلة الحسنى التي هي كلمة الشهادة‏.‏ وقرئ‏:‏ فله جزاء

الحسنى أي‏:‏ فله الفعلة الحسنى جزاء‏.‏ وعن قتادة‏:‏ كان يطبخ من كفر في القدور وهو العذاب

النكر‏.‏ ومن آمن أعطاه وكساه ‏{‏من أمرنا يسراً ‏{‏أي لا نأمره بالصعب الشاق ولكن بالسهل

المتيسر من الزكاة والخراج وغير ذلك وتقديره‏:‏ ذا يسر كقوله‏:‏ ‏{‏قولاً ميسوراً ‏{‏الإسراء‏:‏ 28

وقرئ‏:‏ يسراً بضمتين‏.‏

‏{‏ثم اتبع سبباً حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً

كذلك وقد أحطنا بما لديه خبراً ‏{‏‏.‏

وقرئ مطلع اللام وهو مصدر‏.‏ والمعنى‏:‏ بلغ مكان مطلع الشمس كقوله‏:‏

كأن مجر الرامسات ذيولها

يريد‏:‏ كأن آثار مجر الرامسات ‏{‏على قوم ‏{‏قيل‏:‏ هم الزنج‏.‏ والستر‏:‏ الأبنية وعن كعب‏:‏ أرضهم

لا تمسك الأبنية وبها أسراب فإذا طلعت الشمس دخلوها‏.‏ فإذا ارتفع النهار خرجوا إلى

معايشهم وعن بعضهم‏:‏ خرجت حتى جاوزت الصين فسألت عن هؤلاء فقيل‏:‏ بينك وبينهم

مسيرة يوم وليلة فبلغتهم فإذا أحدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى ومعي صاحب يعرف لسانهم

فقالوا له‏:‏ جئتنا تنظر كيف تطلع الشمس قال‏:‏ فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة

فغشي علي ثم أفقت وهم يمسحونني بالدهن فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي فوق الماء

كهيئة الزيت فأدخلوها سرباً لهم فلما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون

السمك ويطرحونه في الشمس فينضج لهم‏.‏ وقيل‏:‏ الستر اللباس‏.‏ وعن مجاهد‏:‏ من لا يلبس

الثياب من السودان عند مطلع الشمس أكثر من جميع أهل الأرض ‏{‏كذلك ‏{‏أي أمر ذي القرنين

كذلك أي كما وصفناه تعظيماً لأمره ‏{‏قد أحطنا بما لدنه ‏{‏من الجنود والآلات وأسباب الملك

‏{‏خبراً ‏{‏تكثيراً لذلك‏.‏ وقيل‏:‏ لم نجعل لهم من دونها ستراً مثل ذلك الستر الذي جعلنا لكم من

الجبال والحصون والأبنية والأكنان من كل جنس والثياب من كل صنف‏.‏ وقيل‏:‏ بلغ مطلع

الشمس مثل ذلك أي‏:‏ كما بلغ مغربها‏.‏ وقيل‏:‏ تطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب

عليهم يعني أنهم كفرة مثلهم وحكمهم مثل حكمهم في تعذيبه لمن بقي منهم على الكفر

وإحسانه إلى من آمن منهم‏.‏

‏{‏بين السدين ‏{‏بين الجبلين وهما جبلان سد ذو القرنين مما بينهما‏.‏ قرئ‏:‏ بالضم والفتح‏.‏ وقيل‏:‏ ما

كان من خلق الله تعالى فهو مضموم وما كان من عمل العباد فهو مفتوح لأن السد بالضم فعل

بمعنى مفعول أي‏:‏ هو مما فعله الله تعالى وخلقه‏.‏ والسد بالفتح‏:‏ مصدر حدث يحدثه الناس‏.‏

وانتصب ‏{‏بين ‏{‏على أنه مفعول به مبلوغ كما انجر على الإضافة في قوله‏:‏ ‏{‏هذا فراق بيني وبينك ‏{‏

الكهف‏:‏ 78 وكما ارتفع في قوله‏:‏ ‏{‏لقد تقطع بينكم ‏{‏الأنعام‏:‏ 94 لأنه من الظروف التي

تستعمل أسماء وظروفاً وهذا المكان في منقطع أرض الترك مما يلي المشرق ‏{‏من دونهما قوماً ‏{‏

هم الترك ‏{‏لا يكادون يفقهون قولاً ‏{‏لا يكادون يفهمونه إلا بجهد ومشقة من إشارة ونحوها كما

