فصل في وفاة ابي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم
ثم من بعده خديجة بنت خويلد زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها.
وقيل: بل هي توفيت قبله والمشهور الاول، وهذان المشفقان؛ هذا في الظاهر وهذه في الباطن، هذاك كافر وهذه مؤمنة صديقة رضي الله عنها وارضاها.
قال ابن اسحاق: ثم ان خديجة وابا طالب هلكا في عام واحد، فتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصائب بهلك خديجة، وكانت له وزير صدق على الابتلاء يسكن اليها، وبهلك عمه ابي طالب وكان عضداً وحرزاً في امره ومنعة وناصراً على قومه.
وذلك قبل مهاجره الى المدينة بثلاث سنين، فلما هلك ابو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاذى ما لم تكن تطمع به في حياة ابي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على راسه تراباً.
فحدثني هشام بن عروة عن ابيه قال: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته والتراب على راسه، فقامت اليه احدى بناته تغسله وتبكي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا تبكي يا بنية فان الله مانع اباك)).
ويقول بين ذلك: ((ما نالتني قريش شيئاً اكرهه حتى مات ابو طالب)).
وذكر ابن اسحاق قبل ذلك: ان احدهم ربما طرح الاذى في برمته اذا نصبت له.
قال: فكان اذا فعلوا ذلك كما حدثني عمر بن عبد الله، عن عروة يخرج بذلك الشيء على العود فيقذفه على بابه ثم يقول: ((يا بني عبد مناف اي جوار هذا، ثم يلقيه في الطريق)).
قال ابن اسحاق: ولما اشتكى ابو طالب وبلغ قريشاً ثقله قالت قريش بعضها لبعض: ان حمزة وعمر قد اسلما، وقد فشا امر محمد في قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا الى ابي طالب فلياخذ لنا على ابن اخيه وليعطه منا، فانا والله ما نامن ان يبتزونا امرنا.
قال ابن اسحاق: وحدثني العباس بن عبد الله بن معبد بن عباس، عن بعض اهله، عن ابن عباس قال: لما مشوا الى ابي طالب وكلموه - وهم اشراف قومه - عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وابو جهل بن هشام، وامية بن خلف، وابو سفيان بن حرب في رجال من اشرافهم.
فقالوا: يا ابا طالب انك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى وتخوفنا عليك، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن اخيك، فادعه فخذ لنا منه، وخذ له منا ليكف عنا ولنكف عنه، وليدعنا وديننا ولندعه ودينه. (ج/ص: 3/152).
فبعث اليه ابو طالب، فجاءه فقال يا ابن اخي: هؤلاء اشراف قومك قد اجتمعوا اليك ليعطوك ولياخذوا منك.
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا عم كلمة واحدة تعطونها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم)).
فقال ابو جهل: نعم وابيك، وعشر كلمات.
قال: ((تقولون لا اله الا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه)).
فصفقوا بايديهم ثم قالوا يا محمد: اتريد ان تجعل الالهة الها واحداً ؟! ان امرك لعجب.
قال: ثم قال بعضهم لبعض: انه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئاً مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين ابائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه، ثم تفرقوا.
قال: فقال ابو طالب: والله يا ابن اخي ما رايتك سالتهم شططاً.
قال: فطمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فجعل يقول له: ((اي عم فانت قلها استحل لك بها الشفاعة يوم القيامة)).
فلما راى حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا ابن اخي والله لولا مخافة السبة عليك وعلى بني ابيك من بعدي، وان تظن قريش اني انما قلتها جزعاً من الموت لقلتها، لا اقولها الا لاسرك بها.
قال: فلما تقارب من ابي طالب الموت نظر العباس اليه يحرك شفتيه فاصغى اليه باذنه، قال فقال: يا ابن اخي والله لقد قال اخي الكلمة التي امرته ان يقولها.
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لم اسمع)).
قال: وانزل الله تعالى في اولئك الرهط: {ص وَالْقُرْانِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} [ص: 1-2] الايات. وقد تكلمنا على ذلك في التفسير، ولله الحمد والمنة.
وقد استدل بعض من ذهب من الشيعة وغيرهم من الغلاة الى ان ابا طالب مات مسلماً بقول العباس هذا الحديث؛ يا ابن اخي، لقد قال الكلمة التي امرته ان يقولها - يعني لا اله الا الله -
والجواب عن هذا من وجوه:
احدها: ان في السند مبهماً لا يعرف حاله وهو قوله عن بعض اهله وهذا ابهام في الاسم والحال، ومثله يتوقف فيه لو انفرد.
وقد روى الامام احمد، والنسائي، وابن جرير نحواً من هذا السياق من طريق ابي اسامة، عن الاعمش، حدثنا عباد، عن سعيد بن جبير فذكره، ولم يذكر قول العباس.
ورواه الثوري ايضاً عن الاعمش، عن يحيى بن عمارة الكوفي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره بغير زيادة قول العباس.
ورواه الترمذي وحسنه، والنسائي، وابن جرير ايضاً.
ولفظ الحديث من سياق البيهقي فيما رواه من طريق الثوري، عن الاعمش، عن يحيى بن عمارة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:
مرض ابو طالب فجاءت قريش، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم عند راس ابي طالب، فجلس رجل، فقام ابو جهل كي يمنعه ذاك وشكوه الى ابي طالب فقال: يا ابن اخي ما تريد من قومك؟
فقال: ((يا عم انما اريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب، وتؤدي اليهم بها الجزية العجم، كلمة واحدة)). (ج/ص: 3/153).
قال: ما هي؟
قال: ((لا اله الا الله)).
قال: فقالوا: اجعل الالهة الهاً واحداً ان هذا لشيء عجاب !
قال: ونزل فيهم: {ص وَالْقُرْانِ ذِي الذِّكْرِ} الايات الى قوله: {اِلَّا اخْتِلَاقٌ}[ص: 1-7].
ثم قد عارضه - اعني سياق ابن اسحاق - ما هو اصح منه، وهو ما رواه البخاري قائلاً: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا عبد الرزاق، اخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن ابيه رضي الله عنه: ان ابا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده ابو جهل فقال: ((اي عم قل لا اله الا الله كلمة احاج بها عند الله)).
فقال ابو جهل وعبد الله بن ابي امية: يا ابا طالب اترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلماه حتى قال اخر ما كلمهم به: على ملة عبد المطلب.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لاستغفر لك مالم اُنهَ عنك)).
فنزلت: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ امَنُوا اَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا اُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ اَنَّهُمْ اَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113].
ونزلت: {اِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ اَحْبَبْتَ} [القصص: 56].
ورواه مسلم: عن اسحاق بن ابراهيم، وعبد الله، عن عبد الرزاق.
واخرجاه ايضاً من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن ابيه بنحوه، وقال فيه: فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعودان له بتلك المقالة حتى قال اخر ما قال: على ملة عبد المطلب، وابى ان يقول: لا اله الا الله.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اما لاستغفرن لك مالم اُنهَ عنك)).
فانزل الله - يعني بعد ذلك -: {ما كان للنبي والذين امنوا ان يستغفروا للمشركين ولو كانوا اولي قربى}
ونزل في ابي طالب: {انك لا تهدي من احببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو اعلم بالمهتدين}
وهكذا روى الامام احمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، من حديث يزيد بن كيسان، عن ابي حازم، عن ابي هريرة قال: لما حضرت وفاة ابي طالب اتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا عماه قل لا اله الا الله اشهد لك بها يوم القيامة)).
فقال: لولا ان تعيرني قريش يقولون ما حمله عليه الا فزع الموت لاقررت بها عينك، ولا اقولها الا لاقر بها عينك.
فانزل الله عز وجل: {اِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ اَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ اَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}[القصص: 56].
وهكذا قال عبد الله بن عباس، وابن عمر، ومجاهد، والشعبي، وقتادة: انها نزلت في ابي طالب حين عرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يقول لا اله الا الله فابى ان يقولها، وقال: هو على ملة الاشياخ، وكان اخر ما قال هو على ملة عبد المطلب.
ويؤكد هذا كله ما قال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، عن سفيان، عن عبد الملك بن عمير، حدثني عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: حدثنا العباس بن عبد المطلب انه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: ما اغنيت عن عمك فانه كان يحوطك ويغضب لك؟ (ج/ص: 3/154)
قال: ((هو في ضحضاح من نار ولولا انا لكان في الدرك الاسفل من النار)).
ورواه مسلم في (صحيحه): من طرق عن عبد الملك بن عمير به.
واخرجاه في (الصحيحين) من حديث الليث: حدثني يزيد بن الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن ابي سعيد انه سمع النبي صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه فقال: ((لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه)). لفظ البخاري.
وفي رواية: ((تغلي منه ام دماغه)).
وروى مسلم: عن ابي بكر بن ابي شيبة، عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن ابي عثمان، عن ابن عباس: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اهون اهل النار عذاباً ابو طالب منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه)).
وفي (مغازي) يونس بن بكير ((يغلي منهما دماغه حتى يسيل على قدميه)). ذكره السهيلي.
وقال الحافظ ابو بكر البزار في (مسنده): حدثنا عمرو - هو ابن اسماعيل بن مجالد - حدثنا ابي، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر.
قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم - او قيل له - هل نفعت ابا طالب؟
قال: ((اخرجته من النار الى ضحضاح منها)).
تفرد به البزار.
قال السهيلي: وانما لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة العباس اخيه انه قال الكلمة وقال: ((لم اسمع)) لان العباس كان اذ ذاك كافراً غير مقبول الشهادة.
قلت: وعندي ان الخبر بذلك ما صح لضعف سنده كما تقدم.
ومما يدل على ذلك: انه سال النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عن ابي طالب فذكر له ما تقدم، وبتعليل صحته لعله قال ذلك عند معاينة الملك بعد الغرغرة حين لا ينفع نفساً ايمانها والله اعلم.
