فصل: بَابُ الْإِقْرَارِ فِي الْعُرُوضِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المبسوط



.بَابُ الْإِقْرَارِ بِتَرْكِ الْيَمِينِ:

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ (: رَجُلٌ ادَّعَى عَبْدًا فِي يَدِ رَجُلٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَطَلَبَ يَمِينَهُ فَنَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ فَإِنَّهُ يُقْضَى بِالْعَبْدِ لِلْمُدَّعِي)، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي كِتَابِ الدَّعْوَى.
(قَالَ) وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمَا فَإِنَّ النُّكُولَ عِنْدَهُمَا يَدُلُّ عَلَى الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ حَقَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْجَوَابِ وَحَقُّهُ فِي الْجَوَابِ هُوَ الْإِقْرَارُ لِيَتَوَصَّلَ إلَى حَقِّهِ (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْقَاضِي يَقُولُ لَهُ مَاذَا تَقُولُ، وَلَا يَقُولُ مَاذَا تَفْعَلُ، فَإِذَا مَنَعَهُ ذَلِكَ الْجَوَابَ، فَإِنْكَارُهُ حَقٌّ إلَى الشَّرْعِ وَحَقُّهُ الْيَمِينُ، فَإِذَا نَكَلَ يُعَادُ إلَيْهِ أَصْلُ حَقِّهِ هُوَ وَالْإِقْرَارُ سَوَاءٌ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَدَلِ؛ لِأَنَّ بِهِ يَتَوَصَّلُ الْمُدَّعِي إلَى حَقِّهِ مَعَ بَقَاءِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُحِقًّا فِي إنْكَارِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَهُ مُبْطِلًا فِي إنْكَارِهِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ وَضَرُورَةٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْخِلَافَ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِحْلَافِ فِي النِّكَاحِ وَنَظَائِرِهِ، فَإِنْ أَقَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ كَانَ لِآخَرَ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّهُ صَادَفَ مِلْكَ الْغَيْرِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَا أَتْلَفَ شَيْئًا، وَلَكِنَّهُ تَحَرَّزَ عَنْ الْيَمِينِ وَدَفَعَ إلَى الْأَوَّلِ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَقَضَاؤُهُ لَا يَضْمَنُ لِلثَّانِي شَيْئًا وَإِنْ أَقَرَّ قَبْلَ أَنْ يَسْتَحْلِفَ أَنَّ الْعَبْدَ لِفُلَانٍ الْغَائِبِ لَمْ تَنْدَفِعْ عَنْهُ الْخُصُومَةُ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ مَا لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْمُخَمَّسَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِ الدَّعْوَى، فَإِنْ اسْتَحْلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ دَفَعَهُ إلَى الْمُدَّعِي، فَإِنْ جَاءَ الْمُقَرُّ لَهُ الْأَوَّلُ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْمَقْضِيِّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِالْمِلْكِ قَبْلَ نُكُولِهِ لَهُ لِلْمُدَّعِي دُونَ اتِّصَالِ تَصْدِيقِهِ بِذَلِكَ الْإِقْرَارِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ كَمَنْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ لِغَائِبٍ، ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا لِحَاضِرٍ وَسَلَّمَهُ إيَّاهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْغَائِبُ فَصَدَّقَهُ كَانَ هُوَ أَوْلَى بِهَا، ثُمَّ الْمُدَّعِي عَلَى حُجَّتِهِ مَعَ الْمُقَرِّ لَهُ، فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا اسْتَحْلَفَهُ عَلَى دَاعُوهُ، وَلَوْ ادَّعَى غَصْبَ الْعَبْدِ عَلَى ذِي الْيَدِ فَاسْتُحْلِفَ فَنَكَلَ فَقُضِيَ لَهُ بِهِ، ثُمَّ جَاءَ مُدَّعٍ آخَرُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ الَّذِي كَانَ الْعَبْدُ فِي يَدِهِ وَطَلَبَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَسْتَحْلِفُ لَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ بِدَعْوَى الْغَصْبِ عَلَيْهِ يَدَّعِي ضَمَانَ الْقِيمَةِ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ، فَإِذَا أَنْكَرَ اسْتَحْلَفَ لَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ مِلْكًا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ دَعْوَى الْعَيْنِ فَلَا تَصِحُّ إلَّا عَلَى مَنْ فِي يَدِهِ وَالْعَيْنُ لَيْسَتْ فِي يَدِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ، فَأَمَّا دَعْوَى الْغَصْبِ فَدَعْوَى الْفِعْلِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ، وَهُوَ صَحِيحٌ سَوَاءٌ كَانَ الْعَبْدُ فِي يَدِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ فِعْلًا مُوجِبًا لِلضَّمَانِ فَإِنَّ الْمُودِعَ وَالْمُسْتَعِيرَ بِالتَّسَلُّمِ يَصِيرُ ضَامِنًا إلَى رَدِّ الْمِلْكِ وَجَمِيعُ أَصْنَافِ الْمِلْكِ فِي هَذَا سَوَاءٌ مَا خَلَا الْعَقَارَ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا لِلثَّانِي فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ الْآخَرِ وَلَا يَمِينَ لَهُ عَلَيْهِ، وَفِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يُتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ وَيَصِيرُ ضَامِنًا إذَا لَمْ يَحْلِفْ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ غَصْبِ الْعَقَارِ وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ.
