فصل: باب حُكْمِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الأم ***


باب الْجَائِحَةِ فِي الثَّمَرَةِ

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ‏:‏ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ وَأَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ سَمِعْت سُفْيَانَ يُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ كَثِيرًا فِي طُولِ مُجَالَسَتِي لَهُ لاَ أُحْصِي مَا سَمِعْته يُحَدِّثُهُ مِنْ كَثْرَتِهِ لاَ يُذْكَرُ فِيهِ أَمْرٌ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ لاَ يَزِيدُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ ثُمَّ زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ قَالَ سُفْيَانُ وَكَانَ حُمَيْدٌ يَذْكُرُ بَعْدَ بَيْعِ السِّنِينَ كَلاَمًا قَبْلَ وَضْعِ الْجَوَائِحِ لاَ أَحْفَظُهُ فَكُنْت أَكُفُّ عَنْ ذِكْرِ وَضْعِ الْجَوَائِحِ لِأَنِّي لاَ أَدْرِي كَيْفَ كَانَ الْكَلاَمُ وَفِي الْحَدِيثِ أَمْرٌ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ‏:‏ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم مِثْلُهُ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ‏:‏ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَهَا تَقُولُ‏:‏ ابْتَاعَ رَجُلٌ ثَمَرَ حَائِطٍ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَالَجَهُ وَأَقَامَ فِيهِ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ النُّقْصَانُ فَسَأَلَ رَبَّ الْحَائِطِ أَنْ يَضَعَ عَنْهُ فَحَلَفَ أَنْ لاَ يَفْعَلَ فَذَهَبَتْ أُمُّ الْمُشْتَرِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ «تَأَلَّى أَنْ لاَ يَفْعَلَ خَيْرًا»‏.‏ فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَبُّ الْمَالِ، فَأَتَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ لَهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ قَالَ سُفْيَانُ فِي حَدِيثِهِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَضْعِ الْجَوَائِحِ مَا حَكَيْت فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَلاَمُ الَّذِي لَمْ يَحْفَظْهُ سُفْيَانُ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ بِوَضْعِهَا عَلَى مِثْلِ أَمْرِهِ بِالصُّلْحِ عَلَى النِّصْفِ وَعَلَى مِثْلِ أَمْرِهِ بِالصَّدَقَةِ تَطَوُّعًا حَضًّا عَلَى الْخَيْرِ لاَ حَتْمًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَيَجُوزُ غَيْرُهُ فَلَمَّا احْتَمَلَ الْحَدِيثُ الْمَعْنَيَيْنِ مَعًا وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلاَلَةٌ عَلَى أَيِّهِمَا أَوْلَى بِهِ لَمْ يَجُزْ عِنْدَنَا أَنْ نَحْكُمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى النَّاسِ بِوَضْعِ مَا وَجَبَ لَهُمْ بِلاَ خَبَرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَثْبُتُ بِوَضْعِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَحَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ عَمْرَةَ مُرْسَلٌ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ، وَنَحْنُ لاَ نُثْبِتُ مُرْسَلاً‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ ثَبَتَ حَدِيثُ عَمْرَةَ كَانَتْ فِيهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنْ لاَ تُوضَعَ الْجَائِحَةُ لِقَوْلِهَا‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ «تَأَلَّى أَنْ لاَ يَفْعَلَ خَيْرًا»‏.‏ وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ أَنْ يَضَعَ الْجَائِحَةَ لَكَانَ أَشْبَهَ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ لاَزِمٌ لَهُ حَلَفَ أَوْ لَمْ يَحْلِفْ وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ حَقٌّ قِيلَ هَذَا يَلْزَمُك أَنْ تُؤَدِّيَهُ إذَا امْتَنَعْت مِنْ حَقٍّ فَأُخِذَ مِنْك بِكُلِّ حَالٍ‏.‏

قال‏:‏ وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ الثَّمَرَةَ فَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فَأَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ فَلاَ نَحْكُمُ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يَضَعَ عَنْهُ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا‏.‏

قال‏:‏ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ سُفْيَانُ وَهَنَ حَدِيثُهُ بِمَا وَصَفْت وَثَبَتَتْ السُّنَّةُ بِوَضْعِ الْجَائِحَةِ وَضَعَتْ كُلَّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ أُصِيبَ مِنْ السَّمَاءِ بِغَيْرِ جِنَايَةِ أَحَدٍ عَلَيْهِ فَأَمَّا أَنْ يُوضَعَ الثُّلُثُ فَصَاعِدًا وَلاَ يُوضَعُ مَا دُونَ الثُّلُثِ فَهَذَا لاَ خَبَرَ وَلاَ قِيَاسَ وَلاَ مَعْقُولَ‏.‏

قال‏:‏ وَلَوْ صِرْت إلَى وَضْعِ الْجَائِحَةِ مَا كَانَتْ الْحُجَّةُ فِيهَا إلَّا اتِّبَاعَ الْخَبَرِ لَوْ ثَبَتَ وَلاَ أَقُولُ قِيَاسًا عَلَى الدَّارِ إذَا تَكَارَاهَا سَنَةً أَوْ أَقَلَّ فَأَقْبَضَهَا عَلَى الْكِرَاءِ فَتَنْهَدِمُ الدَّارُ وَلَمْ يَمْضِ مِنْ السَّنَةِ إلَّا يَوْمٌ أَوْ قَدْ مَضَتْ إلَّا يَوْمٌ، فَلاَ يَجِبُ عَلَيَّ إلَّا إجَارَةُ يَوْمٍ أَوْ يَجِبُ عَلَيَّ إجَارَةُ سَنَةٍ إلَّا يَوْمٌ وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يَصِلُ إلَى مَنْفَعَةِ الدَّارِ مَا كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدَيَّ فَإِذَا انْقَطَعَتْ مَنْفَعَةُ الدَّارِ بِانْهِدَامِهَا يَجِبُ عَلَيَّ كِرَاءُ مَا لَمْ أَجِدْ السَّبِيلَ إلَى أَخْذِهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَمَا مَنَعَك أَنْ تَجْعَلَ ثَمَرَةَ النَّخْلِ قِيَاسًا عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ كِرَاءِ الدَّارِ وَأَنْتَ تُجِيزُ بَيْعَ ثَمَرِ النَّخْلِ فَيُتْرَكُ إلَى غَايَةٍ فِي نَخْلِهِ كَمَا تُجِيزُ أَنْ يَقْبِضَ الدَّارَ وَيَسْكُنَهَا إلَى مُدَّةٍ‏؟‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَقِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الدَّارُ تُكْتَرَى سَنَةً ثُمَّ تَنْهَدِمُ مِنْ قَبْلِ تَمَامِ السَّنَةِ مُخَالَفَةً لِلثَّمَرَةِ تُقْبَضُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ سُكْنَاهَا لَيْسَ بِعَيْنٍ تُرَى إنَّمَا هِيَ بِمُدَّةٍ تَأْتِي فَكُلُّ يَوْمٍ مِنْهَا يَمْضِي بِمَا فِيهِ، وَهِيَ بِيَدِ الْمُكْتَرِي يَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْهَا إذَا خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَالثَّمَرَةُ إذَا اُبْتِيعَتْ وَقُبِضَتْ وَكُلُّهَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَهَا كُلَّهَا مِنْ سَاعَتِهِ وَيَكُونَ ذَلِكَ لَهُ وَإِنَّمَا يَرَى تَرْكَهُ إيَّاهَا اخْتِيَارًا لِتَبْلُغَ غَايَةً يَكُونُ لَهُ فِيهَا أَخْذُهُ قَبْلَهَا وَقَدْ يَكُونُ رُطَبًا يُمْكِنُهُ أَخْذُهُ وَبَيْعُهُ وَتَيْبِيسُهُ فَيَتْرُكُهُ لِيَأْخُذَهُ يَوْمًا بِيَوْمٍ وَرُطَبًا لِيَكُونَ أَكْثَرَ قِيمَةً إذَا فَرَّقَهُ فِي الْأَيَّامِ وَأَدْوَمَ لِأَهْلِهِ فَلَوْ زَعَمْت أَنِّي أَضَعُ الْجَائِحَةَ بَعْدَ أَنْ يَرْطُبَ الْحَائِطُ كُلُّهُ أَوْ أَكْثَرُهُ وَيُمْكِنُ فِيهِ أَنْ يُقْطَعَ كُلُّهُ فَيُبَاعَ رُطَبًا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَنْقَصَ لِمَالِكِ الرُّطَبِ أَوْ يَيْبَسُ تَمْرًا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَنْقَصَ عَلَى مَالِكِهِ زَعَمْت أَنِّي أَضَعُ عَنْهُ الْجَائِحَةَ، وَهُوَ تَمْرٌ وَقَدْ تَرَكَ قَطْعَهُ وَتَمْيِيزَهُ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُهُ فِيهِ إحْرَازُهُ وَخَالَفْت بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّارِ الَّتِي إذَا تَرَكَ سُكْنَاهَا سَنَةً لَزِمَهُ كِرَاؤُهَا كَمَا يَلْزَمُهُ لَوْ سَكَنَهَا؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ مَا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ‏.‏

قال‏:‏ وَلَوْ جَازَ أَنْ يُقَاسَ عَلَى الدَّارِ بِمَا وَصَفْت جَازَ ذَلِكَ مَا لَمْ يَرْطُبْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ وَقْتَ مَنْفَعَتِهَا وَالْحِينُ الَّذِي لاَ يَصْلُحُ أَنْ يُتْمِرَ فِيهِ، وَأَمَّا بَعْدَ مَا يَرْطُبُ فَيَخْتَلِفَانِ‏.‏

قال‏:‏ وَهَذَا مِمَّا أَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِيهِ وَلَوْ صِرْت إلَى الْقَوْلِ بِهِ صِرْت إلَى مَا وَصَفْت مِنْ وَضْعِ قَبْضَةٍ رُطَبًا أَوْ بُسْرًا لَوْ ذَهَبَ مِنْهُ كَمَا أَصِيرُ إلَى وَضْعِ كِرَاءِ يَوْمٍ مِنْ الدَّارِ لَوْ انْهَدَمَتْ قَبْلَهُ وَكَمَا أَصِيرُ إلَى وَضْعِ قَبْضَةِ حِنْطَةٍ لَوْ ابْتَاعَ رَجُلٌ صَاعًا فَاسْتَوْفَاهُ إلَّا قَبْضَةً فَاسْتَهْلَكَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ ثَمَنُ مَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ الْكَثِيرُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ وَلاَ يُوضَعُ عَنْهُ الْقَلِيلُ، وَهُوَ فِي مَعْنَاهُ وَلَوْ صِرْت إلَى وَضْعِهَا فَاخْتَلَفَا فِي الْجَائِحَةِ فَقَالَ الْبَائِعُ لَمْ تُصِبْك الْجَائِحَةُ أَوْ قَدْ أَصَابَتْك فَأَذْهَبَتْ لَك فَرْقًا وَقَالَ الْمُشْتَرِي بَلْ أَذْهَبَتْ لِي أَلْفَ فَرْقٍ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ لاَزِمٌ لِلْمُشْتَرِي وَلاَ يُصَدَّقُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْهُ بِقَوْلِهِ وَعَلَى الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةُ بِمَا ذَهَبَ لَهُ‏.‏

قال‏:‏ وَجِمَاعُ الْجَوَائِحِ كُلُّ مَا أَذْهَبَ الثَّمَرَةَ أَوْ بَعْضَهَا بِغَيْرِ جِنَايَةِ آدَمِيٍّ‏.‏

قال‏:‏ وَيَدْخُلُ عَلَى مَنْ وَضَعَ الْجَائِحَةَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَقْبِضْ الثَّمَرَةَ زَعْمٌ وَأَنَّ جِنَايَةَ الْآدَمِيِّينَ جَائِحَةٌ تُوضَعُ؛ لِأَنِّي إذَا وَضَعْت الْجَائِحَةَ زَعَمْت أَنَّ الْبَائِعَ لاَ يَسْتَحِقُّ الثَّمَنَ إلَّا إذَا قَبَضْت كَمَا لاَ يَسْتَحِقُّ الْكِرَاءَ إلَّا مَا كَانَتْ السَّلاَمَةُ مَوْجُودَةً فِي الدَّارِ، وَهِيَ فِي يَدَيَّ وَكَانَ الْبَائِعُ ابْتَاعَ مَهْلَك الثَّمَرَةِ بِقِيمَةِ ثَمَرَتِهِ أَوْ يَكُونُ لِمُشْتَرِي الثَّمَرَةِ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ أَوْ لاَ يُوضَعَ وَيَبِيعَ مَهْلَك ثَمَرَتِهِ بِمَا أُهْلِكَ مِنْهَا كَمَا يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ فِي عَبْدٍ ابْتَاعَهُ فَجَنَى عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ وَهَذَا قَوْلٌ فِيهِ مَا فِيهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ فَإِنْ قَالَ فَهَلْ مِنْ حُجَّةٍ لِمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنْ لاَ تُوضَعَ الْجَائِحَةُ‏؟‏ قِيلَ نَعَمْ فِيمَا رُوِيَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَنْجُوَ مِنْ الْعَاهَةِ وَيَبْدُوَ صَلاَحُهُ وَمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ‏:‏ «أَرَأَيْت إنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ»‏.‏

وَلَوْ كَانَ مَالِكُ الثَّمَرَةِ لاَ يَمْلِكُ ثَمَنَ مَا اُجْتِيحَ مِنْ ثَمَرَتِهِ مَا كَانَ لِمَنْعِهِ أَنْ يَبِيعَهَا مَعْنًى إذَا كَانَ يَحِلُّ بَيْعُهَا طَلْعًا وَبَلَحًا وَيُلْقَطُ وَيُقْطَعُ إلَّا أَنَّهُ أَمَرَهُ بِبَيْعِهَا فِي الْحِينِ الَّذِي الْأَغْلَبُ فِيهَا أَنْ تَنْجُوَ مِنْ الْعَاهَةِ لِئَلَّا يَدْخُلَ الْمُشْتَرِي فِي بَيْعٍ لَمْ يَغْلِبْ أَنْ يَنْجُوَ مِنْ الْعَاهَةِ وَلَوْ لَمْ يَلْزَمْهُ ثَمَنُ مَا أَصَابَتْهُ الْجَائِحَةُ فَجَازَ الْبَيْعُ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ عَلَى السَّلاَمَةِ مَا ضَرَّ ذَلِكَ الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ‏.‏

قال‏:‏ وَلَوْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ فِي وَضْعِ الْجَائِحَةِ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا حُجَّةٌ وَأَمْضَى الْحَدِيثَ عَلَى وَجْهِهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَهَلْ رُوِيَ فِي وَضْعِ الْجَائِحَةِ أَوْ تَرْكِ وَضْعِهَا شَيْءٌ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ‏؟‏ قِيلَ نَعَمْ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا قَوْلٌ لَمْ يَلْزَمْ النَّاسَ فَإِنْ قِيلَ فَأَبِنْهُ قِيلَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ فِيمَنْ بَاعَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ قَالَ مَا أَرَى إلَّا أَنَّهُ إنْ شَاءَ لَمْ يَضَعْ قَالَ سَعِيدٌ يَعْنِي الْبَائِعَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَرُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ بَاعَ حَائِطًا لَهُ فَأَصَابَتْ مُشْتَرِيَهُ جَائِحَةٌ فَأَخَذَ الثَّمَنَ مِنْهُ وَلاَ أَدْرِي أَيَثْبُتُ أَمْ لاَ‏؟‏ قَالَ وَمَنْ وَضَعَ الْجَائِحَةَ فَلاَ يَضَعُهَا إلَّا عَلَى مَعْنَى أَنَّ قَبْضَهَا قَبْضٌ إنْ كَانَتْ السَّلاَمَةُ وَلَزِمَهُ إنْ أَصَابَ ثَمَرَ النَّخْلِ شَيْءٌ يَدْخُلُهُ عَيْبٌ مِثْلُ عَطَشٍ يَضْمُرُهُ أَوْ جَمْحٍ يَنَالُهُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْعُيُوبِ أَنْ يَجْعَلَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارَ فِي أَخْذِهِ مَعِيبًا أَوْ رَدِّهِ فَإِنْ كَانَ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا فَقَدَرَ عَلَيْهِ رَدَّهُ، وَإِنْ فَاتَ لَزِمَهُ مِثْلُهُ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ قِيمَتُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ وَقَالَ يُحْسَبُ عَلَيْهِ مَا أُخِذَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَيُرَدُّ مَا بَقِيَ بِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا أَنْ يَخْتَارَ أَنْ يَأْخُذَهُ مَعِيبًا فَإِنْ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ بَعْدَ الْعَيْبِ‏.‏‏:‏ رَجَعَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْجَائِحَةَ غَيْرُ الْعَيْبِ‏.‏

قال‏:‏ وَلَعَلَّهُ يَلْزَمُهُ لَوْ غَصَبَ ثَمَرَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْطَعَهَا أَوْ تَعَدَّى فِيهَا عَلَيْهِ وَالٍ فَأَخَذَ أَكْثَرَ مِنْ صَدَقَتِهِ‏.‏‏:‏ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ كَمَا لَوْ بَاعَهُ عَبْدًا لَمْ يَقْبِضْهُ أَوْ عَبِيدًا قَبَضَ بَعْضَهُمْ وَلَمْ يَقْبِضْ بَعْضًا حَتَّى عَدَا عَادٍ عَلَى عَبْدٍ فَقَتَلَهُ أَوْ غَصَبَهُ أَوْ مَاتَ مَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ كَانَ لِلْمُشْتَرِي فَسْخُ الْبَيْعِ وَلِلْبَائِعِ اتِّبَاعُ الْغَاصِبِ وَالْجَانِي بِجِنَايَتِهِ وَغَصْبِهِ وَمَاتَ الْعَبْدُ الْمَيِّتُ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ وَكَانَ شَبِيهًا أَنْ يَكُونَ جُمْلَةُ الْقَوْلِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ الثَّمَرُ الْمَبِيعُ فِي شَجَرِهِ الْمَدْفُوعِ إلَى مُبْتَاعِهِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَى مِنْهُ لاَ يَبْرَأُ الْبَائِعُ مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ حَتَّى يَأْخُذَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ يُؤْخَذَ بِأَمْرِهِ مِنْ شَجَرِهِ كَمَا يَكُونُ مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فِي بَيْتٍ أَوْ سَفِينَةٍ كُلَّهُ عَلَى كَيْلٍ مَعْلُومٍ فَمَا اسْتَوْفَى الْمُشْتَرِي بَرِئَ مِنْهُ الْبَائِعُ وَمَا لَمْ يَسْتَوْفِ حَتَّى يُسْرَقَ أَوْ تُصِيبَهُ آفَةٌ فَهُوَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ وَمَا أَصَابَهُ مِنْ عَيْبٍ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِي أَخْذِهِ أَوْ رَدِّهِ‏.‏

