سورة المؤمنون
مكية وهي مائة وتسع عشرة آية وثماني عشرة عند الكوفيين بسم الله الرحمن الرحيم " قد أفلح المؤمنون الذين هم فى صلاتهم خشعون ".
" قد " نقيضه " لما " هي تثبت المتوقع و " لما " تنفيه ولا شك أن المؤمنين كانوا متوقعين لمثل هذه البشارة وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم فخوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه.
والفلاح: الظفر بالمراد وقيل: البقاء في الخير.
و " أفلح " دخل في الفلاح كأبشر: دخل في البشارة.
ويقال: أفلحه: أصاره إلى الفلاح.
وعليه قراءة طلحة بن مصرف: أفلح على البناء للمفعول.
وعنه: " أفلحوا " على: أكلوني البراغيث.
أو على الإبهام والتفسير.
وعنه: " أفلح " بضمة بغير واو اجتزاء بها عنها كقوله: فلؤ أن الأطبا كان حولي فإن قلت: ما المؤمن قلت: هو في اللغة المصدق.
وأما في الشريعة فقد اختلف فيهعلىقولين أحدهما: أن كل من نطق بالشهادتين مواطئاً قلبه لسانه فهو مؤمن.
والآخر أنه صفة مدح لا يستحقها إلا البر التقي دون الفاسق الشقي.
" خشعون " الخشوع في الصلاة: خشية القلب وإلباد البصر - عن قتادة: وهو إلزامه موضع السجود.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يصلي رافعاً بصره إلى السماء فلما نزلت هذه الآية رمى ببصره نحو مسجده وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة هاب الرحمن أن يشد بصره إلى شيء أو يحدث نفسه بشأن من شأن الدنيا.
وقيل: هو جمع الهمة لها والإعراض عما سواها.
ومن الخشوع: أن يستعمل الآداب فيتوقى كف الثوب والعبث بجسده وثيابه والالتفات والتمطي والتثاؤب والتغميض وتغطية الفم والسدل والفرقعة والتشبيك والاختصار وتقليب الحصا.
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أبصر رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال: " لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه " ونظر الحسن إلى رجل يعبث بالحصا وهو يقول: اللهم زوجني الحور العين فقال: بئس الخاطب أنت تخطب وأنت تعبث.
فإن قلت: لم أضيفت الصلاة إليهم قلت: لأن الصلاة دائرة بين المصلي والمصلى له فالمصلي هو المنتفع بها وحده وهي عدته وذخيرته فهي صلاته: وأما المصلى له فغني متعال عن الحاجة إليها والانتفاع بها.
" والذين هم عن اللغو معرضون ".
اللغو: ما لا يعنيك من قول أو فعل كاللعب والهزل وما توجب المروءة إلغاءه وإطراحه يعني أن بهم من الجد ما يشغلهم عن الهزل.
لما وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعه الوصف بالإعراض عن اللغو ليجمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفس اللذين هما قاعدتا بناء التكليف.
" والذين هم للزكوة فعلون ".
الزكاة اسم مشترك بين عين ومعنى فالعين: القمر الذي يخرجه المزكي من النصاب إلى الفقير
والمعنى: فعل المزكي الذي هو التزكية وهو الذي أراده الله فجعل المزكين فاعلين له ولا يسوغ فيه غيره لأنه ما من مصدر إلا يعبر عن معناه بالفعل ويقال لمحدثه فاعل لقول للضارب: فاعل الضرب وللقاتل: فاعل القتل وللمزكي: فاعل التزكية.
وعلى هذا الكلام كله والتحقيق فيه أنك تقول في جميع الحوادث: من فاعل هذا فيقال لك: فاعله الله أو بعض الخلق.
ولم يمتنع الزكاة الحالة على العين أن يتعلق بها فاعلون لخروجها من صحة أن يتناولها الفاعل ولكن لأن الخلق ليسوا بفاعليها.
وقد أنشد لأمية بن أبي الصلت: المطعمون الطعام في السنة الأزمة والفاعلون للزكوات ويجوز أن يراد بالزكاة: العين ويقدر مضاف محذوف وهو الأداء وحمل البيت على هذا أصح لأنها فيه مجموعة.
" والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ".
" على أزوجهم " في موضع الحال أي الأوالين على أزواجهم: أو قوامين عليهن من قولك: كان فلان على فلانة فمات عنها فخلف عليها فلان.
ونظيره: كان زياد على البصرة أي: والياً عليها.
ومنه قولهم: فلانة تحت فلان ومن ثمة سميت المرأة فراشاً: والمعنى: أنهم لفروجهم حافظون في كافة الأحوال إلا في حال تزوجهم أو تسريهم أو تعلق " على " بمحذوف يدل عليه " غير ملومين " المعارج: 30 كأنه قيل: يلامون إلا على أزواجهم أي: يلامون على كل مباشر إلا على على ما أطلق لهم فإنهم غير ملومين عليه.
أو تجعله صلة لحافظين من قولك: احفظ علي عنان فرسي على تضمينه معنى النفي كما ضمن قولهم: نشدتك بالله إلا فعلت معنى ما طلبت منك إلا فعلك.
فإن قلت: هلا قيل: من ملكت قلت: لأنه أريد من جنس العقلاء ما يجري مجرى غير العقلاء وهم الإناث جعل المستثنى حداً أوجب الوقوف عنده ثم قال: فمن أحدث ابتغاء وراء هذا الحد مع فسحته واتساعه وهو إباحة أربع من الحرائر ومن الإماء ما شئت " فأولئك هم " الكاملون في العدوان المتناهون فيه.
فإن قلت: هل فيه دليل على تحريم المتعة.
قلت: لا لأن المنكوحة نكاح المتعة من جملة الأزواج إذا صح النكاح.
" والذين هم لأمنتهم عهدهم رعون ".
وقرىء: " لأمانتهم " سمى الشيء المؤتمن عليه والمعاهد عليه أمانة وعهداً.
ومنه قوله تعالى: " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها " النساء: 58 وقال: " وتخونوا أماناتكم " الأنفال: 27 وإنما تؤدى العيون لا المعاني ويخان المؤتمن عليه لا الأمانة في نفسها.
والراعي: القائم على الشيء بحفظ وإصلاح كراعي الغنم وراعي الرعية.
ويقال: من راعي هذا الشيء.
أي متوليه وصاحبه: ويحتمل العموم في كل ما ائتمنوا عليه وعوهدوا من جهة الله تعالى ومن جهة الخلق والخصوص فيما حملوه من أمانات الناس وعهودهم.
" والذين هم على صلوتهم يحافظون ".
وقرىء: " على صلاتهم ".
فإن قلت: كيف كرر ذكر الصلاة أولاً وآخراً.
قلت: هما ذكران مختلفان فليس بتكرير.
وصفوا أولاً بالخشوع في صلاتهم وآخراً بالمحافظة عليها.
وذلك أن لا يسهوا عنها ويؤدوها في أوقاتها ويقيموا أركنها ويوكلوا نفوسهم بالاهتمام بها وبما ينبغي أن تتم به أوصافها.
وأيضاً فقد وحدت أولاً ليفاد الخشوع في جنس الصلاة أي صلاة كانت وجمعت آخراً لتفاد المحافظة على أعدادها: وهي الصلوات الخمس والوتر والسنن المرتبة مع كل صلاة وصلاة الجمعة والعيدين والجنازة والاستسقاء والكسوف والخسوف وصلاة الضحى والتهجد وصلاة التسبيح وصلاة الحاجة.