يفهم البكم وقرئ‏:‏ يفقهون أي لا يفهمون السامع كلامهم ولا يبينونه لأن لغتهم غريبة مجهولة‏.‏

‏{‏قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل

بيننا وبينهم سداً ‏{‏‏.‏

‏{‏يأجوج ومأجوج ‏{‏اسمان أعجميان بدليل منع الصرف‏.‏ وقرئا‏:‏ مهموزين‏.‏ وقرأ رؤبة‏:‏ اجوج

وماجوج وهما من ولد يافث‏.‏ وقيل‏:‏ يأجوج من الترك ومأجوج من الجيل والديلم‏.‏ ‏{‏مفسدون

في الأرض ‏{‏قيل‏:‏ كانوا يأكلون الناس وقيل‏:‏ كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يتركون شيئاً أخضر إلا

أكلوه ولا يابساً إلا احتملوه وكانوا يلقون منهم قتلاً وأذى شديداً‏.‏

وعن النبي صلى الله عليه وسلم في صفتهم‏:‏ ‏{‏لا يموت أحد منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من

صلبه كلهم قد حمل السلاح ‏{‏‏.‏ وقيل‏:‏ هم على صنفين طوال مفرطو الطول وقصار مفرطو

القصر‏.‏ وقرئ‏:‏ خرجاً وخراجا أي جعلاً نخرجه من أموالنا‏:‏ ونظيرهما‏:‏ النول والنوال‏.‏ وقرئ‏:‏

سدا وسدا بالفتح والضم‏.‏

‏{‏قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردماً أتوني زبر الحديد حتى

إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا فيه حتى إذا جعله ناراً قال أتوني أفرغ عليه قطراً فما

استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً ‏{‏‏.‏

‏{‏ما مكني فيه ربي خير ‏{‏ما جعلني فيه مكيناً من كثرة المال واليسار خير مما تبذلون لي من

الخراج فلا حاجة بي إليه كما قال سليمان صلوات اللّه عليه‏:‏ ‏{‏فما آتاني الله خير مما آتاكم ‏{‏

النمل‏:‏ 36‏.‏ قرئ‏:‏ بالإدغام وبفكه‏.‏ ‏{‏فأعينوني بقوة ‏{‏بفعله وصناع يحسنون البناء والعمل

وبالآلات ‏{‏ردماً ‏{‏حاجزاً حصيناً موثقاً‏.‏ والردم أكبر من السد من قولهم‏:‏ ثوب مردم رقاع فوق

رقاع‏.‏ وقيل‏:‏ حفر الأساس حتى بلغ الماء وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب والبنيان

من زبر الحديد بينهما الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما ثم وضع المنافيخ

حتى إذا صارت كالنار صب النحاس المذاب على الحديد المحمي فاختلط والتصق بعضه

ببعض وصار جبلاً صلداً‏.‏ وقيل‏:‏ بعد ما بين السدين مائة فرسخ‏.‏ وقرئ‏:‏ سوى وسووى‏.‏

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏{‏أن رجلاً أخبره به فقال‏:‏ كيف رأيته قال كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء‏.‏ قال‏:‏ قد

رأيته‏.‏ والصدفان بفتحتين‏:‏ جانبا الجبلين لأنهما يتصادقان أي‏:‏ يتقابلان وقرئ‏:‏ الصدفين

بضمتين‏.‏ والصدفين بضمة وسكون‏.‏ الصدفين بفتحة وضمة‏.‏ والقطر النحاس المذاب لأنه يقطر

و ‏{‏قطراً ‏{‏منصوب بأفرغ وتقديره آتوني قطراً أفرغ عليه قطراً فحذف الأول لدلالة الثاني عليه‏.‏

وقرئ‏:‏ قال ائتوني أي جيئوني ‏{‏فما اسطاعوا ‏{‏بحذف التاء للخفة لأن التاء قريبة المخرج من

الطاء‏.‏ وقرئ‏:‏ فما اصطاعوا بقلب السين صاداً‏.‏ وأما من قرأ بإدغام التاء في الطاء فملاق بين

ساكنين على غير الحد ‏{‏أن يظهروا ‏{‏أي يعلوه أي‏:‏ لا حيلة لهم فيه من صعود‏.‏ لارتفاعه

وانملاسه ولا نقب لصلابته وثخانته‏.‏

‏{‏قال هذا من رحمة ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقاً ‏{‏‏.‏