وقال ابو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن ابي اسحاق: سمعت ناجية بن كعب يقول: سمعت علياً يقول: لما توفي ابي اتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ان عمك قد توفي.
فقال: ((اذهب فواره)).
فقلت: انه مات مشركاً.
فقال: ((اذهب فواره)) ولا تحدثن شيئاً حتى تاتي.
ففعلت فاتيته، فامرني ان اغتسل.
ورواه النسائي: عن محمد بن المثنى، عن غندر، عن شعبة.
ورواه ابو داود، والنسائي من حديث سفيان، عن ابي اسحاق، عن ناجية، عن علي: لما مات ابو طالب قلت يا رسول الله: ان عمك الشيخ الضال قد مات فمن يواريه؟
قال: ((اذهب فوار اباك ولا تحدثن شيئاً حتى تاتيني)). فاتيته فامرني فاغتسلت ثم دعا لي بدعوات ما يسرني ان لي بهن ما على الارض من شيء. (ج/ص: 3/155).
وقال الحافظ البيهقي: اخبرنا ابو سعد الماليني، حدثنا ابو احمد بن عدي، حدثنا محمد بن هارون بن حميد، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن ابي رزمة، حدثنا الفضل، عن ابراهيم بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: ان النبي صلى الله عليه وسلم عاد من جنازة ابي طالب فقال: ((وصلتك رحم، وجزيت خيراً يا عم)).
قال: وروي عن ابي اليمان الهوزني، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، وزاد ولم يقم على قبره.
قال: وابراهيم بن عبد الرحمن هذا هو الخوارزمي تكلموا فيه.
قلت: قد روى عنه غير واحد منهم: الفضل بن موسى السيناني، ومحمد بن سلام البيكندي، ومع هذا قال ابن عدي: ليس بمعروف، واحاديثه عن كل من روى عنه ليست بمستقيمة.
وقد قدمنا ما كان يتعاطاه ابو طالب من المحاماة والمحاجة والممانعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدفع عنه وعن اصحابه، وما قاله فيه من الممادح والثناء، وما اظهره له ولاصحابه من المودة والمحبة والشفقة في اشعاره التي اسلفناها، وما تضمنته من العيب والتنقيص لمن خالفه وكذبه بتلك العبارة الفصيحة البليغة الهاشمية المطلبية التي لا تدانى ولا تسامى، ولا يمكن عربياً مقاربتها ولا معارضتها.
وهو في ذلك كله يعلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق بار راشد، ولكن مع هذا لم يؤمن قلبه.
وفرق بين علم القلب وتصديقه كما قررنا ذلك في شرح كتاب الايمان من (صحيح البخاري) وشاهد ذلك قوله تعالى: {الذين اتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ابناءهم وان فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون}
وقال تعالى في قوم فرعون: {وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم}
وقال موسى لفرعون: {لقد علمت ما انزل هؤلاء الا رب السموات والارض بصائر واني لاظنك يا فرعون مثبوراً}
وقول بعض السلف في قوله تعالى: {وهم ينهون عنه ويناون عنه} انها نزلت في ابي طالب حيث كان ينهى الناس عن اذية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويناى هو عما جاء به الرسول من الهدى ودين الحق.
فقد روي عن ابن عباس، والقاسم بن مخيمرة، وحبيب بن ابي ثابت، وعطاء بن دينار، ومحمد بن كعب، وغيرهم، ففيه نظر والله اعلم.
والاظهر والله اعلم: الرواية الاخرى عن ابن عباس؛ وهم ينهون الناس عن محمد ان يؤمنوا به.
وبهذا قال مجاهد، وقتادة، والضحاك، وغير واحد - وهو اختيار ابن جرير - وتوجيهه ان هذا الكلام سيق لتمام ذم المشركين حيث كانوا يصدون الناس عن اتباعه ولا ينتفعون هم ايضاً به.
ولهذا قال: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ اِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ اَكِنَّةً اَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي اذَانِهِمْ وَقْراً وَاِنْ يَرَوْا كُلَّ ايَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى اِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا اِنْ هَذَا اِلَّا اَسَاطِيرُ الْاَوَّلِينَ * وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْاَوْنَ عَنْهُ وَاِنْ يُهْلِكُونَ اِلَّا اَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [الانعام: 25-26]. (ج/ص: 3/156).
وهذا اللفظ وهو قوله (وهم) يدل على ان المراد بهذا جماعة وهم المذكورون في سياق الكلام.
وقوله: {وان يهلكون الا انفسهم وما يشعرون} يدل على تمام الذم، وابو طالب لم يكن بهذه المثابة، بل كان يصد الناس عن اذية رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه بكل ما يقدر عليه من فعال ومقال، ونفس ومال، ولكن مع هذا لم يقدِّر الله له الايمان لما له تعالى في ذلك من الحكمة العظيمة، والحجة القاطعة البالغة الدامغة التي يجب الايمان بها والتسليم لها.
ولولا ما نهانا الله عنه من الاستغفار للمشركين لاستغفرنا لابي طالب وترحمنا عليه.
فصل موت خديجة بنت خويلد
وذكر شيء من فضائلها ومناقبها رضي الله عنها وارضاها، وجعل جنات الفردوس منقلبها ومثواها، وقد فعل ذلك لا محالة بخبر الصادق المصدوق حيث بشَّرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.
قال يعقوب بن سفيان: حدثنا ابو صالح، حدثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال:
قال عروة بن الزبير: وقد كانت خديجة توفيت قبل ان تفرض الصلاة.
ثم روى من وجه اخر عن الزهري انه قال: توفيت خديجة بمكة قبل خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة، وقبل ان تفرض الصلاة.
وقال محمد بن اسحاق: ماتت خديجة وابو طالب في عام واحد.
وقال البيهقي: بلغني ان خديجة توفيت بعد موت ابي طالب بثلاثة ايام.
ذكره عبد الله بن منده في كتاب (المعرفة)، وشيخنا ابو عبد الله الحافظ.
قال البيهقي: وزعم الواقدي ان خديجة وابا طالب ماتا قبل الهجرة بثلاث سنين عام خرجوا من الشعب، وان خديجة توفيت قبل ابي طالب بخمس وثلاثين ليلة.
(ج/ص: 3/157).
قلت: مرادهم قبل ان تفرض الصلوات الخمس ليلة الاسراء، وكان الانسب بنا ان نذكر وفاة ابي طالب وخديجة قبل الاسراء كما ذكره البيهقي وغير واحد، ولكن اخرنا ذلك عن الاسراء لمقصد ستطلع عليه بعد ذلك، فان الكلام به ينتظم ويتسق الباب كما تقف على ذلك ان شاء الله.
وقال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، عن عمارة، عن ابي زرعة، عن ابي هريرة.
قال: اتى جبرائيل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: هذه خديجة قد اتت معها اناء فيه ادام - او طعام او شراب - فاذا هي اتتك فاقرا عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.
وقد رواه مسلم من حديث محمد بن فضيل به.
وقال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن اسماعيل قال: قلت لعبد الله بن ابي اوفى: بشَّر النبي صلى الله عليه وسلم خديجة؟
قال: نعم ! ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب.
ورواه البخاري ايضاً، ومسلم من طرق، عن اسماعيل بن ابي خالد به.
قال السهيلي: وانما بشَّرها ببيت في الجنة من قصب - يعني قصب اللؤلؤ - لانها حازت قصب السبق الى الايمان، لا صخب فيه ولا نصب لانها لم ترفع صوتها على النبي صلى الله عليه وسلم ولم تتعبه يوماً من الدهر فلم تصخب عليه يوماً ولا اذته ابداً.
واخرجاه في (الصحيحين) من حديث هشام بن عروة، عن ابيه، عن عائشة رضي الله عنها انها قالت: ما غرت على امراة للنبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة، وهلكت قبل ان يتزوجني - لما كنت اسمعه يذكرها - وامره الله ان يبشرها ببيت في الجنة من قصب، وان كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائلها منها ما يسعهن. لفظ البخاري.
وفي لفظ عن عائشة: ما غرت على امراة ما غرت على خديجة من كثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم اياها، وتزوجني بعدها بثلاث سنين وامره ربه - او جبرائيل - ان يبشرها ببيت في الجنة من قصب.
وفي لفظ له قالت: ما غرت على احد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة - وما رايتها - ولكن كان يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة فيقطعها اعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت: كانه لم يكن في الدنيا امراة الا خديجة فيقول: ((انها كانت وكانت وكان لي منها ولد)). (ج/ص: 3/158).
ثم قال البخاري: حدثنا اسماعيل بن خليل، اخبرنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن ابيه، عن عائشة قالت: استاذنت هالة بنت خويلد اخت خديجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف استئذان خديجة فارتاع، فقال: ((اللهم هالة)).
قالت: فغرت فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، قد ابدلك الله خيراً منها.
وهكذا روى مسلم، عن سويد بن سعيد، عن علي بن مسهر به.
وهذا ظاهر في التقرير على ان عائشة خير من خديجة اما فضلاً واما عشرةً اذا لم ينكر عليها ولا يرد عليها. ذلك كما هو ظاهر سياق البخاري رحمه الله.
ولكن قال الامام احمد: حدثنا مؤمل ابو عبد الرحمن، حدثنا حماد بن سلمة عن عبد الملك - هو ابن عمير -، عن موسى بن طلحة عن عائشة قالت: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً خديجة فاطنب في الثناء عليها، فادركني ما يدرك النساء من الغيرة، فقلت: لقد اعقبك الله يا رسول الله من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين.
قال: فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تغيراً لم اره تغير عند شيء قط الا عند نزول الوحي او عند المخيلة حتى يعلم رحمةً او عذاباً.
وكذا رواه عن بهز بن اسد، وعثمان بن مسلم، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن عبد الملك بن عمير به.