وغيرها من النوافل.
" أولئك هم الورثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خلدون ".
أي " أولئك " الجامعون لهذه الأوصاف " هم الورثون " الأحقاء بأن يسقوا وراثاً دون من عداهم ثم ترجم الوارثين بقوله: " الذين يرثون الفردوس " فجاء بفخامة وجزالة لإرثهم لا تخفى على الناظر.
ومعنى الإرث: ما مر في سورة مريم.
أنث الفردوس على تأويل الجنة وهو: البستان
الواسع الجامع لأصناف الثمر.
روي أن الله عز وجل بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة وجعل خلالها المسك والأذفر.
وفي رواية: ولبنة من مسك مذري وغرس فيها من جيد الفاكهة وجيد الريحان.
" ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلنه نطفةً فى قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقةً فخلقنا العلقة مضغةً فخلفنا المضغة عظماً فكسونا العظم لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخلقين ".
السلالة: الخلاصة لأنها تسل من بين الكدر وفعالة بناء للقلة كالقلامة والقمامة.
وعن الحسن: ماء بين ظهراني الطين.
فإد قلت: ما الفرق بين من ومن قلت: الأول للابتداء والثاني للبيان كقوله: " من الأوثان " الحج: 3.
فإن قلت: ما معنى: جعلنا الإنسان نطفة.
قلت: معناه أنه خلق جوهر الإنسان أولاً طيناً ثم جعل جوهره بعد ذلك نطفة.
القرار: المستقر والمراد الرحم.
وصفت بالمكانة التي هي صفة المستقر فيها كقولك: طريق سائر.
أو بمكانتها في نفسهاة لأنها مكنت بحيث هي وأحرزت.
قرىء: " عظماً فكسونا العظم " و " عظاماً فكسونا العظام " و " عظماً فكسونا العظام " وضع الواحد مكان الجمع لزوال اللبس لأن الإنسان ذو عظام كثيرة " خلقاً ءاخر " أي خلقاً مبايناً للخلق الأول مباينة ما أبعدها حيث جعله حيواناً وكان جماداً وناطقاً وكان أبكم وسميعاً وكان أصم وبصيراً وكان أكمه وأودع باطنه وظاهره - بل كل عضو من أعضائه وكل جزء من أجزائه - عجائب فطرة وغرائب حكمة لا تحرك بوصف الواصف ولا تبلغ بشرح الشارح: وقد احتج به أبو حنيفة فيمن غصب بيضة فأفرخت عنده قال: يضمن البيضة ولا يرد الفرخ: لأنه خلق أخر سوى البيضة " فتبارك الله " فتعالى أمره في قدرته وعلمه " أحسن الخلقين " أي: أحسن المقدرين تقديراً فترك ذكر المميز لدلالة الخالقين عليه.
ونحوه: طرح المأذون فيه في قوله: " أذن للذين يقاتلون " الحج: 39 لدلالة الصلة.
وروي عن عمر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغ قوله خلقاً آخر قال: " فتبارك الله أحسن الخالقين ".
وروي: أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فنطق بذلك قبل إملائه فقال: له النبي صلى الله عليه وسلم: " اكتب هكذا نزلت " فقال: عبد الله: إن كان محمد نبياً يوحى إليه فأنا نبي يوحى إلي فلحق بمكة كافراً ثم أسلم يوم الفتح.
" ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيمة تبعثون ".
قرأ ابن أبي عبلة وابن محيصن: لمائتون.
والفرق بين الميت والمائت: أن الميت كالحي صفة ثابتة.
وأما المائت فيدل على الحدوث.
تقول: زيد مائت الآن ومائت غداً كقولك يموت.
ونحوهما: ضيق وضائق وفي قوله تعالى: " وضائق به صدرك " هود: 12 " لميتون " جعل الإماتة التي هي إعدام الحياة والبعث الذي هو إعادة ما يفنيه ويعدمه: دليلين أيضاً على اقتدار عظيم بعد الإنشاء والاختراع.
فإن قلت: فإذاً لا حياة إلا حياة الإنشاء وحياة البعث.
قلت: ليس في ذكر الحياتين نفي الثالثة وهي حياة القبر كما لو ذكرت ثلثي ما عندك وطويت ذكر ثلثه لم يكن دليلاً على أن الثلث ليس عندك.
وأيضاً فالغرض ذكر هذه الأجناس الثلاثة: الإنشاء والإماتة والإعادة والمطوي ذكرها من جنس الإعادة.
" ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين ".
الطرائق: السموات لأنه طورق بعضها فوق بعض كمطارقة النعل وكل شيء فوقه مثله فهو طريقة: أو لأنها طرق الملائكة ومتقلباتهم: وقيل: الأفلاك لأنها طرائق الكواكب فيها مسيرها: أراد بالخلق السموات كأنه قال: خلقناها فوقهم " وما كنا " عنها " غفلين " وعن حفظها وإمساكها أن تقع فوقهم بقدرتنا: أو أراد به الناس وأنه إنما خلقها فوقهم ليفتح عليهم الأرزاق والبركات منها وينفعهم بأنواع منافعها وما كان غافلاً عنهم وما يصلحهم.
" وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه فى الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون ".
" بقدر " بتقدير يسلمون معه من المضرة ويصلون إلى المنفعة.
أو بمقدار ما علمناه من حاجاتهم ومصالحهم.
" فأسكنه فى الأرض " كقوله: " فسلكه ينابيع في الأرض " الزمر: 21 وقيل: جعلناه ثابتاً في الأرض.
وقيل: إنها خمسة أنهار: سيحون.
نهر الهند.
وجيحون: نهر بلخ ودجلة والفرات: نهرا العراق.
والنيل: نهر مصر أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض وجعل فيها منافع للناس في أصناف معيشهم.
وكما قدر على أنزاله فهو قادر على رفعه وإزالته.
وقوله: " على ذهاب به " من أوقع النكرات وأحزها للمفصل.
والمعنى: على وجه من وجوه الذهاب به وطريق من طرقه.
وفيه إيذان باقتدار المذهب وأنه لا يتعايى عليه شيء إذا أراده وهو أبلغ في الإيعاد من قوله: " قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماء معين " الملك: 30 فعلى العباد أن يستعظموا النعمة في الماء ويقيدوها بالشكر الدائم ويخافوا نفارها إذا لم تشكر.
" فأنشأنا لكم به جنت من نخيل وأعنب لكم فيها فوكه كثيرة ومنها تأكلون وشجرةً تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للأكلين ".
خص هذه الأنواع الثلاثة لأنها أكرم الشجر وأفضلها وأجمعها للمنافع.
ووصف النخل والعنب بأن ثمرهما جامع بين أمرين: بأنه فاكهة يتفكه بها وطعام يؤكل رطباً ويابساً رطباً وعنباً وتمراً وزبيباً.
والزيتون بأن دهنه صالح للاستصباح والاصطباغ جميعاً ويجوز أن يكون قوله: " ومنها تأكلون " من قولهم: يأكل فلان من حرفة يحترفها ومن ضيعة يغتلها ومن تجارة يتربح بها: يعنون أنها طعمته وجهته التي منها يحصل رزقه كأنه قال: وهذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعايشكم منها ترتزقون وتتعيشون " وشجرة " عطف على جنات.
