.تفسير الآية رقم (68):

قوله تعالى: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68)}

.من أقوال المفسرين:

.قال البقاعي:

{قالوا} تماديًا في الغلظة {ادع لنا ربك} أي المحسن إليك فكان تخصيصهم له بالإضافة غاية في الجفاء {يبين} من التبيين وهو اقتطاع الشيء، والمعنى مما يلابسه ويداخله- قاله الحرالي.
والمراد المبالغة في البيان بما يفهمه صيغة التفعيل {لنا ما هي} تلك البقرة {قال إنه يقول}.
ولما كانوا يتعنتون أكد فقال: {إنها بقرة لا فارض} أي مسنة فرضت سنها أي قطعتها {ولا بكر} أي فتية صغيرة {عوان} أي نصف وهو خبر مبتدأ محذوف، وبين هذا الخبر بقوله: {بين ذلك} أي سني الفارض والبكر {فافعلوا ما تؤمرون} فإن الاعتراض على من يجب التسليم له كفر فلم يفعلوا بل سألوا بيان اللون بعد بيان السن بأن {قالوا ادع لنا ربك} تماديًا في الجفاء بعدم الاعتراف بالإحسان {يبين لنا ما لونها} بعد بيان سنها. اهـ.

.قال الفخر:

اعلم أن القوم سألوا موسى عليه السلام عن أمور ثلاثة مما يتعلق بالبقرة:
السؤال الأول: ما حكى الله تعالى عنهم أنهم: {قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِيَ} فأجاب موسى عليه السلام بقوله: {إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ} واعلم أن في الآية أبحاثًا:
الأول: أنا إذا قلنا إن قوله تعالى: {إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} يدل على الأمر بذبح بقرة معينة في نفسها غير مبين التعيين حسن موقع سؤالهم، لأن المأمور به لما كان مجملًا حسن الاستفسار والاستعلام.
أما على قول من يقول: إنه في أصل اللغة للعموم فلابد من بيان أنه ما الذي حملهم على هذا الاستفسار؟ وفيه وجوه:
أحدها: أن موسى عليه السلام لما أخبرهم بأنهم إذا ذبحوا البقرة وضربوا القتيل ببعضها صار حيًا تعجبوا من أمر تلك البقرة، وظنوا أن تلك البقرة التي يكون لها مثل هذه الخاصة لا تكون إلا بقرة معينة، فلا جرم استقصوا في السؤال عن وصفها كعصا موسى المخصوصة من بين سائر العصي بتلك الخواص، إلا أن القوم كانوا مخطئين في ذلك، لأن هذه الآية العجيبة ما كانت خاصية البقرة، بل كانت معجزة يظهرها الله تعالى على يد موسى عليه السلام.
وثانيها: لعل القوم أرادوا بقرة، أي بقرة كانت، إلا أن القاتل خاف من الفضيحة، فألقى الشبهة في التبيين وقال المأمور به بقرة معينة لا مطلق البقرة، لما وقعت المنازعة فيه، رجعوا عند ذلك إلى موسى.
وثالثها: أن الخطاب الأول وإن أفاد العموم إلا أن القوم أرادوا الاحتياط فيه، فسألوا طلبًا لمزيد البيان وإزالة لسائر الاحتمالات، إلا أن المصلحة تغيرت واقتضت الأمر بذبح البقرة المعينة.
البحث الثاني: أن سؤال {ما هي} طلب لتعريف الماهية والحقيقة، لأن {ما} سؤال، و{هي} إشارة إلى الحقيقة، فما هي لابد وأن يكون طلبًا للحقيقة وتعريف الماهية والحقيقة لا يكون إلا بذكر أجزائها ومقدماتها لا بذكر صفاتها الخارجة عن ماهيتها، ومعلوم أن وصف السن من الأمور الخارجة عن الماهية فوجب أن لا يكون هذا الجواب مطابقًا لهذا السؤال: والجواب عنه: أن الأمر وإن كان كما ذكرتم لكن قرينة الحال تدل على أنه ما كان مقصودهم من قولهم: ما البقر طلب ماهيته وشرح حقيقته بل كان مقصودهم طلب الصفات التي بسببها يتميز بعض البقر عن بعض، فلهذا حسن ذكر الصفات الخارجة جوابًا عن هذا السؤال.
البحث الثالث: قال صاحب "الكشاف": الفارض المسنة وسميت فارضًا لأنها فرضت سنها، أي قطعتها وبلغت آخرها، والبكر: الفتية والعوان النصف، قال القاضي: أما البكر، فقيل: إنها الصغيرة وقيل ما لم تلد، وقيل: إنها التي ولدت مرة واحدة، قال المفضل بن سلمة (الضبي): إنه ذكر في الفارض أنها المسنة وفي البكر أنها الشابة وهي من النساء التي لم توطأ ومن الإبل التي وضعت بطنًا واحدًا.
قال القفال: البكر يدل على الأول ومنه الباكورة لأول الثمر ومنه بكرة النهار ويقال: بكرت عليهما البارحة إذا جاء في أول الليل، وكأن الأظهر أنها هي التي لم تلد لأن المعروف من اسم البكر من الإناث في بني آدم ما لم ينز عليها الفحل، وقال بعضهم: العوان التي ولدت بطنًا بعد بطن.
وحرب عوان: إذا كانت حربًا قد قوتل فيها مرة بعد مرة، وحاجة عوان: إذا كانت قد قضيت مرة بعد مرة.
البحث الرابع: احتج العلماء بقوله تعالى: {عَوَانٌ بَيْنَ ذلك} على جواز الاجتهاد واستعمال غالب الظن في الأحكام إذ لا يعلم أنها بين الفارض والبكر إلا من طريق الاجتهاد وههنا سؤالان:
الأول: لفظة "بين" تقتضي شيئين فصاعدًا فمن أين جاز دخوله على ذلك؟ الجواب: لأنه في معنى شيئين حيث وقع مشارًا به إلى ما ذكر من الفارض والبكر.
السؤال الثاني: كيف جاز أن يشار بلفظه: (ذلك) إلى مؤنثين مع أنه للإشارة إلى واحد مذكر؟ الجواب: جاز ذكر ذلك على تأويل ما ذكر أو ما تقدم للاختصار في الكلام. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ} هذا تعنيت منهم وقلّة طواعية؛ ولو امتثلوا الأمر وذبحوا أيّ بقرة كانت لحصل المقصود، لكنهم شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم؛ قاله ابن عباس وأبو العالية وغيرهما.
ونحو ذلك روى الحسن البصريّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ولغة بني عامر {ادع} وقد تقدم.
و{يُبَيِّنَ} مجزوم على جواب الأمر.
{مَا هِيَ} ابتداء وخبر.
وماهِيّة الشيء: حقيقته وذاته التي هو عليها.
قوله تعالى: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك} في هذا دليل على جواز النسخ قبل وقت الفعل؛ لأنه لما أمر ببقرة اقتضى أيّ بقرة كانت، فلما زاد في الصفة نسخ الحكم الأوّل بغيره؛ كما لو قال: في ثلاثين من الإبل بنتُ مَخَاض، ثم نَسَخه بابنة لَبُون أو حِقة.
وكذلك ها هنا لما عيّن الصفة صار ذلك نسخًا للحكم المتقدّم.
والفارض: المُسِنّة.
وقد فَرَضَت تَفْرِض فروضًا؛ أي أسَنَّت.
ويقال للشيء القديم فارض؛ قال الراجز:
شَيّبَ أصداغِي فرأسِي أبيضُ
مَحاملٌ فيها رجال فُرّضُ

يعني هَرْمَي؛ قال آخر:
لَعَمرُك قد أعطيتَ جارك فارضًا
تُساق إليه ما تقوم على رِجْلِ

أي قديمًا؛ وقال آخر:
يا رُبّ ذي ضِغْن عليّ فارِض
له قُروء كقُروء الحائِض

أي قديم.
و{لاَّ فَارِضٌ} رفع على الصفة لبقرة.
{وَلاَ بِكْرٌ} عطف.
وقيل: {لاَّ فَارِضٌ} خبر مبتدأ مضمر؛ أي لا هي فارض وكذا {لا ذلول}، وكذلك {لاَ تَسْقِي الْحَرْثَ} وكذلك {مُسَلَّمَةٌ} فاعلمه.
وقيل: الفارض التي قد ولدت بطونًا كثيرة فيتّسع جَوْفها لذلك؛ لأن معنى الفارض في اللغة الواسع؛ قاله بعض المتأخرين.
والبِكر: الصغيرة التي لم تحمل.
وحكى القُتَبِيّ أنها التي ولدت.
والبكر: الأوّل من الأولاد؛ قال:
يا بِكْرِ بِكْرَينِ ويا خِلْبَ الكَبِدْ
أصبحتَ مِنّي كذراع مِن عَضُدْ

والبِكْرُ أيضًا في إناث البهائم وبني آدم: ما لم يَفْتَحِلْه الفحل؛ وهي مكسورة الباء.
وبفتحها الفَتِيّ من الإبل.
والعَوَان: النَّصَف التي قد ولدت بطنًا أو بطنين؛ وهي أقوى ما تكون من البقر وأحسنه، بخلاف الخيل؛ قال الشاعر يصف فرسًا:
كُمَيْت بَهِيم اللّوْنِ ليس بفارضٍ
ولا بِعَوان ذاتِ لَوْن مُخَصّفِ

فرس أَخْصَف: إذا ارتفع البَلَق من بطنه إلى جنبه.
وقال مجاهد: العَوَان من البقر هي التي قد ولدت مَرّة بعد مَرّة.
وحكاه أهل اللغة.
ويقال: إن العَوَان النّخلةُ الطويلة؛ وهي فيما زعموا لغة يمانية.
وحَرْبٌ عَوَانٌ: إذا كان قبلها حَرْب بِكرٌ؛ قال زُهير:
إذا لَقِحتْ حربٌ عَوانٌ مُضِرّةٌ
ضَروسٌ تُهِرّ الناسَ أنيابُها عُصْلُ

أي لا هي صغيرة ولا هي مُسِنّة؛ أي هو عَوان، وجمعها "عُوْنٌ" بضم العين وسكون الواو؛ وسُمع "عُوُن" بضم الواو كرُسُل. وقد تقدم.
وحكى الفَرّاء من العوان عَونَت تَعْوينًا. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ}.
جيء في مراجعتهم لنبيهم بالطريقة المألوفة في حكاية المحاورات، وهي طريقة حذف العاطف بين أفعال القول وقد بيناها لكم في قصة خلق آدم.
ومعنى {ادع لنا} يحتمل أن يراد منه الدعاء الذي هو طلب بخضوع وحرص على إجابة المطلوب فيكون في الكلام رغبتهم في حصول البيان لتحصيل المنفعة المرجوة من ذبح بقرة مستوفية للصفات المطلوبة في القرابين المختلفة المقاصد، بنوه على ما ألفوه من الأمم عبدة الأوثان من اشتراط صفات وشروط في القرابين المقربة تختلف باختلاف المقصود من الذبيحة، ويحتمل أنهم أرادوا مطلق السؤال فعبروا عنه بالدعاء لأنه طلب من الأدنى إلى الأعلى، ويحتمل أنهم أرادوا من الدعاء النداء الجهير بناء على وهمهم أن الله بعيد المكان، فسائله يجهر بصوته، وقد نهي المسلمون عن الجهر بالدعاء في صدر الإسلام.
واللام في قوله: {لنا} لام الأجل أي ادع عنا، وجزم {يبين} في جواب {ادع} لتنزيل المسبب منزلة السبب، أي إن تدعه يسمع فيبين وقد تقدم.
وقوله: {ما هي} حكى سؤالهم بما يُدل عليه بالسؤال بـ(ما) في كلام العرب وهو السؤال عن الصفة لأن (ما) يسأل بها عن الصفة، كما يقول من يسمع الناس يذكرون حاتمًا أو الأحنف وقد علم أنهما رجلان ولم يعلم صفتيهما ما حاتم؟ أو ما الأحنف؟ فيقال: كريم أو حليم.
وليس "ما" موضوعة للسؤال عن الجنس كما توهمه بعض الواقفين على كلام "الكشاف" فتكلفوا لتوجيهه حيث إن جنس البقرة معلوم بأنهم نزلوا هاته البقرة المأمور بذبحها منزلة فرد من جنس غير معلوم لغرابة حكمة الأمر بذبحها وظنوا أن الموقع هنا للسؤال بـ"أي" أو "كيف" وهو وهم نبه عليه التفتازاني في "شرح الكشاف" واعتضد له بكلام "المفتاح" إذ جعل الجنس والصفة قسمين للسؤال بما.
والحق أن المقام هنا للسؤال بما لأن أيًّا إنما يسأل بها عن مميز الشيء عن أفراد من نوعه التبستْ به وعلامة ذلك ذكر المضاف إليه مع أي نحو: {أي الفريقين خير} [مريم: 73] وأي البقرتين أعجبتك وليس لنا هنا بقرات معينات يراد تمييز إحداها.
وقوله: {قال إنه يقول إنها بقرة} أكد مقول موسى ومقول الله تعالى بإن لمحاكاة ما اشتمل عليه كلام موسى من الاهتمام بحكاية قول الله تعالى فأكده بإن، وما اشتمل عليه مدلول كلام الله تعالى لموسى من تحقيق إرادته ذلك تنزيلًا لهم منزلة المنكرني لما بدا من تعنتهم وتنصلهم، ويجوز أن يكون التأكيد الذي في كلام موسى لتنزيلهم منزلة أن يكون الله قال لموسى ذلك جريًا على اتهامهم السابق في قولهم: {أتتخذنا هزؤًا} [البقرة: 67] جوابًا عن قوله: {إن الله يأمركم}.
ووقع قوله: {لا فارض ولا بكر} موقع الصفة لبقرة وأقحم فيه حرف (لا) لكون الصفة بنفي وصف ثم بنفي آخر على معنى إثبات وصف واسطة بين الوصفين المنفيين فلما جيء بحرف (لا) أجري الإعراب على ما بعده لأن (لا) غيرعاملة شيئًا فيعتبر ما قبل لا على عمله فيما بعدها سواء كان وصفًا كما هنا وقوله تعالى: {زيتونة لا شرقية ولا غربية} [النور: 35] وقول جويرية أو حويرثة بن بدر الرامي:
وقد أدركْتني والحوادثُ جمة
أسنة قوم لا ضعاف ولا عُزْلِ

أو حالًا كقول الشاعر وهومن شواهد النحو:
قهرْتَ العِدَا لا مستعينًا بعُصبة
ولكنْ بأنواع الخدائع والمكر

أو مضافًا كقول النابغة:
وشيمة لاوَان لا وَاهِن القُوى
وجَدَ إذا خَاب المُفيدونَ صَاعِدِ

أو خبر مبتدأ كما وقع في حديث أم زرع قول الأولى: «لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل» على رواية الرفع أي هو أي الزوج لا سهل ولا سمين.
وجمهور النحاة أن لا هذه يجب تكريرها في الخبر والنعت والحال أي بأن يكون الخبر ونحوه شيئين فأكثر فإن لم يكن كذلك لم يجز إدخال (لا) في الخبر ونحوه وجعلوا بيت جويرية أو حويرثة ضرورة وخالف فيه المبرد.
وليست (لا) في مثل هذا بعاملة عمل ليس ولا عمل إن، وذكر النحاة لهذا الاستعمال في أحد هذين البابين لمجرد المناسبة.
واعلم أن نفي وصفين بحرف (لا) قد يستعمل في إفادة إثبات وصف ثالث هو وسط بين حالي ذينك الوصفين مثل ما في هذه الآية بدليل قوله: {عوان بين ذلك} ومثل قوله تعالى: {مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} [النساء: 143] وقد يستعمل في إرادة مجرد نفي ذينك الوصفين لأنهما مما يطلب في الغرض الواردين فيه ولا يقصد إثبات وصف آخر وسط بينهما وهو الغالب كقوله تعالى: {في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم} [الواقعة: 42 44].
والفارض المسنة لأنها فرضت سنها أي قطعتها، والفرض القطع ويقال للقديم فارض.
والبكر الفتية مشتقة من البكرة بالضم وهي أول النهار لأن البكر في أول السنوات عمرها والعوان هي المتوسطة السن.
وإنما اختيرت لهم العوان لأنها أنفس وأقوى ولذلك جعلت العوان مثلًا للشدة في قول النابغة:
ومن يتَربّص الحَدَثَانَ تنزل
بمَولاه عوان غيرُ بِكر

أي مصيبة عوان أي عظيمة.
ووصفوا الحرب الشديدة فقالوا: حرب عوان.
وقوله: {بين ذلك} أي بين هذين السنين، فالإشارة للمذكور المتعدد.
ولهذا صحت إضافة بين لاسم الإشارة كما تضاف للضمير الدال على متعدد وإن كان كلمة واحدة في نحو بينها.
وإفراد اسم الإشارة على التأويل بالمذكور كما تقدم قريبًا عند قوله تعالى: {ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله} [البقرة: 61].
وجاء في جوابهم بهذا الإطناب دون أن يقول من أول الجواب إنها عوان تعريضًا بغباوتهم واحتياجهم إلى تكثير التوصيف حتى لا يترك لهم مجالًا لإعادة السؤال.
فإن قلت: هم سألوا عن صفة غيرمعينة فمن أين علم موسى أنهم سألوا عن السن؟ ومن أين علم من سؤالهم الآتي بـ{ما هي} أيضًا أنهم سألوا عن تدربها على الخدمة؟
قلت: يحتمل أن يكون {ما هي} اختصارًا لسؤالهم المشتمل على البيان وهذا الاختصار من إبداع القرآن اكتفاء بما يدل عليه الجواب، ويحتمل أن يكون ما حكى في القرآن مرادف سؤالهم فيكون جواب موسى عليه السلام بذلك لعلمه بأن أول ما تتعلق به أغراض الناس في معرفة أحوال الدواب هو السن فهو أهم صفات الدابة ولما سألوه عن اللون ثم سألوا السؤال الثاني المبهم علم أنه لم يبق من الصفات التي تختلف فيها مقاصد الناس من الدواب غير حالة الكرامة أي عدم الخدمة لأن ذلك أمر ضعيف إذ قد تخدم الدابة النفيسة ثم يكرمها من يكتسبها بعد ذلك فتزول آثار الخدمة وشعثها. اهـ.

.قال الفخر:

قوله تعالى: {فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ} فيه تأويلان:
الأول: فافعلوا ما تؤمرون به من قولك: أمرتك الخير.
والثاني: أن يكون المراد فافعلوا أمركم بمعنى مأموركم تسمية للمفعول بالمصدر كضرب الأمير.
واعلم أن المقصود الأصلي من هذا الجواب كون البقرة في أكمل أحوالها، وذلك لأن الصغيرة تكون ناقصة لأنها بعدما وصلت إلى حالة الكمال، والمسنة كأنها صارت ناقصة وتجاوزت عن حد الكمال، فأما المتوسطة فهي التي تكون في حالة الكمال. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ} تجديد للأمر وتأكيد وتنبيه على ترك التعنّت فما تركوه.
وهذا يدل على أن مقتضى الأمر الوجوب كما تقوله الفقهاء؛ وهو الصحيح على ما هو مذكور في أصول الفقه، وعلى أن الأمر على الفَوْر؛ وهو مذهب أكثر الفقهاء أيضًا.
ويدلّ على صحة ذلك أنه تعالى استقصرهم حين لم يبادروا إلى فعل ما أمِروا به فقال: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ}.
وقيل: لا، بل على التراخي؛ لأنه لم يَعنِّفهم على التأخير والمراجعة في الخطاب.
قاله ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد. اهـ.

.قال ابن عاشور:

وقوله: {فافعلوا ما تؤمرون} الفاء للفصيحة وموقعها هنا موقع قطع العذر مع الحث على الامتثال كما هي في قول عباس بن الأحنف:
قالوا خراسانُ أقْصَى ما يُراد بنا
ثم القُفُولُ فقد جئْنا خُرَاسَانا

أي فقد حصل ما تعللتم به من طول السفر.
والمعنى فبادروا إلى ما أمرتم به وهو ذبح البقرة، و(ما) موصولة والعائد محذوف بعد حذف جاره على طريقة التوسع لأنهم يقولون أمرتك الخير، فتوسلوا بحذف الجار إلى حذف الضمير.
وفي حث موسى إياهم على المبادرة بذبح البقرة بعدما كلفوا به من اختيارها عوانًا دليل على أنهم مأمورون بذبح بقرة مّا غير مراد منها صفة مقيدة لأنه لما أمرهم بالمبادرة بالذبح حينئذ علمنا وعلموا أن ما كلفوا به بعد ذلك من طلب أن تكون صفراء فاقعة وأن تكون سالمة من آثار الخدمة ليس مما أراده الله تعالى عند تكليفهم أول الأمر وهو الحق، إذ كيف تكون تلك الأوصاف مرادة مع أنها أوصاف طردية لا أثر لها في حكمة الأمر بالذبح لأنه سواء كان أمرًا بذبحها للصدقة أو للقربان أو للرش على النجس أو للقسامة فليس لشيء من هاته الصفات مناسبة للحكم، وبذلك يعلم أن أمرهم بهاته الصفات كلها هو تشريع طارئ قصد منه تأديبهم على سؤالهم فإن كان سؤالهم للمطل والتنصل فطلب تلك الصفات المشقة عليهم تأديب على سوء الخلق والتذرع للعصيان، وإن كان سؤالًا ناشئًا عن ظنهم أن الاهتمام بهاته البقرة يقتضي أن يراد منها صفات نادرة كما هو ظاهر قولهم بعد: {وإنا إن شاء الله لمهتدون} [البقرة: 70] فتكليفهم بهاته الصفات العسير وجودها مجتمعة تأديب علمي على سوء فهمهم في التشريع كما يؤدَّب طالب العلم إذا سأل سؤالًا لايليق برتبته في العلم.
وقد قال عمر لأبي عبيدة في واقعة الفرار من الطاعون "لو غيرك قالها يا أبا عبيدة".
ومن ضروب التأديب الحمل على عمل شاق، وقد أدب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه عباسًا رضي الله عنه على الحرص حين حمل من خمس مال المغنم أكثر من حاجته فلم يستطع أن يقله فقال له: مر أحدًا رفعه لي فقال: لا آمر أحدًا فقال له: ارفعه أنت لي فقال: لا، حتى جعل العباس يحثو من المال ويرجعه لصبرته إلى أن استطاع أن يحمل ما بقي فذهب والنبيء صلى الله عليه وسلم يتبعه بصره تعجبًا من حرصه كما في "صحيح البخاري".
ومما يدل على أنه تكليف لقصد التأديب أن الآية سيقت مساق الذم لهم، وعدت القصة في عداد قصص مساويهم وسوءِ تلقيهم للشريعة بأصناف من التقصير عملًا وشكرًا وفهمًا بدليل قوله تعالى آخر الآيات: {وما كادوا يفعلون} [البقرة: 71] مع ما روي عن ابن عباس أنه قال: لو ذبحوا أي بقرة أجزأتهم ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم.
وبهذا تعلمون أن ليس في الآية دليل على تأخير البيان عن وقت الخطاب ولا على وقوع النسخ قبل التمكن لأن ما طرأ تكليف خاص للإعنات، على أن الزيادة على النص ليست بنسخ عند المحققين، وتسميتها بالنسخ اصطلاح القدماء. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.من فوائد ابن عرفة في الآية:

قال رحمه الله:
قوله تعالى: {قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنَ لَّنَا مَا هِيَ...}.
قال الطيبي: إنما يسأل بـ{ما} عن جنس الشيء أو نوعه فكأنهم اعتقدوا أنها خارجة عن جنس البقرة إذ لم يعهد في البقرة إحياء الموتى.
قال ابن عرفة: هو مثل قول المنطقيين: الجنس هو المقول على كثيرين ( (مختلفين بالحقيقة، في جواب ما هو؟ و(النّوع) المقول على كثيرين متفقين في الحقيقة) في جواب ما هو؟ وكقول ابن مالك في أول المصباح: إن السؤال بما هو؟ يكون عن حقيقة الشيء.
وأورد الفخر هنا سؤالا قال: إن السؤال بـ{ما} إنما هو عن الحقيقة فكيف سألوا عن الصفة؟
قال ابن عرفة: وجوابه ظاهر على مذهبه (لأنه) قال في تأليفه في المنطق كالآيات البينات والمحصول (وغيرهما): (إن) الأمر اللازم العرضي حكمه كحكم الذاتي مثلا الألوان (فصحّ) السؤال (هنا) بما هي؟ لأن الصفة هناك كالذاتي وأما عندنا فنقول السؤال عن الذات بصفتها، أو السؤال عن حقيقة تلك الصفة (فهو) سؤال عن الحقيقة.
قوله تعالى: {فافعلوا مَا تُؤْمَرُونَ}.
قال ابن عرفة: اختلف الأصوليون في لفظ الأمر هل هو أبلغ من صيغة افعل أو لا؟
فقيل: أنّ أمرتك بالقيام أبلغ من قم، لأن صيغة افعل، قد تكون للإباحة كما في قوله جل ذكره {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا} وللوجوب بخلاف الأمر، فإن لفظ أمرتك لا يكون للإباحة.
وقيل: إن قم أبلغ، واستدلوا بهذه الآية.
فلولا أنه أبلغ لما احتيج إلى قوله: {فافعلوا مَا تُؤْمَرُونَ} وإلا (كان يلزم) عليه تأكيد الأقوى (بالأضعف)؟ والجواب بأن القرينة هنا أفادت أن صيغة افعل للوجوب، فهو من تأكيد الأقوى بالقوي.
واحتجّ بها بعض الأصوليين على (صحة) تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وقال الآخرون: بل هو تأخير إلى وقت الحاجة.
أو يجاب بقول ابن عباس رضي الله عنه (إنهم) إنما أمروا بذبح بقرة (على الإطلاق)، فلو بادروا وذبحوا من غير سؤال لحصل لهم الغرض، ولكن شددوا فشدد (الله) عليهم. اهـ.

.من فوائد الألوسي في الآية:

قال رحمه الله:
{قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِيَ} أي سل لأجلنا ربك الذي عوّدك ما عوّدك يظهر لنا ما حالها وصفتها، فالسؤال في الحقيقة عن الصفة، لأن الماهية ومسمى الاسم معلومان ولا ثالث لهما لتستعمل {مَا} فيه، أما إذا أريد بقرة معينة فظاهر لأنه استفسار لبيان المجمل وإلا فلمكان التعجب وتوهم أن مثل هذه البقرة لا تكون إلا معينة، والجواب على الأول: بيان.
وعلى الثاني: نسخ وتشديد، وهكذا الحال فيما سيأتي من السؤال والجواب.
وكان مقتضى الظاهر على الأول: أي لأنها للسؤال عن المميز وصفا كان أو ذاتيًا.
وعلى الثاني: كيف؟ لأنها موضوعة للسؤال عن الحال، و{مَا} وإن سئل بها عن الوصف لكنه على سبيل الندور، وهو إما مجاز أو اشتراك كما صرح به في "المفتاح" والغالب السؤال بها عن الجنس، فإن أجريت هنا على الاستعمال الغالب نزل مجعول الصفة لكونه على صفة لم يوجد عليها جنسه وهو إحياء الميت بضرب بعضه منزلة مجهول الحقيقة فيكون سؤالا عن الجنس تنزيلًا، وعن الصفة حقيقة.
وإن أجريت على النادر لم يحتج إلى التنزيل المذكور، والقول إنه يمكن أن يجعل {مَا هِيَ} على حذف مضاف أي ما حالها؟ فيكون سؤالًا عن نوع حال تفرع عليه هذه الخاصية على بعده خال عن اللطافة اللائقة بشأن الكتاب العزيز.
و{مَا} استفهامية خبر مقدم لهي والجملة في موضع نصب بيبين لأنه معلق عنها، وجاز فيه ذلك لشبهه بأفعال القلوب، والمعنى: يبين لنا جواب هذا السؤال.
{قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ} الفارض اسم للمسنة التي انقطعت ولادتها من الكبر، والفعل فرضت بفتح الراء وضمها ويقال لكل ما قدم وطال أمره فارض ومنه قوله:
يا رب ذي ضعن على فارض

له قروء كقروء الحائض وكأن المسنة سميت فارضا لأنها فرضت سنها أي قطعتها وبلغت آخرها، والبكر اسم للصغيرة، وزاد بعضهم التي لم تلد من الصغر وقال ابن قتيبة: هي التي ولدت ولدًا واحدًا، والبكر من النساء التي لم يمسها الرجال، وقيل: هي التي لم تحمل، والبكر من الأولاد الأول، ومن الحاجات الأولى والبكر بفتح الباء الفتيّ من الإبل، والأنثى بكرة وأصله من التقدم في الزمان، ومنه البكرة والباكورة والاسمان صفة بقرة ولم يؤت بالتاء لأنهما اسمان لما ذكر، واعترضت {لا} بين الصفة والموصوف وكررت لوجوب تكريرها مع الخبر والنعت والحال إلا في الضرورة خلافًا للمبرد وابن كيسان كقوله:
قهرت العدا (لا مستعينا) بعصبة
ولكن بأنواع الخدائع والمكر

ومن جعل ذلك من الوصف بالجمل فقدر مبتدأ أي لا هي فارض ولا بكر فقد أبعد، إذ الأصل الوصف بالمفرد، والأصل أيضًا أن لا حذف، وذكر (يقول) للإشارة إلى أنه من عند الله تعالى لا من عند نفسه.
{عَوَانٌ بَيْنَ ذلك} أي متوسطة السن، وقيل: هي التي ولدت بطنًا أو بطنين، وقيل: مرة بعد مرة ويجمع على فعل كقوله:
طوال مثل أعناق الهوادي
نواعم بين أبكار (وعون)

ويجوز ضم عين الكلمة في الشعر، وفائدة هذا بعد {لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ} نفي أن تكون عجلًا أو جنينًا، وأراد من ذلك ما ذكر من الوصفين السابقين وبهذا صح الإفراد وإضافة (بين) إليه فإنه لا يضاف إلا إلى متعدد وكون الكلام مما حذف منه المعطوف لدلالة المعنى عليه والتقدير عوان بين ذلك وهذا أي الفارض والبكر فيكون نظير قوله:
فما كان بين الخير لو جاء سالما
أبو حجر (إلا ليال) قلائل

حيث أراد بين الخير وباعثه تكلف مستغنى عنه بما ذكر.
واختار السجاوندي أن المراد في وسط زمان الصلاح للعوان واعتداله تقول: سافرت إلى الروم وطفت بين ذلك، فالمشار إليه عوان وارتضاه بعض المحققين مدعيًا أو أولى لئلا يفوت معنى بين ذلك لأن أهل اللغة قالوا: بقرة عوان {لا فارض ولا بكر} وعلى الشائع ربما يحتاج الأمر إلى تجريد كما لا يخفى، ثم إن عود الضمائر المذكورة في السؤال والجواب وإجراء تلك الصفات على بقرة يدل على أن المراد بها معينة لأن الأول: يدل على أن الكلام في البقرة المأمور بذبحها، والثاني: يفيد أن المقصد تعيينها وإزالة إبهامها بتلك الصفات كما هو شأن الصفة لا أنها تكاليف متغايرة بخلاف ما إذا ذكر تلك الصفات بدون الإجراء، وقيل: (إنها لا فارض ولا بكر) فإنه يحتمل أن يكون المقصود منه تبديل الحكم السابق، والقول: بأنهم لما تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا ظنوها معينة خارجة عما عليه الجنس فسألوا عن حالها وصفتها فوقعت الضمائر لمعينة باعتقادهم فعينت تشديدًا عليهم وإن لم يكن المراد منها أول الأمر معينة ليس بشيء لأنه حينئذ لم تكن الضمائر عائدة إلى ما أمروا بذبحها بل ما اعتقدوها، والظاهر خلافه واللازم على هذا تأخير البيان عن وقت الخطاب وليس بممتنع والممتنع تأخيره عن وقت الحاجة إلا عند من يجوز التكليف بالمحال وليس بلازم إذ لا دليل على أن الأمر هنا للفور حتى يتوهم ذلك ومن الناس من أنكروا ذلك وادعوا أن المراد بها بقرة من نوع البقر بلا تعيين وكان يحصل الامتثال لو ذبحوا أي بقرة كانت إلا أنها انقلبت مخصوصة بسؤالهم وإليه ذهب جماعة من أهل التفسير وتمسكوا بظاهر اللفظ فإنه مطلق فيترك على إطلاقه مع ما أخرجه ابن جرير بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما موقوفًا لو ذبحوا أي بقرة أرادوا لأجزأتهم ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله تعالى عليهم، وأخرجه سعيد بن منصور في "سننه" عن عكرمة مرفوعًا مرسلًا وبأنه لو كانت معينة لما عنفهم على التمادي وزجرهم عن المراجعة إلى السؤال، واللازم حينئذ النسخ قبل الفعل بناءًا على مذهب من يقول الزيادة على الكتاب نسخ كجماهير الحنفية القائلين بأن الأمر المطلق يتضمن التخيير وهو حكم شرعي والتقييد يرفعه وهو جائز بل واقع كما في حديث فرض الصلاة ليلة المعراج، والممتنع النسخ قبل التمكن من الاعتقاد بالاتفاق لأنه بداء وقبل التمكن من الفعل عند المعتزلة وليس بلازم على ما قيل على أنه قيل: يمكن أن يقال: ليس ذلك بنسخ لأن البقرة المطلقة متناولة للبقرة المخصوصة وذبح البقرة المخصوصة ذبح للبقرة مطلقًا فهو امتثال للأمر الأولي فلا يكون نسخًا، واعترض على كون التخيير حكمًا شرعيًا الخ بالمنع مستندًا بأن الأمر المطلق إنما يدل على إيجاب ماهية من حيث هي بلا شرط لكن لما تتحقق إلا في ضمن فرد معين جاء التخيير عقلًا من غير دلالة النص عليه وإيجاب الشيء لا يقتضي إيجاب مقدمته العقلية إذ المراد بالوجوب الوجوب الشرعي، ومن الجائز أن يعاقب المكلف على ترك ما يشمله مقدمة عقلية ولا يعاقب على ترك المقدمة، ونسب هذا الاعتراض لمولانا القاضي في منهياته وفيه تأمل وذكر بعض المحققين أن تحقيق هذا المقام أنه إن كان المراد بالبقرة المأمور بذبحها مطلق البقرة أي بقرة كانت فالنسخ جائز لأن شرط النسخ التمكن من الاعتقاد وهو حاصل بلا ريب، وإن كان البقرة المعينة فلا يجوز النسخ لعدم التمكن من الاعتقاد حينئذ لأنه إنما حصل بعد الاستفسار فاختلاف العلماء في جواز النسخ وعدمه في هذا المقام من باب النزاع اللفظي فتدبر.
{فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ} أي من ذبح البقرة ولا تكرروا السؤال ولا تتعنتوا، وهذه الجملة يحتمل أن تكون من قول الله تعالى لهم، ويحتمل أن تكون من قول موسى عليه السلام حرضهم على امتثال ما أمروا به شفقة منه عليهم، و{مَا} موصولة والعائد محذوف أي ما تؤمرونه بمعنى ما تؤمرون به، وقد شاع حذف الجار في هذا الفعل حتى لحق بالمتعدي إلى مفعولين فالمحذوف من أول الأمر هو المنصوب، وأجاز بعضهم أن تكون {مَا} مصدرية أي فافعلوا أمركم ويكون المصدر بمعنى المفعول كما في قوله تعالى: {والله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 6 9] على أحد الوجهين، وفيه بعد لأن ذلك في الحاصل بالسبك قليل وإنما كثر في صيغة المصدر. اهـ.

.من فوائد الشعراوي في الآية:

قال رحمه الله:
{قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68)}.
وكان سؤالهم يبين نقص درجة الإيمان عندهم.. لم يقولوا ادع لنا ربنا.. بل قالوا إدع لنا ربك، وكأنه رب موسى وحده.. ولقد تكررت هذه الطريقة في كلام بني إسرائيل عدة مرات.. حتى إنهم قالوا كما يروي لنا القرآن الكريم: {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24].
ولقد استمر الحوار بينهم وبين موسى فترة طويلة.. يوجهون السؤال لموسى فيدعو الله فيأتيه الجواب من الله تبارك وتعالى.. فبدلا من أن ينفذوا الأمر وتنتهي المسألة يوجهون سؤالا آخر.. فيدعو موسى ربه فيأتيه الجواب، ويؤدي الجواب إلى سؤال في غير محله منهم.. ثم يقطع الحق سبحانه وتعالى عليهم أسباب الجدل.. بأن يعطيهم أوصافا لبقرة لا تنطبق إلا على بقرة واحدة فقط.. فكأنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم.
نأتي إلى أسئلة بني إسرائيل.. يقول الحق سبحانه وتعالى: {قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ}.. سؤال لا معنى له ولا محل.. لأن الله تبارك وتعالى قال لهم إنها بقرة.. ولم يقل مثلا إنها حيوان على إطلاقه فلم يكن هناك محل للسؤال.. فجاء الحق تبارك وتعالى يقول لهم: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ}.. الفارض في اللغة هو الواسع والمراد به بقرة غير مسنة.. ولكن ما العلاقة بين سن البقرة وبين الواسع؟ البقرة تتعرض للحمل كثيرا وأساسا هي للبن وللإنجاب.. ومادامت قد تعرضت للحمل كثيرا يكون مكان اللبن فيها في اتساع.. أي أن بطنها يزداد اتساعا مع كل حمل جديد.. وعندما يكون بطن البقرة واسعًا يعرف أنها مسنة وولدت كثيرا وصارت فارضا.
وكلمة {بكر} لها معانٍ متعددة منها أنه لم يطأها فحل.. ومنها أنها بكر ولدت مرة واحدة.. ومنها أنها ولدت مرارا ولكن لم يظهر ذلك عليها لأنها صغيرة السن.
وقوله تعالى: {عَوَانٌ بَيْنَ ذالِكَ}.. يعني وسط بين هذه الأوصاف كلها.. الحق بعد ذلك يقرعهم فيقول: {فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ}.. يعني كفاكم مجادلة ونفذوا أمر الله واذبحوا البقرة.. ولكنهم لم يسكنوا أنهم يريدون أن يحاوروا.. ولذلك غيروا صيغة السؤال. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

.قال ابن عادل:

قوله: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ} فـ{يبيّن} مجزوز على جواب الأمر كقوله: {فادع لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا} [البقرة: 61].
قوله: {مَا هِيَ}، {ما} استفهامية في محلّ رفع بالابتداء، تقديره: أي شيء هي؟ وما [الاستفهامية] يطلب بها شرح الاسم تارة، نحو: ما العَنْقَاء؟ وماهية المسمى أخرى، نحو: ما الحركة؟.
وقال السكاكي: "يسأل بـ{ما} عن الجنس، تقول: ما عندك" أي: أيّ أجناس الأشياء عندك؟ وجوابه "كتاب" ونحوه، أو عن الوصف، تقول: ما زيد؟ وجوابه: "كريم"، وهذا هو المراد في الآية.
و{هي} ضمير مرفوع منفصل في محلّ رفع خبرًا لـ{ما} والجلمة في محلّ نصب بـ{يبيّن}؛ لأنه معلّق عن الجلمة بعده، وجاز ذلك، لأنه شبيه بأفعال القلوب.
قوله: {لاّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ} {لا} نافية و{فارض} صفة لـ{بقرة}.
واعترض بـ{لا} بين الصفة والموصوف، نحو: مررت برجل لا طويل ولا قصير.
وأجاز أبو البقاء: أن يكون خبر المبتدأ محذوف، أي: لا هي فَارِضٌ.
وقوله: {ولا بِكْر} مثل ما تقدّم.
وتكررت {لا} لأنها متى وقعت قبل خبر، أو نعت، أَو حال وجب تكريرها تقول: زيد لا قائم ولا قاعد، ومررت به لا ضحاكًا ولا باكيًا.
ولا يجوز عدم التكرار إلا في ضرورة خلاقًا للمبرّد وابن كَيْسَان؛ فمن ذلك: [الطويل]:
وَاَنْتَ امْرُؤٌ مِنَّا خُلِقْتَ لِغَيْرنا
حَيَاتُكَ لاَ نَفْعُ ومَوْتُكَ فَاجِعُ

وقوله: [الطويل]:
قَهَرْتُ الْعِدَا لاَ مُسْتَعِينًا بِعُصْبَةٍ
وَلَكِنْ بَأَنْواعِ الْخَدائِعِ وَالمَكْرِ

فلم يكرهها في الخبر، ولا في الحال.
والفارض: المُسِنّة الهَرِمَة، قال الزمخشريُّ: كأنها سميْت بذلك؛ لأنها فَرَضَتْ سِنَّها، أي: قَطَعَتْهَا وبلغت آخرها؛ قال: [الطويل]:
لَعَمْرِي لَقَدْ أَعْطَيْتَ ضَيْفَكَ فَارِضًا
تُسَاقُ إِلَيْهِ مَا تَقُومُ عَلَى رِجْلِ

ويقال لكل ما قَدُمَ: فارض؛ قال [الرجز]:
شَيَّبَ أَصْدَاعِيْ فَرَأْسِي أَبْيَضُ
مَحَامِلٌ فِيهَا رِجَالٌ فُرَّضُ

أي: كبار قدماء.
وقال آخر: [الرجز]:
يَارُبَّ ذِي ضِغْنٍ عَلَيَّ فَارِضِ
لَهُ قُرُوءٌ كَقُروءِ الْحَائِضِ

وقال الرَّاغب: سميت فارضًا، لأنها تقطعه الأرض، والْفَرْضُ في الأصل القطع، وقيل: لأنها تحمل الأعمال الشاقة.
وقيل: لأن فريضة البقر تَبِيعٌ ومُسِنَّةٌ، قال: فعلى هذا تكون الفارض اسًا إسلاميًّا.
وقيل: الفَارِضُ: التي ولدت بطونًا كثيرة فيتسّع جوفها لذلك؛ لأن معنى الفارض في اللغة الواسع، نقله القرطبي عن بعض المتأخرين.
ويقال: فَرَضَتْ تَفْرِضُ بالفتح فُرُوضًا.
وقيل: فَرُضَتْ بالضم أيضًا.
وقال المفضَّل بن سَلَمَةَ: الفارض: المُسِنَّة.
والبِكْر: ما لم تحمل.
وقيل: ما ولَدَتْ بطنًا واحدًا، وذلك الولد بِكْرٌ أيضاَ.
قال: [الرجز]:
يَا بِكْرَ بَكْرَين وَيَا خِلْبَ الْكَبِدْ
أَصْبَحْتَ مِنِّي كِذِرَاع مِنْ عَضُدْ

والبِكْر من الحيوان: من لم يطرقه فحل، والبَكْر بالفتح الْفَتِيُّ من الإِبل، والبَكَارة بالفتح المصدر.
وقال المفضَّل بن سلمة: البِكْر: الشابة.
قال القفال رحمه الله تعالى اشتقاق البكر يدل على الأول، ومنه الباكورة لأول الثمرة، ومنه: بُكْرَة النهار، ويقال: بكرت عليه البارحة، إذا جاء في أول الليل.
والأظهر أنها هي التي لم تلد؛ لأن المعروف من اسم البكر من إناث بني آدم: ما لم يَنْزُ عليها الفحل.
قوله: {عَوَانٌ} صفة لـ{بقرة}، ويجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوف أي: هي عَوانٌ كما تقدم في {لاَّ فَارِضٌ} [البقرة: 68] والعوان: النَّصَف، وهو التوسُّط بين الشيئين، وذلك أقوى ما يكون وأحسنه؛ قال: [الوافر]:
نَوَاعِمُ بَيْنَ أَبْكَارٍ وَعُون

وقال الشاعر يصف فرسًا: [الطويل]:
كُمَيْتٍ بَهِيمٍ اللَّونِ لَيْسَ بِفَارضٍ
وَلاَ بِعَوانٍ ذَاتِ لَوْنٍ مُخَصَّفِ

فرس أخصف إذا ارتفعَ الْبَلَق من بطنه إلى جنبه، ويقال للنخلة الطويلة: عوان، وهي فيما زعموا لغة عَانِيَة، حكاه القرطبي.
وقيل: هي التي ولدت مرة بعد أخرى منه الحرب العوان أي التي جاءت بعد حرب أخرى؛ قال زهير: [الطويل]:
إِذَا لَحِقَتْ حَرْبٌ عَوَانٌ مُضِرَّةٌ
ضَرُوسٌ تُهِمرُّ النَّاسَ أَنْيَابُهَا عُصْلُ

والعُوْن بسكون الواو الجمع، وقد يضم ضرورة كقوله: [السريع]:
في الأَكُفِّ اللاَّمِعَاتِ سُوُرْ

بضم الواو.
ونظيره في الصحيح قَذَال وقُذُل وحِمَار وحُمُر.
قوله: {بين ذلك} صفة لـ{عوان} فهي في محلّ رفع، ويتعلق بمحذوف، أي: كائن بين ذلك، و"بين" إنما تضاف لشيئين فصاعدًا، وجاز أن تضاف هنا إلى مفرد؛ لأنه يشار به إلى المُثَنَّى والمجموع؛ كقوله: [الرمل]:
إِنَّ لِلْخَيْرِ وَلِلشَّرِّ مَدًى
وَكِلاَ ذَلِكَ وَجْهٌ وَقَبَلْ

كأنه قيل: بين ما ذكر من الفارض البكر.

.قال الزمخشري:

فإن قلت: كيف جاز أن يشار به إلى مؤنثين، وإنما هو لإشارة المذكر؟
قلت: لأنه في تأويل ما ذكر وما تقدم، وقال: وقد يجرى الضمير مجرى اسم الإشارة في هذا، قال أبو عبيدة: قلت لرؤبة في قوله: [الرجز]:
فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ
كَأَنَّهُ فِي الْجِلْدِ تَوْلِيعُ الْبَهَقْ

إن أردت الخطوط فقل: كأنها، وإن أردت السواد والبَلَق فقل: كأنهما، فقال: أردتُ: ذَاكَ وَلِكَ.
والذي حسن منه أن أسماء الإشارة تثنيتها، وجمعها، وتأنيثهما ليست على الحقيقة، وكذلك الموصولات، ولذلك جاء "الذي" بمعنى الجمع واحتج بعض العلماء بقوله: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} على جواز الاجتهاد، واستعمال غلبة النَّص في الأحكام، إذ لا يعلم أنها بين الفَارِض والبِكْر إلا من طريق الاجتهاد.
قوله: {مَا تُؤْمَرونَ} {ما} موصولة بمعنى "الذي"، والعائد محذوف تقديره: تؤمرون به، فحذفت الباء، وهو حذف مطرد، فاتصل الضمير فحذفت "الهاء"، وليس هو نظير: {كالذي خاضوا} [التوبة: 69] فإن الحذف هناك غير مقيس.
ويضعف أن تكون {ما} نكرة موصوفة.
قال أبو البقاء: لأن المعنى على العموم، وهو بـ"الذي" أشبه، ويجوز أن تكون مصدرية أي: أمركم بمعنى مأموركم، تسمية للمفعول بالمصدر كـ"ضَرْب الأمير" قاله الزمخشري.
و{تؤمرون} مبني للمفعول، و"الواو" قائم مقام الفاعل، ولا محلّ لهذه الجملة لوقوعها صلة. اهـ. باختصار.

.تفسير الآية رقم (69):

قوله تعالى: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69)}

.من أقوال المفسرين:

.قال البقاعي:

{قال} وأكد لما مضى من تلددهم فقال: {إنه يقول} وأكد إشارة إلى مزيد تعنتهم فقال: {إنها بقرة صفراء} وأكد شدة صفرتها بالعدول عن فاقعة إلى قوله معبرًا باللون {فاقع لونها} أي خالص في صفرته.
قال الحرالي: نعت تخليص للون الأصفر بمنزلة قانئ في الأحمر فهي إذن متوسطة اللون بين الأسود والأبيض كما كانت متوسطة السن، {تسر الناظرين} أي تبهج نفوسهم بأنك إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها- قاله وهب. اهـ.

.قال الفخر:

ثم إنه تعالى حكى سؤالهم الثاني وهو قوله تعالى: {قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا} واعلم أنهم لما عرفوا حال السن شرعوا بعده في تعرف حال اللون فأجابهم الله تعالى بأنها: {صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا}، والفقوع أشدها يكون من الصفرة وأنصعه، يقال في التوكيد أصفر فاقع وأسود حالك وأبيض يقق وأحمر قانٍ وأخضر ناضر، وههنا سؤالان:
الأول: {فاقع} هاهنا واقع خبرًا عن اللون فكيف يقع تأكيدًا لصفراء؟ الجواب: لم يقع خبرًا عن اللون إنما وقع تأكيدًا لصفراء إلا أنه ارتفع اللون به ارتفاع الفاعل واللون سببها وملتبس بها، فلم يكن فرق بين قولك: صفراء فاقعة وصفراء فاقع لونها.
السؤال الثاني: فهلا قيل صفراء فاقعة وأي فائدة في ذكر اللون؟ الجواب: الفائدة فيه التوكيد لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة، فكأنه قيل شديدة الصفرة صفرتها فهو من قولك: جد جده وجنون مجنون.
وعن وهب: إذ نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها.
أما قوله تعالى: {تَسُرُّ الناظرين} فالمعنى أن هذه البقرة لحسن لونها تسر من نظر إليها، قال الحسن: الصفراء هاهنا بمعنى السوداء، لأن العرب تسمي الأسود أصفر، نظيره قوله تعالى في صفة الدخان: {كَأَنَّهُ جمالة صُفْرٌ} [المرسلات: 33] أي سود، واعترضوا على هذا التأويل بأن الأصفر لا يفهم منه الأسود ألبتة، فلم يكن حقيقة فيه، وأيضًا السواد لا ينعت بالفقوع، إنما يقال: أصفر فاقع وأسود حالك والله أعلم، وأما السرور فإنه حالة نفسانية تعرض عند حصول اعتقاد أو علم أو ظن بحصول شيء لذيذ أو نافع. اهـ.

.قال الماوردي:

قوله تعالى: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ} حُكِيَ عن الحسن البصري، أن المراد بقوله صفراء، أي سوداء شديدة السواد، كما تقول العرب: ناقة صفراء أي سوداء، ومنه قول الشاعر:
تلك خيلي منه وتلك ركابي
هُنّ صفر أولادها كالزبيب

وقال الراجز:
وصفرٍ ليست بمصفرّة
ولكنّ سوداءَ مثل الخُمُر

وقال سائر المفسرين: إنها صفراء اللون، من الصفرة المعروفة، وهو أصح، لأنه الظاهر، ولأنه قال: {فَاقِعٌ لَّوْنُهَا} والفاقع من صفات الصفرة، وليس يوصف السواد بذلك، وإنما يقال: أسود حالكٌ، وأحمر قانٍ، وأبيضُ ناصعٌ، وأخضرُ ناضرٌ، وأصفرُ فاقعٌ.
ثم فيما أُرِيدَ بالصفرة قولان:
أحدهما: صفراء القرن والظلف، وهو قول سعيد بن جبير.
والثاني: صفراء اللون كله، وهذا قول مجاهد.
وفي قوله تعالى: {فاقع لونها} ثلاثة تأويلات:
أحدها: الشديدة الصفرة، وهذا قول ابن عباس، والحسن.
والثاني: الخالص الصفرة، وهذا قول قطرب.
والثالث: الصافي، وهذا قول أبي العالية، وقتادة.
{تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} فيه وجهان:
أحدهما: تعجب الناظرين بصفرتها، فتعجب بالسرور، وهو ما يتأثر به القلب، والفرح ما فرحت به العين، ويحتمل قوله: {تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} وجهين:
أحدهما: بحسن لونها فتكون.... لصفرتها.
والثاني: حسن سمتها، وصفت بذلك، ليكون ذلك زيادة شرط في صفتها، غير ما تقدم من ذكر صفرتها، فتصير البقرة على الوجه الأول، ذات وصف واحد، وعلى الوجه الثاني، ذات وصفين. اهـ.

.قال الألوسي:

إسناد البيان في كل مرة إلى الله عز وجل لإظهار كمال المساعدة في إجابة مسئولهم وصيغة الاستقبال لاستخضار الصورة والفقوع أشد ما يكون من الصفرة وأبلغه والموصف به للتأكيد كأمس الدابر وكذا في قولهم أبيض ناصع، وأسود حالك، وأحمر قان، وأخضر ناضر، و{لونها} مرفوع بفاقع ولم يكتف بقوله صفراء فاقعة لأنه أراد تأكيد نسبة الصفرة فحكم عليها أنها صفراء ثم حكم على اللون أنه شديد الصفرة فابتدأ أولًا بوصف البقرة بالصفرة ثم أكد ذلك بوصف اللون بها فكأنه قال: هي صفراء ولونها شديد الصفرة، وعن الحسن سوداء شديدة السواد ولا يخفى أنه خلاف الظاهر لأن الصفرة وإن استعملها العرب بهذا المعنى نادرًا كما أطلقوا الأسود على الأخضر لكنه في الإبل خاصة على ما قيل في قوله تعالى: {جمالة صُفْرٌ} [المراسلات: 33] لأن سواد الإبل تشوبه صفرة وتأكيده بالفقوع ينافيه لأنه من وصف الصفرة في المشهور، نعم ذكر في "اللمع" أنه يقال: أصفر فاقع، وأحمر فاقع، ويقال: في الألوان كلها فاقع وناصع إذا أخلصت فعليه لا يرد ما ذكر، ومن الناس من قال: إن الصفرة استعيرت هنا للسواد، وكذا فاقع لشديد السواد وهو ترشيح ويجعل سواده من جهة البريق واللمعان وليس بشيء، وجوز بعضهم أن يكون {لونها} مبتدأ وخبره إما {فاقع} أو الجملة بعده، والتأنيث على أحد معنيين، أحدهما: لكونه أضيف إلى مؤنث كما قالوا: ذهبت بعض أصابعه؛ والثاني: أنه يراد به المؤنث إذ هو الصفرة فكأنه قال: صفرتها تسر الناظرين ولا يخفى بعد ذلك.
والسرور أصله لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه أو رؤية أمر معجب رائق، وأما نفسه فانشراح مستبطن فيه وبين السرور، والحبور، والفرح تقارب لكن السرور هو الخالص المنكتم سمي بذلك اعتبارًا بالاسرار، والحبور ما يرى حبره أي أثره في ظاهر البشرة وهما يستعملان في المحمود.
وأما الفرح فما يحصل بطرًا وأشرًا ولذلك كثيرًا ما يذم كما قال تعالى: {إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفرحين} [القصص: 6 7] والمراد به هنا عند بعض الإعجاب مجازًا للزومه له غالبًا، والجملة صفة البقرة أي تعجب الناظرين إليها.
وجمهور المفسرين يشيرون إلى أن الصفرة من الألوان السارة ولهذا كان علي كرم الله تعالى وجهه يرغب في النعال الصفر ويقول من لبس نعلًا أصفر قل همه، ونهى ابن الزبير ويحيى بن أبي كثير عن لباس النعال السود لأنها تغم، وقرئ: {يَسُرُّ} بالياء فيحتمل أن يكون {لونها} مبتدأ ويسر خبره ويكون {فاقع} صفة تابعة لصفراء على حد قوله:
وإني لأسقي الشرف (صفراء فاقعا)
كأن ذكى المسك فيها يفتق

إلا أنه قليل حتى قيل: بابه الشعر، ويحتمل أن يكون لونها فاعلًا بفاقع ويسر إخبار مستأنف. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا}.
سألوا بـ(ما) عن ماهية اللون وجنسه لأنه ثاني شيء تتعلق به أغراض الراغبين في الحيوان.
والقول في جزم: {يبين} وفي تأكيد {إنه يقول إنها بقرة} كالقول في الذي تقدم.
وقوله: {صفراء فاقع لونها} احتيج إلى تأكيد الصفرة بالفقوع وهو شدة الصفرة لأن صفرة البقر تقرب من الحمرة غالبًا فأكده بفاقع والفقوع خاص بالصفرة، كما اختص الأحمر بقان والأسود بحالك، والأبيض بيقق، والأخضر بمدهامّ، والأورق بخطباني (نسبة إلى الخطبان بضم الخاء وهو نبت كالهليون)، والأرمك وهو الذي لونه لون الرماد بُردَاني (براء في أوله) والردان الزعفران كذا في الطيبي ووقع في "الكشاف" و"الطيبي" بألف بعد الدال ووقع في "القاموس" أنه بوزن صاحب وضبط الراء في نسخة من "الكشاف" ونسخة من "حاشية القطب" عليه ونسخة من "حاشية الهمداني" عليه بشكل ضمة على الراء وهو مخالف لما في "القاموس".
والنصوع يعم جميع الألوان، وهوخلوص اللون من أن يخالطه لون آخر.
ولونها إما فاعل بفاقع أو مبتدأ مؤخر وإضافته لضمير البقرة دلت على أنه اللون الأصفر فكان وصفه بفاقع وصفًا حقيقيًا ولكن عدل عن أن يقال صفراء فاقعة إلى {صفراء فاقع لونها} ليحصل وصفها بالفقوع مرتين إذ وُصف اللون بالفقوع، ثم لما كان اللون مضافًا لضمير الصفراء كان ما يجري عليه من الأوصاف جاريًا على سببيه (على نحوما قاله صاحب "المفتاح" في كون المسند فعلًا من أن الفعل يستند إلى الضمير ابتداء ثم بواسطة عود ذلك الضمير إلى المبتدأ يستند إلى المبتدأ في الدرجة الثانية) وقد ظن الطيبي في "شرح الكشاف" أن كلام صاحب "الكشاف" مشير إلى أن إسناد {فاقع} للونها مجاز عقلي وهو وهم إذ ليس من المجاز العقلي في شيء.
وأما تمثيل صاحب "الكشاف" بقوله جد جده فهو تنظير في مجرد إفادة التأكيد.
وقوله: {تسر الناظرين} أي تُدخل رؤيتها عليهم مسرة في نفوسهم، والمسرة لذة نفسية تنشأ عن الإحساس بالملائم أو عن اعتقاد حصوله ومما يوجبها التعجب من الشيء والإعجاب به.
وهذا اللون من أحسن ألوان البقر فلذلك أسند فعل {تسر} إلى ضمير البقرة لا إلى ضمير اللون فلا يقتضي أن لون الأصفر مما يسر الناظرين مطلقًا.
والتعبير بالناظرين دون الناس ونحوه للإشارة إلى أن المسرة تدخل عليهم عند النظر إليها من باب استفادة التعليل من التعليق بالمشتق. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.من فوائد ابن عرفة في الآية:

قال رحمه الله:
قوله تعالى: {فَاقِعٌ لَّوْنُهَا...}.
لم يقل فاقعة مع أنّه من صفة البقرة (جعلوه) مبالغة مثل: جدّ جدّه، وجعله الطيبي مجازا، ورده ابن عرفة بأنه آكد، والتأكيد ينافي المجاز ألا ترى أن أهل السنة استدلّوا على وقوع الكلام من الله لموسى بقوله تعالى: {وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيمًا} لأنه (مؤكد) بالمصدر والتأكيد (ينفي) المجاز.
ذكره الإمام المازري في شرح التلقين في كتاب الطهارة في قوله: {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}. اهـ.

.من فوائد الشعراوي في الآية:

قال رحمه الله:
{قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69)}.
بحثوا عن سؤال آخر: ما لونها؟ كأن الله تبارك وتعالى حين حدثهم عن السن فتحوا الأبواب ليسألوا ما لونها؟ مع أنه سبحانه وتعالى قال لهم: {فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ}.. فلم يفعلوا بل سألوا ما لونها؟ {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ} والصفرة لون من الألوان.. ثم قال جل جلاله: {فَاقِعٌ لَّوْنُهَا}.. يعني صفرة شديدة.. ثم قال: {تَسُرُّ النَّاظِرِينَ}.. يعني أن كل من ينظر إليها يُسر لنضارتها ونظافتها وحسن مظهرها وتناسق جسدها.
وصف البقرة بأنها صفراء هذا لون معروف.. وفي الألوان لا يمكن أن تحدد لونا إلا برؤيته.. ولذلك فإن المحسَّات في الألوان لابد أن تسبق معرفتها وبعد ذلك تأتي باللون المطلوب.. لذلك لا يقال صفراء فقط لأنك لا تستطيع تحديده؛ لأن اللون الأصفر له درجات لا نهاية لها.. ومزج الألوان يعطيك عددًا لا نهائيا من درجاتها.. ولذلك فإن المشتغلين بدهان المنازل لا يستطيعون أن يقوموا بدهان شقة بلون إلا إذا قام بعمل مزيج اللون كله مرة واحدة.. حتى يخرج الدهان كله بدرجة واحدة من اللون.. ولكن إذا طلبت منه أن يدهن الشقة باللون نفسه.. بشرط أن يدهن حجرة واحدة كل يوم فإنه لا يستطيع.. فإذا سمعت صفراء يأتي اللون الأصفر إلى ذهنك.. فإذا سمعت {فاقع} فكل لون من الألوان له وصف يناسبه يعطينا دقة اللون المطلوب.
{فاقع} أي شديد الصفرة.
أظن أن المسألة قد أصبحت واضحة.. إنها بقرة لونها أصفر فاقع تسر الناظرين.. وكان من المفروض أن يكتفي بنو إسرائيل بذلك ولكنهم عادوا إلى السؤال مرة أخرى. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال ابن عادل:
قوله: {مَا لَوْنُهَا} كقوله: {مَا هِيَ}.
وقرأ الضحاك: {لونها} بالنصب.
وقال أبو البقاء: لو قرئ: {لَوْنَهَا} بالنصب لكان له وَجْهٌ، وهو أن تكون {ما} زائدة كهي في قوله: {أَيَّمَا الأجلين قَضَيْتُ} [القصص: 28] ويكون التقدير: يبين لنا لَوْنَهَا وهذا تجديد للأمر، وتأكيد وتنبيه على ترك التعنّتن وهذا يدل على أن الأمر يقتضي الوجوب، ويدل على أن الأمر على الفور؛ لأنه تعالى ذمهم على التأخير بقوله: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} [البقرة: 71].
واستدل بعضهم على أن الأمر على التراخي؛ لأنه تعالى لم يعنفهم على التأخير والمُرَاجعة في الخطاب، قاله القرطبي عن ابن خُوَيْزِمَنْداد.
قال الثعلبي: وقرأ الضحاك: {لونَهَا} بالنصب.
وأما {ما هي} فابتداء وخبر لا غَيْرُ، إذ لا يمكن جعل {ما} زائدة؛ لأن {هي} لا يصح أن يكون مفعول {يبين} يعني: أنها بصيغة الرفع، وهذا ليس من مواضع زيادة {ما} فلا حاجة إلى هذا.
واللَّوْن عبارة عن الحُمْرة والسَّوَاد ونحوهما، واللَّوْن أيضاَ النَّوع، وهو الدَّقَل نوع من النخل.
قال الأَخْفَشُ: هو جماعة واحدها لِينَة وفلان يَتَلَوَّنُ، أي: لا يثبتُ على حال؛ قال الشاعر: [الرمل]:
كُلَّ يَوْمٍ تَتَلَوَّنْ
غَيْرُ هَذَا بِكَ أَحْمَلُ

و{صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا} يجوز أن يكون {فاقع} صفة، و{لونها} فاعل به، وأن يكون خبرًا مقدمًا و{لونها} مبتدأ مؤخر، والجملة صفة ذكرهما أبو البقاء.
وفي الوجه الأول نظر، وذلك أن بعضهم ذكر أن هذه التوابع للألوان لا تعمل عمل الأفعال.
فإن قيل: يكون العمل لـ{صفراء} لا لـ{فاقع} كما تقول: مررت برجل أبيض ناصع لونه فـ"لونه" مرفوع بـ"أبيض" لا بـ"ناصع".
فالجواب: أن ذلك هاهنا ممنوع من جهة أخرى، وهو أن {صفراء} مؤنَث اللفظ، ولو كان رافعًا لـ{لَوْنُها} لقيل: أصفر لونها، كما تقول: مررت بأمرأة أصفر لونها، ولا يجوز: صفراء لونها؛ لأن الصفة كالفعل، إلاَّ أن يقال: إنه لما أضيف إلى مؤنث اكتسب منه التأنيث، فعومل معاملته كما سيأتي.
ويجوز أن يكون {لونها} مبتدأ و{تَسُرُّ} خبره، وإنما أنث الفعل لاكتسابه بالإضافة معنى التأنيث؛ كقوله: [الطويل]:
مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ
أَعَالِيهَا مَرٌّ الرِّياحِ النَّوَاسِمِ

وقول الآخر: [الطويل]:
وَتَشْرَقُ بَالقَوْلِ الَّذِي قَدْ أَذَعْتَهُ
كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ مِنَ الدَّم

أنّث فعل المَرِّ والصَّدْرِ لما أَضيفا لمؤنث، وقرئ: {يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السيارة} [يوسف: 10].
وقيل: لأن المراد باللَّون هنا الصُّفرة، وهي مؤنّثة، فحمل على المعنى في ذلك، ويقال: أصفر فاقع، وأبيض ناصع، ويَقِقٌ ولَهِقٌ ولِهَاقٌ، وأخضر ناضر، وأحمر قانئ، وأسود حالك وحائك وَحُلْكُوك، ودَجُوجِيٌّ وغِرْبِيبُ، وبَهِيم.
وقيل: البهيم الخالص من كل لون.
وبهذا يظهر أن {صفراء} على بابها من اللون المعروف لا سَوْدَاء كما قاله بعضهم: فإن الفُقُوع من صفة الأصفر خاصّة، وأيضًا فإنه مجاز بعدي، ولا يستعمل ذلك إلا في الإبل لِقُرْبِ سوادها من الصّفرة، كقوله تعالى: {كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ} [المرسلات: 33] وقال [الخفيف]:
تِلْكَ خَيْلِي مِنْهُ وتِلْكَ رِكَابِي
هُنَّ صُفْرٌ أَوْلاَدُهَا كَالزَّبِيبِ

فإن قيل: هلاّ قيل: صفراء فاقعة؟ وأي فائدة في ذلك اللون؟
فالجواب: فائدته التأكيد؛ لأن اللون اسم للهَيْئَةِ، وهي الصّفرة، فكأنه قال: شديدة الصفرة صفرتها فهو من قولك: جدّ جدّه.
وعن وهب: إذا نظرت إليها خُيِّل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جِلْدِهَا، فمعنى قوله: {تَسُرُّ النَّاظِرينَ} أي: يعجبهم حسنها وصَفَاءُ لونها، لأن العين تسر بالنظر إلى الشيء الحسن.
قال الكسائي؛ يقال: فَقَع لونها يَفْقَعُ فُقُوعًا، إذا خَلَصَت صفرته، والإفْقَاع: سوء الحال، وفَوَاقِعُ الدهر: بَوَائِقُه، وفَقَّع بأصابعه: إذا صوَّت، ومنه حديث ابن عباس: «نَهَى عن التَّفقيع في الصلاة»، "وهي الفرقعة، هي غَمْزُ الأصابع حتى تُنْقِض"، قاله القرطبي.
وفي قوله: {فاقع} لطيفة، وهي أنه وصفها باسم الفاعل الذي هو نعت للدوام والاستمرار.
يعني: في الماضي والمستقبل.
وفي قوله: {تَسُرُّ} لطيفةٌ، وهي أنه أتى بصيغة المضارع وهو يقتضي التجدُّد والحدوث، بخلاف الماضي.
وفي قوله: {النَّاظرين} آية لطيفة، وهي أنه أتى بصيغة الجمع المُحَلّى بالألف واللام، ليعمّ كلّ ناضر منفردين ومجتمعين.
وقيل: المراد بالنظر نظر البصر للمرء والمرأة أو المراد به النظر بعين اليقين، وهو التفكر في المخلوقات.
قوله: {تَسُرُّ الناظرين} جملة في محل رفع صفة لـ{بقرة} أيضًا، وقد تقدم أنه يجوز أن تكون خبرًا عن {لونها} بالتأويلين المذكورين.
و"السرور" لذّة في القلب عند حصول نفع أو توقّعه، ومنه السرير الذي يُجْلس عليه إذا كان لأولي النعمة، وسرير الميت تشبيهًا به في الصورة وتفاؤلًا بذلك. اهـ. باختصار.

.تفسير الآية رقم (70):

قوله تعالى: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70)}:

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
{قالوا ادع لنا ربك} المحسن إليك بالإجابة في كل ما سألته {يبين لنا ما هي} ثم عللوا تكريرهم لذلك بقولهم: {إن البقر} أي الموصوف بما قدمته {تشابه} أي وقع تشابهه {علينا} وذكر الفعل لأن كل جمع حروفه أقل من حروف واحدة فإن العرب تذكره نقل عن سيبويه؛ ثم أدركتهم العناية فقالوا {وإنا إن شاء الله} أي الذي له صفات الكمال وأكدوا لما أوجب توقفهم من ظن عنادهم وقدموا التبرك بالمشية لذلك على خبر إن {لمهتدون} أي إلى المراد فتبركوا بما لا تكون بركة إلا به. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

قال الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قال: «والذي نفس محمد بيده لو لم يقولوا إن شاء الله لحيل بينهم وبينها أبدًا»، واعلم أن ذلك يدل على أن التلفظ بهذه الكلمة مندوب في كل عمل يراد تحصيله، ولذلك قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيء إِنّى فَاعِلٌ ذلك غَدًا إِلاَّ أَن يَشَاء الله} [الكهف: 23]، وفيه استعانة بالله وتفويض الأمر إليه، والاعتراف بقدرته ونفاذ مشيئته. اهـ.

.قال الألوسي:

{قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِيَ} إعادة للسؤال عن الحال والصفة لا لرد الجواب الأول بأنه غير مطابق وأن السؤال باق على حاله بل لطلب الكشف الزائد على ما حصل وإظهار أنه لم يحصل البيان التام. اهـ.

.قال الفخر:

احتج أصحابنا بهذا على أن الحوادث بأسرها مرادة لله تعالى فإن عند المعتزلة أن الله تعالى لما أمرهم بذلك فقد أراد اهتداءهم لا محالة، وحينئذ لا يبقى لقولهم إن شاء الله فائدة.
أما على قول أصحابنا فإنه تعالى قد يأمر بما لا يريد فحينئذ يبقى لقولنا إن شاء الله فائدة. اهـ.

.فائدة: [في مشيئة الله تعالى]:

قال الفخر:
احتجت المعتزلة على أن مشيئة الله تعالى محدثة بقوله: {إِن شَاء الله} من وجهين: الأول: أن دخول كلمة {إن} عليه يقتضي الحدوث.
والثاني: وهو أنه تعالى علق حصول الاهتداء على حصول مشيئة الاهتداء، فلما لم يكن حصول الاهتداء أزليًا وجب أن لا تكون مشيئة الاهتداء أزلية. اهـ.

.فائدة: [في قوله تعالى: {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا}]:

قال الفخر:
قوله تعالى: {إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا} المعنى أن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا أيها نذبح، وقرئ: {تشابه} بمعنى تتشابه بطرح التاء وإدغامها في الشين و(قرئ) تشابهت ومتشابهة ومتشابه. اهـ.

.قال الألوسي:

{إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا} تعليل لقوله تعالى: {ادع} كما في قوله تعالى: {صَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاتك سَكَنٌ لَّهُمْ} [التوبة: 103] وهو اعتذار لتكرير السؤال أي إن البقر الموصوف بما ذكر كثير فاشتبه علينا، والتشابه مشهور في البقر، وفي الحديث: «فتن كوجوه البقر» أي يشبه بعضها بعضًا، وقرأ يحيى وعكرمة والباقران الباقر وهو اسم لجماعة البقر، والبقر اسم جنس جمعي يفرق بينه وبين واحده بالتاء ومثله يجوز تذكيره وتأنيثه كـ{نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} [القمر: 0 2] {والنخل باسقات} [ق: 0 1] وجمعه أباقر، ويقال فيه: بيقور وجمع بواقر، وفي "البحر" إنما سمي هذا الحيوان بذلك لأنه يبقر الأرض أي يشقها للحرث، وقرأ الحسن {تشابه} بضم الهاء جعله مضارعًا محذوف التار وماضيه (تشابه) وفيه ضمير يعود على البقر على أنه مؤنث، والأعرج كذلك إلا أنه شدد الشين، والأصل تتشابه فأدغم، وقرئ: {تشبه} بتشديد الشين على صيغة المؤنث من المضارع المعلوم، ويشبه بالياء والتشديد على صيغة المضارع المعلوم أيضًا، وابن مسعود يشابه بالياء والتشديد جمعله مضارعًا من تفاعل لكنه أذغم التاء في الشين، وقرئ: {مشتبه} و{متشبه} و{يتشابه} والأعمش {متشابه}، ومتشابهة وقرئ: {تشابهت} بالتخفيف، وفي مصحف أبيّ بالتشديد، واستشكل بأن التاء لا تدغم إلا في المضارع، وليس في زنة الأفعال فعل ماض على تفاعل بتشديد الفاء ووجه بأن أصله إن البقرة تشابهت فالتاء الأولى من البقرة؛ والثانية من الفعل فلما اجتمع مثلان أدغم نحو الشجرة تمايلت إلا أن جعل التشابه في بقرة ركيك، والأهون القول بعدم ثبوت هذه القراءة فإن دون تصحيحها على وجه وجيه خرط القتاد، ويشكل أيضًا تشابه من غير تأنيث لأنه كان يجب ثبوت علامته إلا أن يقال: إنه على حد قوله:
ولا أرض أبقل إبقالها
وابن كيسان يجوزه في السعة

.قال الفخر:

فيه وجوه ذكرها القفال:
أحدها: وإنا بمشيئة الله نهتدي للبقرة المأمور بذبحها عند تحصيلنا أوصافها التي بها تمتاز عما عداها.
وثانيها: وإنا إن شاء الله تعريفها إيانا بالزيادة لنا في البيان نهتدي إليها.
وثالثها: وإنا إن شاء الله على هدى في استقصائنا في السؤال عن أوصاف البقرة أي نرجوا أنا لسنا على ضلالة فيما نفعله من هذا البحث.
ورابعها: إنا بمشيئة الله نهتدي للقاتل إذا وصفت لنا هذه البقرة بما به تمتاز هي عما سواها. اهـ.

.قال الألوسي:

{وَإِنَّا إِن شَاء الله لَمُهْتَدُونَ} أي إلى عين البقرة المأمور بذبحها، أو لما خفي من أمر القاتل، أو إلى الحكمة التي من أجلها أمرنا، وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس مرفوعًا معضلًا وسعيد عن عكرمة مرفوعًا مرسلًا وابن أبي حاتم عن أبي هريرة مرفوعًا موصولًا أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لو لم يستثنوا لما تبينت لهم آخر الأبد». اهـ.

.قال ابن عاشور:

وقولهم: {وإنا إن شاء الله لمهتدون} تنشيط لموسى ووعد له بالامتثال لينشط إلى دعاء ربه بالبيان ولتندفع عنه سآمة مراجعتهم التي ظهرت بوارقها في قوله: {فافعلوا ما تؤمرون} [البقرة: 68] ولإظهار حسن المقصد من كثرة السؤال وأن ليس قصدهم الإعنات.
تفاديًا من غضب موسى عليهم.
والتعليق بـ{إن شاء الله} للتأدب مع الله في رد الأمر إليه في طلب حصول الخير. اهـ.

.قال الألوسي:

واحتج بالآية على أن الحوادث بإرادة الله تعالى حيث علق فيما حكاه وجود الاهتداء الذي هو من جملة الحوادث بتعلق المشيئة وهي نفس الإرادة وما قصه الله تعالى في كتابه من غير نكير فهو حجة على ما عرف في محله، وهذا مبني على القول بترادف المشيئة والإرادة، وفيه خلاف وأن كون ما ذكر بالإرادة مستلزم لكون جميع الحوادث بها وفيه نظر واحتج أيضًا بها على أن الأمر قد ينفك عن الإرادة وليس هو الإرادة كما يقوله المعتزلة لأنه تعالى لما أمرهم بالذبح فقد أراد اهتداءهم في هذه الواقعة فلا يكون لقوله: إن شاء الله الدال على الشك وعدم تحقق الاهتداء فائدة بخلاف ما إذا قلنا: إنه تعالى قد يأمر بما لا يريد، والقول بأنه يجوز أن يكون أولئك معتقدين على خلاف الواقع للانفكاك، أو يكون مبنيًا على ترددهم في كون الأمر منه تعالى يدفعه التقرير إلا أنه يرد أن الاحتجاج إنما يتم لو كان معنى {لَمُهْتَدُونَ} الاهتداء إلى المراد بالأمر أما لو كان المراد إن شاء الله اهتداءنا في أمر ما لكنا مهتدين فلا إلا أنه خلاف الظاهر كالقول بأن اللازم أن يكون المؤمور به وهو الذبح مرادًا ولا يلزمه الاهتداء إذ يجوز أن يكون لتلك الإرادة حكمة أخرى بل هذا أبعد بعيد، والمعتزلة والكرامية يحتجون بالآية على حدوث إرادته تعالى بناء على أنها والمشيئة سواء لأن كلمة (إن) دالة على حصول الشرط في الاستقبال وقد تعلق الاهتداء الحادث بها، ويجاب بأن التعليق باعتبار التعلق فاللازم حدوث التعلق ولا يلزمه حدوث نفس الصفة وتوسط الشرط بين اسم (إن) وخبرها لتتوافق رءوس الآي، وجاء خبر (إن) اسمًا لأنه أدل على الثبوت وعلى أن الهداية حاصلة لهم وللاعتناء بذلك أكد الكلام. اهـ.

.قال في روح البيان:

وفي "الحكم العطائية" أخرج من أوصاف بشريتك عن كل وصف مناقض لعبوديتك لتكون لنداء الحق مجيبًا ومن حضرته قريبًا بالاستسلام لقهره، وذلك يقتضي وجود الحفظ من الله تعالى حتى لا يلم العبد بمعصية وإن ألم بها فلا تصدر منه وإذا صدرت منه فلا يصر عليها إذ الحفظ الامتناع من الذنب مع جواز الوقوع فيه والعصمة الامتناع من الذنب مع استحالة الوقوع في العصمة للأنبياء والحفظ للأولياء فقوله: {قَالَ إِنَّه يَقُولُ} يدل على الرجوع من الهفوة وعدم الإصرار وهذا إيمان محض. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.من فوائد ابن عرفة في الآية:

قال رحمه الله:
قوله تعالى: {وَإِنَّآ إِن شَآءَ الله لَمُهْتَدُونَ}.
احتج بها الفخر على أن جميع الأشياء من الخير والشر مخلوقة لله تعالى ومرادة له.
ورده ابن عرفة بإجماعنا على أن الداعي خلق الله تعالى فيقول الخصم: نحمل الآية عليه. اهـ.

.من فوائد أبي حيان في الآية:

قال رحمه الله:
{قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي}، قال أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسي في ري الظمآن وجه الاشتباه عليهم، إن كل بقرة لا تصلح عندهم أن تكون آية، لما علموا من ناقة صالح وما كان فيها من العجائب، فظنوا أن الحيوان لا يكون آية إلا إذا كان على ذلك الأسلوب، وذلك لما نبؤا أنها آية، سألوا عن ماهيتها وكيفيتها، ولذلك لم يسألوا موسى عن ذلك، بل سألوه أن يسأل الله لهم عن ذلك، إذ الله تعالى هو العالم بالآيات، وإنما سألوا عن التعيين، وإن كان اللفظ مقتضاه الإطلاق، لأنهم لو عملوا بمطلقه لم يحصل التقصي عن الأمر بيقين. انتهى كلامه.
وقال غيره: لما لم يمكن التماثل من كل وجه، وحصل الاشتباه، ساغ لهم السؤال، فأخبروا بسنها، فوجدوا مثلها في السن كثيرًا، فسألوا عن اللون، فأخبروا بذلك، فلم يزل اللبس بذلك، فسألوا عن العمل، فأخبروا بذلك، وعن بعض أوصافها الخاص بها، فزال اللبس بتبيين السن واللون والعمل وبعض الأوصاف، إذ وجود بقر كثير على هذه الأوصاف يندر، فهذا هو السبب الذي جرأهم على تكرار السؤال: {قالوا ادعُ لنا ربك يبين لنا ما هي}، تقدم الكلام على هذه الجملة.
{إن البقر تشابه علينا}: هذا تعليل لتكرار هذا السؤال إلى أن الحامل على استقصاء أوصاف هذه البقرة، وهو تشابهها علينا، فإنه كثير من البقر يماثلها في السن واللون.
وقرأ عكرمة ويحيى بن يعمر: إن الباقر، وقد تقدم أنه اسم جمع، قال الشاعر:
ما لي رأيتك بعد عهدك موحشًا
خلقًا كحوض الباقر المتهدم

وقرأ الجمهور: تشابه، جعلوه فعلًا ماضيًا على وزن تفاعل، مسند الضمير البقر، على أن البقر مذكر.
وقرأ الحسن: تشابه، بضم الهاء، جعله مضارعًا محذوف التاء، وماضيه تشابه، وفيه ضمير يعود على البقر، على أن البقر مؤنث.
وقرأ الأعرج: كذلك، إلا أنه شدّد الشين، جعله مضارعًا وماضيه تشابه، أصله: تتشابه، فأدغم، وفيه ضمير يعود على البقر.
وروي أيضًا عن الحسن، وقرأ محمد المعيطي، المعروف بذي الشامة: تشبه علينا.
وقرأ مجاهد: تشبه، جعله ماضيًا على تفعل.
وقرأ ابن مسعود: يشابه، بالياء وتشديد الشين، جعله مضارعًا من تفاعل، ولكنه أدغم التاء في الشين.
وقرئ: {متشبه}، اسم فاعل من تشبه.
وقرأ بعضهم: {يتشابه}، مضارع تشابه، وفيه ضمير يعود على البقر.
وقرأ أُبي: {تشابهت}.
وقرأ الأعمش: {متشابه} و{متشابهة}.
وقرأ ابن أبي إسحاق: {تشابهت}، بتشديد الشين مع كونه فعلًا ماضيًا، وبتاء التأنيث آخره.
فهذه اثنا عشر قراءة.
وتوجيه هذه القراءات ظاهر، إلا قراءة ابن أبي إسحاق تشابهت، فقال بعض الناس: لا وجه لها.
وتبيين ما قاله: إن تشديد الشين إنما يكون بإدغام التاء فيها، والماضي لا يكون فيه تاءان، فتبقى إحداهما وتدغم الأخرى.
ويمكن أن توجه هذه القراءة على أن أصله: اشابهت، والتاء هي تاء البقرة، وأصله أن البقرة اشابهت علينا، ويقوي ذلك لحاق تاء التأنيث في آخر الفعل، أو اشابهت أصله: تشابهت، فأدغمت التاء في الشين واجتلبت همزة الوصل.
فحين أدرج ابن أبي إسحاق القراءة، صار اللفظ: أن البقرة اشابهت، فظن السامع أن تاء البقرة هي تاء في الفعل، إذ النطق واحد، فتوهم أنه قرأ: تشابهت، وهذا لا يظن بابن أبي إسحاق، فإنه رأس في علم النحو، وممن أخذ النحو عن أصحاب أبي الأسود الدؤلي مستنبط علم النحو.
وقد كان ابن أبي إسحاق يزري على العرب وعلى من يستشهد بكلامهم، كالفرزدق، إذا جاء في شعرهم ما ليس بالمشهور في كلام العرب، فكيف يقرأ قراءة لا وجه لها، وإن البقر تعليل للسؤال، كما تقول: أكرم زيدًا إنه عالم، فالحامل لهم على السؤال هو حصول تشابه البقر عليهم.
{وإنا إن شاء الله لمهتدون}: أي لمهتدون إلى عين البقرة المأمور بذبحها، أو إلى ما خفي من أمر القاتل، أو إلى الحكمة التي من أجلها أمرنا بذبح البقرة.
وفي تعليق هدايتهم بمشيئة الله إنابة وانقياد ودلالة على ندمهم على ترك موافقة الأمر.
وقد جاء في الحديث: «ولو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد».
وجواب هذا الشرط محذوف يدل عليه مضمون الجملة، أي إن شاء الله اهتدينا، وإذ حذف الجواب كان فعل الشرط ماضيًا في اللفظ ومنفيًا بلم، وقياس الشرط الذي حذف جوابه أن يتأخر عن الدليل على الجواب، فكان الترتيب أن يقال في الكلام: إن زيدًا لقائم إن شاء الله، أي: إن شاء الله فهو قائم، لكنه توسط هنا بين اسم إن وخبرها، ليحصل توافق رءوس الآي، وللاهتمام بتعليق الهداية بمشيئة الله، وجاء خبر إن اسمًا، لأنه أدل على الثبوت وعلى أن الهداية حاصلة لهم، وأكد بحر في التأكيد إن واللام، ولم يأتوا بهذا الشرط إلا على سبيل الأدب مع الله تعالى، إذ أخبروا بثبوت الهداية لهم.
وأكدوا تلك النسبة، ولو كان تعليقًا محضًا لما احتيج إلى تأكيد، ولكنه على قول القائل: أنا صانع كذا إن شاء الله، وهو متلبس بالصنع، فذكر إن شاء الله على طريق الأدب.
قال الماتريدي: إن قوم موسى، مع غلظ أفهامهم وقلة عقولهم، كانوا أعرف بالله وأكمل توحيدًا من المعتزلة، لأنهم قالوا: {وإنا إن شاء الله لمهتدون}، والمعتزلة يقولون: قد شاء الله أن يهتدوا، وهم شاءوا أن لا يهتدوا، فغلبت مشيئتهم مشيئة الله تعالى، حيث كان الأمر على: ما شاءوا إلا كما شاء الله تعالى، فتكون الآية حجة لنا على المعتزلة. انتهى كلامه. اهـ.