‏{‏هذا ‏{‏إشارة إلى السد أي‏:‏ هذا السد نعمة من اللّه و ‏{‏رحمة ‏{‏على عباده‏.‏ أو هذا الإقدار

والتمكين من تسويته ‏{‏فإذا جاء وعد ربي ‏{‏يعني فإذا دنا مجيء يوم القيامة وشارف أن يأتي

جعل السد ‏{‏دكاء ‏{‏أي مدكوكاً مبسوطاً مستوي بالأرض وكل ما انبسط من بعد ارتفاع فقد

اندك‏.‏ ومنه‏:‏ الجمل الأدك‏:‏ المنبسط السنام‏.‏ وقرئ‏:‏ دكاء بالمد‏:‏ أي أرضاً مستوية ‏{‏وكان وعد

ربي حقاً ‏{‏آخر حكاية قول ذي القرنين‏.‏

‏{‏وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعاً ‏{‏‏.‏

‏{‏وتركنا ‏{‏وجعلنا ‏{‏بعضهم ‏{‏بعض الخلق ‏{‏يموج في بعض ‏{‏أي يضطربون ويختلطون إنسهم وجنهم

حيارى‏.‏ ويجوز أن يكون الضمير ليأجوج ومأجوج وأنهم يموجون حين يخرجون من وراء السد

مزدحمين في البلاد‏.‏ وروي‏:‏ يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه ثم يأكلون الشجر ومن

ظفروا به ممن لم يتحصن منهم من الناس ولا يقدرون أن يأتوا مكة والمدينة وبيت المقدس ثم

يبعث الله نغفاً في أقفائهم فيدخل في آذانهم فيموتون‏.‏

‏{‏وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضاً الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا

يستطيعون سمعاً ‏{‏‏.‏

‏{‏وعرضنا جهنم ‏{‏وبرزناها لهم فرأوها وشاهدوها ‏{‏عن ذكري ‏{‏عن آياتي التي ينظر إليها فأذكر

بالتعظيم‏.‏ أو عن القرآن وتأمل معانيه وتبصرها ونحوه ‏{‏صم بكم عمي ‏{‏البقرة‏:‏ 17 - 18

‏{‏وكانوا لا يستطيعون سمعاً ‏{‏يعني وكانوا صماً عنه إلا أنه أبلغ لأن الأصم قد يستطيع السمع إذا

صيح به وهؤلاء كأنهم أصميت أسماعهم فلا استطاعة بهم للسمع‏.‏

‏{‏من دوني أولياء ‏{‏هم الملائكة يعني‏:‏ أنهم لا يكونون لهم أولياء كما حكى عنهم ‏{‏سبحانك

أنت ولينا من دونهم ‏{‏سبأ‏:‏ 41‏.‏ وقرأ ابن مسعود‏:‏ أفظن الذين كفروا وقراءة علي رضي الله

عنه أفحسب الذين كفروا أي‏:‏ أفاكافيهم ومحسبهم أن يتخذوهم أولياء على الابتداء والخبر‏.‏ أو

على الفعل والفاعل لأن اسم الفاعل إذا اعتمد على الهمزة ساوى الفعل في العمل كقولك‏:‏

أقائم الزيدان‏.‏ والمعنى أن ذلك لا يكفيهم ولا ينفعهم عند الله كما حسبوا‏.‏ وهي قراءة محكمة

جيدة النزل‏:‏ ما يقام للنزيل وهو الضيف ونحوه ‏{‏فبشرهم بعذاب أليم ‏{‏آل عمران‏:‏ 21‏.‏

‏{‏قل هل أنبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون صنعاً

أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً ذلك

جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزواً ‏{‏‏.‏

‏{‏ضل سعيهم ‏{‏ضاع وبطل وهم الرهبان‏.‏ وعن علي رضي الله عنه كقوله‏:‏ ‏{‏عاملة ناصبة ‏{‏

الغاشية‏:‏ 3 وعن مجاهد‏:‏ أهل الكتاب‏.‏ وعن علي رضي الله عنه‏:‏ أن ابن الكوا سأله عنهم

فقال‏:‏ منهم أهل حروراء‏.‏ وعن أبي سعيد الخدري‏:‏ يأتي ناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم

في العظم كجبال تهامة فإذا وزنوها لم تزن شيئاً ‏{‏فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً ‏{‏فنزدري بهم

ولا يكون لهم عندنا وزن ومقدار‏.‏ وقيل‏:‏ لا يقام لهم ميزان لأن الميزان إنما يوضع لأهل