وقرئت مرفوعة على الابتداء أي: ومما أنشيء لكم شجرة و " طور سيناء " وطور سينين لا يخلو إما أن يضاف فيه الطور إلى بقعة اسمها سيناء وسينون وإما أن يكون اسماً للجبل مركباً من مضاف ومضاف إليه كامريء القيس وكبعلبك فيمن أضاف.
فمن كسر سين سيناء فقد منع الصرف للتعريف والعجمة أو التأنيث لأنها بقعة وفعلاء لا يكون ألفه للتأنيث كحلباء وحرباء.
ومن فتح فلم يصرف لأن الألف للتأنيث كصحراء.
وقيل: هو جبل فلسطين.
وقيل: بين مصر وأيلة.
ومنه نودي موسى عليه السلام.
وقرأ الأعمش: " سينا " على القصر " بالدهن " في موضع الحال أي: تنبت وفيها الحصن.
وقرىء: " تنبت " وفيه وجهان أحدهما: أن أنبت بمعنى نبت.
وأنشد لزهير: رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم قطيناً لهم حتى إذا أنبت البقل والثاني: أن مفعوله محذوف أي: تنبت زيتونها وفيه الزيت.
وقرىء: " تنبت " بضم التاء وفتح الباء وحكمه حكم تنبت.
وقرأ ابن مسعود: تخرج الدهن وصبغ الآكلين.
وغيره: تخرج بالدهن: وفي حرف أبي: " تثمر الدهن " وعن بعضهم: تنبت بالدهان.
وقرأ الأعمش: " وصبغاً " وقرىء: " وصباغ " ونحوهما: دبغ ودباغ.
والصبغ: الغمس للائتدام.
وقيل: هي أول شجرة نبتت بعد الطوفان ووصفها الله تعالى بالبركة في قوله: " يوقد من شجرة مباركة " النور: 35.
" وإن لكم في الأنعام لعبرةً نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها وعلى الفلك تحملون ".
قرىء: " تسقيكم " بتاء مفتوحة أي: تسقيكما الأنعام " ومنها تأكلون " أي تتعلق بها منافع من الركوب والحمل وغير ذلك كما تتعلق بما لا يؤكل لحمه من الخيل والبغال والحمير.
وفيها منفعة زائدة وهي أكل الذي هو انتفاع بذواتها والقصد بالأنعام إلى الإبل لأنها هي المحمول عليها في العادة وقرنها بالفلك - التي هي السفائن - لأنها سفائن البر.
قال ذو الرمة: سفينة بر تحت خدي زمامها يريد صيدحه.
" ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون فقال الملؤا الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا فى آبائنا الأولين إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين ".
" غيره " بالرفع على المحل وبالجر على اللفظ والجملة استئناف تجري مجرى التعليل للأمر بالعبادة " أفلا تتقون " أفلا تخافون أن ترفضوا عبادة الله الذي هو ربكم وخالقكم ورازقكم وشكر نعمته التي لا تحصونها واجب عليكم ثم تذهبوا فتعبدوا غيره.
مما ليس من استحقاق العبادة في شيء " أن يتفضل عليكم " أن يطلب الفضل عليكم ويرأسكم كقوله تعالى: " وتكون لكما الكبرياء في الأرض " يونس: 78.
" بهذا " إشارة إلى نوح عليه السلام أو إلى ما كلمهم به من الحث على عبادة الله أي: ما سمعنا بمثل هذا الكلام أو بمثل هذا الذي يدعي وهو بشر أنه رسول الله وما أعجب شأن الضلال لم يرضوا للنبوة ببشر وقد رضوا للإلهية بحجر: وقولهم: " ما سمعنا بهذا " يدل على أنهم وآباؤهم كانوا في فترة متطاولة.
أو تكذبوا في ذلك لأنهماكهم في الغي وتشمرهم لأن يدفعوا الحق بما أمكنهم وبما عن لهم من غير تمييز منهم بين صدق وكذب.
ألا تراهم: كيف جننوه وقد علموا أنه أرجح الناس عقلاً وأوزنهم قولاً.
والجنة: الجنون أو الجن أي: به جن يخبلونه " حتى حين " أي احتملوه واصبروا عليه إلى زمان حتى ينجلي أمره عن عاقبة فإن أفاق من جنونه وإلا قتلتموه.
" قال ربي انصرني بما كذبون فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخطبنى فى الذين ظلموا إنهم مغرقون فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجنا من القوم الظلمين وقل رب أنزلنى منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين إن في ذلك لأيت وإن كنا لمبتلين ".
في نصرته إهلاكهم فكأنه قال: أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي أو انصرني بدل ما كذبوني كما تقول: هذا بذاك أي بدل ذاك ومكانه.
والمعنى: أبدلني من غم تكذيبهم سلوة النصرة عليهم أو انصرني بإنجاز ما وعدتهم من العذاب وهو ما كذبوه حين قال لهم: " إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم " الأعراف: 59 الشعراء: 135 الأحقاف: 21 " يأعيننا " بحفظنا وكلاءتنا كأن معه من الله حفاظاً يكلؤونه بعيونهم لئلا يتعرض له ولا يفسد عليه مفسد عمله.
ومنه قولهم: عليه من الله عين كالئة " ووحينا " أي نأمرك كيف تصنع ونعلمك.
روي أنه أوحى إليه أن يصنعها على مثال جؤجؤ الطائر.
روي أنه قيل لنوح عليه السلام: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت ومن معك في السفينة فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته فركب.
وقيل: كان تنور آدم عليه السلام وكان من حجارة فصار إلى نوح.
واختلف في مكانه فعن الشعبي: في مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما يلي باب كندة وكان نوح عمل السفينة وسط المسجد.
وقيل: بالشام بموضع يقال له: عين وردة.
وقيل: بالهند.
وعن ابن عباس رضي الله عنه: التنور وجه الأرض.
وعن قتادة: أشرف موضع في الأرض أي أعلاه.
وعن علي رضي الله عنه: فار التنور: طلع الفجر.
وقيل: معناه أن فوران التنور كان عند تنوير الفجر.
وقيل: هو مثل كقولهم: حمي الوطيسى.
والقول هو الأول.
يقال: سلك فيه: دخله.
وسلك غيره وأسلكه.
قال: حتى إذا أسلكوهم في قتائده " من كل زوجين " من كل أمتي زوجين وهما أمة الذكر وأمة الأنثى كالجمال والنوق والحصن والرماك " اثنين " واحدين مزدوجين كالجمل والناقة والحصان والرمكة: روي أنه لم يحمل إلا ما يلد ويبيض.
وقرئ: " من كل " بالتنوين أي: من كل أمة زوجين.
واثنين: تأكيد وزيادة بيان.
جيء بعلى مع سبق الضار كما جيء باللام مع سبق النافع.
قال الله تعالى: " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى " الأنبياء: 101 " ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين " الصافات: 171 ونحو قوله تعالى: " لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت " البقرة: 286 وقول عمر رضي الله عنه: ليتها كانت كفافاً لا علي ولا لي.
فإن قلت: لم نهاه عن الدعاء لهم بالنجاة قلت: لما تضمنته الآية من كونهم ظالمين وإيجاب الحكمة أن يغرقوا لا محالة لما عرف من المصلحة في إغراقهم والمفسدة في استبقائهم وبعد أن أملى لهم الدهر المتطاول فلم يزيدوا إلا ضلالاً ولزمتهم الحجة البالغة لم يبق إلا أن يجعلوا عبرة للمعتبرين.