قال‏:‏ وَيَنْبَغِي لِمَنْ وَضَعَ الْجَائِحَةَ أَنْ يَضَعَهَا مِنْ كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ أَتْلَفَهَا وَيُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي إنْ تَلِفَ مِنْهَا شَيْءٌ أَنْ يَرُدَّ الْبَيْعَ أَوْ يَأْخُذَ الْبَاقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ مَا لَمْ يَرْطُبْ النَّخْلُ عَامَّةً فَإِذَا أَرْطَبَهُ عَامَّةً حَتَّى يُمْكِنَهُ جِدَادُهَا لاَ يَضَعُ مِنْ الْجَائِحَةِ شَيْئًا‏.‏

قال‏:‏ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا أَرْطَبَتْ عَلَيْهِ فَأَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ انْبَغَى أَنْ لاَ يَضَعَهَا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَبْضِهَا وَوُجِدَ السَّبِيلُ إلَى الْقَبْضِ بِالْجِدَادِ فَتَرَكَهُ إذَا تَرَكَهُ بَعْدَ أَنْ يُمْكِنَهُ أَنْ يَجُدَّهُ فِيهَا حَتَّى يَكُونَ أَصْلُ قَوْلِهِ فِيهَا أَنْ يَزْعُمَ أَنَّ الثَّمَرَةَ مَضْمُونَةٌ مِنْ الْبَائِعِ حَتَّى يَجْتَمِعَ فِيهَا خَصْلَتَانِ أَنْ يُسَلِّمَهَا إلَى الْمُشْتَرِي وَيَكُونَ الْمُشْتَرِي قَادِرًا عَلَى قَبْضِهَا بَالِغَةً صَلاَحَهَا بِأَنْ تُرَطَّبَ فَتُجَدَّ، لاَ يَسْتَقِيمُ فِيهِ عِنْدِي قَوْلٌ غَيْرُ هَذَا وَمَا أُصِيبَ فِيهَا بَعْدَ إرْطَابِهِ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي‏.‏

قال‏:‏ وَهَذَا يَدْخُلُهُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَابِضٌ قَادِرٌ عَلَى الْقَطْعِ، وَإِنْ لَمْ يُرَطَّبْ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَوْ قَطَعَهُ قَبْلَ أَنْ يُرَطَّبَ كَانَ قَطْعَ مَالِهِ وَلَزِمَهُ جَمِيعُ ثَمَنِهِ‏.‏

باب فِي الْجَائِحَةِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ الثَّمَرَ فَقَبَضَهُ فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَسَوَاءٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجِفَّ أَوْ بَعْدَ مَا جَفَّ مَا لَمْ يَجُدَّهُ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْجَائِحَةُ ثَمَرَةً وَاحِدَةً أَوْ أَتَتْ عَلَى جَمِيعِ الْمَالِ لاَ يَجُوزُ فِيهَا إلَّا وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ‏:‏ إمَّا أَنْ يَكُونَ لَمَّا قَبَضَهَا وَكَانَ مَعْلُومًا أَنْ يَتْرُكَهَا إلَى الْجِدَادِ كَانَ فِي غَيْرِ مَعْنَى مَنْ قَبَضَ فَلاَ يَضْمَنُ إلَّا مَا قَبَضَ كَمَا يَشْتَرِي الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الطَّعَامَ كَيْلاً فَيَقْبِضُ بَعْضَهُ وَيَهْلَكُ بَعْضُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ فَلاَ يَضْمَنُ مَا هَلَكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهُ وَيَضْمَنُ مَا قَبَضَ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ إذَا قَبَضَ الثَّمَرَةَ كَانَ مُسَلَّطًا عَلَيْهَا إنْ شَاءَ قَطَعَهَا، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا فَمَا هَلَكَ فِي يَدَيْهِ فَإِنَّمَا هَلَكَ مِنْ مَالِهِ لاَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ فَأَمَّا مَا يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ يَضْمَنُ الْبَائِعُ الثُّلُثَ إنْ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَأَكْثَرَ وَلاَ يَضْمَنُ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ وَإِنَّمَا هُوَ اشْتَرَاهَا بَيْعَةً وَاحِدَةً وَقَبَضَهَا قَبْضًا وَاحِدًا فَكَيْفَ يَضْمَنُ لَهُ بَعْضَ مَا قَبَضَ وَلاَ يَضْمَنُ لَهُ بَعْضًا‏؟‏ أَرَأَيْت لَوْ قَالَ رَجُلٌ لاَ يَضْمَنُ حَتَّى يَهْلِكَ الْمَالُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ الْجَائِحَةُ أَوْ قَالَ إذَا هَلَكَ سَهْمٌ مِنْ أَلْفِ سَهْمٍ هَلْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمَا إلَّا مَا وَصَفْنَا‏؟‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَالْجَائِحَةُ مِنْ الْمَصَائِبِ كُلِّهَا كَانَتْ مِنْ السَّمَاءِ أَوْ مِنْ الْآدَمِيِّينَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ الْجَائِحَةُ فِي كُلِّ مَا اشْتَرَى مِنْ الثِّمَارِ كَانَ مِمَّا يَيْبَسُ أَوْ لاَ يَيْبَسُ وَكَذَلِكَ هِيَ فِي كُلِّ شَيْءٍ اُشْتُرِيَ فَيُتْرَكُ حَتَّى يَبْلُغَ أَوَانَهُ فَأَصَابَتْهُ الْجَائِحَةُ دُونَ أَوَانِهِ فَمَنْ وَضَعَ الْجَائِحَةَ وَضَعَهُ؛ لِأَنَّ كُلًّا لَمْ يُقْبَضْ بِكَمَالِ الْقَبْضِ وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ ثَمَرَةً عَلَى أَنْ يَتْرُكَهَا إلَى الْجُذَاذِ ثُمَّ انْقَطَعَ الْمَاءُ وَكَانَتْ لاَ صَلاَحَ لَهَا إلَّا بِهِ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ الثَّمَرَةِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّهَا بِالْعَيْبِ الَّذِي دَخَلَهَا فَإِنْ رَدَّهَا بِالْعَيْبِ الَّذِي دَخَلَهَا وَقَدْ أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا كَانَ مَا أَخَذَ مِنْهَا بِحِصَّتِهِ مِنْ أَصْلِ الثَّمَنِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِيهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي وَإِذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ ثَمَرَ حَائِطٍ فَالسَّقْيُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لاَ صَلاَحَ لِلثَّمَرَةِ إلَّا بِهِ وَلَيْسَ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْهُ شَيْءٌ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي السَّقْيِ فَأَرَادَ الْمُشْتَرِي مِنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْقِي الْبَائِعُ لَمْ يُنْظَرْ إلَى قَوْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيُسْأَلُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِهِ فَإِنْ قَالُوا لاَ يَصْلُحُهُ مِنْ السَّقْيِ إلَّا كَذَا جَبَرْت الْبَائِعَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالُوا فِي هَذَا صَلاَحُهُ، وَإِنْ زِيدَ كَانَ أَزْيَدَ فِي صَلاَحِهِ لَمْ أُجْبِرْ الْبَائِعَ عَلَى الزِّيَادَةِ عَلَى صَلاَحِهِ وَإِذَا اشْتَرَطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّ عَلَيْهِ السَّقْيَ‏.‏‏:‏ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ السَّقْيَ مَجْهُولٌ وَلَوْ كَانَ مَعْلُومًا أَبْطَلْنَاهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ‏.‏

باب الثُّنْيَا

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ‏:‏ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ كَانَ يَبِيعُ ثَمَرَ حَائِطِهِ وَيَسْتَثْنِي مِنْهُ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ‏:‏ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ جَدَّهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو بَاعَ حَائِطًا لَهُ يُقَالُ لَهُ الْإِفْرَاقُ بِأَرْبَعَةِ آلاَفٍ وَاسْتَثْنَى مِنْهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ ثَمَرًا أَوْ تَمْرًا أَنَا أَشُكُّ‏.‏

قَالَ الرَّبِيعُ‏:‏ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَبِيعُ ثِمَارَهَا وَتَسْتَثْنِي مِنْهَا‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ‏:‏ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ قُلْت لِعَطَاءٍ أَبِيعُك حَائِطِي إلَّا خَمْسِينَ فَرْقًا أَوْ كَيْلاً مُسَمًّى مَا كَانَ‏؟‏ قَالَ لاَ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَإِنْ قُلْت هِيَ مِنْ السَّوَادِ سَوَادِ الرُّطَبِ قَالَ لاَ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ‏:‏ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ، قُلْت لِعَطَاءٍ أَبِيعُك نَخْلِي إلَّا عَشْرَ نَخَلاَتٍ أَخْتَارُهُنَّ قَالَ لاَ إلَّا أَنْ نَسْتَثْنِيَ أَيَّهنَّ هِيَ قَبْلَ الْبَيْعِ تَقُولُ هَذِهِ وَهَذِهِ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ‏:‏ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ أَيَبِيعُ الرَّجُلُ نَخْلَهُ أَوْ عِنَبَهُ أَوْ بُرَّهُ أَوْ عَبْدَهُ أَوْ سِلْعَتَهُ مَا كَانَتْ عَلَى أَنِّي شَرِيكُك بِالرُّبْعِ وَبِمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ‏؟‏ قَالَ لاَ بَأْسَ بِذَلِكَ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ‏:‏ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ قُلْت لِعَطَاءٍ أَبِيعُك ثَمَرَ حَائِطِي بِمِائَةِ دِينَارٍ فَضْلاً عَنْ نَفَقَةِ الرَّقِيقِ‏؟‏ فَقَالَ لاَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ نَفَقَةَ الرَّقِيقِ مَجْهُولَةٌ لَيْسَ لَهَا وَقْتٌ فَمِنْ ثَمَّ فَسَدَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ مَا قَالَ عَطَاءٌ مِنْ هَذَا كُلِّهِ كَمَا قَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَهُوَ فِي مَعْنَى السُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ عَلَيْهِمَا أَوْ عَلَى أَحَدِهِمَا وَذَلِكَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعٌ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ، وَإِنْ اشْتَرَى حَائِطًا بِمِائَةِ دِينَارٍ وَنَفَقَةِ الرَّقِيقِ فَالثَّمَنُ مُسَمًّى غَيْرُ مَعْلُومٍ وَالْبَيْعُ فَاسِدٌ وَإِذَا بَاعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ وَاسْتَثْنَى مَكِيلَةً مِنْهُ فَلَيْسَ مَا بَاعَ مِنْهُ بِمَعْلُومٍ وَقَدْ يَكُونُ يَسْتَثْنِي مُدًّا وَلاَ يَدْرِي كَمْ الْمُدُّ مِنْ الْحَائِطِ أَسَهْمٌ مِنْ أَلْفٍ أَمْ مِائَةُ سَهْمٍ أَمْ أَقَلُّ أَمْ أَكْثَرُ فَإِذَا اسْتَثْنَى مِنْهُ كَيْلاً لَمْ يَكُنْ مَا اشْتَرَى مِنْهُ بِجُزَافٍ مَعْلُومٍ وَلاَ كَيْلٍ مَضْمُونٍ وَلاَ مَعْلُومٍ وَقَدْ تُصِيبُهُ الْآفَةُ فَيَكُونُ الْمُدُّ نِصْفَ ثَمَرِ الْحَائِطِ وَقَدْ يَكُونُ سَهْمًا مِنْ أَلْفِ سَهْمٍ مِنْهُ حِينَ بَاعَهُ وَهَكَذَا إذَا اسْتَثْنَى عَلَيْهِ نَخَلاَتٍ يَخْتَارُهُنَّ أَوْ يَتَشَرَّرُهُنَّ فَقَدْ يَكُونُ فِي الْخِيَارِ وَالشِّرَارِ النَّخْلُ بَعْضُهُ أَكْثَرَ ثَمَنًا مِنْ بَعْضٍ وَخَيْرًا مِنْهُ بِكَثْرَةِ الْحِمْلِ وَجَوْدَةِ الثَّمَرِ فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْ الْحَائِطِ نَخْلاً لاَ بِعَدَدٍ وَلاَ كَيْلٍ بِحَالٍ وَلاَ جُزْءًا إلَّا جُزْءًا مَعْلُومًا وَلاَ نَخْلاً إلَّا نَخْلاً مَعْلُومًا‏.‏

قَالَ‏:‏ وَإِنْ بَاعَهُ الْحَائِطَ إلَّا رُبْعَهُ أَوْ نِصْفَهُ أَوْ ثَلاَثَةَ أَرْبَاعِهِ أَوْ الْحَائِطَ إلَّا نَخَلاَتٍ يُشِيرُ إلَيْهِنَّ فَإِنَّمَا وَقَعَتْ الصَّفْقَةُ عَلَى مَا لَمْ يَسْتَثْنِ فَكَانَ الْحَائِطُ فِيهِ مِائَةَ نَخْلَةٍ اسْتَثْنَى مِنْهُنَّ عَشْرَ نَخَلاَتٍ فَإِنَّمَا وَقَعَتْ الصَّفْقَةُ عَلَى تِسْعِينَ بِأَعْيَانِهِنَّ وَإِذَا اسْتَثْنَى رُبْعَ الْحَائِطِ فَإِنَّمَا وَقَعَتْ الصَّفْقَةُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَرْبَاعِ الْحَائِطِ وَالْبَائِعُ شَرِيكٌ بِالرُّبْعِ كَمَا يَكُونُ رِجَالٌ لَوْ اشْتَرَوْا حَائِطًا مَعَ شُرَكَاءَ فِيمَا اشْتَرَوْا مِنْ الْحَائِطِ بِقَدْرِ مَا اشْتَرَوْا مِنْهُ‏.‏

قَالَ‏:‏ وَلَوْ بَاعَ رَجُلٌ ثَمَرَ حَائِطِهِ بِأَرْبَعَةِ آلاَفٍ وَاسْتَثْنَى مِنْهُ بِأَلْفٍ فَإِنْ كَانَ عَقْدُ الْبَيْعِ عَلَى هَذَا فَإِنَّمَا بَاعَهُ ثَلاَثَةَ أَرْبَاعِ الْحَائِطِ فَإِنْ قَالَ‏:‏ أَسْتَثْنِي ثَمَرًا بِالْأَلْفِ بِسِعْرِ يَوْمِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ غَيْرَ مَعْلُومٍ لِلْبَائِعِ وَلاَ لِلْمُشْتَرِي وَلاَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَهَكَذَا مَنْ بَاعَ رَجُلاً غَنَمًا قَدْ حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ أَوْ بَقَرًا أَوْ إبِلاً فَأُخِذَتْ الصَّدَقَةُ مِنْهَا فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِي رَدِّ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ مَا اشْتَرَى كَامِلاً أَوْ أَخَذَ مَا بَقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَلَكِنْ إنْ بَاعَهُ إبِلاً دُونَ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَعَلَى الْبَائِعِ صَدَقَةُ الْإِبِلِ الَّتِي حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فِي يَدِهِ وَلاَ صَدَقَةَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِيهَا‏.‏

قال‏:‏ وَمِثْلُ هَذَا الرَّجُلِ يَبِيعُ الرَّجُلَ الْعَبْدَ قَدْ حَلَّ دَمُهُ عِنْدَهُ بِرِدَّةٍ أَوْ قَتْلِ عَمْدٍ أَوْ حَلَّ قَطْعُ يَدِهِ عِنْدَهُ فِي سَرِقَةٍ فَيُقْتَلُ فَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ وَيَرْجِعُ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ أَوْ يُقْطَعُ فَلَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ أَوْ إمْسَاكِهِ؛ لِأَنَّ الْعُيُوبَ فِي الْأَبْدَانِ مُخَالِفَةٌ نَقْصَ الْعَدَدِ وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي كَيْلاً مُعَيَّنًا كَانَ هَكَذَا إذَا كَانَ نَاقِصًا فِي الْكَيْلِ أَخَذَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ إنْ شَاءَ صَاحِبُهُ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ فِيهِ الْبَيْعَ وَلَوْ قَالَ أَبِيعُك ثَمَرَ نَخَلاَتٍ تَخْتَارُهُنَّ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ قَدْ وَقَعَ عَلَى غَيْرِ مَعْلُومٍ وَلَيْسَ يَفْسُدُ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْعُ ثَمَرٍ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، فَهُوَ لَمْ يَجِبْ لَهُ شَيْءٌ فَكَيْفَ يَبِيعُ مَا لَمْ يَجِبْ لَهُ وَلَكِنَّهُ لاَ يَصْلُحُ إلَّا مَعْلُومًا‏؟‏

