فصل: مَا عَلَى الْإِمَامِ مِنْ التَّخْفِيفِ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الأم ***


باب سُجُودِ السَّهْوِ

وَلَيْسَ فِي التَّرَاجِمِ وَفِيهِ نُصُوصٌ فَمِنْهَا فِي بَابِ الْقِيَامِ مِنْ الْجُلُوسِ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ بِتَرْكِ الْهَيْئَاتِ فَقَالَ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ السُّنَّةَ لِمَنْ قَامَ مِنْ جُلُوسِهِ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى الْأَرْضِ بِيَدَيْهِ وَأَيَّ قِيَامٍ قَامَهُ سِوَى هَذَا كَرِهْته لَهُ وَلاَ إعَادَةَ فِيهِ عَلَيْهِ وَلاَ سُجُودَ سَهْوٍ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ هَيْئَةٌ فِي الصَّلاَةِ وَهَكَذَا نَقُولُ فِي كُلِّ هَيْئَةٍ فِي الصَّلاَةِ نَأْمُرُ بِهَا وَنَنْهَى عَنْ خِلاَفِهَا وَلاَ نُوجِبُ سُجُودَ سَهْوٍ وَلاَ إعَادَةً بِمَا نَهَيْنَا عَنْهُ مِنْهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ الْجُلُوسِ وَالْخُشُوعِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى الصَّلاَةِ وَالْوَقَارِ فِيهَا وَلاَ نَأْمُرُ مَنْ تَرَكَ مِنْ هَذَا شَيْئًا بِإِعَادَةٍ وَلاَ سُجُودِ سَهْوٍ وَكَرَّرَ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الصَّلاَةِ كَثِيرًا مِمَّا سَبَقَ‏.‏

وَمِنْهَا نَصُّهُ فِي بَابِ التَّشَهُّدِ وَالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَنْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ وَالصَّلاَةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ سَاهِيًا فَلاَ إعَادَةَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ لِتَرْكِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِنَّمَا فَرَّقْت بَيْنَ التَّشَهُّدَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِي الثَّانِيَةِ فَلَمْ يَجْلِسْ فَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ عَلِمْته أَنَّ التَّشَهُّدَ الْآخِرَ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الصَّلاَةِ مُخَالِفٌ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فِي أَنْ لَيْسَ لِأَحَدٍ قِيَامٌ مِنْهُ إلَّا بِالْجُلُوسِ‏.‏

وَمِنْهَا نَصُّهُ فِي آخِرِ التَّرْجَمَةِ الْمَذْكُورَةِ الدَّالُّ عَلَى أَنَّ مَنْ ارْتَكَبَ مَنْهِيًّا عَنْهُ يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلاَةَ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ إذَا فَعَلَهُ سَهْوًا وَلَمْ تَبْطُلْ الصَّلاَةُ بِسَهْوِهِ فَقَالَ‏:‏ وَلَوْ أَدْرَكَ الصَّلاَةَ مَعَ الْإِمَامِ فَسَهَا عَنْ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ لَمْ يُسَلِّمْ وَتَشَهَّدَ هُوَ فَإِنْ سَلَّمَ مَعَ الْإِمَامِ سَاهِيًا وَخَرَجَ وَبَعْدَ مَخْرَجِهِ أَعَادَ الصَّلاَةَ وَإِنْ قَرُبَ دَخَلَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ جَلَسَ وَتَشَهَّدَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَسَلَّمَ‏.‏

وَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ فِي الْقِيَامِ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَهُوَ مَذْكُورٌ قَبْلَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ بِأَرْبَعِ تَرَاجِمَ فَنَقَلْنَاهُ إلَى هُنَا وَفِيهِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ‏:‏ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ لَمْ يَجْلِسْ فِيهِمَا فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَبِهَذَا قُلْنَا إذَا تَرَكَ الْمُصَلِّي التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ، وَكَذَا إذَا أَرَادَ الرَّجُلُ الْقِيَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ جَالِسًا أَتَمَّ عَلَى جُلُوسِهِ وَلاَ سُجُودَ لِلسَّهْوِ عَلَيْهِ وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَمَا نَهَضَ عَادَ فَجَلَسَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا وَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ فَإِنْ قَامَ مِنْ الْجُلُوسِ الْآخِرِ‏.‏ عَادَ فَجَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ لِلسَّهْوِ وَكَذَلِكَ لَوْ قَامَ فَانْصَرَفَ فَإِنْ كَانَ انْصَرَفَ انْصِرَافًا قَرِيبًا قَدْرَ مَا لَوْ كَانَ سَهَا عَنْ شَيْءٍ مِنْ الصَّلاَةِ أَتَمَّهُ وَسَجَدَ رَجَعَ فَتَشَهَّدَ التَّشَهُّدَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ اسْتَأْنَفَ الصَّلاَةَ، أَوْ جَلَسَ فَنَسِيَ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ وَلَوْ جَلَسَ فِي الْآخِرَةِ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ حَتَّى يُسَلِّمَ وَيَنْصَرِفَ وَيَبْعُدَ أَعَادَ الصَّلاَةَ؛ لِأَنَّ الْجُلُوسَ إنَّمَا هُوَ لِلتَّشَهُّدِ وَلاَ يَصْنَعُ الْجُلُوسَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ التَّشَهُّدُ شَيْئًا كَمَا لَوْ قَامَ قَدْرَ الْقِرَاءَةِ وَلَمْ يَقْرَأْ لَمْ يُجْزِهِ الْقِيَامُ وَلَوْ تَشَهَّدَ التَّشَهُّدَ الْآخِرَ وَهُوَ قَائِمٌ، أَوْ رَاكِعٌ، أَوْ مُتَقَاصَرٌ غَيْرُ جَالِسٍ لَمْ يُجْزِهِ كَمَا لَوْ قَرَأَ وَهُوَ جَالِسٌ لَمْ يُجْزِهِ إذَا كَانَ مِمَّنْ يُطِيقُ الْقِيَامَ وَكُلُّ مَا قُلْت لاَ يُجْزِئُ فِي التَّشَهُّدِ فَكَذَلِكَ لاَ يُجْزِئُ فِي الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلاَ يُجْزِئُ التَّشَهُّدُ مِنْ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلاَ الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ التَّشَهُّدِ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِمَا جَمِيعًا‏.‏

وَمِنْ النُّصُوصِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِسُجُودِ السَّهْوِ مَا سَبَقَ فِي بَابِ كَيْفَ الْقِيَامُ مِنْ الرُّكُوعِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيُّ رحمه الله وَإِنْ ذَهَبَتْ الْعِلَّةُ عَنْهُ بَعْدَمَا يَصِيرُ سَاجِدًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَلاَ لَهُ أَنْ يَقُومَ إلَّا لِمَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ الرُّكُوعِ فَإِنْ فَعَلَ فَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِي الصَّلاَةِ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ وَإِذَا اعْتَدَلَ قَائِمًا لَمْ أُحِبَّ لَهُ يَتَلَبَّثُ حَتَّى يَقُولَ مَا أَحْبَبْت لَهُ الْقَوْلَ، ثُمَّ يَهْوِي سَاجِدًا، أَوْ يَأْخُذُ فِي التَّكْبِيرِ فَيَهْوِي وَهُوَ فِيهِ وَبَعْدَ أَنْ يَصِلَ الْأَرْضَ سَاجِدًا مَعَ انْقِضَاءِ التَّكْبِيرِ وَإِنْ أَخَّرَ التَّكْبِيرَ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ كَبَّرَ مُعْتَدِلاً، أَوْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَلاَ إعَادَةَ وَلاَ سُجُودَ لِلسَّهْوِ عَلَيْهِ وَلَوْ أَطَالَ الْقِيَامَ بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَدْعُو، أَوْ سَاهِيًا وَهُوَ لاَ يَنْوِي بِهِ الْقُنُوتَ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَلاَ إعَادَةَ وَلاَ سُجُودَ لِلسَّهْوِ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ مِنْ عَمَلِ الصَّلاَةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَهَذَا مَوْضِعُ ذِكْرٍ غَيْرِ قِرَاءَةٍ فَإِنْ زَادَ فِيهِ فَلاَ تُوجِبُ عَلَيْهِ سَهْوًا وَكَذَلِكَ لَوْ أَطَالَ الْقِيَامَ يَنْوِي بِهِ الْقُنُوتَ كَانَ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ؛ لِأَنَّ الْقُنُوتَ عَمَلٌ مَعْدُودٌ مِنْ عَمَلِ الصَّلاَةِ فَإِذَا عَمِلَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أَوْجَبَ عَلَيْهِ السَّهْوَ‏.‏

وَفِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ نُصُوصٌ فِي سُجُودِ السَّهْوِ لَمْ نَرَهَا فِي الْأُمِّ قَالَ الْمُزَنِيّ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَمَنْ شَكَّ فِي صَلاَتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَثْلاَثًا أَمْ أَرْبَعًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْنِي عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ وَكَذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلاَتِهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلاَمِ، وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِحَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ أَنَّهُ سَجَدَ قَبْلَ السَّلاَمِ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ سُجُودُ السَّهْوِ كُلُّهُ عِنْدَنَا فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ قَبْلَ السَّلاَمِ وَهُوَ النَّاسِخُ وَالْآخِرُ مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَلَعَلَّ مَالِكًا لَمْ يَعْلَمْ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ مِنْ هَذَا وَقَالَهُ فِي الْقَدِيمِ فَمَنْ سَجَدَ قَبْلَ السَّلاَمِ أَجْزَأَهُ التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ وَلَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ بَعْدَ السَّلاَمِ تَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ هَذَا نَقْلُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ، ثُمَّ ذَكَرَ رِوَايَةَ الْبُوَيْطِيِّ وَنَحْنُ نَذْكُرُهَا مَعَ غَيْرِهَا فِي مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ وَكُلُّ سَهْوٍ فِي الصَّلاَةِ نَقْصًا كَانَ، أَوْ زِيَادَةً سَهْوًا وَاحِدًا كَانَ أَمْ اثْنَيْنِ أُمّ ثَلاَثَةً فَسَجْدَتَا السَّهْوِ تُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ قَبْلَ السَّلاَمِ وَفِيهِمَا تَشَهُّدٌ وَسَلاَمٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَسَجَدَ قَبْلَ السَّلاَمِ‏.‏ وَهَذَا نُقْصَانٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى فَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ السَّلاَمِ»‏.‏ وَهَذَا زِيَادَةٌ وَقَالَ فِي تَرْجَمَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ‏:‏ «وَمَنْ لَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى وَاحِدَةً، أَوْ اثْنَتَيْنِ، أَوْ ثَلاَثًا، أَوْ أَرْبَعًا فَلْيَبْنِ عَلَى يَقِينِهِ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ السَّلاَمِ»، وَلِسَجْدَتَيْ السَّهْوِ تَشَهُّدٌ وَسَلاَمٌ وَمَا ذَكَرَهُ الْبُوَيْطِيُّ مِنْ التَّشَهُّدِ لِسَجْدَتَيْ السَّهْوِ أَنَّهُمَا قَبْلَ السَّلاَمِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلاَمِ، ثُمَّ يَتَشَهَّدُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ الْأَصْحَابِ ذَكَرَ هَذَا إلَّا فِيمَا إذَا سَجَدَ بَعْدَ السَّلاَمِ فِي صُوَرِهِ الْمَعْرُوفَةِ فَإِنْ حُمِلَ كَلاَمُ الْبُوَيْطِيِّ عَلَى صُوَرِهِ بَعْدَ السَّلاَمِ كَانَ مُمْكِنًا‏.‏

وَفِي آخِرِ سُجُودِ السَّهْوِ مِنْ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ‏:‏ إذَا كَانَتْ سَجْدَتَا السَّهْوِ بَعْدَ السَّلاَمِ تَشَهَّدَ لَهُمَا وَإِذَا كَانَتَا قَبْلَ السَّلاَمِ أَجْزَأَهُ التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ، وَقَدْ سَبَقَ عَنْ الْقَدِيمِ مِثْلُ هَذَا وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ مَا ذَكَرَهُ الْمُزَنِيّ وَأَنَّهُ فِي الْقَدِيمِ وَقَالَ‏:‏ إنَّهُ أَجْمَعَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إذَا سَجَدَ بَعْدَ السَّلاَمِ لِلسَّهْوِ تَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ‏:‏ إنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَجَمَاعَةِ أَصْحَابِهِ الْفُقَهَاءِ؛ قَالَ‏:‏ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إنْ كَانَ يَرَى سُجُودَ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلاَمِ تَشَهَّدَ وَسَلَّمَ بَلْ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ لاَ غَيْرُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِرِوَايَةِ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ مِنْ ثَلاَثٍ مِنْ الْعَصْرِ نَاسِيًا حَتَّى أَخْبَرَهُ الْخِرْبَاقُ فَصَلَّى مَا بَقِيَ وَسَلَّمَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَتَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ‏.‏ وَمَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ بِهَذِهِ السِّيَاقَةِ غَرِيبٌ وَإِنَّمَا جَاءَتْ عَنْهُ رِوَايَةٌ تَفَرَّدَ بِهَا أَشْعَثُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحُمْرَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمْ فَسَهَا فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ بَعْدُ، ثُمَّ سَلَّمَ‏.‏ رَوَى ذَلِكَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ‏:‏ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَمَا حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ يَقْتَضِي أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ سُجُودُ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلاَمِ، أَوْ بَعْدَهُ فَيُحْتَجُّ بِهِ لِمَا ذَكَرَهُ الْبُوَيْطِيُّ لِمَا سَبَقَ وَقُلْنَا إنَّهُ غَرِيبٌ لَمْ نَرَ أَحَدًا مِنْ الْأَصْحَابِ قَالَ بِهِ وَاَلَّذِي صَحَّحَهُ جَمْعٌ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ الَّذِي يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلاَمِ لاَ يَتَشَهَّدُ أَيْضًا وَالْمَذْهَبُ الْمُعْتَمَدُ مَا تَقَدَّمَ فِي نَقْلِ الْمُزَنِيّ وَالْقَدِيمِ وَقَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَجَرَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ‏.‏

وَفِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ‏:‏ وَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ فِي الْخَامِسَةِ سَجَدَ، أَوْ لَمْ يَسْجُدْ قَعَدَ فِي الرَّابِعَةِ، أَوْ لَمْ يَقْعُدْ فَإِنَّهُ يَجْلِسُ فِي الرَّابِعَةِ وَيَتَشَهَّدُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ ذَكَرَ فِي الثَّانِيَةِ أَنَّهُ نَاسٍ لِسَجْدَةٍ مِنْ أُولَى بَعْدَ مَا اعْتَدَلَ قَائِمًا فَإِنَّهُ يَسْجُدُ لِلْأُولَى حَتَّى تَتِمَّ قَبْلَ الثَّانِيَةِ وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ نَاسٍ لِسَجْدَةٍ مِنْ الْأُولَى كَانَ عَمَلُهُ فِي الثَّانِيَةِ كَلاَ عَمَلٍ فَإِذَا سَجَدَ فِيهَا كَانَتْ مِنْ حُكْمِ الْأُولَى وَتَمَّتْ الْأُولَى بِهَذِهِ السَّجْدَةِ وَسَقَطَتْ الثَّانِيَةُ فَإِنْ ذَكَرَ فِي الرَّابِعَةِ أَنَّهُ نَسِيَ سَجْدَةً مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ فَإِنَّ الْأُولَى صَحِيحَةٌ إلَّا سَجْدَةً، وَعَمَلُهُ فِي الثَّانِيَةِ كَلاَ عَمَلٍ فَلَمَّا سَجَدَ فِيهَا سَجْدَةً كَانَتْ مِنْ حُكْمِ الْأُولَى وَتَمَّتْ الْأُولَى وَبَطَلَتْ الثَّانِيَةُ وَكَانَتْ الثَّالِثَةُ ثَانِيَةً فَلَمَّا قَامَ فِي ثَالِثَةٍ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ الثَّانِيَةَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ ثَالِثَةً كَانَ عَمَلُهُ كَلاَ عَمَلٍ فَلَمَّا سَجَدَ فِيهَا سَجْدَةً كَانَتْ مِنْ حُكْمِ الثَّانِيَةِ فَتَمَّتْ الثَّانِيَةُ وَبَطَلَتْ الثَّالِثَةُ الَّتِي كَانَتْ رَابِعَةً عِنْدَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَبْنِي رَكْعَتَيْنِ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَقَبْلَ التَّسْلِيمِ وَعَلَى هَذَا الْبَابِ كُلِّهِ، وَقِيَاسِهِ‏.‏

وَإِنْ شَكَّ هَلْ سَهَا أَمْ لاَ فَلاَ سَهْوَ عَلَيْهِ وَإِنْ اسْتَيْقَنَ السَّهْوَ، ثُمَّ شَكَّ هَلْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ أَمْ لاَ‏؟‏ سَجَدَهُمَا وَإِنْ شَكَّ هَلْ سَجَدَ سَجْدَةً، أَوْ سَجْدَتَيْنِ سَجَدَ أُخْرَى وَإِنْ سَهَا سَهْوَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا سَجْدَتَا السَّهْوِ‏.‏

وَإِذَا ذَكَرَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ بَعْدَ أَنْ يُسَلِّمَ فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا أَعَادَهُمَا وَسَلَّمَ وَإِنْ تَطَاوَلَ لَمْ يُعِدْ‏.‏