وزاد بعده قوله: حمراء الشدقين، هلكت في الدهر الاول.
قال: قال: فتمعر وجهه تمعراً ما كنت اراه الا عند نزول الوحي او عند المخيلة حتى ينظر رحمة او عذاباً.
تفرد به احمد، وهذا اسناد جيد.
وقال الامام احمد ايضاً: عن ابن اسحاق: اخبرنا مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة.
قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم اذا ذكر خديجة اثنى عليها باحسن الثناء.
قالت: فغرت يوماً فقلت: ما اكثر ما تذكرها حمراء الشدقين، قد ابدلك الله خيراً منها.
قال: ((ما ابدلني الله خيراً منها، وقد امنت بي اذ كفر بي الناس، وصدقتني اذ كذبنني، واستني بمالها اذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها اذ حرمني اولاد النساء)).
تفرد به احمد ايضاً، واسناده لا باس به.
ومجالد روى له مسلم متابعة، وفيه كلام مشهور، والله اعلم.
ولعل هذا اعني قوله: ((ورزقني الله ولدها اذ حرمني اولاد النساء)).
كان قبل ان يولد ابراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم من مارية، وقبل مقدمها بالكلية وهذا معين.
فان جميع اولاد النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم وكما سياتي من خديجة الا ابراهيم فمن مارية القبطية المصرية رضي الله عنها.
وقد استدل بهذا الحديث جماعة من اهل العلم على تفضيل خديجة على عائشة رضي الله عنها وارضاها.
وتكلم اخرون في اسناده وتاوله اخرون على انها كانت خيراً عشرة وهو محتمل او ظاهر.
وسببه ان عائشة تمت بشبابها وحسنها وجميل عشرتها، وليس مرادها بقولها قد ابدلك الله خيراً منها انها تزكي نفسها وتفضلها على خديجة؛ فان هذا امر مرجعه الى الله عز وجل كما قال: {فَلَا تُزَكُّوا اَنْفُسَكُمْ هُوَ اَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: 32].
وقال تعالى: {اَلَمْ تَرَ اِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ اَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} [النساء: 49] الاية. (ج/ص: 3/159).
وهذه مسالة وقع النزاع فيها بين العلماء قديماً وحديثاً، وبجانبها طرقاً يقتصر عليها اهل الشيع وغيرهم ولا يعدلون بخديجة احداً من النساء لسلام الرب عليها، وكون ولد النبي صلى الله عليه وسلم جميعهم - الا ابراهيم - منها، وكونه لم يتزوج عليها حتى ماتت اكراماً لها وتقدير اسلامها، وكونها من الصدِّيقات ولها مقام صدق في اول البعثة، وبذلت نفسها ومالها لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
واما اهل السنة فمنهم من يغلو ايضاً ويثبت لكل واحدة منهما من الفضائل ما هو معروف، ولكن تحملهم قوة التسنن على تفضيل عائشة لكونها ابنة الصديق، ولكونها اعلم من خديجة؛ فانه لم يكن في الامم مثل عائشة في حفظها وعلمها وفصاحتها وعقلها، ولم يكن الرسول يحب احداً من نسائه كمحبته اياها، ونزلت براءتها من فوق سبع سموات، وروت بعده عنه عليه السلام علماً جماً كثيراً طيباً مباركاً فيه.
حتى قد ذكر كثير من الناس الحديث المشهور: ((خذوا شطر دينكم عن الحميراء)).
والحق ان كلاً منهما لها من الفضائل ما لو نظر الناظر فيه لبهره وحيره، والاحسن التوقف في ذلك الى الله عز وجل.
ومن ظهر له دليل يقطع به، او يغلب على ظنه في هذا الباب فذاك الذي يجب عليه ان يقول بما عنده من العلم ومن حصل له توقف في هذه المسالة او في غيرها فالطريق الاقوم، والمسلك الاسلم ان يقول الله اعلم.
وقد روى الامام احمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي والنسائي، من طريق هشام بن عروة، عن ابيه، عن عبد الله بن جعفر، عن علي بن ابي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد)) اي: خير زمانهما.
وروى شعبة، عن معاوية بن قرة، عن ابيه قرة بن اياس رضي الله عنه.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء الا ثلاث: مريم بنت عمران، واسية امراة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)). (ج/ص: 3/160).
رواه ابن مردويه في (تفسيره) وهذا اسناد صحيح الى شعبة وبعده.
قالوا: والقدر المشترك بين الثلاث نسوة؛ اسية ومريم وخديجة ان كلاً منهن كفلت نبياً مرسلاً، واحسنت الصحبة في كفالتها وصدقته.
فاسية: ربت موسى واحسنت اليه وصدقته حين بعث.
ومريم: كفلت ولدها اتم كفالة واعظمها وصدقته حين ارسل.
وخديجة: رغبت في تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، وبذلت في ذلك اموالها كما تقدم وصدقته حين نزل عليه الوحي من الله عز وجل.
وقوله: ((وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)) هو ثابت في (الصحيحين) من طريق شعبة ايضاً، عن عمرو بن مرة، عن مرة الطيب الهمداني، عن ابي موسى الاشعري.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء الا اسية امراة فرعون، ومريم بنت عمران، وان فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)).
والثريد: هو الخبز واللحم جميعاً، وهو افخر طعام العرب كما قال بعض الشعراء:
اذا ما الخبز تادمه بلحم * فذاك امانة الله الثريد
ويحمل قوله: ((وفضل عائشة على النساء)) ان يكون محفوظاً فيعم النساء المذكورات وغيرهن، ويحتمل ان يكون عاماً فيما عداهن ويبقى الكلام فيها وفيهن موقوف يحتمل التسوية بينهن، فيحتاج من رجح واحدة منهن على غيرها الى دليل من خارج والله اعلم.
فصل في تزويجه صلى الله عليه وسلم بعد خديجة رضي الله عنها بعائشة بنت الصديق وسودة بنت زمعة رضي الله عنهما.
والصحيح ان عائشة تزوجها اولاً كما سياتي.
قال البخاري في باب تزويج عائشة: حدثنا معلى بن اسد، حدثنا وهيب، عن هشام بن عروة، عن ابيه، عن عائشة: ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ((اريتك في المنام، مرتين ارى انك في سرقة من حرير ويقول هذه امراتك، فاكشف عنها فاذا هي انت، فاقول ان كان هذا من عند الله يمضه)).
قال البخاري باب نكاح الابكار.
وقال ابن ابي مليكة: قال ابن عباس لعائشة: لم ينكح النبي صلى الله عليه وسلم بكراً غيرك.
حدثنا اسماعيل بن عبد الله، حدثني اخي، عن سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن ابيه، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله ارايت لو نزلت وادياً وفيه شجرة قد اكل منها، ووجدت شجرة لم يؤكل منها في ايها كنت ترتع بعيرك؟
قال: ((في التي لم يرتع منها)) تعني ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكراً غيرها.
(ج/ص: 3/161)
انفرد به البخاري ثم قال: حدثنا عبيد بن اسماعيل، حدثنا ابو اسامة، عن هشام بن عروة، عن ابيه، عن عائشة.
قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اريتك في المنام فيجيء بك الملك في سرقة من حرير فقال لي: هذه امراتك، فكشفت عن وجهك الثوب؛ فاذا هي انت، فقلت: ان يكن هذا من عند الله يمضه)).
وفي رواية: ((اريتك في المنام ثلاث ليال)).
وعند الترمذي: ان جبريل جاءه بصورتها في خرقة من حرير خضراء فقال: هذه زوجتك في الدنيا والاخرة.
وقال البخاري في باب تزويج الصغار من الكبار؛ حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث بن يزيد، عن عراك، عن عروة: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب عائشة الى ابي بكر، فقال له ابو بكر: انما انا اخوك.
فقال: ((انت اخي في دين الله وكتابه وهي لي حلال)).
هذا الحديث ظاهر سياقه كانه مرسل، وهو عند البخاري والمحققين متصل لانه من حديث عروة عن عائشة رضي الله عنها.
وهذا من افراد البخاري رحمه الله.
وقال يونس بن بكير، عن هشام بن عروة، عن ابيه.
قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بعد خديجة بثلاث سنين، وعائشة يومئذ ابنة ست سنين وبنى بها وهي ابنة تسع، ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة ابنة ثمانية عشرة سنة، وهذا غريب.
وقد روى البخاري، عن عبيد بن اسماعيل، عن ابي اسامة، عن هشام بن عروة، عن ابيه.
قال: توفيت خديجة قبل مخرج النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين فلبث سنتين - او قريباً من ذلك - ونكح عائشة وهي بنت ست سنين، ثم بنى بها وهي بنت تسع سنين.
وهذا الذي قاله عروة مرسل في ظاهر السياق كما قدمنا، ولكنه في حكم المتصل في نفس الامر.
وقوله: تزوجها وهي ابنة ست سنين وبنى بها وهي ابنة تسع ما لا خلاف فيه بين الناس - وقد ثبت في (الصحاح) وغيرها - وكان بناؤه بها عليه السلام في السنة الثانية من الهجرة الى المدينة.
واما كون تزويجها كان بعد موت خديجة بنحو ثلاث سنين ففيه نظر.
فان يعقوب بن سفيان الحافظ قال: حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن ابيه، عن عائشة قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم متوفى خديجة قبل مخرجه من مكة، وانا ابنة سبع - او ست سنين - فلما قدمنا المدينة جاءني نسوة وانا العب في ارجوحة وانا مجممة، فهيانني وصنعنني، ثم اتين بي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبنى بي وانا ابنة تسع سنين.
فقوله في هذا الحديث: - متوفى خديجة - يقتضي انه على اثر ذلك قريباً، اللهم الا ان يكون قد سقط من النسخة بعد متوفى خديجة فلا ينفي ما ذكره يونس بن بكير، وابو اسامة، عن هشام بن عروة، عن ابيه، والله اعلم.