باب صَدَقَةِ الثَّمَرِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله‏:‏ الثَّمَرُ يُبَاعُ ثَمَرَانِ ثَمَرٌ فِيهِ صَدَقَةٌ وَثَمَرٌ لاَ صَدَقَةَ فِيهِ فَأَمَّا الثَّمَرُ الَّذِي لاَ صَدَقَةَ فِيهِ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ لاَ عِلَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ كُلُّهُ لِمَنْ اشْتَرَاهُ، وَأَمَّا مَا بِيعَ مِمَّا فِيهِ صَدَقَةٌ مِنْهُ فَالْبَيْعُ يَصِحُّ بِأَنْ يَقُولَ أَبِيعُك الْفَضْلَ مِنْ ثَمَرِ حَائِطِي هَذَا عَنْ الصَّدَقَةِ وَصَدَقَتُهُ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ إنْ كَانَ يُسْقَى بِنَضْحٍ فَيَكُونُ كَمَا وَصَفْنَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ كَأَنَّهُ بَاعَهُ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الْحَائِطِ أَوْ تِسْعَةَ أَعْشَارِ ثَمَرِهِ وَنِصْفَ عُشْرِ ثَمَرِهِ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ‏:‏ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قُلْت لِعَطَاءٍ أَبِيعُك ثَمَرَ حَائِطِي هَذَا بِأَرْبَعِمِائَةِ دِينَارٍ فَضْلاً عَنْ الصَّدَقَةِ فَقَالَ نَعَمْ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ لَيْسَتْ لَك إنَّمَا هِيَ لِلْمَسَاكِينِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ بَاعَهُ ثَمَرَ حَائِطِهِ وَسَكَتَ عَمَّا وَصَفْت مِنْ أَجْزَاءِ الصَّدَقَةِ وَكَمْ قَدْرُهَا كَانَ فِيهِ قَوْلاَنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِي أَخْذِ مَا جَاوَزَ الصَّدَقَةَ بِحِصَّتِهِ مِنْ ثَمَنِ الْكُلِّ وَذَلِكَ تِسْعَةُ أَعْشَارِ الْكُلِّ أَوْ تِسْعَةُ أَعْشَارٍ وَنِصْفُ عُشْرِ الْكُلِّ أَوْ يَرُدُّ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلَّمْ إلَيْهِ كُلُّ مَا اشْتَرَى وَالثَّانِي إنْ شَاءَ أَخَذَ الْفَضْلَ عَنْ الصَّدَقَةِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ‏.‏

قَالَ الرَّبِيعُ‏:‏ وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ إنَّ الصَّفْقَةَ كُلَّهَا بَاطِلَةٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ بَاعَهُ مَا مَلَكَ وَمَا لَمْ يَمْلِكْ فَلَمَّا جَمَعَتْ الصَّفْقَةُ حَرَامَ الْبَيْعِ وَحَلاَلَ الْبَيْعِ بَطَلَتْ الصَّفْقَةُ كُلُّهَا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ قَالَ بَائِعُ الْحَائِطِ الصَّدَقَةُ عَلَيَّ، لَمْ يَلْزَمْ الْبَيْعُ الْمُشْتَرِيَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ وَذَلِكَ أَنَّ عَلَى السُّلْطَانِ أَخْذُ الصَّدَقَةِ مِنْ الثَّمَرَةِ الَّتِي فِي يَدِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ بِمَكِيلَتِهَا ثَمَرًا مِنْ غَيْرِهَا قَالَ وَكَذَلِكَ الرُّطَبُ لاَ يَكُونُ ثَمَرًا؛ لِأَنَّ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْخُذَ عُشْرَ الرُّطَبِ فَإِنْ صَارَ السُّلْطَانُ إلَى أَنْ يَضْمَنَ عُشْرَ رُطَبِهِ ثَمَرًا مِثْلَ رُطَبِهِ لَوْ كَانَ يَكُونُ تَمْرًا أَوْ اشْتَرَى الْمُشْتَرِي بَعْدَهَا رَجَوْت أَنْ يَجُوزَ الشِّرَاءُ فَأَمَّا إنْ اشْتَرَى قَبْلَ هَذَا فَهُوَ كَمَنْ اشْتَرَى مِنْ ثَمَرِ حَائِطٍ فِيهِ الْعُشْرُ لِمَا وَصَفْت مِنْ أَنْ يُؤْخَذَ عُشْرُهُ رُطَبًا وَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ يَأْخُذُ عُشْرَ ثَمَنِ الرُّطَبِ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ لَهُ فِيهِ فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا فَالْبَيْعُ وَقَعَ عَلَى الْكُلِّ وَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُ وَلَهُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ تِسْعَةَ أَعْشَارِهِ بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ الثَّمَنِ أَوْ رَدِّهِ كُلِّهِ‏.‏

قال‏:‏ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ أَجَازَ الْبَيْعَ بَيْنَهُمَا، إنْ كَانَ قَدْ عَرَفَ الْمُتَبَايِعَانِ مَعًا أَنَّ الصَّدَقَةَ فِي الثَّمَرَةِ فَإِنَّمَا اشْتَرَى هَذَا وَبَاعَ هَذَا الْفَضْلَ عَنْ الصَّدَقَةِ وَالصَّدَقَةُ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَهُمَا‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ‏:‏ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ عَطَاءً قَالَ إنْ بِعْت ثَمَرَك وَلَمْ تَذْكُرْ الصَّدَقَةَ أَنْتَ وَلاَ بَيْعَك فَالصَّدَقَةُ عَلَى الْمُبْتَاعِ قَالَ إنَّمَا الصَّدَقَةُ عَلَى الْحَائِطِ قَالَ هِيَ عَلَى الْمُبْتَاعِ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقُلْت لَهُ‏:‏ إنْ بِعْتَهُ قَبْلَ أَنْ يُخْرَصَ أَوْ بَعْدَمَا يُخْرَصُ‏؟‏ قَالَ نَعَمْ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ‏:‏ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِ عَطَاءٍ إنَّمَا هِيَ عَلَى الْمُبْتَاعِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَا قَالَ الشَّافِعِيّ مِنْ هَذَا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيّ إنَّمَا الصَّدَقَةُ فِي عَيْنِ الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ فَحَيْثُمَا تَحَوَّلَ فَفِيهِ الصَّدَقَةُ أَلاَ تَرَى أَنَّ رَجُلاً لَوْ وَرِثَ أُخِذَتْ الصَّدَقَةُ مِنْ الْحَائِطِ وَكَذَلِكَ لَوْ وُهِبَ لَهُ ثَمَرُهُ أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ مَلَكَهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ‏.‏

قَالَ‏:‏ وَقَدْ قِيلَ فِي هَذَا شَيْءٌ آخَرُ‏:‏ إنَّ الثَّمَرَةَ إذَا وَجَبَتْ فِيهَا الصَّدَقَةُ ثُمَّ بَاعَهَا فَالصَّدَقَةُ فِي الثَّمَرَةِ وَالْمُبْتَاعُ مُخَيَّرٌ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ مَالَهُ وَمَا لِلْمَسَاكِينِ فِي أَخْذِ غَيْرِ الصَّدَقَةِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ رَدِّ الْبَيْعِ‏.‏

قال‏:‏ وَأَمَّا إذَا وَهَبَهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا أَوْ وَرِثَ الثَّمَرَةَ عَنْ أَحَدٍ وَقَدْ أُوجِبَتْ فِيهَا الصَّدَقَةُ أَوْ لَمْ تَجِبْ فَهَذَا كُلُّهُ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ بِتَفْرِيعِهِ‏.‏

قال‏:‏ وَقَدْ قَالَ غَيْرُ مَنْ وَصَفْت قَوْلَهُ الصَّدَقَةُ عَلَى الْبَائِعِ وَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَالثَّمَرَةُ كُلُّهَا لِلْمُبْتَاعِ‏.‏

قال‏:‏ وَإِذَا كَانَ لِلْوَالِي أَنْ يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ الثَّمَرَةِ فَلَمْ تَخْلُصْ الثَّمَرَةُ لَهُ كُلُّهَا، وَإِنْ قَالَ يُعْطِيهِ رَبُّ الْحَائِطِ ثَمَرًا مِثْلَهَا فَقَدْ أَحَالَ الصَّدَقَةَ فِي غَيْرِ الْعَيْنِ الَّتِي وَجَبَتْ فِيهَا الصَّدَقَةُ وَالْعَيْنُ مَوْجُودَةٌ‏.‏

قال‏:‏ وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ فَإِنَّمَا يَقُولُ هُوَ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي أَرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارٌ كَانَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ دِينَارًا مِثْلَهُ مِنْ غَيْرِهَا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْمَاشِيَةِ وَصُنُوفِ الصَّدَقَةِ‏.‏

قال‏:‏ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ‏:‏ ‏{‏خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً‏}‏ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الْمَالِ صَدَقَةٌ وَالشَّرْطُ مِنْ الصَّدَقَةِ فَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ لاَ مِنْ غَيْرِهِ فَبِهَذَا أَقُولُ، وَبِهَذَا اخْتَرْت الْقَوْلَ الْأَوَّلَ مِنْ أَنَّ الْبَيْعَ لاَزِمٌ فِيمَا لاَ صَدَقَةَ فِيهِ وَغَيْرُ لاَزِمٍ فِيمَا فِيهِ الصَّدَقَةُ إذَا عُرِفَتْ عَرَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي مَا يَبِيعُ هَذَا وَيَشْتَرِي هَذَا‏.‏

قَالَ‏:‏ وَإِذَا سَمَّى الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي الصَّدَقَةَ وَعَرَّفَاهَا فَتَعَدَّى عَلَيْهِ الْوَالِي فَأَخَذَ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَالْوَالِي كَالْغَاصِبِ فِيمَا جَاوَزَ الصَّدَقَةَ وَالْقَوْلُ فِيهَا كَالْقَوْلِ فِي الْغَاصِبِ فَمَنْ لَمْ يَضَعْ الْجَائِحَةَ قَالَ هَذَا رَجُلٌ ظَلَمَ مَالَهُ وَلاَ ذَنْبَ عَلَى بَائِعِهِ فِي ظُلْمِ غَيْرِهِ وَقَدْ قَبَضَ مَا ابْتَاعَ وَمَنْ وَضَعَ الْجَائِحَةَ كَانَ إنَّمَا يَضَعُهَا بِمَعْنَى أَنَّهَا غَيْرُ تَامَّةِ الْقَبْضِ يُشْبِهُ أَنْ يَلْزَمَهُ أَنْ يَضَعَ عَنْهُ بِقَدْرِ الْعُدْوَانِ عَلَيْهِ وَيُخَيِّرُهُ بَعْدَ الْعُدْوَانِ فِي رَدِّ الْبَيْعِ أَوْ أَخْذِهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلَّمْ إلَيْهِ كَمَا بَاعَهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ الْمَظْلَمَةِ لَيْسَتْ بِجَائِحَةٍ قِيلَ وَمَا مَعْنَى الْجَائِحَةِ‏؟‏ أَلَيْسَ مَا أُتْلِفَ مِنْ مَالِ الرَّجُلِ- فَالْمَظْلَمَةُ إتْلاَفٌ فَإِنْ قَالَ مَا أَصَابَ مِنْ السَّمَاءِ قِيلَ أَفَرَأَيْت مَا ابْتَعْت فَلَمْ أَقْبِضْهُ فَأَصَابَهُ مِنْ السَّمَاءِ شَيْءٌ يُتْلِفُهُ أَلَيْسَ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ‏؟‏ فَإِنْ قَالَ بَلَى قِيلَ فَإِنْ أَصَابَهُ مِنْ الْآدَمِيِّينَ فَأَنَا بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ أَفْسَخَ الْبَيْعَ أَوْ آخُذَهُ وَأَتْبَعَ الْآدَمِيَّ بِقِيمَتِهِ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ قِيلَ فَقَدْ جَعَلْت مَا أَصَابَ مِنْ السَّمَاءِ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَعْنَى مَا أَصَابَ مِنْ الْآدَمِيِّينَ أَوْ مِثْلَهُ؛ لِأَنَّك فَسَخْت بِهِ الْبَيْعَ، وَإِنْ قَالَ إذَا مَلَكْته فَهُوَ مِنْك، وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْهُ فَإِذَا هَلَكَ هَلَكَ مِنْك بِالثَّمَرَةِ قَدْ ابْتَعْتهَا وَقَبَضْتهَا فَهِيَ أَوْلَى أَنْ لاَ تُوضَعَ عَنِّي بِتَلَفٍ أَصَابَهَا‏.‏

باب فِي الْمُزَابَنَةِ

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ‏:‏ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ كَيْلاً وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلاً‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ‏:‏ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَوْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ وَالْمُحَاقَلَةُ اسْتِكْرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيع‏:‏ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَالْمُحَاقَلَةُ اشْتِرَاءُ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ وَاسْتِكْرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَسَأَلْت عَنْ اسْتِكْرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَقَالَ لاَ بَأْسَ بِذَلِكَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَالْمُحَاقَلَةُ فِي الزَّرْعِ كَالْمُزَابَنَةِ فِي التَّمْرِ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ‏:‏ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ مَا الْمُحَاقَلَةُ قَالَ الْمُحَاقَلَةُ فِي الْحَرْثِ كَهَيْئَةِ الْمُزَابَنَةِ فِي النَّخْلِ سَوَاءٌ بِيعَ الزَّرْعُ وَبِالْقَمْحِ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقُلْت لِعَطَاءٍ أَفَسَّرَ لَكُمْ جَابِرٌ فِي الْمُحَاقَلَةِ كَمَا أَخْبَرْتنِي قَالَ نَعَمْ‏.‏ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَتَفْسِيرُ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ فِي الْأَحَادِيثِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْصُوصًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ هُوَ دُونَهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُخَابَرَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُحَاقَلَةُ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الزَّرْعَ بِمِائَةِ فَرْقِ حِنْطَةٍ وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يَبِيعَ التَّمْرَ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِمِائَةِ فَرْقٍ وَالْمُخَابَرَةُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنْ التَّمْرِ لاَ تُعْلَمُ مَكِيلَتُهَا بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنْ التَّمْرِ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَ الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ سَمِعْت مِنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ خَبَرًا أَخْبَرَنِيهِ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْهُ فِي الصُّبْرَةِ قَالَ حَسِبْت قَالَ فَكَيْفَ تَرَى أَنْتَ فِي ذَلِكَ فَنَهَى عَنْهُ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ تُبَاعَ صُبْرَةٌ بِصُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ لاَ تُعْلَمُ مَكِيلُهُمَا أَوْ تُعْلَمُ مَكِيلَةُ إحْدَاهُمَا وَلاَ تُعْلَمُ مَكِيلَةُ الْأُخْرَى أَوْ تُعْلَمُ مَكِيلَتُهُمَا جَمِيعًا هَذِهِ بِهَذِهِ وَهَذِهِ بِهَذِهِ قَالَ لاَ إلَّا كَيْلاً بِكَيْلٍ يَدًا بِيَدٍ‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ إنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ مَا الْمُزَابَنَةُ قَالَ التَّمْرُ فِي النَّخْلِ يُبَاعُ بِالتَّمْرِ فَقُلْت إنْ عُلِمَتْ مَكِيلَةُ التَّمْرِ أَوْ لَمْ تُعْلَمْ قَالَ نَعَمْ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقَالَ إنْسَانٌ لِعَطَاءٍ أَفَبِالرُّطَبِ قَالَ سَوَاءٌ التَّمْرُ وَالرُّطَبُ ذَلِكَ مُزَابَنَةٌ‏.‏ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَبِهَذَا نَقُولُ إلَّا فِي الْعَرَايَا الَّتِي ذَكَرْنَاهَا قَبْلَ هَذَا قَالَ وَجِمَاعُ الْمُزَابَنَةِ أَنْ تَنْظُرَ كُلَّ مَا عَقَدْت بَيْعَهُ مِمَّا الْفَضْلُ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ يَدًا بِيَدٍ رِبًا فَلاَ يَجُوزُ فِيهِ شَيْءٌ يُعْرَفُ كَيْلُهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ جُزَافًا لاَ يُعْرَفُ كَيْلُهُ وَلاَ جُزَافَ مِنْهُ بِجُزَافٍ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَهُ إلَّا كَيْلاً بِكَيْلٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ يَدًا بِيَدٍ فَإِذَا كَانَ جُزَافًا بِجُزَافٍ لَمْ يَسْتَوِيَا فِي الْكَيْلِ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ جُزَافًا بِمَكِيلٍ فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ فِيهِمَا عِنْدَنَا لاَ يَجُوزُ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ لاَ يَكُونَا إلَّا كَيْلاً بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنًا بِوَزْنِ فَكُلُّ مَا عُقِدَ عَلَى هَذَا مَفْسُوخٌ‏.‏

قَالَ‏:‏ وَلَوْ تَبَايَعَا جُزَافًا بِكَيْلٍ أَوْ جُزَافًا بِجُزَافٍ مِنْ جِنْسِهِ ثُمَّ تَكَايَلاَ فَكَانَا سَوَاءً كَانَ الْبَيْعُ مَفْسُوخًا؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ أَنَّهُ كَيْلٌ بِكَيْلٍ‏.‏

قَالَ‏:‏ وَلَوْ عَقَدَا بَيْعَهُمَا عَلَى أَنْ يَتَكَايَلاَ هَذَيْنِ الطَّعَامَيْنِ جَمِيعًا بِأَعْيَانِهِمَا مِكْيَالاً بِمِكْيَالٍ فَتَكَايَلاَهُ فَكَانَا مُسْتَوِيَيْنِ جَازَ، وَإِنْ كَانَا مُتَفَاضِلَيْنِ فَفِيهَا قَوْلاَنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ لِلَّذِي نَقَصَتْ صُبْرَتُهُ الْخِيَارَ فِي رَدِّ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ كَيْلِ شَيْءٍ فَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهُ أَوْ رَدُّ الْبَيْعِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الْبَيْعَ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ عَلَى شَيْءٍ بَعْضُهُ حَرَامٌ وَبَعْضُهُ حَلاَلٌ فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ وَبِهَذَا أَقُولُ وَالْقَوْلُ الَّذِي حَكَيْت ضَعِيفٌ لَيْسَ بِقِيَاسٍ إنَّمَا يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ فِيمَا نَقَصَ مِمَّا لاَ رِبَا فِي زِيَادَةِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ فَأَمَّا مَا فِيهِ الرِّبَا فَقَدْ انْعَقَدَ الْبَيْعُ عَلَى الْكُلِّ فَوُجِدَ الْبَعْضُ مُحَرَّمًا أَنْ يُمْلَكَ بِهَذِهِ الْعُقْدَةِ فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ فِي أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَ بَيْعَةٍ وَفِيهَا حَرَامٌ‏؟‏