ولقد بالغ في ذلك حيث أتبع النهي عنه الأمر بالحمد على هلاكهم والنجاة منهم كقوله: " فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين " الأنعام: 45 ثم أمره أن يدعوه بدعاء هو أهم وأنفع له وهو طلب أن ينزله في السفينة أو في الأرض عند خروجه منها منزلاً يبارك له فيه ويعطيه الزيادة في خير الدارين وأن يشفع الدعاء بالثناء عليه المطابق لمسألته وهو قوله: " وأنت خير المنزلين ".
فإن قلت: هلا قيل: فقولوا لقوله: " فإذا استويت أنت ومن معك " لأنه في معنى: فإذا استويتم.
قلت: لأنه نبيهم وإمامهم فكان قوله قولهم مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوة وإظهار كبرياء الربوبية وأن رتبة تلك المخاطبة لا يترقى إليها إلا ملك أو نبي.
وقرىء: " منزلاً " بمعنى إنزالاً أو موضع إنزال كقوله: " ليدخلنهم مدخلاً يرضونه ".
" إن " هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بين النافية وبينها في المعنى وإن الشأن والقصة " كنا لمبتلين " أي مصيبين قوم نوح ببلاء عظيم وعقاب شديد.
أو مختبرين بهذه الآيات عبادنا لننظر من يعتبر ويذكر كقوله لعالى: " ولقد تركناها آية فهل من مدكر " القمر: 15.
" ثم أنشأنا من بعدهم قرناً آخرين فأرسلنا فيهم رسولاً منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ".
" قرناً ءاخرين " هم عاد قوم هود: عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وتشهد له حكاية الله تعالى قول هود: " واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح " الأعراف: 69 ومجيء قصة هود على أثر قصة نوح في سورة الأعراف وسورة هود والشعراء.
فإن قلت: حق أرسل أن يعدى بإلى كأخواته التي هي: وجه وأنفذ وبعث.
فما باله عدي في القرآن بإلى تارةً وبفي أخرى كقوله: " كذلك أرسلناك في أمة " الرعد: 30 و " وما أرسلنا في قرية من نذير " سبأ: 34.
" فأرسلنا فيهم رسولاً " أي في عاد.
وفي موضع آخر " وإلى عاد أخاهم هوداً " الأعراف: 65 هود: 50 قلت: لم يعد بفي كما عدي بإلى ولم يجعل صلة مثله ولكن الأمة أو القرية جعلت موضعاً للإرسال كما قال رؤبة: أرسلت فيها مصعباً ذا إقام وقد جاء " بعث " على ذلك في قوله: " ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً " الفرقان: 51.
" أن " مفسرة لأرسلنا أي: قلنا لهم على لسان الرسول: " اعبدوا الله ".
" وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفنهم فى الحيوة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشراً مثلكم إنكم إذاً لخسرون ".
فإن قلت: ذكر مقال قوم هود في جوابه في سورة الأعراف وسورة هود بغير واو: " قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة " الأعراف: 66 " قالوا يا هود ما جئتنا ببينة"هود: 3 وههنا مع الواو فأي فرق بينهما قلت: الذي بغير واو على تقدير سؤال سائل قال: فما قال قومه.
فقيل له: قالوا كيت وكيت.
وأما الذي مع الواو فعطف لما قالوه على ما قاله.
ومعناه: أنه اجتمع في الحصول هذا الحق وهذا الباطل وشتان بينهما " بلقاء الأخرة " بلقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب كقولك: يا حبذا جوار مكة: أي جوار الله في مكة.
حذف الضمير والمعنى: من مشروبكم أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه " إذاً " واقع في جزاء الشرط وجواب للذين قاولوهم من قومهم أي: تخسرون عقولكم وتغبنون في آرائكم.
" أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظماً أنكم مخرجون هيهات هيهات لما توعدون إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين إن هو إلا رجل افترى على الله كذباً وما نحن بمؤمنين ".
ثنى " أنكم " للتوكيد وحسن ذلك لفصل ما بين الأول والثاني بالظرف.
ومخرجون: خبر عن الأول.
أو جعل " أنكم مخرجون " مبتدأ و " إذا متم " خبراً على معنى: إخراجكم إذا متم ثم أخبر بالجملة عن إنكم أو رفع " أنكم مخرجون " بفعل هو جزاء للشرط كانه قيل: إذا متم وقع إخراجكم.
ثم أوقعت الجملة الشرطية خبراً عن إنكم.
وفي قراءة ابن مسعود: " أيعدكم إذا متم ".
قرىء: " هيهات " بالفتح والكسر والضم كلها بتنوين وبلا تنوين وبالسكون على لفظ الوقف فإن قلت: ما توعدون هو المستبعد ومن حقه أن يرتفع بهيهات كما ارتفع في قوله: فهيهات هيهات العقيق وأهله فما هذه اللام قلت قال الزجاج في تفسيره: البعد لما توعدون أو بعد لما توعدون فيمن نون فنزله منزلة المصدر.
وفيه وجه آخر: وهو أن يكون اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد كما جاءت اللام في " هيت لك " يوسف: 23 لبيان المهيت به.
" إن هى " هذا ضمير لا يعلم ما يعني به إلا بما يتلوه من بيانه.
وأصله: إن الحياة " إلا حياتنا الدنيا " ثم وضع " هي " موضع الحياة لأن الخبر يدل عليها ويبينها.
ومنه: هي النفس تتحمل ما حملت وهي العرب تقول ما شاءت.
والمعنى: لا حياة إلا هذه الحياة لأن " إن " النافية دخلت على " هي " التي في معنى الحياة الدالة على الجنس فنفتها فوازنت " لا " التي نفت ما بعدها نفي الجنس " نموت ونحيا " أي يموت بعض ويولد بعض ينقرض قرن ويأتي قرن آخر ثم قالوا: ما هو إلا مفتر على الله فيما يدعيه من استنبائه له وفيما يعدنا منه البعث وما نحن بمصدقين.
" قال رب انصرني بما كذبون قال عما قليل ليصبحن ندمين فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلنهم غثاءً فبعداً للقوم الظلمين ".
" قيل " صفة للزمان كقديم وحديث في قولك: ما رأيته قديماً ولا حديثاُ.
وفي معناه: عن قريب.
و " ما " توكيد قلة المدة وقصرها " الصيحة " صيحة جبريل عليه السلام: صاح عليهم فدمرهم " بالحق " بالوجوب لأنهم قد استوجبوا الهلاك.
أو بالعدل من الله من قولك: فلان يقضي بالحق إذا كان عادلاً في قضاياه: " فجعلنهم غثاء " شبههم في دمارهم بالغثاء: وهو حميل السيل مما بلي واسود عن العيدان والورق.
ومنه قوله تعالى: " فجعله غثاء أحوى " الأعلى: 5 وقد جاء مشدداً في قول امرىء القيس: من السيل والغثاء فلكة مغزل بعداً وسحقاً ودفراً ونحوها مصادر موضوعة مواضع أفعالها وهي من جملة المصادر التي قال سيبويه: نصبت بأفعال لا يستعمل إظهارها.