وَمَنْ سَهَا خَلْفَ إمَامِهِ فَلاَ سُجُودَ عَلَيْهِ وَإِنْ سَهَا إمَامُهُ سَجَدَ مَعَهُ فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ إمَامُهُ سَجَدَ مَنْ خَلْفَهُ بِأَنْ كَانَ قَدْ سَبَقَهُ إمَامُهُ بِبَعْضِ صَلاَتِهِ سَجَدَهُمَا بَعْدَ الْقَضَاءِ اتِّبَاعًا لِإِمَامِهِ لاَ لِمَا يَبْقَى مِنْ صَلاَتِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ السَّهْوُ فِي الصَّلاَةِ يَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَدَعَ مَا عَلَيْهِ مِنْ عَمَلِ الصَّلاَةِ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُومَ فِي مَثْنَى فَلاَ يَجْلِسَ، أَوْ مِثْلُ أَنْ يَنْصَرِفَ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ وَمَا أَشْبَهَهُ وَالْآخَرُ أَنْ يَعْمَلَ فِي الصَّلاَةِ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنْ يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ، أَوْ يَسْجُدَ أَكْثَرَ مِنْ سَجْدَتَيْنِ وَيَجْلِسَ حَيْثُ لَهُ أَنْ يَقُومَ، أَوْ يَسْجُدَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ وَإِنْ تَرَكَ الْقُنُوتَ فِي الْفَجْرِ سَجَدَ لِلسَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَمَلِ الصَّلاَةِ وَقَدْ تَرَكَهُ، وَإِنْ تَرَكَهُ فِي الْوِتْرِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إلَّا فِي النِّصْفِ الْآخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ إنْ تَرَكَهُ سَجَدَ لِلسَّهْوِ وَالسَّهْوُ فِي الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ سَوَاءٌ وَعَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمُصَلِّي وَالْجَمَاعَةِ وَالْمُنْفَرِدِ سَوَاءٌ‏.‏ وَهَذَا الْآخَرُ هُوَ مُقْتَضَى إطْلاَقِ نُصُوصِ الْأُمِّ وَغَيْرِهَا وَلَكِنْ لِلتَّصْرِيحِ بِهِ نَظَرٌ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَأَرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مَا كَانَ يَعْمَلُهُ سَاهِيًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ إذَا كَانَ مِمَّا لاَ يُنْقِضُ الصَّلاَةَ فَإِذَا فَعَلَهُ عَامِدًا سَجَدَ فِيهِ‏.‏

وَمَنْ أَدْرَكَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ مَعَ الْإِمَامِ سَجَدَهُمَا فَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا وَالْإِمَامُ مُقِيمٌ صَلَّى أَرْبَعًا وَإِنْ أَدْرَكَ أَحَدَهُمَا سَجَدَ وَلَمْ يَقْضِ الْآخَرَ وَبَنَى عَلَى صَلاَةِ الْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مُسَافِرًا فَسَهَا سَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ قَضَوْا مَا بَقِيَ عَلَيْهِم‏.‏

وَمَنْ سَهَا عَنْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ حَتَّى يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ، أَوْ عَمَدَ تَرْكَهُمَا فَفِيهِ قَوْلاَنِ‏:‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ يَسْجُدُ مَتَى ذَكَرَهُمَا، وَالْآخَرُ‏:‏ لاَ يَعُودُ لَهُمَا قَالَهُ فِي الْقَدِيمِ، قَالَهُ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَهَذَا الثَّانِي إنْ كَانَ مَعَ طُولِ الْفَصْلِ، أَوْ كَانَ قَدْ سَلَّمَ عَامِدًا فَإِنَّهُ لاَ يَعُودُ إلَى السُّجُودِ فِي الصُّورَتَيْنِ عَلَى الْجَدِيدِ وَفِي رِوَايَةِ الْبُوَيْطِيِّ وَإِنْ تَرَكُوا سُجُودَ السَّهْوِ عَامِدِينَ، أَوْ جَاهِلِينَ لَمْ يَبِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمْ إعَادَةُ الصَّلاَةِ وَأُحِبُّ إنْ كَانُوا قَرِيبًا عَادُوا لِسَجْدَتَيْ السَّهْوِ وَإِنْ تَطَاوَلَتْ فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ إعَادَةُ التَّطَاوُلِ عِنْدَهُ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ وَيَكُونُ قَدْرَ كَلاَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسْأَلَتِهِ‏.‏

وَإِنْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ وَقَبْلَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ فَكَالصَّلاَةِ إنْ تَقَارَبَ رُجُوعُهُ أَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اُمْكُثُوا وَيَتَوَضَّأُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ وَإِنْ لَمْ يَتَقَارَبْ أَشَارَ إلَيْهِمْ لِيَسْجُدُوا قَالَهُ فِي الْقَدِيمِ‏.‏

وَمَنْ شَكَّ فِي السَّهْوِ فَلاَ سُجُودَ عَلَيْهِ هَذَا كُلُّهُ نَقْلُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَفِيهِ فِي بَابِ الشَّكِّ فِي الصَّلاَةِ وَمَا يُلْغَى مِنْهَا وَمَا يَجِبُ عَنْ الشَّافِعِيِّ فَإِنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ لاَ يَدْرِي مِنْ أَيَّتِهِنَّ هُنَّ نَزَّلْنَاهَا عَلَى الْأَشَدِّ فَجَعَلْنَاهُ نَاسِيًا السَّجْدَةَ مِنْ الْأُولَى وَسَجْدَتَيْنِ مِنْ الثَّانِيَةِ وَتَمَّتْ الثَّالِثَةُ وَنَسِيَ مِنْ الرَّابِعَةِ سَجْدَةً فَأَضِفْ إلَى الْأُولَى مِنْ الثَّالِثَةِ سَجْدَةً فَتَمَّتْ لَهُ رَكْعَةٌ وَبَطَلَتْ السَّجْدَةُ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ الثَّالِثَةِ وَنُضِيفُ إلَى الرَّابِعَةِ سَجْدَةً يَسْجُدُهَا فَكَأَنَّهُ تَمَّ لَهُ ثَانِيَةٌ وَيَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ بِسُجُودِهِمَا وَسُجُودِ السَّهْوِ‏.‏

باب سُجُودِ التِّلاَوَةِ وَالشُّكْرِ

وَقَدْ تَرْجَمَ سُجُودَ الْقُرْآنِ فِي اخْتِلاَفِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهما وَفِي اخْتِلاَفِ الْحَدِيثِ وَفِي اخْتِلاَفِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى مَرَّتَيْنِ‏.‏ أَمَّا الْأَوَّلُ فَفِيهِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ هُشَيْمٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرٍّ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ‏:‏ عَزَائِمُ السُّجُودِ ‏{‏الم تَنْزِيلُ‏}‏ ‏{‏وَالنَّجْمِ‏}‏، وَ ‏{‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك الَّذِي خَلَقَ‏}‏ وَلَسْنَا وَلاَ إيَّاهُمْ نَقُولُ بِهَذَا نَقُولُ فِي الْقُرْآنِ عَدَدُ سُجُودِ مِثْلِ هَذِهِ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ كَانَ يَسْجُدُ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ وَبِهَذَا نَقُولُ وَهَذَا قَوْلُ الْعَامَّةِ قَبْلَنَا‏:‏ وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم وَهُمْ يُنْكِرُونَ السَّجْدَةَ الْآخِرَةَ فِي الْحَجِّ وَهَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه يُخَالِفُونَهُ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه لَمَّا رَمَى بِالْمِجْدَحِ خَرَّ سَاجِدًا وَنَحْنُ نَقُولُ‏:‏ لاَ بَأْسَ بِسَجْدَةِ الشُّكْرِ وَنَسْتَحِبُّهَا وَيُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَجَدَهَا، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما وَهُمْ يُنْكِرُونَهَا يَكْرَهُونَهَا وَنَحْنُ نَقُولُ لاَ بَأْسَ بِالسَّجْدَةِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الشُّكْرِ‏.‏ وَأَمَّا الثَّانِي‏:‏ وَهُوَ الَّذِي فِي اخْتِلاَفِ الْحَدِيثِ فَفِيهِ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ بِالنَّجْمِ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ إلَّا رَجُلَيْنِ قَالَ أَرَادَ الشُّهْرَةَ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَرَأَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سُجُودَ الْقُرْآنِ لَيْسَ بِحَتْمٍ وَلَكِنَّا نُحِبُّ أَنْ لاَ يُتْرَكَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ فِي النَّجْمِ وَتَرَكَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَفِي النَّجْمِ سَجْدَةٌ وَلاَ أُحِبُّ أَنْ يَدَعَ شَيْئًا مِنْ سُجُودِ الْقُرْآنِ وَإِنْ تَرَكَهُ كَرِهْته لَهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ‏:‏ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ‏؟‏ قِيلَ‏:‏ السُّجُودُ صَلاَةٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏إنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا‏}‏ فَكَانَ الْمَوْقُوتُ يَحْتَمِلُ مُؤَقَّتًا بِالْعَدَدِ وَمُؤَقَّتًا بِالْوَقْتِ فَأَبَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَرَضَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا‏؟‏ قَالَ‏:‏ «لاَ إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ»‏.‏ فَلَمَّا كَانَ سُجُودُ الْقُرْآنِ خَارِجًا مِنْ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ كَانَتْ سُنَّةَ اخْتِيَارِ فَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ لاَ يَدَعَهُ وَمَنْ تَرَكَهُ تَرَكَ فَضْلاً لاَ فَرْضًا وَإِنَّمَا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّجْمِ؛ لِأَنَّ فِيهَا سُجُودًا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي سُجُودِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّجْمِ دَلِيلٌ عَلَى مَا وَصَفْت؛ لِأَنَّ النَّاسَ سَجَدُوا مَعَهُ إلَّا رَجُلَيْنِ، وَالرَّجُلاَنِ لاَ يَدَعَانِ الْفَرْضَ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَكَاهُ أَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِعَادَتِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدٍ أَنَّهُ قَرَأَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ فَهُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ زَيْدًا لَمْ يَسْجُدْ وَهُوَ الْقَارِئُ فَلَمْ يَسْجُدْ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَرْضًا فَيَأْمُرُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ‏.‏ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلاً قَرَأَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ‏.‏ فَسَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَرَأَ آخَرُ عِنْدَهُ السَّجْدَةَ فَلَمْ يَسْجُدْ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَرَأَ فُلاَنٌ عِنْدَك السَّجْدَةَ فَسَجَدْت وَقَرَأْت عِنْدَك السَّجْدَةَ فَلَمْ تَسْجُدْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ «كُنْت إمَامًا فَلَوْ سَجَدْت سَجَدْت مَعَك»‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ إنِّي لاََحْسَبُهُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ؛ لِأَنَّهُ يُحْكَى أَنَّهُ قَرَأَ عِنْدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ وَإِنَّمَا رَوَى الْحَدِيثَيْنِ مَعًا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَأُحِبُّ أَنْ يَبْدَأَ الَّذِي يَقْرَأُ السَّجْدَةَ فَيَسْجُدُ وَأَنْ يَسْجُدَ مَنْ سَمِعَهُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَلَعَلَّ أَحَدَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ نَسَخَ الْآخَرَ قِيلَ فَلاَ يَدَّعِي أَحَدٌ أَنَّ السُّجُودَ فِي النَّجْمِ مَنْسُوخٌ إلَّا جَازَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ تَرْكَ السُّجُودِ مَنْسُوخٌ وَالسُّجُودُ نَاسِخٌ، ثُمَّ يَكُونُ، أَوْلَى؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ السُّجُودُ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ‏:‏ ‏{‏فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا‏}‏ وَلاَ يُقَالُ لِوَاحِدٍ مِنْ هَذَا نَاسِخٌ وَلاَ مَنْسُوخٌ، وَلَكِنْ يُقَالُ هَذَا اخْتِلاَفٌ مِنْ جِهَةِ الْمُبَاحِ‏.‏ وَأَمَّا الثَّالِثُ‏:‏ وَهُوَ الَّذِي فِي اخْتِلاَفِ الْحَدِيثِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رضي الله عنهما فَفِيهِ سَأَلْت الشَّافِعِيَّ عَنْ السُّجُودِ فِي ‏{‏إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ‏}‏ قَالَ فِيهَا سَجْدَةٌ فَقُلْت لَهُ وَمَا الْحُجَّةُ أَنَّ فِيهَا سَجْدَةً فَقَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَرَأَ لَهُمْ ‏{‏إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ‏}‏ فَسَجَدَ فِيهَا فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ فِيهَا‏.‏

أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ الْأَعْرَجِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَرَأَ وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى فَسَجَدَ فِيهَا، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ سُورَةً أُخْرَى أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَمَرَ مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِمٍ أَنْ يَأْمُرَ الْقُرَّاءَ أَنْ يَسْجُدُوا فِي ‏{‏إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ‏}‏ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ سَأَلَتْ الشَّافِعِيَّ عَنْ السُّجُودِ فِي سُورَةِ الْحَجِّ فَقَالَ فِيهَا سَجْدَتَانِ فَقُلْت‏:‏ وَمَا الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَجَدَ فِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ أَنَّ عُمَرَ سَجَدَ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ‏:‏ إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ فُضِّلَتْ بِسَجْدَتَيْنِ فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّا نَقُولُ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ سُجُودَ الْقُرْآنِ إحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً لَيْسَ فِي الْمُفَصَّلِ مِنْهَا شَيْءٌ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ لاَ تَقُولُوا اجْتَمَعَ النَّاسُ إلَّا لِمَا إذَا لُقِيَ أَهْلُ الْعِلْمِ فَقِيلَ لَهُمْ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى مَا قُلْتُمْ إنَّهُمْ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ قَالُوا‏:‏ نَعَمْ وَكَانَ أَقَلُّ أَقْوَالِهِمْ لَك أَنْ يَقُولُوا لاَ نَعْلَمُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَهُ مُخَالِفًا فِيمَا قُلْتُمْ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَأَمَّا أَنْ تَقُولُوا‏:‏ اجْتَمَعَ النَّاسُ وَأَهْلُ الْعِلْمِ مَعَكُمْ يَقُولُونَ‏:‏ مَا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى مَا زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ فَأَمْرَانِ أَسَأْتُمْ بِهِمَا النَّظَرَ لِأَنْفُسِكُمْ فِي التَّحَفُّظِ فِي الْحَدِيثِ وَأَنْ تَجْعَلُوا السَّبِيلَ لِمَنْ سَمِعَ قَوْلَكُمْ اجْتَمَعَ النَّاسُ إلَى رَدِّ قَوْلِكُمْ وَلاَ سِيَّمَا إذَا كُنْتُمْ إنَّمَا أَنْتُمْ مَقْصُورُونَ عَلَى عِلْمِ مَالِكٍ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاهُ وَكُنْتُمْ تَرْوُونَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ أَمَرَ مَنْ يَأْمُرُ الْقُرَّاءَ أَنْ يَسْجُدُوا فِيهَا وَأَنْتُمْ قَدْ تَجْعَلُونَ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَصْلاً مِنْ أُصُولِ الْعِلْمِ فَتَقُولُونَ‏:‏ كَانَ لاَ يُحَلِّفُ الرَّجُلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ فَتَرَكْتُمْ بِهَا قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ، ثُمَّ تَجِدُونَ عُمَرَ يَأْمُرُ بِالسُّجُودِ فِي ‏{‏إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ‏}‏ وَمَعَهُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأْيُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَمْ تُسَمُّوا أَحَدًا خَالَفَ هَذَا وَهَذَا عِنْدَكُمْ الْعَمَلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زَمَانِهِ، ثُمَّ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي الصَّحَابَةِ، ثُمَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي التَّابِعِينَ وَالْعَمَلُ يَكُونُ عِنْدَكُمْ بِقَوْلِ عُمَرَ وَحْدَهُ وَأَقَلُّ مَا يُؤْخَذُ عَلَيْكُمْ فِي هَذَا أَنْ يُقَالَ كَيْفَ زَعَمْتُمْ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ سَجَدَ فِي ‏{‏إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ‏}‏ وَأَنَّ عُمَرَ أَمَرَ بِالسُّجُودِ فِيهَا وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَجَدَ فِي النَّجْمِ، ثُمَّ زَعَمْتُمْ أَنَّ النَّاسَ اجْتَمَعُوا أَنْ لاَ سُجُودَ فِي الْمُفَصَّلِ وَهَذَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا مِنْ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ فَقَالَ‏:‏ قَوْلُكُمْ اجْتَمَعَ النَّاسُ لِمَا حَكَوْا فِيهِ غَيْرَ مَا قُلْتُمْ بَيِّنٌ فِي قَوْلِكُمْ أَنْ لَيْسَ كَمَا قُلْتُمْ، ثُمَّ رَوَيْتُمْ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ سَجَدَ فِي النَّجْمِ، ثُمَّ لاَ تَرْوُونَ عَنْ غَيْرِهِ خِلاَفَهُ، ثُمَّ رَوَيْتُمْ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا سَجَدَا فِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ وَتَقُولُونَ لَيْسَ فِيهَا إلَّا وَاحِدَةٌ وَتَزْعُمُونَ أَنَّ النَّاسَ أَجْمَعُوا أَنْ لَيْسَ فِيهَا إلَّا وَاحِدَةٌ، ثُمَّ تَقُولُونَ أَجْمَعَ النَّاسُ وَأَنْتُمْ تَرْوُونَ خِلاَفَ مَا تَقُولُونَ وَهَذَا لاَ يُعْذَرُ أَحَدٌ بِأَنْ يَجْهَلَهُ وَلاَ يَرْضَى أَحَدٌ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا عَلَيْهِ فِيهِ لِمَا فِيهِ مِمَّا لاَ يَخْفَى عَنْ أَحَدٍ يَعْقِلُ إذَا سَمِعَهُ أَرَأَيْتُمْ إذَا قِيلَ لَكُمْ أَيُّ النَّاسِ اجْتَمَعَ عَلَى أَنْ لاَ سُجُودَ فِي الْمُفَصَّلِ وَأَنْتُمْ تَرْوُونَ عَنْ أَئِمَّةِ النَّاسِ السُّجُودَ فِيهِ وَلاَ تَرْوُونَ عَنْ غَيْرِهِمْ مِثْلَهُمْ خِلاَفَهُمْ أَلَيْسَ أَنْ تَقُولُوا أَجْمَعَ النَّاسُ أَنَّ فِي الْمُفَصَّلِ سُجُودًا، أَوْلَى بِكُمْ مِنْ أَنْ تَقُولُوا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنْ لاَ سُجُودَ فِي الْمُفَصَّلِ فَإِنْ قُلْتُمْ لاَ يَجُوزُ إذَا لَمْ نَعْلَمْهُمْ أَجْمَعُوا أَنْ نَقُولَ اجْتَمَعُوا فَقَدْ قُلْتُمْ اجْتَمَعُوا وَلَمْ تَرْوُوا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ قَوْلَكُمْ وَلاَ أَدْرِي مَنْ النَّاسُ عِنْدَكُمْ أَخَلْقًا كَانُوا فَمَا اسْمُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَمَا ذَهَبْنَا بِالْحُجَّةِ عَلَيْكُمْ إلَّا مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَا جَعَلْنَا الْإِجْمَاعَ إلَّا إجْمَاعَهُمْ فَأُحْسِنُوا النَّظَرَ لِأَنْفُسِكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ تَقُولُوا أَجْمَعَ النَّاسُ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى لاَ يَكُونَ بِالْمَدِينَةِ مُخَالِفٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَكِنْ قُولُوا فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ أَخْبَرَنَا كَذَا كَذَا وَلاَ تَدَّعُوا الْإِجْمَاعَ‏.‏ فَدَعُوا مَا يُوجَدُ عَلَى أَلْسِنَتِكُمْ خِلاَفُهُ فَمَا أَعْلَمُهُ يُؤْخَذُ عَلَى أَحَدٍ يَتَثَبَّتُ عَلَى عِلْمٍ أَقْبَحَ مِنْ هَذَا‏.‏ قُلْت لِلشَّافِعِيِّ أَفَرَأَيْت إنْ كَانَ قَوْلِي اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ أَعْنِي مَنْ رَضِيت مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَإِنْ كَانُوا مُخْتَلِفِينَ‏؟‏ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَرَأَيْتُمْ إنْ قَالَ مَنْ يُخَالِفُكُمْ وَيَذْهَبُ إلَى قَوْلِ مَنْ يُخَالِفُكُمْ قَوْلُ مَنْ أَخَذْت بِقَوْلِهِ اجْتَمَعَ النَّاسُ أَيَكُونُ صَادِقًا‏؟‏ فَإِنْ كَانَ صَادِقًا وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ يُخَالِفُكُمَا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى قَوْلِهِ فَإِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ مَعًا بِالتَّأْوِيلِ فَبِالْمَدِينَةِ إجْمَاعٌ مِنْ ثَلاَثَةِ وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ وَإِنْ قُلْتُمْ الْإِجْمَاعُ هُوَ ضِدُّ الْخِلاَفِ فَلاَ يُقَالُ إجْمَاعٌ إلَّا لِمَا لاَ خِلاَفَ فِيهِ بِالْمَدِينَةِ‏.‏ قُلْت هَذَا هُوَ الصِّدْقُ الْمَحْضُ فَلاَ تُفَارِقْهُ وَلاَ تَدَّعُوا الْإِجْمَاعَ أَبَدًا إلَّا فِيمَا لاَ يُوجَدُ بِالْمَدِينَةِ فِيهِ اخْتِلاَفٌ وَهُوَ لاَ يُوجَدُ بِالْمَدِينَةِ إلَّا وَيُوجَدُ بِجَمِيعِ الْبُلْدَانِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مُتَّفِقِينَ فِيهِ لَمْ يُخَالِفْ أَهْلُ الْبُلْدَانِ أَهْلَ الْمَدِينَةِ إلَّا فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بَيْنَهُمْ‏.‏ وَقَالَ لِي الشَّافِعِيُّ وَاجْعَلْ مَا وَصَفْنَا عَلَى هَذَا الْبَابِ كَافِيًا لَك لاَ عَلَى مَا سِوَاهُ إذَا أَرَدْت أَنْ تَقُولَ أَجْمَعَ النَّاسُ فَإِنْ كَانُوا لَمْ يَخْتَلِفُوا فَقُلْهُ وَإِنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا فَلاَ تَقُلْهُ فَإِنَّ الصِّدْقَ فِي غَيْرِهِ‏.‏ وَتَرْجَمَ مَرَّةً أُخْرَى فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ، وَفِيهَا سَأَلْت الشَّافِعِيَّ عَنْ السُّجُودِ فِي سُورَةِ الْحَجِّ فَقَالَ‏:‏ فِيهَا سَجْدَتَانِ فَقُلْت‏:‏ وَمَا الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ مِصْرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَجَدَ فِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ فُضِّلَتْ بِسَجْدَتَيْنِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ ابْنِ صَفِيَّةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ صَلَّى بِهِمْ بِالْجَابِيَةِ فَقَرَأَ سُورَةَ الْحَجِّ فَسَجَدَ فِيهَا سَجْدَتَيْنِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَجَدَ فِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّا لاَ نَسْجُدُ فِيهَا إلَّا سَجْدَةً وَاحِدَةً فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فَقَدْ خَالَفْتُمْ مَا رَوَيْتُمْ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَعًا إلَى غَيْرِ قَوْلِ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَّةً فَكَيْفَ تَتَّخِذُونَ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ وَحْدَهُ حُجَّةً وَقَوْلَ عُمَرَ حُجَّةً وَحْدَهُ حَتَّى تَرُدُّوا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّنَّةَ، وَتَبْتَنُونَ عَلَيْهَا عَدَدًا مِنْ الْفِقْهِ، ثُمَّ تَخْرُجُونَ مِنْ قَوْلِهِمَا لِرَأْيِ أَنْفُسِكُمْ هَلْ تَعْلَمُونَهُ مُسْتَدْرِكًا عَلَى أَحَدٍ قَوْلاً الْعَوْرَةُ فِيهِ أَبْيَنُ مِنْهَا فِيمَا وَصَفْنَا مِنْ أَقَاوِيلِكُمْ‏.‏