.من فوائد الشعراوي في الآية:

قال رحمه الله:
{قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70)}.
وبرغم أن ما قيل لبني إسرائيل.. واضح تمام الوضوح عن البقرة.. وعمرها وشكلها ولونها ومنظرها.. فإن الله سبحانه وتعالى أراد أن يؤدبهم فجعلهم ينظرون إلى البقر.. وهذا يقول هذه هي والآخر يقول لا بل هي في مكان كذا.. والثالث يقول لا بل هي في موقع كذا.. وعادوا إلى موسى يسألونه أن يعود إلى ربه ليبين لهم لأن البقر تشابه عليهم.. وهنا ذكروا الله الذي نسوه ولم ينفذوا أمره منذ أن قال لهم اذبحوا بقرة ثم قال لهم: {فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ}.. فطلبوا منه الهداية بعد أن تاهوا وضاعوا بسبب عنادهم وجدلهم.. وجاء الجواب من الله سبحانه وتعالى. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال ابن عادل:
قوله: {إِنَّ البقر تَشَابَهَ عَلَيْنَا} البَقَر: اسم إن، وهو اسم جنس كما تقدم.
وقرأ محمد ذو الشامة الأموي: {إنّ البَاقِرَ} وهو جمع البَقَر كـ"الجَامِل" جماعة الجَمَل؛ قال الشاعر: [الكامل]
مَالِي رَأَيْتُكَ بَعْدَ عَهْدِكَ مُوحِشًا
خَلِقًا كَحَوْضِ البَاقِرِ المُتَهَدِّمِ

قال قطرب: يقال لجمع البقرة: بَقَر وبَاقِر وبَاقُور وبَيْقُور.
وقال الأَصْمَعِيّ: الباقر جمع باقرة، قال: ويجمع بقر على بَاقُورة، حكاه النّحاس.
قال القرطبي: والباقر والبقر والبيقور والبقير لُغَات بمعنى واحد والعرب تذكره وتؤنثه، وإلى ذلك ترجع معاني القراءات في {تشابه}.
و{تشابه} جملة فعلية في محلّ رفع خبر لـ{إن}، وقرئ: {تَشَّابَهُ} مشدَّدًا ومخفَّفًا، وهو مضارع الأصل: {تَتَشَابَهُ} بتاءين، فَأُدْغِمَ تارةً، وحذف منه أخرَى، وكلا الوجهين مقيس.
وقرئ أيضًا: {يَشَّابَهُ} بالياء من تحت، [وأصله: يَتَشَابَهُ فأدغم أيضًا، وتذكير الفعل وتأنيثه جائزات؛ لأن فاعله اسم جنس] وفيه لغتان: التذكيرُ والتأنيثُ، قال تعالى: {أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة: 7] فَأَنَّث، و{أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} [القمر: 20] فذكر، وقيل: ذكر الفعل لتذكير لفظ "البقرة"؛ كقوله: {أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ}.
وقال المبرِّد: سئل سِيبَوَيْهِ عن هذه الآية، فقال: كل جمع حروفه أقل من حروف وَاحِده، فإن العرب تذكره؛ واحتج بقول الأعشى: [البسيط]
وَدِّعْ هُرَيْرَةَ إنَّ الرَّكْبَ مُرْتَحِلْ
وَهَلْ تُطِيقُ وَدَاعًا أيُّهَا الرَّجُلُ

ولم يقل: مرتحلون.
وفي {تشابه} قراءات: {تَشَابَهَ} بتخفيف الشين وفتح الباء والهاء، وهي قراءة العامة.
و{تَتَشَابَه} بتاءين على الأصل.
و{تَشَّبَّه} بتشديد الشين والباء من غير ألف، والأصل: تَتَشَبَّهُ.
و{تَشَابَهَتْ} على وزن " تَفَاعلت" وهو في مصحف أُبَيّ كذلك أَنّثه لتأنيث البقرة.
و{مُتَشَابِهَة} و{مُتَشَبِّهة} على اسم الفاعل من تشابه وتشبّه.
وقرئ: {تَشَبَّهَ} ماضيًا.
وقرأ ابن أبي إسحاق: {تَشَّابَهَتْ} بتشديد الشين، قال أبو حاتم: هذا غلط، لأن التاء في هذا الباب لا تدغم إلاّ في المضارع.
وهو معذور في ذلك.
وقرئ: {تَشَّابَهَ} كذلك، إلاّ أنه بطرح تاء التأنيث، ووجهها على إشكالها أن يكون الأصل: إن القرة تشابهت، فالتاء الأولى من البقرة و[التاء] الثانية من الفعل، فلما اجتمع مثلان أدغم نحو: الشجرة تمايلت، إلاّ أنه يُشكِل أيضًا في تَشَّابَه من غير تاء؛ لأنه كان يجب ثبوت علامة التأنيث.
وجوابه: أنه مثل: [المتقارب]
.........
وَلاَ أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا

مع أن ابن كيسان لا يلتزم ذلك في السّعَةِ.
وقرأ الحسن {تَشَابَهُ} بتاء مفتوحة وهاء مضمومة وتخفيف الشين أراد: تتشابه.
وقرأ الأعرج: {تَشَّابَهُ} بفتح التاء وتشديد الشين وضمّ الهاء على معنى: تتشابه.
وقرأ مجاهد: {تَشَّبَّه} كقراءة الأعرج، إلا أنه بغير ألف.
ومعنى الآية: [التلبيس] والتشبه.
قيل: إنما قالوا: {إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} أي: اشتبه أمره علينا، فلا نهتدي إليه؛ لأن وجوه البقر [تتشابه] يريد: أنها يشبه بعضها بعضًا، ووجوه البقر تتشابه.
قوله: {إِن شَآءَ الله} هذا شرط جوابه محذوف لدلالة {إنْ}، ما في حيّزها عليه، والتقدير: إن شاء الله هِدَايتنا للبقرة، اهتدينا، ولكنهم أخرجوه في جملة اسمية مؤكدة بحرفي تأكيد مبالغة في طلب الهِدَاية، واعترضوا بالشرط تيمُّنًا بمشيئة الله تعالى.
{لمهتدون} اللام: لام الابتداء داخلة على خبر "إن".
وقال أبو البقاء: جواب الشرط "إن" وما عملت فيه عند سيبويه.
وجاز ذلك لما كان الشرط متوسطًا، وخبر "إنَّ" هو جواب الشرط في المعنى، وقد وقع بعده، فصار التقدير: إن شاء الله هدايتنا اهتدينا.
وهذا الذي قاله لا يجوز، فإنه متى وقع جواب الشرط ما لا يصلح أن يكون شرطًا وجب اقترانه بالفَاءِ، وهذه الجملة لا تصلح أن تقع شرطًا، فلو كانت جوابًا لزمتها الفاء، ولا تحذف إلا ضرورة، ولا جائز أن يريد أبو البقاء أنه دالّ على الجواب، وسماه جوابًا مجازًا؛ لأنه جعل ذلك مذهبًا للمبرد مقابلًا لمذهب سيبويه فقال: وقال المبرد: والجواب محذوف دلت عليه الجملة؛ لأن الشرط معترض، فالنية به التأخير، فيصير كقولك: أنت ظالم إن فعلت.
وهذا الذي نقله عن المبرد هو المنقول عن سيبويه، والذي نقله عن سيبويه قريبٌ مما نقل عن الكوفيين وأبي زيد من أنه يجوز تقديم جواب الشَّرْط عليه، وقد ردّ عليهم البصريون بقول العرب: أنت ظالم إن فعلت.
إذ لو كان جوابًا لوجب اقترانه بالفاء لما ذكرت ذلك.
وأصل "مُهْتَدُون": "مُهْتَدِيُون"، فأعلّ بالحذف، وهو واضح. اهـ.

.تفسير الآية رقم (71):

قوله تعالى: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)}:

.من أقوال المفسرين:

.قال البقاعي:

{قال إنه يقول إنها} أي هذه البقرة التي أطلتم التعنت في أمرها {بقرة لا ذلول} من الذل وهو حسن الانقياد- قاله الحرالي ثم وصف الذلول بقوله: {تثير الأرض} أي يتجدد منها إثارتها بالحرث كل وقت من الإثارة قال الحرالي: وهي إظهار الشيء من الثرى، كأنها تخرج الثرى من محتوى اليبس؛ ولما كان الذل وصفًا لازمًا عبر في وصفها بانتفائه بالاسم المبالغ فيه، أي ليس الذل وصفًا لازمًا لها لا أنها بحيث لا يوجد منها ذل أصلًا، فإنها لو كانت كذلك كانت وحشية لا يقدر عليها أصلًا.
ولما كان لا يتم وصفها بانتفاء الذل إلا بنفي السقي عنها وكان أمرًا يتجدد ليس هو صفة لازمة كالذل عبر فيه بالفعل وأصحبه لا عطفًا على الوصف لا على تثير لئلا يفسد المعنى فقال واصفًا للبقرة {ولا تسقي الحرث} أي لا يتجدد منها سقيه بالسانية كل وقت، ويجوز أن يكون إثبات لا فيه تنبيهًا على حذفها قبل تثير، فيكون الفعلان المنفيان تفسيرًا على سبيل الاستئناف للاذلول، وحذف لا قبل تثير لئلا يظن أنه معها وصف لذلول فيفسد المعنى، والمراد أنها لم تذلل بحرث ولا سقي ومعلوم من القدرة على ابتياعها وتسلمها للذبح أنها ليست في غاية الإباء كما آذن به الوصف بذلول، كل ذلك لما في التوسط من الجمع لأشتات الخير {مسلّمة} أي من العيوب {لا شية} أي علامة {فيها} تخالف لونها بل هي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها {قالوا الآن} أي في هذا الحد من الزمان الكائن الفاصل بين الماضي والآتي {جئت بالحق} أي الأمر الثابت المستقر البين من بيان وصف البقرة فحصلوها {فذبحوها} أي فتسبب عما تقدم كله أنهم ذبحوها {وما كادوا} أي قاربوا قبل هذه المراجعة الأخيرة {يفعلون} قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو ذبحوا بقرة ما لأجزأتهم لكنهم شددوا في السؤال فشدد الله عليهم- يعني أنهم كلفوا بالأسهل فشددوا فنسخ بالأشق، وهو دليل جواز النسخ قبل الفعل، أو يقال إنه لما كان السبت إنما وجب عليهم وابتلوا بالتشديد فيه باقتراحهم له وسؤالهم إياه بعد إبائهم للجمعة كما يأتى إن شاء الله تعالى بيانه عند قوله تعالى: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} [النحل: 124] كان أنسب الأشياء تعقيبه بقصة البقرة التي ما شدد عليهم في أمرها إلا لتعنتهم فيه وإبائهم لذبح أيّ بقرة تيسرت، ويجوز أن يقال إنه لما كان من جملة ما استخفوا به السبت المسارعة إلى إزهاق ما لا يحصى من الأرواح الممنوعين منها من الحيتان وكان في قصة البقرة التعنت والتباطؤ عن إزهاق نفس واحدة أمروا بها تلاه بها، ومن أحاسن المناسبات أن في كل من آيتي القردة والبقرة تبديل حال الإنسان بمخالطة لحم بعض الحيوانات العجم، ففي الأولى إخراسه بعد نطقه بلحم السمك، وفي الثانية إنطاقه بعد خرسه بالموت بلحم البقر، ولعل تخصيص لحم البقر بهذا الأمر لإيقاظهم من رقدتهم وتنبيههم من غفلتهم عن عظيم قدرة الله تعالى لينزع من قلوبهم التعجب من خوار العجل الذي عبدوه.
وقال الإمام أبو الحسن الحرالي: وفي ذلك تشامّ بين أحوالهم في اتخاذهم العجل وفي طلبهم ذلك، وفي كل ذلك مناسبة بين طباعهم وطباع البقرة المخلوقة للكدّ وعمل الأرض التي معها التعب والذل والتصرف فيما هو من الدنيا توغلًا فيها وفيه نسمة مطلبهم ما تنبت الأرض الذي هو أثر الحرث- يعني الذي أبدلوا الحطة به وهو حبة في شعرة، فكأنهم بذلك أرضيون ترابيون لا تسمو طباع أكثرهم إلى الأمور الروحانية العلوية، فإن جبلة كل نفس تناسب ما تنزع إليه وتلهج به من أنواع الحيوان {جعل لكم من أنفسكم أزواجًا ومن الأنعام أزواجًا} [الشورى: 11]. انتهى.

.قال الفخر:

ثم أجاب الله تعالى عن سؤالهم بقوله تعالى: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرض} وقوله: {لاَّ ذَلُولٌ} صفة لبقرة بمعنى بقرة غير ذلول بمعنى لم تذلل للكراب وإثارة الأرض ولا هي من البقر التي يسقى عليها فتسقى الحرث و{لا} الأولى للنفي والثانية مزيدة لتوكيد الأولى، لأن المعنى لا ذلول تثير وتسقي على أن الفعلين صفتان لذلول كأنه قيل لا ذلول مثيرة وساقية، وجملة القول أن الذلول بالعمل لابد من أن تكون ناقصة فبين تعالى أنها لا تثير الأرض ولا تسقى الحرث لأن هذين العملين يظهر بهما النقص.
أما قوله تعالى: {مُّسَلَّمَةٌ} ففيه وجوه:
أحدها: من العيوب مطلقًا.
وثانيها: من آثار العمل المذكور.
وثالثها: مسلمة أي وحشية مرسلة عن الحبس.
ورابعها: مسلمة من الشية التي هي خلاف لونها أي خلصت صفرتها عن اختلاط سائر الألوان بها، وهذا الرابع ضعيف وإلا لكان قوله: {لاشية فيها} تكرارًا غير مفيد، بل الأولى حمله على السلامة من العيوب واللفظ يقتضي ذلك لأن ذلك يفيد السلامة الكاملة عن العلل والمعايب، واحتج العلماء به على جواز استعمال الظاهر مع تجويز أن يكون الباطن بخلافه لأن قوله: {مُّسَلَّمَةٌ} إذا فسرناها بأنها مسلمة من العيوب فذلك لا نعلمه من طريق الحقيقة إنما نعلمه من طريق الظاهر: أما قوله تعالى: {لاشية فيها} فالمراد أن صفرتها خالصة غير ممتزجة بسائر الألوان لأن البقرة الصفراء قد توصف بذلك إذا حصلت الصفرة في أكثرها فأراد تعالى أن يبين عموم ذلك بقوله: {لاشية فيها} روي أنها كانت صفراء الأظلاف صفراء القرون، والوشي خلط لون بلون.
ثم أخبر الله تعالى عنهم بأنهم وقفوا عند هذا البيان واقتصروا عليه فقالوا: {الآن جئت بالحق} أي الآن بانت هذه البقرة عن غيرها لأنها بقرة عوان صفراء غير مذللة بالعمل، قال القاضي: قوله تعالى: {الآن جئت بالحق} كفر من قبلهم لا محالة لأنه يدل على أنهم اعتقدوا فيما تقدم من الأوامر أنها ما كانت حقه، وهذا ضعيف لاحتمال أن يكون المراد الآن ظهرت حقيقة ما أمرنا به حتى تميزت من غيرها فلا يكون كفرًا. اهـ.

.قال ابن عاشور:

وقوله: {قالوا الآن جئت بالحق} أرادوا بالحق الأمر الثابت الذي لا احتمال فيه كما تقول جاء بالأمر على وجهه، ولم يريدوا من الحق ضد الباطل لأنهم ما كانوا يكذبون نبيهم.
فإن قلت: لماذا ذكر هنا بلفظ الحق؟ وهلا قيل قالوا: الآن جئت بالبيان أو بالثبت؟
قلت: لعل الآية حكت معنى ما عبر عنه اليهود لموسى بلفظ هو في لغتهم محتمل للوجهين فحكى بما يرادفه من العربية تنبيهًا على قلة اهتمامهم بانتقاء الألفاظ النزيهة في مخاطبة أنبيائهم وكبرائهم كما كانوا يقولون للنبيء صلى الله عليه وسلم {راعنا}، فنهينا نحن عن أن نقوله بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} [البقرة: 104] وهم لقلة جدارتهم بفهم الشرائع قد توهموا أن في الأمر بذبح بقرة دون بيان صفاتها تقصيرًا كأنهم ظنوا الأمر بالذبح كالأمر بالشراء فجعلوا يستوصفونها بجميع الصفات واستكملوا موسى لما بين لهم الصفات التي تختلف بها أغراض الناس في الكسب للبقر ظنًا منهم أن في علم النبيء بهذه الأغراض الدنيوية كمالًا فيه، فلذا مدحوه بعد البيان بقولهم: {الآن جئت بالحق} كما يقول الممتحن للتلميذ بعد جمع صور السؤال: الآن أصبت الجواب، ولعلهم كانوا لا يفرقون بين الوصف الطردي وغيره في التشريع، فليحذر المسلمون أن يقعوا في فهم الدين على شيء مما وقع فيه أولئك وذموا لأجله. اهـ.

.قال الفخر:

أما قوله تعالى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} فالمعنى فذبحوا البقرة وما كادوا يذبحونها، وههنا بحث: وهو أن النحويين ذكروا "لكاد" تفسيرين.
الأول: قالوا: إن نفيه إثبات وإثباته نفي.
فقولنا: كاد يفعل كذا معناه قرب من أن يفعل لكنه ما فعله وقولنا: ما كاد يفعل كذا معناه قرب من أن يفعل لكنه فعله.
والثاني: وهو اختيار الشيخ عبد القاهر الجرجاني النحوي أن كاد معناه المقاربة فقولنا كاد يفعل معناه قرب من الفعل وقولنا ما كاد يفعل معناه ما قرب منه وللأولين أن يحتجوا على فساد هذا الثاني بهذه الآية لأن قوله تعالى: {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} معناه وما قاربوا الفعل ونفي المقاربة من الفعل يناقض إثبات وقوع الفعل، فلو كان كاد للمقاربة لزم وقوع التناقض في هذه الآية. اهـ.

.قال الطبري:

والصواب من التأويل عندنا، أن القوم لم يكادوا يفعلون ما أمرهم الله به من ذبح البقرة، للخلتين كلتيهما: إحداهما غلاء ثمنها، مع ما ذكر لنا من صغر خطرها وقلة قيمتها؛ والأخرى خوف عظيم الفضيحة على أنفسهم، بإظهار الله نبيه موسى صلوات الله عليه وأتباعه- على قاتله. اهـ.

.قال ابن عاشور:

عطفت الفاء جملة {فذبحوها} على مقدر معلوم وهو فوجدوها أو فظفروا بها أو نحو ذلك وهذا من إيجاز الحذف الاقتصاري، ولما ناب المعطوف في الموقع عن المعطوف عليه صح أن نقول الفاء فيه للفصيحة لأنها وقعت موقع جملة محذوفة فيها فاء للفصيحة ولك أن تقول إن فاء الفصيحة ما أفصحت عن مقدر مطلقًا كما تقدم.
وقوله: {وما كادوا يفعلون} تعريض بهم بذكر حال من سوء تلقيهم الشريعة، تارة بالإعراض والتفريط، وتارة بكثرة التوقف والإفراط، وفيه تعليم للمسلمين بأصول التفقه في الشريعة، والأخذ بالأوصاف المؤثرة في معنى التشريع دون الأوصاف الطردية، ولذلك قال ابن عباس: لو ذبحوا أية بقرة لأجزأتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم.
وروى ابن مردويه والبزار وابن أبي حاتم بسندهم إلى الحسن البصري عن رافع عن أبي هريرة أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: «لو اعترضوا أدنى بقرة فدبحوها لكفتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم» وفي سنده عبادة بن منصور وهوضعيف، وكان النبيء صلى الله عليه وسلم ينهى أصحابه عن كثرة السؤال وقال: «فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم» وبين للذي سأله عن اللقطة ما يفعله في شأنها فقال السائل: فضالّة الغنم قال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب، قال السائل فضالة الإبل فغضب رسول الله وقال مالك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها تشرب الماء وترعى الشجر حتى يأتيها ربها».
وجملة: {وما كادوا يفعلون} تحتمل الحال والاستئناف، والأول أظهر لأنه أشد ربطًا للجملة وذلك أصل الجمل أي ذبحوها في حال تقرب من حال من لا يفعل، والمعنى أنهم ذبحوها مكرهين أو كالمكرهين لما أظهروا من المماطلة وبذلك يكون وقت الذبح ووقت الاتصاف بمقاربة انتفائه وقتًا متحدًا اتحادًا عرفيًا بحسب المقامات الخطابية للإشارة إلى أن مماطلتهم قارنت أول أزمنة الذبح.
وعلى الاستئناف يصح اختلاف الزمنين أي فذبحوها عند ذلك أي عند إتمام الصفات، وكان شأنهم قبل ذلك شأن من لم يقارب أن يفعل.
ثم إن {ما كادوا يفعلون} يقتضي بحسب الوضع نفي مدلول كاد فإن مدلولها المقاربة ونفي مقاربة الفعل يقتضي عدم وقوعه بالأولى فيقال أنى يجتمع ذلك مع وقوع ذبحها بقوله: {فذبحوها}؟ فأما على وجه الاستئناف فيمكن الجواب بأن نفي مقاربة الفعل كان قبل الذبح حين كرروا السؤال وأظهروا المطال ثم وقع الذبح بعد ذلك، وقد أجاب بمثل هذا جماعة يعنون كأن الفعل وقع فجأة بعد أن كانوا بمعزل عنه على أنه مبني على جعل الواو استئنافًا وقد علمتم بعده.
فالوجه القالع للإشكال هو أن أئمة العربية قد اختلفوا في مفاد كاد المنفية في نحو ما كاد يفعل فذهب قوم منهم الزجاجي إلى أن نفيها يدل على نفي مقاربة الفعل وهو دليل على انتفاء وقوع الفعل بالأولى فيكون إثبات كاد نفيًا لوقوع الخبر الذي في قولك كاد يقوم أي قارب فإنه لا يقال إلا إذا قارب ولم يفعل ونفيها نفيًا للفعل بطريق فحوى الخطاب فهو كالمنطوق وأن ما وردمما يوهم خلاف ذلك مؤول بأنه باعتبار وقتين فيكون بمنزلة كلامين ومنه قوله تعالى: {وما كادوا يفعلون} في هذه الآية أي فذبحوها الآن وما كادوا يفعلون قبل ذلك، ولعلهم يجعلون الجمع بين خبرين متنافيين في الصورة قرينة على قصد زمانين، وإلى هذا ذهب ابن مالك في الكافية إذ قال:
وبثُبوت كاد يُنفَى الخبرُ
وحينَ ينفى كادَ ذاك أَجدر

وغير ذَا على كَلاَمَيْن يَرِدْ
كَوَلَدَتْ هند ولم تَكَد تَلِد

وهذا المذهب وقوف مع قياس الوضع.
وذهب قوم إلى أن إثبات كاد يستلزم نفي الخبر على الوجه الذي قررناه في تقرير المذهب الأول وأن نفيها يصير إثباتًا على خلاف القياس وقد اشتهر هذا بين أهل الأعراب حتى ألغز فيه أبو العلاء المعري بقوله:
أَنْحويَّ هذا العَصر ما هي لفظة
أنت في لسانَيْ جُرهم وثَمود

إذا استُعْمِلَتْ في صورة الجَحْدِ أَثْبَتَتْ
وإن أُثْبِتَتْ قامت مقامَ جُحُود

وقد احتجوا لذلك بقوله تعالى: {فذبحوها وما كادوا يفعلون} وهذا من غرائب الاستعمال الجاري على خلاف الوضع اللغوي.
وقد جرت في هذا نادرة أدبية ذكرها الشيخ عبد القاهر في دلائل الإعجاز وهي أن عنبسة العنسي الشاعر قال: قدم ذو الرمة الكوفة فوقف على ناقته بالكناسة ينشد قصيدته الحائية التي أولها:
أَمَنْزِلَتَيْ مَيَ سلام عليكم
على النَّأْي والنَّائِي يَوَدُّ وينصَح

حتى بلغ قوله فيها:
إذا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحبين لم يَكَدُ
رَسِيسُ الهَوَى من حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ

وكان في الحاضرين ابن شبرمة فناداه ابن شبرمة يا غيلان أراه قد برح قال: فشنق ناقته وجعل يتأخر بها ويتفكر ثم قال: لم أجد عوض لم يكد قال عنبسة: فلما انصرفت حدثت أبي فقال لي: أخطأ ابن شبرمة حين أنكر على ذي الرمة، وأخطأ ذو الرمة حين غَيَّر شعره لقول ابن شبرمة: إنما هذا كقول الله تعالى: {ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يَكَدْ يراها} [النور: 40] وإنما هو لم يرها ولم يكد.
وذهب قوم منهم أبو الفتح بن جني وعبد القاهر وابن مالك في التسهيل إلى أن أصل كاد أن يكون نفيها لنفي الفعل بالأولى كما قال الجمهور إلا أنها قد يستعمل نفيها للدلالة على وقوع الفعل بعد بطء وجهد وبعد أن كان بعيدًا في الظن أن يقع وأشار عبد القاهر إلى أن ذلك استعمال جرى في العرف وهو يريد بذلك أنها مجاز تمثيلي بأن تشبه حالة من فعل الأمر بعد عناء بحالة من بعد عن الفعل فاستعمل المركب الدال على حالة المشبه به في حالة المشبه، ولعلهم يجعلون نحو قوله: {فذبحوها} قرينة على هذا القصد.
قال في التسهيل: وتنفي كاد إعلامًا بوقوع الفعل عسيرًا أو بعدمه وعدم مقاربته واعتذر في {شرحه للتسهيل} عن ذي الرمة في تغييره بيته بأنه غيره لدفع احتمال هذا الاستعمال.
وذهب قوم إلى أن كاد إن نفيت بصيغة المضارع فهي لنفي المقاربة وإن نفيت بصيغة الماضي فهي للإثبات وشبهته أن جاءت كذلك في الآيتين {لم يكد يراها} [النور: 40] {وما كادوا يفعلون} وأن نفي الفعل الماضي لا يستلزم الاستمرار إلى زمن الحال بخلاف نفي المضارع.
وزعم بعضهم أن قولهم ما كاد يفعل وهم يريدون أنه كاد ما يفعل إن ذلك من قبيل القلب الشائع.
وعندي أن الحق هو المذهب الثاني وهو أن نفيها في معنى الإثبات وذلك لأنهم لما وجدوها في حالة الإثبات مفيدة معنى النفي جعلوا نفيها بالعكس كما فعلوا في لو ولولا ويشهد لذلك مواضع استعمال نفيها فإنك تجد جميعها بمعنى مقاربة النفي لا نفي المقاربة ولعل ذلك من قبيل القلب المطرد فيكون قولهم ما كاد يفعل ولم يكد يفعل بمعنى كاد ما يفعل، ولا يبعد أن يكون هذا الاستعمال من بقايا لغة قديمة من العربية تجعل حرف النفي الذي حقه التأخير مقدمًا ولعل هذا الذي أشار إليه المعري بقوله: جرت في لساني جرهم وثمود ويشهد لكون ذلك هو المراد تغيير ذي الرمة بيته وهو من أهل اللسان وأصحاب الذوق، فإنه وإن كان من عصر المولدين إلا أنه لانقطاعه إلى سكنى باديته كان في مرتبة شعراء العرب حتى عد فيمن يحتج بشعره، وما كان مثله ليغير شعره بعد التفكر لو كان لصحته وجه فما اعتذر به عنه ابن مالك في شرح التسهيل ضعيف.
وأما دعوى المجاز فيه فيضعفها اطراد هذا الاستعمال حتى في آية: {لم يكد يراها} فإن الواقف في الظلام إذا مد يده يراها بعناء وقال تأبط شرًا:
فأُبت إلى فهم وما كدت آيبًا

وقال تعالى: {ولا يكاد يبين} [الزخرف: 52].
وإنما قال: {وما كادوا يفعلون} ولم يقل يذبحون كراهية إعادة اللفظ تفننًا في البيان. اهـ.

.قال الفخر:

هاهنا أبحاث:
البحث الأول: روي أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة فأتى بها الغيضة وقال: اللهم إني استودعتكها لابني حتى تكبر وكان برًا بوالديه فشبت وكانت من أحسن البقر واسمنها فتساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهبًا وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير، وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة.
البحث الثاني: روي عن الحسن أن البقرة تذبح ولا تنحر وعن عطاء أنها تنحر، قال: فتلوت الآية عليه فقال: الذبح والنحر سواء، وحكي عن قتادة والزهري إن شئت نحرت وإن شئت ذبحت وظاهر الآية يدل على أنهم أمروا بالذبح وأنهم فعلوا ما يسمى ذبحًا والنحر وإن أجزأ عن الذبح فصورته مخالفة لصورة الذبح، فالظاهر يقتضي ما قلناه حتى لو نحروا ولا دليل يدل على قيامه مقام الذبح لكان لا يجزي.
البحث الثالث: اختلفوا في السبب الذي لأجله ما كادوا يذبحون، فعن بعضهم لأجل غلاء ثمنها وعن آخرين أنهم خافوا الشهرة والفضيخة، وعلى كلا الوجهين، فالاحجام عن المأمور به غير جائز:
أما الأول: فلأنهم لما أمروا بذبح البقرة المعينة، وذلك الفعل ما كان يتم إلا بالثمن الكثير وجب عليهم أداؤه لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب إلا أن يدل الدليل على خلافه، وإنما لا يلزم المصلي أن يتطهر بالماء إذا لم يجده إلا بغلاء من حيث الشرع، ولولاه للزم ذلك إذا وجب التطهر مطلقًا.
وأما الثاني: وهو خوف الفضيحة فذاك لا يرفع التكليف، فإن القود إذا كان واجبًا عليه لزمه تسليم النفس من ولي الدم إذا طالب وربما لزمه التعريف ليزول الشر والفتنة وربما لزمه ذلك لتزول التهمة في القتل عن القوم الذين طرح القتيل بالقرب منهم، لأنه الذي عرضهم للتهمة فيلزمه إزالتها فكيف يجوز جعله سببًا للتثاقل في هذا الفعل.
البحث الرابع: احتج القائلون بأن الأمر للوجوب بهذه الآية، وذلك لأنه لم يوجد في هذه الصورة إلا مجرد الأمر، ثم إنه تعالى ذم التثاقل فيه والتكاسل في الاشتغال بمقتضاه، وذلك يدل على أن الأمر للوجوب.
قال القاضي: إذا كان الغرض من المأمور إزالة شر وفتنة دل ذلك على وجوبه وإنما أمر تعالى بذبحها لكي يظهر القاتل فتزول الفتنة والشر المخوف فيهم، والتحرز عن هذا الجنس الضار واجب، فلما كان العلاج إزالته بهذا الفعل صار واجبًا وأيضًا فغير ممتنع أن في تلك الشريعة أن التعبد بالقربان لا يكون إلا سبيل الوجوب، فلما تقدم علمهم بذلك كفاهم مجرد الأمر.
وأقول: حاصل هذين السؤالين يرجع إلى حرف واحد وهو أنا وإنا كنا لا نقول إن الأمر يقتضي الوجوب فلا نقول: إنه ينافي الوجوب أيضًا فلعله فهم الوجوب هاهنا بسبب آخر سوى الأمر، وذلك السبب المنفصل إما قرينة حالية وهي العلم بأن دفع المضار واجب، أو مقالية وهي ما تقدم بيانه من أن القربان لا يكون مشروعًا إلا على وجه الوجوب.
والجواب: أن المذكور مجرد قوله تعالى: {إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} فلما ذكر الذم والتوبيخ على ترك الذبح المأمور به علمنا أن منشأ ذلك هو مجرد ورود الأمر به لما ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة لذلك الحكم.
البحث الخامس: احتج القائلون بأن الأمر يفيد الفور بهذه الآية، قالوا: لأنه ورد التعنيف على ترك المأمور به عند ورود الأمر المجرد فدل على أنه للفور. اهـ.

.قال أبو حيان:

وهذا الذي تظافرت عليه أقاويل أكثر المفسرين، وذكروا في ذلك اختلافًا وقصصًا كثيرًا مضطربًا أضربنا عن نقله صفحًا كعادتنا في أكثر القصص الذي ينقلونه، إذ لا ينبغي أن ينقل من ذلك إلا ما صح عن الله تعالى، أو عن رسوله في قرآن أو سنّة. اهـ.

.التفسير المأثور:

قال السيوطي:
{قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)}.
أخرج البزار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن بني إسرائيل لو أخذوا أدنى بقرة لأجزاهم ذلك أو لأجزأت عنهم».
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن بني إسرائيل قالوا {وإنا إن شاء الله لمهتدون} ما أعطوا أبدًا، ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم».
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر عن عكرمة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم: «فقال لو أن بني إسرائيل أخذوا أدنى بقرة فذبحوها أجزأت عنهم ولكنهم شددوا ولولا أنهم قالوا {إنا إن شاء الله لمهتدون} ما وجدوها».
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما أمروا بأدنى بقرة ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شدد الله عليهم، ولو لم يستثنوا ما بينت لهم آخر الأبد».
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول «إنما أمر القوم بأدنى بقرة ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شدد عليهم، والذي نفس محمد بيده لو لم يستثنوا ما بينت لهم».
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قال: لو أخذوا أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم شددوا وتعنتوا موسى فشدد الله عليهم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله: {لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك} قال: الفارض الهرمة، والبكر الصغيرة، والعوان النصف.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: {لا فارض} قال: الكبيرة الهرمة. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول؟:
لعمري لقد أعطيت ضيفك فارضًا
تساق إليه ما تقوم على رجل

قال: أخبرني عن قوله: {صفراء فاقع لونها} قال: الفاقع الصافي اللون من الصفرة قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول؟:
سدمًا قليلًا عهده بانيسه
من بين اصفر فاقع ودفان

وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: الفارض الكبيرة، والبكر الصغيرة، والعوان النصف.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير. أنه كان يستحب أن يسكت على بكر، ثم يقول: عوان بين ذلك.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {عوان بين ذلك} قال: بين الصغيرة والكبيرة، وهي أقوى ما يكون وأحسنه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {صفراء فاقع لونها} قال: شديدة الصفرة، تكاد من صفرتها تبيض.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر في قوله: {صفراء} قال: صفراء الظلف {فاقع لونها} قال: صافي.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {فاقع لونها} قال: صاف لونها {تسر الناظرين} قال: تعجب الناظرين.
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والخطيب والديلمي عن ابن عباس قال: من لبس نعلًا صفراء لم يزل في سرور ما دام لابسها، وذلك قوله: {صفراء فاقع لونها تسر الناظرين}.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله: {صفراء فاقع لونها} قال: سوداء شديدة السواد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة. أنه قرأ {أن الباقر تشابه علينا}.
وأخرج عبد بن حميد عن يحيى عن يعمر. أنه قرأ {إن الباقر تشابه علينا} وقال: إن الباقر أكثر من البقر.
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءتنا {إن البقر متشابه علينا}.
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: {إنها بقرة لا ذلول} أي لم يذله العمل {تثير الأرض} يعني ليست بذلول فتثير الأرض {ولا تسقي الحرث} يقول: ولا تعمل في الحرث {مسلمة} قال: من العيوب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: {لا ذلول تثير الأرض} يقول: ليست بذلول فتفعل ذلك {مسلمة} قال: من الشبه قال: {لا شية فيها} قال: لا بياض ولا سواد.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {مسلمة} قال: لا عوار فيها.
وأخرج ابن جرير عن عطية {لا شية فيها} قال: لونها واحد ليس فيها لون سوى لونها.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: {لا ذلول} يعني صنفة يقول: لم يذلها العمل {مسلمة} قال: من العيوب {لا شية فيها} قال: لا بياض فيها {قالوا الآن جئت بالحق} قالوا: الآن بينت لنا {فذبحوها وما كادوا يفعلون}.
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب في قوله: {فذبحوها وما كادوا يفعلون} لغلاء ثمنها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس. أن أصحاب البقرة بني إسرائيل طلبوها أربعين سنة، حتى وجدوها عند رجل في بقر له وكانت بقرة تعجبه، فجعلوا يعطونه بها فيأبى حتى أعطوه ملء مسكها دنانير، فذبحوها فضربوه بعضو منها، فقام تشخب اوداجه دمًا، فقالوا له: من قتلك؟ قال: قتلني فلان.
وأخرج وكيع وابن أبي حاتم عن عطاء قال: الذبح والنحر في البقر سواء، لأن الله يقول: {فذبحوها}.
وأخرج وكيع وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد، قال: كان لبني إسرائيل وأنتم لكم النحر، ثم قرأ {فذبحوها} {فصل لربك وانحر} [الكوثر: 2]. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.من لطائف القشيري في الآية:

قال عليه الرحمة:
قوله جلّ ذكره: {قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ}.
طلبوا الحيلة ما أمكنهم فلما ضاقت بهم الحِيَل استسلموا للحكم فتخلصوا من شدائد المطالبات، ولو أنهم فعلوا ما أمِروا به لما تضاعفت عليهم المشاق. اهـ.

.من فوائد ابن عرفة في الآية:

قال رحمه الله:
قوله تعالى: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرض...}.
فسره الزمخشري بوجهين: إما نفي الإشارة فهو على إضمار لاَ أي لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث، وإما على إثبات الإشارة ونفي السقي أي هي تحرث ولا تسقي.
ورد هذا بأنها إذا انتفى عنها أنّها ذلول ثبت كونها صعبة غير مذللةٍ فلا تطاق لا إلى الحرث ولا إلى سقي.
وأُجيب عنه بأن ذلولا من أبنية المبالغة فما انتفى عنها إلا الأخص (من) الذلة فهو نفي (للأخص)، ولم ينتف عنها مطلق الذلة (فهي متوسطة) فلولا كانت صعبة جدا ما حرثت ولا سقت، ولو كانت ذليلة) فهي منقادة لا صعبة ولا مذللة.
وقال الطيبي: يحتمل أن يكون من نفي الشيء بنفي لازمه مثل قول امرئ القيس:
على لاَحِبٍ لا يهتدى بمناره

ابن عطية: إنما ذلك حيث يذكر لازم الشيء فقط فيكون نفيه نفيا للملزوم وهنا ذكر (الملزوم) ولازمه منفيين فليس من ذلك القبيل إلا لو قيل: لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث ولم يقل: لا ذلول.
ورد هذا بأن مراد الطيبي (أنّ) نفي (الذلّة) عنها ونفي السقي يستلزمان نفي (إثارتها) الأرض، لأن الإثارة في (الآية) مثبتة غير منفية، وهو مثل قول الله تعالى: {وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} قال الزمخشري: إنه مثل قوله.
على لاَحِب لا يهتدى بمناره

(أي ليس هناك خبير فينبئك، وكذا (كمثل) قولهم هذا يوم (لا) ينادي وليد أي ليس فيه وليد فينادي) ومثل قول صاحب البردة:
فذلك حيِنَ بُلوغٍ من نُبُوَّتهِ
فليس يُنْكَر حالُ محتلِمِ

أي ليست له حال محتلم فتنكر.
فإن قلت: الذّلة والإثارة متلازمان؟
قلنا: الذلة في الآية منفية، والإثارة مثبتة، و(لا) يتم ما قال الطيبي إلا إذا (أعرب) {تثير الأرض} صفة لـ{ذلول} فمعناه لا ذلول مثيرة {الأرض} أي ليست مثيرة الأرض فيكون ذلولا كمعنى البيت المتقدم أي ليس له منار يهتدي (به)، وإن أعربناه صفة للبقرة أو استئنافا أو حالا (فما يجيء) فيه ذلك التفسير، وإذا كان صفة لـ{ذلول} فيكون النفي مسلطًا على الموصوف وصفته، (وقصده) ثبوت أحدهما فتكون إما ذلول غير مثيرة ولا مسقية وإما ذلول فقط كقولك: لا رجل صالح في الدار.
وضده احتمال كونه: فيها رجل غير صالح، (أو أنها ليس) فيها أحد.
قال ابن عرفة: وأخذوا من الآية أن الأمور الجزئية المشخّصة يمكن تعريفها بالخاصة، لأن التعريف بالخواص إنما يكفي عندهم في الأمور الكلية، أما الجزئية فإنها تعرف بتعيينها والإشارة إليها، إذ في الممكن أن يكون في الوجود غيرها مختصا بتلك الصفات.
قال: وعادتهم يجيبون بأن الزمان والمكان هنا معينان، فلذلك اكتفى بالتعريف بالخواص ولو كان الزمان (مُبْهَما) لقلنا: في الجائز أن يوجد من هو على تلك الصفة في زمن من الأزمان، أو في غير ذلك المكان إما في ذلك الزمان وإما في ذلك المكان (فيتعين) أن الموصوف شيء واحد لا يحتمل غيره.
واحتجوا بهذه الآية على أبي حنيفة رضي الله عنه لأنه (يمنع) السلم في الحيوان على الصفة، وقال: لا (تخصصه) الصفة، فنقل عنه القرطبي هنا وابن يونس المنع في الحيوان بالإطلاق، ونقل عنه غيرهما أنه خصص ذلك (ببني) آدم.
قال ابن عرفة: وله أن يجيب بأن الغرور في البيع معتبر، وهذا ليس ببيع (فلا) يلزم من جواز الاكتفاء (بالصفة) هنا الاكتفاء بها هنالك. انتهى.

.من فوائد القرطبي في الآية:

قال رحمه الله:
قوله تعالى: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ} قرأ الجمهور {لا ذلولٌ} بالرفع على الصفة لبقرة.
قال الأخفش: {لاَّ ذَلُولٌ} نعته ولا يجوز نصبه.
وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَمِي {لاَّ ذَلُولَ} بالنصب على النفي والخبر مضمر.
ويجوز لا هي ذلول، لا هي تسقي الحرث، هي مُسَلّمة.
ومعنى {لاَّ ذَلُولٌ} لم يذلّلها العمل؛ يقال: بقرة مذلَّلة بيّنة الذِّل (بكسر الذال).
ورجل ذليل بيّن الذُّلّ (بضم الذال).
أي هي بقرة صعبة غير رَيّضة لم تذلَّل بالعمل.
قوله تعالى: {تُثِيرُ الأرض} {تُثير} في موضع رفع على الصفة للبقرة؛ أي هي بقرة لا ذَلُولٌ مُثيرة.
قال الحسن: وكانت تلك البقرة وحْشِيّة، ولهذا وصفها الله تعالى بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث، أي لا يُسْنَى بها لَسقْي الزرع ولا يُسقى عليها.
والوقف ها هنا حسن.
وقال قوم: {تثير} فعل مستأنف، والمعنى إيجاب الحرث لها، وأنها كانت تحرث ولا تسقي.
والوقف على هذا التأويل {لا ذلول}.
والقول الأوّل أصح لوجهين: أحدهما: ما ذكره النحاس عن عليّ بن سليمان أنه قال: لا يجوز أن يكون {تثير} مستأنفًا؛ لأن بعده {ولا تسقي الحرث}، فلو كان مستأنفًا لما جمع بين الواو و{لا}.
الثاني: أنها لو كانت تثير الأرض لكانت الإثارة قد ذلّلتها، والله تعالى قد نفى عنها الذّل بقوله: {لا ذلول}.
قلت: ويحتمل أن تكون {تثير الأَرْضَ} في غير العمل مرحًا ونشاطًا؛ كما قال امرؤ القيس:
يُهِيل ويُذرِي تُرْبَه ويُثيره
إثارةَ نَبّاث الهواجرِ مُخْمِسِ

فعلى هذا يكون {تثير} مستأنفًا، {ولا تسقي} معطوف عليه؛ فتأمله.
وإثارة الأرض: تحريكها وبحثها؛ ومنه الحديث: «أثِيروا القرآن فإنه عِلْم الأوّلين والآخرين» وفي رواية أخرى: «من أراد العلم فَلْيُثَوِّر القرآن» وقد تقدّم.
وفي التنزيل: {وَأَثَارُواْ الأرض} [الروم: 9] أي قَلبوها للزراعة.
والحرث: ما حُرِث وزُرِع. وسيأتي.
مسألة: في هذه الآية أدل دليل على حصر الحيوان بصفاته، وإذا ضُبط بالصفة وحُصر بها جاز السَّلَم فيه.
وبه قال مالك وأصحابه والأوزاعيّ واللّيث والشافعيّ.
وكذلك كل ما يُضبط بالصفة؛ لوصف الله تعالى البقرة في كتابه وصفًا يقوم مقام التعيين؛ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصف المرأةُ المرأةَ لزوجها حتى كأنه ينظر إليها» أخرجه مسلم.
فجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم الصّفة تقوم مقام الرؤية، وجعل صلى الله عليه وسلم دِيَة الخطأ في ذِمّة من أوجبها عليه دَيْنًا إلى أجل ولم يجعلها على الحلول.
وهو يرد قول الكوفيين أبي حنيفة وأصحابه والثورِيّ والحسن بن صالح حيث قالوا: لا يجوز السَّلَم في الحيوان.
ورُوِيَ عن ابن مسعود وحُذيفة وعبد الرحمن بن سَمُرة؛ لأن الحيوان لا يوقف على حقيقة صفته من مشي وحركة، وكل ذلك يزيد في ثمنه ويرفع من قيمته.
وسيأتي حكم السَّلَم وشروطه في آخر السورة في آية الدَّيْن، إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: {مُسَلَّمَةٌ} أي هي مُسَلّمة.
ويجوز أن يكون وصفًا؛ أي أنها بقرة مُسَلّمة من العَرَج وسائر العيوب؛ قاله قتادة وأبو العالية.
ولا يقال: مُسَلّمة من العمل لنفي الله العمل عنها.
وقال الحسن: يعني سليمة القوائم لا أثر فيها للعمل.
قوله تعالى: {لاَّ شِيَةَ فِيهَا} أي ليس فيها لَوْن يخالف معظم لونها، وهي صفراء كلها لا بياض فيها ولا حمرة ولا سواد؛ كما قال: {فَاقِعٌ لَّوْنُهَا}.
وأصل {شِيَة} وَشِي، حُذفت الواو كما حذفت من يشي، والأصل يوشي؛ ونظيره الزِّنَة والعِدَة والصِّلَة.
والشِّيَة مأخوذة من وَشْيْ الثوب إذا نُسج على لونين مختلفين.
وثَوْرَ مُوَشَّى: في وجهه وقوائمه سواد.
قال ابن عرفة: الشِّيَة اللّون.
ولا يقال لمن نمّ: واشٍ، حتى يُغَيّر الكلام ويُلَوِّنه فيجعله ضروبا ويزّين منه ما شاء.
والوَشْيُ: الكثرة.
ووَشَى بنو فلان: كثروا.
ويقال: فَرَسٌ أبلقُ، وكَبْشٌ أَخْرَجُ، وتَيس أَبْرَقُ، وغرابٌ أَبْقَعُ، وثور أَشْيَهُ.
كل ذلك بمعنى البُلْقَة؛ هكذا نصّ أهل اللغة.
وهذه الأوصاف في البقرة سببها أنهم شدّدوا فشدّد الله عليهم، ودِين الله يُسْرٌ، والتعمّق في سؤال الأنبياء وغيرهم من العلماء مذموم، نسأل الله العافية.
وروي في قصص هذه البقرة روايات تلخيصها: أن رجلًا من بني إسرائيل وُلد له ابن، وكانت له عجلة فأرسلها في غَيْضَة وقال: اللَّهُمّ إني أستودعك هذه العجلة لهذا الصبي.
ومات الرجل، فلما كبر الصبي قالت له أمّه وكان بَرًا بها: إن أباك استودع الله عجلة لك فاذهب فخذها؛ فذهب فلما رأته البقرة جاءت إليه حتى أخذ بقرنيها وكانت مستوحِشة فجعل يقودها نحو أمّه؛ فلقيَه بنو إسرائيل ووجدوا بقرة على الصفة التي أمِروا بها؛ فسامُوه فاشتطّ عليهم.
وكان قيمتها على ما رُوي عن عكرمة ثلاثة دنانير، فأتَوْا به موسى عليه السلام وقالوا: إن هذا اشتط علينا؛ فقال لهم: أرْضُوه في مِلكه، فاشتروْها منه بوزنها مَرّة؛ قاله عَبيدة.
السُّدِّيّ: بوزنها عشر مرات.
وقيل: بملء مَسْكِها دنانير.
وذكر مَكّيّ: أن هذه البقرة نزلت من السماء ولم تكن من بقر الأرض.
فالله أعلم.
قوله تعالى: {قَالُواْ الآن جِئْتَ بالحق} أي بيّنت الحق؛ قاله قتادة.
وحكى الأخفش: {قالوا الآن} قطع ألفَ الوصل؛ كما يقال: يا الله.
وحكى وجهًا آخر {قالوا لاَنَ} بإثبات الواو.
نظيره قراءة أهل المدينة وأبي عمرو {عادًا لُولي}.
وقرأ الكوفيون {قالوا الآن} بالهمز.
وقراءة أهل المدينة {قالُ لاَن} بتخفيف الهمز مع حذف الواو لالتقاء الساكنين.
قال الزجاج: {الآن} مبنيّ على الفتح لمخالفته سائر ما فيه الألف واللام؛ لأن الألف واللام دخلتا لغير عهد؛ تقول: أنت إلى الآن هنا؛ فالمعنى إلى هذا الوقت.
فبُنِيت كما بُنِيَ هذا، وفُتحت النون لالتقاء الساكنين.
وهو عبارة عما بين الماضي والمستقبل.
قوله تعالى: {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} أجاز سيبويه: كاد أن يفعل؛ تشبيهًا بعسى.
وقد تقدّم أوّل السورة.
وهذا إخبار عن تثبيطهم في ذبحها وقلّة مبادرتهم إلى أمر الله.
وقال القُرَظيّ محمد بن كعب: لغلاء ثمنها.
وقيل: خوفًا من الفضيحة على أنفسهم في معرفة القاتل منهم؛ قاله وهب بن مُنَبِّه. اهـ.

.من فوائد الألوسي في الآية:

قال رحمه الله:
{قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ} صفة {إِنَّهَا بَقَرَةٌ} وهو من الوصف بالمفرد، ومن قال: هو من الوصف بالجملة، وأن التقدير لا هي ذلول فقد أبعد عن الصواب، و{لا} بمعنى غير، وهو اسم على ما صرح به السخاوي وغيره لكن لكونها في صورة الحرف ظهر إعرابها فيما بعدها، ويحتمل أن تكون حرفًا كالا التي بمعنى غير في مثل قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] والذلول الريض الذي زالت صعوبته يقال: دابة ذلول بينة الذي بالكسر، ورجل ذلول بين الذل بالضم.
{تُثِيرُ الأرض وَلاَ تَسْقِى الحرث} {لا} صلة لازمة لوجوب التكرار في هذه الصورة وهي مفيدة للتصريح بعموم النفي إذ بدونها يحتمل أن يكون لنفى الاجتماع، ولذا تسمى المذكرة والإثارة قلب الأرض للزراعة من أثرته إذا هيجته، والحرث الأرض المهيأة للزرع أو هي شق الأرض ليبذر فيها، ويطلق على ما حرث وزرع، وعلى نفس الزرع أيضًا، والفعلان صفتا ذلول والصفة يجوز وصفها على ما ارتضاه بعض النحاة وصرح به السمين والفعل الأول داخل في حيز النفي والمقصود نفي إثارتها الأرض أي لا تثير الأرض فتذل فهو من باب:
على لاحب لا يتهدي بمناره

ففيه نفي للأصل والفرع معًا، وانتفاء الملزوم بانتفاء اللازم، قال الحسن: كانت هذه البقرة وحشية ولهذا وصفت بأنها {لا تُثِيرُ الأرض} الخ، وذهب قوم إلى أن تثير مثبت لفظًا ومعنى؛ وأنه أثبت للبقرة أنها تثير الأرض وتحرثها ونفى عنها سقي الحرث، ورد بأن ما كان يحرث لا ينتفي عنه كونه ذلولًا، وقال بعض: المراد إنها تثير الأرض بغير الحرث بطرًا ومرحًا، ومن عادة البقر إذا بطرت تضرب بقرونها وأظلافها فتثير تراب الأرض فيكون هذا من تمام قوله: {لاَّ ذَلُولٌ} لأن وصفها بالمرح والبطر دليل على ذلك وليس عندي بالبعيد وذهب بعضهم كما في الكواشي إلى أن جملة {تُثِيرُ} في محل نصب على الحال، قال ابن عطية: ولا يجوز ذلك لأنها من نكرة، واعترض بأنه إن أراد بالنكرة بقرة فقد وصفت، والحال من النكرة الموصوفة جائزة جوازًا حسنًا وإن أراد بها {لاَّ ذَلُولٌ} فمذهب سيبويه جواز مجيء الحال من النكرة وإن لم توصف، وقد صرح بذلك في مواضع من كتابه اللهم إلا أن يقال: إنه تبع الجمهور في ذلك وهم على المنع وجعل الجملة حالًا من الضمير المستكن في ذلول أي: لا ذلول في حال إثارتها ليس بشيء، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: {لاَّ ذَلُولٌ} بالفتح فلا للتبرئة، والخبر محذوف أي هناك، والمراد مكان وجدت هي فيه، والجملة صفة ذلول، وهو نفي لأن توصف بالذل، ويقال: هي ذلول بطريق الكناية لأنه لو كان في مكان البقرة لكانت موصوفة به ضرورة اقتضاء الصفة للموصوف، فلما لم يكن في مكانها لم تكن موصوفة به، فهذا كقولهم محل فلان مظنة الجود والكرم، وهذا أولى مما قيل: إن {تُثِيرُ} خبر {لا} والجملة معترضة بين الصفة والموصوف لأنه أبلغ كما لا يخفى، وبعضهم خرج القراءة على البناء نظرًا إلى صورة {لا} كما في كنت بلا مال بالفتح، وليس بشيء لأن ذلك مقصور على مورد السماع، وليس بقياسي على ما يشعر به كلام الرضى وقرئ {تَسْقِى} بضم حرف المضارعة من أسقى بمعنى سقى، وبعض فرق بينهما بأن سقى لنفسه، وأسقى لغيره كماشيته وأرضه.
{فالآن باشروهن} [البقرة: 187] إذا الأمر نص في الاستقبال، وادعى بعضهم إعرابها لقوله:
كأنهما ملآن لم يتغيرا

يريد من الآن فجره وهو يحتمل البناء على الكسر، و(أل) فيها للحضور عند بعض، وزائدة عند آخرين، وبنيت لتضمنها معنى الإشارة، أو لتضمنها معنى أل التعريفية كسحر وقرئ (آلآن) بالمد على الاستفهام التقريري إشارة إلى استبطائه وانتظارهم له.
وقرأ نافع بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وعنه روايتان حذف واو {قَالُواْ} وإثباتها فَذَبَحُوهَا أي فطلبوا هذه البقرة الجامعة للأوصاف السابقة وحصلوها {فَذَبَحُوهَا} فالفاء فصيحة عاطفة على محذوف إذ لا يترتب الذبح على مجرد الأمر بالذبح، وبيان صفتها وحذف لدلالة الذبح عليه؛ وتحصيلها كان باشترائها من الشاب البار بأبويه كما تظافرت عليه أقوال أكثر المفسرين والقصة مشهورة، وقيل: كانت وحشية فأخذوها، وقيل: لم تكن من بقر الدنيا بل أنزلها الله تعالى من السماء وهو قول هابط إلى تخوم الأرض، قيل: ووجه الحكمة في جعل البقرة آلة دون غيرها من البهائم أنهم كانوا يعبدون البقر والعجاجيل وحبب ذلك في قلوبهم، لقوله تعالى: {وَأُشْرِبُواْ في قُلُوبِهِمُ العجل} [البقرة: 3 9] ثم بعد ما تابوا أراد الله تعالى أن يمتحنهم بذبح ما حبب إليهم ليكون حقيقة لتوبتهم، وقيل: ولعله ألطف وأولى إن الحكمة في هذا الأمر إظهار توبيخهم في عبادة العجل بأنكم كيف عبدتم ما هو في صورة البقرة مع أن الطبع لا يقبل أن يخلق الله تعالى فيه خاصية يحيا به ميت بمعجزة نبي؟ا وكيف قبلتم قول السامري إنه إلهكم وها أنتم لا تقبلون قول الله سبحانه: إنه يحيا بضرب لحمة منه الميت سبحان الله تعالى هذا الخرق العظيم {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} كنى على الذبح بالفعل أي وما كادوا يذبحون واحتمال أن يكون المراد: وما كادوا يفعلون ما أمروا به بعد الذبح من ضرب بعضها على الميت بعيد، وكاد موضوعة لدنوّ الخبر حصولًا ولا يكون خبرها في المشهور إلا مضارعًا دالًا على الحال لتأكيد القرب، واختلف فيها فقيل: هي في الإثبات نفي وفي النفي إثبات، فمعنى كاد زيد يخرج قارب ولم يخرج وهو فاسد لأن معناها مقاربة الخروج، وأما عدمه فأمر عقلي خارج عن المدلول ولو صح ما قاله لكان قارب ونحوه كذلك ولم يقل به أحد، وقيل: هي في الإثبات إثبات وفي النفي الماضي إثبات وفي المستقبل على قياس الأفعال.
وتمسك القائل بهذه الآية لأنه لو كان معنى {وَمَا كَادُواْ} هنا نفيًا للفعل عنهم لناقض قوله تعالى: {فَذَبَحُوهَا} حيث دل على ثبوت الفعل لهم والحق أنها في الإثبات والنفي كسائر الأفعال، فمثبتها لإثبات القرب، ومنفيها لنفيه، والنفي والإثبات في الآية محمولان على اختلاف الوقتين أو الاعتبارين فلا تناقض إذ من شرطه اتحاد الزمان والاعتبار، والمعنى أنهم ما قاربوا ذبحها حتى انقطعت تعللاتهم فذبحوا كالملجأ أو فذبحوها ائتمارًا وما كادوا من الذبح خوفًا من الفضيحة أو استثقالًا لغلو ثمنها حيث روى أنهم اشتروها بملء جلدها ذهبًا، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير؛ واستشكل القول باختلاف الوقتين بأن الجملة حال من فاعل {ذبحوها} فيجب مقارنة مضمونها لمضمون العامل، والجواب بأنهم صرحوا بأنه قد يقيد بالماضي فإن كان مثبتًا قرب بقد لتقربه من الحال وإن كان منفيًا كما هنا لم يقرن بها لأن الأصل استمرار النفي فيفيد المقاربة لا يجدي نفعًا لأن عدم مقاربة الفعل لا يتصور مقارنتها له، ولهذا عول بعض المتأخرين في الجواب على أن {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} كناية عن تعسر الفعل وثقله عليهم وهو مستمر باق، وقد صرح في شرح التسهيل أنه قد يقول القائل لم يكد زيد يفعل ومراده أنه فعل بعسر لا بسهولة وهو خلافا الظاهر الذي وضع له اللفظ فافهم. اهـ.

.من فوائد القاسمي في الآية:

قال رحمه الله:
{قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ}.
أي: لم تذلل لإثارة الأرض وسقي الحرث. و: {لاذلول} صفة لبقرة. بمعنى غير ذلول. و: {لا} الأولى للنفي، والثانية مزيدة لتوكيد الأولى. لأن المعنى: لا ذلول تثير وتسقي، على أن الفعلين صفتان لذلول، كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية، والمقصود: إنها مكرمة ليست مذللة بالحراثة، ولا معدة للسقي في السانية {مُسَلَّمَةٌ}، سلمها الله من العيوب، أو معفاة من العلم، سلمها أهلها منه، أومخلصة اللون لم يشب صفرتها شيء من الألوان. من: سلم له كذا، إذا خلص له: {لاَشِيَةَ فِيهَا}، أي: لا لون فيها يخالف لون جلدها من بياض وسواد وحمرة، فهي صفراء كلها، وهي في الأصل مصدر: وشاه وشيا وشية، إذا خلط بلونه لونًا آخر. في الصحاح: الشية: كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره. والهاء عوض من الواو الذاهبة من أوله. والجمع: شيات. يقال: ثور أشيه، كما يقال: فرس أبلق.
{قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} أي: بحقيقة وصف البقرة بحيث ميزتها عن جميع ما عداها، ولم يبق لنا في شأنها اشتباه أصلًا. بخلاف المرتين الأوليين، فإن ما جئت به فيهما لم يكن في التعيين بهذه المرتبة: {فَذَبَحُوهَا}، الفاء فصيحة، كما في: {فَانْفَجَرَتْ}، أي: فحصلوا البقرة فذبحوها: {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} كاد من أفعال المقاربة، وضع لدنوّ الخبر من الحصول، والجملة حال من ضمير ذبحوا، أي: فذبحوها والحال أنهم كانوا قبل ذلك بمعزل منه. اعتراض تذييليّ. ومآله استثقال استقصائهم واستبطاء لهم، وأنهم لفرط تطويلهم وكثرة مراجعاتهم ما كاد ينتهي خيط إسهابهم فيها.
تنبيه:
قال الراغب: قال بعض الناس: في هذه الآية دلالة على نسخ الشيء قبل فعله. فإن في الأول أمروا بذبح بقرة غير معينة، وكان لهم أن يذبحوا أي: بقرة شاءوا.
وفي الثاني والثالث أمروا بذبح بقرة مخصوصة. فكأنهم نهوا عما كانوا أمروا به من قبل. وليس كذلك، فإن الأول أمر مطلق، والثاني والثالث كالبيان له، لمّا راجعوا، ولم يسقط عنهم ذبح البقرة. بل زيد في أوصافها، وكشف عن المراد بالأمر الأول. وفي الآية دلالة على جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة. اهـ.

.من فوائد الشعراوي في الآية:

قال رحمه الله:
{قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)}.
{بقرة لا ذلول}.. البقرة الذلول هي البقرة المروضة الممرنة تؤدي مهمتها بلا تعب.. تماما مثل الخيل المروضة التي لا تتعب راكبها لأنها تم ترويضها.. وسيدنا إسماعيل هو أول من روض الخيل وساسها.. وقال الله سبحانه وتعالى لهم أول وصف للبقرة أنها ليست مروضة.. لا أحد قادها ولا قامت بعمل.. إنها انطلقت على طبيعتها وعلى سجيتها في الحقول بدون قائد.
{تُثِيرُ الأَرْضَ} أي لم تستخدم في حراثة الأرض أو فلاحتها.
{وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ}.. أي لم تستخدم في إدارة السواقي لسقية الزرع.
{مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا} أي خالية من العيوب لا أذنها مثقوبة. ولا فيها أي علامة من العلامات التي يميز الناس أبقارهم بها.. ولا رجلها عرجاء، خالية من البقع والألوان غير اللون الأصفر الفاقع.. وكلمة {لاَّ شِيَةَ فِيهَا}.. أي لا شيء فيها.
والمتأمل في وصف البقرة كما جاء في الآيات يرى الصعوبة والتشدد في اختيار أوصافها.. كأن الحق تبارك وتعالى يريد أن يجازيهم على أعمالهم.. ولم يجد بنو إسرائيل إلا بقرة واحدة تنطبق عليها هذه المواصفات فقالوا {الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} كأن ما قاله موسى قبل ذلك كان خارجا عن نطاق الحق. وذبحوا البقرة ولكن عن كره منهم.. لأنهم كانوا حريصين على ألا يذبحوها، حرصهم على عدم تنفيذ المنهج. هم يريدون أن يماطلوا الله سبحانه وتعالى.. والله يقول لنا أن سمة المؤمنين أن يسارعوا إلى تنفيذ تكاليفه.. واقرأ قوله تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133].
وهذه السرعة من المؤمنين في تنفيذ التكاليف.. دليل على عشق التكليف.. لأنك تسارع لتفعل ما يطلبه منك من تحبه.
وقوله تعالى: {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ}.. يدلنا على أنهم حاولوا الإبطاء في التنفيذ والتلكؤ.
إننا لابد أن نلتفت إلى أن تباطؤ بني إسرائيل في التنفيذ خدم قضية إيمانية أخرى.. فالبقرة التي طلبها الله منهم بسبب عدم قيامهم بتنفيذ الأمر فور صدوره لهم بقرة نادرة لا تتكرر.. والمواصفات التي أعطيت لهم في النهاية.. لم تكن تنطبق إلا على بقرة واحدة ليتحكم صاحبها في ثمنها ويبيعها بأغلى الأسعار.
والقصة أنه كان هناك في بني إسرائيل رجل صالح.. يتحرى الحلال في الرزق والصدق في القول والإيمان الحقيقي بالله. وعندما حضرته الوفاة كان عنده عجلة وكان له زوجة وابنهما الصغير.. ماذا يفعل وهو لا يملك سوى العجلة. اتجه إلى الله وقال: اللهم إني استودعك هذه العجلة لولدي، ثم أطلقها في المراعي.
لم يوصِّ عليها أحدًا ولكن استودعها الله. استودعها يد الله الأمينة على كل شيء.. ثم قال لامرأته إني لا أملك إلا هذه العجلة ولا آمن عليها إلا الله.. ولقد أطلقتها في المراعي.
وعندما كبر الولد قالت له أمه: إن أباك قد ترك لك وديعة عند الله وهي عجلة.. فقال يا أمي وأين أجدها؟.. قالت كن كأبيك هو توكل واستودع، وأنت توكل واسترد.. فقال الولد: اللهم رب إبراهيم ورب موسى.. رد إلي ما استودعه أبي عندك.. فإذا بالعجلة تأتي إليه وقد أصبحت بقرة فأخذها ليريها لأمه.. وبينما هو سائر رآه بنو إسرائيل. فقالوا إن هذه البقرة هي التي طلبها الرب.. وذهبوا إلى صاحب البقرة وطلبوا شراءها فقال بكم.. قالوا بثلاثة دنانير.. فذهب ليستشير أمه فخافوا أن ترفض وعرضوا عليه ستة دنانير.. قالت أمه لا.. لا تباع.. فقال الابن لن أبيعها إلا بملء جلدها ذهبا، فدفعوا له ما أراد.. وهكذا نجد صلاح الأب يجعل الله حفيظا على أولاده يرعاهم وييسر لهم أمورهم. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال ابن عادل:
قوله: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ} المشهور {ذَلُولٌ} بالرفع على أنها صفة لـ{بقرة}، وتوسطت {لا} للنفي كما تقدم في {لاَ فَارِض}، أو على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: لا هي ذلول، والجملة من هذا المبتدأ أو الخبر في [محل] رفع صفة لـ{بقرة}.
وقرئ: {لاَ ذَلُولَ} بفتح اللام على أنها {لا} التي للتَّبرئة والخبر محذوف تقديره: لا ذلولَ ثَمَّ أو ما أشبهه، وليس المعنى على هذه القراءة، ولذلك قال الأخفس: "لا ذلول نعت، ولا يجوز نصبه".
و"الذَّلول": التي ذُلِّلَت بالعمل، يقال: بقرة ذَلُوث بَيِّنَةٌ الذِّل بكسر الذال، ورجل ذَليل: بين الذُّل بضمّها، وقدم عند قوله: {الذلة} [البقرة: 61].
قوله: {تُثِيرُ الأرض} في هذه الجملة أقوال كثيرة: أظهرها: أنها في محلّ نصب على الحال من الضمير المستكن في {ذلول} تقديره: لا تُذَلُّ حال إثارتها.
وقال ابن عطية: وهي عند قوم جملة في موضع الصفة لـ{بقرة} أي: لا ذلولٌ مثيرة.
وقال أيضًا: ولا يجوز أن تكون هذه الجملة في موضع الحال، لأنها نكرة.
أما قوله: في موضع الصفة فإنه يلزم منه أن البقرة كانت مثيرة للأرض، وهذا الم يقل به الجمهور، بل قال به بعضهم، وسيأتي إن شاء الله.
وأما قوله: لا يجوز أن تكون حالًا يعني من {بقرة}؛ لأنها نكرة.
فالجواب: أنَّا لا نسلم أنها حال من {بقرة}، بل من الضمير في {ذلول} كما تقدم، أو تقول: بل هي حال من النكرة؛ لأن النكرة قد وصفت وتخصصت بقوله: {لا ذَلُول}، وإذا وصفت النكرة ساغ إتيان الحال منها اتفاقًا.
وقيل: إنها مستأنفة، [واستئنافها على وجهين:
أحدهما: أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: هي تثير.
والثاني: أنها مستأنفة] بنفسها من غير تقدير مبتدأ، بل تكون جملة فعلية ابْتُدِئ بها لمجرد الإخبار بذلك.
وقد منع من القول باستئنافها جماعة منه الأخْفَشُ عليّ بن سليمان، وعلل ذلك بوجهينك أحدهما: أن بعده: {وَلاَ تَسْقِي الحَرْثَ} فلو كان مستأنفًا لما صحّ دخول {لا} بينه وبين "الواو".
والثّاني: إنها لو كانت تثير الأرض لكانت الإثارة قد ذللتها، والله تعالى نفى عنها ذلك بقوله: {لا ذَلُول} وهذا المعنى هو الذي منع أن يكون {تُثِير} صفة بـ{بقرة}؛ لأن اللازم مشترك، ولذلك قال أبو البقاء: ويجوز على قول مَنْ أثبت هذا الوجه [يعني: كونه تثير الأرض ولا تسقي أن تكون {تثير} في موضع رفع صفة لـ{بقرة}.
وقد أجاب بعضهم عن الوجه الثاني]، فإن إثارة الأرض عبارة عن مَرَحِهَا ونَشَاطِهَا؛ كما قال امرؤ القيس: [الطويل]
يُهِيلُ ويُذْرِي تُرْبَهُ وَيُثِيرُهُ
إِثَارَةَ نَبَّاثِ الهَوَاجِرِ مُخْمِسِ

أي: تثير الأرض مرحًا ونشاطًا لا حَرثًا وعملًا.
وقال أبو البقاء: وقيل: هو مستأنف، ثم قال: وهو بعيد عن الصّحة لوجهين:
أحدهما: أنه عطف عليه قوله: {وَلاَ تَسْقِي الحَرْثَ}، فنفى المعطوف، فيجب أن يكون المعطوف عليه كذلك؛ لأنه في المعنى واحد، ألا ترى أنك لا تقول: مررت برجل قائم ولا قاعد، بل تقول: لا قاعد بغير واو، كذلك يجب أن يكون هذا.
وذكر الوجه الثاني لما تقدم، وأجاز أيضًا أن يكون {تثير} في محلّ رفع صفة لـ{ذلول}، وقد تقدم خلاف هل يوصف الوصف أم لا؟
فهذه ستة أوجه تلخيصها: أنها حال من الضمير في {ذَلُول}، أو من {بقرة}، أو صفة لـ{بقرة}، أو لـ{ذلول}، أو مستأنفة بإضمار مبتدأ، أو دونه.
قوله: {وَلاَ تَسْقِي الحرث مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا} الكلام فيه هذه كالكلام فيما قبلها من كونها صفة لـ{بقرة}، أو خبر لمبتدأ محذوف.
وقال الزمخشري: و{لا} الأولى للنفي يعني الدَّاخلة على {ذلول}.
والثانية مزيدة لتأكيد الأولى؛ لأن المعنى: لا ذلول تثير [الأرض] وتسقي، على أن الفعلين صفتان لـ{ذَلُول}، كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية.
وقرئ: {تُسْقى} بضم التاء من "أَسْقى".
وإثارة الأرض: تحريكها وبَحْثُهَا، ومنه: {وَأَثَارُواْ الأرض} [الروم: 9] أي: بالحَرْث والزراعة، وفي الحديث: «أَثِيرُوا القُرْآنَ فَإِنَّهُ عِلْمُ الأَوَّلِينَ وَالأَخِرِينَ».
وفي رواية: «مَنْ أَرَادَ العِلْمَ فَلْيُثوِّرِ القُرْآن».
وجملة القول أن القرة لا يكون بها نَقْص، فإن الذلول بالعمل لكونها تثير الأرض، وتسقي الحرث لابد وأن يظهر بها النقص.
قال القرطبي: قال الحسن: وكانت تلك البقرة وَحْشٍية، ولهذا وصفها الله تعالى بأنها لا تثير الأرض، ولا تسقي الحرث.
وقال: الوقف هاهنا حسن.
و{مُسَلَّمة} قيل: من العيوب مطلقًا.
وقيل: من آثار العمل المذكور.
وقيل: مسلمة من الشّبه التي هي خلاف لونها، أي: خلصت صُفْرتها عن اختلاط سائر الألوان بها، وهذا ضعيف؛ لأن قوله: {لاَ شِيَةَ فِيهَا} يصير تكرارًا.
و{شِيَة}: مصدر وَشَيْتُ الثوب أَشِيه وَشْيًا وَشِيَةً، حذفت فاؤها؛ لوقوعها بين ياء وكيرة في المضارع، ثم حمل باقي الباب عليه، ووزنها عِلَةٌ ومثلها: صِلَةٌ وعِدَةٌ وَزِنَة.
وهي عبارة عن اللُّمْعَة المخالفة للون، ومنه: ثوب مَوْشِيٌّ: أي: منسوج بلونين فأكثر، وثور مَوْشِيٌّ القَوَائِم، أي: أَبْلَقُهَا؛ قال: [البسيط]
مِنْ وَحْشِ وَجْرَةً مَوْشِيٍّ أَكَارِعُهُ
طَاوِي المَصِيرِ كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الفَرِدِ

ومنه: الواشي للنَّمَّام؛ لأنه يَشِي حديثه، أي يزينه ويخلطه بالكذب.
وقال بعضهم: ولا يقال له وَاشٍ حتى يغير كلامه ويزينه.
ويقال: ثور أَشْيَهُ، وفرس أَبْلَقُ، وكمَبْش أخْرَجُ، وتَيْس أَبْرَق، وغُراب أَبْقَع، كل ذلك بمعنى البلقة.
و{شية} اسم {لا}، و{فيها} خبرها.
قوله: {الآن جِئْتَ} الآن منصوب بـ{جئت}، وهي ظَرْف للزّمان يقتضي الحال، ويخلص المضارع له عند جمهور النّحاة.
وقال بعضهم: هذا هو الغالب، وقد جاء حيث لا يمكن أن يكون للحال، كقوله: {فَمَن يَسْتَمِعِ الآن} [الجن: 2] {فالآن بَاشِرُوهُنَّ} [البقرة: 187] فلو كان يقتضي لحال لما جاء مع فعل الشرط والأمر اللذين هما نصّ في الاستقبال، وعبر عنه هذا القائل بعبارة تُوافق مذهبه وهي: {الآن} لوقت حصر جميعه أو بعضه يريد بقوله: أو بعضه نحو: {فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ}، وهو مبني.
واختلف في علّة بنائه: فقال الزَّجَّاج: لأنه تضمن معنى الإشارة؛ لأن معنى أفعل الآن، أي: هذا الوقت.
وقيل: لأنه أشبه الحرف في لزوم لَفْظ واحد، من حيث إنه لا يُثَنَّى ولا يُجْمع ولا يصغّر.
وقيل: لأنه تضمّن معنى حرف التعريف، وهو الألف واللام كـ"أمس"، وهذه الألف واللام زائدة فيه بدليل بنائه، ولم يُعْهَد مُعرفٌ بـ"أل" إلا معربًا، ولزمت فيه الألف واللام كما لزمت في "الذي والّتي" وبابهما، ويعزى هذا للفارسي، وهو مردود بأن التضمين اختصار، فكيف يختصر الشيء، ثم يؤتى بمثل لفظه.
وهو لازم للنظر فيه، ولا يتصرف غالبًا، وقد وقع مبتدأ في قوله عليه الصلاة والسلام: «فَهُوَ يَهْوِي في قَعْرِهَا الآنَ حِينَ انْتَهَى».
فـ"الآن" مبتدأ، وبني على الفتح لما تقدم، و"حين" خبره، بُنِيَ لإضافته إلى غير متمكّن، ومجرورًا في قوله:
أَإِلَى الآنِ لاَ يَبِينُ ارْعِوَاءُ

وادعى بعضهم إعرابه مستدلًا بقوله: [الطويل]
كَأَنَّهُمَا مِلآنِ لَمْ يَتَغَيَّرا
وَقَدْ مَرَّ لِلدَّارَيْنِ مِنَ بَعْدِنَا عَصْرُ

يريد: مِنَ الآنِ فجره بالكسرة، وهذا يحتمل أن يكون بني على الكسر، وزعم الفراء أنه منقول من فعل ماضي، وأن أصله آنَ بمعنى: حان فدخلت عليه "أل" زائدة، واسْتُصْحِب بناؤه على الفَتْح، وجعله مثل قولهم "ما رأيته من شب إلى دُبَّ".
وقوله عليه الصلاة والسلام: «وأنْهَاكُمْ عَنْ قِيلٍ وَقَال».
ورد عليه بأن "أل" لا تدخل على المنقول من فعل ماض، وبأنه كان ينبغي أن يجوز إعرابه كنظائره.
وعنه قول آخر أن أصله "أوان" فحذفت الألف، ثم قلبت الواو ألفًا، فعلى هذا ألفعه عن واو.
وأدخله الرَّاغب في باب "أين"، فتكون ألفه عن "ياء".
والصواب الأول.
وقرئ: {قالوا ألآن} بتحقيق الهمزة من غير نَقْل، وهي قراءة الجمهور.
و{قَالُوا لأنَ} بنقل حركة الهمزة على اللام قبلها، وحذف الهمزة، وهو قياس مطّرد، وبه قرأ نافع وحمزة باختلاف عنه.
و{قَالُوا لآنَ} بثبوت الواو من {قالوا}؛ لأنها إنما حذفت لالتقاء السكانين، وقد تحركت اللام لنقل حركة الهمزة إليها، واعتدوا بذلك كما قالوا في الأحمر مَحْمَر.
وسيأتي تحقيق هذا إن شاء الله تعالى في {عَادًا الأولى} [النجم: 50].
ويحكى وجه رابع {قَالُوا الآنَ} بقطع همزة الوصل، وهو بعيد، و{بِالحَق} يجوز فيه وجهان:
أحدهما: أن تكون باء التَّعدية كالهمزة كأنه قيل: "أَجَأْتَ الحق"، أي: ذكرته.
الثاني: أن يكون في محلّ نصب على الحال من فاعل {جئت} أي: جئت ملتبسًا بالحق، أو "ومعك الحق".
قوله: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} أي: فذبحوا البقرة.
و{كَادُوا} كاد واسمها وخبرها، والكثير في خبرها تجرده من "أن".
وشذ قوله: [الرجز]
قَدْ كَادَ مِنْ طُولٍ الْبِلَى أَنْ يَمْصَحَا

وهي عكس "عسى" وذكروا لـ"كاد" تفسيرين:
أحدهما: قالوا: نفيها إثبات وإثباتها نفي، فقوله: كاد يفعل كذا، معناه: قرب من أن يفعل، لكنه ما فعله.
والثاني: قال عبدالقاهر النحوي: إن "كاد" لمقاربة الفعل، فقوله: "كاد يفعل" معناه قرب من فعله.
وقوله: "ما كاد يفعل" معناه: ما قرب منه.
وللأولين أن يحتجوا بهذه الآية؛ لأن قوله: {ومَا كَادُوا} معناه ما قاربوا الفعل، ونفى المقاربة من الفعل يناقض إثبات وقوع الفعل، فلو كانت "كاد" للمقاربة لزم وقوع التناقض في الآية، وقد تقدم الكلام معلى كاد عند قوله: {يَكَادُ البرق} [البقرة: 20]. اهـ. باختصار.

.تفسير الآية رقم (72):

قوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما قسمت القصة شطرين تنبيهًا على النعمتين: نعمة العفو عن التوقف عن الأمر ونعمة البيان للقاتل بالأمر الخارق، وتنبيهًا على أن لهم بذلك تقريعين: أحدهما بإساءة الأدب في الرمي بالاستهزاء والتوقف عن الامتثال والثاني على قتل النفس وما تبعه، ولو رتبت ترتيبها في الوجود لم يحصل ذلك، وقدم الشطر الأنسب لقصة السبت اتبعه الآخر.
وقال الحرالي: قدم نبأ قول موسى عليه السلام على ذكر تدارئهم في القتيل ابتداء بأشرف القصدين من معنى التشريع الذي هو القائم على أفعال الاعتداء وأقوال الخصومة. انتهى.
فقال تعالى: {وإذ} أي واذكروا إذ، وأسند القتل إلى الكل والقاتل واحد لأن ذلك عادة العرب، لأن عادة القبيلة المدافعة عن أحدهم فقال: {قتلهم نفسًا} فأقبل عليهم بالخطاب توبيخًا لهم وإشارة إلى أن الموجودين منهم راضون بما مضى من أسلافهم وأن من ودّ شيئًا كان من عملته.
ولما كانوا قد أنكروا القتل سبب عنه قوله مشيرًا إلى إخفائه بالإدغام {فادارأتم فيها} أي تدافعتم فكان كل فريق منكم يردّ القتل إلى الآخر فكان لكم بذلك ثلاثة آثام: إثم الكبيرة وإثم الإصرار وإثم الافتراء بالدفع؛ قال الكلبي: وذلك قبل نزول القسامة في التوراة، كأنه يشير إلى ما أذكره عنها قريبًا.
ولما كان فعلهم في المدارة فعل غافل عن إحاطة علم الخالق سبحانه قال يحكي حالهم إذ ذاك {والله} أي والحال أن الذي له الأمر كله {مخرج} بلطيف صنعه وعظيم شأنه {وما كنتم تكتمون} وفي تقديمه أيضًا زيادة تبكيت لهم بتوقفهم في ذبح بقرة أمروا بذبحها لمصلحة لهم عظيمة بعد مبادرة بعضهم إلى قتل إنسان مثله بعد النهي الشديد عنه وقال منبهًا بالالتفات إلى أسلوب العظمة على ما في الفعل المأمور به منها. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

أما قوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادرأتم فِيهَا} فاعلم أن وقوع ذلك القتل لابد وأن يكون متقدمًا لأمره تعالى بالذبح.
أما الإخبار عن وقوع ذلك القتل وعن أنه لابد وأن يضرب القتيل ببعض تلك البقرة فلا يجب أن يكون متقدمًا على الإخبار عن قصة البقرة، فقول من يقول: هذه القصة يجب أن تكون متقدمة في التلاوة على الأولى خطأ، لأن هذه القصة في نفسها يجب أن تكون متقدمة على الأول في الوجود، فأما التقدم في الذكر فغير واجب لأنه تارة يتقدم ذكر السبب على ذكر الحكم وأخرى على العكس من ذلك، فكأنه لما وقعت لهم تلك الواقعة أمرهم تعالى بذبح البقرة فلما ذبحوها قال: وإذ قتلتم نفسًا من قبل واختلفتم وتنازعتم فإني مظهر لكم القاتل الذي سترتموه بأن يضرب القتيل ببعض هذه البقرة المذبوحة، وذلك مستقيم.
فإن قيل: هب أنه لا خلل في هذا النظم، ولكن النظم الآخر كان مستحسنًا فما الفائدة في ترجيح هذا النظم؟ قلنا: إنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة ولو كانت قصة واحدة لذهب الغرض من بينية التفريع. اهـ.
قال الفخر:
أما قوله تعالى: {فادرأتم فِيهَا} ففيه وجوه:
أحدها: اختلفتم واختصمتم في شأنها لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضًا أي يدافعه ويزاحمه.
وثانيها: {أدارأتم} ينفي كل واحد منكم القتل عن نفسه ويضيفه إلى غيره.
وثالثها: دفع بعضكم بعضًا عن البراءة والتهمة، وجملة القول فيه أن الدرء هو الدفع.
فالمتخاصمون إذا تخاصموا فقد دفع كل واحد منهم عن نفسه تلك التهمة، ودفع كل واحد منهم حجة صاحبه عن تلك الفعلة، ودفع كل واحد منهم حجة صاحبه في إسناد تلك التهمة إلى غيره وحجة صاحبه في براءته عنه، قال القفال: والكناية في (فيها) للنفس، أي فاختلفتم في النفس ويحتمل في القتلة لأن قوله: {قُتِلْتُمْ} يدل على المصدر. اهـ.

.قال الألوسي:

{وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا} أي شخصًا أو ذا نفس، ونسبة القتل إلى المخاطبين لوجوده فيهم على طريقة العرب في نسبة الأشياء إلى القبيلة إذا وجد من بعضها ما يذم به أو يمدح، وقول بعضهم: إنه لا يحسن إسناد فعل أو قول صدر عن البعض إلى الكل إلا إذا صدر عنه بمظاهرتهم أو رضا منهم غير مسلم، نعم لابد لإسناده إلى الكل من نكتة ما، ولعلها هنا الإشارة إلى أن الكل بحيث لا يبعد صدور القتل منهم لمزيد حرصهم وكثرة طمعهم وعظم جرأتهم:
فهم كأصابع الكفين طبعا
وكل منهم طمع جسور

وقيل: إن القاتل جمع وهم ورثة المقتول، وقد روي أنهم اجتمعوا على قتله؛ ولهذا نسب القتل إلى الجمع {وَأَنزَلْنَا فِيهَا} أصله تدارأتم من الدرء وهو الدفع فاجتمعت التاء والدال مع تقارب مخرجيهما وأريد الإدغام فقلبت التاء دالًا وسكنت للإدغام فاجتلبت همزة الوصل للتوصل إلى الإبتداء بها، وهذا مطرد في كل فعل على تفاعل أو تفعل فاؤه تاء أو طاء، أو ظاء، أو صاد، أو ضاد والتدارؤ هنا إما مجاز عن الاختلاف والاختصام، أو كناية عنه إذ المتخاصمان يدفع كل منهما الآخر، أو مستعمل في حقيقته أعني التدافع بأن طرح قتلها كل عن نفسه إلى صاحبه فكل منهما من حيث إنه مطروح عليه يدفع الآخر من حيث إنه طارح، وقيل: إن طرح القتل في نفسه نفس دفع الصاحب وكل من الطارحين دافع فتطارحهما تدافع، وقيل: إن كلًا منهما يدفع الآخر عن البراءة إلى التهمة فإذا قال أحدهما: أنا بريء وأنت متهم يقول الآخر: بل أنت المتهم وأنا البريء، ولا يخفى أن ما ذكر على كل ما فيه بالمجاز أليق، ولهذا عد ذلك أبو حيان من المجاز، والضمير في {فِيهَا} عائد على النفس، وقيل: على القتلة المفهومة من الفعل، وقيل: على التهمة الدال عليها معنى الكلام، وقرأ أبو حيوة {فتدارأتم} على الأصل، وقيل: قرأ هو وأبو السوار فادرأتم بغير ألف قبل الراء، وإن طائفة أخرى قرءوا فتدارأتم. اهـ.

.قال الفخر:

أما قوله تعالى: {والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} أي مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل.
فإن قيل: كيف أعمل {مخرج} وهو في معنى المضي؟ قلنا: قد حكى ما كان مستقبلًا في وقت التدارء كما حكى الحاضر في قوله: {باسط ذِرَاعَيْهِ} [الكهف: 18] وهذه الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما {ادارأتم}، {فقلنا}. اهـ.

.قال الألوسي:

{والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} أي مظهر لا محالة ما كنتم تكتمونه من أمر القتيل، والقاتل كما يشير إليه بناء الجملة الاسمية وبناء اسم الفاعل على المبتدأ المفيد لتأكيد الحكم وتقويه وذلك بطريق التفضل عندنا والوجوب عند المعتزلة وتقدير المتعلق خاصًا هو ما عليه الجمهور، وقيل: يجوز أن يكون عامًا في القتيل وغيره، ويكون القتيل من جملة أفراده، وفيه نظر إذ ليس كل ما كتموه عن الناس أظهره الله تعالى، وأعمل {مُخْرَجَ} لأنه مستقبل بالنسبة للحكم الذي قبله، وهو التدارؤ ومضيه الآن لا يضر والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار.
وفي البحر إن كان للدلالة على تقدم الكتمان. اهـ.

.قال الفخر:

قالت المعتزلة قوله: {والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} أي لابد وأن يفعل ذلك وإنما حكم بأنه لابد وأن يفعل ذلك، لأن الاختلاف والتنازع في باب القتل يكون سببًا للفتن والفساد والله لا يحب الفساد فلأجل هذا قال: لابد وأن يزيل هذا الكتمان ليزول ذلك الفساد، فدل ذلك على أنه سبحانه لا يريد الفساد ولا يرضى به ولا يخلقه. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادارأتم فِيهَا} هذا الكلام مقدّم على أوّل القصة، التقدير: وإذ قتلتم نفسًا فادارأتم فيها: فقال موسى: إن الله يأمركم بكذا.
وهذا كقوله: {الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّمًا} [الكهف: 1] أي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ قَيِّمًا وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا؛ ومثله كثير، وقد بيّناه أوّل القصة.
وفي سبب قتله قولان: أحدهما: لابنة له حسناء أحب أن يتزوجها ابن عَمّها فمنعه عَمُّه؛ فقتله وحمله من قريته إلى قرية أخرى فألقاه هناك.
وقيل: ألقاه بين قريتين.
الثاني: قتله طلبًا لميراثه، فإنه كان فقيرًا وادعى قتله على بعض الأسباط.
قال عِكرمة: كان لبني إسرائيل مسجد له اثنا عشر بابًا لكل باب قوم يدخلون منه، فوجدوا قتيلًا في سِبط من الأسباط، فادّعى هؤلاء على هؤلاء، وادعى هؤلاء على هؤلاء، ثم أتوا موسى يختصمون إليه فقال: {إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} الآية.
ومعنى {فادارأتم}: اختلفتم وتنازعتم؛ قاله مجاهد.
وأصله تدارأتم ثم أدغمت التاء في الدال؛ ولا يجوز الابتداء بالمدغم؛ لأنه ساكن فزيد ألف الوصل.
{والله مُخْرِجٌ} ابتداء وخبر.
{مَّا كُنْتُمْ} في موضع نصب بـ{مُخْرِج}؛ ويجوز حذف التنوين على الإضافة.
{تَكْتُمُونَ} جملة في موضع خبر كان، والعائد محذوف؛ التقدير تكتمونه.
وعلى القول بأنه قتله طلبًا لميراثه لم يَرِث قاتلُ عمدٍ من حينئذ؛ قاله عَبِيدة السَّلْمانِيّ.
قال ابن عباس: قَتل هذا الرجلُ عمَّه ليرثه.
قال ابن عطية: وبمثله جاء شرعنا.
وحكى مالك رحمة الله في مُوَطَّئهأن قصة أُحَيْحَة بن الجُلاَح في عَمّه هي كانت سبب ألا يَرِث قاتلٌ؛ ثم ثبّت ذلك الإسلام كما ثّبت كثيرًا من نوازل الجاهلية.
ولا خلاف بين العلماء أنه لا يَرِث قاتلُ العمدِ من الدِّية ولا من المال، إلا فرقة شذّت عن الجمهور كلهم أهل بدع.
ويرِث قاتل الخطأ من المال ولا يرث من الدّية في قول مالك والأوزاعي وأبي ثور والشافعي؛ لأنه لا يُتَّهم على أنه قتله ليرثه ويأخذ ماله.
وقال سفيان الثَّوْرِيّ وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي في قول له آخر: لا يرث القاتل عمدًا ولا خطأً شيئًا من المال ولا من الدِّية.
وهو قول شُريح وطاوس والشَّعْبيّ والنَّخَعِيّ.
ورواه الشَّعْبِيّ عن عمر وعليّ وزيد قالوا: لا يرِث القاتل عمدًا ولا خطأً شيئًا.
وروي عن مجاهد القولان جميعًا.
وقالت طائفة من البصريين: يَرِث قاتل الخطأ من الدّية ومن المال جميعًا؛ حكاه أبو عمر.
وقول مالك أصح، على ما يأتي بيانه في آية المواريث إن شاء الله تعالى. اهـ.