قَالَ‏:‏ وَمَا وَصَفْت مِنْ الْمُزَابَنَةِ جَامِعٌ لِجَمِيعِهَا كَافٍ مِنْ تَفْرِيعِهَا، وَمِنْ تَفْرِيعِهَا أَنْ أَبْتَاعَ مِنْك مِائَةَ صَاعِ تَمْرٍ بِتَمْرٍ مِائَةُ نَخْلَةٍ لِي أَوْ أَكْثَرُ أَوْ أَقَلُّ‏.‏‏:‏ فَهَذَا مَفْسُوخٌ مِنْ وَجْهَيْنِ‏:‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ أَنَّهُ رُطَبٌ بِتَمْرٍ وَجُزَافٌ بِكَيْلٍ مِنْ جِنْسِهِ وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ آخُذَ مِنْك تَمْرًا لاَ أَعْرِفُ كَيْلَهُ بِصَاعِ تَمْرٍ أَوْ بِصُبْرَةِ تَمْرٍ لاَ أَعْرِفُ كَيْلَهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ مُحَرَّمُ الْفَضْلِ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ وَأَنَّهُ لَمْ يُبَحْ إلَّا مِثْلاً بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ‏.‏

قال‏:‏ وَهَكَذَا هَذَا فِي الْحِنْطَةِ وَكُلُّ مَا فِي الْفَضْلِ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ الرِّبَا‏.‏

قَالَ‏:‏ فَأَمَّا ثَمَرُ نَخْلٍ بِحِنْطَةٍ مَقْبُوضَةٍ كَيْلاً‏.‏‏:‏ أَوْ صُبْرَةُ تَمْرٍ بِصُبْرَةِ حِنْطَةٍ أَوْ صِنْفٍ بِغَيْرِ صِنْفِهِ جُزَافٍ بِكَيْلٍ أَوْ كَيْلٍ بِجُزَافٍ يَدًا بِيَدٍ مِمَّا لاَ بَأْسَ بِالْفَضْلِ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ يَدًا بِيَدٍ فَلاَ بَأْسَ‏.‏

قال‏:‏ فَأَمَّا الرَّجُلُ يَقُولُ لِلرَّجُلِ وَعِنْدَهُ صُبْرَةُ تَمْرٍ لَهُ أَضْمَنُ لَك هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِعِشْرِينَ صَاعًا فَإِنْ زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ صَاعًا فَلِي فَإِنْ كَانَتْ عِشْرِينَ فَهِيَ لَك، وَإِنْ نَقَصَتْ مِنْ عِشْرِينَ فَعَلَيَّ إتْمَامُ عِشْرِينَ صَاعًا لَك فَهَذَا لاَ يَحِلُّ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ الَّذِي وَصَفْت قَبْلَ هَذَا وَهَذَا بِالْمُخَاطَرَةِ وَالْقِمَارِ أَشْبَهُ وَلَيْسَ مِنْ مَعْنَى الْمُزَابَنَةِ بِسَبِيلٍ لَيْسَ الْمُزَابَنَةُ إلَّا مَا وَصَفْت لاَ تُجَاوِزْهُ‏.‏

قَالَ‏:‏ وَهَذَا جِمَاعُهُ، وَهُوَ كَافٍ مِنْ تَفْرِيعِهِ، وَمِنْ تَفْرِيعِهِ مَا وَصَفْت فَأَمَّا أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ عُدَّ قِثَّاءَك أَوْ بِطِّيخَك هَذَا الْمَجْمُوعَ فَمَا نَقَصَ مِنْ مِائَةٍ فَعَلَيَّ تَمَامُ مِائَةٍ مِثْلِهِ وَمَا زَادَ فَلِي أَوْ اقْطَعْ ثَوْبَك هَذَا قَلاَنِسَ أَوْ سَرَاوِيلاَتٍ عَلَى قَدْرِ كَذَا، فَمَا نَقَصَ، مِنْ كَذَا وَكَذَا قَلَنْسُوَةٌ أَوْ سَرَاوِيلُ فَعَلَيَّ وَمَا زَادَ فَلِي أَوْ اطْحَنْ حِنْطَتَك هَذِهِ فَمَا زَادَ عَلَى مُدِّ دَقِيقٍ فَلِي وَمَا نَقَصَ فَعَلَيَّ فَهَذَا كُلُّهُ مُخَالِفٌ لِلْمُزَابَنَةِ وَمُحَرَّمٌ مِنْ أَنَّهُ أَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، لاَ هُوَ تِجَارَةٌ عَنْ تَرَاضٍ، وَلاَ هُوَ شَيْءٌ أَعْطَاهُ مَالِكُ الْمَالِ الْمُعْطَى، وَهُوَ يَعْرِفُهُ فَيُؤَخَّرُ فِيهِ أَوْ يُحْمَدُ وَلاَ هُوَ شَيْءٌ أَعْطَاهُ إيَّاهُ عَلَى مَنْفَعَةٍ فَأَخَذَهَا مِنْهُ وَلاَ عَلَى وَجْهِ خَيْرٍ مِنْ الْوَجْهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ الَّذِي هُوَ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ قَالَ وَلاَ بَأْسَ بِثَمَرِ نَخْلَةٍ بِثَمَرِ عِنَبَةٍ أَوْ بِثَمَرِ فِرْسِكَةٍ كِلاَهُمَا قَدْ طَابَتْ كَانَ ذَلِكَ مَوْضُوعًا بِالْأَرْضِ أَوْ فِي شَجَرَةٍ أَوْ بَعْضُهُ مَوْضُوعًا بِالْأَرْضِ إذَا خَالَفَهُ وَكَانَ الْفَضْلُ يَحِلُّ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ حَالًّا وَكَانَ يَدًا بِيَدٍ فَإِنْ دَخَلَتْ النَّسِيئَةُ فَسَدَ أَوْ تَفَرَّقَا بَعْدَ الْبَيْعِ قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا فَسَدَ الْبَيْعُ‏.‏

قَالَ‏:‏ وَكَذَلِكَ لاَ بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ نَخْلَةٍ فِي رَأْسِهَا بِثَمَرِ شَجَرَةِ فِرْسِكٍ فِي رَأْسِهَا أَوْ يَبِيعَ ثَمَرَ نَخْلَةٍ فِي رَأْسِهَا بِفِرْسِكٍ مَوْضُوعٍ فِي الْأَرْضِ أَوْ يَبِيعَ رُطَبًا فِي الْأَرْضِ بِفِرْسِكٍ مَوْضُوعٍ فِي الْأَرْضِ جُزَافًا‏.‏

قال‏:‏ وَجِمَاعُهُ أَنْ تَبِيعَ الشَّيْءَ بِغَيْرِ صِنْفِهِ يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شِئْت‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَا كَانَ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَحِلَّ إلَّا مِثْلاً بِمِثْلٍ كَيْلاً بِكَيْلٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ يَدًا بِيَدٍ وَلاَ يَتَفَرَّقَانِ حَتَّى يَتَقَابَضَا وَلاَ يُبَاعُ مِنْهُ رَطْبٌ بِيَابِسٍ وَلاَ رَطْبٌ يَبِسَ بِرَطْبٍ إلَّا الْعَرَايَا خَاصَّةً‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ فِي صَفْقَةٍ شَيْئًا مِنْ الَّذِي فِيهِ الرِّبَا فِي الْفَضْلِ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ يَدًا بِيَدٍ وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَ صُبْرَةَ تَمْرٍ مَكِيلَةً أَوْ جُزَافًا بِصُبْرَةِ حِنْطَةٍ مَكِيلَةً أَوْ جُزَافًا وَمَعَ الْحِنْطَةِ مِنْ التَّمْرِ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ وَذَلِكَ أَنَّ الصَّفْقَةَ فِي الْحِنْطَةِ تَقَعُ عَلَى حِنْطَةٍ وَتَمْرٍ بِتَمْرٍ وَحِصَّةُ التَّمْرِ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ بِقِيمَتِهَا وَالْحِنْطَةُ بِقِيمَتِهَا وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ لاَ يَجُوزُ إلَّا مَعْلُومًا كَيْلاً بِكَيْلٍ‏.‏

باب وَقْتِ بَيْعِ الْفَاكِهَةِ

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ‏:‏ قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله‏:‏ وَقْتُ بَيْعِ جَمِيعِ مَا يُؤْكَلُ مِنْ ثَمَرِ الشَّجَرِ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْ أَوَّلِهِ الشَّيْءُ وَيَكُونُ آخِرُهُ قَدْ قَارَبَ أَوَّلَهُ كَمُقَارَبَةِ ثَمَرِ النَّخْلِ بَعْضِهِ لِبَعْضٍ فَإِذَا كَانَ هَكَذَا حَلَّ بَيْعُ ثَمَرَتِهِ الْخَارِجَةِ فِيهِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَالشَّجَرُ مِنْهُ الثَّابِتُ الْأَصْلِ كَالنَّخْلِ لاَ يُخَالِفُهُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ إلَّا فِي شَيْءٍ سَأَذْكُرُهُ يُبَاعُ إذَا طَابَ أَوَّلُهُ الْكُمَّثْرَى وَالسَّفَرْجَلُ وَالْأُتْرُجُّ وَالْمَوْزُ وَغَيْرُهُ إذَا طَابَ مِنْهُ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ فَبَلَغَ أَنْ يَنْضُجَ بِيعَتْ ثَمَرَتُهُ تِلْكَ كُلُّهَا قَالَ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ التِّينَ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ يَنْبُتُ مِنْهُ الشَّيْءُ الْيَوْمَ ثُمَّ يُقِيمُ الْأَيَّامَ ثُمَّ يَنْبُتُ مِنْهُ الشَّيْءُ بَعْدُ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ مِرَارًا وَالْقِثَّاءُ وَالْخِرْبِزُ حَتَّى يَبْلُغَ بَعْضُهُ وَفِي مَوْضِعِهِ مِنْ شَجَرِ الْقِثَّاءِ وَالْخِرْبِزِ مَا لَمْ يَخْرُجْ فِيهِ شَيْءٌ فَكَانَ الشَّجَرُ يَتَفَرَّقُ مَعَ مَا يَخْرُجُ فِيهِ، وَلَمْ يُبَعْ مَا لَمْ يَخْرُجْ فِيهِ فَإِنْ كَانَ لاَ يُعْرَفُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ لِاخْتِلاَطِ الْمَبِيعِ مِنْهُ بِغَيْرِ الْمَبِيعِ فَيَصِيرُ الْمَبِيعُ غَيْرَ مَعْلُومٍ فَيَأْخُذُ مُشْتَرِيهِ كُلَّهُ أَوْ مَا حُمِلَ مِمَّا لَمْ يَشْتَرِ فَإِنْ بِيعَ، وَهُوَ هَكَذَا فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْبَائِعُ أَنْ يُسَلِّمَ مَا زَادَ عَلَى مَا بَاعَ فَيَكُونُ قَدْ أَعْطَاهُ حَقَّهُ وَزَادَهُ قَالَ فَيُنْظَرُ مِنْ الْقِثَّاءِ وَالْخِرْبِزِ فِي مِثْلِ مَا وَصَفْت مِنْ التِّينِ فَإِنْ كَانَ بِبَلَدٍ يَخْرُجُ الشَّيْءُ مِنْهُ فِي جَمِيعِ شَجَرِهِ فَإِذَا تُرِكَ فِي شَجَرِهِ لِتَتَلاَحَقَ صِغَارُهُ خَرَجَ مِنْ شَجَرِهِ شَيْءٌ مِنْهُ كَانَ كَمَا وَصَفْت فِي التِّينِ إنْ اُسْتُطِيعَ تَمْيِيزُهُ جَازَ مَا خَرَجَ أَوَّلاً وَلَمْ يَدْخُلْ مَا خَرَجَ بَعْدَهُ فِي الْبَيْعِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ تَمْيِيزَهُ لَمْ يَجُزْ فِيهِ الْبَيْعُ بِمَا وَصَفْت قَالَ، وَإِنْ حَلَّ بَيْعُ ثَمَرَةٍ مِنْ هَذَا الثَّمَرِ نَخْلٍ أَوْ عِنَبٍ أَوْ قِثَّاءٍ أَوْ خِرْبِزٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَحِلَّ أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَتُهَا الَّتِي تَأْتِي بَعْدَهَا بِحَالٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ‏:‏ مَا الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ‏؟‏ قُلْنَا لَمَّا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ وَنَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَنَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهُ كَانَ بَيْعُ ثَمَرَةٍ لَمْ تُخْلَقْ بَعْدُ أَوْلَى فِي جَمِيعِ هَذَا‏.‏

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ‏:‏ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرٍ قَالَ نَهَيْت ابْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ مُعَاوَمَةً، قَالَ فَإِذَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ وَالتَّمْرِ بَلَحًا شَدِيدًا لَمْ تُرَ فِيهِ صُفْرَةٌ؛ لِأَنَّ الْعَاهَةَ قَدْ تَأْتِي عَلَيْهِ كَانَ بَيْعُ مَا لَمْ يُرَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ مِنْ قِثَّاءٍ أَوْ خِرْبِزٍ أُدْخِلَ فِي مَعْنَى الْغَرَرِ، وَأَوْلَى أَنْ لاَ يُبَاعَ مِمَّا قَدْ رُئِيَ فَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِهِ وَكَيْفَ يَحْرُمُ أَنْ يُبَاعَ قِثَّاءٌ أَوْ خِرْبِزٌ حِينَ بَدَا قَبْلَ أَنْ يَطِيبَ مِنْهُ شَيْءٌ وَقَدْ رَوَى رَجُلٌ أَنْ يُبْتَاعَ وَلَمْ يُخْلَقْ قَطُّ‏؟‏ وَكَيْفَ أُشْكِلَ عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ بَيْعٌ أَبَدًا أَوْلَى بِالْغَرَرِ مِنْ هَذَا الْبَيْعِ‏؟‏ الطَّائِرُ فِي السَّمَاءِ، وَالْعَبْدُ الْآبِقُ، وَالْجَمَلُ الشَّارِدُ، أَقْرَبُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْغَرَرُ فِيهِ أَضْعَفُ مِنْ هَذَا؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ قَدْ خُلِقَ وَقَدْ يُوجَدُ وَهَذَا لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ‏.‏ وَقَدْ يُخْلَقُ فَيَكُونُ غَايَةً فِي الْكَثْرَةِ، وَغَايَةً فِي الْقِلَّةِ وَفِيمَا بَيْنَ الْغَايَتَيْنِ مَنَازِلُ‏.‏ أَوْ رَأَيْت إنْ أَصَابَتْهُ الْجَائِحَةُ بِأَيِّ شَيْءٍ يُقَاسُ‏؟‏ أَبِأَوَّلِ حِمْلِهِ فَقَدْ يَكُونُ ثَانِيهِ أَكْثَرَ وَثَالِثُهُ فَقَدْ يَخْتَلِفُ وَيَتَبَايَنُ فَهَذَا عِنْدَنَا مُحَرَّمٌ بِمَعْنَى السُّنَّةِ وَالْأَثَرِ وَالْقِيَاسِ عَلَيْهِمَا وَالْمَعْقُولِ، وَاَلَّذِي يُمْكِنُ مِنْ عُيُوبِهِ أَكْثَرُ مِمَّا حَكَيْنَا وَفِيمَا حَكَيْنَا كِفَايَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى‏.‏

قال‏:‏ فَكُلُّ مَا كِيلَ مِنْ هَذَا أَوْ وُزِنَ أَوْ بِيعَ عَدَدًا كَمَا وَصَفْت فِي الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لاَ يَحِلُّ التَّمْرُ مِنْهُ بِرُطَبٍ وَلاَ جُزَافٌ مِنْهُ بِكَيْلٍ وَلاَ رُطَبٌ بِرُطَبٍ عِنْدِي بِحَالٍ وَلاَ يَحِلُّ إلَّا يَابِسًا بِيَابِسٍ، كَيْلاً بِكَيْلٍ أَوْ مَا يُوزَنُ وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَلاَ يَجُوزُ فِيهِ عَدَدٌ لِعَدَدٍ، وَلاَ يَجُوزُ أَصْلاً إذَا كَانَ شَيْءٌ مِنْهُ رَطْبًا يَشْتَرِي بِصِنْفِهِ رَطْبَ فِرْسِكٍ بِفِرْسِكٍ، وَتِبْنٍ بِتِبْنٍ، وَصِنْفٍ بِصِنْفِهِ، فَإِذَا اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ فَبِعْهُ كَيْفَ شِئْت يَدًا بِيَدٍ، جُزَافًا بِكَيْلٍ، وَرَطْبًا بِيَابِسٍ، وَقَلِيلَهُ بِكَثِيرِهِ، لاَ يَخْتَلِفُ هُوَ، وَمَا وَصَفْت مِنْ ثَمَرِ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَيَخْتَلِفُ هُوَ وَثَمَرُ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ فِي الْعَرَايَا، وَلاَ يَجُوزُ فِي شَيْءٍ سِوَى النَّخْلِ، وَالْعِنَبِ الْعَرِيَّةُ بِمَا يَجُوزُ فِيهِ بَيْعُ الْعَرَايَا مِنْ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ، لاَ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ ثَمَرَ تِينَةٍ فِي رَأْسِهَا بِمَكِيلَةٍ مِنْ التِّينِ مَوْضُوعًا بِالْأَرْضِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ غَيْرِ تِينَةٍ فِي رَأْسِهَا بِثَمَرٍ مِنْهَا يَابِسٍ مَوْضُوعٍ بِالْأَرْضِ وَلاَ فِي شَجَرِهِ أَبَدًا جُزَافًا وَلاَ كَيْلاً وَلاَ بِمَعْنًى، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَلِمَ لَمْ تُجِزْهُ‏؟‏ قُلْت؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ سَنَّ الْخَرْصَ فِي التَّمْرِ، وَالْعِنَبِ وَفِيهِمَا أَنَّهُمَا مُجْتَمَعَا التَّمْرِ لاَ حَائِلَ دُونَهُ يَمْنَعُ الْإِحَاطَةَ وَكَانَ يَكُونُ فِي الْمِكْيَالِ مُسْتَجْمَعًا كَاسْتِجْمَاعِهِ فِي نَبْتِهِ كَانَ لَهُ مَعَانٍ لاَ يَجْمَعُ أَحَدَ مَعَانِيهِ شَيْءٌ سِوَاهُ وَغَيْرُهُ، وَإِنْ كَانَ يَجْتَمِعُ فِي الْمِكْيَالِ فَمِنْ فَوْقِ كَثِيرٍ مِنْهُ حَائِلٌ مِنْ الْوَرِقِ وَلاَ يُحِيطُ الْبَصَرُ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْكُمَّثْرَى وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا الْأُتْرُجُّ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُهُ فَلاَ يَجْتَمِعُ فِي مِكْيَالٍ وَكَذَلِكَ الْخِرْبِزِ، وَالْقِثَّاءُ، وَهُوَ مُخْتَلِفُ الْخَلْقِ لاَ يُشْبِهُهُمَا وَبِذَلِكَ لَمْ يَجْتَمِعْ فِي الْمِكْيَالِ وَلاَ يُحِيطُ بِهِ الْبَصَرُ إحَاطَتَهُ بِالْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ وَلاَ يُوجَدُ مِنْهُ شَيْءٌ يَكُونُ مَكِيلاً يُخْرَصُ بِمَا فِي رُءُوسِ شَجَرِهِ لِغِلَظِهِ وَتَجَافِي خِلْقَتِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَكِيلاً، فَلِذَلِكَ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُبَاعَ جُزَافًا بِشَيْءٍ مِنْهُ كَمَا يُبَاعُ غَيْرُهُ مِنْ النَّخْلِ، وَالْعِنَبِ إذَا خَالَفَهُ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَ مِنْهُ شَيْئًا فيستعريه ابْتَاعَهُ بِغَيْرِ صِنْفِهِ ثُمَّ اسْتَعْرَاهُ كَيْفَ شَاءَ‏.‏