ومعنى " فبعداً ": بعدوا أي: هلكوا يقال: بعد بعداً وبعداً نحو رشد رشداً ورشداً.
و " للقوم الظلمين " بيان لمن دعي عليه بالبعد نحو: " هيت لك " يوسف: 23.
و " لما توعدون " المؤمنون: 36.
" ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين ما تسبق من أمة أجهلها وما يستخرجون ".
" قروناً " قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: بني إسرائيل " أجلها " الوقت الذي حد لهلاكها وكتب.
" ثم أرسلنا رسلنا تتراً كل ما جاء أمةً رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضاً وجعلنهم أحاديث فبعداً لقوم لا يؤمنون ".
" تترى " فعلى: الألف للتأنيث لأن الرسل جماعة.
وقرىء: " تترىً " بالتنوين والتاء بدل من الواو كما في: تولج وتيقور أي: متواترين واحداً بعد واحد من الوتر وهو الفرد: أضاف الرسل إليه تعالى وإلى أممهم " ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات " المائدة: 32 " ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات " الأعراف: 101 لأن الإضافة تكون بالملابسة والرسول ملابس المرسل والمرسل إليه جميعاً بالملابسة " فأتبعنا " الأمم أو القرون " بعضهم بعضاً " في الإهلاك " وجعلنهم " أخباراً يسمر بها ويتعجب منها.
الأحاديث: تكون اسم جمع للحديث.
ومنه: أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتكون جمعاً للأحدوثة: التي هي مثل الأضحوكة والألعوبة والأعجوبة.
وهي: مما يتحدث به الناس تلهياً وتعجباً وهو المراد ههنا.
" ثم أرسلنا موسى وأخاه هرون بئايتنا وسلطن مبين إلى فرعون وملإيه فاستكبروا وكانوا قوماً عالين ".
فإن قلت: ما المراد بالسلطان المبين قلت: يجوز أن تراد العصا لأنها كانت أم آيات موسى وأولاها وقد تعلقت بها معجزات شتى: من انقلابها حية وتلقفها ما أفكته السحرة وانفلاق
البحر وانفجار العيون من الحجر بضربهما بها وكونها حارساً وشمعة وشجرة خضزاء مثمرة ودلواً ورشاء.
وجعلت كأنها ليست بعضها لما استبدت به من الفضل فلذلك عطفت عليها كقوله تعالى: " وجبريل وميكال " البقرة: 98 ويجوز أن تراد الآيات أنفسها أي: هي آيات وحدة بينة " عالين " متكبرين " إن فرعون علا في الأرض " القصص: 4 ألا يريدون علواً في الأرض " القصص: 83 أو متطاولين على الناس قاهرين بالبغي والظلم.
" فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عبدون فكذبوهما فكانوا من المهلكين ".
البشر يكون واحداً وجمعاً: " بشراً سوياً " مريم: 17 " لبشرين " " فإما ترين من البشر " مريم:6 و " مثل " و " غير " يوصف بهما: الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث: " إنكم إذا مثلهم " النساء: 40 " ومن الأرض مثلهن " الطلاق: 12 ويقال أيضاً: هما مثلاه وهم أمثاله: " إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم " الأعراف: 194 " وقومهما " يعني بني إسرائيل كأنهم يعبدوننا خضوعاً وتذللاً.
أو لأنه كان يدعي الإلهية فادعى للناس العبادة وأن طاعتهم له عبادة على الحقيقة.
" ولقد ءاتينا موسى الكتب لعلهم يهتدون ".
" موسى الكتب " أي قوم موسى التوراة " لعلهم " يعملون بشرائعها ومواعظها كما قال: " على خوف من فرعون وملئهم " يونس: 83 يريد آل فرعون وكما يقولون: هاشم وثقيف وتميم
ويراد قومهم.
ولا يجوز أن يرجع الضمير في " لعلهم " إلى فرعون وملئه لأن التوراة إنما أوتيها بنو إسرائيل بعد إغراق فرعون وملئه: " ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى " القصص: 43.
" وجعلنا ابن مريم وأمه ءايةً وءاوينهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ".
فإن قلت: لو قيل آيتين هل كان يكون له وجه قلت: نعم لأن مريم ولدت من غير مسيس وعيسى روح من الله ألقي إليها وقد تكلم في المهد وكان يحيي الموتى مع معجزات أخر فكان آية من غير وجه واللفظ محتمل للتثنية على تقدير " وجعلنا ابن مريم " آية " وأمه ءايةً " ثم حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها.
الربوة والرباوة في رائهما الحركات.
وقرىء: " ربوة ورباوة " بالضم.
و " رباوة " بالكسر وهي الأرض المرتفعة.
قيل: هي إيليا أرض بيت المقدس وأنها كبد الأرض وأقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً عن كعب.
وقيل: دمشق وغوطتها.
وعن الحسن: فلسطين والرملة.
وعن أبي هريرة: الزموا هذه الرملة رملة فلسطين فإنها الربوة التي ذكرها الله.
وقيل: مصر.
والقرار: المستقر من أرض مستوية منبسطة.
وعن قتادة: ذات ثمار وماء يعني أنه لاجل الثمار: يستقر فيها ساكنوها.
والمعين: الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض.
وقد اختلف في زيادة ميمه وأصالته لوجه من جعله مفعولاً أنه مدرك بالعين لظهوره من عانه: إذا أدركه بعينه نحو: ركبه إذا ضربته بركبته.
ووجه من جعله فعيلاً: أنه نفاع بظهوره وجريه من الماعون: وهو المنفعة.
" يأيها الرسل كلوا من الطيبت واعملوا صلحاً إني بما تعملون عليم ".
هذا النداء والخطاب ليسا على ظاهرهما وكيف والرسل إنما أرسلوا متفرقين في أزمنة مختلفة.
وإنما المعنى: الإعلام بأن كل رسول في زمانه نودي لذلك ووصى به ليعتقد السامع أن أمراً نودي له جميع الرسل ووصوا به حقيق أن يؤخذ به ويعمل عليه.
والمراد بالطيبات: ما حل وطاب.
وقيل: طيبات الرزق حلال وصاف وقوام فالحلال: الذي لا يعصى الله فيه والصافي: الذي لا ينسى الله فيه والقوام: ما يمسك النفس ويحفظ العقل.
أو أريد ما يستطاب ويستلذ من المآكل والفواكه.
ويشهد له مجيئه على عقب قوله: " وءاويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين " المؤمنون: 50 ويجوز أن يقع هذا الإعلام عند إيواء عيسى ومريم إلى الربوة فذكر على سبيل الحكاية أي: آويناهما وقلنا لهما هذا أي: أعلمناهما أن الرسل كلهم خوطبوا بهذا فكلا مما رزقناكما واعملا صالحاً اقتداء بالرسل.
" وإن هذه أمتكم أمةً وحدةً وأنا ربكم فاتقون ".
قرىء: " وإن " بالكسر على الاستئناف.
وأن بمعنى ولأن.
وأن مخففة من الثقيلة و " أمتكم " " فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً كل حزب بما لديهم فرحون ".
وقرىء: " زبراً " جمع زبور أي: كتباً مختلفة يعني: جعلوا دينهم أدياناً وزبراً قطعاً: استعيرت من زبر الفضة والحديد وزبراً: مخففة الباء كرسل في رسل أي: كل فرقة من فرق هؤلاء المختلفين المتقطعين دينهم فرح بباطله مطمئن النفس معتقد أنه على الحق.