وقال البخاري: حدثنا فروة بن ابي المغراء، حدثنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن ابيه، عن عائشة.
قالت: تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم وانا بنت ست سنين، فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج
فوعكت فتمزق شعري، وقد وفت لي جميمة، فاتتني امي ام رومان، واني لفي ارجوحة ومعي صواحب لي، فصرخت بي فاتيتها ما ادري ما تريد مني، فاخذت بيدي حتى اوقفتني على باب الدار، واني لانهج حتى سكن بعض نفسي، ثم اخذت شيئاً من ماء فمست به وجهي وراسي، ثم ادخلتني الدار. (ج/ص: 3/162)
قال: فاذا نسوة من الانصار في البيت فقلن: على الخير والبركة وعلى خير طائر، فاسلمتني اليهن فاصلحن من شاني فلم يرعني الا رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحىً، فاسلمنني اليه وانا يومئذٍ بنت تسع سنين.
وقال الامام احمد في مسند عائشة ام المؤمنين: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا بشر، حدثنا محمد بن عمرو، حدثنا ابو سلمة ويحيى قالا: قالت عائشة: لما هلكت خديجة جاءت خولة بنت حكيم امراة عثمان بن مظعون فقالت: يا رسول الله الا تزوج؟
قال: ((من ؟)).
قالت: ان شئت بكراً وان شئت ثيباً.
قال: ((فمن البكر؟)).
قالت: احب خلق الله اليك عائشة ابنة ابي بكر.
قال: ((ومن الثيب؟)).
قالت: سودة بنت زمعة قد امنت بك واتبعتك.
قال: ((فاذهبي فاذكريهما علي)).
فدخلت بيت ابي بكر فقالت: يا ام رومان ماذا ادخل الله عليك من الخير والبركة؟
قالت: وما ذاك؟
قالت: ارسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم اخطب عليه عائشة.
قالت: انظري ابا بكر حتى ياتي، فجاء ابو بكر فقلت: يا ابا بكر ماذا ادخل الله عليكم من الخير والبركة ؟
قال: وما ذاك؟
قالت: ارسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم اخطب عليه عائشة.
قال: وهل تصلح له انما هي ابنة اخيه، فرجعت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له.
قال: ((ارجعي اليه فقولي له: انا اخوك وانت اخي في الاسلام وابنتك تصلح لي)).
فرجعت فذكرت ذلك له.
قال: انتظري وخرج.
قالت ام رومان: ان مطعم بن عدي قد ذكرها على ابنه، ووالله ما وعد ابو بكر وعداً قط فاخلفه، فدخل ابو بكر على مطعم بن عدي وعنده امراته ام الصبي فقالت: يا ابن ابي قحافة لعلك مصبي صاحبنا تدخله في دينك الذي انت عليه ان تزوج اليك؟
فقال ابو بكر للمطعم ابن عدي: اقول هذه تقول ؟
قال: انها تقول ذلك.
فخرج من عنده وقد اذهب الله ما كان في نفسه من عِدته التي وعده، فرجع فقال لخولة: ادعي لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعته فزوجها اياه وعائشة يومئذٍ بنت ست سنين.
ثم خرجت فدخلت على سودة بنت زمعة فقالت: ما ادخل الله عليك من الخير والبركة؟
قالت: وما ذاك؟
قالت: ارسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم اخطبك اليه.
قالت: وددت، ادخلي الى ابي - بكر - فاذكري ذلك له - وكان شيخاً كبيراً قد ادركه السن قد تخلف عن الحج - فدخلت عليه فحييته بتحية الجاهلية.
فقال: من هذه؟
قالت: خولة بنت حكيم.
قال: فما شانك؟
قالت: ارسلني محمد بن عبد الله اخطب عليه سودة.
فقال: كفؤ كريم ماذا تقول صاحبتك؟
قالت: تحب ذلك.
قال: ادعيها الي، فدعتها.
قال: اي بنية ان هذه تزعم ان محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد ارسل بخطبتك وهو كفؤ كريم، اتحبين ان ازوجك به؟ (ج/ص: 3/163)
قالت: نعم.
قال: ادعيه لي، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجها اياه، فجاء اخوها عبد بن زمعة من الحج فجاء يحثي على راسه التراب.
فقال بعد ان اسلم: لعمرك اني لسفيه يوم احثي في راسي التراب ان تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة.
قالت عائشة: فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج في السنح.
قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بيتنا واجتمع اليه رجال من الانصار ونساء، فجاءتني امي وانا لفي ارجوحة بين عذقين يرجح بي، فانزلتني من الارجوحة ولي جميمة ففرقتها، ومسحت وجهي بشيء من الماء.
ثم اقبلت تقودني حتى وقفت بي عند الباب واني لانهج حتى سكن من نفسي، ثم دخلت بي فاذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على سرير في بيتنا وعنده رجال ونساء من الانصار، فاجلستني في حجرة ثم قالت: هؤلاء اهلك فبارك الله لك فيهم، وبارك لهم فيك.
فوثب الرجال والنساء فخرجوا، وبنى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتنا ما نحرت علي جزور، ولا ذبحت علي شاة، حتى ارسل الينا سعد بن عبادة بجفنة كان يرسل بها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا دار الى نسائه، وانا يومئذٍ ابنة تسع سنين.
وهذا السياق كانه مرسل وهو متصل لما رواه البيهقي من طريق احمد بن عبد الجبار: حدثنا عبد الله بن ادريس الازدي، عن محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: قالت عائشة: لما ماتت خديجة جاءت خولة بنت حكيم فقالت يا رسول الله: الا تزوج؟
قال: ((ومن ؟)).
قالت: ان شئت بكراً وان شئت ثيباً.
قال: ((من البكر ومن الثيب؟)).
قالت: اما البكر فابنة احب خلق الله اليك: عائشة، واما الثيب: فسودة بنت زمعة قد امنت بك واتبعتك.
قال: ((فاذكريهما علي)). وذكر تمام الحديث نحو ما تقدم.
وهذا يقتضي ان عقده على عائشة كان متقدماً على تزويجه بسودة بنت زمعة، ولكن دخوله على سودة كان بمكة، واما دخوله على عائشة فتاخر الى المدينة في السنة الثانية كما تقدم، وكما سياتي.
وقال الامام احمد: حدثنا اسود، حدثنا شريك، عن هشام، عن ابيه، عن عائشة.
قالت: لما كبرت سودة وهبت يومها لي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لي بيومها مع نسائه.
قالت: وكانت اول امراة تزوجها بعدي.
وقال الامام احمد: حدثنا ابو النضر، حدثنا عبد الحميد، حدثني شهر، حدثني عبد الله بن عباس: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب امراة من قومه يقال لها سودة، وكانت مصبية كان لها خمس صبية - او ست من بعلها - مات.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما يمنعك مني؟)).
قالت: والله يا نبي الله ما يمنعني منك ان لا تكون احب البرية الي، ولكني اكرمك ان يمنعوا هؤلاء الصبية عند راسك بكرة وعشية. (ج/ص: 3/164)
قال: ((فهل منعك مني غير ذلك؟)).
قالت: لا والله.
قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يرحمك الله ان خير نساء ركبن اعجاز الابل، صالح نساء قريش احناه على ولد في صغره، وارعاه على بعل بذات يده)).
قلت: وكان زوجها قبله عليه السلام السكران بن عمرو اخو سهيل بن عمرو، وكان ممن اسلم وهاجر الى الحبشة كما تقدم.
ثم رجع الى مكة فمات بها قبل الهجرة رضي الله عنه.
هذه السياقات كلها دالة على ان العقد على عائشة كان متقدماً على العقد بسودة، وهو قول عبد الله بن محمد بن عقيل.
ورواه يونس، عن الزهري، واختار ابن عبد البر ان العقد على سودة قبل عائشة، وحكاه عن قتادة وابي عبيد.
قال: ورواه عقيل عن الزهري.
فصل اجتراء قريش على رسول الله بعد وفاة عمه ابي طالب.
قد تقدم ذكر موت ابي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانه كان ناصراً له وقائماً في صفه ومدافعاً عنه بكل ما يقدر عليه من نفس ومال ومقال وفعال، فلما مات اجترا سفهاء قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونالوا منه ما لم يكونوا يصلون اليه ولا يقدرون عليه.
كما قد رواه البيهقي، عن الحاكم، عن الاصم: حدثنا محمد بن اسحاق الصنعاني، حدثنا يوسف بن بهلول، حدثنا عبد الله بن ادريس، حدثنا محمد بن اسحاق، عمن حدثه، عن عروة بن الزبير، عن عبد الله بن جعفر.
قال: لما مات ابو طالب عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم سفيه من سفهاء قريش، فالقى عليه تراباً، فرجع الى بيته فاتت امراة من بناته تمسح عن وجهه التراب وتبكي، فجعل يقول: ((اي بنية لا تبكين فان الله مانع اباك)).
ويقول ما بين ذلك: ((ما نالت قريش شيئاً اكرهه حتى مات ابو طالب ثم شرعوا)).
قد رواه زياد البكائي، عن محمد بن اسحاق، عن هشام بن عروة، عن ابيه مرسلاً، والله اعلم.
وروى البيهقي ايضاً، عن الحاكم وغيره، عن الاصم، عن احمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن هشام بن عروة، عن ابيه: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما زالت قريش كاعين حتى مات ابو طالب)). (ج/ص: 3/165)
ثم رواه عن الحاكم، عن الاصم، عن عباس الدوري، عن يحيى بن معين، حدثنا عقبة المجدر، عن هشام بن عروة، عن ابيه، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: ((ما زالت قريش كاعة حتى توفي ابو طالب)).