باب صَلاَةِ التَّطَوُّعِ

وَلَيْسَ فِي التَّرَاجِمِ وَفِيهِ نُصُوصٌ وَكَلاَمٌ مَنْثُورٌ فَمِنْ ذَلِكَ اخْتِلاَفُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهما ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ‏:‏ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ رَكْعَتَيْنِ إلَّا الْعَصْرَ وَالصُّبْحَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَهَذَا يُخَالِفُ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ يَعْنِي الَّذِي رَوَاهُ قَبْلَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ‏:‏ «لاَ تُصَلُّوا بَعْدَ الْعَصْرِ إلَّا أَنْ تُصَلُّوا وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ»‏.‏ وَسَنَذْكُرُ هَذَا بِتَمَامِهِ فِي بَابِ السَّاعَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلاَةُ، وَمِنْ ذَلِكَ فِي اخْتِلاَفِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا فِي سُنَّةِ الْجُمُعَةِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه قَالَ‏:‏ مَنْ كَانَ مُصَلِّيًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا سِتَّ رَكَعَاتٍ، وَلَسْنَا وَلاَ إيَّاهُمْ نَقُولُ بِهَذَا أَمَّا نَحْنُ فَنَقُولُ يُصَلِّي أَرْبَعًا وَمِنْ ذَلِكَ فِي اخْتِلاَفِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رضي الله عنهما فِي بَابِ الْقِرَاءَةِ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ لاَ نُبَالِي بِأَيِّ سُورَةٍ قَرَأَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ أَوَرَأَيْتُمْ إذَا اسْتَحْبَبْنَا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالْوِتْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ لَوْ قَالَ قَائِلٌ لاَ أُبَالِي أَنْ لاَ أَفْعَلَ مِنْ هَذَا شَيْئًا هَلْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ‏:‏ قَوْلَكُمْ‏:‏ لاَ أُبَالِي جَهَالَةٌ وَتَرْكٌ لِلسُّنَّةِ يَنْبَغِي أَنْ تَسْتَحِبُّوا مَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكُلِّ حَالٍ‏.‏

وَمِنْ ذَلِكَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْوِتْرِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي أَبْوَابٍ مِنْهَا فِي اخْتِلاَفِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ‏.‏ بَابٌ مَا جَاءَ فِي الْوِتْرِ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ سَأَلَتْ الشَّافِعِيَّ عَنْ الْوِتْرِ أَيَجُوزُ أَنْ يُوتِرَ الرَّجُلُ بِوَاحِدَةٍ لَيْسَ قَبْلَهَا شَيْءٌ فَقَالَ‏:‏ نَعَمْ، وَاَلَّذِي أَخْتَارُ أَنْ صَلِّ عَشْرَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ أَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ فَمَا الْحُجَّةُ فِي أَنَّ الْوِتْرَ يَجُوزُ بِوَاحِدَةٍ‏؟‏ فَقَالَ‏:‏ الْحُجَّةُ فِيهِ السُّنَّةُ وَالْآثَارُ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ «صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى»‏.‏

أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ‏.‏

أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ كَانَ يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُسَلِّمُ مِنْ الرَّكْعَةِ وَالرَّكْعَتَيْنِ مِنْ الْوِتْرِ حَتَّى يَأْمُرَ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَكَانَ عُثْمَانُ يُحْيِي اللَّيْلَ بِرَكْعَةٍ وَهِيَ وِتْرُهُ، وَأَوْتَرَ مُعَاوِيَةُ بِوَاحِدَةٍ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَصَابَ فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّا نَقُولُ لاَ نُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُوتِرَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاَثٍ وَيُسَلِّمُ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ، وَالرَّكْعَةِ مِنْ الْوِتْرِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ لَسْت أَعْرِفُ لِمَا تَقُولُونَ وَجْهًا، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ إنْ كُنْتُمْ ذَهَبْتُمْ إلَى أَنَّكُمْ تَكْرَهُونَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَةً مُنْفَرِدَةً فَأَنْتُمْ إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَهَا، ثُمَّ سَلَّمَ تَأْمُرُونَهُ بِإِفْرَادِ الرَّكْعَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ سَلَّمَ مِنْ صَلاَةٍ فَقَدْ فَصَلَهَا عَمَّا بَعْدَهَا أَلاَ تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يُصَلِّي النَّافِلَةَ بِرَكَعَاتٍ يُسَلِّمُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فَيَكُونُ كُلُّ رَكْعَتَيْنِ يُسَلِّمُ بَيْنَهُمَا مُنْقَطِعَتَيْنِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا وَبَعْدَهُمَا وَأَنَّ السَّلاَمَ أَفْضَلُ لِلْفَصْلِ أَلاَ تَرَى أَنَّ رَجُلاً لَوْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ فَقَضَاهُنَّ فِي مَقَامٍ يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِسَلاَمٍ كَانَتْ كُلُّ صَلاَةٍ غَيْرَ الصَّلاَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا؛ لِخُرُوجِهِ مِنْ كُلِّ صَلاَةٍ بِالسَّلاَمِ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَرَدْتُمْ أَنَّكُمْ كَرِهْتُمْ أَنْ يُصَلِّيَ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرَ مِنْهَا وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَأَقَلُّ مَثْنَى مَثْنَى أَرْبَعٌ فَصَاعِدًا وَوَاحِدَةٌ غَيْرُ مَثْنَى وَقَدْ، أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ فِي الْوِتْرِ كَمَا أَمَرَ بِمَثْنَى وَقَدْ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوتِرُ بِخَمْسِ رَكَعَاتٍ لاَ يَجْلِسُ وَلاَ يُسَلِّمُ إلَّا فِي الْآخِرَةِ مِنْهُنَّ، فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ فَمَا مَعْنَى هَذَا‏؟‏ فَقَالَ هَذِهِ نَافِلَةٌ تَسَعُ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ وَأَكْثَرَ وَنَخْتَارُ مَا وَصَفْت مِنْ غَيْرِ أَنْ نُضِيفَ غَيْرَهُ وَقَوْلُكُمْ‏:‏ وَاَللَّهُ يَغْفِرُ لَنَا وَلَكُمْ لاَ يُوَافِقُ سُنَّةً وَلاَ أَثَرًا وَلاَ قِيَاسًا وَلاَ مَعْقُولاً قَوْلُكُمْ خَارِجٌ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ هَذَا وَأَقَاوِيلُ النَّاسِ إمَّا أَنْ تَقُولُوا لاَ يُوتِرُ إلَّا بِثَلاَثٍ كَمَا قَالَ بَعْضُ الشَّرْقِيِّينَ وَلاَ يُسَلِّمُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَيْ لاَ يَكُونَ الْوِتْرُ وَاحِدَةً وَإِمَّا أَنْ لاَ تَكْرَهُوا الْوِتْرَ بِوَاحِدَةٍ وَكَيْفَ تَكْرَهُونَ الْوِتْرَ بِوَاحِدَةٍ وَأَنْتُمْ تَأْمُرُونَ بِالسَّلاَمِ فِيهَا‏؟‏ وَإِذَا أَمَرْتُمْ بِهِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ وَإِنْ قُلْتُمْ كَرِهْنَاهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوتِرْ بِوَاحِدَةٍ لَيْسَ قَبْلَهَا شَيْءٌ فَلَمْ يُوتِرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلاَثٍ لَيْسَ فِيهِنَّ شَيْءٌ فَقَدْ اسْتَحْسَنْتُمْ أَنْ تُوتِرُوا بِثَلاَثٍ، وَمِنْهَا فِي اخْتِلاَفِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ‏.‏

باب فِي الْوِتْرِ

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ قَالَ‏:‏ كُنْت مَعَ ابْنِ عُمَرَ لَيْلَةً وَالسَّمَاءُ مُتَغَيِّمَةٌ فَخَشِيَ ابْنُ عُمَرَ الصُّبْحَ فَأَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ، ثُمَّ تَكَشَّفَ الْغَيْمُ فَرَأَى عَلَيْهِ لَيْلاً فَشَفَعَ بِوَاحِدَةٍ، قَالَ لِي الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَأَنْتُمْ تُخَالِفُونَ ابْنَ عُمَرَ مِنْ هَذَا فِي مَوْضُوعَيْنِ فَتَقُولُونَ لاَ‏:‏ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ وَمَنْ، أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ لَمْ يُشْفِعْ وِتْرَهُ قَالَ‏:‏ وَلاَ أَعْلَمُكُمْ تَحْفَظُونَ عَنْ أَحَدٍ أَنَّهُ قَالَ‏:‏ لاَ يَشْفَعُ وِتْرَهُ فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ‏:‏ فَمَا تَقُولُ أَنْتَ فِي هَذَا فَقَالَ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ‏:‏ إنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ قَالَ‏:‏ أَفَتَقُولُ يَشْفَعُ بِوِتْرِهِ فَقُلْت لاَ‏:‏ فَقَالَ فَمَا حُجَّتُك فِيهِ فَقُلْت‏:‏ رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَرِهَ لِابْنِ عُمَرَ أَنْ يُشْفِعَ وِتْرَهُ وَقَالَ‏:‏ إذَا أَوْتَرْت مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ فَاشْفَعْ مِنْ آخِرِهِ وَلاَ تُعِدْ وِتْرًا وَلاَ تَشْفَعهُ وَأَنْتُمْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ لاَ تَقْبَلُونَ إلَّا حَدِيثَ صَاحِبِكُمْ وَلَيْسَ مِنْ حَدِيثِ صَاحِبِكُمْ خِلاَفُ ابْنِ عُمَرَ وَمِنْهَا فِي اخْتِلاَفِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهما فِي بَابِ الْوِتْرِ وَالْقُنُوتِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ عَنْ زَاذَانَ أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه كَانَ يُوتِرُ بِثَلاَثٍ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِتِسْعِ سُوَرٍ مِنْ الْمُفَصَّلِ وَهُمْ يَقُولُونَ نَقْرَأُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى‏.‏ وَالثَّانِيَةُ ‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ‏}‏، وَالثَّالِثَةُ نَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَ‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ‏}‏ وَأَمَّا نَحْنُ فَنَقُولُ يَقْرَأُ فِيهَا بِـ ‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ‏}‏ وَ‏{‏قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ‏}‏، وَ‏{‏قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ‏}‏، وَيَفْصِلُ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَالرَّكْعَةِ بِالتَّسْلِيمِ وَمِنْهَا فِي اخْتِلاَفِ الْحَدِيثِ فِي بَابِ الْوِتْرِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَقَدْ سَمِعْت أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَآخِرَهُ فِي حَدِيثٍ يَثْبُتُ مِثْلُهُ وَحَدِيثٍ دُونَهُ وَذَلِكَ فِيمَا وَصَفْت مِنْ الْمُبَاحِ لَهُ أَنْ يُوتِرَ فِي اللَّيْلِ كُلِّهِ وَنَحْنُ نُبِيحُ لَهُ فِي الْمَكْتُوبَةِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَآخِرِهِ وَهَذَا فِي الْوِتْرِ، أَوْسَعُ مِنْهُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْفُورٍ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ‏:‏ مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْتَهَى وِتْرُهُ إلَى السَّحَرِ‏.‏

وَفِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ فِي بَابِ صَلاَةِ التَّطَوُّعِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ التَّطَوُّعُ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا صَلاَةُ جَمَاعَةٍ مُؤَكَّدَةٍ فَلاَ أُجِيزُ تَرْكَهَا لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا وَهِيَ صَلاَةُ الْعِيدَيْنِ وَخُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَصَلاَةُ مُنْفَرِدٍ وَبَعْضُهَا، أَوْكَدُ مِنْ بَعْضٍ فَآكَدُ مِنْ ذَلِكَ الْوِتْرُ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ صَلاَةُ التَّهَجُّدِ، ثُمَّ رَكْعَتَا الْفَجْرِ، قَالَ وَلاَ أُرَخِّصُ لِمُسْلِمٍ فِي تَرْكِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَإِنْ، أَوْجَبَهُمَا وَمَنْ تَرَكَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا أَسْوَأُ حَالاً مِمَّنْ تَرَكَ جَمِيعَ النَّوَافِلِ فَأَمَّا قِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَصَلاَةُ الْمُنْفَرِدِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُ وَرَأَيْتهمْ بِالْمَدِينَةِ يَقُومُونَ بِتِسْعٍ وَثَلاَثِينَ، وَأَحَبُّ إلَيَّ عِشْرُونَ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَكَذَلِكَ يَقُومُونَ بِمَكَّةَ وَيُوتِرُونَ بِثَلاَثٍ‏.‏