.قال الفخر:

الآية تدل على أنه تعالى عالم بجميع المعلومات وإلا لما قدر على إظهار ما كتموه. اهـ.

.فصل: [في ما تدل عليه الآية]:

قال الفخر:
تدل الآية على أن ما يسره العبد من خير أو شر ودام ذلك منه فإن الله سيظهره.
قال عليه الصلاة والسلام: «إن عبدًا لو أطاع الله من وراء سبعين حجابًا لأظهر الله ذلك على ألسنة الناس» وكذلك المعصية.
وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: «قل لبني إسرائيل يخفون لي أعمالهم وعلي أن أظهرها لهم». اهـ.

.فائدة: [ورود العام لإرادة الخاص]:

قال الفخر:
دلت الآية على أنه يجوز ورود العام لإرادة الخاص لأن قوله: {ما كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} يتناول كل المكتومات ثم إن الله تعالى أراد هذه الواقعة. اهـ.

.التفسير المأثور:

قال السيوطي:
{وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72)}.
أخرج عبد بن حميد وابن جريرعن مجاهد في قوله: {وإذ قتلتم نفسًا فأدّارأتم فيها} قال: اختلفتم فيها {والله مخرج ما كنتم تكتمون} قال: ما تغيبون.
وأما قوله تعالى: {والله مخرج ما كنتم تكتمون}.
أخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن المسيب بن رافع قال: ما عمل رجل حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وما عمل رجل سيئة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وتصديق ذلك كتاب الله {والله مخرج ما كنتم تكتمون}.
وأخرج أحمد والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن رجلًا عمل عملًا في صخرة صماء لا باب فيها ولا كوة خرج عمله إلى الناس كائنا ما كان».
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي عن عثمان بن عفان قال: من عمل عملًا كساه الله رداءه، وإن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.
وأخرج البيهقي من وجه آخر عن عثمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كانت له سريرة صالحة أو سيئة أظهر الله عليه منها رداء يعرف به. قال البيهقي: الموقوف أصح».
وأخرج أبو الشيخ والبيهقي وضعفه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه «من المؤمن؟قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: المؤمن الذي لا يموت حتى يملأ الله مسامعه مما يحب، ولو أن عبدًا اتقى الله في جوف بيت إلى سبعين بيتًا على كل بيت باب من حديد لألبسه الله رداء عمله حتى يتحدث به الناس ويزيدون. قالوا: وكيف يزيدون يا رسول الله؟ قال: لأن التقي لو يستطيع أن يزيد في بره لزاد. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من الكافر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: الكافر الذي لا يموت حتى يملأ الله مسامعه مما يكره، ولو أن فاجرًا فجر في جوف بيت إلى سبعين بيتًا على كل بيت باب من حديد لألبسه الله رداء عمله حتى يتحدث به الناس ويزيدون. قالوا: وكيف يزيدون يا رسول الله؟ قال: لأن الفاجر لو يستطيع أن يزيد في فجوره لزاد».
وأخرج ابن عدي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن الله مرد كل امرئ رداء عمله».
وأخرج البيهقي عن ثابت قال: كان يقال لو أن ابن آدم عمل بالخير في سبعين بيتًا لكساه الله تعالى رداء عمله حتى يعرف به.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن سعيد بن المسيب قال: الناس يعملون أعمالهم من تحت كنف الله، فإذا أراد الله بعبد فضيحة أخرجه من تحت كنفه فبدت عورته.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي إدريس الخولاني رفعه قال: لا يهتك الله عبدًا وفيه مثقال حبة من خير.
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: لو أن عبدًا اكتتم بالعبادة كما يكتتم بالفجور لأظهر الله ذلك منه. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.من لطائف القشيري في الآية:

قال عليه الرحمة:
{وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72)}.
الخائن خائف، ولخشية أن يظهر سرُّه يركن إلى التلبيس والتدليس، والإنكار والجحود ولا محالة ينكشف عوارُه، وتتضح أسرارُه، وتهتك عن شَيْنِ فعله أستارُه. قال الله تعالى: {وَاللهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}. اهـ.

.من فوائد ابن عرفة في الآية:

قال رحمه الله:
قوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا...}.
قال ابن عرفة: لِمَ نسب (القتل) إلى الجميع والقاتل إنّما هو واحد؟
قال: وأجيب بأنه راعى في ذلك من رضي (بفعله).
قال ابن عرفة: إنّما يتمّ لو كان ظاهرا بحيث علم به البعض ورضي (بالقتل) أما هذا (فهو واحد منهم)، وقد قتل واحد منهم غيلة فلم يعلم به أحد (حتى) يقال: إنّه رضي بقتله.
قال ابن عرفة: وإنما الجواب أنه جمعهم باعتبار الدعوى لأن المتهم (بالقتل) ينفيه عن نفسه ويدعيه (على) غيره وذلك الغير ينفيه أيضا عن نفسه ويدعيه (عليه).
قال الزمخشري: (خوطبوا مخاطبة) الجماعة لوجود القتل فيهم.
قال: فإن قلت: لم يذكر القصة (على ترتيبها)؟ فهلا قدم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها؟ ثم قال: هلاّ قدم الأمر بالقتل ثم الذبح ثم الضرب؟
قال ابن عرفة: ظاهر كلامه هذا (متناقض) لأنه قال: الأولى بتقديم الضرب ثم رجع إلى أنّ الأولى تقديم الذّبح ولكن جوابه أنّ الأمر بالذبح (متقدم) على الذبح. انتهى.
قوله تعالى: {والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ}.
لم يقل: ما كنتم تجحدون، لأن الجاحد للشيء المنكر له قد يكون على الحق فيكون موافقا لظاهره بخلاف الكاتم (فإن) باطنه مخالف لظاهره فهو على الباطل بلا شك.
قال الفخر الرازي: يؤخذ من عمومه أنّ الله تعالى يظهر جميع الأشياء من الخير والشر.
قال ابن عرفة: يلزم عليه (الخلف) في الخبر لأن الله تعالى يستر على العبيد كثيرا من المعاصي.
قال الرازي: هو عام مخصوص لأن المراد ما كنتم تكتمون من أمر القتل، واحتج بها الفقهاء في قول القتيل: (دمي) عند فلان، إنّه (لَوْثٌ) يوجب القسامة.
قال ابن رشد في المقدمات في كتاب القسامة: قول الميّت: دمي عن فلان، لم يختلف قول الإمام مالك: إنه لوث في العمد يوجب القسامة والقَوَد عدلا أو مسخوطا.
(وخالفه) الجمهور، وحجة الإمام مالك رضي الله عنه هذه الآية، وأبطله ابن عبد البرّ بأن هذه الآية (معجزة لنبي وآية له فلا يصح الاستدلال بها).
وأجاب ابن رشد: بأن الآية إنما كانت في الإحياء، وأما في قوله بعد أن حيى: فلان قتلني، فليس فيه آية.
وقد كان الله قادرا على أن يحيي غيره من الأموات فيقول: إن فلانا قتل فلانا.
قلت: ورده ابن عرفة بأن موسى عليه السلام أخبرهم أن الميت يحيا ويخبرهم بمن قتله فكان الأمر كذلك فكلا الأمرين آية.
وقد قال الأصوليون (إذا) قال النبي: دليل صدقي أن هذا الميّت يحيا (فصار حيا).
وقال: هذا الرجل كاذب.
فقال القاضي أبو بكر الباقلاني: (إنّ) ذلك دليل على كذبه.
وقال الإمام لا يكون دليلا على كذبه.
قالوا: وأمّا إن قال: دليل صدقي أن هذا الميت يحيا ويقول لكم: إني صادق، (فيحيا) فيقول: إنه صادق، فلا خوف بينهم أنه دليل على صدقة.
فكذلك هذا (هو) معجزة (بلا) شك، فهو خاص بهذه القضية لا يصحّ القياس عليه.
وجعل الفقهاء وجود القتيل في محلة قوم لوثا يوجب القسامة.
وكانوا يحكون أن مسجد الشماسين بتونس كان دار لبعض الموحدين وبجواره قوم لهم ولد صغير يجلس على باب الدار بكسوة رفيعة ففقدوه، فبحثوا عليه فوجدوه ميتا بمطمور تلك الدار، فرأوا ذلك لوثا فعوقب الموحد وهدمت داره وبنيت مسجدا. اهـ.

.من فوائد أبي حيان في الآية:

قال رحمه الله:
{وإذ قتلتم نفسًا}: معطوف على قوله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه} ويجوز أن يكون ترتيب وجودهما ونزولهما على حسب تلاوتهما، فيكون الله تعالى قد أمرهم بذبح البقرة، فذبحوها وهم لا يعلمون بما له تعالى فيها من السر، ثم وقع بعد ذلك أمر القتيل، فأظهر لهم ما كان أخفاه عنهم من الحكمة بقوله: اضربوه ببعضها، ولا شيء يضطرنا إلى اعتقاد تقدم قتل القتيل.
ثم سألوا عن تعيين قاتله، إذ كانوا قد اختلفوا في ذلك، فأمرهم الله تعالى بذبح بقرة، فيكون الأمر بالذبح متقدّمًا في النزول، والتلاوة متأخرًا في الوجود، ويكون قتل القتيل متأخرًا في النزول، والتلاوة متقدّمًا في الوجود، ولا إلى اعتقاد كون الأمر بالذبح وما بعده مؤخرًا في النزول، متقدّمًا في التلاوة، والإخبار عن قتلهم مقدّمًا في النزول، متأخرًا في التلاوة، دون تعرض لزمان وجود القصتين.
وإنما حمل من حمل على خلاف الظاهر، اعتبار ما رووا من القصص الذي لا يصح، إذ لم يرد به كتاب ولا سنة، ومتى أمكن حمل الشيء على ظاهره كان أولى، إذ العدول عن الظاهر إلى غير الظاهر، إنما يكون لمرجح، ولا مرجح، بل تظهر الحكمة البالغة في تكليفهم أولًا ذبح بقرة.
هل يمتثلون ذلك أم لا؟ وامتثال التكاليف التي لا يظهر فيها ببادئ الرأي حكمة أعظم من امتثال ما تظهر فيه حكمة، لأنها طواعية صرف، وعبودية محضة، واستسلام خالص، بخلاف ما تظهر له حكمة، فإن في العقل داعية إلى امتثاله، وحضًا على العمل به.
وقال صاحب المنتخب: إن وقوع ذلك القتيل لابد أن يكون متقدّمًا لأمره تعالى بالذبح، فأما الإخبار عن وقوع ذلك القتيل، وعن أنه لابد أن يضرب القتيل ببعض تلك البقرة، فلا يجب أن يكون متقدّمًا على الإخبار عن قصة البقرة.
فقول من يقول: هذه القصة يجب أن تكون متقدمة على الأولى خطأ، لأن هذه القصة في نفسها يجب أن تكون متقدّمة على الأولى في الوجود.
فأما التقديم في الذكر فغير واجب، لأنه تارة يقدّم ذكر السبب على ذكر الحكم، وأخرى على العكس من ذلك، فكأنه لما وقعت لهم تلك الواقعة أمرهم بذبح البقرة، فلما ذبحوها قال: {وإذ قتلتم نفسًا} من قبل واختلفتم فإني مظهر لكم القاتل الذي سترتموه، بأن يضرب القتيل ببعض هذه البقرة المذبوحة.
وتقدّمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل، لأنه لو عكس، لما كانت قصة واحدة، ولذهب الغرض في تثنية التقريع.
انتهى كلامه، وهو مبني على أن القتل وقع أولًا، ثم أمروا بعد ذلك بذبح البقرة، وليس له دليل على ذلك إلا نقل شيء من القصص التي لم تثبت في كتاب ولا سنة.
وقد بينا حمل الآيتين على أن الأمر بالذبح يكون متقدّمًا وأن القتل تأخر، كحالهما في التلاوة.
وقال بعض الناس: التقديم والتأخير حسن، لأن ذلك موجود في القرآن، في الجمل، وفي الكلمات، وفي كلام العرب.
وأورد من ذلك جملًا، من ذلك: قصة نوح عليه السلام في إهلاك قومه، وقوله: {وقال اركبوا فيها} وفي حكم من مات عنها زوجها بالتربص بالأربعة الأشهر وعشر، وبمتاع إلى الحول، إذ الناسخ مقدّم، والمنسوخ متأخر.
وذكر من تقديم الكلمات في القرآن والشعر على زعمه كثيرًا، والتقديم والتأخير، ذكر أصحابنا أنه من الضرائر، فينبغي أن ينزه القرآن عنه.
ونسبة القتيل إلى جمع، إما لأن القاتلين جمع، وهم ورثة المقتول، وقد نقل أنهم اجتمعوا على قتله، أو لأن القاتل واحد، ونسب ذلك إليهم لوجود ذلك فيهم، على طريقة العرب في نسبة الأشياء إلى القبيلة، إذا وجد من بعضها ما يذم به أو يمدح.
{فادّارأتم فيها} قرأ الجمهور: بالإدغام وقرأ أبو حيوة؛ فتدارأتم، على وزن تفاعلتم، وهو الأصل، هكذا نقل بعض من جمع في التفسير.
وقال ابن عطية: قرأ أبو حيوة، وأبو السوار الغنوي: {وإذ قتلتم نفسًا فادّرأتم}، وقرأت فرقة: فتدارأتم على الأصل. انتهى كلامه.
ونقل من جمع في التفسير أن أبا السوار قرأ: فدرأتم، بغير ألف قبل الراء.
ويحتمل هذا التدارؤ، وهو التدافع، أن يكون حقيقة، وهو أن يدفع بعضهم بعضًا بالأيدي، لشدة الاختصام.
ويحتمل المجاز، بأن يكون بعضهم طرح قتله على بعض، فدفع المطروح عليه ذلك إلى الطارح، أو بأن دف بعضهم بعضًا بالتهمة والبراءة.
والضمير في: فيها عائد على النفس، وهو ظاهر، وقيل: على القتلة، فيعود على المصدر المفهوم من الفعل، وقيل: على التهمة، فيعود على ما دل عليه معنى الكلام.
{والله مخرج ما كنتم تكتمون}، ما: منصوب باسم الفاعل، وهو موصول معهود، فلذلك أتى باسم الفاعل لأنه يدل على الثبوت، ولم يأت بالفعل الذي هو دال على التجدد والتكرار، ولا تكرار، إذ لا تجدد فيه، لأنها قصة واحدة معروفة، فلذلك، والله أعلم، لم يأت الفعل.
وجاء اسم الفاعل معملًا، ولم يضف، وإن كان من حيث المعنى ماضيًا، لأنه حكى ما كان مستقبلًا وقت التدارؤ، وذلك مثل ما حكى الحال في قوله تعالى: {وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد} ودخلت كان هنا ليدل على تقدم الكتمان، والعائد على ما محذوف تقديره: ما كنتم تكتمونه.
والظاهر أن المعنى ما كنتم تكتمون من أمر القتيل وقاتله، وعلى هذا ذهب الجمهور.
وقيل: يجوز أن يكون عامًا في القتيل وغيره، فيكون القتيل من جملة أفراده، وفي ذلك نظر، إذ ليس كل ما كتموه عن الناس أظهره الله تعالى. اهـ.

.من فوائد ابن عاشور في الآية:

قال رحمه الله:
{وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72)}.
تصديره بإذ على طريقة حكاية ما سبق من تعداد النعم والألطاف ومقابلتهم إياها بالكفران والاستخفاف يومئ إلى أن هذه قصة غير قصة الذبح ولكنها حدثت عقب الأمر بالذبح لإظهار شيء من حكمة ذلك الأمر الذي أظهروا استنكاره عند سماعه إذ قالوا {أتتخذنا هزؤًا} [البقرة: 67] وفي ذلك إظهار معجزة لموسى.
وقد قيل إن ما حكى في هذه الآية هو أول القصة وإن ما تقدم هو آخرها، وذكروا للتقديم نكتة تقدم القول في بيانها وتوهينها.
وليس فيما رأيت من كتب اليهودما يشير إلى هذه القصة فلعلها مما أدمج في قصة البقرة المتقدمة لم تتعرض السورة لذكرها لأنها كانت معجزة لموسى عليه السلام ولم تكن تشريعًا بعده.
وأشار قوله: {قتلتم} إلى وقوع قتل فيهم وهي طريقة القرآن في إسناد أفعال البعض إلى الجميع جريًا على طريقة العرب في قولهم: قتلت بنو فلان فلانًا، قال النابغة يذكر بني حُنّ:
وهم قتلوا الطائي بالجو عنوة
أباجابر واستنكحوا أم جابر

وذلك أن نفرًا من اليهود قتلوا ابن عمهم الوحيد ليرثوا عمهم وطرحوه في محلة قوم وجاءوا موسى يطالبون بدم ابن عمهم بهتانًا وأنكر المتهمون فأمره الله بأن يضرب القتيل ببعض تلك البقرة فينطق ويخبر بقاتله، والنفس الواحد من الناس لأنه صاحب نفس أي روح وتنفس وهي مأخوذة من التنفس وفي الحديث «ما من نفس منفوسة» ولإشعارها بمعنى التنفس اختلف في جواز إطلاق النفس على الله وإضافتها إلى الله فقيل يجوز لقوله تعالى حكاية عن كلام عيسى: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} [المائدة: 116] ولقوله في الحديث القدسي: «وإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي» وقيل: لا يجوز إلا للمشاكلة كما في الآية والحديث القدسي والظاهر الجواز ولا عبرة بأصل مأخذ الكلمة من التنفس فالنفس الذات قال تعالى: {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها} [النحل: 111].
وتطلق النفس على روح الإنسان وإدراكه ومنه قوله تعالى: {تعلم ما في نفسي} وقول العرب قلت في نفسي أي في تفكري دون قول لفظي، ومنه إطلاق العلماء الكلام النفسي على المعاني التي في عقل المتكلم التي يعبر عنها باللفظ.
و{ادَّارأْتم} افتعال، وادارأتم أصله تدارأتم تفاعل من الدرء وهو الدفع لأن كل فريق يدفع الجناية عن نفسه فلما أريد إدغام التاء في الدال على قاعدة تاء الافتعال مع الدال والذال جلبت همزة الوصل لتيسير التسكين للإدغام.
وقوله: {والله مخرج} جملة حالية من {ادارأتم} أي تدارأتم في حال أن الله سيخرج ما كتمتموه فاسم الفاعل فيه للمستقبل باعتبار عامله وهو {ادارأتم}.
والخطاب هنا على نحو الخطاب في الآيات السابقة المبني على تنزيل المخاطبين منزلة أسلافهم لحمل تبعتهم عليهم بناءً على ما تقرر من أن خُلُقَ السلف يسري إلى الخلف كما بيناه فيما مضى وسنبينه إن شاء الله تعالى عند قوله: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم} [البقرة: 75].
وإنما تعلقت إرادة الله تعالى بكشف حال قاتلي هذا القتيل مع أن دمه ليس بأول دم طل في الأمم إكرامًا لموسى عليه السلام أن يضيع دم في قومه وهو بين أظهرهم وبمرأى منه ومسمع لاسيما وقد قصد القاتلون استغفال موسى ودبروا المكيدة في إظهارهم المطالبة بدمه فلو لم يظهر الله تعالى هذا الدم في أمة لضعف يقينها برسولها ولكان ذلك مما يزيدهم شكًا في صدقه فينقلبوا كافرين فكان إظهار هذا الدم كرامة لموسى ورحمة بالأمة لئلا تضل فلا يشكل عليكم أنه قد ضاع دم في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم كما في حديث حويصة ومحيصة الآتي لظهور الفرق بين الحالين بانتفاء تدبير المكيدة وانتفاء شك الأمة في رسولها وهي خير أمة أخرجت للناس. اهـ.

.من فوائد الشعراوي في الآية:

قال رحمه الله:
{وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72)}.
قصة القتيل هي أن رجلا ثريا من بني إسرائيل لم يكن له ولد يرثه.. وكان له أقارب كل منهم يريد أن يستأثر بأموال هذا الرجل.. والمال والذهب هما حياة بني إسرائيل.. فتآمر على هذا الرجل الثري ابن أخيه فقتله ليرثه ويستولي على أمواله.. ولكنه أراد أن يبعد التهمة عن نفسه فحمل الجثة وألقاها على باب قرية مجاورة ليتهم أهلها بقتل الثري.. وفي الصباح قام أهل القرية ووجدوا جثة الثري أمام قريتهم.. ووجدوه غريبا عن القرية فسألوا من هو؟ حتى وصلوا إلى ابن أخيه.. فتجمع أهل القتيل واتهموهم بقتله.. وكان أشدهم تحمسا في الاتهام القاتل ابن أخيه.
وقوله تعالى: {فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} الدرأ هو الشيء حين يجئ إليك وكل واحد ينفيه عن نفسه.. إدارأتم أي أن كلا منكم يريد أن يدفع الجريمة عن نفسه فكل واحد يقول لست أنا.
وليس من الضروري أن يتهم أحد آخر غيره.. المهم أن يدفعها عن نفسه.
ولقد حاول أهل القريتين.. قرية القتيل، والقرية التي وجدت أمامها الجثة. أن يدفع كل منهما شبهة الجريمة عن نفسه وربما يتهم بها الآخر.. ولم يكن هناك دليل دامغ يرجح اتهاما محددا. بل كانت الأدلة ضائعة ولذلك استحال توجيه اتهام لشخص دون آخر أو لقرية دون أخرى.
وكان التشريع في ذلك الوقت ينص على أنه إذا وجد قتيل على باب قرية ولم يستدل على قاتله.. فإن قرية القتيل وأهله يأخذون خمسين رجلا من أعيان القرية التي وجدت بجوارها الجثة.. فيلقوا اليمين بأنهم ما قتلوه.. ولا علموا قاتله.. وإذا كان الأعيان والأكابر أقل من خمسين رجلا.. تكررت الأيْمان حتى تصير خمسين يمينا.. فيحلفون أنهم ما قتلوه ولا يعرفون قاتله.. عندما يتحمل بيت المال دية القتيل.
ولكن الله كان يريد شيئا آخر.. يريد أن يرد بهذه الجريمة على جحود بني إسرائيل باليوم الآخر.. ويجعل الميت يقف أمامهم وينطق اسم قاتله.. ويجعلهم يرون البعث وهم أحياء.. ولذلك قال سبحانه وتعالى: {وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}.. أي أن بني إسرائيل أو أولئك الذين ارتكبوا الجريمة دبروها على أن تبقى في طي الكتمان فلا يعلم أحد عنها شيئا.. ولذلك جاء الشاب وقتل عمه دون أن يراه أحد.. ثم حمل الجثة خفية في ظلام الليل وخرج بها فلم يلتفت أحد إليه.. ثم ذهب إلى قرية مجاورة وألقى بالجثة على باب القرية وأهلها نائمون وانصرف عائدا.
كانت كل هذه الخطوات في رأيه ستجعل الجريمة غامضة لا تنكشف أبدا ولا يعرف سرها أحد. ولكن الله تبارك وتعالى أراد غير ذلك.. أراد أن يكشف الجريمة بطريقة لا تحتمل الجدل، وفي نفس الوقت يرد على جحود بني إسرائيل للبعث.. بأن يريهم البعث وهم أحياء. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال ابن عادل:
{فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} فعل وفاعل، والفاء للسببية؛ لأن التَّدَارُؤَ كان مسببًا عن القتل، ونَسَبض القتل إلى الجميع، وإن لم يصدر إلا من واحد أو اثنين كما قيل؛ لأنه وُجِد فيهم وهو مجاز شائع.
وأصل {ادّارأتم}: تدارأتم تَفَاعلتم من الدَّرْء هو الدّفع، فاجتمعت التاء مع الدال وهي مُقارِبتها، فأريد الإدغام فقلبت التاء دالًا، وسكنت لأجل الإدغام، ولا يمكن الابتداء بساكن، فاجتلبت همزة الوصل ليبتدأ بها فبقي {ادارأتم}، والأصل ادْدَارأتم فأدغم، وهذا مطرد في كل فعل على تفاعل أو تفعّل فاؤه دال نحو: "تَدَايَنَ وادَّايَنَ، وتَدَيَّنَ وأدِّيَنَ" أو طاء، أو ظاء، أو صادًا، أو ضادًا نحو: "تطاير واطَّايَر" وتطير واطّير وتظاهر واظَّاهر، وتطهر واطَّهَّر، والمصدر على التفاعل أو التفعّل نحو: تَدَارُؤ وتَطَهُّر نظرًا إلى الأصل.
وهذا أصل نافع في جميع الأبواب.
معنى: {ادرأتم}: اختلفتم واختصمتم في شأنها.
وقيل: تدافعتم أي كل واحد ينفي القتل عن نفسه ويضيفه إلى غيره.
والكناية في قوله: {فيها} للنفس.
وقال القفال: ويحتمل إلى القتلة؛ لأن قوله: {قتلتم} يدل على المصدر.
قوله: {والله مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} الله رفع بالابتداء و{مخرج} خبره، و{ما} موصولة منصوبة المحل باسم الفاعل.
فإن قيل: اسم الفاعل لا يعمل بمعنى الماضي إلا محلّى بالألف واللام، فالجواب: أن هذه حكاية حال ماضية، واسم الفاعل فيها غير ماض وهذا كقوله تعالى: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوصيد} [الكهف: 18].
والكسائي يُعْمِله مطلقًا، ويستدل بهذا ونحوه.
و{ما} يجوز أن تكون موصولة اسمية، فلابد من عائد، تقديره: مخرج الذي كنتم تكتمونه، ويجوز أن تكون مصدرية، والمصدر واقع موضع المفعول به، أي: مخرج مكتومكم وهذه الجملة لا محلّ لها من الاعراب؛ لأنها معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه وهما: {فَادَّارَأْتُمْ} وقوله: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ} قاله الزمخشري. اهـ.

.تفسير الآية رقم (73):

قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
{فقلنا} أي بما لنا من العظمة {اضربوه} وأضمر ذكر البقرة ولم يظهر دلالة على اتحاد هذا الشق الأول من القصة الذي جعل ثانيًا بالشق الذي قبله في أنهما قصة واحدة فقال: {ببعضها} قال الإمام أبو علي الفارسي في كتاب الحجة: قلنا اضربوا المقتول ببعض البقرة فضربوه به فحيي، يعني والدليل على هذا المحذوف قوله: {كذلك} أي مثل هذا الإحياء العظيم على هذه الهيئة الغريبة {يحيي الله} أي الذي له صفات الكمال {الموتى} مثل هذا الإحياء الذي عوين وشوهد. انتهى.
روي أنهم لما ضربوه قام وقال: قتلني فلان وفلان لابني عمه ثم سقط ميتًا فأخدا وقتلا ولم يورّث قاتل بعد ذلك؛ وهذه الخارقة كما أَخْبَرَ نَبِيَّنا صلى الله عليه وسلم ذراعُ الشاة المسمومة بأنه مسموم لما سمته اليهودية التي كانت في قومها هذه الآية، وجعل هذا التنبيه على البعث في قصصهم، لأنه من أعظم الأدلة عليه، وقد وقع منهم ما ساغ معه عدهم منكرين وهو قولهم للمشركين: دينكم خير من دين محمد، أو أن هذا تنبيه مقصود به حث العرب على سؤال من استنصحوهم في السؤال عن النبي صلى الله عليه وسلم لكونهم أهل العلم الأول، فهو ملزِم لهم باعتقاد البعث أو اعتقاد كذب اليهود، وعبر بالاسم العلم لأن الإحياء من أخص الآيات بصفة الإلهية كما أن الإرزاق أخص الآيات بالربوبية {ويريكم آياته} فيما يشهد بصحته {لعلكم تعقلون} أي لتكونوا برؤية تلك الآيات الشاهدة له على رجاء من أن يحصل لكم عقل فيرشدكم إلى اعتقاد البعث وغيره مما تخبر به الرسل عن الله تعالى. اهـ.

.من أقوال المفسرين في قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا}:

.قال الفخر:

المروي عن ابن عباس أن صاحب بقرة بني إسرائيل طلبها أربعين سنة حتى وجدها، ثم ذبحت إلا أن هذه الرواية على خلاف ظاهر القرآن لأن الفاء في قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا} للتعقيب، وذلك يدل على أن قوله: {اضربوه بِبَعْضِهَا} حصل عقيب قوله تعالى: {إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً}. اهـ.

.فائدة: [الهاء في قوله تعالى: {اضربوه}]:

قال الفخر:
الهاء في قوله تعالى: {اضربوه} ضمير وهو إما أن يرجع إلى النفس وحينئذ يكون التذكير على تأويل الشخص والإنسان وإما إلى القتيل وهو الذي دل عليه قوله: {مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ}. اهـ.

.فائدة: [في الأمر بذبح البقرة]:

قال الفخر:
يجوز أن يكون الله تعالى إنما أمر بذبح البقرة، لأنه تعلق بذبحها مصلحة لا تحصل إلا بذبحها ويجوز أن يكون الحال فيها وفي غيرها على السوية والأقرب هو الأول، لأنه لو قام غيرها مقامها لما وجبت على التعيين، بل على التخير بينها وبين غيرها. اهـ.
سؤالان:
السؤال الأول: ما الفائدة في ضرب المقتول ببعض البقرة مع أن الله تعالى قادر على أن يحييه ابتداء؟
الجواب: الفائدة فيه لتكون الحجة أوكد وعن الحيلة أبعد فقد كان يجوز لملحد أن يوهم أن موسى عليه السلام إنما أحياه بضرب من السحر والحيلة، فإنه إذا حيي عندما يضرب بقطعة من البقرة المذبوحة انتفت الشبهة في أنه لم يحي بشيء انتقل إليه من الجسم الذي ضرب به، إذا كان ذلك إنما حيي بفعل فعلوه هم، فدل ذلك على أن إعلام الأنبياء إنما يكون من عند الله لا بتمويه من العباد وأيضًا فتقديم القربان مما يعظم أمر القربان.
السؤال الثاني: هلا أمر بذبح غير البقرة؟
وأجابوا بأن الكلام في غيرها لو أمروا به كالكلام فيه، ثم ذكروا فيها فوائد، منها التقرب بالقربان الذي كانت العادة به جارية ولأن هذا القربان كان عندهم من أعظم القرابين ولما فيه من مزيد الثواب لتحمل الكلفة في تحصيل هذه البقرة على غلاء ثمنها، ولما فيه من حصول المال العظيم لمالك البقرة. اهـ.

.فصل: [البعض الذي ضرب به قتيل بني إسرائيل]:

قال الفخر:
اختلفوا في أن ذلك البعض الذي ضربوا القتيل به ما هو؟ والأقرب أنهم كانوا مخيرين في أبعاض البقرة لأنهم أمروا بضرب القتيل ببعض البقرة وأي بعض من أبعاض البقرة ضربوا القتيل به، فإنهم كانوا ممتثلين لمقتضى قوله: {اضربوه بِبَعْضِهَا} والإتيان بالمأمور به يدل على الخروج عن العهدة على ما ثبت في أصول الفقه، وذلك يقتضي التخيير.
واختلفوا في البعض الذي ضرب به القتيل فقيل: لسانها وقيل: فخذها اليمنى وقيل: ذنبها وقيل: العظم الذي يلى الغضروف وهو أصل الآذان، وقيل: البضعة بين الكتفين، ولا شك أن القرآن لا يدل عليه فإن ورد خبر صحيح قبل وإلا وجب السكوت عنه. اهـ.

.فائدة: [تقدير الكلام في قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا}]:

قال الفخر:
في الكلام محذوف والتقدير، فقلنا اضربوه ببعضها فضربوه ببعضها فحيي إلا أنه حذف ذلك لدلالة قوله تعالى: {كذلك يُحْيِ الله الموتى} وعليه هو كقوله تعالى: {اضرب بّعَصَاكَ الحجر فانفجرت} [البقرة: 60] أي فضرب فانفجرت، روي أنهم لما ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دمًا، وقال قتلني فلان، وفلان لابني عمه ثم سقط ميتًا: وقتلًا. اهـ.

.قال الألوسي:

{فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا} عطف على قوله تعالى: {فادرأتم} [البقرة: 72] وما بينهما اعتراض يفيد أن كتمان القاتل لا ينفعه، وقيل: حال أي والحال أنكم تعلمون ذلك.
والهاء في {اضربوه} عائد على النفس بناء على تذكيرها إذ فيها التأنيث وهو الأشهر والتذكير، أو على تأويل الشخص أو القتيل، أو على أن الكلام على حذف مضاف أي ذا نفس، وبعد الحذف أقيم المضاف إليه مقامه، وقيل: الأظهر أن التذكير لتذكير المعنى، وإذا كان اللفظ مذكرًا والمعنى مؤنثًا أو بالعكس فوجهان، وذكر هذا الضمير مع سبق التأنيث تفننًا أو تمييزًا بين هذا الضمير والضمير الذي بعده توضيحًا، والظاهر أن المراد بالبعض أي بعض كان إذ لا فائدة في تعينه ولم يرد به نقل صحيح واختلف بم ضربوه فقيل: بلسانها أو بأصغريها أو بفخذها اليمنى أو بذنبها أو بالغضروف أو بالعظم الذي يليه أو بالبضعة التي بين الكتفين أو بالعجب أو بعظم من عظامها، ونقل أن الضرب كان على جيد القتيل، وذلك قبل دفنه، ومن قال: إنهم مكثوا في تطلبها أربعين سنة أو أنهم أمروا بطلبها ولم تكن في صلب ولا رحم قال: إن الضرب على القبر بعد الدفن، والأظهر أنه المباشر بالضرب لا القبر، وفي بعض الآثار أنه قام وأوداجه تشخب دمًا؛ فقال: قتلني ابن أخي، وفي رواية فلان وفلان لابني عمه ثم سقط ميتًا فأخذا وقتلا وما ورث قاتل بعد ذلك، وفي بعض القصص أن القاتل حلف بالله تعالى ما قتلته فكذب بالحق بعد معاينته قال الماوردي: وإنما كان الضرب بميت لا حياة فيه لئلا يلتبس على ذي شبهة أن الحياة إنما انقلبت إليه مما ضرب به فلازالة الشبهة وتأكد الحجة كان ذلك. اهـ.

.من أقوال المفسرين في قوله تعالى: {كذلك يُحْيِ الله الموتى}:

.قال الفخر:

في هذه الآية وجهان:
أحدهما: أن يكون إشارة إلى نفس ذلك الميت.
والثاني: أنه احتجاج في صحة الإعادة، ثم هذا الاحتجاج أهو على المشركين أو على غيرهم؟ فيه وجهان.
الأول: قال الأصم: إنه على المشركين لأنه إن ظهر لهم بالتواتر أن هذا الإحياء قد كان على هذا الوجه علموا صحة الإعادة، وإن لم يظهر ذلك بالتواتر فإنه يكون داعية لهم إلى التفكر.
قال القاضي: وهذا هو الأقرب لأنه تقدم منه تعالى ذكر الأمر بالضرب وأنه سبب إحياء ذلك الميت، ثم قال: {كذلك يُحْيِ الله الموتى} فجمع {الموتى} ولو كان المراد ذلك القتيل لما جمع في القول فكأنه قال: دل بذلك على أن الإعادة كالابتداء في قدرته.
الثاني: قال القفال: ظاهر الكلام يدل على أن الله تعالى قال لبني إسرائيل: إحياء الله تعالى لسائر الموتى يكون مثل هذا الإحياء الذي شاهدتم، لأنهم وإن كانوا مؤمنين بذلك إلا أنهم لم يؤمنوا به إلا من طريق الاستدلال ولم يشاهدوا شيئًا منه، فإذا شاهدوه اطمأنت قلوبهم وانتفت عنهم الشبهة التي لا يخلو منها المستدل، وقد قال إبراهيم عليه السلام: {رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْيِ الموتى} إلى قوله: {لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى} [البقرة: 26] فأحيا الله تعالى لبني إسرائيل القتيل عيانًا، ثم قال لهم: {كذلك يُحْيِ الله الموتى} أي كالذي أحياه في الدنيا يحيي في الآخرة من غير احتياج في ذلك الإيجاد إلى مادة ومدة ومثال وآلة. اهـ.

.قال ابن عاشور:

وقوله: {كذلك يحي الله الموتى} الإشارة إلى محذوف للإيجاز أي فضربوه فحيي فأخبر بمن قتله أي كذلك الإحياء يحي الله الموتى فالتشبيه في التحقق وإن كانت كيفية المشبه أقوى وأعظم لأنها حياة عن عدم بخلاف هاته فالمقصد من التشبيه بيان إمكان المشبه كقول المتنبي:
فإن تفق الأنام وأنت منهم
فإن المسك بعض دم الغزال

وقوله: {كذلك يحي الله الموتى} من بقية المقول لبني إسرائيل فيتعين أن يقدر وقلنا لهم كذلك يحي الله الموتى لأن الإشارة لشيء مشاهد لهم وليس هو اعتراضًا أريد به مخاطبة الأمة الإسلامية لأنهم لم يشاهدوا ذلك الإحياء حتى يشبه به إحياء الله الموتى.
وقوله: {لعلكم تعقلون} رجاء لأن يعقلوا فلم يبلغ الظن بهم مبلغ القطع مع هذه الدلائل كلها.
وقد جرت عادة فقهائنا أن يحتجوا بهذه الآية على مشروعية اعتبار قول المقتول: دمي عند فلان موجبًا للقسامة ويجعلون الاحتجاج بها لذلك متفرعًا على الاحتجاج بشرع من قبلنا، وفي ذلك تنبيه على أن محل الاستدلال بهذه الآية على مشروعية ذلك هو أن إحياء الميت لم يقصد منه إلاَّ سماع قوله فدل على أن قول المقتول كان معتبرًا في أمر الدماء.
والتوراة قد أجملت أمر الدماء إجمالًا شديدًا في قصة ذبح البقرة التي قدمناها، نعم إن الآية لا تدل على وقوع القسامة مع قول المقتول ولكنها تدل على اعتبار قول المقتول سببًا من أسباب القصاص، ولما كان الظن بتلك الشريعة أن لا يقتل أحد بمجرد الدعوى من المطعون تعين أن هنالك شيئًا تقوى به الدعوى وهو القسامة.
وقد أورد على احتجاج المالكية بها أن هذا من خوارق العادات وهي لا تفيد أحكامًا وأجاب ابن العربي بأن المعجزة في إحياء الميت فلما حيي صار كلامه ككلام سائر الأحياء، وهو جواب لطيف لكنه غير قاطع.
والخلاف في القضاء بالقسامة إثباتًا ونفيًا وفي مقدار القضاء بها مبسوط في كتب الفقه وقد تقصاه القرطبي وليس من أغراض الآية. اهـ.

.قال الفخر:

من الناس من استدل بقوله تعالى: {كذلك يُحْيِ الله الموتى} على أن المقتول ميت وهو ضعيف لأنه تعالى قاس على إحياء ذلك القتيل إحياء الموتى، فلا يلزم من هذا كون القتيل ميتًا. اهـ.

.من أقوال المفسرين في قوله تعالى: {وَيُرِيكُمْ ءاياته}:

.سؤال: لقائل أن يقول: إن ذلك كان آية واحدة فلم سميت بالآيات؟

والجواب: أنها تدل على وجود الصانع القادر على كل المقدورات.
العالم بكل المعلومات، المختار في الإيجاد والإبداع، وعلى صدق موسى عليه السلام، وعلى براءة ساحة من لم يكن قاتلًا.
وعلى تعين تلك التهمة على من باشر ذلك القتل، فهي وإن كانت آية واحدة إلا أنها لما دلت على هذه المدلولات الكثيرة لا جرم جرت مجرى الآيات الكثيرة. اهـ.

.قال أبو حيان:

والظاهر أن الآيات جمع في اللفظ والمعنى، وهي ما أراهم من إحياء الميت، والعصا، والحجر، والغمام، والمنّ والسلوى، والسحر، والبحر، والطور، وغير ذلك.
وكانوا مع ذلك أعمى الناس قلوبًا، وأشد قسوة وتكذيبًا لنبيهم في تلك الأوقات التي شاهدوا فيها تلك العجائب والمعجزات.
وقال صاحب المنتخب: {ويريكم آياته}، وإن كانت آية واحدة، لأنها تدل على وجود الصانع القادر على كل المقدورات، العالم بكل المعلومات، المختار في الإيجاد والإبداع، وعلى صدق موسى عليه الصلاة والسلام، وعلى براءة ساحة من لم يكن قاتلًا، وعلى تعين تلك التهمة على من باشر ذلك القتل. انتهى كلامه. اهـ.

.قال أبو السعود:

{ويريكم آياته} ودلائله الدالة على أنه تعالى على كل شيء قدير، ويجوز أن يراد بالآيات هذا الإحياء، والتعبير عنه بالجمع، لاشتماله على أمور بديعة من ترتب الحياة على عضو ميت وإخباره بقاتله، وما يلابسه من الأمور الخارقة للعادة. اهـ.

.قال الألوسي:

{كذلك يُحْيِ الله الموتى} جملة اعتراضية تفيد تحقق المشبه وتيقنه بتشبيه الموعود بالموجود، والمماثلة في مطلق الإحياء، وفي الكلام حذف دلت عليه الجملة أي فضربوه فحيي، والتكلم من الله تعالى مع من حضر وقت الحياة والكاف خطاب لكل من يصح أن يخاطب ويسمع هذا الكلام لأن أمر الإحياء عظيم يقتضي الاعتناء بشأنه أن يخاطب به كل من يصح منه الاستماع فيدخل فيه أولئك دخولًا أوليًا، ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَيُرِيكُمْ} الخ ولابد على هذا من تقدير القول أي قلنا أو وقلنا لهم كذلك ليرتبط الكلام بما قبله، وقيل: حرف الخطاب مصروف إليهم، وكان الظاهر كذلكم على وفق ما بعده إلا أنه أفرده بإرادة كل واحد أو بتأويل فريق ونحوه قصدًا للتخفيف، ويحتمل أن يكون التكلم مع من حضر نزول الآية، وعليه لا تقدير إذ ينتظم بدونه بل ربما يخرج معه من الانتظام، وأبعد الماوردي فجعله خطابًا من موسى نفسه عليه السلام.
{وَيُرِيكُمْ ءاياته} مستأنف أو معطوف على ما قبله، والظاهر أن الآيات جمع في اللفظ والمعنى، والمراد بها الدلائل الدالة على أن الله تعالى على كل شيء قدير، ويجوز أن يراد بها هذا الإحياء، والتعبير عنه بالجمع لاشتماله على أمور بديعة من ترتب الحياة على الضرب بعضو ميت، وإخبار الميت بقاتله وما يلابسه من الأمور الخارقة للعادات، وفي المنتخبأن التعبير عن الآية الواحدة بالآيات لأنها تدل على وجود الصانع القادر على كل المقدورات العالم بكل المعلومات المختار في الإيجاد والإبداع، وعلى صدق موسى عليه السلام، وعلى براءة ساحة من لم يكن قاتلًا، وعلى تعين تلك التهمة على من باشر القتل. اهـ.

.من أقوال المفسرين في قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}:

.قال الألوسي:

{لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي لكي تعقلوا الحياة بعد الموت والبعث والحشر فإن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص.
{مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحدة} [لقمان: 8 2] أو لكي يكمل عقلكم أو لعلكم تمتنعون من عصيانه وتعملون على قضية عقولكم، وقد ذكر المفسرون أحكامًا فقهية انتزعوها واستدلوا عليها من قصة هذا القتيل ولا يظهر ذلك من الآية ولا أرى لذكر ذلك طائلًا سوى الطول هذا. اهـ.

.قال الفخر:

إن القوم كانوا عقلاء قبل عرض هذه الآيات عليهم وإذا كان العقل حاصلًا امتنع أن يقال: إني عرضت عليك الآية الفلانية لكي تصير عاقلًا، فإذن لا يمكن إجراء الآية على ظاهرها بل لابد من التأويل وهو أن يكون المراد لعلكم تعملون على قضية عقولكم وأن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص، حتى لا ينكروا البعث، هذا آخر الكلام في تفسير الآية.
واعلم أن كثيرًا من المتقدمين ذكر أن من جملة أحكام هذه الآية أن القاتل هل يرث أم لا؟ قالوا: لا.
لأنه روي عن عبيدة السلماني أن الرجل الذي كان قاتلًا في هذه الواقعة حرم من الميراث لأجل كونه قاتلًا.
قال القاضي: لا يجوز جعل هذه المسألة من أحكام هذه الآية لأنه ليس في الظاهر أن القاتل هل كان وارثًا لقتيله أم لا؟ وبتقدير أن يكون وارثًا له فهل حرم الميراث أم لا؟ وليس يجب إذا روي عن أبي عبيدة أن القاتل حرم لمكان قتله الميراث أن يعد ذلك في جملة أحكام القرآن إذا كان لا يدل عليه لا مجملًا ولا مفصلًا، وإذا كان لم يثبت أن شرعهم كشرعنا وأنه لا يلزم الاقتداء بهم، فإدخال هذا الكلام في أحكام القرآن تعسف.
واعلم أن الذي قاله القاضي حق، ومع ذلك فلنذكر هذه المسألة فنقول: اختلف المجتهدون في أن القاتل هل يرث أم لا، فعند الشافعي رضي الله عنه لا يرث سواء كان القتل غير مستحق عمدًا كان أو خطأ أو كان مستحقًا كالعادل إذا قتل الباغي، وعند أبي حنيفة رحمه الله، لا يرث في العمد والخطأ إلا أن العادل إذا قتل الباغي فإنه يرثه، وكذا القاتل إذا كان صبيًا أو مجنونًا يرثه لا من ديته ولا من سائر أمواله، وهو قول علي وعمر وابن عباس وسعيد بن المسيب، وقال عثمان البتي: قاتل الخطأ يرث وقاتل العمد لا يرث، وقال مالك: لا يرثه من ديته ويرثه من سائر أمواله وهو قول الحسن ومجاهد والزهري والأوزاعي.
واحتج الشافعي رضي الله عنه بعموم الخبر المشهور المستفيض أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ليس للقاتل من الميراث شيء» إلا أن الاستدلال بهذا الخبر إنما يصح لو جوزنا تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد، والكلام فيه مذكور في أصول الفقه، ثم هاهنا دقيقة وهي أن تطرق التخصيص إلى العام يفيد نوع ضعف فلو خصصنا هذا الخبر ببعض الصور فحينئذ يتوالى عليه أسباب الضعف، فإن كونه خبر واحد يوجب الضعف وكونه على مصادمة الكتاب سبب آخر وكونه مخصوصًا سبب آخر، فلو خصصنا عموم الكتاب به لكنا قد رجحنا الضعيف جدًا على القوي جدًا.
أما إذا لم يخصص هذا الخبر ألبتة اندفع عنه بعض أسباب الضعف فحينئذ لا يبعد تخصيص عموم الكتاب به.
واحتج أبو بكر الرازي على أن العادل إذا قتل الباغي فإنه لا يصير محرومًا عن الميراث بأنا لا نعلم خلافًا أن من وجب له القود على إنسان فقتله قودًا أنه لا يحرم من الميراث، واعلم أن الشافعية يمنعون هذه الصورة. والله أعلم. اهـ.

.قال أبو حيان:

قال الزمخشري: في الأسباب والشروط حكم وفوائد، وإنما شرط ذلك لما في ذبح البقرة في من التقرب، وأداء التكليف، واكتساب الثواب، والإشعار بحسن تقديم القربة على الطلب، وما في التشديد عليهم، لتشديدهم من اللطف لهم والآخرين في ترك التشديد، والمسارعة إلى امتثال أوامر الله تعالى، وارتسامها على الفور من غير تفتيش وتكثير سؤال، ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة، والدلالة على بركة البر بالأبوين، والشفقة على الأولاد، وتجهيل الهازئ بما لا يعلم كنهه، ولا يطلع على حقيقته من كلام الحكماء.
وبيان أن من حق المتقرب إلى ربه: أن يتنوق في اختيار ما يتقرب به، وأن يختاره فتى السن غير فخم ولا ضَرعٍ، حسن اللون بريئًا من العيوب، يونق من ينظر إليه، وأن يغالي بثمنه، كما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه، أنه ضحى بنجيبة بثلاثمائة دينار، وأن الزيادة في الخطاب نسخ له، وأن النسخ قبل الفعل جائز، وإن لم يجز قبل وقت الفعل وإمكانه لأدائه إلى البدء، وليعلم بما أمر من مس الميت بالميت، وحصول الحياة عقيبه، وأن المؤثر هو المسبب لا الأسباب، لأن الموتين الحاصلين في الجسمين لا يعقل أن يتولد منهما حياة.
انتهى كلامه، وهو حسن.
وقد ذكر المفسرون أحكامًا فقهية، انتزعوها واستدلوا عليها من قصة هذا القتل، ولا يظهر استنباطهم ذلك من هذه الآية.
قالوا: هذه الآية دليل على حرمان القاتل ميراث المقتول، وإن كان ممن يرثه.
وأقول: لا تدل هذه الآية على ذلك، وإنما القصة، إن صحت، تدل على ذلك، لأن في آخرها: فما ورث قاتل بعدها ممن قتله.
وروي عن عمر وعلي وابن عباس وابن المسيب أنه لا ميراث له، عمدًا كان أو خطأً، لا من ديته، ولا من سائر ماله.
وبه قال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأبو يوسف، إلا أن أصحاب أبي حنيفة قالوا: إن كان صبيًا أو مجنونًا، ورث.
وقال عثمان الليثي: يرث قاتل الخطأ.
وقال ابن وهب، عن مالك: لا يرث قاتل العمد من ديته، ولا من ماله.
وإن قتله خطأ، يرث من ماله دون ديته.
ويروى مثله عن الحسن ومجاهد والزهري، وهو قول الأوزاعي.
وقال المزني، عن الشافعي: إذا قتل الباغي العادل، أو العادل الباغي، لا يتوارثان لأنهما قاتلان.
وقالوا: استدل مالك في رواية ابن القاسم وابن وهب بهذه القصة، على صحة القول بالقسامة، بقول المقتول: دمي عند فلان، أو فلان قتلني، وقال الجمهور خلافه.
وقالوا في صفة البقرة استدلال لمن قال: إن شرع من قبلنا شرع لنا، وهو مذهب مالك وجماعة من الفقهاء، قالوا: في هذه الآيات أدل دليل على حصر الحيوان بصفاته، أنه إذا حصر بصفة يعرف بها جاز السلم فيه، وبه قال مالك والأوزاعي والليث والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يجوز السلم في الحيوان.
ودلائل هذه المسائل مذكورة في كتب خلاف الفقهاء، ولا يظهر استنباط شيء من هذا من هذه القصة. اهـ.

.قال السعدي:

اعلم أن كثيرا من المفسرين رحمهم الله، قد أكثروا في حشو تفاسيرهم من قصص بني إسرائيل، ونزلوا عليها الآيات القرآنية، وجعلوها تفسيرا لكتاب الله، محتجين بقوله صلى الله عليه وسلم: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج».
والذي أرى أنه وإن جاز نقل أحاديثهم على وجه تكون مفردة غير مقرونة، ولا منزلة على كتاب الله، فإنه لا يجوز جعلها تفسيرا لكتاب الله قطعا إذا لم تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن مرتبتها كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم» فإذا كانت مرتبتها أن تكون مشكوكا فيها، وكان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن القرآن يجب الإيمان به والقطع بألفاظه ومعانيه، فلا يجوز أن تجعل تلك القصص المنقولة بالروايات المجهولة، التي يغلب على الظن كذبها أو كذب أكثرها، معاني لكتاب الله، مقطوعا بها ولا يستريب بهذا أحد، ولكن بسبب الغفلة عن هذا حصل ما حصل، والله الموفق. اهـ.

.التفسير المأثور:

قال السيوطي:
{فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)}.
أخرج وكيع والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فقلنا اضربوه ببعضها} قال: ضرب بالعظم الذي يلي الغضروف.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ذكر لنا أنهم ضربوه بفخذها، فلما فعلوا أحياه الله حتى أنبأهم بقاتله الذي قتله، وتكلم ثم مات.
وأخرج وكيع وابن جرير عن عكرمة في الآية قال: ضربوه بفخذها فحي، فما زاد على أن قال: قتلني فلان، ثم عاد فمات.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في الآية قال: ضرب بفخذ البقرة فقام حيًا فقال: قتلني فلان، ثم عاد في ميتته.
وأخرج ابن جرير عن السدي قال: ضرب بالبضعة التي بين الكتفين.
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية قال: أمرهم أن يأخذوا عظمًا فيضربوا به القتيل، ففعلوا فرجع الله روحه فسمى قاتله، ثم عاد ميتًا كما كان.
وأما قوله تعالى: {كذلك يحيي الله الموتى} الآية.
أخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال: إن فتى من بني إسرائيل كان برًا بوالدته، وكان يقوم ثلث الليل يصلي، ويجلس عند رأس والدته ثلث الليل، فيذكرها بالتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد، ويقول: يا أمه إن كنت ضعفت عن قيام الليل فكبري الله وسبيحه وهلليه، فكان ذلك عملهما الدهر كله، فإذا أصبح أتى الجبل فاحتطب على ظهره فيأتي به السوق فيبيعه بما شاء الله أن يبيعه، فيتصدق بثلثه ويبقي لعبادته ثلثًا ويعطي الثلث أمه، وكانت أمه تأكل النصف وتتصدق بالنصف، وكان ذلك عملهما الدهر كله.
فلما طال عليها قالت: يا بني اعلم أني قد ورثت من أبيك بقرة وختمت عنقها، وتركتها في البقر على اسم إله إبراهيم وإسمعيل وإسحاق ويعقوب، قالت وسأبين لك ما لونها وهيئتها، فإذا أتيت البقر فادعها باسم إله إبراهيم وإسمعيل وإسحاق ويعقوب فأنها تفعل كما وعدتني، وقالت: إن علامتها ليست بهرمة ولا فتية، غير أنها بينهما وهي صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، إذا نظرت إلى جلدها يخيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها، وليست بالذلول، ولا صعبة تثير الأرض، ولا تسقي الحرث، مسلمة لا شية فيها ولونها واحد، فإذا رأيتها فخذ بعنقها فإنها تتبعك بإذن إله إسرائيل.
فانطلق الفتى وحفظ وصية والدته، وسار في البرية يومين أو ثلاثًا، حتى إذا كان صبيحة ذلك اليوم انصرف فصاح بها فقال: بإله إبراهيم وإسمعيل وإسحاق ويعقوب إلا ما أتيتني، فأقبلت البقرة إليه وتركت الرعي، فقامت بين يدي الفتى، فأخذ بعنقها فتكلمت البقرة وقالت: يا أيها الفتى البر بوالدته اركبني فإنه أهون عليك. قال الفتى: لم تأمرني والدتي أن أركب عليك ولكنها أمرتني أن أسوقك سوقًا فأحب أن أبلغ قولها.
فقالت: بإله إسرائيل لو ركبتني ما كنت لتقدر علي، فانطلق يا أيها الفتى البر بوالدته، لو أنك أمرت هذا الجبل أن ينقلع لك من أصله لانقلع لبرك بوالدتك ولطاعتك إلهك.
فانطلق حتى إذا كان من مسيرة يوم من منزله استقبله عدوّ الله إبليس، فتمثل له على صورة راع من رعاة البقر، فقال: يا أيها الفتى من أين جئت بهذه البقرة، ألا تركبها فإني أراك قد أعييت؟ أظنك لا تملك من الدنيا مالًا غير هذه البقرة، فإني أعطيك الأجر ينفعك ولا يضرها، فإني من رعاة البقر اشتقت إلى أهلي، فأخذت ثورًا من ثيراني فحملت عليه طعامي وزادي، حتى إذا بلغت شطر الطريق أخذني وجع بطني، فذهبت لأقضي حاجتي فعدا وسط الجبل وتركني وأنا أطلبه ولست أقدر عليه، فأنا أخشى على نفسي الهلاك وليس معي زاد ولا ماء، فإن رأيت أن تحملني على بقرتك فتبلغني مراعي وتنجيني من الموت وأعطيك أجرها بقرتين.
قال الفتى: إن بني آدم ليس بالذي يقتلهم اليقين وتهلكهم أنفسهم، فلو علم الله منك اليقين لبلغك بغير زاد ولا ماء، ولست براكب أمرًا لم أومر به، إنما أنا عبد مأمور ولو علم سيدي أني أعصيه في هذه البقرة لأهلكني وعاقبني عقوبة شديدة، وما أنا بمؤثر هواك على هوى سيدي، فانطلق يا أيها الرجل بسلام فقال له إبليس: أعطيك بكل خطوة تخطوها إلى منزلي درهمًا فذلك مال عظيم وتفدي نفسي من الموت في هذه البقرة. قال الفتى: إن سيدي له ذهب الأرض وفضتها، فإن أعطيتني شيئًا منها علم أنه من ماله، ولكن أعطني من ذهب السماء وفضتها، فأقول أنه ليس هذا من مالك فقال إبليس: وهل في السماء ذهب أو فضة، أو هل يقدر أحد على هذا؟ قال الفتى: أو هل يستطيع العبد بما لم يأمر به سيده كما لا تستطيع أنت ذهب السماء وفضتها.
قال له إبليس: أراك أعجز العبيد في أمرك. قال له الفتى: إن العاجز من عصى ربه. قال له إبليس: ما لي لا أرى معك زادًا ولا ماء؟ قال الفتى: زادي التقوى، وطعامي الحشيش، وشرابي من عيون الجبال، قال إبليس: ألا آمرك بأمر يرشدك؟ قال الفتى: مر به نفسك فإني على رشاد إن شاء الله. قال له إبليس: ما أراك تقبل نصيحة! قال له الفتى: الناصح لنفسه من أطاع سيده وأدى الحق الذي عليه، فإن كنت شيطانًا فأعوذ بالله منك، وإن كنت آدميًا فاخرج فلا حاجة لي في صحابتك. فجمد إبليس عند ذلك ثلاث ساعات مكانه، ولو ركبها له إبليس ما كان الفتى يقدر عليها ولكن الله حبسه عنها.
فبينما الفتى يمشي إذ طار طائر من بين يديه فاختلس البقرة، ودعاها الفتى وقال: بإله إبراهيم وإسمعيل وإسحاق ويعقوب إلا ما آتيتني، فأتت البقرة إليه وقامت بين يديه، فقالت: يا أيها الفتى ألم تر إلى ذلك الطائر الذي طار من بين يديك؟، فإنه إبليس عدو الله اختلسني، فلما ناديتني بإله إسرائيل جاء ملك من الملائكة فانتزعني منه فردني إليك لبرك بوالدتك وطاعتك إلهك، فانطلق فلست ببارحتك حتى تأتي أهلك إن شاء الله.
قال: فدخل الفتى إلى أمه يخبرها الخبر، فقالت: يا بني إني أراك تحتطب على ظهرك الليل والنهار فتشخص، فاذهب بهذه البقرة فبعها وخذ ثمنها فتقوّ به وودع به نفسك. قال الفتى: بكم أبيعها؟ قالت: بثلاثة دنانير على رضا مني. فانطلق الفتى إلى السوق فبعث الله إليه من الملائكة ليري خلقه قدرته، فقال للفتى: بكم تبيع هذه البقرة أيها الفتى؟ فقال: أبيعها بثلاثة دنانير على رضا من والدتي. قال: لك ستة دنانير ولا تستأمر والدتك. فقال: لو أعطيتني زنتها لم أبعها حتى أستأمرها، فخرج الفتى فأخبر والدته الخبر، فقالت: بعها بستة دنانير على رضا مني. فانطلق الفتى وأتاه الملك فقال: ما فعلت؟ فقال: أبيعها بستة دنانير على رضا من والدتي. قال: فخذ اثني عشر دينارًا ولا تستأمرها. قال: لا.
فانطلق الفتى إلى أمه فقالت: يا بني إن الذي يأتيك ملك من الملائكة في صورة آدمي، فإذا أتاك فقل له: إن والدتي تقرأ عليك السلام، وتقول: بكم تأمرني أن أبيع هذه البقرة؟ قال له الملك: يا أيها الفتى يشتري بقرتك هذه موسى بن عمران لقتيل يقتل من بني إسرائيل، وله مال كثير ولم يترك أبوه ولدًا غيره، وله أخ له بنون كثيرون، فيقولون كيف لنا أن نقتل هذا الغلام ونأخذ ماله، فدعوا الغلام إلى منزلهم فقتلوه فطرحوه إلى جانب دارهم، فأصبح أهل الدار فأخرجوا الغلام إلى باب الدار، وجاء بنو عم الغلام فأخذوا أهل الدار، فانطلقوا بهم إلى موسى، فلم يدر موسى كيف يحكم بينهم من أجل أن أهل الدار برآء من الغلام...! فشق ذلك على موسى فدعا ربه، فأوحى الله إليه: أن خذ بقرة صفراء فاقعًا لونها فاذبحها، ثم اضرب الغلام ببعضها.
فعمدوا إلى بقرة الفتى فاشتروها على أن يملأوا جلدها دنانير، ثم ذبحوها ثم ضربوا الغلام ببعضها، فقام يخبرهم فقال: إن بني عمي قتلوني وأهل الدار مني برآء، فأخذهم موسى فقالوا: يا موسى أتتخذنا هزوًا قد قتل ابن عمنا مظلومًا، وقد علموا أن سيفضحوا، فعمدوا إلى جلد البقرة فملأوه دنانير ثم دفعوه إلى الفتى، فعمد الفتى فتصدق بالثلثين على فقراء بني إسرائيل وتقوّى بالثلث و{كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون}. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.من لطائف القشيري في الآية:

قال عليه الرحمة:
{فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)}.
أراد الله سبحانه أن يحي ميتهم ليفضح بالشهادة على قاتله فأمر بقتل حيوان لهم فجعل سبب حياة مقتولهم قتل حيوان لهم، صارت الإشارة منه:
أن من أراد حياة قلبه لا يصل إليه إلا بذبح نفسه؛ فمن ذبح نفسه بالمجاهدات حَيِيَ قلبُه بأنوار المشاهدات، وكذلك من أراد الله حياةَ ذِكْرِه في الأبدال أمات في الدنيا ذكره بالخمول. اهـ.

.قال ابن الجوزى:

وفي الذي ضرب به ستة أقوال:
أحدها: أنه ضرب بالعظم الذي يلي الغضروف، رواه عكرمة عن ابن عباس.
قال أبو سليمان الدمشقي: وذلك العظم هو أصل الأذن، وزعم قوم أنه لا يكسر ذلك العظم من أحد فيعيش.
قال الزجاج: الغضروف في الأذن، وهو: ما أشبه العظم الرقيق من فوق الشحمة، وجميع أعلى صدفة الأذن، وهو معلق الشنوف، فأما العظمان اللذان خلف الأذن الناتئان من مؤخر الأذن، فيقال لهما: الخشَّاوان، والخششاوان، واحدهما: خُشَّاء، وخُشُشاء.
والثاني: أنه ضرب بالفخذ، روي عن ابن عباس أيضًا، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وذكر عكرمة ومجاهد أنه الفخذ الأيمن.
والثالث: أنه البضعة التي بين الكتفين.
رواه السدي عن أشياخه.
والرابع: أنه الذنب، رواه ليث عن مجاهد.
والخامس: أنه عجب الذنب، وهو عظم بني عليه البدن، روي عن سعيد بن جبير.
والسادس: أنه اللسان، قاله الضحاك.
وفي الكلام اختصار تقديره: فقلنا: اضربوه ببعضها ليحيا، فضربوه فحيي، فقام فأخبر بقاتله.
وفي قاتله أربعة أقوال.
أحدها: بنو أخيه، رواه عطية عن ابن عباس.
والثاني: ابنا عمه، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وهذان القولان يدلان على أن قاتله أكثر من واحد.
والثالث: ابن أخيه، قال السدي عن أشياخه وعبيدة.
والرابع: أخوه، قاله عبد الرحمن ابن زيد.
قوله تعالى: {كذلك يحيي الله الموتى}: فيه قولان.
أحدهما: أنه خطاب لقوم موسى.
والثاني: لمشركي قريش، احتج عليهم إذ جحدوا البعث بما يوافق عليه أهل الكتاب، قال أبو عبيدة: وآياته: عجائبه. اهـ.

.قال الشوكاني:

واختلف في تعيين البعض الذي أمروا أن يضربوا القتيل به، ولا حاجة إلى ذلك مع ما فيه من القول بغير علم، ويكفينا أن نقول: أمرهم الله بأن يضربوه ببعضها، فأيّ: بعض ضربوا به، فقد فعلوا ما أمروا به، وما زاد على هذا، فهو من فضول العلم، إذ لم يرد به برهان. اهـ.

.قال البيضاوي:

{لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} لكي يكمل عقلكم وتعلموا أن من قدر على إحياء نفس قدر على إحياء الأنفس كلها، أو تعملوا على قضيته. ولعله تعالى إنما لم يحيه ابتداء وشرط فيه ما شرط لما فيه من التقرب وأداء الواجب، ونفع اليتيم والتنبيه على بركة التوكل والشفقة على الأولاد، وأن من حق الطالب أن يقدم قربة، والمتقرب أن يتحرى الأحسن ويغالي بثمنه، كما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه: أنه ضحى بنجيبة اشتراها بثلاثمائة دينار. وأن المؤثر في الحقيقة هو الله تعالى، والأسباب أمارات لا أثر لها، وأن من أراد أن يعرف أعدى عدوه الساعي في إماتته الموت الحقيقي، فطريقُه أن يذبح بقرة نفسه التي هي القوة الشهوية حين زال عنها شره الصبا، ولم يلحقها ضعف الكبر، وكانت معجبة رائقة المنظر غير مذللة في طلب الدنيا، مسلمة عن دنسها لا سمة بها من مقابحها بحيث يصل أثره إلى نفسه، فتحيا حياة طيبة، وتعرب عما به ينكشف الحال، ويرتفع ما بين العقل والوهم من التدارؤ والنزاع. اهـ.

.قال النسفي:

{لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} فتعملون على قضية عقولكم وهي أن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء جميعها لعدم الاختصاص، والحكمة في ذبح البقرة وضربه ببعضها وإن قدر على إحيائه بلا واسطة التقرب به، الإشعار بحسن تقديم القربة على الطلب والتعليم لعباده ترك التشديد في الأمور والمسارعة إلى امتثال أوامر الله من غير تفتيش وتكثير سؤال وغير ذلك.
وقيل: إنما أمروا بذبح البقرة دون غيرها من البهائم لأنها أفضل قرابينهم، ولعبادتهم العجل فأراد الله تعالى أن يهون معبودهم عندهم، وكان ينبغي أن يقدم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها وأن يقال: وإذ قتلتم نفسًا فادارأتم فيها فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها، ولكنه تعالى إنما قص قصص بني إسرائيل تعديدًا لما وجد منهم من الجنايات وتقريعًا لهم عليها، وهاتان القصتان وإن كانتا متصلتين فتستقل كل واحدة منهما بنوع من التقريع.
فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك، والثانية للتقريع على قتل النفس المحرمة وما تبعه من الآية العظيمة.
وإنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة ولذهب المراد في تثنية التقريع، ولقد روعيت نكتة بعد ما استؤنفت الثانية استئناف قصة برأسها إن وصلت بالأولى بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله: {اضربوه ببعضها} ليعلم أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع وقصة واحدة بالضمير الراجع إلى البقرة.
وقيل: هذه القصة تشير إلى أن من أراد إحياء قلبه بالمشاهدات فليمت نفسه بأنواع المجاهدات. اهـ.

.قال البغوى:

إذا وجد قتيل في موضع ولا يعرف قاتله فإن كان ثم (لوث) على إنسان- واللوث: أن يغلب على القلب صدق المدعي، بأن اجتمع جماعة في بيت أو صحراء فتفرقوا عن قتيل يغلب على القلب أن القاتل فيهم، أو وجد قتيل في محلة أو قرية كلهم أعداء للقتيل لا يخالطهم غيرهم، فيغلب على القلب أنهم قتلوه- فادعى الولي على بعضهم، يحلف المدعي خمسين يمينا على من يدعي عليه، وإن كان الأولياء جماعة توزع الأيمان عليهم، ثم بعدما حلفوا أخذوا الدية من عاقلة المدعى عليه إن ادعوا قتل خطأ، وإن ادعوا قتل عمد فمن ماله، ولا قود على قول الأكثرين وذهب بعضهم إلى وجوب القود، وهو قول عمر بن عبد العزيز وبه قال مالك وأحمد، وإن لم يكن على المدعى عليه لوث فالقول قول المدعى عليه مع يمينه ثم هل يحلف يمينا واحدة أم خمسين يمينا؟ فيه قولان:
(أحدهما) يمينا واحدة كما في سائر الدعاوي (والثاني) يحلف خمسين يمينا تغليظا لأمر الدم، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه: لا حكم للوث ولا يزيد بيمين المدعي وقال: إذا وجد قتيل في محلة يختار الإمام خمسين رجلا من صلحاء أهلها فيحلفهم أنهم ما قتلوه ولا عرفوا له قاتلا ثم يأخذ الدية من سكانها، والدليل على أن البداية بيمين المدعي عند وجود اللوث:
ما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود خرجا إلى خيبر فتفرقا لحاجتهما فقتل عبد الله بن سهل فانطلق هو وعبد الرحمن أخو المقتول وحويصة بن مسعود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له قتل عبد الله بن سهل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم» فقالوا يا رسول الله لم نشهد ولم نحضر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فتبرئكم يهود بخمسين يمينا» فقالوا يا رسول الله كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ فعزم النبي صلى الله عليه وسلم عقله من عنده وفي لفظ آخر فزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم عقله من عنده قال بشير بن يسار: قال سهل لقد ركضتني فريضة من تلك الفرائض في مربد لنا، وفي رواية: لقد ركضتني ناقة حمراء من تلك الفرائض في مربد لنا أخرجه مسلم عن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب.
وجه الدليل من الخبر: أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بأيمان المدعين لتقوي جانبهم باللوث، وهو أن عبد الله بن سهل وجد قتيلا في خيبر، وكانت العداوة ظاهرة بين الأنصار وأهل خيبر، وكان يغلب على القلب أنهم قتلوه، واليمين أبدا تكون حجة لمن يقوى جانبه وعند عدم اللوث يقوى جانب المدعى عليه من حيث أن الأصل براءة ذمته وكان القول قوله مع يمينه. اهـ.

.من فوائد ابن عرفة في الآية:

قال رحمه الله:
قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا...}.
قال ابن عرفة: لم (يتعنّتوا) في هذا ولو مكن الله إبليس منهم لقالوا (لموسى): عيّن لنا ذلك البعض ما هو؟ وانظر قضية عمر ابن عبد العزيز مع الأمير.
وأورد (ابن عرفة هنا سؤالا قائلا: لمّا أمروا بذبح بقرة مطلقة انتصبوا للسؤال: على أى بقرة هي، والأمر دائر بين أن يكون هذا منهم تعنتا أو استرشادا فإذا تقرر هذا فلأي شيء لم يسألوا هنا ما هو البعض الذي يضربون به ميتهم فيحيِيَ؟
وأجيب: بأن تفاوت أفراد الجنس والصنف ثابت بخلاف أجزاء الكلّ من حيث هو كل.
وأجيب أيضا بأنهم قادرون على أن يضربوا بكل بعض من أبعاض تلك البقرة حتى يوافقوا البعض المراد بخلاف الآخر فإنهم غير قادرين على ذبح جميع البقر كلها.
قلت: وهذا قريب من الأول.
قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُحْيِ الله الموتى...}.
أفرد الخطاب والمخاطبون جماعة: إما لقلة من يتأثر بهذه الآية (منهم)، ثم جمعهم في قوله: {وَيُرِيكُمْ} اعتبارا (بظاهر) الأمر، وإما لأن المخاطب واحد بالنوع.
واستقرأ الفخر الرازي من الآية فوائد كثيرة: منها أن الزيادة في خطاب نسخ له.
ومنها أن النسخ قبل الفعل (جائز وإن لم يجز) قبل وقت الفعل وإمكانه لأدائه إلى (البدء).
وردّ ابن عرفة الأول بأنها زيادة على النص.
والصحيح أنها ليست (بنصّ) خلافا لأبي حنيفة.
وقال الطيبي: إنه من باب (تقييد) المطلق، أو تخصيص العام، لأن البقرة مطلقة. اهـ.

.من فوائد القرطبي في الآية:

قال رحمه الله:
قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا} قيل: باللسان لأنه آلة الكلام.
وقيل: بعَجْب الذَّنَب؛ إذ فيه يُرّكب خَلْق الإنسان.
وقيل: بالفخذ.
وقيل: بعظم من عظامها؛ والمقطوع به عضو من أعضائها؛ فلما ضُرِب به حَيِيَ وأخبر بقاتله ثم عاد ميتًا كما كان.
مسألة: استدل مالك رحمه الله في رواية ابن وهب وابن القاسم على صحة القول بالقَسَامة بقول المقتول: دمي عند فلان، أو فلانُ قتلني.
ومنعه الشافعي وجمهور العلماء، قالوا: وهو الصحيح؛ لأن قول المقتول: دمي عند فلان، أو فلان قتلني، خبر يحتمل الصدق والكذب.
ولا خلاف أن دم المدّعَى عليه معصوم ممنوع إباحته إلا بيقين، ولا يقين مع الاحتمال؛ فبطل اعتبار قول المقتول دمي عند فلان.
وأما قتيل بني إسرائيل فكانت معجزة وأخبر تعالى أنه يحييه، وذلك يتضمّن الإخبارَ بقاتله خبرًا جزمًا لا يدخله احتمال؛ فافترقا.
قال ابن العربيّ: المعجزة كانت في إحيائه؛ فلما صار حيًّا كان كلامه كسائر كلام الناس كلهم في القبول والرد.
وهذا فَنٌّ دقيق من العلم لم يتفطّن له إلا مالك، وليس في القرآن أنه إذا أخبر وجب صدقه، فلعله أمرهم بالقسامة معه.
واستبعد ذلك البخاريّ والشافعيّ وجماعة من العلماء فقالوا: كيف يُقبل قوله في الدّم وهو لا يقبل قوله في درهم.
مسألة: اختلف العلماء في الحُكْم بالقَسامة؛ فرُوِيَ عن سالم وأبي قِلاَبة وعمر بن عبد العزيز والحكم بن عيينة التَّوَقّف في الحُكم بها.
وإليه مال البخاري؛ لأنه أتى بحديث القَسامة في غير موضعه.
وقال الجمهور: الحُكْم بالقسامة ثابت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم اختلفوا في كيفيّة الحُكم بها؛ فقالت طائفة: يبدأ فيها المدّعون بالأيمان فإن حَلفوا استحقوا، وإن نَكَلُوا حلَف المدّعَى عليهم خمسين يمينًا وبَرَأُوا.
هذا قول أهل المدينة واللَّيث والشافعي وأحمد وأبي ثور.
وهو مقتضى حديث حُوَيِّصَة ومُحَيِّصة، خرّجه الأئمة مالك وغيره.
وذهبت طائفة إلى أنه يبدأ بالأيمان المدّعَى عليهم فيحلفون ويبرأون.
رُوِيَ هذا عن عمر بن الخطاب والشَّعْبِي والنَّخَعِي، وبه قال الثَّوْرِي والكوفيّون؛ واحتجوا بحديث سعيد بن عبيد عن بُشير بن يسار؛ وفيه: فبدأ بالأيمان المدّعَى عليهم وهم اليهود.
وبما رواه أبو داود عن الزُّهْرِي عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن عن رجال من الأنصار أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لليهود وبدأ بهم: «أيحلف منكم خمسون رجلًا».
فأبوا؛ فقال للأنصار: «استحقوا» فقالوا: نحلف على الغيب يا رسول الله! فجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم دِيَّةً على يهود؛ لأنه وُجد بين أظهرهم.
وبقوله عليه السلام: «ولكن اليمين على المدّعَى عليه» فعُيِّنُوا.
قالوا: وهذا هو الأصل المقطوع به في الدعاوى الذي نَبّه الشرع على حكمته بقوله عليه السلام:
«لو يُعْطَى الناسُ بدعواهم لادّعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدّعى عليه» رَدّ عليهم أهل المقالة الأولى فقالوا: حديث سعيد بن عُبيد في تبدية اليهود وَهَم عند أهل الحديث، وقد أخرجه النسائي وقال: ولم يتابع سعيد في هذه الرواية فيما أعلم، وقد أسند حديث بُشير عن سهل أن النبيّ صلى الله عليه وسلم بدأ بالمدّعين يحيى بنُ سعيد وابن عُيينة وحمّاد بن زيد وعبدُ الوهاب الثّقَفيّ وعيسى بنُ حماد وبشرُ بن المفضَّل؛ فهؤلاء سبعة.
وإن كان أرسله مالك فقد وصله جماعة الحفاظ، وهو أصح من حديث سعيد بن عُبيد.
قال أبو محمد الأصيلي: فلا يجوز أن يعترض بخبر واحد على خبر جماعة، مع أن سعيد بن عُبيد قال في حديثه: فَوَاده رسول الله صلى الله عليه وسلم مائةً من إبل الصدقة؛ والصدقةُ لا تعطَى في الدّيات ولا يُصالح بها عن غير أهلها، وحديث أبي داود مرسل فلا تعارض به الأحاديث الصحاح المتصلة، وأجابوا عن التمسك بالأصل بأن هذا الحكم أصل بنفسه لحُرْمة الدماء.
قال لابن المنذر.
ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل البيّنة على المدّعِي واليمينَ على المدّعَى عليه، والحُكْم بظاهر ذلك يجب، إلا أن يخصّ الله في كتابه أو على لسان نبيّه صلى الله عليه وسلم حكمًا في شيء من الأشياء فيُستثنى من جملة هذا الخبر.
فما دلّ عليه الكتاب إلزام القاذف حدّ المقذوف إذا لم يكن معه أربعة شهداء يشهدون له على صدق ما رمى به المقذوف.
وخصّ مَن رمى زوجته بأن أسقط عنه الحدّ إذا شهد أربع شهادات.
ومما خصّته السُّنَّة حكم النبيّ صلى الله عليه وسلم بالقَسَامة.
وقد روى ابن جُريج عن عطاء عن أبي هريرة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «البيّنةُ على مَن ادعى واليمينُ على مَن أنكر إلاّ في القَسَامة» خرّجه الدّارَقُطنِيّ.
وقد احتج مالك لهذه المسألة في مُوَطَّئه بما فيه كفاية؛ فتأمّله هناك.
مسألة: واختلفوا أيضًا في وجوب القَوَد بالقسامة؛ فأوجبت طائفة القَوَد بها؛ وهو قول مالك واللّيث وأحمد وأبي ثَوْر؛ لقوله عليه السلام لحُوَيِّصة ومُحَيِّصة وعبد الرحمن: «أتحلفون وتستحقون دمَ صاحبِكم» وروى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قتل رجلًا بالقَسَامة من بني نضر بن مالك.
قال الدّارَقُطْنِي: نسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه صحيحة؛ وكذلك أبو عمر بن عبد البر يصحّح حديث عمرو بن شعيب ويحتج به.
وقال البخاري: رأيت عليّ بن المدِيني وأحمد بن حنبل والحُمَيْدِي وإسحاق بن رَاهْوَيْه يحتجّون به؛ قاله الدارقطني في السنن.
وقالت طائفة: لا قَوَد بالقسامة، وإنما توجب الدّية.
رُوي هذا عن عمر وابن عباس؛ وهو قول النَّخَعي والحسن، وإليه ذهب الثَّوْري والكوفيون والشافعي وإسحاق، واحتجوا بما رواه مالك عن ابن أبي ليلى بن عبد اللَّه عن سهل بن أبي حَثْمة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قوله للأنصار: «إما أن يَدُوا صاحبَكم وإما أن يؤذنوا بحرب» قالوا: وهذا يدل على الدّية لا على القَوَد؛ قالوا: ومعنى قوله عليه السلام: «وتستحقّون دَمَ صاحبِكم» دية دمِ قتيلِكم؛ لأن اليهود ليسوا بأصحاب لهم؛ ومن استحق دية صاحبه فقد استحق دمه؛ لأن الدّية قد تؤخذ في العمد فيكون ذلك استحقاقا للدم.
مسألة: الموجب للقسامة اللَّوْثُ ولابد منه.
واللّوْثُ: أمارة تغلب على الظن صدق مدّعي القتل؛ كشهادة العدل الواحد على رؤية القتل، أو يرى المقتول يَتَشَحّط في دمه، والمتَّهم نحوه أو قُرْبه عليه آثار القتل.
وقد اختلف في الّلْوث والقول به؛ فقال مالك: هو قول المقتول دمي عند فلان.
والشاهد العدل لوث.
كذا في رواية ابن القاسم عنه.
وروى أشهب عن مالك أنه يُقسم مع الشاهد غير العدل ومع المرأة.
وروى ابن وهب أن شهادة النساء لَوث.
وذكر محمد عن ابن القاسم أن شهادة المرأتين لَوث دون شهادة المرأة الواحدة.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: اختلف في اللّوث اختلافا كثيرًا؛ مشهور المذهب أنه الشاهد العدل.
وقال محمد: هو أحبّ إليّ.
قال: وأخذ به ابن القاسم وابن عبد الحكم.
ورُوِي عن عبد الملك بن مروان: أن المجروح أو المضروب إذا قال دمي عند فلان ومات كانت القَسَامة.
وبه قال مالك واللّيث بن سعد.
واحتج مالك بقتيل بني إسرائيل أنه قال: قتلني فلان.
وقال الشافعيّ: اللَّوْث الشاهد العدل، أو يأتي ببيّنة وإن لم يكونوا عدولًا.
وأوْجب الثورِيّ والكوفيون القسامة بوجود القتيل فقط، واستغنوا عن مراعاة قول المقتول وعن الشاهد، قالوا: إذا وُجد قتيل في مَحلّة قومٍ وبه أثرٌ حلف أهل ذلك الموضع أنهم لم يقتلوه ويكون عَقْلُه عليهم؛ وإذا لم يكن به أثر لم يكن على العاقلة شيء إلا أن تقوم البيّنة على واحد.
وقال سفيان: وهذا مما أُجمع عليه عندنا؛ وهو قول ضعيف خالفوا فيه أهل العلم، ولا سلف لهم فيه، وهو مخالف للقرآن والسُّنة؛ ولأن فيه إلزامَ العاقلة مالًا بغير بيّنة ثبتت عليهم ولا إقرارٍ منهم.
وذهب مالك والشافعيّ إلى أن القتيلُ إذا وجُد في مَحلّة قومٍ أنه هَدَر، لا يؤخذ به أقرب الناس دارًا؛ لأن القتيل قد يُقتل ثم يُلقى على باب قوم ليلطخوا به؛ فلا يؤاخذ بمثل ذلك حتى تكون الأسباب التي شرطوها في وجوب القسامة.
وقد قال عمر بن عبد العزيز: هذا مما يؤخر فيه القضاء حتى يقضي الله فيه يوم القيامة.
مسألة: قال القاسم بن مسعدة قلت للنِّسائي: لا يقول مالك بالقسامة إلا باللَّوْث، فلم أوْرَد حديث القسامة ولا لَوث فيه؟ قال النسائي: أنزل مالك العداوة التي كانت بينهم وبين اليهود بمنزلة اللوث، وأنزل اللّوث أو قول الميت بمنزلة العداوة.
قال ابن أبي زيد: وأصل هذا في قصة بني إسرائيل حين أحيا الله الذي ضُرب ببعض البقرة فقال: قتلني فلان؛ وبأن العداوة لَوْث.
قال الشافعي: ولا نرى قول المقتول لوثًا؛ كما تقدّم.
قال الشافعي: إذا كان بين قوم وقوم عداوة ظاهرة كالعداوة التي كانت بين الأنصار واليهود، ووجد قتيل في أحد الفريقين ولا يخالطهم غيرهم وَجَبت القسامة فيه.
مسألة: واختلفوا في القتيل يوجد في المحلة التي أكراها أربابها؛ فقال أصحاب الرأي: هو على أهل الخِطّة وليس على السكان شيء، فإن باعوا دُورهم ثم وُجد قتيل فالدّيَةُ على المشتري وليس على السكان شيء، وإن كان أرباب الدُّور غُيَّبًا وقد أكروا دُورهم فالقسامة والدية على أرباب الدور الغُيَّب وليس على السكان الذي وُجد القتيل بين أظهرهم شيء.
ثم رجع يعقوب من بينهم عن هذا القول فقال: القسامة والدّية على السكان في الدُّور.
وحكى هذا القول عن ابن أبي ليلى، واحتج بأن أهل خَيْبَر كانوا عُمَّالًا سُكَّانًا يعملون فوُجِد القتيل فيهم.
قال الثوري ونحن نقول: هو على أصحاب الأصل، يعني أهل الدور.
وقال أحمد: القول قول ابن أبي ليلى في القسامة لا في الدية.
وقال الشافعي: وذلك كله سواء، ولا عَقْل ولا قَوَد إلا ببيّنة تقوم، أو ما يوجب القسامة فيُقسم الأولياء.
قال ابن المنذر: وهذا أصح.
مسألة: ولا يحلف في القسامة أقلّ من خمسين يمينًا؛ لقوله عليه السلام في حديث حُوَيصة ومُحَيّصة: «يُقسم خمسين منكم على رجل منهم» فإن كان المستحقّون خمسين حلف كل واحد منهم يمينًا واحدة، فإن كانوا أقل من ذلك أو نَكَل منهم من لا يجوز عفوه رُدّت الأيمان عليهم بحسب عددهم.
ولا يحلف في العمد أقل من اثنين من الرجال، لا يحلف فيه الواحد من الرجال ولا النساء، يحلف الأولياء ومن يستعين بهم الأولياء من العَصَبة خمسين يمينًا.
هذا مذهب مالك واللّيث والثَّوْري والأوزاعيّ وأحمد وداود.
وروى مُطَرِّف عن مالك أنه لا يحلف مع المدّعَى عليه أحدٌ ويحلف هم أنفُسهم كما لو كانوا واحدًا فأكثر خمسين يمينًا يبرئون بها أنفسهم؛ وهو قول الشافعي.
قال الشافعي: لا يُقسم إلا وارث، كان القتل عمدًا أو خطأ.
ولا يحلف على مال ويستحقه إلا من له الملك لنفسه أو من جعل الله له الملك من الورثة؛ والورثةُ يُقسمون على قدر مواريثهم.
وبه قال أبو ثَوْر واختاره ابن المنذر وهو الصحيح؛ لأن من لم يدّع عليه لم يكن له سبب يتوجّه عليه فيه يمين.
ثم مقصود هذه الأيمان البراءة من الدعوى ومن لم يدّع عليه برئ.
وقال مالك في الخطأ: يحلف فيها الواحد من الرجال والنساء، فمهما كملت خمسين يمينًا من واحد أو أكثر استحق الحالف ميراثه، ومَن نَكَل لم يستحق شيئًا؛ فإن جاء من غاب حلف من الأيمان ما كان يجب عليه لو حضر بحسب ميراثه.
هذا قول مالك المشهور عنه؛ وقد رُوِيَ عنه أنه لا يرى في الخطأ قسامة.
وتتميم مسائل القسامة وفروعها وأحكامها مذكور في كتب الفقه والخلاف، وفيما ذكرناه كفاية، والله الموفق.
مسألة: في قصة البقرة هذه دليل على أن شَرْع مَن قبلنا شَرْعٌ لنا؛ وقال به طوائف من المتكلمين وقومٌ من الفقهاء، واختاره الكرخي ونصّ عليه ابن بُكير القاضي من علمائنا، وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: هو الذي تقتضيه أصول مالك ومَنازعه في كتبه، وإليه مال الشافعي، وقد قال الله: {فَبِهُدَاهُمُ اقتده} [الأنعام: 90] على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُحْيِي الله الموتى} أي كما أحْيَا هذا بعد موته كذلك يحيي الله كل من مات.
فالكاف في موضع نصب، لأنه نعت لمصدر محذوف.
{وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} أي علاماته وقدرته.
{لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} كي تعقلوا.
وقد تقدّم.
أي تمتنعون من عصيانه.
وعقلتُ نفسي عن كذا أي منعتها منه.
والمعاقل: الحصون. اهـ.