وقد روى الحافظ ابو الفرج ابن الجوزي بسنده عن ثعلبة بن صغير، وحكيم بن حزام انهما قالا: لما توفي ابو طالب وخديجة - وكان بينهما خمسة ايام - اجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيبتان، ولزم بيته واقل الخروج، ونالت منه قريش ما لم تكن تنال ولا تطمع فيه، فبلغ ذلك ابا لهب فجاءه فقال: يا محمد امض لما اردت وما كنت صانعاً اذ كان ابو طالب حياً فاصنعه، لا واللات لا يوصل اليك حتى اموت.
وسبَّ ابن الغيطلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقبل اليه ابو لهب فنال منه، فولى يصيح يا معشر قريش صبا ابو عتبة، فاقبلت قريش حتى وقفوا على ابي لهب فقال: ما فارقت دين عبد المطلب، ولكني امنع ابن اخي ان يضام حتى يمضي لما يريد.
فقالوا: لقد احسنت واجملت ووصلت الرحم، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك اياماً ياتي ويذهب لا يعرض له احد من قريش، وهابوا ابا لهب اذ جاء عقبة بن ابي معيط وابو جهل الى ابي لهب فقالا له: اخبرك ابن اخيك اين مدخل ابيك ؟
فقال له ابو لهب: يا محمد اين مدخل عبد المطلب ؟
قال: ((مع قومه)).
فخرج اليهما فقال: قد سالته فقال: مع قومه.
فقالا: يزعم انه في النار.
فقال: يا محمد ايدخل عبد المطلب النار ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ومن مات على ما مات عليه عبد المطلب دخل النار))
فقال: ابو لهب - لعنه الله - والله لا برحت لك الا عدواً ابداً وانت تزعم ان عبد المطلب في النار، واشتد عند ذلك ابو لهب وسائر قريش عليه.
قال ابن اسحاق: وكان النفر الذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته: ابو لهب، والحكم بن ابي العاص بن امية، وعقبة بن ابي معيط، وعدي بن الحمراء، وابن الاصداء الهذلي - وكانوا جيرانه - لم يسلم منهم احد الا الحكم بن ابي العاص.
وكان احدهم - فيما ذكر لي - يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلي، وكان احدهم يطرحها في برمته اذا نصبت له، حتى اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجراً يستتر به منهم اذا صلى، فكان اذا طرحوا شيئاً من ذلك يحمله على عود، ثم يقف به على بابه، ثم يقول: ((يا بني عبد مناف اي جوار هذا؟)) ثم يلقيه في الطريق.
قلت: وعندي ان غالب ما روي مما تقدم من طرحهم سلا الجزور بين كتفيه وهو يصلي.
كما رواه ابن مسعود وفيه ان فاطمة جاءت فطرحته عنه واقبلت عليهم فشتمتهم، ثم لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على سبعة منهم كما تقدم.
وكذلك ما اخبر به عبد الله بن عمرو بن العاص من خنقهم له عليه السلام خنقاً شديداً حتى حال دونه ابو بكر الصديق قائلاً: اتقتلون رجلا ان يقول ربي الله؟
وكذلك عزم ابي جهل - لعنه الله - على ان يطا على عنقه وهو يصلي فحيل بينه وبين ذلك، وما اشبه ذلك كان بعد وفاة ابي طالب، والله اعلم.
فذكرها ههنا انسب واشبه. (ج/ص: 3/166)
فصل في ذهابه صلى الله عليه وسلم الى اهل الطائف يدعوهم الى دين الله
قال ابن اسحاق: فلما هلك ابو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاذى ما لم تكن نالته منه في حياة عمه ابي طالب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الطائف، يلتمس من ثقيف النصرة والمنعة بهم من قومه، ورجا ان يقبلوا منه ما جاءهم به من الله تعالى، فخرج اليهم وحده.
قال ابن اسحاق: فحدثني يزيد بن ابي زياد، عن محمد بن كعب القرظي.
قال: انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الطائف وعمد الى نفر من ثقيف هم سادة ثقيف واشرافهم وهم اخوة ثلاثة: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب بنو عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف.
وعند احدهم امراة من قريش من بني جمح، فجلس اليهم فدعاهم الى الله، وكلمهم لما جاءهم له من نصرته على الاسلام والقيام معه على من خالفه من قومه.
فقال احدهم: هو يمرط ثياب الكعبة ان كان الله ارسلك.
وقال الاخر: اما وجد الله احداً ارسله غيرك؟
وقال الثالث: والله لا اكلمك ابداً لئن كنت رسولاً من الله كما تقول لانت اعظم خطراً من ان ارد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي ان اكلمك.
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم - فيما ذكر لي -: ((ان فعلتم ما فعلتم فاكتموا علي)).
وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يبلغ قومه عنه فيذئرهم ذلك عليه، فلم يفعلوا واغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس والجئوه الى حائط لعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وهما فيه.
ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد الى ظل حبلة من عنب، فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران اليه، ويريان ما يلقى من سفهاء اهل الطائف.
وقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر لي - المراة التي من بني جمح، فقال لها: ((ماذا لقينا من احمائك؟)).
فلما اطمان قال - فيما ذكر -:
((اللهم اليك اشكو ضعف قوتي وهواني على الناس، يا ارحم الراحمين انت رب المستضعفين وانت ربي، الى من تكلني الى بعيد يتجهمني ام الى عدو ملكته امري، ان لم يكن بك غضب علي فلا ابالي ولكن عافيتك هي اوسع لي، اعوذ بنور وجهك الذي اشرقت له الظلمات، وصلح عليه امر الدنيا والاخرة من ان تنزل بي غضبك، او تحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى لا حول ولا قوة الا بك)). (ج/ص: 3/167)
قال: فلما راه ابنا ربيعة عتبة وشيبة وما لقي، تحركت له رحمهما فدعوا غلاماً نصرانياً يقال له: عداس، وقالا له: خذ قطفاً من هذا العنب فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به الى ذلك الرجل، فقل له ياكل منه، ففعل عداس.
ثم ذهب به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال له: كل.
فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فيه قال: ((بسم الله)).
ثم اكل، ثم نظر عداس في وجهه ثم قال: والله ان هذا الكلام ما يقوله اهل هذه البلاد.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ومن اهل اي بلاد انت يا عداس وما دينك؟)).
قال: نصراني وانا رجل من اهل نينوى.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قرية الرجل الصالح يونس بن متى)).
فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ذلك اخي كان نبياً وانا نبي)).
فاكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل راسه ويديه وقدميه.
قال: يقول ابناء ربيعة احدهما لصاحبه اما غلامك فقد افسده عليك، فلما جاء عداس قالا له: ويلك يا عداس ! مالك تقبل راس هذا الرجل ويديه وقدميه ؟
قال: يا سيدي ما في الارض شيء خير من هذا لقد اخبرني بامر ما يعلمه الا نبي.
قالا له: ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فان دينك خير من دينه.
وقد ذكر موسى بن عقبة نحواً من هذا السياق الا انه لم يذكر الدعاء، وزاد: وقعد له اهل الطائف صفين على طريقه، فلما مرَّ جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما الا رضخوهما بالحجارة حتى ادموه، فخلص منهم وهما يسيلان الدماء، فعمد الى ظل نخلة وهو مكروب، وفي ذلك الحائط عتبة وشيبة ابنا ربيعة، فكره مكانهما لعداوتهما الله ورسوله.
ثم ذكر قصة عداس النصراني كنحو ما تقدم.
وقد روى الامام احمد، عن ابي بكر بن ابي شيبة: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عبد الرحمن بن خالد بن ابي جبل العدواني، عن ابيه: انه ابصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشرق ثقيف وهو قائم على قوس - او عصى - حين اتاهم يبتغي عندهم النصر فسمعته يقول: {والسماء والطارق} حتى ختمها.
قال: فوعيتها في الجاهلية وانا مشرك ثم قراتها في الاسلام.
قال: فدعتني ثقيف فقالوا: ماذا سمعت من هذا الرجل؟
فقراتها عليهم. (ج/ص: 3/168)
فقال من معهم من قريش: نحن اعلم بصاحبنا لو كنا نعلم ما يقول حقاً لاتبعناه.
وثبت في (الصحيحين) من طريق عبد الله بن وهب: اخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال: اخبرني عروة بن الزبير ان عائشة حدثته: انها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل اتى عليك يوم اشد عليك من يوم احد ؟
قال: ((ما لقيت من قومك كان اشد منه يوم العقبة اذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني الى ما اردت، فانطلقت وانا مهموم على وجهي فلم استفق الا وانا بقرن الثعالب، فرفعت راسي فاذا انا بسحابة قد اظلتني، فنظرت فاذا فيها جبريل عليه السلام فناداني فقال:
ان الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث لك ملك الجبال لتامره بما شئت فيهم، ثم ناداني ملك الجبال فسلَّم علي ثم قال: يا محمد ! قد بعثني الله ان الله قد سمع قول قومك لك، وانا ملك الجبال، قد بعثني اليك ربك لتامرني ما شئت، ان شئت تطبق عليهم الاخشبين؟)).
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ارجو ان يخرج الله من اصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً)).
فصل سماع الجن لقراءة رسول الله عليه الصلاة والسلام.
وقد ذكر محمد بن اسحاق سماع الجن لقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك مرجعه من الطائف حين بات بنخلة وصلى باصحابه الصبح، فاستمع الجن الذين صرفوا اليه قراءته هنالك.
قال ابن اسحاق: وكانوا سبعة نفر من جن اهل نصيبين وانزل الله تعالى فيهم قوله: {وَاِذْ صَرَفْنَا اِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ} [الاحقاف: 29].
قلت: وقد تكلمنا على ذلك مستقصى في التفسير، وتقدم قطعة من ذلك والله اعلم.
ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة مرجعه من الطائف في جوار المطعم بن عدي، وازداد قومه عليه حنقاً وغيظاً وجراةً وتكذيباً وعناداً، والله المستعان وعليه التكلان.