رَجُلٌ مَاتَ وَتَرَكَ ابْنًا، وَفِي يَدِهِ عَبْدٌ فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ اسْتَوْدَعَ الْعَبْدَ أَبَاهُ فَإِنَّ الِابْنَ يَسْتَحْلِفُ لَهُ عَلَى عِلْمِهِ لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَ الْمُوَرِّثِ فَجُحُودُهُ الْوَدِيعَةَ كَجُحُودِ الْمُوَرِّثِ، وَلَوْ أَقَرَّ بِهِ أُمِرَ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ، فَإِذَا أَنْكَرَ يَسْتَحْلِفُ عَلَيْهِ غَيْرَ أَنَّ هَذَا اسْتِحْلَافٌ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ فَيَكُونُ عَلَى الْعِلْمِ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ دَفَعَ الْعَبْدُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بِالنُّكُولِ صَارَ بَاذِلًا أَوْ مُقِرًّا، فَإِنْ ادَّعَى آخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَحْلِفْ لَهُ الِابْنُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لِلثَّانِي لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ فَكَيْفَ يَسْتَحْلِفُ عِنْدَ جُحُودِهِ، وَإِنَّمَا لَا يَصِيرُ ضَامِنًا شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ لَمْ يُبَاشِرْهَا هُوَ حَتَّى يَكُونَ مُلْتَزِمًا حِفْظَهَا بِعَقْدِهِ، ثُمَّ بِالنُّكُولِ لَا يَكُونُ تَارِكًا لِلْحِفْظِ بَلْ هُوَ رَجُلٌ امْتَنَعَ مِنْ الْيَمِينِ وَأَمَرَهُ الْقَاضِي بِتَسْلِيمِ مَا فِي يَدِهِ عِنْدَ ذَلِكَ فَلَا يَصِيرُ ضَامِنًا شَيْئًا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ يَدَّعِي عَلَيْهِ أَنَّهُ أَوْدَعَهُ إيَّاهُ فَإِنَّ هُنَاكَ لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ الضَّمَانُ بِسَبَبِ تَرْكِ الْحِفْظِ الَّذِي الْتَزَمَهُ بِالْعَقْدِ حِينَ أَقَرَّ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَحْلِفُ لِلْأَوَّلِ، وَهَذَا يَكُونُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَيْضًا فَإِنَّهُ يَصِيرُ ضَامِنًا لِلثَّانِي، فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَلَا يَصِيرُ ضَامِنًا لِلثَّانِي، وَإِنْ كَانَ يَدَّعِي عَلَيْهِ الْإِيدَاعَ إذَا كَانَ الدَّفْعُ حَصَلَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ مَا ادَّعَى عَلَى الْأَبِ مِنْ غَصْبٍ أَوْ عَارِيَّةٍ فَلَا ضَمَانَ لِلثَّانِي عَلَى الِابْنِ لِمَا بَيَّنَّا، وَتَأْوِيلُ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ الِابْنِ شَيْءٌ مِنْ التَّرِكَةِ سِوَى مَا قَضَى بِهِ لِلْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ اسْتَحْلَفَ لِلثَّانِي، وَإِذَا أَبَى الْيَمِينَ صَارَ مُقِرًّا بِالدَّيْنِ عَلَى أَبِيهِ لِلثَّانِي فِي الْغَصْبِ بِلَا شُبْهَةٍ، وَفِي الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ بِمَوْتِهِ مُجَهِّلًا وَصَارَ مُتَمَلِّكًا غَاصِبًا فَيُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ التَّرِكَةِ.
(قَالَ) وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ وَالتَّاجِرُ وَالْمُكَاتَبُ وَالصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ الصَّبِيَّ الْمَأْذُونَ يُسْتَحْلَفُ فِي الدَّعْوَى؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ حَقُّ الْمُدَّعِي، وَفِي حُقُوقِ الْعِبَادِ الصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ كَالْبَالِغِ، وَهَذَا لَا يُسْتَحْلَف لِرَجَاءِ النُّكُولِ الَّذِي هُوَ قَائِمٌ مَقَامَ الْإِقْرَارِ فَكُلُّ مَنْ كَانَ إقْرَارُهُ صَحِيحًا يُسْتَحْلَفُ إذَا جَاءَ نُكُولُهُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ النُّكُولُ بِمَنْزِلَةِ الْبَدَلِ وَالْبَذْلُ الْمُقَيَّدُ صَحِيحٌ مِنْ الْمَمْلُوكِ وَالصَّبِيِّ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ، ثُمَّ قَالَ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي أَنَا أَحْلِفُ يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ لِأَنَّ النُّكُولَ فِي نَفْسِهِ مُحْتَمَلٌ، فَقَدْ يَكُونُ لِلتَّوَرُّعِ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ، وَقَدْ يَكُونُ لِلتَّرَفُّعِ عَنْ الْيَمِينِ الصَّادِقَةِ فَلَا يُوجَبُ بِهِ مَا لَمْ يَقْضِ شَيْئًا الْقَاضِي وَيَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ كَالشَّهَادَةِ، فَأَمَّا بَعْدَ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ إذَا قَالَ: أَحْلِفُ لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ لَزِمَهُ بِالْقَضَاءِ وَتَعَيَّنَ حَقُّهُ بِالْإِقْرَارِ فِي نُكُولِهِ بِالْقَضَاءِ فَلَا رُجُوعَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَإِذَا اسْتَمْهَلَ الْقَاضِي ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَقَلَّ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُمْهِلَهُ، وَإِنْ طَلَبَ النَّظْرَةَ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى التَّأَمُّلِ فِي حِسَابِهِ وَمُعَامَلَتِهِ مَعَ الْمُدَّعِي فَيَنْبَغِي أَنْ يُمْهِلَهُ، وَإِنْ فَعَلَ وَأَمْضَى عَلَيْهِ الْحُكْمَ جَازَ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْقَضَاءِ، وَهُوَ امْتِنَاعُهُ عَنْ الْيَمِينِ قَدْ تَقَرَّرَ وَقَضَاءُ الْقَاضِي بَعْدَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ نَافِذٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

.بَابُ الْإِقْرَارِ فِي الْعُرُوضِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ:

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ (رَجُلَانِ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِبَيْتٍ بِعَيْنِهِ مِنْهَا لِرَجُلٍ وَأَنْكَرَ صَاحِبُهُ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ فِي الْحَالِ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ) قَالَ: يَجُوزُ إقْرَارُهُ وَيَكُونُ نِصْفُ الْبَيْتِ لِلْمُقَرِّ لَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ الدَّارِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَإِقْرَارُهُ فِي نِصْفِ الْبَيْتِ لَا فِي مِلْكِ نَفْسِهِ فَيَكُونُ صَحِيحًا وَشَرِيكُهُ، وَإِنْ كَانَ يَتَصَوَّرُ عِنْدَ الْقِسْمَةِ بِتَفَرُّقِ مِلْكِهِ، وَلَكِنَّ هَذَا الضَّرَرَ لَا يَلْحَقُهُ بِالْإِقْرَارِ إنَّمَا يَلْحَقُهُ بِالْقِسْمَةِ مَعَ إقْرَارِ الْمُقِرِّ فِي مِلْكِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَإِنْ أَدَّى إلَى الْإِضْرَارِ بِالْغَيْرِ فِي الْبَاقِي كَالرَّاهِنِ يُقِرُّ بِالْمَرْهُونِ لِإِنْسَانٍ فَيُعْتِقُهُ الْمُقَرُّ لَهُ وَالْإِقْرَارُ مِنْهُ كَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ وَإِعْتَاقُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ الْعَبْدَ صَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَ يَتَضَرَّرُ بِهِ شَرِيكُهُ فَكَذَلِكَ هُنَا.
وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّا لَوْ صَحَحْنَا الْإِقْرَارَ فِي الْحَالِ تَضَرَّرَ بِهِ الشَّرِيكُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى قِسْمَتَيْنِ قِسْمَةُ الْبَيْتِ مَعَ الْمُقَرِّ لَهُ وَقِسْمَةُ بَقِيَّةِ الدَّارِ مَعَ الْمُقِرِّ فَيَتَفَرَّقُ عَلَيْهِ مِلْكُهُ، وَهَذَا الضَّرَرُ يَلْحَقُهُ مِنْ جِهَةِ الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِالْقِسْمَةِ بِسَبَبِ الْمِلْكِ الثَّابِتِ بِالْإِقْرَارِ فَمَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ مِنْ الضَّرَرِ يُضَافُ إلَى أَوَّلِ السَّبَبِ وَإِقْرَارُ الْمُقِرِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي الْأَمْرِ بِالْغَيْرِ، وَلَكِنْ الْمُقَرُّ لَهُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ فِي النِّصْفِ الَّذِي هُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ إنَّمَا لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ شَرِيكِهِ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ، وَفِي النِّصْفِ الْآخَرِ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا لِعَدَمِ مِلْكِهِ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ وَمَنْ أَقَرَّ بِمَا لَا يَمْلِكُ، ثُمَّ مَلَكَهُ يُؤْمَرُ بِتَسْلِيمِهِ وَيَصِيرُ كَالْمُجَدِّدِ لِلْإِقْرَارِ بَعْدَ الْمِلْكِ، وَإِنْ وَقَعَ الْبَيْتِ فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ فَنَصِيبُ الْمُقِرِّ يُقَسَّمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُقِرِّ لَهُ وَيَضْرِبُ الْمُقَرُّ لَهُ فِيهِ بِذُرْعَانِ جَمِيعِ الْبَيْتِ وَالْمُقِرُّ بِذُرْعَانِ نِصْفِ الدَّارِ سِوَى الْبَيْتِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَضْرِبُ لَهُ بِذُرْعَانِ نِصْفِ الْبَيْتِ وَالْمُقِرُّ بِذُرْعَانِ نِصْفِ الدَّارِ سِوَى نِصْفِ الْبَيْتِ حَتَّى إذَا كَانَتْ الدَّارُ مِائَةَ ذِرَاعٍ وَالْبَيْتُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْمُقَرُّ لَهُ يَضْرِبُ بِعَشَرَةِ أَذْرُعٍ وَالْمُقِرُّ بِخَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ ذِرَاعًا فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَحَدِ عَشَرَ سَهْمًا سَهْمَانِ لِلْمُقَرِّ لَهُ وَتِسْعَةٌ لِلْمُقِرِّ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَضْرِبُ الْمُقَرُّ لَهُ بِخَمْسَةِ أَذْرُعٍ وَالْمُقِرُّ بِخَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ ذِرَاعًا فَيَكُونُ لِلْمُقَرِّ لَهُ عُشْرُ نَصِيبِ الْمُقِرِّ.
وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ إقْرَارَهُ فِي نِصْفِ الْبَيْتِ صَادَفَ نَصِيبَ الشَّرِيكِ، وَلَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ حِينَ وَقَعَ الْبَيْتُ بِالْقِسْمَةِ فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ فَلَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ إلَّا بِقَدْرِ مِلْكِهِ، وَذَلِكَ نِصْفُ الْبَيْتِ، ثُمَّ الْقِسْمَةُ إذَا وَقَعَ هَذَا النِّصْفُ فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ فَعِوَضُهُ وَقَعَ فِي نَصِيبِ الْمُقِرِّ وَالْمُقَرُّ بِهِ إذَا أَخْلَفَ عِوَضًا يَثْبُتُ حَقُّ الْمُقَرُّ لَهُ فِي ذَلِكَ الْعِوَضِ فَلِهَذَا ضَرَبَ بِنَصِيبِهِ بِذُرْعَانِ نِصْفِ الْبَيْتِ وَالْمُقِرُّ بِجَمِيعِ حَقِّهِ، وَهُوَ ذُرْعَانُ نِصْفِ الدَّارِ سِوَى الْبَيْتِ بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَعَ الْبَيْتُ فِي نَصِيبِ الْمُقِرِّ لِأَنَّ إقْرَارَهُ فِي الْكُلِّ قَدْ صَحَّ بِاعْتِبَارِ تَعَيُّنِ مِلْكِهِ فِي جَمِيعِ الْبَيْتِ فَيَأْخُذُهُ الْمُقَرُّ لَهُ.
وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الْقِسْمَةَ فِي الْعَقَارِ فِيهَا مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ وَلِهَذَا لَا يَنْفَرِدُ بِهِ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ، وَلَوْ اشْتَرَيَا دَارًا وَاقْتَسَمَاهَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَبِيعَ نَصِيبَهُ مُرَابَحَةً فَالْبَيْتُ، وَإِنْ وَقَعَ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ فَعِوَضُهُ وَقَعَ فِي نَصِيبِ الْمُقِرِّ.