.من فوائد الجصاص في الآيات السابقة:

قال رحمه الله:
قَوْله تَعَالَى: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} إلَى قَوْلِهِ: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاَللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} إلَى آخَرِ الْآيَةِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِي هَذِهِ الْآيَاتِ وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ قِصَّةِ الْمَقْتُولِ وَذَبْحِ الْبَقَرَةِ ضُرُوبٌ مِنْ الْأَحْكَامِ وَالدَّلَائِلِ عَلَى الْمَعَانِي الشَّرِيفَةِ: فَأَوَّلُهَا: أَنَّ قَوْله تَعَالَى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا} وَإِنْ كَانَ مُؤَخَّرًا فِي التِّلَاوَةِ فَهُوَ مُقَدَّمٌ فِي الْمَعْنَى عَلَى جَمِيعِ مَا ابْتَدَأَ بِهِ مِنْ شَأْنِ الْبَقَرَةِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ إنَّمَا كَانَ سَبَبُهُ قَتْلُ النَّفْسِ وَقَدْ قِيلَ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذِكْرَ الْقَتْلِ وَإِنْ كَانَ مُؤَخَّرًا فِي التِّلَاوَةِ فَهُوَ مُقَدَّمٌ فِي النُّزُولِ، وَالْآخَرُ: أَنَّ تَرْتِيبَ نُزُولِهَا عَلَى حَسَبِ تَرْتِيبِ تِلَاوَتِهَا وَنِظَامِهَا وَإِنْ كَانَ مُقَدَّمًا فِي الْمَعْنَى لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: اُذْكُرْ؛ إذْ أَعْطَيْت أَلْفَ دِرْهَمِ زَيْدًا؛ إذْ بَنَى دَارِي وَالْبِنَاءُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَطِيَّةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْبَقَرَةِ مُقَدَّمٌ فِي النُّزُولِ قَوْله تَعَالَى: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا}.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْبَقَرَةَ قَدْ ذُكِرَتْ قَبْلَ ذَلِكَ وَلِذَلِكَ أُضْمِرَتْ وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ ذِكْرِ الطُّوفَانِ وَانْقِضَائِهِ: {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إلَّا قَلِيلٌ}.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ هَلَاكِهِمْ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْكَلَامِ وَتَأْخِيرَهُ إذَا كَانَ بَعْضُهُ مَعْطُوفًا عَلَى بَعْضِ بِالْوَاوِ غَيْرُ مُوجِبٍ تَرْتِيبَ الْمَعْنَى عَلَى تَرْتِيبِ اللَّفْظِ.
وَقَوْلُهُ: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} قَدْ دَلَّ عَلَى جَوَازِ وُرُودِ الْأَمْرِ بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ بَقَرَةً مَجْهُولَةً غَيْرَ مَعْرُوفَةٍ وَلَا مَوْصُوفَةٍ وَيَكُونُ الْمَأْمُورُ مُخَيَّرًا فِي ذَبْحِ أَدْنَى مَا يَقَعُ الِاسْمُ عَلَيْهِ وَقَدْ تَنَازَعَ مَعْنَاهُ الْفَرِيقَانِ مِنْ نُفَاةِ الْعُمُومِ وَمَنْ مُثْبِتِيهِ، وَاحْتَجَّ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ لِمَذْهَبِهِ، فَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ فَاحْتَجُّوا بِهِ مِنْ جِهَة وُرُودِهِ مُطْلَقًا فَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا لَازِمًا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ مَا تَنَاوَلَهُ الْعُمُومِ، وَأَنَّهُمْ لَمَّا تَعَنَّتُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُرَاجَعَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى شَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ التَّكْلِيفَ وَذَمَّهُمْ عَلَى مُرَاجَعَتِهِ بِقَوْلِهِ: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ}.
وَرَوَى الْحَسَنُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ اعْتَرَضُوا أَدْنَى بَقَرَةٍ فَذَبَحُوهَا لَأَجْزَتْ عَنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعُبَيْدَةَ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَاحْتَجَّ مَنْ أَبَى الْقَوْلَ بِالْعُمُومِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُعَنِّفْهُمْ عَلَى الْمُرَاجَعَةِ بَدْءًا، وَلَوْ كَانَ قَدْ لَزِمَهُمْ تَنْفِيذُ ذَلِكَ عَلَى مَا ادَّعَيْتُمُوهُ مِنْ اقْتِضَاءِ عُمُومِ اللَّفْظِ لَوَرَدَ النَّكِيرُ فِي بَدْءِ الْمُرَاجَعَةِ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ النَّكِيرَ ظَاهِرٌ عَلَيْهِمْ فِي اللَّفْظِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَغْلِيظُ الْمِحْنَةِ عَلَيْهِمْ وَهَذَا ضَرْبٌ مِنْ النَّكِيرِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ}.
وَالثَّانِي: قَوْلُهُ: {وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا تَارِكِينَ لِلْأَمْرِ بَدْءًا وَأَنَّهُ قَدْ كَانَ عَلَيْهِمْ الْمُسَارَعَةُ إلَى فِعْلِهِ فَقَدْ حَصَلَتْ الْآيَةُ عَلَى مَعَانٍ: أَحَدِهَا:
وُجُوبُ اعْتِبَارِ عُمُومِ اللَّفْظِ فِيمَا يُمْكِنْ اسْتِعْمَالُهُ وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى الْفَوْرِ وَأَنَّ عَلَى الْمَأْمُورِ الْمُسَارَعَةَ إلَى فِعْلِهِ عَلَى حَسَبِ الْإِمْكَانِ حَتَّى تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى جَوَازِ التَّأْخِيرِ وَالثَّالِثُ: جَوَازُ وُرُودِ الْأَمْرِ بِشَيْءِ مَجْهُولِ الصِّفَةِ مَعَ تَخْيِيرِ الْمَأْمُورِ فِي فِعْلِ مَا يَقَعُ الِاسْمُ عَلَيْهِ مِنْهُ.
وَالرَّابِعُ: وُجُوبُ الْأَمْرِ وَأَنَّهُ لَا يُصَارُ إلَى النَّدْبِ إلَّا بِدَلَالَةٍ؛ إذْ لَمْ يَلْحَقهُمْ الذَّمُّ إلَّا بِتَرْكِ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ وَعِيدٍ وَالْخَامِس: جَوَازُ النَّسْخِ قَبْلَ وُقُوعِ الْفِعْلِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ؛ ذَلِكَ أَنَّ زِيَادَةَ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِي الْبَقَرَةِ كُلٌّ مِنْهَا قَدْ نَسَخَ مَا قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} اقْتَضَى ذَبْحَ بَقَرَةٍ أَيُّهَا كَانَتْ وَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ شَاءُوا، وَقَدْ كَانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنْ ذَلِكَ.
فَلَمَّا قَالُوا: {اُدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ} فَقَالَ: {إنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} نَسَخَ التَّخْيِيرَ الَّذِي أَوْجَبَهُ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ فِي ذَبْحِ الْبَقَرَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِهَذِهِ الصِّفَةُ وَذَبْحِ غَيْرِهَا، وَقَصَرُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَقِيلَ لَهُمْ {فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} فَأَبَانَ أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَذْبَحُوا مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ أَيُّ لَوْنٍ كَانَتْ وَعَلَى أَيِّ حَالِ كَانَتْ مِنْ ذَلُولٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَلَمَّا قَالُوا: {اُدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا} نَسَخَ التَّخْيِيرَ الَّذِي كَانَ فِي ذَبْحِ أَيِّ لَوْنٍ شَاءُوا مِنْهَا وَبَقِيَ التَّخْيِيرُ فِي الصِّفَةِ الْأُخْرَى مِنْ أَمْرِهَا، فَلَمَّا رَاجَعُوا نُسِخَ ذَلِكَ أَيْضًا وَأُمِرُوا بِذَبْحِهَا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَ وَاسْتَقَرَّ الْفَرْضُ عَلَيْهَا بَعْدَ تَغْلِيظِ الْمِحْنَةِ وَتَشْدِيدِ التَّكْلِيفِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا فِي أَمْرِ النَّسْخِ دَلَّ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي النَّصِّ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ حُكْمِهِ يُوجِبُ نَسْخَهُ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَوَامِر الْوَارِدَةِ بَعْدَ مُرَاجَعَةِ الْقَوْمِ إنَّمَا كَانَ زِيَادَةً فِي نَصٍّ كَانَ قَدْ اسْتَقَرَّ حُكْمُهُ فَأَوْجَبَ نَسْخَهُ.
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ فِي جَوَازِ نَسْخِ الْفَرْضِ قَبْلَ مَجِيءِ وَقْتَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْفَرْضَ عَلَيْهِمْ بَدْءًا قَدْ كَانَ بَقَرَةً مُعَيَّنَةً فَنُسِخَ ذَلِكَ عَنْهُمْ قَبْلَ مَجِيءِ وَقْتِ الْفِعْلِ وَهَذَا غَلَطٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ فَرْضٍ مِنْ ذَلِكَ قَدْ كَانَ وَقْتُ فِعْلِهِ عَقِيبَ وُرُودِ الْأَمْرِ فِي أَوَّلِ أَحْوَالِ الْإِمْكَانِ وَاسْتَقَرَّ الْفَرْضُ عَلَيْهِمْ وَثَبَتَ ثُمَّ نُسِخَ قَبْلَ الْفِعْلِ، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ إذَا عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ قَبْلَ مَجِيءِ وَقْتِ الْفِعْلِ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَالسَّادِسُ: دَلَالَةُ قَوْلِهِ: {لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ وَاسْتِعْمَالِ غَالِبِ الظَّنّ فِي الْأَحْكَامِ؛ إذْ لَا يُعْلَمُ أَنَّهَا بَيْنَ الْبِكْرِ وَالْفَارِضِ إلَّا مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ.
وَالسَّابِعُ اسْتِعْمَالُ الظَّاهِرِ مَعَ تَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ فِي الْبَاطِنِ خِلَافُهُ بِقَوْلِهِ: {مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا} يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مُسَلَّمَةٌ مِنْ الْعُيُوبِ بَرِيئَةٌ مِنْهَا، وَذَلِكَ لَا نَعْلَمُهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا نَعْلَمُهُ مِنْ طَرِيقِ الظَّاهِرِ مَعَ تَجْوِيزِ أَنْ يَكُون بِهَا عَيْبٌ بَاطِنٌ.
وَالثَّامِنُ: مَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ فِي الْمُرَاجَعَةِ الْأَخِيرَةِ: {وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} لَمَّا قَرَنُوا الْخَبَرَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وُفِّقُوا لِتَرْكِ الْمُرَاجَعَةِ بَعْدَهَا وَلِوُجُودِ مَا أُمِرُوا بِهِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَقُولُوا إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمَا اهْتَدَوْا لَهَا أَبَدًا وَلَدَامَ الشَّرُّ بَيْنَهُمْ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} فَأَعْلَمَنَا اللَّهُ ذَلِكَ لِنَطْلُبَ نَجَاحَ الْأُمُورِ عِنْدَ الْإِخْبَارِ عَنْهَا فِي الْمُسْتَقْبِلِ بِذِكْرِ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي هُوَ مَشِيئَةُ اللَّهِ، وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى الْأَمْرِ بِهِ فِي قَوْلِهِ: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} فَفِيهِ اسْتِعَانَةٌ بِاَللَّهِ وَتَفْوِيضُ الْأَمْرِ إلَيْهِ وَالِاعْتِرَافُ بِقُدْرَتِهِ وَنَفَاذِ مَشِيئَتِهِ وَأَنَّهُ مَالِكُهُ وَالْمُدَبِّرُ لَهُ.
وَالتَّاسِعُ: دَلَالَةُ قَوْلِهِ: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ} عَلَى أَنَّ الْمُسْتَهْزِئَ يَسْتَحِقُّ سِمَةَ الْجَهْلِ، لِانْتِفَاءِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَهْل بِنَفْيِهِ الِاسْتِهْزَاءَ عَنْ نَفْسِهِ.
وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ بِأَمْرِ الدِّينِ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَعَظَائِمِهَا، لَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَبْلُغْ مَأْثَمُهُ النِّسْبَةَ إلَى الْجَهْلِ وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ مِسْعَرٍ أَنَّهُ تَقَدَّمَ إلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ الْقَاضِي قَالَ: وَعَلَيَّ جُبَّةُ صُوفٍ وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ كَثِيرَ الْمَزْحِ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ: أَصُوفُ نَعْجَةٍ جُبَّتُك أَمْ صُوفُ كَبْشٍ؟ فَقُلْت لَهُ: لَا تَجْهَلْ أَبْقَاكَ اللَّهُ قَالَ: وَأَنَّى وَجَدْت الْمِزَاحَ جَهْلًا؟ فَتَلَوْت عَلَيْهِ: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ} قَالَ: فَأَعْرَضِ وَاشْتَغَلَ بِكَلَامٍ آخَرَ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا بِقَتْلِ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ الْكُفْرُ، وَإِنَّمَا كَانَ مَأْمُورًا بِالنَّظَرِ بِالْقَوْلِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ لِنَبِيِّ اللَّهِ {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} كُفْرٌ وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ لِمُوسَى {اجْعَلْ لَنَا إلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ كُفْرَهُمْ هَذَا لَمْ يُوجِبْ فُرْقَةً بَيْنَ نِسَائِهِمْ وَبَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِفِرَاقِهِنَّ وَلَا تَقْرِيرِ نِكَاحٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُنَّ.
وقَوْله تَعَالَى: {وَاَللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا يَسَّرَهُ الْعَبْدُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ وَدَامَ ذَلِكَ مِنْهُ أَنَّ اللَّهَ سَيُظْهِرُهُ، وَهُوَ كَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إنَّ عَبْدًا لَوْ أَطَاعَ اللَّهَ مِنْ وَرَاءِ سَبْعِينَ حِجَابًا لَأَظْهَرَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ وَكَذَلِكَ الْمَعْصِيَةُ».
وَرُوِيَ أَنَّ اللَّهُ تَعَالَى أَوْحَى إلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: قُلْ لِبَنِي إسْرَائِيلَ يُخْفُوا لِي أَعْمَالَهُمْ وَعَلَيَّ أَنْ أُظْهِرَهَا وقَوْله تَعَالَى: {وَاَللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} عَامٌّ وَالْمُرَادُ خَاصٌّ؛ لِأَنَّ كُلَّهُمْ مَا عَلِمُوا بِالْقَاتِلِ بِعَيْنِهِ وَلِذَلِكَ اخْتَلَفُوا وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: {وَاَللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} عَامًّا فِي سَائِرِ النَّاسِ لِأَنَّهُ كَلَامٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ وَهُوَ عَامٌّ فِيهِمْ وَفِي غَيْرِهِمْ.
وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ سِوَى مَا ذَكَرْنَا حِرْمَانُ مِيرَاثِ الْمَقْتُولِ، رَوَى أَبُو أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبِيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانَ لَهُ ذُو قَرَابَةٍ وَهُوَ وَارِثُهُ، فَقَتَلَهُ لِيَرِثَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ فَأَلْقَاهُ عَلَى بَابِ قَوْمٍ آخَرِينَ وَذَكَرَ قِصَّةَ الْبَقَرَةِ وَذَكَرَ بَعْدَهَا: فَلَمْ يُوَرَّثْ بَعْدَهَا قَاتِلٌ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مِيرَاثِ الْقَاتِلِ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ لَا مِيرَاثَ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَأَنَّهُ لَا يَرِثُ مِنْ دِيَتِهِ وَلَا مِنْ سَائِرِ مَالِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ إلَّا أَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا: إنْ كَانَ الْقَاتِلُ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا وَرِثَ وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ: قَاتِلُ الْخَطَإِ يَرِثُ دُونَ قَاتِلِ الْعَمْدِ وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: لَا يَرِثُ قَاتِلُ الْخَطَإِ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ عَمْدًا مِنْ دِيَةِ مَنْ قَتَلَ شَيْئًا وَلَا مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ قَتَلَهُ خَطَأً وَرِثَ مِنْ مَالِهِ وَلَمْ يَرِثْ مِنْ دِيَتِهِ.
وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَالزُّهْرِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَقَالَ الْمُزَنِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ: إذَا قَتَلَ الْبَاغِي الْعَادِلَ أَوْ الْعَادِلُ الْبَاغِيَ لَا يَتَوَارَثَانِ لِأَنَّهُمَا قَاتِلَانِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَمْ يَخْتَلِفْ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّ قَاتِلِ الْعَمْدِ لَا يَرِثُ الْمَقْتُولَ إذَا كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَاخْتُلِفَ فِي قَاتِلِ الْخَطَإِ عَلَى الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا وَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَنْبَسَةَ بْنِ لَقِيطٍ الضَّبِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَجَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ وَالْمُثَنَّى وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِنْ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ».
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ زَكَرِيَّا التُّسْتَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ الْحَجَّاجِ عَنْ عَمْرِو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: «لَيْسَ لِلْقَاتِلِ شَيْءٌ» وَرَوَى اللَّيْثُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ».
وَرَوَى يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْقَاتِلُ عَمْدًا لَا يَرِثُ مِنْ أَخِيهِ وَلَا مِنْ ذِي قَرَابَتِهِ شَيْئًا وَيَرِثُ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْهِ نَسَبًا بَعْدَ الْقَاتِلِ»، وَرَوَى حِصْنُ بْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ عَنْ عَدِيٍّ الْجُذَامِيِّ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَتْ لِي امْرَأَتَانِ فَاقْتَتَلَتَا فَرَمَيْت إحْدَاهُمَا؟ فَقَالَ: اعْقِلْهَا وَلَا تَرِثْهَا، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ حِرْمَانُ الْقَاتِلِ مِيرَاثَهُ مِنْ سَائِرِ مَالِ الْمَقْتُولِ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعَامِدِ وَالْمُخْطِئِ لِعُمُومِ لَفْظِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيهِ.
وَقَدْ اسْتَعْمَلَ الْفُقَهَاءُ هَذَا الْخَبَرَ وَتَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ فَجَرَى مَجْرَى التَّوَاتُرِ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» وَقَوْلِهِ: «لَا تُنْكَحْ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا». «وَإِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ فَالْقَوْلُ مَا قَالَهُ الْبَائِعُ أَوْ يَتَرَادَّانِ» وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ مِنْ الْأَخْبَارِ الَّتِي مَخْرَجُهَا مِنْ جِهَةِ الْإِفْرَادِ وَصَارَتْ فِي حَيِّزِ التَّوَاتُرِ لِتَلَقِّي الْفُقَهَاءُ لَهَا بِالْقَبُولِ مِنْ اسْتِعْمَالِهِمْ إيَّاهَا فَجَازَ تَخْصِيصُ آيَةِ الْمَوَارِيثِ بِهَا وَيَدُلُّ عَلَى تَسْوِيَةِ حُكْمِ الْعَامِدِ وَالْمُخْطِئِ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَعُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْ نُظَرَائِهِمْ عَلَيْهِمْ وَغَيْرُ جَائِزِ فِيمَا كَانَ هَذَا وَصْفَهُ مِنْ قَوْلِ الصَّحَابَةِ فِي شُيُوعِهِ وَاسْتِفَاضَتِهِ أَنْ يُعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ التَّابِعِينَ وَلَمَّا وَافَقَ مَالِكٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ مِنْ دِيَتِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَ سَائِرِ مَالِهِ مِنْ وجوه:
أحدها: أَنَّ دِيَتَهُ مَالُهُ وَمِيرَاثٌ عَنْهُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ تُقْضَى مِنْهَا دُيُونُهُ وَتُنَفَّذُ مِنْهَا وَصَايَاهُ وَيَرِثُهَا سَائِرُ وَرَثَتِهِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا يَرِثُونَ سَائِرَ أَمْوَالِهِ، فَلَمَّا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ مِنْ دِيَتِهِ كَانَ ذَلِكَ حُكْمَ سَائِرِ مَالِهِ فِي الْحِرْمَانِ كَمَا أَنَّهُ إذَا وَرِثَ مِنْ سَائِرِ مَالِهِ وَرِثَ مِنْ دِيَتِهِ، فَمِنْ حَيْثُ كَانَ حُكْمُ سَائِرِ مَالِهِ حُكْمَ دِيَتِهِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ سَائِرِ مَالِهِ حُكْمَ دِيَتِهِ فِي الْحِرْمَانِ؛ إذْ كَانَ الْجَمِيعُ مُسْتَحَقًّا عَلَى سِهَامِ وَرَثَتِهِ وَأَنَّهُ مَبْدُوءٌ بِهِ فِي الدَّيْنِ عَلَى الْمِيرَاثِ وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَرِثُ مِنْ دِيَتِهِ لِمَا اقْتَضَاهُ الْأَثَرُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ سَائِرِ مَالِهِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَثَرَ لَمْ يَفْصِلْ فِي وُرُودِهِ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا وَرِثَ قَاتِلُ الْخَطَإِ مِنْ سَائِرِ مَالِهِ سِوَى الدِّيَةِ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ أَنْ يَكُونَ قَتَلَهُ لِيَرِثَهُ وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي دِيَتِهِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ التُّهْمَةِ أَبْعَدُ.
فَوَاجِبٌ عَلَى مُقْتَضَى عِلَّتِهِ أَنْ يَرِثَ مِنْ دِيَتِهِ وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي قَاتِلِ الْعَمْدِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ أَنَّهُ لَا يَرِثُ سَائِرَ مَالِهِ كَمَا لَا يَرِثُ مِنْ دِيَتِهِ إذَا وَجَبَتْ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَ قَاتِلِ الْخَطَإِ لِاتِّفَاقِهِمَا فِي حِرْمَانِ الْمِيرَاثِ مِنْ دِيَتِهِ وَأَيْضًا إذَا كَانَ قَتْلُ الْعَمْدِ وَشِبْهُ الْعَمْدِ إنَّمَا حَرَّمَا الْمِيرَاثَ لِلتُّهْمَةِ فِي إحْرَازِ الْمِيرَاثِ بِقَتْلِهِ فَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَظْهَرَ رَمْيَ غَيْرِهِ وَهُوَ قَاصِدٌ بِهِ قَتْلَهُ لِئَلَّا يُقَادَ مِنْهُ وَلَا يَحْرُمُ الْمِيرَاثَ، فَلَمَّا كَانَتْ التُّهْمَةُ مَوْجُودَةً مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الْعَمْدِ وَشِبْهِهِ وَأَيْضًا تَوْرِيثُهُ بَعْضَ الْمِيرَاثِ دُونَ بَعْضٍ خَارِجٌ مِنْ الْأُصُولِ؛ لِأَنَّ فِيهَا أَنَّ مَنْ وَرِثَ بَعْضَ تَرِكَةٍ وَرِثَ جَمِيعَهَا وَمَنْ حُرِمَ بَعْضُهَا حُرِمَ جَمِيعُهَا.
وَإِنَّمَا قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ لَا يُحْرَمَانِ الْمِيرَاثَ بِالْقَتْلِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمَا غَيْرُ مُكَلَّفَيْنِ، وَحِرْمَانُ الْمِيرَاثِ عَلَى وَجْهِ الْعُقُوبَةِ فِي الْأُصُولِ فَأُجْرِيَ قَاتِلُ الْخَطَإِ مَجْرَاهُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْعِقَابَ بِقَتْلِ الْخَطَإِ تَغْلِيظًا لِأَمْرِ الدَّمِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَصَدَ الْقَتْلَ بِرَمْيِهِ أَوْ بِضَرْبِهِ وَأَنَّهُ أَوْهَمَ أَنَّهُ قَاصِدٌ لِغَيْرِهِ فَأُجْرِيَ فِي ذَلِكَ مَجْرَى مَنْ عَلِمَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ مِنْهُمَا ذَلِكَ لَا يَسْتَحِقَّانِ الدَّمَ، قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَنْتَبِهَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ».
قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَظَاهِرُ هَذَا الْخَبَرِ يَقْتَضِي سُقُوطَ حُكْمِ قَتْلِهِ رَأْسًا مِنْ سَائِرِ الْوُجُوهِ، وَلَوْلَا قِيَامُ الدَّلَالَةِ لَمَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ أَيْضًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّهُ يُحْرَمُ النَّائِمُ الْمِيرَاثَ إذَا انْقَلَبَ عَلَى صَبِيِّ فَقَتَلَهُ؟ قِيلَ لَهُ: هُوَ مِثْلُ قَاتِلِ الْخَطَإِ يَجُوزَ أَنْ يَكُونَ أَظْهَرَ أَنَّهُ نَائِمٌ وَلَمْ يَكُنْ نَائِمًا فِي الْحَقِيقَةِ وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْعَادِلِ إذَا قَتَلَ الْبَاغِيَ حُرِمَ الْمِيرَاثَ، فَلَا وَجْه لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِحَقٍّ وَقَدْ كَانَ الْبَاغِي مُسْتَحِقًّا لِلْقَتْلِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُحْرَمَ الْمِيرَاثَ وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ مَنْ وَجَبَ لَهُ الْقَوَدُ عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ قَوَدًا أَنَّهُ لَا يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ قَتْلُ الْعَادِلِ الْبَاغِيَ يُحْرِمُهُ الْمِيرَاثَ لَوَجَبَ أَنَّهُ إذَا كَانَ مُحَارِبًا فَاسْتَحَقَّ الْقَتْلَ حَدًّا أَنْ لَا يَكُونَ مِيرَاثُهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ قَامَ مَقَامَ الْجَمَاعَةِ فِي إجْرَاءِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُمْ قَتَلُوهُ، فَلَمَّا كَانَ الْمُسْلِمُونَ هُمْ الْمُسْتَحِقِّينَ لِمِيرَاثِ مَنْ ذَكَرْنَا أَمْرَهُ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ قَامَ مَقَامَهُمْ فِي قَتْلِهِ ثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ مَنْ قُتِلَ بِحَقِّ لَا يُحْرِمُ قَاتِلُهُ مِيرَاثَهُ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا فِي حَافِرِ الْبِئْرِ وَوَاضِعِ الْحَجَرِ فِي الطَّرِيقِ إذَا عَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ: إنَّهُ لَا يُحْرَمَ الْمِيرَاثَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرَ قَاتِلٍ فِي الْحَقِيقَةِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلًا لِلْقَتْلِ وَلَا لِسَبَبٍ اتَّصَلَ بِالْمَقْتُولِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْقَتْلَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: عَمْدٌ، وَخَطَأٌ، وَشِبْهُ الْعَمْدِ، وَحَافِرُ الْبِئْرِ وَوَاضِعُ الْحَجَرِ خَارِجٌ عَنْ ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: حَفْرُ الْبِئْرِ وَوَضْعُ الْحَجَرِ سَبَبٌ لِلْقَتْلِ كَالرَّامِي وَالْجَارِحِ أَنَّهُمَا قَاتِلَانِ لِفِعْلِهِمَا السَّبَبَ قِيلَ لَهُ: الرَّمْيُ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ مِنْ مُرُورِ السَّهْمِ هُوَ فِعْلُهُ وَبِهِ حَصَلَ الْقَتْلُ، وَكَذَلِكَ الْجُرْحُ فَعَلَهُ فَصَارَ قَاتِلًا بِهِ لِاتِّصَالِ فِعْلِهِ بِالْمَقْتُولِ؛ وَعِثَارُ الرَّجُلِ بِالْحَجَرِ وَوُقُوعُهُ فِي الْبِئْرِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِهِ قَاتِلًا. اهـ.

.من فوائد ابن العربي في الآيات السابقة:

قال رحمه الله:
قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ}.
هَذِهِ الْآيَةُ عَظِيمَةُ الْمَوْقِعِ، مُشْكِلَةٌ فِي النَّظَرِ؛ لِتَعَلُّقِهَا بِالْأُصُولِ وَمِنْ الْفُرُوعِ بِالْكَلَامِ فِي الدَّمِ، وَفِي كُلِّ فَصْلٍ إشْكَالٌ، وَذَلِكَ يَنْحَصِرُ فِي خَمْسِ مَسَائِلَ:

.الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي سَبَبِ ذَلِكَ:

رُوِيَ عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ كَانَ فِيهَا مَنْ قَتَلَ رَجُلًا غِيلَةً بِسَبَبٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ؛ وَطَرَحَهُ بَيْنَ قَوْمٍ، وَكَانَ قَرِيبُهُ، فَادَّعَى بِهِ عَلَيْهِمْ، تَرَافَعُوا إلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ الْقَاتِلُ: قَتَلَ قَرِيبِي هَذَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ، وَقَدْ وَجَدْتُهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَانْتَفُوا مِنْ ذَلِكَ، وَسَأَلُوا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِرَغْبَةٍ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي تَبْيِينِ الْحَقِّ لَهُمْ؛ فَدَعَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ رَبَّهُ تَعَالَى؛ فَأَمَرَهُمْ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ وَأَخْذِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا يُضْرَبُ بِهِ الْمَيِّتُ فَيَحْيَا فَيُخْبِرُهُمْ بِقَاتِلِهِ؛ فَسَأَلُوا عَنْ أَوْصَافِهَا وَشَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ حَتَّى انْتَهَوْا إلَى صِفَتِهَا الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ، فَطَلَبُوا تِلْكَ الْبَقَرَةَ فَلَمْ يَجِدُوهَا إلَّا عِنْدَ رَجُلٍ بَرٍّ بِأَبَوَيْهِ أَوْ بِأَحَدِهِمَا؛ فَطَلَبَ مِنْهُمْ فِيهَا مِسْكَهَا مَمْلُوءًا ذَهَبًا، فَبَذَلُوهُ فِيهَا، فَاسْتَغْنَى ذَلِكَ الرَّجُلُ بَعْدَ فَقْرِهِ، وَذَبَحُوهَا فَضَرَبُوهُ بِبَعْضِهَا، فَقَالَ: فُلَانٌ قَتَلَنِي، لِقَاتِلِهِ.

.الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي الْحَدِيثِ عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ:

كَثُرَ اسْتِرْسَالُ الْعُلَمَاءِ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُمْ فِي كُلِّ طَرِيقٍ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ».
وَمَعْنَى هَذَا الْخَبَرِ الْحَدِيثُ عَنْهُمْ بِمَا يُخْبِرُونَ بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَقِصَصِهِمْ لَا بِمَا يُخْبِرُونَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ أَخْبَارَهُمْ عَنْ غَيْرِهِمْ مُفْتَقِرَةٌ إلَى الْعَدَالَةِ وَالثُّبُوتِ إلَى مُنْتَهَى الْخَبَرِ، وَمَا يُخْبِرُونَ بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ إقْرَارِ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ قَوْمِهِ؛ فَهُوَ أَعْلَمُ بِذَلِكَ.
وَإِذَا أَخْبَرُوا عَنْ شَرْعٍ لَمْ يَلْزَمْ قَوْلُهُ؛ فَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أُمْسِكُ مُصْحَفًا قَدْ تَشَرَّمَتْ حَوَاشِيهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قُلْت: جُزْءٌ مِنْ التَّوْرَاةِ؛ فَغَضِبَ وَقَالَ: وَاَللَّهِ لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إلَّا اتِّبَاعِي.

.الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: [الحكمة من الإخبار بحكم جرى في زمن موسى عليه السلام]:

أَخْبَرَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ عَنْ حُكْمٍ جَرَى فِي زَمَنِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هَلْ يَلْزَمُنَا حُكْمُهُ أَمْ لَا؟: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، وَالْمَسْأَلَةُ تُلَقَّبُ بِأَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ هَلْ هُوَ شَرْعٌ لَنَا حَتَّى يَثْبُتَ نَسْخُهُ أَمْ لَا؟ فِي ذَلِكَ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ شَرْعٌ لَنَا وَلِنَبِيِّنَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِالشَّرِيعَةِ مَعَنَا، وَبِهِ قَالَ طَوَائِفُ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَقَوْمٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ؛ وَاخْتَارَهُ الْكَرْخِيُّ وَنَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ بُكَيْر الْقَاضِي مِنْ عُلَمَائِنَا.
وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: هُوَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ أُصُولُ مَالِكٍ وَمَنَازِعُهُ فِي كُتُبِهِ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
الثَّانِي: أَنَّ التَّعَبُّدَ وَقَعَ بِشَرْعِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
الثَّالِثُ: أَنَّا تَعَبَّدْنَا بِشَرْعِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.
الرَّابِعُ: أَنَّا تَعَبَّدْنَا بِشَرْعِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.
الْخَامِسُ: أَنَّا لَمْ نَتَعَبَّدْ بِشَرْعِ أَحَدٍ، وَلَا أُمِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِلَّةِ بَشَرٍ، وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ.
وَمَا مِنْ قَوْلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ إلَّا وَقَدْ نَزَعَ فِيهِ بِآيَةٍ، وَتَلَا فِيهَا مِنْ الْقُرْآنِ حَرْفًا؛ وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ الصَّحِيحَ الْقَوْلُ بِلُزُومِ شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا لَنَا مِمَّا أَخْبَرَنَا بِهِ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمْ دُونَ مَا وَصَلَ إلَيْنَا مِنْ غَيْرِهِ؛ لِفَسَادِ الطُّرُقِ إلَيْهِمْ؛ وَهَذَا هُوَ صَرِيحُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي أُصُولِهِ كُلِّهَا، وَسَتَرَاهَا مَوْرُودَةً بِالتَّبْيِينِ حَيْثُ تَصَفَّحْت الْمَسَائِلَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا أَوْ غَيْرِهِ.
وَنُكْتَةُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَنَا عَنْ قَصَصِ النَّبِيِّينَ، فَمَا كَانَ مِنْ آيَاتِ الِازْدِجَارِ وَذِكْرِ الِاعْتِبَارِ فَفَائِدَتُهُ الْوَعْظُ، وَمَا كَانَ مِنْ آيَاتِ الْأَحْكَامِ فَالْمُرَادُ بِهِ الِامْتِثَالُ لَهُ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهْ} فَنَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ، وَبِهَذَا يَقَعُ الرَّدُّ عَلَى ابْنِ الْجُوَيْنِيِّ حَيْثُ قَالَ: إنَّ نَبِيَّنَا لَمْ يُسْمَعْ قَطُّ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَا بَاحَثَهُمْ عَنْ حُكْمٍ، وَلَا اسْتَفْهَمَهُمْ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لِفَسَادِ مَا عِنْدَهُمْ.
أَمَّا الَّذِي نَزَلَ بِهِ عَلَيْهِ الْمَلَكُ فَهُوَ الْحَقُّ الْمُفِيدُ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَلَا مَعْنَى لَهُ غَيْرُهُ.

.الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: [تعيين الميت لقاتله]:

لَمَّا ضَرَبَ بَنُو إسْرَائِيلَ الْمَيِّتَ بِتِلْكَ الْقِطْعَةِ مِنْ الْبَقَرَةِ قَالَ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ؛ فَتَعَيَّنَ قَتْلُهُ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِالْقَسَامَةِ بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ بِهَذَا، وَقَالَ مَالِكٌ: هَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَ الْمَيِّتِ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ مَقْبُولٌ وَيُقْسِمُ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: كَانَ هَذَا آيَةً وَمُعْجِزَةً عَلَى يَدِي مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَنِي إسْرَائِيلَ قُلْنَا: الْآيَةُ وَالْمُعْجِزَةُ إنَّمَا كَانَتْ فِي إحْيَاءِ الْمَيِّتِ، فَلَمَّا صَارَ حَيًّا كَانَ كَلَامُهُ كَسَائِرِ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ كُلِّهِمْ فِي الْقَبُولِ وَالرَّدِّ، وَهَذَا فَنٌّ دَقِيقٌ مِنْ الْعِلْمِ لَا يَتَفَطَّنُ لَهُ إلَّا مَالِكٌ.
وَلَقَدْ حَقَّقْنَاهُ فِي كِتَابِ الْمُقْسِطِ فِي ذِكْرِ الْمُعْجِزَاتِ وَشُرُوطِهَا، فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّمَا قَتَلَهُ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْآيَةِ.
قُلْنَا: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ إذَا أَخْبَرَ وَجَبَ صِدْقُهُ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ بِالْقَسَامَةِ مَعَهُ، أَوْ صَدَّقَهُ جِبْرِيلُ فَقَتَلَهُ مُوسَى بِعِلْمِهِ، كَمَا قَتَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَارِثَ بْنَ سُوَيْد، بِالْمُجَذِّرِ بْنِ زِيَادٍ بِإِخْبَارِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَهُ بِذَلِكَ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ كُبْرَى قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي مَوْضِعِهَا.
وَرَوَى مُسْلِمٌ، وَفِي الْمُوَطَّإِ، وَغَيْرِهِ، حَدِيثَ حُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ قَالَ فِيهِ: فَتَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَذَكَرَهُ إلَى قَوْلِهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ.
وَفِي مُسْلِمٍ: «يَحْلِفُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ إلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ».
وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَتَلَ رَجُلًا بِالْقَسَامَةِ مِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: نُسْخَةُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ صَحِيحَةٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَاسْتَبْعَدَ ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، قَالُوا: كَيْفَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الدَّمِ، وَهُوَ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي دِرْهَمٍ.
وَإِنَّمَا تُسْتَحَقُّ بِالْقَسَامَةِ الدِّيَةُ، وَقَدْ أَحْكَمْنَا الْجَوَابَ وَالِاسْتِدْلَالَ فِي مَوْضِعِهِ، وَنُشِيرُ إلَيْهِ الْآنَ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّ السُّنَّةَ هِيَ الَّتِي تَمْضِي وَتَرِدُ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهَا، وَلَا تَنَاقُضَ فِيهَا، وَقَدْ تَلَوْنَا أَحَادِيثَهَا.
الثَّانِي: أَنَّهُ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ: لَا يُقْبَلُ فِي دِرْهَمٍ قَدْ قُلْتُمْ: إنَّ قَتِيلَ الْمَحَلَّةِ يُقْسَمُ فِيهِ عَلَى الدِّيَةِ، وَلَيْسَ هُنَالِكَ قَوْلٌ لِأَحَدٍ، وَإِنَّمَا هِيَ حَالَةٌ مُحْتَمِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ وَالْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، إذْ يَجُوزُ أَنْ يَقْتُلَهُ رَجُلٌ وَيَجْعَلَهُ عِنْدَ دَارِ آخَرَ؛ بَلْ هَذَا هُوَ الْغَالِبُ مِنْ أَفْعَالِهِمْ، وَبَاقِي النَّظَرِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَشَرْحِ الْحَدِيثِ مُسْتَطَرٌ.

.الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: [حصر الحيوان في المعين بالصفة]:

فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى حَصْرِ الْحَيَوَانِ [فِي الْمُعَيَّنِ] بِالصِّفَةِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ يَقُولُ: لَا يُحْصَرُ الْحَيَوَانُ بِصِفَةٍ وَلَا يَتَعَيَّنُ بِحِلْيَةٍ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ أَنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ لَمَّا قِيلَ لَهُمْ: اذْبَحُوا بَقَرَةً بَادَرُوا إلَى أَيِّ بَقَرَةٍ كَانَتْ فَذَبَحُوهَا لَأَجْزَأَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وَامْتَثَلُوا مَا طُلِبَ، وَلَكِنَّهُمْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَمَا زَالُوا يَسْأَلُونَ وَيُوصَفُ لَهُمْ حَتَّى تَعَيَّنَتْ.
وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ، وَدَلِيلٌ مَلِيحٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.

.من فوائد القاسمي في الآية:

قال رحمه الله:
{فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [73].
{فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ} أي: المقتول: {بِبَعْضِهَا} أي: البقرة. يعني فضربوه فحيى وأخبر بقاتله. كما دل عليه قوله: {كَذَلِكَ} أي: مثل هذا الإحياء العظيم على هذه الهيئة الغريبة: {يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى} يوم القيامة: {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} أي: دلائله الدالة على أنه تعالى على كل شيء قدير.
ويجوز أن يراد بالآيات هذا الإحياء. والتعبير عنه بالجمع لاشتماله على أمور بديعة من ترتب الحياة على عضو ميت. وإخباره بقاتله، وما يلابسه من الأمور الخارقة للعادة: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} لتكونوا برؤية تلك الآيات على رجاء من أن يحصل لكم عقل، فيرشدكم إلى اعتقاد البعث وغيره، مما تخبر به الرسل عن الله تعالى.
قال الراغب: وقوله: {كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى} قيل هو حكاية عن قول موسى عليه السلام لقومه، وقيل بل هو خطاب من الله تعالى لهذه الأمة، تنبيهًا على الاعتبار بإحيائه الموتى.
تنبيهات:
الأول: قال الزمخشري: فإن قلت: فما للقصة لم تقص على ترتيبها، وكان حقها أن يقدم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها؟ فيقال: وإذ قتلتم نفسًا فادارأتم فيها، فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها؟
أجيب: بأن كل ما قص من قصص بني إسرائيل، إنما قص تعديدًا لما وجد منهم من الجنايات، وتقريعًا لهم عليها، ولما جدد فيهم من الآيات العظام. وهاتان قصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع وإن كانتا متصلتين متحدتين. فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء، وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك. والثانية للتقريع على قتل النفس المحرمة، وما يتبعه من الآية العظيمة. وإنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل، لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة، ولذهب الغرض في تثنية التقريع. ولقد روعيت نكتة، بعد ما استؤنفت الثانية، استئناف قصة برأسها أن وصلت بالأولى دلالة على اتحادهما بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله: {اضْرِبُوْهُ بِبَعْضِهَا}، حتى تبين أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع، وتثنيته بإخراج الثانية مخرج الاستئناف مع تأخيرها، وأنها قصة واحدة بالضمير الراجع إلى البقرة.
وقال الحراليّ: قدم نبأ قول موسى عليه السلام على ذكر ندائهم في القتيل، ابتداء بأشرف القصدين من معنى التشريع الذي هو القائم على أفعال الاعتداء وأقوال الخصومة. والله أعلم.
التنبيه الثاني: قال الراغب: قد استبعد بعض الناس ذلك وما حكاه الله منه، وأنكر حصول ذلك الفعل على الحقيقة. وقال: ذلك ممتنع من حيث الطبيعة، وأيضًا فإن ذلك لا يعرف فيه حكمة إلهية. فأما استبعاده ذلك من حيث الطبيعة فإنما هو استبعاد للإحياء والنشور، ولذلك موضع لا يختص بالتفسير. ومن كان ذلك طريقته فلا خوض معه في تفسير القرآن. وأما الحكمة فيه فظاهرة إذ هو من المعجزات المحسوسة الباهرة للعقول. وأما تخصيص البقرة، فإن كثيرًا من حكمة الله تعالى لا يمكن للبشر الوقوف عليه. ولو لم يكن في تخصيص بقرة على وصف مخصوص إلاّ توافر المأمورين بذلك على طلبها، واستيجاب الثواب في بذل ثمنها، وجلب نفع توفر إلى صاحبها لكان في ذلك حكمة عظيمة.
وفي الآية تنبيه على أن الجماعة التي حكمهم واحد يجوز أن ينسب الفعل إليهم، وإن كان واقعًا من بعضهم، ولا يكون ذلك كذبًا، كأن الجملة المركبة من شخص واحد يصح أن ينسب إليها ما وقع من عضو منها.
وقد ذكر أكثر المفسرين قصة البقرة وصاحبها بروايات مختلفة لم نورد شيئًا منها لأنه لم يرو بسند صحيح إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا يتعلق به كبير فائدة، كما أن البعض من البقرة لم يجئ من طريق صحيح عن معصوم بيانُه. فنحن نبهمه كما أبهمه الله تعالى؛ إذ ليس في تعيينه لنا فائدة دينية ولا دنيوية، وإن كان معينًا في نفس الأمر، وأيًّا كان فالمعجزة حاصلة به. اهـ.

.من فوائد الشعراوي في الآية:

قال رحمه الله:
{فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)}.
احتدم الخلاف بين بني إسرائيل وكادت تحدث فتنة كبيرة.. فقرروا أن يلجأوا إلى موسى عليه السلام ليطلب من الله تبارك وتعالى أن يكشف لهم لغز هذه الجريمة ويدلهم على القاتل.. وجاء الأمر من الله سبحانه وتعالى أن اذبحوا البقرة ولو ذبحوا بقرة أية بقرة لانتهت المشكلة.. ولكنهم ظلوا يقولون ما لونها وما شكلها إلى آخر ما رويناه.. حتى وصلوا إلى البقرة التي كان قد استودعها الرجل الصالح عند الله حتى يكبر ابنه فاشتروها وذبحوها.. فأمرهم الله أن يضربوه ببعضها. أي أن يضربوا القتيل بجزء من البقرة المذبوحة بعد أن سال دمها وماتت.
وانظر إلى العظمة في القصة.. جزء من ميت يُضرب به ميت فيحيا.. إذن المسألة أعدها الحق بصورة لا تجعلهم يشكون أبدا.. فلو أن الله أحياه بدون أن يضرب بجزء من البقرة. لقالوا لم يكن قد مات، كانت فيه حياه ثم أفاق بعد اغماءة. ولكن الله أمرهم أن يذبحوا بقرة حتى تموت ليعطيهم درسا إيمانيا بقدرة الله وهم الماديون الذين لا يؤمنون إلا بالماديات.. وأن يأخذوا جزءًا أو أجزاء منها وأن يضربوا به القتيل فيحيا وينطق باسم قاتله ويميته الله بعد ذلك.
يقول الحق جل جلاله: {كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ليرى بنو إسرائيل وهم على قيد الحياة كيف يحيى الله الموتى وليعرفوا أن الإنسان لا يبقى حيا بأسباب الحياة.. ولكن بإرادة مسبب الحياة في أن يقول: {كن فيكون}. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال ابن عادل:
والضمير في: فاضربوه يعود على النفس لتأويلها بمعنى الشخص والإنسان، أو على القتيل المدلول عليه بقوله: {والله مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} والجملة من {اضربوه} في محلّ نصب بالقول.
وفي الكلام محذوف والتقدير: قلنا: اضربوه ببعضها فضربوه ببعضها فحيي، إلا أنه حذف ذلك لدلالة قوله: {يُحْيِي الله الموتى} عليه، فهو كقوله: {اضرب بِّعَصَاكَ الحجر فانفجرت} [البقرة: 60] أي فضرب فانفجرت [وقوله: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ} [البقرة: 184] أي: فأفطر فعدّة] وقوله: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} [البقرة: 196] أي: فحلق ففدية.
قوله: {كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ المَوْتَى} {كذلك} في محلّ نصب؛ لأنه نعت لمصدر محذوف تقديره: يحيي الله الموتى إحياء مثل ذلك الإحياء، فيتعلّق بمحذوف، أي: إحياء كائنًا كذلك الإحياء، أو لأنه حال من المصدر المعروف، أي: ويريكم الإراءة حال كمونها مُشَبِهَةً ذلك الإحياء، وقد تقدم أنه مذهب سيبويه.
و{الموتى} جمع مَيِّت، وفي هذه الإشارة وجهان:
أحدهما: أنها إشارة إلى نفس ذلك الميت.
والثاني: أنها احتجاج على صحّة الإعادة.
قال الأصم: إنه على المشركين؛ لأنه إن ظهر لهم بالتَّوَاتر [أن هذا الإحياء قد كان على هذه الوجه علموا صحّة الإعادة، وإن لم يظهر ذلك بالتواتر]، فإنه داعية إلى التفكُّر.
قوله: {وَيُريكُمْ آيَاتِهِ} الرؤيا هنا بَصَرية، فالهمزة للتعدية أكسبت الفعل مفعولًا ثانيًا وهو {آياته}، والمعنى: يجعلكم مُبْصرين آياته.
و"كم" هو المفعول الأول، وأصل {يريكم}: يُأَرْإيكم، فحذفت همزة أفعل في المضارعة لما تقدم في {يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 3] وبابه، [فبقي يُرْئيكم]، فنقلبت حركة الهمزة على الراء، وحذفت الهمزة تخفيفًا، وهو نقل لازم في مادة رأى وبابه دون غيره مما عينه همزة نحو: نأى ينأى ولا يجوز عدم النقل في رأي وبابه إلا ضرورة كقوله: [الوافر]
أُرِي عَيْنَيَّ مَالَمْ تَرْأَيَاهُ
كِلاَنا عَالِمٌ بِالتُّرَّهَاتِ

.بحث علمي وأخلاقي:

قال صاحب الميزان:
أكثر الأمم الماضية قصة في القرآن أمة بني إسرائيل، وأكثر الأنبياء ذكرا فيه موسى بن عمران عليه السلام، فقد ذكر اسمه في القرآن، في مائة وستة وثلاثين موضعا ضعف ما ذكر إبراهيم عليه السلام الذي هو أكثر الأنبياء ذكرا بعد موسى، فقد ذكر في تسعة وستين موضعا على ما قيل فيهما، والوجه الظاهر فيه أن الإسلام هو الدين الحنيف المبني على التوحيد الذي أسس أساسه إبراهيم عليه السلام وأتمه الله سبحانه وأكمله لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى: {ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل} الحج- 78، وبنو إسرائيل أكثر الأمم لجاجا وخصاما، وأبعدهم من الانقياد للحق، كما أنه كان كفار العرب الذين ابتلى بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على هذه الصفة، فقد آل الأمر إلى أن نزل فيهم: {إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} البقرة- 6.
ولا ترى رذيلة من رذائل بني إسرائيل في قسوتهم وجفوتهم مما ذكره القرآن إلا وهو موجود فيهم، وكيف كان فأنت إذا تأملت قصص بني إسرائيل المذكورة في القرآن، وأمعنت فيها، وما فيها من أسرار أخلاقهم وجدت أنهم كانوا قوما غائرين في المادة مكبين على ما يعطيه الحس من لذائذ الحياة الصورية، فقد كانت هذه الامة لا تؤمن بما وراء الحس، ولا تنقاد إلا إلى اللذة والكمال المادي وهم اليوم كذلك.
وهذا الشأن هو الذي صير عقلهم وإرادتهم تحت انقياد الحس والمادة، لا يعقلون إلا ما يجوزانه، ولا يريدون إلا ما يرخصان لهم ذلك فانقياد الحس يوجب لهم أن لا يقبلوا قولا إلا إذا دل عليه الحس، وإن كان حقا وانقياد المادة اقتضى فيهم أن يقبلوا كل ما يريده أو يستحسنه لهم كبراؤهم ممن أوتي جمال المادة، وزخرف الحياة وإن لم يكن حقا، فأنتج ذلك فيهم التناقض قولا وفعلا، فهم يذمون كل اتباع باسم أنه تقليد وإن كان مما ينبغي إذا كان بعيدا من حسهم، ويمدحون كل اتباع باسم أنه حظالحياة، وان كان مما لا ينبغي إذا كان ملائما لهوساتهم المادية، وقد ساعدهم على ذلك وأعانهم على مكثهم الممتد وقطونهم الطويل بمصر تحت إستذلال المصريين، واسترقاقهم، وتعذيبهم، يسومونهم سوء العذاب ويذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم وفي ذلك بلاء من ربهم عظيم.
وبالجملة فكانوا لذلك صعبة الانقياد لما يأمرهم به أنبيائهم، والربانيون من علمائهم مما فيه صلاح معاشهم ومعادهم (تذكر في ذلك مواقفهم مع موسى وغيره) وسريعة اللحوق إلى ما يدعوهم المغرضون والمستكبرون منهم.
وقد ابتليت الحقيقة والحق اليوم بمثل هذه البلية بالمدنية المادية التي أتحفها إليها عالم الغرب، فهي مبنية القاعدة على الحس والمادة فلا يقبل دليل فيما بعد عن الحس ولا يسأل عن دليل فيما تضمن لذة مادية حسية، فأوجب ذلك إبطال الغريزة الإنسانية في أحكامها وارتحال المعارف العالية والأخلاق الفاضلة من بيننا فصار يهدد الإنسانية بالانهدام، وجامعة البشر بأشد الفساد وليعلمن نبأه بعد حين.
واستيفاء البحث في الأخلاق ينتج خلاف ذلك، فما كل دليل بمطلوب، وما كل تقليد بمذموم، بيان ذلك: أن النوع الإنساني بما أنه إنسان إنما يسير إلى كماله الحيوي بأفعاله الإرادية المتوقفة على الفكر والإرادة منه مستحيلة التحقق إلا عن فكر، فالفكر هو الاساس الوحيد الذي يبتني عليه الكمال الوجودي الضروري فلابد للإنسان من تصديقات عملية أو نظرية يرتبط بها كماله الوجودي ارتباطا بلا واسطة أو بواسطة، وهي القضايا التي نعلل بها أفعالنا الفرديه أو الاجتماعية أو نحضرها في أذهاننا، ثم نحصلها في الخارج بأفعالنا هذا.
ثم إن في غريزة الإنسان أن يبحث عن علل ما يجده من الحوادث، أو يهاجم إلى ذهنه من المعلومات، فلا يصدر عنه فعل يريد به إيجاد ما حضر في ذهنه في الخارج إلا إذا حضر في ذهنه علته الموجبة، ولا يقبل تصديقا نظريا إلا إذا اتكئ على التصديق بعلته بنحو، وهذا شأن الإنسان لا يتخطاه البته، ولو عثرنا في موارد على ما يلوح منه خلاف ذلك فبالتأمل والإمعان تنحل الشبهة، ويظهر البحث عن العلة، والركون والطمأنينة إليها فطري، والفطرة لا تختلف ولا يتخلف فعلها، وهذا يؤدي الإنسان إلى ما فوق طاقته من العمل الفكري والفعل المتفرع عليه لسعة الاحتياج الطبيعي، بحيث لا يقدر الإنسان الواحد إلى رفعه معتمدا على نفسه ومتكئا إلى قوة طبيعتة الشخصية فاحتالت الفطرة إلى بعثه نحو الاجتماع وهو المدينة والحضارة ووزعت أبواب الحاجة الحيوية بين أفراد الاجتماع، ووكل بكل باب من أبوابها طائفة كاعضاء الحيوان في تكاليفها المختلفة المجتمعة فائدتها وعائدتها في نفسه، ولا تزال الحوائج الإنسانية تزداد كمية واتساعا وتنشعب الفنون والصناعات والعلوم، ويتربى عند ذلك الاخصائيون من العلماء والصناع، فكثير من العلوم والصناعات كانت علما أو صنعة واحدة يقوم بأمرها الواحد من الناس، واليوم نرى كل باب من أبوابه علما أو علوما أو صنعة أو صنائع، كالطب المعدود قديما فنا واحدا من فروع الطبيعيات وهو اليوم فنون لا يقوم الواحد من العلماء الاخصائيين بأزيد من أمر فن واحد منها.
وهذا يدعو الإنسان بالالهام الفطري، أن يستقل بما يخصه من الشغل الإنساني في البحث عن علته ويتبع في غيره من يعتمد على خبرته ومهارته.
فبناء العقلاء من أفراد الاجتماع على الرجوع إلى أهل الخبرة وحقيقة هذا الاتباع، والتقليد المصطلح والركون إلى الدليل الاجمالي فيما ليس في وسع الانسان أن ينال دليل تفاصيله كما أنه مفطور على الاستقلال بالبحث عن دليله التفصيلي فيما يسعة أن ينال تفصيل علته ودليله، وملاك الأمر كله أن الإنسان لا يركن إلى غير العلم، فمن الواجب عند الفطرة الاجتهاد، وهو الاستقلال في البحث عن العلة فيما يسعه ذلك والتقليد وهو الاتباع ورجوع الجاهل إلى العالم فيما لا يسعه ذلك، ولما استحال أن يوجد فرد من هذا النوع الإنساني مستقلا بنفسه قائما بجميع شئون الأصل الذي يتكي عليه الحياة استحال أن يوجد فرد من الإنسان من غير اتباع وتقليد، ومن ادعى خلاف ذلك أو ظن من نفسه أنه غير مقلد في حياته فقد سفه نفسه.
نعم: التقليد فيما للإنسان أن ينال علته وسببه كالاجتهاد فيما ليس له الورود عليه والنيل منه، من الرذائل التي هي من مهلكات الاجتماع، ومفنيات المدنية الفاضلة ولا يجوز الاتباع المحض إلا في الله سبحانه لأنه السبب الذي إليه تنتهي الأسباب. اهـ.

.تفسير الآية رقم (74):

قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما كان حصول المعصية منهم بعد رؤية هذه الخارقة مستبعد التصور فضلًا عن الوقوع أشار إليه بقوله: {ثم قست} من القسوة وهي اشتداد التصلب والتحجر {قلوبكم} ولما كانت لهم حالات يطيعون فيها أتى بالجار فقال: {من بعد ذلك} أي من بعدما تقدم وصفه من الخوارق في المراجعات وغيرها تذكيرًا لهم بطول إمهاله لهم سبحانه مع توالي كفرهم وعنادهم، وتحذيرًا من مثل ما أحل بأهل السبت {فهي} أي فتسبب عن قسوتها أن كانت {كالحجارة} التي هي أبعد الأشياء عن حالها، فإن القلب أحيى حيّ والحجر أجمد جامد، ولم يشبهها بالحديد لما فيه من المنافع، ولأنه قد يلين.
ولما كانت القلوب بالنظر إلى حياتها ألين لين وبالنظر إلى ثباتها على حالة أصلب شيء كانت بحيث تحير الناظر في أمرها فقال: {أو}.
قال الحرالي: هي كلمة تدل على بَهم الأمر وخفيته فيقع الإبهام والإيهام. انتهى.
وهذا الإبهام بالنسبة إلى الرائين لهم من الآدميين، وأما الله تعالى فهو العالم بكل شيء قبل خلقه كعلمه به بعد خلقه وزاد أشد مع صحة بناء أفعل من قسى للدلالة على فرط القسوة فقال: {أشد قسوة} لأنها لا تلين لما حقه أن يلينها والحجر يلين لما حقه أن يلينه وكل وصف للحي يشابه به ما دونه أقبح فيه مما دونه من حيث إن الحي مهيأ لضد تلك المشابهة بالإدراك.
ولما كان التقدير فإن الحجارة تنفعل بالمزاولة عطف عليه مشيرًا إلى مزيد قسوتهم وجلافتهم بالتأكيد قوله: {وإن من الحجارة} وزاد في التأكيد تأكيدًا لذلك قوله: {لما يتفجر} أي يتفتح بالسعة والكثرة {منه الأنهار} ذكر الكثير من ذلك وتذكيرًا بالحجر المتفجر لهم منه الأنهار بضرب العصا ثم عطف على ذلك ما هو دونه فقال: {وإن منها لما يشقق} أي يسيرًا بتكلف بما يشير إليه الإدغام والتفعل من التشقق وهو تفعل صيغة التكلف من الشق وهو مصير الشيء في الشقين أي ناحيتين متقابلتين- قاله الحرالي.
{فيخرج منه الماء} الذي هو دون النهر، ثم عطف على هذا ما هو أنزل من ذلك فقال: {وإن منها لما يهبط من خشية الله} أي ينتقل من مكانه من أعلى الجبل إلى أسفله لأمر الملك الأعلى له بذلك وقلوبكم لانتقاد لشيء من الأوامر فجعل الأمر في حق القلوب لما فيها من العقل كالإرادة في حق الحجارة لما لها من الجمادية وفي ذلك تذكير لهم بالحجارة المتهافتة من الطور عند تجلي الرب.
قال الحرالي: والخشية وجل نفس العالم مما يستعظمه.
ولما كان التقدير: فما أعمالكم- أو: فما أعمالهم، على قراءة الغيب- مما يرضي الله؟ عطف عليه {وما} ويجوز أن يكون حالًا من قلوبكم أي قست والحال أنه ما {الله} أي الذي له الكمال كله {بغافل} والغفلة فقد الشعور بما حقه أن يشعر به {عما تعملون} فانتظروا عذابًا مثل عذاب أصحاب السبت إما في الدنيا وإما في الآخرة، ولم أر ذكر قصة البقرة في التوراة فلعله مما أخفوه لبعض نجاساتهم كما أشير إليه بقوله تعالى: {تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرًا} [الأنعام: 91] والذي رأيت فيها مما يشبه ذلك ويمكن أن يكون مسببًا عنه أنه قال في السفر الخامس منها ما نصه: فإذا وجدتم قتيلًا في الأرض التي يعطيكم الله ربكم مطروحًا لا يعرف قاتله يخرج أشياخكم وقضاتكم ويذرعون ما بين القتيل والقرية، فأية قرية كانت قريبة من القتيل يأخذ أشياخ تلك القرية عجلًا لم يعمل به عمل ولم يحرث به حرث، فينزل أشياخ تلك القرية العجل إلى الوادي الذي لم يزرع ولم يحرث فيه حرث يذبحون العجل في ذلك الوادي ويتقدم الأحبار بنو لاوى الذين اختارهم الله ربكم أن يخدموا ويباركوا اسم الرب وعن قولهم يقضي كل قضاء ويضرب كل مضروب، وجميع أشياخ تلك القرية القريبة من القتيل يغسلون أيديهم فوق العجل المذبوح في الوادي ويحلفون ويقولون: ما سفكت أيدينا هذا الدم وما رأينا من قتله فاغفر يا رب لآل إسرائيل شعبك الذين خلصت، ولا تؤاخذ شعبك بالدم الزكي، ويغفر لهم على الدم وأنتم فافحصوا عن الدم واقضوا بالحق وأبعدوا عنكم الإثم واعملوا الحسنات بين يدي الله ربّكم. انتهى.
وهو كما ترى يشبه أن يكون فرع هذا الأصل المذكور في القرآن العظيم. والله أعلم. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

الشيء الذي من شأنه بأصل ذاته أن يقبل الأثر عن شيء آخر ثم إنه عرض لذلك القابل ما لأجله صار بحيث لا يقبل الأثر فيقال لذلك القابل: إنه صار صلبًا غليظًا قاسيًا، فالجسم من حيث إنه جسم يقبل الأثر عن الغير إلا أن صفة الحجرية لما عرضت للجسم صار جسم الحجر غير قابل وكذلك القلب من شأنه أن يتأثر عن مطالعة الدلائل والآيات والعبر وتأثره عبارة عن ترك التمرد والعتو والاستكبار وإظهار الطاعة والخضوع لله والخوف من الله تعالى، فإذا عرض للقلب عارض أخرجه عن هذه الصفة صار في عدم التأثر شبيهًا بالحجر فيقال: قسا القلب وغلظ، ولذلك كان الله تعالى وصف المؤمنين بالرِّقة فقال: {كتابا متشابها مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} [الزمر: 23]. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذلك} القسوة: الصلابة والشدّة واليُبْس.
وهي عبارة عن خلوّها من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى.
قال أبو العالية وقتادة وغيرهما: المراد قلوب جميع بني إسرائيل.
وقال ابن عباس: المراد قلوب ورثة القتيل؛ لأنهم حين حَيِيَ وأخبر بقاتله وعاد إلى موته أنكروا قتله، وقالوا: كَذَب؛ بعد ما رأوا هذه الآية العظمى؛ فلم يكونوا قط أعمى قلوبًا، ولا أشدّ تكذيبًا لنبيّهم منهم عند ذلك، لكن نفذ حكم الله بقتله.
روى الترمذي عن عبد اللَّه بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي» وفي مسند البزار عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربعة من الشقاء جمود العين وقساء القلب وطول الأمل والحرص على الدنيا». اهـ.

.قال الفخر:

قال القفال: يجوز أن يكون المخاطبون بقوله: {قُلُوبُكُمْ} أهل الكتاب الذين كانوا في زمان محمد صلى الله عليه وسلم، أي اشتدت قلوبكم وقست وصلبت من بعد البينات التي جاءت أوائلكم والأمور التي جرت عليهم والعقاب الذي نزل بمن أصر على المعصية منهم والآيات التي جاءهم بها أنبياؤهم والمواثيق التي أخذوها على أنفسهم وعلى كل من دان بالتوراة ممن سواهم، فاخبر بذلك عن طغيانهم وجفائهم مع ما عندهم من العلم بآيات الله التي تلين عندها القلوب، وهذا أولى لأن قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} خطاب مشافهة، فحمله على الحاضرين أولى، ويحتمل أيضًا أن يكون المراد أولئك اليهود الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام خصوصًا، ويجوز أن يريد من قبلهم من سلفهم. اهـ.
قال الفخر:
قوله تعالى: {مِن بَعْدِ ذلك} يحتمل أن يكون المراد من بعد ما أظهره الله تعالى من إحياء ذلك القتيل عند ضربه ببعض البقرة المذبوحة حتى عين القاتل، فإنه روي أن ذلك القتيل لما عين القاتل نسبه القاتل إلى الكذب وما ترك الإنكار، بل طلب الفتنة وساعده عليه جمع، فعنده قال تعالى واصفًا لهم: إنهم بعد ظهور مثل هذه الآية قست قلوبهم، أي صارت قلوبهم بعد ظهور مثل هذه الآية في القسوة كالحجارة ويحتمل أن يكون قوله: {مِن بَعْدِ ذلك} إشارة إلى جميع ما عدد الله سبحانه من النعم العظيمة والآيات الباهرة التي أظهرها على يد موسى عليه السلام، فإن أولئك اليهود بعد أن كثرت مشاهدتهم لها ما خلوا من العناد والاعتراض على موسى عليه السلام وذلك بين في أخبارهم في التيه لمن نظر فيها. اهـ.
قال الفخر:
كلمة {أو} للترديد وهي لا تليق بعلام الغيوب، فلابد من التأويل وهو وجوه:
أحدها: أنها بمعنى الواو كقوله تعالى: {إلى مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147] بمعنى ويزيدون، وكقوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لبعواتهن أو آبائهن} [النور: 31] والمعنى وآبائهن وكقوله: {أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم} [النور: 61] يعني وبيوت آبائكم.
ومن نظائره قوله تعالى: {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى} [طه: 44]، {فالملقيات ذكرًا عذرًا أو نذرًا} [المرسلات: 5، 6].
وثانيها: أنه تعالى أراد أن يبهمه على العباد فقال ذلك كما يقول المرء لغيره: أكلت خبزًا أو تمرًا وهو لا يشك أنه أكل أحدهما إذا أراد أن يبينه لصاحبه.
وثالثها: أن يكون المراد فهي كالحجارة، ومنها ما هو أشد قسوة من الحجارة، ورابعها: أن الآدميين إذا اطلعوا على أحوال قلوبهم قالوا: إنها كالحجارة أو هي أشد قسوة من الحجارة وهو المراد في قوله: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أدنى} [النجم: 9] أي في نظركم واعتقادكم.
وخامسها: أن كلمة {أو} بمعنى بل وأنشدوا:
فوالله ما أدري أسلمى تغولت
أم القوم أو كل إلي حبيب

قالوا: أراد بل كل.
وسادسها: أنه على حد قولك ما آكل إلا حلوًا أو حامضًا أي طعامي لا يخرج عن هذين، بل يتردد عليهما، وبالجملة: فليس الغرض إيقاع التردد بينهما، بل نفي غيرهما.
وسابعها: أن {أو} حرف إباحة كأنه قيل بأي هذين شبهت قلوبهم كان صدقًا كقولك: جالس الحسن أو ابن سيرين أي أيهما جالست كنت مصيبًا ولو جالستهما معًا كنت مصيبًا أيضًا. اهـ.
قال الفخر:
إنما وصفها بأنها أشد قسوة لوجوه:
أحدها: أن الحجارة لو كانت عاقلة ولقيتها هذه الآية لقبلنها كما قال: {لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرءان على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خاشعا مُّتَصَدّعًا مّنْ خَشْيَةِ الله} [الحشر: 21].
وثانيها: أن الحجارة ليس فيها امتناع مما يحدث فيها بأمر الله تعالى وإن كانت قاسية بل هي منصرفة على مراد الله غير ممتنعة من تسخيره، وهؤلاء مع ما وصفنا من أحوالهم في اتصال الآيات عندهم وتتابع النعم من الله عليهم يمتنعون من طاعته ولا تلين قلوبهم لمعرفة حقه وهو كقوله تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ في الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38] إلى قوله تعالى: {والذين كَذَّبُواْ باياتنا صُمٌّ وَبُكْمٌ في الظلمات} [الأنعام: 39] كأن المعنى أن الحيوانات من غير بني آدم أمم سخر كل واحد منها لشيء وهو منقاد لما أريد منه وهؤلاء الكفار يمتنعون عما أراد الله منهم.
وثالثها: أو أشد قسوة، لأن الأحجار ينتفع بها من بعض الوجوه، ويظهر منها الماء في بعض الأحوال، أما قلوب هؤلاء فلا نفع فيها ألبتة ولا تلين لطاعة الله بوجه من الوجوه. اهـ.
قال الفخر:
قال القاضي: إن كان تعالى هو الخالق فيهم الدوام على ما هم عليه من الكفر، فكيف يحسن ذمهم بهذه الطريقة ولو أن موسى عليه السلام خاطبهم فقالوا له: إن الذي خلق الصلابة في الحجارة هو الذي خلق في قلوبنا القسوة والخالق في الحجارة انفجار الأنهار هو القادر على أن ينقلنا عما نحن عليه من الكفر بخلق الإيمان فينا، فإذا لم يفعل فعذرنا ظاهر لكانت حجتهم عليه أوكد من حجته عليهم، وهذا النمط من الكلام قد تقدم تقريرًا وتفريعًا مرارًا وأطوارًا. اهـ.
قال الفخر:
إنما قال: {أَشَدُّ قَسْوَةً} ولم يقل أقسى، لأن ذلك أدل على فرط القسوة ووجه آخر وهو أن لا يقصد معنى الأقسى، ولكن قصد وصف القسوة بالشدة كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة، وقرئ {قساوة} وترك ضمير المفضل عليه لعدم الالباس كقولك: زيد كريم وعمرو أكرم.
ثم إنه سبحانه وتعالى فضل الحجارة على قلوبهم بأن بين أن الحجارة قد يحصل منها ثلاثة أنواع من المنافع، ولا يوجد في قلوب هؤلاء شيء من المنافع.
فأولها: قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار}. اهـ.
قال الفخر:
التفجر التفتح بالسعة والكثرة، يقال: انفجرت قرحة فلان، أي انشقت بالمدة ومنه الفجر والفجور.
وقرأ مالك بن دينار {ينفجر} بمعنى وإن من الحجارة ما ينشق فيخرج منه الماء الذي يجري حتى تكون منه الأنهار.
قالت الحكماء: إن الأنهار إنما تتولد عن أبخرة تجتمع في باطن الأرض، فإن كان ظاهر الأرض رخوًا انشقت تلك الأبخرة وانفصلت، وإن كان ظاهر الأرض صلبًا حجريًا اجتمعت تلك الأبخرة، ولا يزال يتصل تواليها بسوابقها حتى تكثر كثرة عظيمة فيعرض حينئذ من كثرتها وتواتر مدها أن تنشق الأرض وتسيل تلك المياه أودية وأنهارًا.
وثانيها: قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الماء}، أي من الحجارة لما ينصدع فيخرج منه الماء فيكون عينًا لا نهرًا جاريًا، أي أن الحجارة قد تندى بالماء الكثير وبالماء القليل، وفي ذلك دليل تفاوت الرطوبة فيها، وأنها قد تكثر في حال حتى يخرج منها ما يجري منه الأنهار، وقد تقل، وهؤلاء قلوبهم في نهاية الصلابة لا تندى بقبول شيء من المواعظ ولا تنشرح لذلك ولا تتوجه إلى الاهتداء وقوله تعالى: {يَشَّقَّقُ} أي يتشقق، فأدغم التاء كقوله: {يَذَّكَّرُ} أي يتذكر وقوله: {يا أيها المزمل} [المزمل: 1]، {يا أيها المدثر} [المدثر: 1].
وثالثها: قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله}.
واعلم أن فيه إشكالًا وهو أن الهبوط من خشية الله صفة الأحياء العقلاء، والحجر جماد فلا يتحقق ذلك فيه، فلهذا الإشكال ذكروا في هذه الآية وجوهًا.
أحدها: قول أبي مسلم خاصة وهو أن الضمير في قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا} راجع إلى القلوب، فإنه يجوز عليها الخشية والحجارة لا يجوز عليها الخشية: وقد تقدم ذكر القلوب كما تقدم ذكر الحجارة، أقصى ما في الباب أن الحجارة أقرب المذكورين، إلا أن هذا الوصف لما كان لائقًا بالقلوب دون الحجارة وجب رجوع هذا الضمير إلى القلوب دون الحجارة، واعترضوا عليه من وجهين:
الأول: أن قوله تعالى: {فَهِيَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} جملة تامة، ثم ابتدأ تعالى فذكر حال الحجارة بقوله: {وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار} فيجب في قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله} أن يكون راجعًا إليها، الثاني: أن الهبوط يليق بالحجارة لا بالقلوب، فليس تأويل الهبوط أولى من تأويل الخشية، وثانيها: قول جمع من المفسرين: إن الضمير عائد إلى الحجارة، لكن لا نسلم أن الحجارة ليست حية عاقلة، بيانه أن المراد من ذلك جبل موسى عليه السلام حين تقطع وتجلى له ربه، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى خلق فيه الحياة والعقل والإدراك، وهذا غير مستبعد في قدرة الله، ونظيره قوله تعالى: {وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَنطَقَنَا الله الذى أَنطَقَ كُلَّ شَئ} [فصلت: 21]، فكما جعل الجلد ينطق ويسمع ويعقل، فكذلك الجبل وصفه بالخشية، وقال أيضًا: {لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرءان على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خاشعا مُّتَصَدّعًا مّنْ خَشْيَةِ الله} [الحشر: 21]، والتقدير أنه تعالى لو جعل فيه العقل والفهم لصار كذلك، وروي أنه حن الجزع لصعود رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أتاه الوحي في أول المبعث وانصرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزله سلمت عليه الأحجار والأشجار، فكلها كانت تقول: السلام عليك يا رسول الله، قالوا: فغير ممتنع أن يخلق في بعض الأحجار عقل وفهم حتى تحصل الخشية فيه، وأنكرت المعتزلة هذا التأويل لما أن عندهم البنية واعتدال المزاج شرط قبول الحياة والعقل، ولا دلالة لهم على اشتراط البنية إلا مجرد الاستبعاد، فوجب أن لا يلتفت إليهم.
وثالثها: قول أكثر المفسرين وهو أن الضمير عائد إلى الحجارة، وأن الحجارة لا تعقل ولا تفهم، وذكروا على هذا القول أنواعًا من التأويل.
الأول: أن من الحجارة ما يتردى من الموضع العالي الذي يكون فيه فينزل إلى أسفل وهؤلاء الكفار مصرون على العناد والتكبر، فكأن الهبوط من العلو جعل مثلًا للانقياد، وقوله: {مّنْ خَشْيَةِ الله}، أي ذلك الهبوط لو وجد من العاقل المختار لكان به خاشيًا لله وهو كقوله: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ} [الكهف: 77]، أي جدارًا قد ظهر فيه الميلان ومقاربة السقوط ما لو ظهر مثله في حي مختار لكان مريدًا للانقضاض، ونحو هذا قول بعضهم:
بخيل تضل البلق من حجراته
ترى الأكم فيه سجدًا للحوافر

وقول جرير:
لما أتى خبر الزبير تضعضعت
سور المدينة والجبال الخشع

فجعل الأول ما ظهر في الأكم من أثر الحوافر مع عدم امتناعها من دفع ذلك عن نفسها كالسجود منها للحوافر، وكذلك الثاني: جعل ما ظهر في أهل المدينة من آثار الجزع كالخشوع.
وعلى هذا الوجه تأول أهل النظر قوله تعالى: {تُسَبّحُ لَهُ السموات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مّن شَيء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ} [الإسرا: 44]، وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا في السموات وَمَا في الأرض} [النحل: 49] الآية، وقوله تعالى: {والنجم والشجر يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6].
الوجه الثاني: في التأويل: أن قوله تعالى: {مّنْ خَشْيَةِ الله} أي ومن الحجارة ما ينزل وما ينشق ويتزايل بعضه عن بعض، عند الزلازل من أجل ما يريد الله بذلك من خشية عباده له وفزعهم إليه بالدعاء والتوبة.
وتحقيقه أنه لما كان المقصود الأصلي من إهباط الأحجار في الزلازل الشديدة أن تحصل خشية الله تعالى في قلوب العباد صارت تلك الخشية كالعلة المؤثرة في حصول ذلك الهبوط، فكلمة {من} لابتداء الغاية فقوله: {مّنْ خَشْيَةِ الله}، أي بسبب أن تحصل خشية الله في القلوب، الوجه الثالث: ما ذكره الجبائي وهو أنه فسر الحجارة بالبرد الذي يهبط من السحاب تخويفًا من الله تعالى لعباده ليزجرهم به.
قال وقوله تعالى: {مّنْ خَشْيَةِ الله} أي خشية الله، أي ينزل بالتخويف للعباد أو بما يوجب الخشية لله كما يقال: نزل القرآن بتحريم كذا وتحليل كذا أي بإيجاب ذلك على الناس، قال القاضي: هذا التأويل ترك للظاهر من غير ضرورة لأن البرد لا يوصف بالحجارة، لأنه وإن اشتد عند النزول فهو ماء في الحقيقة ولأنه لا يليق ذلك بالتسمية. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله} يقول: إنّ من الحجارة ما هو أنفع من قلوبكم؛ لخروج الماء منها وتردّيها.
قال مجاهد: ما تردّى حجر من رأس جبل، ولا تفجّر نهر من حجر، ولا خرج منه ماء إلا من خشية الله؛ نزل بذلك القرآن الكريم.
ومثله عن ابن جُرَيج.
وقال بعض المتكلمين في قوله: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله}: البَرَد الهابط من السحاب.
وقيل: لفظة الهبوط مجاز؛ وذلك أن الحجارة لما كانت القلوب تعتبر بخلقها، وتخشع بالنظر إليها، أضيف تواضع الناظر إليها؛ كما قالت العرب: ناقة تاجرة؛ أي تبعث من يراها على شرائها.
وحكى الطبريّ عن فرقة أن الخشية للحجارة مستعارة؛ كما استعيرت الإرادة للجدار في قوله: {يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ} [الكهف: 77]، وكما قال زيد الخيل:
لما أتى خبر الزبير تواضعت
سورُ المدينة والجبالُ الخُشَّعُ

وذكر ابن بحر أن الضمير في قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا} راجع إلى القلوب لا إلى الحجارة؛ أي من القلوب لما يخضع من خشية الله.
قلت: كل ما قيل يحتمله اللفظ، والأوّل صحيح؛ فإنه لا يمتنع أن يعطى بعض الجمادات المعرفة فيعقل، كالذي رُوِيَ عن الجِذع الذي كان يستند إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب، فلما تحوّل عنه حنّ؛ وثبت عنه أنه قال: «إن حجرًا كان يسلّم عليّ في الجاهلية إني لأعرفه الآن» وكما روي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «قال لي ثَبِير اهبط فإني أخاف أن يقتلوك على ظهري فيعذبني الله» فناداه حراء: إليّ يا رسول الله.
وفي التنزيل: {إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال} [الأحزاب: 72] الآية.
وقال: {لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرآن على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ الله} [الحشر: 21] يعني تذلُّلًا وخضوعًا. اهـ.

.قال الفخر:

أما قوله تعالى: {وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ} فالمعنى أن الله تعالى بالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم وحافظ لأعمالهم محصي لها فهو يجازيهم بها في الدنيا والآخرة وهو كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] وفي هذا وعيد لهم وتخويف كبير لينزجروا.
فإن قيل: هل يصح أن يوصف الله بأنه ليس بغافل؟ قلنا: قال القاضي: لا يصح لأنه يوهم جواز الغفلة عليه وليس الأمر كذلك لأن نفي الصفة عن الشيء لا يستلزم ثبوت صحتها عليه، بدليل قوله تعالى: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} [البقرة: 255] {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} [الأنعام: 14] والله أعلم. اهـ.

.قال في البحر المديد:

قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَ يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ} [البَقَرَة: 74] كذلك القلوب القاسية إذا لانت بالإنابة إلى ربها، والرجوع عن مألوفاتها، تتفجر منها أنهار العلوم، وتشقق منها أسرار الحِكَم، ومنها من تذوب من هيبة المتجلي لها، فتندك جبالها، وتزلزل أرض نفوسها، كما قال القائل:
لَو عَايَنتْ عَينَاكَ يومَ تزلزلتْ
أَرضْ النفُوس ودُكَّتِ الأجْبَالُ

لَرأَيتَ شَمسَ الحقِّ يسطعُ نورُها
حِينَ التزَلْزلِ، والرجَالُ رجالُ

والله تعالى أعلم. اهـ.

.قال البغوى:

قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} يبست وجفت، جفاف القلب: خروج الرحمة واللين عنه، وقيل: غلظت، وقيل: اسودت، {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} بعد ظهور الدلالات. قال الكلبي: قالوا بعد ذلك: نحن لم نقتله، فلم يكونوا قط أعمى قلبا ولا أشد تكذيبا لنبيهم منهم عند ذلك {فهي} أي في الغلظة والشدة {كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} قيل: أو بمعنى بل وقيل: بمعنى الواو كقوله تعالى: {مائة ألف أو يزيدون} [147- الصافات] أي: بل يزيدون أو ويزيدون، وإنما لم يشبهها بالحديد مع أنه أصلب من الحجارة، لأن الحديد قابل للين فإنه يلين بالنار، وقد لان لداود عليه السلام، والحجارة لا تلين قط، ثم فضل الحجارة على القلب القاسي فقال: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ} قيل: أراد به (جميع) الحجارة، وقيل: أراد به الحجر الذي كان يضرب عليه موسى للأسباط {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الماء} أراد به عيونا دون الأنهار {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ} ينزل من أعلى الجبل إلى أسفله {مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} وقلوبكم لا تلين ولا تخشع يا معشر اليهود. فإن قيل: الحجر جماد لا يفهم، فكيف (يخشى)؟
قيل: الله يفهمه ويلهمه فيخشى بإلهامه.
ومذهب أهل السنة والجماعة أن لله تعالى علما في الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقل، لا يقف عليه غيره، فلها صلاة وتسبيح وخشية كما قال جل ذكره: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} [44- الإسراء] وقال: {والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه} [41- النور] وقال: {ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر} [18- الحج] الآية، فيجب على (المؤمن) الإيمان به ويكل علمه إلى الله سبحانه وتعالى، ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على ثبير والكفار يطلبونه فقال الجبل: انزل عني فإني أخاف أن تؤخذ علي فيعاقبني الله بذلك فقال له جبل حراء: إلي يا رسول الله.
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ثنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي أنا أحمد بن محمد بن عبد الوهاب النيسابوري أنا محمد بن إسماعيل الصائغ أنا يحيى بن أبي بكر أنا إبراهيم بن طهمان عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث وإني لأعرفه الآن» هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يحيى بن أبي بكر. وصح عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلع على أحد فقال: «هذا جبل يحبنا ونحبه» وروي عن أبي هريرة يقول، صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ثم أقبل على الناس بوجهه وقال: «بينما رجل يسوق بقرة إذ عيي فركبها فضربها فقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا لحراثة الأرض» فقال الناس: سبحان الله بقرة تتكلم!؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإني أومن به أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم» وقال: «بينما رجل في غنم له إذ عدا الذئب على شاة منها فأدركها صاحبها فاستنقذها، فقال الذئب: فمن لها يوم السبع؟ أي يوم القيامة، يوم لا راعي لها غيري» فقال الناس: سبحان الله ذئب يتكلم؟ فقال «أومن به أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم»، وصح عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على حراء وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اهدأ أي: اسكن. فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد». صحيح أخرجه مسلم.
أنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو سعيد يحيى بن أحمد بن علي الصانع أنا أبو الحسن علي بن إسحاق بن هشام الرازي أنا محمد بن أيوب بن ضريس البجلي الرازي أنا محمد بن الصباح عن الوليد بن أبي ثور عن السدي عن عبادة بن أبي يزيد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فخرجنا في نواحيها خارجا من مكة بين الجبال والشجر، فلم يمر بشجرة ولا جبل إلا قال السلام عليك يا رسول الله.
أنا أبو الحسن عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنه يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب استند إلى جذع نخلة من سواري المسجد، فلما صنع له المنبر فاستوى عليه اضطربت تلك السارية وحنت كحنين الناقة حتى سمعها أهل المسجد، حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتنقها فسكنت.
قال مجاهد: لا ينزل حجر من أعلى إلى الأسفل إلا من خشية الله، ويشهد لما قلنا قوله تعالى: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون} [21- الحشر]. اهـ.