وقد ذكر الاموي في (مغازيه): ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث اريقط الى الاخنس بن شريق، فطلب منه ان يجيره بمكة. (ج/ص: 3/169)
فقال: ان حليف قريش لا يجير على صميمها، ثم بعثه الى سهيل بن عمرو ليجيره فقال: ان بني عامر بن لؤي لا تجير على بني كعب بن لؤي، فبعثه الى المطعم بن عدي ليجيره فقال: نعم قل له: فليات.
فذهب اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فبات عنده تلك الليلة، فلما اصبح خرج معه هو وبنوه ستة - او سبعة - متقلدي السيوف جميعاً، فدخلوا المسجد وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: طف واحتبوا بحمائل سيوفهم في المطاف، فاقبل ابو سفيان الى مطعم فقال: امجير او تابع؟
قال: لا بل مجير.
قال: اذاً لا تخفر، فجلس معه حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم طوافه، فلما انصرف انصرفوا معه وذهب ابو سفيان الى مجلسه.
قال: فمكث اياماً، ثم اذن له في الهجرة فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة توفي مطعم بن عدي بعده بيسير.
فقال حسان بن ثابت: والله لارثينه فقال فيما قال:
فلو كان مجد مخلد اليوم واحد * من الناس نحي مجده اليوم مطعما
اجرت رسول الله منهم فاصبحوا * عبادك ما لبى محل واحرما
فلو سئلت عنه معد باسرها * وقحطان او باقي بقية جرهما
لقالوا هو الموفي بخفرة جاره * وذمته يوماً اذا ما تجشما
وما تطلع الشمس المنيرة فوقهم * على مثله فيهم اعز واكرما
اباءً اذا يابى والين شيمة * وانوم عن جار اذا الليل اظلما
قلت: ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم اسارى بدر: ((لو كان المطعم بن عدي حياً ثم سالني في هؤلاء النقباء لوهبتهم له)).
فصل في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه الكريمة على احياء العرب.
قال ابن اسحاق: ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وقومه اشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه الا قليلاً مستضعفين ممن امن به، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في المواسم - اذا كانت - على قبائل العرب يدعوهم الى الله عز وجل، ويخبرهم انه نبي مرسل، ويسالهم ان يصدقوه ويمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به.
(ج/ص: 3/170)
قال ابن اسحاق: فحدثني من اصحابنا من لا اتهم، عن زيد بن اسلم، عن ربيعة بن عباد الدؤلي - ومن حدثه ابو الزناد عنه - وحدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال: سمعت ربيعة عباد يحدثه ابي قال: اني لغلام شاب مع ابي بمنى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على منازل القبائل من العرب فيقول:
((يا بني فلان اني رسول الله اليكم امركم ان تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وان تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الانداد، وان تؤمنوا بي وتصدقوا بي وتمنعوني حتى ابين عن الله ما بعثني به)).
قال: وخلفه رجل احول وضيء له غديرتان عليه حلة عدنية، فاذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وما دعا اليه قال ذلك الرجل: يا بني فلان ان هذا انما يدعوكم الى ان تسلخوا اللات والعزى من اعناقكم، وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن اقيش الى ما جاء به من البدعة والضلالة فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه.
قال: فقلت لابي يا ابت من هذا الرجل الذي يتبعه ويرد عليه ما يقول؟
قال: هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب ابو لهب.
وقد روى الامام احمد هذا الحديث عن ابراهيم بن ابي العباس: حدثنا عبد الرحمن بن ابي الزناد، عن ابيه: اخبرني رجل يقال له ربيعة بن عباد من بني الدئل وكان جاهلياً فاسلم.
قال: رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: ((يا ايها الناس قولوا لا اله الا الله تفلحوا)). والناس مجتمعون عليه ووراءه رجل وضيء الوجه احول ذو غديرتين يقول: انه صابئ كاذب يتبعه حيث ذهب.
فسالت عنه فقالوا: هذا عمه ابو لهب.
ورواه البيهقي من طريق محمد بن عبد الله الانصاري، عن محمد بن عمرو، عن محمد بن المنكدر، عن ربيعة الدئلي: رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم الى الله، ووراءه رجل احول تقد وجنتاه وهو يقول: ايها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين ابائكم.
قلت: من هذا؟
قالوا: هذا ابو لهب.
وكذا رواه ابو نعيم في (الدلائل) من طريق ابن ابي ذئب، وسعيد بن سلمة بن ابي الحسام كلاهما عن محمد بن المنكدر به نحوه.
ثم رواه البيهقي من طريق شعبة، عن الاشعث بن سليم، عن رجل من كنانة قال: رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز وهو يقول: ((يا ايها الناس قولوا لا اله الا الله تفلحوا)).
واذا رجل خلفه يسفي عليه التراب فاذا هو ابو جهل وهو يقول: يا ايها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم، فانما يريد ان تتركوا عبادة اللات والعزى.
كذا قال في هذا السياق ابو جهل.
وقد يكون وهماً ويحتمل ان يكون تارة يكون ذا، وتارة يكون ذا، وانهما كانا يتناوبان على اذائه صلى الله عليه وسلم.
قال ابن اسحاق: وحدثني ابن شهاب الزهري: انه عليه السلام اتى كندة في منازلهم وفيهم سيد لهم يقال له مليح، فدعاهم الى الله عز وجل وعرض عليهم نفسه، فابوا عليه.
(ج/ص: 3/171)
قال ابن اسحاق: وحدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حصين انه اتى كلباً في منازلهم الى بطن منهم يقال لهم: بنو عبد الله فدعاهم الى الله وعرض عليهم نفسه، حتى انه ليقول: ((يا بني عبد الله ان الله قد احسن اسم ابيكم))، فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم.
وحدثني بعض اصحابنا عن عبد الله بن كعب بن مالك: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اتى بني حنيفة في منازلهم فدعاهم الى الله وعرض عليهم نفسه، فلم يك احد من العرب اقبح رداً عليه منهم.
وحدثني الزهري انه اتى بني عامر بن صعصعة، فدعاهم الى الله وعرض عليهم نفسه فقال له رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس: والله لو اني اخذت هذا الفتى من قريش لاكلت به العرب.
ثم قال له: ارايت ان نحن تابعناك في امرك ثم اظهرك الله على من يخالفك ايكون لنا الامر من بعدك ؟
قال: ((الامر لله يضعه حيث يشاء)).
قال: فقال له: افنهدف نحورنا للعرب دونك فاذا اظهرك الله كان الامر لغيرنا ! لا حاجة لنا بامرك فابوا عليه.
فلما صدر الناس رجعت بنو عامر الى شيخ لهم، قد كان ادركه السن حتى لا يقدر ان يوافي معهم المواسم، فكانوا اذا رجعوا اليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم، فلما قدموا عليه ذلك العام سالهم عما كان في موسمهم.
فقالوا: جاءنا فتى من قريش، ثم احد بني عبد المطلب يزعم انه نبي، يدعونا الى ان نمنعه ونقوم معه ونخرج به الى بلادنا.
قال: فوضع الشيخ يده على راسه، ثم قال: يا بني عامر هل لها من تلاف؟ هل لذناباها من مطلب؟ والذي نفس فلان بيده ما تقوَّلها اسماعيلي قط، وانها لحق فاين رايكم كان عنكم ؟
وقال موسى بن عقبة عن الزهري: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم، ويكلم كل شريف قوم لا يسالهم مع ذلك الا ان يؤوه ويمنعوه، ويقول: ((لا اُكره احداً منكم على شيء من رضي منكم بالذي ادعوه اليه فذلك ومن كره لم اكرهه انما اريد ان تحرزوني فيما يراد لي من القتل حتى ابلغ رسالة ربي، وحتى يقضي الله لي ولمن صحبني بما شاء)).
فلم يقبله احد منهم وما يات احداً من تلك القبائل الا قال: قوم الرجل اعلم به، اترون ان رجلاً يصلحنا وقد افسد قومه ولفظوه ؟! وكان ذلك مما ذخره الله للانصار واكرمهم به.
(ج/ص: 3/172)
وقد روى الحافظ ابو نعيم من طريق عبد الله بن الاجلح ويحيى بن سعيد الاموي كلاهما عن محمد بن السائب الكلبي عن ابي صالح عن ابن عباس عن العباس قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا ارى لي عندك ولا عند اخيك منعة فهل انت مخرجي الى السوق غداً حتى نقر في منازل قبائل الناس)).
وكانت مجمع العرب قال: فقلت: هذه كندة ولفها وهي افضل من يحج البيت من اليمن وهذه منازل بكر بن وائل، وهذه منازل بني عامر بن صعصعة، فاختر لنفسك ؟
قال: فبدا بكندة فاتاهم، فقال: ((ممن القوم ؟)).
قالوا: من اهل اليمن.
قال: ((من اي اليمن ؟)).
قالوا: من كندة.
قال: ((من اي كندة ؟)).
قالوا: من بني عمرو بن معاوية.
قال: ((فهل لكم الى خير ؟)).
قالوا: وما هو؟
قال: ((تشهدون ان لا اله الا الله وتقيمون الصلاة وتؤمنون بما جاء من عند الله)).
قال عبد الله بن الاجلح: وحدثني ابي عن اشياخ قومه ان كندة قالت له: ان ظفرت تجعل لنا الملك من بعدك؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ان الملك لله يجعله حيث يشاء)).
فقالوا: لا حاجة لنا فيما جئتنا به.
وقال الكلبي: فقالوا: اجئتنا لتصدنا عن الهتنا وننابذ العرب، الحق بقومك فلا حاجة لنا بك.
فانصرف من عندهم فاتى بكر بن وائل فقال: ((ممن القوم ؟)).
قالوا: من بكر بن وائل.
فقال: ((من اي بكر بن وائل ؟)).
قالوا: من بني قيس بن ثعلبة.
قال: ((كيف العدد ؟)).
قالوا: كثير مثل الثرى.
قال: ((فكيف المنعة ؟)).