الحسنات والسيئات من الموحدين‏.‏ وقرئ‏:‏ فلا يقيم بالياء‏.‏ فإن قلت‏:‏ الذين ضل سعيهم في أي

محل هو قلت‏:‏ الأوجه أن يكون في محل الرفع على‏:‏ هم الذين ضل سعيهم لأنه جواب عن

السؤال‏.‏ ويجوز أن يكون نصباً على الذم أو جر على البدل ‏{‏جهنم ‏{‏عطف بيان لقوله‏:‏

‏{‏جزاؤهم ‏{‏‏.‏

‏{‏إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلاً خالدين فيها لا يبغون عنها

حولاً ‏{‏‏.‏

الحول‏:‏ التحول‏.‏ يقال‏:‏ حال من مكانه حولاً كقولك‏:‏ عادني حبها عوداً يعني‏:‏ لا مزيد عليها

حتى تنازعهم أنفسهم إلى أجمع لأغراضهم وأمانيهم‏.‏ وهذه غاية الوصف لأن الإنسان في الدنيا

في أي نعيم كان فهو طامح الطرف إلى أرفع منه‏.‏ ويجوز أن يراد نفي التحول وتأكيد الخلود‏.‏

‏{‏قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله

مدداً ‏{‏‏.‏

المداد‏:‏ اسم ما تمد به الدواة من الحبر وما يمد به السراج من السليط‏.‏ ويقال‏:‏ السماد مداد

الأرض‏.‏ والمعنى‏:‏ لو كتبت كلمات علم اللّه وحكمته وكان البحر مداداً لها والمراد بالبحر

الجنس ‏{‏لنفد البحر قبل أن تنفد ‏{‏الكلمات ‏{‏وَلو جِئنَا ‏{‏بمثل البحر مداداً لنفد أيضاً‏.‏ والكلمات

غير نافدة‏.‏ و ‏{‏مداداً ‏{‏تمييز كقولك‏:‏ لي مثله رجلاً‏.‏ والمدد مثل المداد وهو ما يمد به‏.‏ وعن ابن

عباس رضي الله عنه‏:‏ بمثله مداداً‏.‏ وقرأ الأعرج‏:‏ مدداً بكسر الميم جمع مدة وهي ما يستمده

الكاتب فيكتب به‏.‏ وقرئ‏:‏ ينفدا بالياء‏.‏ وقيل‏:‏ قال حيي بن أخطب‏:‏ في كتابكم ‏{‏ومن يؤت

الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ‏{‏البقرة‏:‏ 269 ثم تقرءون‏:‏ ‏{‏وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ‏{‏الإسراء‏:‏

85 فنزلت يعني‏:‏ أن ذلك خير كثير ولكنه قطرة من بحر كلمات اللّه‏.‏

‏{‏قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً

صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ‏{‏‏.‏

‏{‏فمن كان يرجو لقاء ربه ‏{‏فكن كان يؤمل حسن لقاء ربه وأن يلقاه لقاء رضا وقبول‏.‏ وقد

فسرنا اللقاء‏.‏ أو‏:‏ أفمن كان يخاف سوء لقائه‏.‏ والمراد بالنهي عن الإشراك بالعبادة‏:‏ أن لا يرائي

بعمله وأن لا يبتغي به إلا وجه ربه خالصاً لا يخلط به غيره‏.‏ وقيل‏:‏

نزلت في جندب بن زهير قال للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إني أعمل العمل لله فإذا اطلع عليه

سرني فقال‏:‏ ‏{‏إن الله لا يقبل ما شورك فيه ‏{‏‏.‏

وروي أنه قال‏:‏ ‏{‏لك أجران‏:‏ أجر السر وأجر العلانية ‏{‏وذلك إذا قصد أن يقتدى به‏.‏ وعنه

صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏{‏اتقوا الشرك الأصغر ‏{‏قالوا‏:‏ وما الشرك الأصغر قال‏:‏ ‏{‏الرياء ‏{‏وعن رسول الله صلى الله عليه

وسلم‏:‏

‏{‏من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت له نوراً من قرنه إلى قدمه ومن قرأها كلها كانت له

نوراً من الأرض إلى السماء ‏{‏وعنه صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏{‏من قرأ عند مضجعه‏:‏ ‏{‏قل إنما أنا بشر مثلكم ‏{‏كان له من مضجعه نوراً يتلألأ إلى مكة حشو

ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم وإن كان مضجعه بمكة كان له نوراً يتلألأ من

مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ ‏{‏والله أعلم‏.‏

  السابق   الآيات القرآنية   الفهرس   التالي