وَحُكْمُ الْعِوَضِ حُكْمُ الْأَصْلِ فِيمَا أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ الْبَيْتُ فِي نَصِيبِهِ أُمِرَ بِتَسْلِيمِ كُلِّهِ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ فَكَذَلِكَ إنْ وَقَعَ عِوَضُهُ فِي نَصِيبِهِ يَثْبُتُ الْحَقُّ لِلْمُقَرِّ لَهُ فِي جَمِيعِهِ فَلِهَذَا ضُرِبَ بِذُرْعَانِ جَمِيعِ الْبَيْتِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْإِقْرَارَ الْحَاصِلَ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ كَمَا يَصِحُّ بِمِلْكِهِ يَصِحُّ فِي عِوَضِهِ الَّذِي هُوَ قَائِمٌ مَقَامَهُ، وَلِأَنَّ فِي زَعْمِ الْمُقِرِّ أَنَّ الشَّرِيكَ ظَالِمٌ بِجُحُودِهِ حَقَّ الْمُقَرِّ لَهُ فِي الْبَيْتِ فَيُجْعَلُ الشَّرِيكُ مَعَ مَا أَخَذَ فِي حَقِّهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ ضَرَرَ ظُلْمِهِ لَا يَكُونُ عَلَى أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ دُونَ الْآخَرِ فَيَبْقَى حَقُّ الْمُقَرِّ لَهُ بِزَعْمِ الْمُقِرِّ فِي ذُرْعَانِ الْبَيْتِ وَحَقُّ الْمُقِرِّ فِي ذُرْعَانِ نِصْفِ الدَّارِ سِوَى الْبَيْتِ فَيَضْرِبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِجَمِيعِ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي الدَّارِ بِطَرِيقٍ لِرَجُلٍ أَوْ بِحَائِطٍ مَعْلُومٍ أَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ فِي الْبُنْيَانِ وَالْأَرْضِ فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْبَيْتِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ أَوْصَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي الدَّارِ بِبَيْتٍ مِنْهَا لِإِنْسَانٍ، ثُمَّ مَاتَ فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ هَذَا وَجَوَابُهُ فِي الْوَصِيَّةِ وَالْإِقْرَارِ وَاحِدٌ إلَّا فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَا إذَا اقْتَسَمَا فَوَقَعَ الْبَيْتُ فِي نَصِيبِ الْوَرَثَةِ لِلْمُوصَى لَهُ هُنَا نِصْفُ الْبَيْتِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ فَإِنَّ الْمُقَرَّ لَهُ هُنَاكَ أَخَذَ جَمِيعَ الْبَيْتِ؛ لِأَنَّ وَصِيَّةَ الْمُوصِي فِي نِصْفِ الْبَيْتِ صَادَفَتْ مِلْكَهُ، وَفِي نِصْفِهِ صَادَفَتْ نَصِيبَ شَرِيكِهِ.
وَمَنْ أَوْصَى بِعَيْنٍ لَا يَمْلِكُهَا، ثُمَّ مَلَكَهَا لَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ فِيهَا فَلِهَذَا أُمِرَ الْوَرَثَةُ بِتَسْلِيمِ نِصْفِ الْبَيْتِ إلَى الْمُوصَى لَهُ، وَفِي الْإِقْرَارِ أَقَرَّ بِمَا لَا يَمْلِكُ، ثُمَّ مَلَكَهُ يُؤْمَرُ بِتَسْلِيمِهِ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ فَلِهَذَا أَخَذَ الْمُقَرُّ لَهُ جَمِيعَ الْبَيْتِ، وَفِيمَا سِوَى هَذَا مَسْأَلَةُ الْوَصِيَّةِ وَالْإِقْرَارِ سَوَاءٌ فِيمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ.
وَإِذَا كَانَ حَمَّامٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْبَيْتَ الْأَوْسَطَ مِنْهُ لِرَجُلٍ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِشَرِيكِهِ بِأَنْ كَانَ لَا يُقَسَّمُ فِي الْحَالِ، فَإِذَا انْهَدَمَ الْحَمَّامُ يُحْتَمَلُ الْفُرْصَةُ فَلَوْ صَحَحْنَا إقْرَارَ الْمُقِرِّ تَضَرَّرَ بِهِ الشَّرِيكُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى قِسْمَيْنِ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ الْإِقْرَارُ هُنَا فَلِلْمُقَرِّ لَهُ أَنْ يَضْمَنَ نِصْفَ قِيمَةِ الْبَيْتِ؛ لِأَنَّ تَصْحِيحَ الْإِقْرَارِ بِالْقِسْمَةِ هُنَا غَيْرُ مُمْكِنٍ فَإِنَّ الْحَمَّامَ لَا يُقَسَّمُ؛ لِأَنَّ الْجَبْرَ عَلَى الْقِسْمَةِ لِتَحْصِيلِ الْمَنْفَعَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَفِي قِسْمَةِ الْحَمَّامِ تَعْطِيلُ الْمَنْفَعَةِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُحْتَمِلًا لِلْقِسْمَةِ بَقِيَ نِصْفُ الْحَمَّامِ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي زَعْمِ الْمُقِرِّ أَنَّ الْبَيْتَ الْأَوْسَطَ لِلْمُقِرِّ احْتَبَسَ نِصْفَهُ فِي يَدِهِ وَنِصْفَهُ فِي يَدِ شَرِيكِهِ فَيَكُونُ ضَامِنًا لِمَا احْتَبَسَ مِنْهُ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْغَيْرِ إذَا احْتَبَسَ مِنْهُ فِي يَدِهِ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ رَدُّهُ لَا يَكُونُ مَجَّانًا بَلْ يَكُون مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ، وَلَوْ أَقَرَّ لَهُ بِنِصْفِ الْحَمَّامِ أَوْ بِثُلُثِهِ كَانَ إقْرَارُهُ جَائِزًا؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى شَرِيكِهِ فِي إقْرَارِ الْمُقِرِّ بِجُزْءٍ شَائِعٍ لِلْمُقَرِّ لَهُ لَا فِي الْحَالِ وَلَا فِي الْمَالِ.
وَلَوْ كَانَ عِدْلٌ زُطِّيٌّ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِثَوْبٍ مِنْهُ بِعَيْنِهِ لِرَجُلٍ كَانَ نَصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ لِلْمُقَرِّ لَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ ثَوْبٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا فَإِقْرَارُهُ فِي نَصِيبِ الثَّوْبِ الَّذِي عَيَّنَهُ صَادَفَ مِلْكَهُ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى شَرِيكِهِ فَصَحَّ بِخِلَافِ الدَّارِ الْوَاحِدَةِ؛ لِأَنَّ الْمَرَافِقَ هُنَاكَ مُتَّصِلَةٌ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ فَفِي تَصْحِيحِ الْإِقْرَارِ إضْرَارٌ بِالشَّرِيكِ، وَهُنَا بَعْضُ الثِّيَابِ غَيْرُ مُتَّصِلَةٍ بِالْبَعْضِ، وَلَيْسَ فِي تَصْحِيحِ الْإِقْرَارِ إضْرَارٌ بِالشَّرِيكِ إذْ لَا فَرْقَ فِي حَقِّهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ شَرِيكُهُ فِي هَذَا الثَّوْبِ الْمُقِرِّ أَوْ الْمُقَرُّ لَهُ، وَالرَّقِيقُ وَالْحَيَوَانُ قِيَاسٌ عَلَى الثِّيَابِ فِي ذَلِكَ.