قَالَ الْمُزَنِيّ‏:‏ وَلاَ أَعْلَمُ الشَّافِعِيَّ ذَكَرَ مَوْضِعَ الْقُنُوتِ مِنْ الْوِتْرِ وَيُشْبِهُ قَوْلَهُ بَعْدَ الرُّكُوعِ كَمَا قَالَ فِي قُنُوتِ الصُّبْحِ وَلَمَّا كَانَ قَوْلُ مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ بَعْدَ الرُّكُوعِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَهُوَ دُعَاءٌ كَانَ هَذَا الْمَوْضِعُ لِلْقُنُوتِ الَّذِي هُوَ دُعَاءٌ أَشْبَهَ وَلِأَنَّ مَنْ قَالَ يَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ يَأْمُرُهُ يُكَبِّرُ قَائِمًا، ثُمَّ يَدْعُو وَإِنَّمَا حُكْمُ مَنْ يُكَبِّرُ بَعْدَ الْقِيَامِ إنَّمَا هُوَ لِلرُّكُوعِ فَهَذِهِ تَكْبِيرَةٌ زَائِدَةٌ فِي الصَّلاَةِ لَمْ تَثْبُتْ بِأَصْلٍ وَلاَ قِيَاسٍ‏.‏ وَفِي كِتَابِ اخْتِلاَفِ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ قَالَ هُشَيْمٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ‏:‏ إنَّ عَلِيًّا كَانَ يَقْنُتُ فِي الْوِتْرِ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَهُمْ لاَ يَأْخُذُونَ بِهَذَا يَقُولُونَ‏:‏ يَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَإِنْ لَمْ يَقْنُتْ قَبْلَ الرُّكُوعِ لَمْ يَقْنُتْ بَعْدَهُ وَعَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَآخِرُ اللَّيْلِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَوَّلِهِ إنْ جَزَّأَ اللَّيْلَ أَثْلاَثًا فَالْأَوْسَطُ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقُومَهُ فَإِنْ فَاتَهُ الْوِتْرُ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ لَمْ يَقْضِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ الْوِتْرُ مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ وَإِنْ فَاتَتْ رَكْعَتَا الْفَجْرِ حَتَّى تُقَامَ الظُّهْرُ لَمْ يَقْضِ؛ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلاَةُ فَلاَ صَلاَةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةُ وَفِي اخْتِلاَفِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهما أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَبِي هَارُونَ الْغَنَوِيِّ عَنْ خَطَّابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ‏:‏ قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه الْوِتْرُ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ فَمَنْ شَاءَ أَنْ يُوتِرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ أَوْتَرَ، ثُمَّ إنْ اسْتَيْقَظَ فَشَاءَ أَنْ يَشْفَعَهَا بِرَكْعَةٍ وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى يُصْبِحَ، وَإِنْ شَاءَ أَوْتَرَ آخِرَ اللَّيْلِ‏.‏ وَهُمْ يَكْرَهُونَ أَنْ يَنْقُضَ الرَّجُلُ وِتْرَهُ وَيَقُولُونَ إذَا، أَوْتَرَ صَلَّى مَثْنَى مَثْنَى أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه حِينَ ثَوَّبَ الْمُؤَذِّنُ فَقَالَ أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ الْوِتْرِ نَعَمْ سَاعَةُ الْوِتْرِ هَذِهِ، ثُمَّ قَرَأَ ‏{‏وَاللَّيْلِ إذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إذَا تَنَفَّسَ‏}‏ وَهُمْ لاَ يَأْخُذُونَ بِهَذَا وَيَقُولُونَ لَيْسَتْ هَذِهِ مِنْ سَاعَاتِ الْوِتْرِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ هُشَيْمٌ عَنْ حُصَيْنٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ ظَبْيَانَ قَالَ‏:‏ كَانَ عَلِيٌّ رضي الله عنه يَخْرُجُ إلَيْنَا وَنَحْنُ نَنْظُرُ إلَى تَبَاشِيرِ الصُّبْحِ فَيَقُولُ‏:‏ الصَّلاَةَ الصَّلاَةَ فَإِذَا قَامَ النَّاسُ قَالَ نَعَمْ سَاعَةُ الْوِتْرِ هَذِهِ فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَأُقِيمَتْ الصَّلاَةُ وَفِي الْبُوَيْطِيِّ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ‏}‏ وَ‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ‏}‏ أَحَبُّ إلَيَّ وَإِنْ قَرَأَ غَيْرَ هَذَا مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ أَجُزْأَهُ‏.‏

وَفِيهِ فِي آخِرِ تَرْجَمَةِ طَهَارَةِ الْأَرْضِ وَمَنْ دَخَلَ مَسْجِدًا فَلْيَرْكَعْ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِذَلِكَ وَقَالَ‏:‏ «تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ رَكْعَتَانِ»‏.‏

باب السَّاعَاتُ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلاَةُ

وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي اخْتِلاَفِ الْحَدِيثِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَعَنْ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ «لاَ يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّيَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلاَ عِنْدَ غُرُوبِهَا»‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ الصُّنَابِحِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ «إنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا فَإِذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا فَإِذَا دَنَتْ إلَى الْغُرُوبِ قَارَنَهَا فَإِذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا»‏.‏

وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلاَةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَرُوِيَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الصَّلاَةِ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَامَ عَنْ الصُّبْحِ فَصَلَّاهَا بَعْدَ أَنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَالَ‏:‏ «مَنْ نَسِيَ الصَّلاَةَ فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ‏:‏ ‏{‏أَقِمْ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي‏}‏»‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَعَرَّسَ فَقَالَ‏:‏ «أَلاَ رَجُلٌ صَالِحٌ يَكْلَؤُنَا اللَّيْلَةَ لاَ نَرْقُدُ عَنْ الصَّلاَةِ‏؟‏» فَقَالَ بِلاَلٌ‏:‏ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَاسْتَنَدَ بِلاَلٌ إلَى رَاحِلَتِهِ وَاسْتَقْبَلَ الْفَجْرَ قَالَ فَلَمْ يَفْزَعُوا إلَّا بِحَرِّ الشَّمْسِ فِي وُجُوهِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ «يَا بِلاَلُ»، فَقَالَ بِلاَلٌ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِك قَالَ فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، ثُمَّ اقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَهَذَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّصِلاً مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ «مَنْ نَسِيَ الصَّلاَةَ، أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا»‏.‏ وَيَزِيدُ الْآخَرُ أَيْ حِينَ مَا كَانَتْ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا فَلاَ يَمْنَعَنَّ أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ، أَوْ نَهَارٍ»‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ وَعَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ، أَوْ مِثْلَ مَعْنَاهُ لاَ يُخَالِفُهُ وَزَادَ عَطَاءٌ‏:‏ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَا بَنِي هَاشِمٍ، أَوْ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي لَبِيدٍ قَالَ‏:‏ سَمِعَتْ أَبَا سَلَمَةَ قَالَ قَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ قَالَ فَبَيْنَا هُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ إذْ قَالَ‏:‏ يَا كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ اذْهَبْ إلَى عَائِشَةَ فَسَلْهَا عَنْ صَلاَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ‏:‏ فَذَهَبْت مَعَهُ وَبَعَثَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ مَعَنَا قَالَ اذْهَبْ فَاسْمَعْ مَا تَقُولُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ فَجَاءَهَا فَسَأَلَهَا فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ لاَ عِلْمَ لِي وَلَكِنْ اذْهَبْ إلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَسَلْهَا قَالَ فَذَهَبْنَا مَعَهُ إلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَصَلَّى عِنْدِي رَكْعَتَيْنِ لَمْ أَكُنْ أَرَاهُ يُصَلِّيهِمَا فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْت صَلاَةً لَمْ أَكُنْ أَرَاك تُصَلِّيهَا قَالَ‏:‏ إنِّي كُنْت أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَإِنَّهُ قَدِمَ عَلَيَّ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ، أَوْ صَدَقَةٌ فَشَغَلُونِي عَنْهُمَا فَهُمَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ قَيْسٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ جَدِّهِ قَيْسٍ قَالَ‏:‏ رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الصُّبْحِ فَقَالَ‏:‏ «مَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ يَا قَيْسُ‏؟‏» فَقُلْت لَمْ أَكُنْ صَلَّيْت رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَيْسَ بَعْدَ هَذَا اخْتِلاَفٌ فِي الْحَدِيثِ بَلْ بَعْضُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ يَدُلُّ عَلَى بَعْضٍ فَجِمَاعُ نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَنْ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَمَا تَبْدُو حَتَّى تَبْرُزَ عَنْ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ مَغِيبِ بَعْضِهَا حَتَّى يَغِيبَ كُلُّهَا وَعَنْ الصَّلاَةِ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ عَلَى كُلِّ صَلاَةٍ لَزِمَتْ الْمُصَلِّيَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، أَوْ تَكُونُ الصَّلاَةُ مُؤَكَّدَةً فَآمُرُ بِهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَرْضًا، أَوْ صَلاَةً كَانَ الرَّجُلُ يُصَلِّيهَا فَأَغْفَلَهَا، وَإِذَا كَانَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ صُلِّيَتْ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ بِالدَّلاَلَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ إجْمَاعِ النَّاسِ فِي الصَّلاَةِ عَلَى الْجَنَائِزِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ‏:‏ فَأَيْنَ الدَّلاَلَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ فِي قَوْلِهِ‏:‏ «مَنْ نَسِيَ صَلاَةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ‏:‏ ‏{‏أَقِمْ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي‏}‏» وَأَمْرُهُ أَنْ لاَ يُمْنَعَ أَحَدٌ طَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ وَصَلَّى الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَنَائِزِهِمْ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَفِيمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي بَيْتِهَا رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ كَانَ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الظُّهْرِ فَشُغِلَ عَنْهُمَا بِالْوَفْدِ فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الظُّهْرِ فَشُغِلَ عَنْهُمَا‏.‏ قَالَ‏:‏ وَرَوَى قَيْسٌ جَدُّ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَآهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الصُّبْحِ فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُمَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ فَأَقَرَّهُ؛ لِأَنَّ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ مُؤَكَّدَتَانِ مَأْمُورٌ بِهِمَا فَلاَ يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَهْيُهُ عَنْ الصَّلاَةِ فِي السَّاعَاتِ الَّتِي نَهَى عَنْهَا عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ كُلِّ صَلاَةٍ لاَ تَلْزَمُ فَأَمَّا كُلُّ صَلاَةٍ كَانَ يُصَلِّيهَا صَاحِبُهَا فَأَغْفَلَهَا، أَوْ شُغِلَ عَنْهَا وَكُلُّ صَلاَةٍ أُكِّدَتْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَرْضًا كَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالْكُسُوفِ فَيَكُونُ نَهْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا سِوَى هَذَا ثَابِتًا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَالنَّهْيُ عَنْ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ وَنِصْفَ النَّهَارِ مِثْلُهُ إذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ وَبَرَزَ لاَ اخْتِلاَفَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ نَهْيٌ وَاحِدٌ وَهَذَا مِثْلُ نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلاَةِ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ التَّهْجِيرَ لِلْجُمُعَةِ وَالصَّلاَةَ إلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ‏.‏

قال‏:‏ وَهَذَا مِثْلُ الْحَدِيثِ فِي نَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِ الْيَوْمِ قَبْلَ شَهْرِ رَمَضَانَ إلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْمَ رَجُلٍ كَانَ يَصُومُهُ‏.‏