" فذرهم فى غمرتهم حتى حين ".
الغمرة.
الماء الذي يغمر القامة فضربت مثلاً لما هم مغمورون فيه من جهلهم وعمايتهم.
أو شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لما هم عليه من الباطل.
قال: كأنني ضارب في غضرة لعب وعن علي رضي الله عنه: في غمراتهم " حتى حين " إلى أن يقتلوا أو يموتوا.
" أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرت بل لا يشعرون ".
سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم بذلك ونهى عن الاستعجال بعذابهم والجزع من تأخيره.
وقرىء: " يمدهم " ويسارع ويسرع بالياء والفاعل الله سبحانه وتعالى.
ويجوز في: يسارع ويسرع: أن يتضمن ضمير الممد به.
ويسارع مبنياً للمفعول.
والمعنى: أن بنا الإمداد ليس إلا استدراجاً لهم إلى المعاصي واستجراراً إلى زيادة الإثم وهم يحسبونه مسارعة لهم في الخيرات وفيما لهم فيه نفع وإكرام ومعاجلة بالثواب قبل وقته.
ويجوز أن يراد في جزاء الخيرات كما يفعل بأهل الخير من المسلمين.
و " بل " استدراك لقوله: " أتحسبون " يعني: بل هم أشباه البهائم لا فطنة بهم ولا شعور حتى يتأملوا ويتفكروا في ذلك: أهو استدراج أم مسارعة في الخير.
فإن قلت: أين الراجح من خبر أن إلى اسمها إذا لم يستكن فيه ضميره.
قلت: هو محذوف تقديره: نسارع به ويسارع به ويسارع الله به كقوله: " إن ذلك لمن عزم الأمور " الشورى: 43 أي إن ذلك منه وذلك لاستطالة الكلام مع أمن الإلباس.
" إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بئايت ربهم يؤمنون " والذين هم بربهم لا يشركون والذين يؤتون مآ ءاتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم رجعون أولئك يسرعون فى الخيرت وهم لها سبقون ".
" يؤتون مآ ءاتوا " يعطون ما أعطوا وفي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة: " يأتون ما أتوا " أي يفعلون ما فعلوا.
وعنها أنها قالت: قلت: يا رسول الله هو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر وهو على ذلك يخاف الله قال: قال: " لا يا ابنة الصديق ولكن هو الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو على ذلك يخاف الله أن لا يقبل منه ": " يسرعون فى الخيرت " يحتمل معنيين أحدهما: أن يراد يرغبون في الطاعات أشد الرغبة فيبادرونها.
والثاني: أنهم يتعجلون في الدنيا المنافع ووجوه الإكرام كما قال: " فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة " آل عمران: 148 " وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين " العنكبوت: 27 لأنهم إذا سورع بها لهم فقد سارعوا في نيلها وتعجلوها وهذا الوجه أحسن طباقاً للآية المتقدمة لأن فيه إثبات ما نفي عن الكفار للمؤمنين.
وقرىء: " يسرعون في الخيرات " " لها سبقون " أي فاعلون السبق لأجلها أو سابقون الناس لأجلها أو إياها سابقون أي: ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا.
ويجوز أن يكون " لها سبقون " خبراً بعد خبر.
ومعنى " وهم لها " كمعنى قوله: أنت لها أحمد من بين البشر " ولا نكلف نفساً إلا وسعها ولدينا كتب ينطق بالحق وهم لا يظلمون بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أ عمل من دون ذلك هم لها عملون ".
يعني أن هذا الذي وصف به الصالحين غير خارج من حد الوسع والطاقة وكذلك كل ما كلفه عباده وما عملوه من الأعمال فغير ضائع عنده بل هو مثبت لديه في كتاب يريد اللوح أو صحيفة الأعمال ناطق بالحق لا يقرؤون منه يوم القيامة إلا ما هو صدق وعدل لا زيادة فيه ولا نقصان ولا يظلم منهم أحد.
أو أراد أن الله لا يكلف إلا الوسع فإن لم يبلغ المكلف أن يكون على صفة هؤلاء السابقين بعد أن يستفرغ وسعه ويبذل طاقته فلا عليه ولدينا كتاب فيه عمل السابق والمقتصد ولا نظلم أحداً من حقه ولا نحطه دون درجته بل قلوب الكفرة في غفلة غامرة لها " من هذا " أي مما عليه هؤلاء الموصوفون من المؤمنين " ولهم أعمل " متجاوزة متخطية لذلك أي: لما وصف به المؤمنون " هم لها عملون " معتادون وبها ضارون لا يفطمون عنها حتى يأخذهم الله بالعذاب.
" حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجئرون لا تجئروا اليوم إنكم لا تنصرون قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقبكم تنكصون مستكبرين به سامراً تهجرون ".
حتى هذه هي التي يبتدأ بعدها الكلام والكلام: الجملة الشرطية والعذاب.
قتلهم يوم بدر.
أو الجوع حين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحترقة والقذ والأولاد.
يجئرون الجؤار: الصراخ باستغاثة قال: جئار ساعات النيام لربه أي يقال لهم حينئذ " لا تجئروا " فإن الجؤار غير نافع لكم " منا لا تنصرون " لا تغاثون ولا تمنعون منا أو من جهتنا لا يلحقكم نصر ومغوثة.
قالوا: الضمير في " به " للبيت العتيق أو للحرم كانوا يقولون: لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم.
والذي سوغ هذا الإضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت وإنه لم تكن لهم مفخرة إلا أنهم ولاته والقائمون به.
ويجوز أن يرجع إلى آياتي إلا أنه ذكر لأنها في معنى كتابي ومعنى استكبارهم بالقرآن: تكذيبهم به استكباراً.
ضمن مستكبرين معنى مكذبين فعدي تعديته.
أو يحدث لكم استماعه استكباراً وعتواً فأنتم مستكبرون بسببه أو تتعلق الباء بسامراً أي: يسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه وكانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون.
وكانت عامة سمرهم ذكر القرآن وتسميته سحراً وشعراً وسب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أو يتهجرون.
والسامر: نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع.
وقرىء: " سمراً " وسماراً " وتهجرون وتهجرون من أهجر في منطقه إذا أفحش.
والهجر - بالضم -: الفحش ومن هجر الذي هو مبالغة في هجر إذا هذي.
والهجر - بالفتح -: الهذيان.
" أفلم يدبروا القول أم جآءهم ما لم يأت آبآءهم الأولين أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون ".
" القول " القرآن يقول: أفلم يتدبروه ليعلموا أنه الحق المبين فيصدقوا به وبمن جاء به بل أ " جآءهم ما لم يأت ءابآءهم " فلذلك أنكروه واستبدعوه كقوله: " لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون " يس: 6 أو ليخافوا عند تدبر آياته وأقاصيصه مثل ما نزل بمن قبلهم من المكذبين أم جاءهم من الأمن ما لم يأت أباءهم حين خافوا الله فآمنوا به وبكتبه ورسله وأطاعوه وآباؤهم: إسماعيل وأعقابه من عدنان وقحطان.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تسبوا مضر ولا ربيعة فإنهما كانا مسلمين ولا تسبوا قساً فإنه كان مسلماً ولا تسبوا الحارث بن كعب ولا أسد بن خزيمة ولا تميم بن مر.