وَلَوْ كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِبَيْتٍ بِعَيْنِهِ لِرَجُلٍ وَأَنْكَرَ شَرِيكُهُ وَأَقَرَّ بِبَيْتٍ لِآخَرَ وَأَنْكَرَ صَاحِبُهُ ذَلِكَ فَالدَّارُ تُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَإِنْ وَقَعَ الْبَيْتُ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ فِي نَصِيبِهِ يُسَلِّمُهُ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ فِي نَصِيبِهِ قُسِّمَ مَا أَصَابَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُقَرِّ لَهُ عَلَى الْبَيْتِ، وَعَلَى نِصْفِ مَا بَقِيَ مِنْ الدَّارِ بَعْدَ الْبَيْتِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ قِسْمَةِ نَصِيبِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُقَرِّ لَهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي إقْرَارِ أَحَدِهِمَا بِهِ.
وَلَوْ أَنَّ طَرِيقًا لِقَوْمٍ عَلَيْهَا بَابٌ مَنْصُوبٌ أَقَرَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِطَرِيقٍ فِيهِ لِرَجُلٍ لَمْ يَجُرْ إقْرَارُهُ عَلَى شُرَكَائِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُقَرِّ لَهُ أَنْ يَمُرَّ فِيهِ حَتَّى يَقْتَسِمُوهَا؛ لِأَنَّ مُرُورَهُ فِي نَصِيبِ الْمُقِرِّ لَا يَتَحَقَّقُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، فَإِنْ وَقَعَ مَوْضِعُ الطَّرِيقِ بِالْقِسْمَةِ فِي نَصِيبِ الْمُقِرِّ جَازَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الضَّرَرَ قَدْ انْدَفَعَ عَنْ شُرَكَائِهِ، وَإِنْ وَقَعَ فِي نَصِيبِ غَيْرِهِ كَانَ لِلْمُقَرِّ لَهُ أَنْ يُقَاسِمَ الْمُقَرَّ بِهِ نَصِيبَهُ بِحِصَّةِ ذَلِكَ الطَّرِيقِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الْبَيْتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ مَسْأَلَةِ الطَّرِيقِ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى وَأَعَادَهَا هُنَا لِلْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّهْرِ إذَا كَانَ بَيْنَ قَوْمٍ وَأَقَرَّ أَحَدُهُمْ بِشُرْبٍ فِيهِ لِرَجُلٍ لَمْ يُجَرْ عَلَى شُرَكَائِهِ لِمَا قُلْنَا، فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَأَقَرَّ أَحَدُهُمْ أَنَّ عُشْرَ النَّهْرِ لِهَذَا الرَّجُلِ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي حِصَّتِهِ فَكَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُقَرِّ لَهُ عَلَى مِقْدَارِ نَصِيبِهِ، وَعَلَى عَشَرَةٍ، وَلَوْ قَالَ: لَهُ عُشْرُ الطَّرِيقِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُقَرِّ لَهُ أَنْ يَمُرَّ فِيهِ؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ لَا تُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ، وَعِنْدَ الْمُرُورِ فِي النَّهْرِ يَتَحَاصُّونَ فِيهِ بِقَدْرِ شُرْبِهِمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ قِسْمَةً بَيْنَهُمْ فِي الْمَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ}، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} فَيُمْكِنُ إدْخَالُ الْمُقِرِّ مَعَ الْمُقَرِّ لَهُ فِي نَصِيبِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى شُرَكَائِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ عَيْنٌ أَوْ رُكِيٌّ بَيْنَ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ أَحَدُهُمْ أَقَرَّ أَنَّ عُشْرَهَا لِرَجُلٍ دَخَلَ الْمُقِرُّ فِي حِصَّتِهِ، فَإِنْ قَالَ الْمُقِرُّ: لَهُ الْعُشْرُ وَلِي الثُّلُثُ فَحِصَّتُهُ تَكُونُ مَقْسُومَةً عَلَى ذَلِكَ يَضْرِبُ الْمُقَرُّ لَهُ فِيهِ بِسَهْمٍ وَالْمُقِرُّ بِثَلَاثَةٍ وَثُلُثٍ، فَإِذَا أَرَدْتَ تَصْحِيحَ السِّهَامِ فَالْقِسْمَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ سَهْمًا لِلْمُقَرِّ لَهُ ثَلَاثَةٌ وَلِلْمُقِرِّ عَشَرَةٌ، وَإِنْ قَالَ: لَهُ الْعُشْرُ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا فَقِسْمَةُ نَصِيبِهِ بَيْنَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةٍ لِلْمُقَرِّ لَهُ سَهْمٌ وَلِلْمُقَرِّ ثَلَاثَةٌ.
وَلَوْ أَنَّ سَيْفًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ حِلْيَتُهُ فِضَّةٌ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا أَنَّ حِلْيَتَهُ لِرَجُلٍ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلَى شَرِيكِهِ وَضَمِنَ الْمُقِرُّ لِلْمُقَرِّ لَهُ نِصْفَ قِيمَةِ الْحِلْيَةِ مَصُوغَةً مِنْ الذَّهَبِ أَوْ مَا كَانَتْ؛ لِأَنَّ تَصْحِيحَ الْإِقْرَارِ بِالْقِسْمَةِ غَيْرُ مُمْكِنِ، وَفِي زَعْمِ الْمُقِرِّ أَنَّ الْحِلْيَةَ لِلْمُقَرِّ لَهُ اُحْتُبِسَ نِصْفُهَا فِي يَدِ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيَكُونُ هُوَ ضَامِنًا لِمَا احْتَبَسَ عِنْدَهُ مِنْ مِلْكِ الْمُقَرِّ لَهُ، وَإِنَّمَا ضَمِنَ قِيمَتَهُ مِنْ الذَّهَبِ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الرِّبَا.
وَكَذَلِكَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي الدَّارِ إذَا أَقَرَّ بِجِذْعٍ فِي سَقْفٍ مِنْهَا لِرَجُلٍ ضَمِنَ نِصْفَ قِيمَةِ الْجِذْعِ لِلْمُقَرِّ لَهُ لِاحْتِبَاسِ هَذَا النِّصْفِ فِي يَدِهِ مِنْ مِلْكِ الْمُقَرِّ لَهُ بِزَعْمِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ بِآجُرٍّ فِي حَائِطٍ مِنْهَا أَوْ بِعُودٍ مِنْ قُبَّةٍ أَوْ بِلَوْحٍ مِنْ بَابٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ؛ لِأَنَّ تَصْحِيحَ الْإِقْرَارِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ بِالْقِسْمَةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَإِنَّ الْمُقَرَّ بِهِ، وَإِنْ وَقَعَ فِي نَصِيبِ الْمُقِرِّ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ لِمَا فِي نَزْعِهِ مِنْ الضَّرَرِ.