باب الْخِلاَفُ فِي هَذَا الْباب

حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ فَخَالَفْنَا بَعْضُ أَهْلِ نَاحِيَتِنَا وَغَيْرُهُ فَقَالَ‏:‏ يُصَلَّى عَلَى الْجَنَائِزِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ تُقَارِبْ الشَّمْسُ أَنْ تَطْلُعَ وَمَا لَمْ تَتَغَيَّرْ الشَّمْسُ وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ رَوَاهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ يُشْبِهُ بَعْضَ مَا قَالَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَابْنُ عُمَرَ إنَّمَا سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّهْيَ أَنْ يَتَحَرَّى أَحَدٌ فَيُصَلِّيَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا وَلَمْ أَعْلَمْهُ رُوِيَ عَنْهُ النَّهْيُ عَنْ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَلاَ بَعْدَ الصُّبْحِ فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ إلَى أَنَّ النَّهْيَ مُطْلَقٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَنَهَى عَنْ الصَّلاَةِ عَلَى الْجَنَائِزِ؛ لِأَنَّهَا صَلاَةٌ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَصَلَّى عَلَيْهَا بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ؛ لِأَنَّا لَمْ نَعْلَمْهُ رَوَى النَّهْيَ عَنْ الصَّلاَةِ فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَمَنْ عَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ كَمَا نَهَى عَنْهَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا لَزِمَهُ أَنْ يَعْلَمَ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْهَا فِيمَا لاَ يَلْزَمُ وَمَنْ رَوَى يَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ كَانَ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الظُّهْرِ شُغِلَ عَنْهُمَا وَأَقَرَّ قَيْسًا عَلَى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الصُّبْحِ لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ نَهَى عَنْهَا فِيمَا لاَ يَلْزَمُ وَلَمْ يَنْهَ الرَّجُلَ عَنْهُ فِيمَا اعْتَادَ مِنْ صَلاَةِ النَّافِلَةِ وَفِيمَا تُؤَكِّد مِنْهَا عَلَيْهِ وَمَنْ ذَهَبَ هَذَا عَلَيْهِ وَعَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ إلَّا بِمَا قُلْنَا بِهِ، أَوْ يَنْهَى عَنْ الصَّلاَةِ عَلَى الْجَنَائِزِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ بِكُلِّ حَالٍ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَذَهَبَ أَيْضًا إلَى أَنْ لاَ يُصَلِّيَ أَحَدٌ لِلطَّوَافِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَلاَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ طَافَ بَعْدَ الصُّبْحِ، ثُمَّ نَظَرَ فَلَمْ يَرَ الشَّمْسَ طَلَعَتْ فَرَكِبَ حَتَّى أَنَاخَ بِذِي طُوًى فَصَلَّى‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَإِنْ كَانَ عُمَرُ كَرِهَ الصَّلاَةَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَهُوَ مِثْلُ مَذْهَبِ ابْنِ عُمَرَ وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ فَرَأَى نَهْيَهُ مُطْلَقًا فَتَرَكَ الصَّلاَةَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ وَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ هَذَا أَنْ يَقُولَ‏:‏ لاَ صَلاَةَ فِي جَمِيعِ السَّاعَاتِ الَّتِي نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلاَةِ فِيهَا لِطَوَافٍ وَلاَ عَلَى جِنَازَةٍ وَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ أَنْ لاَ يُصَلِّيَ فِيهَا صَلاَةً فَائِتَةً وَذَلِكَ مِنْ حِينِ يُصَلِّي الصُّبْحَ إلَى أَنْ تَبْرُزَ الشَّمْسُ وَحِينَ يُصَلِّي الْعَصْرَ إلَى أَنْ يَتَتَامَّ مَغِيبُهَا وَنِصْفَ النَّهَارِ إلَى أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَفِي هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى أَنْ تُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةُ، أَوْ بَيْتُ الْمَقْدِسِ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ‏.‏ قَالَ أَبُو أَيُّوبَ فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ صُنِعَتْ فَنَنْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَعَجِبَ ابْنُ عُمَرَ مِمَّنْ يَقُولُ لاَ تُسْتَقْبَلُ الْقِبْلَةُ وَلاَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَقَالَ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلاً بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ عَلِمَ أَبُو أَيُّوبَ النَّهْيَ فَرَآهُ مُطْلَقًا، وَعَلِمَ ابْنُ عُمَرَ اسْتِقْبَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَتِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ النَّهْيَ وَمَنْ عَلِمَهُمَا مَعًا قَالَ النَّهْيُ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي الصَّحْرَاءِ الَّتِي لاَ ضَرُورَةَ عَلَى ذَاهِبٍ فِيهَا وَلاَ سِتْرَ فِيهَا لِذَاهِبٍ؛ لِأَنَّ الصَّحْرَاءَ سَاحَةٌ يَسْتَقْبِلُهُ الْمُصَلِّي، أَوْ يَسْتَدْبِرُهُ فَتُرَى عَوْرَتُهُ إنْ كَانَ مُقْبِلاً، أَوْ مُدْبِرًا وَقَالَ‏:‏ لاَ بَأْسَ بِذَلِكَ فِي الْبُيُوتِ لِضِيقِهَا وَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ إلَى الْمِرْفَقِ فِيهَا وَسِتْرِهَا وَإِنَّ أَحَدًا لاَ يَرَى مَنْ كَانَ فِيهَا إلَّا أَنْ يَدْخُلَ، أَوْ يُشْرِفَ عَلَيْهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَفِي هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ صَلَّيَا مَرِيضَيْنِ قَاعِدَيْنِ بِقَوْمٍ أَصِحَّاءَ فَأَمَرَاهُمْ بِالْقُعُودِ مَعَهُمَا وَذَلِكَ أَنَّهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلِمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا فَأَمَرَهُمْ بِالْجُلُوسِ فَأَخَذَا بِهِ وَكَانَ الْحَقُّ عَلَيْهِمَا وَلاَ أَشُكُّ أَنْ قَدْ عَزَبَ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَالِسًا وَأَبُو بَكْرٍ إلَى جَنْبِهِ قَائِمًا وَالنَّاسُ مِنْ وَرَائِهِ قِيَامًا‏.‏ فَنَسَخَ هَذَا أَمْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجُلُوسِ وَرَاءَهُ إذَا صَلَّى شَاكِيًا وَجَالِسًا وَوَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ عَلِمَ الْأَمْرَيْنِ مَعًا أَنْ يَصِيرَ إلَى أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآخِرِ إذَا كَانَ نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ، أَوْ إلَى أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّالِّ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَفِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه خَطَبَ النَّاسَ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ مَحْصُورٌ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَاهُمْ عَنْ إمْسَاكِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلاَثٍ‏.‏ وَكَانَ يَقُولُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَاقِدٍ رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرُهُمَا فَلَمَّا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهُ عِنْدَ الدَّافَّةِ، ثُمَّ قَالَ‏:‏ «كُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا»‏.‏ وَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلاَثٍ، ثُمَّ قَالَ‏:‏ «كُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَتَصَدَّقُوا»‏.‏ كَانَ يَجِبُ عَلَى مَنْ عَلِمَ الْأَمْرَيْنِ مَعًا أَنْ يَقُولَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ لِمَعْنًى، وَإِذَا كَانَ مِثْلَهُ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُ لَمْ يَكُنْ مَنْهِيًّا عَنْهُ، أَوْ يَقُولُ نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَقْتٍ، ثُمَّ أَرْخَصَ فِيهِ مِنْ بَعْدُ وَالْآخِرُ مِنْ أَمْرِهِ نَاسِخٌ لِلْأَوَّلِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَكُلٌّ قَالَ بِمَا سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ عَلَى مَعْنًى دُونَ مَعْنًى، أَوْ نَسَخَهُ فَعَلِمَ الْأَوَّلَ وَلَمْ يَعْلَمْ غَيْرَهُ فَلَوْ عَلِمَ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ صَارَ إلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلِهَذَا أَشْبَاهٌ غَيْرُهُ فِي الْأَحَادِيثِ وَإِنَّمَا وَضَعْت هَذِهِ الْجُمْلَةَ عَلَيْهِ لِتَدُلَّ عَلَى أُمُورٍ غَلِطَ فِيهَا بَعْضُ مَنْ نَظَرَ فِي الْعِلْمِ لِيَعْلَمَ مَنْ عَلِمَهُ أَنَّ مِنْ مُتَقَدِّمِي الصُّحْبَةِ وَأَهْلِ الْفَضْلِ وَالدِّينِ وَالْأَمَانَةِ مَنْ يَعْزُبُ عَنْهُ مِنْ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ عَلِمَهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ لَعَلَّهُ لاَ يُقَارِبُهُ فِي تَقَدُّمِ صُحْبَتِهِ وَعِلْمِهِ وَيَعْلَمُ أَنَّ عِلْمَ خَاصِّ السُّنَنِ إنَّمَا هُوَ عِلْمٌ خَاصٌّ لِمَنْ فَتَحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ عِلْمَهُ لاَ أَنَّهُ عَامٌّ مَشْهُورٌ شُهْرَةَ الصَّلاَةِ وَجُمَلِ الْفَرَائِضِ الَّتِي كُلِّفَتْهَا الْعَامَّةُ وَلَوْ كَانَ مَشْهُورًا شُهْرَةَ جُمَلِ الْفَرَائِضِ مَا كَانَ الْأَمْرُ فِيمَا وَصَفْت مِنْ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ كَمَا وَصَفْت وَيَعْلَمَ أَنْ الْحَدِيثَ إذَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَلِكَ ثُبُوتُهُ وَأَنْ لاَ نُعَوِّلَ عَلَى حَدِيثٍ لِيُثْبِتَ أَنْ وَافَقَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلاَ يَرُدُّ؛ لِأَنَّ عَمَلَ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَلاً خَالَفَهُ؛ لِأَنَّ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ حَاجَةً‏.‏ إلَى أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِمْ اتِّبَاعُهُ لاَ أَنَّ شَيْئًا مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ تَبِعَ مَا رُوِيَ عَنْهُ وَوَافَقَهُ يَزِيدُ قَوْلَهُ‏:‏ شِدَّةً وَلاَ شَيْئًا خَالَفَهُ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ يُوهِنُ مَا رَوَى عَنْهُ الثِّقَةُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ الْمَفْرُوضُ اتِّبَاعُهُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى النَّاسِ وَلَيْسَ هَكَذَا قَوْلُ بَشَرٍ غَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ صَحَّ الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا خَالَفَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَّهِمَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ لِخِلاَفِهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا رَوَى خَاصَّةً وَمَعًا وَإِنَّ بَيْنَهُمَا مِمَّا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى أَنْ يُصَارَ إلَيْهِ وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ قَوْلاً لَمْ يَرْوِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ إنَّمَا قَالَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ يَعْزُبُ عَنْ بَعْضِهِمْ بَعْضُ قَوْلِهِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ نَذْكُرَهُ عَنْهُ إلَّا رَأْيًا لَهُ مَا لَمْ يَقُلْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ كَانَ هَكَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَارَضَ بِقَوْلِ أَحَدٍ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ‏:‏ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ خِلاَفُ مَنْ وَضَعَهُ هَذَا الْمَوْضِعَ وَلَيْسَ مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا وَقَدْ أُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ وَتُرِكَ لِقَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلاَ يَجُوزُ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَدَّ لِقَوْلِ أَحَدٍ غَيْرِهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَاذْكُرْ لِي فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْت فِيهِ قِيلَ لَهُ‏:‏ مَا وَصَفْت فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ مُتَفَرِّقًا وَجُمْلَةً وَمِنْهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إمَامُ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُقَدَّمُ فِي الْمَنْزِلَةِ وَالْفَضْلِ وَقِدَمِ الصُّحْبَةِ وَالْوَرَعِ وَالثِّقَةُ وَالثَّبْتُ وَالْمُبْتَدِئُ بِالْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُ وَالْكَاشِفُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ حُكْمٌ يَلْزَمُ حَتَّى كَانَ يَقْضِي بَيْن الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَنَّ الدِّيَةَ لِلْعَاقِلَةِ وَلاَ تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا شَيْئًا حَتَّى أَخْبَرَهُ، أَوْ كَتَبَ إلَيْهِ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إلَيْهِ أَنْ يُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا، فَرَجَعَ إلَيْهِ عُمَرُ وَتَرَكَ قَوْلَهُ وَكَانَ عُمَرُ يَقْضِي أَنَّ فِي الْإِبْهَامِ خَمْسَ عَشْرَةَ وَالْوُسْطَى وَالْمُسَبِّحَةِ عَشْرًا عَشْرًا وَفِي الَّتِي تَلِي الْخِنْصَرَ تِسْعًا وَفِي الْخِنْصَرِ سِتًّا حَتَّى وَجَدَ كِتَابًا عِنْدَ آلِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الَّذِي كَتَبَهُ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ «وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ» فَتَرَكَ النَّاسُ قَوْلَ عُمَرَ وَصَارُوا إلَى كِتَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَعَلُوا فِي تَرْكِ أَمْرِ عُمَرَ لِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِعْلَ عُمَرَ فِي فِعْلِ نَفْسِهِ فِي أَنَّهُ تَرَكَ فِعْلَ نَفْسِهِ لِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ الَّذِي، أَوْجَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَعَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَفِي هَذَا دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّ حَاكِمَهُمْ كَانَ يَحْكُمُ بِرَأْيِهِ فِيمَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ سُنَّةٌ لَمْ يَعْلَمْهَا وَلَمْ يَعْلَمْهَا أَكْثَرُهُمْ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِلْمَ خَاصِّ الْأَحْكَامِ خَاصٌّ كَمَا وَصَفْت لاَ عَامٌّ كَعَامِّ جُمَلِ الْفَرَائِضِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَقَسَمَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَسَوَّى بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَلَمْ يُفَضِّلْ بَيْنَ أَحَدٍ بِسَابِقَةٍ وَلاَ نَسَبٍ، ثُمَّ قَسَمَ عُمَرُ فَأَلْغَى الْعَبِيدَ وَفَضَّلَ بِالنَّسَبِ وَالسَّابِقَةِ، ثُمَّ قَسَمَ عَلِيٌّ فَأَلْغَى الْعَبِيدَ وَسَوَّى بَيْنَ النَّاسِ وَهَذَا أَعْظَمُ مَا يَلِي الْخُلَفَاءُ وَأَعَمُّهُ وَأَوْلاَهُ أَنْ لاَ يَخْتَلِفُوا فِيهِ وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْمَالِ ثَلاَثَةَ أَقْسَامٍ‏:‏ قِسْمِ الْفَيْءِ، وَقِسْمِ الْغَنِيمَةِ، وَقِسْمِ الصَّدَقَةِ فَاخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِيهَا وَلَمْ يَمْتَنِعْ أَحَدٌ مِنْ أَخْذِ مَا أَعْطَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَلاَ عُمَرُ وَلاَ عَلِيٌّ وَفِي هَذَا دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ يُسَلِّمُونَ لِحَاكِمِهِمْ، وَإِنْ كَانَ رَأْيُهُمْ خِلاَفَ رَأْيِهِ، وَإِنْ كَانَ حَاكِمُهُمْ قَدْ يَحْكُمُ بِخِلاَفِ آرَائِهِمْ لاَ أَنَّ جَمِيعَ أَحْكَامِهِمْ مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَاعِ مِنْهُمْ وَعَلَى أَنَّ مَنْ ادَّعَى أَنَّ حُكْمَ حَاكِمِهِمْ إذَا كَانَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَلَمْ يَرُدُّوهُ عَلَيْهِ فَلاَ يَكُونُ إلَّا وَقَدْ رَأَوْا رَأْيَهُ قِيلَ‏:‏ إنَّهُمْ لَوْ رَأَوْا رَأْيَهُ فِيهِ لَمْ يُخَالِفُوهُ بَعْدَهُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ رَأَوْهُ فِي حَيَاتِهِ، ثُمَّ خِلاَفُهُ بَعْدَهُ قِيلَ لَهُ‏:‏ فَيَدْخُلُ عَلَيْك فِي هَذَا إنْ كَانَ كَمَا قُلْت أَنَّ إجْمَاعَهُمْ لاَ يَكُونُ حُجَّةً عِنْدَهُمْ إذَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى قَسْمِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ يُجْمِعُوا عَلَى قَسْمِ عُمَرَ، ثُمَّ يُجْمِعُوا عَلَى قَسْمِ عَلِيٍّ‏.‏ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُخَالِفُ صَاحِبَهُ فَإِجْمَاعُهُمْ إذًا لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَهُمْ أَوَّلاً وَلاَ آخِرًا وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ‏.‏ حُجَّةٌ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ حُجَّةً فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ‏:‏ فَكَيْفَ تَقُولُ قُلْت‏:‏ لاَ يُقَالُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا إجْمَاعٌ وَلَكِنْ يُنْسَبُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ إلَى فَاعِلِهِ فَيُنْسَبُ إلَى أَبِي بَكْرٍ فِعْلُهُ، وَإِلَى عُمَرَ فِعْلُهُ، وَإِلَى عَلِيٍّ فِعْلُهُ، وَلاَ يُقَالُ لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَخَذَ مِنْهُمْ مُوَافَقَةً لَهُمْ وَلاَ مُخَالِفَةً وَلاَ يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلُ قَائِلٍ وَلاَ عَمَلُ عَامِلٍ إنَّمَا يُنْسَبُ إلَى كُلٍّ قَوْلُهُ وَعَمَلُهُ، وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ادِّعَاءَ الْإِجْمَاعِ فِي كَثِيرٍ مِنْ خَاصِّ الْأَحْكَامِ لَيْسَ كَمَا يَقُولُ مَنْ يَدَّعِيهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ أَفَتَجِدُ مِثْلَ هَذَا‏؟‏ قُلْنَا‏:‏ إنَّمَا بَدَأْنَا بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَشْهَرُ مَا صَنَعَ الْأَئِمَّةُ وَأَوْلَى أَنْ لاَ يَخْتَلِفُوا فِيهِ وَأَنْ لاَ يَجْهَلَهُ الْعَامَّةُ وَنَحْنُ نَجِدُ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَعَلَ الْجَدَّ أَبًا، ثُمَّ طَرَحَ الْإِخْوَةَ مَعَهُ، ثُمَّ خَالَفَهُ فِيهِ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ‏.‏ وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَأَى عَلَى بَعْضِ أَهْلِ الرِّدَّةِ فِدَاءً وَسَبْيًا وَحَبَسَهُمْ لِذَلِكَ فَأَطْلَقَهُمْ عُمَرُ وَقَالَ‏:‏ لاَ سَبْيَ وَلاَ فِدَاءَ مَعَ غَيْرِ هَذَا مِمَّا سَكَتْنَا عَنْهُ وَنَكْتَفِي بِهَذَا مِنْهُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ‏:‏ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ يَحْيَى بْنَ حَاطِبٍ حَدَّثَهُ قَالَ‏:‏ تُوُفِّيَ حَاطِبٌ فَأَعْتَقَ مَنْ صَلَّى مِنْ رَقِيقِهِ وَصَامَ وَكَانَتْ لَهُ أَمَةٌ نُوبِيَّةٌ قَدْ صَلَّتْ وَصَامَتْ وَهِيَ أَعْجَمِيَّةٌ لَمْ تَفْقَهْ فَلَمْ تُرِعْهُ إلَّا بِحَمْلِهَا وَكَانَتْ ثَيِّبًا فَذَهَبَ إلَى عُمَرَ فَحَدَّثَهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ‏:‏ لاََنْتَ الرَّجُلُ لاَ يَأْتِي بِخَيْرٍ، فَأَفْزَعَهُ ذَلِكَ فَأَرْسَلَ إلَيْهَا عُمَرُ فَقَالَ‏:‏ أَحَبَلْت‏؟‏ فَقَالَتْ‏:‏ نَعَمْ مِنْ مَرْعُوشٍ بِدِرْهَمَيْنِ وَإِذَا هِيَ تَسْتَهِلُّ بِذَلِكَ وَلاَ تَكْتُمُهُ قَالَ وَصَادَفَ عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَقَالَ أَشِيرُوا عَلَيَّ قَالَ‏:‏ وَكَانَ عُثْمَانُ جَالِسًا فَاضْطَجَعَ فَقَالَ‏:‏ عَلِيٌّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ قَدْ وَقَعَ عَلَيْهَا الْحَدُّ فَقَالَ أَشِرْ عَلَيَّ يَا عُثْمَانُ فَقَالَ‏:‏ قَدْ أَشَارَ عَلَيْك أَخَوَاك فَقَالَ أَشِرْ أَنْتَ عَلَيَّ قَالَ أَرَاهَا تَسْتَهِلُّ بِهِ كَأَنَّهَا لاَ تَعْلَمُهُ وَلَيْسَ الْحَدُّ إلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ فَقَالَ عُمَرُ‏:‏ صَدَقْت صَدَقْت وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا الْحَدُّ إلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ فَجَلَدَهَا عُمَرُ مِائَةً وَغَرَّبَهَا عَامًا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَخَالَفَ عَلِيًّا وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ فَلَمْ يَحُدَّهَا حَدَّهَا عِنْدَهُمَا وَهُوَ الرَّجْمُ قَالَ‏:‏ وَخَالَفَ عُثْمَانَ أَنْ لاَ يَحُدَّهَا بِحَالٍ وَجَلَدَهَا مِائَةً وَغَرَّبَهَا عَامًا فَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ مِنْ خِلاَفِهِ بَعْدَ حَدِّهِ إيَّاهَا حَرْفٌ وَلَمْ يُعْلَمْ خِلاَفُهُمْ لَهُ إلَّا بِقَوْلِهِمْ الْمُتَقَدِّمِ قَبْلَ فِعْلِهِ‏.‏