قالوا: لا منعة جاورنا فارس فنحن لا نمتنع منهم ولا نجير عليهم.
قال: ((فتجعلون لله عليكم ان هو ابقاكم حتى تنزلوا منازلهم وتستنكحوا نساءهم وتستعبدوا ابناءهم ان تسبحوا الله ثلاثاً وثلاثين، وتحمدوه ثلاثاً وثلاثين، وتكبروه اربعاً وثلاثين)).
قالوا: ومن انت؟
قال: ((انا رسول الله)).
ثم انطلق فلما ولى عنهم قال الكلبي: وكان عمه ابو لهب يتبعه فيقول للناس: لا تقبلوا قوله، ثم مر ابو لهب فقالوا: هل تعرف هذا الرجل؟
قال: نعم هذا في الذروة منا فعن اي شانه تسالون؟
فاخبروه بما دعاهم اليه وقالوا: زعم انه رسول الله.
قال: الا لا ترفعوا براسه قولاً فانه مجنون يهذي من ام راسه.
قالوا: قد راينا ذلك حين ذكر من امر فارس ما ذكر.
قال الكلبي: فاخبرني عبد الرحمن المعايري عن اشياخ من قومه قالوا: اتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بسوق عكاظ فقال: ((ممن القوم ؟)).
قلنا: من بني عامر بن صعصعة.
قال: ((من اي بني عامر بن صعصعة ؟)).
قالوا: بنو كعب بن ربيعة.
قال: ((كيف المنعة فيكم ؟)).
قلنا: لا يرام ما قبلنا، ولا يسطلى بنارنا.
قال: فقال لهم: ((اني رسول الله واتيكم لتمنعوني حتى ابلغ رسالة ربي ولااُكره احداً منكم على شيء)).
قالوا: ومن اي قريش انت؟
قال: ((من بني عبد المطلب)).
قالوا: فاين انت من عبد مناف؟
قال: ((هم اول من كذبني وطردني)).
قالوا: ولكنا لا نطردك ولا نؤمن بك وسنمنعك حتى تبلغ رسالة ربك.
قال: فنزل اليهم والقوم يتسوقون، اذ اتاهم بيحرة بن فراس القشيري فقال: من هذا الرجل اراه عندكم انكره؟ (ج/ص: 3/173).
قالوا: محمد بن عبد الله القرشي.
قال: فما لكم وله؟
قالوا: زعم لنا انه رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلب الينا ان نمنعه حتى يبلغ رسالة ربه.
قال: ماذا رددتم عليه؟
قالوا: بالترحيب والسعة نخرجك الى بلادنا ونمنعك ما نمنع به انفسنا.
قال بحيرة: ما اعلم احداً من اهل هذه السوق يرجع بشيء اشد من شيء ترجعون به بدا تم ثم لتنابذوا الناس وترميكم العرب عن قوس واحدة، قومه اعلم به لو انسوا منه خيراً لكانوا اسعد الناس به، اتعمدون الى زهيق قد طرده قومه وكذبوه فتؤوونه وتنصرونه فبئس الراي رايتم.
ثم اقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قم فالحق بقومك، فوالله لولا انك عند قومي لضربت عنقك.
قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم الى ناقته فركبها فغمز الخبيث بيحرة شاكلتها فقمصت برسول الله صلى الله عليه وسلم فالقته.
وعند بني عامر يومئذٍ ضباعة ابنة عامر بن قرط، كانت من النسوة اللاتي اسلمن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة جاءت زائرة الى بني عمها فقالت: يا ال عامر - ولا عامر لي - ايصنع هذا برسول الله بين اظهركم لا يمنعه احد منكم ؟
فقام ثلاثة من بني عمها الى بيحرة واثنين اعاناه، فاخذ كل رجل منهم رجلاً فجلد به الارض، ثم جلس على صدره ثم علوا وجوههم لطماً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم بارك على هؤلاء والعن هؤلاء))
قال: فاسلم الثلاثة الذين نصروه وقتلوا شهداء وهم: غطيف، وغطفان ابنا سهل، وعروة - او عذرة - بن عبد الله بن سلمة رضي الله عنهم.
وقد روى هذا الحديث بتمامه الحافظ سعيد بن يحيى بن سعيد الاموي في (مغازيه) عن ابيه به.
وهلك الاخرون: وهم بيحرة بن فراس، وحزن بن عبد الله بن سلمة بن قشير، ومعاوية بن عبادة احد بني عقيل - لعنهم الله لعناً كثيراً -، وهذا اثر غريب كتبناه لغرابته والله اعلم.
وقد روى ابو نعيم له شاهداً من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه في قصة عامر بن صعصعة وقبيح ردهم عليه واغرب من ذلك واطول ما رواه ابو نعيم والحاكم والبيهقي - والسياق لابي نعيم رحمهم الله - من حديث ابان بن عبد الله البجلي، عن ابان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عباس حدثني علي بن ابي طالب
قال: لما امر الله رسوله صلى الله عليه وسلم ان يعرض نفسه على قبائل العرب، خرج وانا معه، وابو بكر الى منى حتى دفعنا الى مجلس من مجالس العرب، فتقدم ابو بكر رضي الله عنه فسلم، وكان ابو بكر مقدماً في كل خير، وكان رجلاً نسابة.
فقال: ممن القوم؟
قالوا: من ربيعة.
قال: واي ربيعة انتم امن هامها ام من لهازمها؟ (ج/ص: 3/174).
قالوا: بل من هامها العظمى.
قال ابو بكر: فمن اي هامتها العظمى انتم؟
فقالوا: ذهل الاكبر.
قال لهم ابو بكر: منكم عوف الذي كان يقال له لاحر بوادي عوف؟
قالوا: لا.
قال: فمنكم بسطام بن قيس: ابو اللواء ومنتهى الاحياء ؟
قالوا: لا.
قال: فمنكم الحوفزان بن شريك قاتل الملوك وسالبها انفسها؟
قالوا: لا.
قال: فمنكم جساس بن مرة بن ذهل حامي الذمار ومانع الجار؟
قالوا: لا.
قال: فمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة؟
قالوا: لا.
قال: فانتم اخوال الملوك من كندة؟
قالوا: لا.
قال: فانتم اصهار الملوك من لخم؟
قالوا: لا.
قال لهم ابو بكر رضي الله عنه: فلستم بذهل الاكبر بل انتم من ذهل الاصغر.
قال: فوثب اليه منهم غلام يدعى دغفل بن حنظلة الذهلي - حين بقل وجهه - فاخذ بزمام ناقة ابي بكر وهو يقول:
ان على سائلنا ان نساله * والعبء لا نعرفه او نحمله
يا هذا انك سالتنا فاخبرناك ولم نكتمك شيئاً، ونحن نريد ان نسالك فمن انت؟
قال: رجل من قريش.
فقال الغلام: بخ بخ اهل السؤدد والرئاسة قادمة العرب وهاديها فمن انت من قريش؟
فقال له: رجل من بني تيم بن مرة.
فقال له الغلام: امكنت والله الرامي من سواء الثغرة؟ افمنكم قصي بن كلاب الذي قتل بمكة المتغلبين عليها واجلى بقيتهم، وجمع قومه من كل اوب حتى اوطنهم مكة، ثم استولى على الدار، وانزل قريشاً منازلها فسمته العرب بذلك مجمعاً وفيه يقول الشاعر:
اليس ابوكم كان يدعى مجمعاً * به جمع الله القبائل من فهر
فقال ابو بكر: لا.
قال: فمنكم عبد مناف الذي انتهت اليه الوصايا وابو الغطاريف السادة ؟
فقال ابو بكر: لا.
قال: فمنكم عمرو بن عبد مناف هاشم الذي هشم الثريد لقومه ولاهل مكة ففيه يقول الشاعر:
عمرو العلا هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنون عجاف
سنُّوا اليه الرحلتين كليهما * عند الشتاء ورحلة الاصياف
كانت قريش بيضة فتفلقت * فالمخُّ خالصةٌ لعبد مناف
الرايشين وليس يعرف رايشٌ * والقائلين هلمَّ للاضياف
والضاربين الكبش يبرق بيضه * والمانعين البيض بالاسياف
لله درك لو نزلت بدارهم * منعوك من ازل ومن اقراف
(ج/ص: 3/175).
فقال ابو بكر: لا.
قال: فمنكم عبد المطلب شيبة الحمد، وصاحب عير مكة، ومطعم طير السماء والوحوش والسباع في الفلا الذي كان وجهه قمر يتلالا في الليلة الظلماء ؟
قال: لا.
قال: افمن اهل الافاضة انت؟
قال: لا.
قال: افمن اهل الحجابة انت؟
قال: لا.
قال: افمن اهل الندوة انت؟
قال: لا.
قال: افمن اهل السقاية انت؟
قال: لا.
قال: افمن اهل الرفادة انت؟
قال: لا.
قال: فمن المفيضين انت؟
قال: لا.
ثم جذب ابو بكر رضي الله عنه زمام ناقته من يده
فقال له الغلام:
صادف درَّ السيلِ درٌّ يدفعه * يَهيضه حيناً وحيناً يرفعه
ثم قال: اما والله يا اخا قريش لو ثبت لخبرتك انك من زمعات قريش ولست من الذوائب.
قال: فاقبل الينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم.
قال علي: فقلت له: يا ابا بكر لقد وقعت من الاعرابي على باقعة
فقال: اجل يا ابا الحسن انه ليس من طامة الا وفوقها طامة، والبلاء موكل بالقول.
قال: ثم انتهينا الى مجلس عليه السكينة والوقار، واذا مشايخ لهم اقدار وهيئات، فتقدم ابو بكر فسلم - قال علي: وكان ابو بكر مقدماً في كل خير - فقال لهم ابو بكر: ممن القوم؟
قالوا: من بني شيبان بن ثعلبة.
فالتفت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بابي انت وامي ليس بعد هؤلاء من عز في قومهم.