باب مَا يَنْبُتُ مِنْ الزَّرْعِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله‏:‏ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ بَعْضُهُ مَغِيبٌ فِيهَا وَبَعْضُهُ ظَاهِرٌ فَأَرَادَ صَاحِبُهُ بَيْعَهُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهُ إلَّا الظَّاهِرُ مِنْهُ يُجَزُّ مَكَانَهُ، فَأَمَّا الْمَغِيبُ فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَذَلِكَ مِثْلُ الْجَزَرِ، وَالْفُجْلِ، وَالْبَصَلِ، وَمَا أَشْبَهَهُ فَيَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ وَرَقُهُ الظَّاهِرُ مُقْطَعًا مَكَانَهُ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ مَا فِي دَاخِلِهِ، فَإِنْ وَقَعَتْ الصَّفْقَةُ عَلَيْهِ كُلِّهِ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ فِيهِ إذَا كَانَ بَيْعُ نَبَاتٍ، وَبَيْعُ النَّبَاتِ بَيْعُ الْإِيجَابِ وَذَلِكَ لَوْ أَجَزْت بَيْعَهُ لَمْ أُجِزْهُ إلَّا عَلَى أَحَدِ مَعَانٍ إمَّا عَلَى مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ بَيْعُ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ فَتِلْكَ إذَا رَآهَا الْمُشْتَرِي فَلَهُ الْخِيَارُ فِي أَخْذِهَا أَوْ تَرْكِهَا، فَلَوْ أَجَزْت الْبَيْعَ عَلَى هَذَا فَقَلَعَ جَزَرَةً أَوْ فُجْلَةً، أَوْ بَصَلَةً، فَجَعَلْت لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارَ كُنْت قَدْ أَدْخَلْت عَلَى الْبَائِعِ ضَرَرًا فِي أَنْ يُقْلِعَ مَا فِي رَكِيبِهِ وَأَرْضِهِ الَّتِي اشْتَرَى ثُمَّ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ مِنْ غَيْرِ عَيْبٍ فَيَبْطُلُ أَكْثَرُهُ عَلَى الْبَائِعِ‏.‏

قال‏:‏ وَهَذَا يُخَالِفُ الْعَبْدَ يُشْتَرَى غَائِبًا وَالْمَتَاعَ وَذَلِكَ أَنَّهُمَا قَدْ يَرَيَانِ فَيَصِفُهُمَا لِلْمُشْتَرِي مَنْ يَثِقُ بِهِ فَيَشْتَرِيَهُمَا ثُمَّ يَكُونُ لَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ فَلاَ يَكُونُ عَلَى الْبَائِعِ ضَرَرٌ فِي رُؤْيَةِ الْمُشْتَرِي لَهُمَا كَمَا يَكُونُ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِيمَا قُلِعَ مِنْ زَرْعِهِ وَلَوْ أَجَزْت بَيْعَهُ عَلَى أَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَيْبٌ لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ كَانَ فِيهِ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَالْمُخْتَلِفُ الْخِلْقَةِ فَكَانَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَ وَأَلْزَمْته مَا لَمْ يَرْضَ بِشِرَائِهِ قَطُّ، وَلَوْ أَجَزْته عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ إيَّاهُ عَلَى صِفَةٍ مَوْزُونًا كُنْت أَجَزْت بَيْعَ الصِّفَاتِ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ وَإِنَّمَا تُبَاعُ الصِّفَةُ مَضْمُونَةً‏.‏

قال‏:‏ وَلَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ مَوْصُوفٍ مَوْزُونٍ، فَجَاءَ بِهِ عَلَى الصِّفَةِ جَازَ السَّلَفُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِهِ يَأْتِي بِهِ حَيْثُ شَاءَ لاَ مِنْ أَرْضٍ قَدْ يُخْطِئُ زَرْعَهَا وَيُصِيبُ فَلاَ يَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا بَيْعٌ إلَّا بِصِفَةِ مَضْمُونٍ مَوْزُونٍ أَوْ حَتَّى يُقْلَعَ فَيَرَاهُ الْمُشْتَرِي‏.‏

قال‏:‏ وَلاَ يُشْبِهُ الْجَوْزَ، وَالْبَيْضَ وَمَا أَشْبَهَهُ هَذَا لاَ صَلاَحَ لَهُ فِي الْأَرْضِ إلَّا بِالْبُلُوغِ ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَبْقَى مَا بَقِيَ مِنْهُ وَيُبَاعُ مَا لاَ يَبْقَى مِثْلُ الْبَقْلِ، وَذَلِكَ لاَ صَلاَحَ لَهُ، إلَّا بِبَقَائِهِ فِي قِشْرِهِ، وَذَلِكَ إذَا رُئِيَ قِشْرُهُ اُسْتُدِلَّ عَلَى قَدْرِهِ فِي دَاخِلِهِ وَهَذَا لاَ دَلاَلَةَ عَلَى دَاخِلِهِ، وَإِنْ رُئِيَ خَارِجُهُ قَدْ يَكُونُ الْوَرَقُ كَبِيرًا وَالرَّأْسُ صَغِيرًا وَكَبِيرًا‏.‏

باب مَا اشْتُرِيَ مِمَّا يَكُونُ مَأْكُولُهُ دَاخِلَهُ

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ مَنْ اشْتَرَى رَانِجًا، أَوْ جَوْزًا، أَوْ لَوْزًا، أَوْ فُسْتُقًا أَوْ بَيْضًا فَكَسَرَهُ فَوَجَدَهُ فَاسِدًا أَوْ مَعِيبًا فَأَرَادَ رَدَّهُ وَالرُّجُوعَ بِثَمَنِهِ فَفِيهَا قَوْلاَنِ‏:‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ أَنَّ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَالرُّجُوعَ بِثَمَنِهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لاَ يَصِلُ إلَى مَعْرِفَةِ عَيْبِهِ وَفَسَادِهِ، وَصَلاَحِهِ إلَّا بِكَسْرِهِ، وَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ قَصْدُهُ بِالْبَيْعِ دَاخِلَهُ فَبَائِعُهُ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلٌ‏.‏

قال‏:‏ وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ انْبَغَى أَنْ يَقُولَ عَلَى الْمُشْتَرِي الْكَاسِرِ أَنْ يَرُدَّ الْقِشْرَ عَلَى الْبَائِعِ إنْ كَانَتْ لَهُ قِيمَةٌ، وَإِنْ قُلْت إنْ كَانَ يَسْتَمْتِعُ بِهِ كَمَا يَسْتَمْتِعُ بِقِشْرِ الرَّانِجِ وَيَسْتَمْتِعُ بِمَا سِوَاهُ أَوْ يَرُدُّ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أُقِيمَ قِشْرُهَا فَكَانَتْ لِلْقِشْرِ قِيمَةٌ مِنْهُ وَدَاخِلُهُ عَلَى أَنَّهُ صَحِيحٌ وَطَرَحَ عَنْهُ حِصَّةَ مَا لَمْ يَرُدَّهُ مِنْ قِشْرِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَيَرْجِعُ بِالْبَاقِي وَلَوْ كَانَتْ حِصَّةُ الْقِشْرِ سَهْمًا مِنْ أَلْفِ سَهْمٍ مِنْهُ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي إنَّهُ إذَا كَسَرَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْبَائِعُ، وَيَرْجِعَ بِمَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَقِيمَتِهِ فَاسِدًا، وَبَيْضُ الدَّجَاجِ كُلُّهُ لاَ قِيمَةَ لَهُ فَاسِدًا؛ لِأَنَّ قِشْرَهُ لَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فَإِذَا كَسَرَهُ رَجَعَ بِالثَّمَنِ، وَأَمَّا بَيْضُ النَّعَامِ فَلِقِشْرَتِهِ ثَمَنٌ فَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ قِشْرَتَهَا رُبَّمَا كَانَتْ أَكْثَرَ ثَمَنًا مِنْ دَاخِلِهَا، فَإِنْ لَمْ يَرُدَّ قِشْرَتَهَا صَحِيحَةً رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا بَيْنَ قِيمَتِهَا غَيْرَ فَاسِدَةٍ وَقِيمَتِهَا فَاسِدَةً، وَفِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَرُدُّهَا وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى سِرِّهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ أَفْسَدَهَا بِالْكَسْرِ، وَقَدْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى كَسْرٍ لاَ يُفْسِدُ، فَيَرْجِعُ بِمَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ وَلاَ يَرُدُّهَا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَأَمَّا الْقِثَّاءُ وَالْخِرْبِزُ وَمَا رَطُبَ فَإِنَّهُ يَذُوقُهُ بِشَيْءٍ دَقِيقٍ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ عُودٍ فَيُدْخِلُهُ فِيهِ فَيَعْرِفُ طَعْمَهُ إنْ كَانَ مُرًّا أَوْ كَانَ الْخِرْبِزُ حَامِضًا فَلَهُ رَدُّهُ، وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ فِي نَقْبِهِ فِي الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ وَلاَ فَسَادَ فِي النَّقْبِ الصَّغِيرِ عَلَيْهِ‏.‏ وَكَانَ يَلْزَمُ مَنْ قَالَ لاَ يَرُدُّهُ إلَّا كَمَا أَخَذَهُ بِأَنْ يَقُولَ يَرْجِعُ بِمَا بَيْنَ قِيمَتِهِ سَالِمًا مِنْ الْفَسَادِ وَقِيمَتِهِ فَاسِدًا‏.‏

قال‏:‏ وَلَوْ كَسَرَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهَا وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِنُقْصَانِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَفَاسِدًا مَا كَانَ ذَلِكَ الْفَضْلُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْبَائِعُ أَنْ يَأْخُذَهُ مَكْسُورًا‏.‏ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَصِيرَ إلَيْهِ طَعْمُهُ مِنْ ثُقْبِهِ صَحِيحًا لَيْسَ كَالْجَوْزِ لاَ يَصِلُ إلَى طَعْمِهِ مِنْ نَقْبِهِ وَإِنَّمَا يَصِلُ إلَيْهِ رِيحُهُ لاَ طَعْمُهُ صَحِيحًا فَأَمَّا الدُّودُ فَلاَ يُعْرَفُ بِالْمُذَاقَةِ فَإِذَا كَسَرَهُ وَوَجَدَ الدُّودَ كَانَ لَهُ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ رَدُّهُ، وَفِي الْقَوْلِ الثَّانِي الرُّجُوعُ بِفَضْلِ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ‏.‏ وَلَوْ اشْتَرَى مِنْ هَذَا شَيْئًا رَطْبًا مِنْ الْقِثَّاءِ وَالْخِرْبِزِ فَحَبَسَهُ حَتَّى ضَمُرَ وَتَغَيَّرَ وَفَسَدَ عِنْدَهُ ثُمَّ وَجَدَهُ فَاسِدًا بِمَرَارَةٍ أَوْ دُودٍ كَانَ فِيهِ فَإِنْ كَانَ فَسَادُهُ مِنْ شَيْءٍ يَحْدُثُ مِثْلُهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ فِي فَسَادِهِ مَعَ يَمِينِهِ، وَذَلِكَ مِثْلُ الْبَيْضِ يُقِيمُ عِنْدَ الرَّجُلِ زَمَانًا ثُمَّ يَجِدُهُ فَاسِدًا وَفَسَادُ الْبَيْضِ يَحْدُثُ‏.‏ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ‏.‏

مَسْأَلَةُ بَيْعِ الْقَمْحِ فِي سُنْبُلِهِ

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ‏:‏ قُلْت لِلشَّافِعِيِّ إنَّ عَلِيَّ بْنَ مَعْبِدٍ رَوَى لَنَا حَدِيثًا عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَازَ بَيْعَ الْقَمْحِ فِي سُنْبُلِهِ إذَا ابْيَضَّ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ إنْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ قُلْنَا بِهِ فَكَانَ الْخَاصُّ مُسْتَخْرَجًا مِنْ الْعَامِّ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ، وَبَيْعُ الْقَمْحِ فِي سُنْبُلِهِ غَرَرٌ؛ لِأَنَّهُ لاَ يُرَى، وَكَذَلِكَ بَيْعُ الدَّارِ وَالْأَسَاسِ لاَ يُرَى، وَكَذَلِكَ بَيْعُ الصُّبْرَةِ بَعْضِهَا فَوْقَ بَعْضٍ أَجَزْنَا ذَلِكَ كَمَا أَجَازَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ هَذَا خَاصًّا مُسْتَخْرَجًا مِنْ عَامٍّ وَكَذَلِكَ نُجِيزُ بَيْعَ الْقَمْحِ فِي سُنْبُلِهِ إذَا ابْيَضَّ إنْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ كَمَا أَجَزْنَا بَيْعَ الدَّارِ وَالصُّبْرَةِ‏.‏

باب بَيْعِ الْقَصَبِ وَالْقِرْطِ

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ‏:‏ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْقَصَبِ لاَ يُبَاعُ إلَّا جِزَّةً أَوْ قَالَ صِرْمَةً‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَبِهَذَا نَقُولُ، لاَ يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ الْقُرْطُ إلَّا جِزَّةً وَاحِدَةً عِنْدَ بُلُوغِ الْجِزَازِ وَيَأْخُذُ صَاحِبُهُ فِي جِزَازِهِ عِنْدَ ابْتِيَاعِهِ فَلاَ يُؤَخِّرُهُ مُدَّةً أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ مَا يُمْكِنُهُ جِزَازُهُ فِيهِ مِنْ يَوْمِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَإِنْ اشْتَرَاهُ ثَابِتًا عَلَى أَنْ يَدَعَهُ أَيَّامًا لِيَطُولَ أَوْ يَغْلَطَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَكَانَ يَزِيدُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ فَلاَ خَيْرَ فِي الشِّرَاءِ، وَالشِّرَاءُ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ لِلْبَائِعِ وَفَرْعَهُ الظَّاهِرَ لِلْمُشْتَرِي‏.‏ فَإِنْ كَانَ يَطُولُ فَيَخْرُجُ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ إلَى مَالِ الْمُشْتَرِي مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ صَفْقَةُ الْبَيْعِ فَيَمْلِكُهُ كُنْت قَدْ أَعْطَيْت الْمُشْتَرِيَ مَا لَمْ يَشْتَرِ، وَأَخَذْت مِنْ الْبَائِعِ مَا لَمْ يَبِعْ مِنْهُ أَعْطَيْته مِنْهُ شَيْئًا مَجْهُولاً- لاَ يُرَى بِعَيْنٍ وَلاَ يُضْبَطُ بِصِفَةٍ وَلاَ يَتَمَيَّزُ مَا لِلْبَائِعِ فِيهِ مِمَّا لِلْمُشْتَرِي فَيَفْسُدُ مِنْ وُجُوهٍ‏.‏

قال‏:‏ وَلَوْ اشْتَرَاهُ لِيَقْطَعَهُ فَتَرَكَهُ وَقَطْعُهُ لَهُ مُمْكِنٌ مُدَّةً يَطُولُ فِي مِثْلِهَا كَانَ الْبَيْعُ مَفْسُوخًا إذَا كَانَ عَلَى مَا شُرِطَ فِي أَصْلِ الْبَيْعِ أَنْ يَدَعَهُ لِمَا وَصَفْت مِمَّا اخْتَلَطَ بِهِ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ مِمَّا لاَ يَتَمَيَّزُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى حِنْطَةً جُزَافًا وَشَرَطَ لَهُ أَنَّهَا إنْ انْهَالَ لَهُ عَلَيْهَا حِنْطَةٌ فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْبَيْعِ فَانْهَالَتْ عَلَيْهَا حِنْطَةٌ لِلْبَائِعِ لَمْ يَبِعْهَا انْفَسَخَ الْبَيْعُ فِيهَا؛ لِأَنَّ مَا اشْتَرَى لاَ يَتَمَيَّزُ وَلاَ يُعْرَفُ قَدْرُهُ مِمَّا لَمْ يَشْتَرِ فَيُعْطِي مَا اشْتَرَى وَيَمْنَعُ مَا لَمْ يَشْتَرِ، وَهُوَ فِي هَذَا كُلِّهِ بَائِعُ شَيْءٍ قَدْ كَانَ وَشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ دَخَلَ فِي الْبَيْعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ وَهَذَا الْبَيْعُ مِمَّا لاَ يَخْتَلِفُ الْمُسْلِمُونَ فِي فَسَادِهِ؛ لِأَنَّ رَجُلاً لَوْ قَالَ أَبِيعُك شَيْئًا إنْ نَبَتَ فِي أَرْضِي بِكَذَا فَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ أَوْ نَبَتَ قَلِيلاً لَزِمَك الثَّمَنُ مِنْك مَفْسُوخًا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَبِيعُك شَيْئًا إنْ جَاءَنِي مِنْ تِجَارَتِي بِكَذَا، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ لَزِمَك الثَّمَنُ‏.‏