.من فوائد الزمخشري في الآيات:

قال رحمه الله:

.[سورة البقرة: الآيات 67- 73]

{وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً}.
كان في بنى إسرائيل شيخ موسر فقتل ابنه بنو أخيه ليرثوه، وطرحوه على باب مدينة ثم جاءوا يطالبون بديته، فأمرهم اللَّه أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيا فيخبرهم بقاتله {قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا} أتجعلنا مكان هزو، أو أهل هزو، أو مهزوا بنا، أو الهزو نفسه لفرط الاستهزاء مِنَ الْجاهِلِينَ لأن الهزو في مثل هذا من باب الجهل والسفه. وقرئ {هزؤا} بضمتين. {وهزءًا} بسكون الزاى، نحو كفؤا وكفؤا.
وقرأ حفص {هزوا} بالضمتين والواو وكذلك {كفوا}. والعياذ واللياذ من واد واحد.
في قراءة عبد اللَّه: سل لنا ربك ما هي؟ سؤال عن حالها وصفتها. وذلك أنهم تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا، فسألوا عن صفة تلك البقرة المجيبة الشأن الخارجة عما عليه البقر. والفارض: المسنة، وقد فرضت فروضا فهي فارض. قال خفاف بن ندبة:
لَعَمْرِى لَقَدْ أَعْطَيْتُ ضَيْفَكَ فَارِضًا
تُسَاقُ إلَيْهِ مَا تَقُومُ عَلَى رِجْلِ

وكأنها سميت فارضا لأنها فرضت سنها أى قطعتها وبلغت آخرها. والبكر: الفتية.
والعوان النصف. قال:
نَوَاعِمُ بَيْنَ أَبْكَارٍ وَعُونِ

وقد عوّنت. فإن قلت: (بين) يقتضى شيئين فصاعدا فمن أين جاز دخوله على (ذلك): قلت لأنه في معنى شيئين حيث وقع مشارا به إلى ما ذكر من الفارض والبكر. فإن قلت:
كيف جاز أن يشار به إلى مؤنثين، وإنما هو للإشارة إلى واحد مذكر؟ قلت: جاز ذلك على تأويل ما ذكر وما تقدّم، للاختصار في الكلام، كما جعلوا "فعل" نائبا عن أفعال جمة تذكر قبله: تقول للرجل: نعم ما فعلت، وقد ذكر لك أفعالا كثيرة وقصة طويلة، كما تقول له:
ما أحسن ذلك. وقد يجرى الضمير مجرى اسم الإشارة في هذا. قال أبو عبيدة قلت لرؤبة في قوله:
فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ
كَأَنَّهُ في الْجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ

إن أردت الخطوط فقل: كأنها. وإن أردت السواد والبلق فقل: كأنهما. فقال: أردت كأن ذاك، ويلك! والذي حسن منه أنّ أسماء الإشارة تثنيتها وجمعها وتأنيثها ليست على الحقيقة وكذلك الموصولات. ولذلك جاء الذي بمعنى الجمع {ما تُؤْمَرُونَ} أى ما تؤمرونه بمعنى تؤمرون به من قوله أمرتك الخير أو أمركم بمعنى مأموركم تسمية للمفعول به بالمصدر، كضرب الأمير.
الفقوع أشد ما يكون من الصفرة وأنصعه. يقال في التوكيد: أصفر فاقع ووارس، كما يقال أسود حالك وحانك، وأبيض يقق ولهق. وأحمر قانى وذريخى. وأخضر ناضر ومدهامّ. وأورق خطبانيّ وأزمك ردانيّ.
فإن قلت: فاقع هاهنا واقع خبرا عن اللون، فلم يقع توكيدًا لصفراء قلت: لم يقع خبرا عن اللون إنما وقع توكيدًا لصفراء، إلا أنه ارتفع اللون به ارتفاع الفاعل واللون من سببها وملتبس بها، فلم يكن فرق بين قولك صفراء فاقعة وصفراء فاقع لونها. فإن قلت: فهلا قيل صفراء فاقعة؟ وأى فائدة في ذكر اللون؟ قلت: الفائدة فيه التوكيد، لأنّ اللون اسم للهيئة وهي الصفرة، فكأنه قيل: شديدة الصفرة صفرتها، فهو من قولك: جدّ جدّه، وجنونك مجنون. وعن وهب: إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها والسرور لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه. وعن على رضى اللَّه عنه: "من لبس نعلا صفراء قل همه لقوله تعالى: {تسرّ الناظرين}" وعن الحسن البصري {صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها} سوداء شديدة السواد. ولعله مستعار من صفة الإبل لأن سوادها تعلوه صفرة. وبه فسر قوله تعالى: {جِمالَتٌ صُفْرٌ}. قال الأعشى:
تِلْكَ خَيْلِى مِنْهُ وَتِلْكَ رِكَابِى
هُنَّ صُفْرٌ أَوْلَادُهَا كَالزَّبِيبِ

كانت العرب تزعم أن عظام رأس القتيل تصير بومة وتصبح: أدركونى. حتى يؤخذ بثأره. وشعوب: اسم للمنية، ويمكن أنه جمع شعب بمعنى طريق، أى أمست متفرقة في الطرق. وذلك كناية عن قتله. والجمع للتعظيم، أو اعتباري. والجموم: جمع جم بتثليث أوله بمعنى الكثير. والنجيب: الكريم من الخيل والإبل. والركاب: المطايا. هن أى الركاب، صفر: جمع أصفر أو صفراء، أولادها يغلب عليها السواد كالزبيب. والمراد بالصفرة سواد ترهقه صفرة، لأن هذا أعز ألوان الإبل عندهم.
ما هِيَ مرة ثانية تكرير للسؤال عن حالها وصفتها، واستشكاف زائد ليزدادوا بيانا لوصفها. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: «لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم، ولكن شدّدوا فشدّد اللَّه عليهم» والاستقصاء شؤم. وعن بعض الخلفاء أنه كتب إلى عامله بأن يذهب إلى قوم فيقطع أشجارهم ويهدم دورهم، فكتب إليه: بأيهما أبدًا؟ فقال: إن قلت لك بقطع الشجر سألتنى:
بأى نوع منها أبدأ؟ وعن عمر بن عبد العزيز: إذا أمرتك أن تعطى فلانا شاة سألتنى: أضائن أم ماعز؟ فإن بينت لك قلت: أذكر أم أنثى؟ فإن أخبرتك قلت: أسوداء أم بيضاء؟ فإذا أمرتك بشيء فلا تراجعني. وفي الحديث «أعظم الناس جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم لأجل مسألته».
{إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا} أى إنّ البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا أيها نذبح. وقرئ: {تشابه}، بمعنى تتشابه بطرح التاء وإدغامها في الشين. وتشابهت ومتشابهة ومتشابه. وقرأ محمد ذو الشامة: إن الباقر يشابه، بالياء والتشديد. جاء في الحديث «لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد» أى: لو لم يقولوا إن شاء اللَّه. والمعنى: إنا لمهتدون إلى البقرة المراد ذبحها، أو إلى ما خفى علينا من أمر القاتل.
{لا ذَلُولٌ} صفة لبقرة بمعنى بقرة غير ذلول، يعنى لم تذلل للكراب وإثارة الأرض، ولا هي من النواضح التي يسنى عليها لسقى الحروث، و{لا} الأولى للنفي، والثانية مزيدة لتوكيد الأولى، لأن المعنى: لا ذلول تثير وتسقى. على أنّ الفعلين صفتان لذلول، كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمى: لا ذلول، بمعنى لا ذلول هناك: أى حيث هي، وهو نفى لذلها ولأن توصف به فيقال: هي ذلول. ونحوه قولك: مررت بقوم لا بخيل ولا جبان. أى فيهم، أو حيث هم.
وقرئ: {تسقى} بضم التاء من أسقى.
{مُسَلَّمَةٌ} سلمها اللَّه من العيوب أو معفاة من العمل سلمها أهلها منه كقوله:
أَوْ مَعْبَرَ الظَّهْرِ يُنْبِى عَنْ وَلِيَّتِهِ
مَا حَجَّ رَبُهُ في الدُّنْيَا وَلَا اعْتَمَرَا

أو مخلصة اللون، من سلم له كذا إذا خلص له، لم يشب صفرتها شيء من الألوان لا شِيَةَ فِيها لا لمعة في نقبتها من لون آخر سوى الصفرة، فهي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها. وهي في الأصل مصدر وشاه وشيا وشية، إذا خلط بلونه لونا آخر، ومنه ثور موشى القوائم.
{جِئْتَ بِالْحَقِّ} أى بحقيقة وصف البقرة، وما بقي إشكال في أمرها {فَذَبَحُوها} أى فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها فذبحوها.
وقوله: {وَما كادُوا يَفْعَلُونَ} استثقال لاستقصائهم واستبطاء لهم، وأنهم لتطويلهم المفرط وكثرة استكشافهم، ما كادوا يذبحونها، وما كادت تنتهي سؤالاتهم، وما كاد ينقطع خيط إسهابهم فيها وتعمقهم. وقيل: وما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها. وقيل: لخوف الفضيحة في ظهور القاتل.
وروى أنه كان في بنى إسرائيل شيخ صالح له عجِلة فأتى بها الغيضة وقال: اللهم إنى أستودعكها لابنى حتى يكبر، وكان برًا بوالديه، فشبت وكانت من أحسن البقر وأسمنه، فساوموها اليتيم وأمّه حتى اشتروها بملء مسكها ذهبًا، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة. فإن قلت: كانت البقرة التي تناولها الأمر بقرة من شق البقر غير مخصوصة، ثم انقلبت مخصوصة بلون وصفات، فذبحوا المخصوصة، فما فعل الأمر الأوّل؟ قلت: رجع منسوخا لانتقال الحكم إلى البقرة المخصوصة، والنسخ قبل الفعل جائز. على أنّ الخطاب كان لإبهامه متناولا لهذه البقرة الموصوفة كما تناول غيرها.
ولو وقع الذبح عليها بحكم الخطاب قبل التخصيص لكان امتثالا له، فكذلك إذا وقع عليها بعد التخصيص {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا} خوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم {فَادَّارَأْتُمْ} فاختلفتم واختصمتم في شأنها، لأنّ المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضًا، أى يدفعه ويزحمه. أو تدافعتم، بمعنى طرح قتلها بعضكم على بعض، فدفع المطروح عليه الطارح. أو لأنّ الطرح في نفسه دفع. أو دفع بعضكم بعضًا عن البراءة واتهمه {وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل لا يتركه مكتومًا. فإن قلت: كيف أعمل مخرج وهو في معنى المضيّ؟
قلت: وقد حكى ما كان مستقبلا في وقت التدارؤ. كما حكى الحاضر في قوله: {باسِطٌ ذِراعَيْهِ} وهذه الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما {فَادَّارَأْتُمْ} و{فَقُلْنا}.
والضمير في {اضْرِبُوهُ} إمّا أن يرجع إلى النفس والتذكير على تأويل الشخص والإنسان، وإمّا إلى القتيل لما دل عليه من قوله: {ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}. بِبَعْضِها ببعض البقرة. واختلف في البعض الذي ضرب به، فقيل: لسانها، وقيل: فخذها اليمنى، وقيل: عجبها، وقيل: العظم الذي يلي الغضروف وهو أصل الأذن، وقيل: الأذن، وقيل: البضعة بين الكتفين. والمعنى:
فضربوه فحيى، فحذف ذلك لدلالة قوله: {كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى}.
وروى أنهم لما ضربوه قام بإذن اللَّه وأوداجه تشخب دمًا وقال: قتلني فلان وفلان لا بنى عمه، ثم سقط ميتًا، فأخذا وقتلا ولم يورّث قاتل بعد ذلك.
{كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى} إما أن يكون خطابا للذين حضروا حياة القتيل بمعنى وقلنا لهم: كذلك يحيى اللَّه الموتى يوم القيامة {وَيُرِيكُمْ آياتِهِ} ودلائله على أنه قادر على كل شيء {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} تعملون على قضية عقولكم. وأن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص حتى لا تنكروا البعث. وإما أن يكون خطابا للمنكرين في زمن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. فإن قلت: هلا أحياه ابتداء؟ ولم شرط في إحيائه ذبح البقرة وضربه ببعضها؟ قلت: في الأسباب والشروط حكم وفوائد. وإنما شرط ذلك لما في ذبح البقرة من التقرّب وأداء التكاليف واكتساب الثواب والإشعار بحسن تقديم القربة على الطلب، وما في التشديد عليهم لتشديدهم من اللطف لهم، ولآخرين في ترك التشديد والمسارعة إلى امتثال أوامر اللَّه تعالى وارتسامها على الفور، من غير تفتيش وتكثير سؤال، ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة، والدلالة على بركة البرّ بالوالدين، والشفقة على الأولاد، وتجهيل الهازئ بما لا يعلم كنهه ولا يطلع على حقيقته من كلام الحكماء، وبيان أنّ من حق المتقرّب إلى ربه أن يتنوّق في اختيار ما يتقرب به، وأن يختاره فتيّ السنّ غير قحم ولا ضرع، حسن اللون بريا من العيوب يونق من ينظر إليه، وأن يغالى بثمنه، كما يروى عن عمر رضى اللَّه عنه أنه ضحى بنجيبة بثلاثمائة دينار، وأنّ الزيادة في الخطاب نسخ له، وأن النسخ قبل الفعل جائز وإن لم يجز قبل وقت الفعل وإمكانه لأدائه إلى البداء، وليعلم بما أمر من مس الميت بالميت وحصول الحياة عقيبه أن المؤثر هو المسبب لا الأسباب، لأن الموتين الحاصلين في الجسمين لا يعقل أن تتولد منهما حياة. فإن قلت: فما للقصة لم تقص على ترتيبها، وكان حقها أن يقدّم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها، وأن يقال: وإذ قتلتم نفسا فادّارأتم فيها فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها؟ قلت: كل ما قص من قصص بنى إسرائيل إنما قص تعديدًا لما وجد منهم من الجنايات، وتقريعا لهم عليها، ولما جدّد فيهم من الآيات العظام. وهاتان قصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع وإن كانتا متصلتين متحدتين، فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك. والثانية للتقريع على قتل النفس المحرّمة وما يتبعه من الآية العظيمة.
وإنما قدّمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة، ولذهب الغرض في تثنية التقريع. ولقد روعيت نكتة بعد ما استؤنفت الثانية استئناف قصة برأسها أن وصلت بالأولى، دلالة على اتحادهما بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله: {اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها}.
حتى تبين أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع وتثنيته بإخراج الثانية مخرج الاستئناف مع تأخيرها، وأنها قصة واحدة بالضمير الراجع إلى البقرة.

.[سورة البقرة: آية 74]

{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)}.
معنى {ثُمَّ قَسَتْ} استبعاد القسوة من بعد ما ذكر مما يوجب لين القلوب ورقتها ونحوه:
{ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ} وصفة القلوب بالقسوة والغلظ مثل لنبوّها عن الاعتبار وأنّ المواعظ لا تؤثر فيها. وذلِكَ إشارة إلى إحياء القتيل، أو إلى جميع ما تقدّم من الآيات المعدودة فَهِيَ كَالْحِجارَةِ فهي في قسوتها مثل الحجارة {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} منها، وأشد معطوف على الكاف، إما على معنى أو مثل أشد قسوة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وتعضده قراءة الأعمش بنصب الدال عطفًا على الحجارة. وإما على: أو هي أنفسها أشدّ قسوة. والمعنى:
أن من عرف حالها شبهها بالحجارة، أو بجوهر أقسى منها وهو الحديد مثلا. أو من عرفها شبهها بالحجارة، أو قال: هي أقسى من الحجارة. فإن قلت: لم قيل: أشد قسوة، وفعل القسوة مما يخرج منه أفعل التفضيل وفعل التعجب؟ قلت: لكونه أبين وأدلّ على فرط القسوة. ووجه آخر، وهو أن لا يقصد معنى الأقسى ولكن قصد وصف القسوة بالشدة، كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة، وقلوبهم أشدّ قسوة. وقرئ: {قساوة}. وترك ضمير المفضل عليه لعدم الإلباس، كقولك: زيد كريم وعمرو أكرم.
وقوله: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ} بيان لفضل قلوبهم على الحجارة في شدّة القسوة، وتقرير لقوله: {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}. وقرئ {وإن} بالتخفيف، وهي «إن» المخففة من الثقيلة التي تلزمها اللام الفارقة. ومنها قوله تعالى: {وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ}. والتفجر: التفتح بالسعة والكثرة. وقرأ مالك بن دينار (ينفجر) بالنون.
{يَشَّقَّقُ} يتشقق. وبه قرأ الأعمش. والمعنى إنّ من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير الغزير، ومنها ما ينشق انشقاقا بالطول أو بالعرض فينبع منه الماء أيضا يَهْبِطُ يتردّى من أعلى الجبل. وقرئ بضم الباء. والخشية مجاز عن انقيادها لأمر اللَّه تعالى، وأنها لا تمتنع على ما يريد فيها، وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تفعل ما أمرت به. وقرئ (يعملون) بالياء والتاء، وهو وعيد. اهـ.

.قال نظام الدين النيسابوري في الآيات السابقة:

{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)}.
التفسير:
عن ابن عباس أن رجلًا من بني إسرائيل قتل قريبًا له لكي يرثه ثم رماه في مجمع الطريق ثم شكا ذلك إلى موسى عليه السلام، فاجتهد موسى في تعرف القاتل.
فلما لم يظهر قالوا له: سل لنا ربك حتى يبينه، فسأله فأوحى الله إليه إن الله يأمرهم أن يذبحوا بقرة. فعجبوا من ذلك فشددوا على أنفسهم بالاستفهام حالًا بعد حال، واستقصوا في طلب الوصف، فلما تعين لم يجدوها بذلك النعت إلا عند يتيم. وذلك أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة فأتى بها الغيضة وقال: اللهم إني أستودعكها لابني حتى يكبر، وكان برًا بوالديه، فشبت وكانت من أحسن البقر وأسمنه، فساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهبًا، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير، وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة فذبحوها، وأمر موسى عليه السلام أن يأخذوا عضوًا منها فيضربوا به القتيل فصار المقتول حيًا وسمى لهم قاتله وهو الذي ابتدأ بالشكاية فقتلوه قودًا. واعلم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع بالاتفاق إلا عند مجوّز تكليف ما لا يطاق، وأما تأخيره إلى وقت الحاجة فمختلف فيه، فالمجوزون استدلوا بالآية قالوا: أمروا بذبح بقرة معينة بدليل تعيينها بسؤالهم آخرًا، وبدليل أنه لم يؤمر بمتجدد بل المأمور به في الثانية هو المأمور به في الأولى بالاتفاق، وبدليل المطابقة لما ذبح.
والمانعون قالوا: معناه اذبحوا أية بقرة شئتم بدليل تنكير بقرة، وهو ظاهر في أن المراد بقرة غير معينة، وبدليل أن ابن عباس قال: لو ذبحوا بقرة ما لأجزأهم، ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، وبدليل التعنيف في قوله: {وما كادوا يفعلون} ولو كانت معينة لما استحقوا التعنيف على السؤال. وأجيب بأن ترك الظاهر يجوز لموجب راجح، وما نقل عن ابن عباس خبر الواحد، والتعنيف يجوز أن يكون لتفريطهم في الامتثال بعد حصول البيان التام. ويتفرع على قول المانعين أن التكليف يكون متغايرًا فكلفوا في الأول أيّ بقرة كانت، وثانيًا أن تكون لا فارضًا ولا بكرًا بل عوانًا، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون صفراء، فلما لم يفعلوا كلفوا أن تكون لا ذلولًا تثير الأرض ولا تسقي الحرث. ثم اختلف القائلون بهذا المذهب. منهم من قال في التكليف الواقع أخيرًا يجب أن يكون مستوفيًا كل صفة تقدمت حتى تكون البقرة مع الصفة الأخيرة لا فارضًا ولا بكرًا وصفراء فاقعًا لونها. ومنهم من يقول: إنما يجب كونها بالصفة الأخيرة فقط، وهذا أشبه بظاهر الكلام إذا كان تكليفًا بعد تكليف، وإن كان الأول أشبه بالروايات وبطريقة التشديد عليهم عند ترك الامتثال. وإذا ثبت أن البيان لا يتأخر وأنه تكليف بعد تكليف، دل على أن الأسهل قد ينسخ بالأشق، فإن المربي لولده قد يأمره بالسهل اختبارًا، فإذا امتنع الولد منه فقد يرى المصلحة في أن يأمره بالصعب. ويدل أيضًا على جواز النسخ قبل الفعل وإن لم يجز قبل وقت الفعل وإمكانه لأدائه إلى البداء، ويدل على وقوع النسخ في شرع موسى عليه السلام، ويدل أيضًا على أن الزيادة في الخطاب نسخ له.
{أتتخذنا هزوًا} استفهام بطريقة الإنكار، معناه لا تجعلنا مكان هزء أو أهل هزء أو مهزوءًا بنا، أو الهزء نفسه لفرط الاستهزاء. كان القوم ظنوا أنه يداعبهم لأنه من المحتمل أن موسى عليه السلام أمرهم بذبح البقرة، وما أعلمهم أنهم إذا ذبحوا البقرة وضربوا القتيل ببعضها صار حيًا، فلا جرم وقع هذا القول منهم موقع الهزء. ويحتمل أنه وإن كان قد تبين لهم كيفية الحال إلا أنهم تعجبوا من أن القتيل كيف يحيا بأن يضرب ببعض أجزاء البقرة. واختلف العلماء هاهنا فعن بعضهم تكفيرهم بهذا القول لأنهم إن شكوا في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى فقد كفروا، وإن شكوا في أن الذي أمرهم به موسى عليه السلام هل هو بأمر الله فقد جوزوا الخيانة على موسى عليه السلام في الوحي، وذلك أيضًا كفر. وعن آخرين أنه لا يوجب الكفر لأن المداعبة على الأنبياء جائزة، فلعلهم ظنوا أنه يداعبهم مداعبة حقة، أو المراد ما أعجب هذا الجواب كأنك تستهزئ بنا لا أنهم حققوا على موسى الاستهزاء {من الجاهلين} إطلاقًا لاسم السبب على المسبب، فإن الاشتغال بالاستهزاء لا يكون إلا بسبب الجهل، ومنصب النبوّة يجل عن ذلك كما يقول الرجل عند مثل ذلك: أعوذ بالله من عدم العقل وغلبة الهوى، أو أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين لما في الاستهزاء من نقصان الدين والعقاب الشديد.
وقيل: نفس الهزء قد يسمى جهلًا، فإن الجهل ضد الحلم، كما أنه ضد العلم. ثم إن قيل: إن المأمور بذبحه بقرة معينة في نفسها غير مبينة التعيين حسن موقع سؤالهم، لأن المأمور به لما كان مجملًا حسن الاستفسار والاستعلام. أما على قول القائل إنها للعموم فلابد من بيان أنه ما الذي حملهم على هذا الاستفسار فذكروا وجوهًا أحدها: أنه لما أخبرهم بشأن البقرة تعجبوا وظنوا أن البقرة التي لها مثل هذه الخاصية لا تكون إلا بقرة معينة، فلا جرم استقصوا في السؤال عن وصفها كعصا موسى المخصوصة من سائر العصي بتلك الخواص، إلا أن القوم كانوا مخطئين في ذلك لأن هذه الآية العجيبة لا تكون خاصية البقرة، بل كانت معجزة يظهرها الله على يد موسى، أو لعل القوم أرادوا قتل أي بقرة كانت إلا أن القاتل خاف من الفضيحة فألقى شبهة في البين وقال: المأمور به بقرة معينة لا مطلق البقرة، فلما وقعت المنازعة رجعوا إلى موسى، أو الخطاب وإن أفاد العموم إلا أن القوم أرادوا الاحتياط فسألوا مزيد البيان وإزالة الاحتمال، إلا أن المصلحة تغيرت واقتضت الأمر بذبح البقرة المعينة. فإن قيل: السؤال بما هو لطلب الحقيقة والحقيقة لا تعلم إلا بأجزائها ومقوماتها لا بصفاتها الخارجة، فالجواب بالأوصاف الخارجة لا يكون مطابقًا للسؤال. قلنا: من البين أن مقصودهم من قولهم "ما البقرة" ليس طلب ماهيتها النوعية فإن ذلك كالمفروغ منه عندهم، وإنما وقع السؤال عن المشخصات. فالظاهر يقتضي أن يقال: أي بقرة هي؟ فإن مطلب "أي" السؤال عن الصفات الذاتية والخواص. فسبب العدول إما إقامة الحقيقة الشخصية مقام الحقيقة النوعية فإن الشخص من حيث هو شخص حقيقة أيضًا قد يطلب تصورها، وإما لأنهم تصوروا أن البقرة التي لها هذه الخاصية العجيبة حقيقتها مغايرة لحقيقة سائر البقرات وإن كانت صورتها موافقة لصورتها، وإما لأن السؤال عن الجزئيات كزيد وعمرو إنما يكون بـ"من" إذا كان طلبًا للعوارض، وههنا الجزئي غير ذي عقل فناسب أن يقام ما مقام "من".
الفارض المسنة، وقد فرضت فروضًا فهي فارض كطالق كأنها فرضت سنها أي قطعتها وبلغت آخرها. والبكر الفتية، وكان الأظهر أنها التي لم تلد كما في الإنسان.
والعوان النصف قال:
نواعم بين أبكار وعون

وقد غونت وقال:
فإن أتوك وقالوا إنها نصف
فإن أطيب نصفيها الذي ذهبا

وقد يستدل من هذا على جواز الاجتهاد واستعمال غلبة الظن في الأحكام إذ لا يعلم أنها بين الفارض والبكر إلا بطريق الاجتهاد. وإنما جاز دخول {بين} على لفظة {ذلك} مع أنه لا يدخل إلا على متعدد، لأنها في معنى شيئين حيث وقع مشارًا به إلى ما ذكر من الفارض والبكر. وإنما أشير بذلك إلى مؤنثين وهو للإشارة إلى واحد مذكر على تأويل ما ذكر وما تقدم للاختصار في الكلام {ما تؤمرون} مثل: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به. بمعنى ما تؤمرون به، أو أمركم بمعنى مأموركم تسمية المفعول بالمصدر كضرب الأمير، ولما بين لهم كمال حالها في السن شرعوا في تعرف حال اللون. والفقوع أشد ما يكون من الصفرة. يقال في التوكيد أصفر فاقع مثل أسود حالك، وأحمر قانئ، وارتفع اللون على أنه فاعل سببي لفاقع. والفرق بين قولك "صفراء فاقعة" و{صفراء فاقع لونها} أن في الثاني تأكيدًا ليس في الأول، لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة فكأنه قيل: شديد الصفرة صفرتها مثل جد جده، وجنونه مجنون. وعن وهب: إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها. والسرور حالة نفسانية تعرض عند اعتقاد أو علم أو ظن بحصول شيء لذيذ أو نافع. وعن علي عليه السلام: من لبس نعلًا صفراء قل همه لقوله: {سر الناظرين} وعن الحسن البصري: صفراء فاقع لونها سوداء شديدة السواد، ولعله مستعار من صفة الإبل لأن سوادها يعلوه صفرة وبه فسر قوله تعالى: {جمالات صفر} [المرسلات: 33] {إن البقر تشابه علينا} لأن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير {وإنا إن شاء الله لمهتدون} عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «والذي نفس محمد بيده لو لم يقولوا إن شاء الله لحيل بينهم وبينها أبدًا» وفيه دليل على أن الاستثناء مندوب في كل عمل صالح يراد تحصيله، ففيه استعانة بالله وتفويض للأمر إليه، والاعتراف بقدرته ونفاذ مشيئته الأزلية وإرادته السرمدية، ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن. والمعنى إنا بمشيئة الله نهتدي للبقرة المأمور بذبحها عند تحصيلنا أوصافها التي بها تمتاز عما عداها، أو إنا إن شاء الله على هدى في استقصاء السؤال أي نرجو أنا لسنا على ضلالة فيما نفعله من هذا البحث، أو إنا إن شاء الله تعريفنا إياها بالزيادة لنا في البيان نهتدي لها، أو إنا إن شاء الله نهتدي للقاتل {لا ذلول} صفة لبقرة مثل لا فارض أي بقرة غير ذلول لم تذلل للكراب وإثارة الأرض، ولا هي من النواضح التي يسنى عليها لسقي الحرث.
{لا} الأولى للنفي والثانية مزيدة للتوكيد، لأن المعنى لا ذلول تثير وتسقي، على أن الفعلين صفتان لذلول كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية. والذل بالكسر اللين ضد الصعوبة، ودابة ذلول بينة الذل "فعول" بمعنى "فاعل"، ولهذا استوى فيه المذكر والمؤنث. تقول: رجل صبور وامرأة صبور {مسلمة} سلمها الله تعالى من العيوب مطلقًا، أو معفاة من العلم وحشية مرسلة عن الحبس، أو مخلسة اللون لم يشب صفرتها شيء من الألوان. وعلى هذا يكون {لا شية فيها} كالبيان. والشية كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره أي لا لون فيها يخالف سائر لونها فهي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها، وهي في الأصل مصدر "وشاة" إذا خلط بلونه لونًا آخر، أصلها وشية حذف فاؤها كما هو "عدة" و"زنة" {الآن} اسم للوقت الذي أنت فيه وهو ظرف غير متمكن وقع معرفة، وليس الألف واللام فيه للتعريف لأنه ليس له ما يشركه وهو يائي {جئت بالحق} أي بحقيقة وصف البقرة أو ما بقي إشكال في أمرها فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف {فذبحوها} والذبح هو قطع أعلى العنق وهو المستحب في الغنم والبقر. والنحر هو قطع اللبة أسفل العنق وهو المستحب في الإبل. والمرعي في الحالتين قطع الحلقوم والمرئ لكن عنق الإبل طويل، فإذا قطع أعلاه تباطأ الزهوق. ولا يكره الذبح في الإبل والنحر في البقر والغنم وإن كان خلاف المستحب {وما كادوا يفعلون} استبطاء لهم، وأنهم لكثرة استكشافهم ما كاد ينقطع خيط أشباههم. وقيل: وما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها. وقيل: لخوف الفضيحة في ظهور القاتل. وقد يستدل بهذا على أن الأمر للوجوب بل للفور وإلا لما ترتب هذا الذم على تثاقلهم {وإذ قتلتم نفسًا} خوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم {فادارأتم فيها} فاختلفتم واختصمتم في شأنها لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضًا أي يدفعه ويزحمه، أو ينفي كل واحد منكم القتل عن نفسه ويضيفه إلى غيره أو يدفع بعضكم بعضًا عن البراءة ويتهمه. وأصله تدارأتم أدغمت التاء في الدال فاحتيج إلى همزة الوصل، ويحتمل أن يرجع الضمير في {فيها} إلى القتلة المعلومة من قتلتم {والله مخرج} مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتيل. وقد حكي ما كان مستقبلًا في وقت التدارؤ كما حكي الحاضر في قوله: {وكلبهم باسط ذراعيه} [الكهف: 18] فلهذا صح عمل اسم الفاعل. وهذه الجملة معترضة، وفيها دليل على جواز عموم النص الوارد على السبب الخاص، لأن هذا يتناول كل المكتومات. وفيها دليل على أن الله لا يحب الفساد، وأنه سيجعل إلى زواله سبيلًا، وأن ما يسّره العبد من خير أو شر ودام ذلك منه فالله سيظهره، ويعضده قوله صلى الله عليه وسلم: «إن عبدًا لو أطاع الله من وراء سبعين حجابًا لأظهر الله ذلك على ألسنة الناس» وكذلك المعصية والضمير في {اضربوه} عائد إلى النفس، والتذكير على تأويل الشخص أو الإنسان، ويحتمل أن يعود إلى القتيل بدلالة {قتلتم} أو {ما كنتم تكتمون} واختلف في البعض من البقرة فقيل لسانها، وقيل: فخذها اليمنى، وقيل: عجبها، وقيل: العظم الذي يلي الغضروف وهو أصل الأذن، وقيل: الأذن، وقيل: البضعة من بين الكتفين، والظاهر أنهم كانوا مخيرين بين أيّ بعض أرادوا، وههنا محذوف بدلالة الفاء الفصيحة والمعنى فضربوه فحيي فقلنا كذلك يحيي الله الموتى.
روي أنهم لما ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دمًا وقال: قتلني فلان وفلان- وهما ابنا عمه- ثم سقط ميتًا فأخذا وقتلا ولم يورّث قاتل بعد ذلك، ويؤيده قوله نبينا صلى الله عليه وسلم: «ليس للقاتل من الميراث شيء» والسر فيه أنه استعجل الميراث فناسب أن يعارض بنقيض مقصوده وهو قول الشافعي. ولم يفرق بين أن يكون القتل مستحقًا كالعادل إذا قتل الباغي، أو غير مستحق عمدًا كان أو خطأ. وعند أبي حنيفة لا يرث في العمد والخطأ إلا أن العادل إذا قتل الباغي فإنه يرثه. وقال مالك: لا يرثه من ديته ويرثه من سائر أمواله. ومحل {كذلك} نصب على المصدر أي يحيي الله الموتى مثل ذلك الإحياء. وهذا الكلام إما مع الذين حضروا حياة القتيل لأنهم وإن كانوا مؤمنين بذلك إلا أنهم لم يؤمنوا بذلك من طريق العيان والمشاهدة، وشتان بين عين اليقين وعلم اليقين. وإما أن يكون مع منكري البعث في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير "فقلنا" بعد تقدير "فضربوه فحيي" {ويريكم آياته} دلائله على أنه قادر على كل شيء. فدلالة هذه القصة على وجود الصانع القادر على كل المقدورات العالم بكل المعلومات المختار في الإيجاد والإعدام آية، ودلالتها على صدق موسى عليه السلام آية، ودلالتها على براءة ساحة من سوى القاتل آية، ودلالتها على حشر الأموات آية، فهي وإن كانت واحدة إلا أنها في الحقيقة آيات عدة. ويمكن أن يراد بالآيات غير هذه أي مثل هذه الإراءة يريكم سائر الإراآت، كما أن مثل هذا الإحياء يحيي سائر الأموات. وفي قوله: {كذلك} دون أن يقال كهذا تعظيم للمشار إليه بتبعيده كما قلنا في {ذلك الكتاب} {لعلكم تعقلون} تعملون على قضية عقولكم، فإن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها إذ لا أثر للمخصصات في ذلك. فإن قيل: ما الفائدة في ضرب المقتول ببعض البقرة مع أنه قادر على إحيائه ابتداء؟ قلنا: الفائدة فيه كون الحجة آكد وعن الحيلة أبعد، فقد كان يجوز لملحد أن يتوهم أن موسى عليه السلام إنما أحياه بضرب من السحر، وليعلم بما أمر من مس الميت بالميت وحصول الحياة عقيبه، أن المؤثر هو المسبب لا الأسباب، ولما في ذبح البقرة من القربان وأداء التكليف واكتساب الثواب والإشعار بحسن تقديم القربة على طلب الحوائج، وما في التشديد عليهم لأجل تشديدهم من اللطف لهم وللآخرين في ترك التشديد والمسارعة إلى امتثال أوامر الله على الفور ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة، والدلالة على بركة البر بالأبوين والإشفاق على الأولاد، وتجهيل المستهزئ بما لا يعلم تأويله من كلام الحكيم، وبيان أن من حق المتقرب به إلى الرب أن يكون من أحسن ما يتقرب به، فتيّ السن حسن اللون بريئًا من العيوب ثمينًا نفيسًا «أسمنوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم» فإن قيل: هلا قدم ذكر القتيل على الأمر بذبح البقرة كما هو حق القصة؟ قلنا: لأنها كانت تكون حينئذ قصة واحدة ويذهب الغرض في ثنية التقريع بالاستهزاء وترك المبادرة بالامتثال أولًا، وبقتل النفس المحرمة وما تبعه من الآية ثانيًا، على أنها دلت على اتحاد القصتين برجوع الضمير في {ببعضها} إلى البقرة وهي مذكورة في الأولى.
قوله: {ثم قست قلوبكم} الآية. خطاب لأولئك اليهود الذين كانوا في زمن موسى، أو للذين هم في زمن محمد صلى الله عليه وسلم من بعد ذلك الإحياء، أو من بعد ذلك الذي عددنا من جميع الآيات الباهرات والمعجزات الظاهرات. ومعنى {ثم} استبعاد القسوة من بعدما يوجب اللين والرقة. وصفة القلوب بالقسوة والغلظ مثل لنبوّها عن الاعتبار والاتعاظ فهي كالحجارة مثلها في القسوة، أو هي أشد قسوة من الحجارة. فمن عرفها شبهها بالحجارة أو قال هي أقسى من الحجارة، ويجوز أن يقدر مضاف أي هي كالحجارة أو مثل أشد قسوة. فمن عرفها شبهها بالحجارة أو بجوهر أقسى من الحجارة كالحديد مثلًا. وإنما قيل: أشد قسوة مع إمكان بناء أفعل التفضيل من فعل القسوة، لكونه أدل على فرط القسوة، أو لأنه لم يقصد معنى الأقسى ولكن قصد وصف القسوة بالشدة كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة منها، وحذف هذا الراجع لعدم الالتباس نحو: زيد كريم وعمر أكرم. وكلمة {أو} هاهنا ليست للشك، فعلام الغيوب لا يشك في شيء، وإنما هي للتخيير بأيهما شئت شبهت فكنت صدوقًا، ولو جمعت بينهما جاز. ثم أخذ في بيان فضل قلوبهم على الحجارة في شدة القسوة فقال: {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار} أي إن منها للذي فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الغزير، وإن منها للذي ينشق انشقاقًا طولًا أو عرضًا فينبع منه الماء وذلك بحسب كثرة المادة وقلتها، فإن الأبخرة تجمع في باطن الأرض.
ثم إن كان ظاهر الأرض رخوًا نفشت وانفصلت، وإن كان صلبًا حجريًا اجتمعت وصارت مياهًا، ولا يزال يتواتر مددها إلى أن تنشق الأرض من مزاحمتها وتسيل أنهارًا أو عيونًا. وأما قلوب هؤلاء فلا تنشرح للحق ولا تتأثر من الوعظ والنصح بعد مشاهدة الآيات ومعاينة الدلائل. ويشقق أصله يتشقق فأدغم التاء في الشين كقولهم "يذكر" في "يتذكر" {لما يهبط} للذي يتردى من أعلى الجبل وذلك من خشية الله، إما لأنه تعالى خلق فيه الحياة والعقل والإدراك كما يروى من تسبيح الحصى في كف النبي صلى الله عليه وسلم، وإما لأن الخشية مجاز عن انقيادها لأمر الله وأنها لا تمتنع عما يريد بها من الإهباط والانفصال عن كلها، وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تأتمر، وقيل: أن يتزلزل من أجل أن تحصل خشية الله في قلوب عباده فيفزعون إليه بالتضرع والدعاء {وما الله بغافل عما تعملون} وعيد، والمعنى أنه بالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم وحافظ لأعمالهم فيجازيهم في الدنيا والآخرة {فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدًا} [مريم: 84] ووصفه تعالى بأنه ليس بغافل لا يوهم جواز الغفلة عليه لأن نفي الصفة عن الشيء لا يستلزم ثبوت صحتها مثل {لا تأخذه سنة ولا نوم} [البقرة: 255]. اهـ.

.قال سيد قطب في الآيات السابقة:

{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40)} إلى قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)}.
ابتداء من هذا المقطع في السورة يواجه السياق بني إسرائيل، أولئك الذين واجهوا الدعوة في المدينة مواجهة نكرة؛ وقاوموها مقاومة خفية وظاهرة؛ وكادوا لها كيدًا موصولًا، لم يفتر لحظة منذ أن ظهر الإسلام بالمدينة؛ وتبين لهم أنه في طريقه إلى الهيمنة على مقاليدها، وعزلهم من القيادة الأدبية والاقتصادية التي كانت لهم، مذ وحد الأوس والخزرج، وسد الثغرات التي كانت تنفذ منها يهود، وشرع لهم منهجًا مستقلًا، يقوم على أساس الكتاب الجديد.. هذه المعركة التي شنها اليهود على الإسلام والمسلمين منذ ذلك التاريخ البعيد ثم لم يخب أوارها حتى اللحظة الحاضرة، بنفس الوسائل، ونفس الأساليب، لا يتغير إلا شكلها؛ أما حقيقتها فباقية، وأما طبيعتها فواحدة، وذلك على الرغم من أن العالم كله كان يطاردهم من جهة إلى جهة، ومن قرن إلى قرن، فلا يجدون لهم صدرًا حنونًا إلا في العالم الإسلامي المفتوح، الذي ينكر الاضطهادات الدينية والعنصرية، ويفتح أبوابه لكل مسالم لا يؤذي الإسلام ولا يكيد للمسلمين!
ولقد كان المنتظر أن يكون اليهود في المدينة هم أول من يؤمن بالرسالة الجديدة ويؤمن للرسول الجديد؛ مذ كان القرآن يصدق ما جاء في التوراة في عمومه؛ ومذ كانوا هم يتوقعون رسالة هذا الرسول، وعندهم أوصافه في البشارات التي يتضمنها كتابهم؛ وهم كانوا يستفتحون به على العرب المشركين.
وهذا الدرس هو الشطر الأول من هذه الجولة الواسعة مع بني إسرائيل؛ بل هذه الحملة الشاملة لكشف موقفهم وفضح كيدهم؛ بعد استنفاد كل وسائل الدعوة معهم لترغيبهم في الإسلام، والانضمام إلى موكب الإيمان بالدين الجديد.
يبدأ هذا الدرس بنداء علوي جليل إلى بني إسرائيل، يذكرهم بنعمته- تعالى- عليهم ويدعوهم إلى الوفاء بعهدهم معه ليوفي بعهده معهم، وإلى تقواه وخشيته؛ يمهد بها لدعوتهم إلى الإيمان بما أنزله مصدقا لما معهم. ويندد بموقفهم منه، وكفرهم به أول من يكفر! كما يندد بتلبيسهم الحق بالباطل وكتمان الحق ليموهوا على الناس- وعلى المسلمين خاصة- ويشيعوا الفتنة والبلبلة في الصف الإسلامي، والشك والارتياب في نفوس الداخلين في الإسلام الجديد. ويأمرهم أن يدخلوا في الصف. فيقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويركعوا مع الراكعين، مستعينين على قهر نفوسهم وتطويعها للاندماج في الدين الجديد بالصبر والصلاة. وينكر عليهم أن يكونوا يدعون المشركين إلى الإيمان، وهم في الوقت ذاته يأبون أن يدخلوا في دين الله مسلمين!
ثم يبدأ في تذكيرهم بنعم الله التي أسبغها عليهم في تاريخهم الطويل. مخاطبًا الحاضرين منهم كما لو كانوا هم الذين تلقوا هذه النعم على عهد موسى عليه السلام وذلك باعتبار أنهم أمة واحدة متضامنة الأجيال، متحدة الجبلة.
كما هم في حقيقة الأمر وفق ما بدا من صفاتهم ومواقفهم في جميع العصور!
ويعاود تخويفهم باليوم الذي يُخاف، حيث لا تجزي نفس عن نفس شيئًا، ولا يقبل منها شفاعة، ولا يؤخذ منها فدية، ولا يجدون من ينصرهم ويعصمهم من العذاب.
ويستحضر أمام خيالهم مشهد نجاتهم من فرعون وملئه كأنه حاضر. ومشهد النعم الأخرى التي ظلت تتوالى عليهم من تظليل الغمام إلى المن والسلوى إلى تفجير الصخر بالماء.. ثم يذكرهم بما كان منهم بعد ذلك من انحرافات متوالية، ما يكاد يردهم عن واحدة منها حتى يعودوا إلى أخرى، وما يكاد يعفو عنهم من معصية حتى يقعوا في خطيئة، وما يكادون ينجون من عثرة حتى يقعوا في حفرة.. ونفوسهم هي هي في التوائها وعنادها وإصرارها على الالتواء والعناد، كما أنها هي هي في ضعفها عن حمل التكاليف، ونكولها عن الأمانة، ونكثها للعهد، ونقضها للمواثيق مع ربها ومع نبيها.. حتى لتبلغ أن تقتل أنبياءها بغير الحق، وتكفر بآيات ربها، وتعبد العجل وتجدف في حق الله فترفض الإيمان لنبيها حتى ترى الله جهرة؛ وتخالف عما أوصاها به الله وهي تدخل القرية فتفعل وتقول غير ما أمرت به؛ وتعتدي في السبت، وتنسى ميثاق الطور، وتماحل وتجادل في ذبح البقرة التي أمر الله بذبحها لحكمة خاصة.
وهذا كله مع الإدعاء العريض بأنها هي وحدها المهتدية؛ وأن الله لا يرضى إلا عنها، وأن جميع الأديان باطلة وجميع الأمم ضالة عداها! مما يبطله القرآن في هذه الجولة، ويقرر أن كل من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا من جميع الملل، فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
هذه الحملة- سواء ما ورد منها في هذا الدرس وما يلي منها في سياق السورة- كانت ضرورية أولًا وقبل كل شيء لتحطيم دعاوى يهود، وكشف كيدها، وبيان حقيقتها وحقيقة دوافعها في الدس للإسلام والمسلمين. كما كانت ضرورية لتفتيح عيون المسلمين وقلوبهم لهذه الدسائس والمكايد التي توجه إلى مجتمعهم الجديد، وإلى الأصول التي يقوم عليها؛ كما توجه إلى وحدة الصف المسلم لخلخلته وإشاعة الفتنة فيه.
ومن جانب آخر كانت ضرورية لتحذير المسلمين من مزالق الطريق التي عثرت فيها أقدام الأمة المستخلفة قبلهم، فحرمت مقام الخلافة، وسلبت شرف القيام على أمانة الله في الأرض، ومنهجه لقيادة البشر. وقد تخللت هذه الحملة توجيهات ظاهرة وخفية للمسلمين لتحذيرهم من تلك المزالق كما سيجيء في الشطر الثاني منها.
وما كان أحوج الجماعة المسلمة في المدينة إلى هذه وتلك. وما أحوج الأمة المسلمة في كل وقت إلى تملي هذه التوجيهات، وإلى دراسة هذا القرآن بالعين المفتوحة والحس البصير، لتتلقى منه تعليمات القيادة الإلهية العلوية في معاركها التي تخوضها مع أعدائها التقليديين؛ ولتعرف منها كيف ترد على الكيد العميق الخبيث الذي يوجهونه إليها دائبين، بأخفى الوسائل، وأمكر الطرق.
وما يملك قلب لم يهتد بنور الإيمان، ولم يتلق التوجيه من تلك القيادة المطلعة على السر والعلن والباطن والظاهر، أن يدرك المسالك والدروب الخفية الخبيثة التي يتدسس فيها ذلك الكيد الخبيث المريب.
ثم نلحظ من جانب التناسق الفني والنفسي في الأداء القرآني، أن بدء هذه الجولة يلتحم بختام قصة آدم، وبالإيحاءات التي أشرنا إليها هناك، وهذا جانب من التكامل في السياق القرآني بين القصص والوسط الذي تعرض فيه:
لقد مضى السياق قبل ذلك بتقرير أن الله خلق ما في الأرض جميعًا للإنسان. ثم بقصة استخلاف آدم في الأرض بعهد الله الصريح الدقيق؛ وتكريمه على الملائكة؛ والوصية والنسيان، والندم والتوبة، والهداية والمغفرة، وتزويده بالتجربة الأولى في الصراع الطويل في الأرض، بين قوى الشر والفساد والهدم ممثلة في إبليس، وقوى الخير والصلاح والبناء ممثلة في الإنسان المعتصم بالإيمان.
مضى السياق بهذا كله في السورة. ثم أعقبه بهذه الجولة مع بني إسرائيل، فذكر عهد الله معهم ونكثهم له؛ ونعمته عليهم وجحودهم بها؛ ورتب على هذا حرمانهم من الخلافة، وكتب عليهم الذلة، وحذر المؤمنين كيدهم كما حذرهم مزالقهم. فكانت هناك صلة ظاهرة بين قصة استخلاف آدم وقصة استخلاف بني إسرائيل، واتساق في السياق واضح وفي الأداء.
والقرآن لا يعرض هنا قصة بني إسرائيل، إنما يشير إلى مواقف منها ومشاهد باختصار أو بتطويل مناسب. وقد وردت القصة في السور المكية التي نزلت قبل هذا، ولكنها هناك كانت تذكر- مع غيرها- لتثبيت القلة المؤمنة في مكة بعرض تجارب الدعوة وموكب الإيمان الواصل منذ أول الخليقة، وتوجيه الجماعة المسلمة بما يناسب ظروفها في مكة. فأما هنا فالقصد هو ما أسلفنا من كشف حقيقة نوايا اليهود ووسائلهم وتحذير الجماعة المسلمة منها، وتحذيرها كذلك من الوقوع في مثل ما وقعت فيه قبلها يهود.. وبسبب اختلاف الهدف بين القرآن المكي والقرآن المدني اختلفت طريقة العرض؛ وإن كانت الحقائق التي عرضت هنا وهناك عن انحراف بني إسرائيل ومعصيتهم واحدة (كما سيجيء عند استعراض السور المكية السابقة في ترتيب النزول).
ومن مراجعة المواضع التي وردت فيها قصة بني إسرائيل هنا وهناك يتبين أنها متفقة مع السياق الذي عرضت فيه، متممة لأهدافه وتوجيهاته.. وهي هنا متسقة مع السياق قبلها. سياق تكريم الإنسان، والعهد إليه والنسيان. متضمنة إشارات إلى وحدة الإنسانية، ووحدة دين الله المنزل إليها، ووحدة رسالاته، مع لفتات ولمسات للنفس البشرية ومقوماتها، وإلى عواقب الانحراف عن هذه المقومات التي نيطت بها خلافة الإنسان في الأرض؛ فمن كفر بها كفر بإنسانيته وفقد أسباب خلافته، وارتكس في عالم الحيوان.
وقصة بني إسرائيل هي أكثر القصص ورودًا في القرآن الكريم؛ والعناية بعرض مواقفها وعبرتها عناية ظاهرة، توحي بحكمة الله في علاج أمر هذه الأمة المسلمة، وتربيتها وإعدادها للخلافة الكبرى.
فلننظر بعد هذا الإجمال في استعراض النص القرآني:
{يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون وآمنوا بما أنزلت مصدقًا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا وإياي فاتقون ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون}.
إن المستعرض لتاريخ بني إسرائيل ليأخذه العجب من فيض الآلاء التي أفاضها الله عليهم، ومن الجحود المنكر المتكرر الذي قابلوا به هذا الفيض المدرار.. وهنا يذكرهم الله بنعمته التي أنعمها عليهم إجمالًا، قبل البدء في تفصيل بعضها في الفقر التالية. يذكرهم بها ليدعوهم بعدها إلى الوفاء بعهدهم معه سبحانه كي يتم عليهم النعمة ويمد لهم في الآلاء:
{يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم}.
فأي عهد هذا الذي يشار إليه في هذا المقام؟ أهو العهد الأول، عهد الله لآدم: {فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}..؟ أم هو العهد الكوني السابق على عهد الله هذا مع آدم. العهد المعقود بين فطرة الإنسان وبارئه: أن يعرفه ويعبده وحده لا شريك له. وهو العهد الذي لا يحتاج إلى بيان، ولا يحتاج إلى برهان، لأن فطرة الإنسان بذاتها تتجه إليه بأشواقها اللدنية، ولا يصدها عنه إلا الغواية والانحراف؟ أم هو العهد الخاص الذي قطعه الله لإبراهيم جد إسرائيل. والذي سيجيء في سياق السورة: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إمامًا قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين}..؟ أم هو العهد الخاص الذي قطعه الله على بني إسرائيل وقد رفع فوقهم الطور، وأمرهم أن يأخذوا ما فيه بقوة والذي سيأتي ذكره في هذه الجولة؟
إن هذه العهود جميعًا إن هي إلا عهد واحد في صميمها. إنه العهد بين البارئ وعباده أن يصغوا قلوبهم إليه، وأن يسلموا أنفسهم كلها له. وهذا هو الدين الواحد. وهذا هو الإسلام الذي جاء به الرسل جميعًا؛ وسار موكب الإيمان يحمله شعارًا له على مدار القرون.
ووفاء بهذا العهد يدعو الله بني إسرائيل أن يخافوه وحده وأن يفردوه بالخشية:
{وإياي فارهبون}.
ووفاء بهذا العهد كذلك يدعو الله بني إسرائيل أن يؤمنوا بما أنزله على رسوله، مصدقًا لما معهم؛ وألا يسارعوا إلى الكفر به، فيصبحوا أول الكافرين؛ وكان ينبغي أن يكونوا أول المؤمنين:
{وآمنوا بما أنزلت مصدقًا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به}.
فما الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلا الدين الواحد الخالد. جاء به في صورته الأخيرة؛ وهو امتداد لرسالة الله، ولعهد الله منذ البشرية الأولى، يضم جناحيه على ما مضى، ويأخذ بيد البشرية فيما سيأتي؛ ويوحد بين "العهد القديم" و"العهد الجديد" ويضيف ما أراده الله من الخير والصلاح للبشرية في مستقبلها الطويل؛ ويجمع بذلك بين البشر كلهم إخوة متعارفين؛ يلتقون على عهد الله، ودين الله؛ لا يتفرقون شيعًا وأحزابًا، وأقوامًا وأجناسًا؛ ولكن يلتقون عبادًا لله، مستمسكين جميعًا بعهده الذي لا يتبدل منذ فجر الحياة.
وينهى الله بني إسرائيل أن يكون كفرهم بما أنزله مصدقًا لما معهم، شراء للدنيا بالآخرة، وإيثارًا لما بين أيديهم من مصالح خاصة لهم- وبخاصة أحبارهم الذين يخشون أن يؤمنوا بالإسلام فيخسروا رياستهم، وما تدره عليهم من منافع وإتاوات- ويدعوهم إلى خشيته وحده وتقواه.
{ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا وإياي فاتقون}.
والثمن والمال والكسب الدنيوي المادي.. كله شنشنة يهود من قديم!! وقد يكون المقصود بالنهي هنا هو ما يكسبه رؤساؤهم من ثمن الخدمات الدينية والفتاوى المكذوبة، وتحريف الأحكام حتى لا تقع العقوبة على الأغنياء منهم والكبراء، كما ورد في مواضع أخرى، واستبقاء هذا كله في أيديهم بصد شعبهم كله عن الدخول في الإسلام، حيث تفلت منهم القيادة والرياسة.. على أن الدنيا كلها- كما قال بعض الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم في تفسير هذه الآية- ثمن قليل، حين تقاس إلى الإيمان بآيات الله، وإلى عاقبة الإيمان في الآخرة عند الله.
ويمضي السياق يحذرهم ما كانوا يزاولونه من تلبيس الحق بالباطل، وكتمان الحق وهم يعلمونه، بقصد بلبلة الأفكار في المجتمع المسلم، وإشاعة الشك والاضطراب:
{ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون}.
ولقد زاول اليهود هذا التلبيس والتخليط وكتمان الحق في كل مناسبة عرضت لهم، كما فصل القرآن في مواضع منه كثيرة؛ وكانوا دائما عامل فتنة وبلبلة في المجتمع الإسلامي، وعامل اضطراب وخلخلة في الصف المسلم. وسيأتي من أمثلة هذا التلبيس الشيء الكثير!
ثم يدعوهم إلى الاندماج في موكب الإيمان، والدخول في الصف، وأداء عباداته المفروضة، وترك هذه العزلة والتعصب الذميم، وهو ما عرفت به يهود من قديم:
{وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين}.
ثم ينكر عليهم- وبخاصة أحبارهم- أن يكونوا من الدعاة إلى الإيمان بحكم أنهم أهل كتاب بين مشركين، وهم في الوقت ذاته يصدون قومهم عن الإيمان بدين الله، المصدق لدينهم القديم:
{أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون}.
ومع أن هذا النص القرآني كان يواجه ابتداء حالة واقعة من بني إسرائيل، فإنه في إيحائه للنفس البشرية، ولرجال الدين بصفة خاصة، دائم لا يخص قومًا دون قوم ولا يعني جيلا دون جيل.
إن آفة رجال الدين- حين يصبح الدين حرفة وصناعة لا عقيدة حارة دافعة- أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم؛ يأمرون بالخير ولا يفعلونه؛ ويدعون إلى البر ويهملونه؛ ويحرفون الكلم عن مواضعه؛ ويئولون النصوص القاطعة خدمة للغرض والهوى، ويجدون فتاوى وتأويلات قد تتفق في ظاهرها مع ظاهر النصوص، ولكنها تختلف في حقيقتها عن حقيقة الدين، لتبرير أغراض وأهواء لمن يملكون المال أو السلطان! كما كان يفعل أحبار يهود!
والدعوة إلى البر والمخالفة عنه في سلوك الداعين إليه، هي الآفة التي تصيب النفوس بالشك لا في الدعاة وحدهم ولكن في الدعوات ذاتها. وهي التي تبلبل قلوب الناس وأفكارهم، لأنهم يسمعون قولًا جميلًا، ويشهدون فعلًا قبيحًا؛ فتتملكهم الحيرة بين القول والفعل؛ وتخبو في أرواحهم الشعلة التي توقدها العقيدة؛ وينطفئ في قلوبهم النور الذي يشع الإيمان؛ ولا يعودون يثقون في الدين بعد ما فقدوا ثقتهم برجال الدين.
إن الكلمة لتنبعث ميتة، وتصل هامدة، مهما تكن طنانة رنانة متحمسة، إذا هي لم تنبعث من قلب يؤمن بها. ولن يؤمن إنسان بما يقول حقًا إلا أن يستحيل هو ترجمة حية لما يقول، وتجسيمًا واقعيًا لما ينطق.. عندئذ يؤمن الناس، ويثق الناس، ولو لم يكن في تلك الكلمة طنين ولا بريق.. إنها حينئذ تستمد قوتها من واقعها لا من رنينها؛ وتستمد جمالها من صدقها لا من بريقها.. إنها تستحيل يومئذ دفعة حياة، لأنها منبثقة من حياة.
والمطابقة بين القول والفعل، وبين العقيدة والسلوك، ليست مع هذا أمرًا هينًا، ولا طريقًا معبدًا. إنها في حاجة إلى رياضة وجهد ومحاولة. وإلى صلة بالله، واستمداد منه، واستعانة بهديه؛ فملابسات الحياة وضروراتها واضطراراتها كثيرًا ما تنأى بالفرد في واقعه عما يعتقده في ضميره، أو عما يدعو إليه غيره. والفرد الفاني ما لم يتصل بالقوة الخالدة ضعيف مهما كانت قوته، لأن قوى الشر والطغيان والإغواء أكبر منه؛ وقد يغالبها مرة ومرة ومرة؛ ولكن لحظة ضعف تنتابه فيتخاذل ويتهاوى، ويخسر ماضيه وحاضره ومستقبله؛ فأما وهو يركن إلى قوة الأزل والأبد فهو قوي قوي، أقوى من كل قوي. قوي على شهوته وضعفه. قوي على ضروراته واضطراراته. قوي على ذوي القوة الذين يواجهونه.
ومن ثم يوجه القرآن اليهود الذين كان يواجههم أولًا، ويوجه الناس كلهم ضمنًا، إلى الاستعانة بالصبر والاستعانة بالصلاة.. وفي حالة اليهود كان مطلوبًا منهم أن يؤثروا الحق الذي يعلمونه على المركز الخاص الذي يتمتعون به في المدينة، وعلى الثمن القليل- سواء كان ثمن الخدمات الدينية أو هو الدنيا كلها- وأن يدخلوا في موكب الإيمان وهم يدعون الناس إلى الإيمان! وكان هذا كله يقتضي قوة وشجاعة وتجردًا.
واستعانة بالصبر والصلاة:
{واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون}.
والغالب أن الضمير في أنها ضمير الشأن، أي إن هذه الدعوة إلى الاعتراف بالحق في وجه هذه العوامل كبيرة وصعبة وشاقة، إلا على الخاشعين الخاضعين لله، الشاعرين بخشيته وتقواه، الواثقين بلقائه والرجعة إليه عن يقين.
والاستعانة بالصبر تتكرر كثيرًا؛ فهو الزاد الذي لابد منه لمواجهة كل مشقة، وأول المشقات مشقة النزول عن القيادة والرياسة والنفع والكسب احترامًا للحق وإيثارًا له، واعترافًا بالحقيقة وخضوعًا لها.
فما الاستعانة بالصلاة؟
إن الصلاة صلة ولقاء بين العبد والرب. صلة يستمد منها القلب قوة، وتحس فيها الروح صلة؛ وتجد فيها النفس زادًا أنفس من أعراض الحياة الدنيا.. ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وهو الوثيق الصلة بربه الموصول الروح بالوحي والإلهام.. وما يزال هذا الينبوع الدافق في متناول كل مؤمن يريد زادًا للطريق، وريًّا في الهجير، ومددًا حين ينقطع المدد، ورصيدًا حين ينفد الرصيد.
واليقين بلقاء الله- واستعمال ظن ومشتقاتها في معنى اليقين كثير في القرآن وفي لغة العرب عامة- واليقين بالرجعة إليه وحده في كل الأمور.. هو مناط الصبر والاحتمال؛ وهو مناط التقوى والحساسية. كما أنه مناط الوزن الصحيح للقيم: قيم الدنيا وقيم الآخرة. ومتى استقام الميزان في هذه القيم بدت الدنيا كلها ثمنًا قليلًا، وعرضًا هزيلًا؛ وبدت الآخرة على حقيقتها، التي لا يتردد عاقل في اختيارها وإيثارها.
وكذلك يجد المتدبر للقرآن في التوجيه الذي قصد به بنو إسرائيل أول مرة، توجيهًا دائمًا مستمر الإيحاء للجميع.
ومن ثم عودة إلى نداء بني إسرائيل، وتذكيرهم بنعمة الله عليهم، وتخويفهم ذلك اليوم المخيف إجمالًا قبل الأخذ في التفصيل:
{يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين واتقوا يومًا لا تجزي نفس عن نفس شيئًا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون}.
وتفضيل بني إسرائيل على العالمين موقوت بزمان استخلافهم واختيارهم، فأما بعد ما عتوا عن أمر ربهم، وعصوا أنبياءهم، وجحدوا نعمة الله عليهم، وتخلوا عن التزاماتهم وعهدهم، فقد أعلن الله حكمه عليهم باللعنة والغضب والذلة والمسكنة، وقضى عليهم بالتشريد وحق عليهم الوعيد.
وتذكيرهم بتفضيلهم على العالمين، هو تذكير لهم بما كان لهم من فضل الله وعهده؛ وإطماع لهم لينتهزوا الفرصة المتاحة على يدي الدعوة الإسلامية، فيعودوا إلى موكب الإيمان. وإلى عهد الله؛ شكرًا على تفضيله لآبائهم، ورغبة في العودة إلى مقام التكريم الذي يناله المؤمنون.
ومع الإطماع في الفضل والنعمة، التحذير من اليوم الذي يأتي وصفه:
{لا تجزي نفس عن نفس شيئًا}.
فالتبعة فردية، والحساب شخصي، وكل نفس مسئولة عن نفسها، ولا تغني نفس عن نفس شيئًا.. وهذا هو المبدأ الإسلامي العظيم. مبدأ التبعة الفردية القائمة على الإرادة والتمييز من الإنسان، وعلى العدل المطلق من الله. وهو أقوم المبادئ التي تشعر الإنسان بكرامته، والتي تستجيش اليقظة الدائمة في ضميره. وكلاهما عامل من عوامل التربية، فوق أنه قيمة إنسانية تضاف إلى رصيده من القيم التي يكرمه بها الإسلام.
{ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل}.
فلا شفاعة تنفع يومئذ من لم يقدم إيمانًا وعملًا صالحًا؛ ولا فدية تؤخذ منه للتجاوز عن كفره ومعصيته.
{ولا هم ينصرون}.
فما من ناصر يعصمهم من الله، وينجيهم من عذابه.. وقد عبر هنا بالجمع باعتبار مجموع النفوس التي لا تجزي نفس منها عن نفس، ولا يقبل منها شفاعة، ولا يؤخذ منها عدل، وانصرف عن الخطاب في أول الآية إلى صيغة الغيبة في آخرها للتعميم. فهذا مبدأ كلي ينال المخاطبين وغير المخاطبين من الناس أجمعين.
بعدئذ يمضي يعدد آلاء الله عليهم، وكيف استقبلوا هذه الآلاء، وكيف جحدوا وكفروا وحادوا عن الطريق. وفي مقدمة هذه النعم كانت نجاتهم من آل فرعون ومن العذاب الأليم:
{وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون}.
إنه يعيد على خيالهم ويستحيي في مشاعرهم صورة الكرب الذي كانوا فيه- باعتبار أنهم أبناء هذا الأصل البعيد- ويرسم أمامهم مشهد النجاة كما رسم أمامهم مشاهد العذاب.
يقول لهم: واذكروا إذ نجيناكم من آل فرعون حالة ما كانوا يديمون عذابكم، (من سام الماشية أي جعلها سائمة ترعى دائمًا) وكأن العذاب كان هو الغذاء الدائم الذي يطعمونهم إياه!! ثم يذكر لونًا من هذا العذاب. هو تذبيح الذكور واستيحاء الإناث. كي يضعف ساعد بني إسرائيل وتثقل تبعاتهم!
وقبل أن يعرض مشهد النجاة يعقب بأن ذلك التعذيب كان فيه بلاء من ربهم عظيم. ليلقي في حسهم- وحس كل من يصادف شدة- أن إصابة العباد بالشدة هي امتحان وبلاء، واختبار وفتنة. وأن الذي يستيقظ لهذه الحقيقة يفيد من الشدة، ويعتبر بالبلاء، ويكسب من ورائهما حين يستيقظ. والألم لا يذهب ضياعًا إذا أدرك صاحبه أنه يمر بفترة امتحان لها ما بعدها إن أحسن الانتفاع بها. والألم يهون على النفس حين تعيش بهذا التصور وحين تدخر ما في التجربة المؤلمة من زاد للدنيا بالخبرة والمعرفة والصبر والاحتمال، ومن زاد للآخرة باحتسابها عند الله، وبالتضرع لله وبانتظار الفرج من عنده وعدم اليأس من رحمته.
ومن ثم هذا التعقيب الموحى: {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم}.
فإذا فرغ من التعقيب جاء بمشهد النجاة بعد مشاهد العذاب.
{وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون}.
وقد وردت تفصيلات هذه النجاة في السور المكية التي نزلت من قبل. أما هنا فهو مجرد التذكير لقوم يعرفون القصة. سواء من القرآن المكي، أو من كتبهم وأقاصيصهم المحفوظة. إنما يذكرهم بها في صورة مشهد، ليستعيدوا تصورها، ويتأثروا بهذا التصور، وكأنهم هم الذين كانوا ينظرون إلى فرق البحر، ونجاة بني إسرائيل بقيادة موسى عليه السلام على مشهد منهم ومرأى! وخاصية الاستحياء هذه من أبرز خصائص التعبير القرآني العجيب.
ثم يمضي السياق قدمًا مع رحلة بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر ناجين:
{وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم}.
وقصة اتخاذ بني إسرائيل للعجل، وعبادته في غيبة موسى عليه السلام عندما ذهب إلى ميعاد ربه على الجبل، مفصلة في سورة طه السابقة النزول في مكة. وهنا فقط يذكرهم بها، وهي معروفة لديهم. يذكرهم بانحدارهم إلى عبادة العجل بمجرد غيبة نبيهم، الذي أنقذهم باسم الله، من آل فرعون يسومونهم سوء العذاب. ويصف حقيقة موقفهم في هذه العبادة: {وأنتم ظالمون}.. ومن أظلم ممن يترك عبادة الله ووصية نبيه ليعبد عجلًا جسدًا، وقد أنقذه الله ممن كانوا يقدسون العجول!
ومع هذا فقد عفا الله عنهم، وآتى نبيهم الكتاب- وهو التوراة- فيه فرقان بين الحق والباطل، عسى أن يهتدوا إلى الحق البين بعد الضلال.
ولم يكن بد من التطهير القاسي؛ فهذه الطبيعة المنهارة الخاوية لا تقومها إلا كفارة صارمة، وتأديب عنيف. عنيف في طريقته وفي حقيقته:
{وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم}.
أقتلوا أنفسكم. ليقتل الطائع منكم العاصي. ليطهره ويطهر نفسه.. هكذا وردت الروايات عن تلك الكفارة العنيفة.. وإنه لتكليف مرهق شاق، أن يقتل الأخ أخاه، فكأنما يقتل نفسه برضاه. ولكنه كذلك كان تربية لتلك الطبيعة المنهارة الخوارة، التي لا تتماسك عن شر، ولا تتناهى عن نكر. ولو تناهوا عن المنكر في غيبة نبيهم ما عبدوا العجل. وإذ لم يتناهوا بالكلام فليتناهوا بالحسام؛ وليؤدوا الضريبة الفادحة الثقيلة التي تنفعهم وتربيهم!
وهنا تدركهم رحمة الله بعد التطهير:
{فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم}.
ولكن إسرائيل هي إسرائيل! هي هي كثافة حس، ومادية فكر، واحتجابًا عن مسارب الغيب.. فإذا هم يطلبون أن يروا الله جهرة، والذي طلب هذا هم السبعون المختارون منهم، الذين اختارهم موسى لميقات ربه- الذي فصلت قصته في السور المكية من قبل- ويرفضون الإيمان لموسى إلا أن يروا الله عيانًا. والقرآن يواجههم هنا بهذا التجديف الذي صدر من آبائهم، لينكشف تعنتهم القديم الذي يشابه تعنتهم الجديد مع الرسول الكريم، وطلبهم الخوارق منه، وتحريضهم بعض المؤمنين على طلب الخوارق للتثبت من صدقه:
{وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}.. إن الحس المادي الغليظ هو وحده طريقهم إلى المعرفة.. أم لعله التعنت والمعاجزة.
والآيات الكثيرة، والنعم الإلهية، والعفو والمغفرة.. كلها لا تغير من تلك الطبيعة الجاسية، التي لا تؤمن إلا بالمحسوس، والتي تظل مع ذلك تجادل وتماحل ولا تستجيب إلا تحت وقع العذاب والتنكيل، مما يوحي بأن فترة الإذلال التي قضوها تحت حكم فرعون الطاغية قد أفسدت فطرتهم إفسادًا عميقًا. وليس أشد إفسادًا للفطرة من الذل الذي ينشئه الطغيان الطويل، والذي يحطم فضائل النفس البشرية، ويحلل مقّوماتها، ويغرس فيها المعروف من طباع العبيد: استخذاء تحت سوط الجلاد، وتمردًا حين يرفع عنها السوط، وتبطرًا حين يتاح لها شيء من النعمة والقوة.. وهكذا كانت إسرائيل، وهكذا هي في كل حين.
ومن ثم يجدفون هذا التجديف. ويتعنتون هذا التعنت:
{وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة}:
ومن ثم يأخذهم الله جزاء ذلك التجديف، وهم على الجبل في الميقات المعلوم:
{فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون}.
ومرة أخرى تدركهم رحمة الله، وتوهب لهم فرصة الحياة عسى أن يذكروا ويشكروا، ويذكرهم هنا مواجهة بهذه النعمة:
{ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون}.
ويذكرهم برعايته لهم في الصحراء الجرداء حيث يسر لهم طعامًا شهيًا لا يجهدون فيه ولا يكدون، ووقاهم هجير الصحراء وحر الشمس المحرق بتدبيره اللطيف:
{وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}.
وتذكر الراويات أن الله ساق لهم الغمام يظللهم من الهاجرة. والصحراء بغير مطر ولا سحب، جحيم يفور بالنار، ويقذف بالشواظ. وهي بالمطر والسحاب رخية ندية تصح فيها الأجسام والأرواح.. وتذكر الروايات كذلك أن الله سخر لهم {المن} يجدونه على الأشجار حلوًا كالعسل، وسخر لهم {السلوى} وهو طائر السماني يجدونه بوفرة قريب المنال. وبهذا توافر لهم الطعام الجيد، والمقام المريح، وأحلت لهم هذه الطيبات.. ولكن أتراهم شكروا واهتدوا.
إن التعقيب الأخير في الآية يوحي بأنهم ظلموا وجحدوا. وإن كانت عاقبة ذلك عليهم، فما ظلموا إلاَّ أنفسهم!
{وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}.
ويمضي السياق في مواجهتهم بما كان منهم من انحراف ومعصية وجحود:
{وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدًا وادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا قولًا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون}.
وتذكر بعض الروايات أن القرية المقصودة هنا هي بيت المقدس، التي أمر الله بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر أن يدخلوها، ويخرجوا منها العمالقة الذين كانوا يسكنونها، والتي نكص بنو إسرائيل عنها وقالوا: {يا موسى إن فيها قومًا جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون} والتي قالوا بشأنها لنبيهم موسى عليه السلام: {إنا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} ومن ثم كتب عليهم ربهم التيه أربعين سنة، حتى نشأ جيل جديد بقيادة يوشع بن نون، فتح المدينة ودخلها.. ولكنهم بدلًا من أن يدخلوها سجدًا كما أمرهم الله، علامة على التواضع والخشوع، ويقولوا: حطة.. أي حط عنا ذنوبنا واغفر لنا.. دخلوها على غير الهيئة التي أمروا بها، وقالوا قولًا آخر غير الذي أمروا به.
والسياق يواجههم بهذا الحادث في تاريخهم؛ وقد كان مما وقع بعد الفترة التي يدور عنها الحديث هنا- وهي عهد موسى- ذلك أنه يعتبر تاريخهم كله وحدة، قديمه كحديثه، ووسطه كطرفيه.. كله مخالفة وتمرد وعصيان وانحراف!
وأيًّا كان هذا الحادث، فقد كان القرآن يخاطبهم بأمر يعرفونه، ويذكرهم بحادث يعلمونه.. فلقد نصرهم الله فدخلوا القرية المعينة؛ وأمرهم أن يدخلوها في هيئة خشوع وخضوع، وأن يدعوا الله ليغفر لهم ويحط عنهم؛ ووعدهم أن يغفر لهم خطاياهم، وأن يزيد المحسنين من فضله ونعمته. فخالفوا عن هذا كله كعادة يهود:
{فبدل الذين ظلموا قولًا غير الذي قيل لهم}.
ويخص الذين ظلموا بالذكر. إما لأنهم كانوا فريقًا منهم هو الذي بدل وظلم. وإما لتقرير وصف الظلم لهم جميعًا، إذا كان قد وقع منهم جميعًا.
{فأنزلنا على الذين ظلموا رجزًا من السماء بما كانوا يفسقون}.
والرجز: العذاب. والفسوق: المخالفة والخروج.. وكانت هذه واحدة من أفاعيل بني إسرائيل!
وكما يسر الله لبني إسرائيل الطعام في الصحراء والظل في الهاجرة، كذلك أفاض عليهم الري بخارقة من الخوارق الكثيرة التي أجراها الله على يدي نبيه موسى عليه السلام والقرآن يذكرهم بنعمة الله عليهم في هذا المقام، وكيف كان مسلكهم بعد الإفضال والإنعام:
{وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين}.
لقد طلب موسى لقومه السقيا. طلبها من ربه فاستجاب له. وأمره أن يضرب حجرًا معينًا بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا بعدة أسباط بني إسرائيل، وكانوا يرجعون إلى اثني عشر سبطًا بعدة أحفاد يعقوب- وهو إسرائيل الذي ينتسبون إليه- وأحفاد إسرائيل- أو يعقوب- هم المعروفون باسم الأسباط، والذين يرد ذكرهم مكررًا في القرآن، وهم رءوس قبائل بني إسرائيل. وكانوا ما يزالون يتبعون النظام القبلي، الذي تنسب فيه القبيلة إلى رأسها الكبير.
ومن ثم يقول: {قد علم كل أناس مشربهم}.. أي العين الخاصة بهم من الاثنتي عشرة عينًا. وقيل لهم، على سبيل الإباحة والإنعام والتحذير من الاعتداء والإفساد:
{كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين}.
لقد كانوا بين الصحراء بجدبها وصخورها، والسماء بشواظها ورجومها. فأما الحجر فقد أنبع الله لهم منه الماء، وأما السماء فأنزل لهم منها المن والسلوى: عسلًا وطيرًا.. ولكن البنية النفسية المفككة، والجبلة الهابطة المتداعية، أبت على القوم أن يرتفعوا إلى مستوى الغاية التي من أجلها أخرجوا من مصر، ومن أجلها ضربوا في الصحراء.. لقد أخرجهم الله- على يدي نبيهم موسى عليه السلام من الذل والهوان ليورثهم الأرض المقدسة، وليرفعهم من المهانة والضعة.. وللحرية ثمن، وللعزة تكاليف، وللأمانة الكبرى التي ناطهم الله بها فدية. ولكنهم لا يريدون أن يؤدوا الثمن، ولا يريدون أن ينهضوا بالتكاليف، ولا يريدون أن يدفعوا الفدية. حتى بأن يتركوا مألوف حياتهم الرتيبة الهينة. حتى بأن يغيروا مألوف طعامهم وشرابهم، وأن يكيفوا أنفسهم بظروف حياتهم الجديدة، في طريقهم إلى العزة والحرية والكرامة. إنهم يريدون الأطعمة المنوعة التي ألفوها في مصر. يريدون العدس والثوم والبصل والقثاء.. وما إليها! وهذا ما يذكرهم القرآن به. وهم يدعون في المدينة دعاواهم العريضة:
{وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرًا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون}.
ولقد تلقى موسى عليه السلام طلبهم بالاستنكار:
{أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير}.
أتريدون الدنية وقد أراد الله لكم العلية؟
{اهبطوا مصرًا فإن لكم ما سألتم}.
إما بمعنى أن ما يطلبونه هين زهيد، لا يستحق الدعاء؛ فهو موفور في أي مصر من الأمصار، فاهبطوا أية مدينة فإنكم واجدوه فيها.. وإما بمعنى عودوا إذن إلى مصر التي أخرجتم منها.
عودوا إلى حياتكم الدارجة المألوفة. إلى حياتكم الخانعة الذليلة.. حيث تجدون العدس والبصل والثوم والقثاء! ودعوا الأمور الكبار التي ندبتم لها.. ويكون هذا من موسى عليه السلام تأنيبًا لهم وتوبيخًا.
وأنا أرجح هذا التأويل الذي استبعده بعض المفسرين، أرجحه بسبب ما أعقبه في السياق من قوله تعالى: {وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله}.
فإن ضرب الذلة والمسكنة عليهم، وعودتهم بغضب الله، لم يكن- من الناحية التاريخية- في هذه المرحلة من تاريخهم؛ إنما كان فيما بعد، بعد وقوع ما ذكرته الآية في ختامها:
{ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون}.
وقد وقع هذا منهم متأخرًا بعد عهد موسى بأجيال. إنما عجل السياق بذكر الذلة والمسكنة والغضب هنا لمناسبته لموقفهم من طلب العدس والبصل والثوم والقثاء! فناسب أن يكون قول موسى لهم، {اهبطوا مصرًا} هو تذكير لهم بالذل في مصر، وبالنجاة منه، ثم هفوة نفوسهم للمطاعم التي ألفوها في دار الذل والهوان!
ولم يشهد تاريخ أمة ما شهده تاريخ إسرائيل من قسوة وجحود واعتداء وتنكر للهداة. فقد قتلوا وذبحوا ونشروا بالمناشير عددًا من أنبيائهم- وهي أشنع فعلة تصدر من أمة مع دعاة الحق المخلصين- وقد كفروا أشنع الكفر، واعتدوا أشنع الاعتداء، وعصوا أبشع المعصية. وكان لهم في كل ميدان من هذه الميادين أفاعيل ليست مثلها أفاعيل!
ومع هذا كله فقد كانت لهم دعاوى عريضة عجيبة. كانوا دائما يدعون أنهم هم وحدهم المهتدون، وهم وحدهم شعب الله المختار، وهم وحدهم الذين ينالهم ثواب الله؛ وأن فضل الله لهم وحدهم دون شريك.. وهنا يكذب القرآن هذه الدعوى العريضة، ويقرر قاعدة من قواعده الكلية، التي تتخلل القصص القرآني، أو تسبقه أو تتلوه. يقرر قاعدة وحدة الإيمان.. ووحدة العقيدة، متى انتهت إلى إسلام النفس لله، والإيمان به إيمانًا ينبثق منه العمل الصالح. وإن فضل الله ليس حجرًا محجورًا على عصبية خاصة، إنما هو للمؤمنين أجمعين، في كل زمان وفي كل مكان، كل بحسب دينه الذي كان عليه، حتى تجيء الرسالة التالية بالدين الذي يجب أن يصير المؤمنون إليه:
{إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.
والذين آمنوا يعني بهم المسلمين. والذين هادوا هم اليهود- إما بمعنى عادوا إلى الله، وإما بمعنى أنهم أولاد يهوذا- والنصارى هم اتباع عيسى عليه السلام والصابئون: الأرجح أنهم تلك الطائفة من مشركي العرب قبل البعثة، الذين ساورهم الشك فيما كان عليه قومهم من عبادة الأصنام، فبحثوا لأنفسهم عن عقيدة يرتضونها، فاهتدوا إلى التوحيد، وقالوا: إنهم يتعبدون على الحنيفية الأولى، ملة إبراهيم، واعتزلوا عبادة قومهم دون أن تكون لهم دعوة فيهم.
فقال عنهم المشركون: إنهم صبأوا- أي مالوا عن دين آبائهم- كما كانوا يقولون عن المسلمين بعد ذلك. ومن ثم سموا الصابئة. وهذا القول أرجح من القول بأنهم عبدة النجوم كما جاء في بعض التفاسير.
والآية تقرر أن من آمن بالله واليوم الآخر من هؤلاء جميعًا وعمل صالحًا، فإن لهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فالعبرة بحقيقة العقيدة، لا بعصبية جنس أو قوم.. وذلك طبعًا قبل البعثة المحمدية. أما بعدها فقد تحدد شكل الإيمان الأخير.
ثم يمضي السياق يستعرض مواقف بني إسرائيل في مواجهة يهود المدينة بمسمع من المسلمين.
{وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين}.
وتفصيل هذا الميثاق وارد في سور أخرى، وبعضه ورد في هذه السورة فيما بعد. والمهم هنا هو استحضار المشهد، والتناسق النفسي والتعبيري بين قوة رفع الصخرة فوق رءوسهم وقوة أخذ العهد، وأمرهم أن يأخذوا ما فيه بقوة. وأن يعزموا فيه عزيمة. فأمر العقيدة لا رخاوة فيه ولا تميع، ولا يقبل أنصاف الحلول ولا الهزل ولا الرخاوة.. إنه عهد الله مع المؤمنين.. وهو جد وحق، فلا سبيل فيه لغير الجد والحق.. وله تكاليف شاقة، نعم! ولكن هذه هي طبيعته. إنه أمر عظيم. أعظم من كل ما في هذا الوجود. فلابد أن تقبل عليه النفس إقبال الجاد القاصد العارف بتكاليفه، المتجمع الهم والعزيمة المصمم على هذه التكاليف. ولابد أن يدرك صاحب هذا الأمر أنه إنما يودع حياة الدعة والرخاء والرخاوة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نودي للتكليف: «مضى عهد النوم يا خديجة». وكما قال له ربه: {إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا} وكما قال لبني إسرائيل: {خذوا ما آتيناكم بقوة}. {واذكروا ما فيه لعلكم تتقون}.
ولابد مع أخذ العهد بقوة وجد واستجماع نفس وتصميم.. لابد مع هذا من تذكر ما فيه، واستشعار حقيقته، والتكيف بهذه الحقيقة، كي لا يكون الأمر كله مجرد حماسة وحمية وقوة. فعهد الله منهج حياة، منهج يستقر في القلب تصورًا وشعورًا، ويستقر في الحياة وضعًا ونظامًا، ويستقر في السلوك أدبًا وخلقًا، وينتهي إلى التقوى والحساسية برقابة الله وخشية المصير.
ولكن هيهات! لقد أدركت إسرائيل نحيزتها، وغلبت عليها جبلتها:
{ثم توليتم من بعد ذلك}.
ثم أدركتها رحمة الله مرة أخرى وشملها فضله العظيم؛ فأنقذها من الخسار المبين:
{فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين}.
ومرة أخرى يواجههم بمظهر من مظاهر النكث والنكسة، والتحلل من العهد والعجز عن الاستمساك به، والضعف عن احتمال تكاليفه، والضعف أمام الهوى أو النفع القريب:
{ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين فجعلناها نكالًا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين}.
وقد فصل القرآن حكاية اعتدائهم في السبت في موضع آخر فقال: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعًا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم} فلقد طلبوا أن يكون لهم يوم راحة مقدس، فجعل الله لهم يوم السبت راحة مقدسًا لا يعملون فيه للمعاش. ثم ابتلاهم بعد ذلك بالحيتان تكثر يوم السبت، وتختفي في غيره! وكان ابتلاء لم تصمد له يهود! وكيف تصمد وتدع هذا الصيد القريب يضيع؟ أتتركه وفاء بعهد واستمساكًا بميثاق؟ إن هذا ليس من طبع يهود!
ومن ثم اعتدوا في السبت اعتدوا على طريقتهم الملتوية. راحوا يحوطون على الحيتان في يوم السبت، ويقطعونها عن البحر بحاجز، ولا يصيدونها! حتى إذا انقضى اليوم تقدموا وانتشلوا السمك المحجوز!
{فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين}.
لقد حق عليهم جزاء النكول عن عهدهم مع الله، والنكوص عن مقام الإنسان ذي الإرادة. فانتكسوا بهذا إلى عالم الحيوان والبهيمة، الحيوان الذي لا إرادة له، والبهيمة التي لا ترتفع على دعوة البطون! انتكسوا بمجرد تخليهم عن الخصيصة الأولى التي تجعل من الإنسان إنسانًا. خصيصة الإرادة المستعلية المستمسكة بعهد الله.
وليس من الضروري أن يستحيلوا قردة بأجسامهم، فقد استحالوا إليها بأرواحهم وأفكارهم، وانطباعات الشعور والتفكير تعكس على الوجوه والملامح سمات تؤثر في السحنة وتلقي ظلها العميق!
ومضت هذه الحادثة عبرة رادعة للمخالفين في زمانها وفيما يليه، وموعظة نافعة للمؤمنين في جميع العصور:
{فجعلناها نكالًا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين}.. وفي نهاية هذا الدرس تجيء قصة "البقرة".. تجيء مفصلة وفي صورة حكاية، لا مجرد إشارة كالذي سبق، ذلك أنها لم ترد من قبل في السور المكية، كما أنها لم ترد في موضع آخر؛ وهي ترسم سمة اللجاجة والتعنت والتلكؤ في الاستجابة، وتمحل المعاذير، التي تتسم بها إسرائيل:
{وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوًا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لاشية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون وإذ قتلتم نفسًا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون}.
وفي هذه القصة القصيرة- كما يعرضها السياق القرآني- مجال للنظر في جوانب شتى.. جانب دلالتها على طبيعة بني إسرائيل وجبلتهم الموروثة. وجانب دلالتها على قدرة الخالق، وحقيقة البعث، وطبيعة الموت والحياة. ثم جانب الأداء الفني في عرض القصة بدءًا ونهاية واتساقًا مع السياق.
إن السمات الرئيسية لطبيعة إسرائيل تبدو واضحة في قصة البقرة هذه: انقطاع الصلة بين قلوبهم، وذلك النبع الشفيف الرقراق: نبع الإيمان بالغيب، والثقة بالله، والاستعداد لتصديق ما يأتيهم به الرسل. ثم التلكؤ في الاستجابة للتكاليف، وتلمس الحجج والمعاذير، والسخرية المنبعثة من صفاقة القلب وسلاطة اللسان!
لقد قال لهم نبيهم: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة}.. وكان هذا القول بهذه الصيغة يكفي للاستجابة والتنفيذ. فنبيهم هو زعيمهم الذي أنقذهم من العذاب المهين، برحمة من الله ورعاية وتعليم؛ وهو ينبئهم أن هذا ليس أمره وليس رأيه، إنما هو أمر الله، الذي يسير بهم على هداه.. فماذا كان الجواب؟ لقد كان جوابهم سفاهة وسوء أدب، واتهامًا لنبيهم الكريم بأنه يهزأ بهم ويسخر منهم! كأنما يجوز لإنسان يعرف الله- فضلًا على أن يكون رسول الله- أن يتخذ اسم الله وأمره مادة مزاح وسخرية بين الناس:
{قالوا أتتخذنا هزوًا}.
وكان رد موسى على هذه السفاهة أن يستعيذ بالله؛ وأن يردهم برفق، وعن طريق التعريض والتلميح، إلى جادة الأدب الواجب في جانب الخالق جل علاه؛ وأن يبين لهم أن ما ظنوه به لا يليق إلا بجاهل بقدر الله، لا يعرف ذلك الأدب ولا يتوخاه:
{قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين}.
وكان في هذا التوجيه كفاية ليثوبوا إلى أنفسهم، ويرجعوا إلى ربهم، وينفذوا أمر نبيهم.. ولكنها إسرائيل!
نعم. لقد كان في وسعهم- وهم في سعة من الأمر- أن يمدوا أيديهم إلى أية بقرة فيذبحوها، فإذا هم مطيعون لأمر الله، منفذون لإشارة رسوله. ولكن طبيعة التلكؤ والالتواء تدركهم، فإذا هم يسألون: {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي}.. والسؤال بهذه الصيغة يشي بأنهم ما يزالون في شكهم أن يكون موسى هازئًا فيما أنهى إليهم! فهم أولًا: يقولون: {ادع لنا ربك}.. فكأنما هو ربه وحده لا ربهم كذلك! وكأن المسألة لا تعنيهم هم إنما تعني موسى وربه! وهم ثانيًا: يطلبون منه أن يدعو ربه ليبين لهم: {ما هي} والسؤال عن الماهية في هذا المقام- وإن كان المقصود الصفة- إنكار واستهزاء.. ما هي؟ إنها بقرة. وقد قال لهم هذا من أول الأمر بلا تحديد لصفة ولا سمة.
بقرة وكفى!
هنا كذلك يردهم موسى إلى الجادة، بأن يسلك في الإجابة طريقًا غير طريق السؤال. إنه لا يجبههم بانحرافهم في صيغة السؤال كي لا يدخل معهم في جدل شكلي.. إنما يجيبهم كما ينبغي أن يجيب المعلم المربي من يبتليه الله بهم من السفهاء المنحرفين. يجيبهم عن صفة البقرة:
{قال إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك}.
إنها بقرة لا هي عجوز ولا هي شابة، وسط بين هذا وذاك. ثم يعقب على هذا البيان المجمل بنصيحة آمرة حازمة:
{فافعلوا ما تؤمرون}.
ولقد كان في هذا كفاية لمن يريد الكفاية؛ وكان حسبهم وقد ردهم نبيهم إلى الجادة مرتين، ولمح لهم بالأدب الواجب في السؤال وفي التلقي. أن يعمدوا إلى أية بقرة من أبقارهم، لا عجوز ولا صغيرة، متوسطة السن، فيخلصوا بها ذمتهم، وينفذوا بذبحها أمر ربهم، ويعفوا أنفسهم من مشقة التعقيد والتضييق.. ولكن إسرائيل هي إسرائيل!
لقد راحوا يسألون:
{قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها}.
هكذا مرة أخرى: {ادع لنا ربك}! ولم يكن بد- وقد شققوا الموضوع وطلبوا التفصيل- أن يأتيهم الجواب بالتفصيل:
{قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين}.
وهكذا ضيقوا على أنفسهم دائرة الاختيار- وكانوا من الأمر في سعة- فأصبحوا مكلفين أن يبحثوا لا عن بقرة.. مجرد بقرة.. بل عن بقرة متوسطة السن، لا عجوز ولا صغيرة، وهي بعد هذا صفراء فاقع لونها؛ وهي بعد هذا وذلك ليست هزيلة ولا شوهاء: {تسر الناظرين}.. وسرور الناظرين لا يتم إلا أن تقع أبصارهم على فراهة وحيوية ونشاط والتماع في تلك البقرة المطلوبة؛ فهذا هو الشائع في طباع الناس: أن يعجبوا بالحيوية والاستواء ويسروا، وأن ينفروا من الهزال والتشويه ويشمئزوا.
ولقد كان فيما تلكأوا كفاية، ولكنهم يمضون في طريقهم، يعقدون الأمور، ويشددون على أنفسهم، فيشدد الله عليهم. لقد عادوا مرة أخرى يسألون عن الماهية:
{قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي}.
ويعتذرون عن هذا السؤال وعن ذلك التلكؤ بأن الأمر مشكل:
{إن البقر تشابه علينا}.
وكأنما استشعروا لحاجتهم هذه المرة. فهم يقولون:
{وإنا إن شاء الله لمهتدون}.
ولم يكن بد كذلك أن يزيد الأمر عليهم مشقة وتعقيدًا، وأن تزيد دائرة الاختيار المتاحة لهم حصرًا وضيقًا، بإضافة أوصاف جديدة للبقرة المطلوبة، كانوا في سعة منها وفي غنى عنها:
{قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها}.
وهكذا لم تعد بقرة متوسطة العمر. صفراء فاقع لونها فارهة فحسب. بل لم يعد بد أن تكون- مع هذا- بقرة غير مذللة ولا مدربة على حرث الأرض أو سقي الزرع؛ وأن تكون كذلك خالصة اللون لا تشوبها علامة.
هنا فقط.. وبعد أن تعقد الأمر، وتضاعفت الشروط، وضاق مجال الاختيار:
{قالوا الآن جئت بالحق}.
الآن! كأنما كان كل ما مضى ليس حقًا. أو كأنهم لم يستيقنوا أن ما جاءهم به هو الحق إلا اللحظة! {فذبحوها وما كادوا يفعلون}!!
عندئذ- وبعد تنفيذ الأمر والنهوض بالتكليف- كشف الله لهم عن الغاية من الأمر والتكليف:
{وإذ قتلتم نفسًا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون}.
وهنا نصل إلى الجانب الثاني من جوانب القصة. جانب دلالتها على قدرة الخالق، وحقيقة البعث، وطبيعة الموت والحياة. وهنا يتغير السياق من الحكاية إلى الخطاب والمواجهة:
لقد كشف الله لقوم موسى عن الحكمة من ذبح البقرة.. لقد كانوا قد قتلوا نفسا منهم؛ ثم جعل كل فريق يدرأ عن نفسه التهمة ويلحقها بسواه. ولم يكن هناك شاهد؛ فأراد الله أن يظهر الحق على لسان القتيل ذاته؛ وكان ذبح البقرة وسيلة إلى إحيائه، وذلك بضربه ببعض من تلك البقرة الذبيح.. وهكذا كان، فعادت إليه الحياة، ليخبر بنفسه عن قاتله، وليجلو الريب والشكوك التي أحاطت بمقتله؛ وليحق الحق ويبطل الباطل بأوثق البراهين.
ولكن. فيم كانت هذه الوسيلة، والله قادر على أن يحيي الموتى بلا وسيلة؟ ثم ما مناسبة البقرة المذبوحة مع القتيل المبعوث؟
إن البقر يذبح قربانًا كما كانت عادة بني إسرائيل.. وبضعة من جسد ذبيح ترد بها الحياة إلى جسد قتيل. وما في هذه البضعة حياة ولا قدرة على الأحياء.. إنما هي مجرد وسيلة ظاهرة تكشف لهم عن قدرة الله، التي لا يعرف البشر كيف تعمل. فهم يشاهدون آثارها ولا يدركون كنهها ولا طريقتها في العمل و: {كذلك يحيي الله الموتى}.. كذلك بمثل هذا الذي ترونه واقعًا ولا تدرون كيف وقع؛ وبمثل هذا اليسر الذي لا مشقة فيه ولا عسر.
إن المسافة بين طبيعة الموت وطبيعة الحياة مسافة هائلة تدير الرءوس.
ولكنها في حساب القدرة الإلهية أمر يسير.. كيف؟.. هذا ما لا أحد يدريه. وما لا يمكن لأحد إدراكه.. إن إدراك الماهية والكيفية هنا سر من أسرار الألوهية، لا سبيل إليه في عالم الفانين! وإن يكن في طوق العقل البشري إدراك دلالته والاتعاظ بها: {ويريكم آياته لعلكم تعقلون}.
وأخيرًا نجيء إلى جمال الأداء وتناسقه مع السياق.
هذه قصة قصيرة نبدؤها، فإذا نحن أمام مجهول لا نعرف ما وراءه. نحن لا نعرف في مبدأ عرض القصة لماذا يأمر الله بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة، كما أن بني إسرائيل إذ ذاك لم يعرفوا، وفي هذا اختبار لمدى الطاعة والاستجابة والتسليم.
ثم تتابع الحوار في عرض القصة بين موسى وقومه، فلا نرى الحوار ينقطع ليثبت ما دار بين موسى وربه؛ على حين أنهم كانوا في كل مرة يطلبون منه أن يسأل ربه، فكان يسأله، ثم يعود إليهم بالجواب.
ولكن سياق القصة لا يقول: إنه سأل ربه ولا إن ربه أجابه.. إن هذا السكوت هو اللائق بعظمة الله، التي لا يجوز أن تكون في طريق اللجاجة التي يزاولها بنو إسرائيل!
ثم تنتهي إلى المباغتة في الخاتمة- كما بوغت بها بنو إسرائيل- انتفاض الميت مبعوثا ناطقًا، على ضربة من بعض جسد لبقرة بكماء مذبوحة، ليس فيها من حياة ولا مادة حياة!
ومن ثم يلتقي جمال الأداء التعبيري بحكمة السياق الموضوعية في قصة قصيرة من القصص القرآني الجميل.
وتعقيبًا على هذا المشهد الأخير من القصة، الذي كان من شأنه أن يستجيش في قلوب بني إسرائيل الحساسية والخشية والتقوى؛ وتعقيبا كذلك على كل ما سلف من المشاهد والأحداث والعبر والعظات، تجيء هذه الخاتمة المخالفة لكل ما كان يتوقع ويرتقب:
{ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون}.
والحجارة التي يقيس قلوبهم إليها، فإذا قلوبهم منها أجدب وأقسى.. هي حجارة لهم بها سابق عهد. فقد رأوا الحجر تتفجر منه اثنتا عشرة عينًا، ورأوا الجبل يندك حين تجلى عليه الله وخر موسى صعقًا! ولكن قلوبهم لا تلين ولا تندى، ولا تنبض بخشية ولا تقوى.. قلوب قاسية جاسية مجدبة كافرة.. ومن ثم هذا التهديد:
{وما الله بغافل عما تعملون}.
وبهذا يختم هذا الشطر من الجولة مع بني إسرائيل في تاريخهم الحافل بالكفر والتكذيب، والالتواء واللجاجة، والكيد والدس، والقسوة والجدب، والتمرد والفسوق. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.من لطائف القشيري في الآية:

قال عليه الرحمة:
{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)}.
بَيَّن أنهم- وإن شاهدوا عظيم الآيات وطالعوا واضح البينات- فحين لم تساعدهم العناية ولم يخلق الله (لهم) الهداية، لم تزدهم كثرة الآيات إلا قسوة، ولم تبرز لهم من مكامن التقدير إلا شقوة (على شقوة، وشبَّه قلوبهم بالحجارة لأنها لا تنبت ولا تزكو، وكذلك قلوبهم لا تفهم، ولا تغنى. ثم بيَّن أنها أشد (....) من الحجارة، فإنَّ من الحجارة لما يتفجّر منه الأنهار، ومنها ما تظهر عليه آثار خشية الله، وأمَّا قلوبهم فخالية عن كل خير، وكيف لا وقد مُنِيَتْ بإعراض الحقِّ عنها، وخُصَّتْ بانتزاع الخيرات منها. اهـ.