قال‏:‏ وَقَالَ بَعْضُ مَنْ يَقُولُ مَا لاَ يَنْبَغِي لَهُ إذْ قَبِلَ حَدَّ عُمَرَ مَوْلاَةُ حَاطِبٍ كَذَا لَمْ يَكُنْ عُمَرُ لِيَحُدَّهَا إلَّا بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَهَالَةً بِالْعِلْمِ وَجُرْأَةً عَلَى قَوْلِ مَا لاَ يَعْلَمُ فَمَنْ اجْتَرَأَ عَلَى أَنْ يَقُولَ‏:‏ إنَّ قَوْلَ رَجُلٍ، أَوْ عَمَلَهُ فِي خَاصِّ الْأَحْكَامِ مَا لَمْ يُحْكَ عَنْهُ وَعَنْهُمْ قَالَ عِنْدَنَا مَا لَمْ يُعْلَمْ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَقَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي أَنْ لاَ تُبَاعَ أُمَّهَاتُ الْأَوْلاَدِ وَخَالَفَهُ عَلِيٌّ وَقَضَى عُمَرُ فِي الضِّرْسِ بِجَمَلٍ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فَجَعَلَ الضِّرْسَ سِنًّا فِيهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ وَقَالَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَغَيْرُهُمْ‏:‏ لِلرَّجُلِ عَلَى امْرَأَتِهِ الرَّجْعَةُ حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ وَخَالَفَهُمْ غَيْرُهُمْ فَقَالَ‏:‏ إذَا طَعَنَتْ فِي الدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدْ انْقَطَعَتْ رَجْعَتُهُ عَنْهَا مَعَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ أَكْثَرُ مِمَّا وَصَفْت فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَائِلَ السَّلَفِ يَقُولُ بِرَأْيِهِ وَيُخَالِفُهُ غَيْرُهُ وَيَقُولُ بِرَأْيِهِ وَلاَ يُرْوَى عَنْ غَيْرِهِ فِيمَا قَالَ بِهِ شَيْءٌ فَلاَ يُنْسَبُ الَّذِي لَمْ يُرْوَ عَنْهُ شَيْءٌ إلَى خِلاَفِهِ وَلاَ مُوَافَقَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَقُلْ لَمْ يُعْلَمْ قَوْلُهُ وَلَوْ جَازَ أَنْ يُنْسَبَ إلَى مُوَافَقَتِهِ جَازَ أَنْ يُنْسَبَ إلَى خِلاَفِهِ وَلَكِنَّ كُلًّا كَذِبٌ إذَا لَمْ يُعْرَفْ قَوْلُهُ وَلاَ الصِّدْقُ فِيهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ مَا يُعْرَفُ إذَا لَمْ يَقُلْ قَوْلاً وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ لاَ يَرَى قَوْلَ بَعْضٍ حُجَّةً تَلْزَمُهُ إذَا رَأَى خِلاَفَهَا، وَأَنَّهُمْ لاَ يَرَوْنَ اللَّازِمَ إلَّا الْكِتَابَ، أَوْ السُّنَّةَ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا قَطُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ إلَى أَنْ يَكُونَ خَاصُّ الْأَحْكَامِ كُلِّهَا إجْمَاعًا كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَجُمَلِ الْفَرَائِضِ وَأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا وَجَدُوا كِتَابًا، أَوْ سُنَّةً اتَّبَعُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِذَا تَأَوَّلُوا مَا يَحْتَمِلُ فَقَدْ يَخْتَلِفُونَ وَلِذَلِكَ إذَا قَالُوا فِيمَا لَمْ يَعْلَمُوا فِيهِ سُنَّةً اخْتَلَفُوا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَهِيَ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّ دَعْوَى الِاجْتِمَاعِ فِي كُلِّ الْأَحْكَامِ لَيْسَ كَمَا ادَّعَى مَنْ ادَّعَى مَا وَصَفْت مِنْ هَذَا وَنَظَائِرَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْهُ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ، الْإِجْمَاعَ فِيمَا سِوَى جُمَلِ الْفَرَائِضِ الَّتِي كُلِّفَتْهَا الْعَامَّةُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلاَ التَّابِعِينَ وَلاَ الْقَرْنِ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَلاَ الْقَرْنِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، وَلاَ عَالِمٍ عَلِمْته عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ وَلاَ أَحَدٍ نَسَبَتْهُ الْعَامَّةُ إلَى عِلْمٍ إلَّا حَدِيثًا مِنْ الزَّمَانِ فَإِنَّ قَائِلاً قَالَ فِيهِ بِمَعْنًى لَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَرَفَهُ وَقَدْ حَفِظْت عَنْ عَدَدٍ مِنْهُمْ إبْطَالَهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَتَى كَانَتْ عَامَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي دَهْرٍ بِالْبُلْدَانِ عَلَى شَيْءٍ، أَوْ عَامَّةٌ قَبْلَهُمْ قِيلَ يُحْفَظُ عَنْ فُلاَنٍ وَفُلاَنٍ كَذَا وَلَمْ نَعْلَمْ لَهُمْ مُخَالِفًا وَنَأْخُذُ بِهِ وَلاَ نَزْعُمُ أَنَّهُ قَوْلُ النَّاسِ كُلِّهِمْ؛ لِأَنَّا لاَ نَعْرِفُ مَنْ قَالَهُ مِنْ النَّاسِ إلَّا مَنْ سَمِعْنَاهُ مِنْهُ، أَوْ عَنْهُ قَالَ وَمَا وَصَفْت مِنْ هَذَا قَوْلُ مَنْ حَفِظْت عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ نَصًّا وَاسْتِدْلاَلاً‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَالْعِلْمُ مِنْ وَجْهَيْنِ اتِّبَاعٌ، أَوْ اسْتِنْبَاطٌ وَالِاتِّبَاعُ اتِّبَاعُ كِتَابٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَسُنَّةٍ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَقَوْلِ عَامَّةٍ مِنْ سَلَفِنَا لاَ نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيَاسٍ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيَاسٍ عَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيَاسٍ عَلَى قَوْلِ عَامَّةٍ مِنْ سَلَفٍ لاَ مُخَالِفَ لَهُ وَلاَ يَجُوزُ الْقَوْلُ إلَّا بِالْقِيَاسِ وَإِذَا قَاسَ مَنْ لَهُ الْقِيَاسُ فَاخْتَلَفُوا وَسِعَ كُلًّا أَنْ يَقُولَ بِمَبْلَغِ اجْتِهَادِهِ وَلَمْ يَسَعْهُ اتِّبَاعُ غَيْرِهِ فِيمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ بِخِلاَفِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ‏.‏

صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الْمُطَّلِبِيُّ قَالَ‏:‏ ذَكَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ الْأَذَانَ بِالصَّلاَةِ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ‏:‏ ‏{‏وَإِذَا نَادَيْتُمْ إلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا‏}‏ وَقَالَ‏:‏ ‏{‏إذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ‏}‏ فَأَوْجَبَ اللَّهُ- وَاَللَّهُ أَعْلَمُ- إتْيَانَ الْجُمُعَةِ وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَذَانَ لِلصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ، أَوْجَبَ إتْيَانَ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ كَمَا أَمَرَ بِإِتْيَانِ الْجُمُعَةِ وَتَرْكِ الْبَيْعِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أُذِنَّ بِهَا لِتُصَلَّى لِوَقْتِهَا وَقَدْ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسَافِرًا وَمُقِيمًا خَائِفًا وَغَيْرَ خَائِفٍ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ ‏{‏وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ فَأَقَمْت لَهُمْ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَك‏}‏ الْآيَةُ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَتَى الصَّلاَةَ أَنْ يَأْتِيَهَا وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَرَخَّصَ فِي تَرْكِ إتْيَانِ الْجَمَاعَةِ فِي الْعُذْرِ بِمَا سَأَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعِهِ، وَأَشْبَهُ مَا وُصِفَتْ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنْ لاَ يَحِلَّ تَرْكُ أَنْ يُصَلِّيَ كُلَّ مَكْتُوبَةٍ فِي جَمَاعَةٍ حَتَّى لاَ يَخْلُوَا جَمَاعَةٌ مُقِيمُونَ وَلاَ مُسَافِرُونَ مِنْ أَنْ يُصَلَّى فِيهِمْ صَلاَةُ جَمَاعَةٍ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إلَى رِجَالٍ يَتَأَخَّرُونَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا، أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ»‏.‏

أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ «بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ شُهُودُ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ لاَ يَسْتَطِيعُونَهُمَا» أَوْ نَحْوُ هَذَا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَيُشْبِهُ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَمِّهِ أَنْ يُحَرِّقَ عَلَى قَوْمٍ بُيُوتَهُمْ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ فِي قَوْمٍ تَخَلَّفُوا عَنْ صَلاَةِ الْعِشَاءِ لِنِفَاقٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ فَلاَ أُرَخِّصُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ فِي تَرْكِ إتْيَانِهَا إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَإِنْ تَخَلَّفَ أَحَدٌ صَلَّاهَا مُنْفَرِدًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا صَلَّاهَا قَبْلَ صَلاَةِ الْإِمَامِ، أَوْ بَعْدَهَا إلَّا صَلاَةَ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّ عَلَى مَنْ صَلَّاهَا ظُهْرًا قَبْلَ صَلاَةِ الْإِمَامِ إعَادَتُهَا؛ لِأَنَّ إتْيَانَهَا فَرْضُ عَيْنٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ‏.‏ وَكُلُّ جَمَاعَةٍ صَلَّى فِيهَا رَجُلٌ فِي بَيْتِهِ، أَوْ فِي مَسْجِدٍ صَغِيرٍ، أَوْ كَبِيرٍ قَلِيلِ الْجَمَاعَةِ، أَوْ كَثِيرِهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَالْمَسْجِدُ الْأَعْظَمُ وَحَيْثُ كَثُرَتْ الْجَمَاعَةُ أَحَبُّ إلَيَّ، وَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ مَسْجِدٌ يَجْمَعُ فِيهِ فَفَاتَتْهُ فِيهِ الصَّلاَةُ فَإِنْ أَتَى مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ غَيْرَهُ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِهِ وَصَلَّى فِي مَسْجِدٍ مُنْفَرِدًا فَحَسَنٌ وَإِذَا كَانَ لِلْمَسْجِدِ إمَامٌ رَاتِبٌ فَفَاتَتْ رَجُلاً، أَوْ رِجَالاً فِيهِ الصَّلاَةُ صَلُّوا فُرَادَى وَلاَ أُحِبُّ أَنْ يُصَلُّوا فِيهِ جَمَاعَةً فَإِنْ فَعَلُوا أَجْزَأَتْهُمْ الْجَمَاعَةُ فِيهِ وَإِنَّمَا كَرِهْت ذَلِكَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا فَعَلَ السَّلَفُ قَبْلَنَا بَلْ قَدْ عَابَهُ بَعْضُهُمْ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَأَحْسَبُ كَرَاهِيَةَ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ مِنْهُمْ إنَّمَا كَانَ لِتَفَرُّقِ الْكَلِمَةِ وَأَنْ يَرْغَبَ رَجُلٌ عَنْ الصَّلاَةِ خَلْفَ إمَامِ جَمَاعَةٍ فَيَتَخَلَّفُ هُوَ وَمَنْ أَرَادَ عَنْ الْمَسْجِدِ فِي وَقْتِ الصَّلاَةِ فَإِذَا قُضِيَتْ دَخَلُوا فَجَمَعُوا فَيَكُونُ فِي هَذَا اخْتِلاَفٌ وَتَفَرُّقُ كَلِمَةٍ وَفِيهِمَا الْمَكْرُوهُ‏.‏ وَإِنَّمَا أَكْرَهُ هَذَا فِي كُلِّ مَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ وَمُؤَذِّنٌ، فَأَمَّا مَسْجِدٌ بُنِيَ عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ، أَوْ نَاحِيَةٍ لاَ يُؤَذِّنُ فِيهِ مُؤَذِّنٌ رَاتِبٌ وَلاَ يَكُونُ لَهُ إمَامٌ مَعْلُومٌ وَيُصَلِّي فِيهِ الْمَارَّةُ وَيَسْتَظِلُّونَ فَلاَ أَكْرَهُ ذَلِكَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْت مِنْ تَفَرُّقِ الْكَلِمَةِ وَأَنْ يَرْغَبَ رِجَالٌ عَنْ إمَامَةِ رَجُلٍ فَيَتَّخِذُونَ إمَامًا غَيْرَهُ وَإِنْ صَلَّى جَمَاعَةٌ فِي مَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ، ثُمَّ صَلَّى فِيهِ آخَرُونَ فِي جَمَاعَةٍ بَعْدَهُمْ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُمْ لِمَا وَصَفْت وَأَجْزَأَتْهُمْ صَلاَتُهُمْ‏.‏

فَضْلُ الْجَمَاعَةِ وَالصَّلاَةِ مَعَهُمْ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ «صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاَةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ «صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاَةِ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا»‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَالثَّلاَثَةُ فَصَاعِدًا إذَا أَمَّهُمْ أَحَدُهُمْ جَمَاعَةٌ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ الِاثْنَانِ يَؤُمُّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ جَمَاعَةً، وَلاَ أُحِبُّ لِأَحَدٍ تَرْكَ الْجَمَاعَةِ وَلَوْ صَلَّاهَا بِنِسَائِهِ، أَوْ رَقِيقِهِ، أَوْ أُمِّهِ، أَوْ بَعْضِ وَلَدِهِ فِي بَيْتِهِ وَإِنَّمَا مَنَعَنِي أَنْ أَقُولَ صَلاَةُ الرَّجُلِ لاَ تَجُوزُ وَحْدَهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى جَمَاعَةٍ بِحَالِ تَفْضِيلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاَةَ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلاَةِ الْمُنْفَرِدِ وَلَمْ يَقُلْ لاَ تُجْزِئُ الْمُنْفَرِدَ صَلاَتُهُ وَإِنَّا قَدْ حَفِظْنَا أَنْ قَدْ فَاتَتْ رِجَالاً مَعَهُ الصَّلاَةُ فَصَلُّوا بِعِلْمِهِ مُنْفَرِدِينَ وَقَدْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى أَنْ يَجْمَعُوا وَأَنْ قَدْ فَاتَتْ الصَّلاَةُ فِي الْجَمَاعَةِ قَوْمًا فَجَاءُوا الْمَسْجِدَ فَصَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُتَفَرِّدًا وَقَدْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى أَنْ يَجْمَعُوا فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُنْفَرِدًا وَإِنَّمَا كَرِهُوا لِئَلَّا يَجْمَعُوا فِي مَسْجِدٍ مَرَّتَيْنِ وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَخْرُجُوا إلَى مَوْضِعٍ فَيَجْمَعُوا فِيهِ وَإِنَّمَا صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ بِأَنْ يَأْتَمَّ الْمُصَلُّونَ بِرَجُلٍ فَإِذَا ائْتَمَّ وَاحِدٌ بِرَجُلٍ فَهِيَ صَلاَةُ جَمَاعَةٍ وَكُلَّمَا كَثُرَتْ الْجَمَاعَةُ مَعَ الْإِمَامِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ وَأَقْرَبَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْفَضْلِ‏.‏

الْعُذْرُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أُذِنَّ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ فَقَالَ‏:‏ أَلاَ صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، ثُمَّ قَالَ‏:‏ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ يَقُولُ أَلاَ صَلُّوا فِي الرِّحَالِ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ مُنَادِيَهُ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ وَاللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ ذَاتِ رِيحٍ أَلاَ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ أَنَّهُ كَانَ يَؤُمُّ أَصْحَابَهُ يَوْمًا فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ‏:‏ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ‏:‏ «إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ الْغَائِطَ فَلْيَبْدَأْ بِهِ قَبْلَ الصَّلاَةِ»‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ أَنَّهُ خَرَجَ إلَى مَكَّةَ فَصَحِبَهُ قَوْمٌ فَكَانَ يَؤُمُّهُمْ فَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَقَدَّمَ رَجُلاً وَقَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلاَةُ وَوَجَدَ أَحَدُكُمْ الْغَائِطَ فَلْيَبْدَأْ بِالْغَائِطِ»‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِذَا حَضَرَ الرَّجُلَ- إمَامًا كَانَ، أَوْ غَيْرَ إمَامٍ- وُضُوءٌ بَدَأَ بِالْوُضُوءِ وَلَمْ أُحِبَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ يَجِدُ مِنْ الْوُضُوءِ لِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبْدَأَ بِالْوُضُوءِ وَمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ الْخُشُوعِ فِي الصَّلاَةِ وَإِكْمَالِهَا وَإِنَّ مَنْ شُغِلَ بِحَاجَتِهِ إلَى وُضُوءٍ أَشْبَهُ أَنْ لاَ يَبْلُغَ مِنْ الْإِكْمَالِ لِلصَّلاَةِ وَالْخُشُوعِ فِيهَا مَا يَبْلُغُ مَنْ لاَ شُغْلَ لَهُ وَإِذَا حَضَرَ عَشَاءُ الصَّائِمِ، أَوْ الْمُفْطِرِ، أَوْ طَعَامُهُ وَبِهِ إلَيْهِ حَاجَةٌ أَرْخَصْت لَهُ فِي تَرْكِ إتْيَانِ الْجَمَاعَةِ وَأَنْ يَبْدَأَ بِطَعَامِهِ إذَا كَانَتْ نَفْسُهُ شَدِيدَةَ التَّوَقَانِ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نَفْسُهُ شَدِيدَةَ التَّوَقَانِ إلَيْهِ تَرَكَ الْعَشَاءَ وَإِتْيَانُ الصَّلاَةِ أَحَبُّ إلَيَّ‏.‏ وَأُرَخِّصُ لَهُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ بِالْمَرَضِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرِضَ فَتَرَكَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ أَيَّامًا كَثِيرَةً، وَبِالْخَوْفِ وَبِالسَّفَرِ وَبِمَرَضٍ وَبِمَوْتِ مَنْ يَقُومُ بِأَمْرِهِ، وَبِإِصْلاَحِ مَا يَخَافُ فَوْتَ إصْلاَحِهِ مِنْ مَالِهِ، وَمَنْ يَقُومُ بِأَمْرِهِ، وَلاَ أُرَخِّصُ لَهُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَالْعُذْرُ مَا وَصَفْت مِنْ هَذَا وَمَا أَشْبَهَ، أَوْ غَلَبَةِ نَوْمٍ، أَوْ حُضُورِ مَالٍ إنْ غَابَ عَنْهُ خَافَ ضَيْعَتَهُ، أَوْ ذَهَابٍ فِي طَلَبِ ضَالَّةٍ يَطْمَعُ فِي إدْرَاكِهَا وَيَخَافُ فَوْتَهَا فِي غَيْبَتِهِ‏.‏

الصَّلاَةُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْوَالِي

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَهَبَ إلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ وَحَانَتْ الصَّلاَةُ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ‏:‏ أَتُصَلِّي بِالنَّاسِ فَأُقِيمَ الصَّلاَةَ‏؟‏ قَالَ‏:‏ نَعَمْ‏.‏ فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالنَّاسُ فِي الصَّلاَةِ- فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ فَصَفَّقَ النَّاسُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لاَ يَلْتَفِتُ فِي صَلاَتِهِ فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَشَارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ اُمْكُثْ مَكَانَك فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ‏:‏ «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَك أَنْ تَثْبُتَ إذْ أَمَرْتُك‏؟‏» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ‏:‏ مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ «مَا لِي أَرَاكُمْ أَكْثَرْتُمْ التَّصْفِيقَ‏؟‏‏!‏ مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلاَتِهِ فَلْيُسَبِّحْ فَإِنَّهُ إذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ»‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَيُجْزِئُ رَجُلاً أَنْ يُقَدِّمَ رَجُلاً، أَوْ يَتَقَدَّمَ فَيُصَلِّيَ بِقَوْمٍ بِغَيْرِ أَمْرِ الْوَالِي الَّذِي يَلِي الصَّلاَةَ أَيَّ صَلاَةٍ حَضَرَتْ مِنْ جُمُعَةٍ، أَوْ مَكْتُوبَةٍ، أَوْ نَافِلَةٍ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَهْلِ الْبَلَدِ وَالٍ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لِلْوَالِي شُغْلٌ، أَوْ مَرَضٌ، أَوْ نَامَ، أَوْ أَبْطَأَ عَنْ الصَّلاَةِ فَقَدْ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصْلِحَ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إلَى أَبِي بَكْرٍ فَتَقَدَّمَ لِلصَّلاَةِ وَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ لِحَاجَتِهِ فَتَقَدَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَدْرَكَ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ فَصَلَّاهَا خَلْفَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، ثُمَّ قَضَى مَا فَاتَهُ فَفَزِعَ النَّاسُ لِذَلِكَ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ قَدْ أَحْسَنْتُمْ، يَغْبِطُهُمْ أَنْ صَلُّوا الصَّلاَةَ لِوَقْتِهَا قَالَ‏:‏ يَعْنِي أَوَّلَ وَقْتِهَا إلَى هُنَا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَأُحِبُّ فِي هَذَا كُلِّهِ إنْ كَانَ الْإِمَامُ قَرِيبًا أَنْ يَسْتَأْمِرَ وَأُحِبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إذَا أَبْطَأَ هُوَ عَنْ الصَّلاَةِ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنْ يَكُونَ الزَّمَانُ زَمَانَ فِتْنَةٍ، أَوْ غَيْرَ زَمَانِ فِتْنَةٍ إلَّا أَنَّهُمْ إذَا خَافُوا فِي هَذَا شَيْئًا مِنْ السُّلْطَانِ أَحْبَبْت أَنْ لاَ يُعَجِّلُوا أَمْرَ السُّلْطَانِ حَتَّى يَخَافُوا ذَهَابَ الْوَقْتِ فَإِذَا خَافُوا ذَهَابَهُ لَمْ يَسَعْهُمْ إلَّا الصَّلاَةُ جَمَاعَةً، أَوْ فُرَادَى وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْجُمُعَةُ وَالْأَعْيَادُ وَغَيْرُهَا قَدْ صَلَّى عَلِيٌّ بِالنَّاسِ الْعِيدَ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا‏.‏