وفي رواية: ليس وراء هؤلاء عذر من قومهم، وهؤلاء غرر في قومهم، وهؤلاء غرر الناس.
وكان في القوم مفروق ابن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك، وكان اقرب القوم الى ابي بكر مفروق بن عمرو، وكان مفروق بن عمرو قد غلب عليهم بياناً ولساناً، وكانت له غديرتان تسقطان على صدره، فكان ادنى القوم مجلساً من ابي بكر.
فقال له ابو بكر: كيف العدد فيكم؟
فقال له: انا لنزيد على الف ولن تغلب الف من قلة.
فقال له: فكيف المنعة فيكم؟
فقال: علينا الجهد ولكل قوم جد.
فقال ابو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟
فقال مفروق: انا اشدُّ ما نكون لقاء حين نغضب، وانا لنؤثر الجياد على الاولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله يديلنا مرة ويديل علينا اخرى لعلك اخو قريش؟
فقال ابو بكر: ان كان بلغكم انه رسول الله فها هو هذا. (ج/ص: 3/176).
فقال مفروق: قد بلغنا انه يذكر ذلك فالى ما تدعو يا اخا قريش، ثم التفت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس وقام ابو بكر يظله بثوبه فقال صلى الله عليه وسلم: ((ادعوكم الى شهادة ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واني رسول الله وان تؤوني وتنصروني حتى اؤدي عن الله الذي امرني به، فان قريشاً قد تظاهرت على امر الله وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد)).
قال له: والى ما تدعو ايضاً يا اخا قريش؟
فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ تَعَالَوْا اَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ اَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ اِحْسَاناً} الى قوله: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الانعام: 151].
فقال له مفروق: والى ما تدعو ايضاً يا اخا قريش؟ فوالله ما هذا من كلام اهل الارض، ولو كان من كلامهم لعرفناه.
فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {اِنَّ اللَّهَ يَاْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْاِحْسَانِ وَاِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90].
فقال له مفروق: دعوت والله يا اخا قريش الى مكارم الاخلاق ومحاسن الاعمال، ولقد افك قوم كذبوك وظاهروا عليك، وكانه احب ان يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة.
فقال: وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا.
فقال له هانئ: قد سمعت مقالتك يا اخا قريش وصدقت قولك، واني ارى ان تركنا ديننا واتِّباعنا اياك على دينك لمجلس جلسته الينا ليس له اول ولا اخر لم نتفكر في امرك، وننظر في عاقبة ما تدعو اليه زلة في الراي، وطيشة في العقل، وقلة نظر في العاقبة وانما تكون الزلة مع العجلة، وان من ورائنا قوماً نكره ان نعقد عليهم عقداً، ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر وكانه احب ان يشركه في الكلام المثنى بن حارثة.
فقال: وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا.
فقال المثنى: قد سمعت مقالتك واستحسنت قولك يا اخا قريش، واعجبني ما تكلمت به.
والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة وتركنا ديننا واتِّباعنا اياك لمجلس جلسته الينا وانا انما نزلنا بين صريين احدهما اليمامة، والاخر السماوة.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما هذان الصريان؟
فقال له: اما احدهما: فطفوف البر وارض العرب، واما الاخر: فارض فارس وانهار كسرى، وانما نزلنا على عهد اخذه علينا كسرى ان لا نحدث حدثاً، ولا نؤوي محدثاً.
ولعل هذا الامر الذي تدعونا اليه مما تكرهه الملوك، فاما ما كان مما يلي بلاد العرب فذنب صاحبه مغفور، وعذره مقبول، واما ما كان يلي بلاد فارس فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول.
فان اردت ان ننصرك ونمنعك مما يلي العرب فعلنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما اساتم الرد اذ افصحتم بالصدق انه لا يقوم بدين الله الا من حاطه من جميع جوانبه)). (ج/ص: 3/177)
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ارايتم ان لم تلبثوا الا يسيراً حتى يمنحكم الله بلادهم واموالهم ويفرشكم بناتهم اتسبحون الله وتقدسونه؟)).
فقال له النعمان ابن شريك: اللهم وان ذلك لك يا اخا قريش!
فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يَااَيُّهَا النَّبِيُّ اِنَّا اَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً اِلَى اللَّهِ بِاِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً} [الاحزاب: 45].
ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم قابضاً على يدي ابي بكر.
قال علي: ثم التفت الينا رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال يا علي: ((اية اخلاق للعرب كانت في الجاهلية - ما اشرفها - بها يتحاجزون في الحياة الدنيا)).
قال: ثم دفعنا الى مجلس الاوس والخزرج، فما نهضنا حتى بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم.
قال علي: وكانوا صدقاء صبراء فسرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من معرفة ابي بكر رضي الله عنه بانسابهم.
قال: فلم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم الا يسيراً حتى خرج الى اصحابه فقال لهم: ((احمدوا الله كثيراً فقد ظفرت اليوم ابناء ربيعة باهل فارس، قتلوا ملوكهم واستباحوا عسكرهم وبي نصروا)).
قال: وكانت الوقعة بقراقر الى جنب ذي قار وفيها يقول الاعشى:
فدى لبني ذُهلِ بن شيبان ناقتي * وراكبها عند اللقاء وقلَّت
هموا ضربوا بالحنو حنو قراقر * مقدمة الهامرز حتى تولت
فلله عيناً من راى من فوارسٍ * كذهل بن شيبان بها حين ولت
فثاروا وثرنا والمودة بيننا * وكانت علينا غمرة فتجلت
(ج/ص: 3/178).
هذا حديث غريب جداً كتبناه لما فيه من دلائل النبوة ومحاسن الاخلاق ومكارم الشيم وفصاحة العرب، وقد ورد هذا من طريق اخرى
وفيه: انهم لما تحاربوا هم وفارس والتقوا معهم بقراقر مكان قريب من الفرات جعلوا شعارهم: اسم محمد صلى الله عليه وسلم فنصروا على فارس بذلك، وقد دخلوا بعد ذلك في الاسلام.
وقال الواقدي: اخبرنا عبد الله بن وابصة العبسي عن ابيه عن جده قال: جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منازلنا بمنى ونحن نازلون بازاء الجمرة الاولى التي تلي مسجد الخيف، وهو على راحلته مردفاً خلفه زيد بن حارثة، فدعانا فوالله ما استجبنا له ولا خير لنا، قال: وقد كنا سمعنا به وبدعائه في المواسم، فوقف علينا يدعونا فلم نستجب له، وكان معنا ميسرة بن مسروق العبسي فقال لنا: احلف بالله لو قد صدقنا هذا الرجل وحملناه حتى نحل به وسط بلادنا لكان الراي.
فاحلف بالله ليظهرن امره حتى يبلغ كل مبلغ.
فقال القوم: دعنا منك لا تعرضنا لما لا قِبل لنا به.
وطمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ميسرة فكلمه.
فقال ميسرة: ما احسن كلامك وانوره، ولكن قومي يخالفونني وانما الرجل بقومه فاذا لم يعضدوه فالعدى ابعد.
فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج القوم صادرين الى اهليهم.
فقال لهم ميسرة: ميلوا ناتي فدك فان بها يهوداً نسائلهم عن هذا الرجل.
فمالوا الى يهود فاخرجوا سِفراً لهم فوضعوه ثم درسوا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم النبي الامي العربي يركب الحمار ويجتزي بالكسرة ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بالجعد ولا بالسبط، في عينيه حمرة مشرق اللون.
فان كان هو الذي دعاكم فاجيبوه وادخلوا في دينه فانا نحسده ولا نتبعه، وانا منه في مواطن بلاء عظيم ولا يبقى احد من العرب الا اتبعه والا قاتله فكونوا ممن يتبعه.
فقال ميسرة: يا قوم الا ان هذا الامر بيـِّن.
فقال القوم: نرجع الى الموسم ونلقاه فرجعوا الى بلادهم وابى ذلك عليهم رجالهم فلم يتبعه احد منهم.
فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجراً وحج حجة الوداع لقاه ميسرة فعرفه.
فقال يا رسول الله: والله ما زلت حريصاً على اتباعك من يوم انخت بنا حتى كان ما كان وابى الله الا ما ترى من تاخر اسلامي، وقد مات عامة النفر الذين كانوا معي فاين مدخلهم يا رسول الله؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل من مات على غير دين الاسلام فهو في النار)).
فقال الحمد لله الذي انقذني، فاسلم وحسن اسلامه، وكان له عند ابي بكر مكان.
وقد استقصى الامام محمد بن عمر الواقدي فقص خبر القبائل واحدة واحدة، فذكر عرضه عليه السلام نفسه على بني عامر، وغسان، وبني فزارة، وبني مرة، وبني حنيفة، وبني سليم، وبني عبس، وبني نضر بن هوازن، وبني ثعلبة بن عكابة، وكندة، وكلب، وبني الحارث بن كعب، وبني عذرة، وقيس بن الحطيم وغيرهم.
وسياق اخبارها مطولة وقد ذكرنا من ذلك طرفاً صالحاً ولله الحمد والمنة. (ج/ص: 3/179).
وقال الامام احمد: حدثنا اسود بن عامر، انا اسرائيل بن يونس، عن عثمان - يعني: ابن المغيرة - عن سالم ابن ابي الجعد، عن جابر بن عبد الله.
قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول: ((هل من رجل يحملني الى قومه فان قريشاً قد منعوني ان ابلغ كلام ربي عز وجل؟))، فاتاه رجل من همدان، فقال: ممن انت؟
قال الرجل: من همدان.
قال: فهل عند قومك من منعة؟
قال: نعم ! ثم ان الرجل خشي ان يخفره قومه فاتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اتيهم فاخبرهم ثم اتيك من عام قابل !
قال: نعم ! فانطلق وجاء وفد الانصار في رجب.
وقد رواه اهل السنن الاربعة من طرق عن اسرائيل به.
وقال الترمذي: حسن صحيح.