قال‏:‏ وَلَكِنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهُ كَمَا وَصَفْت وَتَرَكَهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ أَيَّامًا وَقَطَعَهُ يُمْكِنُهُ فِي أَقَلَّ مِنْهَا كَانَ الْمُشْتَرِي مِنْهُ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يَدَعَ لَهُ الْفَضْلَ الَّذِي لَهُ بِلاَ ثَمَنٍ أَوْ يَنْقُضُ الْبَيْعَ‏.‏

قال‏:‏ كَمَا يَكُونُ إذَا بَاعَهُ حِنْطَةً جُزَافًا فَانْهَالَتْ عَلَيْهَا حِنْطَةٌ لَهُ، فَالْبَائِعُ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يُسَلِّمَ مَا بَاعَهُ وَمَا زَادَ فِي حِنْطَتِهِ أَوْ يَرُدَّ الْبَيْعَ لِاخْتِلاَطِ مَا بَاعَ بِمَا لَمْ يَبِعْ‏.‏

قال‏:‏ وَمَا أَفْسَدْتُ فِيهِ الْبَيْعَ فَأَصَابَ الْقَصَبَ فِيهِ آفَةٌ تُتْلِفُهُ فِي يَدَيْ الْمُشْتَرِي فَعَلَى الْمُشْتَرِي ضَمَانُهُ بِقِيمَتِهِ وَمَا أَصَابَتْهُ آفَةٌ تُنْقِصُهُ فَعَلَى الْمُشْتَرِي ضَمَانُ مَا نَقَصَتْهُ وَالزَّرْعُ لِبَائِعِهِ وَعَلَى كُلِّ مُشْتَرٍ شِرَاءً فَاسِدًا أَنْ يَرُدَّهُ كَمَا أَخَذَهُ أَوْ خَيْرًا مِمَّا أَخَذَهُ وَضَمَانُهُ إنْ تَلِفَ وَضَمَانُ نَقْصِهِ إنْ نَقَصَ فِي كُلِّ شَيْءٍ‏.‏

باب حُكْمِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ‏:‏ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ أَمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ الطَّعَامُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِرَأْيِهِ وَلاَ أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إلَّا مِثْلَهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَبِهَذَا نَأْخُذُ، فَمَنْ ابْتَاعَ شَيْئًا كَائِنًا مَا كَانَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ بَاعَ مَا لَمْ يَقْبِضْ فَقَدْ دَخَلَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي يَرْوِي بَعْضُ النَّاسِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِعَتَّابِ بْنِ أُسَيْدٍ حِينَ وَجَّهَهُ إلَى أَهْلِ مَكَّةَ‏:‏ «انْهَهُمْ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يَقْبِضُوا وَرِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنُوا»‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ هَذَا بَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَضْ وَرِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَهَذَا الْقِيَاسُ عَلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُقْبَضَ، وَمَنْ ابْتَاعَ طَعَامَهُ كَيْلاً فَقَبَضَهُ أَنْ يَكْتَالَهُ وَمَنْ ابْتَاعَهُ جُزَافًا فَقَبَضَهُ أَنْ يَنْقُلَهُ مِنْ مَوْضِعِهِ إذَا كَانَ مِثْلُهُ يُنْقَلُ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ الطَّعَامَ جُزَافًا فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يَأْمُرُهُمْ بِانْتِقَالِهِ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي ابْتَاعُوهُ فِيهِ إلَى مَوْضِعٍ غَيْرِهِ، وَهَذَا لاَ يَكُونُ إلَّا لِئَلَّا يَبِيعُوهُ قَبْلَ أَنْ يُنْقَلَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَنْ مَلَكَ طَعَامًا بِإِجَازَةِ بَيْعٍ مِنْ الْبُيُوعِ فَلاَ يَبِيعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ، وَمَنْ مَلَكَهُ بِمِيرَاثٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى غَيْرِهِ بِثَمَنٍ، وَكَذَلِكَ مَا مَلَكَهُ مِنْ وَجْهٍ غَيْرِ وَجْهِ الْبَيْعِ كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ إنَّمَا لاَ يَكُونُ لَهُ بَيْعُهُ إذَا كَانَ مَضْمُونًا عَلَى غَيْرِهِ بِعِوَضٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ إذَا فَاتَ، وَالْأَرْزَاقُ الَّتِي يُخْرِجُهَا السُّلْطَانُ لِلنَّاسِ يَبِيعُهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا وَلاَ يَبِيعُهَا الَّذِي يَشْتَرِيهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا؛ لِأَنَّ مُشْتَرِيَهَا لَمْ يَقْبِضْ، وَهِيَ مَضْمُونَةٌ لَهُ عَلَى بَائِعِهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهُ إيَّاهَا بِهِ حَتَّى يَقْبِضَهَا أَوْ يَرُدَّ الْبَائِعُ إلَيْهِ الثَّمَنَ، وَمَنْ ابْتَاعَ مِنْ رَجُلٍ طَعَامًا فَكَتَبَ إلَيْهِ الْمُشْتَرِي أَنْ يَقْبِضَهُ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ فَلاَ يَكُونُ الرَّجُلُ قَابِضًا لَهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ ضَامِنٌ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُبْتَاعُ أَوْ وَكِيلُ الْمُبْتَاعِ غَيْرِ الْبَائِعِ، وَسَوَاءٌ أَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُشْهِدْ، وَإِذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ أَنْ يَبْتَاعَ لَهُ طَعَامًا فَابْتَاعَهُ ثُمَّ وَكَّلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ لَهُ مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ بِنَقْدٍ لاَ بِدَيْنٍ حَتَّى يُبِيحَ لَهُ الدَّيْنَ فَهُوَ جَائِزٌ كَأَنَّهُ هُوَ ابْتَاعَهُ وَبَاعَهُ، وَإِنْ وَكَّلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ نَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ مِنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ قَالَ قَدْ بِعْته مِنْ غَيْرِي فَهَلَكَ الثَّمَنُ أَوْ هَرَبَ الْمُشْتَرِي فَصَدَّقَهُ الْبَائِعُ فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَذَّبَهُ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَدْ بَاعَهُ، وَلاَ يَكُونُ ضَامِنًا لَوْ هَرَبَ الْمُشْتَرِي أَوْ أَفْلَسَ أَوْ قَبَضَ الثَّمَنَ مِنْهُ فَهَلَكَ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَمِينٌ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَنْ بَاعَ طَعَامًا مِنْ نَصْرَانِيٍّ فَبَاعَهُ النَّصْرَانِيُّ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ فَلاَ يَكِيلُهُ لَهُ الْبَائِعُ حَتَّى يَحْضُرَ النَّصْرَانِيُّ أَوْ وَكِيلُهُ فَيَكْتَالُهُ لِنَفْسِهِ‏.‏

قَالَ‏:‏ وَمَنْ سَلَّفَ فِي طَعَامٍ ثُمَّ بَاعَ ذَلِكَ الطَّعَامَ بِعَيْنِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ بَاعَ طَعَامًا بِصِفَةٍ وَنَوَى أَنْ يَقْضِيَهُ مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ فَلاَ بَأْسَ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقْضِيَهُ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الطَّعَامَ لَوْ كَانَ عَلَى غَيْرِ الصِّفَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْهُ، وَلَوْ قَبَضَهُ وَكَانَ عَلَى الصِّفَةِ كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ وَلاَ يُعْطِيَهُ إيَّاهُ، وَلَوْ هَلَكَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِثْلَ صِفَةِ طَعَامِهِ الَّذِي بَاعَهُ‏.‏

قَالَ‏:‏ وَمَنْ سَلَفَ فِي طَعَامٍ أَوْ بَاعَ طَعَامًا فَأَحْضَرَ الْمُشْتَرِي عِنْدَ اكْتِيَالِهِ مِنْ بَائِعِهِ وَقَالَ أَكْتَالُهُ لَك لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ طَعَامٍ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، فَإِنْ قَالَ‏:‏ أَكْتَالُهُ لِنَفْسِي وَخُذْهُ بِالْكَيْلِ الَّذِي حَضَرْت لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ كَيْلاً فَلاَ يَبْرَأُ حَتَّى يَكْتَالَهُ مَنْ يَشْتَرِيهِ وَيَكُونُ لَهُ زِيَادَتُهُ وَعَلَيْهِ نُقْصَانُهُ، وَهَكَذَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ فَيَكُونَ لَهُ زِيَادَتُهُ وَعَلَيْهِ نُقْصَانُهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَنْ بَاعَ طَعَامًا مَضْمُونًا عَلَيْهِ فَحَلَّ عَلَيْهِ الطَّعَامُ فَجَاءَ بِصَاحِبِهِ إلَى طَعَامٍ مُجْتَمِعٍ فَقَالَ‏:‏ أَيُّ طَعَامٍ رَضِيت مِنْ هَذَا اشْتَرَيْت لَك فَأَوْفَيْتُك‏.‏ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ رَضِيَ طَعَامًا فَاشْتَرَاهُ لَهُ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ بِكَيْلِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ ابْتَاعَهُ فَبَاعَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ، وَإِنْ قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ كَالَهُ لَهُ بَعْدُ جَازَ، وَلِلْمُشْتَرِي لَهُ بَعْدَ رِضَاهُ بِهِ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ صِفَتِهِ وَذَلِكَ أَنَّ الرِّضَا إنَّمَا يَلْزَمُهُ بَعْضُ الْقَبْضِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَنْ حَلَّ عَلَيْهِ طَعَامٌ فَلاَ يُعْطِي الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ الطَّعَامُ ثَمَنَ طَعَامٍ يَشْتَرِي بِهِ لِنَفْسِهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ وَكِيلاً لِنَفْسِهِ مُسْتَوْفِيًا لَهَا قَابِضًا لَهَا مِنْهَا وَلِيُوَكِّلَ غَيْرَهُ حَتَّى يَدْفَعَ إلَيْهِ‏.‏

وَمَنْ اشْتَرَى طَعَامًا فَخَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ قَضَاهُ رَجُلاً مِنْ سَلَفٍ أَوْ أَسْلَفَهُ آخَرُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ فَلاَ يَبِيعُهُ أَحَدٌ مِمَّنْ صَارَ إلَيْهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْجِهَاتِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ صَارَ إنَّمَا يَقْبِضُ عَنْ الْمُشْتَرِي كَقَبْضِ وَكِيلِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَنْ كَانَ بِيَدِهِ ثَمَرٌ فَبَاعَهُ وَاسْتَثْنَى شَيْئًا مِنْهُ بِعَيْنِهِ فَالْبَيْعُ وَاقِعٌ عَلَى الْمَبِيعِ لاَ عَلَى الْمُشْتَرَى وَالْمُسْتَثْنَى عَلَى مِثْلِ مَا كَانَ فِي مِلْكِهِ لَمْ يُبَعْ قَطُّ، فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَبِيعَهُ صَاحِبُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِهِ إنَّمَا يَبِيعُهُ عَلَى الْمِلْكِ الْأَوَّلِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلاَ يَصْلُحُ السَّلَفُ حَتَّى يَدْفَعَ الْمُسْلَفُ إلَى الْمُسْلِفِ الثَّمَنَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا مِنْ مَقَامِهِمَا الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ وَحَتَّى يَكُونَ السَّلَفُ بِكَيْلٍ مَعْلُومٍ بِمِكْيَالٍ عَامَّةٍ يُدْرَكُ عِلْمُهُ وَلاَ يَكُونُ بِمِكْيَالٍ خَاصَّةٍ إنْ هَلَكَ لَمْ يُدْرَكْ عِلْمُهُ أَوْ بِوَزْنٍ عَامَّةٍ كَذَلِكَ وَبِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ جَيِّدٍ نَقِيٍّ وَإِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ إنْ كَانَ إلَى أَجَلٍ وَيُسْتَوْفَى فِي مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ وَيَكُونُ مِنْ أَرْضٍ لاَ يُخْطِئُ مِثْلُهَا أَرْضٍ عَامَّةٍ لاَ أَرْضٍ خَاصَّةٍ وَيَكُونُ جَدِيدًا طَعَامَ عَامٍ أَوْ طَعَامَ عَامَيْنِ وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ مِنْ الطَّعَامِ؛ لِأَنَّهُ لاَ يُوقَفُ عَلَى حَدِّهِ وَلاَ أَرْدَأُ مَا يَكُونُ؛ لِأَنَّهُ لاَ يُوقَفُ عَلَى حَدِّهِ فَإِنَّ الرَّدِيءَ يَكُونُ بِالْغَرَقِ وَبِالسُّوسِ وَبِالْقِدَمِ فَلاَ يُوقَفُ عَلَى حَدِّهِ وَلاَ بَأْسَ بِالسَّلَفِ فِي الطَّعَامِ حَالًّا وَآجِلاً، إذَا حَلَّ أَنْ يُبَاعَ الطَّعَامُ بِصِفَةٍ إلَى أَجَلٍ كَانَ حَالًّا، أَوْ إلَى أَنْ يَحِلَّ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِنْ سَلَّفَ رَجُلٌ دَنَانِيرَ عَلَى طَعَامٍ إلَى آجَالٍ مَعْلُومَةٍ بَعْضُهَا قَبْلَ بَعْضٍ لَمْ يَجُزْ عِنْدِي حَتَّى يَكُونَ الْأَجَلُ وَاحِدًا وَتَكُونُ الْأَثْمَانُ مُتَفَرِّقَةً مِنْ قِبَلِ أَنَّ الطَّعَامَ الَّذِي إلَى الْأَجَلِ الْقَرِيبِ أَكْثَرُ قِيمَةً مِنْ الطَّعَامِ الَّذِي إلَى الْأَجَلِ الْبَعِيدِ، وَقَدْ أَجَازَهُ غَيْرِي عَلَى مِثْلِ مَا أَجَازَ عَلَيْهِ ابْتِيَاعَ الْعُرُوضِ الْمُتَفَرِّقَةِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْعُرُوضِ الْمُتَفَرِّقَةِ؛ لِأَنَّ الْعُرُوضَ الْمُتَفَرِّقَةَ نَقْدٌ وَهَذَا إلَى أَجَلٍ، وَالْعُرُوضُ شَيْءٌ مُتَفَرِّقٌ وَهَذَا مِنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِذَا ابْتَاعَ الرَّجُلاَنِ طَعَامًا مَضْمُونًا مَوْصُوفًا حَالًّا أَوْ إلَى أَجَلٍ فَتَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ الثَّمَنُ فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنَّ هَذَا دَيْنٌ بِدَيْنٍ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِنْ اشْتَرَى الرَّجُلُ طَعَامًا مَوْصُوفًا مَضْمُونًا عِنْدَ الْحَصَادِ وَقَبْلَ الْحَصَادِ وَبَعْدَهُ فَلاَ بَأْسَ، وَإِذَا اشْتَرَى مِنْهُ مِنْ طَعَامِ أَرْضٍ بِعَيْنِهَا غَيْرَ مَوْصُوفٍ فَلاَ خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَأْتِي جَيِّدًا أَوْ رَدِيئًا‏.‏

قال‏:‏ وَإِنْ اشْتَرَاهُ مِنْهُ مِنْ الْأَنْدَرِ مَضْمُونًا عَلَيْهِ فَلاَ خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَهْلَكُ قَبْلَ أَنْ يُذَرِّيَهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلاَ بَأْسَ بِالسَّلَفِ فِي الطَّعَامِ إلَى سَنَةٍ قَبْلَ أَنْ يَزْرَعَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي زَرْعٍ بِعَيْنِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلاَ خَيْرَ فِي السَّلَفِ فِي الْفَدَادِينَ الْقَمْحِ وَلاَ فِي الْقُرْطِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَنْ سَلَّفَ رَجُلاً فِي طَعَامٍ يَحِلُّ فَأَرَادَ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ أَنْ يُحِيلَ صَاحِبَ الطَّعَامِ عَلَى رَجُلٍ لَهُ عَلَيْهِ طَعَامٌ مِثْلُهُ مِنْ بَيْعٍ ابْتَاعَهُ مِنْهُ فَلاَ خَيْرَ فِيهِ، وَهَذَا هُوَ نَفْسُ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَلَكِنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ وَكِيلاً يُقْبَضُ لَهُ الطَّعَامُ فَإِنْ هَلَكَ فِي يَدَيْهِ كَانَ أَمِينًا فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَهْلَكْ وَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ قَضَاءً جَازَ‏.‏