فإنهم كانوا على الإسلام وما شككتم فيه من شيء فلا تشكوا في أن تبعاً كان مسلماً ".
وروي في أن ضبة كان مسلماً وكان على شرطة سليمان بن داود " أم لم يعرفوا " محمداً وصحة نسبه وحلوله في سطة هاشم وأمانته وصدقه وشهامته وعقله واتسامه بأنه خير فتيان قريش والخطبة التي خطبها أبو طالب في نكاح خديجة بنت خويلد كفى برغائها منادياً.
" أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كرهون ".
الجنة: الجنون وكانوا يعلمون أنه بريء منها وأنه أرجحهم عقلاً وأثقبهم ذهناً ولكنه جاءهم بما خالف شهواتهم وأهواءهم ولم يوافق ما نشأوا عليه وسيط بلحومهم ودمائهم من اتباع الباطل ولم يجدوا له مرداً ولا مدفعاً لأنه الحق الأبلج والصراط المستقيم فأخلدوا إلى البهت وعولوا على الكذب من النسبة إلى الجنون والسحر والشعر.
فإن قلت: قوله: " وأكثركم " فيه أن أقلهم كانوا لا يكرهون الحق.
قلت: كان فيهم من يترك الإيمان به أنفة واستنكافاً من توبيخ قومه وأن يقولوا صبأ وترك دين آبائه لا كراهة للحق كما يحكى عن أبي طالب.
فإن قلت: يزعم بعض الناس أن أبا طالب صح إسلامه.
قلت: يا سبحان الله كأن أبا طالب كان أخمل أعمام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يشتهر إسلام حمزة والعباس رضي الله عنهما ويخفى إسلام أبي طالب.
" ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموت والأرض ومن فيهن بل أتينهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون ".
دل بهذا على عظم شأن الحق وأن السموات والأرض ما قامت ولا من فيهن إلا به فلو اتبع أهواءهم لانقلب باطلاً ولذهب ما يقوم به العالم فلا يبقى له بعده قوام.
أو أراد أن الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وهو الإسلام لو اتبع أهواءهم وانقلب شركاً لجاء الله بالقيامة ولأهلك العالم ولم يؤخر.
وعن قتادة: أن الحق هو الله.
ومعناه: لو كان الله إلهاً يتبع أهواءهم ويأمر بالشرك والمعاصي لما كان إلهاً ولكان شيطاناً ولما قدر أن يمسك السموات والأرض " بذكرهم " أي بالكتاب الذي هو ذكرهم أي: وعظهم أو وصيتهم وفخرهم: أو بالذكر الذي كانوا يتمنونه ويقولون: لو أن عندنا ذكراً من الأولين لكنا عباد الله المخلصين.
وقرىء: " بذكراهم ".
قرىء: " خراجاً فخراج " و " خرجاً فخرج " و " خرجاً فخراج " وهو ما تخرجه إلى الإمام من زكاة أرضك.
وإلى كل عامل من أجرته وجعله.
وقيل: الخرج: ما تبرعت به.
والخراج: ما لزمك أداؤه.
والوجه أن الخرج أخص من الخراج كقولك: خراج القرية وخرج الكردة زيادة اللفظ لزيادة المعنى ولذلك حسنت قراءة من قرأ: خرجا فخراج ربك يعني: أم تسألهم على هدايتك لهم قليلاً من عطاء الخلق فالكثير من عطاء الخالق خير.
" وإنك لتدعوهم إلى صرط مستقيم وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصرط لنكبون ".
قد ألزمهم الحجة في هذه الآيات وقطع معاذيرهم وعللهم بأن الذي أرسل إليهم رجل معروف أمره وحاله مخبور سره وعلنه خليق بأن يجتبى مثله للرسالة من بين ظهرانيهم وأنه لم يعرض له حتى يدعى بمثل هذه الدعوى العظيمة بباطل ولم يجعل ذلك سلماً إلى النيل من دنياهم واستعطاء أموالهم ولم يدعهم إلا إلى دين الإسلام الذي هو الصراط المستقيم مع إبراز المكنون من أدوائهم وهو إخلالهم بالتدبر والتأمل واستهتارهم بدين الآباء الضلال من غير برهان وتعللهم بأنه مجنون بعد ظهور الحق وثبات التصديق من الله بالمعجزات والآيات النيرة وكراهتهم للحق وإعراضهم عما فيه حظهم من الذكر يحتمل أن هؤلاء وصفتهم أنهم لا يؤمنون بالآخرة " لنكبون " أي عادلون عن هذا الصراط المذكور وهو قوله: " إلى صرط مستقيم " وأن كل من لا لما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ولحق باليمامة ومنع الميرة من أهل مكة وأخذهم الله بالسنين حتى أكلوا العلهز جاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين فقال: بلى فقال: قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع.
" ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون ".
والمعنى: لو كشف الله عنهم هذا الضر وهو الهزال والقحط الذي أصابهم برحمته عليهم ووجدوا الخصب لارتدوا إلى ما كانوا عليه من الاستكبار وعداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وإفراطهم فيها ولذهب عنهم هذا الإبلاس وهذا التملق بين يديه ويسترحمونه واستشهد على ذلك بأنا أخذناهم أولاً بالسيوف وبما جرى عليهم يوم بدر من قتل صناديدهم وأسرهم فما وجدت منهم بعد ذلك استكانة ولا تضرع حتى فتحنا عليهم باب الجوع الذي هو أشد من الأسر والقتل وهو أطم العذاب فأبلسوا الساعة وخضعت رقابهم وجاء أعتاهم وأشدهم شكيمة في العناد يستعطفك.
أو محناهم بكل محنة من القتل والجوع فما رؤي فيهم لين مقادة وهم كذلك حتى إذا عذبوا بنار جهنم فحينئذ يبلسون كقوله: " ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون " الروم: 12 " لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون " الزخرف: 75.
والإبلاس: اليأس من كل خير.
وقيل: السكوت مع التحير.
فإن قلت: ما وزن استكان.
قلت: استفعل من الكون أي: انتقل من كون إلى كون كما قيل.
استحال إذا افتعل من حال إلى حال.
ويجوز أن يكون افتعل من السكون أشبعت فتحة عينه كما جاء: بمنتزاح.
فإن قلت: هلا قيل: وما تضرعوا.
أو: فما يستكينون قلت: لأن المعنى: محناهم فما وجدت منهم عقيب المحنة استكانة.
وما من ضادة هؤلاء أن يستكينوا ويتضرعوا حتى يفتح عليهم باب العذاب الشديد.
وقرىء: " فتحنا ".
" وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصر والأفئدة قليلاً ما تشكرون وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون وهو الذي يحي ويميت وله اختلف اليل والنهار أفلا تعقلون ".
إنما خص السمع والأبصار والأفئدة لأنه يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية ما لا يتعلق بغيرها.
ومقدمة منافعها أن يعملوا أسماعهم وأبصارهم في آيات الله وأفعاله ثم ينظروا ويستحلوا بقلوبهم.
ومن لم يعملها فيما خلفت له فهو بمنزلة عادمها كما قال الله تعالى: " فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء " الأحقاف: 26 إذ كانوا يجحدون بآيات الله ومقدمة شكر النعمة فيها الإقرار بالمنعم بها وأن لا يجعل له ند ولا شريك " قليلاً ما تشكرون " أي: تشكرون شكرا قليلاً و " ما " مزيدة للتأكيد بمعنى حقاً " ذرأكم " خلقكم وبثكم بالتناسل " وإليه " تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم " وله اختلف اليل والنهار " أي هو مختص به
" بل قالوا مثل ما قال الأولون قالوا إذا متنا وكنا تراباً وعظماً أإنا لمبعوثون لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أسطير الأولين ".