.من فوائد الماوردي في الآية:

قال رحمه الله:
قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم} اختلف في المُشَار إليه بالقسوة، على قولين:
أحدهما: بنو أخي الميت حين أنكروا قتله، بعد أن سمعوه منه عند إحياء الله له، وهو قول ابن عباس.
والثاني: أنه أشار إلى بني إسرائيل كلهم، ومن قال بهذا قال: من بعد ذلك: أي من بعد آياته كلها التي أظهرها على موسى.
وفي قسوتها وجهان:
أحدهما: صلابتها حتى لا تلين.
والثاني: عنفها حتى لا ترأف.
وفي قوله تعالى: {مِّنْ بَعْدِ ذلِكَ} وجهان:
أحدهما: من بعد إحياء الموتى، ويكون هذا الخطاب راجعًا إلى جماعتهم.
والثاني: من بعد كلام القتيل، ويكون الخطاب راجعًا إلى بني أخيه.
وقوله تعالى: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} يعني القلوب التي قست.
واختلف العلماء في معنى {أَوْ} في هذا الموضع وأشباهه كقوله تعالى: {فَكَانَ قَابَ قَوسَين أَوْ أَدْنَى} [النجم: 9] على خمسة أقاويل:
أحدها: أنه إبهام على المخاطبين، وإن كان الله تعالى عالمًا، أي ذلك هو، كما قال أبو الأسود الدؤلي:
أحب محمدًا حبًا شديدًا
وعباسًا وحمزة أو عليًا

فإن يك حبهم رشدا أُصِبه
ولستُ بمخطئ إن كان غيًا

ولا شَكَّ، أن أبا الأسود الدؤلي، لم يكن شاكًّا في حبِّهم، ولكن أَبْهَمَ على مَنْ خاطبه، وقد قِيل لأبي الأسود حين قال ذلك: شَكَكْتُ، فقال كلا، ثم استشهد بقوله تعالى: {وَإِنَّا إِيَّاكُم لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 24] وقال: أفكان شاكًا مَنْ أخبر بهذا؟
والثاني: أن {أَوْ} ها هنا بمعنى الواو، وتقديره فهو كالحجارة وأشد قسوة، ومثله قول جرير:
جاءَ الخلافة أو كانت له قدرا
كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ

والثالث: أن {أَوْ} في هذا الموضع، بمعنى بل أشد قسوة، كما قال تعالى: {وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147] يعني بل يزيدون.
والرابع: أن معناها الإباحة وتقديره، فإن شبهتموها بالحجارة كانت مثلها، وإن شبهتموها بما هو أشد، كانت مثلها.
والخامس: فهي كالحجارة، أو أشد قسوة عندكم.
ثم قال تعالى: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ} يعني أن من الحجارة ما هو أنفع من قلوبكم القاسية، لِتَفَجِّرِ الأنهار منها.
ثم قال تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ} فاختلفوا في ضمير الهاء في {منها}، إلى ماذا يرجع؟ على قولين:
أحدهما: إلى القلوب لا إلى الحجارة، فيكون معنى الكلام: وإن من القلوب لما يخضع من خشية الله، ذكره ابن بحر.
والقول الثاني: أنها ترجع إلى الحجارة، لأنها أقرب مذكور.
واختلف من قال بهذا، في هذه الحجارة على قولين:
أحدهما: أنها البرد الهابط من السَّحاب، وهذا قول تفرد به بعض المتكلمين.
والثاني: وهو قول جمهور المفسرين: أنها حجارة الجبال الصلدة، لأنها أشد صلابة.
واختلف من قال بهذا على قولين:
أحدهما: أنه الجبل الذي جعله الله دَكًا، حين كلم موسى.
والثاني: أنه عام في جميع الجبال.
واختلف من قال بهذا، في تأويل هبوطها، على أربعة أقاويل:
أحدها: إن هبوط ما هبط من حشية الله، نزل في ذلك القرآن.
والثاني:........
والثالث: أن مِنْ عَظَّم مَنْ أمر الله، يُرَى كأنه هابط خاشع، كما قال جرير:
لما أتى خبر الزبير تواضعت
سور المدينة والجبال الخشّع

والرابع: أن الله أعطى بعض الجبال المعرفة، فعقل طاعة الله، فأطاعه، كالذي رُوِيَ عن الجذع، الذي كان يستند إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما تحول عنه حَنَّ، رُوِيَ عن النبي أنه قال: «إِنَّ حَجَرًا كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ في الجاهِليَّةِ إِنِّي لأَعْرَفُهُ الآَنَ» ويكون معنى الكلام، إِنَّ من الجبال ما لو نزل عليه القرآن، لهبط من خشية الله تذللًا وخضوعًا. اهـ.

.من فوائد ابن عطية في الآية:

قال رحمه الله:
{قست} أي صلبت وجفت، وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى، وقال ابن عباس: المراد قلوب ورثة القتيل، لأنهم حين حيي قال: إنهم قتلوه وعاد إلى حال موته موته أنكروا قتله، وقالوا: كذب بعدما رأوا هذه الآية العظمى، لكن نفذ حكم الله تعالى بقتلهم، قال عبيدة السلماني: ولم يرث قاتل من حينئذ.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وبمثله جاء شرعنا، وحكى مالك رحمه الله في الموطأ، أن قصة أحيحة بن الجلاح في عمه هي التي كانت سببًا لأن لا يرث قاتل: ثم ثبت ذلك الإسلام، كما ثبت كثيرًا من نوازل الجاهلية، وقال أبو العالية وقتادة وغيرهما: إنما أراد الله قلوب بني إسرائيل جميعًا في معاصيهم وما ركبوه بعد ذلك.
وقوله تعالى: {فهي كالحجارة} الآية، الكاف في موضع رفع خبر لـ"هي"، تقديره: فهي مثل الحجارة {أو أشد} مرتفع بالعطف على الكاف، {أو} على خبر ابتداء بتقدير تكرار هي، و{قسوة} نصب على التمييز، والعرف في {أو} أنها للشك، وذلك لا يصح في هذه الآية، واختلف في معنى {أو} هنا، فقالت طائفة، هي بمعنى الواو، كما قال تعالى: {آثمًا أو كفورًا} [الإنسان: 24] أي وكفورًا، وكما قال الشاعر [جرير]: [البسيط]
نال الخلافة أو كانَتْ له قدرًا
كما أتى ربَّهُ موسى على قَدَر

أي وكانت له. وقالت طائفة هي بمعنى بل، كقوله تعالى: {إلى مائة ألف أو يزيدون} [الصافات: 147] المعنى بل يزيدون، وقالت طائفة: معناها التخيير، أي: شبهوها بالحجارة تصيبوا، أو بأشد من الحجارة تصيبوا، وقالت فرقة: هي على بابها في الشك. ومعناه: عندكم أيها المخاطبون وفي نظركم، أن لو شاهدتم قسوتها لشككتم أهي كالحجارة أو أشد من الحجارة. وقالت فرقة: هي على جهة الإبهام على المخاطب، ومنه قول أبي الأسود الدؤلي:
أحب محمّدًا حبًا شديدًا
وعباسًا وحمزة أو عليّا

ولم يشك أبو الأسود، وإنما قصد الإبهام على السامع، وقد عورض أبو الأسود في هذا، فاحتجّ بقول الله تعالى: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} [سبأ: 24]، وهذه الآية مفارقة لبيت أبي الأسود، ولا يتم معنى الآية إلا بـ"أو"، وقالت فرقة: إنما أراد الله تعالى أن فيهم من قلبه كالحجر، وفيهم من قلبه أشد من الحجر، فالمعنى فهي فرقتان كالحجارة أو أشد، ومثل هذا قولك: أطعمتك الحلو أو الحامض، تريد أنه لم يخرج ما أطعمته عن هذين، وقالت فرقة: إنما أراد عز وجل أنها كانت كالحجارة يترجى لها الرجوع والإنابة، كما تتفجر الأنهار ويخرج الماء من الحجارة، ثم زادت قلوبهم بعد ذلك قسوة بأن صارت في حد من لا ترجى إنابته، فصارت أشد من الحجارة، فلم تخل أن كانت كالحجارة طورًا أو أشد طورًا، وقرأ أبو حيوة: {قساوة}، والمعنى واحد.
وقوله تعالى: {وإن من الحجارة} الآية، معذرة للحجارة وتفضيل لها على قلوبهم في معنى قلة القسوة، وقال قتادة: عذر الله تعالى الحجارة ولم يعذر شقيّ بني آدم، وقرأ قتادة: {وإنْ} مخففة من الثقيلة، وكذلك في الثانية والثالثة، وفرق بينها وبين النافية لام التأكيد، في {لما}، وما في موضع نصب اسم لـ{إن}، ودخلت اللام على اسم {إن} لمّا حال بينهما المجرور، ولو اتصل الاسم بـ{إن} لم يصح دخول اللام لثقل اجتماع تأكيدين، وقرأ مالك بن دينار: {ينفجِر} بالنون وياء من تحت قبلها وكسر الجيم، ووحد الضمير في {منه} حملًا على لفظ {ما}، وقرأ أبي بن كعب والضحاك {منها الأنهار} حملًا على الحجارة، و{الأنهار} جمع نهر وهو ما كثر ماؤه جريًا من الأخاديد، وقرأ طلحة بن مصرف: {لمّا} بتشديد الميم في الموضعين، وهي قراءة غير متجهة، {ويشقق} أصله يتشقق أدغمت التاء في الشين، وهذه عبارة عن العيون التي لم تعظم حتى تكون أنهارًا، أو عن الحجارة التي تشقق وإن لم يجر ماء منسفح، وقرأ ابن مصرف ينشقق بالنون، وقيل في هبوط الحجارة تفيؤ ظلالها، وقيل المراد: الجبل الذي جعله الله دكًا، وقيل: إن الله تعالى يخلق في بعض الأحجار خشية وحياة يهبطها من علو تواضعًا، ونظير هذه الحياة حياة الحجر المسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، وحياة الجذع الذي أَنَّ لفقد النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل لفظة الهبوط مجاز لما كانت الحجارة يعتبر بخلقها ويخشع بعض مناظرها، أضيف تواضع الناظر إليها، كما قالت العرب: ناقة تاجرة أي: تبعث من يراها على شرائها، وقال مجاهد، ما تدرى حجر من رأس جبل ولا تفجر نهر من حجر ولا خرج ماء منه إلا {من خشية الله}، نزل بذلك القرآن، وقال مثله ابن جريج، وحكى الطبري عن فرقة أن الخشية للحجارة مستعارة كما استعيرت الإرادة للجدار في قوله تعالى: {يريد أن ينقض} [الكهف: 77]، وكما قال زيد الخيل: [الطويل]
بِجمعٍ تضِل البُلْقُ في حَجَراتِهِ
ترى الأكمَ فيه سجدًا للحوافرِ

وكما قال جرير: والجبال الخشع، أي من رأى الحجر هابطًا تخيل فيه الخشية.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا قول ضعيف: لأن براعة معنى الآية تختل به، بل القوي أن الله تعالى يخلق للحجارة قدرًا ما من الإدراك تقع به الخشية والحركة، و{بغافل} في موضع نصب خبر {ما}، لأنها الحجازية، يقوي ذلك دخول الباء في الخبر، وإن كانت الباء قد تجيء شاذة مع التميمية، وقرأ ابن كثير {يعملون} بالياء، والمخاطبة على هذا لمحمد صلى الله عليه وسلم. اهـ.

.من فوائد أبي السعود في الآية:

قال عليه الرحمة:
{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} الخطاب لمعاصري النبي صلى الله عليه وسلم. والقسوةُ عبارةٌ عن الغِلَظ والجفاء والصَّلابة كما في الحَجَر استُعيرت لنُبوِّ قلوبهم عن التأثر بالعِظات والقوارعِ التي تميعُ منها الجبالُ وتلينُ بها الصخور، وإيرادَ الفعل المفيدِ لحدوث القساوة مع أن قلوبَهم لم تزل قاسيةً لما أن المرادَ بيانُ بلوغِهم إلى مرتبة مخصوصةٍ من مراتبِ القساوة حادثةٍ، وإما لأن الاستمرارَ على شيء بعدَ ورودِ ما يوجب الإقلاعَ عنه أمرٌ جديد وصنعٌ حادث. و(ثم) لاستبعاد القسوةِ بعد مشاهدةِ ما يُزيلها كقوله تعالى: {ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ}.
{مِن بَعْدِ ذلك} إشارةٌ إلى ما ذكر من إحياء القتيلِ أو إلى جميع ما عُدِّد من الآيات الموجبة للين القلوبِ وتوجُّهِها نحوَ الحقِّ أيْ من بعد سماعِ ذلك وما فيه من معنى البُعد للإيذان ببُعد منزلتِه وعلوِّ طبقتِه. وتوحيدُ حرفِ الخطاب مع تعدُّد المخاطبين إما بتأويل الفريقِ أو لأن المرادَ مجردُ الخطاب لا تعيينُ المخاطَب كما هو المشهور، {فَهِيَ كالحجارة} في القساوة، {أَوْ أَشَدَّ} منها، {قَسْوَةً} أي هي في القسوة مثلُ الحجارة أو زائدةٌ عليها فيها أو أنها مثلُها أو مثلُ ما هو أشدُّ منها قسوةً كالحديد، فحُذِف (المضاف) وأقيمَ المضاف إليه مُقامه ويعضُده القراءة بالجر عطفًا على الحجارة. وإيرادُ الجملة اسميةً مع كون ما سبق فعليةً للدلالة على استمرارِ قساوةِ قلوبهم، والفاء إما لتفريع مشابَهتِها لها على ما ذكر من القساوة تفريعَ التشبيه على بيان وجه الشبه في قولك: أحمرُ خدُّه فهو كالورد وإما للتعليل كما في قولك: اعبُدْ ربك فالعبادةُ حقٌّ له، وإنما لم يقل أو أقسى منها لما في التصريح بالشدة من زيادةِ مبالغةٍ، ودلالةٍ ظاهرة على اشتراك القسوتين في الشدة واشتمالِ المفضَّل على زيادة، وأو للتخيير أو للترديدِ بمعنى أن مَنْ عرَفَ حالَها شبَّهها بالحجارة أو بما هو أقسى، أو من عَرَفها شبهها بالحجارة أو قال هي أقسى من الحجارة، وترْكُ ضميرِ المفضَّل عليه للأمن من الالتباس {وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار} بيانٌ لأشَدِّية قلوبِهم من الحجارة في القساوة وعدمِ التأثر واستحالةِ صدورِ الخيرِ منها، يعني أن الحجارةَ ربما تتأثّرُ حتى كان منها ما يتفجر منه المياهُ العظيمة {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ} أي يتشقق {فَيَخْرُجُ مِنْهُ الماء} أي العيونُ {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله} أي يتردَّى من الأعلى إلى الأسفل بقضية ما أودعه الله عز وجل فيها من الثِقل الداعي إلى المرْكز، وهو مجازٌ من الانقياد لأمره تعالى، والمعنى أن الحجارةَ ليس منها فردٌ إلا وهو منقادٌ لأمره عز وعلا آتٍ بما خُلق له من غير استعصاء، وقلوبُهم ليست كذلك فتكونُ أشدَّ منها قسوةً لا محالة، واللام في (لَما) لامُ الابتداء دخلت على اسم إن لتقدُّم الخبر وقرئ (أن) على أنها مُخفّفة من الثقيلة، واللامُ فارقةٌ، وقرئ: {يهبُط} بالضم {وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ} (عن) متعلقةٌ بغافل، و(ما) موصولة والعائدُ محذوف أو مصدرية، وهو وعيدٌ شديد على ما هو عليه من قساوة القلوب وما يترتب عليها من الأعمال السيئة، وقرئ بالياء على الالتفات. اهـ.

.من فوائد ابن عرفة في الآية:

قال رحمه الله:
قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم...}.
جعل الزمخشري العطف بـ{ثم} لبعد ما بين منزلة الإيمان والكفر.
قال ابن عرفة: ولا (يبعد) أن تكون على بابها.
(فرد عليه بأن جعل) بعد ذلك لابتداء الغاية (فتناقض) مهلة {ثم}؟
فأجاب بأن دلالة {ثمّ} على المهلة نص لا يحتمل غيره، فهو أقوى من دلالة {من} على ابتداء الغاية.
وقال أبو حيان: السياق يقتضي أنها لبعد ما بين المنزلتين.
ورده ابن عرفة بأن الأصوليين رجّحوا الدلالة باللّفظ على الدلالة المفهومة من السياق.
قيل لابن عرفة: يلزم (على ما قلت) أن يكونوا مرّ عليهم (زمَن) هم فيه مؤمنون؟ فقال: نعم وهو المناسب وهو الزمن الذي كان فيه الرّسول موسى بين أظهرهم، وظاهر الآية أن العقل في القلب.
قوله تعالى: {فَهِيَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً...}.
منع أبو حيان أن تكون الكاف بمعنى مثل محتجا بأنه ليس مذهب سيبويه.
وأجاب ابن عرفة بأن ذلك إنما هو إذا جعلها حرفا.
ونحن نقول: إنها اسم.
وأورد الشيخ الطيبي: إن القلوب شبهت بالحجارة مع أن المشبه بالحجارة إنما هو قسوتها (شبيهة) بقسوة الحجارة.
وأجاب: بأن التشبيه في الحقيقة راجع للقسوة، أي (صلبت) وخلت من (الإنابة) والإذعان (لآيات الله تعالى). قاله ابن عطية.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد قلوب (ورثة) القتيل لَمّا (أخبرَ) بمن قتله ومات قالوا: كذب.
قال ابن عرفة: فالمراد أنّها دامت على القسوة، أو زادت قسوتها لأنهم لم يزالوا قبل ذلك منكرين للقتل، قال: ويضعف هذا بأنه لما قتل قاتل القتيل انقطعت تلك القسوة فلم يبق من هو متصف بها.
وجعل السّكاكي هذا من (ترشيح) المجاز.
قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار...}.
قال الطيبي: إنّها تذليل لما قبلها لأنها في معناها.
قال ابن عرفة: الصواب أنها تعليل أو بيان للوجه الّذي كانت به أشدّ من الحجارة ودليل عليه.
وهذا تدلي أو ترقي الذّمّ وهو أولى من العكس لأن الحجارة التي تتفجر منها (الأنهار) أفضل وأعلى من الحجارة التي تنشق فيخرج منها الماء.
ويلزم من كونها أشد قسوة من التي تنشق فيخرج منها الماء أن تكون أشد قسوة من المتفجرة عن الأنهار فلذلك أتى به بعده.
ولو قيل: إن من الحجارة لما (ينشق) فيخرج (منها) الماء، وإن منها لما يتفجر منه الأنهار لكان تأكيدا. انتهى.
قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله...}.
قال ابن عرفة: يؤخذ من الآية أنّ الأفضلية ثبتت للجنس بثبوتها لبعض أفراده لأنّ الحجارة الموصوفة بذلك هي بعض من كل، وقد ثبت التفضيل للجميع بقوله: فهي كالحجارة، ولم يقل فهي كالحجارة الموصوفة بكذا، والحجارة عام إما بالألف واللام (أو) بالسياق فقد فضل عليهم جميع الحجارة.
قيل لابن عرفة: هذا تقسيم مستوفى فليس (من الحجارة) شيء إلا داخل فيه؟
فقال: الحجارة التي تتفجر منها الأنهار، والتي تنشق عن الماء لا قساوة فيها بوجه، وهم إنّما ذُمّوا بمشاركتهم للأحجار في القساوة مع الزيادة عليها فقد فضلت عليهم الحجارة القاسية لكونها من جنس ما هو غير قاس.
قيل له: فكل ما نراه من الأحجار ساقطا من فوق، هلا تقول: إنه (هبط) من خشية الله؟ فقال: الآية إنما دلت على (أن) بعض الحجارة يهبط من خشية الله لا كلها، وكل ما نراه هابطا يجوز أن يكون هبوطه من خشية الله.
قال الفخر: وهذا مثل قوله تعالى: {لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرءان على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ الله} قال ابن عرفة: ليست مثلها لأن تلك شرطية، والشرط قد يتركب من المحال بخلاف هذه.
قال: وقوله: {مِنْ خَشْيَةِ الله} هو قيد في الجميع، لأن تفجر الأنهار أيضا من خشية الله. اهـ.

.من فوائد أبي حيان في الآية:

قال رحمه الله:
{ثم قست قلوبكم من بعد ذلك}، قال الزمخشري، معنى ثم قست: استبعاد القسوة بعدما ذكر ما يوجب لين القلوب ورقتها ونحوه، ثم أنتم تمترون. انتهى.
وهو يذكر عنه أن العطف بثم يقتضي الاستبعاد، ولذلك قيل عنه في قوله: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} وهذا الاستبعاد لا يستفاد من العطف بثم، وإنما يستفاد من مجيء هذه الجمل ووقوعها بعدما تقدّم مما لا يقتضي وقوعها، ولأن صدور هذا الخارق العظيم الخارج عن مقدار البشر، فيه من الاعتبار والعظات ما يقتضي لين القلوب والإنابة إلى الله تعالى، والتسليم لأقضيته، فصدر مهم غير ذلك من غلظ القلوب وعدم انتفاعها، بما شاهدت، والتعنت والتكذيب، حتى نقل أنهم بعدما حيي القتيل، وأخبر بمن قتله قالوا: كذب.
والضمير في قلوبكم ضمير ورثة القتيل، قاله ابن عباس، وهم الذين قتلوه، وأنكروا قتله.
وقيل: قلوب بني إسرائيل جميعًا قست بمعاصيهم وما ارتكبوه، قاله أبو العالية وغيره.
وكنى بالقسوة عن نبوّ القلب عن الاعتبار، وأن المواعظ لا تجول فيها.
وأتى بمن في قوله: {من بعد ذلك} إشعارًا بأن القسوة كان ابتداؤها عقيب مشاهدة ذلك الخارق، ولكن العطف بثم يقتضي المهلة، فيتدافع معنى ثم، ومعنى من، فلابد من تجوّز في أحدهما.
والتجوز في ثم أولى، لأن سجاياهم تقتضي المبادرة إلى المعاصي بحيث يشاهدون الآية العظيمة، فينحرفون إثرها إلى المعصية عنادًا وتكذيبًا، والإشارة بذلك قيل: إلى إحياء القتيل، وقيل: إلى كلام القتيل، وقيل: إشارة إلى ما سبق من الآيات من مسخهم قردة وخنازير، ورفع الجبل، وانبجاس الماء، وإحياء القتيل، قاله الزجاج.
{فهي كالحجارة}: يريد في القسوة.
وهذه جملة ابتدائية حكم فيها بتشبيه قلوبهم بالحجارة، إذ الحجر لا يتأثر بموعظة، ويعني أن قلوبهم صلبة، لا تخلخلها الخوارق، كما أن الحجر خلق صلبًا.
وفي ذلك إشارة إلى أن اعتياص قلوبهم ليس لعارض، بل خلق ذلك فيها خلقًا أوليًا، كما أن صلابة الحجر كذلك.
والكاف المفيدة معنى التشبيه: حرف وفاقًا لسيبويه وجمهور النحويين، خلافًا لمن ادّعى أنها تكون اسمًا في الكلام، وهو عن الأخفش.
فتعلقه هنا بمحذوف، التقدير: فهي كائنة كالحجارة، خلافًا لابن عصفور، إذ زعم أن كاف التشبيه لا تتعلق بشيء، ودلائل ذلك مذكورة في كتب النحو.
والألف واللام في الحجارة لتعريف الجنس.
وجمعت الحجارة ولم تفرد، فيقال كالحجر، فيكون أخصر، إذ دلالة المفرد على الجنس كدلالة الجمع، لأنه قوبل الجمع بالجمع، لأن قلوبهم جمع، فناسب مقابلته بالجمع، ولأن قلوبهم متفاوتة في القسوة، كما أن الحجارة متفاوتة في الصلابة.
فلو قيل: كالحجر، لأفهم ذلك عدم التفاوت، إذ يتوهم فيه من حيث الإفراد ذلك.
{أو أشدّ قسوة}، أو: بمعنى الواو، أو بمعنى أو للابهام، أو للإباحة، أو للشك، أو للتخيير، أو للتنويع، أقوال: وذكر المفسرون مثلًا لهذه المعاني، والأحسن القول الأخير.
وكأن قلوبهم على قسمين: قلوب كالحجارة قسوة، وقلوب أشدّ قسوة من الحجارة، فأجمل ذلك في قوله: {ثم قست قلوبكم}، ثم فصل ونوع إلى مشبه بالحجارة، وإلى أشدّ منها، إذ ما كان أشدّ، كان مشاركًا في مطلق القسوة، ثم امتاز بالأشدية.
وانتصاب قسوة على التمييز، وهو من حيث المعنى تقتضيه الكاف ويقتضيه أفعل التفضيل، لأن كلًا منهما ينتصب عنه التمييز.
تقول: زيد كعمرو حلمًا، وهذا التمييز منتصب بعد أفعل التفضيل، منقول من المبتدأ، وهو نقل غريب، فتؤخر هذا التمييز وتقيم ما كان مضافًا إليه مقامه.
تقول: زيد أحسن وجهًا من عمرو، وتقديره: وجه زيد أحسن من وجه عمرو، فأخرت وجهًا وأقمت ما كان مضافًا مقامه، فارتفع بالابتداء، كما كان وجه مبتدأ، ولما تأخر أدى إلى حذف وجه من قولك: من وجه عمرو، وإقامة عمرو مقامه، فقلت: من عمرو، وإنما كان الأصل ذلك، لأن المتصف بزيادة الحسن حقيقة ليس الرجل إنما هو الوجه، ونظير هذا: مررت بالرجل الحسن الوجه، أو الوجه أصل هذا الرفع، لأن المتصف بالحسن حقيقة ليس هو الرجل إنما هو الوجه، وإنما أوضحنا هذا، لأن ذكر مجيء التمييز منقولًا من المبتدأ غريب، وأفرد أشدّ، وإن كانت خبرًا عن جمع، لأن استعمالها هنا هو بمن، لكنها حذفت، وهو مكان حسن حذفها، إذ وقع أفعل التفضيل خبرًا عن المبتدأ وعطف، أو أشد، على قوله: كالحجارة، فهو عطف خبر على خبر من قبيل عطف المفرد، كما تقول: زيد على سفر، أو مقيم، فالضمير الذي في أشدّ عائد على القلوب، ولا حاجة إلى ما أجازه الزمخشري من أن ارتفاعه يحتمل وجهين آخرين: أحدهما: أن يكون التقدير: أو هي أشدّ قسوة، فيصير من عطف الجمل.
والثاني: أن يكون، التقدير: أو مثل أشدّ، فحذف مثل وأقيم أشدّ مقامه، ويكون الضمير في أشدّ إذ ذاك غير عائد على القلوب، إذ كان الأصل أو مثل شيء أشدّ قسوة من الحجارة، فالضمير في أشدّ عائد على ذلك الموصوف بأشدّ المحذوف.
ويعضد هذا الاحتمال الثاني قراءة الأعمش، بنصب الدال عطفًا على، كالحجارة، قاله الزمخشري.
وينبغي أن لا يصار إلى هذا إلا في هذه القراءة خاصة.
وأما على قراءة الرفع، فلها التوجيه السابق الذي ذكرناه، ولا إضمار فيه، فكان أرجح.
وقد رد أبو عبد الله بن أبي الفضل في منتخبه على الزمخشري قوله: إنه معطوف على الكاف، فقال: هو على مذهب الأخفش، لا على مذهب سيبويه، لأنه لا يجيز أن يكون إسمًا إلا في الشعر، ولا يجيز ذلك في الكلام، فكيف في القرآن؟ فأولى أن يكون: أشدّ، خبر مبتدأ مضمر، أي وهي أشدّ. انتهى كلامه.
وما ذهب إليه الزمخشري صحيح، ولا يريد بقوله: معطوف على الكاف، أن الكاف اسم، إنما يريد معطوفًا على الجار والمجرور، لأنه في موضع مرفوع، فاكتفى بذكر الكاف عن الجار والمجرور.
وقوله: فالأولى أن يكون أشدّ خبر مبتدأ مضمر، أي هي أشدّ، قد بينا أن الأولى غير هذا، لأنه تقدير لا حاجة إليه.
قال الزمخشري: فإن قلت: لم قال أشدّ قسوة؟ وفعل القسوة مما يخرج منه أفعل التفضيل وفعل التعجب، قلت: لكونه أبين وأدل على فرط القسوة.
ووجه آخر، وهو أن لا يقصد معنى الأقسى، ولكن قصد وصف القسوة بالشدّة، كأنه قيل: اشتدّت قسوة الحجارة، وقلوبهم أشدّ قسوة. انتهى كلامه.
ومعنى قوله: وفعل القسوة مما يخرج منه أفعل التفضيل، وفعل التعجب أن قسا يجوز أن يبني منه أفعل التفضيل، وفعل التعجب بجواز اجتماع الشرائط المجوزة لبناء ذلك، وهي كونه من فعل ثلاثي مجرد متصرف تام قابل للزيادة، والنقص مثبت.
وفي كونه من أفعل، أو من كون، أو من مبني للمفعول خلاف.
وقرأ أبو حياة: أو أشدّ قساوة، وهو مصدر لقسا أيضًا.
{وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار}: لما شبه تعالى قلوبهم بالحجارة في القسوة، ثم ذكر أنها أشد قسوة على اختلاف الناس في مفهوم، أو بين أن هذا التشبيه إنما هو بالنسبة لما علمه المخاطب من صلابة الأحجار، وأخذ يذكر جهة كون قلوبهم أشدّ قسوة: والمعنى أن قلوب هؤلاء جاسية صلبة لا تلينها المواعظ، ولا تتأثر للزواجر، وإن من الحجارة ما يقبل التخلخل، وأنها متفاوتة في قبول ذلك، على حسب التقسيم الذي أشار إليه تعالى ونتكلم عليه.
فقد فضلت الأحجار على قلوبهم في أن منها ما يقبل التخلخل، وأن قلوب هؤلاء في شدّة القساوة.
واختلف المفسرون في هذه الآية، فقال قوم: إن قوله: {وإن من الحجارة} إلى آخره، هو على سبيل المثل، بمعنى أنه لو كان الحجر ممن يعقل لسقط من خشية الله تعالى، وتشقق من هيبته، وأنتم قد جعل الله فيكم العقل الذي به إدراك الأمور، والنظر في عواقب الأشياء، ومع ذلك فقلوبكم أشدّ قسوة، وأبعد عن الخير.
وقال قوم: ليس ذلك على جهة المثل: بل أخبر عن الحجارة بعينها، وقسمها لهذه الأقسام، وتبين بهذا التقسيم كون قلوبهم أشدّ قسوة من الحجارة.
وقرأ الجمهور: وإنّ مشدّدة، وقرأ قتادة: وإن مخففة، وكذا في الموضعين بعد ذلك، وهي المخففة من الثقيلة، ويحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون معملة، ويكون من الحجارة في موضع خبرها، وما في موضع نصب بها، وهو اسمها، واللام لام الابتداء، أدخلت على الاسم المتأخر، والاسم إذا تأخر جاز دخول اللام عليه، نحو قوله: {وإن لك لأجرًا}، وأعمالها مخففة لا يجيزه الكوفيون، وهم محجوجون بالسماع الثابت من العرب، وهو قولهم: إن عمرو لمنطلق، بسكون النون، إلا أنها إذا خففت لا تعمل في ضمير لا، تقول: إنك منطلق، إلا أن ورد في الشعر.
والوجه الثاني: أن لا تكون معملة، بل تكون ملغاة، وما في موضع رفع بالابتداء، والخبر في الجار والمجرور قبله.
واللام في لما مختلف فيها، فمنهم من ذهب إلى أنها لام الابتداء لزمت للفرق بين أن المؤكدة وإن النافية، وهو مذهب أبي الحسن علي بن سليمان الأخفش الصغير.
وأكثر نحاة بغداد، وبه قال: من نحاة بلادنا أبو الحسن بن الأخضر، ومنهم من ذهب إلى أنها لام اختلست للفرق، وليست لام الابتداء، وبه قال أبو علي الفارسي.
ومن كبراء بلادنا ابن أبي العالية، والكلام على ذلك مذكور في علم النحو.
ولم يذكر المفسرون والمعربون في إن المخففة هنا إلا هذا الوجه الثاني، وهو أنها الملغاة، وأن اللام في لما لزمت للفرق.
قال المهدوي: من خفف إن، فهي المخففة من الثقيلة، واللام لازمة للفرق بينها وبين إن التي بمعنى ما.
وقال ابن عطية: فرق بينها وبين النافية لام التوكيد في لما.
وقال الزمخشري: وقرئ: و{إن} بالتخفيف، وهي إن المخففة من الثقيلة التي يلزمها اللام الفارقة، ومنه قوله تعالى: {وإن كلّ لما جميع} وجعلهم إن هي المخففة من الثقيلة، هو مذهب البصريين.
وأما الفراء فزعم فيما ورد من ذلك أنّ إن هي النافية، واللام بمعنى إلا، فإذا قلت: إن زيد لقائم، فمعناه عنده: ما زيد إلا قائم.
وأما الكسائي فزعم أنها إن وليها فعل، كانت إن نافية، واللام بمعنى إلا، وإن وليها اسم، كانت المخففة من الثقيلة.
وذهب قطرب إلى أنها إذا وليها فعل، كانت بمعنى قد، والكلام على هذا المذهب في كتب النحو.
وقرأ الجمهور: لما بميم مخففة وهي موصولة.
وقرأ طلحة بن مصرف: لما بالتشديد، قاله في الموضعين، ولعله سقطت واو، أي وفي الموضعين.
قال محمد بن عطية: وهي قراءة غير متجهة، وما قاله ابن عطية من أنها غير متجهة لا يتمشى إلا إذا نقل عنه أنه يقرأ وإنّ بالتشديد، فحينئذ يعسر توجيه هذه القراءة.
أما إذا قرأ بتخفيف إن، وهو المظنون به ذلك، فيظهر توجيهها بعض ظهور، إذ تكون إن نافية، وتكون لما بمنزلة إلا، كقوله تعالى: {إن كل نفس لما عليها حافظ} {وإن كل لما جميع لدينا محضرون} {وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا} في قراءة من قرأ لما بالتشديد، ويكون مما حذف منه المبتدأ لدلالة المعنى عليه، التقدير: وما من الحجارة حجر إلا يتفجر منه الأنهار، وكذلك ما فيها، كقوله تعالى: {وما منا إلا له مقام معلوم} أي وما منا أحد إلا له مقام معلوم، {وإن من أهل الكتاب ليؤمن به قبل موته} أي وما من أهل الكتاب أحد، وحذف هذا المبتدأ أحسن، لدلالة المعنى عليه، إلا أنه يشكل معنى الحصر، إذ يظهر بهذا التفضيل أن الأحجار متعدّدة، فمنها ما يتفجر منه الأنهار، ومنها ما يشقق فيخرج منه الماء، ومنها ما يهبط من خشية الله.
وإذا حصرت، أفهم المفهوم قبله أن كل فرد فرد من الأحجار فيه هذه الأوصاف كلها، أي تتفجر منه الأنهار، ويتشقق منه الماء، ويهبط من خشية الله.
ولا يبعد ذلك إذا حمل اللفظ على القابلية، إذ كل حجر يقبل ذلك، ولا يمتنع فيه، إذا أرد الله ذلك.
فإذا تلخص هذا كله كانت القراءة متوجهة على تقدير: أن يقرأ طلحة، وإن بالتخفيف.
وأما إن صح عنه أنه يقرأ وإن بالتشديد، فيعسر توجيه ذلك.
وأما من زعم أن إن المشدّدة هي بمعنى ما النافية، فلا يصح قوله، ولا يثبت ذلك في لسان العرب.
ويمكن أن توجه قراءة طلحة لما بالتشديد، مع قراءة إن بالتشديد، بأن يكون اسم إن محذوفًا لفهم المعنى، كما حذف في قوله:
ولكن زنجيّ عظيم المشافر

وفي قوله:
فليت دفعت الهم عني ساعة

وتكون لما بمعنى حين، على مذهب الفارسي، أو حرف وجوب لوجوب، على مذهب سيبويه.
والتقدير: وإن منها منقادًا، أو لينًا، وما أشبه هذا.
فإذا كانوا قد حذفوا الاسم والخبر على ما تأوله بعضهم في لعن الله ناقة حملتني إليك، فقال: إن وصاحبها، فحذف الاسم وحده أسهل.
وقرأ الجمهور: يتفجر بالياء، مضارع تفجر.
وقرأ مالك بن دينار: ينفجر بالياء، مضارع انفجر، وكلاهما مطاوع.
أما يتفجر فمطاوع تفجر، وأما ينفجر فمطاوع فجر مخففًا.
والتفجر: التفتح بالسعة والكثرة، والانفجار دونه، والمعنى: إن من الحجارة ما فيه خروق واسعة يندفق منها الماء الكثير الغمر.
وقرأ أبيّ والضحاك: منها الأنهار.
وقرأ الجمهور منه.
فالقراءة الأولى حمل على المعنى، وقراءة الجمهور على اللفظ، لأن ما لها هنا لفظ ومعنى، لأن المراد به الحجارة، ولا يمكن أن يراد به مفردًا لمعنى، فيكون لفظه ومعناه واحدًا، إذ ليس المعنى {وإن من الحجارة} للحجر الذي يتفجر منه الماء، إنما المعنى للأحجار التي يتفجر منها الأنهار.
وقد سبق الكلام على الأنهار في قوله تعالى: {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات} الآية.
وقد ذهب بعضهم إلى أن الحجر الذي يتفجر منه الأنهار، هو الحجر الذي ضربه موسى بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا.
{وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء}، التشقق: التصدّع بطول أو بعرض، فينبع منه الماء بقلة حتى لا يكون نهرًا.
وقرأ الجمهور: يشقق، بتشديد الشين، وأصله يتشقق، فأدغم التاء في الشين.
وقرأ الأعمش: تشقق، بالتاء والشين المخففة على الأصل، ورأيتها معزوّة لابن مصرّف.
وفي النسخة التي وقفت عليها من تفسير ابن عطية.
ما نصه: وقرأ ابن مصرّف: ينشقق، بالنون وقافين، والذي يقتضيه اللسان أن يكون بقاف واحدة مشدّدة، وقد يجيء الفك في شعر، فإن كان المضارع مجزومًا، جاز الفك فصيحًا، وهو هنا مرفوع، فلا يجوز الفك، إلا أنها قراءة شاذة، فيمكن أن يكون ذلك فيها، وأما أن يكون المضارع بالنون مع القافين وتشديد الأولى منهما، فلا يجوز.
قال أبو حاتم: لما تتفجر بالتاء، ولا يجوز تتشقق بالتاء، لأنه إذا قال: تتفجر فأنثه لتأنيث الأنهار، ولا يكون في تشقق.
وقال أبو جعفر النحاس: يجوز ما أنكره أبو حاتم حملًا على المعنى، لأن المعنى: وإن منها للحجارة التي تشقق، وإمّا يشقق بالياء، فمحمول على اللفظ.
انتهى، وهو كلام صحيح.
ولم ينقل هنا أن أحدًا قرأ منها الماء، فيعيد على المعنى، إنما نقل ذلك في قوله: لما يتفجر منه الأنهار، فكان قوله يتفجر حملًا على اللفظ ومنها حملًا على المعنى ومحسن هذا هنا انه ولى الضمير جمع وهو الأنهار، فناسب الجمع الجمع، ولأن الأنهار من حيث هي جمع، يبعد في العادة أن تخرج من حجر واحد، وإنما تخرج الأنهار من أحجار، فلذلك ناسب مراعاة المعنى هنا.
وأما فيخرج منه الماء، فالماء ليس جمعًا، فلا يناسب في حمل منه على المعنى، بل أجرى يشقق، ومنه على اللفظ.
{وإن منها لما يهبط من خشية الله}، الهبوط هنا: التردّي من علو إلى أسفل.
وقرأ الأعمش: يهبط، بضم الباء، وقد تقدم أنها لغة.
وخشية الله: خوفه.
واختلف المفسرون في تفسير هذا، فذهب قوم إلى أن الخشية هنا حقيقة.
واختلف هؤلاء، فقال قوم معناه: من خشية الحجارة لله تعالى، فهي مصدر مضاف للمفعول، وأن الله تعالى جعل لهذه الأحجار التي تهبط من خشية الله تعالى تمييزًا قام لها مقام الفعل المودع فيمن يعقل، واستدل على ذلك بأن الله تعالى وصف بعض الحجارة بالخشية، وبعضها بالإرادة، ووصف جميعها بالنطق والتحميد والتقديس والتأويب والتصدّع، وكل هذه صفات لا تصدر إلا عن أهل التمييز والمعرفة.
قال تعالى: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل} الآية، {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} {يا جبال أوّبي معه والطير} وفي الحديث الصحيح: «إني لأعرف حجرًا كان يسلم عليّ قبل أن أبعث وأنه بعد مبعثه ما مرّ بحجر ولا مدر إلا سلم عليه، وفي الحجر الأسود إنه يشهد لمن يستلمه» وفي حديث الحجر الذي فرّ بثوب موسى عليه السلام وصار يعدو خلفه ويقول: «ثوبي حجر ثوبي حجر».
وفي الحديث عن أحد: «أن هذا جبل يحبنا ونحبه» وفي حديث حراء: «لما اهتز أسكن حراء» وفي حديث: «تسبيح صغار الحصى بكف رسول الله صلى الله عليه وسلم» وقد دلت هذه الجملة وأحاديث أخر على نطق الحيوانات والجمادات، وانقياد الشجر وغير ذلك.
فلولا أنه تعالى أودع فيها قوة مميزة، وصفة ناطقة، وحركة اختيارية، لما صدر عنها شيء من ذلك، ولا حسن وصفها به.
وإلى هذا ذهب مجاهد وابن جريج وجماعة.
وقال قوم: الخشية هنا حقيقة، وهو مصدر أضيف إلى فاعل.
والمراد بالحجر الذي يهبط من خشية الله هو البرد، والمراد بخشية الله: إخافته عباده، فأطلق الخشية، وهو يريد الإخشاء، أي نزول البرد به، يخوّف الله عباده، ويزجرهم عن الكفر والمعاصي.
وهذا قول متكلف، وهو مخالف للظاهر.
والبرد ليس بحجارة، وإن كان قد اشتدّ عند النزول، فهو ماء في الحقيقة.
وقال قوم: الخشية هنا حقيقة، وهو مصدر مضاف للمفعول، وفاعله محذوف، وهو العباد.
والمعنى: أن من الحجارة ما ينزل بعضه عن بعض عند الزلزلة من خشية عباد الله إياه.
وتحقيقه: أنه لما كان المقصود منها خشية الله تعالى، صارت تلك الخشية كالعلة المؤثرة في ذلك الهبوط، فكان المعنى: لما يهبط من أجل أن يحصل لعباد الله تعالى.
وذهب أبو مسلم إلى أن الخشية حقيقة، وأن الضمير في قوله: {وإن منها لما يهبط من خشية الله} عائد على القلوب، والمعنى: أن من القلوب قلوبًا تطمئن وتسكن، وترجع إلى الله تعالى، فكنى بالهبوط عن هذا المعنى، ويريد بذلك قلوب المخلصين.
وهذا تأويل بعيد جدًا، لأنه بدأ بقوله: {وإن من الحجارة}، ثم قال: {وإن منها}، فظاهر الكلام التقسيم للحجارة، ولا يعدل عن الظاهر إلا بدليل واضح، والهبوط لا يليق بالقلوب، إنما يليق بالحجارة.
وليس تأويل الهبوط بأولى من تأويل الخشية إن تأوّلناها.
وقد أمكن في الوجوه التي تضمنت حملها على الحقيقة، وإن كان بعض تلك الأقوال أقوى من بعض.
وذهب بعضهم إلى أن الذي يهبط من خشية الله هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام، إذ جعله دكًا.
وذهب قوم إلى أن الخشية هنا مجاز من مجاز الاستعارة، كما استعيرت الإرادة للجدار في قوله تعالى: {يريد أن ينقضّ} وكما قال زيد الخيل:
بجمع تضل البلق في حجراته
ترى الاكم منه سجدًا للحوافر

وكما قال الآخر:
لما أتى خبر الزبير تضعضعت
سور المدينة والجبال الخشع

أي من رأى الحجر متردّيًا من علوّ إلى أسفل، تخيل فيه الخشية، فاستعار الخشية، كناية عن الانقياد لأمر الله، وأنها لا تمتنع على ما يريد الله تعالى فيها.
فمن يراها يظنّ أن ذلك الانفعال السريع هو مخافة خشية الله تعالى.
وهذا قول من ذهب إلى أن الحياة والنطق لا يحلان في الجمادات، وذلك ممتنع عندهم.
وتأوّلوا ما ورد في القرآن والحديث، مما يدل على ذلك على أن الله تعالى قرن بها ملائكة، هي التي تسلم وتتكلم، كما ورد أن الرحم معلقة بالعرش، تنادي: اللهم صِل من وصلني، واقطع من قطعني.
والأرحام ليست بجسم، ولا لها إدراك، ويستحيل أن تسجد المعاني، أو تتكلم، وإنما قرن الله تعالى بها ملكًا يقول ذلك القول.
وتأوّلوا: هذا جبل يحبنا ونحبه، أي يحبه أهله ونحب أهله، كقوله تعالى: {واسئل القرية} واختيار ابن عطية، رحمه الله تعالى، أن الله يخلق للحجارة قدرًا مّا من الإدراك، تقع به الخشية والحركة.
واختيار الزمخشري أن الخشية مجاز عن الانقياد لأمر الله تعالى وعدم امتناعها، وترتيب تقسيم هذه الحجارة ترتيب حسن جدًا، وهو على حسب الترقي.
فبدأ أولًا بالذي تتفجر منه الأنهار، أي خلق ذا خروق متسعة، فلم ينسب إليه في نفسه تفعل ولا فعل، أي أنها خلقت ذات خروق بحيث لا يحتاج أن يضاف إليها صدور فعل منها.
ثم ترقى من هذا الحجر إلى الحجر الذي ينفعل انفعالًا يسيرًا، وهو أن يصدر منه تشقق بحيث ينبع منه الماء.
ثم ترقى من هذا الحجر إلى الحجر الذي ينفعل انفعالًا عظيمًا، بحيث يتحرك ويتدهده من علو إلى أسفل، ثم رسخ هذا الانفعال التامّ بأن ذلك هو من خشية الله تعالى، من طواعيته وانقياده لما أراد الله تعالى منه، فكنى بالخشية عن الطواعية والانقياد، لأن من خشي أطاع وانقاد.
{وما الله بغافل عما تعملون}: هذا فيه وعيد، وذلك أنه لما قال: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك}، أفهم أنه ينشأ عن قسوة القلوب أفعال فاسدة وأعمال قبيحة، من مخالفة الله تعالى، ومعاندة رسله، فأعقب ذلك بتهديدهم بأن الله تعالى ليس بغافل عن أعمالهم، بل هو تعالى يحصيها عليهم، وإذا لم يفغل عنها كان مجازيًا عليها.
والغفلة إن أريد بها السهو، فالسهو لا يجوز على الله تعالى، وإن أريد بها الترك عن عمد، فذكروا أنه مما يجوز أن يوصف الله تعالى به.
وعلى كلا التقديرين، فنفى الله تعالى الغفلة عنه.
وانتفاء الشيء عن الشيء قد يكون لكونه لا يمكن منه عقلًا، ولكونه لا يقع منه مع إمكانه.
وقد ذهب القاضي إلى أنه لا يصح أن يوصف الله تعالى بأنه ليس بغافل، قال: لأنه يوهم جواز الغفلة عليه، وليس الأمر كما ذهب إليه، لأن نفي الشيء عن الشيء لا يستلزم إمكانه.
ألا ترى إلى قوله تعالى: {لا تأخذه سنة ولا نوم} وقوله: {وهو يطعم ولا يطعم} فقد نفى عنه تعالى ما لا يستلزم إمكانه له.
وبغافل: في موضع نصب، على أن تكون ما حجازية.
ويجوز أن تكون في موضع رفع، على أن تكون ما تميمية، فدخلت الباء في خبر المبتدأ، وسوّغ ذلك النفي.
ألا ترى أنها لا تدخل في الموجب؟ لا تقول: زيد بقائم، ولا: ما زيد إلا بقائم.
قال ابن عطية: وبغافل في موضع نصب خبر ما، لأنها الحجازية، يقوي ذلك دخول الباء في الخبر، وإن كانت الباء قد تجيء شاذة مع التميمية. انتهى كلامه.
وهذا الذي ذهب إليه أبو محمد بن عطية، من أن الباء مع التميمية قد تجيء شاذة، لم يذهب إليه نحوي فيما علمناه، بل القائلون قائلان، قائل: بأن التميمية لا تدخل الباء في خبر المبتدأ بعدها، وهو مذهب أبي علي الفارسي في أحد قوليه، وتبعه الزمخشري.
وقائل: بأنه يجوز أن يجر بالباء، وهو الصحيح.
وقال الفرزدق:
لعمرك ما معن بتارك حقه

وأشعار بني تميم تتضمن جر الخبر بالباء كثيرًا.
وقرأ الجمهور: تعملون بالتاء، وهو الجاري على نسق قوله: {ثم قست قلوبكم}.
وقرأ ابن كثير بالياء، فيحتمل أن يكون الخطاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون الخطاب مع بني إسرائيل، ويكون ذلك التفاتًا، إذ خرج من الخطاب في قوله تعالى: {ثم قست قلوبكم} إلى الغيبة في قوله: {يعملون}.
وحكمة هذا الالتفات أنه أعرض عن مخاطبتهم، وأبرزهم في صورة من لا يقبل عليهم بالخطاب، وجعلهم كالغائبين عنه، لأن مخاطبة الشخص ومواجهته بالكلام إقبال من المخاطب عليه، وتأنيس له، فقطع عنهم مواجهته لهم بالخطاب، لكثرة ما صدر عنهم من المخالفات.
وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة فصولًا عظيمة، ومحاورات كثيرة، وذلك أن موسى، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، شافههم بأن الله تعالى يأمرهم بذبح البقرة، وذلك امتحان من الله تعالى لهم، فلم يبادروا لامتثال أمر الله تعالى، وأخرجوا ذلك مخرج الهزؤ، إذ لم يفهموا سر الأمر.
وكان ينبغي أن يبادروا بالامتثال، فأجابهم موسى باستعاذته بالله الذي أمره أن يكون ممن جهل، فيخبر عن الله بما لم يأمره به، فردّ عليهم بأن استعمال الهزؤ في التبليغ عن الله تعالى، وفي غيره، وهو يستعيذ منه، فرجعوا إلى قوله، وتعنتوا في البقرة، وفي أوصافها، وكان يجزئهم أن يذبحوا بقرة، إذ المأمور به بقرة مطلقة، فسألوا ما هي؟ وسألوا موسى أن يدعو الله تعالى أن يبينها لهم، إذ كان دعاؤه أقرب للإجابة من دعائهم، فأخبر عن الله تعالى بسنها.
ثم خاف من كثرة سؤالهم، ومن تعنتهم، كما جاء، إنما أهلك بني إسرائيل كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فبادر إلى أمرهم بأن يفعلوا ما يؤمرون، حتى قطع سؤالهم، فلم يلتفتوا إلى أمره، وسألوا أن يسأل الله تعالى ثانيًا عن لونها، إذ قد أخبروا بسنها، فأخبرهم عن الله تعالى بلونها، ولم يأمرهم ثانيًا أن يفعلوا ما يؤمرون به، إذ علم منهم تعنتهم، لأنهم خالفوا أمر الله أولًا في قوله: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة}، وخالفوا أمر موسى ثانيًا في قوله: {فافعلوا ما تؤمرون}.
فلم يكن إلا أن أبقاهم على طبيعتهم من كثرة السؤال.
فسألوا ثالثًا أن يسأل الله عنها، فأخبرهم عن الله تعالى بحالها بالنسبة إلى العمل وباقي الأوصاف التي ذكرها، فحينئذ صرحوا بأن موسى جاء بالحق الواضح الذي بين أمر هذه البقرة، فالتمسوها حتى حصلوها وذبحوها امتثالًا لأمر الله تعالى، وذلك بعد ترديد كثير وبطء عظيم، وقبل ذلك ما قاربوا ذبحها، بل بقوا متطلبين أشياء ليتأخر عنهم تحصيلها وذبحها.
ثم أخبر تعالى عنهم بقتل النفس، وتدافعهم فيمن قتلها، واختلافهم في ذلك، فأمروا بأن يضربوا ذلك القتيل ببعض هذه البقرة المذبوحة، فضربوه فحيي بإذن الله، وانكشف لهم سرّ أمر الله بذبح البقرة، وأنه ترتب على ذلك من الأمر المعجز الخارق، ما يحصل به العلم الضروري الدال على صدق موسى عليه السلام، وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
ثم بين تعالى أن مثل هذ الإحياء يحيي الموتى، إذ لا فرق بين الإحياءين في مطلق الإحياء.
ثم أخبر تعالى بأنه يريهم آياته، لينتج عن تلك الإراءة كونهم يصيرون من أولي العقل، الناظرين في عواقب الأمور، المفكرين في المعاد.
ثم أخبر تعالى بعد ذلك أنهم على مشاهدتهم هذا الخارق العظيم، ورؤيتهم الآيات قبل ذلك، لم يتأثروا لذلك، بل ترتب على ذلك عكس مقتضاه من القسوة الشديدة، حتى شبه قلوبهم بالحجارة، أو هي أشد من الحجارة.
ثم استطرد لذكر الحجارة بالتقسيم الذي ذكره، على أن الحجارة تفضل قلوبهم في كون بعضها يتأثر تأثيرًا عظيمًا، بحيث يتحرك ويتدهده، وكون بعضها يتشقق فيتأثر تأثيرًا قليلًا، فينبع منه الماء، وكون بعضها خلق منفرجًا تجري منه الأنهار، وقلوبهم على سجية واحدة، لا تقبل موعظة، ولا تتأثر لذكري، ولا تنبعث لطاعة.
ثم ختم ذلك بأنه تعالى لا يغفل عما اجترحوه في دار الدنيا، بل يجازيهم بذلك في الدار الأخرى.
وكان افتتاح هذه الآيات بأن الله تعالى يأمر، واختتامها بأن الله لا يغفل.
فهو العالم بمن امتثل، وبمن أهمل، فيجازي ممتثل أمره بجزيل ثوابه، ومهمل أمره بشديد عقابه. اهـ.

.من فوائد الألوسي في الآية:

قال رحمه الله:
{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} القسوة في الأصل اليبس والصلابة وقد شبهت هنا حال قلوبهم وهي نبوها عن الاعتبار بحال قسوة الحجارة في أنها لا يجري فيها لطف العمل ففي {قَسَتْ} استعارة تبعية أو تمثيلية، و{ثُمَّ} لاستبعاد القسوة بعد مشاهدة ما يزيلها، وقيل: إنها للتراخي في الزمان لأنهم قست قلوبهم بعد مدة حين قالوا إن الميت كذب عليهم أو أنه عبارة عن قسوة عقبهم، والضمير في {قُلُوبُكُمْ} لورثة القتيل عند ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وعند أبي العالية وغيره لبني إسرائيل {مِن بَعْدِ ذلك} أي إحياء القتيل، وقيل: كلامه، وقيل: ما سبق من الآيات التي علموها كمسخهم قردة وخنازير، ورفع الجبل، وانبجاس الماء، والإحياء وإلى ذلك ذهب الزجاج، وعليه تكون {ثُمَّ قَسَتْ} الخ عطفًا على مضمون جميع القصص السابقة والآيات المذكورة، وعلى سابقه تكون عطفًا على قصة {وَإِذْ قَتَلْتُمْ} [البقرة: 2 7] {فَهِيَ كالحجارة} أي في القسوة وعدم التأثر والجمع لجمع القلوب وللإشارة إلى أنها متفاوتة في القسوة كما أن الحجارة متفاوتة في الصلابة والكاف للتشبيه وهي حرف عند سيبويه وجمهور النحويين.
والأخفش يدعى اسميتها وهي متعلقة هنا بمحذوف أي كائنة كالحجارة خلافًا لابن عصفور إذ زعم أن كاف التشبيه لا تتعلق بشيء {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} أي من الحجارة فهي كالحديد مثلًا أو كشيء لا يتأثر أصلًا ولو وهمًا، و{أَوْ} لتخيير المبالغ ويكون في التشبيه كما يكون بعد الأمر، أو للتنويع أي بعض كالحجارة وبعض أشدّ أو للترديد بمعنى تجويز الأمرين مع قطع النظر عن الغير على ما قيل، أو بمعنى بل ويحتاج إلى تقدير مبتدأ إذا قلنا باختصاص ذلك بالجمل، أو بمعنى الواو أو للشك وهو لاستحالته عليه تعالى يصرف إلى الغير والعلامة لا يرتضي ذلك لما أنه يؤدي إلى تجويز أن يكون معاني الحروف بالقياس إلى السامع، وفيه إخراج للألفاظ عن أوضاعها فإنها إنما وضعت ليعبر بها المتكلم عما في ضميره، والحق جواز اعتبار السامع في معاني الألفاظ عند امتناع جريها على الأصل بالنظر إلى المتكلم فلا بأس بأن يسلك بـ{أَوْ} في الشك مسلك لعل في الترجي الواقع في كلامه تعالى فتلك جادة مسلوكة لأهل السنة.
وقد مرت الإشارة إلى ذلك فتذكر، و{أَشَدَّ} عطف على {كالحجارة} من قبيل عطف المفرد على المفرد كما تقول: زيد على سفر أو مقيم، وقدر بعضهم أو هي أشد فيصير من عطف الجمل، ومن الناس من يقدر مضافًا محذوفًا أي مثل ما هو أشد، ويجعله معطوفًا على الكاف إن كان اسمًا أو مجموع الجار والمجرور إذا كان حرفًا، ثم لما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه فأعرب بإعرابه، ولا يخفى أن اعتبار التشبيه في جانب المعطوف بدون عطفه على المجرور بالكاف مستبعد جدًا، وقرأ الأعمش {أَوْ أَشَدَّ} مجرورًا بالفتحة لكونه غير منصرف للوصف ووزن الفعل وهو عطف على الحجارة واعتبار التشبيه حينئذ ظاهر وإنما لم يقل سبحانه وتعالى أقسى مع أن فعل القسوة مما يصاغ منه أفعل وهو أخصر ووارد في الفصيح كقوله:
كل خمصانة أرق من الخمـ
ـر بقلب (أقسى) من الجلمود

لما في أشد المبالغة لأنه يدل على الزيادة بجوهره وهيئته بخلاف أقسى فإن دلالته بالهيئة فقط، وفيه دلالة على اشتداد القسوتين ولو كان أقسى لكان دالًا على اشتراك القلوب والحجارة في القسوة، واشتمال القلوب على زيادة القسوة لا في شدة القسوة وليس هذا مثل قولك زيد أشد إكرامًا من عمرو حيث ذكروا أن ليس معناه إلا أنهما مشتركان في الإكرام وإكرام زيد زِيدَ على إكرام عمرو لا أنهما مشتركان في شدة الإكرام، وشدة إكرام زيد زائدة على شدة إكرام عمرو للفرق بين ما بني للتوصل وما بني لغيره وما نحن فيه من الثاني وإن كان الأول أكثر.
والاعتراض بأن أشد محمول على القلوب دون القسوة ليس بشيء لأنه محمول عليها بحسب المعنى لكونها تمييزًا محولًا عن الفاعل أو منقولًا عن المبتدأ كما في البحر، ويمكن أن يقال: إن الله تعالى أبرز القساوة في معرض العيوب الظاهرة تنبيهًا على أنها من العيوب بل العيب كل العيب ما صد عن عالم الغيب {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الابصار ولكن تعمى القلوب التى في الصدور} [الحج: 6 4].
{وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الماء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ} تذييل لبيان تفضيل قلوبهم على الحجارة أو اعتراض بين قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} وبين الحال عنها وهو {وَمَا الله بغافل} لبيان سبب ذلك فإنه لغرابته يحتاج إلى بيان السبب كما في قوله:
فلا هجره يبدو وفي اليأس راحة
ولا وصفه يصفو لنا (فنكارمه)

وجعله جملة حالية مشعرة بالتعليل يأباه الذوق إذ لا معنى للتقييد، وكونه بيانًا وتقريرًا من جهة المعنى لما تقدم مع كونه بحسب اللفظ معطوفًا على جملة هي كالحجارة أو أشد كما قاله العلامة مما لا يظهر وجهه لأنه إذا كان بيانًا في المعنى كيف يصح عطفه ويترك جعله بيانًا، والمعنى إن الحجارة تتأثر وتنفعل، وقلوب هؤلاء لا تتأثروا لا تنفعل عن أمر الله تعالى أصلًا، وقد ترقى سبحانه في بيان التفضيل كأنه بين أولًا تفضيل قلوبهم في القساوة على الحجارة التي تتأثر تأثرًا يترتب عليه منفعة عظيمة من تفجر الأنهار، ثم على الحجارة التي تتأثر تأثرًا ضعيفًا يترتب عليه منفعة قليلة من خروج الماء، ثم على الحجارة التي تتأثر من غير منفعة فكأنه قال سبحانه: قلوب هؤلاء أشد قسوة من الحجارة لأنها لا تتأثر بحيث يترتب عليه المنفعة العظيمة بل الحقيرة بل لا تتأثر أصلًا ومما ذكر يظهر نكتة ذكر تفجر الأنهار وخروج الماء، وترك فائدة الهبوط، وذكر غير واحد أن الآية واردة على نهج التتميم دون الترقي كالرحمن الرحيم إذ لو أريد الترقي لقيل وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يتفجر منه الأنهار وفائدته استيعاب جميع الانفعالات التي على خلاف طبيعة هذا الجوهر، وهو أبلغ من الترقي، ويكون {وَإِنَّ مِنْهَا} الأخير تتميمًا للتتميم، ولا يخفى أنه يرد عليه منع إفادته لاستيعاب جميع الانفعالات وخلوه عن لطافة ما ذكرناه، والتفجر التفتح بسعة وكثرة كما يدل عليه جوهر الكلمة وبناء التفعل، والمراد من الأنهار الماء الكثير الذي يجري في الأنهار، والكلام إما على حذف المضاف، أو ذكر المحل وإرادة الحال أو الإسناد مجازي، قال بعض المحققين: وحملها على المعنى الحقيقي وَهمٌ إذ التفتح لا يمكن إسناده إلى الأنهار اللهم إلا بتضمين معنى الحصول بأن يقال: يتفجر ويحصل منه الأنهار على أن تفجير الحجارة بحيث تصير نهرًا غير معتاد فضلًا عن كونها أنهارًا، والتشقق التصدع بطول أو بعرض، والخشية الخوف، واختلف في المراد منها فذهب قوم وهو المروي عن مجاهد وغيره أنها هنا حقيقة، وهي مضافة إلى الاسم الكريم من إضافة المصدر إلى مفعوله أي من خشية الحجارة الله ويجوز أن يخلق الله تعالى العقل والحياة في الحجر، واعتدال المزاج والبنية ليسا شرطًا في ذلك خلافًا للمعتزلة، وظواهر الآيات ناطقة بذلك، وفي الصحيح: «إني لأعرف حجرًا كان يسلم عليّ قبل أن أبعث» وأنه صلى الله عليه وسلم بعد مبعثه ما مر بحجر ولا مدر إلا سلم عليه، وورد في الحجر الأسود أنه يشهد لمن استلمه، وحديث تسبيح الحصى بكفه الشريف صلى الله عليه وسلم مشهور، وقيل: هي حقيقة، والإضافة هي الإضافة إلا أن الفاعل محذوف هو العباد، والمعنى: أن من الحجارة ما ينزل بعضه عن بعض عند الزلزال من خشية عباد الله تعالى إياه؛ وتحقيقه أنه لما كان المقصود منها خشية الله تعالى صارت تلك الخشية كالعلة المؤثرة في ذلك الهبوط فيؤل المعنى أنه يهبط من أجل أن يحصل خشية العباد الله تعالى.
وذهب أبو مسلم إلى أن الخشية حقيقة، وأن الضمير في {مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ} عائد على القلوب، والمعنى أن من القلوب قلوبًا تطمئن وتسكن وترجع إلى الله تعالى، وهي قلوب المخلصين، فكنى عن ذلك بالهبوط، وقيل: إنها حقيقة إلا أن إضافتها من إضافة المصدر إلى الفاعل، والمراد بالحجر البرد، وبخشيته تعالى إخافته عباده بإنزاله وهذا القول أبرد من الثلج وما قبله أكثف من الحجر وما قبلهما بين بين وقال قوم: إن الخشية مجاز عن الانقياد لأمر الله تعالى إطلاقًا لاسم الملزوم على اللازم، ولا ينبغي أن تحمل على حقيقتها، أما على القول بأن اعتدال المزاج والبنية شرط وما ورد مما يقتضي خلافه محمول على أن الله تعالى قرن ملائكته بتلك الجمادات، ومنها هاتيك الأفعال ونحو «هذا جبل يحبنا ونحبه» على حذف مضاف أي يحبنا أهله ونحب أهله فظاهر.
وأما على القول بعدم الاشتراط فلأن الهبوط والخشية على تقدير خلق العقل والحياة لا يصح أن يكون بيانًا لكون الحجارة في نفسها أقل قسوة وهو المناسب للمقام والاعتراض بأن قلوبهم إنما تمتنع عن الانقياد لأمر التكليف بطريق القصد والاختيار ولا تمتنع عما يراد بها على طريق القسر والإلجاء كما في الحجارة وعلى هذا لا يتم ما ذكر، فالأولى الحمل على الحقيقة أجيب عنه بأن المراد أن قلوبهم أقسى من الحجارة لقبولها التأثر الذي يليق بها وخلقت لأجله بخلاف قلوبهم فإنها تنبو عن التأثر الذي يليق بها وخلقت له، والجواب بأن ما رأوه من الآيات مما يقسر القلب ويلجؤه فلما لم تتأثر قلوبهم عن القاسرات الكثيرة ويتأثر الحجر من قاسر واحد تكون قلوبهم أشد قسوة لا يخلو عن نظر لأنه إن أريد بذلك المبالغة في الدلالة على الصدق فلا ينفع، وإن أريد به حقيقة الإلجاء فممنوع، وإلا لما تخلف عنها التأثر ولما استحق من آمن بعد رؤيتها الثواب لكونه إيمانًا اضطراريًا ولم يقل به أحد ثم الظاهر على هذا تعلق خشية الله بالأفعال الثلاثة السابقة وقرئ {وَأَنْ} على أنها المخففة من الثقيلة ويلزمها اللام الفارقة بينها وبين النافية، والفراء يقول: إنها النافية واللام بمعنى إلا وزعم الكسائي أن {إن} إن وليها اسم كانت المخففة، وإن فعل كانت النافية، وقطرب إنها إن وليها فعل كانت بمعنى قد وقرأ مالك بن دينار {ينفجر} مضارع انفجر والأعمش {يتشقق} و{لَمَا يَهْبِطُ} بالضم.
{وَمَا الله عَمَّا تَعْمَلُونَ} وعيد على ما ذكر كأنه قيل: إن الله تعالى لبالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم حافظ لأعمالهم محص لها، فهو مجازيهم بها في الدنيا والآخرة، وقرأ ابن كثير {يَعْمَلُونَ} بالياء التحتانية ضمًا إلى ما بعده من قوله سبحانه: {أَن يُؤْمِنُواْ} و{يَسْمَعُونَ} [البقرة: 57] وفريق منهم، وقرأ الباقون بالتاء الفوقانية لمناسبة {وَإِذْ قَتَلْتُمْ فادرأتم} [البقرة: 72] وتكتمون الخ وقيل: ضمًا إلى قوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ} [البقرة: 5 7] بأن يكون الخطاب فيه للمؤمنين وعدلهم، ويبعده أنه لا وجه لذكر وعد المؤمنين تذييلًا لبيان قبائح اليهود. اهـ.

.من فوائد القاسمي في الآية:

قال رحمه الله:
{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ}.
المخاطبون إما أهل الكتاب الذين كانوا في زمنه صلى الله عليه وسلم، أي: اشتدت قلوبكم وقست وصلبت من بعد البينات التي جاءت أوائلكم، والأمور التي جرت عليهم، والعقاب الذي نزل بمن أصرّ على المعصية منهم، والآيات التي جاءهم بها أنبياؤهم، والمواثيق التي أخذوها على أنفسهم، وعلى كل من دان بالتوراة ممن سواهم. فأخبر بذلك عن طغيانهم وجفائهم مع ما عندهم من العلم بآيات الله التي تلين عندها القلوب. وهذا أَولى؛ لأن قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم}، خطاب مشافهة. فحمله على الحاضرين أولى. وإما [في المطبوع: وأما] أن يكون المراد أولئك اليهود الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام خصوصًا، أو من قبل المخاطبين من سلفهم. والله أعلم {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ} في القساوة: {أَوْ أَشَدُّ} منها: {قَسْوَةً} أي: هي في القسوة مثل الحجارة أو زائد عليها فيها. و: {أَوْ} للتخير أو للترديد. بمعنى أن من عرف حالها شبهها بالحجارة، أو بما هو أقسى كالحديد، أو من عرفها شبهها بالحجارة، أو قال هي أقسى من الحجارة، وترك ضمير المُفَضَّل عليه للأمن من الالتباس: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ} أي: يتفتح بالسعة والكثرة: {مِنْهُ الأَنْهَارُ} بيان لأشديّة قلوبهم من الحجارة في القساوة وعدم التأثر بالعظات، والقوارع التي تميع منها الجبال وتلين بها الصخور، يعني أن الحجارة ربما تتأثر حيث يكون منها ما يتفجر منه المياه العظيمة: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ} أي: يتشقق: {فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء} أي: العيون التي هي دون الأنهار: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ} أي: يتردى من رأس الجبل من خشية الله، انقيادًا لما سخره له من الميل إلى المركز بالسلاسة، قاله القاشانيّ.
وقد ذهب بعض المفسرين إلى الاستدلال بظاهر الآية على خلق التمييز في الجماد حتى يخشى ويسبح. والمحققون على أن هذه الآية وأمثالها من المجاز البليغ، وأن الإطلاق لا ينحصر في الحقيقة، لاسيما وأن المجاز أكثر في اللسان منها، كما بسط في مطولات البيان.
وقد رد الإمام ابن حزم، في أول كتابه الفصل على من زعم أن للحيوان والجماد تمييزًا، ردًا مسهبًا. وقال: من ادعى ذلك أكذبه العيان. ثم استثنى ما كان معجزة للأنبياء عليهم السلام.
قال: ولعل معترضًا يعترض بقوله تعالى يصف الحجارة: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الْلَّهِ}، فقد علمنا بالضرورة أن الحجارة لم تؤمر بشريعة ولا بعقل ولا بعث إليها نبيّ. فإذْ لا شك في هذا، فإن القول منه تعالى يخرج على أحد ثلاثة أوجه:
أحدها أن يكون الضمير في قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ} راجع إلى القلوب المذكورة في أول الآية في قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} فذكر تعالى أن من تلك القلوب القاسية ما يقبل الإيمان يومًا ما، فيهبط عن القسوة إلى اللين من خشية الله تعالى، وهذا أمر يشاهد بالعيان، فقد تلين القلوب القاسية بلطف الله تعالى، ويخشى العاصي. وقد أخبر عز وجلّ: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ} [آل عِمْرَان: 199]، وكما أخبر تعالى أن: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ} [التوبة: 99] من بعد أن أخبر أن: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا} [التوبة: 97]. قال: فهذا وجه ظاهر متيقن الصحة.
والوجه الثاني: أن الخشية المذكورة في الآية إنما هي التصرف بحكم الله تعالى وجري أقداره، كما قلنا في قوله تعالى حاكيًا عن السماء والأرض: {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11].
والوجه الثالث: أن يكون الله تعالى عنى بقوله: {وإنّ منها لما يهبط من خشية الله} الجبل الذي صار دكًّا، إذ تجلى الله تعالى له يوم سأله كليمه عليه السلام الرؤية، فذلك الجبل بلا شك من جملة الحجارة، وقد هبط عن مكانه من خشية الله تعالى، وهذه معجزة وآية وإحالة طبيعة في ذلك الجبل خاصة. ويكون: {يهبط} بمعنى: هبط؛ كقوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنفال: 30] معناه: وإذ مكر، وبين قوله تعالى، مصدقًا إبراهيم خليله صلى الله عليه وسلم في إنكاره على أبيه عُبَاْدَة الحجارة: {لم تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ} [مريم: 42] وقوله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ} [الزمر: 43] فصح بهذا، صحة لا مجال للشك فيها، أن الحجارة لا تعقل. وإذ تيقن ذلك بالنص وبالضرورة والمشاهدة فقد انتفى عنها النطق والتمييز والخشية، المعهود كل ذلك عندنا.
وأما الأحاديث المأثورة في أن الحجر له لسان وشفتان، والكعبة كذلك، وأن الجبال تطاولت، وخشع جبل كذا، فخرافات موضوعة نقلها كل كذاب وضعيف، لا يصح منها شيء من طريق الإسناد أصلًا. ويكفي من التطويل في ذلك أنه لم يدخل شيئًا منها من انتدب من الأئمة لتصنيف الصحيح من الحديث، أو ما يستجاز روايته، مما يقارب الصحة. انتهى كلام ابن حزم.
وقال ابن جرير: اختلف أهل النحو في معنى الهبوط؛ ما هبط من الأحجار من خشية الله فقال بعضهم: إن هبوط ما هبط منها من خشية الله تفيّؤ ظلاله. وقال آخرون: ذلك الجبل الذي صار دكًا إذ تجلى له ربه. وقال آخرون: قوله: {يهبط من خشية الله} كقوله: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الكهف: 77] لا إرادة له. قالوا: وإنما أريد بذلك أنه من عظم أمر الله يرى كأنه هابط خاشع من ذلّ خشية الله. قال زيد الخيل:
بِجَمْعٍ تَضِلُّ اْلبُلْقُ فِيْ حَجَرَاتِهِ
تَرَى الْأُكْمَ مِنْهُ سُجَّدًا لِلْحَوَافِر

وكما قال سويد بن أبي كاهل، يصف عدوًّا له:
سَاْجِدَ الْمَنَْخِرِ لَاْ يَرْفَعُهُ
خَاْشِعَ الطَّرْفِ أَصَمَّ الْمُستَْمَعْ

يريد أنه ذليل.
وكما قال جرير بن عطية:
لَمَّا أتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَواضَعَتْ
سُوْرُ المَدِينَةِ والْجِبَالُ الْخُشَّعُ

وقال آخرون: معنى قوله: {يهبط من خشية الله} أي: يوجب الخشية لغيره بدلالته على صانعه. كما قيل: ناقة تاجرة إذا كانت، من نجابتها وفراهتها، تدعو الناس إلى الرغبة فيها، كما قال جرير بن عطية:
وَأَعْوَرُ مِنْ نَبْهَاْنَ، أَمَّاْ نَهَاْرُهُ
فَأَعْمَى، وَأَمَّاْ لَيْلُهُ فَبَصِيْرُ

فجعل الصفة لليل والنهار، وهو يريد بذلك صاحبه النبهانيّ الذي يهجوه. من أجل أنه فيهما كان ما وصفه به. ثم اختار ابن جرير ما يقتضيه ظاهر الآية. وتقدم رد ابن حزم له مبرهنًا عليه.
ثم رأيت الإمام الراغب حاول هنا تقريب ما نقل من الوقوف على ظاهرها بتأويله. وعبارته: قال مجاهد وابن جريج: كل حجر تردى من رأس جبل فخشية الله نزلت به، وقال الزجاج: الهابط منها قد جعل له معرفة، قال ويدل على ذلك قوله: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر: 21]، وقال: {لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} [الحج: 18]، إلى قوله: {النُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ} [الحج: 18] وقد روي مثل هذا عن السلف، ولابد في معرفة ذلك من مقدمة تكشف عن وجه هذا القول، وحقيقته. فإن قومًا استسلموا لما حكي لهم من هذا النحو، فانطووا على شبهة، وقومًا استبعدوا ذلك واستخفوا عقل رواته وقائليه، فيقال وبالله التوفيق: إن قومًا من المتقدمين ذكروا أن جميع المعارف على أضرب:
الأول المعرفة التامة التي هي العلم التام. وذلك لعلاّم الغيوب الذي أحاط بكل شيء علمًا.
والثاني معرفة متزايدة، وهي للإنسان، وذاك أن الله تعالى جعل له معرفة غريزية، وجعل له بذلك سبيلًا إلى تعريف كثير مما لم يعرفه، وليس ذلك إلا للإنسان.
والثالث معرفة دون ذلك، وهي معرفة الحيوانات التي سخرها لإيثار أشياء نافعة لها والسعي إليها. واسترذال أشياء هي ضارة لها وتجنبها، ودفع مضار عن أنفسها.
والرابع: معرفة الناميات من الأشجار والنبات، وهي دون ما للحيوانات، وليس ذلك إلا في استجلاب المنافع وما ينميها.
والخامس: معرفة العناصر، فإن كل واحد منها مسخر لأن يشغل المكان المختص به كالحجر في طلب السفل، والنار في طلب العلّو، وذلك بتسخير الله تعالى، بلا اختيار منه. قالوا: والدلالة على ذلك أن كل واحدٍ من هذه العناصر إذا نقل من مركزه قهرًا، أبى إلا العود إليه طوعًا. قالوا ويوضح ذلك أن السراج يجتذب الأدهان التي تبقيه، ويأبى الماء الذي يطفيه، وأن المغناطيس يجر الحديد ولا يجر غيره. هذا ما حكوه.
فعلى هذا إذا قيل: لهذه الأشياء معرفة، فليس ببعيد، متى سلم لهم أن هذه القوى تسمى معرفة، فأما إذا قيل إن للجمادات معارف الْإِنْسَاْن في أنها تميز وتختار وتريد، فهذا مما تعافه العقول. انتهى قول الراغب.
وهو تأويل حسن، ومبناه على أن اصطلاح السلف في كثير من الإطلاقات غير اصطلاحات الخلف. وهو مسلم في كثير من الإطلاقات.
وقوله تعالى: {وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} فيه من التهديد وتشديد الوعيد ما لا يخفى. فإن الله عز وجل إذا كان عالمًا بما يعملونه، مطلعًا عليه غير غافل عنه، كان لمجازاتهم بالمرصاد. اهـ.