وَلَوْ كَانَتْ دَارٌ لِرَجُلَيْنِ بَاعَ أَحَدُهُمَا نِصْفَ بَيْتٍ مِنْهَا بِعَيْنِهِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: إنَّ بَيْعَهُ صَادَفَ مِلْكَهُ وَتَسْلِيمُهُ بِالتَّخْلِيَةِ مُمْكِنٌ فَكَانَ بَيْعُهُ صَحِيحًا.
وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَوْ جَازَ بَيْعُهُ لِنِصْفِ الْبَيْتِ لَتَضَرَّرَ بِهِ شَرِيكُهُ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى قِسْمَتَيْنِ قِسْمَةٌ مَعَ الْمُشْتَرِي فِي الْبَيْتِ وَقِسْمَةٌ مَعَ الشَّرِيكِ فِي بَقِيَّةِ الدَّارِ فَيَتَضَرَّرُ بِتَفَرُّقِ مِلْكِهِ، وَالْبَيْعُ إذَا وَقَعَ عَلَى وَجْهٍ يَتَضَرَّرُ بِهِ الْبَائِعُ لَمْ يَجُزْ، فَإِذَا وَقَعَ عَلَى وَجْهٍ يَتَضَرَّرُ بِهِ شَرِيكُهُ أَوْلَى.
رَجُلٌ قَالَ لِآخَرَ: لَكَ عَلَيَّ أَوْ عَلَى مُكَاتَبِي فُلَانٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ فِي حَقِّهِ كَالْحُرِّ لَا يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَكَ عَلَيَّ أَوْ عَلَى فُلَانٍ الْحُرِّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَفِي هَذَا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِأَنَّ حَرْفَ أَوْ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ عَمَلُهُ فِي إثْبَاتِ أَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ فَلَا يَكُونُ مُلْتَزِمًا لِلْمَالِ بِهَذَا الْإِقْرَارِ حِينَ جَعَلَهُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، فَإِنْ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ، فَقَدْ ازْدَادَ بُعْدًا مِنْ مَوْلَاهُ فَيَكُونُ الْإِقْرَارُ بَاطِلًا، وَإِنْ عَجَزَ وَرُدَّ فِي الرِّقِّ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ فَالْإِقْرَارُ جَائِزٌ كَمَا لَوْ جَدَّدَهُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي رَقَبَتِهِ خَلَصَ لَهُ.
وَلَوْ اسْتَأْنَفَ الْإِقْرَارَ، فَقَالَ: لَكَ عَلَيَّ أَوْ عَلَى عَبْدِي هَذَا أَلْفُ دِرْهَمٍ وَلَا دَيْنَ عَلَى الْعَبْدِ يَصِحُّ إقْرَارُهُ وَتَخَيَّرَ بَيْنَ أَنْ يُلْزِمَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ عَبْدِهِ لِأَنَّ كَلَامَهُ الْآنَ صَارَ الْتِزَامًا بِيَقِينٍ فَإِنَّ الدَّيْنَ لَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ بَلْ يَكُونُ شَاغِلًا مَالِيَّةَ رَقَبَتِهِ، وَذَلِكَ خَالِصُ حَقِّ الْمَوْلَى بِمَنْزِلَةِ ذِمَّةِ نَفْسِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ عَلَى عَبْدِهِ صَحَّ الْإِقْرَارُ، وَلَوْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ صَحَّ أَيْضًا، فَإِذَا جَعَلَ إقْرَارَهُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَهُمَا كَانَ صَحِيحًا وَبِهِ فَارَقَ حَالَ قِيَامِ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُ لَوْ أَقَرَّ عَلَى مُكَاتَبِهِ خَاصَّةً لَمْ يَكُنْ الْإِقْرَارُ صَحِيحًا إلَّا أَنْ يَعْجِزَ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ الْإِقْرَارُ فَكَذَلِكَ إذَا جَعَلَهُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ.
وَلَوْ أَقَرَّ عَلَى عَبْدِهِ التَّاجِرِ بِدَيْنٍ وَالْعَبْدُ يَجْحَدُهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِقِيمَتِهِ فَإِقْرَارُهُ بَاطِلٌ لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ وَكَسْبَهُ حَقُّ غُرَمَائِهِ فَلَا يَمْلِكُ الْمَوْلَى إبْطَالَ حَقِّهِمْ وَلَا إثْبَاتَ مُزَاحِمٍ لَهُمْ بِقَوْلِهِ كَالْمَرْهُونِ لَمَّا صَارَ حَقًّا لِلْمُرْتَهِنِ لَا يَمْلِكُ الرَّاهِنُ إبْطَالَ حَقِّهِ وَإِثْبَاتَ مُزَاحِمٍ لَهُ بِإِقْرَارِهِ وَصِحَّةُ إقْرَارِ الْمَوْلَى عَلَى عَبْدِهِ بِاعْتِبَارِ مَالِيَّتِهِ دُونَ ذِمَّتِهِ فَإِنَّهُ فِي حَقِّ الذِّمَّةِ مُبْقًى عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ، فَإِنْ بِيعَ الْعَبْدُ لِغُرَمَائِهِ فِي دَيْنِهِمْ لَمْ يَلْزَمْهُ الدَّيْنُ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ الْمَوْلَى.
وَكَذَلِكَ إنْ عَتَقَ؛ لِأَنَّهُ ازْدَادَ بُعْدًا عَنْ مَوْلَاهُ لِهَذِهِ الْأَسْبَابِ.
وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّ لِفُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ مَاتَ فُلَانٌ وَالْمُقِرُّ وَارِثُهُ وَتَرَكَ مَالًا فَالْإِقْرَارُ يَلْزَمُهُ إرْثًا كَانَ عَلَيْهِ وَإِرْثًا كَانَ فِي مَالِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَدَّدَ الْإِقْرَارَ فِي هَذِهِ الْحَالِ كَانَ مُلْتَزِمًا إيَّاهُ، وَهَذَا لِأَنَّ مُوجَبَ الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ يُوَجِّهُ الْمُطَالَبَةَ بِقَضَائِهِ مِنْ مَالِهِ، وَقَدْ صَارَ هُوَ الْمُطَالَبَ بِقَضَاءِ هَذَا الدَّيْنِ مِنْ مَالِهِ عَيْنًا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُرَادُهُ الْإِقْرَارَ عَلَى نَفْسِهِ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ الْإِقْرَارَ عَلَى مُوَرِّثِهِ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَتَرِكَةُ الْمُوَرِّثِ حَقُّ الْوَارِثِ فَلِهَذَا حَكَمَ بِصِحَّةِ إقْرَارِهِ وَجَعَلَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُقِرِّ فِي ذَلِكَ.