إذَا اجْتَمَعَ الْقَوْمُ وَفِيهِمْ الْوَالِي

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ إذَا دَخَلَ الْوَالِي الْبَلَدَ يَلِيه فَاجْتَمَعَ وَغَيْرَهُ فِي وِلاَيَتِهِ فَالْوَالِي أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ وَلاَ يَتَقَدَّمُ أَحَدٌ ذَا سُلْطَانٍ فِي سُلْطَانِهِ فِي مَكْتُوبَةٍ وَلاَ نَافِلَةٍ وَلاَ عِيدٍ وَيُرْوَى أَنَّ ذَا السُّلْطَانِ أَحَقُّ بِالصَّلاَةِ فِي سُلْطَانِهِ فَإِنْ قَدَّمَ الْوَالِي رَجُلاً فَلاَ بَأْسَ وَإِنَّمَا يَؤُمُّ حِينَئِذٍ بِأَمْرِ الْوَالِي وَالْوَالِي الْمُطْلَقُ الْوِلاَيَةِ فِي كُلِّ مَنْ مَرَّ بِهِ ذُو سُلْطَانٍ حَيْثُ مَرَّ وَإِنْ دَخَلَ الْخَلِيفَةُ بَلَدًا لاَ يَلِيهِ وَبِالْبَلَدِ وَالٍ غَيْرُهُ فَالْخَلِيفَةُ، أَوْلَى بِالصَّلاَةِ لِأَنَّ وَالِيَهُ إنَّمَا وَلِيَ بِسَبَبِهِ وَكَذَلِكَ إنْ دَخَلَ بَلَدًا تَغَلَّبَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَالْخَلِيفَةُ، أَوْلَى فَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَلِيفَةٌ فَالْوَالِي بِالْبَلَدِ، أَوْلَى بِالصَّلاَةِ فِيهِ فَإِنْ جَاوَزَ إلَى بَلَدِ غَيْرِهِ لاَ وِلاَيَةَ لَهُ بِهِ فَهُوَ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ‏.‏

اجْتِمَاعُ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِهِمْ سَوَاءٌ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ أَخْبَرَنَا الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ قَالَ‏:‏ حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ قَالَ‏:‏ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ»‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ قَدِمُوا مَعًا فَأَشْبَهُوا أَنْ تَكُونَ قِرَاءَتُهُمْ وَتَفَقُّهُهُمْ سَوَاءً فَأُمِرُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ وَبِذَلِكَ آمُرُهُمْ وَبِهَذَا نَأْخُذُ فَنَأْمُرُ الْقَوْمَ إذَا اجْتَمَعُوا فِي الْمَوْضِعِ لَيْسَ فِيهِمْ وَالٍ وَلَيْسُوا فِي مَنْزِلِ أَحَدٍ أَنْ يُقَدِّمُوا أَقْرَأَهُمْ وَأَفْقَهَهُمْ، وَأَسَنَّهُمْ فَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ ذَلِكَ فِي وَاحِدٍ فَإِنْ قَدَّمُوا أَفْقَهَهُمْ إذَا كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَقَرَأَ مِنْهُ مَا يَكْتَفِي بِهِ فِي صَلاَتِهِ فَحَسَنٌ وَإِنْ قَدَّمُوا أَقْرَأَهُمْ إذَا كَانَ يَعْلَمُ مِنْ الْفِقْهِ مَا يَلْزَمُهُ فِي الصَّلاَةِ فَحَسَنٌ‏.‏ وَيُقَدِّمُوا هَذَيْنِ مَعًا عَلَى مَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْهُمَا وَإِنَّمَا قِيلَ- وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ- أَنْ يَؤُمَّهُمْ أَقْرَؤُهُمْ أَنَّ مَنْ مَضَى مِنْ الْأَئِمَّةِ كَانُوا يُسْلِمُونَ كِبَارًا فَيَتَفَقَّهُونَ قَبْلَ أَنْ يَقْرَءُوا الْقُرْآنَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ صِغَارًا قَبْلَ أَنْ يَتَفَقَّهُوا فَأَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ مَنْ كَانَ فَقِيهًا إذَا قَرَأَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْئًا، أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ لِأَنَّهُ قَدْ يَنُوبُهُ فِي الصَّلاَةِ مَا يَعْقِلُ كَيْفَ يَفْعَلُ فِيهِ بِالْفِقْهِ وَلاَ يَعْلَمُهُ مَنْ لاَ فِقْهَ لَهُ وَإِذَا اسْتَوَوْا فِي الْفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ أَمَّهُمْ أَسَنُّهُمْ وَأَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَؤُمَّهُمْ أَسَنُّهُمْ فِيمَا أَرَى- وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ- أَنَّهُمْ كَانُوا مُشْتَبَهِي الْحَالِ فِي الْقِرَاءَةِ وَالْعِلْمِ فَأَمَرَ أَنْ يَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ سِنًّا وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ ذُو نَسَبٍ فَقَدَّمُوا غَيْرَ ذِي النَّسَبِ أَجْزَأَهُمْ وَإِنْ قَدَّمُوا ذَا النَّسَبِ اشْتَبَهَتْ حَالُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ وَالْفِقْهِ كَانَ حَسَنًا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ مَنْزِلَةُ فَضْلٍ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلاَ تَقَدَّمُوهَا» فَأُحِبُّ أَنْ يُقَدَّمَ مَنْ حَضَرَ مِنْهُمْ اتِّبَاعًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا كَانَ فِيهِ لِذَلِكَ مَوْضِعٌ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ‏:‏ كَانَ يُقَالُ يَؤُمُّهُمْ أَفْقَهُهُمْ فَإِنْ كَانُوا فِي الْفِقْهِ سَوَاءً فَأَقْرَؤُهُمْ فَإِنْ كَانُوا فِي الْفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَسَنُّهُمْ، ثُمَّ عَاوَدْته بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْعَبْدِ يَؤُمُّ فَقُلْت يَؤُمُّهُمْ الْعَبْدُ إذَا كَانَ أَفْقَهَهُمْ‏؟‏ قَالَ‏:‏ نَعَمْ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ قَالَ‏:‏ أُقِيمَتْ الصَّلاَةُ فِي مَسْجِدٍ بِطَائِفَةٍ مِنْ الْمَدِينَةِ وَلِابْنِ عُمَرَ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ أَرْضٌ يَعْمَلُهَا وَإِمَامُ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ مَوْلًى لَهُ وَمَسْكَنُ ذَلِكَ الْمَوْلَى وَأَصْحَابِهِ، ثُمَّ فَلَمَّا سَمِعَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ جَاءَ لِيَشْهَدَ مَعَهُمْ الصَّلاَةَ فَقَالَ لَهُ الْمَوْلَى صَاحِبُ الْمَسْجِدِ تَقَدَّمْ فَصَلِّ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ أَنْتَ أَحَقُّ أَنْ تُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِك مِنِّي فَصَلَّى الْمَوْلَى صَاحِبُ الْمَسْجِدِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَصَاحِبُ الْمَسْجِدِ كَصَاحِبِ الْمَنْزِلِ فَأَكْرَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ أَحَدٌ إلَّا السُّلْطَانُ وَمَنْ أَمَّ مِنْ الرِّجَالِ مِمَّنْ كَرِهْت إمَامَتَهُ فَأَقَامَ الصَّلاَةَ أَجْزَأَتْ إمَامَتُهُ وَالِاخْتِيَارُ مَا وَصَفْت مِنْ تَقْدِيمِ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْقُرْآنِ وَالسِّنِّ وَالنَّسَبِ وَإِنْ أَمَّ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، أَوْ بَدَوِيٌّ قَرَوِيًّا فَلاَ بَأْسَ- إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى- إلَّا أَنِّي أُحِبُّ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَهْلُ الْفَضْلِ فِي كُلِّ حَالٍ فِي الْإِمَامَةِ وَمَنْ صَلَّى صَلاَةً مِنْ بَالِغٍ مُسْلِمٍ يُقِيمُ الصَّلاَةَ أَجْزَأَتْهُ وَمَنْ خَلْفَهُ صَلاَتُهُمْ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَحْمُودِ الْحَالِ فِي دِينِهِ أَيْ غَايَةً بَلَغَ يُخَالِفُ الْحَمْدَ فِي الدِّينِ‏.‏ وَقَدْ صَلَّى أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَ مَنْ لاَ يَحْمَدُونَ فِعَالَهُ مِنْ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ اعْتَزَلَ بِمِنًى فِي قِتَالِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَالْحَجَّاجِ بِمِنًى فَصَلَّى مَعَ الْحَجَّاجِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا حَاتِمٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ رضي الله تعالى عنهما كَانَا يُصَلِّيَانِ خَلْفَ مَرْوَانَ قَالَ فَقَالَ‏:‏ أَمَا كَانَا يُصَلِّيَانِ إذَا رَجَعَا إلَى مَنَازِلِهِمَا‏؟‏ فَقَالَ‏:‏ لاَ وَاَللَّهِ مَا كَانَا يَزِيدَانِ عَلَى صَلاَةِ الْأَئِمَّةِ‏.‏

صَلاَةُ الرَّجُلِ بِصَلاَةِ الرَّجُلِ لَمْ يَؤُمَّهُ

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى وَإِذَا افْتَتَحَ الرَّجُلُ الصَّلاَةَ لِنَفْسِهِ لاَ يَنْوِي أَنْ يَؤُمَّ أَحَدًا فَجَاءَتْ جَمَاعَةٌ، أَوْ وَاحِدٌ فَصَلَّوْا بِصَلاَتِهِ فَصَلاَتُهُ مُجْزِئَةٌ عَنْهُمْ وَهُوَ لَهُمْ إمَامٌ وَلاَ فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّجُلِ يَنْوِي أَنْ يُصَلِّيَ لَهُمْ وَلَوْ لَمْ يَجُزْ هَذَا لِرَجُلٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْوِيَ إمَامَةَ رَجُلٍ، أَوْ نَفَرٍ قَلِيلٍ بِأَعْيَانِهِمْ لاَ يَنْوِي إمَامَةَ غَيْرِهِمْ وَيَأْتِي قَوْمٌ كَثِيرُونَ فَيُصَلُّونَ مَعَهُمْ، وَلَكِنَّ كُلَّ هَذَا جَائِزٌ- إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى التَّوْفِيقَ‏.‏

كَرَاهِيَةُ الْإِمَامَةِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ رَوَى صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ «يَأْتِي قَوْمٌ فَيُصَلُّونَ لَكُمْ فَإِنْ أَتَمُّوا كَانَ لَهُمْ وَلَكُمْ وَإِنْ نَقَصُوا كَانَ عَلَيْهِمْ وَلَكُمْ»‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ «الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ اللَّهُمَّ فَأَرْشِدْ الْأَئِمَّةَ وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ»‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَيُشْبِهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ- إنْ أَتَمُّوا فَصَلُّوا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَجَاءُوا بِكَمَالِ الصَّلاَةِ فِي إطَالَةِ الْقِرَاءَةِ وَالْخُشُوعِ وَالتَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَإِكْمَالِ التَّشَهُّدِ وَالذِّكْرِ فِيهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ غَايَةُ التَّمَامِ وَإِنْ أَجْزَأَ أَقَلَّ مِنْهُ فَلَهُمْ وَلَكُمْ وَلاَ فَعَلَيْهِمْ تَرْكُ الِاخْتِيَارِ بِعَمْدِ تَرْكِهِ وَلَكُمْ مَا نَوَيْتُمْ مِنْهُ فَتَرَكْتُمُوهُ لِاتِّبَاعِهِ بِمَا أُمِرْتُمْ بِاتِّبَاعِهِمْ فِي الصَّلاَةِ فِيمَا يُجْزِئُكُمْ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَفْضَلَ مِنْهُ فَعَلَيْهِمْ التَّقْصِيرُ فِي تَأْخِيرِ الصَّلاَةِ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَالْإِتْيَانِ بِأَقَلَّ مَا يَكْفِيهِمْ مِنْ قِرَاءَةٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ دُونَ أَكْمَلِ مَا يَكُونُ مِنْهَا وَإِنَّمَا عَلَيْكُمْ اتِّبَاعُهُمْ فِيمَا أَجْزَأَ عَنْكُمْ وَعَلَيْهِمْ التَّقْصِيرُ مِنْ غَايَةِ الْإِتْمَامِ وَالْكَمَالِ وَيُحْتَمَلُ ضُمَنَاءُ لِمَا غَابُوا عَلَيْهِ مِنْ الْمُخَافَتَةِ بِالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ فَأَمَّا أَنْ يَتْرُكُوا ظَاهِرًا أَكْثَرَ الصَّلاَةِ حَتَّى يَذْهَبَ الْوَقْتُ، أَوْ لَمْ يَأْتُوا فِي الصَّلاَةِ بِمَا تَكُونُ مِنْهُ الصَّلاَةُ مُجْزِئَةً فَلاَ يَحِلُّ لِأَحَدٍ اتِّبَاعُهُمْ وَلاَ تَرْكُ الصَّلاَةِ حَتَّى يَمْضِيَ وَقْتُهَا وَلاَ صَلاَتُهَا بِمَا لاَ يُجْزِئُ فِيهَا‏.‏ وَعَلَى النَّاسِ أَنْ يُصَلُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، أَوْ جَمَاعَةً مَعَ غَيْرِ مَنْ يَصْنَعُ هَذَا مِمَّنْ يُصَلِّي لَهُمْ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ‏:‏ مَا دَلِيلُ مَا وَصَفْت قِيلَ‏:‏ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى‏:‏ ‏{‏أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرَدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ‏}‏ وَيُقَالُ نَزَلَتْ فِي أُمَرَاءِ السَّرَايَا وَأُمِرُوا إذَا تَنَازَعُوا فِي شَيْءٍ وَذَلِكَ اخْتِلاَفُهُمْ فِيهِ أَنْ يَرُدُّوهُ إلَى حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ حُكْمِ الرَّسُولِ فَحُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُؤْتَى بِالصَّلاَةِ فِي الْوَقْتِ وَبِمَا تُجْزِئُ بِهِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ «مَنْ أَمَرَكُمْ مِنْ الْوِلاَيَةِ بِغَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ فَلاَ تُطِيعُوهُ»‏.‏

فَإِذَا أَخَّرُوا الصَّلاَةَ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا، أَوْ لَمْ يَأْتُوا فِيهَا بِمَا تَكُونُ بِهِ مُجْزِئَةً عَنْ الْمُصَلِّي فَهَذَا مِنْ عَظِيمِ مَعَاصِي اللَّهِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تُرَدَّ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لاَ يُطَاعَ وَالٍ فِيهَا وَأُحِبُّ الْأَذَانَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ «اغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ»، وَأَكْرَهُ الْإِمَامَةَ لِلضَّمَانِ وَمَا عَلَى الْإِمَامِ فِيهَا وَإِذَا أَمَّ رَجُلٌ انْبَغَى لَهُ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ وَيُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ فِي الْإِمَامَةِ فَإِذَا فَعَلَ رَجَوْت أَنْ يَكُونَ خَيْرًا حَالاً مِنْ غَيْرِهِ‏.‏

مَا عَلَى الْإِمَامِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ‏:‏ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ‏:‏ «لاَ يُصَلِّي الْإِمَامُ بِقَوْمٍ فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ»‏.‏

وَيُرْوَى عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ مِثْلُهُ‏.‏

وَكَذَلِكَ أُحِبُّ لِلْإِمَامِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَأَدَّى الصَّلاَةَ فِي الْوَقْتِ أَجْزَأَهُ وَأَجْزَأَهُمْ وَعَلَيْهِ نَقْصٌ فِي أَنْ خَصَّ نَفْسَهُ دُونَهُمْ، أَوْ يَدَعَ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الصَّلاَةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ بِكَمَالِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ‏.‏