أي: قال أهل مكة كما قال الكفار قبلهم.
الأساطير: جمع أسطار: جمع سطر.
قال رؤبة: إني وأسطار سطرن سطراً وهي ما كتبه الأولون مما لا حقيقة له.
وجمع أسطورة أوفق.
" قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السموت السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون ".
أي: أجيبوني عما استعلمتكم منه إن كان عندكم فيه علم وفيه استهانة بهم وتجويز لفرط جهالتهم بالديانات: أن يجهلوا مثل هذا الظاهر البين.
وقرىء: " تذكرون " بحذف التاء الثانية ومعناه: أفلا تتذكرون فتعلموا أن من فطر الأرض ومن فيها اختراعاً كان قادراً على إعادة الخلق وكان حقيقاً بأن لا يشرك به بعض خلقه في الربوبية.
قرىء: الأول باللام لا غير.
والأخيران باللام وهو هكذا في مصاحف أهل الحرمين والكوفة والشام وبغير اللام وهو هكذا في مصاحف أهل البصرة فباللام على المعنى لأن قولك من ربه ولمن هو في معنى واحد وبغير اللام على اللفظ.
ويجوز قراءة الأول بغير لام ولكنها لم تثبت في الرواية " أفلا تتقون " أفلا تخافونه فلا تشركوا به وتعصوا رسله.
أجرت فلاناً على فلان: إذا أغثته منه ومنعته يعني: وهو يغيث من يشاء ممن يشاء ولا يغيث أحد منه أحداً " تسحرون " تخدعون عن توحيده وطاعته.
والخادع: هو الشيطان والهوى.
" بل أتينهم بالحق وإنهم لكذبون ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون ".
وقرىء: " أتيتهم " و " أتيتهم " بالفتح والضم " بالحق " بأن نسبة الولد إليه محال والشرك باطل " وإنهم لكذبون " حيث يدعون له ولداً ومعه شريكاً " لذهب كل إله بما خلق " لانفرد كل واحد من الآلهة بخلقه الذي خلقه واستبد به ولرأيتم ملك كل واحد منهم متميزاً من ملك الآخرين ولغلب بعضهم بعضاً كما ترون حال ملوك الدنيا ممالكهم متمايزة وهم متغالبون وحين لن تروا أثراً لتمايز الممالك وللتغالب فاعلموا أنه إله واحد بيده ملكوت كل شيء.
فإن قلت: إذاً لا تدخل إلا على كلام هو جزاء وجواب فكيف وقع قوله لذهب جزاء وجواباً ولم يتقدمه شرط ولا سؤال سائل قلت: الشرط محذوف تقديره: ولو كان معه آلهة.
وإنما حذف لدلالة قوله: " وما كان ممه من إله " عليه.
وهو جواب لمن معه المحاجة من المشركين " عما يصفون " من الأنداد والأولاد " علم الغيب " بالجر صفة لله.
وبالرفع: خبر مبتدأ محذوف.
" قل رب إما تريني ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظلمين وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون ".
ما والنون: مؤكدتان أي: إن كان لا بد من أن تريني ما تعدهم من العذاب في الدنيا أو في الآخرة " فلا تجعلني " قريناً لهم ولا تعذبني بعذابهم.
عن الحسن: أخبر الله أن له في أمته نقمة ولم يخبره أفي حياته أم بعد موته فأمره أن يدعو بهذا الدعاء فإن قلت: كيف يجوز أن يجعل الله نبيه المعصوم مع الظالمين حتى يطلب أن لا يجعله معهم.
قلت: يجوز أن يسأل العبد ربه ما علم أنه يفعله وأن يستعيذ به مما علم أنه لا يفعله إظهاراً للعبودية وتواضعاً لربه وإخباتاً له.
واستغفاره صلى الله عليه وسلم إذا قام من مجلسه سبعين مرة أو مائة مرة لذلك وما أحسن قول الحسن في قول أبي بكر الصديق رضي الله عنهما: " وليتكم ولست بخيركم ": كان يعلم أنه خيرهم ولكن المؤمن يهضم نفسه وقرىء: " إما ترئنهم " بالهمز مكان تريني كما قرىء: " فإما ترئن " و " لترؤن الجحيم " وهي ضعيفة.
وقوله: " رب " مرتين قبل الشرط وقبل الجزاء حث على فضل تضرع وجؤار.
كانوا ينكرون الموعد بالعذاب ويضحكون منه واستعجالهم له لذلك فقيل لهم إن الله قادر على إنجاز ما وعد إن تأملتم فما وجه هذا الإنكار.
" إدفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون ".
هو أبلغ من أن يقال: بالحسنة السيئة لما فيه من التفضيل كأنه قال: ادفع بالحسنى السيئة.
والمعنى: الصفح عن إساءتهم ومقابلتها بما أمكن من الإحسان حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان وبذل الاستطاعة فيه: كانت حسنة مضاعفة بإزاء سيئة.
وهذه قضية قوله: " بالتي هي أحسن ".
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هي شهادة أن لا إله إلا الله.
والسيئة: الشرك.
وعن مجاهد: السلام: يسلم عليه إذا لقيه.
وعن الحسن: الإغضاء والصفح.
وقيل: هي منسوخة بآية السيف.
وقيل: محكمة لأن المداراة محثوث عليها ما لم تؤد إلى ثلم دين وإزراء بمروءة " بما يصفون " بما يذكرونه من أحوالك بخلاف صفتها.
أو بوصفهم لك وسوء ذكرهم والله أعلم بذلك منكم وأقدر على جزائهم.
" وقل رب أعوذ بك من همزت الشيطين وأعوذ بك رب أن يحضرون ".
الهمز: النخس.
والهمزات: جمع المرة منه.
ومنه: مهماز الرائض.
والمعنى: أن الشياطين يحثون الناس على المعاصي ويغرونهم عليها كما تهمز الراضة الدواب حثاً لها على المشي.
ونحو الهمز الأز في قوله تعالى: " تؤزهم أزاً " مريم: 83 أمر بالتعوذ من نخساتهم بلفظ المبتهل إلى ربه المكرر لندائه وبالتعوذ من أن يحضروه أصلاً ويحوموا حوله.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: عند تلاوة القرآن.
وعن عكرمة: عند النزع.
" جتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صلحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ".
" حتى " يتعلق ب " يصفون " أي: لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقف.
والآية فاصلة بينهما على وجه الاعتراض والتأكيد للإغضاء عنهم مستعيناً بالله على الشيطان أن يستزله عن الحلم ويغريه على الانتصار منهم.
أو على قوله: وإنهم لكاذبون.
" قال رب ارجعون " خطاب الله بلفظ الجمع للتعظيم كقوله: فإن شئت حرمت النساء سواكم وقوله: ألا فارحموني يا إله محمد إذا أيقن بالموت واطلع على حقيقة الأمر أدركته الحسرة على ما فرط فيه من الإيمان والعمل الصالح فيه فسأل ربه الرجعة وقال: " لعلى أعمل صلحاً " في الإيمان الذي تركته.