.من فوائد ابن عاشور في الآية:

قال رحمه الله:
{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}:
{ثم} هنا للترتيب الرتبي الذي تتهيأ له (ثم) إذا عَطفت الجمل، أي ومع ذلك كله لم تلن قلوبكم ولم تنفعكم الآيات {فقست قلوبكم} وكان من البعيد قسوتها.
وقوله: {من بعد ذلك} زيادة تعجيب من طرق القساوة للقلب بعد تكرر جميع الآيات السابقة المشار إلى مجموعها بذلك على حد قول القطامي:
أكفرًابعد ردِّ الموتتِ عني
وبعدَ عَطائك المائة الرِّتاعَا

أي كيف أكفر نعمتك أي لا أكفرها مع إنجائك لي من الموت إلخ.
ووجه استعمال (بعد) في هذا المعنى أنها مجاز في معنى (مع) لأن شأن المسبب، أن يتأخر عن السبب ولما لم يكن المقصد التنبيه على تأخره للعلم بذلك وأريد التنبيه على أنه معه إثباتًا أو نفيًا عُبر ببعد عن معنى (مع) مع الإشارة إلى التأخر الرتبي.
والقسوة والقساوة توصف بها الأجسام وتوصف بها النفوس المعبر عنها بالقلوب فالمعنى الجامع للوصفين هو عدم قبول التحول عن الحالة الموجودة إلى حالة تخالفها.
وسواء كانت القساوة موضوعة للقدر المشترك بين هذين المعنيين الحسي والقلبي وهو احتمال ضعيف أم كانت موضوعة للأجسام حقيقة واستعملت في القلوب مجازًا وهو الصحيح، فقد شاع هذا المجاز حتى ساوى الحقيقة وصار غير محتاج إلى القرينة فآل اللفظ إلى الدلالة على القدر المشترك بالاستعمال لا بأصل الوضع وقد دل على ذلك العطف في قوله: {أو أشد قسوة} كما سيأتي.
وقوله: {فهي حجارة} تشبيه فرع بالفاء لإرادة ظهور التشبيه بعدحكاية الحالة المعبر عنها بقست لأن القسوة هي وجه الشبه ولأن أشهر الأشياء في هذا الوصف هو الحجر فإذا ذكرت القسوة فقد تهيأ التشبيه بالحجر ولذا عطف بالفاء أي إذا علمت أنها قاسية فشبهها بالحجارة كقول النابغة يصف الحجيج:
عليهن شعثٌ عامدون لربهم
فهُنَّ كأطراف الحَنِيِّ خواشع

وقد كانت صلابة الحجر أعرف للناس وأشهر لأنها محسوسة فلذلك شبه بها، وهذا الأسلوب يسمى عندي تهيئة التشبيه وهو من محاسنه، وإذا تتبعت أساليب التشبيه في كلامهم تجدها على ضربين ضرب لا يهيأ فيه التشبيه وهو الغالب وضرب يهيأ فيه كما هنا والعطف بالفاء في مثله حسن جدًا وأما أن يأتي المتكلم بما لا يناسب التشبيه فذلك عندي يعد مذمومًا.
وقد رأيت بيتًا جمع تهيئة التشبيه والبعد عنه وهو قول ابن نباتة:
في الريق سُكْر وفي الأَصداغ تجعيد
هذا المُدَام وهاتيك العناقيد

فإنه لما ذكر السكر تهيأ التشبيه بالخمر ولكن قوله: تجعيد لا يناسب العناقيد.
فإن قلت لم عددته مذمومًا وما هو إلا كتجريد الاستعارة؟
قلت: لا لأن التجريد يجيء بعد تكرر الاستعارة وعلم بها فيكون تفننًا لطيفًا بخلاف ما يجيء قبل العلم بالتشبيه.
وقوله: {أو أشد قسوة} مرفوع على أنه خبر مبتدأ دل عليه قوله: {فهي كالحجارة} و(أو) بمعنى بل الانتقالية لتوفر شرطها وهوكون معطوفها جملة.
وهذا المعنى متولدمن معنى التخيير الموضوعة له (أو) لأن الانتقال ينشأ عن التخيير فإن القلوب بعد أن شبهت بالحجارة وكان الشأن يكون المشبه أضعف في الوصف من المشبه به يُبنى على ذلك ابتداءُ التشبيه بما هو أشهر ثم عقب التشبيه بالترقي إلى التفضيل في وجه الشبه على حد قول ذي الرمة:
بَدَتْ مثل قرن الشمس في رونق الضُّحى
وصورتِها أو أنتتِ في العين أَمْلَح

فليست (أو) للتخيير في التشبيه أي ليست عاطفة على قوله الحجارة المجرورة بالكاف لأن تلك لها موقع مَا إذا كُرر المشبه به كما قدمناه عند قوله تعالى: {أوْ كصيب من السماء} [البقرة: 19].
ويجوز أن تكون للتخيير في الأخبار عطفًا على الخبر الذي هو {كالحجارة} أي فهي مثل الحجارة أو هي أقوى من الحجارة والمقصود من التخيير أن المتكلم يشير إلى أنه لا يرمي بكلامه جزافًا ولا يذمهم تحاملًا بل هومتثبت متحر في شأنهم فلا يُثْبِت لهم إلا ما تبين له بالاستقراء والتقصي فإنه ساواهم بالحجارة في وصف ثم تَقَصَّى فرأى أنهم فيه أقوى فكأنه يقول للمخاطب إن شئت فسَوِّهم بالحجارة في القسوة ولك أن تقول هم أشد منها وذلك يفيد مفاد الانتقال الذي تدل عليه بل وهو إنما يحسن في مقام الذم لأن فيه تلطفًا وأما في مقام المدح فالأحسن هو التعبير ببل كقول الفرزدق:
فقالت لنا أهلًا وسهلًا وزوَّدَتْ
جَنَى النَّحْل بل ما زوّدتْ منه أطيب

ووجه تفضيل تلك القلوب على الحجارة في القساوة أن القساوة التي اتصفت بها القلوب مع كونها نوعًا مغايرًا لنوع قساوة الحجارة قد اشتركا في جنس القساوة الراجعة إلى معنى عدم قبول التحول كما تقدم فهذه القلوب قساوتها عند التمحيص أشد من قساوة الحجارة لأن الحجارة قد يعتريها التحول عن صلابتها وشدتها بالتفرق والتشقق وهذه القلوب لم تُجْدِ فيها محاولة.
وقوله: {وإن من الحجارة لما يتفجَّر} إلخ تعليل لوجه التفضيل إذ من شأنه أن يُستغرب، وموقع هذه الواو الأولى في قوله: {وإن من الحجارة} عسير فقيل: هي للحال من الحجارة المقدَّرة بعد {أَشَد} أي أشد من الحجارة قسوةً، أي تفضيل القلوب على الحجارة في القسوة يظهرُ في هذه الأحوال التي وُصِفت بها الحجارة ومعنى التقييد أن التفضيل أظهر في هذه الأحوال، وقيل هي الواوللعطف على قوله: {فهي كالحجارة أو أشد قسوة} قاله التفتازاني، وكأنه يجعل مضمون هذه المعطوفات غير راجع إلى معنى تشبيه القلوب بالحجارة في القساوة بل يجعلها إخبارًاعن مزايا فَضُلت بها الحجارة على قلوب هؤلاء بما يحصل عن هذه الحجارة من منافع في حين تُعطَّلُ قلوب هؤلاء من صدور النفع بها، وقيل: الواو استئنافية وهو تذييل للجملة السابقة وفيه بعدكما صرح به ابن عرفة، والظاهر أنها الواو الاعتراضية وأن جملة {وإن من الحجارة} وما عطف عليها معترضاتٌ بين قوله: {ثم قست قلوبكم} وبين جملة الحال منها وهي قوله: {وما الله بغافل عما تعملون}.
والتوكيد بإنَّ للاهتمام بالخبر وهذا الاهتمام يؤذن بالتعليل ووجود حرف العطف قبلها لا يُناكدُ ذلك كما تقدم عند قوله تعالى: {فإن لكم ما سألتم} [البقرة: 61].
ومن بديع التخلص تأخُّر قوله تعالى: {وإنَّ منها لَمَا يهبط من خشية الله} والتعبير عن التَسخُّر لأمر التكوين بالخشية ليتم ظهور تفضيل الحجارة على قلوبهم في أحوالها التي نهايتها الامتثال للأمر التكليفي مع تعاصي قلوبهم عن الامتثال للأمر التلكيفي ليتأتى الانتقال إلى قوله: {وما الله بغافل عما تعملون} وقوله: {أفتطعمون أن يؤمنوا لكم} [البقرة: 75].
وقد أشارت الآية إلى أن انفجار الماء من الأرض من الصخور منحصر في هذين الحالين وذلك هو ما تقرر في علم الجغرافيا الطبيعية أن الماء النازل على الأرض يخرق الأرض بالتدريج لأن طبع الماء النزول إلى الأسفل جريًا على قاعدة الجاذبية فإذا أضغط عليه بثقل نفسه مِن تكاثُره أو بضاغطٍ آخرمن أهْوية الأرض تطلب الخروج حتى إذا بلغ طبقة صخرية أو صلصالية طفا هناك فالحجر الرملي يشرب الماء والصخور والصلصال لا يخرقها الماءُ إلا إذا كانت الصخور مركبة من مواد كلسية وكان الماءُ قد حمل في جريته أجزاء من معدن الحامض الفحمي فإن له قوة على تحليل الكلس فيحدث ثقبًا في الصخور الكلسية حتى يخرقها فيخرج منها نابعًا كالعيون.
وإذا اجتمعت العيون في موضع نشأت عنها الأنهار كالنيل النابع من جبال القمر، وأما الصخور غير الكلسية فلا يفتتها الماء ولكن قد يعرض لها انشقاق بالزلازل أو بفلق الآلات فيخرج منها الماء إما إلى ظاهر الأرض كما نرى في الآبار وقد يخرج منها الماء إلى طبقة تحتها فيختزن تحتها حتى يخرج بحالة من الأحوال السابقة.
وقد يجد الماء في سيره قبل الدخول تحت الصخر أو بعدَه منفذًا إلى أرض ترابية فيخرج طافيًا من سطح الصخور التي جرى فوقها.
وقد يجد الماء في سيره منخفضات في داخل الأرض فيستقر فيها ثم إذا انضمت إليه كميات أخرى تَطَلَّبَ الخروج بطريق من الطرق المتقدمة ولذلك يكثر أن تنفجر الأنهار عقب الزلازل.
والخشية في الحقيقة الخوفُ الباعث على تقوى الخائف غيرَه.
وهي حقيقة شرعية في امتثال الأمر التكليفي لأنها الباعث على الامتثال.
وجُعلت هنا مجازًا عن قبول الأمر التكويني إما مرسلًا بالإطلاق والتقييد، وإما تمثيلًا للهيئة عند التكوين بهيئة المكلَّف إذ ليست للحجارة خشية إذ لا عقل لها.
وقد قيل إن إسناد {يهبط} للحجر مجاز عقلي والمراد هبوط القلوب أي قلوب الناظرين إلى الصخور والجبال أي خضوعها فأسند الهبوط إليها لأنها سببه كما قالوا ناقة تاجرة أي تبعث من يراها على المساومة فيها.
وقوله: {وما الله بغافل عما تعملون} تذييل في محل الحال أي فعلتم ما فعلتم وما الله بغافل عن كل صنعكم.
وقد قرأه الجمهور بالتاء الفوقية تكملة خطاب بني إسرائيل، وقرأ ابن كثير ويعقوب وخلف (يعملون) بالياء التحتية وهو انتقال من خطابهم إلى خطاب المسلمين فلذلك غُيّر أسلوبه إلى الغيبة وليس ذلك من الالتفات لاختلاف مرجع الضميرين لأن تفريع قوله: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم} [البقرة: 75] عليه دل على أن الكلام نقل من خطاب بني إسرائيل إلى خطاب المسلمين.
وهو خبر مراد به التهديد والوعيد لهم مباشرة أو تعريضًا. اهـ.

.من فوائد صاحب المنار في الآيات السابقة:

قال رحمه الله:
{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ}.
هَذِهِ الْقِصَّةُ مِمَّا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَقُصَّهُ عَلَيْنَا مِنْ أَخْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي قَسْوَتِهِمْ وَفُسُوقِهِمْ لِلْاعْتِبَارِ بِهَا. وَمِنْ وُجُوهِ الِاعْتِبَارِ: أَنَّ التَّنَطُّعَ فِي الدِّينِ وَالْإِحْفَاءَ فِي السُّؤَالِ، مِمَّا يَقْتَضِي التَّشْدِيدَ فِي الْأَحْكَامِ، فَمَنْ شَدَّدَ شُدِّدَ عَلَيْهِ؛ وَلِذَلِكَ نَهَى اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الْأُمَّةَ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ بِقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْهَا وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ} [5: 101، 102] وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ» وَقَدِ امْتَثَلَ سَلَفُنَا الْأَمْرَ فَلَمْ يُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَكَانَ الدِّينُ عِنْدَهُمْ فِطْرِيًّا سَاذَجًا وَحَنِيفِيًّا سَمْحًا، وَلَكِنْ مِمَّنْ خَلَفَهُمْ مَنْ عَمَدَ إِلَى مَا عَفَا اللهُ عَنْهُ فَاسْتَخْرَجَ لَهُ أَحْكَامًا اسْتَنْبَطَهَا بِاجْتِهَادِهِ، وَأَكْثَرُوا مِنْهَا حَتَّى صَارَ الدِّينُ حِمْلًا ثَقِيلًا عَلَى الْأُمَّةِ فَسَئِمَتْهُ وَمَلَّتْ، وَأَلْقَتْهُ وَتَخَلَّتْ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: جَاءَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ عَلَى أُسْلُوبِ الْقُرْآنِ الْخَاصِّ الَّذِي لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ وَلَمْ يُلْحَقْ فِيهِ، فَهُوَ فِي هَذِهِ الْقَصَصِ لَمْ يَلْتَزِمْ تَرْتِيبَ الْمُؤَرِّخِينَ، وَلَا طَرِيقَةَ الْكُتَّابِ فِي تَنْسِيقِ الْكَلَامِ وَتَرْتِيبِهِ عَلَى حَسَبِ الْوَقَائِعِ حَتَّى فِي الْقِصَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَإِنَّمَا يُنَسِّقُ الْكَلَامَ فِيهِ بِأُسْلُوبٍ يَأْخُذُ بِمَجَامِعِ الْقُلُوبِ، وَيُحَرِّكُ الْفِكْرَ إِلَى النَّظَرِ تَحْرِيكًا، وَيَهُزُّ النَّفْسَ لِلْاعْتِبَارِ هَزًّا. وَقَدْ رَاعَى فِي قَصَصِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْوَاعَ الْمِنَنِ الَّتِي مَنَحَهُمُ اللهُ تَعَالَى إِيَّاهَا، وَضُرُوبَ الْكُفْرَانِ وَالْفُسُوقِ الَّتِي قَابَلُوهَا بِهَا، وَمَا كَانَ فِي أَثَرِ كُلِّ ذَلِكَ مِنْ تَأْدِيبِهِمْ بِالْعُقُوبَاتِ، وَابْتِلَائِهِمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، وَكَيْفَ كَانُوا يُحْدِثُونَ فِي أَثَرِ كُلِّ عُقُوبَةٍ تَوْبَةً، وَيُحْدِثُ لَهُمْ فِي أَثَرِ كُلِّ تَوْبَةٍ نِعْمَةً، ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَى بَطَرِهِمْ، وَيَنْقَلِبُونَ إِلَى كُفْرِهِمْ.
كَانَ فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ يَذْكُرُ النِّعْمَةَ، فَالْمُخَالَفَةَ، فَالْعُقُوبَةَ، فَالتَّوْبَةَ، فَالرَّحْمَةَ كَالتَّفْضِيلِ عَلَى الْعَالَمِينَ، وَأَخْذِ الْمِيثَاقِ، وَالْإِنْجَاءِ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَمَا كَانَ فِي أَثَرِ ذَلِكَ عَلَى مَا أَشَرْنَا الْآنَ وَأَجْمَلْنَا، وَأَوْضَحْنَا مِنْ قَبْلُ وَفَصَّلْنَا، وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ اخْتَلَفَ النَّسَقُ فَذَكَرَ الْمُخَالَفَةَ بَعْدُ فِي قَوْلِهِ: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} [2: 72] ثُمَّ الْمِنَّةَ فِي الْخَلَاصِ مِنْهَا فِي قَوْلِهِ: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} [2: 73] إِلَخْ، وَقَدَّمَ عَلَى ذَلِكَ ذِكْرَ وَسِيلَةِ الْخَلَاصِ، وَهِيَ ذَبْحُ الْبَقَرَةِ بِمَا يُعْجِبُ السَّامِعَ وَيُشَوِّقُهُ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا وَرَاءَهَا «حَيْثُ لَمْ يَسْبِقْ فِي الْكَلَامِ عَهْدٌ لِسَبَبِ أَمْرِ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَنْ يَذْبَحُوا بَقَرَةً، فَالْمُفَاجَأَةُ بِحِكَايَةِ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ، وَالْجِدَالِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ يُثِيرُ الشَّوْقَ فِي الْأَنْفُسِ إِلَى مَعْرِفَةِ السَّبَبِ، فَتَتَوَجَّهُ الْفِكْرَةُ بِأَجْمَعِهَا إِلَى تَلَقِّيهِ» إِذِ الْحِكْمَةُ فِي أَمْرِ اللهِ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ خَفِيَّةٌ وَجَدِيرَةٌ بِأَنْ يَعْجَبَ مِنْهَا السَّامِعُ وَيَحْرِصَ عَلَى طَلَبِهَا، لاسيما إِذَا لَمْ يَعْتَدْ فَهْمَ الْأَسَالِيبِ الْأَخَّاذَةِ بِالنُّفُوسِ الْهَازَّةِ لِلْقُلُوبِ. وَأَقُولُ: قَدْ جَرَى عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ كُتَّابُ الْقِصَصِ الْمُخْتَرَعَةِ وَالْأَسَاطِيرِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الرِّوَايَاتِ فِي هَذَا الْعَصْرِ.
يَقُولُ أَهْلُ الشُّبُهَاتِ فِي الْقُرْآنِ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يَعْرِفُونَ هَذِهِ الْقِصَّةَ؛ إِذْ لَا وُجُودَ لَهَا فِي التَّوْرَاةِ، فَمِنْ أَيْنَ جَاءَ بِهَا الْقُرْآنُ؟ وَنَقُولُ: إِنَّ الْقُرْآنَ جَاءَ بِهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ الَّذِي يَقُولُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْمُتَأَخِّرِينَ: إِنَّهُمْ نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ، وَإِنَّهُمْ لَمْ يُؤْتَوْا إِلَّا نَصِيبًا مِنَ الْكُتَّابِ، عَلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَنْصُوصٌ فِي التَّوْرَاةِ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا قُتِلَ قَتِيلٌ لَمْ يُعْرَفْ قَاتِلُهُ، فَالْوَاجِبُ أَنْ تُذْبَحَ بَقَرَةٌ غَيْرُ ذَلُولٍ فِي وَادٍ دَائِمِ السَّيَلَانِ، وَيَغْسِلَ جَمِيعُ شُيُوخِ الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْمَقْتَلِ أَيْدِيَهُمْ عَلَى الْعِجْلَةِ الَّتِي كُسِرَ عُنُقُهَا فِي الْوَادِي، ثُمَّ يَقُولُونَ: إِنَّ أَيْدِيَنَا لَمْ تَسْفِكْ هَذَا الدَّمَ، اغْفِرْ لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ، وَيُتِمُّونَ دَعَوَاتٍ يَبْرَأُ بِهَا مَنْ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْعَمَلِ مِنْ دَمِ الْقَتِيلِ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ الْقَاتِلُ، وَيُرَادُ بِذَلِكَ حَقْنُ الدِّمَاءِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحُكْمُ هُوَ مِنْ بَقَايَا تِلْكَ الْقِصَّةِ، أَوْ كَانَتْ هِيَ السَّبَبُ فِيهِ، وَمَا هَذِهِ بِالْقِصَّةِ الْوَحِيدَةِ الَّتِي صَحَّحَهَا الْقُرْآنُ، وَلَا هَذَا الْحُكْمُ بِالْحُكْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي حَرَّفُوهُ أَوْ أَضَاعُوهُ وَأَظْهَرَهُ اللهُ- تَعَالَى.
قَالَ الْأُسْتَاذُ: وَقَدْ قُلْتُ لَكُمْ غَيْرَ مَرَّةٍ: إِنَّهُ يَجِبُ الِاحْتِرَاسُ فِي قِصَصِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَعَدَمِ الثِّقَةِ بِمَا زَادَ عَلَى الْقُرْآنِ مِنْ أَقْوَالِ الْمُؤَرِّخِينَ وَالْمُفَسِّرِينَ، فَالْمُشْتَغِلُونَ بِتَحْرِيرِ التَّارِيخِ وَالْعِلْمِ الْيَوْمَ يَقُولُونَ مَعَنَا: إِنَّهُ لَا يُوثَقُ بِشَيْءٍ مِنْ تَارِيخِ تِلْكَ الْأَزْمِنَةِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا أَزْمِنَةَ الظُّلُمَاتِ إِلَّا بَعْدَ التَّحَرِّي وَالْبَحْثِ وَاسْتِخْرَاجِ الْآثَارِ، فَنَحْنُ نَعْذُرُ الْمُفَسِّرِينَ الَّذِينَ حَشَوْا كُتُبَ التَّفْسِيرِ بِالْقِصَصِ الَّتِي لَا يُوثَقُ بِهَا لِحُسْنِ قَصْدِهِمْ، وَلَكِنَّنَا لَا نُعَوِّلُ عَلَى ذَلِكَ بَلْ نَنْهَى عَنْهُ، وَنَقِفُ عِنْدَ نُصُوصِ الْقُرْآنِ لَا نَتَعَدَّاهَا، وَإِنَّمَا نُوَضِّحُهَا بِمَا يُوَافِقُهَا إِذَا صَحَّتْ رِوَايَتُهُ.
وَأَقُولُ: إِنَّ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْأُسْتَاذُ مِنْ حُكْمِ التَّوْرَاةِ الْمُتَعَلِّقِ بِقَتْلِ الْبَقَرَةِ هُوَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ سِفْرِ تَثْنِيَةِ الِاشْتِرَاعِ وَنَصُّهُ:
(1) إِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي الْأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلَهُكَ لِتَمْتَلِكَهَا وَاقِعًا فِي الْحَقْلِ لَا يُعْلَمُ مَنْ قَتَلَهُ.
(2) يَخْرُجُ شُيُوخُكَ وَقُضَاتُكَ وَيَقِيسُونَ إِلَى الْمُدُنِ الَّتِي حَوْلَ الْقَتِيلِ.
(3) فَالْمَدِينَةُ الْقُرْبَى مِنَ الْقَتِيلِ يَأْخُذُ شُيُوخُ تِلْكَ الْمَدِينَةِ عِجْلَةٌ مِنَ الْبَقَرِ لَمْ يُحْرَثْ عَلَيْهَا لَمْ تَجُرَّ بِالنِّيرِ.
(4) وَيَنْحَدِرُ شُيُوخُ تِلْكَ الْمَدِينَةِ بِالْعِجْلَةِ إِلَى وَادٍ دَائِمِ السَّيَلَانِ لَمْ يُحْرَثْ فِيهِ وَلَمْ يُزْرَعْ وَيَكْسِرُونَ عُنُقَ الْعِجْلَةِ فِي الْوَادِي.
(5) ثُمَّ يَتَقَدَّمَ الْكَهَنَةُ بَنُو لَاوَى. لِأَنَّهُ إِيَّاهُمُ اخْتَارَ الرَّبُّ إِلَهُكَ لِيَخْدِمُوهُ وَيُبَارِكُوا بِاسْمِ الرَّبِّ، وَحَسَبَ قَوْلِهِمْ تَكُونُ كُلُّ خُصُومَةٍ وَكُلُّ ضَرْبَةٍ.
(6) وَيَغْسِلُ جَمِيعُ شُيُوخِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ الْقَرِيبِينَ مِنَ الْقَتِيلِ أَيْدِيَهُمْ عَلَى الْعِجْلَةِ الْمَكْسُورَةِ الْعُنُقِ فِي الْوَادِي.
(7) وَيُصَرِّحُونَ وَيَقُولُونَ: أَيْدِينَا لَمْ تَسْفِكْ هَذَا الدَّمَ وَأَعْيُنُنَا لَمْ تُبْصِرْ.
(8) اغْفِرْ لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ الَّذِي فَدَيْتَ يَارَبُّ، وَلَا تَجْعَلْ دَمَ بَرِّيٍّ فِي وَسَطِ شَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ. فَيُغْفَرُ لَهُمُ الدَّمُ. اهـ.
فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْأَمْرَ بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ كَانَ لِفَصْلِ النِّزَاعِ فِي وَاقِعَةِ قَتْلٍ، وَيَرْوُونَ فِي قِصَّتِهِ رِوَايَاتٍ مِنْهَا أَنَّ الْقَاتِلَ كَانَ أَخَ الْمَقْتُولِ، قَتَلَهُ لِأَجْلِ الْإِرْثِ، وَأَنَّهُ اتَّهَمَ أَهْلَ الْحَيِّ بِالدَّمِ وَطَالَبَهُمْ بِهِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ كَانَ ابْنَ أَخِيهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، وَكَانُوا طَلَبُوا مِنْ مُوسَى الْفَصْلَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَبَيَانَ الْقَاتِلِ، وَلَمَّا أَمَرَهُمْ بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ اسْتَغْرَبُوهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُبَايَنَةِ لِمَا يَطْلُبُونَ وَالْبُعْدِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُرِيدُونَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بِقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} أَيْ سُخْرِيَةً يُهْزَأُ بِنَا، وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ سَفَهِهِمْ وَخِفَّةِ أَحْلَامِهِمْ وَجَهْلِهِمْ بِعَظَمَةِ اللهِ تَعَالَى وَمَا يَجِبُ أَنْ يُقَابَلَ بِهِ أَمْرُهُ مِنَ الِاحْتِرَامِ وَالِامْتِثَالِ، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ حِكْمَتُهُ بَادِيَ الرَّأْيِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَامْتَثَلُوا وَانْتَظَرُوا النَّتِيجَةَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَلَمَّا كَانَ فِي جَوَابِهِمْ هَذَا رَمْيٌ لِمُوسَى- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- بِالسَّفَهِ وَالْجَهَالَةِ {قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} أَيْ أَلْتَجِئُ إِلَى اللهِ وَأَعْتَصِمُ بِتَأْدِيبِهِ إِيَّايَ مِنَ الْجَهَالَةِ وَالْهُزْءِ بِالنَّاسِ.
{قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ} أَيْ مَا الصِّفَاتُ الْمُمَيِّزَةُ لَهَا؟ قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ السُّؤَالَ مِمَّا هِيَ لَيْسَ جَارِيًا هُنَا عَلَى اصْطِلَاحِ عُلَمَاءِ الْمَنْطِقِ مِنْ جَعْلِهِ سُؤَالًا عَنْ حَقِيقَةِ الْمَاهِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى حَسَبِ أُسْلُوبِ اللُّغَةِ، وَالْعَرَبُ يَسْأَلُونَ بِـ"مَا" عَنِ الصِّفَاتِ الَّتِي تَمَيِّزُ الشَّيْءَ فِي الْجُمْلَةِ كَالَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْجَوَابِ {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ} أَيْ غَيْرُ مُسِنَّةٍ، انْقَطَعَتْ وِلَادَتُهَا {وَلَا بِكْرٌ} لَمْ تَلِدْ بِالْمَرَّةِ، وَالْمُرَادُ بِهَا الَّتِي لَمْ تَلِدْ كَثِيرًا {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} الْعَوَانُ: النَّصَفُ فِي السِّنِّ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَهَائِمِ، أَيْ هِيَ بَيْنَ مَا ذُكِرَ مِنَ السِّنَّيْنِ الْفَارِضِ وَالْبِكْرِ، فَالْمُشَارُ إِلَيْهِ بِكَلِمَةِ {ذَلِكَ} مُتَعَدِّدٌ فِي الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ مُنْفَرِدًا. و{بَيْنَ} مِنَ الْكَلِمِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالْمُتَعَدِّدِ تَقُولُ: جَلَسْتُ بَيْنَهُمْ أَوْ بَيْنَهُمَا، وَلَا تَقُولُ: جَلَسْتُ بَيْنَهُ، وَاسْتِعْمَالُ الْإِشَارَةِ وَالضَّمِيرِ الْمُفْرَدَيْنِ فِيمَا هُوَ بِمَعْنَى الْجَمْعِ عَلَى تَقْدِيرِ: التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالْمَذْكُورِ، أَوْ "مَا ذُكِرَ" كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِمْ وَمِنْهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ:
فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ
كَأَنَّهُ فِي الْجِسْمِ تَوْلِيعُ الْبَهَقْ

ذَكَرَ هَذَا الْوَصْفَ الْمُمَيِّزَ لِلْبَقَرَةِ فِي الْجُمْلَةِ وَقَالَ: {فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} وَكَانَ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الِاكْتِفَاءُ بِهِ وَالْمُبَادَرَةُ بَعْدَهُ لِلْامْتِثَالِ، وَلَكِنَّهُمْ أَبَوْا إِلَّا تَنَطُّعًا وَاسْتِقْصَاءً فِي السُّؤَالِ {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} الْفَاقِعُ: الشَّدِيدُ الصُّفْرَةِ فِي صَفَاءٍ بِحَيْثُ لَا يُخَالِطُهُ لَوْنٌ آخَرُ، وَبَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ لَا يَخُصُّهُ بِالْأَصْفَرِ، بَلْ يَجْعَلُهُ وَصْفًا لِكُلِّ لَوْنٍ صَافٍ.
وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَكْتَفُوا بِهَذِهِ الْمُمَيِّزَاتِ وَلَكِنَّهُمْ زَادُوا تَنَطُّعًا إِذْ {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ} وَقَدْ أَرَادُوا بِهَذَا السُّؤَالِ زِيَادَةَ التَّمْيِيزِ كَكَوْنِهَا عَامِلَةً أَوْ سَائِمَةً {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ} سَائِمَةٌ {لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ} أَيْ غَيْرُ مُذَلَّلَةٍ بِالْعَمَلِ فِي الْحِرَاثَةِ وَلَا فِي السَّقْيِ {مُسَلَّمَةٌ} مِنَ الْعُيُوبِ، أَوْ مِنْ سَائِرِ الْأَعْمَالِ {لَا شِيَةَ فِيهَا} أَيْ لَيْسَ فِيهَا لَوْنٌ آخَرُ غَيْرَ الصُّفْرَةِ الْفَاقِعَةِ. وَالشِّيَةُ: مَصْدَرٌ كَالْعِدَةِ مِنْ وَشَى الثَّوْبَ يَشِيهُ إِذَا جَعَلَ فِيهِ خُطُوطًا مِنْ غَيْرِ لَوْنِهِ بِنَحْوِ تَطْرِيزٍ. وَلَمَّا اسْتَوْفَى جَمِيعَ الْمُمَيِّزَاتِ وَالْمُشَخِّصَاتِ وَلَمْ يَرَوْا سَبِيلًا إِلَى سُؤَالٍ آخَرَ {قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} أَيْ وَمَا قَارَبُوا أَنْ يَذْبَحُوهَا إِلَّا بَعْدَ أَنِ انْتَهَتْ أَسْئِلَتُهُمْ، وَانْقَطَعَ مَا كَانَ مِنْ تَنَطُّعِهِمْ وَتَعَنُّتِهِمْ.
رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ فِي التَّفْسِيرِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا «لَوْ ذَبَحُوا أَيَّ بَقَرَةٍ أَرَادُوا لَأَجْزَأَتْهُمْ، وَلَكِنْ شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ» وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا.
وَهَاهُنَا يَذْكُرُ الْمُفَسِّرُونَ قِصَّةً فِي حِكْمَةِ هَذَا التَّشْدِيدِ، وَهُوَ الْمَصِيرُ إِلَى بَقَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ كَانَ بَارًّا بِوَالِدَتِهِ، وَقَدْ يَكُونُ هَذَا صَحِيحًا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا دَاعِيَ إِلَيْهِ فِي التَّفْسِيرِ وَبَيَانِ الْمَعْنَى. وَقَدْ يَشْتَبِهُ بَعْضُ النَّاسِ فِيمَا ذُكِرَ بِأَنَّ أَحْكَامَ اللهِ تَعَالَى لَا تَكُونُ تَابِعَةً لِأَفْعَالِ النَّاسِ الْعَارِضَةِ، وَيَرُدُّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ أَنَّ التَّكْلِيفَ كَثِيرًا مَا يَكُونُ عُقُوبَةً؛ لِأَنَّهُ تَرْبِيَةٌ لِلنَّاسِ، وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَسْئِلَةُ وَالْأَجْوِبَةُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مَفْصُولَةً غَيْرَ مَوْصُولَةٍ بِالْفَاءِ، وَذَلِكَ مَا يَقْتَضِيهِ الْأُسْلُوبُ الْبَلِيغُ، فَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْبَلَاغَةِ أَنَّ الْقَوْلَ إِذَا أَشْعَرَ بِسُؤَالٍ، كَانَ مَا يَأْتِي بَعْدَهُ مِمَّا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِلسُّؤَالِ الْمُقَدَّرِ مَفْصُولًا عَمَّا قَبْلَهُ، وَقَوْلُهُ: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} يُشْعِرُ بِسُؤَالٍ، كَأَنَّهُ قِيلَ: مَاذَا كَانَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْأَمْرِ؟ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِقوله: {قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} وَهَذَا يُشْعِرُ بِسُؤَالٍ أَيْضًا، كَأَنَّهُ قِيلَ: مَاذَا قَالَ مُوسَى إِذْ قَالُوا ذَلِكَ؟ فَأَجَابَ: {قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ}... إِلَخْ. وَهَكَذَا وَرَدَ غَيْرُهَا مِنَ الْمُرَاجَعَاتِ فِي التَّنْزِيلِ، كَمَا تَرَى فِي قِصَّةِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ.
{وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}.
هَذَا هُوَ أَوَّلُ الْقِصَّةِ الْمُحْتَوِيَةِ عَلَى الْمُخَالَفَةِ عَلَى مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ وَهِيَ الْقَتْلُ، ثُمَّ التَّنَازُعُ فِي الْقَاتِلِ ثُمَّ تَشْرِيعُ الْحُكْمِ لِكَشْفِ الْحَقِيقَةِ بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ وَمَا كَانَ مِنْ إِلْحَاحِهِمْ فِي السُّؤَالِ عَلَى مَا سَبَقَ.
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} أُسْنِدَ فِيهِ الْقَتْلُ إِلَى الْأُمَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ وَاحِدًا بِاعْتِبَارِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِهَا فِي مَجْمُوعِهَا وَتَكَافُلِهَا كَالشَّخْصِ الْوَاحِدِ. وَالتَّدَارُؤُ: تَفَاعُلٌ مِنَ الدَّرْءِ وَهُوَ الدَّفْعُ، فَمَعْنَاهُ: التَّدَافُعُ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ خِصَامٌ وَاتِّهَامٌ، وَكَانَ كُلٌّ يَدْرَأُ عَنْ نَفْسِهِ وَيَدَّعِي الْبَرَاءَةَ وَيَتَّهِمُ غَيْرَهُ، وَكَانَ لِلْقَاتِلِينَ وَالْعَارِفِينَ بِهِمْ حُظُوظٌ وَأَهْوَاءٌ كَتَمُوا فِيهَا الْحَقِيقَةَ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى بَعْدَ التَّذْكِيرِ بِالْجَرِيمَةِ: {وَاللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} مِنَ الْإِيقَاعِ بِقَوْمٍ بُرَآءُ تَتَّهِمُونَهُمْ بِالْقَتْلِ لِإِخْفَاءِ الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَكْرُكُمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى} فَهُوَ بَيَانٌ لِإِخْرَاجِ مَا يَكْتُمُونَ.
وَيَرْوُونَ فِي هَذَا الضَّرْبِ رِوَايَاتٍ كَثِيرَةً.
قِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ اضْرِبُوا الْمَقْتُولَ بِلِسَانِهَا، وَقِيلَ: بِفَخِذِهَا. وَقِيلَ: بِذَنَبِهَا. وَقَالُوا: إِنَّهُمْ ضَرَبُوهُ فَعَادَتْ إِلَيْهِ الْحَيَاةُ وَقَالَ: قَتَلَنِي أَخِي أَوِ ابْنُ أَخِي فُلَانٍ إِلَى آخِرِ مَا قَالُوهُ، وَالْآيَةُ لَيْسَتْ نَصًّا فِي مُجْمَلِهِ فَكَيْفَ بِتَفْصِيلِهِ؟ وَالظَّاهِرُ مِمَّا قَدَّمْنَا أَنَّ ذَلِكَ الْعَمَلَ كَانَ وَسِيلَةً عِنْدَهُمْ لِلْفَصْلِ فِي الدِّمَاءِ عِنْدَ التَّنَازُعِ فِي الْقَاتِلِ إِذَا وُجِدَ الْقَتِيلُ قُرْبَ بَلَدٍ وَلَمْ يُعْرَفْ قَاتِلُهُ؛ لِيُعْرَفَ الْجَانِي مِنْ غَيْرِهِ، فَمَنْ غَسَلَ يَدَهُ وَفَعَلَ مَا رُسِمَ لِذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ بَرِيءٌ مِنَ الدَّمِ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ثَبَتَتْ عَلَيْهِ الْجِنَايَةُ. وَمَعْنَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى- عَلَى هَذَا- حِفْظُ الدِّمَاءِ الَّتِي كَانَتْ عُرْضَةً لِأَنْ تُسْفَكَ، بِسَبَبِ الْخِلَافِ فِي قَتْلِ تِلْكَ النَّفْسِ، أَيْ يُحْيِيهَا بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ، وَهَذَا الْإِحْيَاءِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [5: 32] وَقَوْلِهِ: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [2: 179] فَالْإِحْيَاءُ هُنَا مَعْنَاهُ الِاسْتِبْقَاءُ كَمَا هُوَ الْمَعْنَى فِي الْآيَتَيْنِ. ثُمَّ قَالَ: {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} بِمَا يَفْصِلُ فِي الْخُصُومَاتِ، وَيُزِيلُ مِنْ أَسْبَابِ الْفِتَنِ وَالْعَدَاوَاتِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ} [4: 105]، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ مِثْلُ هَذَا التَّعْبِيرِ فِي آيَاتِ اللهِ فِي خَلْقِهِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ رُسُلِهِ، وَلَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ عَنْ شَيْخِنَا فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَلَكِنَّهُ قَالَ فِي تَعْلِيلِهَا مَا يُرَجِّحُ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ وَهُوَ {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أَيْ تَفْقَهُونَ أَسْرَارَ الْأَحْكَامِ، وَفَائِدَةَ الْخُضُوعِ لِلشَّرِيعَةِ، فَلَا تَتَوَهَّمُونَ أَنَّ مَا وَقَعَ مُخْتَصٌّ بِهَذِهِ الْوَاقِعَةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ تَتَلَقَّوْا أَمْرَ اللهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِالْقَبُولِ مِنْ غَيْرِ تَعَنُّتٍ.
قَالَ تَعَالَى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}.
أَقُولُ: وَصَفَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ قَدْ طَرَأَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ رُؤْيَةِ تِلْكَ الْآيَاتِ مَا أَزَالَ أَثَرَهَا مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَذَهَبَ بِعِبْرَتِهَا مِنْ عُقُولِهِمْ، فَقَالَ: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} فَالْعَطْفُ بِ (ثُمَّ) يُفِيدُ أَنَّ الْأَوَّلِينَ مِنْهُمْ قَدْ خَشَعَتْ قُلُوبُهُمْ لِمَا رَأَوْا فِي زَمَنِ مُوسَى عليه السلام مَا رَأَوْا، ثُمَّ خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ كَانَ أَمْرُ قَسْوَتِهَا مَا وَصَفَهُ- عَزَّ وَجَلَّ. وَالْقَسْوَةُ الصَّلَابَةُ وَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ، وَوَصْفُ الْقُلُوبِ بِالْقَسْوَةِ مَجَازُ تَشْبِيهٍ مِمَّا يُسَمُّونَهُ الِاسْتِعَارَةَ بِالْكِنَايَةِ، وَيَصِحُّ فِي (أَوْ) التَّرْدِيدُ وَالتَّشْكِيكُ، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُخَاطَبِينَ لَا إِلَى الْمُتَكَلِّمِ بِاعْتِبَارِ مَا يُعْهَدُ فِي التَّخَاطُبِ الْعَرَبِيِّ، كَأَنَّ عَرَبِيًّا يُحَدِّثُ آخَرَ وَيَقُولُ لَهُ: إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ فِي قَسْوَتِهَا تُشْبِهُ الْحِجَارَةَ أَوْ تَزِيدُ عَلَيْهَا. وَيَصِحُّ فِيهَا التَّقْسِيمُ، أَيْ أَنَّ الْقَسْوَةَ عَمَّتْ قُلُوبَكُمْ، فَأَقَلُّهَا قَسْوَةً تُشْبِهُ الْحَجَرَ الصَّلْدَ، وَمِنْهَا مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قَسْوَةً، وَأَظْهَرُ مِنْهُمَا أَنْ تَكُونَ لِلْإِضْرَابِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُبَالَغَةِ، أَيْ بَلْ هِيَ أَشَدُّ قَسْوَةً مِنَ الْحِجَارَةِ؛ إِذْ لَا شُعُورَ فِيهَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَلَا عَاطِفَةَ تَفِيضُ مِنْهَا بِعِبْرَةٍ، وَالْحِجَارَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِنْهَا مَا يَفِيضُ بِالْخَيْرَاتِ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ مَوْضِعَ ظُهُورِ آثَارِ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ فِي الْجَمَادَاتِ.
وَصَفَ الْحِجَارَةَ بِالصِّفَاتِ الثَّلَاثَةِ الْآتِيَةِ بَعْدَ أَنْ شَبَّهَ الْقُلُوبَ بِهَا فِي الصَّلَابَةِ الْمُطْلَقَةِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْقُلُوبِ وَبَيْنَهَا بِالْإِضْرَابِ، وَالِانْتِقَالِ إِلَى أَنَّ الْقُلُوبَ أَشَدُّ صَلَابَةً، وَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ وَجْهَ ضَعْفِ الصَّلَابَةِ فِي الْحِجَارَةِ وَشِدَّتِهَا فِي الْقُلُوبِ، فَكَأَنَّ الْكَلَامَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ عُذْرًا عَنِ الْحِجَارَةِ دُونَ الْقُلُوبِ، وَالْمُرَادُ بِالْقُلُوبِ مَا اعْتُبِرَتْ عُنْوَانًا لَهُ وَهُوَ الْوِجْدَانُ وَالْعَقْلُ، وَأَكْثَرُ مَا اسْتُعْمِلَ فِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ سَائِقُ الْإِقْنَاعِ وَالْإِذْعَانِ، وَيُطْلَقُ لَفْظُ الْقَلْبِ عَلَى النَّفْسِ النَّاطِقَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْقَلْبِ أَنْ يَتَأَثَّرَ مِمَّا يَتَأَثَّرُ مِنْهُ الْوِجْدَانُ أَوِ الْعَقْلُ أَوِ الرُّوحُ مُطْلَقًا، وَفِي الْكَلَامِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ أَنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ فَقَدَتْ خَاصِّيَّةَ التَّأَثُّرِ وَالِانْفِعَالِ بِمَا يَرِدُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَوَاعِظِ وَالْآيَاتِ الَّتِي هِيَ مِنْ خَوَاصِّ الرُّوحِ الْإِنْسَانِيِّ، حَتَّى كَأَنَّ أَصْحَابَهَا هَبَطُوا مِنْ دَرَجَةِ الْحَيَوَانِ إِلَى دَرَكَةِ الْجَمَادِ كَالْحِجَارَةِ، بَلْ نَزَلُوا عَنْ دَرَكَةِ الْحِجَارَةِ أَيْضًا، وَذَلِكَ مَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ} التَّفَجُّرُ: تَفَعُّلُ مِنَ الْفَجْرِ وَهُوَ الشِّقُّ الْوَاسِعُ يَكُونُ لِلْمُطَاوَعَةِ، كَفَجَّرْتُهُ فَتَفَجَّرَ (بِالتَّشْدِيدِ فِيهِمَا) وَيَكُونُ لِتَكَرُّرِ الْفِعْلِ وَحُصُولِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَمِثْلُهُ التَّشَقُّقُ إِلَّا أَنَّهُ أَعَمُّ، وَلِمَا فِي التَّفَجُّرِ مِنْ مَعْنَى السَّعَةِ عَبَّرَ بِهِ عَنْ خُرُوجِ الْأَنْهَارِ مِنَ الصُّخُورِ الْكِبَارِ وَهُوَ مَعْهُودٌ فِي الْجِبَالِ، وَعَبَّرَ بِالتَّشَقُّقِ لِخُرُوجِ الْمَاءِ الَّذِي يُصَدَّقُ بِالْقَلِيلِ مِنْهُ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْحِجَارَةَ عَلَى صَلَابَتِهَا وَقَسْوَتِهَا تَتَأَثَّرُ بِالْمَاءِ الرَّقِيقِ اللَّطِيفِ فَيَشُقُّهَا وَيَنْفُذُ مِنْهَا بِقِلَّةٍ أَوْ كَثْرَةٍ، فَيُحْيِي الْأَرْضَ وَيَنْفَعُ النَّبَاتَ وَالْحَيَوَانَ. وَأَمَّا هَذِهِ الْقُلُوبُ فَلَمْ تَعُدْ تَتَأَثَّرُ بِالْحِكَمِ وَالنُّذُرِ وَلَا بِالْعِظَاتِ وَالْعِبَرِ، فَالْحِكَمُ لَا تَقْوَى عَلَى شَقِّهَا وَالنُّفُوذِ مِنْهَا إِلَى أَعْمَاقِ الْوِجْدَانِ، وَأَنْوَارُ الْفِطْرَةِ قَدِ انْطَفَأَتْ فِيهَا فَلَا يَظْهَرُ شُعَاعُهَا عَلَى إِنْسَانٍ، وَمِنَ الْحِجَارَةِ مَا يَشُقُّهُ الْمَاءُ الْقَلِيلُ كَمَاءِ الْعُيُونِ وَالْيَنَابِيعِ الْحَجَرِيَّةِ، وَمِنْهَا مَا لَا يُفَجِّرُهُ إِلَّا الْمَاءُ الْقَوِيُّ الْغَمْرُ الَّذِي يُسَمَّى نَهْرًا.
{وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ} وَهُوَ مَا يَنْحَطُّ مِنْ أَعْلَى الْجَبَلِ، وَمِنْ أَثْنَائِهِ بِسَبَبِ أَثَرٍ مِنْ آثَارِ الْقَهْرِ الْإِلَهِيِّ كَالْبَرَاكِينَ وَالصَّوَاعِقِ الَّتِي تَهْبِطُ بِهَا الصُّخُورُ وَتَنْدَكُّ الْجِبَالُ، وَقَدْ جُعِلَ هَذَا شَبَهًا لِلْآيَاتِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي أَظْهَرَهَا عَلَى يَدِ عَبْدِهِ وَنَبِيِّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَهِيَ حَوَادِثُ عَظِيمَةٌ فِي الْكَوْنِ تَفْزَعُ بِهَا نُفُوسُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى اللهِ، وَتَخْشَعُ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ لِعَظَمَتِهَا وَخَفَاءِ سِرِّ إِيجَادِهَا، كَمَا تَفْزَعُ النُّفُوسُ مِنْ حَوَادِثِ الْبَرَاكِينِ وَالصَّوَاعِقِ الَّتِي تَدُكُّ الصُّخُورَ وَتُدَمِّرُ الْحُصُونَ، وَقَدْ أَصْبَحَتْ تِلْكَ الْقُلُوبُ بَعْدَ مُشَاهَدَةِ الْآيَاتِ لَا تَتَأَثَّرُ بِهَا وَلَا تَزْدَادُ إِيمَانًا.
فَمُلَخَّصُ التَّشْبِيهِ: أَنَّ قُلُوبَكُمْ تُشْبِهُ الْحِجَارَةَ فِي الْقَسْوَةِ، بَلْ قَدْ تَزِيدُ فِي الْقَسَاوَةِ عَنْهَا، فَإِنَّ الْحِجَارَةَ الصُّمَّ تَتَأَثَّرُ فِي بَاطِنِهَا بِالْمَاءِ اللَّطِيفِ النَّافِعِ، بَعْضُهَا بِالْقَوِيِّ مِنْهُ وَبَعْضُهَا بِالضَّعِيفِ، وَلَكِنَّ قُلُوبَكُمْ لَا تَتَأَثَّرُ بِالْحِكَمِ وَالْمَوَاعِظِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا التَّأْثِيرُ فِي الْوِجْدَانِ وَالنُّفُوذُ إِلَى الْجَنَانِ، وَالْحِجَارَةُ تَتَأَثَّرُ بِالْحَوَادِثِ الْهَائِلَةِ الَّتِي يُحْدِثُهَا اللهُ فِي الْكَوْنِ كَالصَّوَاعِقِ وَالزَّلَازِلِ، وَلَكِنَّ قُلُوبَكُمْ لَمْ تَتَأَثَّرْ بِتِلْكَ الْآيَاتِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي تُشْبِهُهَا، فَلَا أَفَادَتْ فِيهَا الْمُؤَثِّرَاتُ الدَّاخِلِيَّةُ، وَلَا الْمُؤَثِّرَاتُ الْخَارِجِيَّةُ كَمَا أَفَادَتْ فِي الْأَحْجَارِ، فَبِذَلِكَ كَانَتْ قُلُوبُكُمْ أَشَدُّ قَسْوَةً. ثُمَّ هَدَّدَهُمْ بِقَوْلِهِ: {وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} أَيْ فَهُوَ سَيُرَبِّيكُمْ بِضُرُوبِ النِّقَمِ، إِذَا لَمْ تَتَرَبَّوْا بِصُنُوفِ النِّعَمِ.
{أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}.
كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- يَرَوْنَ أَنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالْإِيمَانِ وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ الْيَهُودُ؛ لِأَنَّهُمْ مُوَحِّدُونَ وَمُصَدِّقُونَ بِالْوَحْيِ وَالْبَعْثِ فِي الْجُمْلَةِ؛ وَلِذَلِكَ كَانُوا يَطْمَعُونَ بِدُخُولِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ أَفْوَاجًا؛ لِأَنَّهُ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ فِي الْجُمْلَةِ، وَمُجْلٍ لِجَمِيعِ شُبُهَاتِ الدِّينِ، وَحَالٌّ لِجَمِيعِ إِشْكَالَاتِهِ بِالتَّفْصِيلِ، وَوَاضِعٌ لَهُ عَلَى قَوَاعِدَ لَا تُرْهِقُ النَّاسَ عُسْرًا {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [7: 157].
كَانَ هَذَا الطَّمَعُ فِي إِيمَانِهِمْ مَبْنِيًّا عَلَى وَجْهٍ نَظَرِيٍّ مَعْقُولٍ، لَوْلَا أَنَّهُمُ اكْتَفَوْا بِجَعْلِ الدِّينِ رَابِطَةً جِنْسِيَّةً، وَلَمْ يَجْعَلُوهُ هِدَايَةً رُوحِيَّةً؛ وَلِذَلِكَ كَانُوا يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ بِاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ وَالْآرَاءِ، وَيُحَرِّفُونَ كَلِمَهُ عَنْ مَوَاضِعِهَا بِحَسَبِ الْأَهْوَاءِ، وَمَا أَعْذَرَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي طَمَعِهِمْ هَذَا إِلَّا بَعْدَ مَا قَصَّ عَلَيْهِمْ مِنْ نَبَأِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ التَّشْرِيعِ، وَشَاهَدُوا مِنَ الْآيَاتِ مَا عُلِمَ بِهِ أَنَّهُمْ فِي الْمُجَاحَدَةِ وَالْمُعَانَدَةِ عَلَى عِرْقٍ رَاسِخٍ وَنَحِيزَةٍ مَوْرُوثَةٍ لَا يَكْفِي فِي زِلْزَالِهَا كَوْنُ الْقُرْآنِ مُبِينًا فِي نَفْسِهِ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ رَيْبٌ، وَلَا يَتَسَرَّبُ إِلَيْهِ شَكٌّ؛ وَلِذَلِكَ بَدَأَ السُّورَةَ بِوَصْفِ الْكِتَابِ بِهَذَا وَكَوْنِهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، وَثَنَّى بِبَيَانِ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعَانِدُهُ وَيُبَاهِتُهُ، وَمِنْهُمُ الْمُذَبْذَبُ الَّذِي يَمِيلُ مَعَ الرِّيحَيْنِ فَلَا يَثْبُتُ مَعَ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ، ثُمَّ أَفَاضَ فِي شَرْحِ حَالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالتَّقْوَى، وَكَانَ الْأَكْثَرُونَ أَشَدَّ النَّاسِ اسْتِكْبَارًا عَنِ الْإِيمَانِ وَإِيذَاءً لِلرَّسُولِ وَلِمَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَبَعْدَ هَذَا كُلِّهِ أَنْكَرَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ذَلِكَ الطَّمَعَ بِدُخُولِ الْيَهُودِ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا، وَوَصَلَ الْإِنْكَارَ بِحُجَّةٍ وَاقِعَةٍ نَاهِضَةٍ، تَجْعَلُ تِلْكَ الْحُجَّةَ النَّظَرِيَّةَ دَاحِضَةً، فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ الْكَلَامَ لَا يَزَالُ مُتَّصِلًا فِي مَوْضُوعِ الْكِتَابِ وَأَصْنَافِ النَّاسِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَعَدَمِ الْإِيمَانِ، كُلَّمَا بَعُدَ الْعَهْدُ جَاءَ مَا يُذَكِّرُ بِهِ تَذْكِيرًا. اهـ.

.من فوائد الشعراوي في الآية:

قال رحمه الله:
{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)} سورة البقرة.
لماذا ذكر الحق سبحانه وتعالى القلب ووصفه بأنه يقسو ولم يقل نفوسكم- لأن القلب هو موضوع الرقة والرحمة والعطف.. وإذا ما جعلنا القلب كثير الذكر لله فإنه يمتلئ رحمة وعطفا.. والقلب هو العضو الذي يحسم مشاكل الحياة.. فإذا كان القلب يعمر باليقين والإيمان.. فكل جارحة تكون فيها خميرة الإيمان. وحتى نعرف قوة وقدرة وسعة القلب على الإيمان واحتوائه أوضح الله تعالى هذا المعنى في كتابه العزيز حيث يقول: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)} [سورة الزمر].
وهكذا نرى أن الجلود تقشعر من هول الوعيد بالنار.. ومجرد قراءة ما ذكره القرآن عنها.. وبعد ذلك تأتي الرحمة، وفي هذه الحالة لا تلين الجلود فقط ولكن لابد أن تلين القلوب لأنها هي التي تعطي اللمحة الإيمانية لكل جوارح الجسد.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا وإن في الجسد مضغطة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب». رواه البخارى ومسلم.
إذن فالقلب هو منبع اليقين ومصب الإيمان، وكما أن الإيمان في القلب فإن القسوة والكفر في القلب.. فالقلب حينما ينسى ذكر الله يقسو.. لماذا؟.. لأنه يعتقد أنه ليس هناك إلا الحياة الدنيا وإلا المادة فيحاول أن يحصل منها على أقصى ما يستطيع وبأي طريقة فلا تأتي إلا بالظلم والطغيان وأخذ حقوق الضعفاء، ثم لا يفرط فيها أبدا لأنها هي منتهى حياته فلا شيء بعدها. أنه يجد إنسانًا يموت أمامه من الجوع ولا يعطيه رغيفا.. وإذا خرج الإيمان من القلب خرجت منه الرحمة وخرج منه كل إيمان الجوارح.. فلمحة الإيمان التي في اليد تخرج فتمتد اليد إلي السرقة والحرام.. ولمحة الإيمان التي في العين تخرج فتنظر العين إلي كل ما حرم الله. ولمحة الإيمان التي في القدم تخرج فلا تمشي القدم إلي المسجد أبدا ولكنها تمشي إلي الخمارة وإلي السرقة.. لأنه كما قلنا القلب مخزن الإيمان في الجسم.
ويشبه الحق تبارك وتعالى قسوة قلوبهم فيقول: {فهي كالحجارة أو أشد قسوة}.. الحجارة هي الشيء القاسي الذي تدركه حواسنا ومألوف لنا ومألوف لبني إسرائيل أيضا.. لأن لهم مع الحجارة شوطا كبيرا عندما تاهوا في الصحراء.. وعندما عطشوا وكان موسى يضرب لهم الحجر بعصاه. الله تبارك وتعالى لفتهم إلي أن المفروض أن تكون قلوبهم لينة ورفيقة حتى ولو كانت في قسوة الحجارة.. ولكن قلوبهم تجاوزت هذه القسوة فلم تصبح في شدة الحجارة وقسوتها بل هي أشد. ولكن كيف تكون القلوب أشد قسوة من الحجارة.. لا تنظر إلي ليونة مادة القلوب ولكن انظر إلي أدائها لمهمتها.
الجبل قسوته مطلوبة لأن هذه مهمته أن يكون وتدًا للأرض صلبا قويا، ولكن هذه القسوة ليست مطلوبة من القلب وليست مهمته.. أما قلوب بني إسرائيل فهي أشد قسوة من الجبل.. والمطلوب في القلوب اللين، وفي الحجارة القسوة.. فكل صفة مخلوقة لمخلوق ومطلوبة لمهمة.. فالخطاف مثلا أعوج هذا العوج يجعله يؤدي مهمته على الوجه الأكمل.. فعوج الخطاف استقامة لمهمته.. وحين تفسد القلوب وتخرج عن مهمتها تكون أقسى من الحجارة.. وتكون على العكس تماما من مهمتها.. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء} [من الآية 74 سورة البقرة].
هنا يذكرهم الله لما رأوه من الرحمة الموجودة في الحجارة.. عندما ضرب موسى الحجر بالعصا فانفجرت منه العيون. وذلك مثل حسي شهدوه. يقول لهم الحق جل جلاله: أن الرحمة تصيب الحجارة فيتفجر منها الأنهار ويخرج منها الماء ويقول سبحانه: {وإن منها لما يهبط من خشية الله}.. إذن فالحجارة يصيبها اللين والرحمة فيخرج منها الماء. ولكن قلوبكم إذا قست لا يصيبها لين ولا رحمة فلا تلين أبدا ولا تخشع أبدا. والله سبحانه وتعالى نزل عليكم التوراة وأعطاكم من فضله ورحمته وستره ومغفرته الكثير.. كان المفروض أن تلين قلوبكم لذكر الله.
ولكن ما الفرق بين تفجر الأنهار من الحجارة وبين تشققها ليخرج منها الماء؟ عندما تتفجر الحجارة يخرج منها الماء. نحن نذهب إلي مكان الماء لنأخذ حاجتنا.. ولكن عندما تتفجر منها الأنهار فالماء هو الذي يأتي إلينا ونحن في أماكننا.. وفرق بين عطاء تذهب إليه وعطاء يأتي إليك.. أما هبوط الحجر من خشية الله فذلك حدث عندما تجلى الله للجبل فجعله دكا. واقرأ قوله تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا} [من الآية 143 سورة الأعراف].
يذكرهم الحق سبحانه كيف أن الجبل حين تجلى الله له هبط وانهار من خشية الله. وهكذا لا يعطيهم الأمثلة مما وقع لهم.
وقوله تعالى: {وما الله بغافل عما تعملون} أي تذكروا أن الله سبحانه وتعالى لا يغيب عنه شيء وأن كل ما تعلمونه يعرفه وأنكم ملاقونه يوم القيامة ومحتاجون إلي رحمته ومغفرته، فلا تجعلوا قلوبكم تقسو حتى لا يطردكم الله من رحمته كما خلت قلوبكم من ذكره. اهـ.

.فوائد بلاغية:

أولا: قوله تعالى: {فذبحوها وما كادوا يفعلون} من إيجاز القرآن وإبداعه أن حذف من صدر هذه الجملة، جملتين مفهومتين من نظم الكلام والتقدير: فطلبوا البقرة الجامعة للأوصاف السابقة، وحصلوها، فلما اهتدوا إليها ذبحوها، وهذا من الإيجاز بالحذف اللطيف، لأن الفهيم يدركه.
ثانيا: قوله تعالى: {والله مخرج ما كنتم تكتمون} هذه الجملة اعتراضية بين قوله: {فادارأتم} وقوله: {فقلنا اضربوه} والجملة المعترضة بين ما شأنهما الاتصال، تجيء تحلية يزداد بها الكلام البليغ حسنًا، وفائدة الاعتراض هنا إشعار المخاطبين بأن الحقيقة ستنجلي لا محالة.
ثالثا: {ثم قست قلوبكم} وصف القلوب بالصلابة والغلظ، يراد منه نبوها عن الاعتبار، وعدم تأثرها بالمواعظ والنصائح، ففيه استعارة تصريحية، قال أبو السعود: القسوة عبارة عن الغلظ والجفاء والصلابة كما في الحجر، استعيرت لنبو قلوبهم عن التأثر بالعظات، والقوارع التى تميع منها الجبال، وتلين بها الصخور.
رابعا: {فهي كالحجارة} فيه تشبيه يسمى (مرسلا مجملا) لأن أداة التشبيه مذكورة وهي الكاف، ووجه الشبه محذوف وهو الصلابة والقسوة.
خامسا: {لما يتفجر منه الأنهار} أي ماء الأنهار، والعرب يطلقون اسم المحل كالنهر، على الحال فيه كالماء، والقرينة ظاهرة لأن التفجر إنما يكون للماء ويسمى هذا (مجازًا مرسلا).!

.الفوائد:

الفائدة الأولى: نبه قوله تعالى: {قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} على أن الاستهزاء بأمر من أمور الدين جهل كبير، وقد منع المحققون من أهل العلم استعمال الآيات، كأمثال يضربونها في مقام المزاح والهزل، وقالوا إنما أنزل القرآن للتدبر والخشوع، لا للتسلي والتفكه والمزاح، ويخشى على من فعل ذلك من الكفر، لقوله تعالى: {قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم}.
الثانية: الخطاب في قوله: {وإذ قتلتم نفسا} لليهود المعاصرين للنبى (ص) وقد جرى على الأسلوب المعروف في مخاطبة الأقوام، إذ ينسب إلى الخلف ما فعل السلف، إذا كانوا سائرين على نهجهم، راضين بفعلهم، وفيه توبيخ وتقريح للغابرين والحاضرين.
الثالثة: هذه الواقعة (واقعة قتل النفس) جرت قبل أمرهم بذبح البقرة، وإن وردت في الذكر بعده، والسر في ذلك: التشويق إلى معرفة السبب في ذبح البقرة، والتكرير في التقريع والتوبيخ، قال العلامة أبو السعود: وإنما غير الترتيب لتكرير التوبيخ وتثنية التقريع، فإن كل واحد من قتل النفس المحرمة، والاستهزاء بموسى عليه السلام والافتيات على أمره، جناية عظيمة جديرة بأن تنعى عليهم.
الرابعة: ذكر تعالى إحياء الموتى في هذه السورة الكريمة في خمسة مواضع:
- الأول: في قوله: {ثم بعثناكم من بعد موتكم}.
- الثاني: وفي هذه القصة {فقلنا اضربوه ببعضها}.
- الثالث: في قصة القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت {فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم}.
- الرابع: في قصة عزير {فأماته الله مائة عام ثم بعثه}.
- الخامس: في قصة إبراهيم {رب أرني كيف تحي الموتى}؟.
الخامسة: {أو} في قوله تعالى: {فهي كالحجارة أو أشد قسوة} بمعنى "بل" أي بل أشد قسوة كقوله تعالى: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} أي بل يزيدون.
السادسة: ذهب بعض المفسرين إلى أن الخشية هنا حقيقية، وأن الله تعالى جعل لهذه الأحجار خشية بقدرها كقوله تعالى: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} وقال آخرون: بل هو من باب المجاز كقول القائل: قال الحائط للمسمار: لم تشقني؟ قال: سل من يدقني؟ فهو بطريق التمثيل لروعة التأثير حتى على الجماد، والله أعلم. اهـ.

.التفسير المأثور:

قال السيوطي:
{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)}.
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك} قال: من بعد ما أراهم الله من إحياء الموتى، ومن بعدما أراهم من أمر القتيل.
{فهي كالحجارة أو أشد قسوة} ثم عذر الله الحجارة ولم يعذر شقي ابن آدم فقال: {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله}.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وإن من الحجارة...} الآية. أي أن من الحجارة لألين من قلوبكم، لما تدعون إليه من الحق.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: كل حجر يتفجر منه الماء، أو يشقق عن ماء أو يتردى من رأس جبل فمن خشية الله. نزل بذلك القرآن.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وإن منها لما يهبط من خشية الله} قال: إن الحجر ليقع على الأرض، ولو اجتمع عليه كثير من الناس ما استطاعوه، وإنه ليهبط من خشية الله. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال ابن عادل:
قوله: {أَوْ أشَدُّ قَسْوَةً} {أو} هذه كـ{أو} التي في قوله: {أَوْ كَصَيِّبٍ} [البقرة: 19] فكل ما قبل ثمة يمكن القول به هنا، ولما قال أبو الأسود: [الوافر]
أُحِبُّ مُحَمَّدًا حُبًّا شَديدًا
وَعَبَّاسًا وَحَمْزَةَ أَوْ عَلِيًّا

اعترضوا عليه في قوله: {أو} التي تقتضي الشك، وقالوا له: أشككت؟ فقال: كلا، واستدل بقوله تعالى: {وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ} [سبأ: 24] فقال: أو كان شاكًّا من أخبر بهذا؟ وإنما قصد رحمه الله الإبهام على المخاطب.
و{أشَدّ} مرفوع لعطفه على محل {كَالحِجَارةِ} أي: فهي مِثْلُ الحجارة أو أشد.
والكاف يجوز أن تكون حرفًا فتتعلّق بمحذوف، وأن كون اسمًا فلا تتعلّق بشيء، ويجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوفًا أي: أو هي أشد.
و{قسوة} منصوب على التمييز؛ لأن الإبْهَامَ حصل في نسبة التفضيل إليهما، والمفضل عليه محذوف للدلالة عليه، أي: أشدّ قسوة من الحِجَارَةِ.
وقرئ: {أَشَدْ} بالفتح وَوَجْهُهَا: أنه عطفها على الحجارة أي: فهي كالحجارة أو [كأشد] منها.
قال الزمخشري موجهًا للرفع: و{أشد} معطوف على الكاف، إما على معنى: أو مثل أشد، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وتعضده قراءة الأعمش بنصب الدال عطفًا على {الحجارة} ويجوز على ما قاله أن يكون مجرورًا بالمضاف المحذوف ترك على حاله، كقراءة: {والله يُرِيدُ الآخرة} [الأنفال: 67] بجر {الآخرة} أي: ثواب الآخرة، فيحصل من هذا أن فتحه الدال يُحتمل أن تكون للنصب، وأن تكون للجر.
وقال الزمخشري أيضًا: فإن قلت: لم قيل: أشدُّ قسوة مما يَخْرُج منه أفعل التفضيل وفعل التعجب؟ يعني: أنه [مستكمل] للشروط من كونه ثلاثيًا تامًا غير لون ولا عاهة متصرفًا غير ملازم للنفي.
ثم قال: قلت: لكونه أبين وأدلّ على فرط القسوة، ووجهٌ آخر وهو ألاّ يقصد معنى الأقسى، ولكنه [قصد] وصف القسوة بالشدة، كأنه اشتدت قسوة الحجارة، وقلوبهم أشد قسوة.
وهذا الكلام حسن، إلا أن كون القسوة جوز بناء التعجّب منها فيه نظر من حيث إنها من الأمور الخِلْقِية أو من العيوب، وكلاهما ممنوع منه بناء البابين.
وقرئ: {قاسوة}.
قوله: {وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار}.
واعلم أنه سبحانه وتعالى فَضَّل الحجارة على قلوبهم بأنه قد يحصل في الحجارة أنواع من المنافع، ولا يوجد في قلوب هؤلاء شيء من المنافع.
فأولها: قوله: {وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار} واللاّم في {لَمَا} لام الابتداء دخلت على اسم {إن} لتقدم الخبر، وهو {من الحجارة}، وهي "ما" التي بمعنى "الذي" في محلّ النصب، ولو لم يتقدم الخبر لم يَجُزْ دخول اللام على الاسم؛ لئلاَّ يتوالى حَرْفًا تأكيد، وإن كان الأصل يقتضي ذلك، والضمير في "منه" يعود على "ما" حملًا على اللفظ.
قال أبو البقاء: ولو كان في غير القرآن لجاز {منها} على المعنى.
وهذا الذي قاله قد قرأ به أُبّي بن كعب والضحاك.
وقرأ مالك بن دينار {يَنْفَجِر} من الانفجار.
وقرأ قتادة: {وَإِنْ مِنَ الْحِجَارَةِ} بتخفيف {إنْ} من الثقيلة، وأتى باللام فارقة بينها وبين {إن} النافية، وكذلك: {وَإِنْ منْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ} و{إنْ مِنْهَا لَمَا يَهْبِط}، وهذه القرءاة تحتمل أن تكون "ما" فيها في محل رفع وهو المشهور، وأن تكون في محلّ نصب؛ لأن {إنْ} المخففة سمع فيها الإعمال والإهمال، قال تعالى: {وَإِنَّ كُلًا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ} [هود: 111] في قراءة من قرأه.
وقال في موضع آخر: {وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا} [يس: 32] إلا أن المشهور الإهمال.
والتفجير: الفتح بالسّعة والكثرة؛ يقال: انفجرت قرحة فلان أي: انشقت بالمدّة، ومنه: الفَجْر والفُجُور.
قوله: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المآء} أي: وإنَّ من الحجارة لما يتصدّع، فينبع الماء منه فيكون عَيْنًا لا نهرًا جاريًا.
و{يَشَّقَّقُ} أصله: يَتَشَقّق، فأدغم وبالأصل قرأ الأعمش، وقرأ طلحة بن مصرف: {لَمَّا} بتشديد "الميم" في الموضعين قال ابن عطية: وهي قراءة غير متّجهة.
وقرأ أيضا: {ينشقّ} بالنون وفاعله ضمير "ما".
وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون فاعله ضمير {الماء} لأن {يَشَّقَّقُ} يجوز أن يُجْعل لـ{الماء} على المعنى، فيكون معك فِعْلان، فيعمل الثاني منهما في الماء، وفاعل الأول مضمر على شريطة التفسير.
وعند الكوفيين يعمل الأول، فيكون في الثاني ضمير، يعني: أنه من باب التنازع، ولابد من حذف عائد من {يشقق} على "ما" الموصولة دلَّ عليه قوله: {منه}، والتقدير: وإن من الحجارة لما يشقق الماء منه، فيخرج الماء منه.
وقال أيضًا: ولو قرئ: {تتفجّر} بالتاء جاز.
قال أبو حاتم: يجوز {لما تتفجر} بالتاء؛ لأنه أنثه بتأنيث الأنهار، وهذا لا يكون في {تشقق} يعني التأنيث.
قال النَّحَّاس: يجوز ما أنكره على المعنى، لأن المعنى: وإن منها الحجارة تتشقق يعني فيراعى به معنى {لما}، فإنها واقعة على الحجارة.
قوله: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله}.
قال أبو مُسْلم: الضمير في قوله: {وَإِنَّ مِنْها} راجع إلى القلوب، فإنه يجوز عليهما الخَشْيَة، والحجارة لا يجوز عليها الخَشْيَة.
وقد تقدم ذكر القلوب كما تقدم ذكر الحجارة، وأقصى ما في الباب أن الحجارة أقرب المذكورين إلاّ أنّ هذا الوصف ألْيَقُ بالقلوب من الحجارة، فوجب رجوع الضمير إلى القلوب دون {الحجارة}، وفيه بعد لتنافر الضّمائر.
وقال الجمهور المفسرين: الضمير عائد إلى {الحجارة}.
وقالوا: يجوز أن يكون حقيقة على معنى أن الله خلق فيها قَابِليَّةً لذلك، وأن المراد من ذلك جَبَلُ موسى عليه الصلاة والسلام حين تقطع وتجلّى له ربه، وذلك لأن الله تعالى خلق فيه الحياة والعقل والإدْرَاك، وهذا غير مستعبد في قدرة الله تعالى.
ونظيره قوله تعالى: {وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قالوا أَنطَقَنَا الله الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [فصلت: 21].
فكما جعل الجِلْد ينطق ويسمع ويعقل، فكذلك الجَبَل وصفه بالخشية.
قوله: {مِنْ خَشْيَةِ اللهِ} منصوب المحلّ متعلق بـ{يهبط}، و{من} للتعليل.
وقال أبو البقاء: {من} في موضع نصب بـ{يهبط}، كما تقول: يهبط بخشية الله، فجعلها بمعنى الباء المعدية وهذا فيه نظر لا يخفى.
و{خشية} مصدر مضاف للمفعول تقديره: من أن يخشى الله، وإسناد الهبوط إليها استعارة؛ كقوله: [الكامل]
لَمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَواضَعَتْ
سُورُ الْمَدِينَةِ والْجِبَالُ الْخُشَّعُ

ويجوز أن يكون حقيقة على معنى: أن الله خلق فيها قابليّةً لذلك.
وقيل: الضمير في {منها} يعود على القلوب، وفيه بُعْد لتنافر الضمائر.
قوله: {وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ} قد تقدم في قوله: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ}.
قال القرطبي: {بغافل} في موضع نصب على لغة الحِجَاز، وعلى لغة تميم في موضع رفع.
قوله: {عَمَّا تَعْمَلُونَ} متعلّق بـ{غافل}، و"ما" موصولة اسمية، والعائد الضمير، أي: تعملونه، أو مصدرية فلا يحتاج إليه أي: عن عملكم، ويجوز أن يكون واقعًا موقع المفعول به، ويجوز ألاّ يكون.
وقرئ: {يَعْمَلُونَ} بالياء والتاء. اهـ. باختصار.

.بحث علمي وأخلاقي:

قال في الميزان:
أكثر الأمم الماضية قصة في القرآن أمة بني إسرائيل، وأكثر الأنبياء ذكرا فيه موسى بن عمران عليه السلام، فقد ذكر اسمه في القرآن، في مائة وستة وثلاثين موضعا ضعف ما ذكر إبراهيم عليه السلام الذي هو أكثر الأنبياء ذكرا بعد موسى، فقد ذكر في تسعة وستين موضعا على ما قيل فيهما، والوجه الظاهر فيه أن الإسلام هو الدين الحنيف المبني على التوحيد الذي أسس أساسه إبراهيم عليه السلام وأتمه الله سبحانه وأكمله لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى: {ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل} الحج- 78، وبنو إسرائيل أكثر الأمم لجاجا وخصاما، وأبعدهم من الانقياد للحق، كما أنه كان كفار العرب الذين ابتلى بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على هذه الصفة، فقد آل الأمر إلى أن نزل فيهم: {إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} البقرة- 6.
ولا ترى رذيلة من رذائل بني إسرائيل في قسوتهم وجفوتهم مما ذكره القرآن إلا وهو موجود فيهم، وكيف كان فأنت إذا تأملت قصص بني إسرائيل المذكورة في القرآن، وأمعنت فيها، وما فيها من أسرار أخلاقهم وجدت أنهم كانوا قوما غائرين في المادة مكبين على ما يعطيه الحس من لذائذ الحياة الصورية، فقد كانت هذه الامة لا تؤمن بما وراء الحس، ولا تنقاد إلا إلى اللذة والكمال المادي وهم اليوم كذلك.
وهذا الشأن هو الذي صير عقلهم وإرادتهم تحت انقياد الحس والمادة، لا يعقلون إلا ما يجوزانه، ولا يريدون إلا ما يرخصان لهم ذلك فانقياد الحس يوجب لهم أن لا يقبلوا قولا إلا إذا دل عليه الحس، وإن كان حقا وانقياد المادة اقتضى فيهم أن يقبلوا كل ما يريده أو يستحسنه لهم كبراؤهم ممن أوتي جمال المادة، وزخرف الحياة وإن لم يكن حقا، فأنتج ذلك فيهم التناقض قولا وفعلا، فهم يذمون كل اتباع باسم أنه تقليد وإن كان مما ينبغي إذا كان بعيدا من حسهم، ويمدحون كل اتباع باسم أنه حظالحياة، وان كان مما لا ينبغي إذا كان ملائما لهوساتهم المادية، وقد ساعدهم على ذلك وأعانهم على مكثهم الممتد وقطونهم الطويل بمصر تحت إستذلال المصريين، واسترقاقهم، وتعذيبهم، يسومونهم سوء العذاب ويذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم وفي ذلك بلاء من ربهم عظيم.
وبالجملة فكانوا لذلك صعبة الانقياد لما يأمرهم به أنبيائهم، والربانيون من علمائهم مما فيه صلاح معاشهم ومعادهم (تذكر في ذلك مواقفهم مع موسى وغيره) وسريعة اللحوق إلى ما يدعوهم المغرضون والمستكبرون منهم.
وقد ابتليت الحقيقة والحق اليوم بمثل هذه البلية بالمدنية المادية التي أتحفها إليها عالم الغرب، فهي مبنية القاعدة على الحس والمادة فلا يقبل دليل فيما بعد عن الحس ولا يسأل عن دليل فيما تضمن لذة مادية حسية، فأوجب ذلك إبطال الغريزة الإنسانية في أحكامها وارتحال المعارف العالية والأخلاق الفاضلة من بيننا فصار يهدد الإنسانية بالانهدام، وجامعة البشر بأشد الفساد وليعلمن نبأه بعد حين.
واستيفاء البحث في الأخلاق ينتج خلاف ذلك، فما كل دليل بمطلوب، وما كل تقليد بمذموم، بيان ذلك: أن النوع الإنساني بما أنه إنسان إنما يسير إلى كماله الحيوي بأفعاله الإرادية المتوقفة على الفكر والإرادة منه مستحيلة التحقق إلا عن فكر، فالفكر هو الاساس الوحيد الذي يبتني عليه الكمال الوجودي الضروري فلابد للإنسان من تصديقات عملية أو نظرية يرتبط بها كماله الوجودي ارتباطا بلا واسطة أو بواسطة، وهي القضايا التي نعلل بها أفعالنا الفرديه أو الاجتماعية أو نحضرها في أذهاننا، ثم نحصلها في الخارج بأفعالنا هذا.
ثم إن في غريزة الإنسان أن يبحث عن علل ما يجده من الحوادث، أو يهاجم إلى ذهنه من المعلومات، فلا يصدر عنه فعل يريد به إيجاد ما حضر في ذهنه في الخارج إلا إذا حضر في ذهنه علته الموجبة، ولا يقبل تصديقا نظريا إلا إذا اتكئ على التصديق بعلته بنحو، وهذا شأن الإنسان لا يتخطاه البته، ولو عثرنا في موارد على ما يلوح منه خلاف ذلك فبالتأمل والإمعان تنحل الشبهة، ويظهر البحث عن العلة، والركون والطمأنينة إليها فطري، والفطرة لا تختلف ولا يتخلف فعلها، وهذا يؤدي الإنسان إلى ما فوق طاقته من العمل الفكري والفعل المتفرع عليه لسعة الاحتياج الطبيعي، بحيث لا يقدر الإنسان الواحد إلى رفعه معتمدا على نفسه ومتكئا إلى قوة طبيعتة الشخصية فاحتالت الفطرة إلى بعثه نحو الاجتماع وهو المدينة والحضارة ووزعت أبواب الحاجة الحيوية بين أفراد الاجتماع، ووكل بكل باب من أبوابها طائفة كأعضاء الحيوان في تكاليفها المختلفة المجتمعة فائدتها وعائدتها في نفسه، ولا تزال الحوائج الإنسانية تزداد كمية واتساعا وتنشعب الفنون والصناعات والعلوم، ويتربى عند ذلك الاخصائيون من العلماء والصناع، فكثير من العلوم والصناعات كانت علما أو صنعة واحدة يقوم بأمرها الواحد من الناس، واليوم نرى كل باب من أبوابه علما أو علوما أو صنعة أو صنائع، كالطب المعدود قديما فنا واحدا من فروع الطبيعيات وهو اليوم فنون لا يقوم الواحد من العلماء الاخصائيين بأزيد من أمر فن واحد منها.
وهذا يدعو الإنسان بالالهام الفطري، أن يستقل بما يخصه من الشغل الإنساني في البحث عن علته ويتبع في غيره من يعتمد على خبرته ومهارته.
فبناء العقلاء من أفراد الاجتماع على الرجوع إلى أهل الخبرة وحقيقة هذا الاتباع، والتقليد المصطلح والركون إلى الدليل الاجمالي فيما ليس في وسع الإنسان أن ينال دليل تفاصيله كما أنه مفطور على الاستقلال بالبحث عن دليله التفصيلي فيما يسعة أن ينال تفصيل علته ودليله، وملاك الأمر كله أن الإنسان لا يركن إلى غير العلم، فمن الواجب عند الفطرة الاجتهاد، وهو الاستقلال في البحث عن العلة فيما يسعه ذلك والتقليد وهو الاتباع ورجوع الجاهل إلى العالم فيما لا يسعه ذلك، ولما استحال أن يوجد فرد من هذا النوع الإنساني مستقلا بنفسه قائما بجميع شئون الأصل الذي يتكي عليه الحياة استحال أن يوجد فرد من الإنسان من غير اتباع وتقليد، ومن ادعى خلاف ذلك أو ظن من نفسه أنه غير مقلد في حياته فقد سفه نفسه.
نعم: التقليد فيما للإنسان أن ينال علته وسببه كالاجتهاد فيما ليس له الورود عليه والنيل منه، من الرذائل التي هي من مهلكات الاجتماع، ومفنيات المدنية الفاضلة ولا يجوز الاتباع المحض إلا في الله سبحانه لأنه السبب الذي إليه تنتهي الأسباب. اهـ.

.من الإعجاز العلمى في الآية الكريمة:

للدكتور زغلول النجار.
قال حفظه الله:
الآية الرابعة والسبعون، وقبل البدء في ذلك لابد من استعراض سريع لآراء عدد من المفسرين في شرح دلالتها.

.من أقوال المفسرين:

في تفسير قوله تعالى: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون} [البقرة: 74].
ذكر ابن كثير رحمه الله ما نصه: يقول تعالي توبيخا لبني إسرائيل وتقريعا لهم علي ما شاهدوه من آيات الله وإحيائه الموتي: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك} كله فهي كالحجارة التي لا تلين أبدا، ولهذا نهي الله المؤمنين عن مثل حالهم، فقال: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون}.
فصارت قلوب بني إسرائيل مع طول الأمد قاسية بعيدة عن الموعظة، بعدما شاهدوه من الآيات والمعجزات، فهي في قسوتها كالحجارة التي لا علاج للينها، أو أشد قسوة من الحجارة، فإن من الحجارة ما يتفجر منها العيون بالأنهار الجارية، ومنها ما يشقق فيخرج منه الماء، وإن لم يكن جاريا، ومنها ما يهبط من رأس الجبل من خشية الله وفيه إدراك لذلك بحسبه، كما قال تعالي: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا}. والمعني: وإن من الحجارة لألين من قلوبكم لما تدعون إليه من الحق.. وأضاف ابن كثير أن (أو) هاهنا بمعني (الواو) وتقديره: فهي كالحجارة وأشد قسوة، وقد تكون بمعني (بل) فيصير تقديره: فهي كالحجارة بل أشد قسوة.
وذكر أعداد من المفسرين من القدامي والمعاصرين كلاما مشابها لا أري داعيا لتكراره هنا.
ومن الألفاظ التي تحتاج إلي شرح في الآية الكريمة الفعل {يتفجر}، و(الفجر) هو شق الشيء شقا واسعا، يقال: (فجرته) (فانفجر)، و(فجرته) (فتفجر)؛ ومنه قيل للصبح (فجر) لكونه فجر الليل، و(الفجور) شق ستر الديانة، يقال: (فجر) (فجورا) أي فسق فسوقا فهو (فاجر) أي فاسق، وجمعه (فجار) و(فجرة) أي فساق وفسقة، ويقال: (فجر) الماء (فانفجر) أي بجسه فانبجس؛ و(انفجر) الماء و(تفجر) بمعني اندفع بقوة من تحت سطح الأرض فظهر وسال علي سطحها.