قال‏:‏ وَكَذَلِكَ لَوْ ابْتَاعَ مِنْهُ طَعَامًا فَحَلَّ فَأَحَالَهُ عَلَى رَجُلٍ لَهُ عَلَيْهِ طَعَامٌ أَسْلَفَهُ إيَّاهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ أَصْلَ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ بَيْعٌ وَالْإِحَالَةُ بَيْعٌ مِنْهُ لَهُ بِالطَّعَامِ الَّذِي عَلَيْهِ بِطَعَامٍ عَلَى غَيْرِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا بِكَيْلٍ فَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي بِكَيْلِهِ فَلاَ يَجُوزُ إلَى أَجَلٍ، وَإِذَا قَبَضَ الطَّعَامَ فَالْقَوْلُ فِي كَيْلِ الطَّعَامِ قَوْلُ الْقَابِضِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ ذَكَرَ نُقْصَانًا كَثِيرًا أَوْ قَلِيلاً أَوْ زِيَادَةً قَلِيلَةً أَوْ كَثِيرَةً، وَسَوَاءٌ اشْتَرَاهُ بِالنَّقْدِ كَانَ أَوْ إلَى أَجَلٍ، وَإِنَّمَا لَمْ أُجِزْ هَذَا لِمَا وَصَفْت مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنِّي أُلْزِمُ مَنْ شَرَطَ لِرَجُلٍ شَرْطًا مِنْ كَيْلٍ أَوْ صِفَةٍ أَنْ يُوَفِّيَهُ شَرْطَهُ بِالْكَيْلِ وَالصِّفَةِ فَلَمَّا شَرَطَ لَهُ الْكَيْلَ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يُوَفِّيَهُ شَرْطَهُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَقَدْ صَدَّقَهُ فَلِمَ لاَ يَبْرَأُ كَمَا يَبْرَأُ مِنْ الْعَيْبِ‏؟‏ قِيلَ لَوْ كَانَ تَصْدِيقُهُ يَقُومُ مَقَامَ الْإِبْرَاءِ مِنْ الْعَيْبِ فَشَرَطَ لَهُ مِائَةً فَوَجَدَ فِيهِ وَاحِدًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ كَمَا يَشْتَرِطُ لَهُ السَّلاَمَةَ فَيَجِدُ الْعَيْبَ فَلاَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِهِ إذَا أَبْرَأَهُ مِنْهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ الطَّعَامَ كَيْلاً لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَزْنًا إلَّا أَنْ يَنْقُضَ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ وَيَسْتَقْبِلَ بَيْعًا بِالْوَزْنِ وَكَذَلِكَ لاَ يَأْخُذُهُ بِمِكْيَالٍ إلَّا بِالْمِكْيَالِ الَّذِي ابْتَاعَهُ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَكِيلُهُ بِمِكْيَالٍ مَعْرُوفٍ مِثْلِ الْمِكْيَالِ الَّذِي ابْتَاعَهُ بِهِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ إنَّمَا أَخَذَهُ بِالْمِكْيَالِ الَّذِي ابْتَاعَهُ بِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الطَّعَامُ وَاحِدًا أَوْ مِنْ طَعَامَيْنِ مُفْتَرِقَيْنِ وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ‏:‏ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَرْطِهِ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ أَخَذَهُ بَدَلاً قَدْ يَكُونُ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ الَّذِي لَهُ وَالْبَدَلُ يَقُومُ مَقَامَ الْبَيْعِ وَأَقَلُّ مَا فِيهِ أَنَّهُ مَجْهُولٌ لاَ يُدْرَى أَهُوَ مِثْلُ مَا لَهُ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ‏؟‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَنْ سَلَّفَ فِي حِنْطَةٍ مَوْصُوفَةٍ فَحَلَّتْ فَأَعْطَاهُ الْبَائِعُ حِنْطَةً خَيْرًا مِنْهَا بِطِيبِ نَفْسِهِ أَوْ أَعْطَاهُ حِنْطَةً شَرًّا مِنْهَا فَطَابَتْ نَفْسُ الْمُشْتَرِي فَلاَ بَأْسَ بِذَلِكَ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَطَوِّعٌ بِالْفَضْلِ وَلَيْسَ هَذَا بَيْعُ طَعَامٍ بِطَعَامٍ، وَلَوْ كَانَ أَعْطَاهُ مَكَانَ الْحِنْطَةِ شَعِيرًا أَوْ سُلْتًا أَوْ صِنْفًا غَيْرَ الْحِنْطَةِ لَمْ يَجُزْ، وَكَانَ هَذَا بَيْعَ طَعَامٍ بِغَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَهَكَذَا التَّمْرُ وَكُلُّ صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْ الطَّعَامِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَنْ سَلَّفَ فِي طَعَامٍ إلَى أَجَلٍ فَعَجَّلَهُ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ طَيِّبَةٌ بِهِ نَفْسُهُ مِثْلَ طَعَامِهِ أَوْ شَرًّا مِنْهُ فَلاَ بَأْسَ، وَلَسْت أَجْعَلُ لِلتُّهْمَةِ أَبَدًا مَوْضِعًا فِي الْحُكْمِ إنَّمَا أَقْضِي عَلَى الظَّاهِرِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَنْ سَلَّفَ فِي طَعَامٍ إلَى أَجَلٍ فَعَجَّلَهُ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ طَيِّبَةٌ بِهِ نَفْسُهُ مِثْلَ طَعَامِهِ أَوْ شَرًّا مِنْهُ فَلاَ بَأْسَ، وَلَسْت أَجْعَلُ لِلتُّهْمَةِ أَبَدًا مَوْضِعًا فِي الْحُكْمِ إنَّمَا أَقْضِي عَلَى الظَّاهِرِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَنْ سَلَّفَ فِي طَعَامٍ فَقَبَضَهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ الَّذِي قَضَاهُ إيَّاهُ بِنَقْدٍ أَوْ نَسِيئَةٍ إذَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْقَبْضِ فَلاَ بَأْسَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مِنْ ضَمَانِ الْقَابِضِ وَبَرِئَ الْمَقْبُوضُ مِنْهُ، وَلَوْ حَلَّ طَعَامُهُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ‏:‏ اقْضِنِي عَلَى أَنْ أَبِيعَك فَقَضَاهُ مِثْلَ طَعَامِهِ أَوْ دُونَهُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ وَكَانَ هَذَا مَوْعِدًا وَعَدَهُ إيَّاهُ إنْ شَاءَ وَفَّى لَهُ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفِ، وَلَوْ أَعْطَاهُ خَيْرًا مِنْ طَعَامِهِ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ غَيْرُ لاَزِمٍ، وَقَدْ أَخَذَ عَلَيْهِ فَضْلاً لَمْ يَكُنْ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ‏.‏

باب النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْكُرَاعِ وَالسِّلاَحِ فِي الْفِتْنَةِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ تَعَالَى أَصْلُ مَا أَذْهَبُ إلَيْهِ أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ كَانَ صَحِيحًا فِي الظَّاهِرِ لَمْ أُبْطِلْهُ بِتُهْمَةٍ وَلاَ بِعَادَةٍ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ وَأَجَزْته بِصِحَّةِ الظَّاهِرِ وَأَكْرَهُ لَهُمَا النِّيَّةَ إذَا كَانَتْ النِّيَّةُ لَوْ أُظْهِرَتْ كَانَتْ تُفْسِدُ الْبَيْعَ، وَكَمَا أَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَشْتَرِيَ السَّيْفَ عَلَى أَنْ يَقْتُلَ بِهِ وَلاَ يَحْرُمُ عَلَى بَائِعِهِ أَنْ يَبِيعَهُ مِمَّنْ يَرَاهُ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ ظُلْمًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ لاَ يَقْتُلُ بِهِ وَلاَ أُفْسِدُ عَلَيْهِ هَذَا الْبَيْعَ، وَكَمَا أَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَبِيعَ الْعِنَبَ مِمَّنْ يَرَاهُ أَنَّهُ يَعْصِرُهُ خَمْرًا وَلاَ أُفْسِدُ الْبَيْعَ إذَا بَاعَهُ إيَّاهُ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ حَلاَلاً، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ لاَ يَجْعَلَهُ خَمْرًا أَبَدًا، وَفِي صَاحِبِ السَّيْفِ أَنْ لاَ يَقْتُلَ بِهِ أَحَدًا أَبَدًا، وَكَمَا أُفْسِدُ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ‏.‏

وَلَوْ نَكَحَ رَجُلٌ امْرَأَةً عَقْدًا صَحِيحًا، وَهُوَ يَنْوِي أَنْ لاَ يُمْسِكَهَا إلَّا يَوْمًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ أُفْسِدْ النِّكَاحَ إنَّمَا أُفْسِدُهُ أَبَدًا بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ‏.‏

باب السُّنَّةِ فِي الْخِيَارِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله‏:‏ وَلاَ بَأْسَ بِبَيْعِ الطَّعَامِ كُلِّهِ جُزَافًا مَا يُكَالُ مِنْهُ وَمَا يُوزَنُ وَمَا يُعَدُّ، كَانَ فِي وِعَاءٍ أَوْ غَيْرِ وِعَاءٍ، إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي وِعَاءٍ فَلَمْ يُرَ عَيْنُهُ فَلَهُ الْخِيَارُ إذَا رَآهُ‏.‏

قَالَ الرَّبِيعُ‏:‏ رَجَعَ الشَّافِعِيُّ فَقَالَ‏:‏ وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَلاَ بَيْعُ الشَّيْءِ الْغَائِبِ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتْلَفُ وَلاَ يَكُونُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ غَيْرَهُ، وَلَوْ بَاعَهُ إيَّاهُ جُزَافًا عَلَى الْأَرْضِ، فَلَمَّا انْتَقَلَ وَجَدَهُ مَصْبُوبًا عَلَى دُكَّانٍ أَوْ رَبْوَةٍ أَوْ حَجَرٍ كَانَ هَذَا نَقْصًا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي فِيهِ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ، وَلاَ بَأْسَ بِشِرَاءِ نِصْفِ الثِّمَارِ جُزَافًا وَيَكُونُ الْمُشْتَرِي بِنِصْفِهَا شَرِيكًا لِلَّذِي لَهُ النِّصْفُ الْآخَرُ، وَلاَ يَجُوزُ إذَا أَجَزْنَا الْجُزَافَ فِي الطَّعَامِ نَسِيئَةً لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا أَنْ يَجُوزَ الْجُزَافُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ رَقِيقٍ وَمَاشِيَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، إلَّا أَنَّ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إذَا رَآهُ وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ غَيْرُ الْآخَرِ وَالْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ مِنْ الطَّعَامِ إذَا كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ كَادَ أَنْ يَكُونَ مُشْتَبِهًا‏.‏

قَالَ‏:‏ وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ‏:‏ أَبْتَاعُ مِنْك جَمِيعَ هَذِهِ الصُّبْرَةِ كُلَّ إرْدَبٍّ بِدِينَارٍ، وَإِنْ قَالَ أَبْتَاعُ مِنْك هَذِهِ الصُّبْرَةَ كُلُّ إرْدَبٍّ بِدِينَارٍ عَلَى أَنْ تَزِيدَنِي ثَلاَثَةَ أَرَادِبَ، أَوْ عَلَى أَنْ أُنْقِصَك مِنْهَا إرْدَبًّا فَلاَ خَيْرَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ أَنِّي لاَ أَدْرِي كَمْ قَدْرُهَا فَأَعْرِفُ الْإِرْدَبَّ الَّذِي نَقَصَ كَمْ هُوَ مِنْهَا، وَالْأَرَادِبُ الَّتِي زِيدَتْ كَمْ هِيَ عَلَيْهَا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلاَ خَيْرَ فِي أَنْ أَبْتَاعَ مِنْك جُزَافًا وَلاَ كَيْلاً وَلاَ عَدَدًا وَلاَ بَيْعًا كَائِنًا مَا كَانَ عَلَى أَنْ أَشْتَرِيَ مِنْك مُدًّا بِكَذَا، وَعَلَى أَنْ تَبِيعَنِي كَذَا، بِكَذَا حَاضِرًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ غَائِبًا، مَضْمُونًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ غَيْرَ مَضْمُونٍ، وَذَلِكَ مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ وَمِنْ أَنِّي إذَا اشْتَرَيْت مِنْك عَبْدًا بِمِائَةٍ عَلَى أَنْ أَبِيعَك دَارًا بِخَمْسِينَ فَثَمَنُ الْعَبْدِ مِائَةٌ وَحِصَّتُهُ مِنْ الْخَمْسِينَ مِنْ الدَّارِ مَجْهُولَةٌ، وَكَذَلِكَ ثَمَنُ الدَّارِ خَمْسُونَ وَحِصَّتُهُ مِنْ الْعَبْدِ مَجْهُولَةٌ، وَلاَ خَيْرَ فِي الثَّمَنِ إلَّا مَعْلُومًا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ كَيْلَهُ ثُمَّ انْتَقَضَ مِنْهُ شَيْءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ إلَّا أَنَّهُ لاَ يُعْلَمُ مَكِيلَةُ مَا انْتَقَصَ فَلاَ أَكْرَهُ لَهُ بَيْعَهُ جُزَافًا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ طَعَامٌ حَالًّا مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ صِنْفِهِ إذَا تَقَابَضَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَفَرَّقَا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ غَيْرِ صِنْفِهِ، وَلاَ أُجِيزُهُ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ بِشَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ خَاصَّةً فَأَمَّا بِغَيْرِ الطَّعَامِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ طَعَامٌ مِنْ قَرْضٍ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ بِالطَّعَامِ مِنْ صِنْفِهِ أَجْوَدَ أَوْ أَرْدَأَ أَوْ مِثْلَهُ إذَا طَابَا بِذَلِكَ نَفْسًا وَلَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي أَصْلِ الْقَرْضِ، وَكَذَلِكَ لاَ بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ بِالطَّعَامِ غَيْرَهُ مِنْ غَيْرِ صِنْفِهِ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ أَكْثَرَ إذَا تَقَابَضَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا وَلَوْ كَانَ هَذَا مِنْ بَيْعٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ مِنْ غَيْرِ صِنْفِهِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ مِنْ صِنْفِهِ أَجْوَدَ أَوْ أَرْدَأَ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ أَوْ بَعْدَهُ، إذَا طَابَ بِذَلِكَ نَفْسًا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي مِنْ الرَّجُلِ طَعَامًا مَوْصُوفًا فَيَحِلُّ فَيَسْأَلُهُ رَجُلٌ أَنْ يُسَلِّفَهُ إيَّاهُ فَيَأْمُرُهُ أَنْ يَتَقَاضَى ذَلِكَ الطَّعَامَ فَإِذَا صَارَ فِي يَدِهِ أَسْلَفَهُ إيَّاهُ أَوْ بَاعَهُ فَلاَ بَأْسَ بِهَذَا إذَا كَانَ إنَّمَا وَكَّلَهُ بِأَنْ يَقْبِضَهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ أَحْدَثَ بَعْدَ الْقَبْضِ السَّلَفَ أَوْ الْبَيْعَ وَإِنَّمَا كَانَ أَوَّلاً وَكِيلاً لَهُ وَلَهُ مَنْعُهُ السَّلَفَ وَالْبَيْعَ وَقَبْضَ الطَّعَامِ مِنْ يَدِهِ وَلَوْ كَانَ شَرَطَ لَهُ أَنَّهُ إذَا تَقَاضَاهُ أَسْلَفَهُ إيَّاهُ أَوْ بَاعَهُ إيَّاهُ لَمْ يَكُنْ سَلَفًا وَلاَ بَيْعًا وَكَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي التَّقَاضِي‏.‏

قَالَ‏:‏ وَلَوْ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إلَى رَجُلٍ لَهُ زَرْعٌ قَائِمٌ فَقَالَ‏:‏ وَلِّنِي حَصَادَهُ وَدِرَاسَهُ ثُمَّ أَكْتَالُهُ فَيَكُونُ عَلَيَّ سَلَفًا لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا خَيْرٌ وَكَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي الْحَصَادِ وَالدِّرَاسِ إنْ حَصَدَهُ وَدَرَسَهُ وَلِصَاحِبِ الطَّعَامِ أَخْذُ الطَّعَامِ مِنْ يَدَيْهِ، وَلَوْ كَانَ تَطَوَّعَ لَهُ بِالْحَصَادِ وَالدِّرَاسِ ثُمَّ أَسْلَفَهُ إيَّاهُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ، وَسَوَاءٌ الْقَلِيلُ فِي هَذَا وَالْكَثِيرُ فِي كُلِّ حَلاَلٌ وَحَرَامٌ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَنْ أَسْلَفَ رَجُلاً طَعَامًا فَشَرَطَ عَلَيْهِ خَيْرًا مِنْهُ أَوْ أَزْيَدَ أَوْ أَنْقَصَ فَلاَ خَيْرَ فِيهِ، وَلَهُ مِثْلُ مَا أَسْلَفَهُ إنْ اسْتَهْلَكَ الطَّعَامَ، فَإِنْ أَدْرَكَ الطَّعَامَ بِعَيْنِهِ أَخَذَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ فَلَهُ قِيمَتُهُ، وَإِنْ أَسْلَفَهُ إيَّاهُ لاَ يَذْكُرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا فَأَعْطَاهُ خَيْرًا مِنْهُ مُتَطَوِّعًا أَوْ أَعْطَاهُ شَرًّا مِنْهُ فَتَطَوَّعَ هَذَا بِقَبُولِهِ فَلاَ بَأْسَ بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَلَهُ مِثْلُ سَلَفِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ أَنَّ رَجُلاً أَسْلَفَ رَجُلاً طَعَامًا عَلَى أَنْ يُقْبِضَهُ إيَّاهُ بِبَلَدٍ آخَرَ كَانَ هَذَا فَاسِدًا وَعَلَيْهِ أَنْ يُقْبِضَهُ إيَّاهُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي أَسْلَفَهُ فِيهِ‏.‏