مَنْ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ يُقَالُ‏:‏ لاَ تُقْبَلُ صَلاَةُ مَنْ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَلاَ صَلاَةُ امْرَأَةٍ وَزَوْجُهَا غَائِبٌ عَنْهَا وَلاَ عَبْدٌ آبِقٌ حَتَّى يَرْجِعَ وَلَمْ أَحْفَظْ مِنْ وَجْهٍ يُثْبِتُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ مِثْلَهُ وَإِنَّمَا عُنِيَ بِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ الرَّجُلُ غَيْرُ الْوَالِي يَؤُمُّ جَمَاعَةً يَكْرَهُونَهُ فَأَكْرَهُ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ وَلاَ بَأْسَ بِهِ عَلَى الْمَأْمُومِ يَعْنِي فِي هَذَا الْحَالِ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ لَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا كُرِهَ لَهُ وَصَلاَةُ الْمَأْمُومِ فِي هَذِهِ الْحَالِ مُجْزِئَةٌ وَلاَ أَعْلَمُ عَلَى الْإِمَامِ إعَادَةً؛ لِأَنَّ إسَاءَتَهُ فِي التَّقَدُّمِ لاَ تَمْنَعُهُ مِنْ أَدَاءِ الصَّلاَةِ، وَإِنْ خِفْت عَلَيْهِ فِي التَّقَدُّمِ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ يَغِيبُ عَنْهَا زَوْجُهَا وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ يَأْبِقُ أَخَافُ عَلَيْهِمْ فِي أَفْعَالِهِمْ وَلَيْسَتْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ إعَادَةُ صَلاَةٍ صَلَّاهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَيَخْرُجُ فِي الْمَعْصِيَةِ أَخَافُ عَلَيْهِ فِي عَمَلِهِ وَإِذَا صَلَّى صَلاَةً فَفَعَلَهَا فِي وَقْتِهَا لَمْ أُوجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهَا، وَلَوْ تَطَوَّعَ بِإِعَادَتِهَا إذَا تَرَكَ مَا كَانَ فِيهِ مَا كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَأَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَوَلَّى قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ وَإِنْ وَلِيَهُمْ وَالْأَكْثَرُ مِنْهُمْ لاَ يَكْرَهُونَهُ وَالْأَقَلُّ مِنْهُمْ يَكْرَهُونَهُ لَمْ أَكْرَهْ ذَلِكَ لَهُ إلَّا مِنْ وَجْهِ كَرَاهِيَةِ الْوِلاَيَةِ جُمْلَةً، وَذَلِكَ أَنَّهُ لاَ يَخْلُو أَحَدٌ وَلِيَ قَلِيلاً أَوْ كَثِيرًا أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ يَكْرَهُهُ وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِي هَذَا إلَى الْعَامِّ الْأَكْثَرِ لاَ إلَى الْخَاصِّ الْأَقَلِّ وَجُمْلَةُ هَذَا أَنِّي أَكْرَهُ الْوِلاَيَةَ بِكُلِّ حَالٍ‏.‏ فَإِنْ وَلِيَ رَجُلٌ قَوْمًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ وِلاَيَتَهُمْ حَتَّى يَكُونَ مُحْتَمِلاً لِنَفْسِهِ لِلْوِلاَيَةِ بِكُلِّ حَالٍ آمِنًا عِنْدَهُ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يُحَابِيَهُ، وَعَدُوِّهِ أَنْ يَحْمِلَ غَيْرَ الْحَقِّ عَلَيْهِ مُتَيَقِّظًا، لاَ يَخْدَعُ عَفِيفًا عَمَّا صَارَ إلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَحْكَامِهِمْ مُؤَدِّيًا لِلْحَقِّ عَلَيْهِ فَإِنْ نَقَصَ وَاحِدَةٌ مِنْ هَذَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَلِيَ وَلاَ لِأَحَدٍ عَرَفَهُ أَنْ يُوَلِّيَهُ وَأُحِبُّ مَعَ هَذَا أَنْ يَكُونَ حَلِيمًا عَلَى النَّاسِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَكَانَ لاَ يَبْلُغُ بِهِ غَيْظُهُ أَنْ يُجَاوِزَ حَقًّا وَلاَ يَتَنَاوَلَ بَاطِلاً لَمْ يَضُرُّهُ؛ لِأَنَّ هَذَا طِبَاعٌ لاَ يَمْلِكُهُ مِنْ نَفْسِهِ وَمَتَى وَلِيَ وَهُوَ كَمَا أُحِبُّ لَهُ فَتَغَيَّرَ وَجَبَ عَلَى الْوَالِي عَزْلُهُ وَعَلَيْهِ أَنْ لاَ يَلِيَ لَهُ‏.‏ وَلَوْ تَوَلَّى رَجُلٌ أَمْرَ قَوْمٍ أَكْثَرُهُمْ لَهُ كَارِهُونَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مَأْثَمٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إلَّا أَنْ يَكُونَ تَرْكُ الْوِلاَيَةِ خَيْرًا لَهُ أَحَبُّوهُ، أَوْ كَرِهُوهُ‏.‏

مَا عَلَى الْإِمَامِ مِنْ التَّخْفِيفِ

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمْ السَّقِيمَ وَالضَّعِيفَ فَإِذَا كَانَ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ فَلْيُطِلْ مَا شَاءَ»‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ «كَانَ أَخَفَّ النَّاسِ صَلاَةً عَلَى النَّاسِ وَأَطْوَلَ النَّاسِ صَلاَةً لِنَفْسِهِ»‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ رَوَى شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ وَعَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو عَنْ الْعَلاَءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ‏:‏ مَا صَلَّيْت خَلْفَ أَحَدٍ قَطُّ أَخَفَّ وَلاَ أَتَمَّ صَلاَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَأُحِبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُخَفِّفَ الصَّلاَةَ وَيُكْمِلَهَا كَمَا وَصَفَ أَنَسٌ وَمَنْ حَدَّثَ مَعَهُ وَتَخْفِيفُهَا وَإِكْمَالُهَا مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَإِنْ عَجَّلَ الْإِمَامُ عَمَّا أَحْبَبْت مِنْ تَمَامِ الْإِكْمَالِ مِنْ التَّثْقِيلِ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَلاَ إعَادَةَ عَلَيْهِ وَلاَ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ إذَا جَاءَ بِأَقَلِّ مَا عَلَيْهِ فِي الصَّلاَةِ‏.‏

باب صِفَةِ الْأَئِمَّةِ

وَلَيْسَ فِي التَّرَاجِمِ‏.‏ وَفِيهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِتَقْدِيمِ قُرَيْشٍ، وَفَضْلُ الْأَنْصَارِ، وَالْإِشَارَةُ إلَى الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلاَ تَقَدَّمُوهَا وَتَعَلَّمُوا مِنْهَا وَلاَ تُعَالِمُوهَا، أَوْ تُعَلِّمُوهَا»‏.‏ الشَّكُّ مِنْ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ حَكِيمِ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَابْنَ شِهَابٍ يَقُولاَنِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ «مَنْ أَهَانَ قُرَيْشًا أَهَانَهُ اللَّهُ»‏.‏

أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ «لَوْلاَ أَنْ تَبْطَرَ قُرَيْشٌ لاََخْبَرْتهَا بِاَلَّذِي لَهَا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ جَلَّ»‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِقُرَيْشٍ‏:‏ «أَنْتُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ مَا كُنْتُمْ مَعَ الْحَقِّ إلَّا أَنْ تَعْدِلُوا فَتَلْحُونَ كَمَا تُلْحَى هَذِهِ الْجَرِيدَةُ» يُشِيرُ إلَى جَرِيدَةٍ فِي يَدِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خَيْثَمٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رِفَاعَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَادَى‏:‏ «أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ قُرَيْشًا أَهْلُ إمَامَةٍ مَنْ بَغَاهَا الْعَوَاثِيرَ أَكَبَّهُ اللَّهُ لِمَنْخَرَيْهِ» يَقُولُهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ‏.‏

حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ أَنَّ قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ وَقَعَ بِقُرَيْشٍ فَكَأَنَّهُ نَالَ مِنْهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ «مَهْلاً يَا قَتَادَةُ، لاَ تَشْتُمْ قُرَيْشًا فَإِنَّك لَعَلَّك تَرَى مِنْهَا رِجَالاً، أَوْ يَأْتِي مِنْهَا رِجَالٌ تَحْتَقِرُ عَمَلَك مَعَ أَعْمَالِهِمْ وَفِعْلَك مَعَ أَفْعَالِهِمْ وَتَغْبِطُهُمْ إذَا رَأَيْتهمْ لَوْلاَ أَنْ تَطْغَى قُرَيْشٌ لاََخْبَرْتهَا بِاَلَّذِي لَهَا عِنْدَ اللَّهِ»‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِإِسْنَادٍ لاَ أَحْفَظُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي قُرَيْشٍ شَيْئًا مِنْ الْخَيْرِ لاَ أَحْفَظُهُ وَقَالَ‏:‏ «شِرَارُ قُرَيْشٍ خِيَارُ شِرَارِ النَّاسِ‏.‏

أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ «تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ فَخِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلاَمِ إذَا فَقِهُوا»‏.‏

أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ‏:‏ «أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَلْيَنُ قُلُوبًا وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ»‏.‏

حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ حَدَّثَنِي عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ الْقَاسِمِ الْأَزْرَقِيِّ قَالَ‏:‏ وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ثَنِيَّةِ تَبُوكَ فَقَالَ‏:‏ «مَا هَاهُنَا شَامٌ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى جِهَةِ الشَّامِ وَمَا هَا هُنَا يَمَنٌ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى جِهَةِ الْمَدِينَةِ»‏.‏

حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ‏:‏ جَاءَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَالدَّوْسِيُّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ دَوْسًا قَدْ عَصَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا فَاسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ النَّاسُ‏:‏ هَلَكَتْ دَوْسٌ فَقَالَ‏:‏ «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ»‏.‏

حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ «لَوْلاَ الْهِجْرَةُ لَكُنْت امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ سَلَكُوا وَادِيًا، أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْت وَادِيَ الْأَنْصَارِ، أَوْ شِعْبَهُمْ»‏.‏

حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُرْجَانِيِّ قَالَ‏:‏ حَدَّثَنِي ابْنُ الْغَسِيلِ عَنْ رَجُلٍ سَمَّاهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ فِي مَرَضِهِ فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ‏:‏ «إنَّ الْأَنْصَارَ قَدْ قَضَوْا الَّذِي عَلَيْهِمْ وَبَقِيَ الَّذِي عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ»‏.‏ وَقَالَ غَيْرُهُ عَنْ الْحَسَنِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَدٌّ وَقَالَ الْجُرْجَانِيِّ فِي حَدِيثِهِ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ وَلِأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ»‏.‏ وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ‏:‏ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ خَرَجَ بَهَشَ إلَيْهِ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ مِنْ الْأَنْصَارِ فَرَقَّ لَهُمْ، ثُمَّ خَطَبَ وَقَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ‏:‏ مَا وَجَدْت أَنَا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ الْأَنْصَارِ مَثَلاً إلَّا مَا قَالَ الطُّفَيْلُ الْغَنَوِيُّ‏:‏ أَبَوْا أَنْ يَمَلُّونَا وَلَوْ أَنَّ أُمَّنَا تُلاَقِي الَّذِي يَلْقُونَ مِنَّا لَمَلَّتْ هُمْ خَلَطُونَا بِالنُّفُوسِ وَأَلْجَئُوا إلَى حُجُرَاتٍ أَدْفَأَتْ وَأَظَلَّتْ جَزَى اللَّهُ عَنَّا جَعْفَرًا حِينَ أُزْلِقَتْ بِنَا بَعْلُنَا فِي الْوَاطِئِينَ وَزَلَّتْ قَالَ الرَّبِيعُ‏:‏ هَذَا الْبَيْتُ الْأَخِيرُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُرْجَانِيِّ عَنْ الْمَسْعُودِيِّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ‏:‏ مَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ أَحَدٌ إلَّا وَلِلْأَنْصَارِ عَلَيْهِ مِنَّةٌ أَلَمْ يُوَسِّعُوا فِي الدِّيَارِ وَيُشَاطِرُوا فِي الثِّمَارِ وَآثَرُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ «بَيْنَا أَنَا أَنْزِعُ عَلَى بِئْرٍ أَسَتَقِي- قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ يَعْنِي فِي النَّوْمِ وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَجَاءَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ فَنَزَعَ ذَنُوبًا، أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِيهِمَا ضَعْفٌ وَاَللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَنَزَعَ حَتَّى اسْتَحَالَتْ فِي يَدِهِ غَرْبًا فَضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرِيَّهُ»‏.‏ وَزَادَ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ‏:‏ «فَأَرْوَى الظِّمْأَةُ وَضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ»‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ قَوْلُهُ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ يَعْنِي قِصَرَ مُدَّتِهِ وَعَجَلَةَ مَوْتِهِ وَشَغْلَهُ بِالْحَرْبِ لِأَهْلِ الرِّدَّةِ عَنْ الِافْتِتَاحِ وَالتَّزَيُّدِ الَّذِي بَلَغَهُ عُمَرُ فِي طُولِ مُدَّتِهِ وَقَوْلُهُ فِي عُمَرَ فَاسْتَحَالَتْ فِي يَدِهِ غَرْبًا وَالْغَرْبُ الدَّلْوُ الْعَظِيمُ الَّذِي إنَّمَا تَنْزِعُهُ الدَّابَّةُ أَوْ الزُّرْنُوقُ وَلاَ يَنْزِعُهُ الرَّجُلُ بِيَدِهِ لِطُولِ مُدَّتِهِ وَتَزَيُّدِهِ فِي الْإِسْلاَمِ لَمْ يَزَلْ يُعَظِّمُ أَمْرَهُ وَمُنَاصَحَتُهُ لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا يُمْتَحُ الدَّلْوُ الْعَظِيمُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَتْهُ عَنْ شَيْءٍ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ فَقَالَتْ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ رَجَعْت لَمْ أَجِدْك كَأَنَّهَا تَعْنِي الْمَوْتَ قَالَ‏:‏ فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ‏.‏

أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ‏:‏ وَلِيَنَا أَبُو بَكْرٍ خَيْرُ خَلِيفَةِ اللَّهِ، أَرْحَمُهُ وَأَحْنَاهُ عَلَيْهِ‏.‏

صَلاَةُ الْمُسَافِرِ يَؤُمُّ الْمُقِيمِينَ

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِثْلَهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَهَكَذَا أُحِبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُصَلِّيَ مُسَافِرًا، أَوْ مُقِيمًا وَلاَ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ وَيَأْمُرَ مَنْ وَرَاءَهُ مِنْ الْمُقِيمِينَ أَنْ يُتِمُّوا إلَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ فَقِهُوا فَيَكْتَفِي بِفِقْهِهِمْ- إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى‏.‏

وَإِذَا اجْتَمَعَ مُسَافِرُونَ وَمُقِيمُونَ فَإِنْ كَانَ الْوَالِي مِنْ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ صَلَّى بِهِمْ مُسَافِرًا كَانَ، أَوْ مُقِيمًا وَإِنْ كَانَ مُقِيمًا فَأَقَامَ غَيْرَهُ فَصَلَّى بِهِمْ فَأَحَبُّ إلَيَّ إلَى أَنْ يَأْمُرَ مُقِيمًا وَلاَ يُوَلِّيَ الْإِمَامَةَ إلَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ فَإِنْ أَمَرَ مُسَافِرًا كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ إذَا كَانَ يُصَلِّي خَلْفَهُ مُقِيمٌ وَيَبْنِي الْمُقِيمُ عَلَى صَلاَةِ الْمُسَافِرِ وَلاَ إعَادَةَ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ وَالٍ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَؤُمَّهُمْ الْمُقِيمُ لِتَكُونَ صَلاَتُهُمْ كُلُّهَا بِإِمَامٍ وَيُؤَخَّرَ الْمُسَافِرُونَ عَنْ الْجَمَاعَةِ وَإِكْمَالِ عَدَدِ الصَّلاَةِ‏.‏ فَإِنْ قَدَّمُوا مُسَافِرًا فَأَمَّهُمْ أَجْزَأَ عَنْهُمْ وَبَنَى الْمُقِيمُونَ عَلَى صَلاَةِ الْمُسَافِرِ إذَا قَصَرَ وَإِنْ أَتَمَّ أَجْزَأَتْهُمْ صَلاَتُهُمْ وَإِنْ أَمَّ الْمُسَافِرُ الْمُقِيمِينَ فَأَتَمَّ الصَّلاَةَ أَجْزَأَتْهُ وَأَجْزَأَتْ مَنْ خَلْفَهُ مِنْ الْمُقِيمِينَ وَالْمُسَافِرِينَ صَلاَتُهُمْ‏.‏

صَلاَةُ الرَّجُلِ بِالْقَوْمِ لاَ يَعْرِفُونَهُ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا فِي سَفَرٍ، أَوْ حَضَرٍ، أَوْ غَيْرِهِ ائْتَمُّوا بِرَجُلٍ لاَ يَعْرِفُونَهُ فَأَقَامَ الصَّلاَةَ أَجْزَأَتْ عَنْهُمْ صَلاَتُهُمْ وَلَوْ شَكُّوا أَمُسْلِمٌ هُوَ، أَوْ غَيْرُ مُسْلِمٍ‏؟‏ أَجْزَأَتْهُمْ صَلاَتُهُمْ وَهُوَ إذَا أَقَامَ الصَّلاَةَ إمَامٌ مُسْلِمٌ فِي الظَّاهِرِ حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ، وَلَوْ عَرَفُوهُ بِغَيْرِ الْإِسْلاَمِ وَكَانُوا مِمَّنْ يَعْرِفُونَهُ الْمَعْرِفَةَ الَّذِي الْأَغْلَبُ عَلَيْهِمْ أَنَّ إسْلاَمَهُ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِمْ وَلَوْ أَسْلَمَ فَصَلَّى فَصَلُّوا وَرَاءَهُ فِي مَسْجِدٍ جَمَاعَةً، أَوْ صَحْرَاءَ لَمْ تُجْزِئْهُمْ صَلاَتُهُمْ مَعَهُ إلَّا أَنْ يَسْأَلُوهُ فَيَقُولَ‏:‏ أَسْلَمْت قَبْلَ الصَّلاَةِ، أَوْ يُعْلِمَهُمْ مَنْ يُصَدِّقُونَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ قَبْلَ الصَّلاَةِ‏.‏ وَإِذَا أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ الصَّلاَةِ فَصَلاَتُهُمْ مُجْزِئَةٌ عَنْهُمْ، وَلَوْ صَلُّوا مَعَهُ عَلَى عِلْمِهِمْ بِشِرْكِهِ وَلَمْ يَعْلَمُوا إسْلاَمَهُ قَبْلَ الصَّلاَةِ ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ بَعْدَ الصَّلاَةِ أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَهَا لَمْ تَجْزِهِمْ صَلاَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ الِائْتِمَامُ بِهِ عَلَى مَعْرِفَتِهِمْ بِكُفْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا إسْلاَمَهُ قَبْلَ ائْتِمَامِهِمْ بِهِ وَإِذَا صَلُّوا مَعَ رَجُلٍ صَلاَةً كَثِيرَةً ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْلِمٍ، أَوْ عَلِمُوا مِنْ غَيْرِهِ أَعَادُوا كُلَّ صَلاَةٍ صَلُّوهَا خَلْفَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ، ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلاَمِ وَصَلُّوا مَعَهُ فِي رِدَّتِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْإِسْلاَمِ أَعَادُوا كُلَّ صَلاَةٍ صَلُّوهَا مَعَهُ‏.‏