.من الدلالات العلمية للآية الكريمة:

.أولا: كشف دخائل النفس اليهودية المريضة:

جاءت هذه الآية الكريمة في سياق الخطاب الإلهي إلي العصاة من بني إسرائيل، وقد قست قلوبهم أمام كل صور الهداية الربانية التي أنزلت إليهم فرفضوها، وكل النعم التي أفاء الله تعالى بها عليهم فكفروا بها، ولم يشكروها، وكل الآيات والمعجزات المبهرة التي شاهدوها وجحدتها نفوسهم المريضة، ولم تتحرك بها قلوبهم القاسية التي تصفها الآية الكريمة بأنها كالحجارة أو أشد قسوة، وتضيف: {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله}.
ومن قبل رأي العصاة من بني إسرائيل كيف ضرب نبي الله موسى الحجر بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، وكيف اندك الجبل لما تجلي الله تعالى عليه، وخر موسى عليه السلام صعقا، ولم تلن قلوبهم لذلك لأنها قلوب كافرة، قاسية، جاحدة، ولذلك جاء ختام الآية الكريمة بهذا التهديد والوعيد الإلهي: {وما الله بغافل عما تعملون}.
ويهود اليوم ألعن من يهود بني إسرائيل بملايين المرات. والآية تنطبق عليهم كما انطبقت علي العصاة من بني إسرائيل سواء بسواء...!!
ومن ذلك يتضح أن اليهودية ليست دينا من الأديان، بقدر ما هي حالة مرضية تعتري الفطرة السوية فتخرجها عن إطارها الإنساني إلي دائرة الشياطين، فكما كفر شياطين بني إسرائيل علي عهد موسى عليه السلام فعبدوا العجل، وكفروا علي عهد أنبيائهم فقاتلوهم وقتلوهم، وتجرأوا على دين الله فحرفوه، وابتدعوا فيه، وكذبوا علي رب العالمين، وضللوا الملايين؛ ونقضوا كل العهود والمواثيق، وكتموا ما أنزل الله تعالى عليهم من كتاب، واشتروا به ثمنا قليلا، وتآمروا علي خيانة خلق الله، وإفسادهم، وإشاعة الفاحشة بينهم، من أجل ابتزازهم وسرقة أموالهم، وكفروا بالله علي عهد نبي الله عيسي ابن مريم عليهما السلام، فكذبوه، وطاردوه، وحرضوا عليه كفرة الرومان، وأساءوا إلي سمعته وحاولوا تلطيخ شرف أمه (شرفها الله)، كما حاولوا قتله وصلبه، وتشويه رسالته؛ وكفروا بالله علي عهد خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم فنقضوا كل عهودهم معه، وتآمروا مع عبدة الأوثان ضده، وألبوا كل أهل الكفر عليه، وحاولوا سمه وقتله، كما حاولوا الدس على رسالته لولا أن الله تعالى قد تعهد بحفظها فحفظت.
والدليل علي أن اليهودية حالة من حالات الأمراض النفسية المستعصية أن متهودي اليومـوليسوا في غالبيتهم من سلالات بني إسرائيل لهم القلوب القاسية نفسها التي تفوق الحجارة قسوة، فاشتهروا بالكفر والشرك والفسوق والعصيان، والكذب والتحايل، واللجاجة، والمناورة، والالتواء، والتآمر، والدس، والخديعة، والخيانة، والغدر، والظلم، والإرهاب، ونقض العهود والمواثيق، والتزوير والتزييف، وأكل أموال الناس بالباطل، وخيانة الأمانات، والقسوة البالغة، والغلظة المتناهية إذا كان بيدهم شيء من القوة، والتظاهر بالاستكانة والذلة والضعف حتي يتمكنوا إذا كانوا أمام من هو أقوي منهم؛ ولذلك لعبوا دور شياطين الإنس عبر التاريخ في كل عصر وفي كل مصر؛ وأتقنوا التآمر في الظلام حتي ملكوا زمام العالم وأصبحوا يديرونه حسب أهدافهم الشريرة، ومطامعهم الكثيرة، ونفسياتهم المريضة، ولا حول ولا قوة لنا إلا بالله العلي العظيم...!!
وليس أدل علي قسوة قلوب اليهود من جرائمهم التي ارتكبوها في حق كل الأمم التي احتضنتهم وآوتهم بدءا من دولة الخلافة الإسلامية التي أسقطوها، إلي الاتحاد السوفيتي الذي دمروه، إلي الولايات المتحدة ودول أوروبا الشرقية والغربية التي حطموا كل قيمة إنسانية وأخلاقية فيها، ويتعاظم إجرام متهودي اليوم علي أرض فلسطين، الدولة العربية الإسلامية لأكثر من أربعة عشر قرنا، والتي سرقها اليهود من أهلها، واغتصبوها من بين أيدي أبنائها بمؤامرة دولية حقيرة، وفجروا في معاملة المدنيين العزل، الذين يقاتلونهم اليوم بشراسة لم تعرف لها البشرية مثيلا في غلظتها وقسوتها، وتجبرها، واستعلائها، موظفين في ذلك أحدث الآلات العسكرية الأمريكية تطورا: من الطائرات، والدبابات، والمصفحات، والمدافع، والصواريخ، وغير ذلك من الأسلحة المحرمة دوليا وغير المحرمة التي تستخدم في كل يوم لهدم المنازل، والمدارس، والمستشفيات، والمساجد، وغيرها من دور العبادات، كما توظف في تجريف الأراضي الزراعية وحرق كل ما عليها من الأشجار والثمار والمحاصيل، وفي حصار المدن وتدمير جميع بنياتها الأساسية، والخدمات الواصلة إليها؛ والحيلولة دون إسعاف المصابين، وتركهم ينزفون حتي الموت، ومنع علاج الحوامل والمرضي المزمنين، وحرمانهم من الإسعافات الأولية، والعلاجات الضرورية لهم، وقتل الأطفال، والنساء، والشيوخ، والشبان، واعتقال من لا يقتلون منهم لتعذيبهم بوحشية بشعة في سجونهم ومعتقلاتهم وإن ينس المجتمع الدولي كل هذه الجرائم اللاإنسانية، واللاأخلاقية فلن ينسي اغتيال الطفل (محمد الدرة) بدم بارد وهو يحتمي بحضن أبيه الفزع المفجوع، ولن ينسي تجريد الأسري من ملابسهم، واقتيادهم إلي ساحات التعذيب معصوبي الأعين، ومقيدي الأيدي والأرجل كما فعل الأمريكان المتهودون من قبل...!!! ولن ينسي مذابح دير ياسين، وقبية، وصابرا وشاتيلا، وبحر البقر، وأبي زعبل، وبيروت، وجنين، وغيرها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم...!!!.

.ثانيا: بين القسوة المادية للحجارة والقسوة المعنوية لقلوب اليهود:

في هذه الآية الكريمة يعقد ربنا تبارك وتعالى- وهو العليم الخبير- مقارنة بين القسوة المادية للحجارة، والقسوة المعنوية لقلوب الفسقة العصاة من يهود بني إسرائيل مؤكدا أن قلوبهم المليئة بالكراهية لجميع من غايرهم من البشر، وبالحقد عليهم، والغل لهم، والرغبة الدفينة في خيانتهم، وإيذائهم والغدر بهم هي أشد قسوة من الحجارة لأنها لا تلين أبدا، بينما من الحجارة ما يلين فتتفجر منه الأنهار، أو يتشقق فيخرج منه الماء، أو يهبط من خشية الله...!!
وبقدر دقة هذا الوصف الإلهي للنفسية اليهودية المريضة، والخارجة علي منهج الله وهدايته، والمليئة بالأسقام والعلل، جاء هذا الوصف العلمي الدقيق للحجارة، وتفاوتها في درجات القساوة علي قدر كبير من الدقة العلمية والشمول والاحاطة علي الرغم من ورود ذلك في مقام التشبيه.

.ثالثا: قسوة الحجارة:

تعتبر قسوة الحجارة (StiffnessofStones) من أهم خصائصها الميكانيكية، وتعتمد علي نشأة الحجر، وتركيبه الكيميائي والمعدني، وبنيته ونسيجه، كما تعتمد علي تاريخه في الأرض، والتغيرات البعدية التي تعرض لها، ويؤثر ذلك كله في شدة تماسك مكوناته، وقدرته علي مقاومة العديد من العمليات الارضية من مثل الانضغاط (CompressibilityorCompaction)، والإجهاد القصي (TenacityorResistancetoShearStressorStressStain)، وهي أبعاد لابد من قياسها عند تقويم درجة متانة الحجر، وقدرته علي تحمل المنشآت عليه، أو الحفر فيه (للتعدين أو شق الترع والخنادق وغيرها).
وانضغاطية الحجر أو قابليته للانضغاط (Compaction) تعني قابليته للهبوط تحت تأثير الأحمال الواقعة عليه، ويعتمد ذلك فيما يعتمد من عوامل عديدة علي مسامية الحجر، وقدرته علي إنفاذ الموائع (نفاذيته)، وتركيبه البنيوي، ووزن الأحمال المسلطة عليه. وفي ذلك تقسم الأحجار إلي قليلة، ومتوسطة، وشديدة الانضغاط.
وبالنسبة لمتانة الأحجار (أو قدرتها علي مقاومة الإجهاد القصي أو الاستجابة له مما يؤدي إلي إعادة توزيع القوي الداخلية للحجارة) فإنها تقاس بمعاملي القدرة علي مقاومة الاحتكاك، وشدة تلاصق المكونات، وكلاهما يعتمد كذلك علي نشأة الحجر، وتركيبه المعدني والحبيبي (الميكانيكي)، والروابط بين مكوناته، ودرجة الرطوبة فيه.
وتتعرض الحجارة في الأرض لأنواع مختلفة من الإجهاد الخارجي والداخلي، ويتم ذلك في الحالة الأولي نتيجة للضغط الخارجي عليها بواسطة وزن كتلة الصخور التي تعلوها أو بواسطة الضغوط الجانبية الناتجة عن تحرك ألواح الغلاف الصخري للأرض في اتجاه التصادم والتضاغط، أو في اتجاه الشد والتباعد، مما ينتج عنه العديد من البنيات الأرضية من مثل خطوط التصدع، والفواصل والتشققات الأرضية التي تؤدي إلي تفجر الماء المخزون تحت سطح الأرض.
وفي حالة الضغوط الداخلية فإن ذلك يتم بواسطة الموائع المختزنة في الحجارة (من مثل الماء، أو النفط، أو الغاز).
وكل نوع من هذين النوعين من إجهاد الأحجار قد يكون قويا أو ضعيفا، وقد يكون سريعا أو بطيئا، وقد يكون في اتجاه واحد أو في أكثر من اتجاه، والنتيجة النهائية تعتمد علي شدة ذلك الإجهاد، وعلي نوع الحجارة، وعلي الظروف المحيطة بها من الضغط ودرجة الحرارة، وتتمثل في استجابة الحجارة للإجهاد بتغيرات ملحوظة في الحجم والهيئة قد تنتهي بتقليل قسوتها وتكييفها بتصدعها، أو بتشققها وتكسرها، وحيئنذ يفيض الماء منها.
وكل من الجبال والمرتفعات الناتجة عن العمليات الأرضية المختلفة يتم بريها بواسطة عمليات التعرية المختلفة ومنها النحر الرأسي للمجاري المائية، وتكوين المساقط والشرف النهرية والقنوات العميقة التي تعين علي تفجير الماء المخزون تحت سطح الأرض.

.رابعا: الخصائص المائية للحجارة ودورها في تليين قسوتها:

ينزل علي الأرض سنويا ما مجموعه 380.000 كيلو متر مكعب من ماء المطر، الذي يتبخر أصلا من بحارها ومحيطاتها، ومن المسطحات والمجاري المائية علي اليابسة، ومن الأنشطة الحياتية المختلفة كنتح النباتات وتنفس وإخراج كل من الإنسان والحيوان.
ويتسرب جزء من ماء المطر إلي ما تحت سطح الأرض عن طريق كل من التربة، والطبقات المسامية، والحجارة والصخور الممزقة المنفذة للماء.
ويتحرك الماء المتجه إلي ما تحت سطح الأرض أولا في الاتجاه الرأسي بفعل الجاذبية حتي يصل إلي المخزون المائي، ثم يتبع ميل الطبقات المنفذة الحاملة للماء إذا كانت مائلة حتي يظهر الماء علي سطح الأرض مرة أخري علي هيئة تدفق مائي بشكل من الأشكال التي منها العيون والينابيع، والمجاري المائية المختلفة، والبرك، والبحيرات، والرطوبة الأرضية.
ويعتمد ذلك أساسا علي معدل سقوط الأمطار (أو انصهار الجليد في المناطق المكسوة بالجليد)، وعلي نوعية كل من التربة والصخور السطحية، وعلي حجم الكساء الخضري في المنطقة، وعلي معدلات البخر، وعلي غير ذلك من عوامل.
وذلك لأن أكثر من ثلث ماء المطر النازل علي مناطق الكساء الخضري يقع علي أوراق الأشجار فيتعرض للبخر قبل أن يصل إلي سطح الأرض، ويصل نحو الربع إلي سطح الأرض ولكنه إما يتبخر، أو يحتبس علي هيئة بحيرة داخلية أو سمك من الجليد، أو يتحرك علي هيئة مجري مائي يفيض في النهاية إلي البحار والمحيطات، وباقي ماء المطر يتسرب إلي ما تحت سطح الأرض إذا كانت نوعية كل من التربة والحجارة المكونة لسطح الأرض تسمح بذلك، وتلعب جذور النباتات دورا مهما في المساعدة علي تشقق كل من التربة والحجارة السطحية، وبالتالي تزيد من قدرتها علي خزن الماء.
كذلك تلعب تضاريس سطح الأرض دورا مهما في خزن الماء تحته، فكلما كانت التضاريس لطيفة الانحدار سمح ذلك ببقاء ماء المطر لفترة أطول فوق سطح أرض المنطقة مما يساعد علي تشبع كل من التربة وأحجار سطح الأرض بماء المطر، وعلي العكس من ذلك فإنه كلما زاد انحدار سطح الأرض قلت الفرص لتحقيق ذلك.
ويتحرك الماء المخزون تحت سطح الأرض بفعل الجاذبية من المناطق المرتفعة إلي المنخفضات من الأرض تماما كما يجري الماء في مختلف مجاريه السطحية، إلا أن الماء المخزون تحت سطح الأرض يتأثر بفروق الضغط الداخلي عليه من وزن كم الماء الذي يعلوه، ومن ضغوط الصخور المحيطة به، وبزيادة تلك الضغوط قد يتحرك هذا الماء ضد الجاذبية فيفيض مكونا عددا من العيون أو الينابيع أو البحيرات في مستويات عليا من الأرض، أو يتحرك ليغذي الأنهار. وعلي ذلك فإن تحرك الماء تحت سطح الأرض تحكمه قوانين الجاذبية بين نقطتين مختلفتين في المنسوب، وقوانين الأواني المستطرقة بين نقطتين بينهما فارق كبير في الضغط.
وفي صخور متوسطة النفاذية يتحرك الماء المخزون تحت سطح الأرض ببطء شديد يتراوح بين نصف السنتيمتر والسنتيمتر ونصف في اليوم الكامل، ويرتفع ذلك إلي مائة متر في اليوم وسط صخور عالية المسامية والنفاذية من مثل الحصي والبازلت الممزق بالشروخ والشقوق، وقد تتدني حركة الماء وسط الصخور المتبلورة إلي عشرات قليلة من السنتيمترات في السنة، بينما تبلغ سرعة تحرك الماء الجاري علي سطح الأرض إلي مترين في الثانية الواحدة، وذلك في أبطأ المجاري المائية المعروفة.
وبطء حركة الماء المخزون تحت سطح الأرض يمثل صورة من صور الحكمة الإلهية في إبداع الخلق، وذلك لكي يبقي هذا الماء المخزون لأطول مدة ممكنة في المنطقة التي خزن فيها (تصل إلي عشرات الآلاف من السنين) لأنه خزن في وقت كان المطر فيه غزيرا، وكانت المجاري المائية السطحية كافية لسد حاجات السكان، وبعد تغير المناخ، وندرة المطر، يبقي المخزون من الماء تحت سطح الأرض هو مصدر الماء الرئيسي لساكني المنطقة، وبتغير المناطق المناخية يبقي المخزون المائي تحت سطح الأرض شاهدا لله تعالى بتدبير أمر الكون بعلمه وحكمته وقدرته أبلغ تدبير، وبأعظم تقدير، فسبحان الذي خزنه حتي آن الأوان لاستخدامه...!!

.خامسا: تباين الصفات المائية لتربة الأرض ولحجارتها وصخورها:

تتباين الصفات المائية لتربة الأرض ولحجارتها بتباين صفاتها الطبيعية، والكيميائية، والميكانيكية، ومنها المسامية والنفاذية، والصفات الشعرية، وقدرة حبيباتها علي الاحتفاظ بالماء حول كل حبة منها علي هيئة أغشية تحيط بها، وقدرة كل منها علي التوصيل الحراري، والكهربي، وعلي توصيل الموجات الصوتية، والاهتزازية، وعلي احتواء نسب معينة من الأملاح القابلة للذوبان في الماء أو التفاعل معه، ومنها درجة اللدونة أو المرونة (Plasticity)، والقدرة علي الانتفاخ (InfiationCapacity)، وعلي التشرب بالماء (SoakingCapacity)، وعلي الانكماش (Shrinkagecapacity)، وعلي الهبوط (SutbsidenceCapacity).
فالحجارة الصلصالية علي سبيل المثال يتغير شكلها بتغير كمية الماء المقيد فيها، لأنها تتحول من صخور صلبة أو شبه صلبة إلي الحالة المائعة تماما بزيادة كمية الماء فيها، وبذلك يمكن الحكم علي إمكان مقاومتها للأحمال الخارجية، وعلي قدرتها علي الثبات فوق المنحدرات أو هبوطها منها.
وبتمدد المسام الدقيقة للحجر بعد تشربه بالماء يمكن أن ينتفخ حجمه وأن يتغير شكله، فإذا سحب منه الماء انكمش، وتصاحب عملية الانكماش في الحجم عادة بتشقق الحجارة وانفلاقها فيخرج منها الماء إذا كانت خازنة له بكميات كبيرة.
وتتباين تربة الأرض وحجارتها كذلك في قدرتها علي الانتفاخ بالماء والانكماش بفقده تباينا كبيرا؛ كما تتباين في قابليتها للهبوط بتأثير وزنها الذاتي، ويزيد ذلك بصورة ملحوظة كلما دقت حبيبات الحجر أو التربة، وزادت فيها نسب تجانسها، ومساميتها، وخاصيتها الشعرية، والأملاح القابلة للذوبان في الماء.
ويشاهد هبوط كل من التربة والحجارة المكونة لسطح الأرض بصفة خاصة في المناطق التي يضخ من مخزونها المائي تحت سطح الأرض بكميات مبالغ فيها، كما هو الحال في حوض لندن الذي يهبط بمعدل يتراوح بين ربع ونصف المتر في السنة، وأرض المكسيك التي وصل الهبوط فيها إلي أكثر من عشرة أمتار خلال السنوات القليلة الماضية.

.سادسا: تباين زاوية الانحدار للتربة أو للحجارة:

تعتبر قيمة زاوية الانحدار الطبيعي للتربة أو للحجارة المكونة لسطح الأرض عاملا أساسيا لثباتها فوق المنحدرات، ولكل نوع منها زاوية انحدار قصوي إذا تعدتها فإنها تنهار فورا، وتعتمد قيمة هذه الزاوية علي نوع التربة أو الحجارة، وعلي تركيبها الكيميائي والمعدني والميكانيكي، وعلي درجة تشبعها بالماء. وتقل قيمة هذه الزاوية بزيادة كل من الرطوبة، وكمية الماء المخزون. وإذا وصل أي جزء من التربة أو الحجر إلي زاوية انحداره فإنه ينهار في الحال هابطا من أعلي مناسيب سفوح الجبال إلي أخفض مستوياتها.
ويلعب الماء المخزون في تربة وحجارة وصخور الأرض دورا مهما في انهيارها وهبوطها بالكامل.

.سابعا: أنواع الماء المخزون تحت سطح الأرض:

يقسم الماء المخزون تحت سطح الأرض من أعلي إلي أسفل إلي النطق التالية:
(1) نطاق الارتشاح (VadoseWaterZone): وهو نطاق سطحي رقيق يتراوح سمكه بين نصف متر وعشرة أمتار، ويتسرب عبره كل من الماء السطحي وماء المطر إلي المخزون المائي تحت سطح الأرض، والماء فيه طليق، ولكنه غير ثابت فيظهر في مواسم الأمطار والفيضانات والرشح الشديد، ويختفي في مواسم الجفاف، والجزء الأكبر من مسام هذا النطاق مشغول بالهواء، ولذا يعرف باسم نطاق التهوية (AeriationZone).
(2) نطاق الماء الشعري (CapillaryWaterZone): ويوجد بين نطاق الارتشاح إلي أعلي، ونطاق التشبع إلي أسفل، وتمتلئ مسامه الشعرية الدقيقة بالماء، والكبيرة بالهواء.
(3) نطاق التشبع (SaturationZone): ويتكون عادة من الحجارة، عالية المسامية والنفاذية أو عالية التشقق، وفيها يكون الماء حرا غير حبيس، ولكنه قد يكون محصورا حصرا محليا (أي في أجزاء من الخزان)، ويمتاز النظام المائي هنا بأنه مرتبط ارتباطا وثيقا بمستويات الأحواض والمجاري المائية المفتوحة، من مثل الأنهار، والبحيرات والمستنقعات، وموصول بالعوامل الجوية المحيطة به، وتوجد أسفل نطاق التشبع عادة صخور غير منفذة أو ضعيفة النفاذية للماء تعرف باسم الصخور الصادة للماء، وهي حجارة تقل نفاذيتها مئات إلي آلاف المرات عن نفاذية الحجارة الحاملة للماء، وذلك لأنه لا يوجد في حجارة الأرض وصخورها وتربتها ما تنعدم فيه النفاذية انعداما تاما.
وتتم تغذية مخزون الماء في نطاق التشبع من كل من الأمطار، والأنهار، وغيرها من المجاري والمسطحات المائية العذبة علي سطح اليابسة، وقد يتكون النهر ابتداء من تفجر الماء من نطاق التشبع، وفي هذه الحالة يقع الخزان المائي في مسار مجري النهر قريبا من منابعه، وكما يعطي نطاق التشبع الماء للنهر، فإنه قد يتغذي من مائه، فيصل معدل التغير في مستوي الماء المخزون بين ثلاثة وأربعة أمتار في فترة فيضان الأنهار الكبيرة الجارية بالقرب من الخزان المائي والماء في نطاق التشبع يتغير تركيبه الكيميائي، وكمياته، ومعدلات تدفقه مع الزمن.
(4) الماء الارتوازي (ArtesianWater): وهو ماء حبيس، محصور، يوجد علي أعماق كبيرة نسبيا في صخور ذات أعمار متباينة، عالية المسامية والنفاذية، أو شديدة التشقق، ومحفوظة بين نطاقين من الصخور الصادة للماء، وهذه إما يحفر عليها، أو تظهرها الحركات الأرضية علي هيئة أعداد من العيون والينابيع، وقد تتفجر منها الأنهار كذلك، وكلها حقائق لم تصل إليها العلوم المكتسبة إلا في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ولم تكتمل معرفة الإنسان بها إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين.

.من جوانب الإعجاز العلمي في الآية الكريمة:

هكذا يتضح لنا جانب من جوانب الإعجاز العلمي والنفسي في هذا النص القرآن المعجز، وتتضح روعة التعبير فيه بهذه الدقة العلمية الفائقة، والشمول للحقائق الكونية والإحاطة بها، والتشخيص لدخائل النفس اليهودية المريضة وقسوة قلوب أصحابها وذلك بقول الحق تبارك وتعالى مخاطبا هذه الشرذمة الظالمة الباغية، والمجرمة المعتدية من اليهود القدامي، والمتهودين الجدد: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون} [البقرة: 74].
وذلك لأن الحجارة الخازنة للماء قد تتفجر منها الأنهار بفعل الضغوط الداخلية الهائلة عليها، ومنها ضغط الماء المخزون فيها، أو بفعل الضغوط الخارجية عليها، أو بهما معا، ومن أهم الضغوط الخارجية ما يحدثه تحرك ألواح الغلاف الصخري للأرض.
وقد تتشقق تلك الحجارة فيخرج منها الماء علي هيئة الينابيع، والعيون، والنافورات الطبيعية، والآبار الارتوازية، وقد تنهار تلك الحجارة من قمم الجبال وعلي سفوحها هابطة من خشية الله القائل: {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا} [الإسراء: 44].
أما قلوب شياطين الإنس من اليهود القدامي والمتهودين الجدد، وقد طبعت علي الكفر والإلحاد والشرك، وعلي كراهية الخلق، والحقد عليهم، وعلي تحريف الدين وتزييف الحقائق، وعلي الغرور الكاذب، والعلوية المصطنعة فإنها لم تلن ولن تلين أبدا...!!
وليس أدل علي ذلك من ممارساتهم الوحشية علي أرض فلسطين التي اغتصبوها بمؤامرة دولية خسيسة، وظلوا ينكلون بشعبها الأعزل علي مدي قرن من الزمان أو يزيد، في قسوة وهمجية لم يعرف لهما التاريخ مثيلا...!!
ولن يفلت هؤلاء المجرمون السفاحون القتلة واللصوص من العقاب في الدنيا قبل الآخرة، فالأيام دول، وكما تدين تدان...!! ولابد من إزالة كيانهم الغاصب إن عاجلا أو آجلا...!! ولن تبق أمريكا حامية لظلمهم وجورهم أبد الدهر، فقد بدأ نجمها في الأفول، وسوف تنهار بأسرع مما انهار به الاتحاد السوفيتي إن شاء الله تعالى، وقلوب الملايين من الخلق تدعو عليهم ليل نهار، ولعل الله تعالى أن يرينا فيهم يوما كيوم عاد وثمود، وفي ربيبتهم الفاجرة الغادرة التي تسمت زورا باسم نبي من أنبياء الله (هو يعقوب أو إسرائيل) عليه السلام، والله وأنبياؤه جميعا أبرياء منهم ومن جرائمهم التي سوف يلقون الجزاء عليها.. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.. والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون...!!
ونحن نستقرئ ذلك كله من هذا النص القرآني الموجز المعجز من سورة البقرة الذي يشهد لكل ذي بصيرة بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق، وأن النبي الخاتم الذي تلقاه كان موصولا بالوحي، ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض، فصلي الله وسلم وبارك عليه، وعلي آله وصحبه، ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين.. والحمد لله رب العالمين. اهـ.

.فصل في فوائد لغوية وإعرابية وبلاغية في الآيات السابقة:

.قال في الجدول في إعراب القرآن الكريم:

.[سورة البقرة: آية 26]

{إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (26)}

.الإعراب:

{إنّ} حرف مشبّه بالفعل للتوكيد {اللّه} لفظ الجلالة اسم إنّ منصوب {لا} نافية {يستحيي} مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمّة المقدّرة، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (أن) حرف مصدري ونصب {يضرب} مضارع منصوب والفاعل هو {مثلا} مفعول به منصوب {ما} زائدة للتوكيد، {بعوضة} بدل أو صفة أو عطف بيان من {مثلا} منصوب مثله (الفاء) عاطفة (ما) اسم موصول في محل نصب معطوف على بعوضة، (فوق) ظرف مكان منصوب متعلّق بمحذوف صلة ما، و(ها) ضمير متّصل في محلّ جرّ مضاف إليه.
والمصدر المؤوّل من (أن) والفعل في محل جر بـ{من} محذوف متعلّق بـ{يستحيي}، أي: لا يستحيي من أن يضرب مثلا.
(الفاء) استئنافيّة (أمّا) حرف شرط وتفصيل {الذين} مبتدأ في محل رفع {آمنوا} فعل وفاعل (الفاء) رابطة لجواب الشرط (يعلمون) مضارع مرفوع و(الواو) فاعل (أنّ) كالسابق و(الهاء) ضمير في محل نصب اسم أنّ {الحقّ} خبر أنّ مرفوع (من ربّ) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف حال من الحقّ و(هم) ضمير متّصل في محلّ جرّ مضاف إليه. (الواو) عاطفة {أمّا الذين كفروا فيقولون} تعرب كنظيرها.. (ما) اسم استفهام في محل رفع مبتدأ (ذا) اسم موصول في محل رفع خبر- أي: فما الذي- {أراد} فعل ماض {اللّه} لفظ الجلالة فاعل مرفوع (الباء) حرف جرّ (ها) حرف تنبيه (ذا) اسم إشارة في محلّ جرّ بالباء متعلّق بـ{أراد}.
{مثلا} تمييز لاسم الإشارة منصوب أو حال أي ممثلا به.
{يضلّ} مضارع مرفوع والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (الباء) حرف جرّ و(الهاء) ضمير متّصل في محلّ جرّ بالباء متعلّق بـ{يضلّ}.
{كثيرا} مفعول به منصوب (الواو) عاطفة {يهدي به كثيرا} تعرب كنظيرها المتقدّمة. (الواو) استئنافيّة أو حاليّة {ما} نافية {يضلّ} مثل الأول، وكذلك {به}، {إلا} أداة حصر {الفاسقين} مفعول به منصوب وعلامة نصبه الياء.
جملة: {إنّ اللّه لا يستحيي...} لا محلّ لها استئنافيّة.
وجملة: {لا يستحيي...} في محلّ رفع خبر إنّ.
وجملة: {الذين آمنوا...} لا محلّ لها استئنافيّة.
وجملة: {آمنوا} لا محلّ لها صلة الموصول {الذين}.
وجملة: {يعلمون...} في محلّ رفع خبر المبتدأ {الذين}.
وجملة: {الذين كفروا...} لا محلّ لها معطوفة على الاستئنافيّة الثانية.
وجملة: {كفروا} لا محلّ لها صلة الموصول {الذين} الثاني.
وجملة: {يقولون...} في محلّ رفع خبر المبتدأ {الذين} الثاني.
وجملة: {ما ذا...} في محلّ نصب مقول القول.
وجملة: {أراد اللّه...} لا محلّ لها صلة الموصول {ذا}.
وجملة: {يضلّ به كثيرا} في محلّ نصب نعت لـ{مثلا}.
وجملة: {يهدي به...} في محلّ نصب معطوفة على جملة يضلّ.
وجملة: {ما يضلّ به...} لا محلّ لها استئنافيّة أو في محلّ نصب حال.

.الصرف:

{بعوضة}، اسم جامد مفرد للحشرة المعروفة، والجمع بعوض، وزنه فعولة بفتح الفاء.
(فوق) اسم، ظرف للمكان نقيض تحت، وقد يستعمل للزمان: أقام في المدينة فوق شهر. ويدلّ على الزيادة: هذا فوق ذاك. وزنه فعل بفتح فسكون.
{الحقّ}، مصدر حقّ يحقّ بابا نصر وضرب.. وزنه فعل بفتح فسكون.
{أراد}، فيه إعلال بالقلب، أصله أرود بفتح الواو وزنه أفعل لأن ماضيه المجرّد راد يرود بمعنى طلب، نقلت حركة الواو إلى الراء قبلها، ثمّ قلبت الواو ألفا لانفتاح ما قبلها وتحركها في الأصل فأصبح أراد.
{يضل}، فيه حذف همزته التي في الماضي أضل وأصله يؤضلل، وجرى فيه الحذف مجرى يؤمن ويقيم وينفق.
{كثيرا}، صفة مشبّهة من كثر يكثر باب كرم وزنه فعيل.
{الفاسقين}، جمع الفاسق، اسم فاعل من فسق يفسق باب نصر وزنه فاعل.. أو من باب ضرب لغة حكاها الأخفش.

.البلاغة:

1- التمثيل: في هذه الآية الكريمة مثل ضرب للدنيا وأهلها فإن البعوضة تحيا ما جاعت وإذا شبعت ماتت، كذلك أهل الدنيا إذا امتلأوا منها هلكوا. وهذا اشارة إلى حسن التمثيل في الآية.

.الفوائد:

- أمّا: تأتي لثلاث حالات: للشرط والتفصيل والتوكيد.
وقد نجد الشرط والتفصيل واردا في الآية الكريمة: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا...}، {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا...} وأما الشرط والتوكيد ففي قول سيدنا علي: أمّا بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة. وهذه سمة من سمات الخطابة وسنة متبعة لدى خطباء المنابر. وفي الرسائل التقليدية.

.[سورة البقرة: آية 27]

{الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (27)}

.الإعراب:

{الذين} اسم موصول مبني في محل نصب نعت لـ{الفاسقين}.
{ينقضون} مضارع مرفوع، و(الواو) فاعل {عهد} مفعول به منصوب {اللّه} لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور {من بعد} جارّ ومجرور متعلّق بـ{ينقضون}.
{ميثاق} مضاف إليه مجرور و(الهاء) في محلّ جرّ مضاف إليه. (الواو) عاطفة {يقطعون} مثل ينقضون {ما} اسم موصول في محل نصب مفعول به، {أمر} فعل ماض {اللّه} لفظ الجلالة فاعل مرفوع (الباء) حرف جرّ و(الهاء) ضمير في محلّ جرّ بالباء متعلّق بـ{أمر}.
{أن} حرف مصدريّ ونصب {يوصل} مضارع منصوب مبنيّ للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على {ما}.
والمصدر المؤوّل من {أن} والفاعل في محلّ نصب بدل من {ما}، أي: يقطعون وصل ما أمر اللّه، أو بدل من الهاء في {به} أي يقطعون ما أمر اللّه بوصله.
جملة: {ينقضون...} لا محلّ لها صلة الموصول {الذين}.
وجملة: {يقطعون...} لا محلّ لها معطوفة على جملة الصلة.
وجملة: {أمر اللّه} لا محلّ لها صلة الموصول {ما}.
(الواو) عاطفة {يفسدون} مثل ينقضون {في الأرض} جار ومجرور متعلّق بـ{يفسدون}- {أولاء} اسم إشارة مبنيّ في محلّ رفع مبتدأ و(الكاف) حرف خطاب. (هم) ضمير فصل الخاسرون خبر المبتدأ أولاء مرفوع، وعلامة الرفع الواو.
وجملة: {يفسدون...} لا محلّ لها معطوفة على جملة ينقضون.
وجملة: {أولئك هم الخاسرون} لا محلّ لها استئنافيّة.

.الصرف:

{عهد} مصدر سماعيّ لفعل عهد يعهد باب فرح وزنه فعل بفتح فسكون.
{بعد} اسم، ظرف للزمان ضد قبل يلزم الإضافة، فإن قطع عنها بني على الضمّ، أو نصب منوّنا وزنه فعل بفتح فسكون.
{ميثاق}، مصدر ميميّ على غير القياس من وثق يثق الباب السادس، وزنه مفعال بكسر الميم، وفي الكلمة إعلال بالقلب، أصله موثاق جاءت الواو ساكنة بعد كسر قلبت ياء فأصبح {ميثاق}.
{الخاسرون}، جمع الخاسر وهو اسم فاعل من خسر الثلاثيّ، على وزن فاعل.
{يفسدون}، فيه حذف الهمزة أصله يؤفسدون لأن ماضيه أفسد.

.البلاغة:

1- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ}.
استعمال النقض في إبطال العهد من حيث استعارة الحبل له لما فيه من ارتباط أحد كلامي المتعاهدين بالآخر.
2- المقابلة: وهي تعدّد الطباق في الكلام، فقد طابق بين يضل ويهدي وبين يقطعون ويوصل.

.الفوائد:

1- {كيف}: من الأسماء المبنية وبناؤها على الفتح وأكثر ما تكون للاستفهام ولها أربعة أحوال من الاعراب: تأتي خبرا كما تأتي مفعولا ثانيا لأفعال "ظن وأخواتها".
وتأتي حالا لما بعدها وتأتي مفعولا مطلقا مثل {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ}.

.[سورة البقرة: آية 28]

{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)}

.الإعراب:

{كيف} اسم استفهام للتعجّب مبنيّ في محلّ نصب حال من الواو في {تكفرون}، وهو العامل مضارع مرفوع و(الواو) فاعل {باللّه} جار ومجرور متعلّق بـ{تكفرون}، (الواو) حاليّة {كنتم} فعل ماض ناقص مبنيّ على السكون و(تم) ضمير متّصل في محلّ رفع اسم كان {أمواتا} خبر كان منصوب (الفاء) عاطفة (أحيا) فعل ماض مبنيّ على الفتح المقدّر و(كم) ضمير في محلّ نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو {ثمّ} حرف عطف في المواضع الثلاثة (يميت) مضارع مرفوع (كم) مفعول به والفاعل هو {يحييكم} مثل يميتكم... (إلى) حرف جرّ و(الهاء) ضمير متّصل في محلّ جرّ متعلّق بـ{ترجعون} وهو مضارع مبنيّ للمجهول مرفوع و(الواو) ضمير متّصل في محلّ رفع نائب فاعل.
جملة: {تكفرون باللّه} لا محلّ لها استئنافيّة.
وجملة: {كنتم أمواتا} في محلّ نصب حال مع تقدير (قد).
وجملة: {أحياكم} في محل نصب معطوفة على جملة {كنتم أمواتا}.
وجملة: {يميتكم} في محلّ نصب معطوفة على جملة {أحياكم}.
وجملة: {يحييكم} في محل نصب معطوفة على جملة {يميتكم}.
وجملة: {ترجعون} في محل نصب معطوفة على جملة {يحييكم}.

.الصرف:

{كيف} اسم مبهم، مبنيّ على الفتح، قد يأتي للاستفهام وقد يأتي للشرط، وزنه فعل بفتح فسكون ثم البناء على الفتح.
{أحياكم}، الألف في (أحيا) تكتب طويلة ولو لم يتّصل به ضمير النصب أو غيره، ذلك لأن الألف سبقت بياء، ولو لا الياء لرسمت قصيرة برسم الياء غير المنقوطة لأنها رابعة.
{أمواتا}، جمع ميّت وزنه فيعل فيه إعلال بالقلب، أصله ميوت لأن ألفه واو، مصدره الموت. فلمّا اجتمعت الواو والياء وكانت الأولى ساكنة قلبت الواو ياء وأدغمت مع الياء الأولى فأصبح (ميّت)، جمعه أموات وزنه أفعال.

.[سورة البقرة: آية 29]

{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)}

.الإعراب:

{هو} ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ {الذي} اسم موصول في محل رفع خبر {خلق} فعل ماض والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (اللام) حرف جرّ و(كم) ضمير متصل في محلّ جرّ باللام متعلّق بـ{خلق}، {ما} اسم موصول في محلّ نصب مفعول به {في الأرض} جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف صلة ما {جميعا} حال منصوبة أي مجتمعا {ثمّ} حرف عطف {استوى} فعل ماض مبني على الفتح المقدّر على الألف والفاعل ضمير مستتر تقديره هو {إلى السماء} جارّ ومجرور متعلّق بـ{استوى} بتضمينه معنى عمد أو قصد. (الفاء) عاطفة (سوّى) مثل استوى، و(الهاء) ضمير متّصل في محلّ نصب مفعول به و(النون) حرف لجمع الإناث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو.
{سبع} مفعول به ثان منصوب {سموات} مضاف إليه مجرور (الواو) عاطفة أو حاليّة {هو} ضمير في محلّ رفع مبتدأ {بكلّ} جارّ ومجرور متعلق بـ{عليم}، {شيء} مضاف إليه مجرور {عليم} خبر المبتدأ مرفوع.
وجملة: {هو الذي...} لا محلّ لها استئنافيّة.
وجملة: {خلق...} لا محلّ لها صلة الموصول {الذي}.
وجملة: {استوى...} لا محلّ لها معطوفة على جملة الصلة.
وجملة: {سوّاهن...} لا محل لها معطوفة على جملة استوى.
وجملة: {هو... عليم} لا محلّ لها معطوفة على جملة الاستئناف ويجوز أن تكون في محلّ نصب حال والعامل فيها الأفعال المتقدّمة.

.الصرف:

{جميعا} اسم بمعنى الجماعة وضدّ التفرّق وزنه فعيل، وقد يستعمل استعمال الصفة.
{استوى}، فيه إعلال بالقلب أصله استوي- بياء مفتوحة في آخره- تحرّكت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، ورسمت الألف برسم الياء لأنها خماسيّة.
{سوّاهنّ}، فيه إعلال مثل استوى.
{عليم}، صفة مشتقّة مبالغة اسم الفاعل من علم المتعدّي ومنه فعيل.

.[سورة البقرة: آية 30]

{وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (30)}

.الإعراب:

(الواو) استئنافية {إذ} ظرف للزمن الماضي مبنيّ في محلّ نصب متعلّق بفعل قالوا الآتي، {قال} فعل ماض (ربّ) فاعل مرفوع و(الكاف) في محلّ جرّ مضاف إليه {للملائكة} جارّ ومجرور متعلّق بـ(قال).
(إنّ) حرف مشبّه بالفعل للتوكيد و(الياء) ضمير متّصل في محلّ نصب اسم، {جاعل} خبر مرفوع {في الأرض} جارّ ومجرور متعلّق بـ{جاعل}.
{خليفة} مفعول به لاسم الفاعل جاعل، منصوب.
{قالوا} فعل ماض مبنيّ على الضم و(الواو) فاعل، (الهمزة) للاستفهام (تجعل) فعل مضارع مرفوع والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت (في) حرف جرّ و(الهاء) ضمير متّصل في محلّ جرّ متعلّق بـ(تجعل).
{من} اسم موصول مبنيّ في محلّ نصب مفعول به {يفسد} مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو {فيها} مثل الأول متعلّق بـ{يفسد}.
(الواو) عاطفة {يسفك} مثل يفسد {الدماء} مفعول به منصوب (الواو) حاليّة {نحن} ضمير منفصل في محلّ رفع مبتدأ {نسبّح} فعل مضارع مرفوع والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن (بحمد) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف حال من فاعل نسبّح أي: مشتملين بحمدك و(الكاف) مضاف إليه (الواو) عاطفة {نقدّس} مثل نسبّح (اللام) حرف جرّ و(الكاف) ضمير متّصل في محلّ جرّ متعلّق بـ{نقدّس}.
{قال} مثل الأول {إنّي} سبق إعرابها {أعلم} مضارع مرفوع هو (اللام) حرف جرّ و(كم) ضمير متّصل في محلّ جرّ باللام متعلّق بـ{خلق}، {ما} اسم موصول مبنيّ في محلّ نصب مفعول به {لا} نافية {تعلمون} مضارع مرفوع، و(الواو) فاعل.
جملة: {قال ربّك...} في محلّ جرّ بإضافة إذ إليها.
وجملة: {إنّي جاعل...} في محلّ نصب مقول القول.
وجملة: {قالوا...} لا محلّ لها استئناف بياني.
وجملة: {تجعل فيها...} في محلّ نصب مقول القول.
وجملة: {يفسد فيها} لا محلّ لها صلة الموصول {من}.
وجملة: {يسفك الدماء} لا محلّ لها معطوفة على جملة الصلة.
وجملة: {نحن نسبّح...} في محلّ نصب حال.
وجملة: {نسبّح...} في محلّ رفع خبر المبتدأ نحن.
وجملة: {نقدّس...} في محلّ رفع معطوفة على جملة نسبّح.
وجملة: {قال} الثانية لا محلّ لها استئناف بياني.
وجملة: {إني أعلم...} في محلّ نصب مقول القول.
وجملة: {أعلم...} في محلّ رفع خبر إنّ.
وجملة: {تعلمون} لا محلّ لها صلة الموصول {ما}.

.الصرف:

{إذ} ظرف للزمن الماضي لا يأتي بعده إلا جملة، وقد تحذف الجملة ويستعاض منها بالتنوين، وقد تكون للمفاجاة: بينما أنا جالس إذ جاء زيد.
(ملائكة)، قيل جمع مألك وزن مفعل مشتقّ من الألوكة وهي الرسالة، فالهمزة فاء الكلمة ثمّ أخّرت فجعلت بعد اللام فقالوا ملأك فأصبح وزنه معفل والجمع ملائكة على معافلة. وقيل أصل الكلمة لأك فعين الكلمة همزة، وأصل ملك ملأك من غير نقل، وألقيت حركة الهمزة على اللام وحذفت الهمزة، فلمّا جمع الاسم ردّت الهمزة فوزنه الآن مفاعلة. وقال قوم: عين الكلمة واو وهو من لاك يلوك أدار أراد الشيء في فيه، فكأن صاحب الرسالة يدير الرسالة في فيه، فيكون أصل ملك ملاك مثل معاذ، ثمّ حذفت عينه تخفيفا فيكون أصل ملائكة ملاوكة مثل مقاولة فأبدلت الواو همزة كما أبدلت واو مصائب. وقال آخرون ملك مثل من الملك وهي القوّة، فالميم أصل ولا حذف فيه ولكنّه جمع على فعائلة شاذّا.
{جاعل}، اسم فاعل من جعل الثلاثيّ، وزنه فاعل.
{خليفة}، فعيلة بمعنى فاعل وزيدت التاء للمبالغة، فهو صفة مشبّهة.
{الدماء}، جمع دم، ولامه محذوفة، أصله دمي بياء في آخره لأن المثنّى دميان. وفي كلمة (الدماء) قلب الياء همزة لتطرّفها بعد ألف ساكنة وأصله الدماي.
(حمد)، مصدر سماعيّ لفعل حمد يحمد باب فرح وزنه فعل بفتح فسكون.

.البلاغة:

1- الاستفهام: الوارد في قوله تعالى: {أَتَجْعَلُ} خروج لمعناه الأصلي عن موضوعه.
فهو استكشاف عن الحكمة الخفية وعما يزيل الشبهة وليس استفهاما عن الجعل نفسه والاستخلاف لأنهم قد علموه قبل، فالمسئول عنه هو الجعل ولكن لا باعتبار ذاته بل باعتبار حكمته ومزيل شبهته، أو تعجب من أن يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها من يفسد فيها.

.الفوائد:

1- إذ ظرف لما مضى من الزمن ويأتي بعدها جملة، وفي إعرابها خمسة أوجه:
أ- ظرف.
ب- مفعول به.
ج- بدلا من مفعول به.
د- مضاف إليه على أن يكون المضاف اسم زمان.
هـ- وتقع بعد بينا وبينما وحينئذ تكون للمفاجاة فبينما العسر إذ دارت معاسير.

.[سورة البقرة: آية 31]

{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (31)}

.الإعراب:

(الواو) استئنافيّة {علّم} فعل ماض والفاعل ضمير مستتر تقديره هو أي اللّه {آدم} مفعول به منصوب {الأسماء} مفعول به ثان منصوب (كلّ) توكيد معنوي منصوب و(الهاء) ضمير متّصل في محلّ جرّ مضاف إليه {ثمّ} حرف عطف (عرض) مثل علّم و(هم) ضمير متّصل في محلّ نصب مفعول به {على الملائكة} جارّ ومجرور متعلّق بـ{عرضهم} (الفاء) عاطفة (قال) مثل علّم (أنبئوا) فعل أمر مبنيّ على حذف النون و(الواو) فاعل و(النون) للوقاية و(الياء) مفعول به {بأسماء} جارّ ومجرور متعلّق بـ{أنبئوني}. (ها) حرف تنبيه (أولاء) اسم إشارة في محلّ جرّ مضاف إليه {إن} حرف شرط جازم {كنتم} فعل ماض ناقص مبنيّ على السكون في محلّ جزم فعل الشرط و(تم) ضمير متّصلفي محلّ رفع اسم كان.
{صادقين} خبر كان منصوب وعلامة النصب الياء.
جملة: {علّم...} لا محلّ لها استئنافيّة.
وجملة: {عرضهم...} لا محلّ لها معطوفة على جملة علّم.
وجملة: {قال...} لا محلّ لها معطوفة على جملة عرضهم.
وجملة: {أنبئوني...} في محلّ نصب مقول القول.
وجملة: {كنتم صادقين} لا محلّ لها استئنافيّة، وجواب الشرط، محذوف دلّ عليه ما قبله أي: إن كنتم صادقين فأنبئوني بأسمائهم.

.الصرف:

{آدم}، اسم علم، والمدّة فيه منقلبة عن همزتين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة زنة أفعل وهو مشتق من أديم الأرض أو الأدمة.
{الأسماء}، جمع اسم انظر البسملة من سورة الفاتحة.

.[سورة البقرة: آية 32]

{قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)}

.الإعراب:

{قالوا} فعل وفاعل (سبحان) مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره نسبّح (الكاف) مضاف إليه {لا} نافية للجنس {علم} اسم لا مبنيّ على الفتح في محلّ نصب (اللام) حرف جرّ و(نا) ضمير متّصل في محلّ جر باللام متعلّق بمحذوف خبر لا {إلا} أداة استثناء {ما} حرف مصدريّ (علّمت) فعل ماض مبني على السكون و(التاء) فاعل و(نا) مفعول به (إنّ) حرف مشبّه بالفعل للتوكيد و(الكاف) اسم إنّ {أنت} ضمير فصل لا محلّ له {العليم} خبر إنّ مرفوع {الحكيم} خبر ثان مرفوع.
جملة: {قالوا...} لا محلّ لها استئنافيّة.
وجملة: {نسبّح} سبحان لا محلّ لها اعتراضيّة دعائية.
وجملة: {لا علم لنا...} في محلّ نصب مقول القول.
وجملة: {علّمتنا} لا محلّ لها صلة الموصول الحرفي (ما).
وجملة: {إنّك أنت العليم} لا محلّ لها تعليلية.
والمصدر المؤوّل {ما علّمتنا} في محلّ رفع بدل من محلّ الضمير المستكنّ في خبر لا وهو كائن أو موجود.

.الصرف:

{سبحانك} مصدر سماعيّ لفعل سبح يسبح باب فتح الثلاثي وزنه فعلان بضمّ الفاء.
{علم}، مصدر سماعيّ لفعل علم يعلم باب فرح وزنه فعل بكسر الفاء.
{الحكيم}، صفة مشبّهة من حكم يحكم باب نصر، وزنه فعيل.

.[سورة البقرة: آية 33]

{قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)}

.الإعراب:

{قال} فعل ماض والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (ياء).
أداة نداء {آدم} منادى مفرد علم مبنيّ على الضمّ في محلّ نصب (أنبئ) فعل أمر و(هم) ضمير متّصل في محلّ نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت (بأسماء) جارّ ومجرور متعلّق بـ(أنبئ) و(هم) مضاف اليه. (الفاء) استئنافيّة (لمّا) ظرف بمعنى حين يتضمّن معنى الشرط متعلّق بالجواب قال (أنبأ) فعل ماض و(هم) مفعول به والفاعل هو، {بأسمائهم} مثل الأول متعلّق بـ(أنبأ).
{قال} مثل الأول (الهمزة) للاستفهام التوبيخي (لم) حرف نفي وقلب وجزم {أقل} مضارع مجزوم، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا (اللام) حرف جرّ و(كم) ضمير متّصل في محلّ جرّ باللام متعلّق بـ(أقل). (إنّ) حرف مشبّه بالفعل و(الياء) اسم إنّ (أعلم) مضارع مرفوع والفاعل أنا {غيب} مفعول به منصوب {السموات} مضاف إليه مجرور (الواو) عاطفة {الأرض} معطوف على السموات مجرور مثله (الواو) عاطفة {أعلم} مثل الأول {ما} اسم موصول في محلّ نصب مفعول به، {تبدون} فعل مضارع مرفوع و(الواو) فاعل. (الواو) عاطفة {ما} موصول معطوف على ما الأول {كنتم} فعل ماض ناقص مبنيّ على السكون (تم) ضمير متّصل في محل رفع اسم كان {تكتمون} مثل تبدون.
جملة: {قال...} لا محلّ لها استئنافيّة.
وجملة: النداء وجوابها في محلّ نصب مقول القول.
وجملة: {أنبئهم...} لا محلّ لها جواب النداء وهي من نوع الاستئناف.
وجملة: {أنبأهم...} في محل جرّ مضاف إليه.
وجملة: {قال} الثانية لا محلّ لها جواب الشرط غير الجازم.
وجملة: {لم أقل} في محلّ نصب مقول القول لفعل قال.
وجملة: {إنّي أعلم...} في محلّ نصب مقول القول لفعل أقل.
وجملة: {أعلم} في محلّ رفع خبر إنّ.
وجملة: {أعلم} الثانية في محلّ رفع معطوفة على جملة أعلم الأولى.
وجملة: {تبدون} لا محلّ لها صلة الموصول {ما}.
وجملة: {كنتم} لا محلّ لها صلة الموصول {ما} الثاني.
وجملة: {تكتمون} في محلّ نصب خبر كنتم.

.الصرف:

{أقل} فيه إعلال بالحذف لمناسبة الجزم، وأصله (أقول)، وزنه أفل.
{تبدون}، فيه إعلال بالتسكين وإعلال بالحذف، أصله تبديون، استثقلت الضمّة على الياء فسكّنت ونقلت الضمّة إلى الدال- وهو إعلال بالتسكين- ثمّ حذفت، الياء لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة الساكنة وزنه تفعون. وفي الفعل تحذف الهمزة تخفيفا كما حذفت من يؤمنون ويقيمون (انظر الآية 3).

.البلاغة:

- المقابلة: حيث طابق بين السموات وبين الأرض وبين تبدون وتكتمون.
هذا وإن الطباق من الألفاظ التي خالفت مضمونها ولذلك سماه بعضهم التضاد والتكافؤ وهو الجمع بين معنيين متضادين.

.[سورة البقرة: آية 34]

{وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (34)}

.الإعراب:

(الواو) استئنافيّة {إذ قلنا للملائكة} سبق إعراب نظيرها {اسجدوا} فعل أمر وفاعله.
{لآدم} جار ومجرور متعلّق بـ{اسجدوا}، وعلامة الجرّ الفتحة لامتناعه من الصرف للعلميّة والعجمة (الفاء) استئنافيّة (سجدوا) فعل ماض وفاعله {إلا} أداة استثناء {إبليس} مستثنى بـ{إلا} منصوب ممتنع من التنوين للعلمية والعجمة.
{أبى} فعل ماض مبنيّ على الفتح المقدّر على الألف، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو أي إبليس (الواو) عاطفة {استكبر} فعل ماض والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (الواو) اعتراضيّة أو حاليّة {كان} فعل ماض ناقص واسمه ضمير مستتر تقديره هو {من الكافرين} جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف خبر كان، وعلامة الجرّ الياء.
وجملة: {قلنا...} في محلّ جرّ بإضافة {إذ} إليها.
وجملة: {اسجدوا...} في محلّ نصب مقول القول.
وجملة: {سجدوا} لا محلّ لها استئنافية مرتبطة مع ما قبلها برابط السببيّة.
وجملة: {أبى} في محلّ نصب حال بتقدير قد، أي ترك السجود آبيا له.
وجملة: {استكبر} في محلّ نصب معطوفة على جملة أبى.
وجملة: {كان من الكافرين} لا محلّ لها اعتراضيّة، أو في محلّ نصب حال بتقدير قد.

.الصرف:

{قلنا} فيه إعلال بالحذف لمناسبة البناء على السكون، وهذا يطّرد في كلّ فعل معتلّ أجوف، وزنه فلنا بحذف عينه.
{إبليس} هو لفظ أعجمي وزنه إفعيل، وقيل هو عربيّ مشتقّ من الإبلاس وهو اليأس ومنع من الصرف للعلميّة فقط شذوذا.
{أبى}، فيه إعلال بالقلب، فالألف أصلها ياء، والفعل أصله أبي يأبى باب فتح أو أبي يأبى باب ضرب، جاءت الياء متحرّكة بعد فتح قلبت ألفا.
{كان}، فيه إعلال بالقلب، فالألف منقلبة عن واو، مضارعه يكون وأصله كون بفتح الواو، جاءت الواو متحرّكة بعد فتح قلبت ألفا.

.[سورة البقرة: آية 35]

{وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (35)}

.الإعراب:

(الواو) عاطفة {قلنا} فعل ماض مبنيّ على السكون و(نا) فاعل {يا} أداة نداء {آدم} منادى مفرد علم مبنيّ على الضم في محلّ نصب {اسكن} فعل أمر والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت {أنت} ضمير منفصل في محلّ رفع توكيد للفاعل المستتر (الواو) عاطفة (زوج) معطوف على الضمير المستتر تبعه في الرفع و(الكاف) مضاف إليه في محلّ جرّ {الجنّة} مفعول به منصوب (الواو) عاطفة {كلا} فعل أمر مبنيّ على حذف النون و(الألف) ضمير متّصل مبنيّ في رفع فاعل (من) حرف جرّ و(الهاء) ضمير متّصل في محلّ جرّ متعلّق بـ{كلا} {رغدا} مفعول مطلق نائب عن المصدر لأنه صفته أي أكلا رغد {حيث} ظرف مكان مبنيّ على الضمّ في محلّ نصب متعلّق بـ{كلا}، {شئتما} فعل وفاعل.. (التاء) فاعل و(ما) حرف عماد دالّ على التثنية (الواو) عاطفة {لا} ناهية جازمة (تقرب) مضارع مجزوم وعلامة جزمه حذف النون و(الألف) ضمير متّصل في محلّ رفع فاعل (ها) حرف تنبيه (ذه) اسم إشارة مبنيّ على الكسر في محلّ نصب مفعول به {الشجرة} بدل من ذه تبعه في الجرّ (الفاء) فاء السببيّة (تكونا) مضارع ناقص منصوب بـ(أن) مضمرة بعد فاء السببيّة، و(الألف) ضمير متّصل في محل رفع اسم تكون {من الظالمين} جار ومجرور متعلّق بمحذوف خبر تكون، وعلامة الجرّ الياء.
جملة: {قلنا...} في محلّ جرّ معطوفة على جملة قلنا للملائكة في الآية السابقة.
وجملة: {يا آدم اسكن} في محلّ نصب مقول القول.
وجملة: {اسكن...} لا محلّ لها جواب النداء.
وجملة: {كلا منها} لا محلّ لها معطوفة على جملة جواب النداء.
وجملة: {شئتما} في محلّ جرّ بإضافة {حيث} إليها.
وجملة: {لا تقربا...} لا محلّ لها معطوفة على جملة النداء.

.الصرف:

{كلا}، فيه حذف فاء الكلمة وهي الهمزة، ماضيه أكل. وزنه علا.
{رغدا} مصدر سماعيّ لفعل رغد يرغد باب فرح، وزنه فعل بفتحتين.
{حيث}، ظرف للمكان مبنيّ على الضمّ، وقد يأتي للزمان أيضا وزنه فعل بفتح فسكون ثمّ البناء على الضمّ.
{شئتما} فيه إعلال بالحذف، حذفت عينه لالتحاق تاء الفاعل وبناء الفعل على السكون، وتمّ الحذف لالتقاء الساكنين وزنه فلتما بكسر الفاء.
{الظالمين} جمع الظالم، اسم فاعل من الثلاثي ظلم وزنه فاعل والجميع فاعلين.

.[سورة البقرة: آية 36]

{فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (36)}

.الإعراب:

(الفاء) استئنافيّة (أزلّ) فعل ماض و(هما) ضمير متّصل في محل نصب مفعول به {الشيطان} فاعل مرفوع (عن) حرف جرّ و(ها) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بـ(أزلّهما)، (الفاء) عاطفة (أخرجهما) مثل أزلّهما (من) حرف جرّ (ما) اسم موصول في محل جرّ بـ(من) متعلّق بـ(أخرجهما).
(كان) فعل ماض ناقص و(الألف) ضمير في محلّ رفع اسم كان (في) حرف جرّ و(الهاء) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بمحذوف خبر كان (الواو) عاطفة {قلنا} فعل ماض وفاعله {اهبطوا} فعل أمر مبنيّ على حذف النون.. والواو فاعل (بعض) مبتدأ مرفوع و(كم) ضمير متّصل في محلّ جرّ مضاف إليه {لبعض} جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف حال من عدوّ- نعت تقدّم على المنعوت- {عدوّ} خبر المبتدأ بعضكم (الواو) عاطفة أو استئنافيّة (اللام) حرف جرّ و(كم) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بمحذوف خبر مقدّم {في الأرض} جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف الخبر {مستقرّ} مبتدأ مؤخّر مرفوع {متاع} معطوف بالواو على مستقرّ مرفوع مثله {الى حين} جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف نعت لـ{متاع}.
جملة: {أزلّهما الشيطان} لا محلّ لها استئنافيّة.
وجملة: {أخرجهما} لا محلّ لها معطوفة على الاستئنافيّة.
وجملة: {كانا فيه} لا محلّ لها صلة الموصول (ما).
وجملة: {قلنا...} لا محلّ لها معطوفة على الاستئنافيّة.
وجملة: {اهبطوا} في محلّ نصب مقول القول.
وجملة: {بعضكم لبعض عدو} في محلّ نصب حال أي اهبطوا متعادين.
وجملة: {لكم في الأرض مستقرّ} في محلّ نصب معطوفة على جملة الحال أو هي مستأنفة.

.الصرف:

(بعض) اسم للجزء أو الطائفة أو الفرد من الشيء، وزنه فعل بفتح فسكون، جمعه أبعاض.
{عدوّ}، اسم أشبه المصدر في وزنه، وعدّه بعضهم مصدرا وزنه فعول، وقد أدغمت الواو واللام معا لأنهما من ذات الحرف.
{مستقرّ}، اسم مكان من فعل استقرّ السداسيّ، فهو على وزن اسم المفعول. وقد يكون مصدرا ميميا بمعنى الاستقرار.
{متاع}، اسم لما ينتفع به، وزنه فعال بفتح الفاء، وقد يكون اسم مصدر لفعل تمتّع واستمتع بكذا.
{حين}، اسم بمعنى الوقت والمدّة، وزنه فعل بكسر الفاء وسكون العين، والجمع أحيان وجمع الجمع أحايين.

.[سورة البقرة: آية 37]

{فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)}

.الإعراب:

(الفاء) عاطفة (تلقّى) فعل ماض مبنيّ على الفتح المقدّر على الألف {آدم} فاعل مرفوع (من ربّ) جار ومجرور متعلّق بـ(تلقّى) و(الهاء) ضمير متّصل في محلّ جرّ مضاف إليه {كلمات} مفعول به منصوب وعلامة نصبه الكسرة (الفاء) عاطفة (تاب) فعل ماض والفاعل هو أي اللّه (على) حرف جرّ و(الهاء) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بـ(تاب).
(إنّ) حرف توكيد ونصب و(الهاء) ضمير متّصل في محلّ نصب اسم إنّ {هو} ضمير فصل {التوّاب} خبر إنّ مرفوع {الرحيم} خبر ثان مرفوع.
جملة: {تلقّى آدم...} لا محلّ لها معطوفة على الاستئناف في الآية السابقة.
وجملة: {تاب عليه} لا محلّ لها معطوفة على جملة تلقّى آدم.
وجملة: {إنّه هو التوّاب} لا محلّ لها تعليليّة.

.الصرف:

(تلقّى)، فيه إعلال بالقلب، أصله تلقّي بفتح الياء، تحرّكت الياء بعد فتح قلبت ألفا فأصبح وزنه تفعّل.
{كلمات}، جمع كلمة اسم لما يتلفّظ به الإنسان مفردا كان أو مركّبا وزنه فعلة بفتح فكسر ففتح أو بكسر فسكون ففتح أو بفتح فسكون ففتح.
(تاب)، فيه إعلال بالقلب، أصله توب بفتح الواو لأن المضارع يتوب، تحرّكت الواو بعد فتح قلبت ألفا قيل تاب.
{التوّاب}، مشتقّ من تاب يتوب باب نصر فهو مبالغة اسم الفاعل، وزنه فعّال بفتح الفاء.
{الرحيم}، انظر الفاتحة الآية (1).

.[سورة البقرة: آية 38]

{قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)}

.الإعراب:

{قلنا} فعل وفاعل {اهبطوا} فعل أمر مبنيّ على حذف النون.. والواو فاعل (من) حرف جرّ و(ها) ضمير متّصل في محلّ جرّ متعلّق بـ{اهبطوا}.
{جميعا} حال منصوبة أي مجتمعين (الفاء) استئنافيّة (إن) حرف شرط جازم (ما) زائدة (يأتينّ) مضارع مبنيّ على الفتح في محلّ جزم فعل الشرط و(النون) نون التوكيد الثقيلة و(كم) ضمير متّصل في محلّ نصب مفعول به (من) حرف جرّ و(النون) للوقاية و(الياء) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بـ(يأتينّ)، {هدى} فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمّة المقدّرة على الألف، (الفاء) رابطة لجواب الشرط إن (من) اسم شرط جازم مبنيّ في محلّ رفع مبتدأ {تبع} فعل ماض والفاعل هو {هدى} مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدّرة على الألف و(الياء).
مضاف إليه (الفاء) رابطة لجواب الشرط الثاني (لا) نافية مهملة.
{خوف} مبتدأ مرفوع (على) حرف جرّ و(هم) ضمير متّصل في محلّ جرّ متعلّق بمحذوف خبر المبتدأ (الواو) عاطفة {لا} زائدة لتأكيد النفي {هم} ضمير منفصل في محلّ رفع مبتدأ {يحزنون} فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون و(الواو) ضمير متّصل في محلّ رفع فاعل.
وجملة: {قلنا...} لا محلّ لها استئنافيّة.
وجملة: {اهبطوا} في محلّ نصب مقول القول.
وجملة: {يأتينّكم} لا محلّ لها استئنافيّة.
وجملة: {من تبع هداي} في محلّ جزم جواب الشرط إن مقترنة بالفاء.
وجملة: {تبع هداي} في محلّ رفع خبر المبتدأ (من).
وجملة: {لا خوف عليهم} في محلّ جزم جواب الشرط (من) مقترنة بالفاء.
وجملة: {هم يحزنون} في محل جزم معطوفة على جملة جواب الشرط.
وجملة: {يحزنون} في محل رفع خبر المبتدأ {هم}.

.الصرف:

{خوف} مصدر سماعيّ لفعل خاف يخاف باب فرح، وزنه فعل بفتح فسكون.

.الفوائد:

{فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هدًى...}.
يكثر وقوع "ما" بعد "إن" الشرطية فتدغم فيها نطقا وكتابة كقوله تعالى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ} وقوله تعالى: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} وتسمّى في هذه الصورة إن المؤكدة بما
وثمة أنواع أخرى لـ"إن" منها "إن" المخفّفة من الثقيلة، و"إن" النافية الناسخة و"إن" النافية التي لا تعمل و"إن" الشرطية التي لا تجزم وهي أقلها ورودا في كلام العرب والأفضل إهمالها.
إذا وقع اسم الشرط مبتدأ كقولهم: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} ففي الخبر ثلاثة أقوال:
الأول: جملة فعل الشرط.
والثاني جملة جواب الشرط.
والثالث: الجملتان معا وهذا ما نرتاح اليه.

.[سورة البقرة: آية 39]

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (39)}

.الإعراب:

(الواو) عاطفة {الذين} اسم موصول مبنيّ في محلّ رفع مبتدأ {كفروا} فعل ماض وفاعله (الواو) عاطفة {كذّبوا} مثل كفروا (بآيات) جارّ ومجرور متعلّق بـ{كذّبوا} و(نا) ضمير متّصل في محلّ جرّ مضاف إليه (أولاء) اسم إشارة مبنيّ على الكسر في محلّ رفع مبتدأ و(الكاف) حرف خطاب، {أصحاب} خبر مرفوع {النار} مضاف إليه مجرور {هم} ضمير منفصل في محلّ رفع مبتدأ (في) حرف جرّ و(ها) ضمير متّصل في محلّ جرّ متعلّق بـ{خالدون} وهو خبر المبتدأ هم مرفوع وعلامة رفعه الواو.
جملة: {الذين كفروا} في محلّ جزم معطوفة على جملة من تبع هداي في الآية السابقة.
وجملة: {كفروا} لا محلّ لها صلة الموصول {الذين}.
وجملة: {كذّبوا} لا محلّ لها معطوفة على جملة الصلة.
وجملة: {أولئك أصحاب النار} في محلّ رفع خبر المبتدأ {الذين}.
وجملة: {هم فيها خالدون} في محلّ نصب حال من أصحاب أو من النار.

.الصرف:

(آيات)، جمع آية، اسم بمعنى العلامة، وأصلها أيية، فاؤها همزة وعينها ولأمها ياءان لأنها من تأيّى القوم إذا اجتمعوا.. ثم أبدلوا الياء الأولى ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فاجتمعت الهمزة والألف الساكنة فأدغمتا ووضع فوقهما مدّة. ووزن آيات فعلات.
{أصحاب}، جمع صاحب، وهو اسم فاعل من صحب يصحب باب فرح، وزنه فاعل.

.[سورة البقرة: آية 40]

{يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40)}

.الإعراب:

{يا} أداة نداء {بني} منادى مضاف منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، {إسرائيل} مضاف إليه مجرور وعلامة جرّه الفتحة فهو ممنوع من الصرف للعلميّة والعجمة {اذكروا} فعل أمر مبنيّ على حذف النون.. والواو فاعل (نعمة) مفعول به منصوب وعلامة النصب الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلّم منع من ظهورها اشتغال المحلّ بحركة المناسبة و(الياء) ضمير متّصل في محلّ جرّ مضاف إليه {التي} اسم موصول مبنيّ في محلّ نصب نعت لـ{نعمتي}، {أنعمت} فعل ماض وفاعله (على) حرف جرّ و(كم) ضمير متّصل في محلّ جرّ متعلّق بـ{أنعمت}، (الواو) عاطفة {أوفوا} مثل اذكروا (بعهد) جار ومجرور وعلامة الجرّ الكسرة المقدّرة على ما قبل الياء متعلّق بـ{أوفوا}، (الياء) مضاف إليه {أوف} فعل مضارع مجزوم بجواب الطلب وعلامة الجزم حذف حرف العلّة، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا {بعهدكم} جارّ ومجرور ومضاف إليه متعلّق بـ{أوف}. (الواو) عاطفة {إيّاي} ضمير منفصل مبنيّ في محلّ نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره ارهبوا (الفاء) زائدة، (ارهبوا) فعل أمر مبني على حذف النون.. والواو فاعل و(النون) للوقاية، وقت الفعل من الكسر باتّصاله بياء المتكلّم التي حذفت للتخفيف وهي مفعول به.
جملة: {يا بني إسرائيل...} لا محلّ لها استئنافيّة.
وجملة: {اذكروا...} لا محلّ لها جواب النداء.
وجملة: {أنعمت...} لا محلّ لها صلة الموصول {التي}.
وجملة: {أوفوا...} لا محل لها معطوفة على جملة النداء.
وجملة: {أوف...} لا محلّ لها جواب شرط مقدّر غير مقترنة بالفاء أي: إن توفوا أوف.
وجملة: (ارهبوا) المقدّرة لا محلّ لها معطوفة على جملة النداء.
وجملة: {ارهبون} لا محلّ لها تفسير للجملة المقدّرة.

.الصرف:

{بني}، جمع ابن، والألف في ابن عوض من لام الكلمة المحذوفة فأصلها بنو.
{إسرائيل}، علم أعجمي، وقد يلفظ بتخفيف الهمزة إسراييل، وقد تبقى الهمزة وتحذف الياء أي إسرائل، وقد تحذف الهمزة والياء معا أي:
إسرال.
(نعمة)، الاسم لما ينعم به لفعل نعم ينعم بابي نصر وفتح ونعم ينعم باب فرح، وزنه فعلة بكسر فسكون.
{أوفوا}، فيه إعلال بالحذف مع الإعلال بالتسكين، أصله أوفيوا، بضمّ الياء، استثقلت الضمّة على الياء فسكّنت ونقلت حركتها إلى الفاء- وهو إعلال بالتسكين- ثمّ حذفت الياء لسكونها وسكون واو الجماعة، فقيل أوفوا، وزنه أفعوا.
{أوف}، فيه إعلال بالحذف لمناسبة الجزم، وزنه أفع.

.[سورة البقرة: آية 41]

{وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41)}

.الإعراب:

(الواو) عاطفة {آمنوا} فعل آمر.. والواو فاعل، (الباء) حرف جرّ (ما) اسم موصول مبنيّ في محلّ جرّ بالباء متعلّق بـ{آمنوا}، والعائد محذوف {أنزلت} فعل ماض وفاعله {مصدّقا} حال من الضمير المفعول في أنزلت (اللام) لام التقوية زائدة (ما) اسم موصول في محلّ نصب مفعول به لاسم الفاعل.
(مع) ظرف مكان منصوب متعلّق بمحذوف صلة الموصول و(كم) ضمير متّصل في محلّ جرّ مضاف إليه (الواو) عاطفة {لا} ناهية جازمة {تكونوا} مضارع ناقص مجزوم وعلامة الجزم حذف النون و(الواو) ضمير متّصل في محلّ رفع اسم تكون {أول} خبر تكون منصوب {كافر} مضاف إليه مجرور (الباء) حرف جرّ و(الهاء) ضمير في محلّ جر متعلّق بـ{كافر}، (الواو) عاطفة {لا تشتروا} مثل لا تكونوا ولكنّه تام بتضمينه معنى تستبدلوا (بآيات) جارّ ومجرور متعلّق بـ{تشتروا}، و(الياء) مضاف إليه {ثمنا} مفعول به منصوب {قليلا} نعت لـ{ثمنا} منصوب مثله (الواو) عاطفة {إياي فاتّقون} مثل اياي فارهبون في الآية السابقة.
جملة: {آمنوا...} لا محلّ لها معطوفة على جملة جواب النداء في الآية السابقة.
وجملة: {أنزلت} لا محلّ لها صلة الموصول.
وجملة: {لا تكونوا} لا محلّ لها معطوفة على جملة آمنوا.
وجملة: {لا تشتروا} لا محلّ لها معطوفة على جملة آمنوا.
وجملة: {اتقوا} المقدّر لا محلّ لها معطوفة على جملة آمنوا.
وجملة: {اتّقون} لا محلّ لها تفسيريّة للجملة المقدّرة.

.الصرف:

{مصدّقا}، اسم فاعل من صدّق الرباعيّ، فهو على وزن مضارعه بإبدال حرف المضارعة ميما مضمومة وكسر ما قبل الآخر.
{أوّل}، وزنه أفعل وفاؤه وعينه واوان، ولم يتصرّف منه فعل لاعتلال الفاء والعين، وقال بعضهم أنه من آل يؤول، فأصل الكلمة أأول ثمّ أخّرت الهمزة الثانية فجعلت بعد الواو أوأل، ثمّ خفّفت الهمزة الثانية بإبدالها واوا، ثمّ أدغمت مع الواو الأولى.. وهذا رأي بعض الكوفيين.
{تشتروا}، فيه إعلال بالتسكين وبالحذف، أصله تشتريوا بضمّ الياء، استثقلت الضمّة على الياء فنقلت حركتها إلى الراء وتسكينها، ثمّ حذفت الياء لسكونها وسكون الواو بعدها، فأصبح تشتروا وزنه تفتعوا.
{اتّقون}، فيه إعلال بالتسكين وبالحذف جرى فيه مجرى تشتروا، كما أنّ فيه إبدال الواو- فاء الكلمة- تاء كما جرى في تتّقون.. انظر الآية (21).. وحذف منه ياء المتكلّم تخفيفا ليناسب اللفظ فواصل الآيات.
{قليلا}، صفة مشبّهة من قلّ يقلّ باب ضرب، وزنه فعيل.

.الفوائد:

{وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} فضمير النصب "إيّا" منصوب على الاشتغال وبيان ذلك أن مفعول الفعل "اتقى" محذوف للتخفيف بدليل وجود نون الوقاية التي تفصل بين الفعل ومفعوله وتقديره "اتقوني" أما الضمير "إيّا" فهو منصوب بفعل محذوف يفسره الفعل المذكور.

.[سورة البقرة: آية 42]

{وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)}

.الإعراب:

(الواو) عاطفة {لا تلبسوا} مثل لا تكونوا في الآية السابقة ولكنّه تام {الحقّ} مفعول به منصوب {بالباطل} جارّ ومجرور متعلّق بـ{تلبسوا}، (الواو) عاطفة أو واو المعيّة {تكتموا} مضارع مجزوم معطوف على تلبسوا- أو منصوب بـ(أن) مضمرة بعد واو المعيّة.
والواو فاعل {الحق} مفعول به منصوب (الواو) حاليّة {أنتم} ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ {تعلمون} مضارع مرفوع.. الواو فاعل.
جملة: {لا تلبسوا...} لا محلّ لها معطوفة على جملة النهي في السابقة.
وجملة: {تكتموا...} لا محلّ لها معطوفة على جملة تلبسوا.
وجملة: {أنتم تعلمون} في محلّ نصب حال.
وجملة: {تعلمون} في محلّ رفع خبر المبتدأ {أنتم}.

.الصرف:

{الباطل}، اسم فاعل من بطل يبطل باب كرم، وهو ضدّ الحقّ، وزنه فاعل.

.[سورة البقرة: آية 43]

{وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)}

.الإعراب:

(الواو) عاطفة، {أقيموا} فعل أمر مبنيّ على حذف النون.. والواو فاعل {الصلاة} مفعول به منصوب (الواو) عاطفة {آتوا} مثل أقيموا {الزكاة} مفعول به منصوب، (الواو) عاطفة {اركعوا} مثل أقيموا {مع} ظرف مكان منصوب متعلّق بـ{اركعوا}، {الراكعين} مضاف إليه مجرور وعلامة الجرّ الياء.
وجملة: {قيموا...} لا محلّ لها معطوفة على جملة لا تلبسوا.. في الآية السابقة.
وجملة: {آتوا الزكاة} لا محلّ لها معطوفة على جملة أقيموا.
وجملة: {اركعوا...} لا محلّ لها معطوفة على جملة أقيموا.

.الصرف:

{أقيموا}، فيه إعلال بالقلب، أصله أقوموا، جرى فيه مجرى {يقيمون} في الآية (3).
{الصلاة}، اسم مصدر من صلّى الرباعيّ، والألف فيه منقلبة عن واو لأنّ جمعها صلوات، جاءت الواو متحرّكة وفتح ما قبلها قلبت ألفا وزنه فعلة بتحريك الفاء والعين واللام بالفتح.. انظر الآية (3).
{آتوا}، فيه إعلال بالتسكين وبالحذف، أصله آتيوا بضمّ الياء، استثقلت الضمّة على الياء فسكنت- وهو إعلال بالتسكين- ثمّ حذفت لالتقائها ساكنة مع الواو الساكنة- وهو إعلال بالحذف- ثمّ حرّكت التاء بالضمّ بحركة الياء المحذوفة.
{الزكاة}، فيه إعلال بالقلب، فالألف منقلبة عن واو لقولهم زكا يزكو، جاءت الواو متحرّكة بعد فتح قلبت ألفا. وزنه فعلة بتحريك الفاء والعين واللام بالفتح.
{الراكعين}، جمع الراكع، وهو اسم فاعل من ركع يركع باب فتح، وزنه فاعل.

.البلاغة:

- المجاز المرسل: في قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} أي صلوا مع المصلين، فعبّر بالجزء وهو الركوع وأراد الكل وهو الصلاة. فعلاقة هذا المجاز جزئية.

.[سورة البقرة: آية 44]

{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (44)}

.الإعراب:

(الهمزة) للاستفهام الإنكاري (تأمرون) مضارع مرفوع.
والواو فاعل {الناس} مفعول به منصوب {بالبرّ} جارّ ومجرور متعلّق بـ(تأمرون)، (الواو) عاطفة {تنسون} مثل تأمرون (أنفس) مفعول به منصوب و(كم) ضمير متّصل في محلّ جرّ مضاف إليه (الواو) حاليّة {أنتم} ضمير منفصل في محلّ رفع مبتدأ {تتلون} مثل تأمرون {الكتاب} مفعول به منصوب. (الهمزة) للاستفهام التوبيخي الإنكاري (الفاء) عاطفة (لا) نافية {تعقلون} مثل تأمرون.
جملة: {تأمرون...} لا محلّ لها استئنافيّة.
جملة: {تنسون...} لا محلّ لها معطوفة على الاستئنافيّة.
جملة: {أنتم تتلون...} في محلّ نصب حال من فاعل تنسون.
جملة: {تتلون...} في محلّ رفع خبر المبتدأ {أنتم}.
جملة: {تعقلون} لا محلّ لها معطوفة على الاستئنافيّة.

.الصرف:

{البرّ}، اسم لجميع أنواع الخير وفعله برّ يبرّ باب فرح، وزنه فعل بكسر فسكون.
{تنسون}، فيه إعلال بالحذف، أصله تنساون، التقى سكونان الألف والواو، فحذفت الألف تخلّصا من الساكنين وبقي ما قبل الواو مفتوحا دلالة عليها، وزنه تفعون.
{تتلون}، فيه إعلال بالحذف، أصله تتلوون، التقى ساكنان لام الكلمة وواو الجماعة، حذفت لام الكلمة تخلّصا من التقاء الساكنين، وزنه تفعون.

.البلاغة:

- قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ} حيث صدّر الكلام بالضمير للتبكيت وزيادة التقبيح.

.[سورة البقرة: آية 45]

{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (45)}

.الإعراب:

(الواو) عاطفة {استعينوا} فعل أمر مبنيّ على حذف النون.. والواو فاعل {بالصبر} جارّ ومجرور متعلّق بـ{استعينوا}، {الصلاة} معطوف بالواو على الصبر مجرور مثله. (الواو) حاليّة (إن) حرف مشبّه بالفعل للتوكيد و(الهاء) اسم إنّ و(اللام) هي المزحلقة تفيد التوكيد (كبيرة) خبر إنّ مرفوع {إلا} أداة حصر.
{على الخاشعين} جارّ ومجرور متعلّق بـ{كبيرة}.
جملة: {استعينوا...} لا محل لها معطوفة على جملة أقيموا الإنشائية الواردة في الآية (43)، وما بين الجملتين من نوع الاعتراض.
وجملة: {إنها لكبيرة...} في محلّ نصب حال.

.الصرف:

(الصبر)، مصدر سماعيّ لفعل صبر يصبر باب ضرب، وزنه فعل بفتح فسكون.
(كبيرة)، مؤنّث كبير وهو صفة مشبّهة من كبر الثلاثي باب فرح وزنه فعيل.
{الخاشعين}، جمع الخاشع اسم فاعل من خشع الثلاثي باب فتح، وزنه فاعل.

.[سورة البقرة: آية 46]

{الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (46)}

.الإعراب:

{الذين} اسم موصول في محلّ جرّ نعت لـ{الخاشعين}، {يظنّون} فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون.. الواو فاعل (أنّ) حرف توكيد ونصب و(هم) ضمير متّصل في محلّ نصب اسم أنّ {ملاقو} خبر أنّ مرفوع وعلامة رفعه الواو، وحذفت النون للإضافة.
وأنّ واسمها وخبرها في تأويل مصدر سدّ مسدّ مفعولي يظنّون.
(الواو) عاطفة {أنّهم} مثل سابقه (إلى) حرف جرّ (الهاء) مضاف إليه، متعلّق بـ{راجعون} خبر أنّ، والمصدر المؤول من أنّ واسمها وخبرها معطوف على المصدر المؤوّل السابق.
جملة: {يظنون...} لا محلّ لها صلة الموصول.

.الصرف:

{ملاقو}، جمع الملاقي، اسم فاعل من لاقى الرباعيّ، فهو على وزن مضارعه بإبدال حرف المضارعة ميما مضمومة وكسر ما قبل آخره، و{ملاقو} فيه إعلال بالحذف، أصله ملاقيو بضمّ الياء، استثقلت الضمّة على الياء فسكّنت ونقلت حركتها إلى القاف- وهو إعلال بالتسكين- ثمّ حذفت الياء تخلّصا من التقاء الساكنين.
{راجعون}، جمع راجع اسم فاعل من رجع الثلاثي باب ضرب، على وزن فاعل.

.الفوائد:

اللام في قوله تعالى: {وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ} تدعى اللام المزحلقة لأن الأصل أن تكون في أول المبتدأ ولكن عند ما اجتمع مؤكدان أقواهما "إنّ" فقد استقلّت "إنّ" في أول المبتدأ ودفعت بـ"اللام" إلى أول الخبر فقيل انها تزحلقت وسميت المزحلقة.

.[سورة البقرة: آية 47]

{يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (47)}

.الإعراب:

{يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} مرّ إعرابها مفردات وجملا (الآية 40). (الواو) عاطفة (أنّ) حرف مشبّه بالفعل و(الياء) ضمير في محلّ نصب اسم أنّ (فضّلت) فعل وفاعل و(كم) ضمير في محلّ نصب مفعول به {على العالمين} جارّ ومجرور متعلّق بـ{فضّلتكم}، وعلامة الجرّ الياء لأنه ملحق بجمع المذّكر السالم.
والمصدر المؤوّل من (أنّ) واسمها وخبرها في محلّ نصب معطوف على المصدر (نعمة) في قوله اذكروا نعمتي.

.[سورة البقرة: آية 48]

{وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)}

.الإعراب:

(الواو) عاطفة {اتّقوا} فعل أمر وفاعله {يوما} مفعول به منصوب على حذف مضاف أي أهوال يوم {لا} نافية {تجزي} مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمّة المقدّرة على الياء {نفس} فاعل مرفوع {عن نفس} جارّ ومجرور متعلّق بـ{تجزي}، {شيئا} مفعول مطلق ناب عن المصدر أي لا تجزي جزاء لا قليلا ولا كثيرا أو لا تجزي شيئا من الجزاء. (الواو) عاطفة {لا} نافية {يقبل} مضارع مبنيّ للمجهول مرفوع (من) حرف جرّ و(ها) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بـ{يقبل}، {شفاعة} نائب فاعل مرفوع. (الواو) عاطفة {لا يؤخذ منها عدل} تعرب كنظيرتها المتقدّمة. (الواو) عاطفة {لا} نافية مهملة {هم} ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ {ينصرون} مضارع مبنيّ للمجهول مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون والواو نائب فاعل.
جملة: {اتّقوا...} لا محلّ لها معطوفة على جملة جواب النداء في الآية (47).
وجملة: {لا تجزي نفس} في محلّ نصب نعت لـ{يوما}، والرابط محذوف تقديره فيه أي: لا تجزي فيه.
وجملة: {لا يقبل منها شفاعة} في محلّ نصب معطوفة على جملة لا تجزي والرابط مقدّر.
وجملة: {لا يؤخذ منها عدل} في محلّ نصب معطوفة على جملة لا تجزي والرابط مقدّر.
وجملة: {لا هم ينصرون} في محلّ نصب معطوفة على جملة لا تجزي والرابط مقدّر.
وجملة: {ينصرون} في محلّ رفع خبر المبتدأ {هم}.

.الصرف:

{نفس}، اسم بمعنى الروح أو الجسد أو الشخص، وزنه فعل بفتح فسكون.
{شفاعة}، مصدر شفع يشفع باب فتح وزنه فعالة بفتح الفاء.
{عدل}، مصدر عدل يعدل باب ضرب، بمعنى الفداء، وزنه فعل بفتح فسكون.

.البلاغة:

- أتى بالجملة المعطوفة الأخيرة وهي {وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ} اسمية مع أن الجمل التي قبلها فعلية للمبالغة والدلالة على الثبات والدّيمومة أي أنهم غير منصورين دائما ولا عبرة بما يصادفونه من نجاح.

.[سورة البقرة: آية 49]

{وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)}

.الإعراب:

(الواو) عاطفة {إذ} اسم ظرفي في محلّ نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره اذكروا (نجينا) فعل ماض وفاعله و(كم) ضمير في محلّ نصب مفعول به {من آل} جارّ ومجرور متعلّق بـ(نجّينا)، {فرعون} مضاف إليه مجرور وعلامة الجرّ الفتحة لامتناعه من الصرف للعلميّة والعجمة (يسومون) مضارع مرفوع.. والواو فاعل و(كم) مفعول به {سوء} مفعول به ثان منصوب {العذاب} مضاف إليه مجرور {يذبّحون} مضارع مرفوع وفاعله (أبناء) مفعول به منصوب و(كم) مضاف إليه (الواو) عاطفة {يستحيون نساءكم} مثل يذبّحون أبناءكم. (الواو) استئنافية {في} حرف جرّ (ذا) اسم اشارة مبنيّ في محلّ جرّ متعلّق بمحذوف خبر مقدّم، و(اللام) للبعد و(الكاف) للخطاب و(الميم) لجمع الذكور {بلاء} مبتدأ مؤخّر مرفوع (من ربّ) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف نعت لـ{بلاء} و(كم) مضاف إليه {عظيم} نعت ثان لـ{بلاء} مرفوع مثله.
جملة: {نجّيناكم...} في محلّ جرّ مضاف إليه.
وجملة: {يسومونكم} في محل نصب حال من {آل فرعون}.
وجملة: {يذبّحون} في محلّ نصب بدل من جملة يسومونكم.
وجملة: {يستحيون} في محلّ نصب معطوفة على جملة يذبّحون.
وجملة: {في ذلكم بلاء} لا محلّ لها استئنافيّة.

.الصرف:

{آل}، أصل الهمزة هاء أي أهل فأبدلت الهاء بالهمزة لقربها منها في المخرج ثمّ قلبت الهمزتان مدة لأن الأولى مفتوحة والثانية ساكنة، وقيل: أصل آل أول من آل يؤول لأن الإنسان يؤول إلى أهله.
{فرعون}، اسم أعجميّ معرفة، لقب لمن ملك مصر.
قيل: ولا يعرف لفرعون تفسير بالعربيّة. وقد اشتقّ من هذا اللقب- لعتوّ صاحبه وجبروته- فعل تفرعن أي أصبح ذا دهاء ومكر.
{سوء}، اسم لما يزعج الإنسان من أمر دنيوي أو أخروي، وهو في الأصل مصدر ويؤنّث بالألف السوءى، وزنه فعل بضمّ فسكون.
{العذاب}، اسم مصدر لفعل عذّب لأن حروفه نقصت عن حروف المصدر وهو تعذيب. وزنه فعال بفتح الفاء.. وانظر الآية (7) من هذه السورة.
(أبناء)، جمع ابن- انظر الآية 40- {يستحيون}، فيه إعلال بالحذف، أصله يستحييون بكسر الياء الأولى، وقد جرى فيه الحذف مجرى تشتروا (الآية 41).
(نساء)، الهمزة فيه منقلبة عن واو لظهورها في مرادفه نسوة أو نسوان، أصله نساو، فلمّا جاءت الواو مت