وَإِذَا أَقَرَّ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ مَاتَ فُلَانٌ وَالْمُقِرُّ وَارِثُهُ فَالدَّيْنُ فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَجَدَ الْإِقْرَارَ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ خَبَرٌ مُلْزِمٌ غَيْرُ مُحْتَمِلٍ لِلْفَسْخِ وَإِنَّ جِهَةَ الصِّدْقِ مَنْفِيَّةٌ فِيهِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ وَفَسْخُهُ فِي تَعَيُّنِ جِهَةِ الْكَذِبِ فِيهِ وَبَعْدَ مَا تَعَيَّنَتْ جِهَةُ الصِّدْقِ فِيهِ لَا يُتَصَوَّرُ تَعْيِينُ جِهَةِ الْكَذِبِ فِيهِ فَلِهَذَا جَعَلْنَاهُ كَمُجَدِّدِ الْإِقْرَارِ فِي هَذِهِ الْفُصُولِ بَعْدَ مَا خَلَصَ الْحَقُّ لَهُ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ فِي صِحَّتِهِ أَوْ فِي مَرَضِهِ فَدَيْنُهُ وَاجِبٌ فِي تَرِكَتِهِ مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّ صِحَّةَ إقْرَارِ الْوَارِثِ بِاعْتِبَارِ التَّرِكَةِ، وَذَلِكَ حِينَ يُخْلِصُ حَقًّا لَهُ وَمَا دَامَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ أَقَرَّ بِهِ فِي صِحَّتِهِ أَوْ فِي مَرَضِهِ فَلَا حَقَّ لِلْوَارِثِ فِي تَرِكَتِهِ فَتُجْعَلُ هَذِهِ الْحَالُ كَحَالِ حَيَاةِ الْمُوَرِّثِ.
لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ لَا بَلْ عَلَى فُلَانٍ لَزِمَ الْمُقِرَّ الْمَالُ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهَا بِإِقْرَارِهِ، ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ عَنْهُ وَإِلْزَامُ غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ لَا بَلْ عَلَى فُلَانٍ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ لَا بَلْ لِلِاسْتِدْرَاكِ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْأَوَّلِ وَإِقَامَةِ الثَّانِي مَقَامَ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الرُّجُوعِ وَلَا وِلَايَةُ إلْزَامِ الْمُقَرِّ بِهِ غَيْرَهُ فَيُلْغَى آخِرُ كَلَامِهِ وَيَبْقَى الْمَالُ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ أَوَّلِ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ مَا سَبَقَ فَإِنَّ حَرْفَ أَوْ لِلتَّشْكِيكِ فَلَا يَكُونُ مَعَ ذِكْرِهِ مُلْتَزِمًا لِلْمَالِ بِإِقْرَارِهِ.
دَار بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ فُلَانٍ وَأَقَرَّ الْآخَرُ أَنَّهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذَا الْمُقَرِّ لَهُ وَبَيْنَ آخَرَ أَرْبَاعًا فَإِنَّا نُسَمِّي الَّذِي أَقَرَّ لَهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ وَاَلَّذِي أَقَرَّ لَهُ أَحَدُهُمَا مَحْجُورًا وَاَلَّذِي أَقَرَّ لَهُمَا مُقِرًّا وَشَرِيكَهُ مُكَذِّبًا فَنَقُولُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَأْتِي الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ إلَى الْمُقِرِّ فَيَأْخُذُ مِنْهُ رُبْعَ مَا فِي يَدِهِ وَيَضُمُّهُ إلَى مَا فِي يَدِ الْمُكَذِّبِ فَيَقْسِمَانِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَمَا بَقِيَ فِي يَدِ الْمُقِرِّ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَجْحُودِ نِصْفَيْنِ فَيَحْتَاجُ إلَى حِسَابٍ يَنْقَسِمُ نِصْفَيْنِ، ثُمَّ رُبْعُ نِصْفِهِ يَنْقَسِمُ نِصْفَيْنِ وَأَقَلُّ ذَلِكَ سِتَّةَ عَشَرَ فَيَجْعَلُ سِهَامَ الدَّارِ سِتَّةَ عَشَرَ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَانِيَةٌ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْ الْمُقِرِّ رُبْعَ مَا فِي يَدِهِ سَهْمَيْنِ فَيَضُمُّهُ إلَى مَا فِي يَدِ الْمُكَذِّبِ، وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ فَيَصِيرُ عَشَرَةَ أَسْهُمٍ نِصْفَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَةٌ وَمَا بَقِيَ فِي يَدِ الْمُقِرِّ، وَهُوَ سِتَّةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَجْحُودِ نِصْفَيْنِ، قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ الَّذِي قَاسَهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ يَأْخُذُ مِنْ الْمُقِرِّ خُمُسَ مَا فِي يَدِهِ وَالْبَاقِي كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ مَا قَالَ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ رَجُلٌ مَاتَ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِابْنَيْنِ آخَرَيْنِ لِلْمَيِّتِ وَصَدَّقَهُ أَخُوهُ فِي أَحَدِهِمَا وَكَذَّبَهُ فِي الْآخَرِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ الَّذِي قَاسَهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَأْخُذُ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ مِنْ الْمُقِرِّ رُبْعَ مَا فِي يَدِهِ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ خُمُسُ مَا فِي يَدِهِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ يَقُولُ لِلْمُقِرِّ: قَدْ أَقْرَرْتَ بِأَنَّ الدَّارَ بَيْنَنَا أَرْبَاعًا فَلِي رُبْعُ كُلِّ نِصْفٍ مِنْ الدَّارِ، وَفِي يَدِكَ النِّصْفُ فَأَعْطِنِي رُبْعَ مَا فِي يَدِكَ لِإِقْرَارِكَ لِي بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ قَوْلِهِ نَعَمْ، فَإِذَا أَخَذَ مِنْهُ رُبْعَ مَا فِي يَدِهِ ضَمَّهُ إلَى مَا فِي يَدِ الْمُكَذِّبِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ: قَدْ أَقْرَرْتَ بِأَنَّ حَقَّنَا فِي الدَّارِ عَلَى السَّوَاءِ، وَإِقْرَارُهُ مُلْزِمٌ فِي حَقِّهِ.
وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْمُقِرَّ يَقُولُ لِلْمُتَّفِقِ عَلَيْهِ: أَنَا قَدْ أَقْرَرْتُ بِأَنَّ حَقِّي فِي سَهْمٍ وَحَقَّ الْجُحُودِ فِي سَهْمٍ وَحَقَّكَ فِي سَهْمٍ، وَلَكِنَّ السَّهْمَ الَّذِي هُوَ حَقُّكَ نِصْفُهُ فِي يَدِي وَنِصْفُهُ فِي يَدِ شَرِيكِي، وَهُوَ مُقِرٌّ لَكَ بِذَلِكَ وَزِيَادَةٍ فَلَا يُضْرَبُ بِمَا فِي يَدِي إلَّا بِمَا أَقْرَرْتُ لَكَ بِهِ، وَذَلِكَ نِصْفُ سَهْمٍ فَأَنْتَ تَضْرِبُ بِمَا فِي يَدِي بِنِصْفِ سَهْمٍ وَأَنَا بِسَهْمٍ وَالْمَجْحُودُ بِسَهْمٍ فَلِهَذَا أَخَذَ مِنْهُ خُمُسَ مَا فِي يَدِهِ وَضَمَّهُ إلَى مَا فِي يَدِ الْمُكَذِّبِ فَاقْتَسَمَا نِصْفَيْنِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَنَّ حَقَّهُمَا فِي الدَّارِ سَوَاءٌ.
وَإِذَا تَنَازَعَ الرَّجُلَانِ فِي حَائِطٍ وَوَجْهُ الْبِنَاءِ إلَى أَحَدِهِمَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَتَحْكِيمُ وَجْهِ الْبِنَاءِ لَبْسٌ وَعِنْدَهُمَا الْحَائِطُ لِمَنْ إلَيْهِ وَجْهُ الْبِنَاءِ وَأَنْصَافُ اللَّبِنِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي كِتَابِ الدَّعْوَى فِي الْحَائِطِ وَالْحِصْنِ جَمِيعًا فَإِعَادَتُهُ هُنَا لِفُرُوعٍ ذَكَرْنَاهَا عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِجَاجِ لِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَالَ: قَدْ يَجْعَلُ الرَّجُلُ وَجْهَ الْحَائِطِ إلَى الطَّرِيقِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْحَائِطَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُ، وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُ جَانِبَيْ الْحَائِطِ مُجَصَّصًا فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى الْقَضَاءِ بِالْحَائِطِ لِمَنْ يَكُونُ جَانِبُهُ مُجَصَّصًا.
وَكَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ مِنْ الْحَائِطِ رَوَازِنُ أَوْ طَاقَاتٌ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا فَكَذَلِكَ وَجْهُ الْبِنَاءِ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَقُولَانِ فِي الْحِصْنِ وَالرَّوَازِنِ كَذَلِكَ، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْحَائِطُ مَبْنِيًّا بِطَاقَاتٍ فَالْحَائِطُ لِلَّذِي إلَيْهِ الطَّاقَاتُ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ الطَّاقَاتِ بِمَنْزِلَةِ وَجْهِ الْبِنَاءِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِي يَبْنِي الْحَائِطَ يَجْعَلُ الطَّاقَاتِ إلَى جَانِبِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْجَانِبَ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الطَّاقَاتُ يُبْنَى مُسْتَوِيًا، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْحَائِطُ مِنْ جَانِبِ نَفْسِهِ لَا مِنْ جَانِبِ جَارِهِ وَلِهَذَا جُعِلَ وَجْهُ الْبِنَاءِ حُكْمًا فَكَذَلِكَ الطَّاقَاتُ، وَقَالَ: وَإِنْ كَانَتْ الرَّوَازِنُ فِي الْبِنَاءِ مِنْ الْآجُرِّ فَهِيَ مِثْلُ الطَّاقَاتِ فَهَذَا اللَّفْظُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمَا إنَّمَا لَمْ يَعْتَبِرَا الرَّوَازِنَ الْمَوْجُودَةَ فِي الْحَائِطِ، فَقَدْ يَحْفِرُ ذَلِكَ صَاحِبُ الْحَائِطِ، وَقَدْ يَحْفِرُ جَارُهُ لِيَدْخُلَ فِيهِ الضَّوْءُ فَأَمَّا مَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ مَعَ الْحَائِطِ مِنْ الرَّوَازِنِ فَإِنَّهُ يُجْعَلُ حُكْمًا عِنْدَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الطَّاقَاتِ وَيُقْضَى بِالْحَائِطِ لِمَنْ إلَيْهِ اسْتِوَاءُ تِلْكَ الرَّوَازِنِ؛ لِأَنَّ الْبَانِيَ لِلْحَائِطِ يُرَاعِي الِاسْتِوَاءَ مِنْ جَانِبِ نَفْسِهِ لَا مِنْ جَانِبِ جَارِهِ، وَإِنْ كَانَ الْبَابُ فِي حَائِطٍ فَادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَغَلَقُ الْبَابَ إلَى أَحَدِهِمَا فَالْبَابُ وَالْحَائِطُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَفِي قَوْلِهِمَا الْحَائِطُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَالْبَابُ الَّذِي إلَيْهِ الْغَلَقُ اعْتَبَرَا فِيهِ الْعَادَةَ فَإِنَّ الَّذِي يُرَكِّبُ الْبَابَ عَلَى الْحَائِطِ يَجْعَلُ الْغَلَقَ فِي جَانِبِهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ اعْتَبَرَ الْقِيَاسَ أَنَّ الْغَلَقَ مُتَنَازِعٌ فِيهِ كَالْبَابِ وَالْعَادَةُ مُشْتَرَكَةٌ قَدْ يَجْعَلُ الْغَلَقَ إلَى جَانِبِهِ، وَقَدْ يَجْعَلُ إلَى جَانِبِ جَارِهِ فَكَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ غَلَقَانِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَاحِدٌ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الدَّعْوَى وَالشَّاهِدِ بِالْعَلَامَةِ، وَلَمَّا تَعَارَضَ الْغَلَقَانِ جُعِلَ كَأَنَّهُ لَا غَلَقَ عَلَى الْبَابِ فَيُقْضَى بِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ كَالْحَائِطِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.