قال‏:‏ وَلَوْ أَسْلَفَهُ إيَّاهُ بِبَلَدٍ فَلَقِيَهُ بِبَلَدٍ آخَرَ فَتَقَاضَاهُ الطَّعَامَ أَوْ كَانَ اسْتَهْلَكَ لَهُ طَعَامًا فَسَأَلَ أَنْ يُعْطِيَهُ ذَلِكَ الطَّعَامَ فِي الْبَلَدِ الَّذِي لَقِيَهُ فِيهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَيُقَالُ إنْ شِئْت فَاقْبِضْ مِنْهُ طَعَامًا مِثْلَ طَعَامِك بِالْبَلَدِ الَّذِي اسْتَهْلَكَهُ لَك أَوْ أَسْلَفْته إيَّاهُ فِيهِ، وَإِنْ شِئْت أَخَذْنَاهُ لَك الْآنَ بِقِيمَةِ ذَلِكَ الطَّعَامِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ دَعَا إلَى أَنْ يُعْطِيَ طَعَامًا بِذَلِكَ الْبَلَدِ فَامْتَنَعَ الَّذِي لَهُ الطَّعَامُ لَمْ يُجْبَرْ الَّذِي لَهُ الطَّعَامُ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ طَعَامًا مَضْمُونًا لَهُ بِبَلَدٍ غَيْرِهِ، وَهَكَذَا كُلُّ مَا كَانَ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِنَّمَا رَأَيْت لَهُ الْقِيمَةَ فِي الطَّعَامِ يَغْصِبُهُ بِبَلَدٍ فَيَلْقَى الْغَاصِبَ بِبَلَدٍ غَيْرِهِ أَنِّي أَزْعُمُ أَنَّ كُلَّ مَا اُسْتُهْلِكَ لِرَجُلٍ فَأَدْرَكَهُ بِعَيْنِهِ أَوْ مِثْلِهِ أَعْطَيْته الْمِثْلَ أَوْ الْعَيْنَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ وَلاَ عَيْنٌ أَعْطَيْته الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ الْعَيْنِ إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ وَالْمِثْلُ عَدَمًا فَلَمَّا حَكَمْت أَنَّهُ إذَا اسْتَهْلَكَ لَهُ طَعَامًا بِمِصْرَ فَلَقِيَهُ بِمَكَّةَ أَوْ بِمَكَّةَ فَلَقِيَهُ بِمِصْرَ لَمْ أَقْضِ لَهُ بِطَعَامٍ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِ حَقِّهِ أَنْ يُعْطَى مِثْلَهُ بِالْبَلَدِ الَّذِي ضَمِنَ لَهُ بِالِاسْتِهْلاَكِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ النَّقْصِ وَالزِّيَادَةِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَمَا فِي الْحَمْلِ عَلَى الْمُسْتَوَى فَكَانَ الْحُكْمُ هَذَا أَنَّهُ لاَ عَيْنَ وَلاَ مِثْلَ لَهُ أَقْضِي بِهِ وَأُجْبِرُهُ عَلَى أَخْذِهِ فَجَعَلْته كَمَا لاَ مِثْلَ لَهُ فَأَعْطَيْته قِيمَتَهُ إذَا كُنْت أُبْطِلُ الْحُكْمَ لَهُ بِمِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ كَانَ هَذَا مِنْ بَيْعٍ كَانَ الْجَوَابُ فِي ذَلِكَ أَنْ لاَ أُجْبِرَ وَاحِدًا مِنْهُمَا عَلَى أَخْذِهِ وَلاَ دَفْعِهِ بِبَلَدٍ غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي ضَمِنَهُ وَضَمِنَ لَهُ فِيهِ هَذَا، وَلاَ أَجْعَلُ لَهُ الْقِيمَةَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ وَأُجْبِرُهُ عَلَى أَنْ يَمْضِيَ فَيَقْبِضَهُ أَوْ يُوَكِّلَ مَنْ يَقْبِضُهُ بِذَلِكَ الْبَلَدِ وَأُؤَجِّلُهُ فِيهِ أَجَلاً فَإِنْ دَفَعَهُ إلَيْهِ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ وَإِلَّا حَبَسْتُهُ حَتَّى يَدْفَعَهُ إلَيْهِ أَوْ إلَى وَكِيلِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ السَّلَفُ كُلُّهُ حَالٌّ سَمَّى لَهُ الْمُسْلَفُ أَجَلاً أَوْ لَمْ يُسَمِّهِ، وَإِنْ سَمَّى لَهُ أَجَلاً ثُمَّ دَفَعَهُ إلَيْهِ الْمُسْلِفُ قَبْلَ الْأَجَلِ جُبِرَ عَلَى أَخْذِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَى أَجَلٍ قَطُّ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يُبْرِئَهُ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ مِنْ بَيْعٍ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى أَخْذِهِ حَتَّى يَحِلَّ أَجَلُهُ، وَهَذَا فِي كُلِّ مَا كَانَ يَتَغَيَّرُ بِالْحَبْسِ فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ يُعْطِيهِ إيَّاهُ بِالصِّفَةِ قَبْلَ يَحِلَّ الْأَجَلُ فَيَتَغَيَّرَ عَنْ الصِّفَةِ عِنْدَ مَحَلِّ الْأَجَلِ فَيَصِيرَ بِغَيْرِ الصِّفَةِ، وَلَوْ تَغَيَّرَ فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ جَبَرْنَاهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ طَعَامًا غَيْرَهُ، وَقَدْ يَكُونُ يَتَكَلَّفُ مُؤْنَةً فِي خَزْنِهِ وَيَكُونُ حُضُورُ حَاجَتِهِ إلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ الْأَجَلِ، فَكُلُّ مَا كَانَ لِخَزْنِهِ مُؤْنَةٌ أَوْ كَانَ يَتَغَيَّرُ فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى أَخْذِهِ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ وَكُلُّ مَا كَانَ لاَ يَتَغَيَّرُ وَلاَ مُؤْنَةَ فِي خَزْنِهِ مِثْلُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا جُبِرَ عَلَى أَخْذِهِ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فِي الشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ يَحِلُّ بِمَا تَحِلُّ بِهِ الْبُيُوعُ وَيَحْرُمُ بِمَا تَحْرُمُ بِهِ الْبُيُوعُ فَحَيْثُ كَانَ الْبَيْعُ حَلاَلاً فَهُوَ حَلاَلٌ وَحَيْثُ كَانَ الْبَيْعُ حَرَامًا فَهُوَ حَرَامٌ، وَالْإِقَالَةُ فَسْخُ الْبَيْعِ فَلاَ بَأْسَ بِهَا قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهَا إبْطَالُ عُقْدَةِ الْبَيْعِ بَيْنَهُمَا وَالرُّجُوعُ إلَى حَالِهِمَا قَبْلَ أَنْ يَتَبَايَعَا‏.‏

قال‏:‏ وَمَنْ سَلَّفَ رَجُلاً مِائَةَ دِينَارٍ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ طَعَامًا إلَى أَجَلٍ فَحَلَّ الْأَجَلُ فَسَأَلَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ خَمْسِينَ إرْدَبًّا وَيَفْسَخُ الْبَيْعَ فِي خَمْسِينَ فَلاَ بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ فِي الْمِائَةِ كَانَتْ الْخَمْسُونَ أَوْلَى أَنْ تَجُوزَ، وَإِذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ الْمِائَةَ كَانَتْ الْخَمْسُونَ أَوْلَى أَنْ يَقْبِضَهَا، وَهَذَا أَبْعَدُ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ، وَالْبَيْعُ وَالسَّلَفُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ أَنْ تَنْعَقِدَ الْعُقْدَةُ عَلَى بَيْعٍ وَسَلَفٍ، وَذَلِكَ أَنْ أَقُولَ أَبِيعُك هَذَا لِكَذَا عَلَى أَنْ تُسَلِّفَنِي كَذَا، وَحُكْمُ السَّلَفِ أَنَّهُ حَالٌّ فَيَكُونُ الْبَيْعُ وَقَعَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَمَجْهُولٍ وَالْبَيْعُ لاَ يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَهَذَا الْمُسْلَفُ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَطُّ إلَّا طَعَامٌ وَلَمْ تَنْعَقِدْ الْعُقْدَةُ قَطُّ إلَّا عَلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَتْ الْعُقْدَةُ صَحِيحَةً، وَكَانَ حَلاَلاً لَهُ أَنْ يَقْبِضَ طَعَامَهُ كُلَّهُ وَأَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِي كُلِّهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ بَعْضَهُ وَيَفْسَخَ الْبَيْعَ بَيْنَهُ بَيْنَهُ فِي بَعْضِ، وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ هَذَا الْمَعْرُوفُ الْحَسَنُ الْجَمِيلُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَنْ سَلَّفَ رَجُلاً دَابَّةً أَوْ عَرَضًا فِي طَعَامٍ إلَى أَجَلٍ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ فَسَأَلَهُ أَنْ يُقِيلَهُ مِنْهُ فَلاَ بَأْسَ بِذَلِكَ كَانَتْ الدَّابَّةُ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا أَوْ فَائِتَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْإِقَالَةُ بَيْعًا لِلطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ لَمْ يَكُنْ لَهُ إقَالَتُهُ فَيَبِيعُهُ طَعَامًا لَهُ عَلَيْهِ بِدَابَّةٍ لِلَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَلَكِنَّهُ كَانَ فَسَخَ الْبَيْعَ وَفَسْخُ الْبَيْعِ إبْطَالُهُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ كَانَتْ الدَّابَّةُ قَائِمَةً أَوْ مُسْتَهْلَكَةً فَهِيَ مَضْمُونَةٌ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا إذَا كَانَتْ مُسْتَهْلَكَةً‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَنْ أَقَالَ رَجُلاً فِي طَعَامٍ وَفَسَخَ الْبَيْعَ وَصَارَتْ لَهُ عَلَيْهِ دَنَانِيرُ مَضْمُونَةٌ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا سَلَفًا فِي شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ دَنَانِيرُ سَلَفٍ أَوْ كَانَتْ لَهُ فِي يَدَيْهِ دَنَانِيرُ وَدِيعَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا سَلَفًا فِي شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا، وَمَنْ سَلَّفَ مِائَةً فِي صِنْفَيْنِ مِنْ التَّمْرِ وَسَمَّى رَأْسَ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَأَرَادَ أَنْ يُقِيلَ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَلاَ بَأْسَ؛ لِأَنَّ هَاتَيْنِ بَيْعَتَانِ مُفْتَرِقَتَانِ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ رَأْسَ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَهَذَا بَيْعٌ أَكْرَهُهُ، وَقَدْ أَجَازَهُ غَيْرِي، فَمَنْ أَجَازَهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ أَنْ يُقِيلَ مِنْ الْبَعْضِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمَا جَمِيعًا صَفْقَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ لاَ تُعْرَفُ إلَّا بِقِيمَةٍ وَالْقِيمَةُ مَجْهُولَةٌ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلاَ خَيْرَ فِي أَنْ أَبِيعَك تَمْرًا بِعَيْنِهِ وَلاَ مَوْصُوفًا بِكَذَا عَلَى أَنْ تَبْتَاعَ مِنِّي تَمْرًا بِكَذَا، وَهَذَانِ بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ؛ لِأَنِّي لَمْ أَمْلِكْ هَذَا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ إلَّا وَقَدْ شَرَطْت عَلَيْك فِي ثَمَنِهِ ثَمَنًا لِغَيْرِهِ فَوَقَعَتْ الصَّفْقَةُ عَلَى ثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَحِصَّةٌ فِي الشَّرْطِ فِي هَذَا الْبَيْعِ مَجْهُولَةٌ وَكَذَلِكَ وَقَعَتْ فِي الْبَيْعِ الثَّانِي، وَالْبُيُوعُ لاَ تَكُونُ إلَّا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَنْ سَلَّفَ رَجُلاً فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ فَاقْتَضَى مِنْهُ عَشَرَةً أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ ثُمَّ سَأَلَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الْعَشَرَةَ الَّتِي أَخَذَ مِنْهُ أَوْ مَا أَخَذَ وَيُقِيلُهُ، فَإِنْ كَانَ مُتَطَوِّعًا بِالرَّدِّ عَلَيْهِ تَمَّتْ الْإِقَالَةُ فَلاَ بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى شَرْطِ أَنِّي لاَ أَرُدُّهُ عَلَيْك إلَّا أَنْ تَفْسَخَ الْبَيْعَ بَيْنَنَا فَلاَ خَيْرَ فِي ذَلِكَ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَنَانِيرُ فَسَلَّفَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّنَانِيرُ رَجُلاً غَيْرَهُ دَنَانِيرَ فِي طَعَامٍ فَسَأَلَهُ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ الدَّنَانِيرُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ تِلْكَ الدَّنَانِيرَ فِي سَلَفِهِ أَوْ يَجْعَلَهَا لَهُ تَوْلِيَةً فَلاَ خَيْرَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّوْلِيَةَ بَيْعٌ وَهَذَا بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ وَدَيْنٌ بِدَيْنٍ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ فِي الْآجِلِ وَالْحَالِّ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَنْ ابْتَاعَ مِنْ رَجُلٍ مِائَةَ إرْدَبِّ طَعَامٍ فَقَبَضَهَا مِنْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ الْبَائِعُ الْمُوفِي أَنْ يُقِيلَهُ مِنْهَا كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا فَلاَ بَأْسَ بِذَلِكَ، وَقَالَ مَالِكٌ‏:‏ لاَ بَأْسَ أَنْ يُقِيلَهُ مِنْ الْكُلِّ وَلاَ يُقِيلُهُ مِنْ الْبَعْضِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ أَنَّ نَفَرًا اشْتَرَوْا مِنْ رَجُلٍ طَعَامًا فَأَقَالَهُ بَعْضُهُمْ وَأَبَى بَعْضُهُمْ فَلاَ بَأْسَ بِذَلِكَ، وَمَنْ ابْتَاعَ مِنْ رَجُلٍ طَعَامًا كَيْلاً فَلَمْ يَكِلْهُ وَرَضِيَ أَمَانَةَ الْبَائِعِ فِي كَيْلِهِ ثُمَّ سَأَلَهُ الْبَائِعُ أَوْ غَيْرُهُ أَنْ يُشْرِكَهُ فِيهِ قَبْلَ كَيْلِهِ فَلاَ خَيْرَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَكُونُ قَابِضًا حَتَّى يَكْتَالَهُ، وَعَلَى الْبَائِعِ أَنْ يُوَفِّيَهُ الْكَيْلَ، فَإِنْ هَلَكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَنْ يُوَفِّيَهُ الْكُلَّ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُشْتَرِي بِكَيْلِهِ، وَالْقَوْلُ فِي الْكَيْلِ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي لاَ أَعْرِفُ الْكَيْلَ فَأَحْلِفُ عَلَيْهِ، قِيلَ لِلْبَائِعِ ادَّعِ فِي الْكَيْلِ مَا شِئْت، فَإِذَا ادَّعَى قِيلَ لِلْمُشْتَرِي إنْ صَدَّقْته فَلَهُ فِي يَدَيْك هَذَا الْكَيْلُ، وَإِنْ كَذَّبْته فَإِنْ حَلَفْت عَلَى شَيْءٍ تُسَمِّيهِ فَأَنْتَ أَحَقُّ بِالْيَمِينِ، وَإِنْ أَبَيْت فَأَنْتَ رَادٌّ لِلْيَمِينِ عَلَيْهِ حَلَفَ عَلَى مَا ادَّعَى وَأَخَذَهُ مِنْك‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ الشَّرِكَةُ وَالتَّوْلِيَةُ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ يَحِلُّ فِيهِ مَا يَحِلُّ فِي الْبُيُوعِ وَيَحْرُمُ فِيهِ مَا يَحْرُمُ فِي الْبُيُوعِ فَمَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى أَشْرَكَ فِيهِ رَجُلاً أَوْ يُوَلِّيهِ إيَّاهُ فَالشَّرِكَةُ بَاطِلَةٌ وَالتَّوْلِيَةُ، وَهَذَا بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَالْإِقَالَةُ فَسْخٌ لِلْبَيْعِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَاكْتَالَ بَعْضَهُ وَنَقَدَ ثَمَنَهُ ثُمَّ سَأَلَ أَنْ يُقِيلَهُ مِنْ بَعْضِهِ فَلاَ بَأْسَ بِذَلِكَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَنْ سَلَّفَ رَجُلاً فِي طَعَامٍ فَاسْتَغْلاَهُ فَقَالَ لَهُ الْبَائِعُ أَنَا شَرِيكُك فِيهِ فَلَيْسَ بِجَائِزٍ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَنْ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ طَعَامًا بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ فَقَبَضَهُ الْمُبْتَاعُ وَغَابَ عَلَيْهِ ثُمَّ نَدِمَ الْبَائِعُ فَاسْتَقَالَهُ وَزَادَهُ فَلاَ خَيْرَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْإِقَالَةَ لَيْسَتْ بِبَيْعٍ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُجَدِّدَ فِيهِ بَيْعًا بِذَلِكَ فَجَائِزٌ، وَقَالَ مَالِكٌ لاَ بَأْسَ بِهِ، وَهُوَ بَيْعٌ مُحْدَثٌ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَنْ بَاعَ طَعَامًا حَاضِرًا بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ فَحَلَّ الْأَجَلُ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ فِي ذَلِكَ الثَّمَنِ طَعَامًا، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ طَعَامًا فَاسْتُحِقَّ رَجَعَ بِالثَّمَنِ لاَ بِالطَّعَامِ‏؟‏ وَهَكَذَا إنْ أَحَالَهُ بِالثَّمَنِ عَلَى رَجُلٍ قَالَ مَالِكٌ لاَ خَيْرَ فِيهِ كُلِّهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَنْ ابْتَاعَ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ طَعَامًا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ طَعَامًا حَالًّا أَوْ إلَى أَجَلٍ أَوْ يُعْطِيَ بِالنِّصْفِ ثَوْبًا أَوْ دِرْهَمًا أَوْ عَرَضًا فَالْبَيْعُ حَرَامٌ لاَ يَجُوزُ، وَهَذَا مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَلَوْ بَاعَ طَعَامًا بِنِصْفِ دِرْهَمِ الدِّرْهَمِ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَهُ دِرْهَمًا يَكُونُ نِصْفُهُ لَهُ بِالثَّمَنِ وَيَبْتَاعُ مِنْهُ بِالنِّصْفِ طَعَامًا أَوْ مَا شَاءَ إذَا تَقَابَضَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَفَرَّقَا وَسَوَاءٌ كَانَ الطَّعَامُ مِنْ الصِّنْفِ الَّذِي بَاعَ مِنْهُ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ بَيْعَةٌ جَدِيدَةٌ لَيْسَتْ فِي الْعُقْدَةِ الْأُولَى‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ طَعَامًا بِدِينَارٍ حَالًّا فَقَبَضَ الطَّعَامَ وَلَمْ يَقْبِضْ الْبَائِعُ الدِّينَارَ ثُمَّ اشْتَرَى الْبَائِعُ مِنْ الْمُشْتَرِي طَعَامًا بِدِينَارٍ فَقَبَضَ الطَّعَامَ وَلَمْ يَقْبِضْ الدِّينَارَ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يُجْعَلَ الدِّينَارُ قِصَاصًا مِنْ الدِّينَارِ، وَلَيْسَ أَنْ يَبِيعَ الدِّينَارَ بِالدِّينَارِ فَيَكُونُ دَيْنًا بِدَيْنٍ وَلَكِنْ يُبْرِئُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ مِنْ الدِّينَارِ الَّذِي عَلَيْهِ بِلاَ شَرْطٍ، فَإِنْ كَانَ بِشَرْطٍ فَلاَ خَيْرَ فِيهِ‏.‏